مستمسك العروة

السيد محسن الحكيم ج 11

===============

( 1 )

ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن كريم مستمسك العروة الوثقى تأليف فقيه عصره آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره الجزء الحادي عشر

===============

( 2 )

منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - 1404 ه‍

===============

( 3 )

[ فصل في النيابة لا إشكال في صحة النيابة عن الميت في الحج الواجب والمندوب (1)، وعن الحي في المندوب مطلقا، وفي الواجب في بعض الصور. (مسألة 1): يشترط في النائب أمور: أحدها: البلوغ على المشهور، فلا يصح نيابة الصبي ] بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد والمجد فصل في النيابة (1) هذا من القطعيات التي اتفقت عليها الفتاوى والنصوص، وهي في الواجب كثيرة، تأتي الاشارة إلى بعضها في المسائل الآتية. وفي المندوب أيضا كثيرة، ففي صحيح محمد بن عيسى اليقطيني، قال: (بعث إلي أبو الحسن الرضا (ع) رزم ثياب، وغلمانا، وحجة لي وحجة لاخي موسى ابن عبيد، وحجة ليونس بن عبد الرحمن، وأمرنا أن نحج عنه، فكانت بيننا مائة دينار أثلاثا فيما بيننا) (* 1).


____________
(* 1) الوسائل باب: 34 من أبواب نيابة الحج حديث: 1.

===============

( 4 )

[ عندهم وإن كان مميزا (1). وهو الاحوط، لا لما قيل: من عدم صحة عباداته لكونها تمرينية (2)، ] (1) كما في كشف اللثام وغيره. وفي المدارك: (المعروف من مذهب الاصحاب: القول بالمنع...). (2) المراد من كونها تمرينية تارة: بمعنى أنها ليست موضوعا لامر شرعي، بناء على أن الامر بالامر ليس أمرا. وهو الذي يظهر من المحقق وغيره. وأخرى: بمعنى أنها مأمور بها بالامر الشرعي لان الامر بالامر أمر، لكن الغرض من الامر التمرين لا المصلحة الموجبة للامر المتوجه إلى البالغين. وهو الذي يظهر من الاكثر، واختاره في الجواهر. قال (ره): (والمختار صحة عمله لكن على وجه التمرين، لا على كيفية أمر المكلف بالنافلة مثلا، لاختصاص ذلك بالمكلفين. لان الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بأفعالهم، من غير فرق بين خطاب الوجوب والحرمة والندب والكراهة بل لا يبعد إلحاق خطاب الاباحة بها، وأن عدم مؤاخذة الصبي لارتفاع القلم عنه كالمجنون، لا لانه مخاطب بالخطاب الاباحي. نعم لما أمر الولي بأمره بالعبادة، وكان الظاهر من هذا الامر إرادة التمرين، كان هو أيضا مأمورا بما أمر به الولي من التمرين، وإن استحق عليه الثواب من هذه الجهة). أقول: الامر الشرعي المستفاد من الامر بالامر - كما استظهره (ره) - لابد أن يكون منشأ لحكم شرعي، ولا يخرج عن أحد الاحكام الخمسة فيكون فعله موضوعا له، فكيف يصح نفي كون فعله موضوعا لاحد الاحكام الخمسة؟! وكأنه تبع في ذلك كاشف اللثام حيث

===============

( 5 )

[ لان الاقوى كونها شرعية (1). ولا لعدم الوثوق به (2) لعدم الرادع له من جهة عدم تكليفه (3)، لانه أخص من ] قال: (لان التمرينية - وإن استحق عليها الثواب - ليست بواجبة ولا مندوبة، لاختصاصهما بالمكلف...). فإذا ما ذكراه لا يخلو من غموض. ثم إنه لو بني على كون عباداته تمرينية - بأي معنى من المعنيين فرض - لا مانع من صحة نيابته عن غيره - في الحج وغيره من العبادات المشروعة في حق المنوب عنه - لان النائب يتعبد بأمر المنوب عنه لا بأمره. ولذا تصح نيابة غير المستطيع عن المستطيع في حج الاسلام، ونيابة من أدى فريضة الظهر عن غيره في فريضته، وإن لم يكن حج الاسلام أو فريضة الظهر مشروعة في حقه. وسيأتي صحة نيابة العبد الذي لا يشرع له حج الاسلام، فابتناء صحة النيابة وعدمها على المشروعية والتمرينية في غير محله. (1) قد تقدمت الاشارة إلى وجهه في المباحث السابقة، وأن العمدة فيه: إطلاق أدلة الاحكام الشاملة للصبي وغيره. وحديث الرفع لا يصلح لتقييدها (* 1)، لاختصاصه برفع السيآت. فراجع مبحث إسلام الصبي من مباحث نجاسة الكافر، وغيره من المباحث. (2) ذكر ذلك في المدارك، وتبعه عليه غيره. ولا يخفى أن الكلام في الحكم الواقعي - وهو إجزاء نيابته واقعا - لا في الحكم الظاهري، وهو الاجتزاء بها ظاهرا. وبالجملة: الكلام في مقام الثبوت لا في مقام الاثبات. (3) من الواضح أنه لا يختص السبب الموجب للوثوق بالتكليف، فقد تكون بعض الامور النفسانية أقوى داعوية إلى الصدق من التكليف، فان الكمالات النفسانية التي تدعو إلى العمل الصحيح كثيرة. (* 1) تقدم التعرض له في صفحة: 13 من الجزء: 10 من هذه الطبعة.

===============

( 6 )

[ المدعى. بل لاصالة عدم فراغ ذمة المنوب عنه، بعد دعوى انصراف الادلة (1). خصوصا مع اشتمال جملة من الاخبار على لفظ الرجل (2). ولا فرق بين أن يكون حجة بالاجارة أو بالتبرع باذن الولي أو عدمه، وإن كان لا يبعد دعوى صحة نيابته في الحج المندوب باذن الولي (3) الثاني: العقل، فلا تصح نيابة المجنون الذي لا يتحقق منه القصد (4)، مطبقا كان جنونه، أو أدواريا في دور جنونه. ولا بأس بنيابة السفيه (5). ] (1) هذه الدعوى قد استوضح في الجواهر منعها. وهو في محله. (2) الاشتمال على ذلك لا يقتضي تقييد المطلق. ولاسيما بملاحظة ما ورد من جواز نيابة المرأة (* 1). (3) وفي المدارك: (ينبغى القطع بذلك). وكأن الوجه في الفرق بينه وبين الواجب: صحة الحج المندوب عن نفسه - بناء على شرعية عباداته - وعدم صحة الحج الواجب. وهذا الفرق - كما ترى - غير فارق، كما عرفت. (4) ينبغي عد ذلك من الضروريات، لان الحج عبادة، فلا تصح بدون القصد. والظاهر أن مرادهم بالقصد القصد الخاص بالعقل، لا مطلق القصد، فان المجنون ربما يتأتى منه القصد، لكنه غير معتد به عند العقلاء، فكما لا يوجب عقابا لا يوجب ثوابا. (5) لاطلاق الادلة. والحجر عليه في تصرفاته المالية لا يمنع من الاخذ بالاطلاق.


____________
(* 1) لاحظ الوسائل باب: 8 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1، 2، 5. وتاتي الاشارة إليها في المسألة: 5 من هذا الفصل.

===============

( 7 )

[ الثالث: الايمان (1)، لعدم صحة عمل غير المؤمن وإن كان معتقدا بوجوبه وحصل منه نية القربة. ودعوى: أن ذلك في العمل لنفسه دون غيره كما ترى (2). الرابع: العدالة، أو الوثوق بصحة عمله (3). وهذا ] (1) على ما ذهب إليه جماعة. وقيل: بعدم اعتباره وصحة نيابة المخالف. ولعله ظاهر الاكثر، حيث لم يتعرضوا لذكر الشرط المذكور، واقتصروا على اعتبار الاسلام. (2) دعوى بطلان الدعوى المذكورة ذكرها جماعة كثيرة، وبنوا عليها اعتبار إيمان النائب. والاشكال عليها ظاهر، لان بطلان عبادة المخالف إنما استفيدت من الاخبار، والظاهر منها العبادات الراجعة إلى نفسه فلا تشمل ما نحن فيه. نعم قد يستبدل عليه بما في رواية عمار، التي رواها ابن طاووس باسناده عن عمار بن موسى من كتاب أصله المروي عن الصادق (ع): (في الرجل يكون عليه صلاة أو صوم، هل يجوز أن يقضيه غير عارف؟ قال (ع): لا يقضيه إلا مسلم عارف) (* 1). بناء على جواز التعدي عن موردها إلى ما نحن فيه، كما هو غير بعيد. (3) هذا الشرط غير ظاهر، فان أصالة الصحة جارية ولو مع عدم الوثوق. نعم لابد من العلم بحصول العمل، إما بالوجدان، أو لقيام حجة عليه ومنها إخباره بالعمل. ثم إن المذكور في كلام جماعة: إعتبار العدالة، منهم صاحب المدارك لانه لا يقبل خبر غير العادل. وفيه: أن الظاهر من سيرة المتشرعة قبول خبر المستناب على عمل في أداء عمله، نظير إخبار ذي اليد عما في يده،


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب قضاء الصلوات حديث: 5.

===============

( 8 )

[ الشرط إنما يعتبر في جواز الاستنابة لا في صحة عمله (1). الخامس: معرفته بأفعال الحج وأحكامه (2) وإن كان بارشاد معلم حال كل عمل. السادس: عدم اشتغال ذمته بحج واجب عليه في ذلك العام (3)، فلا تصح نيابة من وجب عليه حجة الاسلام، أو النذر المضيق مع تمكنه من إتيانه. وأما مع عدم تمكنه - لعدم المال - فلا بأس. فلو حج عن غيره مع تمكنه من الحج لنفسه بطل على المشهور. لكن الاقوى أن هذا الشرط إنما هو لصحة الاستنابة والاجارة، وإلا فالحج وإن لم يستحق الاجرة (4) ] ونظير قاعدة: (من ملك شيئا ملك الاقرار به). ولا يعتبر في جميع ذلك العدالة، بل لا يبعد عدم اعتبار الوثوق بالصدق. نعم يعتبر أن لا تكون قرينة على اتهامه، كما تقدم في مبحث أحكام النجاسة والطهارة. فراجع، فان الجميع من باب واحد. (1) كما تقدم في الاشكال على بعض أدلة اعتبار البلوغ. (2) هذا الشرط مستدرك، لانه راجع إلى فعل المستأجر عليه، الذى هو موضوع الاجارة (3) تقدم الكلام في ذلك في المسألة العاشرة بعد المائة (* 1) من الفصل الاول. فراجع. (4) قد تقدمت الاشارة إلى الاشكال فيه، لان الاجير إنما يأتي بالحج بعنوان الوفاء بالاجارة الصحيحة، فإذا فرض بطلان الاجارة وانتفاء الوفاء


____________
(* 1) راجع صفحة: 280 من الجزء: 10 من هذه الصفحة.

===============

( 9 )

[ وتبرأ ذمة المنوب عنه على ما هو الاقوى: من عدم كون الامر بالشئ نهيا عن ضده. مع أن ذلك - على القول به، وايجابه للبطلان - إنما يتم مع العلم والعمد، وأما مع الجهل والغفلة فلا بل الظاهر صحة الاجارة أيضا على هذا التقدير، لان البطلان إنما هو من جهة عدم القدرة الشرعية على العمل المستأجر عليه حيث أن المانع الشرعي كالمانع العقلي، ومع الجهل أو الغفلة لا مانع، لانه قادر شرعا (1). ] بها فلا قصد للنيابة فيه، فلا يصح لانتفاء القصد إليه. وحينئذ لا يستحق الاجرة المسماة، لبطلان الاجارة، ولا أجرة المثل بقاعدة: (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)، لبطلان الحج ولا أجرة للباطل. وقد تقدم في المسألة الواحدة والثلاثين (* 1) من الفصل السابق: أن الوفاء ملحوظ قيدا على نحو وحدة المطلوب. اللهم إلا أن يكون في المقام بحكم تعدد المطلوب. فراجع: (1) القدرة الشرعية منتزعة من ترخيص الشارع، فإذا كان الفعل مرخصا فيه شرعا فهو مقدور شرعا. كما أن القدرة العقلية منتزعة من ترخيص العقل، فإذا كان الفعل مرخصا فيه عقلا فهو مقدور عقلا. وحينئذ يجتمعان - بأن يكون الفعل مرخصا فيه شرعا وعقلا - كما لو علم المكلف بجواز الفعل، فانه مرخص فيه شرعا وعقلا. وقد يكون الشئ مرخصا فيه شرعا غير مرخص فيه عقلا، كما لو اعتقد بحرمة شئ خطأ وكان جائزا شرعا، فان الترخيص الشرعي الواقعي يستتبع القدرة الشرعية. لكن القطع بالحرمة مانع من ترخيص العقل، فلا يكون مقدورا


____________
(* 1) راجع صفحة: 361 من الجزء: 10 من هذه الطبعة.

===============

( 10 )

[ (مسألة 2): لا يشترط في النائب الحرية، فتصح نيابة المملوك باذن مولاه (1)، ولا تصح استنابته بدونه (2)، ولو حج بدون إذنه بطل (3). ] عقلا، وقد ينعكس الامر، كما لو اعتقد جواز شئ هو حرام شرعا واقعا. وقد ينتفيان معا، كما لو اعتقد حرمة فعل هو حرام واقعا. وعلى هذا إذا كان المكلف جاهلا بوجوب الحج الاسلامي عليه، أو كان غافلا عن ذلك، فهو يعتقد جواز الحج النيابي شرعا خطأ، فيكون قادرا عقلا لا شرعا. مضافا إلى أن القدرة المعتبرة في صحة الاجارة القدرة على العمل المستأجر عليه عقلا لا شرعا. ولذا بني على بطلان الاجارة في الفرض إذا كان المكلف ملتفتا وإن لم نقل بأن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده، إذ القدرة - المنتفية في الفرض - القدرة العقلية لا الشرعية. وكأن المراد من قوله (ره) في المتن: (لانه قادرا شرعا) القدرة العقلية المستندة إلى الشارع، في مقابل القدرة العقلية التكوينية. نظير قولهم: (المانع الشرعي كالمانع العقلي). ومن هنا يحسن تقسيم القدرة إلى تكوينية وتشريعية، والتشريعية إلى عقلية وشرعية (1) بلا خلاف ولا إشكال. لعموم الادلة وإطلاقها. وما عن بعض الجمهور من المنع - لعدم إسقاطه فرض الحج عن نفسه، فضلا عن غيره - واضح الفساد. كذا في الجواهر. (2) للحجر عليه، المستفاد من قوله تعالى: (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ...)، (* 1) ولو بضميمة بعض النصوص. (3) لانه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، فيحرم، فيبطل.


____________
(* 1) النحل: 16.

===============

( 11 )

[ (مسألة 3): يشترط في المنوب عنه الاسلام، فلا تصح النيابة عن الكافر (1). لا لعدم انتفاعه بالعمل عنه، لمنعه وامكان دعوى انتفاعه بالتخفيف في عقابه (2)، ] (1) إجماعا محققا، وفي المدارك: (لا ريب فيه). واستدل له: بأن الكافر يستحق في الآخرة الخزي والعقاب، لا الاجر والثواب، وهما من لوازم صحة الفعل. وأيده بقوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى...) (* 1)، وقوله تعالى: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى)، (2) خرج منه القضاء عن المؤمن بالنص والاجماع، فيبقى الباقي. أقول: الاستحقاق في الآخرة للخزي والعقاب - من جهة الكفر - لا ينافي استحقاق الثواب من جهة فعل العبادة عنه، كما في المسلم الفاسق. وأيضا: فان النيابة عنه ليست استغفارا. وعموم قوله تعالى: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) (* 2) مقيد بما دل على صحة النيابة. (2) يكفي في صحة النيابة عنه إمكان انتفاعه بها من جهة عدم العقاب على ترك الحج، فان كان المقصود من عدم انتفاعه ذلك فهو أول الكلام، وإن كان عدم فعلية الثواب، أو تخفيف العقاب الثابت من جهة الكفر، فتسليمه لا يثبت المطلوب. وبالجملة: يكفي في صحة النيابة عدم استحقاق العقاب على ترك المنوب فيه، وليس في الادلة المذكورة في كلماتهم انتفاء ذلك. واستدل عليه في كشف اللثام: بأن فعل النائب تابع لفعل المنوب في الصحة، لقيامه مقامه، فكما لا يصح منه لا يصح من نائبه.


____________
(* 1) التوبة: 113. (* 2) النجم: 39.

===============

( 12 )

[ بل لانصراف الادلة (1)، فلو مات مستطيعا وكان الوارث مسلما لا يجب عليه استئجاره عنه. ويشترط فيه أيضا كونه ميتا، أو حيا عاجزا في الحج الواجب، فلا تصح النيابة عن الحي في الحج الواجب (2) إلا إذا كان عاجزا (3). وأما في الحج الندبي فيجوز عن الحي والميت، تبرعا أو بالاجارة (4). (مسألة 4): تجوز النيابة عن الصبي المميز والمجنون (5)، ] ويشكل: بأن الملازمة ممنوعة، لامكان فقد المنوب عنه لشرط الصحة ووجدان النائب له، كما في النيابة عن الحائض في الطواف، والصلاة في بعض الموارد. ومثله: الاستدلال في الجواهر بما تضمن حرمة الموادة لمن حاد الله ورسوله. إذ فيه: أن المراد من الموادة إن كان القلبية - كما هو الظاهر - فهي لا تنطبق على النيابة، وإن كان العملية فلو انطبقت عليها في بعض الصور فهي جائزة، فانه يجوز الاحسان إلى الكافر قطعا. فالعمدة فيه: الاجماع الدال على أن شرط صحة العبادة أهلية من له الفعل للتقرب، والكافر لما لم يكن أهلا لذلك لم يصح فعله ولا فعل نائبه. ولعله مراد كاشف اللثام. (1) لم يتضح الوجه في الانصراف المذكور. ومانعه مستظهر، وكما لا تنصرف الادلة عن وفاء ديونه لا تنصرف عن المقام، لانه منها كما عرفت: (2) إجماعا. مضافا إلى أصالة عدم صحة النيابة التي يقتضيها ظاهر أدلة التكليف المقتضي لوجوب المباشرة. (3) على ما تقدم في مباحث الاستطاعة. (4) كما تقدم في أول الفصل. (5) أما الاول فيبتني على القول بشرعية عباداته، فان لم نقل بذلك

===============

( 13 )

[ بل يجب الاستئجار عن المجنون إذا استقر عليه حال إفاقته ثم مات مجنونا. (مسألة 5): لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والانوثة، فتصح نيابة المرأة عن الرجل (1)، ] فلا وجه لصحة النيابة عنه، لان النائب - كما سيأتي - يمتثل أمر المنوب عنه، فإذا فرض انتفاؤه تعذرت النيابة. وأما المجنون فلم أجد عاجلا من تعرض له في المقام. وإطلاق أدلة التكليف تشمله كما تشمل الصبي. وحديث: رفع القلم، لا يقتضي أكثر من رفع الالزام (* 1) - كما سبق في الصبي - وحيئذ تصح النيابة عنه كالصبي. وقد تقدم في كتاب الصوم: أن الجنون نقص يمنع من نية التقرب فاعلية وفعلية، وليس هو كالنوم والاغماء يمنع عن نية التقرب الفعلية لا الفاعلية، ولاجل ذلك اختلف مع النوم، فانه لا يجوز على المعصوم وإن جاز عليه النوم والاغماء. لكن مع ذلك لا يمنع من قابلية المحل للتقرب الذي هو كمال نفساني، لان الجنون نقص جسماني لا نفساني. ومن ذلك يتضح ما ذكره المصنف (ره): من وجوب الاستنابة عنه. وكذا ما ذكروه في كتاب الوصية: من وجوب تنفيذ وصية العاقل إذا طرأ عليه الجنون حتى مات. بل يمكن التأمل في قدحه في نية التقرب الفاعلة. فلاحظ. (1) إجماعا في غير الضروروة - كما قيل - لاطلاق الادلة، وخصوص بعضها، كمصحح أبي أيوب: (قلت لابي عبد الله (ع): امرأة من أهلنا مات أخوها فأوصى بحجة، وقد حجت المرأة فقالت: إن كان يصلح حججت أنا عن أخي، وكنت أنا أحق بها من غيري. فقال: أبو


____________
(* 1) تقدم التعرض له في صفحة: 13: من الجزء: 10 من هذه الطبعة.

===============

( 14 )

[ كالعكس. نعم الاولى المماثلة (1). (مسألة 6): لا بأس باستنابة االصرورة، رجلا كان أو امرأة، عن رجل أو امرأة. وللقول بعدم جواز استنابة ] عبد الله (ع): لا بأس بأن تحج عن أخيها) (* 1)، ومصحح معاوية: (قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يحج عن المرأة والمرأة تحج عن الرجل قال (ع) لا بأس) (* 2) وصحيح رفاعة عن أبي عبد الله (ع): (أنه قال: تحج المرأة عن أختها وعن أخيها. وقال: تحج المرأة عن أبيها) (* 3) ونحوها غيرها. ومن ذلك يستفاد حجم العكس. مع أنه إجماعي مطلقا. (1) كما في الجواهر. لموثق زرارة عن أبي عبد الله (ع): (الرجل الصرورة يوصي أن يحج عنه، هل يجزي عنه امرأة؟ قال (ع): لا. كيف تجزي امرأة وشهادته شهادتان؟! إنما ينبغي أن تحج المرأة عن المرأة والرجل عن الرجل) (* 4). لكن في خبر بشير النبال: (قلت لابي عبد الله (ع): إن والدتي توفيت ولم تحج. قال يحج عنها رجل أو امرأة قلت: أيهما أحب اليك؟ قال: رجل أحب إلي) (* 5). وحمله في الجواهر على ما إذا كان الرجل خيرا من المرأة تأدية. ولكنه غير ظاهر. اللهم إلا أن يكون ذلك بعد طرحه وترجيح الاول للاوثقية. لكن التعليل في الاول ينافي إطلاق المماثلة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل: باب 8 من ابواب النيابة في الحج حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب النيابة في الحج حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 9 من أبواب النيابة في الحج حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 8 من ابواب النيابة في الحج حديث: 8.

===============

( 15 )

[ المرأة الصرورة مطلقا، أو مع كون المنوب عنه رجلا (1) ضعيف. نعم يكره ذلك. خصوصا مع كون المنوب عنه رجلا (2) ] (1) القول الاول محكي عن النهاية والتهذيب والمهذب، وفي المبسوط التصريح: بأنه لا يجوز حجها عن الرجال ولا عن النساء. والثاني محكي عن الاستبصار، وأنه لا يجوز حجها عن الرجل. لخبر مصادف عن أبي عبد الله (ع): (في المرأة تحج عن الرجل الصرورة. فقال إن كانت قد حجت، وكانت مسلمة فقيهة، فرب امرأة أفقه من رجل) (* 1). ونحوه خبره الآخر، وفيه: (رب امرأة خير من رجل) (* 2)، وخبر زيد الشحام عن أبي عبد الله (ع): (سمعته يقول: يحج الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة، ولا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة) (* 3). وكأن القول الاول لخبر سليمان بن جعفر قال: (سألت الرضا (ع) عن المرأة الصرورة حجت عن امرأة صرورة. فقال (ع): لا ينبغي) (* 4) بناء على إرادة الحرمة منه. لكن الجميع قاصر الدلالة على صورة ما إذا كان المنوب عنه غير صرورة، وقاصر السند، ومهجور عند الاصحاب. وخبر سليمان قاصر الدلالة على الحرمة أيضا، كما هو ظاهر. فلا معدل عما عليه الاصحاب. (2) لفوات المماثلة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب النيابة في الحج حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب النيابة في الحج حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 9 من أبواب النيابة في الحج حديث: 3.

===============

( 16 )

[ بل لا يبعد كراهة استئجار الصرورة ولو كان رجلا عن رجل (1). (مسألة 7): يشترط في صحة النيابة قصد النيابة، وتعيين المنوب عنه في النية (2) ولو بالاجمال. ] (1) استظهر في الجواهر ذلك من النصوص، وأن الصرورة موجبة للمرجوحية في نفسها ولو كان رجلا. لكنه غير ظاهر. وقد تقدم في نصوص المعذور: الامر باستئجار الصرورة الذي لا مال له (* 1)، المحمول عندهم على الاستحباب. فراجع ذلك الباب، وتأمل. وفي مصحح معاوية بن عمار: (سألت أبا عبد الله (ع): عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ويترك مالا. قال (ع): عليه أن يحج من ماله رجلا صرورة لا مال له) (* 2). كما في الشرائع وغيرها، وفي الجواهر: (بلا خلاف أجده فيه). إذ لا ريب في أن اعتبار النيابة لا يصح إلا بملاحظة النائب والمنوب عنه والمنوب فيه، لانها إضافة قائمة بين الاركان الثلاثة، فإذا لم يلحظ واحدة منها لم يصح اعتبارها. ومرجعها إلى قيام النائب مقام المنوب عنه في امتثال أمره، وأداء الوظيفة الثابتة عليه على وجه الوجوب أو الاستحباب أو غيرهما من الاحكام الوضعية. فالنائب، في الحج يحج قاصدا امتثال أمر المنوب عنه، فإذا لم يقصد ذلك لم تتحقق النيابة، ولم يسقط أمر المنوب عنه، لان أمر المنوب عنه لما كان عباديا، لا يصح امتثاله إلا بقصده وقصد موضعه. وكأنه إلى ذلك أشار في الجواهر - في تعليل الحكم المذكور - بقوله:


____________
(* 1) راجع المسألة: 72 صفحة: 192 من الجزء: 10 من هذه الطبعة. (* 2) الوسائل باب: 28 من ابواب وجوب الحج حديث: 1.

===============

( 17 )

[ ولا يشترط ذكر اسمه (1)، وإن كان يستحب ذلك في جميع المواطن والمواقف (2). (مسألة 8): كما تصح النيابة بالتبرع وبالاجارة كذا تصح بالجعالة (3). ولا تفرغ ذمة المنوب عنه إلا باتيان النائب صحيحا، ولا تفرغ بمجرد الاجارة. وما دل من ] (لاشتراك الفعل بين وجوه لا يتشخص لاحدها إلا بالنية. كما أنه لا يتشخص لاحدهم - مع تعددهم - إلا بتعيينه. أما مع اتحاده فيكفي قصد النيابة عنه...) ومن ذلك يظهر: أن قصد المنوب عنه راجع إلى قصد الامر وموضوعه. كما يظهر أن ذلك مغن عن قصد النيابة. فلاحظ. (1) إتفاقا، كما في الجواهر. لما في صحيح البزنطي: إن رجلا سال أبا الحسن الاول عن الرجل يحج عن الرجل، يسميه باسمه؟ فقال (ع): إن الله لا تخفى عليه خافية) (* 1)، ونحوه. (2) كما نص عليه جماعة. ففي صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): (قلت له: ما يجب على الذي يحج عن الرجل؟ قال (ع): يسميه في المواطن والمواقف) (* 2) وقريب منه غيره. (3) لا مجال للتأمل في ذلك، لعموم أدلة صحة الجعالة ونفوذها. والظاهر أنه لا خلاف فيه بيننا، وقد تعرض له جماعة، منهم: العلامة في القواعد. وعن بعض الشافعية: قول بالفساد، وآخر: بثبوت أجرة المسمى لا الجعل.


____________
(* 1) الوسائل باب: 16 من أبواب النيابة في الحج حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 16 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1.

===============

( 18 )

[ الاخبار على كون الاجير ضامنا وكفاية الاجارة في فراغها (1) منزلة على أن الله تعالى يعطيه ثواب الحج إذا قصر النائب في الاتيان، أو مطروحة، لعدم عمل العلماء بها بظاهرها (2). ] (1) في مصحح إسحاق بن عمار: (سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة، فيعطي رجل دراهم يحج بها عنه، فيموت قبل أن يحج ثم أعطى الدراهم غيره. فقال: إن مات في الطريق، أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فانه يجزي عن الاول... (إلى أن قال). قلت: لان الاجير ضامن؟ قال (ع): نعم) (* 1). ولكن يحتمل أن يكون المراد: أن الاجير ضامن للحج من قابل، يعني: يكون في عهدته لا في عهدة المنوب عنه، لانه هو السبب في وجوبه. وفي مرسل ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (ع): (في رجل أخذ من رجل مالا ولم يحج عنه، ومات ولم يخلف شيئا. قال (ع): إن كان حج الاجير أخذت ودفعت إلى صاحب المال، وإن لم يكن حج كتب لصاحب المال ثواب الحج) (* 2). ورواية عمار عن أبي عبد الله (ع): (في رجل أخذ دراهم رجل ليحج عنه فأنفقها، فلما حضر أوان الحج لم يقدر الرجل على شئ: قال: يحتال ويحج عن صاحبه كما ضمن. سئل: إن لم يقدر؟ قال: إن كانت له عند الله حجة أخذها منه فجعلها للذي أخذ منه الحجة) (* 3). ونحوهما غيرهما. فقد ادعى في الجواهر: الضرورة على عدم فراغ ذمة المنوب


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 23 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 23 من ابواب النيابة في الحج حديث: 3.

===============

( 19 )

[ (مسألة 9): لا يجوز استئجار المعذور في ترك بعض الاعمال (1)، بل لو تبرع المعذور يشكل الاكتفاء به. (مسألة 10) إذا مات النائب قبل الاتيان بالمناسك ] عنه بمجرد الاستئجار. وقال في الحدائق - بعد ذكر الاخبار المذكورة -: (ولم أقف على من تعرض للكلام في هذه الاخبار من أصحابنا، بل ظاهرهم ردها، لمخالفتها لمقتضى قواعدهم. وهو مشكل، مع كثرتها وصراحتها فاظاهر أن الوجه فيها ما ذكرنا...). والمراد به: ما ذكره سابقا، من انتقال التكليف عن الموصي إلى الوصي بالوصية، وانتقاله من ذمة الوصي إلى الاجير بالاجارة، فإذا عجز الاجير سقط التكليف. وحينئذ إن كان قد فرط، فان كان قد حج كانت حجته لصاحب الدراهم، وإلا كان له ثواب الحج: أقول: كثرتها لا تصحح العمل بها بعد إعراض الاصحاب عنها، فان الاعراض كاشف عن خلل في صدورها، أو في ظاهرها. (1) لما أشرنا إليه آنفا في المسألة الثالثة والثلاثين (* 1)، من أن العذر لا يرفع الملاك المقتضي للواجب الاختياري، بل إنما يقتضي الاكتفاء بالبدل الاظطراري عند العجز عن الاختياري، فما دام يمكن الواجب الاختياري ولا عجز عنه فلا يكتفى بالبدل الاظطراري عنه. وقد تقدم مثل ذلك في مباحث قضاء الصلوات (* 2) من كتاب الصلاة. والكلام بعينه جاز في تبرع المعذور، فانه لا دليل على الاكتفاء به إذا كان بحيث يمكن نيابة غير المعذور.


____________
(* 1) من الفصل السابق صفحة: 371 من الجزء العاشر من هذه الطبعة. (* 2) مسألة: 34 من فصل صلاة القضاء، الجزء: 7 صفحة: 100 من هذه الطبعة.

===============

( 20 )

[ فان كان قبل الاحرام لم يجز عن المنوب عنه (1)، لما مر من كون الاصل عدم فراغ ذمته إلا بالاتيان، بعد حمل الاخبار الدالة على ضمان الاجير على ما أشرنا إليه (2). وإن مات بعد الاحرام ودخول الحرم أجزأ عنه (3)، لا لكون الحكم كذلك في الحاج عن نفسه، لاختصاص ما دل عليه به (4)، وكون فعل النائب فعل المنوب عنه لا يقتضي الالحاق. ] (1) إجماعا بقسميه، كما في الجواهر. (2) سيأتي دلالة رواية اسحاق وغيرها على الاجتزاء بموت النائب في الطريق وإن كان قبل الاحرام. (3) إجماعا محققا - كما في المسند - وإجماعا بقسميه، كما في الجواهر. (4) لكن أجاب في المددارك: بأنه إذا ثبت ذلك في حق الحاج يثبت في نائبه، لان فعله كفعل المنوب عنه...). وفي الجواهر أجاب - مضافا إلى ذلك -: بمنع الاختصاص، لان الظاهر - ولو بمعونة فهم الاصحاب - كون ذلك كيفية خاصة في الحج نفسه. سواء كان عن نفسه أو عن الغير، وسواء كان واجبا بالنذر وغيره... أقول: أما أن فعل النائب هو فعل المنوب عنه. فمن القطعيات التي لا تحتاج إلى الاثبات بدليل، لان النيابة إنما هي في فعل المنوب عنه، فالنائب يأتي بفعل المنوب عنه لا بغيره. وكذلك القضاء بالنسبة إلى الاداء فانهما واحد، إذ القضاء فعل الاداء في غير وقته، فالاختلاف في الوقت لا غير. كما أن الاختلاف في باب النيابة إنما هو بالمباشرة لا غير. ثم إن الوحدة إنما هي في الاجزاء والشرائط ونحوها مما هو داخل في

===============

( 21 )

[ بل لموثقة اسحاق بن عمار (1)، المؤيدة بمرسلتي حسين بن عثمان، وحسين بن يحيى (2)، الدالة على أن النائب إذا مات في الطريق أجزأ عن المنوب عنه المقيدة بمرسلة المقنعة: ] المنوب فيه، لا في الاحكام. وهذا مما لا إشكال فيه، انما الاشكال في أن الوحدة المذكورة تقتضي الاجتزاء في المقام. وذلك لان الموت الطارئ على الحاج عن نفسه من قبيل العذر المستمر المانع من القدرة على الاداء أبدا، والموت الطارئ على النائب ليس كذلك، لامكان النيابة من غيره مقارنة أو لاحقة، فهذا الفرق هو الفارق بينهما في الاجزاء وعدمه، وأما ما ذكره في الجواهر: من ظهور نصوص الاجزاء في عموم الحكم فممنوع. وفهم الاصحاب لا يصلح قرينة عليه لو ثبت. مع إمكان منعه، فان حكمهم بالاجزاء أعم من ذلك. (1) عن أبي عبد الله (ع)، قال: (سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة، فيعطى رجل دراهم ليحج بها عنه، فيموت قبل أن يحج ثم أعطى الدراهم غيره. قال (ع): إن مات في الطريق، أو بمكة قبل أن يقضي مناسكا فانه يجزي عن الاول...). (* 1) وقد تقدمت. (2) أما الاولى فهي عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع): (في رجل أعطى رجلا ما يحجه، فحدث بالرجل حدث، فقال: إن كان خرج فأصابه في بعض الطريق فقد أجزأت عن الاول، وإلا فلا) (* 2) والثانية عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع): (في رجل أعطى رجلا مالا يحج عنه فمات. قال: فان مات في منزله قبل ان يخرج فلا يجزي عنه، وإن مات


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 15 من أبواب النيابة في الحج حديث: 3.

===============

( 22 )

[ " من خرج حاجا فمات في الطريق، فانه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة " (1)، الشاملة للحاج عن غيره أيضا (2). ولا يعارضها موثقة عمار الدالة على أن النائب إذا مات في الطريق عليه أن يوصي (3)، ] في الطريق فقد أجزأ عنه) (* 1). (1) تتمة المرسلة: قوله (ع) (فان مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج، وليقض عنه وليه) (* 2). (2) المرسلة - لو سلم شمولها للنائب - تكون عامة بالنسبة إلى الروايات السابقة، إذ هي خاصة بالنائب، والخاص مقدم على العام، فيتعين البناء على الاجتزاء بموت النائب في الطريق وإن لم يكن قد أحرم ودخل الحرم فالجمع يكون بالتصرف في المرسلة بالتقييد، لا بالتصرف في غيرها بتقييده بها. وإن كان الظاهر أنها خاصة بالحاج عن نفسه، بقرينة ذيلها، إذ القضاء فيه إنما يكون عن الاصيل لا النائب، لانه مع اشتراط المباشرة تبطل الاجارة. ولا يصح القضاء عنه ولا الاداء، ومع عدم اشتراطها يكون أداء لا قضاء. وبالجملة: الظاهر من الذيل الاختصاص بالاصيل. ثم إن ما ذكره المصنف (ره) من كيفية الجمع، إنما ينفع في إثبات عدم الاجزاء لو مات قبل الاحرام ودخول الحرم - وهي المسألة الاولى - لا في المسألة الثانية، إذ النصوص كلها متفقة على الاجتزاء بها. فلاحظ. (3) عن أبي عبد الله (ع): (في رجل حج عن آخر ومات في الطريق. قال: وقد وقع أجره على الله، ولكن يوصي. فان قدر على


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب النيابة في الحج حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 26 من ابواب وجوب الحج حديث: 4.

===============

( 23 )

[ لانها محمولة على ما إذا مات قبل الاحرام (1)، أو على الاستحباب (2). مضافا إلى الاجماع على عدم كفاية مطلق الموت في الطريق (3). وضعفها سندا - بل ودلالة - منجبر بالشهرة، والاجماعات المنقولة، فلا ينبغي الاشكال في الاجزاء في الصورة المزبورة. وأما إذا مات بعد الاحرام وقبل دخول الحرم ففي الاجزاء قولان (4). ولا يبعد الاجزاء وإن لم نقل به في الحاج عن نفسه لاطلاق الاخبار في المقام، والقدر ] رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل) (* 1). (1) هذا لا قرينة عليه. نعم يمكن أن يكون مقتضى الجمع العرفي، بناء على ما ذكره المصنف (ره) من تقييد الموثقة ونحوها بالمرسلة، فانها تكون حينئذ أخص من رواية عمار، فتقيد بها، فتحمل على ما ذكر. أو أنه إذا كانت المرسلة صالحة لتقييد الموثقة بمفهوم الشرطية فيها تكون أيضا صالحة لتقييد رواية عمار بمنطوق الشرط. نعم - بناء على ما ذكرناه من اختصاص المرسلة بالحاج عن نفسه - لا مجال لذلك كله. (2) هذا هو الذي يقتضيه الجمع العرفي، فان ما دل على الاجزاء ظاهر في عدم وجوب ذلك، فيحمل ذلك على الاستحباب. (3) هذا هو العمدة. (4) أحدهما الاجزاء، وهو قول الشيخ في المبسوط والخلاف. بل في الثاني: إدعى إجماع الفرقة عليه، وأن هذه المسألة منصوصة فهم لا يختلفون فيها. انتهى. وتبعه الحلي في السرائر.


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب النيابة في الحج حديث: 5.

===============

( 24 )

[ المتيقن من التقييد هو اعتبار كونه بعد الاحرام. لكن الاقوى عدمه (1)، فحاله حال الحاج عن نفسه في اعتبار الامرين في الاجزاء. والظاهر عدم الفرق بين حجة الاسلام وغيرها من أقسام الحج (2)، وكون النيابة بالاجرة أو بالتبرع (3). (مسألة 11): إذا مات الاجير بعد الاحرام ودخول الحرم يستحق تمام الاجرة (4) ] (1) كأنه إعتمادا على المرسلة التي قد عرفت عدم ظهورها في العموم للاجير. إو اعتمادا على دعوى الاجماع على عدم الفصل بين الاصيل والاجير. ولكنه غير ظاهر. أو اعتمادا على الاصل، بعد عدم صلاحية الاخبار المتقدمة للمرجعية - لظهورها في الموت في الطريق في مقابل الموت في المنزل - وبعد قيام الاجماع على عدم العمل بها تسقط عن الحجية، لان تقييدها بما بعد الاحرام بعيد عن مفادها. وهذا محتاج إلى التأمل. (2) لاطلاق الفتاوى والنصوص. لم أقف على من تعرض لاحتمال الاختصاص بحج الاسلام. (3) لاطلاق النصوص، بناء على التعويل عليها. وأما الفتاوى فهي وإن كانت مختصة بالاجارة - لذكرهم الاجير، وتعرضهم لاحكام الاجارة من الرجوع بالاجرة كلا أو بعضا، كما سيأتي - لكن الظاهر منهم عدم الفرق في الاجزاء، ولذا لم يتعرضوا لعدم الاجزاء على تقدير التبرع. (4) المذكور في كلام الاصحاب: أنه إذا مات النائب بعد الاحرام ودخول الحرم استحق تمام الاجرة، وإذا مات قبل ذلك وجب أن يستعاد من الاجرة ما قابل المتخلف ذاهبا وعائدا. ونسب الاول - في المسالك -

===============

( 25 )

[ إذا كان أجيرا على تفريغ الذمة (1)، وبالنسبة إلى ما أتى به من الاعمال إذا كان أجيرا على الاتيان بالحج، بمعنى الاعمال المخصوصة (2). وإن مات قبل ذلك لا يستحق شيئا، سواء مات قبل الشروع في المشي، أو بعده وقبل الاحرام، أو ] إلى اتفاق الاصحاب. كما نسب الثاني في الحدائق إلى تصريح الاصحاب. واستشكل في المدارك في الاول: بانه إنما يتم إذا تعلق الاستئجار بالحج المبرئ للذمة، أما لو تعلق بالافعال المخصوصة لم يتوجه استحقاقه لجميع الاجرة. واستشكل في الثاني: بأنه إنما يستقيم إذا تعلق الاستئجار بمجموع الحج مع الذهاب والاياب، وهو غير متعين، لان الحج اسم للمناسك المخصوصة، والذهاب والعود خارجان عن حقيقته. انتهى. وفى الحدائق دفع الاشكال الاول: بأن ما ذكره مبني على الرجوع إلى القواعد. لكنه غير ظاهر، لان المستند فيه الاجماع. ودفع الثاني: بأن المفروض في كلامهم الصورة الغالبة المتكثرة، وهي ملاحظة الطريق في الاجرة وإن لم يكن داخلا في الاجارة. وسيأتي الكلام في ذلك. (1) هذا مما لا ينبغي الاشكال فيه، فان الافعال التوليدية لما كانت افعالا اختيارية جاز وقوع الاجارة عليها، كما جاز وقوع الاجارة على أسبابها. فيجوز الاستئجار على غسل الثياب وعلى تطهير الثياب، ويجوز الاجارة على صبغ الثوب كما يجوز على وضعه في الصبغ. ثم إن الوجه في استحقاق تمام الاجرة في الفرض حصول الامر المستأجر عليه بلا نقص ولا خلل. (2) هذا أيضا ظاهر، لعدم حصول تمام المستأجر عليه بل الحاصل بعضه والبعض الآخر غير حاصل، فتوزع الاجرة على الجميع، ويستحق من

===============

( 26 )

[ بعده وقبل الدخول في الحرم، لانه لم يأت بالعمل المستأجر عليه - لا كلا ولا بعضا - بعد فرض عدم إجزائه (1). من غير فرق بين أن يكون المستأجر عليه نفس الاعمال، أو مع ] الاجرة على النسبة. وقد عرفت من الحدائق: دعوى الاجماع على استحقاق الجميع. وفي المسالك: (مقتضى الاصل أن لا يستحق إلا بالنسبة، لكن وردت النصوص باجزاء الحج عن المنوب وبراءة ذمة الاجير، واتفق الاصحاب على استحقاقه جميع الاجرة، فهذا الحكم ثبت على خلاف الاصل...). وفى كشف اللثام: (لا يستعاد من تركته - يعني: النائب - شئ بلا خلاف عندنا على ما في الغنية، وفي الخلاف: إجماع الاصحاب على أنه منصوص لا يختلفون فيه، وفي المعتبر: أنه المشهور بينهم. فان ثبت عليه إجماع أو نص، وإلا اتجهت استعادة ما بازاء الباقي...). أقول: لا إشكال في دعوى الاتفاق والاجماع على الحكم في الجملة، اما في خصوص ما إذا كانت الاجارة على نفس العمل فغير ظاهرة، ولا مجال للاعتماد عليها. فلاحظ. (1) بل لو فرض إجزاؤه أيضا لا وجه للاستحقاق، لانه غير العمل المستاجر عليه. نعم لو كان الاستئجار على إفراغ الذمة كان البناء على الاستحقاق في محله، لحصول المستأجر عليه، وهو فراغ الذمة. ثم إنه قد يستشكل في صحة الاجارة على العمل نفسه في قبال إفراغ الذمة، لعدم الغرض العقلائي. وفيه: أنه قد يكون الغرض تحمل الزحمة ليترتب عليه زيادة الاجر. وأيضا فان كون الغرض هو إفراغ الذمة لا يقتضي المنع من وقوع الاجارة على سببه ولو بملاحظة الغرض المذكور.

===============

( 27 )

[ المقدمات من المشي ونحوه (1). نعم لو كان المشي داخلا في الاجارة على وجه الجزئية - بأن يكون مطلوبا في الاجارة نفسا - استحق مقدار ما يقابله من الاجرة. بخلاف ما إذا لم يكن داخلا أصلا، أو كان داخلا فيها لا نفسا بل بوصف المقدمية. فما ذهب إليه بعضهم من توزيع الاجرة عليه أيضا مطلقا (2) ] (1) يعني: على نحو تكون قيدا للعمل المستاجر عليه، فالاجارة تكون على العمل المقيد بالذهاب أو مع الاياب، في مقابل ما لوحظ جزءا للمستأجر عليه، فتكون الاجارة واقعة على الذهاب والعمل معا، فيكون الذهاب بعض المستاجر عليه العمل. ثم قد يستشكل في أخذ الذهاب قيدا، لان العمل إذا كان موقوفا على الذهاب كان الذهاب ضروريا له، فلا إطلاق له كي يحسن تقييده. وفيه: أنه يتم لو أخذ الذهاب المطلق قيدا، أما إذا أخذ الذهاب الخالص - وهو ما كان بنية النيابة - فلا مانع عنه، لامكان التخلي عنه. ويحتمل أن يكون المراد من دخوله بوصف المقدمية، دخوله جزءا لكن بوصف كونه مقدمة للجزء اللاحق. وحينئذ فالوجه - في عدم الاستحقاق حينئذ - إنتفاء وصف المقدمية عنه. وسيأتى الكلام فيه. (2) قد عرفت من الحدائق نسبته إلى تصريح الاصحاب، وهو المذكور في الشرائع والقواعد. قال في الاول: " ولو مات قبل ذلك لم يجز، وعليه أن يعيد من الاجره ما قابل المتخلف من الطريق ذاهبا وعائدا.... ". وقال في الثاني: " وقبله يعيد مقابل الباقي والعود...) وحكي عن جماعة: أنهم عبروا بذلك، غير أنهم لم يذكروا العود.

===============

( 28 )

[ لا وجه له (1) ] (1) ذكر بعضهم أن الوجه فيه: أن إطلاق الاجارة على الحج يقتضي دخول الذهاب والاياب على نحو الجزئية، ونسبه في الجواهر إلى جماعة، وفى كشف اللثام: (قوى في الخلاف تضمن الاستيجار للحج الاستيجار لقطع المسافة، وقطع به القاضي في الجواهر...). أقول: لا ريب في أن الاستيجار للحج تارة: يكون للحج الميقاتي، وأخرى: للحج البلدي. فان كان الاول فلا ريب في عدم ملاحظة الطريق في عقد الاجارة، لا جزءا ولا شرطا، وإن كان الاجير من أهل البلد. ويتوقف حجه على السير من البلد. وإن كان الثاني فلا ريب في ملاحظته، ويكون السير في الطريق حقا من حقوق المستأجر: لكن توزيع الاجرة ليس تابعا لملاحظة مطلقا، بل إنما هو تابع للملاحظة على وجه الجزئية، لان منشأ التوزيع تبعيض العقد فيصح في بعض ويبطل في بعض، نظير تبعض الصفقة في البيع، فإذا لم يكن ملحوظا على وجه الجزئية بحيث يكون موضوعا لبعض العقد - الراجع إلى العقد على البعض، بعد تحليل العقد إلى عقود متعددة بتعدد الابعاض - لا مجال للتوزيع. ومجرد أن ملاحظة الطريق موجبة لزيادة القيمة لا يكفي في التوزيع، فان صفات المبيع ربما تكون موجبة لزيادة الثمن لا لكونها موضوعا للبيع. وكذلك بعض صفات العين المستأجرة ربما تكون موجبة لزيادة الاجرة لكن لا لكونها موضوعا لعقد الاجارة، والمدار في التوزيع هو ذلك، كما لا يخفى. هذا في الذهاب، أما بالنسبة إلى الاياب فليس هو مقدمة للحج عقلية، فضلا عن أن يكون ملحوظا عوضا وطرفا للمعاوضة. نعم له دخل في زيادة الاجرة، فان الشخص الذي لابد له من العود لا يؤجر نفسه للحج

===============

( 29 )

بالقيمة التي لا تفي بالعود، فإذا بني على التوزيع بالاضافة إلى كل ماله دخل في زيادة القيمة لم يكن الفرق بين الذهاب والاياب، فتوزع الاجرة عليهما بنحو واحد. وعلى هذا المبنى لا فرق في التوزيع بين الاجرة على الحج البلدى والحج الميقاتي إذا كان الاجير من أهل البلد الذي لابد له من الرجوع إلى بلده، فانه لا يؤجر نفسه للحج الميقاتي إلا إذا كانت القيمة وافية للذهاب والاياب على نحو الحج البلدي، فيكونان معا ملحوظين لزيادة القيمة. وعلى هذا المبنى جرى في كشف اللثام، حيث قال: (وعندي أنه وإن لم يتضمنه (يعني: يتضمن عقد الاجارة للذهاب والاياب) لكنه في حكم المتضمن، لان أجرة الحج تتفاوت مسافة الذهاب، وبالاختلاف في الاياب وعدمه... (إلى أن قال): فهو وإن لم يفعل شيئا مما أستؤجر له، لكنه فعل فعلا له أجرة باذن المستأجر ولمصلحته، فيستحق أجرة مثله. كمن استأجر رجلا لبناء، فنقل الآلة ثم مات قبل الشروع فيه، فانه يستحق أجرة مثل النقل قطعا. فيصح ما في الكتاب على إطلاقه). وتبعه عليه في الجواهر، مستدلا له: بأصاله احترام عمل المسلم الذي لم يقصد التبرع به، بل وقع مقدمة للوفاء بالعمل المستاجر عليه، فلم يتيسر له ذلك بمانع قهري. وعدم فائدة المستأجر - مع إمكان منع... (إلى أن قال): (غير قادح في استحقاق الاجرة عليه نحو بعض العمل المستأجر عليه الذي لا استقلال له في نفسه، كبعض الصلاة ونحوه...) أقول: أصالة احترام عمل المسلم لا تقتضي الضمان، وإنما هي في مقام محض التكليف، من باب لزوم احترام ماله ونفسه، المستفاد من موثقة سماعة: (لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه) (* 1). فهي


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب مكان المصلي حديث: 1.

===============

( 30 )

في مقام التكليف وتحريم نفسه وماله وأنه لا يجوز اغتصابه، ولا تدل على أكثر من ذلك. نعم من جملة الاسباب استيفاء العمل، فمن عمل بأمر غيره فقد استوفى غيره عمله، فيكون مضمونا عليه. لكنه يختص بالامر النفسي، فلا يشمل الامر الغيري وإن كان أيضا سببا للاستيفاء، لكن لا دليل على سببيته مطلقا، والقدر المتيقن - من مرتكزات المتشرعة، وكلمات الاصحاب - هو الاستيفاء بالامر النفسي لا بغيره. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: الاول: أنه إذا استأجره على الحج البلدي، فموضوع الاجارة هو الحج، وهو المناسك المخصوصة. وكونه بلديا لوحظ شرطا وقيدا له، فلا يكون جزء العمل المستأجر عليه، ولا توزع عليه الاجرة كغيره من القيود، بل كغيره من قيود المبيع. هذا على المشهور من أن السير من الميقات ليس واجبا نفسيا، أما بناء على أنه جزء الواجب - كما استظهرناه سابقا، لان الحج هو القصد - فالحج من البلد يراد منه السير من البلد، مقابل السير من الميقات، فإذا يكون جزء العمل المستأجر عليه، وتوزع عليه الاجرة. ولازم ما ذكرنا: أنه يجب وقوع السير على وجه يكون طاعة، ولا يجوز أن يكون السير معصية فلو سار ليسرق مالا في بعض الطريق كان باطلا غير مجزئ. الثاني: إذا استأجره للحج الميقاتي فمات قبل الاحرام لم يستحق أجرة إلا بناء على أن استيفاء عمل الغير موجب للضمان ولو كان من جهة الامر الغيري. وقد عرفت أن هذا المبنى لا دليل عليه. واحترام عمل المسلم هو ارتكاز المتشرعة والعقلاء، وكان القدر المتيقن منه هو الاستيفاء بطريق الامر النفسي، وجب الاقتصار عليه. بل ظاهر كلماتهم - في كتاب

===============

( 31 )

[ كما أنه لا وجه لما ذكره بعضهم: من التوزيع على ما أتى به من الاعمال بعد الاحرام (1). إذ هو نظير ما إذا استؤجر ] الجعالة -: التسالم عليه، فقد ذكروا: أن العامل إنما يستحق الجعل بالتسليم، فلو جعل لمن سلمه عبده جعلا، فجاء العامل بالعبد إلى البلد، ففر العبد قبل التسليم، لم يستحق العامل شيئا، وفي الجواهر: (بلا خلاف أجده: نعم لو صرح بما لا يقتضي التسليم - كالايصال إلى البلد - استحق الجعل...). والمقامان من باب واحد. ومن ذلك تعرف ضعف ما تقدم عن كشف اللثام والجواهر. ولعل السر فيما ذكرنا: أن الامر الغيري إنما يتعلق بالمقدمة الموصلة، فغير الموصلة لا أمر بها لا نفسيا ولا غيريا، فلا استيفاء ليترتب عليه الضمان. الثالث: أنه لو بني على التوزيع في البلدي وعدمه في الميقاتي، فهل يكون مقتضى الاطلاق هو الحج البلدي، فيجب التوزيع لو مات قبل الميقات - كما تقدم - أولا؟ الظاهر أن المقامات مختلفة، فقد يكون مقتضى الاطلاق الحج البلدي، وقد يكون مقتضاه الحج ومن بلد الاجارة، وقد لا يكون، وكل ذلك تابع للمناسبات المقامية المقتضية للانصراف وعدمها. (1) ذكر ذلك في المدارك وغيرها. قال في الاولى: (ولو مات بعد الاحرام استحق بنسبة ما فعله إلى الجملة...). ونحوه كلام غيره وفى النافع: (لو صد الاجير قبل الاكمال استعاد من الاجرة ما قابل المتخلف...). ونحوه في القواعد. ونسب ذلك، في بعض الكلمات، إلى تصريح الاصحاب. وحاصل الاشكال عليه: أن أبعاض العمل المستأجر عليه إنما توزع عليها الاجرة إذا كانت ذات قيمة - بأن كانت ينتفع بها - فإذا لم يكن ينتفع بها وليس لها قيمة لا مجال للتبعيض. وكذا الحكم في

===============

( 32 )

[ للصلاة، فأتى بركعة أو أزيد ثم أبطلت صلاته، فانه لا إشكال في أنه ] باب تبعض الصفقة في البيع، فإذا كان بعض المبيع له قيمة في حال الانفراد كان تبعيض الثمن في محله أما إذا لم يكن له قيمة في حال الانفراد فلا مجال لتبعيض الثمن عليه، لان تبعيض الثمن إنما يكون لتبعيض العقد وانحلاله إلى عقود متعددة بتعدد الاجزاء، ولا مجال لذلك فيما إذا كان البعض منفردا لا قيمة له، لان أخذ الثمن في حال الانفراد أكل للمال بالباطل. ومن ذلك يظهر: أنه لو أحرم فمات قبل دخول الحرم لم يستحق شيئا من الاجرة - بناء على عدم الاجزاء - لانه لا قيمه للعمل المذكور. نظير ما لو استؤجر على الصلاة فمات قبل التسليم، أو أحدث قهرا، فانه لا يستحق على ما أتى به من أجزاء الصلاة، لعدم المنفعة له، الموجبة لصحة المعاوضة عليه بالمال. وكذلك الكلام في جميع الاعمال الارتباطية التي لا يترتب الاثر على بعضها إلا في حال الانضمام فان البعض في حال الانفراد لا يكون مالا، ولا يصح أن يقابل بالمال، فأخذ المال بأزائه أكل للمال بالباطل. فان قلت: المشتري للصفقة إنما اشترى الابعاض في حال الاجتماع لا في حال الانفراد، فكيف جاز إلزامه بالبيع في البعض مع تبعض الصفقة؟ قلت: الاشكال المذكور - وهو لزوم أكل المال بالباطل - غير آت هنا. نعم هذا إشكال، وهو عدم قصد شراء البعض. فإذا صح العقد فيه فقد صح ووقع ما لم يقصد. لكن أشرنا - في بعض مباحث الاجارة - إلى الجواب عن الاشكال المذكور، وحاصله: الاكتفاء بالقصد الضمني عند العقلاء والمتشرعة، وإن كان ذلك القصد يختص بحال اجتماع الابعاض ولا يعم حال انفرادها. فراجع.

===============

( 33 )

[ لا يستحق الاجرة على ما أتى به. ودعوى: أنه وإن كان لا يستحق من المسمى بالنسبة، لكن يستحق أجرة المثل لما أتى به (1)، حيث أن علمه محترم (2). مدفوعة بأنه لا وجه له بعد عدم نفع للمستأجر فيه، والمفروض أنه لم يكن مغرورا من قبله (3). وحينئذ فتنفسخ الاجارة إذا كانت للحج في سنة معينة، ويجب عليه الاتيان به إذا كانت مطلقة، من غير استحقاق لشئ على التقديرين. ] (1) تقدمت هذه الدعوى عن كشف اللثام والجواهر. (2) كذا استدل في الجواهر. وعرفت أن هذه القاعدة تكليفية لا وضعية. ولو سلم ذلك فهي تختص بماله قيمة من الاجزاء ولا تشمل الفرض مما كان الجزء المأتي به لا قيمة له. وأما كاشف اللثام فلم يذكر دليلا غير أن الضمان مقطوع به. لكن القطع غير ثابت. (3) ولو كان مغرورا رجع إلى الغار، لقاعدة: (المغرور يرجع على من غره) التي هي مضمون المرسل النبوي (* 1)، ويستفاد من جملة من النصوص - الواردة في باب تدليس الزوجه - حيث ذكر فيها: أن الزوج يرجع على المدلس كما غر الرجل وخدعه (* 2). وقد تعرضنا لهذه القاعدة في كتاب: (نهج الفقاهة) تعليقتنا على مكاسب شيخنا الاعظم فراجع مبحث الفضولي منه. ثم إنه لا فرق - في الضمان بهذه القاعدة - بين المستأجر الغار وغيره إذا كان غارا. والضمان بالغرور لا ينافي ما سبق: من عدم الضمان بالعقد


____________
(* 1) تقدم التعرض للحديث المذكور في صفحة: 144 من الجزء: 10 من هذه الطبعة. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب العيوب والتدليس في النكاح حديث: 1.

===============

( 34 )

[ (مسألة 12): يجب في الاجارة تعيين نوع الحج، من تمتع، أو قران، أو إفراد (1). ولا يجوز للمؤجر العدول عما عين له (2) وإن كان إلى الافضل - كالعدول من أحد ] من جهة عدم المنفعة، لاطلاق دليله المقتضي لثبوته ولو مع عدم المنفعة الموجبة لكونه مالا إذا كان يصدق معه النقص والخسارة، وإن كان لا يصح العقد معه. فلو استأجر أجيرا على عمل لا يترتب عليه فائدة كانت الاجارة باطلة، فلا يستحق الاجرة المسماة، لكن يستحق أجرة المثل على المستأجر إذا كان قد غره كما يستحق على غيره إذا كان قد غره أيضا. وإن كان أيضا محل تأمل ونظر. فتأمل. (1) قال في المدارك: (سيأتي - إن شاء الله - أن أنواع الحج ثلاثة: تمتع، وقران، وإفراد. ومقتضى قواعد الاجارة: أنه يعتبر في صحة الاجارة على الحج تعيين النوع الذي يريده المستأجر، لا ختلافها في الكيفية والاحكام...). ونحوه ذكر غيره أيضا. وفى الجواهر: (ظاهرهم الاتفاق عليه...)، وعلله: بلزوم الغرر. لكن المذكور في محله: أن صفات المبيع - التي يجب العلم بها لئلا يلزم الغرر - هي الصفات التي تختلف بها المالية، أما ما لا تختلف به المالية فلا تجب معرفته، لعدم لزوم الغرر مع الجهل بها. وحينئذ فاختلاف أنواع الحج في الكيفية والاحكام إذا لم توجب إختلاف المالية لم تجب معرفتها، فيجوز أن يستأجره على أن يحج أي نوع شاء. نعم إذا كان المنوب عنه مما يتعين نوع منها عليه لزم التعيين من الوصي أو غيره. لكنه لا يرتبط بصحة الاجارة. (2) هذا مما لا ينبغي الاشكال فيه بالنظر إلى القواعد الاولية، فانه خلاف أدلة النفوذ والصحة. ولا فرق بين أن يكون العدول إلى الافضل

===============

( 35 )

[ الاخيرين إلى الاول - إلا إذا رضي المستأجر بذلك (1)، فيما إذا كان مخيرا بين النوعين أو الانواع - كما في الحج المستحبي والمنذور المطلق - أو كان ذا منزلين متساويين في مكة وخارجها. وأما إذا كان ما عليه من نوع خاص فلا ينفع رضاه أيضا بالعدول إلى غيره (2). وفي صورة جواز الرضا يكون رضاه من باب إسقاط حق الشرط إن كان التعيين بعنوان الشرطية (3)، ومن باب الرضا بالوفاء بغير الجنس إن كان بعنوان القيدية. ] أو المفضول أو المساوى، إذ المعدول إليه غير المستأجر عليه، فكيف يجزي عنه؟!. (1) هذا إذا كان الرضا قبل عمل الاجير. أما إذا كان بعده فقد عرفت أنه إذا كان التعيين بنحو الشرط يكون العدول مخالفا لحق المشروط له، فيبطل لكونه حراما، كما تقدم. (2) لا في براءة ذمة المنوب عنه، لان الرضا لا يشرع انقلاب موضوع الوجوب، ولا في صحة الفعل إذا كان النائب قد قصد أمر المنوب عنه الوجوبي، لانه لم يتعلق بالمعدول عنه، فالاتيان به بنيته إتيان به عن غير أمره. نعم إذا أتى به عن أمره الندبي فلا بأس بالبناء على صحته لتعلق الامر الندبي به، وإن كان الامر الوجوبي متعلقا بغيره، إذ لا مانع من تحقق الامرين واجتماعهما. كما أن رضا المستأجر ينفع في براءة ذمة النائب إذا كان قد رضي به على كل حال، أو رضي به على بعض الاحوال وكان العمل واجدا لتلك الحال. ولا فرق بين الرضا السابق واللاحق فيما ذكرنا. (3) والمراد من الشرط ليس ما يكون تحت إنشاء مستقل في ضمن

===============

( 36 )

[ وعلى أي تقدير يستحق الاجرة المسماة وإن لم يأت بالعمل المستأجر عليه على التقدير الثاني، لان المستأجر إذا رضي بغير النوع الذي عينه فقد وصل إليه ماله على المؤجر، كما في الوفاء ] العقد - الذي يكون شرط فعل تارة، وشرط نتيجة أخرى - بل المراد به الوصف المتعلق بموضوع العقد، الموجب تخلفه خيار الشرط. بخلاف الشرط - بالمعنى الاول - الموجب تخلفه خيار الاشتراط، لاختصاص ذلك بالمفهوم المنشأ في مقابل المفهوم المنشأ بالعقد. وكون الحج تمتعا أو قرانا أو إفرادا ليس من هذا القبيل، بل من قبيل القيود والاوصاف المتعلقة بموضوع العقد، مثل كون العبد كاتبا وكونه حبشيا. وقد قسمه المصنف (ره) إلى قسمين: أحدهما: أن يؤخذ شرطا، مثل أن يستأجره على الحج ويشترط عليه أن يأتي به بعنوان حج التمتع، وثانيهما: أن يؤخذ على نحو القيدية، بأن يستأجره على حج التمتع. لكن الانقسام إلى القسمين ليس لاختلاف صورة الانشاء، بل لاختلاف خصوصية المفهوم، فان كان ذاتيا كان قيدا، وإن كان خارجا عن الذات كان شرطا، فمثل كتابة العبد من قبيل الشرط، سواء باعه العبد الكاتب أم باعه العبد بشرط كونه كاتبا، ومثل كونه حبشيا قيد، سواء باعه العبد الحبشي أم باعه العبد بشرط كونه حبشيا. فكون الحج تمتعا أو قرانا إن كان من قبيل الذاتي في نظر العرف، فهو قيد ولو كان صورة الانشاء بعنوان الشرط، وإن كان من قبيل الخارج عن الذات فهو شرط ووصف، سواء كانت صورة الانشاء بعنوان الشرط أم بعنوان القيد. فالانقسام إلى القسمين في المقام غير ظاهر. كما أن الظاهر أن ما به الامتياز بين أنواع الحج داخل في الذات، فتكون من قبيل القيود، فالعدول عن بعضها إلى الآخر عدول

===============

( 37 )

[ بغير الجنس في سائر الديون، فكأنه قد أتى بالعمل المستأجر عليه. ولا فرق فيما ذكرنا بين العدول إلى الافضل أو إلى المفضول. هذا ويظهر من جماعة جواز العدول إلى الافضل (1) ] إلى غير المستأجر عليه، لا عدول من واجد الصفة إلى فاقدها. نعم ربما يكون اختلاف صورة الانشاء موجبا لاختلاف كون القيد ملحوظا على نحو وحدة المطلوب وتعدده. ولكنه محتاج ألى تأمل. وكيف كان فما ذكره المصنف (ره): من أنه مع الرضا بالعدول يستحق الاجير تمام الاجرة، في محله لما ذكر. ثم إنه بناء على صحة اشتراط التعيين بنحو الالتزام في ضمن العقد وكان الرضا بعد العمل، فالفعل قبل الرضا لما كان على خلاف الشرط كان حراما، لما فيه من تضييع حق الشرط. وحينئذ لا يصح عبادة - نظير من نذر أن يحج حجة الاسلام طاهرا، وأن يصلي صلاته جماعة - لانه راجع إلى شرط أن لا يحج إلا متمتعا مثلا وحينئذ لا يستحق الاجرة، ولا يصح الرضا به من الوصي والوارث، كما أشرنا إلى وجهه فيما سبق. فتأمل جيدا. (1) المحكي عن أبي علي والشيخ والقاضي: أنه يجوز العدول إلى الافضل مطلقا، وفى الشرائع: (يجوز إذا كان الحج مندوبا، أو قصد المستأجر الاتيان بالافضل، لا مع تعلق الغرض بالقران أو الافراد...)، وفى القواعد: (لو عدل إلى التمتع عن قسيميه، وتعلق الغرض بالافضل أجزأ، والا فلا...) ونحو ذلك كلمات غيرهم الظاهرة في جواز العدول في الجملة.

===============

( 38 )

[ - كالعدول إلى التمتع - تعبدا من الشارع. لخبر أبي بصير (1) عن أحدهما: في (رجل أعطى رجلا دراهم يحج بها مفردة (2) أيجوز له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال (ع): نعم، إنما خالف إلى الافضل). والاقوى ما ذكرناه. والخبر منزل على صورة العلم برضا المستأجر بذلك مع كونه مخيرا بين النوعين (3) ] (1) رواه المشايخ الثلاثة عن أبي بصير. وفى الوسائل: (يعني: المرادي). ورواه في الكافي عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي بصير (* 1). وعلى ما ذكره في الوسائل يكون الخبر في أعلى مراتب الصحة. (2) في الوسائل: (يحج بها عنه حجة مفردة، فيجوز له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم، إنما خالف إلى الفضل). وفى رواية الصدوق: (إنما خالفه إلى الفضل والخير). (3) هذا التنزيل خلاف الظاهر. ولا سيما بملاحظة أنه مع العلم بالرضا يكون الحكم بالجواز واضحا لا يحتاج إلى سؤال. فان قلت: قوله (ع): (إنما خالف...) ظاهر في تعليل الحكم بالجواز، ومقتضى حمل التعليل على مقتضى الارتكازيات العرفية: أن يكون المراد أن التمتع أفضل، فيكون أرضى للمستأجر، إذ لو لم يكن للمستأجر رضا به لم يكن التعليل ارتكازيا بل تعبديا. قلت: بعد ما عرفت من أنه مع العلم بالرضا لا مجال للسؤال، أن الوجة الارتكازي الذي لوحظ في التعليل: أن التمتع لما كان أفضل من غيره كان العدول إليه إحسانا للمستأجر وإن لم يرض به. والاولى الجمع


____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب النيابة في الحج الحديث: 1.

===============

( 39 )

[ جمعا بينه وبين خبر آخر (1): (في رجل أعطى رجلا دراهم يحج بها حجة مفردة. قال (ع): ليس له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج، لا يخالف صاحب الدراهم ". وعلى ما ذكرنا - مع عدم جواز العدول إلا مع العلم بالرضا - إذا عدل بدون ذلك لا يستحق الاجرة في صورة التعيين على وجه القيدية، وإن كان حجه صحيحا عن المنوب عنه ومفرغا لذمته إذا لم يكن ما في ذمته متعينا فيما عين (2). وأما إذا كان على وجه الشرطية فيستحق (3). إلا إذا فسخ المستأجر الاجارة من جهة تخلف الشرط، إذ حينئذ لا يستحق المسمى (4)، بل أجرة المثل. (مسألة 13): لا يشترط في الاجارة تعيين الطريق ] بين الخبرين بتقييد الثاني بالاول، لان الاول ظاهر في صورة التخيير الذي يكون التمتع فيها أفضل. والثاني مطلق فيحمل على غير هذه الصورة، ومنه صورة الجهل بالحال. ثم إن مقتضى التعليل: عموم الحكم لكل مورد كان المعدول إليه أفضل. لكن لا مجال له ضرورة. (1) وهو خبر علي، الذي استظهر في المدارك: أنه ابن رياب (* 1). (2) قد عرفت الاشكال في ذلك، وأنه لا يناسب ما ذكروه في باب نية الوضوء، والغسل، والصلاة. فراجع. (3) لحصول المستأجر عليه بلا نقص فيه. (4) لبطلانه ببطلان الاجارة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب النيابة في الحج حديث: 2.

===============

( 40 )

[ وإن كان في الحج البلدي، لعدم تعلق الغرض بالطريق نوعا، ولكن لو عين تعين ولا يجوز العدول عنه إلى غيره (1). إلا إذا علم أنه لا غرض للمستأجر في خصوصيته وإنما ذكره على المتعارف (2)، فهو راض بأي طريق كان، فحينئذ لو عدل صح، واستحق تمام الاجرة. وكذا إذا أسقط بعد العقد حق تعيينه، فالقول بجواز العدول مطلقا (3)، أو مع عدم العلم بغرض في الخصوصية (4) ضعيف. كالاستدلال له بصحيحة حريز: " عن رجل أعطى رجلا حجة يحج عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة. فقال: لا بأس، إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه " (* 1). إذ هي محمولة على صورة العلم بعدم الغرض كما هو الغالب (5). مع أنها إنما دلت على صحة الحج من حيث ] (1) أخذا بدليل النفوذ والصحة (2) فلا تعيين حينئذ، وإنما الصادر مجرد التعبير. لكنه خلاف الظاهر. ولاسيما بملاحظة أن الحج من الكوفة أكثر ثوابا وأعظم أجرا، لما فيه من بعد المسافة. (3) حكي عن الشيخ في المبسوط. وفى المستند: حكاه عن الشيخين والقاضي، والحلبي والجامع، والارشاد، وغيرهم. (4) حكي عن الشرائع. لكن المذكور فيها: عدم جواز العدول إن تعلق بذلك غرض. انتهى، ونسبه في الجواهر إلى المشهور. (5) هذا المقدار لا يوجب موافقتها للقاعدة، لان التعيين في عقد


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1.

===============

( 41 )

[ هو، لا من حيث كونه عملا مستأجرا عليه كما هو المدعى (1). وربما تحمل على محامل أخر (2). وكيف كان لا إشكال في صحة حجه وبراءة ذمة المنوب عنه إذا لم يكن ما عليه مقيدا ] الاجارة يوجب التعين، عملا بنفوذ العقد. وإنما الذي يوجب موافقتها للقواعد أن يكون ذكره من باب المثال لا لخصوصية فيه، فيكون موضوع الاجارة حقيقة الطريق الكلي الجامع بينه وبين غيره وإن كان اللفظ قاصرا عنه. ولعل المراد ذلك وإن بعد عن ظاهر التعبير. (1) العمدة في الاشكال على الرواية هذه الجهة، فانه لم يظهر من الرواية أن السؤال كان عن جواز العدول تكليفا وعدم الاثم فيه، أو كان عن جوازه وضعا واستحقاق الاجرة، أو عن صحة الحج وبراءة ذمة المنوب عنه به، كل ذلك غير ظاهر. لكن الاقتصاد في الجواب على الصحة يقتضي كون السؤال عنها دون الآخرين، فتسقط الرواية عن صحة الاستدلال بها على المقام. (2) فعن الذخيرة: أن قوله: (من الكوفة) متعلق بقوله: (أعطى) وعن المدارك: أنه صفة لقولة: (رجلا). وعن السيد الجزائري: حملها على ان الشرط خارج عن العقد، وهو لا يجب الوفاء به عند الفقهاء وعن المنتقى: أنه ليس من باب الاجارة بل على وجه الرزق. وكل هذه المحامل بعيدة، فان قرينة المقابلة بين: (من الكوفة) و: (من البصره) تقتضي أنه متعلق بالحج، فلا مجال للاحتمالين الاولين واما احتمال الجزائري فهو خلاف ظاهر السؤال. واما احتمال المنتقى فهو لا يوجب الموافقة للقواعد، لان البذل إذا كان مشروطا بالحج من الكوفة فمع عدم الشرط يكون المبذول مضمونا على المبذول له.

===============

( 42 )

[ بخصوصية الطريق المعين (1)، إنما الكلام في استحقاقه الاجرة المسماة على تقدير العدول وعدمه. والاقوى أنه يستحق من المسمى بالنسبة، ويسقط منه بمقدار المخالفة إذا كان الطريق معتبرا في الاجارة على وجه الجزئية، ولا يستحق شيئا على تقدير اعتباره على وجه القيدية. لعدم اتيانه بالعمل المستأجر عليه حينئذ وإن برئت ذمة المنوب عنه بما أتى به، لانه حينئذ متبرع بعمله. ودعوى: أنه يعد في العرف أنه أتى ببعض ما استؤجر عليه، فيستحق بالنسبة، وقصد التقييد بالخصوصية لا يخرجه عرفا عن العمل ذي الاجزاء - كما ذهب إليه في الجواهر (2) لا وجه ] (1) قد عرفت أن الصحة في المقام تنافي كلمات الاصحاب في مقام آخر. فكأن الرواية هي الفاصلة بين المقامين. وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في المسألة الواحدة والثلاثين (* 1) من الفصل السابق. (2) قال فيها: (وإن كان المراد الجزئية من العمل المستأجر عليه على وجه التشخيص به، فقد يتخيل - في بادي النظر - عدم استحقاق شئ - كما سمعته من سيد المدارك - لعدم الاتيان بالعمل المستأجر عليه، فهو متبرع به حينئذ. لكن الاصح خلافة، ضرورة كونه بعض العمل المستأجر عليه، وليس هو صنفا آخر، وليس الاستئجار على خياطة تمام الثوب فخاط بعضه - مثلا باولى منه بذلك...). ثم استدل على ذلك بأصالة احترام عمل المسلم. أقول: قد عرفت أن أصالة احترام عمل المسلم لا أصل لها بنحو تقتضي الضمان. وأما ما ذكره من مثال: خياطة بعض الثوب، وعدم


____________
(* 1) راجع صفحة: 361 من الجزء: 10 من هذه الطبعة.

===============

( 43 )

[ لها. ويستحق تمام الاجرة ان كان اعتباره على وجه الشرطية الفقهية (1)، بمعنى: الالتزام في الالتزام. نعم للمستأجر خيار الفسخ لتخلف الشرط، فيرجع إلى أجرة المثل. (مسألة 14): إذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة، ثم آجر عن شخص آخر في تلك السنة ] أولوية الضمان فيه مما نحن فيه، فاشكاله أظهر، ضرورة كونه بعض العمل، بخلاف المقام، لانه غيره، لانتفاء المقيد بانتفاء قيده. ومثله: لو استأجره على أن يصلي في المسجد - أو في يوم الجمعة، أو نحوهما من الخصوصيات المشخصة - فخالف، فانه لا وجه للضمان، لانه أكل للمال بالباطل إذ الاجره ملحوظة في مقابل العمل الخاص،. وهو منتف: نعم إذا كان القيد بمحض صورة العبارة، وفى الحقيقة كان الايجار واقعا على من قوله: (آجرتك على أن تحج من الطريق الفلاني): أنه آجره على أن يحرج من أهله في الطريق المذكور ناويا للحج، فيكون سلوك الطريق جزء المستأجر عليه، لكن الفرض خارج عن محل الكلام الذي اختار فيه المصنف - تبعا لجماعة، منهم صاحب المدارك - عدم الاستحقاق. بل الظاهر: أنه ليس محل تأمل وإشكال، كما يظهر من كلماتهم في القيود المشخصة إذا تخلفت: فلاحظ. فان كان خلاف الجواهر في مقام الاثبات فهو غير بعيد. وإن كان في مقام الثبوت فالظاهر ما ذكره المصنف. (1) كما نص عليه في الجواهر. وهو واضح.

===============

( 44 )

[ مباشرة أيضا، بطلت الاجارة الثانية (1)، لعدم القدرة على العمل بها بعد وجوب العمل بالاولى. ومع عدم اشتراط المباشرة فيهما أو في إحداهما صحتا معا. ودعوى: بطلان الثانية وإن لم يشترط فيها المباشرة مع اعتبارها في الاولى - لانه يعتبر في صحة الاجارة تمكن الاجير من العمل بنفسه، فلا يجوز إجارة الاعمى على قراءة القرآن، وكذا لا يجوز اجارة الحائض لكنس المسجد وإن لم يشترط المباشرة - ممنوعة (2)، فالاقوى الصحة. هذا إذا آجر نفسه ثانيا للحج بلا اشتراط المباشرة، وأما إذا آجر نفسه لتحصيله فلا إشكال فيه (3). وكذا تصح الثانية مع اختلاف السنتين، أو مع توسعة الاجارتين، أو توسعة إحداهما. بل وكذا مع إطلاقهما (4)، ] (1) كما ذكر ذلك في الجواهر، معللا بما ذكر. وظاهره: المفروغية عن ذلك لوضوح وجهه. (2) الوجه في المنع ظاهر، وكذا في المثالين المذكورين نعم إذا كان ظاهر الكلام المباشرة، فالاخذ بالظاهر يقتضي البطلان لعدم القدرة. لكن - مع أنه غير ثابت كلية، وأنه خارج عن محل الكلام - يمكن أن يكون العجز قرينة على خلاف الظاهر. اللهم إلا أن يكون المستأجر جاهلا بالحال. ولاجل ذلك قال في الجواهر - بعد ذكر الدعوى المذكورة -: " لكن قد ذكرنا في كتاب الاجاره: احتمال الصحه... " وقد عرفت أن المتعين الجزم بالصحة. (3) لعدم المنافاة بينهما، لامكان اشتغال الذمة بتحصيل حجين في سنة واحدة، ولو بتوسط الاستنابة فيهما أو في أحدهما. (4) عن المنتهى: أنه جزم بالجواز فيه) ومثله غيره. لكن عن الشيخ

===============

( 45 )

[ أو اطلاق إحداهما (1) إذا لم يكن انصراف إلى التعجيل (2). ولو اقترنت الاجارتان - كما إذا آجر نفسه من شخص، ] وغيره بطلان الثانية، واختاره المحقق في الشرائع، بل يظهر منه التوقف في صحة الثانية إذا كانت معينة في غير السنة الاولى. لكن عن المعتبر: الجزم بالصحة حينئذ. وهو كذلك إذا لا مجال لاحتمال المزاحمة. وكأن مبنى القول ببطلان الثانية - المحكي عن الشيخ وغيره -: أن مقتضى الاطلاق التعجيل، فتكون الثانية مزاحمة للاجارة الاولى فتبطل. لكن عرفت: أن التعجيل، وإن كان مقتضى قاعدة السلطنة، إلا أنه لا يبطل الثانية، وإنما يبطلها إذا كان قيدا في العمل المستأجر عليه، فتتزاحم الاجارتان. لكنه غير ثابت، والتعجيل - المستفاد من قاعدة السلطنة - لا يرفع القدرة المعتبرة في صحة الاجارة، ولا يوجب الفسخ عند التخلف. ولذلك ذكر في القواعد وغيرها: أن إطلاق الاجارة يقتضي التعجيل فان أهمل لم ينفسخ بل ولا يجب الخيار عند التخلف، لان اقتضاءه للفسخ مبني على أخذه قيدا، واقتضاؤه الخيار مبني على أخذه شرطا، وكلاهما غير ثابت. (1) قد عرفت إشكاله فيما لو كانت الاولى مطلقة والثانية مقيدة بالتعجيل. نعم يتم لو كان الامر بالعكس، لما تقدم في المطلقتين. (2) عن الشهيد - في بعض تحقيقاته - أن إطلاق الاجارة يقتضي التعجيل. وفى الجواهر: (صرح باقتضاء الاطلاق فيه - يعني: في الحج - التعجيل جماعة...). وفى المدارك: ان مستنده غير واضح. وفى الجواهر - بعد نقله ذلك - قال: (وهو كذلك، بناء على الاصح من عدم اقتضاء الامر الفور، والفرض عدم ظهور في الاجارة بكون قصد المستأجر ذلك...). وفيه: أنه لا مجال للمقايسة على الامر، لان

===============

( 46 )

[ وآجره وكيله من آخر في سنة واحدة، وكان وقوع الاجارتين في وقت واحد - بطلتا معا مع اشتراط المباشرة فيهما (1). ولو آجره فضوليان من شخصين - مع اقتران الاجارتين - يجوز له إجازة إحداهما، كما في صورة عدم الاقتران (2). ولو آجر نفسه من شخص، ثم علم أنه آجره فضولي من ] إطلاق مادة الامر يقتضي نفي اعتبار الفورية والتراخي، فالفورية تحتاج إلى دليل. وفى باب الاجارة وإن كان الاطلاق يقتضي نفي الفور والتراخي والتعجيل والتأجيل، لكن قاعدة السلطنة على الاموال والحقوق تقتضي وجوب المبادرة إلى الاداء، لان التأخير خلاف القاعدة المذكورة، وكذلك الكلام في الثمن والمثمن. ومن ذلك يظهر أنه - مع إطلاق الاجارة الاولى - لا مجال للاجارة الثانية إذا كانت مقيدة بالتعجيل، لانتفاء القدرة على الاداء، ويصح إذا كانت على التأجيل. وكذلك لو كانت الاولى على التأجيل، فانه تصح الثانية وإن كانت مطلقة. أما لو كانتا مطلقتين فلا مانع من صحتهما، أما الاولى فلعدم المزاحم، وأما الثانية فلان المستأجر عليه لما كان هو الطبيعة المطلقة فالقدرة - المعتبرة في صحة الاجارة - القدرة عليه ولو بالقدرة على بعض أفراده في الزمان اللاحق. (1) كما نص على ذلك في الجواهر. لتنافيهما فلا يمكن صحتهما، وصحة إحداهما المعينة دون الاخرى ترجيح بغير مرجح، وصحه إحداهما بلا تعيين لا يترتب عليها أثر فتلغى. (2) فتصح المجازة لعموم الادلة، وتبطل الاخرى وإن أجازها، لما سبق في الاجارة الثانية الصادرة منه.

===============

( 47 )

[ شخص آخر سابقا على عقد نفسه، ليس له إجازة ذلك العقد وإن قلنا بكون الاجازة كاشفة، بدعوى: أنها حينئذ تكشف عن بطلان إجارة نفسه. لكون إجارته نفسه مانعا عن صحة الاجازة حتى تكون كاشفة (1). وانصراف أدلة صحة الفضولي عن مثل ذلك. (مسألة 15): إذا آجر نفسه للحج في سنة معينة لا يجوز له التأخير (2)، بل ولا التقديم (3)، الا مع رضى ] (1) لان الاجازة إنما تستوجب النفوذ إذا كانت صادرة من السلطان، وبعد وقوع الاجارة الاولى منه تخرج المنافع عن سلطانه وتكون للمستأجر، فإذا أجاز إجارة الفضولي فقد أجاز وهو غير سلطان. وكذا الحكم إذا باع الفضولي ملك غيره ثم باع المالك ملكه، فانه لا مجال لاجازة المالك بعد خروج الملك عن ملكه، إذ لا سلطان له عليه. فراجع كلماتهم في مبحث الفضولي. (2) لان تعيين الزمان اقتضى استحقاق المستأجر الزمان المعين، فالتأخير تفويت لحق المستأجر، فيكون حراما. (3) فلو قدم لم يجزئ ولم يستحق الاجرة، لانه غير المستحق. وعن التذكرة: (الاقرب الجواز، لانه زاد خيرا...) وفى المدارك: (في الصحة وجهان، أقربهما ذلك، مع العلم بانتفاء الغرض بالتعيين...). وفيه - كما في الجواهر -: أنه يرجع إلى عدم إرادة التعيين من الذكر في العقد، وحينئذ لا إشكال في الاجزاء. إنما الكلام فيما اعتبر فيه التعيين، ولا ريب في عدم الاجزاء به عن الاجارة، إلا إذا كان بنحو الشرطية لا التشخيص للعمل.... أقول: التعيين للزمان تارة: يكون في مقابل التأخير، بمعنى: عدم

===============

( 48 )

[ المستأجر. ولو أخر لا لعذر أثم، وتنفسخ الاجارة إن كان التعين على وجه التقييد، ويكون للمستأجر خيار الفسخ لو كان على وجه الشرطية. وإن أتى به مؤخرا لا يستحق الاجرة على الاول، وإن برئت ذمة المنوب عنه به. ويستحق المسماة على الثاني، إلا إذا فسخ المستأجر فيرجع إلى أجرة المثل. وإذا أطلق الاجارة، وقلنا بوجوب التعجيل لا تبطل مع الاهمال (1). وفي ثبوت الخيار للمستأجر حينئذ وعدمه وجهان من أن الفورية ليست توقيتا، ومن كونها بمنزلة الاشتراط (2). ] جواز التأخير عنه، وأخرى: في مقابل التقديم، بمعنى: عدم جواز التقديم عليه، وثالثة: في مقابلهما معا. وفى الاولى لا يجوز التأخير، ويجوز التقديم. وفى الثانية بالعكس. وفى الثالثة لا يجوز كل منهما. والظاهر من نفس التعيين الصورة الثالثة. إلا أن تكون قرينة على إحدى الاولتين فيعمل عليها. (1) لعدم كونه قيدا. وعن الدروس: (ولو أطلق اقتضى التعجيل فلو خالف الاجير فلا أجرة له...). وظاهره اعتباره قيدا. (2) يعني: فيكون تخلفه موجبا للخيار. وهو - أيضا - ظاهر عبارة أخرى للدروس) قال: (ولو أهمل لعذر فلكل منهما الفسخ في المطلقة في وجه قوي. ولو كان لا لعذر تخير المستأجر خاصة...). ولا يخلو ما ذكره هنا من منافاة ما سبق عنه. فلاحظ. ثم إن المناسب للمصنف التعبير هكذا: (لو قلنا بوجوب التعجيل، فاما أن نقول بأنه قيد فتبطل مع إهماله، أو أنه شرط فيكون للمستأجر

===============

( 49 )

[ (مسألة 16): قد عرفت عدم صحة الاجارة الثانية فيما إذا آجر نفسه من شخص في سنة معينة ثم آجر من آخر في تلك السنة، فهل يمكن تصحيح الثانية باجازة المستأجر الاول أولا؟ فيه تفصيل (1)، وهو: أنه إن كانت الاولى ] الخيار باهماله) فان دليل التعجيل - لو قلنا به - ليس بأيدينا كي نجزم بأنه لا يدل على كونه بنحو التقييد. كما أن المدار في الخيار تخلف الشرط لا فوات الوقت. والامر سهل. (1) الكلام في المقام إنما هو في صورة تنافي الاجارتين لاشتراط المباشرة فيهما معا، فلو لم تعتبر المباشرة فيهما - أو في إحداهما - فلا إشكال في صحتهما معا، كما سبق في المسألة الرابعة عشرة. وحينئذ نقول: إذا اشترط المباشرة فيهما فالاجارتان تارة: تكونان واقعتين على ما في الذمة، وأخرى: على ما في الخارج، أعني: المنفعة الخاصة الخارجية، وثالثة: تكونان مختلفتين، فتكون الاولى على ما في الذمة والثانية على ما في الخارج، أو بالعكس. وفى جميع الصور الاربعة تارة: يكون موضوعا الاجارتين متماثلين، وأخرى: متضادين. مثال الصورة الاولى: أن يستأجر زيدا على أن يحج - في سنة معينة - عن عمرو، ثم يستأجره خالد على أن يحج في تلك السنة عن الوليد، على أن يكون مقصود المستأجرين إشغال ذمته بالحج عن عمرو وعن الوليد. ومثال الصورة الثانية: المثال المذكور يعينه على أن يكون مقصود المستأجرين تملك منفعته الخاصة من دون إشغال لذمته بشئ. ومثال الاخيرتين يعلم مما ذكر من المثالين، فانه إذا كانت الاولى على النحو الاول والثانية على النحو الثاني كان مثالا للصورة الثالثة، وإذا كان بالعكس كان مثالا للصورة الرابعة. وموضوعا

===============

( 50 )

الاجارتين متماثلان، وإذا بدلنا الحج عن خالد بزيارة الحسين (ع) يوم عرفة كانا متضادين. وفى جميع هذه الصور لا تصح الاجارة الثانية بدون إجازة المستأجر الاول، لما سبق من أنها منافية لحقه. كما أن الظاهر أنها تصح باجازته، إذ لا يعتبر في صحة العقد بالاجازة أن يكون المجيز مالكا لموضوع العقد، بل يكفي في صحة العقد بالاجازه ان يكون العقد - لولا الاجازه - منافيا لحق غير العاقد، فإذا أجاز ذو الحق لم يكن مانع من نفوذ العقد. ولذا صح بيع العين المرهونة باجازة المرتهن وإن لم يكن مالكا لموضوع الحق، ويصح بيع أموال المفلس باجازة الغرماء.. إلى غير ذلك من موارد الاجازة ممن له الحق، المانع - لولا الاجازة - من نفوذ العقد على موضوع الحق. ومرجع الاجازة: إما إلى الاقالة وانفساخ العقد الاول، فلا يرجع الاجير على المستأجر الاول بالاجرة. أو إلى إسقاط ماله على الاجير من حق ملكه بالاجارة - وهو العمل الخاص على نحو المباشرة - فيكون إبراء لما في ذمته، أو إسقاطا لما ملكه عليه من المنفعة الخاصة. لكن مقتضى نفس الاجازة هو الثاني، لان الاقالة محتاجة إلى تراضي الطرفين، لانها من العقود، فتكون أجرة الاجارة الثانية راجعة للاجير من دون حق للمستأجر فيها. نعم إذا كانت الاجارة الثانية واردة على نفس موضوع الاجارة الاولى كان مقتضى الاجازة رجوع أجرة الاجارة الثانية إلى المستأجر الاول، لانها عوض ملكه. مثل: أن يستأجره الاول ليحج عن زيد في سنة معينة، فيستأجره الثاني على أن يحج عن زيد أيضا في تلك السنة بأجرة معينة، فان الاجارة الثانية واقعة على نفس ما ملكه المستأجر الاول، فإذا أجازها ملك الاجرة المسماة فيها، وكان للاجير أجرته المسماة في الاجارة الاولى.

===============

( 51 )

[ واقعة على العمل في الذمة لا تصح الثانية بالاجارة، لانه ] وهذا واضح إذا كانت الاولى واقعة على المنفعة الخاصة الخارجية والثانية عليها أيضا، أما إذا كانت الاولى على ما في الذمة والثانية على المنفعة الخاصة - أو بالعكس - فموضوع الاجارتين مختلف، ولا تكون الاجازة موجبة لرجوع أجرة الثانية إلى المستأجر الاول، بل يجري حكم المتضادين والمتماثلين، من رجوع الاجازة إلى الفسخ والاقالة، فلا يكون للمستأجر إلا الاجرة الثانية. أو إلى إسقاط المستأجر الاول حقه على الاجير، فيستحق الاجرة عليه وعلى المستأجر الثاني. وإذا استأجره الاول على الحج عن زيد مباشرة في الذمة، ثم استأجره الثاني على الحج عن زيد مباشرة أيضا في الذمة، ففي كون موضوع الاجارتين واحدا، وبالاجازة تكون أجرة الثانية للمستأجر الاول وأجرة الاولى للاجير. أو متعددا، فيجري حكم المتضادين الذي عرفت إشكاله وجهان. وإن كان الاقوى الثاني، لان ما في الذمة لا يتعين كونه للمستأجر الاول إلا بالتعيين، بخلاف ما في الخارج. ولذا لو فرض إمكان الجمع بينهما - كما لو استأجره زيد ليزور عن عمرو يوم عرفة، واستأجره خالد ليزور عن عمرو في ذلك اليوم - صحت الاجارتان، ووجبت زيارتان عن عمرو إحداهما لزيد والاخرى لخالد. وامتناع الاجتماع - في مثل الحج في سنة واحدة - لا يجعل موضوع الثانية عين موضوع الاولى، كي تكون الثانية واقعة على مال المستأجر الاول. نعم إذا استأجره الثاني على أن يحج عن زيد ملاحظا الحج الذي ملكه الاول عليه، كانت الثانية واقعة على مال المستأجر الاول، فإذا أجازها الاول استحق الاجرة الثانية وكان للاجير أجرة الاجارة الاولى. فلاحظ.

===============

( 52 )

[ لا دخل للمستأجر بها، إذا لم تقع على ماله حتى تصح له إجازتها (1). وإن كانت واقعة على منفعة الاجير في تلك السنة - بأن تكون منفعته من حيث الحج، أو جميع منافعه له - جاز له إجازة الثانية، لوقوعها على ماله. وكذا الحال في نظائر المقام. فلو آجر نفسه ليخيط لزيد في يوم معين، ثم آجر نفسه ليخيط أو ليكتب لعمرو في ذلك اليوم، ليس لزيد إجازة العقد الثاني. وأما إذا ملكه منفعته الخياطي (2)، فأجر نفسه للخياطة أو للكتابة لعمرو (3)، جاز له اجازة هذا العقد، لانه تصرف في متعلق حقه، وإذا أجاز يكون مال الاجارة له لا للمؤجر. نعم لو ملك منفعة خاصة - كخياطة ] (1) قد عرفت إشكاله مما سبق، وكذا قوله بعد ذلك: (ليس لزيد إجازة...). (2) يعني: مطلق المنفعة الخارجية الخياطية المطلقة. أما لو كان الخياطية الخاصة الراجعة لزيد - يعني: خياطة ثوبه مثلا - فان آجره الثاني على الخياطة لعمرو، فالخياطة الثانية غير الخياطة الاولى، فلا تكون موردا للاجارة الاولى، كما سيأتي. (3) ينبغي أن يكون مثالا لما إذا آجره الاول لمطلق الكتابة الخارجية نظير ما سبق في الخياطة، وإلا لم تكن الثانية واقعة على مال المستأجر الاول، كما سيأتي. ثم إن المتحصل مما ذكرنا أمور: الاول: أن الاجارة الثانية إذا كانت بحيث لا يمكن العمل بهما مع الاجارة الاولى لا تصح بدون الاجازة من المستأجر الاول، لانتفاء القدرة

===============

( 53 )

على موضوعها، وتصح باجازته. سواء أكانت الثانية واقعة على عين ما وقعت عليه الاجارة الاولى، أم على مثله، أم على ضده. وكأن عذر المصنف (ره) في عدم صحة الاجازة: أن معنى الاجازة الرضا بالعقد، ولما لم يكن العقد واقعا على ما تعلق به لم يكن معنى لاجازتة. لكن اختصاص الاجازة بذلك غير ظاهر، إذ يكفي في صحة الاجازة كون العقد منافيا لحقه، فإذا رضي فقد رفع اليد عن حقه، فان هذا هو المعني من صحة الاجازة. وإن كان هو في الحقيقة إسقاطا للحق، الموجب لانتفاء المانع عن صحة العقد. فكأن النزاع لفظي لا غير. الثاني: أن الاجارة الثانية إذا كانت واقعة على عين ما وقعت عليه الاجارة الاولى كان مقتضى الاجازة استحقاق المستأجر الاول الاجرة المسماة في الاجارة الثانية، ويكون للاجير الاجرة المسماة في الاجارة الاولى لا غير. وإذا كانت واقعة على غير ما وقعت عليه الاجارة الاولى كان مقتضى الاجازة سقوط حق المستأجر الاول، وحينئذ يستحق الاجير الاجرة الاولى والاجرة الثانية معا. الثالث: أن الاجازة نفسها راجعة إلى إسقاط الحق لا غير. والحمل على التفاسخ محتاخ إلى قرينة تدل على وقوع الاقالة عن تراضي الطرفين، فإذا لم تكن القرينة يحكم بالاول لا غير. الرابع: أن الاجارة تارة: تكون بلحاظ تمليك منفعة في الذمة، وأخرى: بلحاظ منفعة خارجية. نظير إجارة الحيوان، واجارة المساكن - بل واجارة المولى عبده - فان مقتضاها تمليك نفس المنفعة الخارجية التي تكون للعين المستأجرة من دون إشغال ذمة، فان المولى إذا آجر عبده فقد ملك منفعته للمستأجر، من دون إشغال ذمته بشئ ولا ذمة عبده. وكذلك

===============

( 54 )

[ ثوب معين، أو الحج عن ميت معين على وجه التقييد - يكون كالاول في عدم إمكان إجازته (1). (مسألة 17): إذا صد الاجير أو أحصر كان حكمه ] في الحر إذا أجر نفسه. والمصحح للاجارة على النحو المذكور هو قاعدة السلطنة على النفس، المستفادة من قاعدة: (سلطنة الناس على أموالهم) بالاولوية، بل الاجارة على النحو الاول - الموجب لاشتغال ذمة الاجير بالعمل أيضا - هي مقتضى تلك القاعدة المتصيدة، لا قاعدة السلطنة على المال. لان التصرف راجع إلى إشغال الذمة بالعمل، ولا تصرف في المال. إذ لا مال ولا موضوع. الخامس: أن المباشرة إذا كانت شرطا لا قيدا فالاجازة للعقد الثاني لا تقتضي سقوط أصل العمل، إذ يمكن تنفيذها باسقاط شرط المباشرة فقط، وحينئذ يبقى العمل في الذمة لا بقيد المباشرة، فيجب على الاجير تحصيله بنحو التسبيب. فإذا لم تكن قرينة على أحد الامرين يبنى على سقوط الشرط فقط، ويجب على المستأجر تحصيل العمل بالتسبيب. وما ذكرناه أولا - من أن مقتضى الاجازة إسقاط نفس العمل - يختص بصورة ما إذا كانت الاجارة لوحظ فيها المباشرة بنحو التقييد. (1) يعني: إذا كانت الاجارة الثانية واقعة على منفعة خاصة أخرى، مثل خياطة ثوب آخر، أو الحج عن ميت آخر، أما إذا كانت واقعة عليه نفسه - كما إذا استأجره أحد أولاد زيد على أن يحج عن أبيه بدينار، فاستأجره ولد زيد الآخر أيضا على أن يحج عن أبيه بدينارين - يمكن حينئذ للاول أن يجيز الاجارة الثانية، ويملك الاجرة المسماة فيها.

===============

( 55 )

[ كالحاج عن نفسه فيما عليه من الاعمال (1). وتنفسخ الاجارة مع كونها مقيدة بتلك السنة (2)، ويبقى الحج في ذمته مع الاطلاق. وللمستأجر خيار التخلف إذا كان اعتبار تلك السنة على وجه الشرط في ضمن العقد. ولا يجزئ عن المنوب عنه وإن كان بعد الاحرام ودخول الحرم (3)، لان ذلك كان في خصوص الموت من جهة الاخبار، والقياس عليه لا وجه له ولو ضمن المؤجر الحج في المستقبل - في صورة التقييد - لم تجب إجابته. والقول بوجوبه (4) ضعيف. وظاهرهم ] (1) الظاهر أنه لا إشكال فيه عندهم. ويقتضيه عموم الادلة المثبتة لتلك الاحكام، فان إطلاقها شامل للحاج عن نفسه والحاج عن غيره. (2) لتعذر العمل المستأجر عليه، الكاشف عن عدم صحة تمليكه وتملكه. (3) عن الشيخ في الخلاف: أن الاحصار بعد الاحرام كالموت بعده في خروج الاجير من العهدة. واستدل عليه باجماع الفرقة. مع أن الحكم منصوص لهم لا يختلفون فيه... انتهى. وضعفه ظاهر مما ذكره المصنف. وكأن استدلاله بالاجماع قرينة على وقوع السهو - من قلمه الشريف، أو قلم غيره - في ذكر الاحصار، كما ظنه في كشف اللثام. وإن كان ظاهر قول المحقق في الشرائع: - (ولو صد قبل الاحرام استعيد من الاجرة بنسبة المختلف...) - موافقته فلاحظ. (4) حكى في الشرائع قولا بالوجوب، ونسبه غير واحد إلى ظاهر المقنعة والنهاية والمهذب. وفى الجواهر: (ربما قيل: إنه ظاهر المبسوط والسرائر وغيرهما...). وضعفه - أيضا - ظاهر، لعدم، الدليل عليه.

===============

( 56 )

[ استحقاق الاجرة بالنسبة ما أتى به من الاعمال (1). وهو مشكل، لان المفروض عدم اتيانه للعمل المستأجر عليه، وعدم فائدة فيما أتى به. فهو نظير الانفساخ في الاثناء لعذر غير الصد والحصر، وكالانفساخ في أثناء سائر الاعمال المرتبطة لعذر في اتمامها. وقاعدة احترام عمل المسلم لا تجري، لعدم الاستناد إلى المستأجر، فلا يستحق أجرة المثل أيضا. (مسألة 18): إذا أتى النائب بما يوجب الكفارة فهو من ماله (2). (مسألة 19): إطلاق الاجارة يقتضي التعجيل - بمعنى: الحلول في مقابل الاجل - (3) لا بمعنى الفورية، إذ لا دليل عليها. والقول بوجوب التعجيل إذا لم يشترط الاجل ضعيف فحالها حال البيع، في أن إطلاقه يقتضي الحلول، بمعنى: ] (1) قد تقدم الكلام في ذلك في المسالة الحادية عشرة. فراجع. (2) بلا خلاف أجده بيننا - كما اعترف به بعضهم - بل عن الغنية: الاجماع عليه. كذا في الجواهر، ونحوه في كشف اللثام. فان ذلك مقتضى الخطاب. ولا سيما بملاحظة كونه عقوبة له على ما صدر منه، فلزوم ذلك في مال غيره يحتاج إلى دليل مفقود: (3) قد تقدم في المسالة الرابعة عشرة. الكلام في ذلك، وأن التعجيل مقتضى قاعدة السلطنة على المال. سواء أكان في الذمة أم في الخارج. وكما أن إيفاء المال في اليد بلا إذن المالك حرام كذلك إبقاؤه في الذمة. وليس ذلك مبنيا على ظهور الكلام في التعجيل، كي يدعى

===============

( 57 )

[ جواز المطالبة، ووجوب المبادرة معها (1). (مسألة 20): إذا قصرت الاجرة لا يجب على المستأجر إتمامها. كما أنها لو زادت ليس له استرداد الزائد (2). نعم ] أنه خلاف الاطلاق. أو على أن الامر يقتضي الفور، كي يدعي أنه خلاف التحقيق (1) ظاهره: أنه مع عدم المطالبة لا يجب الدفع وان لم يأذن المالك بالتأخير، وإشكاله ظاهر، لما عرفت من أنه خلاف قاعدة السلطنة، وما دل على حرمة حبس الحقوق. ولذا لو علم أن المالك لم يطالب بالدفع - لجهله بالموضوع، أو بالحكم - لا يجوز التأخير في الدفع. نعم إذا كان عالما وترك المطالبة كان ذلك ظاهرا في الرضا بالتأخير والاذن فيه. (2) الحكمان المذكوران ذكرهما الاصحاب، من دون تعرض منهم لخلاف أو احتمال. وفى الجواهر: (وكأن تعرض المصنف وغيره لذلك - مع وضوحه، وعدم الخلاف فيه بيننا، نصا وفتوى - لتعرض النصوص له، وللتنبيه على خلاف أبي حنيفة، المبني على ما زعمه من بطلان الاجارة، فلا يجب على المستأجر الدفع إلى الاجير). وفى التذكرة: (حكي عن أبي حنيفة منع الاجارة على الحج، فيكون الاجير نائبا محضا وما يدفع إليه من المال يكون رزقا لطريقه، فلو مات. أو أحصر، أو ضل الطريق، أو صد لم يلزمه الضمان لما أنفق عليه، لانه إنفاق باذن صاحب المال). والاشكال عليه - في أصل الحكم - ظاهر مما سبق. كالاشكال عليه فيما فرعه لان ذلك قصد المستأجر والاجير، إذ هما إنما قصدا المعاوضة. مع أن الاذن في الصرف مبني على وقوع الحج لا مطلقا. فتأمل.

===============

( 58 )

[ يستحب الاتمام كما قيل (1). بل قيل: يستحب على الاجير أيضا رد الزائد (2). ولا دليل بالخصوص على شئ من القولين. نعم يستدل على الاول: بأنه معاونة على البر والتقوى (3) وعلى الثاني: بكونه موجبا للاخلاص في العبادة (4). (مسألة 21): لو أفسد الاجير حجه بالجماع قبل المشعر فكالحاج عن نفسه يجب عليه إتمامه، والحج من قابل، وكفارة بدنة (5). وهل يستحق الاجرة على الاول أولا؟ قولان، مبنيان على أن الواجب هو الاول وأن الثاني عقوبة، أو هو الثاني وأن الاول عقوبة (6). قد يقال بالثاني، للتعبير ] (1) حكي عن النهاية، والمبسوط، والمنتهى. (2) ذكر ذلك في التذكرة، معللا له بقوله: (ليكون قصده بالحج القربة لا العوض...). (3) إنما يتم لو كان في أثناء العمل، وكان الاكمال يتوقف على الاتمام. (4) يعني: أقرب إلى الاخلاص. لكنه يختص بما إذا كان قبل تمام العمل، إذ لو كان بعده لم يكن موجبا لانقلابه عما هو عليه. (5) الظاهر أنه لا إشكال فيه ولا خلاف. وفى الجواهر: نفي وجدان الخلاف في وجوب الحج من قابل، وأنه يمكن تحصيل الاجماع عليه. (6) قال في الشرائع: (وإذا أفسد حجه حج من قابل. وهل تعاد الاجرة عليه؟ يبنى على القولين...). ويريد من القولين: القولين اللذين ذكرهما المصنف. وظاهره انفساخ الاجارة، بناء على أن الثاني فرضه وإن كانت مطلقة. وأما عبارة المتن فمختصة بالمعينة، كما يأتي.

===============

( 59 )

[ في الاخبار بالفساد، الظاهر في البطلان (1). وحمله على إرادة النقصان وعدم الكمال مجاز لا داعي إليه. وحينئذ فتنفسخ الاجارة إذا كانت معينة، ولا يستحق الاجرة، ويجب عليه الاتيان في القابل بلا أجرة. ومع إطلاق الاجارة تبقى ذمته مشغولة، ويستحق الاجرة على ما يأتي به في القابل (2). والاقوى صحة الاول، وكون الثاني عقوبة (3). لبعض ] (1) قال في الجواهر: (التحقيق: أن الفرض الثاني، لا الاول الذي اطلق عليه اسم الفاسد، في النص والفتوى. واحتمال ان هذا الاطلاق مجاز لا داعي إليه، بل هو مناف لجميع ما ورد - في بيان المبطلات - في النصوص، من أنه قد فاته الحج، ولا حج له، ونحو ذلك مما يصعب ارتكاب المجاز فيه. بل مقتضاه ان الحج لا يبطله شئ أصلا، وإنما يوجب فعل هذه المبطلات الاثم والعقوبة. وهو كما ترى). (2) هذا الاستحقاق مبني على ان الحج في القابل عن المنوب عنه، لا عن نفس النائب عقوبة، كما عن الخلاف والمبسوط والسرائر. وسيأتى الكلام فيه. (3) هذا أحد القولين المشهورين - كما في المدارك - ونسب إلى الشيخ واختاره في الجواهر، في مبحث كفارات الاحرام. في الحج عن نفسه. قال (ره): (نعم قد يقال: إن المراد بالفساد كونها كالفاسدة، باعتبار وجوب الاعادة ولو عقوبة لا تداركا. والدليل على ذلك ما سمعته من التصريح في صحيح زرارة: بأن الاولى هي الحج والثانية عقوبة. والمناقشة باضماره يدفعها: معلومية كونه الامام، ولو بقرينة كون المضمر

===============

( 60 )

[ الاخبار الصريحة في ذلك في الحاج عن نفسه (1)، ولا فرق بينه وبين الاجير (2). ولخصوص خبرين في خصوص الاجير (3) ] مثل زرارة، المعلوم عدم نقله عن غير الامام...) إلى آخر ما ذكره في تقريب صحة الاولى. (1) يريد به حسن زرارة - بل صحيحه - المروي في الكافي قال: (سألته عن محرم غشي امرأته. قال (ع): جاهلين أم عالمين؟ قلت: أجبني على الوجهين جميعا. قال (ع): إن كانا جاهلين استغفرا ربهما، ومضيا على حجهما وليس عليهما شئ. وإن كانا عالمين فرق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه، وعليهما بدنة، وعليهما الحج من قابل. فإذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا نسكهما ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا. قلت: فأي الحجتين لهما؟ قال (ع): الاولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، والاخرى عليهما عقوبة) (* 1): (2) لظهور الدليل في كون ذلك من أحكام الحج، من دون دخل لكونه عن نفسه. (3) قال في الجواهر: (وخبرا المقام - اللذان ستسمعهما - وإن كانا ظاهرين في أن الفرض الاول، إلا أنه يجب حملهما على إرادة إعطاء الله تعالى للمنوب عنه حجة تامة تفضلا منه، وإن قصر النائب في افسادها وخوطب بالاعادة. فلا محيص عن القول بأن الفرض الثاني...). أقول: لا يخفى أن التصرف في الخبرين بما ذكر ليس بأسهل من التصرف في الاخبار السابقة، بحمل الفساد على النقص الموجب للعقوبة. وقد ذكر (قده) في مبحث الكفارات: بعض الموارد التي ذكر فيها اسم


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب كفارات الاستمتاع في الاحرام حديث: 9.

===============

( 61 )

[ عن إسحاق بن عمار عن أحدهما (ع) قال: (1) " قلت: فان ابتلي بشئ يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل، أيجزئ عن الاول؟ قال: نعم. قلت: فان الاجير ضامن للحج؟ قال: نعم " (* 1). وفي الثاني، سأل الصادق (ع) عن رجل حج عن رجل، فاجترح في حجه شيئا يلزم فيه الحج من قابل أو كفارة. قال (ع): " هي للاول تامة، وعلى هذا ما اجترح " (* 2). فالاقوى استحقاق الاجرة على الاول، وإن ترك الاتيان من قابل، عصيانا أو لعذر (2). ] الفساد في مورد الصحة. ولعله واضح. (1) صدر الحديث: (سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة، فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه، فيموت قبل ان يحج ثم أعطى الدراهم غيره. قال (ع): إن مات في الطريق، أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فانه يجزئ عن الاول. قلت: فان ابتلي...) إلى آخر ما في المتن، فالمراد من الاول - في الفقرة المذكورة في المتن -: الشخص الاول، لا الحج الاول. وضمير: (يجزئ) راجع إلى الحج الذي وقع فيه المفسد. (2) هذا ينبغي أن يبتني على ما يبتني عليه الحكم الآتي - وهو أن الحج الثاني لا يرتبط بالحج الاول، ولا تدارك فيه لنقص ورد في الاول وإنما هو محض عقوبة - فانه على هذا المبنى لا دخل للثاني في استحقاق


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 15 من ابواب النيابة في الحج حديث: 2.

===============

( 62 )

[ ولا فرق بين كون الاجارة مطلقة أو معينة. وهل الواجب إتيان الثاني بالعنوان الذي أتى به الاول - فيجب فيه قصد النيابة عن المنوب عنه وبذلك العنوان - أو هو واجب عليه تعبدا، ويكون لنفسه؟ وجهان، لا يبعد الظهور في الاول (1) ولا ينافي كونه عقوبة، فانه يكون الاعادة عقوبة. ولكن الاظهر الثاني (2). والاحوط أن يأتي به بقصد ما في الذمة. ثم لا يخفى عدم تمامية ما ذكره ذلك القائل، من عدم استحقاق ] الاجرة. أما بناء على أنه تدارك للنقص الواقع فيه فاللازم عدم استحقاق الاجرة بدونه. والمصنف هنا جزم باستحقاق الاجرة وإن ترك الثاني عصيانا أو لعذر، وفى الحكم الآتي كان له نوع تردد وتوقف. بل قد يشكل استحقاق الاجرة على الاول في صورة التعيين، وإن قلنا بصحة الاول - بناء على أن الثاني مكمل للاول - لان الاجارة كانت على الاتيان به في السنة الاولى كاملا، فالاستحقاق وعدمه أيضا يبتنيان على ما ذكر. (1) وجهه: أن ظاهر الدليل أن الحج في القابل هو الحج الذي أفسده، فيكون نظير القضاء، فإذا كان الاول نائبا فيه كان الثاني كذلك. ولذلك ذكر في الجواهر: أنه - بناء على ما اختاره، من فساد الاول وكون الثاني فرضه، وانفساخ الاجارة الموقتة - يجب على النائب الاتيان بالحج في القابل بنية النيابة عن المنوب عنه بلا عوض، ويجزئ عن المنوب عنه. (2) لان ظاهر كونه عقوبة: أنه تدارك لما ورد على النائب نفسه من نقص، فيكون الفعل عن نفسه لا عن غيره

===============

( 63 )

[ الاجرة - في صورة كون الاجارة معينة - ولو على ما يأتي به في القابل، لانفساخها، وكون وجوب الثاني تعبدا، لكونه خارجا عن متعلق الاجارة وإن كان مبرئا لذمة المنوب عنه (1). وذلك: لان الاجارة وإن كانت منفسخة بالنسبة إلى الاول، ولكنها باقية بالنسبة إلى الثاني تعبدا، لكونه عوضا شرعيا تعبديا عما وقع عليه العقد (2)، فلا وجه لعدم استحقاق الاجرة على الثاني. وقد يقال: بعدم كفاية الحج الثاني أيضا في تفريغ ذمة المنوب عنه، بل لا بد للمستأجر أن يستأجر مرة أخرى في صورة التعيين، وللاجير أن يحج ثالثا في صورة الاطلاق. لان الحج الاول فاسد، والثاني إنما وجب للافساد عقوبة، فيجب ثالث، إذا التداخل خلاف الاصل (3). وفيه: ان ] (1) قد عرفت أن القائل هو صاحب الجواهر. وقد فرع على ما ذكر سابقا بقوله: (فلا محيص عن القول بأن الفرض حينئذ الثاني. كما لا محيص - بناء على ذلك - عن القول بانفساخ الاجارة إذا فرض كونها معينة، وعود الاجرة لصاحبها...) (2) لم يتضح وجه ذلك. فان الدليل لم يرد في الاجارة، كي يدعى ظهوره في استحقاقا الاجرة ولو من جهة السكوت في مقام البيان، وإنما ورد في الحاج عن نفسه، فإذا بني على التعدي عنه إلى الاجير، فقد دل على فراغ ذمة المنوب عنه بالثاني. أما استحقاق الاجرة، وأن الثاني عوض شرعي عن المستأجر عليه الموقت في السنة الاولى، فلم يظهر من الدليل. (3) القائل: العلامة في القواعد. وحكاه - في كشف اللثام - عن

===============

( 64 )

[ هذا إنما يتم إذا لم يكن الحج في القابل بالعنوان الاول، والظاهر من الاخبار - على القول بعدم صحة الاول - وجوب إعادة الاول وبذلك العنوان، فيكفي في التفريغ (1)، ولا يكون من باب التداخل، فليس الافساد عنوانا مستقلا. نعم إنما يلزم ذلك إذا قلنا: إن الافساد موجب لحج مستقل لا على نحو الاول، وهو خلاف ظاهر الاخبار. وقد يقال في صورة التعيين: إن الحج الاول إذا كان فاسدا وانفسخت الاجارة يكون لنفسه فقضاؤه في العام القابل أيضا يكون لنفسه، ولا يكون مبرئا لذمة المنوب عنه، فيجب على المستأجر استيجار حج آخر (2). ] المبسوط والخلاف والسرائر قطعا، وعن المعتبر احتمالا، ثم قال: (وهو واضح). (1) أقول: دلالة الاخبار على أن الثاني عقوبة ليس منوطا بكون الاول صحيحا، بل دلالتها على ذلك على كل حال وإن كان الاول فاسدا، لان الثاني يكون عقوبة على ما جناه من ارتكاب المفسد. ولذا لا يختص الحكم بالحج الواجب، فان الحج الاول إذا كان مندوبا وأفسده يجب عليه الحج ثانيا. فإذا لا يكون الثاني مفرغا للذمة، ولا فيه خروج عن العهدة السابقة: ولاجل ذلك يشكل الاجتزاء به عن حج الاسلام لو كان الحاج مستطيعا، لان الاول فاسد، والثاني عقوبة. ولعل لزوم هذا الاشكال مما يقرب القول بصحة الاول، وكون الثاني عقوبة، مع قطع النظر عن النصوص الخاصة التي تقدمت. (2) هذا القول ذكره في الجواهر بصورة دعوى، فقال: (ودعوى:

===============

( 65 )

أن الحج بافساده له انقلب لنفسه، لانه غير المستأجر على... (إلى أن قال): فيكون القضاء عن نفسه. يدفعها: منع انقلابه إليه نفسه...) والمصنف أجاب - بعد اعترافه بالانقلاب لنفسه -: بأن الثاني يؤتى به بالعنوان الذي كان عليه الاول قبل الانقلاب. ولكنه - أيضا - كما ترى فانه إذا كان ظاهر الدليل أن الثاني عقوبة يكون لنفسه على كل حال، لانه لتخليص نفسه. ثم إن الشيخ في جواهره ذكر أن المحصل من الاقوال ثمانية: الاول: انفساخ الاجارة مطلقا إن كان الثاني فرضه. وهو ظاهر المتن. الثاني: انفساخها مع التعيين دون الاطلاق، ووجوب حجة ثالثة نيابة، كما هو خيرة الفاضل في القواعد، والمحكي عن الشيخ وابن ادريس. الثالث: عدم الانفساخ مطلقا، ولا يجب عليه حجة ثالثة. وهو خيرة الشهيد (* 1) الرابع: أنه إن كان الثاني عقوبة لم ينفسخ مطلقا ولا عليه حجة ثالثة، وإن كان فرضه انفسخ في المعينة دون المطلقة، وعليه حجة ثالثة. وهو - على ما قيل - خيرة التذكرة، وأحد وجهي المعتبر والمنتهى والتحرير. الخامس: كذلك، وليس عليه حجة ثالثة مطلقا. وهو محتمل المعتبر والمنتهى. السادس: انفساخها مطلقا، مطلقة كانت أو معينة، كان الثاني عقوبة أو لا. لانصراف الاطلاق إلى العام الاول، وفساد الحج الاول وإن كان فرضه. السابع: عدم انفساخها مطلقا. كذلك قيل، ويحتمله الجامع والمعتبر والمنتهى والتحرير. الثامن: المختار. وهو محتمل محكي المختلف. وهو الاصح، لما سمعت، وليس في الخبرين منافاة له، بعد ما عرفت.


____________
(* 1) وهذا هو الذي قربه المصنف ردا على صاحب الجواهر. منه قدس سره.

===============

( 66 )

[ وفيه أيضا: ما عرفت من أن الثاني واجب بعنوان إعادة الاول. وكون الاول - بعد انفساخ الاجارة بالنسبة إليه - لنفسه، لا يقتضي كون الثاني له وإن كان بدلا عنه، لانه بدل عنه بالعنوان المنوي لا بما صار إليه بعد الفسخ. هذا والظاهر عدم الفرق - في الاحكام المذكورة - بين كون الحج الاول المستأجر عليه واجبا أو مندوبا (1). بل الظاهر جريان حكم وجوب الاتمام والاعادة في النيابة تبرعا أيضا، وإن كان لا يستحق الاجرة أصلا. (مسألة 22): يملك الاجير الاجرة بمجرد العقد (2)، لكن لا يجب تسليمها إلا بعد العمل (3)، إذا لم يشترط التعجيل، ولم تكن قرينة على إرادته، من انصراف أو غيره. ولا فرق في عدم وجوب التسليم بين أن تكون عينا أو دينا. لكن إذا كانت عينا ونمت كان النماء للاجير (4). وعلى ما ذكر - من عدم وجوب التسليم قبل العمل - إذا كان المستأجر ] (1) لاطلاق النصوص السابقة. (2) لانه مقتضى النفوذ والصحة. (3) لان مبنى المعاوضات على التسليم والتسلم، فلكل من المتعاوضين الامتناع عن التسليم في ظرف امتناع الآخر. كما أن لكل منهما المطالبة في ظرف صدور التسليم منه، ولا يجوز للآخر الامتناع عنه حينئذ. فلو تعذر جاز الفسخ، لتخلف الشرط الضمني، الذي عرفت أن مبنى المعاوضات عليه. (4) كما في الجواهر. وهو واضح، لانه تبع الاصل، المفروض كونه ملكا للاجير بالعقد.

===============

( 67 )

[ وصيا أو وكيلا، وسلمها قبله كان ضامنا لها، على تقدير عدم العمل من المؤجر، أو كان عمله باطلا (1). ولا يجوز لها اشتراط التعجيل من دون إذن الموكل (2) أو الوارث (3). ولو لم يقدر الاجير على العمل مع عدم تسليم الاجرة (4) كان له الفسخ (5). وكذا للمستأجر. لكن لما كان المتعارف تسليمها أو نصفها قبل المشي، يستحق الاجير المطالبة في ] (1) لانه تفريط، كما في الجواهر. وفى كشف اللثام: (لا يجوز للوصي إلا مع إذن الميت، أو شهادة الحال...) وقد يشكل: بأن الاجرة بعد ما كانت ملكا للاجير وخرجت عن ملك الميت، لم يكن الاعتبار إذن الميت وجه. وفيه: أنه بعد ما كان للميت حق الامتناع عن الدفع فالدفع تصرف في حق الميت، فلا بد من إذنه فيه. وكذا الحكم في الوكيل. ثم لما كان يترتب على التصرف في الحق المذكور خروج المال - على تقدير الفسخ - من سلطان الوكيل إلى سلطان الاجير كان الوكيل ضامنا. وكذا الوصي. نعم ينبغي إسناد الضمان إلى التعدي لا التفريط. (2) هذا واضح. لان تصرف غير المالك لا يجوز بغير إذن المالك. (3) فيما لو كان الوصي وصيا على التصرف في الثلث لا غير، فاخراج الحج الواجب من الاصل يقتضي مراجعة الوارث. لان الحق المذكور يتعلق بماله، واستيفاؤه يكون من ماله، فيرجع إلى التصرف في مال الوارث. (4) قيد للعمل، يعني: إذا انكشف أن الاجير لا يقدر على العمل إذا لم تسلم إليه الاجرة، لعدم قدرته على المال المحتاج إليه في السفر. (5) عدم القدرة يقتضي الانفساخ، لانه يكشف عن عدم المنفعة التي

===============

( 68 )

[ صورة الاطلاق، ويجوز للوكيل والوصي دفعها من غير ضمان (1). (مسالة 23): إطلاق الاجارة يقتضي المباشرة (2)، فلا يجوز للاجير أن يستأجر غيره، إلا مع الاذن صريحا أو ظاهرا. والرواية الدالة على الجواز (3) محمولة على صورة ] تكون الاجارة بلحاظ المعاوضة عليها. وكذا الكلام في المستأجر، فان له أن يدفع الاجرة، فيمكن الاجير من العمل، وله أن لا يدفع، فيعجز عن العمل وينفسخ العقد. (1) عملا بالاذن المستفاد من التعارف، كما نص على ذلك في الجواهر. (2) كما نص على ذلك في القواعد وغيرها. لان الظاهر من قوله: (آجرتك على أن تحج): أن نسبة الفعل إلى فاعله بنحو القيام به لا بنحو السبب في حصوله. ولذلك ذكروا: أن قول القائل: (بنى الامير المدينة) مجاز في الاسناد لان البناء لا يقوم بالامير، وإنما يقوم بالبناء، وظاهر النسبة القيام بالفاعل فيكون مجازا. نعم إذا قال: (أجرتك على أن يحج) - بالبناء للمفعول - كان مقتضى الاطلاق جواز المباشرة والاستنابة، لان النسبة المذكورة إلى الاجير ليست نسبة قيام به، بل نسبة تحصيل. ومن ذلك يظهر اختصاص الحكم المذكور بما إذا كان الكلام مشتملا على نسبة الحج إلى الاجير نسبة الفعل إلى فاعله. (3) وهي ما رواه الشيخ عن عثمان بن عيسى قال: (قلت لابي الحسن الرضا (ع): ما تقول في الرجل يعطى الحجة فيدفعها إلى غيره؟ قال: لا بأس) (* 1).


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1.

===============

( 69 )

[ العلم بالرضا من المستأجر (1). (مسألة 24): لا يجوز استيجار من ضاق وقته عن إتمام الحج تمتعا - وكانت وظيفته العدول إلى حج الافراد - عمن عليه حج التمتع (2). ولو استأجر مع سعة الوقت فنوى التمتع، ثم اتفق ضيق الوقت، فهل يجوز له العدول ويجزي عن المنوب عنه أو لا؟ وجهان. من إطلاق أخبار العدول. ومن انصرافها إلى الحاج عن نفسه (3). والاقوى عدمه. ] (1) مجرد العلم بالرضا لا يكفي ما لم يرجع، إما إلى الاجارة على الاعم - كما ذكر بعضهم - أو إلى الاذن الانشائي في الاستيفاء بفرد آخر. هذا ولكن ظهور الرواية في الاستيجار ممنوع، لخلو الرواية عن التعرض لذلك، ودفع الحجة أعم من ذلك. فالاقرب حمل الرواية على معنى: أنه دفع إليه قيمة الحجة وأوكل الامر إليه، في القيام بنفسه أو بغيره. والوجه في السؤال عن جواز الدفع إلى الغير عدم اليقين بقيامه به - إما لعدم النية، أو لترك بعض الافعال - فيتوهم أن ذلك مانع عن الدفع إلى غيره. (2) لان الافراد - في الفرض المذكور - بدل اضطراري، ولا دليل على الاجتزاء به عن التمتع - الذي هو الواجب الاختياري - والاصل عدم الاجتزاء به، وان قلنا بجواز العدول إلى الافراد من أول الامر إذا علم بالضيق، لاختصاص ذلك بما إذا كان قد استقر عليه في سعة الوقت، ولا يشمل ما نحن فيه، فلا معدل عن أصالة عدم الاجتزاء به. واستقرار الوجوب على المنوب عنه في سعة الوقت لا يوجب دخول النائب في دليل البدلية. وسيأتي - في فصل صورة حج التمتع - التعرض للمسألة المذكورة. (3) لكن الانصراف - بنحو يعتد به في رفع اليد عن الاطلاق - ممنوع.

===============

( 70 )

[ وعلى تقديره فالاقوى عدم إجزائه عن الميت (1)، وعدم استحقاق الاجرة عليه، لانه غير ما على الميت. ولانه غير العمل المستأجر عليه (2). (مسألة 25): يجوز التبرع عن الميت في الحج الواجب أي واجب كان (3)، ] (1) يعني: على تقدير جواز العدول فالاقوى عدم اجزائه عن المنوب عنه. وكأن ذلك لما عرفت: من ان الابدال الاضطرارية إنما تجزئ على تقدير الاضطرار، والاضطرار بالنسبة إلى المنوب عنه يتوقف على انحصار النائب بالشخص المعين، فمع إمكان غيره لا اضطرار. وفيه: ان ظاهر النصوص إذا كان العموم للنائب، فالاجزاء لازم له، لان تشريع العدول لا معنى له إلا الاجزاء (2) الاول تعليل لعدم الاجزاء، والثاني تعليل لعدم استحقاق الاجرة. وقد عرفت الاشكال في الاول. وأما الثاني فهو في محله، لان دليل البدلية إنما يتعرض للاجزاء فقط، ولا تعرض فيه لاستحقاق الاجرة المجعولة من قبل المتعاقدين على حج التمتع لا غيره. ومن ذلك تعرف ضعف التفكيك بين الحكمين الاولين، وقوة التفكيك بينهما وبين الحكم الثالث. تعم إذا كان ظاهر الاجارة الاجارة على إفراغ ذمة المنوب عنه كان استحقاق الاجرة في محله. وقد تقدم نظير ذلك في مسائل موت الاجير في الاثناء. فراجع. (3) بلا إشكال ولا خلاف ظاهر. وعن التذكرة: أنه لا يعرف فيه خلافا، وفى الجواهر: الاجماع بقسميه عليه. وفى خبر عامر بن عميرة عن الصادق: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه رجل، فقال: يارسول الله، إن أبي مات ولم يحج حجة الاسلام. فقال صلى الله عليه وآله: حج عنه، فان ذلك

===============

( 71 )

[ والمندوب (1). بل يجوز التبرع عنه بالمندوب وإن كان ذمته مشغولة بالواجب، ولو قبل الاستئجار عنه للواجب (2). وكذا يجوز الاستيجار عنه في المندوب كذلك. وأما الحي فلا يجوز التبرع عنه في الواجب (3). إلا إذا كان معذورا في المباشرة - لمرض، أو هرم - فانه يجوز التبرع عنه، ويسقط عنه وجب الاستنابة على الاقوى (4)، كما مر سابقا. وأما ] يجزئ عنه) (* 1). وعن المسالك وأبي حنيفة: سقوط الفرض إن مات ولم يوص. (1) إجماعا ونصوصا. فقد عقد في الوسائل بابا لاستحباب التطوع بالحج والعمرة عن المؤمنين (* 2)، وذكر فيه جملة من النصوص وافرة، وهي ظاهرة في التبرع بالمندوب. (2) لاطلاق تلك النصوص. (3) إجماعا. ويقتضيه ظاهر أدلة التشريع في لزوم المباشرة، كما عرفت. (4) خلافا لجماعة، منهم: العلامة في القواعد وكاشف اللثام. واستدل الثاني: بأصالة عدم فراغ ذمته بذلك وبوجوب الاستنابة عليه، وعدم الدليل على سقوطها عنه بذلك. وتبعه على ذلك في الجواهر. ثم قال: (فالاحوط - إن لم يكن أقوى - الاقتصار في النيابة عنه حينئذ على الاذن). وفى المستند: (وفى التبرع عن الحي بالواجب - فيما إذا كان له العذر المسوغ للاستنابة - وكفايته عنه وجهان، أجودهما العدم، إذ الاخبار المتضمنة للاستنابة صريحة في أمره بالتجهيز من ماله. فلعل


____________
(* 1) الوسائل باب: 31 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 25 من أبواب النيابة في الحج.

===============

( 72 )

[ الحج المندوب فيجوز التبرع عنه (1). كما يجوز له أن يستأجر له حتى إذا كان عليه حج واجب لا يتمكن من أدائه فعلا. وأما إن تمكن منه فالاستيجار للمندوب قبل أدائه مشكل (2)، ] هذا العمل واجب عليه مقام الحج بنفسه، وكفاية فعل الغير موقوف على الدليل، وهو في المقام مفقود...). وظاهره عدم كفاية الاذن، ولزوم البذل من ماله. وهو كما ترى، فان ظاهر الدليل المتضمن ذلك الوجوب الغيري لا النفسي. وأما اعتبار الاذن فلا يظهر وجهه، إذ تعبد المنوب عنه إنما هو بفعل النائب لا بالاذن فيه، فأي دخل للاذن في ذلك؟ فلم يبق إلا أصالة عدم الاجزاء. لكنه أيضا يندفع: بأن ظاهر دليل الاجتزاء بفعل النائب في صورة الاستنابة: أن الدخيل في الاجزاء إنما هو فعل النائب والاستنابة طريق إليه) فلا موضوعية لها في الاجزاء. وبالجملة: البناء على وجوب الاستنابة أو الاذن جمود لا يساعده المتفاهم العرفي. (1) حكي عن الشافعي وأحمد - في إحدى الروايتين - الخلاف في ذلك، وعن المنتهى: التصريح بعدم جواز الحج ندبا عن الحي إلا باذنه. وفى الجواهر: (لعله حمل النصوص على إهداء الثواب لا على وجه النيابة. إلا أنه واضح الضعف...). (2) لكن الاشكال ضعيف. لا طلاق النصوص، ففي خبر أبي بصير قال أبو عبد الله (ع) في حديث: (من حج فجعل حجته عن ذي قرابته يصله بها كانت حجة كاملة، وكان للذي حج عنه مثل أجره) (* 1). ونحوه غيره. ولذلك قال في الجواهر: (بل لا فرق عندنا بين من كان


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب النيابة في الحج حديث: 4.

===============

( 73 )

[ بل التبرع عنه حينئذ أيضا لا يخلو عن إشكال في الحج الواجب (1). (مسألة 26): لا يجوز أن ينوب واحد عن اثنين أو أزيد في عام واحد، وإن كان الاقوى فيه الصحة (2). إلا إذا كان وجوبه عليهما على نحو الشركة، كما إذا نذر كل منهما أن يشترك مع الآخر في تحصيل الحج (3). وأما في الحج ] عليه حج واجب - مستقرا كان أولا - وغيره، تمكن من أدائه ففرط، أو لم يفرط بل يحج بنفسه واجبا ويستنيب غيره في التطوع. خلافا لاحمد فلم يجز الاستنابة فيه ما اشتغلت ذمته بالواجب، إذ لا يجوز له فعله بنفسه فالاستنابة أولى. وفيه: أن عدم جواز فعله له لاخلاله بالواجب، ولذا لو اخلت الاستنابة به - لقصور النفقة ونحوه - لم يجز عندنا أيضا، لا أن عدم جوازه لعدم المشروعية في حقه، كي تمتنع النيابة فيه...). ومن ذلك يظهر جواز التبرع عنه حينئذ، وضعف الاشكال فيه. (1) لا تخلو العبارة من تشويش، فانها غير ملتئمة، ومفادها مناف لما سبق. (2) هذه العبارة أيضا لا تلتئم مع ما بعدها. بل ولا مع ما قبلها. والمظنون قويا: أن موقعها في ذيل المسألة الشابقة، بدل قوله: (في الحج الواجب)، وأن موقع القول المذكور هذا الموضع، بدل: (وإن كان الاقوى الصحة)، والناسخ قد بدل أحد الكلامين بالآخر. فان عبارة الفقهاء في منع الحج عن اثنين مشتملة على التقيد بالحج الواجب، بلا ريب منهم في الحكم. وقوله بعد ذلك: (وأما في الحج المندوب...) صريح في ذلك. (3) يعني: الحج عنه على نحو الاشتراك.

===============

( 74 )

[ المندوب فيجوز حج واحد عن جماعة بعنوان النيابة (1) - كما يجوز بعنوان إهداء الثواب (2) - لجملة من الاخبار (3) الظاهرة في جواز النيابة أيضا، فلا داعي لحملها على خصوص إهداء الثواب. (مسألة 27): يجوز أن ينوب جماعة عن الميت أو ] (1) نص على ذلك في الجواهر وغيره. ويدل عليه صحيح محمد بن اسماعيل قال: (سألت أبا الحسن (ع) كم أشرك في حجتي؟ قال (ع): كم شئت) (* 1)، وصحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع): (في رجل يشرك أباه أو أخاه أو قرابته في حجه. فقال (ع): إذن يكتب لك حجا مثل حجهم، وتزداد خيرا بما وصلت) (* 2). ونحوهما غيرهما. لكن ظاهر الجمع: الاشتراك في الحج المأتي به لنفسه، فيشاركهم معه فيه، لا أن يحج عن جماعة نائبا عنهم، وإن كان ذلك يستفاد من النصوص المذكورة. (2) كما في الوسائل. واستدل له: برواية الحرث بن المغيرة: (قلت لابي عبد الله (ع) - وأنا بالمدينة بعد ما رجعت من مكة: - إني أردت أن أحج عن ابنتي. قال (ع): فاجعل ذلك لها الآن) (* 3). ونحوه مرسل الصدوق (* 4). لكن دلالته لا تخلو من خفاء، لاحتمال أن يكون المراد جعل الحج نفسه لها، لا ثوابه. (3) راجع إلى قوله: (بعنوان النيابة).


____________
(* 1) الوسائل باب: 28 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 28 من ابواب النيابة في الحج حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 29 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 29 من أبواب النيابة في الحج حديث: 2.

===============

( 75 )

[ الحي في عام واحد في الحج المندوب، تبرعا أو بالاجارة. بل يجوز ذلك في الواجب أيضا، كما إذا كان على الميت - أو الحي الذي لا يتمكن من المباشرة لعذر - حجان مختلفان نوعا - كحجة الاسلام والنذر - أو متحدان من حيث النوع - كحجتين للنذر - فيجوز أن يستأجر أجيرين لهما في عام واحد (1). وكذا يجوز إذا كان أحدهما واجبا والآخر مستحبا بل يجوز أن يستأجر أجيرين لحج واجب واحد - كحجة الاسلام في عام واحد احتياطا - لاحتمال بطلان حج أحدهما. بل وكذا مع العلم بصحة الحج بكل منهما وكلاهما آت بالحج الواجب، وإن كان احرام أحدهما قبل احرام الآخر، فهو مثل: ما إذا صلى جماعة على الميت في وقت واحد. ولا يضر سبق أحدهما بوجوب الآخر، فان الذمة مشغولة ما لم يتم العمل، فيصح قصد الوجوب من كل منهما ولو كان أحدهما أسبق شروعا (2). ] (1) لاطلاق الادلة، بعد عدم ما يدل على لزوم الترتيب بينهما. (2) أما إذا كان أحدهما أسبق ختاما صح فعل السابق وبطل فعل اللاحق، لانطباق الواجب على الاول، فيمتنع انطباقه على اللاحق إذا كان الواجب بنحو صرف الوجود، فانه لا يتكرر. نعم إذا كان الواجب الطبيعة السارية انطبق على اللاحق، كما ينطبق على السابق. لكنه ممنوع. لا يقال: الحج يجب إتمامه بالشروع فيه. لانه يقال: يختص ذلك بما إذا كان الشروع فيه مشروعا، فلا يعم ما نحن فيه، لانه - بسبق انتهاء

===============

( 76 )

[ فصل في الوصية بالحج (مسألة 1): إذا أوصى بالحج، فان علم أنه واجب أخرج من أصل التركة وإن كان بعنوان الوصية، فلا يقال: مقتضى كونه بعنوانها خروجه من الثلث (1). نعم لو صرح ] أحدهما - لا يكون اللاحق مشروعا من حينه، لارتباطية أجزائه، فإذا كان الآخر غير مشروع كان الاول غير مشروع حين وقوعه. فصل في الوصية بالحج (1) لاختصاص الحكم المذكور - وهو إخراج الوصية من الثلث - بما إذا كان وجوب إخراجه على حيث كونه وصية. وليس منه الحج، لوجوب إخراجه على كل حال. وإن شئت قلت: الثمرة العملية إنما تكون في صورة عدم اتساع الثلث للحج وغيره من الوصايا، لكن لو بني على إخراج الحج من الثلث كان مزاحما لغيرة من الوصايا. لكن المزاحمة المذكورة مبنية على أن المراد من الثلث ثلث التركة. أما إذا أريد منه ثلث ما زاد - بعد إخراج ما يجب إخراجه على كل حال - فلا مزاحمة، لان الوصايا الاخرى تخرج من الثلث بعد إخراج الحج، لما عرفت من أن المراد من الثلث - الذي تخرج منه الوصايا - الثلث مما زاد على ما يجب إخراجه من الاصل، وهو - في الفرض - ثلث ما زاد على الحج. فالوصية بالحج نظير الوصية بوفاء الدين لا تزاحم الوصايا الاخرى إذا كانت لا تزيد

===============

( 77 )

[ باخراجه من الثلث أخرج منه، فان وفى به، وإلا يكون الزائد من الاصل. ولا فرق - في الخروج من الاصل - بين حجة الاسلام، والحج النذري، والافسادي. لانه - بأقسامه - واجب مالي (1)، وإجماعهم قائم على خروج كل واجب مالي من الاصل. مع أن في بعض الاخبار: أن الحج بمنزلة الدين، ومن المعلوم خروجه من الاصل. بل الاقوى خروج كل واجب من الاصل وإن كان بدنيا، كما مر سابقا (2). وإن علم أنه ندبي فلا إشكال في خروجه من الثلث (3). وإن لم يعلم أحد الامرين، ففي خروجه من الاصل أو الثلث ] على الثلث المذكور. نعم لو كانت الوصية بالحج أو بالدين موجبة لعدم وجوب إخراجه إلا من جهة الوصية كان الاشكال محكما، وكانت المزاحمة بينه وبين الوصايا الاخرى محكمة. (1) قد تقدم - في أول مباحث الحج النذري - الكلام في ذلك، وأن التحقيق: أنه كحج الاسلام واجب مالي. لكن الحكم في الحج الافسادي غير ظاهر، نظير الكفارات المخيرة بين الخصال الثلاث، فان كونها من قبيل الدين والحج المالي غير ظاهر، بل الظاهر العدم. ومثل الحج الافسادي: الحج الواجب باليمين أو العهد، فانهما واجبان غير ماليين كما لعله ظاهر. (2) في المسألة الثامنة من فصل الحج النذري. ومر الكلام والاشكال فيه. (3) على المشهور المعروف، المدعى عليه الاجماع من جماعة، والمصرح به في النصوص - المدعى تواترها معنى - المتضمنة أنه لا تجوز الوصية بأكثر

===============

( 78 )

[ وجهان. يظهر من سيد الرياض (قده) خروجه من الاصل (1) حيث أنه وجه كلام الصدوق (قده) - الظاهر في كون جميع الوصايا من الاصل -: بأن مراده ما إذا لم يعلم كون الموصى به واجبا أولا، فان مقتضى عمومات وجوب العمل بالوصية خروجها من الاصل، خرج عنها صورة العلم بكونها ندبيا ] من الثلث إلا باجازة الورثة. منها: صحيح أحمد بن محمد: (كتب أحمد ابن اسحاق إلى أبي الحسن (ع): إن درة بنت مقاتل توفيت وتركت ضيعة اشقاصا في مواضع، وأوصت لسيدنا (ع) في اشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث... (إلى أن قل): فكتب بخطه ليس يجب لها في تركتها إلا الثلث...) (* 1). ونحوه غيره. وقد عقد لها في الوسائل بابا واسعا. فراجعه في كتاب الوصية (* 2). (1) ذكر ذلك في مبحث عدم جواز الوصية بما زاد على الثلث، فانه - بعد ما ذكر ما عن والد الصدوق: من جواز الوصية بالمال كله، واستدلاله بالرضوي: (فان أوصى بماله كله فهو أعلم بما فعله، ويلزم الوصي إنفاذ وصيته على ما أوصى به) (* 3)، وببعض الاخبار الاخر، كرواية عمار عن أبي عبد الله (ع): (قال: الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح، إذا أوصى به كله فهو جائز) (* 4)، وغيرها - رده بالمناقشة في دلالة الاخبار، وبمعارضتها بغيرها. ثم قال: (ويحتمل عبارة المخالف


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب الوصايا حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 10، 11، 12 من أبواب الوصايا. (* 3) فقه الرضا باب الوصية صفحة: 20. (* 4) الوسائل باب: 11 من أبواب الوصايا حديث: 19.

===============

( 79 )

كالرضوي لما يلتئم مع فتاوى العلماء، بأن يكون المراد به يجب على الوصي صرف المال الموصى به بجميعه على ما أوصى به، من حيث وجوب العمل بالوصية وحرمه تبديلها بنص الكتاب والسنة. وإنما جاز تغيرها إذا علم أن فيها جورا ولو بالوصية بزيادة عن الثلث، وهو بمجرد الاحتمال غير كاف، فلعل الزيادة منه وقعت الوصية بها من دون حيف، كأن وجبت عليه في ماله بأحد الاسباب الموجبة له، والموصي أعلم. وهذا غير جواز الوصيه بالزيادة تبرعا، فلا يمضى منها إلا الثلث، كما عليه العلماء. وهذا التوجيه إن لم يكن ظاهرا من عبارته فلا أقل من تساوي احتماله لما فهموه منها، فنسبتهم المخالفة إليه اليس في محله. وعليه نبه في التذكرة. وعليه فلا خلاف من أحد يظهر منا). وما ذكره العلامة في التذكرة قريب مما ذكره في الرياض. والظاهر: أن مرادهما أنه مع الشك يحمل تصرف الموصي على الصحة، فيبنى على أن وصيته في الواجب لا في المندوب. فليس فيها مخالفة لما دل على عدم نفوذ الوصية فيما زاد على الثلث، ولا تمسك بالعموم في الشبهة المصداقية. فهو نظير: ما لو باع زيد مالا على عمرو وشك في أنه ماله أو مال غيره، أو علم أنه مال غيره وشك في أنه مأذون فيه أو لا، فانه يبنى على صحة البيع، وليس فيه مخالفة لما دل على عدم صحة بيع مال الغير إلا باذنه. نعم الاشكال يقع في جريان أصالة الصحة في الفرض، لاختصاصها بما يكون صحيحا وفاسدا، ووجوب العمل لا يكفي أثرا للصحة. نعم لو أوصى بعين لشخص، وشك في أنها للموصي أو لغيره، يبني على صحة الوصية حتى يثبت الخلاف، لا في مثل المقام مما لا يكون للوصية أثر غير وجوب العمل. فان عموم وجوب العمل بالوصية لما كان مخصصا بما دل

===============

( 80 )

[ وحمل الخبر الدال بظاهره على ما عن الصدوق أيضا على ذلك. لكنه مشكل، فان العمومات مخصصة بما دل على أن الوصية بأزيد من الثلث ترد إليه، إلا مع إجازة الورثة. هذا مع أن الشبهة مصداقية، والتمسك بالعمومات فيها محل إشكال. وأما الخبر المشار إليه - وهو قوله (ع): " الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح، إن أوصى به كله فهو جائز " - (* 1) فهو موهون باعراض العلماء عن العمل بظاهره (1). ويمكن أن يكون المراد بماله هو الثلث الذي أمره بيده (2). نعم يمكن ] على عدم لزوم الوصية بما زاد على الثلث، فمع الشك في الشبهة المصداقية يرجع إلى أصالة البراءة، لا إلى عموم وجوب العمل بالوصية. (1) ومعارض بغيره من الروايات، مما هو أصح سندا، وأكثر عددا وأوضح دلالة. بل هو عمار نفسه روى عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به، فان قال: بعدي فليس له إلا الثلث) (* 2)، وفي رواية الصدوق: (فان تعدى فليس له إلا الثلث) (* 3)، يعني: فان تعدى عن زمان حياته. ولعل الجمع بين هذه الرواية والرواية السابقة - التي استدل بها للصدوق - هو حمل السابقة على ما إذا تصرف فيه منجزا وأوصى بذلك، بأن باعه محاباة أو وهبه وأوصى بذلك، بأن اعترف أنه باع أو وهب. (2) ذكره في الرياض، وحكاه عن صريح المقنع. لكنه بعيد جدا


____________
(* 1) المقصود هو خبر عمار المتقدم في صدر التعليقة. (* 2) الوسائل باب: 11 من أبواب الوصايا حديث: 12. (* 3) الوسائل باب: 11 من أبواب الوصايا ملحق حديث: 12.

===============

( 81 )

[ أن يقال - في مثل هذه الازمنة، بالنسبة إلى هذه الامكنة البعيدة عن مكة -: الظاهر من قول الموصي: " حجوا عني " هو حجة الاسلام الواجبة، لعدم تعارف الحج المستحبي في هذه الازمنة والامكنة، فيحمل على أنه واجب من جهة هذا الظهور والانصراف (1). كما أنه إذا قال: " أدوا كذا مقدارا خمسا أو زكاة " ينصرف إلى الواجب عليه. فتحصل: أن - في صورة الشك في كون الموصى به واجبا حتى يخرج من أصل التركة، أولا حتى يكون من الثلث - مقتضى الاصل الخروج من الثلث، لان الخروج من الاصل موقوف على كونه واجبا، وهو غير معلوم، بل الاصل عدمه. إلا إذا كان هناك انصراف، كما في مثل الوصية بالخمس أو الزكاة أو الحج ونحوها. نعم لو كانت الحالة السابقة فيه هو الوجوب - كما إذا علم وجوب الحج عليه سابقا ولم يعلم أنه أتى به أولا - فالظاهر جريان الاستصحاب والاخراج من الاصل. ودعوى: أن ذلك موقوف على ثبوت الوجوب عليه وهو فرع شكه، لا شك الوصي أو الوارث، ولا يعلم أنه كان شاكا حين موته أو عالما بأحد الامرين. مدفوعة: بمنع ] (1) يعني: يكون الظهور المذكور راجعا إلى إخباره بالوجوب، فيكون إخباره به حجة، فيكون العمل باخباره لا بوصيته. وبذلك افترق هذا الفرض عن الفرض السابق، فانه من حيث كونه وصية لا فرق بينهما

===============

( 82 )

[ اعتبار شكه، بل يكفي شك الوصي أو الوارث أيضا (1). ولا فرق في ذلك بين ما إذا أوصى أو لم يوص، فان مقتضى أصالة بقاء اشتغال ذمته بذلك الواجب عدم انتقال ما يقابله من التركة إلى الوارث (2). ولكنه يشكل على ذلك الامر في كثير من الموارد، لحصول العلم - غالبا - بأن الميت كان مشغول الذمة بدين، أو خمس، أو زكاة، أو حج، أو نحو ذلك. إلا أن يدفع بالحمل على الصحة، فان ظاهر حال المسلم الاتيان بما وجب عليه (3). ] في عدم وجوب العمل بها من جهة الشبهة المصداقية، وإنما افترقا من جهة اشتمال الثاني على الخبر الذي يكون حجة دون الاول، وإلا فأصالة الصحة في الجمع غير جارية. ويحتمل أن يكون الوجه - في عدم جريان أصالة الصحة في المقام -: أنها مختصة بما إذا كان الفعل صادرا من السلطان وشك في تماميته وعدمها أما إذا كان الشك في صدوره من السلطان ولو للشك في سلطنة المصدر فلا مجال لاصالة الصحة. لكن في اعتبار الشرط المذكور تأمل، وإن كان هو مقتضى الاقتصار على القدر المتيقن: لكن الظاهر عموم القاعدة لذلك. (1) تقدم الكلام في ذلك في المسألة الواحدة بعد المائه من الفصل الاول (* 1). وقد تقدم منه ما ربما يقتضي خلاف ما ذكره هنا. كما تقدم منه في المسأله الخامسة من ختام الزكاة خلاف ذلك. فراجع. (2) هذا الاثر لا حاجة إليه، إذ الكلام في وجوب الاخراج، ويكفي فيه ثبوت الوجوب وإن انتقل ما يقابله إلى الورثة. (3) تقدم - في بعض مسائل ختام الزكاة - الكلام في مثل هذه


____________
(* 1) راجع صفحة: 272 من الجزء العاشر من هذه الطبعة.

===============

( 83 )

[ لكنه مشكل في الواجبات الموسعة (1)، بل في غيرها أيضا، في غير الموقتة (2). فالاحوط - في هذه الصورة - الاخراج من الاصل. (مسألة 2): يكفي الميقاتية (3)، سواء كان الحج الموصى به واجبا أو مندوبا. ويخرج الاول من الاصل، والثاني من الثلث. إلا إذا أوصى بالبلدية، وحينئذ فالزائد عن أجرة الميقاتية - في الاول - من الثلث. كما أن تمام الاجرة - في الثاني - منه. (مسألة 3): إذا لم يعين الاجرة، فاللازم الاقتصار ] المسألة. كما تقدم الاشكال في جريان أصالة الصحة في المسلم، وأنه لم يثبت. (1) فان التأجير فيها لما كان جائزا لم يكن ظاهر المسلم عدمه. (2) مما كانت تجب المبادرة إليها وإن لم يكن على نحو التوقيت، لما عرفت من عدم ثبوت أصالة الصحة فيه بنحو تقتضي البناء على وجوب الاداء. أما الموقتة فيمكن التمسك فيها بقاعدة الشك بعد خروج الوقت فقد تضمنت بعض النصوص: أنه إذا شك بعد خروج الوقت فقد دخل حائل فلا يلتفت (* 1)، بناء على ما يستفاد منها من عموم الحكم لكل شك في الموقت بعد خروج وقته. (3) تقدم الكلام في المسألة الثامنة والثمانين من الفصل الاول (* 2). وبقية الاحكام المذكورة في هذه المسألة واضحة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 60 من أبواب المواقيت حديث: 1. (* 2) راجع صفحة: 258 من الجزء العاشر من هذه الطبعة.

===============

( 84 )

[ على أجرة المثل (1)، للانصراف إليها. ولكن إذا كان هناك من يرضى بالاقل منها استئجاره، إذ الانصراف إلى أجرة المثل إنما هو نفي الازيد فقط (2). وهل يجب الفحص عنه ] (1) كما في الشرائع وغيرها. لكن في القواعد: (وإن لم يعين القدر أخرج أقل ما يستأجر به...). واستدل بعضهم على الاول: بتوقف الحج عليه. لكن وجوب ما يتوقف عليه الواجب يقتضي إرادة الثاني. وعليه فإذا أمكن الاستيجار بالاقل لم يجز الاستيجار بأجرة المثل. كما أنه لو لم يمكن الاستيجار بأجرة المثل تعين الاستيجار بالاكثر، مع الاقتصار على أقل ما يمكن منه. (2) أراد به دفع الاشكال الذي ذكر في المستند على من جمع بين الاستدلال على لزوم أجرة المثل بالانصراف وبين الحكم بوجوب الاستيجار بالاقل مع وجود من يرضى به، وتوضيح الدفع: أن المراد من الانصراف إلى أجرة المثل الانصراف عن الاكثر، لا ما يقابل الاكثر والاقل. والوجه في الانصراف المذكور أن الوصي بمنزلة الوكيل، وإطلاق التوكيل يقتضي الانصراف إلى ما تقتضيه مصلحة الموكل، ومن المعلوم، أن مصلحة الموكل تقتضي استيجار بالاقل مع تهيئه هذا إذا لم يكن التصرف مزاحما لحق الورثة - كما إذا كان قد أوصى باخراجه من الثلث - أما مع المزاحمة لحق الورثة - بأن كان اللازم إخراجه من الاصل - فالحكم أوضح، فانه لو صرح الموصي بأجرة المثل ليس للوصي العمل بالوصية مع مزاحمة حق الورثة، لان فيه حيفا عليهم، فيتعين الاخذ بالاقل، ومن ذلك يظهر أن ما ذكره في الشرائع إن لم يرد به الثاني فالاشكال عليه ظاهر

===============

( 85 )

[ لو احتمل وجوده؟ الاحوط ذلك (1)، توفيرا على الورثة خصوصا مع الظن بوجوده. وإن كان في وجوبه إشكال، خصوصا مع الظن بالعدم (2). ولو وجد من يريد أن يتبرع فالظاهر جواز الاكتفاء به، بمعنى: عدم وجوب المبادرة إلى الاستئجار - بل هو المتعين - توفيرا على الورثة، فان أتى به صحيحا كفى، وإلا وجب الاستئجار. ولو لم يوجد من يرضى بأجرة المثل فالظاهر وجوب دفع الازيد إذا كان الحج واجبا، بل وان كان مندوبا ايضا مع وفاء الثلث (3). ولا يجب الصبر إلى العام القابل ولو مع العلم بوجود من يرضى بأجرة المثل أو أقل - بل لا يجوز - لوجوب المبادرة إلى تفريغ ذمة الميت في الواجب، والعمل بمقتضى الوصية في المندوب (4) ] (1) بل هو الاقوى، لعدم العلم بالتوقف على أجرة المثل، فلا يعلم الاذن فيه. نعم الفحص اللازم إنما هو بالمقدار الذي لا يلزم فيه تعطيل الواجب، ولا يلزم من وجوبه الحرج، فان لزم أحدهما لم يلزم، كما هو ظاهر: (2) لكن بعد أن كان الظن ليس بحجة فلا طريق إلى الاذن في التصرف. نعم لو لم يكن فيه ضرر على الورثة - كما لو أوصى باخراجه من الثلث، وفهم من الموصي الاذن بالتصرف من دون فحص - لم يجب الفحص حينئذ. لكن فهم ذلك يحتاج إلى قرينة خاصة، لما عرفت من أن إطلاق الوصية يقتضي اختصاص الاذن بما فيه مصلحة الموصي. (3) مع الاقتصار على أقل الممكن، كما سبق. (4) هذا إذا فهم من الموصي الوصية بالمبادرة، والا فمقتضى الاطلاق

===============

( 86 )

[ وإن عين الموصي مقدارا للاجرة تعين وخرج من الاصل في الواجب إن لم يزد على أجرة المثل، وإلا فالزيادة من الثلث. كما أن في المندوب كله من الثلث. (مسألة 4): هل اللازم في تعيين أجرة المثل الاقتصار على أقل الناس أجرة، أو يلاحظ من يناسب شأن الميت في شرفه وضعته؟ لا يبعد الثاني، والاحوط الاظهر الاول (1). ومثل هذا الكلام يجري أيضا في الكفن الخارج من الاصل أيضا. (مسألة 5): لو أوصى بالحج وعين المرة أو التكرار بعدد معين تعين (2)، وإن لم يعين كفى حج واحد (3). إلا أن يعلم أنه أراد التكرار. وعليه يحمل ما ورد في الاخبار: ] جواز التأخير، لان الامر لا يقتضي الفور، وليس في المقام حق للغير تجب المبادرة إلى أدائه. اللهم إلا أن تكون الوصية من حق الميت تجب المبادرة إلى أدائه. لكنه غير ظاهر، ولا يناسب سيرة المتشرعة. فلاحظ: (1) قد عرفت: أنه - مع اختلاف مراتب أجرة المثل - يتعين الاقتصار على الاقل، إما لانه أصلح للميت، أو لان في الاكثر منافاة لحق الورثة. لكن إذا كان الاقل منافيا لشرف الميت فلا تبعد دعوى انصراف الدليل عنه. ولاجل ذلك قال المصنف (ره): (الاظهر الاول). (2) بلا إشكال ولا خلاف، كما يظهر ذلك من ملاحظة كلماتهم. (3) كما هو المشهور بين المتأخرين. أما في صورة يكون لكلام الموصي إطلاق، فلان الاطلاق يقتضي أن يكون المراد صرف الطبيعة،

===============

( 87 )

[ من أنه يحج عنه ما دام له مال - كما في خبرين - (1) أو ما بقي ] وصرف الطبيعة يصدق على الواحد كما يصدق على الكثير، ولذا ذكروا ان الامر لا يقتضي التكرار كما لا يقتضي المرة. وحينئذ فان أخرج من الاصل اقتصر على الواحد، لمنافاة الاكثر لحق الوارث، ولا يجوز إلا باذنه. وإن أخرج من الثلث جاز الواحد، كما جاز المتعدد في سنة واحدة أما في سنتين فالظاهر عدم مشروعية التعدد، لان صرف الوجود لا يتكرر انطباقه، فإذا كان منطبقا على الاول امتنع أن ينطبق على الثاني، فالحج في السنة الثانية لا يكون مما أوصى به، فلا يكون مأذونا فيه. أما إذا لم يكن لكلام الموصي إطلاق وتردد الموصى به بين الواحد والمتعدد اقتصر على الواحد، للشك في الوصية بما زاد على الواحد، والاصل عدمها. (1) أحدهما: خبر محمد بن الحسن الاشعري: (قلت لابي الحسن (ع): جعلت فداك. إني سألت أصحابنا عما أريد أن أسالك عنه فلم أجد عندهم جوابا، وقد اضطررت إلى مسألتك. وإن سعد بن سعد أوصى إلي، فأوصى في وصيته حجوا عني مبهما ولم يفسر، فكيف أصنع؟ قال (ع): يأتي جوابي في كتابك. فكتب لي: يحج عنه ما دام له مال يحمله) (* 1): وثانيهما: خبر محمد بن الحسين قال لابي جعفر (ع): (جعلت فداك، قد إضطررت إلى مسألتك، فقال: هات. فقلت: سعد بن سعد أوصى حجوا عني مبهما ولم يسم شيئا، ولا ندري كيف ذلك. قال: يحج عنه ما دام له مال) (* 2).


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب النيابة في الحج ملحق حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 4 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1.

===============

( 88 )

[ من ثلثه شئ - كما في ثالث - (1) بعد حمل الاولين على الاخير من إرادة الثلث من لفظ المال (2). فما عن الشيخ وجماعة، من وجوب التكرار ما دام الثلث باقيا ضعيف (3). مع أنه يمكن (4) أن يكون المراد من الاخبار: أنه يجب الحج ما دام يمكن الاتيان به ببقاء شئ من الثلث بعد العمل بوصايا أخر وعلى فرض ظهورها في إرادة التكرار - ولو مع عدم العلم ] (1) وهو خبر محمد بن الحسن بن خالد: (سألت أبا جعفر (ع) عن رجل أوصى أن يحج عنه مبهما. فقال: حج عنه ما بقي من ثلثه شئ) (* 1). (2) المقتضإي لهذا الحمل إما الجمع العرفي بين الاولين والاخير - لان الاخير من قبيل المقيد والاولين من قبيل المطلق - أو الاجماع. (3) لاجمال مورد السؤال في الاخبار المذكورة، لاجمال الابهام المذكور فيها. ولاسيما بملاحظة عجز أصحابنا (رض) عن الجواب - حسب ما ذكر في الخبر الاول - فانه لو كان إطلاق في كلام الموصي أو لم يبين تعين الاكتفاء بالمرة - كما عرفت - وليس ذلك مما يخفى الحكم فيه على أصحابنا وغيرهم. وحينئذ لا مجال للاستدلال بها على ما ذكره الشيخ (ره) - وتبعه عليه في الحدائق والمستند - من أنه إذا لم ينص على تعيين المقدار يتعين التكرار. واستدل له في الحدائق أيضا: بأنه الموافق لاصالة الشغل. مع أن الاصل البراءة من وجوب الزائد على المرة. (4) هذا الامكان ذكره كاشف اللثام. هو أيضا بعيد عن الابهام وعدم التفسير، وعجز أصحابنا عن الجواب، المذكورة في النصوص.


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب النيابة في الحج حديث: 2.

===============

( 89 )

[ بارادته - لا بد من طرحها، لاعراض المشهور عنها (1). فلا ينبغي الاشكال في كفاية حج واحد مع عدم العلم بارادة التكرار. نعم لو أوصى باخراج الثلث ولم يذكر إلا الحج. يمكن أن يقال بوجوب صرف تمامه في الحج (2)، وكذا لو لم يذكر إلا المظالم، أو إلا الزكاة، أو إلا الخمس. ولو أوصى أن يحج عنه مكررا كفى مرتان، لصدق التكرار معه (3). (مسألة 6): لو أوصى بصرف مقدار معين في الحج ] (1) لكن في كون الاعراض المذكور موجبا للوهن والسقوط عن الحجية تأمل ظاهر. وفى المستند: أنه لا يظهر راد لهما من المتقدمين عدا شاذ... انتهى. وإعراض المتأخرين لا يجدي بعد عمل القدماء. (2) قال في الجواهر: (بل قد يدعى ظهور الاقتصار على الوصية بالحج عنه في ارادة الوصية بالثلث، وأنه يصرف في ذلك وإن لم يوص بالثلث بغير اللفظ المزبور، نحو ما لو قال: (أخرجوا رد مظالم) أو (تصدقوا عني) أو نحو ذلك. ولعل مراد الشيخ ومن تبعه ذلك، لا الحمل على التكرار تعبدا. وان كان ظاهر اللفظ خلافه، ضرورة استبعاد مثل ذلك من مثله). أقول: دعوى الظهور المذكور غير ظاهرة، بل يختلف الظهور باختلاف المقامات. ومثله حمل كلام الشيخ (ره) عليه، فانه بعيد. واستبعاد مثل ذلك من مثله إنما هو لو كان المستند القواعد، وقد عرفت أنه النصوص (3) كما صرح به غير واحد. إلا أن يفهم إرادة التكرار مهما أمكن

===============

( 90 )

[ سنين معينة، وعين لكل سنة مقدارا معينا، واتفق عدم كفاية ذلك المقدار لكل سنة، صرف نصيب سنتين في سنة، أو ثلاث سنين في سنتين مثلا، وهكذا..... (1). لا لقاعدة الميسور (2)، لعدم جريانها في غير مجعولات الشارع (3). ] (1) بلا خلاف أجده فيه - كما في الجواهر - ومن غير خلاف يعرف - كما في الحدائق - وفى المدارك وعن غيرها: أنه مقطوع به في كلام الاصحاب. لما رواه ابراهيم بن مهزيار قال: (كتب إليه علي بن محمد الحضيني: إن ابن عمي أوصى أن يحج عنه بخمسة عشر دينارا في كل سنه وليس يكفي، ما تأمرني في ذلك؟ فكتب (ع): يجعل حجتين في حجه فان الله تعالى عالم بذلك) (* 1)، وروايته الاخرى: (كتبت إليه (ع): إن مولاك علي بن مهزيار أوصى أن يحج عنه من ضيعة - صير ربعها لك - في كل سنة حجة إلى عشرين دينارا، وأنه قد انقطع طريق البصرة فتضاعفت المؤن على الناس فليس يكتفون بعشرين دينارا. وكذلك أوصى عدة من مواليك في حجهم. فكتب (ع): يجعل ثلاث حجج حجتين إن شاء الله) (* 2). (2) كما استدل بها في الرياض، وهو ظاهر كشف اللثام. وظاهر الحدائق: نسبة الاستدلال بها إلى الاصحاب، وفي المدارك: أنه لا بأس به. وإن أمكنت المناقشة فيه: بأن انتقال القدر المعين بالوصية إنما يتحقق مع إمكان صرفه فيها... إلى آخر ما ذكره. (3) لان مفاد القاعدة كون الطلب بنحو تعدد المطلوب، وذلك


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1.

===============

( 91 )

[ بل لان الظاهر من حال الموصي إرادة صرف ذلك المقدار في الحج، وكون تعيين مقدار كل سنة بتخيل كفايته (1). ويدل عليه أيضا: خبر علي بن محمد الحضيني (2)، وخبر ابراهيم ابن مهزيار، ففي الاول: تجعل حجتين في حجة، وفي الثاني: تجعل ثلاث حجج في حجتين، وكلاهما من باب المثال كما لا يخفى (3). هذا ولو فضل من السنين فضلة لا تفي ] إنما يصح بالنسبه إلى الطلب الشرعي الذي يمكن فيه الكشف عن ذلك، الذي هو خلاف التقييد. أما الطلب الصادر من غير الشارع فلا يمكن فيه الكشف المذكور. ووجوب العمل بالوصية وإن كان شرعيا، لكنه يتوقف على صدق الوصيه على البعض، فإذا فرض انتفاؤه - لانتفاء القيد - انتفى صدق الميسور، ضرورة أنه لا يصدق مع انتفاء الوصية. وإن شئت قلت: ضرورة عدم وجوب ما لم يوص به الميت. (1) من المحتمل: أن يكون ذلك مراد من استدل بقاعدة الميسور. (2) كذا في الجواهر. وقد عرفت أن الخبر خبر ابراهيم بن مهرياز فانه روى أن علي بن محمد كتب إليه (ع). (3) وحينئذ يتعدى عن موردهما إلى سائر الموارد، فيتم الاستدلال بهما على القاعدة الكلية. هذا والخبران رواهما الشيخ عن محمد بن علي بن محبوب، عن ابراهيم بن مهزيار (* 1)، وطريقه إليه صحيح. ورواهما الصدوق أيضا عنه (* 2)، وطريقه أيضا صحيح. وأما إبراهيم فهو من الثقات. وفى الحدائق: (إنه في أعلى مراتب الصحة)، وعن علي بن


____________
(* 1)، (* 2) لاحظ الوسائل باب: 3 من أبواب النيابة في الحج.

===============

( 92 )

[ بحجة (1)، فهل ترجع ميراثا، أو في وجوه البر، أو تزاد على أجرة بعض السنين؟ (2) وجوه (3). ولو كان الموصى به ] طاووس في كتاب ربيع الشيعة: (أنه من سفراء الصاحب (ع) والابواب المعروفين الذين لا يختلف الاثنا عشرية فيهم). وقد تعرض في مستدرك الوسائل لذكر القرائن الداله على وثاقته. فراجع. نعم رواهما في كتاب الكافي عن محمد بن يحيى، عمن حدثه عن ابراهيم بن مهزيار (* 1). (1) هذا يتعلق بما قبله من ضم السنين إلى بعض، بأن كان الضم يستوجب زيادة فضلة. (2) يعني: البعض الآخر. (3) في الجواهر ذكر الوجهين الاولين، تبعا لكشف اللثام، ثم قال: (قد يقال: بتعين الثاني مع فرض الوصية بها، وأنه ذكر ذلك مصرفا لها فاتفق تعذره. كما أنه يتعين الاول إذا فرض إخراجها عن الوارث بالوصية المزبورة، التي قد فرض تعذرها. فتأمل). وكأن وجه التأمل أن إخراجها بالوصية المزبورة عن ملك الوارث لا ينافي الوصية بها على وجه آخر. فالعمدة، ما سيشير إليه المصنف (ره)، من أنه إن فهم تعدد المطلوب لم ترجع ميراثا، وإن لم يفهم ذلك - أو فهم وحدة المطلوب - رجعت ميراثا، ويختلف ذلك باختلاف المناسبات. والوجه الاخير مبني على أن المطلوب ينحل إلى أمور ثلاثة، صرف المال في مصلحته، وصرفه في الحج، وصرفه في خصوص السنة المعينة، فإذا تعذر الاخير تعين الاولان. لكن الاذواق العرفية - غالبا - لا تساعد عليه. ولذا لم


____________
(* 1) لاحظ الوسائل باب: 3 من أبواب النيابة في الحج.

===============

( 93 )

[ الحج من البلد، ودار الامر بين جعل أجرة سنين - مثلا - لسنة، وبين الاستئجار بذلك المقدار من الميقات لكل سنة، ففي تعيين الاول أو الثاني، وجهان (1) ولا يبعد التخيير، بل أولوية الثاني (2). إلا أن مقتضى إطلاق الخبرين الاول (3). هذا كله إذا لم يعلم من الموصي إرادة الحج بذلك المقدار على ] يتعرضوا له. (1) في كشف اللثام اختار الثاني، ثم قال: (ولكن الخبر الاخير قد يوهم الخلاف. ويمكن تنزيله على عدم إمكانه من الميقات...) وفى الجواهر: (قلت: لا داعي إلى هذا الاجتهاد في مقابلة النص المعمول به بين الاصحاب...). (2) لان الحج أفضل من الطريق. (3) أما الخبر الثاني فظاهر في البلدية، ومطلق من حيث التمكن من الاستنابة من الميقات وعدمه. وأما الخبر الاول فهو مطلق من حيث البلد، ومن حيث التمكن من الاستنابة من الميقات. وحينئذ يكون مقتضى الاطلاق الحج من البلد، والجمع بين أجور السنين. وربما ينافي ذلك ما يأتي من رواية علي بن مزيد المتضمنة: أنه إذا أوصى بمال لا يكفي للحج من البلد يحج به من الميقات (* 1)، وصحيحة البزنطي المتضمنة: أنه يحج من البلد فان لم يمكن فمن حيث يمكن (* 2)، المحمولة على صورة الوصية بمال للحج. لكن الخبرين المذكورين في غير المورد، والاخذ باطلاق الخبرين الواردين في المورد أولى وأظهر.


____________
(* 1) يأتي ذكرها في اواخر المسألة التاسعة من هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب النيابة في الحج حديث: 3.

===============

( 94 )

[ وجه التقييد، وإلا فتبطل الوصية، إذا لم يرج إمكان ذلك بالتأخير، أو كانت الوصية مقيدة بسنين معينة (1). (مسألة 7): إذا أوصى بالحج وعين الاجرة في مقدار فان كان الحج واجبا، ولم يزد ذلك المقدار عن أجرة المثل، أو زاد وخرجت الزيادة من الثلث (2) تعين. وإن زاد ولم تخرج الزيادة من الثلث بطلت الوصية، ويرجع إلى أجرة المثل (3). وإن كان الحج مندوبا فكذلك تعين - أيضا - مع وفاء الثلث بذلك المقدار، والا فبقدر وفاء الثلث، مع عدم كون التعيين على وجه التقييد. وإن لم يف الثلث بالحج، أو كان التعيين على وجه التقييد بطلت الوصية، وسقط وجوب الحج (4). ] (1) لفوات المقيد بفوات قيده. وأما الخبران فاطلاقهما اللفظي وإن كان يشمل الفرض، لكن من المعلوم - بقرينة المناسبات العرفية - عدم ظهورهما في وجوب ما لم يوص به الميت. نعم مع الشك لا بأس بالاخذ باطلاق الخبرين، وتكون فائدتهما ذلك، إذ مع الشك في ذلك يكون المرجع أصالة عدم الوصية. والظاهر أن الخبرين واردان هذا المورد، فهما في مقام الحكم الظاهري اعتمادا على القرائن العامة. نعم لو اتفق حصول بعض ما يمنع من القرائن العامة، ففى جواز الاخذ بهما إشكال، والاوجه العدم. (2) بأن وفى الثلث بها من دون مزاحم. (3) لعدم صحة الوصية بما زاد على الثلث. (4) أما في الاول فللتعذر، وأما في الثاني فلتعذر القيد.

===============

( 95 )

[ (مسألة 8): إذا أوصى بالحج وعين أجيرا معينا تعين استئجاره بأجرة المثل. وإن لم يقبل إلا بالازيد، فان خرجت الزيادة من الثلث تعين أيضا، وإلا بطلت الوصية واستؤجر غيره بأجرة المثل في الواجب مطلقا. وكذا في المندوب إذا وفى به الثلث، ولم يكن على وجه التقييد. وكذا إذا لم يقبل أصلا (1). (مسألة 9): إذا عين للحج أجرة لا يرغب فيها أحد وكان الحج مستحبا بطلت الوصية إذا لم يرج وجود راغب فيها. وحينئذ فهل ترجع ميراثا، أو تصرف في وجوه البر، أو يفصل بين ما إذا كان كذلك من الاول فترجع ميراثا أو كان الراغب موجودا ثم طرأ التعذر؟ وجوه (2). والاقوى هو الصرف في وجوه البر. لا لقاعدة الميسور، بدعوى: أن ] (1) يعلم حكم هذه المسألة مما سبق. (2) الاول: محكي عن ابن ادريس، والشيخ في أجوبة المسائل الحائريات، واختاره في المدارك. لتعذر العمل بالوصية، فتبطل. والثاني: محكي عن المشهور، واختاره في الشرائع وغيرها. بناء منهم على أنها بنحو تعدد المطلوب، فإذا لم تصح الوصية بالحج بطل القيد، وتبقى الوصية بالمال فيصرف في مصلحة الميت. والثالث: محكي عن الكركي، واختاره في المسالك. إذ - مع طرؤ العذر - لما صحت الوصية ابتداء، وخرج المال من ملك الوارث لا يعود إليه إلا بدليل، ولم يثبت. غاية الامر: أنه قد تعذر صرفه في الوجه المعين، فيصرف في وجوه البر، بخلاف ما لو كان العذر من الاول، فانها لم تصح الوصية من الاول. والاشكال فيه

===============

( 96 )

[ الفصل إذا تعذر يبقى الجنس - لانها قاعدة شرعية، وإنما تجري في الاحكام الشرعية المجعولة للشارع، ولا مسرح لها في مجعولات الناس، كما أشرنا إليه سابقا (1). مع أن الجنس لا يعد ميسورا للنوع (2)، فمحلها المركبات الخارجية إذا تعذر ] ظاهر، لانها إذا بطلت لم يكن لوجوب الصرف وجه إلا البناء على التبعيض وهو مبني على تعدد المطلوب، ومعه يكون الحكم كذلك في العذر المقارن للوصية. فالعمدة: هو أن الوصية في أمثال ذلك مبنية على وحدة المطلوب أو على تعدده، فعلى الاول يتعين التبعيض ويلزم الصرف في وجوه البر - كما ذكر المشهور - وعلى الثاني يتعين الرجوع ميراثا - كما ذكر ابن ادريس - والتفصيل بلا فاصل. (1) في المسألة السادسة. فراجع. (2) من المعلوم أن مفهوم الميسور كسائر الموضوعات التي تذكر موضوعا للاحكام في لسان الشارع، فإذا لم يتعرض الشارع لبيان المراد بها تحمل على المفاهيم العرفية، بمقتضى الاطلاقات المقامية، فالمراد بالميسور هو الميسور العرفي. وحكم العرف بصدق الميسور تابع للمرتكزات العرفية في مناسبات الاحكام وموضوعاتها، فقد يصدق الميسور على الجنس عند تعذر الفصل وقد لا يصدق، وقد يصدق على المقيد عنه زوال قيده وقد لا يصدق، وقد يصدق على المباين وقد لا يصدق، وقد يصدق على بعض الاجزاء عد تعذر البعض الآخر وقد لا يصدق، كل ذلك لاختلاف المناسبات العرفية بين الاحكام وموضوعاتها، فهذه المناسبات العرفية وإن لم تكن قطعية ولا حجية فيها، لكن عرفت أن الاطلاق المقامي يقتضي جواز الاعتماد عليها.

===============

( 97 )

[ بعض أجزائها ولو كانت ارتباطية - (1) بل لان الظاهر من حال الموصي - في أمثال المقام - إرادة عمل ينفعه، وإنما عين عملا خاصا لكونه أنفع في نظره من غيره، فيكون تعيينه لمثل الحج على وجه تعدد المطلوب وإن لم يكن متذكرا لذلك حين الوصية. نعم لو علم في مقام كونه على وجه التقييد في عالم اللب أيضا يكون الحكم فيه الرجوع إلى الورثة. ولا فرق في الصورتين بين كون التعذر طارئا أو من الاول. ويؤيد ما ذكرنا: ما ورد من الاخبار في نظائر المقام (2). ] (1) قد عرفت عمومها لها، وللمقيدات عند تعذر قيدها، وللاجناس عند تعذر فصلها. لكن لا بنحو الكلية في الجميع، بل يختلف باختلاف المناسبات الارتكازية العرفية. (2) كصحيحي ابراهيم بن مهزيار المتقدمين في المسألة السادسة، وخبر محمد بن الريان قال: (كتبت إلى أبي الحسن (ع) أسأله عن إنسان أوصى بوصية، فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا، كيف يصنع بالباقي؟ فوقع (ع): الابواب الباقية اجعلها في وجوه البر) (* 1). وما ورد - فيمن أوصى أن تشترى رقبة بثمن معين وتعتق، فوجدت بأقل من ذلك الثمن -: من أنه تشترى بالاقل، وتعتق، ويدفع إليها الباقي (* 2). وقد يستدل بما ورد - فيمن أوصى للكعبة، أو نذر لها، أو جعل لها هديا -: من أنه يباع ويصرف على الحجاج المنقطعين (* 3). لكنه غير ما نحن فيه، لان


____________
(* 1) الوسائل باب: 61 من أبواب الوصايا حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 77 من أبواب الوصايا حديث: 1. (* 3) راجع الوسائل باب: 22 من ابواب مقدمات الطواف.

===============

( 98 )

[ بل يدل عليه خبر علي بن سويد عن الصادق (ع) (1) ] الظاهر أن المراد به ذلك من أول الامر، لا بعد التعذر. ثم إن المصرح به في كلام جماعة: البناء على أن الصرف في وجوه البر تعبدي، نظير البدل الاضطراري، وحينئذ لا فرق بين وحدة المطلوب في الوصية وتعدده. لكن فهم ذلك من النصوص غير ظاهر الوجه، لكون منصرفها أن ذلك كان عملا بالوصية، واعتمادا على القرائن العامة، فلا مجال للاخذ بها مع العلم بأن الوصية على نحو وحدة المطلوب، أو قيام بعض القرائن الخاصة المانعة من الاخذ بالقرائن العامة، كما أشرنا إليه آنفا. ثم إن ما ذكر يختص بالاعمال الخيرية التي قصد فيها التقرب إلى الله سبحانه أما غيرها مما يقصد به وجه آخر فاللازم فيها البناء على الرجوع إلى الوارث كما هو مقتضى الاصل الاولي، لعدم ما يوجب الخروج عنه. (1) رواه المشايخ الثالثة قال: (أوصى إلي رجل بتركته، وأمرني أن أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فإذا شئ يسير لا يكفي للحج. فسألت أبا حنيفة وفقهاء الكوفة، فقالوا: تصدق بها عنه. فلما حججت لقيت عبد الله بن الحسن في الطواف، فسألته وقلت له: إن رجلا من مواليكم من أهل الكوفة مات فأوصى بتركته إلي، وأمرني أن أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فلم تكف في الحج، فسألت من قبلنا من الفقهاء، فقالوا: تصدق بها، فتصدقت بها، فما تقول؟ فقال لي: هذا جعفر بن محمد فأته وأسأله. قال: فدخلت الحجر فإذا أبو عبد الله (ع) تحت الميزاب مقبل بوجهه على البيت يدعو، ثم التفت فرآني، فقال: ما حاجتك؟


____________
هكذا في نسخ المتن المطبوعة. ولكن الموجود في الفقيه والتهذيب: (ابن مزيد). وفي الكافي: (ابن فرقد). وهناك نسخ أخرى ليس فيها ابن سويد.

===============

( 99 )

[ قال: قلت مات رجل فأوصى بتركته أن أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فلم تكف للحج، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا: تصدق بها. فقال (ع): ما صنعت؟ قلت: تصدقت بها. فقال (ع): ضمنت. إلا أن لا تكون تبلغ أن يحج بها من مكة، فان كانت تبلغ أن يحج بها من مكة فأنت ضامن " ويظهر مما ذكرنا حال سائر الموارد التي تبطل الوصية لجهة ] فقلت: جعلت فداك، إني رجل من أهل الكوفة من مواليكم، فقال (ع): دع ذا عنك، حاجتك، قلت: رجل مات فأوصى بتركته أن أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فلم يكف للحج، فسألت من عندنا من الفقهاء، فقالوا: تصدق بها. فقال: ما صنعت؟ قلت: تصدقت بها فقال (ع): ضمنت. إلا أن لا يبلغ أن يحج به من مكة، فان كان لا يبلغ أن يحج به من مكة فليس عليك ضمان، وإن كان يبلغ أن يحج به من مكة فانت ضامن) (* 1). ودلالة الرواية على التنازل من الحج البلدي إلى الميقاتي واضحة. وكذا دلالتها على التنازل من النائب إلى غيره، وهو غير ما نحن فيه. كما أن الظاهر اختصاصها بصورة ما إذا لم يعلم أن التقييد على نحو وحدة المطلوب، فان إطلاقها اللفظي وإن كان شاملا لذلك، لكن المنصرف إلى الذهن منها. أن وجوب الصرف من باب العمل بالوصية، لا من باب آخر في مقابل ذلك. نعم الظاهر منها الشمول لصورة الشك، أخذا بالارتكاز الغالب.


____________
(* 1) الوسائل باب: 37 من ابواب الوصايا حديث: 2، الفقيه الجزء: 4 صفحة: 154 طبعة النجف الاشرف.

===============

( 100 )

[ من الجهات، هذا في غير ما إذا أوصى بالثلث وعين له مصارف وتعذر بعضها، وأما فيه فالامر أوضح، لانه بتعيينه الثلث لنفسه أخرجه عن ملك الوارث بذلك فلا يعود إليه (1). (مسألة 10): إذا صالحه على داره مثلا وشرط عليه أن يحج عنه بعد موته صح ولزم، وخرج من أصل التركة وإن كان الحج ندبيا، ولا يلحقه حكم الوصية. ويظهر من المحقق القمي (قدس سره) في نظير المقام إجراء حكم الوصية عليه، بدعوى: أنه بهذا الشرط ملك عليه الحج، وهو عمل له أجرة (2)، فيسحب مقدار أجرة المثل لهذا العمل، فان كانت زائدة عن الثلث توقف على إمضاء الورثة. وفيه: أنه لم يملك عليه الحج مطلقا في ذمته ثم أوصى أن يجعله عنه (3) ] (1) تعليل الوضوح بما ذكر خفي، إذ لا مانع من العود إلى ملك الوارث بعد أن بطل السبب المخرج. فالعمدة في الوضوح: أنه لما اشتملت الوصية على أمرين كان البناء على تعدد المطلوب فيها أوضح من الوصية المشتملة على أمر واحد، لان ذلك في الثانية محتاج إلى التحليل العقلي، بخلاف الاولى، لاشتمالها على التحليل الخارجي. (2) يعني: فيكون مملوكا للمصالح، فيكون لورثته بعد موته كسائر تركته. وحينئذ يكون أمره للمصالح - بالفتح - بفعله عنه وصية منه بذلك فتخرج من ثلثه. (3) توضيح الاشكال: أن الوصية تصرف في المملوك بعد المفروعية عن الملكية له. مثل أن يوصي بداره لزيد، وبفرسه لعمرو، ونحو ذلك

===============

( 101 )

[ بل إنما ملك بالشرط الحج عنه، وهذا ليس مالا تملكه الورثة (1)، ] وليس المقام كذلك، فان المملوك هو الحج عن نفسه، وهذا المملوك لم يؤخذ موضوعا لتصرف آخر زائد عليه، فلا يدخل في باب الوصية بالمال ولا تجري عليه أحكامها. (1) كيف لا يكون مالا وقد جعل عوضا عن مال؟ كما لو استأجره للحج عنه بعد وفاته، أو في حياته، أو يحج عن ميت له، كما تقدم في كلام المحقق القمي. مع أن الانتقال إلى الوارث لا يتوقف على المال، مثل حبة الحنطة، فانها تنتقل إلى الوارث إذا كانت مملوكة للمورث، لعموم ما دل على انتقال ما ترك الميت إلى وارثه. ومن ذلك يظهر لك الاشكال. في قوله (ره): (لا ينتقل إلى الورثة). والمتحصل مما ذكرناه: أن الوصية - التي لا تنفذ فيما زاد على الثلث - تختص بالوصية الواردة على الملك، بحيث يكون الملك موضوعا لها، فلا تشمل المقام مما كان التصرف موضوعا للملكية، فلا مجال لاجراء حكم الوصية عليه، ومقتضى كونه مما ترك الميت أن يكون ملكا لوارثه. ومثله: ما لو ملكه بالعقد لا بالشرط، كما لو استأجره على أن يحج عنه في حياته أو بعد مماته فمات المستأجر، فان الحج لما كان مملوكا للميت بعقد الاجارة في حياته كان لوارثه بعد مماته، ومقتضى الانتقال إليهم أن للورثة المعاوضة وإبراء ذمة الاجير عنه، ونحو ذلك من أحكام الملك. اللهم إلا أن يدعى انصراف دليل عموم الانتقال إلى الوارث إلى ما لم يكن له تعين في التصرف ويكون التصرف فيه مرددا بين الوارث وغيره، مثل الاعيان والحقوق التى لا تعين لها في الصرف واعمال السلطنة، فديليل الانتقال يوجب انتقالها إلى الوارث، فلا يشمل المقام، فان الحج المشروط أو المملوك بالاجارة يتعين

===============

( 102 )

[ فليس تمليكا ووصية، وإنما هو تمليك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة. وكذا الحال إذا ملكه داره بمائة تومان - مثلا - بشرط أن يصرفها في الحج عنه أو عن غيره (1)، أو ملكه ] صرفه للميت بمقتضى العقد والشرط، فلا يدخل في عموم الانتقال. والسبب في هذا الانصراف قصور: (ما ترك الميت...) عن شمول مثل ذلك، لاختصاصه بالسائب الذي لا تعين له. ولعل هذا هو المراد مما في حاشية المقام لبعض الاعاظم، من الاشكال على المحقق القمي. بأن الظاهر أن شرط الحج أو الصرف في مصرف آخر بعد موته استيفاء منه بهذا الوجه، ويخرج عن الوصية وملك الورثة. انتهى. إذ لو لم يرد ما ذكرناه من الانصراف فلا يظهر للاستيفاء المذكور وجه. إذ ليس مفاد الشرط إلا ملك المشروط له معنى الشرط كسائر موارد جعل الملكية، فمن أين جاء هذا الاستيفاء؟!. نعم لو كان مفاد الشرط مجرد التكليف بالفعل - كالحج، أو الصرف - كان لما ذكره وجه، لان الوجوب الشرعي بمنزلة الوجوب العقلي، فيكون استيفاء، لكنه خلاف التحقيق. وقد اتفق لهذه المسألة في حياة المصنف (ره) من الاختلاف فيها بينه وبين معاصريه ومزيد النقضى والابرام ما لم يتفق لاكثر المسائل العلمية. والله سبحانه ولى السداد والتوفيق. (1) في إجراء الحكم السابق هنا إشكال ظاهر، لان الشرط هنا تصرف في ماله وملكه بعد الموت، فيكون الملك موضوعا للتصرف، فيشمله ما دل على عدم نفوذ الوصية فيما زاد على الثلث، ويتوجه فيه ما ذكره المحقق القمي.

===============

( 103 )

[ إياها بشرط أن يبيعها ويصرف ثمنها في الحج أو نحوه (1). فجميع ذلك صحيح لازم من الاصل (2) وان كان العمل المشروط عليه ندبيا. نعم له الخيار عند تخلف الشرط. وهذا ينتقل إلى الوارث (3)، بمعنى: أن حق الشرط ينتقل إلى الوارث، فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط عليه يجوز للوارث أن يفسخ المعاملة. ] (1) هذا المثال أشبه بالمثال الاول، لعدم كون الشرط تصرفا في ماله وملكه بل تصرف في مال غيره. بل لو بني على أن صرف المال - الذي هو الشرط - ليس بمال كان الحكم فيه أوضح. إذ حينئذ لا يكون الشرط مالا وإن كان ملكا له بالاشتراط، فأولى أن لا يدخل تحت ما دل على عدم نفوذ الوصية بما زاد على الثلث، لاحتمال اختصاص ذلك بالمال. (2) قد عرفت أن ذلك في المثال الاول والاخير، لا في الثاني، فانه من الوصيه، فيكون حينئذ من الثلث. (3) إذا كان الشرط على الوارث امتنع أن ينتقل الشرط إليه، وحينئذ يبقى على ملك الميت. ومن ذلك يظهر أنه لا يكون الخيار للوارث، لانه إنما يكون لمن يملك الشرط الفائت لتدارك ما فات منه، ولا يكون لغيره مضافا إلى أنه لا معنى لثبوت الخيار له على عقد نفسه. وحينئذ لا بد من البناء على أنه يكون للحاكم الشرعي، لولايته على الميت، فإذا فسخ الحاكم رجع العوض إلى ملك الميت، فيكون لوارثه. ولا يجب عليه صرفه فيما شرط على المفسوخ عليه، لعدم الدليل على ذلك، لان المفروض بطلان المعاملة المقتضية لذلك، ولا تصرف سواها يقتضي ذلك.

===============

( 104 )

[ (مسألة 11): لو أوصى بأن يحج عنه ماشيا أو حافيا صح، واعتبر خروجه من الثلث إن كان ندبيا، وخروج الزائد عن أجرة الميقاتية منه (1) إن كان واجبا. ولو نذر في حال حياته أن يحج ماشيا أو حافيا، ولم يأت به حتى مات وأوصى به أو لم يوص، وجب الاستئجار عنه من أصل التركة كذلك (2). نعم لو كان نذره مقيدا بالمشي ببدنه أمكن أن يقال: بعدم وجوب الاستئجار عنه، لان المنذور هو مشيه ببدنه، فيسقط بموته (3)، لان مشي الاجير ليس ببدنه ففرق بين كون المباشرة قيدا في المأمور به أو موردا (4). ] نعم قد يقال: بأن الشرط لما كان راجعا إلى الوصية جرى عليه حكمها، من وجوب العمل بها إذا لم تزد على الثلث. ويشكل: بأن الوصية المذكورة كانت مبنية على المعاوضة، فإذا بطلت بطلت. اللهم إلا أن يفهم أن ذلك على نحو تعدد المطلوب - كما هو غير بعيد - فإذا بطلت المعاملة بالفسخ بقيت الوصية بحالها، فيجب تنفيذها من الثلث. (1) وكذلك الزيادة من جهة المشي أو الحفاء. وكذلك الحكم في الخصوصيات التي يوصي بها الميت حينما يوصي بالحج الواجب، فان الجميع - لما كان زائدا على الحج الواجب إخراجه من الاصل - لم يجب إخراجه من الاصل، ووجب إخراجه من الثلث، عملا بعموم أدلة أحكام الوصية. (2) لما تقدم من وجوب قضاء الحج النذري. (3) لتعذر القضاء. (4) قد تقدم أن المستفاد من أدلة التشريع أن المباشرة قيد للمأمور به

===============

( 105 )

[ (مسألة 12): إذا أوصى بحجتين أو أزيد، وقال: ] وأن نسبة الفاعلية في الواجبات نسبة قيام الفعل بفاعله، فلا تشمل النيابة وإن كانت بنحو التسبيب، فالحج المنذور هو الحج المباشر القائم بالناذر وكذا نسبة المشي أو الحفاء القائمين بالحاج حينما يقول الناذر: (لله علي أن أحج ماشيا أو حافيا) فالمنذور هو الحج القائم بالناذر، المقيد بالحفاء والمشي القائمين به أيضا، فالمباشرة ملحوظه في المشي أو الحفاء كما هي ملحوظه قيدا في الحج. نعم يختلفان من حيث ان المباشرة - الملحوظة قيدا في الحج - لوحظت بما هي كذلك. أما الملحوظة قيدا في المشي أو الحفاء فقد تكون ملحوظة كذلك. وقد تكون ملحوظة بما هي مباشرة في الحج. وبعبارة أخرى: المشي أو الحفاء المأخوذان قيدا، تارة: يؤخذان قيدا بما هما منسوبان إلى الناذر من حيث هو، وأخرى: من حيث كونه حاجا. فان أخذا على النحو الاول وجب القضاء، لان المباشرة في الحج وإن كانت مفقودة في فعل النائب، لكن دليل وجوب القضاء يقتضي ثبوتها تنزيلا. والمباشرة في الحفاء والمشي غير مفقودة، لان المفروض أنهما أخذا قيدا من حيث كونهما قائمين بالحاج، وهو حاصل. أما إذا أخذا على النحو الثاني فلا يمكن القضاء، لانتفاء نسبتهما إلى الناذر من حيث هو، إذ الناذر غير النائب. والمتحصل: أن المشي والحفاء المأخوذين قيدا، تارة: يؤخذان قيدا بما هما منسوبان إلى الناذر من حيث هو، وأخرى: يؤخذان قيدا بما هما منسوبان إليه من حيث كونه حاجا. فعلى الاول يتعذر القضاء، وعلى الثاني لا يتعذر فيجب.

===============

( 106 )

[ إنها واجبة عليه، صدق، وتخرج من أصل التركة (1). نعم لو كان إقراره بالوجوب عليه في مرض الموت، وكان متهما في إقراره، فالظاهر أنه كالاقرار بالدين فيه (2)، في خروجه من الثلث إذا كان متهما، على ما هو الاقوى (3). (مسألة 13): لو مات الوصي بعد ما قبض من التركة أجرة الاستئجار، وشك في أنه استأجر الحج قبل موته أولا فان مضت مدة يمكن الاستئجار فيها فالظاهر حمل أمره على الصحة مع كون الوجوب فوريا منه (4)، ومع كونه موسعا إشكال (5). ] (1) الظاهر أنه لا إشكال فيه، وكأنه لما دل على حجية إخبار المرء عن نفسه، كاخبار ذي اليد عما في يده، لاستقرار سيرة العقلاء والمتشرعة عليه. وأما ما دل على حجية الاقرار فيختص بنفوذه على نفسه، فلا يشمل المقام، بعد أن كان النفوذ موجبا لضياع حق الوارث. (2) فان مفهوم الدين - المذكور في نصوص نفوذ إقراره من الاصل إذ لم يكن متهما ومن الثلث إذا كان متهما - شامل لما نحن فيه، إذ لا فرق في الدين بين العين والعمل، وما كان للناس وما كان لله تعالى، كما عرفت ذلك في أول مبحث نذر الحج. (3) تحقيق ذلك يطلب من محله من كتاب الوصية. (4) في عموم قاعدة: (حمل فعل المسلم على الصحة...) لما نحن فيه إشكال ظاهر. ومثله ما إذا مات المدين وشك في وفاء دينه، إذا كان الدائن مطالبا. (5) ضعف الاشكال ظاهر، إذ ليس ما يقتضي وجوب البناء على

===============

( 107 )

[ وإن لم تمض مدة يمكن الاستئجار فيها وجب الاستئجار من بقية التركة إذا كان الحج واجبا، ومن بقية الثلث إذا كان مندوبا. وفي ضمانه لما قبض وعدمه - لاحتمال تلفه عنده بلا ضمان - وجهان (1). نعم لو كان المال المقبوض موجودا أخذ حتى في الصورة الاولى (2)، وإن احتمل أن يكون استأجر من مال نفسه إذا كان مما يحتاج إلى بيعه وصرفه في الاجرة، وتملك ذلك المال بدلا عما جعله أجرة، لاصالة بقاء ذلك المال على ملك الميت. ] وقوع الفعل عدا قاعدة: (حمل المسلم على الصحة)، التي عرفت الاشكال فيها. (1) مقتضى أصالة البراءة الثاني. وليس ما يقتضي الاول عدا عموم: (على اليد...) الذي يجب الخروج عنه في يد الامين. وسيأتي منه في المسألة الآتية: استظهار عدم الضمان مع الشك في الضمان. ولا يظهر الفرق بين المقام وما يأتي، إلا أنه في المقام لم يعلم التلف وفى المسألة الآتية يعلم بالتلف. ولكن عدم الضمان مع الشك في التلف أولى منه مع العلم به. (2) لكن حينئذ يعلم إجمالا بالمخالفة للتكليف - المعلوم في الصورة المذكورة - إذا علم بعدم التبرع، لانه إن عمل بالوصية فقد خرج المال عن ملك الميت، وإن بقي على ملك الميت لم يعمل بالوصية، فالبناء على العمل بالوصية وبقاء المال على ملك الميت يعلم بمخالفته للواقع، فيتعين الرجوع إلى أصالة عدم الاتيان بالموصى به، وأصالة حرمة التصرف في المال.

===============

( 108 )

[ (مسألة 14): إذا قبض الوصي الاجرة وتلف في يده بلا تقصير لم يكن ضامنا (1)، ووجب الاستئجار من بقية التركة أو بقية الثلث (2)، وإن اقتسمت على الورثة استرجع منهم (3). وإن شك في كون التلف عن تقصير أولا فالظاهر عدم الضمان أيضا (4). وكذا الحال إن استأجر ومات الاجير ولم يكن له تركة، أو لم يمكن الاخذ من ورثته. (مسألة 15): إذا أوصى بما عنده من المال للحج ندبا، ولم يعلم أنه يخرج من الثلث أولا (5)، لم يجز صرف جميعه (6). نعم لو ادعى أن عند الورثة ضعف هذا، أو أنه أوصى سابقا بذلك والورثة أجازوا وصيته، ففي سماع ] نعم لو بني على أصالة حلية التصرف في المال إلا أن يعلم أنه مال الغير، وجب العمل بالوصية، وجاز أخذ المال. كما أنه لو بني على أن أصالة الصحة تثبت انتقال المال عن ملك الميت إلى ملك الوصي، ثبت عدم جواز أخذ المال وانحل بذلك العلم الاجمالي. (1) بلا إشكال، لانه أمين. (2) لوجوب العمل بالوصية. (3) لانكشاف بطلان القسمة. (4) لاصالة البراءة. (5) يعني: لم يعلم أنه تصرف في الثلث أو في الزائد عنه. (6) لاحتمال أنه تصرف في الزائد عن الثلث فيتوقف على إذن الوارث لكن حمل التصرف على الصحة يقتضي أنه تصرف في الثلث.

===============

( 109 )

[ دعواه وعدمه وجهان (1). (مسألة 16): من المعلوم أن الطواف مستحب مستقلا من غير أن يكون في ضمن الحج (2)، ويجوز النيابة فيه عن الميت، وكذا عن الحي (3) ] (1) أقواهما السماع، لانه إخبار عما في يده. (2) لا إشكال في ذلك. ويقتضيه النصوص الكثيرة، وقد عقد في الوسائل أبوابا تتضمن ذلك. منها: باب استحباب التطوع بالطواف، وتكراره واختياره على العتق المندوب (* 1) وذكر فيه أخبارا كثيرة، ومنها: صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (قال: إن الله تعالى جعل حول الكعبة عشرين ومائة رحمة، منها ستون للطائفين). فراجع. (3) في كشف اللثام: (كأنه لا خلاف فيه حيا كان أو ميتا، والاخبار به متظافرة...). ويستفاد ذلك. من النصوص الوارة في الموارد المتفرقة. منها: ما ورد في الطواف عن المعصومين أحياء وأمواتا وقد عقد لها في الوسائل بابا (* 2). ومنها: خبر يحيى الازرق: (قلت لابي الحسن (ع): الرجل يحج عن الرجل، يصلح له أن يطوف عن أقاربه؟ فقال (ع): إذا قضى مناسك الحج فليصنع ما شاء) (* 3). فتأمل. ومنها: رواية أبي بصير: (قال أبو عبد الله (ع): من وصل أبا أو ذا قرابة له، فطاف عنه، كان له أجره كاملا، وللذي طاف عنه


____________
(* 1) لاحظ باب: 4 من أبواب الطواف. (* 2) لاحظ باب: 21 من أبواب النيابة في الحج. (* 3) الوسائل باب: 21 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1.

===============

( 110 )

[ إذا كان غائبا عن مكة (1)، أو حاضرا وكان معذورا في الطواف بنفسه (2). ] مثل أجره، ويفضل هو _ بصلته إياه - بطواف آخر) (* 1). (1) كما وردت بذلك النصوص. وقد عقد في الوسائل بابا في أبواب النيابة، تضمنت الطواف عن أهل بلد الطائف وأقاربه (* 2). (2) بلا خلاف ولا إشكال. ويدل عليه جملة من النصوص، كصحيح حريز عن أبي عبد الله (ع): (المريض المغلوب، والمغمى عليه يرمى عنه ويطاف عنه) (* 3)، وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (أنه قال: المبطون، والكسير يطاف عنهما، ويرمى عنهما) (* 4)، وصحيح حبيب الخثعمي عن أبي عبد الله (ع): (أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن طاف عن المبطون، والكسير) (* 5)، وصحيح معاوية: (والمبطون يرمى، ويطاف عنه، ويصلى عنه) (* 6). وقد اشتملت النصوص على ذكر المريض المغلوب، والمغمى عليه، والكسير، والمبطون وقد تعرض الاصحاب لهم بالخصوص. كما تعرض بعضهم للحائض - أيضا - إذا ضاق وقتها، أو لم يمكنها الانتظار. قال في المسالك: (ويدخل في عموم العبارة - يعني: قولهم:


____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب النيابة في الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 18 من أبواب النيابة في الحج. (* 3) الوسائل باب: 49 من أبواب الطواف حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 49 من أبواب الطواف حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 49 من أبواب الطواف حديث: 5. (* 6) الوسائل باب: 49 من أبواب الطواف حديث: 6.

===============

( 111 )

(ولا تجوز النيابة في الطواف للحاضر إلا مع العذر - الحائض، لان عذرها مانع شرعي من دخول المسجد، وإنما يتصور لحوقها - مع ضيق الوقت بالحج - بالنسبة إلى طواف العمرة، أو خروج القافلة بالنسبة إلى طواف الحج. وفي جواز استنابتها حينئذ نظر، لانتفاء النص الدال على ذلك. بل قد حكم الاكثر بعدولها إلى حج الافراد عند ضيق الوقت عن الطواف وإتمام عمرة التمتع، ورواه جميل بن دراج في الصحيح (* 1)، وهو يقتضي عدم جواز النيابة. ولو قيل بجواز الاستنابة مع الضرورة الشديدة اللازمة بانقطاعها عن أهلها في البلاد البعيدة كان قويأ...). وفى المدارك - بعد أن حكى ذلك عن المسالك - قال: (وهو غير بعيد، ويقوى الجواز في طواف النساء. بل مقتضى صحيحة أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز جواز تركه والحال هذه، فانه قال: (كنت عند أبي عبد الله (ع)، فدخل عليه رجل، فقال: أصلحك الله، إن امرأة معنا حائضا ولم تطف طواف النساء، ويأبى الجمال أن يقيم عليها. قال: فأطرق، وهو يقول: لا تستطيع أن تتخلف عن أصحابها، ولا يقيم عليها جمالها. ثم رفع رأسه إليه فقال (ع): تمضي، فقد تم حجها) (* 2). وفى كشف اللثام: (من أصحاب الاعذار أو الغيبة: الحائض إذا ضاق الوقت، أو لم يمكنها


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 2. (* 2) رواه في الوسائل - عن الكافي - باب: 59 من أبواب الطواف حديث: 1. وفيه أيضا - عن الفقيه - باب: 84 من أبواب الطواف حديث: 13. ولكنه يختلف عن نسخة الفقيه. كما أن متن الرواية المذكورة هنا لا يوافق متن الرواية بالطريقين. وإن كان أقرب إلى نسخة الفقيه منه إلى الوسائل. لاحظ الكافي جزء 4 صفحة 451 طبع ايران الحديثة، الفقيه جزء 2 صفحة 245 طبع النجف الاشرف.

===============

( 112 )

المقام حتى تطهر...). لكن في الدروس: (في استنابة الحائض عندي تردد...). قال في الجواهر: (قلت: لعله من ذلك ومن عدم قابليتها لوقوع الطواف - الذي هو كالصلاة - منها، فكذا نائبها، ومن بطلان متعتها وعدولها إلى حج الافراد لو قدمت إلى مكة حائضا وقد تضيق وقت الوقوف، إذ لو كانت النيابة مشروعة لصحت متعتها...). والاشكال فيه ظاهر، فان عدم صحة طوافها - لاعتبار الطهارة فيه - لا يلازمه عدم صحة النيابة عنها، كما يظهر بملاحظة مورد النصوص المتقدمة وغيرها من موارد النيابة. نعم يعتبر في صحة النيابة كون المنوب فيه مشروعا في حق المنوب عنه، لاصحته من المنوب عنه. وبطلان متعتها - لو قدمت إلى مكة حائضا وقد تضيق وقت الوقوفين - لا يدل على ما نحن فيه، لامكان خصوصية في الفرض المذكور دل عليها الدليل بالخصوص. مع أنه حكى القول بالاستنابة عن بعض، كما سيأتي. وبالجملة: إطلاق كلمات الاصحاب جواز النيابة في الطواف عن المعذور يقتضي العموم للحائض، كما ذكر في كشف اللثام. والنصوص الواردة في الاعذار المتقدمة لا يبعد التعدي عن موردها إلى المقام. وفى الجواهر - بعد أن ذكر استدلال المدارك بصحيح الخزاز المتقدم على جواز تركها طواف النساء - قال: (قلت: وهو كذلك، إلا أنه - بقرينة عدم القائل به - يجب حمله على الاستنابة. ولعله لا بأس به إذا فعلت ذلك بعد غيبتها وطهارتها، لا أنه يطاف عنها مع حضورها حال حيضها. بل جعل المدار على ذلك في صحة الاستنابة عنها في الطواف متجه). لكن الاعتماد على الرواية في تشريع النيابة غير ظاهر، لان حملها على ذلك لا يخرجه عن التأويل، والمؤول ليس بحجة. وكان الاولى من ذلك الاعتماد على نصوص

===============

( 113 )

[ وأما مع كونه حاضرا وغير معذور فلا تصح النيابة عنه (1). ] المعذور بالغاء خصوصية موردها. وأما اعتبار الطهارة فلما ذكره سابقا من عدم صحة النيابة فيما لا يصح من المنوب عنه، مما عرفت الاشكال فيه، وأما اعتبار الغيبة، فكأنه لما يأتي من عدم صحة النيابة عن الحاضر. وفيه: أنه يختص بغير المعذور، لما عرفت من النصوص. مضافا إلى أنها إن تركت السعي وسافرت فقد تركت واجبا من غير عذر، وإن سمعت ثم سافرت فقد فوتت الترتيب بينه وبين الطواف من دون عذر، فاللازم - بناء على ما عرفت من عموم أدلة النيابة عن المعذور للحائض - أن تستنيب في الطواف، ثم تسعى، ثم تسافر. (1) وفى كشف اللثام: كأنه اتفاقي. واستدل له - فيه، وفى الجواهر وغيرهما -: بمرسل عبد الرحمن بن أبي نجران، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: الرجل يطوف عن الرجل وهما مقيمان بمكة. قال (ع): لا، ولكن يطوف عن الرجل وهو غائب عن مكة قال: قلت: وكم مقدار الغيبة؟ قال (ع): عشرة أميال) (* 1)، وخبر اسماعيل بن عبد الخالق قال: (كنت إلى جنب أبي عبد الله (ع) وعنده ابنه عبد الله، أو ابنه الذي يليه، فقال له رجل: أصلحك الله تعالى يطوف الرجل عن الرجل وهو مقيم بمكة ليس به علة؟ فقال: لا، لو كان ذلك يجوز لامرت ابني فلانا فطاف عني. سمى الاصغر وهما يسمعان) (* 2). ولاجل ذلك يخرج عن إطلاق ما دل على جواز النيابة في الطواف، الشامل للحاضر والغائب.


____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب النيابة في الحج حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 51 من أبواب الطواف حديث: 1.

===============

( 114 )

[ وأما سائر أفعال الحج فاستحبابها مستقلا غير معلوم (1)، حتى مثل السعي بين الصفا والمروة (2). (مسألة 17): لو كان عند شخص وديعة، ومات صاحبها (3) وكان عليه حجة الاسلام، وعلم أو ظن أن الورثة لا يؤدون عنه إن ردها إليهم (4)، جاز - بل وجب ] (1) إذ لا دليل على مشروعيته في نفسه في غير حال الانضمام إلى بقية الافعال. (2) الذي يظهر من جملة من النصوص استحبابة لنفسه. ففي خبر محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع): (قال رسول الله صلى الله عليه وآله لرجل من الانصار: إذا سعيت بين الصفا والمروة كان لك عند الله تعالى أجر من حج من بلاده، ومثل أجر من أعتق سبعين رقبة مؤمنة) (* 1). وخبر أبي بصير قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ما من بقعة أحب إلى الله تعالى من المسعى، لانه يذل فيه كل جبار) (* 2). ونحوهما غيرهما. ودلالتهما على استحبابه لنفسه ظاهر. (3) هذا الحكم - في الجملة - ذكره الاصحاب، كما في الحدائق. وفى المستند: (بلا خلاف فيه في الجمله...). (4) اقتصر في الشرائع، والقواعد، واللمعة، والارشاد، وغيرها على خصوص صورة العلم، وعن النهاية والمبسوط والمهذب والسرائر: إلحاق الظن الغالب به.


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب السعي حديث: 15. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب السعي حديث: 14.

===============

( 115 )

[ عليه - أن يحج بها عنه (1)، وإن زادت عن أجرة الحج رد الزيادة إليهم. لصحيحة بريد: (عن رجل استودعني مالا فهلك، وليس لوارثه شئ، ولم يحج حجة الاسلام. قال (ع) حج عنه، وما فضل فأعطهم) (2). وهي وإن كانت مطلقة إلا أن الاصحاب قيدوها بما إذا علم أو ظن بعدم تأديتهم لو دفعها إليهم (3). ] (1) كما في المسالك وغيرها. لظاهر الامر. وحمله على مجرد الرخصة - لانه في مقام الحظر - بعيد. (2) رواه الصدوق باسناده عن سويد القلا، عن أيوب بن الحر، عن بريد، عن أبي عبد الله (ع) قال: (سألته عن رجل...) (* 1) واسناده إلى سويد صحيح، وسويد وأيوب ثقتان، وبريد من الاعيان. ورواه - في الكافي - عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي ابن النعمان، عن سويد القلا، عن أيوب، عن بريد. ورجال السند كلهم ثقات أو أعيان. نعم أيوب مشترك، لكن - بقرينة رواية الصدوق - يظهر أنه ابن الحر الثقة. ورواها الشيخ - بهذا الاسناد - عن حريث، عن بريد. ورجال السند كلهم أعيان، وأيوب قد عرفت المراد منه. (3) هذا مما لا إشكال فيه عندهم، وقد حكى ذلك جماعة من دون حكايه شبهة أو إشكال. فيحتمل أن يكون الوجه فيها الاقتصار - في الاخذ بالرواية - على مورد لا يخالف القواعد، كما يظهر من الشرائع، حيث علل الحكم المذكور: بأن المال خارج عن ملك الورثة. وفيه: أنه


____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1.

===============

( 116 )

[ ومقتضى إطلاقها عدم الحاجة إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي (1) ] لا يجوز رفع اليد عن إطلاق الرواية للقاعدة، فان إطلاق الرواية مقيد للقاعدة، كما هو ظاهر. ويحتمل أن يكون الاجماع. وهذا هو الاظهر. وعليه إذا شك في التقييد - سعة وضيقا - تعين الاقتصار على الاول، لانه المتيقن من معقد الاجماع. ومن ذلك يظهر: أنه لا وجه لتقييد الرواية بصورة العلم بالامتناع - بعدما عرفت من اكتفاء جماعة بالظن - لان التقييد بالعلم تقييد زائد. إلا أن يقال: الاجماع إنما هو على تقييد الرواية بصورة امتناع الوارث واقعا، والعلم أو الظن طريق إليه لا موضوع للحكم. ولما لم يكن دليل على اعتبار الظن بالامتناع يتعين الاقتصار على صورة العلم بالامتناع لا غير. وهذا هو الاقرب. وسيأتي - في كلام المصنف - تقريب كون التقييد بالامتناع مقتضى القاعدة. فانتظر. (1) هذا مما لا ينبغي التأمل فيه. وعن التذكرة: أنه اعتبر - في صحة تصرف الودعي - عدم التمكن من الحاكم، أو إثبات الحق عنده، وإلا وجب الاستيذان منه... وفى الروضة: (وهل يتوقف تصرفهم على إذن الحاكم؟ الاقوى ذلك، مع القدرة على إثبات الحق عنده، لان ولاية إخراج ذلك قهرا على الوارث إليه. ولو لم يمكن فالعدم أقوى، حذرا من تعطيل الحق الذي يعلم من بيده المال ثبوته. وإطلاق النص إذن له...). والاشكال فيه ظاهر، لانه خلاف الاطلاق، كما اعترف به في الروضة في آخر كلامه. وحكى الشهيد - في اللمعة - قولا بالافتقار إلى إذن الحاكم مطلقا، حتى مع عدم إمكانه، وعليه لو لم يمكن يبقى الحق معطلا. وفى اللمعة: إنه بعيد. وعلله في الروضة: باطلاق النص.

===============

( 117 )

[ ودعوى: أن ذلك للاذن من الامام (ع) (1) كما ترى، لان الظاهر من كلام الامام (ع) بيان الحكم الشرعي، ففي مورد الصحيحة لا حاجة إلى الاذن من الحاكم. والظاهر عدم الاختصاص بما إذا لم يكن للورثة شئ (2). وكذا عدم الاختصاص بحج الودعي بنفسه (3)، لانفهام الاعم من ذلك منها. وهل يلحق بحجة الاسلام غيرها من أقسام الحج الواجب أو غير الحج من سائر ما يجب عليه مثل: الخمس، والزكاة، والمظالم، والكفارات، والدين، أولا؟. وكذا هل يلحق ] وهو في محله. (1) هذه الدعوى ذكرها في المدارك، قال - في الاشكال على ما ذكره في الروضة في تعليل البعد الذي ذكره في اللمعة -: (وهو غير جيد، فان الرواية إنما تضمنت أمر الصادق (ع) لبريد في الحج عمن له الوديعة، وهو إذن وزيادة...). وفى الجواهر: احتمال أن الامر منه لبريد إذن له فيه، فلا إطلاق فيه حينئذ يدل على خلافها. انتهى. والاشكال فيه بما ذكره المصنف (ره) في محله. (2) يظهر من الاصحاب التسالم على ذلك، حيث لم يذكروه في قيود المسألة. ومقتضى الاقتصار على مورد النص الاختصاص بذلك، لذكره في السؤال. لكن الظاهر أن الوجه في ذكره في السؤال: احتماله أنه إذا لم يكن لهم شئ لا يجب الحج عنه، لانه يؤدي إلى حرمانهم من الميراث، لا احتمال أن له دخلا في الوجوب، كما لعله ظاهر بالتأمل. (3) الظاهر أنه لا إشكال فيه عندهم، ولم يتعرض أحد للخلاف

===============

( 118 )

[ بالوديعة غيرها مثل: العارية، والعين المستأجرة، والمغصوبة والدين في ذمته، أولا؟ وجهان. قد يقال بالثاني، لان الحكم على خلاف القاعدة (1) إذا قلنا أن التركة مع الدين تنتقل إلى الوارث، وإن كانوا مكلفين بأداء الدين ومحجورين عن التصرف قبله (2). بل وكذا على القول ببقائها معه على ] فيه. ولذلك اقتصر بعضهم على الاستيجار، كما في الشرائع وغيرها، وفى القواعد: (يحج أو يستأجر...) نعم في المسالك: (والظاهر جواز استنابته فيه، كما يجوز مباشرته...). وظاهره أنه محل نوع تأمل. وكأن ذلك منهم لفهمهم من الامر بالحج ما هو أعم من التسبيب والمباشرة، ولذا قال في المستند - بعد ما ذكر أن مقتضى النص حج الودعي بنفسه _: (لكن الاصحاب جوزوا له الاستيجار، بل ربما جعلوه اولى. مع أن ارادة الحج بنفسه من اللفظ في هذا المقام محل تأمل ظاهر). وأشار بقوله: (ربما جعلوه أولى) إلى ما ذكره في المدارك، قال: (مقتضى الرواية أن المستودع يحج. لكن جواز الاستيجار ربما كان أولى. خصوصا إذا كان الاجير أنسب بذلك...). (1) هذا القول حكاه في المستند عن جماعة. كما حكى التعدي إلى سائر الحقوق المالية إلى آخرين، وحكاه في كشف اللثام عن الدروس. (2) قد تقدم في بعض المباحث السابقة: أن التركة - مع الدين المستغرق - هل تنتقل إلى الورثة ويتعلق بها حق الديان - كما في العين المرهونة - أو أنها باقية على ملك الميت؟ وكذا مع الدين غير المستغرق بالنسبة إلى ما يقابله من التركة. وقد اختار المصنف (ره) - تبعا لجماعة - الاول. وذهب آخرون إلى الثاني. وهو الاظهر. وقد تعرضنا لتحرير

===============

( 119 )

[ حكم مال الميت، لان أمر الوفاء إليهم، فلعلهم أرادوا الوفاء ] المسأله - على الاجمال _ في مكان المصلي من كتاب الصلاة. فعلى الاول يكون تصرف غير الوارث تصرفا في ملك الوارث، فلا يجوز إلا باذنه، لعموم قاعدة: (الناس مسلطون على أموالهم). وعلى الثاني فالمال وإن كان ملكا للميت، لكن ولاية التصرف فيه إما للوارث، لعموم: (أولى الناس بالميت أولاهم بميراثه)، فالتصرف من غير الوارث تصرف من غير السلطان، فلا يجوز إلا باذن من له السلطنة عليه. أو للحاكم الشرعي، لان العموم المذكور لا دليل عليه إلا الاجماع والنصوص الواردة في تغسيل الميت والصلاة عليه، والاخيرة لا عموم فيها لما نحن فيه، والاجماع غير محقق على وجه يشمل ما نحن فيه، والقدر المتيقن منه شؤون تجهيز الميت - مثل تغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه) ودفنه، ونحوها - وحينئذ يكون تصرف الاجنبي بغير إذن الحاكم تصرفا بغير إذن الولي. وكأنه لذلك قال في الجواهر: (بل قد يشكل الدفع - مع العلم بالاداء - من دون استيذان الحاكم، لتعلق دين الحج به -، كما في تركة المديون المتوقف دفعها للوارث على الاذن، والتخيير في جهات القضاء لا يسقط الحق المزبور. وان كان قد يدفع: بأن حق الدين وإن تعلق بالعين لكن المخاطب به الوارث، فمع فرض العلم بتأديته لم يجز منعه عنه. بل لعله كذلك مع العلم بحاله، فضلا عن حال العلم). لكن كلامه الاخير ينبغي أن يبتني على انتقال التركه إلي الوارث حتى ما يقابل الدين. كما أن كلامه الاول ينبغي أن يبتني على بقاء ما يقابل الدين على ملك الميت، ليكون التصرف فيه من وظائف الحاكم، كما ذكرنا سابقا. اللهم إلا أن يقال: إن السيرة القطعية على عدم مداخلة الحاكم

===============

( 120 )

[ من غير هذا المال (1)، أو أرادوا أن يباشروا العمل الذي على الميت بأنفسهم. والاقوى مع العلم بأن الورثة لا يؤدون - بل مع الظن القوي أيضا - جواز الصرف فيما عليه. لا لما ذكره في المستند: من أن وفاء ما على الميت - من الدين أو ] الشرعي في وفاء الديون عن الميت إذا لم يوص به الميت إليه، فتكون الولاية فيه للوارث ولو على القول بالبقاء على ملك الميت. ويشهد بذلك النصوص أيضا، ففي صحيح عباد بن صهيب - أو موثقه - عن أبي عبد الله (ع): (في رجل فرط في إخراج زكاته في حياته، فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما فرط فيه مما لزمه من الزكاة، ثم أوصى أن يخرج ذلك فيدفع إلى من يجب له. قال: فقال (ع): جائز، يخرج ذلك من جميع المال. إنما هو بمنزلة دين لو كان عليه، ليس لوارثه شئ حتى يؤدوا ما أوصى به من الزكاة...) (* 1)، ورواية يحيى الازرق: (عن رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالا، فأخذ أهله الدية من قاتلة، عليهم أن يقضوا دينه؟ قال (ع): نعم. قلت: وهو لم يترك شيئا. قال (ع): إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه) (* 2). (1) هذا ذكره في المدارك، قال (ره): (لان مقدار أجرة الحج وان كان خارجا عن ملك الورثة، إلا أن الوارث مخير في جهات القضاء وله الحج بنفسه والاستقلال بالتركة، والاستيجار بدون أجرة المثل، فيقتصر في منعه من التركة على موضع الوفاق...). وظاهره المفروغية عن ولاية الوارث إذا كان مقدما على إخراج الدين.


____________
(* 1) الوسائل باب: 40 من أبواب الوصايا حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 31 من أبواب الوصايا حديث: 1.

===============

( 121 )

[ نحوه - واجب كفائي على كل من قدر على ذلك (1)، وأولوية الورثة بالتركة إنما هي ما دامت موجودة (2)، وأما إذا بادر أحد إلى صرف المال فيما عليه لا يبقى مال حتى تكون الورثة أولى به. إذ هذه الدعوى فاسدة جدا. بل لامكان فهم المثال من الصحيحة (3). ] (1) قال فيه: (مقتضى الاخبار المتواترة معنى، المصرحة بوجوب قضاء الحج عن الميت من أصل ماله من غير خطاب إلى شخص معين: وجوبه على كل مكلف، وهو يجعل الوجوب الكفائي لمستودع أصلا ثانيا، فالتوقف على الاذن يحتاج إلى دليل...). وحاصل استدلاله: أن إطلاق الوجوب الكفائي يقتضي عدم الاحتياج إلى الاذن من الوارث أو الحاكم. وفيه أن ذلك الدليل إنما ورد في مقام أصل التشريع، فلا ينافي ولاية الوارث، ولذا لا يتوهم منه جواز حج الاجنبي وأخذ العوض قهرا من الوارث أو سرقة منه. (2) هذا لم يذكره في المستند، بل اقتصر على ما حكيناه عنه. ولو فرض ذكره له فالاشكال عليه ظاهر، إذ مبادرة أحد إلى صرف المال إن كان المقصود منه الاستيجار به، فهو لا يصح مع فرض كونه تصرفا بغير اذن الولي، فكيف يترتب عليه انتفاء موضوع الولاية؟!. وإنما يترتب ذلك لو صح التصرف، وهو ممنوع. أو كان الاتلاف خارجيا، وهو خلاف المفروض. (3) هذا بعيد جدا. ولا سيما وكون الوديعة مذكورة في السؤال، الظاهر في كونه عن حكم القضية الخارجية.

===============

( 122 )

[ أو دعوى تنقيح المناط (1). أو أن المال إذا كان بحكم مال الميت فيجب صرفه عليه (2)، ولا يجوز دفعه إلى من لا يصرفه عليه (3)، بل وكذا على القول بالانتقال إلى الورثة، حيث أنه يجب صرفه في دينه، فمن باب الحسبة (4) يجب على من عنده صرفه عليه، ويضمن لو دفعه إلى الوارث، لتفويته على الميت. نعم يجب الاستئذان من الحاكم، لانه لوي من لا ولي له (5) ويكفي الاذن الاجمالي، فلا يحتاج إلى إثبات وجوب ذلك ] (1) استدل بذلك - في المسالك والمدارك - للقول بالتعدي. (2) هذا لا ينبغي التأمل فيه. لكنه أعم من جواز الاستقلال به ومراجعة الحاكم الشرعي، كما سيأتي. (3) هذا مما لا ينبغي الاشكال فيه. لانه دفع إلى غير المستحق. (4) المراد به الامور التي يعلم من الشارع إرادة إيقاعها، فان إفراغ ذمة الميت من الدين من ذلك الباب، فإذا امتنع الوارث منه لزم الأجنبي القيام به. وحينئذ لا فرق بين من بيده المال وغيره. إلا أن يحتمل أن يكون لمن بيده المال خصوصية تقتضي اختصاصه بالوجوب، وحينئذ لا يعلم غيره بالوجوب إلا في ظرف امتناعه. (5) قال شيخنا الاعظم في مكاسبه: (إنه اشتهر في الالسن، وتداول في بعض الكتب: السلطان ولي من لا ولي له، ونسبت روايته عن النبي إلى كتب العامة والخاصة. وفى دعائم الاسلام: السلطان وصي من لا وصي له (* 1). ودلالته على ولاية الحاكم مبنية على عموم النيابة).


____________
(* 1) مستدرك الوسائل باب: 64 من ابواب الوصايا حديث: 1.

===============

( 123 )

[ الواجب عليه، كما قد يتخيل (1). نعم لو لم يعلم، ولم يظن (2) عدم تأدية الوارث يجب الدفع إليه (3). بل لو كان الوارث منكرا أو ممتنعا، وأمكن اثبات ذلك عند الحاكم، أو أمكن اجباره عليه، لم يجز لمن عنده أن يصرفه بنفسه (4). (مسألة 18): يجوز للنائب - بعد الفراغ عن الاعمال ] (1) قال في المسالك: (وصرح بعضهم بوجوب الاستيذان من الحاكم مع إمكانه. وهو حسن، مع القدرة على إثبات الحق عنده). وظاهره توقف لزوم الاستيذان على ذلك. ووجهه غير ظاهر، لكفاية الاذن الاجمالي في المحافظة على حق الميت، وولاية الحاكم. (2) أقول: بعد ما عرفت من عموم الدليل على ولاية الوارث، فالخارج عنه صورة امتناعه من الاداء، فمع الشك فيه تكون الشبهة موضوعية، وأصالة عدم الامتناع تقتضي ثبوت الولاية ظاهرا. نعم إذا كان دليل التخصيص يدل على تقييده بالمقدم، فمع الشك في الاقدام يكون مقتضى الاصل عدم الولاية، لاصالة عدم الاقدام. لكن القدر المتيقن في التخصيص الاول، فمع الشك يبنى على ثبوت الولاية. ولذلك استقرت السيرة على دفع العين للوارث في حال الشك. وعليه فالبناء على إلحاق الظن بالعلم محل تأمل، لعدم الدليل على حجيته، فاللازم إجراء حكم الشك عليه، لا العلم. (3) لما عرفت من ولايته على الوفاء، حتى على القول ببقاء المال على ملك الميت. (4) إذا كان الخارج عن العموم الممتنع، فمع الامتناع يبنى على عدم ولايته وإن أمكن اجباره. وكذلك إذا كان إنكاره لا عن عذر، فانه

===============

( 124 )

[ للمندوب عنه - أن يطوف عن نفسه وعن غيره (1). وكذا يجوز له أن يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه وعن غيره. (مسألة 19): يجوز لمن أعطاه رجل مالا لاستئجار الحج أن يحج بنفسه، ما لم يعلم أنه أراد الاستئجار من الغير (2). ] نوع من الامتناع، الموجب لسقوط ولاية الوارث. إلا ان يقال: إن القدر المتيقن في الخروج صورة تعذر الاداء من قبله، فإذا أمكن إجباره على الاداء لم يحصل التعذر المذكور، فلم تبطل ولايته. (1) بلا إشكال ظاهر ولا خلاف. وعقد له في الوسائل بابا (* 1)، وذكر فيه: صحيح صفوان بن يحيى، عن يحيى الازرق قال: (قلت لابي الحسن (ع): الرجل يحج عن الرجل، يصلح له أن يطوف عن أقاربه؟ قال (ع): إذا قضى مناسك الحج فليصنع ما شاء) (* 2). وقريب منه روايته الاخرى (* 3). وهو الذي تقتضيه القواعد العامة. (2) لا إشكال في أن الاستيجار من العناوين القائمة بن الاثنين: المؤجر والمستأجر، وأن المؤجر - بمعنى: من يملك فعل الاجير - قائم بالاصل. وبمعنى: من قام به إيقاع الاجارة، قائم بالموقع، سواء أكان الاصيل أم الوكيل. فالاستيجار القائم بين الاصيلين، هو بمعنى الموقع - بالفتح - وهو المضمون المنشأ بالعقد، والقائم بين الوكيلين بمعنى الايقاع نفسه. وهو - بهذا المعنى - لا يتوقف على الاثنينية الخارجية، بل يكفي فيه الاثنينية الاعتبارية، بخلاف ما هو بالمعنى الاول، فانه لابد فيه من


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من أبواب النيابة في الحج. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 21 من أبواب النيابة في الحج حديث: 2.

===============

( 125 )

[ والاحوط عدم مباشرته (1)، إلا مع العلم بأن مراد المعطي حصول الحج في الخارج. وإذا عين شخصا تعين، إلا إذا علم عدم أهليته، وأن المعطي مشتبه في تعيينه (2). أو أن ذكره من باب أحد الافراد (3). ] الاثنينية الخارجية. فالوكيل عن طرفي العقد مؤجر ومستأجر باعتبارين، وكذا الوكيل عن البائع والمشتري بائع ومشتر، فإذا وكله في الاستيجار للحج - مثلا - كان مقتضى الاطلاق جواز استيجار نفسه. نعم ينصرف إلى الاثنينية الخارجية. لكنه ابتدائي. ولذا بنى المشهور على جواز تولي طرفي العقد لشخص واحد، وتترتب الاحكام عليه، مع تحقق الانصراف إلى الاثنينية في عموم صحة العقد وثبوت الاحكام. (1) منشأه الانصراف الابتدائي، الذي عرفته. (2) إذ حينئذ لا يكون استيجاره صحيحا، فلا يكون موضوعا للوكالة، وحينئذ تبطل الوكالة بالمرة. (3) وحينئذ يبطل التعيين، وتكون الوكالة عامة.

===============

( 126 )

[ فصل في الحج المندوب (مسألة 1): يستحب لفاقد الشرائط - من البلوغ، والاستطاعة، وغيرهما - أن يحج مهما، أمكن (1). بل وكذا من أتى بوظيفته من الحج الواجب. ويستحب تكرار الحج (2). بل يستحب تكراره في كل سنة (3)، بل يكره تركه خمس ] فصل في الحج المنوب (1) بلا إشكال. ويقتضيه ما تقدم في حج الصبي والعبد. مضافا إلى الاطلاقات المرغبة فيه. (2) كما تقتضيه الاطلاقات المرغبة فيه، والروايات الواردة في حج النبي والائمة عليهم أفضل الصلاة والسلام، وأن النبي صلى الله عليه وآله حج عشرين حجة (* 1)، والحسن (ع) خمسا وعشرين حجة (* 2)، والسجاد (ع) اربعين حجة... (* 3) إلى غير ذلك (3) في رواية عيسى بن أبي منصور قال: (قال لي جعفر بن محمد (ع): يا عيسى، إن استطعت أن تأكل الخبز والملح وتحج في كل سنة فافعل) (* 4). ونحوها غيرها.


____________
(* 1) الوسائل باب: 45 من أبواب وجوب الحج حديث: 6، 7، 12، 33. (* 2) مستدرك الوسائل باب: 29 من أبواب وجوب الحج حديث: 5. ولكن ذلك في شأن الحسين (ع)، وأما الحسن (ع) فالوارد في حقه في جملة من النصوص، أنه حج عشرين حجة. راجع الوسائل باب: 45 من أبواب وجوب الحج حديث: 31. ونحوه غيره. (* 3) الوسائل باب: 10 من أبواب أحكام الدواب حديث: 9. (* 4) الوسائل باب: 46 من أبواب وجوب الحج حديث: 6.

===============

( 127 )

[ سنين متوالية (1). وفي بعض الاخبار: " من حج ثلاث حجات لم يصبه فقر أبدا " (2). (مسألة 2): يستحب نية العود إلى الحج عند الخروج من مكة وفي الخبر: إنها توجب الزيادة في العمر (3). ويكره نية عدم العود. وفيه: أنها توجب النقص في العمر (4). ] (1) في رواية ذريح عن أبي عبد الله (ع): (من مضت له خمس سنين فلم يفد إلى ربه - وهو موسر - إنه لمحروم) (* 1). وفي رواية حمران عن أبي جعفر (ع): (إن لله تعالى مناديا ينادي: أي عبد أحسن الله تعالى إليه، وأوسع عليه في رزقه، فلم يفد إليه في كل خمسة أعوام مرة ليطلب نوافله إن ذلك لمحروم) (* 2). (2) في رواية صفوان بن مهران عن عبد الله (ع): (من حج ثلاث حجج لم يصبه فقر أبدا) (* 3). (3) في خبر عبد الله بن سنان قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من رجع من مكة وهو ينوي الحج من قابل زيد في عمره) (* 4). (4) في رواية الحسن بن علي عن أبب عبد الله (ع) قال: (إن يزيد بن معاوية حج، فلما انصرف قال: إذا جعلنا ثافلا يمينا * فلن نعود بعدها سنينا للحج والعمرة ما بقينا


____________
(* 1) الوسائل باب: 49 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 49 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 45 من ابواب وجوب الحج حديث: 22. (* 4) الوسائل باب: 57 من ابواب وجوب الحج حديث: 1.

===============

( 128 )

[ (مسألة 3): يستحب التبرع بالحج عن الاقارب وغيرهم أحياء وأمواتا (1)، وكذا عن المعصومين (ع) أحياء وامواتا (2). ] فنقص الله تعالى عمره، وأماته قبل أجله) (* 1). ونحوه خبر أبي حذيفه (* 2). لكن في مرسل الفقيه: (ومن خرج من مكه وهو لا ينوي العود إليها، فقد قرب أجله، ودنا عذابه) (* 3). وظاهره ترتب ذلك بمجرد عدم نية العود. (1) في مصحح إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (ع): (سألته عن الرجل يحج، فيجعل حجته وعمرته، أو بعض طوافه لبعض أهله وهو عنه غائب ببلد آخر. قال: فقلت: فينقص ذلك من أجره؟ قال (ع): لا، هي له ولصاحبه، وله أجر سوى ذلك...) (* 4). وفى خبر جابر عن أبي جعفر (ع) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من وصل قريبا بحجة أو عمرة كتب الله له حجتين وعمرتين) (* 5). وفى رواية موسى ابن القاسم البجلي: (قلت لابي جعفر الثاني (ع): فربما حججت عن أبيك، عن نفسي، وربما حججت عن أبي، وربما حججت عن الرجل من إخواني، وربما حججت عن نفسي، فكيف أصنع؟ فقال (ع): تمتع...) (* 6). (2) كما تقدم في رواية البجلي.


____________
(* 1) الوسائل باب: 57 من ابواب وجوب الحج حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 57 من ابواب وجوب الحج حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 57 من أبواب وجوب الحج حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 25 من أبواب النيابة في الحج حديث: 5. (* 5) الوسائل باب: 25 من أبواب النيابة في الحج حديث: 6. (* 6) الوسائل باب: 25 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1.

===============

( 129 )

[ وكذا يستحب الطواف عن الغير (1)، وعن المعصومين (ع) أمواتا وأحياء (2)، مع عدم حضورهم في مكة، أو كونهم معذورين. (مسألة 4): يستحب لمن ليس له زاد وراحلة أن يستقرض ويحج إذا كان واثقا بالوفاء بعد ذلك (3). (مسألة 5): يستحب إحجاج من لا استطاعة له (4). (مسألة 6): يجوز إعطاء الزكاة لمن لا يستطيع الحج ] (1) في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (قلت له: فأطوف عن الرجل والمرأة وهما بالكوفة؟ فقال (ع): نعم) (* 1). (2) في رواية موسى بن القاسم: (قلت لابي جعفر الثاني (ع): قد أردت أن أطوف عنك وعن أبيك، فقيل لي: إن الاوصياء لا يطاف عنهم. فقال (ع): بل طف ما أمكنك، فان ذلك جائز...) (* 2). (3) في رواية موسى بن بكر الواسطي قال: (سألت أبا الحسن (ع): عن الرجل يستقرض ويحج، فقال: إن كان خلف ظهره مال. فان حدث به حدث أدي عنه فلا بأس) (* 3). ونحوه غيره. (4) في رواية الحسن بن علي الديلمي: (سمعت الرضا (ع) يقول: من حج بثلاثة من المؤمنين فقد اشترى نفسه من الله عزوجل بالثمن) (* 4).


____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 39 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 50 من أبواب وجوب الحج حديث: 7. (* 4) الوسائل باب: 39 من أبواب وجوب الحج حديث: 1.

===============

( 130 )

[ ليحج بها (1). (مسألة 7): الحج أفضل من الصدقة بنفقته (2). (مسألة 8): يستحب كثرة الانفاق في الحج، وفي بعض الاخبار: إن الله يبغض الاسراف، إلا بالحج والعمرة (3). (مسألة 9): يجوز الحج بالمال المشتبه (4) - كجوائز الظلمة - مع عدم العلم بحرمتها (5). ] (1) لانه سبيل الله. (2) استفاضت بذلك الاخبار - وفيها الصحيح وغيره - منها: صحيح معاوية، وفيه: (فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي قبيس، فقال: لو أن أبا قبيس لك زنة ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ما بلغت به ما بلغ الحاج) (* 1). (3) في رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من نفقة أحب إلى الله عزوجل من نفقة قصد. ويبغض الاسراف إلا في الحج والعمرة) (* 2). (4) في صحيح أبي همام عن الرضا (ع): (فيمن عليه دين. قال: يحج سنه، ويقضي سنه. قلت أعطى المال من ناحية السلطان؟ قال: (ع): لا بأس عليك) (* 3). (5) في صحيح محمد بن مسلم ومنهال القصاب جميعا: (من أصاب مالا من غلول، أو ربا، أو خيانة، أو سرقة لم يقبل منه في زكاة،


____________
(* 1) الوسائل باب: 42 من أبواب وجوب الحج حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 55 من أبواب وجوب الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 52 من أبواب وجوب الحج حديث: 10.

===============

( 131 )

[ (مسألة 10): لا يجوز الحج بالمال الحرام. لكن لا يبطل الحج إذا كان لباس إحرامه، وطوافه، وثمن هديه من حلال (1). (مسألة 11): يشترط في الحج الندبي: إذن الزوج والمولى، بل والابوين في بعض الصور (2). ويشترط أيضا: أن لا يكون عليه حج واجب مضيق. لكن لو عصى وحج صح (3). (مسألة 12): يجوز إهداء ثواب الحج إلى الغير بعد الفراغ عنه. كما يجوز أن يكون ذلك من نيته قبل الشروع فيه. (مسألة 13): يستحب لمن لا مال له يحج به أن يأتي به ولو باجارة نفسه عن غيره. وفي بعض الاخبار: أن للاجير من الثواب تسعا وللمنوب عنه واحد (4). ] ولا صدقة، ولا حج، ولا عمرة). (* 1). ومنه يظهر وجه حكم المسألة الآتية. (1) كما تقدم ذلك في المسألة السبعين (* 2) من الفصل الاول. (2) تقدم ذلك في مباحث الاستطاعة. (3) تقدم ذلك في مباحث النيابة. كما تقدم ما في المسألة الآتية. (4) في رواية عبد الله بن سنان قال: (كنت عند أبي عبد الله (ع) إذ دخل عليه رجل، فأعطاه ثلاثين دينارا يحج بها عن اسماعيل، ولم يترك من العمرة إلى الحج إلا اشترط عليه، حتى اشترط عليه أن يسعى في وادي محسر. ثم قال: يا هذا، أذا أنت فعلت هذا كان لاسماعيل حجة بما أنفق من


____________
(* 1) الوسائل باب: 52 من أبواب وجوب الحج حديث: 5. (* 2) راجع صفحة: 190 من الجزء العاشر من هذه الطبعة.

===============

( 132 )

[ فصل في أقسام العمرة (مسألة 1): تنقسم العمرة - كالحج - إلى واجب أصلي، وعرضي، ومندوب. فتجب بأصل الشرع على كل مكلف - بالشرائط المعتبرة في الحج - (1) في العمر مرة. ] ماله، وكان لك تسع بما أتعبت من بدنك) (* 1). وفى رواية ابن مسكان عن أبي عبد الله (ع): (للذي يحج عن رجل أجر وثواب عشر حجج) (* 2). ولعلها في المتبرع دون الاجير، كما عليه حمله في الوسائل. فصل في أقسام العمرة (1) هذا مما لا إشكال فيه ولا خلاف. وفى كشف اللثام: (للاجماع، والنص من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: (والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا...) (* 3). لشمول حجة العمرة، ونص الصادق (ع) عليه في صحيح ابن أذينة الذي في علل الصدوق. قال عمر ابن أذينة: (سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا...). يعني: به الحج دون العمرة؟ قال (ع) لا، ولكنه يعنى الحج والعمرة جميعا، لانهما مفروضان) (* 4).


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب النيابة في الحج حديث: 3. (* 3) آل عمران: 97. (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب العمرة حديث: 7.

===============

( 133 )

[ بالكتاب، والسنة (1)، والاجماع (2). ففي صحيحة زرارة: " العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج، فان الله تعالى يقول: وأتموا الحج والعمرة لله... " (3). وفي صحيحة الفضيل: ] (1) كذا في كلام جماعة، منهم كاشف اللثام، والنراقي، وصاحب الجواهر. لكن دلالة الكتاب على الوجوب غير ظاهرة، فان العمرة لم تذكر في الكتاب إلا في قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله، فان أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي...) (* 1). والظاهر منه وجوب الاتمام، لا وجوب العمرة. وإلا في قوله تعالى: (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه...) (* 2). ودلالته أخفى. (2) ادعى في الجواهر الاجماع بقسميه عليه. وفى المستند: (بالاجماع المحقق والمنقول مستفيضا...). ونحوه كلام غيرهما. والمنسوب إلى العامة: القول بالاستحباب. (3) قال: (قلت لابي جعفر (ع): ما الذي يلي الحج في الفضل؟ قال (ع): العمرة المفردة، ثم يذهب حيث شاء. وقال (ع): العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج، لان الله تعالى يقول: (وأتموا الحج والعمرة لله...). وإنما نزلت العمرة بالمدينة) (* 3).


____________
(* 1) البقرة: 196. (* 2) البقرة: 158. (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب العمرة حديث: 2.

===============

( 134 )

[ " في قول الله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة...). قال على (ع): هما مفروضان " (1). ووجوبها - بعد تحقق الشرائط - فوري كالحج (2). ولا يشترط في وجوبها استطاعة الحج، بل تكفي استطاعتها في وجوبها، وإن لم تتحقق استطاعة الحج (3) كما أن العكس كذلك، فلو استطاع للحج دونها وجب دونها. والقول باعتبار الاستطاعتين في وجوب كل منهما، وأنهما ] (1) كذا فيما يحضرني من نسخة الكتاب. لكن الظاهر أنها صحيحة الفضل أبي العباس عن أبي عبد الله (ع) (* 1). والنصوص الواردة في وجوبها كثيرة. فراجع الوسائل وغيرها. (2) بلا خلاف أجده، كما في الجواهر. وحكي عن السرائر: نفي الخلاف فيه، وعن التذكرة: الاجماع عليه. ودليل كلية غير ظاهر، لولا الاجماع. وفى كشف اللثام - بعدما حكى عن المبسوط والسرائر وجوب الفورية - قال: (لم أظفر بموافق لهم ولا دليل، إلا على القول بظهور الامر فيه...). نعم في عمرة التمتع - التي هي جزء من الحج - ظاهر، لما دل على وجوبه فورا، فيدل على وجوبها كذلك. كما أنه بناء على أن مقتضى اللام وجوب الفورية - كما تقدم في مبحث نذر الحج - يدل قوله تعالى: (ولله على الناس...) على فورية العمرة، بضميمة ما ورد في تفسير الحج فيها بما يشمل العمرة (* 2). (3) هذا هو المشهور شهرة عظيمة، كما يقتضيه إطلاق أدلة الوجوب.


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب العمرة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب العمرة حديث: 7. وقد تقدم ذكر الرواية في أول الفصل.

===============

( 135 )

[ مرتبطان (1) ضعيف. كالقول باستقلال الحج في الوجوب دون العمرة (2). ] (1) هذا القول حكاه جماعة. وفى الجواهر: (أرسله غير واحد. لكن لم أعرف قائله...). ووجه ضعفه ما عرفت، من إطلاق أدلة الوجوب. وأن أدلة شرطية الاستطاعة منحصرة بما عرفت، مما لا يصلح لاثبات شرطية الاستطاعة للحج في وجوب العمرة، ولا للعكس. (2) هذا القول حكي عن الشهيد في الدروس، قال فيها: (ولو استطاع لها خاصة لم تجب. ولو استطاع للحج مفردا دونها فالاقرب الوجوب) واستدل له في كشف اللثام: بالاصل، وظهور حج البيت في الآيه في غير العمرة. ثم قال: (وهو ممنوع...). ووجهه: ما عرفت من صحيح ابن أذينة (* 1). على أن قصور دلالة الآية على وجوب العمرة لا يقتضى قصور غيرها من أدلة الوجوب التي تقدمت. مع أن الكلام في شرطية الاستطاعة للحج في وجوبها، لا في أصل وجوبها، ثم قال: (ولعدم ظهور وجوب إتمامها في وجوب إنشائها، ومنع استلزامه له). والاشكال فيه كسابقه. ثم قال: (ولانها لو وجبت لكان من استكمل الاستطاعة لها فمات قبلها وقبل ذي الحجة يجب استيجارها عنه من التركة. ولم يذكر ذلك في خبر أو كتاب. وكان المستطيع لها وللحج إذا أتى الحرم قبل أشهر الحج نوى بعمرته عمرة الاسلام، لاحتمال أن يموت، أو لا تبقى استطاعته للحج إلى وقته...). ثم أشكل عليه بقوله: (وفيه: أن المستطيع لها فرضه عمرة التمتع أو قسمية، وليس له الاتيان بعمرة الاسلام إلا عند الحج، فما قبله كالنافلة قبل فريضة الصبح مثلا. واحتمال


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب العمرة حديث: 7. وقد تقدم ذكر الرواية في أول الفصل.

===============

( 136 )

[ (مسألة 2): تجزي العمرة المتمتع بها عن العمرة المفردة. بالاجماع (1)، والاخبار (2). وهل تجب على من وظيفته حج التمتع إذا استطاع لها ولم يكن مستطيعا للحج؟ ] الموت أو فوت الاستطاعة غير ملتفت إليه...). (1) في الجواهر: (بلا خلاف أجده فيه...). بل الاجماع محقق، والسيرة القطعية تشهد به. (2) في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): (إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة) (* 1)، وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) في حديث، قال: (قلت: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، أيجزئ ذلك؟ قال (ع): نعم) (* 2)، وفى خبر البزنطي: (سألت أبا الحسن (ع) عن العمرة واجبة هي؟ قال. نعم. قلت: فمن تمتع يجزئ عنه؟ قال (ع): نعم) (* 3)، وصحيح يعقوب بن شعيب قال: (قلت لابي عبد الله (ع): قال الله عزوجل: (وأتموا الحج والعمرة لله...)، يكفي الرجل - إذا تمتع بالعمرة إلى الحج - مكان تلك العمرة المفردة؟ قال، كذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه) (* 4)، ومصحح أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: (العمرة مفروضة مثل الحج، فإذا أدى المتعة فقد أدى العمرة المفروضة) (* 5). ونحوها غيرها.


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب العمرة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 5 من أبواب العمرة: حديث 2. (* 3) الوسائل باب: 5 من أبواب العمرة حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 5 من أبواب العمرة حديث: 4. (* 5) الوسائل باب 5 من أبواب العمرة حديث: 6.

===============

( 137 )

[ المشهور عدمه، بل أرسله بعضهم إرسال المسلمات (1). وهو الاقوى. وعلى هذا فلا تجب على الاجير بعد فراغه عن عمل النيابة وإن كان مستطيعا لها وهو في مكة. وكذا لا تجب على من تمكن منها ولم يتمكن من الحج لمانع. ولكن الاحوط الاتيان بها. ] (1) كأنه يشير إلى ما في المسالك - في شرح ما ذكره في الشرايع من تقسيم العمرة إلى متمتع بها ومفردة، وأن الاولى تجب على من ليس في حاضري المسجد الحرام، والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام - قال (ره): (يفهم من لفظ السقوط: أن المفردة واجبة بأصل الشرع على كل مكلف، كما أن الحج مطلقا يجب عليه، وإنما يسقط عن المتمتع إذا اعتمر عمرته تخفيفا. ومن قوله: (والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام): عدم وجوبها على النائي من رأس. وبين المفهومين تدافع ظاهر. وكأن الموجب لذلك كون عمرة التمتع أخف من المفردة، وكانت المفردة بسبب ذلك أكمل. وهي المشروعة بالاصالة، المفروضة قبل نزول آية التمتع، فكانت عمرة التمتع قائمة مقام الاصلية مجزية عنها، وهي بمنزلة الرخصة من العزيمة. ويكون قوله (ره): (والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام) إشارة إلى ما استقر عليه الحل، وصار هو الحكم الثابت بأصل الشرع. ففي الاول إشارة إلى ابتدائه، والثاني إلى استقراره...) قال في الجواهر - بعد نقله -: (وهو كالصريح في المفروغية عن عدم وجوب عمرة مفردة على النائي. ويؤيده ما ذكرناه...). ويشير به إلى ما ذكره سابقا من السيرة على عدم استقرار عمرة على من استطاع من النائين فمات، أو ذهبت استطاعته قبل أشهر الحج، وعدم

===============

( 138 )

الحكم بفسقه لو أخر الاعتمار إلى أشهر الحج، وقول المحقق في الشرايع وغيره - على وجه لم يعرف فيه خلاف بينهم -: أن العمرة قسمان: متمتع بها، ومفردة، والاولى فرض النائي، والثانية فرض حاضري مكة، وظهور كلامهم في عدم وجوب غير حج التمتع على النائي، لا أنه يجب عليه مع ذلك العمرة... واستدل له في المستند: بصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): (قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لان الله تعالى يقول: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي...). فليس لاحد إلا أن يتمتع، لان الله أنزل ذلك في كتابه، وجرت به السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله) (* 1). خرج منه ما خرج فيبقى الباقي. ويشكل: بأن الاطلاق المذكور يقتضي عموم مشروعية العمرة المفردة، وذلك خلاف الضرورة، فلابد من التصرف فيه بحمله على المستطيع للحج إذا كان نائيا - كما يقتضيه ذيله - ولا مجال للبناء على إطلاقه ثم الرجوع إليه عند الشك كما في المقام. وكأنه لذلك: ما حكي - في الجواهر عن معاصريه من العلماء وغيرهم - من وجوب عمرة مفردة على النائين النائبين عن غيرهم، مع فرض استطاعتهم المالية. معللين: بأن العمرة واجبة على كل أحد، والفرض استطاعتهم لها فتجب... اللهم إلا أن يقال بعد أن كانت العمرة قسمين تمتعا وإفرادا، فعمومات الوجوب على من استطاع العمرة لا تجدي في اثبات وجوب العمرة المفردة بالاستطاعة إليها. حتى يثبت إطلاق الدليل المشروعية، يقتضي أن كل من استطاع إلى أي نوع من العمرة وجبت عليه، والاطلاق


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب أقسام الحج حديث: 2.

===============

( 139 )

المذكور مفقود. ولان أدله التشريع - التي يكون موضوعها الماهيات المخترعة - إنما تدل على وجوب المشروع لا غير، وحينئذ لا يرجع إليها إلا بعد ثبوت حدود المشروع وقيوده عند الشارع. وهذا بخلاف أدله التشريع المتعلقة بالمفاهيم العرفية، فان مفادها وإن كان ثبوت الحكم على المفهوم، إلا أن الاطلاق المقامي يقتضي الرجوع إلى العرف في ثبوت الانطباق، ولا يحتاج فيه إلى الرجوع إلى الشارع فيه. فالخطاب المتعلق بالمفهوم العرفي والخطاب المتعلق بالمفهوم الشرعي وإن كانا على حد واحد في ثبوت الحكم للطبيعة، لكن يختلفان في أن تطبيق الطبيعة وتحقيق الصغرى في الاول راجع إلى العرف، وفي الثاني راجع إلى الشرع. فالخطاب المتضمن وجوب العمرة وأنها مفروضه لا يرجع إليه إلا بعد بيان الشرع انطباقه لتحقق الصغرى، والعرف لا مجال له. فالدليل المتضمن: أن العمرة مفروضة على من استطاع إليها، أو الحج مفروض على من استطاع إليه، لا يرجع إليه إلا بعد بيان المراد من الحج ومن العمرة. وكذلك الخطاب بوجوب الصلاة والصوم. وبالجملة: بعد أن كانت العمرة عمرتين: عمرة التمتع، وعمرة الافراد، فان كان النائي عن مكة عمرته عمرة الافراد فإذا استطاع إليها وجبت، وان كانت عمرته عمرة التمتع فاستطاعته إلى عمرة الافراد لا تكفي في وجوبها ولابد فيه من استطاعته إليها، ولا تكون إلا باستطاعته إلى الحج. فإذا تردد ما هو وظيفة النائي بين العمرتين، ولم يكن مستطيعا لعمرة التمتع فقد شك في وجوب العمرة عليه، والمرجح حينئذ أصل البراءة. نعم قد يوهم صحيح يعقوب بن شعيب - المتقدم في أدلة وجوب العمرة -: أن المتمتع عليه عمرة الافراد، لكن عمرة التمتع تجزئ عنها

===============

( 140 )

[ (مسألة 3): قد تجب العمرة بالنذر، والحلف، والعهد، والشرط في ضمن العقد، والاجارة، والافساد (1). ] لا أنها فرصة (* 1). لكن يعارضه في ذلك صحيح الحلبي (* 2)، ومصحح أبي بصير (* 3) المتقدمان. بل صحيح معاوية (* 4)، وخبر البزنطي (* 5) أيضا، لظهور الاجزاء في ذلك. مع أن الظاهر أن قوله (ع) في صحيح يعقوب بن شعيب: (كذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله يدل على أن التعبير فيه بالاجزاء عن العمرة المفردة، جار على ما عند المخالفين من أن الواجب هو العمرة المفردة، وعدم إجزاء التمتع عنها، فيدل على أن الواجب هو عمرة التمتع - لا أن الواجب العمرة المفردة - لان المتمتع بها غير واجبة نفسيا وإنما تجب غيريا للحج. أو أنها تجب نفسيا، فيكون المستطيع عليه عمرتان، تجزئ المتمتع بها عن نفسها وعن المفردة. بل الظاهر أن السؤال في الروايات المتقدمة كلها جار على منوال واحد، للشبهة التي جاءت من جهة مذهب المخالفين. وحينئذ تكون كلها دالة على أمر واحد وهو أن الواجب هو عمرة التمتع للمتمتع من دون تعارض بينها في ذلك وإن كانت لا تدل على ما نحن فيه، لانها واردة في الحاج لا فيما نحن فيه، لكنها توجب الشك في التطبيق، الموجب للرجوع إلى أصل البراءة بعد سقوط الاطلاقات. (1) قال في الشرايع: (وقد تجب - يعني: العمرة - بالنذر، وما في معناه، والاستيجار) والافساد، والفوات...). ويريد بالفوات: فوات الحج، فان من فاته الحج وجب عليه التحلل بعمرة - كما قطع به بعضهم - وربما يأتي في محله. والوجه في جميع ذلك ظاهر


____________
(* 1)، (* 2)، (* 3)، (* 4)، (* 5) تقدم ذكر الروايات المشار إليها في صدر المسألة:

===============

( 141 )

[ ويجب أيضا لدخول مكة (1)، بمعنى: حرمته بدونها (2)، ] لعموم صحة النذر، واليمين، والعهد، والشرط، والعقد. والمراد من الافساد، إما إفساد نفس العمرة، فان من أفسد عمرته وجب عليه الاعتمار ثانيا، على ما قطع به الاصحاب - كما في المستند - أو إفساد الحج، فيجب الاعتمار بفعله ثانيا، أو يجب عليه التحلل من إجرامه بعمرة - كما في سابقه - وإن كان لا يخلو من إشكال، أو منع. (1) فانه لا يجوز دخولها بلا إحرام. إجماعا ونصوصا. قال في المدارك: (أجمع الاصحاب على أنه لا يجوز لاحد دخول مكة بلا إحرام عدا ما استثني...). وفى الجواهر: (بلا خلاف أجده...). ويشهد به بعض نصوص، كصحيح محمد بن مسلم قال: (سألت أبا جعفر (ع) هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ قال (ع): لا، إلا أن يكون مريضا، أو به بطن) (* 1)، وصحيح البزنطي عن عاصم بن حميد: (قلت لابي عبد الله (ع): يدخل الحرم أحد إلا محرما؟ قال (ع): إلا مريض)، أو مبطون) (* 2). ونحوهما غيرهما. (2) فيكون وجوب الاعتمار عقليا للتخلص من الحرام، لا شرعي كما ينسبق إلى الذهن من عبارة جماعة، حيث عبروا: بأنه تجب العمرة لدخول مكة. بل قال في المدارك: (ولا يخفى أن الاحرام إنما يوصف بالوجوب مع وجوب الدخول، وإلا كان شرطا غير واجب، كوضوء النافلة. ومتى أخل الداخل بالاحرام أثم، ولم يجب قضاؤه...). وتبعه عليه غيره. وصرح في المستند بالوجوب الشرعي مع وجوب الدخول


____________
(* 1) الوسائل باب: 50 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 50 من أبواب الاحرام حديث: 1.

===============

( 142 )

[ فانه لا يجوز دخولها إلا محرما، الا بالنسبة إلى من يتكرر دخوله وخروجه، كالحطاب، والحشاش (1). وما عدا ما ذكر مندوب. ] لوجوب مقدمة الواجب شرعا. لكن عرفت: أن الوجوب في المقام عقلي للتخلص من الحرام، لا شرعي من باب وجوب مقدمة الواجب، إذ لا مقدمية بين الاحرام ودخول مكة، سواء أكان المراد به الدخول الخارجي أم الدخول بما هو موضوع للوجوب. ونظير المقام: وجوب الوضوء لمس المصحف، ووجوب الغسل من الجنابة لدخول المسجد إذا وجب. وقد تقدم في بعض المسائل التعرض لذلك. فراجع. (1) بلا خلاف - في الجملة - ولا إشكال. لصحيح رفاعة بن موسى - في حديث - قال: (وقال أبو عبد الله (ع): إن الحطابة والمجتلية أتوا النبي صلى الله عليه وآله فسألوه، فأذن لهم أن يدخلوا حلالا) (* 1). بناء على أن المنصرف إلى الذهن منه: أن ذكر الحطابة والمجتلية من باب المثال لكل من يتكرر منه ذلك، كالحجارة، والجصاصة) وغيرهم. ولذلك جعل المستثنى - في كلام الاصحاب - من يتكرر منه الدخول. والظاهر من الحطابة والمجتلية من كان مهنته ذلك، فلو بني على كون ذكرهما من باب المثال يتعين التعدي إلى من كانت مهنته تقتضي التكرار، لا مجرد بنائه على التكرار، كما لو كان له مريض، أو زرع يتكرر الخروج منه والدخول. كما أن الظاهر أن التكرار على النحو المتعارف من أهل تلك المهنة، فلو كان التكرار بطيئا أشكل التعدي إليه وإن كان في الشهر مرة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 51 من ابواب الاحرام حديث: 2.

===============

( 143 )

ولاجل ذلك يشكل ما في كشف اللثام، فانه قال: (إلا المتكرر دخوله كل شهر، بحيث يدخل في الشهر الذي خرج، كالحطاب، والحشاش، والراعي، وناقل الميره ء، ومن كان له ضيعة يتكرر لها دخوله وخروجه للحرج. وقول الصادق (ع) في صحيح رفاعة...). ثم ذكر الروايات المتضمنة للتحديد بالشهر. وحاصل الاشكال: أن الظاهر من التكرار لمثل المجتلية والحطابة الوقوع في الشهر مرات، ولا يكفي التكرار في الشهر مرة. وأشكل منه ما في الجواهر، من أن ظاهر الاصحاب استثناء المجتلية والحطابة في مقابل الاستثناء في الشهر، فلا يعتبر في الاولين التكرار في الشهر مرة فان الظاهر من الاصحاب وإن كان استثناء قسمين، لكن المقابلة بينهما من جهة أنه لا يعتبر في الاولين سبق الاحرام، بخلاف الاستثناء في الثاني فان مورد النصوص هو صورة سبق الاحرام، كما أشار إليه في الجواهر في آخر كلامه. فراجع. وليس وجه المقابلة: أنه لا تعبر في الاولين التكرار في الشهر مرة، فان ذلك خلاف المفهوم من المجتلية والحطابة، كما عرفت. ثم إن المصنف (ره) لم يستثن من دخلها بعد الاحرام قبل شهر، مع أن الظاهر عدم الخلاف فيه. وفى الذخيرة: (لا أعلم خلافا بين الاصحاب في أصل الحكم. ولكن اختلفوا في مبدأ اعتبار الشهر، فذهب جماعة من الاصحاب إلى أن مبدأه من وقت الاحلال من الاحرام...): وكأن وجه إهماله اعتماده على ما سيذكره في المسألة الثانية من مسائل: (فصل: صورة حج التمتع...). وقد اختاره هناك، عدم وجوب الاحرام وإن كان الدخول بعد الشهر من الاحلال - فضلا عن الاحرام - وتوقف في وجوبه إذا كان بعد شهر من خروجه. فلاحظ كلماته هناك، وتأمل.

===============

( 144 )

[ ويستحب تكرارها كالحج. واختلفوا في مقدار الفصل بين العمرتين، فقيل: يعتبر شهر (1). وقيل: عشرة أيام (2). والاقوى عدم اعتبار الفصل، فيجوز إتيانها كل يوم (3). وتفصيل المطلب موكول إلى محله. ] (1) حكاه في كشف اللثام عن النافع، والوسيلة، والتهذيب، والكافي، والغنية، والمختلف، والدروس. (2) حكاه عن الاحمدي، والمهذب، والجامع، والشرائع، وسائر كتب الشيخ. والاصباح. وقيل: سنة، ونسب إلى العماني. وعبارته المحكية غير ظاهرة في ذلك. (3) جعله في الشرائع أشبه، وفى كشف اللثام أقرب، وحكى عن الجمل، والناصريات، والسرائر، والمراسم، والتلخيص، واللمعة. بل في الجواهر والمستند: (نسب إلى كثير من المتأخرين...). ووجه الاختلاف، اختلاف النصوص، فانها طوائف: الاولى: صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): في كتاب علي (ع): في كل شهر عمرة) (* 1)، وموثق يونس بن يعقوب قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إن عليا (ع) كان يقول: في كل شهر عمرة) (* 2)، وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (كان علي يقول: لكل شهر عمرة) (* 3) ومصحح اسحاق بن عمار قال: (قال أبو عبد الله (ع): السنة اثنا عشر


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب العمرة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب العمرة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب العمرة حديث: 4.

===============

( 145 )

شهرا، يعتمر لكل شهر عمرة) (* 1). ونحوها غيرها. الثانية: خبر علي بن أبي حمزة قال: (سالت أبا الحسن (ع) عن الرجل يدخل مكة في السنة، المرة والمرتين والاربعة، كيف يصنع؟ قال (ع): إذا دخل فليدخل ملبيا، وإذا خرج فليخرج محلا. قال: ولكل شهر عمرة. فقلت: يكون أقل؟ فقال: في كل عشرة أيام عمرة) (* 2)، والموثق الذي رواه في الجواهر: (قال الصادق (ع) السنة اثنا عشر شهرا، يعتمر لكل شهر عمرة. قال: فقلت له: أيكون أقل من ذلك؟ قال: لكل عشرة أيام عمرة) (* 3). ولم أجده في غيرها، فان المذكور في الفقيه وفى الوسائل عند رواية مصحح اسحاق... إلى قوله (ع): (لكل شهر عمرة)، كما نقلنا آنفا. واستدل في المدارك وكشف اللثام والحدائق والمستند: بخبر علي بن أبي حمزة على القول بالعشر ولم يذكروا الموثق الذي ذكره، ومن ذكره ذكره في اخبار الشهر. بل لعل صريح المستند وغيره: انحصار رواية العشر بالخبر. الثالثة: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): العمرة في كل سنة مرة) (* 4)، وصحيح حريز عن أبي الله (ع): (ولا يكون عمرتان في سنة) (* 5). ونحوه صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) (* 6).


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب العمرة حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب العمرة حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب العمرة حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 6 من أبواب العمرة حديث: 6. (* 5) الوسائل باب: 6 من ابواب العمرة حديث: 7. (* 6) الوسائل باب: 6 من ابواب العمرة حديث: 8.

===============

( 146 )

وعلى الطائفة الاولى عول القائلون بالشهر، ولم يعولوا على خبر علي بن أبي حمزة لضعفة، لاشتمال سنده على جملة من الضعفاء، ولا على الطائفة الثالثة وإن صحت أسانيدها، لمعارضتها بالطائفة الاولى - التي لا يبعد أن تكون متواترة إجمالا - الموجب لطرحها، أو حملها على عمرة التمتع، كما عن الشيخ. وأما القائلون بالعشر فعولوا على خبر علي بن أبي حمزة، لرواية الصدوق له في الفقيه بسنده إليه، وسنده صحيح. وهو إن كان الثمالي فهو ثقة، وإن كان البطائني فالظاهر اعتبار حديثة، لرواية جمع كثير من الاعاظم عنه، وفيهم جمع من أصحاب الاجماع، وجماعة ممن نصوا على أنهم لا يروون إلا عن ثقة، ولغير ذلك من القرائن المذكروة في كتب الرجال. وأما القائل بالسنة - إن ثبت - فمستنده الطائفة الثالثة، التي عرفت لزوم طرحها أو التصرف فيها. وأما القول الاخير فوجهه حمل الطائفتين الاولتين على الفضل - على اختلاف مراتبه - لعدم ظهورهما في المنع من التوالي. بل ظاهر قولهم (ع): (لكل شهر عمرة) - كما في جملة منها -: أن ذلك من وظائف الشهر، فهي تتأكد من حيث الزمان، ففي الشهر أكد منها في العشرة. ويقتضيه الارتكاز العرفي في باب الطاعات والخيرات فانها كلما طال العهد بها اشتد تأكدها. والجمع بين الشهر والعشر - في خبر ابن أبي حمزة - لابد أن يحمل على ذلك. ولاجله يمكن الجمع بينها وبين صحيح الحلبي المتقدم في أخبار السنة بذلك، فيحمل أيضا على التأكد في السنة على نحو يكون أشد تأكدا فيها من الشهر. وبالجملة: الجمع العرفي بين النصوص المذكورة يقتضي ذلك، فلا يدل على المنع التوالي، فلا مانع من الاخذ باطلاقات الحث عليها والترغيب إليها الظاهرة في استحبابها مطالقا. ومقتضاها الاستحباب في كل يوم

===============

( 147 )

[ فصل في أقسام الحج وهي: ثلاثة - بالاجماع (1)، والاخبار -، تمتع، وقران، وإفراد (2). ] وفى اليوم أكثر من مرة أيضا. فلاحظ. وأما ما تضمن أن المتمتع إن خرج من مكة ورجع في شهره دخل محلا، وان دخل في غير الشهر دخل محرما، معللا: بأن لكل شهر عمرة (* 1). وما ورد - في من أفسد عمرته - من أنه يقضيها في الشهر الآتي (* 2). فهما حكمان دل عليهما الدليل في خصوص المورد. مع ان ظاهر الفتاوى أن الحكم في المقامين رخصة لا عزيمة. وحينئذ يكون منافيا للشهر لا دليلا عليه. وبالنسبة إلى العشرة من قبيل اللا مقتضي نفيا وإثباتا. والله سبحانه الهادي. فصل في أقسام الحج (1) في الجواهر: (بلا خلاف أجده فيه بين علماء الاسلام، بل إجماعهم بقسميه عليه...). (2) في مصحح معاوية بن عمار قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: الحج ثلاثة أصناف: حج مفرد، وقران، وتمتع بالعمرة إلى الحج. وبها أمر رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا نأمر الناس إلا بها) (* 3)،


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب أقسام الحج حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب كفارات الاستمتاع. (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب أقسام الحج حديث: 1.

===============

( 148 )

[ والاول فرض من كان بعيدا عن مكة (1). والآخران فرض ] وخبر منصور الصيقلى: (قال أبو عبد الله (ع): الحج عندنا على ثلاثة أوجه: حاج متمتع، وحاج مفرد سائق للهدي، وحاج مفرد للحج) (* 1) ونحوهما غيرهما. والذي يظهر من النصوص: أن المشروع في صدر الاسلام القران والافراد، وأن التمتع شرع في حجة الوداع. ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): (قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين حج حجة الاسلام خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتى أتى الشجرة فصلى بها، ثم قاد راحلته حتى أتى البيداء فأحرم منها وأهل بالحج وساق مائة بدنة، وأحرم الناس كلهم بالحج لا ينوون عمرة ولا يدرون ما المتعة. حتى إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وآله مكة... (إلى أن قال): فلما قضى طوافه عند المروة قام خطيبا فأمرهم: أن يحلوا ويجعلوها عمرة، وهو شئ أمر الله عزوجل به... (إلى أن قال): وإن رجلا قام فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله نخرج حجاجا ورؤسنا تقطر؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنك لن تؤمن بهذا أبدا...) (* 2). (1) قال في كشف اللثام: (لا يجزيه غيره اختيارا. للاخبار، وهي كثيرة. والاجماع، كما في الانتصار والخلاف والغنية والتذكرة والمنتهى وظاهر المعتبر. وحكى القاضي - في شرح الجمل -: خلافه عن نفر من الاصحاب...). وفى المستند: حكى الاجماع عن غيرها أيضا. ويشهد به - مضافا إلى ذلك - الكتاب والسنة. أما الاول فقوله تعالى: (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب أقسام الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب أقسام الحج حديث: 14.

===============

( 149 )

[ من كان حاضرا، أي: غير بعيد (1). وحد البعد - الموجب ] استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الجج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة، ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب) (* 1). فان الظاهر رجوع اسم الاشارة إلى التمتع بالعمرة، لانه للبعيد، لا رجوعه إلى ما بعده، لانه قريب. ويشكل الاستدلال المذكور: بأن ظاهر الآية الشريفة حصر التمتع بالنائي، لا حصر النائي به، كما هو المدعى. وأما السنة فمستفيضة أو متواترة. منها: مصحح الحلبي السابق. ونحوه صحيح معاوية بن عمار (* 2)، وصحيح صفوان (* 3). وفى صحيح الحلبي الآخر عن أبي عبد الله (ع): (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لان الله تعالى يقول: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي...). فليس لاحد إلا أن يتمتع، لان الله أنزل ذلك في كتابه وجرت به السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله) (* 4) إلى غير ذلك. (1) على المشهور شهرة عظيمة، بل لم يحك الخلاف في ذلك إلا عن الشيخ - في أحد قوليه - ويحيى بن سعيد. ويشهد له الكتاب الشريف - على ما عرفت - والنصوص. ففي صحيح الفضلاء، عبد الله الحلبي وسليمان بن خالد وأبي بصير، كلهم عن أبي عبد الله (ع): (ليس لاهل مكة، ولا لاهل مر، ولا لاهل سرف متعة. وذلك: لقول الله عزوجل:


____________
(* 1) البقرة: 196. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب أقسام الحج حديث: 1. (* 3) لم نعثر على الرواية في مظانها. (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب أقسام الحج حديث: 2.

===============

( 150 )

[ للاول - ثمانية وأربعون ميلا من كل جانب (1)، على المشهور (2) الاقوى لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع): " قلت له: قول الله عزوجل في كتابه: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام...) فقال (ع): يعني: أهل مكة ليس عليهم متعة. كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلا ذات عرق وعسفان - كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في ] (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام...)) (* 1)، وخبر سعيد الاعرج: (قال أبو عبد الله (ع): ليس لاهل سرف، ولا لاهل مر، ولا لاهل مكة متعة. يقول الله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام...)) (* 2). ونحوهما غيرهما مما هو كثير، وسيأتي بعضه في المتن. ولم يعرف للشيخ وابن سعيد دليل، إلا صحيح عبد الرحمن بن الحجاج وصحيحه الآخر مع عبد الرحمن بن أعين، الآتيان في المسألة الثانية. وموردهما خاص، فلا مجال للتعدي عنه إلى غيره بعد ما عرفت. مع أن ظهورهما في حج الاسلام غير ثابت. (1) حكاه في الشرائع قولا، واختاره في النافع والمعتبر، وحكى عن القمي في تفسيره، والصدوقين، والعلامة في جملة من كتبه، وعن الشهيدين، والمحقق الكركي. وعن المدارك: نسبته إلى أكثر الاصحاب. (2) كما عن شرح المفاتيح. لكن في الجواهر: (وإن كنا لم نتحققه).


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب أقسام الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب أقسام الحج حديث: 6.

===============

( 151 )

[ هذه الآية، وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة " (1). وخبره (2) عنه (ع): " سألته عن قول الله عزوجل: (ذلك...). قال: لاهل مكة ليس لهم متعة، ولا عليهم عمرة قلت: فما حد ذلك؟ قال: ثمانية وأربعون ميلا من جميع نواحي مكة، دون عسفان وذات عرق " (3). ويستفاد أيضا من جملة من أخبار أخر (4). ] (1) رواها الشيخ في التهذيب، باسناده عن موسى بن القاسم، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: (قلت لابي جعفر: قول الله عزوجل في كتابه...) إلى آخر ما في المتن (* 1). واسناد الشيخ إلى موسى صحيح وموسى و عبد الرحمن وبقية السند كلهم ثقاة أعيان (2) رواه الشيخ أيضا في أواخر كتاب الحج، عن علي بن السندي عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (ع) قال: (سألته عن قول الله تعالى: (ذلك...)...) إلى آخر ما في المتن (* 2). وسنده إلى علي بن السندي غير ثابت الصحة. وأما علي فالظاهر صحة حديثه، وإن كان لا يخلو من إشكال. (* 3) في النسخة الصحيحة من التهذيب: (ودون ذات عرق). (4) كصحيح الفضلاء المتقدم (* 3). ونحوه خبر سعيد الاعرج


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب أقسام الحج حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب أقسام الحج حديث: 7. ولكن متن الرواية هنا يختلف يسيرا عن الموجود في الوسائل، وكذلك الاصل. راجع التهذيب جزء: 5 صفحة 33، 492 طبع النجف الاشرف. (* 3) تقدم ذكر الروايتين في أوائل الفصل تقريبا. فلاحظ.

===============

( 152 )

المتقدم، الذي رواه في التهذيب في آخر كتاب الحج (* 1)، بناء على ما في المعتبر من أنه معلوم أن هذه المواضع أكثر من اثني عشر ميلا. وعن القاموس: أن بطن مر: موضع من مكة على مرحلة. وفى تاريخ البلدان لليعقوبي (* 2): أنه واقع في طريق مكة إلى المدينة، فمن مكة إليه ثم إلى عسفان، ثم إلى قديد، ثم إلى الجحفة، ثم إلى الابواء، ثم إلى سقيا بني غفار، ثم إلى العرج، ثم إلى الرويثة، ثم إلى الروحاء، ثم إلى السيالة، ثم إلى ملل، ثم إلى الحفيرة، ثم إلى ذي الحليفة. وعن الواقدي: بين مكة ومر خمسة أميال. وسرف - ككتف -: موضع قريب للتنعيم. وعن النهاية - في حديث تزويج ميمونة بسرف -: هو - بكسر الراء - موضع من مكة على عشرة أميال. وقيل: أقل، وأكثر. وعن المجلسي الاول (ره) أن سرف - ككتف - موضع قرب التنعيم، على عشرة أميال - تقريبا - من مكة... وكصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: (في حاضري المسجد الحرام قال (ع): ما دون المواقيت إلى مكة فهو حاضري المسجد الحرام وليس لهم متعة) (* 3). وصحيح حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع): (في حاضري المسجد الحرام قال (ع): ما دون الاوقات إلى مكه) (* 4). بناء على أن المراد ما دون جميعها، فانها على هذا الحد أو أكثر. فان يلملم جبل على مرحلتين من مكه. واقعه في طريق أهل مكه إلى اليمن، المرحلة الاولى - على ما ذكره اليعقوبي في تاريخ البلدان (* 5) -: الملكان


____________
(* 1) تقدم ذكر الروايتين في أوائل الفصل تقريبا. فلاحظ. (* 2) صفحة: 78 طبعة النجف الاشرف وصفحة: 313 طبعة ليدن. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب أقسام الحج حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 6 من أبواب أقسام الحج حديث: 5. (* 5) صفحة: 80 طبعة النجف الاشرف وصفحة: 317 طبعة ليدن.

===============

( 153 )

والمرحلة الثانية: يلملم، ثم الليث، ثم عليب، ثم قربا، ثم قنونا، ثم يبة، ثم المعقر، ثم ضنكان، ثم زنيف، ثم ريم، ثم يبش، ثم العرش، ثم الشرجة، ثم السلعاء، ثم بلحة، ثم المهجم، ثم العارة، ثم المروة، ثم سودان، ثم صنعاء. كذا ذات عرق، فانها أيضا واقعة في طريق أهل العراق إلى مكة، على مرحلتين من مكة، المرحلة الاولى - ما ذكره اليعقوبي في تاريخ البلدان (* 1) -: بستان ابن عامر، ثم ذات عرق، ثم غمرة، ثم المسلح ثم أفيعية، ثم معدن بني سليم، ثم العمق، ثم السليله، ثم الربذه، ثم مغيثه الماوان، ثم معدن النقرة - وتسمى النقرة أيضا - ثم سميراء - وتسمى الحاجر أيضا - ثم توز، ثم فيد، ثم زرود - وتسمى الاجفر أيضا - ثم الثعلبية، ثم بطان، ثم الشقوق، زبالة، ثم القاع، ثم العقبة، ثم الواقصة، ثم الفرعاء، ثم مغيثة، ثم القادسية، ثم الكوفة. وكذا قرن المنازل فانها على مرحلتين أيضا، كما سيأتي. لكن يعارضها خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): (قلت: لاهل مكة متعة؟ قال (ع): لا، ولا لاهل بستان، ولا لاهل ذات عرق، ولا لاهل عسفان ونحوها) (* 2). بل يعارض التحديد بالمقدار المذكور صحيح حريز عن أبي عبد الله (ع): (في قول الله عزوجل: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام...). قال (ع): من كان منزله على ثمانية عشر ميلا من بين يديها، وثمانية ميلا من خلفها، وثمانية عشر ميلا عن يمينها، وثمانية عشر ميلا عن يسارها فلا متعة له


____________
(* 1) صفحة: 76 طبعة النجف الاشرف وصفحة: 311 طبعة ليدن. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب أقسام الحج حديث: 12.

===============

( 154 )

مثل مر وأشباهه) (* 1). والذي يتحصل: أن الاشكال في المقام في جهات: الاولى: الاخبار الدالة على التحديد، فانها طوائف ثلاث، الاولى: ما دل على أنه ثمانية وأربعون ميلا، وهي صحيح زرارة، وخبره. الثانية: ما دل على أنه ثمانية عشر ميلا، وهي صحيحة حريز. الثالثة: ما دل على أنه دون الميقات، وهي صحيحا الحلبي وحماد، فان الظاهر منها أن الحد يختلف باختلاف الجهات المسكونة، فكل موضع يكون بين الميقات ومكه يكون حكم أهله أن لا متعة لهم، وكل موضع يكون وراء الميقات يكون حكم أهله التمتع. وحمله على أن يكون المراد من المواقيت أقرب المواقيت إلى مكة - يعني: ما تكون المساحة بين الشخص ومكة أقل من المساحة التي تكون بين أقرب المواقيت إلى مكة وبينها - بعيد جدا، فانه يتوقف على معرفة الاقرب منها إلى مكة، ومعرفة المساحة بينهما، والعبارة المذكورة في الصحيحين لا تساعد على ذلك. الجهة الثانية: اختلاف الاخبار في ذات عرق وعسفان، فان ظاهر خبر زرارة: خروجهما عن الحد، ويجب على أهلهما التمتع. وظاهر صحيحه - وصريح خبر أبي بصير -: أنه ليس لاهلهما متعة. الجهة الثالثة: التشويش الواقع في عبارة الصحيح، لقوله (ع) فيه: (ذات عرق وعسفان)، فانه إن جعل تمثيلا للثمانية والاربعين فهو تفسير بالاخفى، ولا يناسب موضوع الشرطية. وإن جعل تمثيلا لما دونها كان مخالفا لما ذكروه، من أن ذات عرق وعسفان على مرحلتين من مكة: مضافا إلى قوله (ع): (كما يدور حول الكعبة) لم يتضح إرتباطه


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب أقسام الحج حديث: 10.

===============

( 155 )

[ والقول: بأن حده اثنا عشر ميلا من كل جانب - كما عليه جماعة (1) - ضعيف لا دليل عليه إلا الاصل، فان مقتضى جملة من الاخبار: وجوب التمتع على كل أحد، والقدر المتيقن الخارج منها من كان دون الحد المذكور (2). ] بما قبله. وكذا التشويش الواقع في متن خبر زرارة، فان قوله (ع) فيه: (دون عسفان وذات عرق) ظاهر في أن الثمانية والاربعين دون عسفان وذات عرق، مع أن المذكور في كلماتهم أنهما على مرحلتين، فلا تكون الثمانية والاربعون دونهما بل تكون نفسهما. هذا، ولا يخفى ان الاشكالات المذكورة لا تصلح لرفع اليد عن مفاد الصحيح المعول عليه، فان الطائفتين الاخريين لا عامل بهما، فلا يصلحان لمعارضته. واختلاف الاخبار في ذات عرق وعسفان لا يهم، لانه - بعد ما تحقق خروجهما عن الحد - لابد من تأويل الصحيح، وطرح خبر أبي بصير لمخالفته للاجماع. ولو فرض عدم تحقق خروجهما عن الحد واحتمال دخولهما فيه فالاختلاف يكون اختلافا في الموضوع، لا في الحد ولحكم الذي هو محل الكلام. وأما التشويش فلا يقدح في دلالة الصحيح على التحديد على وجه ظاهر. واشتمال الرواية على بعض أمور مشكلة إذا لم يقدح في دلالتها على الحكم لا يقدح في حجيتها. (1) اختاره في الشرائع والقواعد، ونسبه في كشف اللثام: إلى المبسوط، والاقتصاد، والتبيان، ومجمع البيان، وفقه القرآن، والروض والجمل، والعقود، والغنية، والكافي، والوسيلة، والسرائر، والجامع والاصباح، والاشارة. وفى الجواهر: أنه أقوى. (2) هذا الوجه ذكره في المستند دليلا على القول المذكور. قال (ره):

===============

( 156 )

[ وهو مقطوع بما مر (1). أو دعوى: أن الحاضر مقابل للمسافر، والسفر أربعة فراسخ (2). وهو كما ترى. أو دعوى: أن الحاضر - المعلق عليه وجوب غير التمتع - أمر عرفي، والعرف لا يساعد على أزيد من اثني عشر ميلا. وهذا - أيضا - كما ترى (3). كما أن دعوى: أن المراد من ثمانية وأربعين ] (بل قد أشرنا إلى تواتر الاخبار بفرضية التمتع مطلقا، خرج ما دون اثني عشر ميلا بالاجماع، فيبقى الباقي...)، وذكره في الجواهر وجها لما اختاره. وقد تقدم بعض هذه النصوص في أول المبحث. وعليه فالمراد من الاصل أصالة العموم، لا الاصل العملي. وإلا فمقتضى الاصل الاحتياط بالجمع، للعلم الاجمالي. (1) فان الدليل الخاص مخصص للعام. على أن ثبوت هذا العموم محل إشكال، فان الظاهر أن الخطابات إنما هي للنائي. ضرورة انقسام الحج إلى الاقسام الثلاثة، ومشروعية القران والافراد في الجملة، فكيف يصح مثل هذا العموم؟!. (2) هذا الاستدلال مذكور في كشف اللثام وغيره، وحكاه في المستند والجواهر عنهم. وتوجيهه في غاية الصعوبة، لان المراد من الحاضر في الآية إذا كان بمعنى مقابل المسافر، كان مرجع الآية الشريفة إلى أن من كان أهله مسافرين عن المسجد الحرام فعليه التمتع، وإذا لم يكن أهله مسافرين بل حاضرين فعليه القران أو الافراد، وهذا المعنى أجنبي عن المراد بها بالمرة، ضرورة أن المراد التوطن في الموضع القريب والبعيد، لا المسافرة والحضور. وبالجملة: الاستدلال على النحو المذكور غريب. (3) فان العرف كما لا يساعد على الازيد من الاثني عشر ميلا

===============

( 157 )

[ التوزيع على الجهات الاربع، فيكون من كل جهة اثنا عشر ميلا (1). منافية لظاهر تلك الاخبار (2). وأما صحيحة حريز - الدالة على أن حد البعد ثمانية عشر ميلا - فلا عامل بها. كما لا عامل بصحيحتي حماد بن عثمان والحلبي، الدالتين على أن الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكة (3). وهل يعتبر الحد المذكور من مكة أو من المسجد؟ وجهان (4)، ] لا يساعد على الاقل منها. بل الظاهر اختصاصه بأهل مكة لا غير، فان مواضعهم هي التي حاضرة مع المسجد الحرام لاجتماعها معه، وأما الخارج عن مكة من المواضع فهي غير حاضرة مع المسجد، لعدم اجتماعها معه. مع أنه لو سلم ذلك فرواية التحديد بالثمانية والاربعين تكون مفسرة للمراد وشارحة له، على وجه يجب الخروج عن ظاهر الكلام لاجلها. (1) هذه دعوى ادعاها ابن ادريس (ره). وفى كشف اللثام والجواهر: حاول في ذلك رفع الخلاف بين الاصحاب. (2) من دون ملجئ إلى ذلك. (3) على ما عرفت الاشارة إليه. يظهر ذلك لمن لاحظ كتب الاصحاب. (4) بل يظهر من كلماتهم أن فيه قولين، فعن المبسوط، أنه قال: (كل من كان بينه وبين المسجد اثنا عشر ميلا من جوانب البيت...). ونحوه كلامه في الاقتصاد والجمل، ومثله ما في التحرير: (من كان بين منزلة وبين المسجد اثنا عشر ميلا...). لكن في القواعد قال: (من نأى عن مكة باثني عشر ميلا من كل جانب...). ونحوه غيره. وهذا الاختلاف يحتمل أن يكون اختلافا بمحض العبارة، ومراد الجميع

===============

( 158 )

[ أقربهما الاول. ومن كان على نفس الحد فالظاهر أن وظيفته التمتع (1) لتعليق حكم الافراد والقران على ما دون الحد (2) ] المسجد أو مكة، كما يشهد به نسبة كون المبدأ مكة إلى الشيخ في المبسوط مع أن المذكور في عبارته المسجد. ويحتمل أن يكون اختلافا في المراد، وهو الاقرب. ففي المسالك: (والتقدير - على التقديرين - من منتهى عمارة مكة إلى منزله). ونحوه ما في الروضة. وفى الكفاية - بعدما اختار التقدير بالثمانية والاربعين من مكة، وحكى القول باثني عشر ميلا من مكة - قال: (ومن أصحاب هذا القول من اعتبر البعد بالنسبة إلى المسجد الحرام...). وكيف كان فالنصوص خالية عن التعرض لذلك. نعم صحيح زرارة وخبره - لما كان السؤال فيهما عن الآية الكريمة، وتفسير المراد من حاضري المسجد الحرام - فالمنسبق من التقدير أن يكون المبدأ نفس المسجد (* 1). ولا ينافي ذلك ما في خبر زرارة، من قوله (ع): (من جميع نواحي مكة)، فان مكة أخذت موضوعا للنواحي، لا مبدأ للتقدير. فلاحظ. (1) يظهر ذلك منهم. وفى المدارك: (لكن مقتضى كلام الشيخ أن البعد إنما يتحقق بالزيادة عن الثمانية والاربعين...). (2) لقوله (ع) في الصحيح: (كل من كان أهله دون ثمانية) (* 2) وأما قوله (ع) بعد ذلك: (وكل من كان أهله وراء ذلك)، فالمراد من اسم الاشارة فيه المقدار السابق ذكره موضوعا للقرآن والافراد، لا الثمانية


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب أقسام الحج حديث: 3، 7 وقد تقدم الاشارة إلى الروايتين في أوائل الفصل. (* 2) المراد: هو صحيح زرارة آنف الذكر.

===============

( 159 )

[ ولو شك في كون منزله في الحد أو خارجه وجب عليه الفحص (1) ومع عدم تمكنه يراعي الاحتياط. وإن كان لا يبعد القول بأنه يجري عليه حكم الخارج، فيجب عليه التمتع، لان غيره معلق على عنوان الحاضر، وهو مشكوك (2). فيكون كما لو شك في أن المسافة ثمانية فراسخ أولا، فانه يصلي تماما، لان القصر معلق على السفر، وهو مشكوك. ] والاربعين، وإلا كان الصحيح قد أهمل فيه ذكر من كان على رأس الحد وهو بعيد. فانه إذا تردد التصرف في الكلامين بين التصرف في الاول والتصرف في الثاني يتعين الثاني، لان الاول - بعد استقراره في الذهن - يكون الكلام اللاحق جاريا عليه. فلاحظ. (1) وجوب الفحص في هذه الشبهة الموضوعية - على خلاف القاعدة المشهورة: من عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية - لامور ادعيت في هذا المورد - وفى جملة من الموارد من الشبهات الموضوعية - كالشك في الاستطاعة، والشك في مسافة التقصير، والشك في بلوغ النصاب. وقد تقدم الكلام في ذلك في المباحث المذكورة. نعم يمتاز المقام عنها بعدم إمكان الاحتياط، لان الوجوب فوري، ولا يمكن الجمع بين المحتملين في سنة واحدة. (2) كأنه يريد الاشارة إلى قاعدة، وهي أنه إذا كان الخاص معلقا على عنوان وقد شك في ذلك العنوان وجب الرجوع إلى العام. ومثله الشك في المسافر، لان الحكم العام هو التمام. والقصر معلق على السفر فمع الشك فيه يرجع إلى عموم التمام. ولكنه راجع إلى التمسك بالعام في

===============

( 160 )

الشبهة المصداقية والمحقق في محله عدم جوازه. على أن كون المقام من ذلك القبيل غير ظاهر، فانه لا عموم يقتضي وجوب التمتع وقد خرج عنه الحاضر، بل الامر بالعكس. فان دليل التشريع - وهو الآية الشريفة - إنما تضمن وجوب التمتع على من لم يكن حاضرا، فمع الشك فيه يشك في وجوب التمتع. ولعل مراده أن حكم التمتع معلق على عنوان عدمي فمع الشك فيه يرجع إلى الاصل في إثباته، فيثبت حينئذ حكمه. وبذلك يفترق المقام عن مقام الشك في المسافر، فان حكم التمام لم يعلق فيه على عنوان عدمي ولا وجودي، وإنما عنوانه مطلق المكلف. هذا ولكن حكم القصر لما كان معلقا على المسافر كان الجمع بين العام والخاص يقتضي أن يكون حكم العام - وهو التمام - معلقا على من لم يسافر، فمع الشك في المسافر يرجع إلى أصالة عدم المسافر، فيكون كما نحن فيه بعينه. وليس الفرق بينهما إلا أن حكم التمتع من أول الامر، معلق على العنوان العدمي.، وحكم التمام لم يكن كذالك من أول الامر، ولكن صار كذلك من جهة الجمع العرفي بين الخاص والعام. ثم إنه يشكل ما ذكره المصنف، من وجوب التمتع: بأن أصالة عدم كونه حاضر المسجد من الاصل الجاري في العدم الازلي، لان الشخص حين وجوده إما حاضر أو ليس بحاضر، وحجية أصل العدم الازلي محل إشكال. وفيه: أن الحضور قد يكون طارئا بالتوطن بعد الهجرة إلى مكة فمع الشك يستصحب العدم المقارن. وكذا لو كان متوطنا في مكة ثم انتقل إلى الموضع المشكوك، فأنه يجري فيه استصحاب الحضور. مع أنه موقوف على البناء على تحقق الحضور بمجرد التولد من الحاضر، ولا يتوقف على قصد التوطن، وهو محل تأمل. مضافا إلى أن التحقيق:

===============

( 161 )

[ ثم ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى حجة الاسلام، حيث لا يجزئ للبعيد إلا التمتع، ولا للحاضر إلا الافراد أو القران (1). وأما بالنسبة إلى الحج الندبي فيجوز لكل من البعيد والحاضر كل من الاقسام الثلاثة (2) بلا إشكال. وان كان الافضل اختيار التمتع (3). وكذا بالنسبة إلى الواجب غير حجة ] جريان الاصل في العدم الازلي، كما أشرنا إليه في مباحث المياه من هذا الشرح. وربما يتوهم الاشكال على المصنف: بأن المراد بمن لم يكن أهله حاضري المسجد، من كان أهله بعيدا عن المسجد، فيكون موضوع حكم التمام وجوديا لا يمكن إثباته بالاصل: واندفاعه ظاهر، فان الصحيح المفسر بذلك إنما اريد به تفسير التحديد، لا بيان أن الموضوع وجودي. (1) قال في الذخيرة: (إن موضع الخلاف حجة الاسلام، دون التطوع والمنذور...). (2) في المدارك، وعن الشيخ في التهذيبين، والمحقق في المعتبر، والعلامة في جملة من كتبه، والشهيد في الدروس: التصريح بذلك. (3) قال في الجواهر: (لا خلاف أيضا في أفضليه التمتع على قسيميه لمن كان الحج مندوبا بالنسبة إليه - لعدم استطاعته، أو لحصول حج الاسلام منه - والنصوص مستفيضة فيه أو متواترة، بل هو من قطعيات مذهب الشيعة...). ويشهد به النصوص الكثيرة، المتواترة مضمونا، كصحيح البزنطي قال: (سألت أبا جعفر (ع) في السنة التي حج فيها - وذلك في سنة اثنتي عشرة ومائتين - فقلت: بأي شئ دخلت مكة، مفردا أو متمتعا؟ فقال (ع): متمتعا. فقلت له: أيها أفضل المتمتع بالعمرة إلى الحج أو من أفرد وساق الهدي؟ فقال (ع): كان

===============

( 162 )

[ الاسلام، كالحج النذري وغيره (1). ] أبو جعفر (ع) يقول: المتمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من المفرد السائق للهدي. وكان يقول: ليس يدخل الحاج بشئ أفضل من المتعة) (* 1) وصحيح معاوية بن عمار: (قلت لابي عبد الله (ع) - ونحن بالمدينة -: اني اعتمرت في رجب وأنا أريد الحج، فأسوق الهدي، أو أفرد الحج، أو أتمتع؟ فقال (ع): في كل فضل، وكل حسن. قلت: فأي ذلك أفضل؟ فقال: إن عليا (ع): كان يقول: لكل شهر عمرة تمتع، فهو والله أفضل) (* 2)، ومكاتبة علي بن حديد قال: (كتب إليه: علي ابن حعفر يسأله عن رجل اعتمر في شهر رمضان، ثم حضر الموسم. أيحج مفردا للحج أو يتمتع، أيهما أفضل؟ فكتب إليه: يتمتع أفضل) (* 3)، وصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: إني سقت الهدي وقرنت. قال: ولم تفعل ذلك؟ التمتع أفضل) (* 4)، وصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): المتعة والله أفضل، وبها نزل القرآن، وجرت السنة) (* 5) إلى غير ذلك من النصوص. وفى المدارك: (أكثر من أن تحصى...). وقد عقد لها في الوسائل بابا طويلا. (1) الظاهر من كلماتهم عدم الفرق بين المندوب والواجب بالنذر


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب أقسام الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب أقسام الحج حديث: 18. (* 3) الوسائل باب: 4 من أبواب أقسام الحج حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 4 من ابواب أقسام الحج حديث: 7. (* 5) الوسائل باب: 4 من ابواب أقسام الحج حديث: 8.

===============

( 163 )

[ (مسألة 1): من كان له وطنان، أحدهما في الحد، والآخر في خارجه لزمه فرض أغلبهما (1). لصحيحة زرارة (2) عن أبي جعفر (ع): " من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة ولا متعة له. فقلت لابي جعفر (ع): أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكة. فقال (ع): فلينظر أيهما الغالب " (3). فان تساويا فان كان مستطيعا من كل منهما تخير بين الوظيفتين (4)، ] ونحوه. وقد تقدم كلام الذخيرة. والظاهر من قولهم التمتع فرض النائي، أنه الفرض بالاصل، لا الفرض بالنذر ونحوه. نعم يختص كلامهم بما إذا كان المنذور مطلقا، وأما إذا كان معينا فلا ريب في اقتضاء النذر التعين فلا يجزئ غير المتعين. وأما الواجب بالافساد فالظاهر من دليله لزوم مطابقته للواجب الذي أفسده، للتعبير فيه بالقضاء، الظاهر في مطابقته للمقتضي. (1) بلا خلاف أجده فيه. كذا في الجواهر. (2) رواها الشيخ (ره) عن موسى بن القاسم، عن عبد الرحمن، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (ع). ورواها باسناده عن زرارة (* 1). (3) تتمة الحديث: (فهو من أهله). (4) بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر. ووجهه إطلاق ما دل على وجوب الحج، الشامل للانواع الثلاثة، والتخصيص بأحدها من دون مخصص. وما دل على وجوب التمتع بعينه يختص بمن كان منزله نائيا.


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 1.

===============

( 164 )

[ وإن كان الافضل اختيار التمتع (1). وإن كان مستطيعا من أحدهما دون الآخر لزمه فرض وطن الاستطاعة (2). (مسألة 2): من كان من أهل مكة وخرج إلى بعض الامصار ثم رجع إليها، فالمشهور جواز حج التمتع له وكونه مخيرا بين الوظيفتين (3). واستدلوا بصحيحة عبد الرحمن ] كما دل على وجوب القران أو الافراد، فانه يختص أيضا بمن كان من أهل مكة. والمورد خارج عنهما فلا مانع من الاخذ باطلاق دليل الوجوب المقتضي للتخيير بين الافراد الثلاثة. ولو فرض صدق كل من العنوانين عليه فقد عرفت أن دليل الحكمين فيهما يختص بصحيح زرارة وخبره. وشمول الصدر والذيل فيهما للمقام يوجب التعارض بين الصدر والذيل، الموجب للسقوط عن الحجية، فيتعين أيضا الرجوع إلى الاطلاق. (1) لما تقدم، من النصوص المتضمنة لذلك. (2) كما في كشف اللثام والجواهر. لعموم الآية، والاخبار. أقول: مقتضى الاطلاق التخيير - كما عرفت - لا التخصيص بفرض الوطن الذي استطاع منه من غير مخصص. ومثله - في الاشكال -: ما حكي عن بعض من التخيير إذا كان قد استطاع في غير الوطنين. أما إذا استطاع في أحدهما دون الآخر ففرضه فرض أهله. وحاصل الاشكال على القولين: أنه لا وجه لتعين أحد الفرضين في جميع ذلك لانه بعد أن كان مستطيعا يكون المرجع إطلاق وجوب الحج على المستطيع، المقتضي للتخيير العقلي بين الافراد الثلاثة بعد أن لم يكن ما يقتضي التعيين. (3) نسبه في المدارك إلى الاكثر، ومنهم الشيخ في جملة من كتبه، والمحقق في المعتبر، والعلامة في المنتهى، ونسبه غيره إلى المشهور، كما في

===============

( 165 )

[ ابن الحجاج عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الامصار، ثم يرجع إلى مكة فيمر ببعض المواقيت، أله أن يتمتع؟ قال (ع): ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل. وكان الاهلال أحب إلي " (1). ونحوها صحيحة أخرى عنه وعن عبد الرحمن بن أعين عن أبي الحسن (ع) (2) وعن ابن أبي عقيل: عدم جواز ذلك، وأنه يتعين عليه ] الجواهر. وفى المستند: (المكي إذا بعد عن مكة ثم حج على ميقات من المواقيت الخمسة الآفاقية أحرم متعة وجوبا. بغير خلاف يعرف، كما صرح به غير واحد). وكأنه أراد من نفي الخلاف: نفيه بالنسبة إلى الاحرام من الميقات - كما هو كذلك - لا بالنسبة إلى التمتع، وإلا فالخلاف مشهور. (1) رواها في الكافي عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله (ع) قال: (سألته عن رجل...) (* 1). ورجال السند كلهم أعيان. (2) رواها الشيخ باسناده عن موسى بن القاسم، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج و عبد الرحمن بن أعين، قالا: (سألنا أبا الحسن (ع) [ موسى (ع) خ ] عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الامصار، ثم رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت رسول الله صلى الله عليه وآله، له أن يتمتع؟ فقال: ما أزعم أن ذلك ليس له. والاهلال بالحج أحب إلي. ورأيت من سأل أبا جعفر (ع) - وذلك أول ليلة من شهر رمضان - فقال له:


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب أقسام الحج حديث: 2.

===============

( 166 )

[ فرض المكي إذا كان الحج واجبا عليه، وتبعه جماعة (1). لما دل من الاخبار على أنه لا متعة لاهل مكة. وحملوا الخبرين على الحج الندبي، بقرينة ذيل الخبر الثاني (2). ولا يبعد قوة ] جعلت فداك، إني قد نويت أن أصوم بالمدينة. قال: تصوم إن شاء الله تعالى. قال له: وأرجو أن يكون خروجي في عشرين من شوال. فقال: تخرج إن شاء الله. فقال له: قد نويت أن أحج عنك أو عن أبيك، فكيف أصنع؟ فقال له: تمتع. فقال له: إن الله ربما من علي بزيارة رسوله صلى الله عليه وآله وزيارتك والسلام عليك، وربما حججت عنك، وربما حججت عن أبيك. وربما حججت عن بعض إخواني أو عن نفسي: فكيف أصنع؟ فقال له: تمتع. فرد عليه القول ثلاث مرات يقول: إني مقيم بمكة وأهلي بها فيقول: تمتع. فسأله بعد ذلك رجل من أصحابنا فقال: إني أريد أن أفرد عمرة هذا الشهر - يعني شوال - فقال له: أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل: إن أهلي ومنزلي بالمدينة، ولي بمكة أهل ومنزل، وبينهما أهل ومنازل. فقال له: أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل: فان لي ضياعا حول مكة) وأريد أن أخرج حلالا فإذا كان إبان الحج حججت) (* 1). (1) منهم السيد في الرياض. (2) فان السؤال الذي رواه بقوله: (ورأيت من سأل أبا جعفر (ع)، مورده الندب. بل وعن المنتفى: صراحته في ذلك. وفى الجواهر أيد الحمل المذكور: باستبعاد عدم الحج للمكي قبل الخروج. لكن في كشف اللثام استشكل فيه: بأنه مخالف لما اتفق عليه النص والفتوى، من استحباب


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب أقسام الحج حديث: 1.

===============

( 167 )

[ هذا القول. مع أنه أحوط، لان الامر دائر بين التخيير والتعيين، ومقتضى الاشتغال هو الثاني. خصوصا إذا كان ] التمتع في المندوب. وأجاب عنه بالحمل على التقية. وفيه. أن الحمل على التقية إنما يكون بعد تعذر الجمع العرفي. وتحقيق الحال: أنه لا ينبغي التأمل في أن ذيل الصيح مختص بالندب. لكنه لا يرتبط بصدره ولا يكون قرينة عليه، لانه سؤال آخر من سائل آخر. وأما ما ذكره في كشف اللثام من الاشكال، فغاية ما يقتضي أنه مخالف لعموم ما دل على أفضلية التمتع، ومن الجائز خروج المورد عنه. ومن هنا يظهر أن بين الصحيحتين وبين ما دل على أنه لا متعة لاهل مكة عموما من وجه، فان أخذنا باطلاق الثاني تعين حمل الصحيحتين على الندب، وإن أدى إلى تخصيص عموم أفضلية التمتع، وإن أخذنا باطلاق الصحيحتين تعين حمل الثاني على غير المورد، فيختص بمن يحج وهو في مكانه. ولما لم يكن تقييد أحدهما بأسهل من الآخر تعين طرحهما والرجوع إلى دليل آخر، وهو عموم وجوب الحج على المستطيع، المقتضي للتخيير بين الافراد الثلاثة، فيتم ما هو المشهور، كما أشار إلى ذلك في الجواهر. ومنه يظهر الاشكال فيما ذكر في الرياض انتصارا لابن أبي عقيل: بأنه يرجح التصرف في الصحيحين على التصرف في المعارض، لموافقته للكتاب والسنة. فان الترجيح بذلك إنما يكون في غير العامين من وجه. ومثله ما ذكره: من أنه - مع تسليم التساوي - يرجع إلى الاصل، المقتضي للاحتياط، للدوران بين التعيين والتخيير. فان الرجوع إلى الاصل مع التعارض بالعموم من وجه إذا لم يكن دليل، وهو في المقام. إطلاق وجوب الحج المقتضي للتخيير، فانه مقدم على الاصل.

===============

( 168 )

[ مستطيعا حال كونه في مكة فخرج قبل الاتيان بالحج (1). بل يمكن أن يقال: إن محل كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها. وأما إذا كان مستطيعا فيها قبل خروجه منها فيتعين عليه فرض أهلها (2). (مسألة 3): الآفاقي إذا صار مقيما في مكة، فان كان ذلك بعد استطاعته ووجوب التمتع عليه فلا إشكال في بقاء حكمه (3)، سواء كانت إقامته بقصد التوطن أو المجاورة ولو بأزيد من سنتين. وأما إذا لم يكن مستطيعا ثم استطاع ] (1) إذ حينئذ - على المشهور - يكون من تبدل الحكم الفعلي، وهو أبعد من تبدل الحكم التقديري، للاشكال في جريان الاستصحاب فيه. لكن في شمول الاطلاق لا فرق. (2) هذا ضعيف، فانه خلاف إطلاق كلامهم، وإطلاق النصوص التي اعتمدوا عليها. (3) في الجواهر: (بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى، بل لعله إجماعي، بل قيل: إنه كذلك للاصل وغيره). لكن في المدارك: (وفى استفادة ذلك من الاخبار نظر)، وفى الحدائق: (وهو جيد، فان المفهوم من الاخبار المتقدمة هو انتقال حكمه من التمتع إلى قسيميه مطلقا، تجددت الاستطاعة أو كانت سابقة). وعلى هذا فما في الجواهر من قوله (ره): (فما في المدارك من التأمل فيه في غير محله). كأن الوجه فيه: ظهور الاجماع الذي ادعاه، لا النصوص، وإلا فهي كما ذكر في الحدائق - تبعا للمدارك - شاملة له ولغيره.

===============

( 169 )

[ بعد اقامته في مكة فلا اشكال في انقلاب فرضه إلى فرض المكي في الجملة. كما لا إشكال في عدم الانقلاب بمجرد الاقامة (1). وإنما الكلام في الحد الذي به يتحقق الانقلاب، فالاقوى ما هو المشهور، من أنه بعد الدخول في السنة الثالثة (2). لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع): " من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة ولا متعة له.... " (3)، وصحيحة عمر ابن يزيد عن الصادق (ع): " المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين، فإذا جاور سنتين كان قاطنا وليس له أن يتمتع " (4). وقيل: بأنه بعد الدخول في الثانية (5)، ] (1) في الجواهر: (لا خلاف - نصا وفتوى - في عدم انتقاله عن فرض النائي بمجرد المجاورة، وإن لم يكن قد وجب عليه سابقا، بل لعله اجماعي أيضا)، وفى المدارك: أنه لا ريب فيه. ويقتضيه إطلاق النصوص الآتية. (2) في الجواهر: (نسبه غير واحد إلى المشهور، وربما عزي إلى علمائنا عدا الشيخ...). (3) المتقدمة فيمن له منزلان (* 1). (4) رواها الشيخ عن موسى بن القاسم، عن محمد بن عذافر، عن عمر بن يزيد. قال: (قال أبو عبد الله (ع): المجاور...) (* 2) ورجال السند كلهم ثقاة. (5) حكي هذا القول عن ظاهر الدروس، فان الشهيد فيها قال:


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 2.

===============

( 170 )

[ لجملة من الاخبار وهو ضعيف، لضعفها باعراض المشهور عنها (1) ] (ولو أقام النائي بمكة سنتين انتقل فرضه إليها في الثالثة، كما في المبسوط والنهاية. ويظهر من أكثر الروايات: أنه في الثانية). وفى كشف اللثام - بعد حكاية ذلك - قال: (والامر كذلك، فقد سمعت خبري الحلبي وحماد عن الصادق (ع). وقال (ع) في خبر عبد الله بن سنان: (المجاور بمكة سنة يعمل عمل أهل مكة. (قال الراوي): يعني: يفرد الحج مع أهل مكة، وما كان دون السنة له أن يتمتع) (* 1). وقال الباقر (ع): في مرسل حريز: (من دخل مكة بحجة عن غيره ثم أقام سنة فهو مكي) (* 2). وقد أفتى بهذا الخبر الصدوق في المقنع). وأشار بخبري الحلبي وحماد إلى صحيح الحلبي، قال: (سألت أبا عبد الله (ع): لاهل مكة أن يتمتعوا؟ قال: لا. قال: قلت: فالقاطنين فيها؟ قال إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة، فإذا أقاموا شهرا فان لهم أن يتمتعوا) (* 3). والى خبر حماد قال: (سألت أبا عبد الله (ع): عن أهل مكة يتمتعون؟ قال (ع): ليس لهم متعة. قلت فالقاطن بها؟ قال: إذا أقام سنة أو سنتين صنع صنع أهل مكة. قلت: فان مكث الشهر؟ قال (ع): يتمتع) (* 4). (1) بل لا يظهر من الدروس العمل بها، فان قوله: (ويظهر من أكثر الروايات أنه في الثانية). إنما هو نقل ما في أكثر الروايات،


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 9 من ابواب أقسام الحج حديث: 7.

===============

( 171 )

[ مع أن القول الاول موافق للاصل (1). وأما القول بأنه بعد تمام ثلاث سنين (2)، ] وكذلك كشف اللثام. نعم قوله: (ولا يعارضها غيرها، لاحتمال صحيحتي زرارة وعمر بن يزيد الدخول في الثانية، ظاهر في العمل بها، وحمل غيرها على ما ذكر جمعا بينهما. وكيف كان فالنصوص المذكورة - بعد إعراض المشهور عنها - لا تصلح للاعتماد عليها. وأما ما ذكره في الكشف والجواهر: من الجمع بينها وبين النصوص السابقة - بأن يراد من الاقامة والمجاورة سنتين الدخول في الثانية - فبعيد. ومثله ما ذكر في كشف اللثام، من أنه يراد من سنتي الحج الزمان الذي يمكن فيه وقوع حجتين. كما يراد مثل ذلك في شهر الحيض. بل هو أبعد. ولو سلم أنه جمع عرفي فانما يرتكب بعد ثبوت الحجية، وقد عرفت أن الاعراض عن الثانية مسقط لها عن الحجية، ويتعين الرجوع إلى ظاهر الاخبار الاول، الموافق لفتوى المشهور. ومن ذلك يظهر ضعف ما في الجواهر من قوة القول المذكور وإن قل القائل به صريحا، بل لم يعثر عليه. انتهى. (1) يعني: أصالة عدم الانقلاب. لكنه تعليقي، بناء على أن محل الكلام صورة ما إذا حدثت الاستطاعة بعد المدة. وكان الاولى أن يقول: (موافق للعموم الدال على وجوب التمتع على الآفاقي). (2) هذا القول منسوب إلى الشيخ في المبسوط والنهاية. قال في الاول: (والمكي إذا انتقل إلى غيرها من البلدان ثم جاء متمتعا لم يسقط عنه الدم. وان كان من غيرها وانتقل إلى مكة، فان أقام بها ثلاث سنين فصاعدا كان من الحاضرين، وإن كان أقل من ذلك كان حكمه حكم أهل

===============

( 172 )

[ فلا دليل عليه إلا الاصل، المقطوع بما ذكر (1). مع أن للقول به غير محقق، لاحتمال إرجاعه إلى القول المشهور، بارادة الدخول في السنة الثالثة (2). وأما الاخبار الدالة على أنه بعد ستة أشهر، أو بعد خمسة أشهر (3)، ] بلده). وعبارته المحكية عن الثاني: (من جاور بمكة سنة أو سنتين جاز له أن يتمتع، فيخرج إلى الميقات ويحرم بالحج متمتعا. فان جاور بها ثلاث سنين لم يجز له التمتع وكان حكمه حكم أهل مكة). ودلالتهما على هذا القول ظاهرة. وفى كشف اللثام: (حكي هذا القول عن السرائر أيضا. قال فيها: من جاور بمكة سنة واحدة أو سنتين كان فرضه التمتع فيخرج إلى ميقات بلده ويحرم بالحج متمتعا. فان جاور بها ثلاث سنين لم يجز له التمتع وكان حكمه حكم أهل مكة وحاضريها، على ما جاءت به الاخبار المتواترة). وهي ظاهرة في هذا القول أيضا. (1) اعترف جماعة بعدم الوقوف على مستند هذا القول. (2) الحمل على ارادة الدخول في الثالثة - فيرجع إلى القول الاول - بعيد، وان كان ظاهر الدروس ذلك. بل في الجواهر: (إنه الظاهر بلا ريب فيه، لقوله أولا: (سنة أو سنتين)، وإلا لقال ثلاثا...). إذ فيه: أن الاقامة سنة أو سنتين يراد بها الاقامة في السنة التامة، والسنتين التامتين، فلو قال: (ثلاثا) كان المراد به الثلاث التامة، وهو مخالف للواقع في نظره. وليس المراد من السنتين: الدخول في الثانية، ليتوجه ذلك. (3) كصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع): (في المجاور بمكة يخرج إلى أهله ثم يرجع إلى مكة، بأي شئ يدخل؟ قال (ع): إن كان مقامه بمكة أكثر من ستة أشهر فلا يتمتع، وإن كان أقل من

===============

( 173 )

[ فلا عامل بها (1). مع احتمال صدورها تقية (2)، وإمكان حملها على محامل أخر (3). والظاهر من الصحيحين: اختصاص ] سته اشهر فله أن يتمتع) (* 1)، وصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (ع): (من أقام بمكة سنة فهو بمنزلة أهل مكة) (* 2)، وخبر الحسين بن عثمان وغيره، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (ع): (قال: من أقام بمكة خمسة أشهر فليس له أن يتمتع) (* 3). (1) يظهر ذلك من ملاحظة كلماتهم، ونقل الاقوال الصريحة والظاهرة. فانهم لم يذكروا قائلا بذلك، لا صريحا ولا ظاهرا. نعم في المدارك: ذكر إمكان الجمع بينها وبين غيرها، بالتخير بين السنة والستة أشهر. ولكنه احتمال وإمكان. مع أنه جمع بلا شاهد. (2) كما في كشف اللثام والجواهر وغيرهما. لكن لم يظهر أن ذلك مذهب المخالفين ليصح الحمل على التقية. اللهم إلا أن يقال: يكفي في الصدور للتقية ايقاع الخلاف بين الامامية، كما ذكره في الحدائق في هذا المقام. (3) مثل اعتبار مضي ذلك المقدار في إجراء حكم الوطن لمن قصد التوطن. وفى الجواهر عن كشف اللثام: الحمل على حكم ذي الوطنين بالنسبة إلى إقامة الستة أشهر أو الاقل أو الاكثر. وهذه المحامل لا موجب لارتكابها إلا من باب قاعدة: أن التأويل أولى من الطرح، التي لا دليل عليها. فالاولى إيكال المراد منها إلى قائلها، عليه أفضل الصلاة والسلام.


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب أقسام الحج حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب أقسام الحج حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب أقسام الحج حديث: 5.

===============

( 174 )

[ الحكم بما إذا كانت الاقامة بقصد المجاورة، فلو كانت بقصد التوطن فينقلب بعد قصده من الاول (1). فما يظهر من بعضهم ] (1) توضيح ذلك: أنه لا ريب في أنه - مع التوطن، وقصد الاقامة - يصدق أنه من أهل مكة، وحاضري المسجد. وحينئذ فالنصوص الواردة هنا، إما أن تختص بالموطن، ويكون الحكم فيها: بأنه له أن يتميع إلى سنتين، تصرفا في قولهم (ع): (ليس لاهل مكة متعة) (* 1) والحكم بأنه - بعد السنتين - بحكم أهل مكة لا تصرف فيه. وإما أن تختص بغير المتوطن، ويكون الحكم فيها: بأنه لا متعة له إلى سنتين، على القاعدة. والحكم فيها: بأنه بحكم أهل مكه بعد سنتين تصرف في قولهم (ع): (ليس للنائي إلا أن يتمتع) (* 2). عكس الاول. وإما أن يعمهما معا، بأن يكون تصرفا في الحكمين معا في كل مما قبل السنتين وما بعدها ولاجل أن الظاهر من قوله (ع) في الصحيح الاول: (فهو من أهل مكه) (* 3)، وقوله (ع) في الصحيح الثاني: (وكان قاطنا) (* 4) أنه في مقام تنزيله منزلة أهل مكة، وأنه محط النظر والمحتاج إلى البيان، تكون الروايتان ظاهرتين في الثاني غير المتوطن. فان المتوطن إنما يحتاج إلى بيان حكمه فيما قبل السنتين، وفيه الخروج عن القاعدة، كما عرفت. هذا مضافا إلى الاشكال في عموم لفظ المجاور للمتوطن. ومن ذلك يظهر الاشكال


____________
(* 1)، (* 2) راجع الوسائل باب: 6 من أبواب أقسام الحج حديث: 1، 6 وغيرهما من أحاديث الباب. وقد تقدم بعض ذلك في أوائل الفصل. فراجع. (* 3) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 2. وقد تقدم ذكر الرواية في المسألة الثالثة من هذا الفصل. (* 4) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 8. وقد تقدم ذكر الرواية في المسألة الثالثة من هذا الفصل.

===============

( 175 )

[ من كونها أعم (1) لا وجه له. ومن الغريب ما عن آخر، من الاختصاص بما إذا كانت بقصد التوطن (2). ثم الظاهر أن في صورة الانقلاب يلحقه حكم المكي بالنسبة إلى الاستطاعة أيضا، فيكفي في وجوب الحج الاستطاعة من مكة، ولا يشترط فيه حصول الاستطاعة من بلده (3). فلا وجه لما ] فيما ذكر في المدارك - تبعا لما في المسالك - بقوله: (وربما قيل: إن الحكم مخصوص بالمجاور بغير نية الاقامة، أما لو كان بنيتها انتقل فرضه من أول سنة. وإطلاق النص يدفعه). ومثله ما ذكره في الجواهر. وبالجملة: الظاهر من النصوص المذكورة أنها في مقام إلحاق المجاور بعد السنتين بأهل مكة، لا في مقام إلحاق المجاور قبل السنتين بالنائي، ولا في مقام الالحاقين معا. فلاحظ. (1) قد عرفت أنه صريح المدارك والجواهر. ونسبه - في الاول - إلى اطلاق النص، وكلام الاصحاب. (2) حكاه في الجواهر عن بعض الحواشي. وفى المسالك: أنه باطل مخالف للنص والاجماع... (3) قال في المسالك: (وهل ينتقل، فيلحقه حكم الاستطاعة من البلد كذلك؟ وجهان، أقربهما ذلك. خصوصا مع كون الاقامة بنية الدوام... (إلى أن قال): نعم لو قيل: إن الاستطاعة تنتقل - مع نية الدوام من ابتداء الاقامة - أمكن، لفقد النص النافي هنا. لكن يبعد حينئذ فرض انتقال الفرض بعد مضي سنتين مع عدم الاستطاعة، فان استطاعة مكة سهلة سريعة غالبا لا تتوقف على زمان طويل...).

===============

( 176 )

[ يظهر من صاحب الجواهر، من اعتبار استطاعة النائي في وجوبه. لعموم أدلتها. وأن الانقلاب إنما أوجب تغير نوع الحج، وأما الشرط فعلى ما عليه، فيعتبر بالنسبة إلى التمتع (1). ] (1) في الجواهر - بعد أن حكى عن بعضهم: أنه لا يشترط - في وجوب الحج عليه - الاستطاعة المشروطة له ولو إلى الرجوع إلى بلده، بل يكفي فيه استطاعة أهل مكة. لاطلاق الآية، وكثير من الاخبار.. إلى آخر ما حكاه - قال: (إلا أن الجميع كما ترى مع عدم قصد التوطن ضرورة انسباق إرادة نوع الحج خاصة من الجمع، فيبقى عموم أدلة استطاعة النائي بحاله...). أقول: النزاع المذكور لا يتضح له وجه محصل، لان الفرق بين الاستطاعة من البلد والاستطاعة من مكة - أو الموضع القريب - من وجهين أحدهما: من حيث الابتداء. وقد تقدم أنه لا يعتبر في الاستطاعة أن تكون من البلد، فلو سافر اختيارا أو قهرا إلى الميقات، فاستطاع هناك استطاعة شرعية منه إلى مكة ثم إلى الرجوع إلى بلده وجب عليه الحج الاسلامي، وإن لم تكن له استطاعة من البلد، إما لفقد المال أو لغيره. وكذا لا تكفي في وجوب حج الاسلام إذا كان مستطيعا من البلد غير مستطيع من مكانه، وثانيهما: من حيث الانتهاء. وقد تقدم أيضا أنه إذا كان منصرفا عن الرجوع إلى بلده لا يعتبر في وجوب حج الاسلام الاستطاعة إليه، بل تكفي الاستطاعة إلى الموضع الذي يقصد الاقامة فيه بعد رجوعه من الحج ولو كان قريبا إلى مكة، وأنه لا تكفي الاستطاعة إلى البلد إذا كان رجوعه إلى بلده ضررا عليه أو حرجا، بل لابد من الاستطاعة إلى ذلك المكان.

===============

( 177 )

[ هذا ولو حصلت الاستطاعة بعد الاقامة في مكة لكن قبل مضي السنتين، فالظاهر أنه كما لو حصلت في بلده، فيجب عليه التمتع ولو بقيت إلى السنة الثالثة أو أزيد. فالمدار على حصولها بعد الانقلاب (1). وأما المكي إذا خرج إلى سائر الامصار مقيما بها، فلا يلحقه حكمها في تعين التمتع عليه (2). لعدم الدليل، وبطلان القياس. إلا إذا كانت الاقامة فيها بقصد التوطن، وحصلت الاستطاعة بعده، فانه يتعين عليه التمتع بمقتضى القاعدة ولو في السنة الاولى (3). وأما إذا كانت بقصد المجاورة، أو كانت الاستطاعة حاصلة في مكة فلا (4). نعم الظاهر دخوله حينئذ في المسألة السابقة، فعلى القول بالتخيير فيها - كما عن ] وبالجملة: لا تعتبر الاستطاعة من البلد، ولا الاستطاعة إلى البلد، بل تكفي الاستطاعة إلى الحج وما يتعلق به مما لابد منه، سواء أكان مستطيعا من البلد وإليه أم لم يكن. (1) ينبغي أن يكون الكلام هو الكلام فيما كانت الاستطاعة قبل الاقامة لكن في ظهور الاجماع على عدم انتقال الفرض تأملا. (2) كما نص على ذلك في المدارك والجواهر وغيرها، معللا بما ذكر في المتن. (3) لصدق النائي، فيشمله عموم الحكم. وفى الجواهر: (كما هو واضح). (4) أما في الصورة الاولى فلصدق كونه من حاضري المسجد الحرام.

===============

( 178 )

[ المشهور - يتخير، وعلى قول ابن أبي عقيل يتعين عليه وظيفة المكي (1). (مسألة 4): المقيم في مكة إذا وجب عليه التمتع - كما إذا كانت استطاعته في بلده، أو استطاع في مكة قبل انقلاب فرضه - فالواجب عليه الخروج إلى الميقات لاجرام عمرة التمتع (2). واختلفوا في تعيين ميقاته على أقوال: أحدها: أنه مهل أرضه (3). ذهب إليه جماعة (4)، بل ربما يسند إلى المشهور - كما في الحدائق - لخبر سماعة عن أبي الحسن (ع): " سألته عن المجاور، أله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال (ع): نعم، يخرج إلى مهل أرضه، فليلب إن شاء " (* 1). المعتضد بجملة من الاخبار الواردة في الجاهل والناسي الدالة على ذلك (* 2)، بدعوى: عدم خصوصية للجهل ] وأما في الثانية فلما سبق في نظيره في أول هذه المسألة. وقد عرفت دعوى ظهور الاجماع على كون العبرة بحال الاستطاعة. (1) هذا ينبغي أن يختص بالصورة الاولى. أما في الثانية فدخوله في تلك المسألة محل نظر، لاختصاصها بأهل مكة، فلا تشمل المقام. (2) بلا إشكال. (3) بضم الميم: اسم مكان الاهلال، على وزن اسم المفعول. (4) حكي عن الشيخ، وأبي الصلاح، وابن سعيد، والمحقق في النافع،


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب أقسام الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 14 من أبواب المواقيت.

===============

( 179 )

[ والنسيان، وأن ذلك لكونه مقتضى حكم التمتع (1). وبالاخبار الواردة في توقيت المواقيت وتخصيص كل قطر بواحد منها أو من مر عليها (* 1)، بعد دعوى: أن الرجوع إلى الميقات غير المرور عليه (2). ثانيها: أنه أحد المواقيت المخصوصة مخيرا بينها. واليه ذهب جماعة أخرى (3). لجملة أخرى من الاخبار (4) ] والعلامة في جملة من كتبه. (1) هذا وما بعده ذكرهما في الحدائق، وجعلهما مما يمكن الاستدلال به على هذا القول. والاشكال عليهما ظاهر (2) فلا يتوهم أنه إذا رجع إلى ميقات غير ميقاته فقد عبر عليه، ويجوز له الاحرام منه، كما استدل به في الحدائق للقول الثاني. وهو متين. وسيأتي من المصنف (ره) الموافقة له. (3) منهم الشهيد في الدروس، والشهيد الثاني في المسالك والروضة. ولعل منهم كل من أطلق الاحرام من الميقات، كالمحقق في الشرائع وغيره. (4) منها مرسل حريز، عمن أخبره، عن أبي جعفر (ع): (قال: من دخل مكة بحجة عن غيره ثم أقام سنة فهو مكي. وإن أراد أن يحج عن نفسه، أو أراد أن يعتمر - بعدما انصرف من عرفة - فليس له أن يحرم من مكة، ولكن يخرج إلى الوقت. وكلما حول رجع إلى الوقت) (* 2)، وموثق سماعة عن أبي عبد الله (ع) الآتي: أنه قال: (من حج معتمرا في شوال وفى نيته أن يعتمر ويرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك. وإن أقام إلى الحج فهو


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 9.

===============

( 180 )

[ مؤيدة بأخبار المواقيت، بدعوى: عدم استفادة خصوصية كل بقطر معين (1). ثالثها: أنه أدنى الحل. نقل عن الحلبي، وتبعه بعض متأخري المتأخرين (2). لجملة ثالثة من الاخبار (3). ] يتمتع، لان أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن اعتمر فيهن وأقام إلى الحج فهي متعة، ومن رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهي عمرة. وإذا اعتمر في شهر رمضان أو قبله وأقام إلى الحج فليس بمتمتع وأنما هو مجاور أفرد العمرة. فان هو أحب ان يتمتع - في أشهر الحج - بالعمره إلى الحج فليخرج منها حتى يتجاوز ذات عرق أو يتجاوز عسفان فيدخل متمتعا بالعمرة إلى الحج. فان هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فليلب منها) (* 1)، وخبر اسحاق بن عبد الله: (سألت ابا الحسن (ع) عن المقيم بمكة، يجرد الحج أو يتمتع مرة أخرى؟ قال (ع): يتمتع احب إلي، وليكن إحرامه من مسيرة ليلة أو ليلتين) (* 2). (1) هذه الدعوة في محلها. لكن لا على نحو تشمل المقام، بل تختص الاخبار المذكورة بالنائي العابر على الميقات إلى مكة. (2) وفى المدارك: أنه يحتمل قويا، وعن الكفاية: أنه استحسنه، وعن الاردبيلي: أنه استظهره. (3) منها: صحيح الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله (ع): لاهل مكة أن يتمتعوا؟ قال (ع): لا، ليس لاهل مكة أن يتمتعوا. قلت: والقاطنون بها؟


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب أقسام الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 4 من أبواب أقسام الحج حديث: 20.

===============

( 181 )

[ والاحوط الاول (1)، وإن كان الاقوى الثاني، لعدم فهم الخصوصية من خبر سماعة (2)، ] قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة. فان أقاموا شهرا فان لهم أن يتمتعوا. قلت: من أين؟ قال (ع): يخرجون من الحرم. قلت: من أين يهلون بالحج؟ قال (ع): من مكة نحوا مما يقول الناس) (* 1)، ورواية حماد: (سألت أبا عبد الله (ع) عن أهل مكة، أيتمتعون؟ قال (ع): ليس لهم متعة. قلت: فالقاطن بها؟ قال (ع): إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع صنع أهل مكة. قلت: فان مكث شهرا؟ قال (ع): يتمتع. قلت: من أين؟ قال (ع): يخرج من الحرم) (* 2)، وصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع): (من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة، أو الحديبية أو ما أشبههما) (* 3). (1) لان فيه جمعا بين الاقوال. (2) وفيه: أنها دعوى مجردة عن الدليل. ومثله دعوى: عدم ظهور الجملة الخبرية في الوجوب. فان المحقق في محله أنها إذا وردت في مقام الطلب فهي ظاهرة في الوجوب واستشكل في الرياض في الخبر بضعف السند بالمعلى بن محمد البصري. وضعف الدلالة من جهة أن قوله (ع): (إن شاء) ظاهر في عدم الوجوب. لكن ضعف السند - لو تم - منجبر بالعمل. وقوله (ع): (إن شاء) ظاهر في أنه راجع إلى التمتع، لا إلى الخروج. لان الظاهر


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 1.

===============

( 182 )

أن عدله: (وإن لم يشأ لم يخرج)، وذلك إنما يصح فيما يجوز فعله وتركه - وهو التمتع - لا فيما لا بد من فعله أو فعل غيره، كما في أحد أفراد الواجب، وهو الخروج. ولعله ظاهر بأقل تأمل. وعلى هذا يكون مقيدا لاطلاق المطلق من النصوص المستدل بها على القول الثاني، كمرسل حريز. لو تم حجة في نفسه، ولم يقدح في دلالته وروده في العمرة المفردة، التي لا إشكال في عدم لزوم الاحرام لها من الميقات. وأما موثق سماعة فالامر بالخروج فيه إلى ذات عرق أو عسفان لا بد من التصرف فيه، لعدم القائل به بالخصوص. فاما أن يحمل على أن ذكر عسفان وذات عرق من باب ذكر أحد أفراد الطبيعة المجزية. أو يحمل على أن المخاطب به كان من النائين الذين مهلهم ذات عرق أو عسفان. والثاني أقرب إلى الجمع العرفي. اللهم إلا أن يقال: عسفان ليست من المواقيت، لانها - كما قيل - على مرحلتين من مكة لمن قصد المدينة، بين مكة والجحفة. لكن على ذلك تكون الموثقة مخالفة للاجماع، فلا مجال للاعتماد عليها. وأما خبر اسحاق بن عبد الله: (من مسيرة ليلة أو ليلتين) فان أريد به ظاهره فمخالف للاجماع، وإن أريد به المواقيت المختلفة بالقرب والبعد فليس فيها ما هو مسيرة ليلة على ما ذكروه. فلاحظ كلماتهم في تعيين المواقيت. مع أنه كان اللازم أن يقال: أو ثلاث أو أكثر - على اختلاف المواقيت في المسافة - ولا وجه للاقتصار على الليلة والليلتين. على أن حملها على التقسيم حينئذ ممكن، جمعا بينها وبين خبر اسحاق - كما تقدم في الموثق - فتكون الليلة لمن كان ميقاته على مسيرة ليلة، والليلتان لمن كان ميقاته على مسيرة ليلتين، ومن كان ميقاته على أكثر من ذلك كان إحرامه منه.

===============

( 183 )

[ وأخبار الجاهل والناسي (1)، وأن ذكر المهل من باب أحد الافراد. ومنع خصوصية للمرور في الاخبار العامة الدالة على المواقيت. وأما أخبار القول الثالث - فمع ندرة العامل بها (2) - مقيدة بأخبار المواقيت (3). أو محمولة على صورة التعذر (4) ] (1) دعوى ذلك بلا قرينة، كما تقدم في خبر سماعة. ومثله ما بعده. (2) لما عرفت من أنه لم ينقل ذلك إلا عن الحلبي إلى زمان المحقق الاردبيلي فاستظهره: واستحسنه في الكفاية، ولم ينسب ذلك لغيرهم. (3) العمدة - في الاخبار المذكورة - هو الصحيحج. وجعله من قبيل المطلق - الصالح للتقيد بأخبار المواقيت - غير ظاهر، لاختلاف المورد - كما عرفت - فانها مختصة بأهل الآفاق، والصحيح مورده المقيم بمكة. نعم - بناء على ما عرفت من تمامية دلالة خبر سماعة الاول - يصلح لتقييد الصحيح، لاتحاد المورد. ومع ذلك هو بعيد، بل الجمع العرفي يقتضي الاخذ بظاهر الصحيح، وحمل الخبر على الاستحباب. (4) لا قرينة عليه، ولا الجمع العرفي يقتضيه. هذا والمتحصل مما ذكرنا: أن العمدة في القول الاول: خبر سماعة. ودلالته لا قصور فيها، وضعف سنده منجبر بالعمل، وما ذكر له من المعاضد غير ظاهر. وأن العمدة في القول الثاني: هو الاخبار، والمرسل منها - وإن كانت دلالته تامة - قاصر السند، والموثق - وإن كان معتبر الاسناد - قاصر الدلالة. وخبر اسحاق قاصر السند والدلالة. وأما القول الثالث فالعمدة فيه الصحيح فان لم يكن موهونا بالاعراض كان المتعين الاخذ به، وحمل خبر سماعة الاول على الاستحباب - كما هو الغالب في المتعارضين في الاقل والاكثر - وإن كان موهونا بالاعراض لم يصح الاعتماد عليه. لكن الاعراض غير

===============

( 184 )

[ ثم الظاهر أن ما ذكرنا حكم كل من كان في مكة وأراد الاتيان بالتمتع ولن مستحبا (1). هذا كله مع إمكان الرجوع إلى المواقيت، وأما إذا تعذر فيكفي الرجوع إلى أدنى الحل (2). بل الاحوط الرجوع إلى ما يتمكن من خارج الحرم مما هو دون الميقات. وإن لم ] ثابت، فرفع اليد عن الصحيح لا وجه له. (1) فان ظاهر أكثر النصوص، إما العموم، أو خصوص المستحب، وأما أهل مكة إذا أرادوا التمتع - استحبابا، أو وجوبا، بنذر أو نحوه - فمقتضى إطلاق ما دل على أن من كان منزله دون الميقات أحرم من منزله - بناء على عمومه لاهل مكة، كما سيأتي في الميقات السابع في مبحث المواقيت - أن يكون إحرامهم لعمرة التمتع من مكة. لكن الظاهر التسالم على خلافه. وقد يقتضي صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع): (من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر، أحرم من الجعرانة، أو الحديبية أو ما أشبههما قال: وإن رسول الله صلى الله عليه وآله اعتمر ثلاثا عمر متفرقات كلها من ذي القعدة...) (* 1): أن ميقاتهم أدنى الحل - بناء على عمومه لمطلق العمرة - كما هو الظاهر. ولا ينافيه قوله (ع): وإن رسول الله صلى الله عليه وآله...). لصحة الاستشهاد به وإن كان اعتماره صلى الله عليه وآله كان عمرة مفردة، كما سيأتي التعرض لذلك في آخر فصل المواقيت. (2) جعله في المدارك - وكذا ما بعده - مما قطع به الاصحاب. ويظهر من كلمات غيره أنه مفروغ عنه. وكأن الاحتياط - الذي ذكر في


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب المواقيت حديث: 1، 2.

===============

( 185 )

[ يتمكن من الخروج إلى أدنى الحل أحرم من موضعه. والاحوط الخروج إلى ما يتمكن. فصل صورة حج التمتع على الاجمال: أن يحرم - في أشهر الحج - من الميقات، بالعمرة المتمتع بها إلى الحج، ثم يدخل مكة، فيطوف فيها بالبيت سبعا، ويصلي ركعتين في المقام، ثم يسعى لها بين الصفا والمروة سبعا، ثم يطوف للنساء احتياطا - وإن كان الاصح عدم وجوبه (1) -، ويقصر. ثم ينشئ إحراما للحج من مكة في وقت يعلم أنه يدرك الوقوف بعرفة - والافضل ايقاعه يوم التروية - يم يمضي إلى عرفات فيقف ] المتن - للارتياب في ذلك. ولكن كان اللازم ذكر الاحتياط، بتجديد التلبية في أدنى الحل في الفرض الاول، وفى مكة في الثاني. فصل (1) بل قيل: لا خلاف فيه، أو إجتماعا عليه. ويشهد له كثير من النصوص الصحيحة وغيرها. منها: صحيح صفوان بن يحيى قال: (سأله أبو حارث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج، فطاف وسعى وقصر، هل عليه طواف النساء؟ قال (ع): لا. إنما طواف النساء بعد الرجوع من

===============

( 186 )

[ بها من الزوال إلى الغروب، ثم يفيض ويمضي منها إلى المشعر فيبيت فيه، ويقف به بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ثم يمضي إلى منى فيرمي جمرة العقبة، ثم ينحر أو يذبح هديه، ويأكل منه (1)، ثم يحلق أو يقصر، فيحل من كل شئ، إلا النساء والطيب. والاحوط اجتناب الصيد أيضا (2) وإن كان الاقوى عدم حرمته عليه من حيث الاحرام. ثم هو مخير بين أن يأتي إلى مكة ليومه، فيطوف طواف الحج، ويصلي ] منى) (* 1). وعن بعض وجوبه، ولم يعرف، كما قيل. لخبر سليمان ابن حفص المروزي عن الفقيه (ع) قال: (إذا حج الرجل، فدخل مكة متمتعا، فطاف بالبيت، وصلى ركعتين خلف مقام ابراهيم (ع)، وسعى بين الصفا والمروة. وقصر، فقد حل له كل شئ ما خلا النساء. لان عليه - لتحلة النساء - طوافا وصلاة) (* 2). (1) ويهدي بعضه، ويتصدق ببعضه، على الاحوط، كما يأتي في محله. (2) لما في صحيح معاوية (* 3)، فان ظاهره حرمة الصيد بعد الحلق كالطيب والنساء. وهو محمول على الحرمة من حيث الحرم لا الاحرام، لعموم ما دل على أنه يتحلل بالحلق من كل شئ إلا الطيب والنساء.


____________
(* 1) الوسائل باب: 82 من ابواب الطواف حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 82 من أبواب الطواف حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 13 من ابواب الحلق حديث: 1 لكنه انما يدل على حرمة الصيد بعد طواف النساء بعد ان يستثني بعد الحلق خصوص الطيب والنساء، فيمكن ان يدعى ان ذلك قرينة على ارادة الحرمة من حيث الحرم لا الاحرام بلا حاجة إلى العمومات الاخرى. ولعل المقصود رواية أخرى له لم نعثر عليها.

===============

( 187 )

[ ركعتيه، فتحل له النساء. ثم يعود إلى منى لرمي الجمار، فيبيت بها ليالي التشريق - وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر - ويرمي في أيامها الجمار الثلاث. وأن لا يأتي إلى مكة ليومه، بل يقيم بمنى حتى يرمي جماره الثلاث يوم الحادي عشر - ومثله يوم الثاني عشر - ثم ينفر بعد الزوال إذا كان قد اتقى النساء والصيد. وإن أقام إلى النفر الثاني - وهو الثالث عشر - ولو قبل الزوال - لكن بعد الرمي - جاز أيضا. ثم عاد إلى مكة للطوافين والسعي، ولا إثم عليه في شئ من ذلك، على الاصح (1). كما أن الاصح الاجتزاء ] (1) يقتضيه ما تضمن نفي البأس عن التأخير، كمصحح اسحاق بن عمار قال: (سألت أبا إبراهيم (ع) عن زيارة البيت تؤخر إلى اليوم الثالث؟ قال (ع): تعجيلها أحب إلي. وليس به بأس إن أخره) (* 1)، وصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): (لا بأس أن تؤخر زيارة البيت إلى يوم النفر، إنما يستحق تعجيل ذلك مخافة الاحداث والمعاريض) (* 2) ونحوهما غيرهما. وعن جماعة: المنع من التأخير، لصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع): (سألته عن المتمتع متى يزور البيت؟ قال (ع): يوم النحر) (* 3)، وصحيح منصور بن حازم: (سمعت أبا عبد الله (ع)


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب زيارة البيت حديث: 10. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب زيارة البيت حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب زيارة البيت حديث: 5.

===============

( 188 )

[ بالطواف والسعي تمام ذي الحجة (1). والافضل الاحوط هو اختيار الاول، بأن يمضي إلى مكة يوم النحر، بل لا ينبغي التأخير لغده - فضلا عن أيام التشريق - إلا لعذر. ويشترط في حج التمتع أمور: أحدها: النية - بمعنى: قصد الاتيان بهذا النوع من ] يقول: لا يبيت المتمتع يوم النحر بمنى حتى يزور البيت) (* 1). ونحوهما غيرهما والجمع العرفي يقتضي حمل هذه النصوص على كراهة التأخير، أو استحباب التقديم، كما هو ظاهر. (1) أما الاول فتقتضيه جملة من النصوص، مثل صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): (سألته عن رجل نسي أن يزور البيت حتى أصبح. قال (ع): لا بأس. أنا ربما أخرته حتى تذهب أيام التشريق) (* 2)، وصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع): (لا بأس إن أخرت زيارة البيت إلى أن يذهب أيام التشريق، إلا أنك لا تقرب النساء، ولا الطيب) (* 3). قال في الذخيرة: (واختلف الاصحاب في جواز التأخير عن الغد للمتمتع اختيارا، فذهب المفيد والمرتضى وسلار والمحقق - في موضع من الشرائع - إلى عدم الجواز، واختاره المصنف، وأسنده في المنتهى إلى علمائنا. وقال ابن ادريس: يجوز التأخير طول ذي الحجة. وهو الظاهر من كلام الشيخ في الاستبصار) واختاره المصنف في المختلف، ونسب إلى سائر المتأخرين. وعن ابن أبي عقيل: يكره للمتمتع تأخيره يوم النحر.


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب زيارة البيت حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب زيارة البيت حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب زيارة البيت حديث: 3.

===============

( 189 )

[ الحج - حين الشروع في إحرام العمرة (1)، فلو لم ينوه، أو نوى غيره، أو تردد في نيته بينه وبين غيره لم يصح. ] وذهب المحقق - في موضع من الشرائع - إلى جواز تأخيره إلى النفر الثاني. والاقرب جواز تأخيره إلى النفر الثاني. والقول بجوازه طول ذي الحجة غير بعيد). وأما جواز التأخير إلى آخر ذي الحجة، فالظاهر الاجماع عليه على تقدير القول بجواز التأخير إلى ما بعد أيام التشريق. وقد استدل في الذخيرة عليه بقوله تعالى: (الحج أشهر معلومات...) (* 1). وقد سبق أن شهر ذي الحجة كله من أشهر الحج، فيجوز إيقاع أفعال الحج فيه... أقول: يمكن الاستدلال عليه باطلاق ما دل على جواز التأخير إلى ما بعد أيام التشريق، فانه يقتضي جواز التأخير حتى بعد ذي الحجة. لكنه خارج بالاجماع. وتحقيق ذلك كله موكول إلى محله. (1) قال في المسالك: (قد تكرر ذكر النية هنا في كلامهم. وظاهرهم أن المراد بها نية الحج بجملته. وفى وجوبها كذلك نظر). ووجه النظر: ما أشار إليه في المدارك، من أن مقتضاه أنه يجب الجمع بين هذه النية وبين نية كل فعل من أفعال الحج على حدة. وهو غير واضح، والاخبار خالية عن ذلك كله... وعن الدروس: أن المراد بها نية الاحرام. وفى المسالك: (وهو حسن، إلا أنه كالمستغنى عنه، فانه من جمله الافعال، وكما تجب النية له تجب لغيره، ولم يتعرضوا لها في غيره على الخصوص...). أقول: أما ما ذكر في الدروس فبعيد عن ظاهر كلامهم، فان


____________
(* 1) البقرة: 197.

===============

( 190 )

[ نعم في جملة من الاخبار: أنه لو أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز أن يتمتع بها (1). بل يستحب ذلك إذا بقي في مكة إلى ] الشروط المذكورة شروط لحج التمتع، فالمتعين أن يكون المراد بها نية نفس الحج كما في المتن، وهو ظاهر كلماتهم. وأما ما ذكر في المسالك من النظر ففيه أيضا نظر، إذ لا مانع من أن يكون كل واحد من أفعال الحج عبادة محتاجة إلى نية، والمجموع عبادة محتاجة إلى نية. وبالجملة: لا ينبغي التأمل في أن الجزء الاول من حج التمتع هو الاحرام للعمرة بها، فوقوعه بعنوان حج التمتع يتوقف على نية حج التمتع، فان كان إشكال لزوم الجمع بين النيتين واردا كان إشكالا على اعتبار النية في كل فعل من الافعال، لا اعتبار نية الحج. ويشهد بما ذكر النصوص، ففي صحيح البزنطي: (قلت لابي الحسن على بن موسى (ع): كيف أصنع إذا أردت التمتع؟ فقال (ع): لب بالحج، وانو المتعة) (* 1)، وصحيحه الآخر عن أبي الحسن (ع): (سألته عن رجل متمتع، كيف يصنع؟ قال (ع): ينوي العمرة ويحرم بالحج) (* 2). ونحوهما غيرهما. (1) في الجواهر: (بلا خلاف أجده، بل الاجماع محكي - صريحا وظاهرا - عليه في جملة من الكتب، كالخلاف، والمعتبر، والمنتهى، وغيرها). واستفادة المشروعية من النصوص من جهة حملها على ذلك، وإلا فظاهرها الانقلاب كما سيأتي. نعم في مرسل موسى بن القاسم - الآتي - الامر به، ودلالته على المشروعية ظاهرة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب الاحرام حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب الاحرام حديث: 1.

===============

( 191 )

[ هلال ذي الحجة (1)، ويتأكد إذا بقي إلى يوم التروية (2)، بل عن القاضي وجوبه حينئذ. ولكن الظاهر تحقق الاجماع على خلافه (3). ففي موثق سماعة عن الصادق (ع): " من ] (1) ظاهر جماعة ثبوت الاستحباب قبل ذلك. قال في القواعد: (ولو اعتمر في أشهر الحج استحب له الاقامة ليحج ويجعلها متعة...). ونحوه كلام غيره. وفى الشرائع عبر بالجواز، كعبارة المصنف. ولعل المراد ذلك، إذ لا معنى لجواز ذلك إلا الاتيان بالحج بعد العمرة، ولا ريب في أنه عبادة راجحة. نعم يتأكد ذلك إذا بقي إلى هلال ذي الحجة لما يأتي في صحيح عمر بن يزيد. (2) لما يأتي في صحيح عمر بن يزيد الاخير. (3) وفى الجواهر: (إنه قول نادر، فالمتجه حمله على الكراهة). والعمدة: وجود النصوص على خلافه، ففي الصحيح عن ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله (ع): (أنه سئل عن رجل خرج في أشهر الحج معتمرا ثم خرج إلى بلاده؟ قال (ع): لا بأس. وإن حج من عامه ذلك وأفراد الحج فليس عليه دم. وإن الحسين بن علي (ع) خرج يوم التروية إلى العراق وكان معتمرا) (* 1) وفى خبر معاوية بن عمار: قلت لابي عبد الله (ع): من أين يفترق المتمتع والمعتمر؟ فقال (ع): إن المتمتع مرتبط بالحج) والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء. وقد اعتمر الحسين (ع) في ذي الحجة، ثم راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى. ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج) (* 2). ودلالتهما


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب العمرة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب العمرة حديث: 3.

===============

( 192 )

[ حج معتمرا في شوال ومن نيته أن يعتمر، ورجع إلى بلاده فلا بأس بذلك. وإن هو أقام إلى الحج فهو متمتع، لان أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذي الحجة. فمن اعتمر فيهن فأقام إلى الحج فهي متعة، ومن رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهي عمرة. وان اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع، وإنما هو مجاور أفرد العمرة، فإن هو أحب أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج، فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يتجاوز عسفان، فيدخل متمتعا بعمرته إلى الحج. فان هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها " (1). وفي صحيحة عمر بن يزيد عن ] على عدم لزوم التمتع ظاهرة. واحتمال الضرورة في فعل الحسين (ع) - كما في كشف اللثام، وحكاه في الدروس عن بعض - خلاف ظاهر الخبرين من الاستدلال بفعله (ع) على الحكم حال الاختيار، فلو فرض ثبوت الاضطرار - كما هو المظنون، وتشهد به بعض الاخبار - فليس دخيلا في الحكم. وأما ما في بعض كتب المقاتل: من أنه (ع) جعل عمرته عمرة مفردة، مما يظهر منه أنها كانت عمرة تمتع وعدل بها إلى الافراد. فليس مما يصح التعويل عليه في مقابل الاخبار المذكورة التي رواها أهل الحديث. (1) رواه الصدوق (ره) باسناده عن سماعة (* 1). واسناده صحيح، أو مصحح.


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب العمرة حديث: 13.

===============

( 193 )

[ أبي عبد الله (ع): " من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله. الا أن يدركه خروج الناس يوم التروية " (1). وفي قوية عنه (ع): " من دخل مكة معتمرا مفردا للحج فيقضي عمرته كان له ذلك. وإن اقام إلى أن يدركه الحج كانت عمرته متعة. قال (ع): وليس تكون متعة إلا في أشهر الحج " (2). وفي صحيحة عنه (ع): " من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة، فليس له أن يخرج حتى يحج من الناس " (3). وفي مرسل موسى بن القاسم: " من اعتمر في أشهر الحج فليتمتع " (* 1) إلى غير ذلك من الاخبار (4) ] (1) رواها الصدوق باسناده عن عمر بن يزيد (* 2). واسناده إليه له طرق، بعضها في أعلى مراتب الصحة. (2) رواها الشيخ (ره) عن موسى بن القاسم، عن محمد بن عذافر عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله (ع) (* 3). (3) رواها الشيخ عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن الحسين بن حماد، عن اسحاق، عن عمر بن يزيد (* 4). وقد وصف المصنف (ره) هذه الرواية بالصحة. وكذا في الجواهر. ولكنه غير ظاهر. (4) مثل صحيح يعقوب بن شعيب قال: (سألت أبا عبد الله (ع):


____________
(* 1) لم نعثر عليه في الوسائل والمستدرك. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب العمرة حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب العمرة حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 7 من أبواب العمرة حديث: 6.

===============

( 194 )

[ وقد عمل بها جماعة، بل في الجواهر: لا أجد فيه خلافا. أو مقتضاها صحة التمتع مع عدم قصده حين اتيان العمرة، بل الظاهر من بعضها: أنه يصير تمتعا قهرا من غير حاجة إلى نية التمتع بها بعدها (1)، بل يمكن أن يستفاد منها: ] عن المعتمر في أشهر الحج. قال (ع): هي متعة) (* 1)، وخبر وهيب بن حفص قال: (سأله أبو بصير - وأنا حاضر - عمن أهل بالعمرة في أشهر الحج، أله أن يرجع؟ قال (ع): ليس في أشهر الحج عمرة يرجع منها إلى أهله، ولكنه يحتبس بمكة متى يقضي حجه، لانه إنما أحرم لذلك) (* 2)، وصحيح عبد الله بن سنان: (أنه سأل أبا عبد الله (ع): عن المملوك يكون في الظهر يرعى، وهو يرضى أن يعتمر ثم يخرج؟ فقال: إن كان اعتمر في ذي القعدة فحسن، وإن كان في ذي الحجة فلا يصلح إلا الحج) (* 3)، وغير ذلك. (1) لا ريب في دلالة قوله (ع): (هي متعة) ونحوه - في النصوص المتقدمة وغيرها - على الانقلاب القهري. واعترف بذلك في الجواهر، إلا أنه لم يجد قائلا به، فلذلك تعين حمل النصوص على إرادة نية ذلك. مضافا إلى أن الانقلاب لو كان قهريا كان الاتمام واجبا ولم يجز الخروج إلى أهله، وهو خلاف النص والفتوى. وأيضا لا يصح له حج الافراد، وهو خلاف صريح خبر اليماني (* 4).


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب العمرة حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب العمرة حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب العمرة حديث: 11. (* 4) الوسائل باب: 7 من أبواب العمرة حديث: 2. وقد تقدم ذكر الرواية قريبا فلاحظ.

===============

( 195 )

[ أن التمتع هو الحج عقيب عمرة وقعت في أشهر الحج، بأي نحو أتى بها. ولا بأس بالعمل بها (1). لكن القدر المتيقن منها هو الحج الندبي (2)، ففيما إذا وجب عليه التمتع فأتى بعمرة مفردة ثم أراد أن يجعلها عمرة التمتع، يشكل الاجتزاء بذلك عما وجب عليه، سواء كان حجة الاسلام، أو غيرها مما وجب بالنذر أو الاستيجار. الثاني: أن يكون مجموع عمرته وحجه في أشهر الحج فلو أتى بعمرته - أو بعضها - في غيرها لم يجز له أن يتمتع بها (3). وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بتمامه ] (1) لكن ينافيها ما تقدم في الخبر اليماني. مضافا إلى ما عرفت من الاجماع على اعتبار النية في حج التمتع في مقابل غيره. ويقتضيه اختلاف الاحكام الدال على اختلاف الموضوعات. (2) فان النصوص إنما تضمنت الامر بجعل العمرة المفردة متعة وإلحاقها بحج التمتع، وليس لها نظر إلى تنزيله منزلة حج التمتع الواجب وكونه مصداقا له مطلقا، فتفرغ به الذمة. وحينئذ يتعين الاقتصار على الندب لا غير. وبالجملة: الفرد المذكور لما لم يكن فردا حقيقيا وإنما كان تنزيليا، فشموله للواجب يتوقف على عموم نظر التنزيل، وهو غير ثابت. (3) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، كذا في الجواهر. وفى المدارك: (هذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب...)، وفى الحدائق: (لا خلاف فيه بينهم...). ويقتضيه النصوص الكثيرة، كصحيح عمر بن يزيد المتقدم، وموثق سماعة، وغيرهما.

===============

( 196 )

[ على الاصح (1). لظاهر الآية (2)، وجملة من الاخبار، كصحيحة معاوية بن عمار (3)، وموثقة سماعة (4)، وخبر زرارة (5). فالقول بأنها الشهران الاولان مع العشر الاول ] (1) كما في الشرائع وغيرها، وحكي عن الشيخين في الاركان والنهاية وابني الجنيد وادريس، والقاضي في شرح الجمل. (2) وهي قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات...) (* 1). فان الشهر ظاهر في تمامه. (3) رواها الشيخ باسناده عن موسى بن القاسم، عن صفوان، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): إن الله تعالى يقول: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج...)، وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة) (* 2). (4) المتقدمة في المتن (* 3). (5) الذى رواه الكليني عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصير، عن مثنى الحناط، عن زرارة، عن أبي جعفر (ع): (قال (ع) الحج أشهر معلومات: شوال، وذو القعدة وذو الحجة، ليس لاحد أن يحرم بالحج في سواهن) (* 4)، وصحيح أبان الذي رواه الصدوق عنه عن أبي جعفر (ع): (في قول الله عزوجل: (الحج أشهر معلومات...). قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة


____________
(* 1) البقرة: 197. (* 2) الوسائل باب: 11 من أبواب أقسام الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب العمرة حديث: 13. وقد تقدم ذلك قريبا فلاحظ (* 4) الوسائل باب: 11 من أبواب أقسام الحج حديث: 5.

===============

( 197 )

[ من ذي الحجة - كما عن بعض (1) - أو مع ثمانية أيام - كما عن آخر (2) - أو مع تسعة أيام وليلة يوم النحر إلى طلوع فجره - كما عن ثالث (3) - أو إلى طلوع شمسه - كما عن رابع (4) - ضعيف (5). على أن الظاهر أن النزاع لفظي (6)، فانه لا إشكال في جواز إتيان بعض الاعمال إلى آخر ذي الحجة ] وليس لاحد أن يحرم بالحج فيما سواهن) (* 1). ونحوها غيرها. (1) حكى في الجواهر ذلك عن الحسن والتبيان والجواهر وروض الجنان. (2) حكي عن ابن زهرة في الغنية، لانه جعلها الشهرين وتسع ليال فيخرج التاسع. وعن الكافي: وثمان ليال، فيخرج الثامن. (3) حكي عن المبسوط والخلاف، والوسيلة، والجامع. ونسب إلى ظاهر جمل العلم والعمل، والمصباح، ومختصره، ومجمع البيان، ومتشابه القرآن. لانه عبر فيها بأنها الشهران، وعشر من ذي الحجة بالتأنيث، الظاهر في أن المراد الليالي، فيخرج اليوم العاشر. (4) قيل: إنه ابن ادريس في موضع. (5) لما عرفت من النصوص. هذا بناء على أن النزاع معنوي. (6) كما اعترف به جماعة. قال في محكي المنتهى: (وليس يتعلق بهذا الخلاف حكم...)، وعن المختلف: (التحقيق: أن هذا النزاع لفظي...). ومثلهما كلام غيرهما. وفى الجواهر: (الظاهر لفظية الاختلاف في ذلك - كما اعترف به غير واحد - للاتفاق على أن الاحرام بالحج لا يتأتى بعد عاشر ذي الحجة - وكذا عمرة التمتع - وعلى إجزاء الهدي وبدله طول ذي الحجة وأفعال أيام منى ولياليها...).


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب أقسام الحج حديث: 8.

===============

( 198 )

[ فيمكن أن يكون مرادهم: أن هذه الاوقات هي آخر الاوقات التي يمكن بها إدراك الحج (1). (مسألة 1): إذا أتى بالعمرة قبل أشهر الحج قاصدا بها التمتع فقد عرفت عدم صحتها تمتعا. لكن هل تصح مفردة، أو تبطل من الاصل؟ قولان. اختار الثاني في المدارك، أن ما نواه لم يقع، والمفردة لم ينوها (2). وبعض اختار الاول، لخبر الاحول عن أبي عبد الله (ع): " في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج. قال: يجعلها عمرة " (* 1). ] (1) يعني: إنشاءه، فلا يمكن الشروع فيه إذا انتهت. نعم يبقى الاشكال في جعل الثمان ليالي، أو التسع والثمانية أيام، أو التسعة أيام وليلة يوم النحر، آخر الوقت، لعدم صحة ذلك. (2) قال في المدارك - في شرح قول ماتنه: (ولو أحرم بالعمرة المتمتع بها في غير أشهر الحج لم يجز التمتع بها...) -: (وربما لاح من العبارة: أن من أحرم بالعمرة بها في غير أشهر الحج تقع عمرته صحيحه لكن لا يتمتع بها. وبه جزم العلامة في التذكرة والمنتهى، من غير نقل خلاف. بل صرح في المنتهى بما هو أبلغ من ذلك، فقال: (إن من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد احرامه للحج، وانعقد للعمرة). واستدل له بما رواه ابن بابويه عن أبي جعفر الاحول...). ثم احتمل حمل قوله (ع): (يجعلها عمره)، على معنى: أنه ينشئ عمرة لا أن يكون عمرة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب أقسام الحج حديث: 7.

===============

( 199 )

[ وقد يستشعر ذلك من خبر سعيد الاعرج (1): " قال أبو عبد الله (ع): من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة. وإن تمتع في غير أشهر الحج ثم جاوز حتى يحضر الحج فليس عليه دم، إنما هي حجة مفردة. إنما الاضحى على أهل الامصار " (* 1). ومقتضى القاعدة وإن كان هو ما ذكره صاحب المدارك، لكن لا بأس بما ذكره ذلك البعض، للخبرين. الثالث: أن يكون الحج والعمرة في سنة واحدة، كما هو مشهور، المدعى عليه الاجماع (2). لانه المتبادر من ] (1) قال في الجواهر - بعد نقل ما في المدارك، وأنه تبعه عليه في كشف اللثام، وتردد فيه في التحرير -: (وفيه: أنه لا ريب في البطلان بمقتضى القواعد العامة. لكن لا بأس بالقول به، للخبر المزبور، مؤيدا بخبر سعيد الاعرج...). أقول: أما خبر الاحول فالمفروض فيه الحج في غير أشهر الحج، لا العمرة. ولا ينافيه تأنيث الضمير في قوله (ع): (فليجعلها عمرة)، لجواز رجوعه إلى الحجة، فلا يكون مما نحن فيه. اللهم إلا أن يتعدى عن مورده إلى ما نحن فيه. وأما خبر الاعرج فدلالته على انقلاب عمرة التمتع إلى العمرة المفردة ظاهرة، لكن من جهة عدم وجوب حج التمتع على المجاور، لا من جهة وقوعها في غير أشهر الحج، فيكون منافيا للنصوص والاجماعات السابقة. (2) في المدارك: (لا خلاف فيه بين العلماء...). ونحوه:


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب أقسام الحج حديث: 1.

===============

( 200 )

[ الاخبار المبنية لكيفية حج التمتع (1) (* 1). ولقاعدة توقيفية العبادات (2). وللاخبار الدالة على دخول العمرة في الحج وارتباطها به (3)، (* 2) والدالة على عدم جواز الخروج من مكة بعد العمرة قبل الاتيان بالحج (4). (* 3) بل وما دل من الاخبار على ذهاب المتعة بزوال يوم التروية، أو يوم عرفة (* 4) ونحوها (5). ولا ينافيها خبر سعيد الاعرج المتقدم، ] ما عن المفاتيح. وعن غيره: (بلا خلاف يعلم...)، وفى كشف اللثام: حكاية الاتفاق عن ظاهر التذكرة عليه. (1) لكن في كون التبادر المذكور على نحو يقتضي التقييد تأملا. (2) لكن القاعدة المذكورة لا تقتضي وجوب الاحتياط، كما هو معلوم من بنائهم على الرجوع إلى أصل البراءة عند الشك في الجزء والشرط. (3) لكن في كون المراد منه وقوعهما في سنة واحدة تأمل. (4) لكنه أعم من المدعى. (5) ستأتي هذه النصوص في المسألة الثالثة من هذا الفصل. وهي واردة في العدول عن عمرة التمتع إلى الافراد لضيق الوقت، لا في أن من أتم عمرته وضاق وقته عن ادراك الحج بطلت متعته. ولذلك قال في كشف اللثام - بعد الاستدلال بالادلة المذكورة عدا الاخير: (دلالة المجموع ظاهرة الضعف...). وفى المستند أيضا استضعف دليلية ما عدا الاخير، وجعل الدليل الاخير. وفيه: ما عرفت. لكن الانصاف أنها


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب أقسام الحج. (* 2)، (* 3) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج. (* 4) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج.

===============

( 201 )

[ بدعوى: أن المراد من القابل فيه: العام المقابل (1)، فيدل على جواز إيقاع العمرة في سنة والحج في أخرى، لمنع ذلك بل المراد منه الشهر القابل (2). على أنه لمعارضة الادلة السابقة غير قابل. وعلى هذا فلو أتى بالعمرة في عام وأخر الحج إلى العام الآخر لم يصح تمتعا. سواء أقام في مكة إلى العام القابل، أو رجع إلى أهله ثم عاد إليها. وسواء أحل من إحرام عمرته، أو بقي عليه إلى السنة الاخرى. ولا وجه لما عن الدروس من احتمال الصحة في هذه الصورة (3). ثم المراد من كونهما في سنة واحدة: أن يكونا معا في أشهر الحج من سنة واحدة، لا أن لا يكون بينهما أزيد من اثني عشر ] وإن وردت عليها المناقشات، لكن يستفاد من المجموع - ومن ظهور الاجماع - الحكم المذكور. (1) يعني يكون المراد من قوله (ع): (فعليه شاة) أن حجه تمتع، والمراد من الشاة الهدي. (2) وحينئذ يكون المقصود أن حجه تمتع، لان إقامته بعد العمرة شهرا لا يخرجه عن كونه من أهل الامصار، بخلاف ما إذا أقام أكثر من ذلك - كما في الصورة الثانية - فانه لا يكون من أهل الامصار. وهذا أيضا مخالف للنصوص والفتاوى - كما تقدم - فالاشكال على الخبر - من جهة المخالفة للنصوص والفتوى - وارد على كل حال. والحمل على الشهر لا قرينة عليه توجب الخروج عن الظاهر. (3) قال في الدروس: (لو أتى بالحج في السنة القابلة فليس بمتمتع.

===============

( 202 )

[ شهرا. وحينئذ فلا يصح - أيضا - لو أتى بعمرة التمتع في أواخر ذي الحجة من العام القابل. الرابع: أن يكون إحرام حجه من بطن مكة، مع الاختيار (1). للاجماع، والاخبار (2) ] نعم لو بقى على احرامه بالعمرة من غير إتمام الافعال إلى القابل احتمل الاجزاء). هذا ولا يخفى أنه لا يظهر الفرق بين هذه الصورة وغيرها. إلا أن في هذه الصورة تكون العمرة والحج في سنة واحدة، وإن لم يكن الشروع فيها في سنة الحج. لكن هذا المقدار لا يوجب الفرق بينها في مقتضى الادلة المذكورة، ولا في المخالفة للارتكازيات الشرعية. (1) نسبه في المدارك إلى إجماع العلماء، وكذا حكي عن المفاتيح وشرحها وغيرها. لكن يظهر من قول المحقق في الشرائع: (ولو أحرم بحج التمتع من غير مكة لم يجزه - ولو دخل مكة - على الاشبه - وقوع الخلاف فيه. لكن لم يعرف المخالف، ولم يعرف ذلك لغيره. (2) استدل له بصحيحة عمرو بن حريث الصيرفي الآتية (* 1). ودلالتها على خصوص مكة لا تخلو من خفاء. وبصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا كان يوم التروية - إن شاء الله تعالى - فاغتسل، ثم البس ثوبيك، وادخل المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم (ع) أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس، فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة، فاحرم بالحج) (* 2). ونحوها غيرها. لكن لاشتمالها على


____________
(* 1) سيأتي ذكر الرواية من المصنف (قده) قريبا. (* 2) الوسائل باب: 52 من ابواب الاحرام حديث: 1.

===============

( 203 )

[ وما في خبر اسحاق (1) عن أبي الحسن (ع)، من قوله (ع): " كان أبي مجاورا هاهنا، فخرج يتلقى بعض هؤلاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج، ودخل وهو محرم بالحج " حيث أنه ربما يستفاد منه جواز الاحرام بالحج من غير مكة، محمول على محامل (2)، أحسنها: أن ] المستحبات لا مجال لدلالتها على الوجوب. وصحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله (ع): لاهل مكة أن يتمتعوا؟ قال (ع): لا. قلت: فالقاطنين بها؟ قال (ع): إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما صنع أهل مكة. فإذا أقاموا شهرا فان لهم أن يتمتعوا. قلت: من أين؟ قال (ع): يخرجون من الحرم. قلت: من أين يهلون بالحج؟ فقال (ع): من مكة نحوا مما يقول الناس) (* 1). ونحوها خبر حماد (* 2). وقد تقدما في حكم المقيم بمكة سنتين. لكن ذيلها ربما يوجب الاشكال في دلالتها. (1) رواه عنه صفوان بطريق صحيح قال: (سألت أبا الحسن (ع) عن المتمتع يجئ فيقضي متعته، ثم تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق، أو إلى بعض المعادن. قال (ع): يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لان لكل شهر عمرة) وهو مرتهن بالحج. قلت: فان دخل في الشهر الذي خرج فيه؟ قال (ع): كان أبي مجاورا هاهنا، فخرج يتلقى بعض هؤلاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج، ودخل وهو محرم بالحج) (* 3). (2) منها: أنه (ع) أحرم مفردا لا متمتعا. ومنها: الحمل على


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 8.

===============

( 204 )

[ المراد بالحج عمرته، حيث أنها أول أعماله (1). نعم يكفي أي موضع منها كان ولو في سككها. للاجماع، وخبر عمرو ابن حريث عن الصادق (ع): " من أين أهل بالحج؟ فقال: إن شئت من رحلك، وإن شئت من المسجد، وإن شئت من الطريق " (* 1). وأفضل مواضعها المسجد (2)، وأفضل مواضعه المقام، أو الحجر (3). ] التقية: ومنها أنه يحرم - في مورد السؤال - وجوبا أو استحبابا، ثم يجدده بمكة. ولكن الحمل على التقية في فعل الصادق (ع) خلاف نقل الكاظم (ع). ولا سيما مع تعبيره عن المخالفين ب‍: (بعض هؤلاء) الظاهر في التوهين. وأما الحمل على الافراد فلا يناسب الجواب عن السؤال عن المتمتع. وأما الحمل على التجديد فبعيد عن اطلاق الحكم في الجواب. (1) فيه تأمل، فان الرواية كالصريحة في أن الاحرام كان بالحج مقابل العمرة. ولا سيما بقرينة التعليل: بأن لكل شهر عمرة. فتعيين الاسهل من هذه المحامل صعب جدا. ولو أمكن تخصيص الادلة الاول بهذا وإخراج مورده منها كان هو المتعين. (2) اتفاقا، كما في المدارك، وعن الحدائق وغيرها. (3) مخيرا بينهما. حكي عن الهداية، والفقيه، والنافع، والمدارك، لصحيح معاوية بن عمار المتقدم (* 2). وعن النافع والغنية والجامع والتحرير والمنتهى والتذكرة والدروس وموضع من القواعد: التخيير بين المقام وتحت الميزاب. وفى الشرائع: الاقتصار على المقام، ومثله جملة من الكتب.


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب المواقيت حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 52 من ابواب الاحرام حديث: 1. وقد تقدم ذكر الرواية قريبا.

===============

( 205 )

[ وقد يقال: أو تحت الميزاب (1). ولو تعذر الاحرام من مكة أحرم ما يتمكن (2). ولو أحرم من غيرها اختيارا متعمدا بطل إحرامه، ولو لم يتداركه بطل حجه. ولا يكفيه العود إليها بدون التجديد، بل يجب أن يجدده، لان إحرامه من غيرها كالعدم. ولو أحرم من غيرها - جهلا، أو نسيانا - وجب العود إليها والتجديد مع الامكان، ومع عدمه جدده في مكانه (3). ] وفى الارشاد: الاقتصار على ما تحت الميزاب. (1) لا يخفى أن ما تحت الميزاب بعض من الحجر. فلا معنى للتخيير بينه وبينه. فالمراد التخيير بين المقام وما تحت الميزاب - كما تقدم عن الجماعة - فهو عدل للمقام بدلا عن الحجر. (2) لصحيحة علي بن جعفر (ع) عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: (سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكره وهو بعرفات) ما حاله؟ قال: يقول: اللهم على كتابك وسنة نبيك) فقد تم إحرامه. فان جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده، إن كان قضى مناسكه كلها فقد تم حجه) (* 1). وموردها وإن كان خصوص الناسي، لكن المفهوم منه مطلق العذر. مضافا إلى الاجماع. (3) اختاره في الشرائع وغيرها. وعن الشيخ في الخلاف: الاجتزاء باحرامه الاول. قال في كشف اللثام: (للاصل. ومساواة ما فعله لما يستأنفه في الكون من غير مكة، وفى العذر، لان النسيان عذر. وهو


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب المواقيت حديث: 8.

===============

( 206 )

[ الخامس: ربما: يقال: إنه يشترط فيه أن يكون مجموع عمرته وحجه من واحد، وعن واحد (1). فلو استؤجر اثنان ] الاقوى، وخيرة التذكرة). وأشكل عليه في الجواهر: بأن الاصل يقتضي الفساد، لا الصحة. وأما دعوى المساواة فلا ريب أنها قياس. والمصحح للاحرام المستأنف إنما هو الاجماع على الصحة معه، وليس النسيان مصححا له حتى يتعدى به إلى غيره، وإنما هو عذر في عدم وجوب العود وهو لا يوجب الاجتزاء بالاحرام معه حيث ما وقع، بل إنما يوجب الرجوع إلى الدليل، وليس هو سوى الاتفاق، ولم ينعقد إلا على الاحرام المستأنف... أقول: إذا كان الواجب هو الاحرام بمعنى المسبب - أعني: الاثر الخاص - فالشك في الشرط شك في الفراغ، والمرجع: أصالة الفساد. وإن كان الواجب هو السبب فالشك في الشرط شك في الوجوب، والمرجع أصالة البراءة. هذا إذا لم يكن إطلاق يدل على الشرطية في حال النسيان وإلا كان هو المرجع، ولا مجال للرجوع إلى الاصل. وقد عرفت الاشكال في دلالة النصوص على شرط الاحرام من مكة، وأن العمدة هو الاجماع. وعلى تقدير تمامية الاطلاق فما دل على عذر الناسي إنما دل على مجرد العذر في الترك، لا صحة الاحرام، فالبناء على الصحة يحتاج إلى الدليل، وهو مفقود، كما ذكر في الجواهر. (1) حكاه في الجواهر عن بعض الشافعية، وذكر: أن ظاهر الاصحاب عدم اشتراط أمر آخر غير الشرائط الاربعة المتقدمة، وهو كون الحج والعمرة عن شخص واحد، فلو كان الحج عن شخص والعمرة عن آخر لم يصح. فيمكن أن يكون ذلك منهم اتكالا على معلومية كون

===============

( 207 )

[ لحج التمتع عن ميت أحدهما لعمرته والآخر لحجه لم يجزئ عنه. وكذا لو حج شخص، وجعل عمرته عن شخص، وحجه عن آخر لم يصح. ولكنه محل تأمل، بل ربما يظهر من خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) صحة الثاني (1)، حيث قال: " سألته عن رجل يحج عن أبيه، أيتمتع؟ قال: ] التمتع عملا واحدا عندهم، ولا وجه لتبعيض العمل الواحد. ويمكن أن لا يكون شرطا عندهم، لعدم الدليل على الوحدة المزبورة... أقول: لا ريب في ظهور النصوص في كون عمره التمتع وحجه من قبيل العمل الواحد، فلا بد من وقوعهما عن شخص واحد، فالاحتمال الاخير ضعيف. وأما نيابة شخصين عن واحد. أحدهما في العمرة والآخر في الحج، فيتوقف على دليل على صحة مثل هذه النيابة، وهو مفقود، إذ الاصل عدم صحة النيابة. وأما الارتباطية فلا تمنع عن ذلك. (1) لا يخفى أن قول السائل في الخبر: (أيتمتع) يحتمل أن يكون المراد منه: أن يحج التمتع عن أبيه. ويحتمل أن يكون المراد منه: أنه يتمتع لنفسه، زائدا على حج التمتع مع عمرته عن أبيه. وأن يكون المراد: أنه يحج عن أبيه بلا عمرة، ويتمتع لنفسه بلا حج. والاول أنسب بعبارة السؤال، والاخيران أنسب بالجواب. بل قوله (ع) في الجواب: (المتعة له، والحج عن أبيه) كالصريح في غيره، وحمله على المعنى الاخير غير واضح. وكأنه لذلك لم يجزم المصنف (ره) بظهور الخبر. والانصاف: أنه على تقديل الظهور لا مجال للاخذ به في مقابل النصوص الدالة على الارتباط.

===============

( 208 )

[ نعم المتعة له، والحج عن أبيه " (* 1). (مسألة 2): المشهور أنه لا يجوز الخروج من مكة بعد الاحلال من عمرة التمتع قبل أن يأتي بالحج (1)، وأنه إذا أراد ذلك، عليه أن يحرم بالحج فيخرج محرما به. وإن خرج محلا ورجع بعد شهر فعليه أن يحرم بالعمرة. وذلك لجملة ] (1) في المدارك: أن المشهور ذلك إذا كان الخروج محتاجا إلى تجديد العمرة، بأن كان الرجوع بعد شهر. وعن الشيخ - في النهاية - وجماعة: أنهم اطلقوا المنع، كما في المتن. ويدل عليه النصوص الكثيرة. منها: صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: (قلت له: كيف أتمتع؟ قال (ع): تأتي الوقت فتلبي... (إلى أن قال): وليس لك أن تخرج من مكة حتى تحج) (* 2)، ومصحح حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (ع): (من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج، فان عرضت له حاجة إلى عسفان، أو إلى الطائف، أو إلى ذات عرق خرج محرما ودخل ملبيا بالحج. فلا يزال على إحرامه إلى منى. قلت: فان جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام، ثم رجع في أبان الحج في أشهر الحج يريد الحج، فيدخلها محرما أو بغير إحرام؟ قال (ع): إن رجع في شهره دخل بغير إحرام، وإن دخل في غير الشهر دخل محرما: قلت: فأي الاحرامين والمتعتين متعته، الاولى أو الاخيرة؟؟


____________
(* 1) الوسائل باب: 27 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 22 من ابواب أقسام الحج حديث: 1.

===============

( 209 )

[ من الاخبار الناهية عن الخروج، والدالة على أنه مرتهن ومحتبس بالحج (1)، والدالة على أنه لو أراد الخروج خرج ملبيا بالحج، والدالة على أنه لو خرج محلا، فان رجع في شهرة دخل محلا، وان رجع في غيره شهره دخل محرما. والاقوى عدم حرمة الخروج وجوازه محلا. حملا للاخبار ] قال (ع): الاخيرة هي عمرته، وهي المحتبس بها التي وصلت بحجته) (* 1) وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) - في حديث - قال (ع): (تمتع، فهو والله أفضل. ثم قال: إن أهل مكة يقولون: إن عمرته عراقية وحجته مكية. كذبوا، أليس هو مرتبطا بالحج لا يخرج حتى يقضيه؟!) (* 2)، ولصحيح الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يتمتع بالعمرة إلى الحج، يريد الخروج إلى الطائف قال (ع): يهل بالحج من مكة. وما أحب أن يخرج منها إلا محرما، ولا يتجاوز الطائف. إنها قريبة من مكة) (* 3)، وخبر علي بن جعفر (ع) عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: (سألته عن رجل قدم متمتعا ثم أحل قبل يوم التروية، أله الخروج؟ قال: لا يخرج حتى يحرم بالحج، ولا يجاوز الطائف وشبهها) (* 4). ونحوها غيرها. (1) في مرسل موسى بن القاسم عن بعض أصحابنا. (أنه سأل أبا جعفر (ع) في عشر من شوال، فقال: إني أريد أن أفرد عمرة هذا


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 7. (* 4) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 11.

===============

( 210 )

[ على الكراهة - كما عن ابن ادريس رحمه الله وجماعة أخرى (1) - بقرينة التعبير ب‍: (لا أحب) في بعض تلك الاخبار (2). وقوله (ع) في مرسلة الصدوق (قده) (3): " إذا أراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك، لانه مرتبط بالحج حتى يقتضيه. الا أن يعلم أنه لا يفوته الحج ". ] الشهر. فقال: أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل: إن المدينة منزلي ومكة منزلي، ولي بينهما أهل وبينها أموال. فقال أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل: فان لي ضياعا حول مكة، واحتاج إلى الخروج إليها. فقال (ع): تخرج حلالا، وترجع حلالا إلى الحج) (* 1). وفى صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: (قلت لابي جعفر (ع): كيف أتمتع فقال (ع): تأتي الوقت فتلبي بالحج، فإذا أتى مكة طاف وسعى وأحل من كل شئ. وهو محتبس، وليس له أن يخرج من مكة حتى يحج) (* 2). (1) حكي في كشف اللثام ذلك عن السرائر، والنافع، والمنتهى، والتذكرة، وموضع من التحرير، وظاهر التهذيب، وموضع من النهاية والمبسوط. (2) تقدم في صحيح الحلبي. (3) قال (ره) في الفقيه: (قال الصادق (ع): إذا أراد...) إلى أخر ما ذكر في المتن. ثم قال: (وإن علم وخرج وعاد في الشهر الذي خرج دخل مكة محلا، وإن دخلها في غير ذلك الشهر دخلها محرما...) (* 3).


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 10.

===============

( 211 )

[ ونحوه الرضوي (* 1)، بل وقوله (ع) في مرسل أبان (1): " ولا يتجاوز إلا على قدر ما لا تفوته عرفة ". إذ هو وإن كان بعد قوله: " فيخرج محرما ". إلا أنه يمكن أن يستفاد منه: أن المدار فوت الحج وعدمه (2). بل يمكن أن يقال: ] (1) يريد به أبان بن عثمان، عمن أخبره، عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): المتمتع محتبس لا يخرج من مكة حتى يخرج إلى الحج. إلا أن يأبق غلامه، أو تضل راحلته فيخرج محرما، ولا يجاوز إلا على قدر ما لا تفوته عرفة) (* 2). (2) هذه الاستفادة بعيدة جدا، كيف ولو كان المقصود ذلك لم تكن حاجة إلى الجمل المتتابعة السابقة، المتضمنة للمنع من الخروج الا للضرورة، وأنه على تقدير الضرورة إلى الخروج فلا يخرج محلا؟ وكان اللازم الاقتصار على قوله (ع): (المتمتع محتبس لا يجوز له تفويت الحج) وأما مرسل الصدوق فلم تقم حجة على حجيته، كي لاجله ترفع اليد عن ظاهر النصوص المتقدمة المتأكدة الدلالة. وهذا النوع من مرسلات الصدوق (ره) وإن كان أقوى من النوع الآخر، المعبر فيه بمثل: (عن الصادق (ع))، أو (الكاظم (ع)) لكنه ما دام الخبر مستندا إلى مقدمات حدسية اجتهادية لا مجال للاعتماد عليه. لا سيما مع احتمال كونها نظرية خفية جدا، كما لا يخفى. وأما الرضوي فاوضح إشكالا من المرسل. وأما قوله (ع) في صحيح الحلبي: (لا أحب) فدلالته على الجواز خفية، وصلاحيته لمعارضة ما دل على وجوب الخروج محرما - كما


____________
(* 1) مستدرك الوسائل باب: 18 من أبواب أقسام الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 9.

===============

( 212 )

[ أن المنساق من جميع الاخبار المانعة أن ذلك للتحفظ عن عدم إدراك الحج وفوته (1)، لكون الخروج في معرض ذلك. وعلى هذا فيمكن دعوى عدم الكراهة أيضا مع علمه بعدم فوات الحج منه (2). نعم لا يجوز الخروج لا بنية العود، أو مع العلم بفوات الحج منه إذا خرج. ثم الظاهر أن الامر بالاحرام - إذا كان رجوعه بعد شهر - إنما هو من جهة أن لكل شهر عمرة (3)، لا أن يكون ذلك تعبدا، أو لفساد عمرته السابقة، أو لاجل وجوب الاحرام على من دخل مكة. بل هو صريح خبر اسحاق بن عمار قال: " سألت أبا ] ذكره المصنف (ره) - غير ظاهرة. نعم مرسل موسى بن القاسم دلالته على جواز الخروج محلا واضحة. لكن الاشكال في سنده. ومن ذلك يشكل البناء على ذلك، كما اختاره المصنف. ولذلك ذكر في كشف اللثام: أن الاحوط القصر على حال الضرورة - يعني: في الخروج - وأن لا يخرج معها إلا محرما بالحج. إلا أن يتضرر بالبقاء على الاحرام، لطول الزمان. خروجا عن مخالفة الاخبار المطلقة... (1) الاشكال فيه كالاشكال فيما سبق في مرسل أبان. فلاحظ. (2) إذ الكراهة - بناء على التقريب الاول - كانت من جهة الجمع بين نصوص المنع ونصوص الجواز، فإذا كانت النصوص في نفسها قاصرة الدلالة لا منشأ للحكم بالكراهة. (3) هذا شروع في مسألة أخرى، وهي: أنه لو خرج المعتمر من

===============

( 213 )

[ الحسن (ع) عن المتمتع يجئ فيقضي متعته، ثم تبدو له حاجة فيخرج إلى المدينة، أو إلى ذات عرق، أو إلى بعض المنازل قال (ع): يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لان لكل شهر عمرة، وهو مرتهن بالحج.... " (* 1) وحينئذ فيكون الحكم بالاحرام - إذا رجع بعد شهر - على وجه الاستحباب لا الوجوب، لان العمرة - التي هي وظيفة كل شهر - ليست واجبة. لكن في جملة من الاخبار كون المدار على الدخول في شهر الخروج أو بعده (1)، كصحيحتي حماد وحفص بن البختري (2)، ومرسلة الصدوق والرضوي ] مكة محلا - إما للبناء على جواز ذلك، كما يراه المصنف. أو للضرورة. أو جهلا، بناء على المنع - فهل يجب عليه الاحرام للدخول إلى مكة بعمرة أخرى أو لا يجب؟ اختار المصنف (ره) الثاني. اعمادا على ظاهر تعليل الامر بالعمرة بأن لكل شهر عمرة، فان الحكم المذكور لما كان استحبابيا تعين صرف ظاهر الامر إلى الاستحباب. (1) ومقتضاه أن الامر بالاعتمار ليس للتعليل المتقدم، لان شهر الخروج قد لا يكون شهر الاعتمار، بل يكون بعده بشهر. (2) صحيح حماد تقدم (* 2). أما صحيح حفص فلا تعرض فيه لذلك، فقد روى عن أبي عبد الله (ع): (في رجل قضى متعته وعرضت


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 2. وقد تقدم ذلك قريبا في أوائل المسألة فلاحظ.

===============

( 214 )

[ وظاهرها الوجوب (1). إلا أن تحمل على الغالب، من كون الخروج بعد العمرة بلا فصل (2). لكنه بعيد (3)، فلا يترك الاحتياط بالاحرام إذا كان الدخول في غير شهر الخروج. ] له حاجة أراد أن يمضي إليها. فقال (ع): فليغتسل، وليهل بالحج، وليمض في حاجته. فان لم يقدر على الرجوع إلى مكة مضى إلى عرفات) (* 1) نعم في مرسل حفص وأبان عن أبي عبد الله (ع): (في الرجل يخرج في الحاجة من الحرم. قال (ع): إن رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير إحرام، وإن دخل في غيره دخل باحرام) (* 2). (1) ولا مجال لحكومة التعليل المتقدم على ظاهرها، لاختلاف مورد التعليل مع موردها. (2) وحينئذ تتحد موردا مع مورد التعليل، فتحمل - لاجله - على الاستحباب، كمصحح اسحاق. لكن في كون ذلك هو الغالب منعا واضحا. (3) لو سلم أنه قريب فلا مجال له، إذ لا شاهد عليه. مع أن الخروج إذا كان بلا فصل عن الاحلال لم يجد ذلك في صدق شهر الخروج على شهر التمتع بل يتوقف ذلك على الاقتران، كما لا يخفى. ومنه يظهر: أنه لا يصدق شهر التمتع إلا إذا كان التمتع فيه ولو بعضه، فلا يصح أن يكون مبدؤه من حين الاحلال. ثم إن العمدة في النصوص الاخيرة هو مصحح حماد بن عيسى، إذ الباقي مراسيل لا يعتد بها. ويمكن الجمع بينه وبين مصحح اسحاق باختلاف الجهة، فان التنافي إنما يكون في الرجوع بعد شهر التمتع، وبعد شهر


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 51 من أبواب الاحرام حديث: 4.

===============

( 215 )

الخروج. إذ مقتضى المصحح الاول الوجوب، ومقتضى المصحح الثاني الاستحباب. لكن لا مانع من كونه مستحبا من جهة وواجبا من جهة. وهذا الجمع أولى من الجمع بتقييد إطلاق الثاني بالاول. والمصنف (ره) لم يعتد بذلك كله، وتوقف عن الحكم بالوجوب والاستحباب في صورة ما لو كان الرجوع بعد أشهر الخروج. وكأنه لظهور كلام الاصحاب في أن الشهر - الذي أخذ شرطا لوجوب الاحرم - واحد عندهم، وإنما الخلاف في مبدئه. ولذا قال في الذخيرة - في شرح قوله ما تنه: (يجب الاحرام على كل من دخل مكة، إلا من دخلها بعد الاحرام قبل شهر) _: (لا أعلم خلافا بين الاصحاب في أصل الحكم، ولكن اختلفوا في مبدأ اعتبار الشهر، فذهب جماعة من الاصحاب أن مبدأه من وقت الاحلال من الاحرام المتقدم. واستشكل المصنف في القواعد اعتباره من حين الاحلال أو الاحرام. وقال المحقق في النافع. (ولو خرج بعد إحرامه ثم عاد في شهر خروجه أجزأه، وإن عاد في غيره أحرم ثانيا). وقريب منه المفيد في المقنعة، والشيخ في النهاية..) ثم ذكر اختلاف الاخبار المشار إليها في المتن. وفى الجواهر أطال في بيان أن الشهر - الذي يجب الاحرام بعده - هو شهر الخروج، لا شهر المتعة الاولى. واستدل بالنصوص المشار إليها، وأيدها بما تقدم في الذخيرة عن النافع والمقنعة وغيرهما، وطعن في مصحح اسحاق بالاجمال والاشكال، لما في ذيله من الاحرام من الميقات في حج التمتع. فراجع كلامه في آخر مباحث الاحرام، في حكم دخول مكة. والانصاف يقتضي ما عرفت، من أن العمدة المصححان، والجمع بينهما ممكن عرفا بما عرفت. فاحظ. وتأمل.

===============

( 216 )

[ بل القدر المتيقن من جواز الدخول محلا صورة كونه قبل مضي شهر من حين الاهلال، أي الشروع في إحرام العمرة والاحلال منها، ومن حين الخروج. إذ الاحتمالات في الشهر ثلاثة: ثلاثون يوما من حين الاهلال، وثلاثون من حين الاحلال - بمقتضى خبر اسحاق بن عمار - وثلاثون من حين الخروج، بمقتضى هذه الاخبار. بل من حيث احتمال كون المراد من الشهر - في الاخبار هنا - والاخبار الدالة على أن لكل شهر عمرة - الاشهر الاثني عشر المعروفة، لا بمعنى ثلاثين يوما (1). ولازم ذلك: أنه إذا كانت عمرته في آخر شهر من هذه الشهور، فخرج ودخل في شهر آخر، أن يكون عليه عمرة. والاولى مراعاة الاحتياط من هذه الجهة أيضا. وظهر مما ذكرنا أن الاحتمالات ستة: كون المدار على الاهلال، أو الاحلال، أو الخروج. وعلى التقادير فالشهر إما بمعنى ثلاثين يوما، أو أحد الاشهر المعروفة. وعلى أي ] (1) قد يشهد به الموثق - الذي رواه في الجواهر - المتقدم في مبحث العمرة (* 1). لكن عرفت أنه لم نقف على روايته لغيره. وقد يستفاد من اطلاق الشهر، فان حمله على المقدار في كثير من المقامات - مثل شهر العدة، وشهر صوم التتابع، وغير ذلك - لا يقتضي حمله في المقام عليه، لانه خلاف الاصل. وفى: أنه متين، لولا اشتمال رواية الشهر على العشرة أيام، فان الظاهر منها: أن ذكر الشهر من باب التقدير، لا بالمعنى الاصلي له.


____________
(* 1) راجع صفحة: 145 من هذا الجزء.

===============

( 217 )

[ حال، إذا ترك الاحرام مع الدخول في شهر آخر - ولو قلنا بحرمته - لا يكون موجبا لبطلان عمرته السابقة (1)، فيصح حجه بعدها. ثم إن عدم جواز الخروج - على القول به - إنما هو في غير حال الضرورة، بل مطلق الحاجة. وأما مع الضرورة أو الحاجة، مع كون الاحرام بالحج غير ممكن أو حرجا عليه، فلا اشكال فيه (2). وأيضا الظاهر اختصاص ] وهو ما بين الهلالين. فلاحظ. (1) قال في الجواهر: (ليس في كلامهم تعرض لما لو رجع حلالا بعد شهر ولو آثما، فهل له الاحرام بالحج ثانيا على عمرته الاولى، أو أنها بطلت للتمتع بالخروج شهرا؟ ولكن الذي يقوى في النظر: الاول، لعدم الدليل على فسادها). ويشكل: بأنه يتوقف على كون الامر بالاحرام تكليفيا، فلو حمل على الوضعي وأن شرط الحج أن يعتمر، كان دالا على بطلان العمرة الاولى والاحتياج إلى الثانية. وهذا المعنى ليس بعيدا فهمه من النصوص المذكورة، بملاحظة أن الامر والنهي - في أمثال هذه الموارد - ارشادي إلى الشرطية والمانعية. ولا ينافيه ما دل على انه إذا رجع قبل شهر جاز له الدخول محلا - كمصحح حماد بن عيسى المتقدم - (* 1)، لامكان اختصاص البطلان بخصوص صورة وجوب الاحرام للعمرة. ولا سيما بملاحظة ما دل على أن عمرته الثانية، فيدل على أن الاولى ليس عمرة تمتعه. وبالجملة: مقتضى النصوص ينبغي أن يكون عدم الاجتزاء بعمرته الاولى. فلاحظ، وتأمل. (2) كما نص على ذلك في كشف اللثام وغيره. لعموم دليل نفي


____________
(* 1) تقدم ذكره في اول المسألة.

===============

( 218 )

[ المنع - على القول به - بالخروج إلى المواضع البعيدة، فلا بأس بالخروج إلى فرسخ أو فرسخين (1). بل يمكن أن يقال: باختصاصه بالخروج إلى خارج الحرم. وان كان الاحوط خلافه. ثم الظاهر أنه لا فرق - في المسألة - بين الحج الواجب ] الحرج والضرر. ولكنه كأنما يقتضي الجواز، ولا يقتضي الصحة. نعم في مصحح اسحاق المتقدم في المتن - الذي مورده مطلق الحاجة - أنه يخرج محلا. وكفى به دليلا على الجواز. ويؤيده مرسل موسى بن القاسم (* 1). (1) لم أقف على من تعرض لذلك صريحا. بل مقتضى إطلاق الخروج - في النصوص والفتاوى - المنع عن الخروج عن مكة وحدودها. نعم مقتضى تقييد جماعة المنع من الخروج بما إذا احتاج إلى تجديد العمرة، الاختصاص بصورة الخروج عن الحرم، فانه المحتاج إلى تجديد العمرة. ولذلك ذكر في كشف اللثام - في تفسير عبارة القواعد: (فلا يجوز له الخروج من مكة إلى حيث يفتقر إلى تجديد عمرة قبله...) - فقال: (بأن يخرج من الحرم محلا غير محرم بالحج، ولا يعود إلا بعد شهر). لكن ذلك لا يجري في كلام من اطلق المنع، تبعا لاطلاق النصوص. مع أن تخصيص حرمة دخول مكة بغير إحرام بمن كان خارج الحرم غير ظاهر، وإن كان ظاهر المدارك والجواهر المفروغية منه. ولعله يأتي - إن شاء الله - التعرض له. وأشكل من ذلك: ما في بعض الحواشي، من التحديد بالمسافة، فيجوز الخروج إلى ما دونها. إذ لا مأخذ له، لا في النصوص، ولا في الفتاوى. نعم في صحيحة أبي ولاد - الواردة في المقيم عشرة أيام إذا عدل


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 3.

===============

( 219 )

[ والمستحب (1)، فلو نوى التمتع مستحبا ثم أتى بعمرته يكون مرتهنا بالحج، ويكون حاله في الخروج محرما أو محلا والدخول كذلك كالحج الواجب. ثم إن سقوط وجوب الاحرام عمن خرج محلا ودخل قبل شهر مختص بما إذا أتى بعمرة بقصد التمتع (2)، وأما من لم يكن سبق منه عمرة فيلحقه حكم من دخل مكة في حرمة دخوله بغير الاحرام، إلا مثل الحطاب والحشاس ونحوهما. وأيضا سقوطه إذا كان بعد العمرة قبل شهر إنما هو على وجه الرخصة - بناء على ما هو الاقوى من عدم اشتراط فصل شهر بين العمرتين (3) - فيجوز الدخول باحرام قبل الشهر أيضا. ثم إذا دخل باحرام، فهل عمرة التمتع هي العمرة الاولى أو الاخيرة؟ مقتضى حسنة حماد: أنها الاخيرة، المتصلة بالحج (4). وعليه لا يجب فيها طواف ] عن الاقامة بعد الصلاة تماما -: أنه يتم إلى أن يخرج (* 1)، والمراد من الخروج فيه السفر. لكن مقايسة المقام به غير ظاهرة. (1) كما يقتضيه إطلاق النصوص والفتاوى. (2) إذا كانت وظيفته التمتع. وإلا يكفي مطلق العمرة ولو كانت مفردة، يستفاد ذلك من مصحح اسحاق المتقدم (* 2). (3) على ما تقدم في مبحث العمرة. (4) قد صرح فيها بأن متعته الاخيرة. فراجع متنها، المتقدم في


____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 8 وقد تقدم ذلك في أوائل المسألة.

===============

( 220 )

[ النساء. وهل يجب حينئذ في الاولى أولا؟ وجهان أقواهما نعم (1). والاحوط الاتيان بطواف مردد بين كونه للاولى أو الثانية. ثم الظاهر أنه لا إشكال في جواز الخروج في أثناء عمرة التمتع، قبل الاحلال منها (2). (مسألة 3): لا يجوز لمن وظيفته التمتع أن يعدل إلى غيره من القسمين الآخرين اختيارا. نعم إن ضاق وقته عن إتمام العمرة وإدراك الحج جاز له نقل النية إلى الافراد، وأن يأتي بالعمرة بعد الحج. بلا خلاف ولا إشكال (3). وإنما ] أول المسألة. ولاجله صرح بذلك جماعة، منهم: الفاضلان في الشرائع والقواعد. وفى كشف اللثام: (ولعله اتفاقي...). (1) قال في كشف اللثام: (وهل عليه طواف النساء للاولى؟ احتمال - كما في الدروس - من انقلابها مفردة. ومن احلاله منها بالتقصير وربما أتى النساء قبل الخروج، ومن البعيد جدا حرمتهن عليه بعده من غير موجب. وهو أقوى...). ووجه القوة: ليس إلا مجرد استبعاد الحرمة بعد التحليل. وهو كما ترى، إذ لا مانع من هذا الانقلاب. ولا سيما وكونه انقالبا في الحكم الظاهري، فان الاولى كانت محكومة بأنها عمرة تمتع في الظاهر، وبعد انفصالها عن الحج انكشف أنها مفردة من أول الامر. (2) لاختصاص النصوص المانعة بمن أتم عمرة التمتع، والمرجع في غيره الاصل المقتضي للجواز، وربما يوجد في بعض النصوص أن موضوع المنع من دخل مكة. لكن القرائن فيه وفى غيره تقتضي الاختصاص بمن فرغ من العمرة. (3) وفى الجواهر: (بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه).

===============

( 221 )

[ الكلام في حد الضيق المسوغ لذلك، واختلفوا فيه على أقوال: أحدها: خوف فوات الاختياري من وقوف عرفة (1). الثاني: فوات الركن من الوقوف الاختياري، وهو المسمى منه (2) الثالث: فوات الاضطراري منه (3). الرابع: زوال يوم التروية (4). الخامس: غروبه (5). السادس: زوال يوم عرفة (6). السابع: التخيير - بعد زوال يوم ] (1) لم يتضح لي وجود القائل بذلك. نعم في الدروس: (وفى صحيح زرارة اشتراط اختياريها (* 1). وهو أقوى). وظاهر العبارة اشتراط إدراك تمام الواجب الاختياري. فتأمل. (2) أختاره في القواعد، وحكاه - في كشف اللثام - عن الحلبيين وابني ادريس وسعيد. وفى الجواهر: (لعله يرجع إليه ما عن المبسوط والنهاية والوسيلة والمهذب، من الفوات بزوال الشمس من يوم عرفة قبل إتمام العمرة، بناء على تعذر الوصول غالبا إلى عرفة بعد هذا الوقت، لمضي الناس عنه). (3) حكى عن ظاهر ابن ادريس، ومحتمل أبي الصلاح. (4) حكي عن والد الصدوق. ونقله في السرائر عن المفيد أيضا. (5) نقل عن الصدوق في المقنع، وعن المفيد في المقنعة. (6) حكي عن الشيخ في المبسوط والنهاية، وعن الاسكافي وغيرهم، كما تقدم نقله عن الجواهر. وفى المستند: (واختاره في المدارك، والذخيرة وكشف اللثام...). لكن المذكور في الاخير: أن ذلك في غير من


____________
(* 1) يأتي ذكر الرواية في أواخر المسألة.

===============

( 222 )

[ التروية - بين العدول والاتمام، إذا لم يخف الفوت (1). والمنشأ اختلاف الاخبار، فانها مختلفة أشد الاختلاف. والاقوى أحد القولين الاولين. لجملة مستفيضة من تلك الاخبار، فانها يستفاد منها - على اختلاف السنتها -: أن المناط في الاتمام عدم خوف فوت الوقت بعرفة. منها: قوله (ع) في رواية يعقوب بن شعيب الميثمي (2) ] يتعين عليه التمتع، وإلا لم يجز العدول ما لم يخف فوتها بفوات اضطراري عرفة - كما هو ظاهر ابن ادريس، ويحتمله كلام أبي الصلاح - أو بفوات اختياريها - كما في الغنيه، والمختلف، والدروس - لصحيح زرارة (* 1). (1) حكاه في الجواهر، قال: (وربما ظهر من بعض متأخري المتأخرين: الجمع بين النصوص، بالتخيير بين التمتع والافراد، إذا فات زوال يوم التروية أو تمامه...). (2) رواها في الكافي عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن اسماعيل ابن مرار، عن يونس عن يعقوب بن شعيب المحاملي [ الميثمي خ ل ] قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لا بأس للمتمتع - إن لم يحرم من ليلة التروية - متى ما تيسر له، ما لم يخفف فوت الموقفين) (* 2). فان الظاهر منها أن المدار خوف فوت عرفة. لكن في كون الرواية فيما نحن فيه تأمل ظاهر، لاحتمال كون المراد أن المتمتع إذا فرغ من متعته لا تجب عليه المبادرة إلى الاحرام بالحج ليلة التروية، لا أنه لا يجب عليه العدول. ومنها: ما رواه الشيخ عن سعد بن عبد الله، عن عبد الله بن


____________
(* 1) يأتي ذكر الرواية في أواخر المسألة. (* 2) الوسائل باب: 20 من أبواب أقسام الحج حديث: 5.

===============

( 223 )

جعفر، عن محمد بن مسرور قال (كتبت إلى أبي الحسن الثالث (ع) ما تقول في رجل - متمتع بالعمرة إلى الحج - وافى غداة عرفة وخرج الناس من منى إلى عرفات، أعمرته قائمة، أو قد ذهبت منه؟ إلى أي وقت عمرته قائمة إذا كان متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يواف يوم التروية ولا ليلة التروية، فكيف يصنع؟ فوقع (ع): ساعة يدخل مكة - إن شاء الله - يطوف، ويصلي ركعتين، ويسعى، ويقصر، ويخرج [ ويحرم خ ل ] بحجته، ويمضي إلى الموقف، ويفيض مع الامام) (* 1)، وصحيحة الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أهل بالحج والعمرة جميعا، ثم قدم مكة والناس بعرفات، فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف. قال (ع): يدع العمرة، فإذا أتم حجه صنع كما صنعت عائشة، ولا هدي عليه) (* 2)، ومرسل محمد بن أبي حمزة، عن بعض أصحابه، عن أبي بصير قال: (قلت لابي عبد الله (ع) المرأة تجئ متعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فيكون طهرها يوم عرفة (* 3) فقال (ع): إن كانت تعلم أنها تطهر، وتطوف بالبيت، وتحمل من إحرامها، وتلحق بالناس فلتفعل) (* 4).


____________
حكي عن المنتقى: أنه محمد بن سرور، وهو ابن جزك، والغلط وقع من الناسخين. ومحمد ابن جزك ثقة. (منه قدس سره). (* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب أقسام الحج حديث: 16. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 6. (* 3) كما في الكافي الجزء 4 صفحة 447 طبع ايران الحديثة وكذلك الوسائل. وفي التهذيب الجزء 5 صفحة 391 طبع النجف الاشرف، والاستبصار الجزء 2 صفحه 311 طبع النجف الاشرف والفقيه الجزء 2 صفحة 242 طبع النجف الاشرف: (ليلة عرفة). (* 4) الوسائل باب: 84 من ابواب الطواف حديث: 4.

===============

( 224 )

[ لا بأس للمتمتع - إن لم يحرم من ليلة التروية - متى ما تيسر له، ما لم يخف فوات الموقفين ". وفي نسخة: " لا بأس للمتمتع أن يحرم ليلة عرفة.... ". وأما الاخبار المحددة بزوال يوم التروية (1). ] (1) في صحيح بن بزيع قال: (سألت ابا الحسن الرضا (ع) عن المرأة تدخل مكة متمتعة فتحيض قبل ان تحل، متى تذهب متعتها؟ قال (ع): كان جعفر (ع) يقول: زوال الشمس من يوم التروية. وكان موسى (ع) يقول: صلاة الصبح من يوم التروية. فقلت: جعلت فداك، عامة مواليك يدخلون يوم التروية، ويطوفون ويسعون، ثم يحرمون بالحج. فقال (ع): زوال الشمس. فذكرت له رواية عجلان أبي صالح ، فقال (ع): إذا زالت الشمس ذهبت المتعة. فقلت: فهي على إحرامها. أو تجدد أحرامها للحج؟ فقال (ع): لا، هي على إحرامها. قلت: فعليها هدي؟ قال (ع): لا إلا أن تحب أن تتطوع. ثم قال: أما نحن فإذا رأينا هلال ذي الحجة قبل أن نحرم فاتتنا المتعة) (* 1). وفى جملة جعل الحد أن يدرك الناس بمنى، ففي صحيح أبي بصير: (قلت لابي عبد الله (ع): المرأة تجئ متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت، فيكون طهرها ليلة عرفة. فقال (ع): إن كانت تعلم أنها تطهر، وتطوف بالبيت، وتحل من إحرامها، وتلحق الناس بمنى فلتفعل) (* 2). ونحوه غيره.


____________
تأتي هذه الرواية في المسألة الآتية (منه قدس سره). (* 1) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 14. (* 2) الوسائل باب: 20 من أبواب أقسام الحج حديث: 3.

===============

( 225 )

[ أو بغروبه (1)، ] وفى جملة من النصوص جعل الحد يوم التروية، كصحيح عبد الرحمن ابن الحجاج قال: (أرسلت إلى أبي عبد الله (ع): إن بعض من معنا من صرورة النساء قد اعتللن، فكيف نصنع؟ قال: تنظر ما بينها وبين التروية فأن طهرت فلتهل، وإلا فلا يدخل عليها التروية إلا وهي محرمة) (* 1) وفى رواية اسحاق بن عبد الله عن أبي الحسن (ع) قال: (المتمتع إذا قدم ليلة عرفة فليس له متعة، يجعلها حجة مفردة. إنما المتعة إلى يوم التروية) (* 2). ونحوها صحيحة علي بن يقطين، وفيها: (وحد المتعة إلى يوم التروية) (* 3). (1) في صحيح العيص بن القاسم، قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن المتمتع يقدم مكة يوم التروية صلاة العصر، تفوته المتعة؟ قال (ع): لا، ما بينه وبين غروب الشمس. قال: وقد صنع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله) (* 4) وخبر اسحاق بن عبد الله قال: سألت أبا الحسن موسى (ع) عن المتمتع يدخل مكة يوم التروية. فقال: ليتمتع [ للمتمتع. خ ل ] ما بينه وبين الليل) (* 5)، ورواية. عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع): (قال: إذا قدمت مكة يوم التروية - وقد غربت الشمس - فليس لك متعة، إمض كما أنت بحجك) (* 6) ونحوها غيرها.


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب أقسام الحج حديث: 15. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 11. (* 4) الوسائل باب: 20 من أبواب أقسام الحج حديث: 10. (* 5) الوسائل باب: 20 من ابواب أقسام الحج حديث: 11. (* 6) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 12.

===============

( 226 )

[ أو بليلة عرفة (1)، أو سحرها (2). فمحمولة على صورة عدم إمكان الادراك إلا قبل هذه الاوقات، فانه مختلف باختلاف الاوقات، والاحوال، والاشخاص (3). ويمكن ] (1) تدل على ذلك النصوص المتقدمة، فان غروب يوم التروية أول ليلة عرفة. (2) في صحيح محمد بن مسلم قال: (قلت لابي عبد الله (ع): إلى متى يكون للحاج عمرة؟ قال (ع): إلى السحر من ليلة عرفة) (* 1). وفى بعضها التحديد بدخول يوم عرفة، ففي خبر زكريا بن أدم قال: (سألت أبا الحسن (ع) عن المتمتع إذا دخل يوم عرفة. قال (ع): لا متعة له، يجعلها عمرة مفردة) (* 2). لكن في ظهوره في التحديد بذلك إشكال ظاهر. وفى جملة التحديد بزوال يوم عرفة. ولا يبعد رجوعه إلى الاول، كما يأتي في كلام المصنف. (3) هذه المحامل مذكورة في كلام الجماعة. لكنها ناتجة من طرح النصوص، وإلا فلا شاهد على الجمع بذلك. مع أن الاول بعيد جدا عن ظاهر بعض تلك النصوص، بل ممتنع. والاختلاف باختلاف الاوقات والاشخاص مسلم، لكن لا يناسب البيان المشتملة عليه النصوص. مع أن التعرض لخصوص الاشخاص - الذين لا يتمكنون من إدراك الحج إلا في المدة المذكورة - وإهمال غيرهم غير ظاهر. مع أن وجود هؤلاء الاشخاص إما نادر جدا، أو مجرد فرض لا خارج له.


____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب أقسام الحج حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 8.

===============

( 227 )

[ حملها على التقية إذا لم يخرجوا مع الناس يوم التروية (1)، ويمكن كون الاختلاف لاجل التقية، كما في أخبار الاوقات للصلوات. وربما تحمل على تفاوت مراتب أفراد المتعة في الفضل بعد التخصيص بالحج المندوب (2)، فان أفضل أنواع ] (1) فتكون التقية في عمل المكلف، بخلاف التقية في المحمل الآتي فانها في بيان المعصوم. لكن التعرض للتقية في خصوص الموارد المذكورة دون غيرها غير ظاهر. كما سبق في الاشكال على ما قبله. وأما التقية في بيان المعصوم (ع): فيتوقف إما على وجود الاقوال المختلفة المذكورة عند المخالفين، أو الاجتزاء بايقاع الخلاف في الحمل على التقية. وكلاهما بعيد جدا عن مفاد النصوص. وإن كان يشعر به ما في صحيح ابن بزيع، من قول الرضا (ع): (كان جعفر (ع) يقول...) (* 1). (2) حكي ذلك عن الشيخ في كشف اللثام والجواهر وغيرهما. فانه جمع بين الاخبار، بحملها على اختلاف مراتب الفضل. فالافضل الاحرام بالحج بعد الفراغ من العمرة عند الزوال يوم الترويه، فان لم يفرغ عنده من العمرة كان الافضل العدل إلى الحج، ثم ليلة عرفة، ثم يومها إلى الزوال، السابق منها أفضل من اللحق، وإن كانت مشتركة في التخيير، وعند الزوال يوم عرفة يتعين العدول، لفوات الموقف غالبا. ثم قال: هذا إذا كان الجج مندوبا، لا فيما إذا كان هو الفريضة...) وهذا الجمع وإن كان أقرب مما سبق، إلا أنه لا وجه للتخصيص بالمندوب، لعموم الاخبار للجميع، فان طوائف الاخبار المتقدمة كلها على نسق واحد، ليس لبعضها اختصاص بالواجب وبعضها اختصاص


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب أقسام الحج حديث: 14. وقد سبق ذكر الرواية قريبا.

===============

( 228 )

[ التمتع أن تكون عمرته قبل ذي الحجة (1)، ثم ما تكون عمرته قبل يوم التروية، ثم ما يكون قبل يوم عرفة. مع أنا لو أغمضنا عن الاخبار - من جهة شدة اختلافها وتعارضها - (2) نقول: ] بالمندوب مضافا إلى أن صحيح بن الحجاج - المتقدم في التحديد بيوم التروية - مورده صرورة النساء، فيكون حجهن حج الاسلام. وأيضا فانه روى في الكافي - في الصحيح - عن محمد بن ميمون قال: (قدم أبو الحسن (ع) متمتعا ليلة عرفة، فطاف، وأحل، وأتى بعض جواريه، ثم أهل بالحج وخرج) (* 1). فان فعله (ع) يدل على أنه الافضل، وكيف يناسب ذلك ما دل على أن حد المتعة إلى يوم التروية أو غروبها؟! فلاحظ رواية اسحاق بن عبد الله، وصحيحة ابن يقطين، ورواية عمر بن يزيد ونحوها فان لسانها آب عن الحمل على الافضل، فضلا عما يناسب فعل الامام (ع). اللهم إلا أن يقال: فعله (ع) مجمل، والناقل له غير معصوم، فلا يحتج به. لكن إباء النصوص المذكورة عن الحمل على الافضل لا مجال للمناقشة فيه. (1) كما في صحيح اسماعيل، من قوله (ع): (أما نحن فإذا رأينا هلال ذي الحجة فاتتنا المتعة...) (* 2). لكن ظاهره التخصيص بهم (ع)، ووجهه غير ظاهر. (2) لكن الاشكال في الاغماض عن الاخبار، لانها إذا كانت متعارضة، ولم يمكن الجمع العرفي بينها، فاللازم إما التخيير مع عدم


____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب أقسام الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 14. وقد سبق ذكره قريبا فلاحظ.

===============

( 229 )

[ مقتضى القاعدة هو ما ذكرنا، لان المفروض أن الواجب عليه هو التمتع، فما دام ممكنا لا يجوز العدول عنه. والقدر المسلم من جواز العدول صورة عدم إمكان إدراح الحج، واللازم إدراك الاختياري من الوقوف، فان كفاية الاضطراري منه ] المرجح، أو الاخذ بالراجح مع وجود المرجح. وحينئذ لا مجال للرجوع إلى القواعد. نعم يمكن أن تكون الموافقة للقواعد من المرجحات. لانها راجعة إلى موافقة الكتاب والسنة، فيؤخذ بما وافقها ويطرح غيره. وهذا الوجه لا بأس به. ولعل الاولى أن يقال: إذا أرجعنا نصوص التحديد بزوال يوم عرفة إلى نصوص المشهور تكون هي أكثر عددا من غيرها، فتكون أولى بالاخذ بها. أو يقال: إن الطوائف المذكورة غير معمول بها غير طائفتين منها، وهي طائفة التحديد بزوال التروية التي لم يعمل بها إلا ابن بابويه، وطائفة التحديد بغروبه التي لم يعمل بها إلا المفيد في المقنعة والصدوق في المقنع. ولاجل أنهما مهجورتان عند بقية الاصحاب لا مجال للاعتماد عليهما. والطوائف الاخر غير معمول بها أصلا ومجمع على خلافها، فلا أهمية لها في قبال نصوص المشهور، التي منها نصوص التحديد بزوال يوم عرفة، فالعمل بها متعين والاعراض عما عداها. ويشير إليه ما في صحيح اسماعيل بن بزيع، من قول السائل: (عامة مواليك يدخلون يوم التروية...)، الظاهر في أن الشيعة - رفع الله تعالى شأنهم - كان عملهم على خلاف التحديد المذكور، وأن التحديد كان مبنيا على وحه غامض.

===============

( 230 )

[ خلاف الاصل (1). يبقى الكلام في ترجيح أحد القولين الاولين. ولا يبعد رجحان أولهما (2)، بناء على كون الواجب استيعاب تمام ما بين الزوال والغروب بالوقوف، وإن كان الركن هو المسمى ولكن مع ذلك لا يخلو عن إشكال، فانه من جملة الاخبار مرفوع سهل، عن أبي عبد الله (ع): " في متمتع دخل يوم عرفة. قال: متعة تامة إلى ان يقطع الناس تلبيتهم " (3). حيث أن قطع التلبية بزوال يوم عرفة. وصحيحة جميل: " المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة، وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر " (4). ومقتضاهما كفاية ] (1) لكن جواز العدول أيضا خلاف الاصل. وسيأتي بقية الكلام فيه. (2) لان ظاهر النصوص - المسوغة للعدول عند خوف فوت الموقفين -: أن المسوغ للعدول فوات الواجب من الوقوف، ولا يختص بالركن. ويظهر ذلك - بمناسبة المقام - مما دل على مشروعية التيمم عند خوف فوت الصلاة، فان المراد منه الصلاة بجميع أجزائها، ولا يختص بالركن منها. (3) رواه في الكافي عن العدة، عن سهل بن زياد، رفعه، عن أبي عبد الله (ع) (* 1). (4) رواها الشيخ عن سعد، عن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله (ع) قال: (التمتع...) (* 2)


____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب أقسام الحج حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 20 من أبواب أقسام الحج حديث: 15.

===============

( 231 )

[ إدراك مسمى الوقوف الاختياري، فان من البعيد إتمام العمرة قبل الزوال من عرفة، وإدراك الناس في أول الزوال بعرفات. وأيضا يصدق إدراك الموقف إذا أدركهم قبل الغروب. إلا أن يمنع الصدق، فان المنساق منه إدراك تمام الواجب (1). ويجاب عن المرفوعة والصحيحة بالشذوذ، كما ادعي (2). وقد يؤيد القول الثالث - وهو كفاية إدراك الاضطراري من عرفة - بالاخبار الدالة على أن من يأتي بعد إفاضة الناس من عرفات، وأدركها ليلة النحر تم حجه (3). وفيه: أن موردها ] ومحمد بن عيسى مشترك بين الاشعري وبين اليقطيني. والظاهر صحة حديثهما وإن كان الثاني محل مناقشة. ولذلك وصفها في المدارك وغيرها بالصحة. أو لبنائه على أن المراد منه الاشعري والد أحمد بن محمد بن عيسى. لكن استقرب في الذخيرة أنه اليقطيني. (1) كما عرفت سابقا. (2) الجواب عن المرفوعة بالضعف أولى. وأما الشذوذ فغير ظاهر. (3) هذا التأييد - لو تم - لا يصلح لمعارضة ما تقدم في رواية محمد ابن سرور المتقدمة، من قوله (ع): (ويفيض مع الامام) (* 1)، فانه كالصريح في أن إتمام العمرة إنما هو مع ادراك الامام في عرفات. ومثله صحيح الحلبي المتقدم (* 2)، فان الظاهر من قوله: (والناس بعرفات فخشي... (إلى قوله): أن يفوته الموقف) الوقوف مع


____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب أقسام الحج حديث: 16. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 6.

===============

( 232 )

[ غير ما نحن فيه - وهو عدم الادراك من حيث هو - وفيما نحن فيه يمكن الادراك، والمانع كونه في أثناء العمرة، فلا يقاس بها (1). نعم لو أتم عمرته في سعة الوقت ثم اتفق أنه لم يدرك الاختياري من الوقوف كفاه الاضطراري ودخل في مورد تلك الاخبار. بل لا يبعد دخول من اعتقد سعة الوقت فأتم عمرته ثم بأن كون الوقت مضيقا في تلك الاخبار (2). ] الناس في عرفات، وهو الوقوف الاختياري. وأوضح منه صحيح زرارة: (سألت أبا جعفر (ع): عن الرجل يكون في يوم عرفة وبينه وبين مكة ثلاثة أميال، وهو متمتع بالعمرة إلى الحج. فقال: يقطع التلبية، تلبية المتعة، ويهل بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر، ويمضي إلى عرفات فيقف مع الناس ويقضي جميع المناسك، ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم، ولا شئ عليه) (* 1). فهذه النصوص يتعين الاخذ بها في المقام، ورفع اليد عن النصوص المؤيدة لو كانت شاملة لما نحن فيه. (1) وان شئت قلت: الكلام فيما نحن فيه في السبب المسوغ للعدول من العمرة، وأنه فوات موقف عرفة الاختياري، أو فواته مع الاضطراري، فلا يرتبط بما دل على ادراك الوقوف بعرفة بالوقوف الاضطراري، وأنه إذا ادركه فقد تم حجه. وإلا لزم الاكتفاء بادراك الوقوف الاختياري في المشعر، لما دل على أن من أدرك المشعر الحرام فقد تم حجه. (2) هذا يتوقف على كون النصوص واردة في الملتفت. ولكن دعوى ذلك غير ظاهرة، فانه خلاف اطلاق النصوص. نعم يمكن البناء على صحة حجه حينئذ من باب حج الافراد، ثم يعتمر بعد ذلك، ويكون


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 7.

===============

( 233 )

[ ثم إن الظاهر عموم حكم المقام بالنسبة إلى الحج المندوب وشمول الاخبار له (1)، فلو نوى التمتع ندبا، وضاق وقته عن اتمام العمرة وإدراك الحج، جاز له العدول إلى الافراد. وفي وجوب العمرة بعده إشكال، والاقوى عدم وجوبها (2). ولو علم من وظيفته التمتع ضيق الوقت عن إتمام العمرة وإدراك الحج قبل أن يدخل في العمرة، هل يجوز له العدول من الاول إلى الافراد؟ فيه إشكال، وان كان غير بعيد (3). ولو دخل ] إتمامه للعمرة غير مجزئ عنها، بل هو باق على احرامه، ولا يحل بالتقصير - ولا بغيره - حتى يدرك الحج، ولو بادراك المشعر الاختياري. لدخوله حينئذ في النصوص جميعها. ولا تتوقف صحة حجه على ادراك اختياري عرفة ولا اضطراريها. (1) الظاهر أنه لا ريب فيه. وقد تقدم من الشيخ حمل نصوص التحديد بغير الضيق على خصوص المندوب، فكأن الحكم في المندوب أوضح منه في الواجب. والنصوص المستدل بها على الحكم مطلقة شاملة له. (2) لان العمرة المفردة عمل مستقل عن الحج. ووجوب إتمام الحج بالشروع فيه لا يقتضي وجوب فعل العمرة، لانها ليست من تمام الحج، والاصل البراءة. وأما ما ورد في النصوص من الامر بالاتيان بالعمرة المفردة، فلا يدل على الوجوب، لان الظاهر منه الارشاد إلى ما هو بدل عمرة التمتع، فان كانت واجبة كان واجبا، وإلا فلا، وليس المقصود منه إيجابها تعبدا. (3) فان كلمات الاصحاب موردها الدخول في العمرة - وكذلك

===============

( 234 )

[ في العمرة بنية التمتع في سعة الوقت وأخر الطواف والسعي متعمدا إلى ضيق الوقت، ففي جواز العدول وكفايته إشكال (1). والاحوط العدول وعدم الاكتفاء إذا كان الحج واجبا عليه. ] النصوص - لكن يمكن أن يستفاد الجواز بالاولوية. ولا سيما بملاحظة أن البناء على عدم جواز العدول فيه يوجب سقوط الحج عنه بالمرة، لانه لا يتمكن من حج التمتع، ولا يجزيه غيره. (1) لاختصاص النصوص بغيره. لكن لازم ذلك الرجوع إلى القواعد المقتضية لوجوب إتمام العمرة والاجتزاء في فعل الحج بادراك المشعر، لعموم: من أدرك الوقوف بالمشعر فقد تم حجه. ودعوى: اختصاصه بغير المقام ممنوعة. كما يظهر ذلك من ملاحظة نظائره، من موارد الابدال الاضطرارية. فان من أراق ماء الوضوء عمدا صح تيممه، ومن أخر الصلاة حتى أدرك ركعة من الوقت صحت صلاته أداء، ومن عجز نفسه عن القيام في الصلاة صحت صلاته من جلوس... إلى غير ذلك من الموارد. ومن ذلك يظهر الاشكال في كون الاحوط العدول، فان العدول وإن كان مرددا بين الوجوب والحرمة، لكن الحرمة مقتضى الدليل، والوجوب خلاف مقتضى الدليل، فيكون العمل على الحرمة أحوط. هذا بناء على اختصاص نصوص المقام بغير الفرض. لكنه غير ظاهر فلاحظ النصوص تجدها - كغيرها من موارد الابدال الاضطرارية - شاملة للعامد وغيره، وان كان العامد آثما في التأخير. ثم لو فرض التوقف عن العمل بالنصوص والعمل بالقواعد - كما يظهر من المتن - فالاحتياط كما يكون بالعدول لاحتمال وجوبه، يكون بالاتمام لاحتمال وجوبه أيضا. بل لعل الثاني أقرب، لانه موافق للاستصحاب. فتأمل جيدا.

===============

( 235 )

[ (مسألة 4): اختلفوا في الحائض والنفساء - إذا ضاق وقتهما عن الطهر وإتمام العمرة وإدراك الحج - على أقوال: أحدها: أن عليهما العدول إلى الافراد والاتمام، ثم الاتيان بعمرة بعد الحج (1). لجملة من الاخبار (2). الثاني: ما عن جماعة، من أن عليهما ترك الطواف، والاتيان بالسعي، ثم الاحلال، وإدراك الحج، وقضاء طواف ] (1) وفى الجواهر: (على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل في المنتهى: الاجماع عليه...). ثم حكى كلام المنتهى، ثم قال: (ونحوه عن التذكرة...). (2) منها صحيح حميل: (سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية. قال (ع): تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر، فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة) (* 1). قال ابن أبي عمير: (كما صنعت عائشة). ومصحح اسحاق بن عمار عن أبي الحسن (ع) قال: (سألته عن المرأة تجئ متمتعة فتطمث - قبل أن تطوف بالبيت - حتى تخرج إلى عرفات. قال (ع): تصير حجة مفردة، وعليها دم أضحيتها) (* 2)، وصحيح ابن بزيع، السابق في تحديد الضيق بزوال يوم التروية (* 3). وقد تعضد - أو تؤيد - ببعض الاخبار الآتية في المسألة الآتية.


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 13. (* 3) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 14 وقد سبق ذكر الرواية في المسألة السابقة.

===============

( 236 )

[ العمرة بعده (1). فيكون عليهما الطواف ثلاث مرات، مرة لقضاء طواف العمرة، ومرة الحج، ومرة للنساء. ويدل على ما ذكروه أيضا جملة من الاخبار (2). ] (1) حكي ذلك عن علي بن بابويه وأبي الصلاح. وفى كشف اللثام: حكايته عن جماعة - ولعل منهم الحلبي - وفى مورد آخر: نسبه إلى الحلبيين وجماعة. (2) منها صحيح العلاء بن صبيح، و عبد الرحمن بن الحجاج، وعلي ابن رياب، وعبيد الله بن صالح، كلهم يروونه عن أبي عبد الله (ع) قال: (المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها وبين التروية فان طهرت طافت بالبيت وسعت، وإن لم تطهر إلى يوم التروية اغتسلت واحتشت، ثم سعت بين الصفا والمروة، ثم خرجت إلى منى. فإذا قضت المناسك وزارت البيت، طافت بالبيت طوافا لعمرتها، ثم طافت طوافا للحج، ثم خرجت فسعت، فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شئ بحل منه المحرم، إلا فراش زوجها، فإذا طافت أسبوعا حل لها فراش زوجها) (* 1) وخبر عجلان أبي صالح: (قلت لابي عبد الله (ع): (متمتعة قدمت مكة فرأت الدم، كيف تصنع؟ قال (ع): تسعى بين الصفا والمروة، وتجلس في بيتها. فان طهرت طافت بالبيت، وإن لم تطهر فإذا كان يوم التروية أفاضت عليها الماء وأهلت بالحج وخرجت إلى منى فقضت المناسك كلها، فإذا قدمت مكة طافت بالبيت طوافين. ثم سعت بين الصفا والمروة فإذا فعلت ذلك فقد حل لها كل شئ ما عدا فراش زوجها، قال: وكنت أنا و عبد الله بن صالح سمعنا هذا الحديث في المسجد، فدخل عبد الله على


____________
(* 1) الوسائل باب: 84 من أبواب الطواف حديث: 1.

===============

( 237 )

[ الثالث: ما عن الاسكافي وبعض متأخري المتأخرين (1) من التخيير بين الامرين. للجمع بين الطائفتين بذلك. الرابع: التفصيل بين ما إذا كانت حائضا قبل الاحرام فتعدل، أو كانت طاهرا حال الشروع فيه ثم طرأ الحيض في ] أبي الحسن (ع) فخرج إلى، فقال: سألت أبا الحسن (ع) عن رواية عجلان، فحدثنا بنحو ما سمعنا عن عجلان) (* 1)، ورواية عجلان الاخرى: (أنه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: إذا اعتمرت المرأة ثم اعتلت قبل أن تطوف، قدمت السعي وشهدت المناسك، فإذا طهرت وانصرفت من الحج قضت طواف العمرة وطواف النساء، ثم أحلت من كل شئ) (* 2) ونحوهما روايته الثالثة: (سألت أبا عبد الله (ع) عن متمتعة دخلت مكة فحاضت. قال (ع): تسعى بين الصفا والمروة، ثم تخرج مع الناس حتى تقضي طوافها بعد) (* 3). وقريب منها رواية يونس بن يعقوب، عن رجل، عن أبي عبد الله (ع) (* 4). (1) لعله يريد به صاحب المدارك، فانه - بعد ما نقل صحيحة العلاء بن صبيح والجماعة معه - قال: (والجواب: أنه - بعد تسليم السند والدلالة - يجب الجمع بينها وبين الرويات السابقة - المتضمنة للعدول إلى الافراد - بالتخيير بين الامرين. ومتى ثبت ذلك كان العدول أولى، لصحة مستنده، وصراحة دلالته، واجماع الاصحاب عليه).


____________
(* 1) الوسائل باب: 84 من أبواب الطواف حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 84 من أبواب الطواف حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 84 من أبواب الطواف حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 84 من أبواب الطواف حديث: 8.

===============

( 238 )

[ الاثناء فتترك الطواف وتتم العمرة وتقضي بعد الحج. اختاره بعض (1)، بدعوى: أنه مقتضى الجمع بين الطائفتين، بشهادة خبر أبي بصير: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول - في المرأة المتمتعة إذا أحرمت وهي طاهر، ثم حاضت قبل أن تقضي متعتها - سعت ولم تطف حتى تطهر، ثم تقضي طوافها وقد قضت عمرتها. وان أحرمت وهي حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر " (2). وفي الرضوي: " إذا حاضت المرأة من قبل أن تحرم.... - إلى قوله (ع) -: وإن طهرت بعد الزوال يوم التروية فقد بطلت متعتها، فتجعلها حجة مفردة. وان حاضت بعد ما أحرمت سعت بين الصفا والمروة وفرغت من المناسك كلها. الا الطواف بالبيت، فإذا طهرت قضت الطواف بالبيت، وهي متمتعة بالعمرة إلى الحج، وعليها ] (1) حكي عن الكاشاني في الوافي والمفاتيح، واختاره في الحدائق. (2) رواه في الكافي عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي عمير [ نجران. خ ل ] (* 1). عن مثنى الحناط (* 2)، قال: (سمعت [ سالت. خ ل ] أبا عبد الله (ع)...) (* 3).


____________
(* 1) كما في الكافي الجزء: 4 صفحة 448 طبع ايران الحديثة. (* 2) الموجود في الكافي: رواية ذلك عن مثنى الحناط، عن أبي بصير. لاحظ الكافي الجزء: 4 صفحة 448 طبع ايران الحديثة وفي التهذيب والاستبصار: رواه عن ابن أبي عمير عن أبي بصير، بحذف. مثنى الحناط. لاحظ التهذيب الجزء: 5 صفحة 395 طبع النجف الاشرف، والاستبصار الجزء: 2 صفحة 315 طبع النجف الاشرف. (* 3) الوسائل باب: 84 من أبواب الطواف حديث: 5.

===============

( 239 )

[ طواف الحج، وطواف العمرة، وطواف النساء " (1). وقيل في توجيه الفرق بين الصورتين: أن في الصورة الاولى لم تدرك شيئا من أفعال العمرة طاهرا، فعليها العدول إلى الافراد، بخلاف الصورة الثانية، فانها أدركت بعض أفعالها طاهرا، فتبني عليها، وتقضي الطواف بعد الحج (2). وعن المجلسي (قده) (3) في وجه الفرق ما محصله: أن في الصورة الاولى لا تقدر على نية العمرة، لانها تعلم أنها لا تطهر ] (1) قال في كتاب الفقه الرضوي: (وإذا حاضت المرأة من قبل أن تحرم، فعليها أن تحتشي إذا بلغت الميقات، وتغتسل، وتلبس ثياب احرامها، وتدخل مكة وهي محرمة، ولا تدخل المسجد الحرام. فان طهرت ما بينها وبين يوم التروية قبل الزوال فقد أدركت متعتها، فعليها أن تغتسل، وتطوف بالبيت، وتسعى بين الصفا والمروة، وتقضي ما عليها من المناسك. وإن طهرت بعد الزوال...) (* 1). إلى آخر ما في المتن. (2) لا يحضرني هذا القائل. كما أن تعليله ظاهر الضعف، فان مجرد عدم إدراكها لبعض أجزاء العمرة طاهرة لا يكفي في بطلان العمرة، ولا في وجوب العدول عنها. ومجرد إدراك بعض الاجزاء طاهرة لا يكفي في وجوب اتمامها، إذ لا دليل عليه. (3) المراد به: المولى محمد تقي المجلسي في شرحه على الفقيه. قال


____________
(* 1) مستدرك الوسائل باب: 57 من ابواب الطواف حديث: 3، وباب: 17 من أبواب أقسام الحج حديث: 2. لكنه في الموضعين اقتصر على صدر الحديث إلى قوله: " فتجعلها حجة مفردة ". وأما الذيل فهو مذكور في الحدائق الجزء: 14 صفحة: 345. كما ان الصدر مذكور في صفحة: 339 منه.

===============

( 240 )

[ للطواف وادراك الحج بخلاف الصورة الثانية، فانها حيث كانت طاهرة وقعت منها النية والدخول فيها. الخامس: ما نقل عن بعض، من أنها تستنيب للطواف ثم تتم العمرة وتأتي بالحج (1). لكن لم يعرف قائله (2). والاقوى من هذه الاقوال هو القول الاول. للفرقة الاولى من الاخبار، التي هي أرجح من الفرقة الثانية، لشهرة العمل بها دونها (3). وأما القول الثالث - وهو التخيير - فان كان ] في الحدائق: (هذه ترجمة كلامه: والحائض التي حاضت قبل الاحرام إنما لا تسعى بين الصفا والمروة لتأتي بجميع المناسك مع حج التمتع، لانها لا تقدر على نية عمرة التمتع، لانها تعلم أن لافعال الحج أوقاتا مخصوصة لو لم تفعلها في تلك الاوقات لم تصح حجتها. مثل الوقوف بعرفات، فانه لا يصح إلا يوم عرفة، وبالمشعر، فلا يصح إلا يوم النحر، ورمي الجمار. وإذا كانت في حال احرامها حائضا فظنت عدم النقاء إلى اليوم العاشر لا تقدر أن تنوي عمرة التمتع، فيتعين عليها نية حج الافراد. فاما إن لم تكن عند الاحرم حائضا تقدر أن تنوي عمرة التمتع... (إلى أن قال): وهذا وجه للجمع بين الاخبار الواردة في هذا الباب). (1) حكي ذلك في الجواهر عن بعض الناس. (2) وفى الجواهر: (فلم نعرف قائله، ولا دليله..) ونحوه في المستند. (3) أقول: شهرة العمل لا تصلح للترجيح، كما حقق في الاصول. والشهرة. المذكورة في روايات الترجيح - هي شهرة الرواية وكثرة رواتها كما لا يخفى.

===============

( 241 )

[ المراد منه الواقعي، (1) بدعوى: كونه مقتضى الجمع بين الطائفتين. ففيه: أنهما يعدان من المتعارضين (2)، والعرف لا يفهم التخيير منهما، والجمع الدلالي فرع فهم العرف من ملاحظة الخبرين ذلك. وإن كان المراد التخيير الظاهري العملي (3)، فهو فرع مكافئة الفرقتين، والمفروض أن الفرقة الاولى أرجح، من حيث شهرة العمل بها (4). وأما التفصيل ] (1) بأن يراد منه كون الحكم الواقعي التخيير، فهو تخيير في المسألة الفرعية. (2) لاشتمال كل من الدليلين على الامر بأحد الطرفين، الظاهر في الوجوب. وحمله عل الوجوب التخييري، أو الرخصة في الفعل، خلاف الظاهر. (3) يعني: التخيير في المسألة الاصولية، بأن يختار المكلف أحد المتعارضين فيتعين عليه العمل به. (4) ودليل التخيير بين المتعارضين يختص بصورة عدم المرجح لاحدهما على الآخر، أما مع وجود المرجح يتعين الاخذ بالراجح ولا تخيير. لكن عرفت الاشكال في الترجيح بموافقة الشهرة الفتوائية. مضافا إلى ما يتوجه على هذه الطائفة: بأنها تتضمن التحديد بزوال يوم التروية، وقد سبق، أن الاخبار المتضمنة لذلك مردودة لا مجال للعمل بها، كغيرها من التحديدات التي لم يقل بها المشهور. اللهم إلا أن يدفع: بأن مصحح اسحاق خال عن التحديد (* 1). وصحيح جميل، وان اشتمل على التحديد بزوال يوم التروية، لكن مورده صورة استمرار الحيض إلى ما بعد قضاء المناسك،


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج. ملحق حديث: 13. وقد تقدم ذلك في المسألة الرابعة من الفصل.

===============

( 242 )

[ المذكور فموهون بعدم العمل (1). مع أن بعض أخبار القول الاول ظاهر في صورة كون الحيض بعد الدخول في الاحرام (2) ] كما يظهر من قوله (ع): (ثم تقيم حتى تطهر) (* 1)، ولا مانع من خروج المرأة - في الصورة المذكورة - إلى عرفات يوم التروية بعد عدولها عن الحج. نعم صحيح ابن بزيع لا مرد للاشكال عليه (* 2). لكن يكفي - في إثبات القول المشهور - صحيح جميل، ومصحح اسحاق. وأما أخبار القول الثاني فالعمدة فيها: صحيح العلاء بن صبيح والجماعة معه (* 3) وهو - بعد اشتماله على التحديد بيوم التروية - لا مجال للاعتماد عليه، كنظائره. ومن ذلك يتوجه الاشكال على بعض روايات عجلان أبي صالح (* 4) مضافا إلى اشكال الضعف في السند المشترك بين جميعها. ولاجله لا مجال - أيضا - للاخذ بما هو خال عن التحديد منها. ومن ذلك يظهر: عدم جواز الاعتماد على أخبار القول الثاني. ولا سيما بملاحظة هجرها، وإعراض الاصحاب عنها، عدا النادر. لاجل ذلك لا تصلح لمعارضة الاخبار الاولة. (1) فانه لم ينقل عن أحد من القدماء، ولا المتأخرين، ولا متأخري المتأخرين، وإنما نقل عمن سبق. (2) مثل صحيح ابن بزيع، ومصحح اسحاق بن عمار، فان ظاهر


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 2. وقد تقدم ذلك في المسألة: 4 من الفصل. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 14. وقد سبق ذكر الرواية في المسألة: 3 من الفصل. (* 3) الوسائل باب: 84 من أبواب الطواف حديث: 1. وقد تقدم ذلك في المسألة: 4 من الفصل. (* 4) الوسائل باب: 84 من أبواب الطواف حديث: 3، 6، 10. وقد تقدم ذلك في المسألة: 4 من الفصل.

===============

( 243 )

[ نعم لو فرض كونها حائضا حال الاحرام، وعلمت بأنها لا تطهر لادراك الحج، يمكن أن يقال: يتعين عليها العدول إلى الافراد من الاول (1)، لعدم فائدة في الدخول في العمرة ثم العدول إلى الحج. وأما القول الخامس فلا وجه له (2)، ولا له قائل معلوم. (مسألة 5): إذا حدث الحيض وهي في أثناء طواف عمرة التمتع، فان كان قبل تمام أربعة أشواط بطل طوافها على الاقوى (3). وحينئذ فان كان الوقت موسعا أتمت عمرتها ] قوله فيه: (تجئ متمتعة) أنها تجئ إلى مكة، ومن المعلوم أن دخول مكة للتمتع إنما يكون بعد الاحرام. وأما ما ذكره المجلسي (قده): من أنها في الصورة الاولى لا تقدر على نية العمرة، فان كان المراد أنها لا تقدر على النية الجزمية، ففي الصورة الثانية أيضا لا تقدر، لاحتمال طروء الحيض واستمراره إلى وقت الوقوف. وإن كان المراد أنها لا تقدر على النية الرجائية فهو ممنوع. (1) كما سبق في ذيل المسألة السابقة. (2) إذ لا دليل على الاستنابة في الطواف في المقام، ولا وجه لرفع اليد عن الاخبار الواردة في المسألة التي عرفتها. (3) على المشهور شهرة عظيمة، بل لا يعرف الخلاف فيه إلا من الصدوق، فصحح الطواف والمتعة. لصحيح محمد بن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة طافت ثلاثة أطواف - أو أقل من ذلك - ثم رأت دما. قال (ع): تحفظ مكانها، فإذا طهرت طافت بقيته واعتدت

===============

( 244 )

بما مضى) (* 1). قال في الفقيه: (قال مصنف هذا الكتاب - رضي الله عنه _: وبهذا الحديث أفتي) دون الحديث الذي رواه ابن مسكان، عن ابراهيم بن اسحاق، عمن سأل أبا عبد الله (ع) عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثم طمثت، قال (تتم طوافها، وليس عليها غيره ومتعتها تامة، ولها أن تطوف بين الصفا والمروة. ولانها زادت على النصف وقد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج. وإن هي لم تطف إلا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج. فان أقام بها جمالها فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر) (* 2). لان هذا الحديث اسناده منقطع، والحديث الاول رخصة ورحمة، واسناده متصل...). وفيه: أن الصحيح مطلق والمرسل مختص بالمتمتعة، فيتعين التقييد به. وأيضا فان المرسل المذكور رواه الشيخ مسندا عن إبراهيم بن أبي اسحاق، عن سعيد الاعرج (* 3). كما رواه مرسلا عمن سأل أبا عبد الله (ع). وروي أيضا - في الصحيح - عن ابن مسكان عن أبي اسحاق صاحب اللؤلؤ. قال: (حدثني من سمع أبا عبد الله (ع) يقول في المرأة المتمتعة: إذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثم حاضت فمتعتها تامة، وتقضي ما فاتها من الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وتخرج إلى منى قبل أن تطوف الطواف الآخر) (* 4)، ورواه الكليني (ره) - إلى قوله: (فمتعتها تامة)، (* 5) فان مفهومه عدم تمامية المتعة إذا طافت أقل من ذلك. مع أن ضعف السند مجبور بالاعتماد عليه من الاصحاب.


____________
(* 1) الوسائل باب: 85 من أبواب الطواف حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 85 من أبواب الطواف حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 86 من أبواب الطواف حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 86 من أبواب الطواف حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 86 من ابواب الطواف ملحق حديث: 2.

===============

( 245 )

[ بعد الطهر، وإلا فلتعدل إلى حج الافراد، وتأتي بعمرة مفردة بعده (1). وإن كان بعد تمام أربعة أشواط فتقطع الطواف (2)، وبعد الطهر تأتي بالثلاثة الاخرى، وتسعى، وتقصر مع سعة الوقت (3). ] ولا سيما مع تأييده بما دل على صحة الطواف إذا طرأ الحيض بعدد تجاوز النصف وبطلانه إذا كان قبل ذلك، كخبر أبي بصير (* 1)، وأحمد بن عمر الحلال (* 2). (1) لما سبق. (2) بلا إشكال. للحدث المانع من صحته. يعني: قبل الاحرام للحج. والذي يظهر من عبارة القواعد: أنها تسعى، وتقتصر في حال الحيض، ويكون المأتي به من الاشواط الاربعة بمنزلة الطواف التام. قال (ره): (ولو طافت أربعا فحاضت، سعت وقصرت. وصحت متعتها، وقضت باقي المناسك وأتمت بعد الطهر. ولو كان أقل فحكمها حكم من لم تطف، فتنتظر الطهر، فان حضر وقت الوقوف ولم تطهر خرجت إلى عرفة وصارت حجتها مفردة، وان طهرت وتمكنت من طواف العمرة وأفعالها صحت متعتها، وإلا صارت مفردة) فان تفصيله في الاخير كالصريح في عدم التفصيل في الاول. ولكنه غير ظاهر، بل هو خلاف ما دل على الترتيب بين الطواف والسعي وبين العمرة والحج. والرواية الاولى واردة في الضيق. والثانية لا تخلو من تشويش،


____________
(* 1) الوسائل باب: 85 من أبواب الطواف حديث: 1. (* 2) الوسائل باب، 85 من أبواب الطواف حديث: 2.

===============

( 246 )

[ ومع ضيقة تأتي بالسعي وتقصر (1)، ثم تحرم للحج وتأتي بأفعاله، ثم تقضي بقية طوافها - قبل طواف الحج أو بعده - ثم تأتي ببقية أعمال الحج، وحجها صحيح تمتعا. وكذا الحال إذا حدث الحيض بعد الطواف وقبل صلاته (2). ] فالخروج عن القواعد غير ظاهر، وان كان في الجواهر جعل ما في المتن أولى وأحوط. (1) لما سبق من الخبرين، وعليه جمهور الاصحاب. وخالف ابن ادريس فأبطل المتعة. قال (ره): (والذي تقتضيه الادلة: أنه إذا جاء الحيض قبل جميع الطواف فلا متعة لها. وإنما ورد بما قاله شيخنا أبو جعفر خبران مرسلان، فعمل عليهما. وقد بينا أنه لا يعمل بأخبار الآحاد وإن كانت مسندة، فكيف بالمراسيل؟!...). ومال إليه في المدارك، عملا بالقواعد، لاشتراط الترتيب بين السعي وتمام الطواف وبين أفعال الحج وتمام أفعال العمرة. وبصحيح ابن بزيع المتقدم (* 1). وإشكاله ظاهر، لانجبار المرسلين بالعمل، فيخرج بهما عن القواعد، وعن إطلاق صحيح ابن بزيع. (2) قال في المدارك: (ولو حاضت بعد الطواف وقبل صلاة الركعتين، فقد صرح العلامة وغيره بأنها تترك الركعتين، وتسعى، وتقصر فإذا فرغت من المناسك قضتهما. واستدل عليه في المنتهى بما رواه الشيخ عن أبي الصباح الكناني، قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة طافت بالبيت في حج أو عمرة، ثم حاضت قبل أن تصلي الركعتين. قال (ع):


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 14. وقد سبق ذكر الرواية في المسألة: 3 من الفصل.

===============

( 247 )

[ فصل في المواقيت وهي المواضع المعينة للاحرام، أطلقت عليها مجازا، أو حقيقة متشرعة (1). ] إذا طهرت فلتصل ركعتين عند مقام ابراهيم (ع)، وقد قضت طوافها) (* 1) وفى الدلالة نظر، وفى الحكم اشكال). ووجه النظر في الدلالة: عدم التعرض في الرواية لجواز فعل مناسك الحج قبل صلاة الركعتين. ووجه الاشكال في الحكم: عدم الدليل عليه الموجب للخروح عما دل على اعتبار الترتيب كما سبق. لكن عرفت الدليل على الحكم في الصورة السابقة، ففي هذه الصورة أولى. وتشتركان في لزوم الانتظار في السعة، ووجوب المبادرة إلى فعل مناسك الحج في الضيق. والله سبحانه ولي التوفيق. فصل في المواقيت (1) في المصباح المنير: (الوقت: مقدار من الزمان مفروض لامر ما وكل شئ قدرت له حينا فقد وقته توقيتا، وكذلك ما قدرت له غاية، والجمع أوقات والميقات الوقت، والجمع مواقيت. وقد استعير الوقت للمكان، ومنه: مواقيت الحج موضع الاحرام). ونحوه ما في النهاية الاثيرية. لكن في الصحاح: (الميقات: الوقت المضروب للفعل والموضع يقال: هذا ميقات أهل الشام، للموضع الذي يحرمون منه). ونحوه


____________
(* 1) الوسائل باب: 88 من أبواب الطواف حديث: 2.

===============

( 248 )

[ والمذكور منها في جملة من الاخبار خمسة (1)، وفي بعضها ستة (2). ] كلام القاموس. وظاهرهما أن استعماله في المواضع المذكورة على وجه الحقيقة. اللهم إلا أن يكون المراد أنه حقيقة متشرعية لا لغوية. (1) قد اختلفت كلمات الاصحاب (رض) في تعدادها، فمنهم من ذكر خمسة، ومنهم من ذكر ستة، ومنهم من ذكر سبعة، ومنهم من ذكر عشرة. وليس ذلك اختلافا في الحكم، وإنما هو لاختلاف أنظارهم في الجهة الملحوظة في ذكر العدد. وكذلك النصوص الشريفة اختلفت في ذكر العدد، فمنها ما ذكر فيه خمسة، كصحيح الحلبي: (قال أبو عبد الله (ع): الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها: وقت لاهل المدينة: ذا الحليفة، وهو مسجد الشجرة، يصلي فيه، ويفرض الحج، ووقت لاهل الشام: الجحفة، ووقت لاهل نجد: العقيق، ووقت لاهل الطائف: قرن المنازل، ووقت لاهل اليمن: يلملم. ولا ينبغي لاحد أن يرغب عن مواقيت رسول الله صلى الله عليه وآله (* 1). ونحوه صحيح أبي أيوب الخزاز (* 2) وغيره. (2) كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (قال: من تمام الحج والعمرة: أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، لا تجاوزها إلا وأنت محرم، فانه وقت لاهل العراق - ولم يكن يومئذ عراق -: بطن العقيق من قبل أهل العراق، ووقت لاهل اليمن: يلملم، ووقت لاهل الطائف: قرن المنازل، ووقت لاهل المغرب: الجحفة - وهي مهيعة -


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 1.

===============

( 249 )

[ ولكن المستفاد من مجموع الاخبار: أن المواضع التي يجوز الاحرام منها عشرة (1): أحدها: ذو الحليفة، وهي ميقات أهل المدينة ومن يمر على طريقهم (2). وهل هو مكان فيه مسجد الشجرة، أو نفس المسجد (3)؟ قولان وفي جملة من الاخبار: أنه هو الشجرة (4)، ] ووقت لاهل المدينة: ذا الحليفة. ومن كان منزله خلف هذه المواقيت مما يلي مكة فوقته منزله) (* 1) (1) وعليه فتوى الفقهاء، كما عرفت، ويأتي. (2) بلا ريب، نصا وفتوى في الجملة. (3) قد اختلفت عبارات الاصحاب في تعيين الميقات المذكور، فالمحكي عن المقنعة، والناصريات، وجمل العلم والعمل، والكافي، والاشارة: أنه ذو الحليفة. وفى الشرائع والقواعد، وعن النافع والجامع: أنه مسجد الشجرة لكن عن المعتبر والمهذب وكتب الشيخ والصدوق والقاضي وسلار وابني زهرة وإدريس والتذكرة والمنتهى والتحرير: أنه ذو الحليفة، وأنه مسجد الشجرة. (4) في صحيح علي بن رياب قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الاوقات التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله للناس. فقال (ع): إن رسول الله صلى الله عليه وآله وقت لاهل المدينة: ذا الحليفة، وهي الشجرة... (* 2) وفى خبر علي ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع) قال: (سألته عن المتعة في الحج، من أين إحرامها وإحرام الحج؟ قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل العراق من


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 7.

===============

( 250 )

[ وفي بعضها أنه مسجد الشجرة (1). وعلى أي حال فالاحوط الاقتصار على المسجد، إذ مع كونه هو المسجد فواضح، ومع كونه مكانا فيه المسجد فاللازم حمل المطلق على المقيد (2) ] العقيق، ولاهل المدينة ومن يليها من الشجرة) (* 1) ونحوهما صحيح ابن سنان الآتي في المحاذاة (* 2) وصحيح الحلبي الآتي أيضا في المسألة الاولى (* 3) وغيرهما. (1) كما تقدم في صحيح الحلبي. وفى صحيح رفاعة: (ووقت لاهل المدينة ذا الحليفة، وهو مسجد الشجرة) (* 4). وفى مرسل الحسين بن الوليد: (لاي علة أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله من مسجد الشجرة ولم يحرم من موضع دونه) (* 5). (2) فيه تأمل، لان نسبة المسجد إلى ذي الحليفة - بناء على أنه المكان الذي فيه المسجد - نسبة الجزء إلى الكل، لا الفرد إلى الكلي التي هي نسبة المقيد إلى المطلق، فيكون المراد من ذي الحليفة جزأه مجازا. وعليه يكون الدوران بين المجاز المذكور وبين حمل تعيين المسجد على الاستحباب وكون الاول أولى غير ظاهر. هذا بالنظر إلى ما أقتصر فيه على أحد الامرين - أعني: ذا الحليفة ومسجد الشجرة - أما بالنظر إلى ما جمع فيه بين الامرين على وجه التفسير -


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب المواقيت حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب المواقيت حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 11. وقد جاء ذلك في المصدر بلا سند إلا أن عطفه على ما سبق لرفاعة من رواية لعله يقتضي اسناد الرواية المذكورة إليه أيضا. (* 5) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 13.

===============

( 251 )

[ لكن مع ذلك الاقوى جواز الاحرام من خارج المسجد - ولو اختيارا - وإن قلنا أن ذا الحليفة هو المسجد. وذلك لان مع الاحرام من جوانب المسجد. يصدق الاحرام منه عرفا، إذ فرق بين الامر بالاحرام من المسجد أو بالاحرام فيه (1). هذا مع إمكان دعوى: أن المسجد حد للاحرام فيشمل جانبيه مع محاذاته (2). وإن شئت فقل: المحاذاة كافية ولو مع القرب من الميقات ] كصحيح الحلبي وغيره - فلا مجال لشئ من ذلك، إذ قوله (ع) فيه: (وهو مسجد الشجرة) لا بد من الاخذ بالتفسير فيه على كل حال وإن لم نقل بوجوب حمل المطلق على المقيد، كما هو ظاهر. (1) هذا الفرق إنما يقتضي جواز الاحرام من جوانب المسجد المتصلة به، ولا يسوغ الاحرام من جوانبه مع عدم الاتصال، لان الابتداء حينئذ لا يكون من المسجد، كما لا يخفى. (2) فيكون المراد، من كون المسجد الميقات: أنه موضع للاحرام بلحاظ البعد عن مكة، فجميع ما يحاذيه من المواضع المساوية له في البعد يجوز الاحرام منها. وهذا هو العمدة في اثبات جواز الاحرام خارج المسجد. وعن المحقق الثاني في حاشية القواعد: أن جواز الاحرام من الموضع المسمى بذي الحليفة وإن كان خارج المسجد لا يكاد يدفع. انتهى. وإلى ذلك مال في الجواهر في مبحث المحاذاة. واستشهد له باطلاق الاحرام مع المحاذاة لمسجد الشجرة في صحيح ابن سنان الآتي (* 1)، ولو وجب الاحرام من نفس المسجد لوجب الامر به في الصحيح.


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب المواقيت حديث: 1. ويأتي ذكر الرواية في الميقات التاسع، وهو المحاذاة.

===============

( 252 )

(تنبيه) قال في كشف اللثام: (وفى الصحاح: ذو الحليفة: موضع. وفى القاموس: موضع على ستة أميال من المدينة، وهو ماء لبني جشم. وفى تحرير النووي: يضم الحاء المهملة، وفتح اللام، وبالفاء: على نحو ستة أميال من المدينة - وقيل: سبعة، وقيل: أربعة - ومن مكة نحو عشرة مراحل. ونحو منه في تهذيبه. وفى المصباح المنير: ماء من مياه بني جشم ثم سمي به الموضع، وهو ميقات أهل المدينة، نحو مرحلة منها. ويقال: على ستة أميال. قلت: ويقال: على ثلاثة، ويقال: على خمسة ونصف. وفى المبسوط والتذكرة: أنه مسجد الشجرة، وأنه على عشرة مراحل عن مكة، وعن المدينة ميل. ووجه: بأنه ميل إلى منتهى العمارات في وادي العقيق التي ألحقت بالمدينة. وقال فخر الاسلام في شرح الارشاد. ويقال لمسجد الشجرة: ذو الحليفة. وكان قبل الاسلام اجتمع فيه ناس وتحالفوا. ونحوه في التنقيح. وقيل: الحليفة تصغير الحلفة - بفتحات - واحدة الحلفاء، وهو النبات المعروف. وينص على ستة أميال: صحيح ابن سنان عن الصادق (ع)... إلى أن قال: وقال السمهوري في خلاصة الوفاء: قد اختبرت فكان من عتبة باب المسجد النبوي - المعروف بباب السلام - إلى عتبة مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع، وسبعمائة ذراع، واثنان وثلاثون ذراعا ونصف ذراع...). ولا ريب في عدم الفائدة في هذا الاختلاف، لان المسجد لم يزل

===============

( 253 )

[ (مسألة 1): الاقوى عدم جواز التأخير إلى الجحفة - وهي ميقات أهل الشام - اختيارا (1). نعم يجوز مع الضرورة، لمرض، أو ضعف، أو غيرهما من الموانع. لكن ] معروفا من صدر الاسلام إلى اليوم، كما أشار إلى ذلك في الجواهر. بل الغريب وقوع الاختلاف المذكور على النهج المزبور، كما لا يخفى. وأما النص - في صحيح ابن سنان - على أنه ستة أميال عن المدينة فغير ظاهر، لجواز اختلاف المتحاذيين مسافة بالنسبة إلى مكان ثالث كما نشير إليه في الميقات التاسع. (1) كما هو المشهور شهرة عظيمة، بل لا يعرف الخلاف فيه إلا من نادر. لرواية ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن موسى (ع) قال: (سألته عن قوم قدموا المدينة. فخافوا كثرة البرد وكثرة الايام - يعني: الاحرام من الشجرة - فأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها. قال (ع): لا - وهو مغضب - من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلا من المدينة) (* 1)، وخبر أبي بصير: (قلت لابي عبد الله (ع): خصال عابها عليك أهل مكة. قال: وما هي؟ قلت: قالوا: أحرم من الجحفة ورسول الله صلى الله عليه وآله أحرم من الشجرة. فقال: الجحفة أحد الوقتين، فأخذت بأدناهما وكنت عليلا) (* 2)، وخبر أبي بكر الحضرمي قال: (قال أبو عبد الله (ع): إني خرجت بأهلي ماشيا فلم أهل حتى أتيت الجحفة - وقد كنت شاكيا - فجعل أهل المدينة يسألون عني فيقولون: لقيناه وعليه ثيابه وهم لا يعلمون، وقد رخص رسول الله صلى الله عليه وآله


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب المواقيت حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب المواقيت حديث: 4.

===============

( 254 )

لمن كان مريضا أو ضعيفا أن يحرم من الجحفة) (* 1). مضافا إلى النصوص - المتقدمة وغيرها - المتضمنة: أن مسجد الشجرة ميقات أهل المدينة، الظاهرة في التعيين. وعن الجعفي وابن حمزة في الوسيلة: جواز الاحرام من الجحفة اختيارا. واستدل لهما بصحيح علي بن جعفر عن أخيه (ع) الوارد في مواقيت الاحرام: (وأهل المدينة من ذي الحليفة والجحفة) (* 2)، وصحيح معاوية بن عمار: (أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل من أهل المدينة أحرم من الجحفة. فقال (ع): لا بأس) (* 3)، وصحيح الحلبي: (سألت أبا عبد الله (ع): من أين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال (ع): من الجحفة. ولا يجاوز الجحفة إلا محرما) (* 4) ولاجلها تحمل نصوص تعيين مسجد الشجرة على الافضل. وأما خبر عبد الحميد المتقدم، فمن المحتمل أن يكون المراد من قوله (ع): (من دخل المدينة...) الحصر بالاضافة إلى ذات عرق، وإلا فمفروض السؤال فيه خوف البرد، وهو من الضرورة. وكذلك خبر أبي بصير، إذ يحتمل أن يكون المراد منه الاعابة بلحاظ ترك الافضل، واعتذاره (ع): بأنه عليل عن ذلك أيضا. وعلو مقامه الشريف عند أهل المدينة يقتضي ذلك، وهو الذي يناسب جدا مع قوله (ع): (الجحفة أحد الوقتين). نعم خبر الحضرمي ظاهر في حصر الرخصة في المريض والضعيف،


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب المواقيت حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب المواقيت حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب المواقيت حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 6 من أبواب المواقيت حديث: 3.

===============

( 255 )

[ خصها بعضهم بخصوص المرض والضعف (1)، لوجودهما في الاخبار (2)، فلا يلحق بهما غيرهما من الضرورات. والظاهره إرادة المثال (3) فالاقوى جوازه مع مطلق الضرورة. (مسألة 2): يجوز لاهل المدينة ومن أتاها العدول إلى ميقات آخر كالجحفة أو العقيق، فعدم جواز التأخير إلى الجحفة إنما هو إذا مشى من طريق ذي الحليفة (4). بل ] فيدل على نفي الرخصة لغيرهما. وعليه لا بد من التصرف في غيره. وحينئذ فلا يبعد أن يحمل صحيح ابن جعفر (ع) على كون الجحفة ميقاتا اضطراريا، وصحيح معاوية على كون الرجل - الذي أحرم من الجحفة - من متوطني المدينة. ويكون وجه السؤال: توهم أن سكان المدينة لا بد أن يحرموا من ذي الحليفة. وأما صحيح الحلبي فمورده من جاوز الشجرة وليس فيه تعرض للمنع من مجاوزتها بدون إحرام. والاقوى - إذا - ما هو المشهور. (1) ذلك ظاهر الجواهر، فانه فسر الضرورة - المذكورة في الشرائع - بقوله: (التي هي المرض، والضعف). (2) يشير به إلى خبر أبي بكر الحضرمي، فقد اشتمل عليهما. وإلى خبر أبي بصير، فقد ذكر فيه العلة، وهي المرض. (3) كما هو ظاهر الاصحاب، حيث أطلقوا ولم يخصوا الحكم بهما. (4) كما صرح به في المدارك، وتبعه في المستند، وحكاه عن الدروس أيضا. وقال في الجواهر: (ثم لا يخفى عليك أن الاختصاص بالضرورة مع المرور على الميقات الاول، فلو عدل عن طريقه - ولو من المدينة

===============

( 256 )

[ الظاهر أنه لو أتى إلى ذي الحليفة ثم أراد الرجوع منه والمشي من طريق آخر جاز. بل يجوز أن يعدل عنه من غير رجوع (1) من الذي لا يجوز هو التجاوز عن المياقت محلا، وإذا عدل إلى طريق آخر لا يكون مجاوزا وإن كان ذلك وهو في ذي الحليفة. وما في خبر إبراهيم بن عبد الحميد، من المنع عن العدول إذا أتى المدينة - مع ضعفه (2) - منزل على الكراهة. (مسألة 3): الحائض تحرم خارج المسجد على المختار (3). ويدل عليه - مضافا إلى ما مر - مرسلة يونس في كيفية إحرامها: " ولا تدخل المسجد، وتهل بالحج ] ابتداء _ جاز وأحرم منها اختيارا، لانها أحد الوقتين). (1) لم أقف على من نص على ذلك فيما يحضرني، لكن يستفاد من كلامهم جواز ذلك، فانهم ذكروا: أن المستفاد من الادلة حرمة العبور عن الميقات بلا إحرام، حتى أفتى في المدارك والجواهر: بأن من تجاوز مسجد الشجرة إلى الجحفة أحرم من الجحفة وإن أثم بذلك. فإذا وصل إلى مسجد الشجرة ولم يتجاوزه، وتنكب الطريق إلى أن وصل إلى طريق ينتهى به إلى الجحفة، فلم يحصل منه التجاوز عن الميقات بلا إحرام، كان حكمه الاحرام من الجحفة من دون لزوم إثم عليه. (2) طعن في المدارك في سنده: بأن ابراهيم بن عبد الحميد واقفي، وأن في رجاله جعفر بن محمد بن حكيم، وهو مجهول، لكن الاول غير قادح مع الوثاقة. (3) ويجوز لها الاحرام منه في حال الاجتياز.

===============

( 257 )

[ بغير صلاة " (1). وأما على القول بالاختصاص بالمسجد، فمع عدم إمكان صبرها إلى أن تطهر (2) تدخل المسجد وتحرم في حال الاجتياز إن أمكن، وإن لم يمكن - لزحم أو غيره - أحرمت خارج المسجد، وجددت في الجحفة أو محاذاتها (3). ] (1) رواها في الكافي عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الحائض تريد الاحرام. قال (ع): تغتسل، وتستثفر، وتحتشي بالكرسف وتلبس ثوبا دون ثياب إحرامها، وتستقبل القبلة، ولا تدخل المسجد، وتهل بالحج بغير صلاة) (* 1). والرواية - كما ترى - مسندة لا مرسلة، ولا يظهر منها ورودها فيما نحن فيه، بل لعل ظاهر قوله (ع): (وتهل بالحج..) أنها واردة في إحرام الحج لا إحرام العمرة. (2) وكذا مع إمكان صبرها، لجواز الاجتياز للحائض. (3) قال في المستند: (فرع: وإذ عرفت تعين الاحرام من مسجد الشجرة، فلو كان المحرم جنبا أو حائضا أحرما منه مجتازين، لحرمة اللبث. فان تعذر بدونه، فهل يحرمان من خارجه - كما صرح به الشهيد الثاني والمدارك والذخيرة - لوجوب قطع المسافة من المسجد إلى مكة محرما أم يؤخرانه إلى الجحفة لكون العذر ضرورة مبيحة للتأخير؟ الاحوط الاحرام منهما. وإن كان الاظهر الثاني، لما ذكر. ولعدم الدليل على توقيت الخارج لمثلهما. ومنع وجوب قطع المسافة محرما عليه. وتمثيل الضرورة في الاخبار بالمرض والضعف لا يوجب التخصيص بعد اتحاد العلة قطعا. ولعدم القول بالفصل ظاهرا).


____________
(* 1) الوسائل باب: 48 من ابواب الاحرام حديث: 2.

===============

( 258 )

[ (مسألة 4): إذا كان جنبا ولم يكن عنده ماء جاز له أن يحرم خارج المسجد (1). والاحوط أن يتيمم للدخول والاحرام. ويتعين ذلك على القول بتعيين المسجد (2). وكذا الحائض إذا لم يكن لها ماء بعد نقائها (3). الثاني: العقيق (4)، ] أقول: الحاق الحيض بالضرورة غير ظاهر - حتى بناء على عدم الاقتصار على المرض والضعف - لان التعدي منهما إنما يكون إلى ما يمنع من استمرار الاحرام من الميقات السابق إلى اللاحق، والحيض ليس كذلك بل هو مانع من مجرد الانشاء، فلا يتعدى إليه. نعم الاشكال في بدلية الخارج - لعدم الدليل عليها - في محله. ومثله وجوب قطع المسافة. وحينئذ لا مانع من ترك الاحرام، ويكون إحرامه من الجحفة، أو ما يحاذيها إذا كان بعيدا عنها. (1) وجاز له الاحرام من المسجد مجتازا. (2) لعموم بدلية التراب عن الماء. فيقصد بالتيمم البدلية عن غسل الجنابة للكون في المسجد، أو عن غسل الاحرام. وهذا التعين يختص بصورة عدم إمكان الاحرام مجتازا، وإلا فلا موجب له. (3) لا مكان التيمم بدلا عن الغسل. أما قبل نقائها فلا يشرع التيمم لانه لا يقتضي الاباحة، فضلا عن رفع الحدث، وبذلك افترقت الحائض عن الجنب. ولذلك تعرض لهما المصنف في مسألتين، بخلاف غيره فذكرا في كلامه في مسألة واحدة. (4) إجماعا محققا، حكاه جماعة كثيرة من الاصحاب. وفى كشف اللثام: (وهو - في اللغة -: كل واد عقه السيل - أي شقه - فأنهره

===============

( 259 )

[ وهو ميقات أهل نجد، والعراق (1)، ] ووسعه، وسمى به أربعة أودية في بلاد العرب، أحدها: الميقات. وهو واد يتدفق سيله في غوري تهامة، كما في تهذيب اللغة). (1) قد ذكر الاول في صحيح الحلبي المتقدم (* 1)، وفى صحيح أبي أيوب الخزاز عن أبي عبد الله (ع): (ووقت لاهل نجد: العقيق وما أنجدت) (* 2). وفى صحيح علي بن رياب: (ولاهل نجد: العقيق) (* 3). وفى صحيح رفاعة: (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله العقيق لاهل نجد. وقال: هو وقت لما أنجدت الارض، وأنتم منهم) (* 4). وذكر الثاني في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله صلى الله عليه وآله: (من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله لا تتجاوزها إلا وأنت محرم. فانه وقت لاهل العراق - ولم يكن يومئذ عراق - بطن العقيق من قبل أهل العراق...) (* 5). وفى صحيح علي بن جعفر (ع) عن أخيه (ع): (أما أهل الكوفة وخراسان وما يليهم فمن العقيق...) (* 6) وفى صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع): (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل المشرق العقيق، نحوا من بريدين ما بين بريد البعث إلى غمرة...) (* 7) وفى خبر علي بن جعفر: (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل العراق من


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب المواقيت حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 7. (* 4) الوسائل باب: 1 من ابواب المواقيت حديث: 10. (* 5) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 5. (* 7) الوسائل باب: 1 من ابواب المواقيت حديث: 6.

===============

( 260 )

[ ومن يمر عليه من غيرهم (1). وأوله: المسلخ، وأوسطه: غمرة، وآخره: ذات عرق (2). والمشهور جواز الاحرام ] العقيق...) (* 1). ونحوها غيرها. (1) كما يستفاد من صحيح عمر بن يزيد، وعلي بن جعفر، وصحيح رفاعة، وصحيح الخزاز، وغيرها. وسيأتي التعرض لذلك في المسألة الخامسة. (2) قد اشتهر ذلك في كلماتهم. وفى الحدائق: (صرح الاصحاب (رض) بأن العقيق - المتقدم في الاخبار - أوله: المسلخ، ووسطه: غمرة، وآخره ذاق عرق، وأن الافضل الاحرام من أوله، ثم وسطه). ويشهد له خبر أبي بصير، قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: حد العقيق: أوله المسلخ، وآخره ذات عرق) (* 2). ومرسل الصدوق في الفقيه: (قال الصادق (ع): وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل العراق العقيق. وأوله: المسلخ، ووسطه: غمرة، وآخره: ذات عرق. وأوله أفضله) (* 3) وخبر إسحاق بن عمار - المتقدم في مبحث جواز خروج المتمتع من مكة - قال (ع) فيه: (كان أبي مجاورا ههنا، فخرج يتلقى بعض هؤلاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج) (* 4). نعم في خبر أبي بصير الاخر عن أحدهما (ع) قال: (حد العقيق: ما بين المسلخ إلى عقبة غمرة) (* 5) وظاهره خروج غمرة، فضلا عن


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب المواقيت حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب المواقيت حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 2 من أبواب المواقيت حديث: 9. (* 4) الوسائل باب: 22 من أبواب أقسام الحج حديث: 8. (* 5) الوسائل باب: 2 من ابواب المواقيت حديث: 5.

===============

( 261 )

ذات عرق. وأظهر منه صحيح عمر بن يزيد السابق (* 1). وفى صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (أول العقيق: بريد البعث وهو دون المسلخ بستة أميال، مما يلي العراق. وبينه وبين غمرة أربعة وعشرون ميلا، بريدان) (* 2) وفى مصححه الآخر عنه (ع) قال: (آخر العقيق: بريد أوطاس. وقال: بريد البعث دون غمرة ببريدين) (* 3) وظاهر الاول: أن آخر العقيق إلى غمرة، إذ لو كان زائدا على غمرة لذكر. وثانيهما قد يظهر منه أن ذات عرق ليست آخره، وإلا لكانت أولى بالذكر في مقام البيان، لانها أشهر وأعرف. كما أن مقتضى المصحح الاول: أن أوله قبل المسلخ بستة أميال، وهو يقتضي ظهور الثاني في ذلك أيضا، فيكونان مخالفين لما سبق في أول العقيق وآخره. لكن مخالفتهما لما سبق في أوله خلاف الاجماع المحقق - على الظاهر - المصرح به في كلامهم، فلا مجال للعمل بهما. وأما مخالفتهما لما سبق في آخره - وكذا مخالفة ما هو أظهر منهما في ذلك، وهو خبر أبي بصير، وصحيح عمر بن يزيد - فهي وإن لم تكن خلاف الاجماع، فقد حكي القول بمضمونها عن علي بن بابويه وعن ولده في المقنع، والشيخ في النهاية وعن الدروس متابعتهم، وظاهر المدارك الميل إليها. إلا أنها مهجورة عند الاصحاب، فانها - مع ما هي عليه من صحة السند، وقوة الدلالة في أكثرها، ومخالفة العامة - لم يلتفتوا إليها ولم يعولوا عليها، بل أعرضوا عنها وأهملوها، وذلك موجب لسقوطها عن الحجية.


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب المواقيت حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 2 من أبواب المواقيت حديث: 1.

===============

( 262 )

فان قلت: لعل وجه الاعراض عنها بناؤهم على الجمع بينها وبين الطائفة الاولى، بالحمل على الافضل. قلت: هو بعيد عن لسان تلك النصوص - ولاسيما مصحح عمر بن يزيد - فلا مجال لاحتمال ذلك منهم. ولاجل ذلك يشكل حمل نصوص المشهور على صورة التقية، بشهادة ما رواه في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، في جملة من كتبه إلى صاحب الزمان (عليه وعلى آبائه الكرام أفضل الصلاة والسلام): (أنه كتب إليه يسأله: عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء، ويكون متصلا بهم، يحج ويأخذ عن الجادة، ولا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخر إحرامه إلى ذات عرق، فيحرم معهم لما يخاف من الشهرة، أم لا يجوز أن يحرم إلا من المسلخ؟ فكتب إليه في الجواب: يحرم من ميقاته، ثم يلبس الثياب ويلبي في نفسه، فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهره) (* 1). فان التوقيع الشريف المذكور إن دل على خلاف المشهور فهو أيضا مطروح. على أن ظاهره تعين الاحرام من المسلح، فلا بد أن يحمل على الفضل، ويكون المراد من قول السائل فيه (يجوز... أم لا يجوز) من جهة ترك الافضل. بل من المحتمل أن ذلك مراد علي بن بابويه، فان الذي استظهر في الحدائق: أنه أفتى بمضمون الرضوي المحكي عنه: أنه (ع) قال فيه - بعد أن ذكر أن العقيق أوله المسلخ، ووسطه غمرة، وآخره ذات عرق، وأن أوله أفضل، ثم ذكر المواقيت الاخرى - (* 2): (ولا يجوز تأخيره عن الميقات إلا لعلل أو تقية، فإذا كان الرجل عليلا أو اتقى فلا بأس


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب المواقيت حديث: 10. (* 2) مستدرك الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 2.

===============

( 263 )

أن يؤخر الاحرام إلى ذات عرق) (* 1). ومن المعلوم أن ما ذكره أخيرا ينافي ما ذكر أولا، فمن المحتمل أن يحمل الاخير على إرادة ترك الافضل. وكذلك الصدوق في الفقيه، مع أنه لم يذكر في المخالفين للمشهور. فانه - بعد أن روى عن الصادق (ع) ما تقدم - ألحقه بقوله: (ولا يجوز الاحرام قبل بلوغ الميقات، ولا يجوز تأخيره عن الميقات إلا لعلة أو تقية. وإذا كان الرجل عليلا أو اتقى فلا بأس أن يؤخر الاحرام إلى ذات عرق). فان هذا المضمون عين مضمون الرضوي، والكلام فيه قد سبق. وقال في المقنع: (ولاهل العراق العقيق. وأول العقيق: المسلخ ووسطه: غمرة، وآخره: ذات عرق. ولا تؤخر الاحرام إلى ذات عرق إلا من علة. وأوله أفضله). وقال الشيخ في النهاية: (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لكل قوم ميقاتا على حسب طرقهم، فوقت لاهل العراق - ومن حج على طريقهم - العقيق. وله ثلاثة أوقات: أولها المسلخ - وهو أفضلها، ولا ينبغي أن يؤخر الانسان الاحرام منه إلا عند الضرورة - وأوسطه غمرة، وآخره ذات عرق. ولا يجعل إحرامه من ذات عرق إلا عند الضرورة والتقية، لا يتجاوز ذات عرق إلا محرما على حال). فهذه كلمات الجماعة الذين نسب إليهم الخلاف، ولا يبعد حمل الجميع على الافضل. وأما الشهيد في الدروس فقال: (ولاهل العراق العقيق. وأفضله المسلخ، وأوسطه غمرة، وآخره ذات عرق. وظاهر علي بن بابويه والشيخ في النهاية: أن التأخير إلى ذات عرق للتقية أو المرض، وما بين هذه الثلاثة من العقيق، فيسوغ الاحرام منه). فان آخر كلامه صريح في تجاوز العقيق عن غمرة إلى ذات عرق. وبالجملة: ما تضمن من النصوص


____________
(* 1) مستدرك الوسائل باب: 10 من أبواب المواقيت حديث: 1.

===============

( 264 )

[ من جميع مواضعه اختيارا، وأنم الافضل الاحرام من المسلخ ثم من غمرة. والاحوط عدم التأخير إلى ذات عرق إلا لمرض أو تقية، فانه ميقات العامة. لكن الاقوى ما هو المشهور. ويجوز - في حال التقية - الاحرام من أوله - قبل ذات عرق - سرا (1)، من غير نزع ما عليه من الثياب إلى ذات عرق، ثم إظهاره ولبس ثوبي الاحرام هناك (2). بل هو الاحوط. وإن أمكن تجرده وليس الثوبين سرا، ثم نزعهما ولبس ثيابه إلى ذات عرق، ثم التجرد وليس الثوبين فهو أولى (3). ] خروج ذات عرق عن العقيق كاد أن يكون مخالفا للاتفاق ظاهرا، فلا مجال للاخذ به. فالاقوى ما عليه المشهور. (1) كما تقدم ذلك في خبر الاحتجاج (* 1). (2) بناء على عدم كون لبسهما شرطا في انعقاد الاحرام، كما سيأتي. (3) بل لازم في تحصيل الاحتياط، لوجوب لبسهما حال انشاء الاحرام، كما سيأتي. ثم إنه إذا نزعهما ولبس ثيابه فمقتضى القاعدة وجوب الفداء للبس المخيط. لكن سكوت خبر الاحتجاج عن التعرض لذلك قد يظهر منه عدم وجوب الفداء لذلك. إلا أن يقال: إن الظاهر من الثياب فيه ثياب الاحرام، بقرينة العطف ب‍ (ثم) وعدم الامر بالنزع حين الاظهار، وليس المراد منها المخيط، فكان لبس ثياب الاحرام حين وقوعه منه بعنوان الاستعداد للاحرام لا بعنوان الاحرا، وإظهاره بعد ذلك بالجهر بالتلبية لا تبديل اللباس. فلاحظ.


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب المواقيت حديث: 10. وقد تقدم ذلك قريبا. فلاحظ.

===============

( 265 )

[ الثالث: الجحفة (1)، وهي لاهل الشام، ومصر، والمغرب (2)، ] (1) قال في كشف اللثام: (بجيم مضمومة، فحاء مهملة، ففاء: على سبع مراحل من المدينة، وثلاث من مكة. كذا في تحرير النووي وتهذيبه. وفى تهذيبه: بينها وبين البحر ستة أميال. وقيل: بينها وبين البحر ميلان. ولا تناقض، لاختلاف البحر باختلاف الازمنة. وفى القاموس: كانت قرية جامعة على اثنين وثلاثين ميلا من مكة. وفى المصباح المنير: منزل بين مكة والمدينة، قريب من رابغ، بين بدر وخليص). (2) بلا خلاف ولا إشكال. ففي صحيح الخزاز: (ووقت لاهل المغرب الجحفة وهي عندنا مكتوبة، مهيعة) (* 1). وفى صحيح معاوية ابن عمار: (ووقت لاهل المغرب الجحفة، وهي مهيعة) (* 2). وفى صحيح الحلبي: (ووقت لاهل الشام الجحفة) (* 3). وفى صحيح علي ابن جعفر (ع): (وأهل الشام ومصر من الجحفة) (* 4). وفى صحيح ابن رياب: (ووقت لاهل الشام الجحفة) (* 5). وفى صحيح رفاعة ابن موسى: (ووقت لاهل الشام المهيعة، وهي الجحفة) (* 6). ونحوها غيرها.


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب المواقيت حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 1 من ابواب المواقيت حديث: 5. (* 5) الوسائل باب: 1 من ابواب المواقيت حديث: 7. (* 6) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 10.

===============

( 266 )

[ ومن يمر عليها من غيرهم، إذا لم يحرم من الميقات السابق عليها (1). الرابع: يلملم (2)، ] (1) إجماعا محققا، حكاه جماعة. ويشهد به صحيح صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: (كتبت إليه إن بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق، وليس يحرمون ببطن العقيق، وليس بذلك الموضع ماء ولا منزل، وعليهم في ذلك مؤنة شديدة، ويعجلهم أصحابهم، وجمالهم من وراء بطن عقيق بخمسة عشر ميلا منزل فيه ماء، وهو منزلهم الذي ينزلون فيه، فترى أن يحرموا من موضع الماء لرفقه بهم وخفته عليهم؟ فكتب: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وقت المواقيت لاهلها، ومن أتى عليها من غير أهلها، وفيها رخصة لمن كانت به علة، فلا تجاوز الميقات إلا من علة) (* 1). وقد يستدل له: بأدلة نفي العسر والحرج (* 2). وبالنبوي: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) (* 3). لكن في اقتضاء نفي العسر الصحة إشكال. (2) هو جبل، كما في القواعد والمسالك وعن غيرهما. وعن إصلاح المنطق: أنه واد، وكذا عن شرح الارشاد للفخر. ويقال له: الملم، بل قيل: إنه الاصل، فخففت الهمزة. وقد يقال له: يرمرم. قيل: وهو على مرحلتين من مكة بينهما ثلاثون ميلا. وفى كتاب البلدان لليعقوبي:


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب المواقيت حديث: 1. (* 2) دل على ذلك الايات والاخبار، أما الآيات فهي على سبيل الاشارة كالآتي: البقرة: 185، المائدة: 6، الحج: 78 وأما الاخبار فهي: الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 11، باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 5. (* 3) مستدرك الوسائل باب: 9 من أبواب المواقيت حديث: 1.

===============

( 267 )

[ وهو لاهل اليمن (1). الخامس: قرن المنازل (2)، وهو لاهل الطائف (3). ] (من مكة إلى صنعاء إحدى وعشرون مرحلة، فأولها الملكان، ثم يلملم - ومنها يحرم حاج اليمن - ثم الليث، ثم عليب...). (1) بلا خلاف. وقد صرح بذلك في النصوص المتقدمة. (2) بفتح القاف، وسكون الراء. قرية عند الطائف، أو اسم الوادي كله. كما في القاموس. قال: (وغلط الجوهري في تحريكه، وفى نسبة أويس القرني إليه. لانه منسوب إلى قرن، بن دومان، بن ناجية، بن مراد...). وفى كشف اللثام: اتفق العلماء على تغليطه فيهما...). لكن في المستند: أنه لم يصرح بالتحريك ولا بالنسبة، وإنما قال: والقرن: حي من اليمن، ومنه أويس القرني. لكن في شرح القاموس: نص عبارة الصحاح: (والقرن موضع، وهو ميقات أهل نجد. ومنه أويس القرني...). وفى مجمع البلدان: عن الصحاح أنه قال: (قرن - بالتحريك - ميقات...). ولعل نسخ الصحاح مختلفة. نعم في مجمع البحرين قال: (والقرن موضع، وهو ميقات أهل نجد. ومنه أويس القرني، ويسمى أيضا: قرن المنازل، وقرن الثعالب). وهو عجيب بعد حكاية اتفاق العلماء على تغليط الجوهري. هذا وفى كشف اللثام: إنه يقال له: قرن الثعالب، وقرن بلا إضافة. وهو جبل مشرف على عرفات، على مرحلتين من مكة. وقيل: قرن الثعالب غيره، وأنه جبل مشرف على أسفل منى. بينها وبين مسجده ألف وخمسمائة ذراع. (3) بلا خلاف ولا إشكال. وقد صرحت بذلك النصوص،

===============

( 268 )

[ السادس: مكة، وهي لحج التمتع (1). ] كصحيح الخزاز، (* 1) وصحيح معاوية بن عمار (* 2)، وصحيح الحلبي (* 3) وغيرها. وفى صحيح عمر بن يزيد: (ووقت لاهل المدينة: ذا الحليفة ولاهل نجد: قرن المنازل) (* 4). وفى صحيح على بن رياب (ووقت لاهل اليمن: قرن) (* 5). ولا بد من توجيه الاول. بحمله على أن لنجد طريقين، أحدهما يمر بالعقيق - كما يستفاد من النصوص - والآخر يمر بقرن المنازل. ولعل ذلك هو الوجه في الصحيح الثاني. ويحتمل حمل الاول على التقية، لوجود ذلك في روايات المخالفين. وعلى كل لا معدل عن العمل بالنصوص السابقة. (1) قال في المدارك: (قد أجمع العلماء كافة على أن ميقات حج التمتع مكة). وفى المستند: (بلا خلاف كما قيل، بل باجماع العلماء، كما في المدارك، والمفاتيح، وشرحه، وغيرها). وفى الجواهر: (بلا خلاف أجده نصا وفتوى، بل في كشف اللثام: الاجماع عليه). واستدل له في المدارك وغيرها: بصحيحة عمرو بن حريث الصيرفي (قلت لابي عبد الله عليه السلام: من أين أهل بالحج؟ فقال (ع): إن شئت من رحلك، وإن شئت من الكعبة)، وإن شئت من الطريق) (* 6)


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب المواقيت حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب المواقيت حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب المواقيت حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 1 من ابواب المواقيت حديث: 6. (* 5) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 7. (* 6) الوسائل باب: 21 من أبواب المواقيت حديث: 2.

===============

( 269 )

[ السابع: دويرة الاهل - أي: المنزل - وهي لمن كان منزله دون الميقات إلى مكة (1) ] وقد تقدم - في مبحث خروج المتمتع من مكة - بعض النصوص الدالة عليه. كما تقدم ما قد يشهد بخلاف. فراجع. لكن لا مجال للتأمل في الحكم بعد كونه من القطعيات الفقهية. وقد تقدم التعرض لذلك في فصل صورة حج التمتع. (1) بلا خلاف فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل عن المنتهى. أنه قول أهل العلم كافة إلا مجاهدا. كذا في الجواهر. ويشهد له النصوص الكثيرة، كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله: (من كان منزله دون الوقت إلى مكة فليحرم من منزله) (* 1). قال في محكي التهذيب - بعد ما روى ذلك -: (وقال في حديث آخر: إذا كان منزله دون الميقات إلى مكة فليحرم من دويرة أهله) (* 2). وصحيح عبد الله بن مسكان قال: حدثني أبو سعيد، قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عمن كان منزله دون الجحفة إلى مكة. قال (ع): يحرم منه) (* 3) وصحيح مسمع عن أبي عبد الله (ع): (إذا كان منزل الرجل دون ذات عرق إلى مكة فليحرم من منزله) (* 4). ونحوها غيرها. قال في المدارك: (ويستفاد من هذه الروايات، أن المعتبر القرب إلى مكة. واعتبر المصنف في المعتبر القرب إلى عرفات. والاخبار تدفعه).


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب المواقيت حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 17 من أبواب المواقيت حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 17 من ابواب المواقيت حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 17 من أبواب المواقيت حديث: 3.

===============

( 270 )

[ بل لاهل مكة - أيضا - على المشهور الاقوى (1) - وان استشكل فيه بعضهم - فانهم يحرمون لحج القرآن والافراد ] وهو كما ذكر. ولذلك قال في المسالك: (لولا النصوص أمكن اختصاص القرب في العمرة بمكة، وفى الحج بعرفة، إذ لا يجب المرور على مكة في إحرام الحج من المواقيت). لكن لعل في القرب إلى مكة خصوصية في صحة إنشاء الاحرام. نعم العمدة في الاشكال: أن المراد من القرب إلى مكة: أنه دون الميقات إلى جهة مكة، وهذا يلازم كونه أقرب إلى عرفات من الميقات فلا تفاوت بين العبارتين عملا ولا خارجا، وإن كان بينهما تفاوت مفهوما. (1) كما عن الرياض. وفى المستند: (بل حكيا عن بعض نفي الخلاف فيه). والنصوص المتقدمة لا تشمله، لاختصاصها بمن كان منزله بين مكة والميقات. نعم استدل عليه بالمرسل في الفقيه: (عن رجل منزله خلف الجحفة، من أين يحرم؟ قال (ع): من منزله) (* 1) وبالنبوي: (ومن كان دونهن فمهله من أهل) (* 2). بل النصوص المذكورة وإن كان موردها غير أهل مكة، لكن بمناسبة الحكم والموضوع يفهم منها: أن المراد من كان دون الميقات فمنزله ميقاته. ولعل من ذلك - ومن المرسل - يحصل الاطمئنان بالحكم. ولا سيما بملاحظة شهرته عند الاصحاب شهرة كادت تكون إجماعا. لكن في صحيح أبي الفضل سالم الحناط: (كنت مجاورا بمكة، فسألت أبا عبد الله (ع) من أين أحرم بالحج؟ فقال (ع): من حيث أحرم


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب المواقيت حديث: 6. (* 2) سنن البيهقي الجزء: 5 الصفحة: 29 باب: من كان أهله دون الميقات.

===============

( 271 )

[ من مكة. بل وكذا المجاور الذي انتقل فرضه إلى فرض أهل مكة (1). وإن كان الاحوط إحرامه من الجعرانة - وهي أحد مواضع أدنى الحل - للصحيحين الواردين فيه (2)، المقتضي إطلاقهما عدم الفرق بين من انتقل فرضه أو لم ينتقل. وإن كان القدر المتيقن الثاني، فلا يشمل ما نحن فيه (3). لكن الاحوط ما ذكرنا، عملا باطلاقهما. والظاهر أن الاحرام من المنزل ] رسول الله صلى الله عليه وآله، من الجعرانة. أتاه في ذلك المكان فتوح: فتح الطائف، وفتح خيبر والفتح...) (* 1). وفى صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: (قلت لابي عبد الله (ع): إني أريد الجوار، فكيف أصنع؟ فقال (ع): إذا رأيت الهلال - هلال ذي الحجة - فاخرج إلى الجعرانة فأحرم منها. بالحج) (* 2). وخصها في الحدائق بموردها، وهو المجاور، فلا تشمل المتوطن (1) فانه يحرم للحج من مكة كأهلها. ودليله ما عرفت من التقريب بناء على عموم المنزل لمنزل المجاور وإن لم يكن متوطنا. وما دل على أن أهل مكة يحرومون من مكة، قد عرفت عدم وضوحه، فلا يشمل المقام. (2) وهما صحيحا سالم الحناط، وعبد الرحمن بن الحجاج، المتقدمان. (3) لكن لا يجوز الاقتصار على القدر المتيقن في الاطلاقات، وإلا لم يبق إطلاق بحاله، فالبناء على خروجهما معا متعين. مضافا إلى أن ذيل الصحيح الثاني ظاهر فيما بعد السنتين. فراجعه فانه طويل جدا. ويظهر منه أن مورده القاطن الذي تبدل فرضه.


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب أقسام الحج حديث: 5.

===============

( 272 )

[ للمذكورين من باب الرخصة (1)، وإلا فيجوز لهم الاحرام من أحد المواقيت بل لعله أفضل، لبعد المسافة، وطول زمان الاحرام. الثامن: فخ (2)، وهو ميقات الصبيان، في غير حج التمتع عند جماعة (3)، بمعنى: جواز تأخير إحرامهم إلى هذا المكان، لا أنه يتعين ذلك. ولكن الاحوط ما عن آخرين ] (1) كما احتمله في الجواهر. قال في كشف اللثام: (وفى الكافي والغنية والاصباح: أن الافضل لمن منزله أقرب: الاحرام من الميقات. ووجهه ظاهر، لبعد المسافة، وطول الزمن). لكنه ظاهر الاشكال، فان ظاهر الامر الالزام والتعيين. نعم إذا ذهب إلى ميقات من المواقيت صدق أنه مر عليه، فيجوز له الاحرام منه، كما تقدم نظيره في أهل الآفاق إذا مروا على غير ميقاتهم. وحينئذ إذا كان المراد من الرخصة هذا المعنى ففي محله، وإلا فغير ظاهر. (2) في كشف اللثام: (بفتح الفاء، وتشديد الخاء المعجمة: بئر معروف، على نحو فرسخ من مكة، كذا قيل. وفى القاموس: موضع بمكة دفن فيه ابن عمر. وفى النهاية الاثيرية: موضع عند مكة. وقيل: واد دفن به عبد الله بن عمر. وفى السرائر: إنه موضع على رأس فرسخ من مكة، قتل فيه الحسين بن علي، بن الحسن، بن الحسن، بن علي أمير المؤمنين (ع)... (3) حكي ذلك عن المعتبر والمنتهى والتحرير والتذكرة. وفى الجواهر: (ربما نسب إلى الاكثر، بل في الرياض: يظهر من آخر عدم الخلاف فيه). والاصل في الحكم المذكور صحيح أيوب بن الحر قال: سئل أبو عبد الله (ع)

===============

( 273 )

من أين تجرد الصبيان؟ قال (ع): كان أبي يجردهم من فخ) (* 1). ونحوه صحيح علي بن جعفر (ع) عن أخيه موسى (ع) (* 2). وقد وقع الكلام بين الجماعة في أن المراد من التجريد: الاحرام - كما عن المشهور - أو نزع الثياب بعد الاحرام من الميقات - كما عن السرائر، والمقداد، والكركي - مقتضى الجمود على عبارة الصحيحين هو الثاني. وقد يستدل عليه بصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (قدموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة، أو إلى بطن مر، ثم يصنع بهم ما يصنع بالمحرم) (* 3)، وخبر يونس بن يعقوب عن أبيه: (قلت لابي عبد الله (ع): إن معي صبية صغارا، وأنا أخاف عليهم البرد، فمن أين يحرمون؟ قال (ع) إئت بهم العرج فليحرموا منها، فانك إذا أتيت بهم العرج وقعت في تهامة. ثم قال: فان خفت عليهم فأت بهم الجحفة) (* 4) وفيه: أن الصحيح والخبر ظاهران في إحرامهم مع التجريد من الجحفة أو بطن مر أو العرج، فيكونان متعارضين. وحينئذ يتعين الجمع بالتخيير. وأما الجمود على عبارة الصحيحين الاولين فهو خلاف المتفاهم العرفي منها. ولاسيما مع عدم الاشارة إلى التجريد نفسه في النصوص الاخيرة. ولاجل ذلك يضعف ما توهم من الجمع بين النصوص، بحمل الاولين على محض التجريد، وحمل الاخيرين على الاحرام من الميقات. فان ظاهر الاخيرين التجريد من الميقات، وحملها على محض الاحرام بلا تجريد خلاف الظاهر.


____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب المواقيت حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 18 من أبواب المواقيت حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 17 من أبواب المواقيت حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 17 من ابواب المواقيت حديث: 7.

===============

( 274 )

[ من وجوب كون إحرامهم من الميقات، لكن لا يجردون إلا في فخ. ثم إن جواز التأخير - على القول الاول - إنما هو إذا مروا على طريق المدينة، وأما إذا سلكوا طريقا لا يصل إلى فخ فاللازم إحرامهم من ميقات البالغين (1). التاسع: محاذاة أحد المواقيت الخمسة (2)، وهي ميقات من لم يمر على أحدهما. والدليل عليه صحيحتا ابن سنان (3). ] (1) كما نص على ذلك في القواعد، وحكاه في كشف اللثام عن السرائر. ثم قال: (ووجهه ظاهر. وذلك، لاختصاص الدليل به، فيرجع في غيره إلى الادلة العامة المقتضية للاحرام من الميقات). (2) كما هو مشهور بين الاصحاب. وعن بعض: نسبته إلى الشهرة العظيمة، بل لا يظهر مخالف صريح في ذلك. وإن كان قد يظهر من المحقق في الشرائع وجود المخالف، وتوقفه في الحكم المذكور، فانه قال: (ولو حج على طريق لا يفضي إلى أحد المواقيت، قيل: يحرم إذا غلب على ظنه محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة). لكن من المحتمل أن يكون للتوقف في اعتبار الظن. أو للتوقف في اعتبار القرب إلى مكة، وإلا فالمخالف في إصل الحكم غير ظاهر. نعم استشكل فيه في المدارك والذخيرة والحدائق وغيرها، تبعا لما في مجمع البرهان. (3) يريد بهما ما رواه في الكافي عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): (قال: من أقام بالمدينة شهرا وهو يريد الحج، ثم بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه، فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال

===============

( 275 )

[ ولا يضر اختصاصهما بمحاذاة مسجد الشجرة (1)، ] فيكون حذاء الشجرة من البيداء) (* 1)، وما رواه الصدوق في الفقيه باسناده عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): من أقام بالمدينة وهو يريد الحج - شهرا أو نحوه - ثم بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة، فإذا كان حذاء الشجرة والبيداء مسيرة ستة أميال فليحرم منها) (* 2). وعدهما صحيحين بلحاظ اختلاف المتن، وإلا فمن المقطوع به: أن الواقعة واحدة لا متعددة. ودلالة الصحيح - على تقدير كل من المتنين - لا مجال للمناقشة فيها. نعم يعارضها خبر ابراهيم بن عبد الحميد، المتقدم في مسألة حكم ذي الحليفة (* 3). وبمرسلة الكليني، فانه بعد ما روى صحيح ابن سنان قال: (وفى رواية يحرم من الشجرة، ثم يأخذ أي طريق شاء) (* 4) لكنهما لا يصلحان للمعارضة، لضعفهما، وهجرهما عند الاصحاب. (1) لا يخفى أن الرواية قد اشتملت على قيود متعددة في كلام الامام (ع) منها: الاقامة بالمدينة شهرا، ومنها: أنه كان يريد الحج في هذه الاقامة ومنها: أن يخرج في غير طريق المدينة، على رواية الكافي والفقيه (* 5). وفى رواية التهذيب عن الكافي: (في طريق أهل المدينة) (* 6). لكن


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب المواقيت حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب المواقيت حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب المواقيت حديث: 1. وقد تقدم ذلك في المسألة: 1 من الفصل. (* 4) الوسائل باب: 7 من أبواب المواقيت حديث: 2. (* 5) لاحظ الكافي الجزء 4 الصفحة 321 طبع ايران الحديثة، الفقيه الجزء 2 الصفحة 200 طبع النجف الاشرف. (* 6) الوسائل باب: 7 من أبواب المواقيت ملحق حديث: 1. ولا يخفى عليك: أن بعض نسخ التهذيب موافق لما في الكافي والفقيه. لاحظ: التهذيب الجزء 5 الصفحة 57 طبع النجف الاشرف.

===============

( 276 )

[ بعد فهم المثالية منهما (1)، وعدم القول بالفصل (2). ومقتضاهما محاذاة أبعد الميقاتين إلى مكة إذا كان في طريق يحاذي اثنين (3)، فلا وجه للقول بكفاية أقربهما إلى مكة (4). ] الظاهر أنه سقط من قلمه الشريف، أو من الناسخين. نعم يمكن أن يقال: إن القيد الاخير ذكر تمهيدا للحكم، لتحقيق موضوعه. (1) هذا بعيد في القيود المذكورة في شرط القضية الشرطية. نعم لو كانت مذكورة في كلام السائل أمكن دعوى ذلك. وإن كانت - أيضا - محتاجة إلى إثبات. لكن إذا كانت في كلام الحاكم كان مقتضى الشرطية الانتفاء عند الانتفاء. ولذلك احتمل في مجمع البرهان: الاقتصار - في العمل بالرواية - على من دخل المدينة وجاور فيها شهرا. وأشكل من ذلك: أنه لا مجال للالتزام بمضمون الصحيحين إلا في مورد خاص. وإلا فقد تقدم أنه لو خرج من المدينة إلى جهة الغرب كان ميقاته الجحفة، أو إلى الشرق كان ميقاته وادي العقيق، ولا يجب عليه الاحرام من مسيرة ستة أميال، ولا مما يحاذي مسجد الشجرة. نعم يدل في الجملة على مشروعية الاحرام مع المحاذاة. (2) ادعى ذلك جماعة، منهم صاحب المستند. والظاهر أنه كما ذكر فلا بأس بالاعتماد عليه. ولا سيما مع اعتضاده بما سبق في ميقات ذي الحليفة من جواز الاحرام خارج المسجد. فراجع. (3) فان مسجد الشجرة أبعد المواقيت عن مكة، وقد تضمن الصحيح وجوب الاحرام من محاذاته. (4) كما اختاره في القواعد. قال: (ولو لم يؤد الطريق إليه أحرم عند محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة)، وذكره في الشرائع قولا. وفى المدارك: أنه أجود. اقتصارا فيما خالف الاصل على موضع الوفاق. إنتهى.

===============

( 277 )

[ وتتحق المحاذاة بأن يصل - في طريقه إلى مكة - إلى موضع يكون بينه وبين مكة باب (1)، وهي بين ذلك الميقات ومكة بالخط المستقيم. وبوجه آخر: أن يكون الخط من موقفه إلى الميقات أقصر الخطوط في ذلك الطريق (2). ثم إن المدار ] ومرجعه إلى أصالة البراءة عن وجوب الاحرام من الابعد. وفيه: أنه لا مجال للاصل مع الدليل. وعن المبسوط: لزوم الاحرام من أقرب المواقيت إليه، وحكي عن المنتهى أيضا. وعن ابن ادريس: الاحرام مما يحاذي أحد المواقيت مطلقا. (1) كذا في النسخ المطبوعة كلها. ومن المؤسف أني راجعت النسخة التي بخط المصنف (ره) فلم أجد فصل المواقيت فيها. والمظنون وقوع التحريف في نسخة الاصل. ولعل أصل النسخة هكذا: (بينه وبين مكة كما بين ذلك...). وكيف كان فالوجه المذكور لا يصلح أن يكون ضابطا للمحاذاة، فان الشاخص - الذي يكون بينه وبين الميقات مسافة - لا يكون محاذيا له إلا إذا كان الخط المأخوذ منه إلى مكة أقصر من الخط المأخوذ من الميقات إلى مكة، وكلما يبعد عنه يكون خطه إلى مكة أقصر من خط الميقات إلى مكة. فإذا خرج عن نصف الدائرة لا يكون محاذيا له أصلا بل يكون مواجها له، سواء كان الخط منه إلى مكة أقصر من خط الميقات إلى مكة أم أطول. نعم يصح هذا الوجه فيما إذا كانا متصلين. (2) هذا الوجه لا يتحد مع ما سبقه عملا، ولا يلازمه خارجا، فان الطريق إذا كان يمر خلف الميقات بمسافة معينة ثم يبعد عنه - حينما يكون عن يمينه أو يساره - يكون أقصر الخط خلفه، ولا يكون الشاخص حينئذ محاذيا له بل يكون خلفه، ومن ذلك تعرف أن الضابط في المحاذاة: أن

===============

( 278 )

[ على صدق المحاذاة عرفا، فلا يكفي إذا كان بعيدا عنه (1). فيعتبر فيها المسامتة (2)، كما لا يخفى. واللازم حصول العلم بالمحاذاة إن أمكن (3)، ] يكون الميقات عن يمين الشخص أو يساره، حينما يكون مواجها لمكة المكرمة (1) لا ينبغي الاشكال في اعتبار صدق المحاذاة عرفا، فان المحاذاة - كسائر المفاهيم العرفية - إذا وقعت في لسان الشارع - موضوعا أو حكما - فالمراد منها المفهوم العرفي لكن الظاهر أن القرب والبعد لا دخل لهما في ذلك، فكما تصدق المحاذاة مع القرب تصدق مع البعد. نعم لا دليل ظاهرا على الاكتفاء بالمحاذاة مطلقا، فان الدليل إنما ورد في مورد خاص، وهو المحاذاة للشجرة بمسيرة ستة أميال عن المدينة. والمحاذاة الحاصله من ذلك إنما تكون مع قرب المسافة بين الشخص والشجرة، فالتعدي إلى مطلق المحاذاة العرفية محتاج إلى دليل. ومما يعضد ما ذكرنا وجوب إحرام أهل العراق ونحوهم من وادي العقيق، مع محاذاتهم - على الظاهر - لمسجد الشجرة قبل وادي العقيق وليس ذلك الا لعدم الاعتناء بالمحاذاة إذا كانت على بعد. وكذا أهل المغرب والشام عن مجيئهم إلى الجحفة، فانهم يحاذون مسجد الشجرة قبل الجحفة. (2) بمعنى: أن يكون أحدهما في سمت الآخر وجهته، فلا يكفي في المحاذاة أن يكونا على خط واحد في جهتين. بل عرفت أن مقتضى الاقتصار على المتيقن أن يكونا متقاربين، ولا يكفي أن يكونا متسامتين وحينئذ يكون تفسير المحاذاة العرفية بالمسامتة تفسيرا بالاخفى، أو بالاعم. (3) لقاعدة الاشتغال، المقتضية لوجوب العلم بالفراغ.

===============

( 279 )

[ وإلا فالظن الحاصل من قول أهل الخبرة (1). ومع عدمه أيضا فاللازم الذهاب إلى الميقات، أو الاحرام من أول موضع احتماله واستمرار النية والتلبية إلى آخر مواضعه. ولا يضر احتمال كون الاحرام قبل الميقات حينئذ (2) - مع أنه لا يجوز - ] (1) كما عن المبسوط، والجامع، والتحرير، والمنتهى، والتذكرة والدروس، بل ظاهر المحكي عنهم الاكتفاء به ولو مع إمكان العلم. واستدل لهم بالحرج. والاصل، كما في كشف اللثام والجواهر. وفى الاخير الاستدلال له أيضا بانسباق إرادة الظن في أمثال ذلك. والجميع كما ترى. لمنع لزوم الحرج. والاصل لا أصل له. والانسباق غير ظاهر. نعم مع عدم إمكان العلم بالمحاذاة يتعين في نظر العقل تحصيل العلم بالفراغ، إما بالذهاب إلى الميقات، أو بالاحتياط المذكور في المتن. (2) حكي في الجواهر هذا الاشكال عن بعض. قال: (وأشكل: بأنه كما يمتنع تأخير الاحرام عن الميقات كذا يمتنع تقديمه عليه. وتجديد الاحرام في كل مكان يحتمل فيه المحاذاة مشكل، لانه تكليف شاق لا يمكن إيجابه بغير دليل. ويدفع: بأن ذلك لا ينافي كونه طريق احتياط عليه. بل قد لا ينافيه على الوجوب أيضا - بناء على أن النية هي الداعي - إذا لا مشقة في استمرارها في إمكان الاحتمال. فتأمل جيدا) وكأنه أشار بالامر بالتأمل إلى أن الاحرام لا ينعقد بمجرد النية، بل يحتاج إلى عقده بالتلبية، والاستمرار على ذلك مشقة. اللهم إلا أن يقال: إن نفي الحرج والمشقة في المقام يتوقف على عدم إمكان الذهاب إلى الميقات، أما مع إمكان ذلك فالمشقة ليست لازمة من التكليف، وإنما لزمت من اختيار المكلف، فلا مجال لادلة نفي الحرج.

===============

( 280 )

[ لانه لا بأس به إذا كان بعنوان الاحتياط ولا يجوز إجراء أصالة عدم الوصول إلى المحاذاة، أو أصالة عدم وجوب الاحرام، لانهما لا يثبتان كون ما بعد ذلك محاذيا، والمفروض لزوم كون إنشاء الاحرام من المحاذاة (1). ويجوز لمثل هذا الشخص أن ينذر الاحرام قبل الميقات، فيحرم في أول موضع الاحتمال أو قبله، على ما سيأتي، من جواز ذلك مع النذر. والاحوط في صورة الظن أيضا عدم الاكتفاء به وإعمال أحد هذه الامور، وإن كان الاقوى الاكتفاء (2). بل الاحوط عدم الاكتفاء بالمحاذاة مع إمكان الذهاب إلى الميقات (3). لكن الاقوى ما ذكرنا من جوازه مطلقا. ثم إن أحرم في موضع الظن بالمحاذاة ولم يتبين الخلاف فلا إشكال (4). وان ] نعم إذا فرض تعذر الذهاب إلى الميقات والاحرام منه. فالعمل بالظن يتوقف على تمام مقدمات الانسداد في المورد بخصوصه، فإذا لم تتم جاز الاحرام في بعض محتملات المحاذاة. (1) وحينئذ يكون الشك في الفراغ. لا في الاشتغال، فيجب تحصيل العلم به في نظر العقل. (2) قد عرفت الاشكال فيه. (3) لما عرفت من الاشكال من جماعة في الحكم المذكور. بل الاشكال في صحيح ابن سنان من وجوه، عمدتها عدم إمكان الالتزام بالعمل به في مورده. (4) عملا بحجية الظن، بناء عليها.

===============

( 281 )

[ تبين بعد ذلك كونه قبل المحاذاة ولم يتجاوزه أعاد الاحرام (1) وان تبين كونه قبله وقد تجاوز، أو تبين كونه بعده. فان أمكن العود والتجديد تعين (2)، والا فيكفي في الصورة الثانية، ويجدد في الاولى في مكانه (3). والاولى التجديد مطلقا (4). ولا فرق - في جواز الاحرام في المحاذاة - بين البر والبحر (5). ] (1) كما في الجواهر، وعن الدروس والمسالك وغيرهما. لتبين البطلان لكونه قبل الميقات، بناء على التحقيق من عدم الاجزاء في موافقة الاحكام الظاهرية. (2) أما في الصورة الاولى فلبطلان الاحرام، لوقوعه قبل الميقات ولا دليل على الاجزاء في الاحكام الظاهرية. ومنه يظهر الاشكال على ما في الجواهر، من الاجزاء لو ظهر التقدم وقد تجاوز، لقاعدة الاجزاء. وأما في الصورة الثانية، فعن الدروس والمسالك: إطلاق عدم الاعادة لو ظهر التأخر. وسيأتي الكلام فيه في المسألة الثانية من الفصل الآتي. (3) لبطلان الاحرام فيها. (4) لاحتمال البطلان فيهما معا. بل لا يبعد إذا كان بحيث يمكنه الرجوع حال الاحرام وإن تعذر عليه حال الالتفات. (5) كما في الشرائع والقواعد وغيرهما. وظاهر الشراح عدم الخلاف فيه، إلا من ابن إدريس، فذكر أن ميقات أهل مصر ومن صعد البحر: جدة. والاشكال فيه من وجهين: أحدهما: أن من ركب البحر يحاذي الجحفة إذا كان واردا من المغرب

===============

( 282 )

لانها - كما قيل - قرب رابغ، تبعد عن البحر ستة أميال أو ميلين - على اختلاف - فيكون الراكب في السفن عند توجهه من رابغ إلى جدة محاذيا لها، فيجب إحرامه منها قبل جدة. وإذا كان واردا من جهة اليمن كان محاذيا ليلملم عند وصوله إلى الموضع الذي بين قمران وجدة، فيكون إحرامه هناك، كما عليه عمل الامامية - رفع الله تعالى شأنهم - في الازمنة الماضية، فانهم يحرمون في السفن البحرية عند وصولهم إلى ذلك الموضع. لكن عرفت الاشكال في ذلك، فان الواصل إلى ذلك المكان إذا توجه إلى مكة المكرمة تكون يلملم بينه وبين مكة، فيكون مواجها لها، لا أنها عن يمينه أو يساره، كما عرفت أنه معنى المحاذاة. ومثله الواصل إلى قرب رابغ في البحر، فان الجحفة لا تكون عن يساره إذا توجه إلى مكة. نعم الواصل إلى الموضع الاول في البحر تكون يلملم عن يمينه بلحاظ طريق السفر. وكذا الواصل إلى قرب رابغ تكون الجحفه عن يساره بلحاظ طريق السفر لكن لا اعتبار بذلك، كما عرفت. وثاني الاشكالين: أن جدة ليست من المواقيت، لا نصا ولا فتوى ومحاذاتها ليلملم مشكل من وجهين: أحدهما: ما عرفت من أنه لا دليل على اعتبار المحاذاة مع البعد. وثانيهما: أن الظاهر أن يلملم واقعة في جنوب مكة، وجدة واقعة في شرق مكة، فلا تكون محاذية لها. ومن ذلك يشكل البناء على محاذاتها للجحفة، لما بينهما من البعد الكثير. نعم مقتضى بعض الخارطات المصورة للحجاز: أن الواصل إلى قريب جدة في البحر يكون محاذيا للجحفة، لكن على بعد منها، فان قلنا بصحة المحاذاة على بعد لم يبعد وجوب الاحرام من ذلك الموضع المحاذي قبل جدة. لكن عرفت الاشكال فيه.

===============

( 283 )

[ ثم إن الظاهر أنه لا يتصور طريق لا يمر على ميقات، ولا يكون محاذيا لواحد منها (1)، إذ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب (2)، فلا بد من محاذاة واحد منها. ولو فرض ] (1) قال العلامة في القواعد: (ولو لم يؤد الطريق إلى المحاذاة فالاقرب أن ينشئ الاحرام من أدنى الحل. ويحتمل مساواة أقرب المواقيت) قال في المدارك: (ولو سلك طريقا لم يؤد إلى محاذاة ميقات، قيل يحرم من مساواة أقرب المواقيت إلى مكة... (إلى أن قال): واستقرب العلامة في القواعد، وولده في الشرح وجوب الاحرام من أدنى الحل. وهو حسن، لاصالة البراءة من وجوب الزائد. وقولهم: إن هذه المسافة لا يجوز قطعها إلا محرما، في موضع المنع، لان ذلك إنما ثبت مع المرور على الميقات، لا مطلقا). وقريب منه ما في الحدائق وغيرها. وظاهر الكلمات المفروغية عن صحة الفرض. لكن قال في المستند: (واختلفوا في حكم من سلك طريقا لا يحاذي شيئا منها. وهو خلاف لا فائدة فيه، إذ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب). ونحوه ما في الجواهر. وفيه: أنه مبني على عموم حكم المحاذاة للبعيد، وقد عرفت إشكاله. وقد تقم من المصنف عدم الاجتزاء بالمحاذاة في البعيد، وهو مناف لما ذكره هنا، كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر صحة ما ذكره الجماعة من فرض عدم أداء الطريق إلى المحاذاة. (2) فان الجحفة ما بين الشمال والمغرب، ومسجد الشجرة في جهة الشمال، ووادي العقيق بين الشمال والمغرب، وقن المنازل في المشرق تقريبا ويلملم في جنوب مكة.

===============

( 284 )

[ امكان ذلك فاللازم الاحرام من أدنى الحل (1). وعن بعضهم أنه يحرم من موضع يكون بينه وبين مكة بقدر ما بينها وبين أقرب المواقيت إليها - وهو مرحلتان - لانه لا يجوز لاحد قطعه إلا محرما. وفيه: أنه لا دليل عليه. لكن الاحوط الاحرام منه، وتجديده في أدنى الحل. العاشر: أدنى الحل، وهو ميقات العمرة المفردة بعد حج القران أو الافراد (2)، ] (1) لاطلاق ما دل على عدم جواز دخول الحرم بلا إحرام، والاصل البراءة عن وجوب الاحرام قبله. ولزوم الخروج عنه، فيمن مر بالميقات أو من حاذاه - لما دل على وجوب الاحرام من الميقات أو مما يحاذيه - لا يقتضي خروج غيره من الافراد، كما ذكر الجماعة، واحتمال دخل الميقات في صحة الاحرام، منفي بأصل البراءة من الشرطية، كما في سائر العبادات الشرعية (2) كما عن جماعة التصريح به. وفى كشف اللثام: (هو منصوص الخلاف والمبسوط والسرائر. وفى التذكرة: لا نعلم فيه خلافا. وفى المنتهى: لا خلاف في ذلك). واستدل له في الحدائق والمستند وغيرهما بما رواه ابن بابويه في الفقيه عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال: (من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبههما. قال: وان رسول الله صلى الله عليه وآله اعتمر ثلاث عمر متفرقات كلها في ذي القعدة: عمرة أهل فيها من عسفان - وهي عمرة الحديبية - وعمرة القضاء، أحرم فيها من الجحفة، وعمرة أهل فيها من الجعرانة، وهي بعد أن رجع من الطائف من غزاة حنين) (* 1)


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب المواقيت حديث: 241.

===============

( 285 )

[ بل لكل عمرة مفردة (1). والافضل أن يكون من الحديبية، ] ودلالته لا تخلو من إشكال، إذ لا ظهور فيه في وجوب الخروج عن مكة للاعتمار. اللهم إلا أن يقال: مقتضى إطلاق كون الخروج من مكة مقدمة للاعتمار - كما هو ظاهر حرف الغاية - أنه مقدمة على سبيل اللزوم والتعيين فيتوقف الاعتمار عليه. ونحوه في الاشكال صحيح جميل بن دراج: (سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية. قال (ع): تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر، فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة) (* 1). قال ابن أبي عمير: (كما صنعت عائشة) فانه لا يمكن حمل الامر بالاحرام من التنعيم على الوجوب. فالعمدة في الحكم هو الاجماع. (1) كما اختاره في المستند. لعموم النصوص المذكورة. قال في الجواهر: (لولا الاجماع ظاهر على اختصاص العمرة المزبورة بذلك لامكن القول باعتبار ذلك في كل عمرة، لاطلاق بعض النصوص). أقول: أما صحيح جميل فخاص بعمرة حج الافراد. وأما الصحيح الآخر فهو وإن كان عاما، لكن قد عرفت الاشكال في دلالته على اللزوم. وحينئذ يجوز له الاحرام من منزله، لما دل على أن من كان منزله دون الميقات أحرم من منزله، كما اختاره في الجواهر. إلا أن يقال: يحمل الصحيح الاول على الوجوب - ولو بقرينة الاجماع - وحينئذ يتعين الاخذ بعمومه. والاجماع الموجب للخروج عن عمومه غير ثابت.


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من أبواب أقسام الحج حديث: 2.

===============

( 286 )

[ أو الجعرانة، أو التنعيم، فانها منصوصة (1). وهي من حدود الحرم (2) ] (1) كما عرفت. قال في كشف اللثام: (وفى التذكرة: ينبغي الاحرام من الجعرانة، فان النبي صلى الله عليه وآله اعتمر منها. فان فاتته فمن التنعيم لانه صلى الله عليه وآله أمر عائشة بالاحرام منه. فان فاته فمن الحديبية، لانه لما قفل من حنين أحرم بالجعرانة. ولعل هذا دليل تأخير الحديبية والتنعيم عن الجعرانة فضلا، وتفصيل لما ذكره أولا من اعتماره منه). لكن في استفادة الترتيب من النصوص اشكال - كما في الجواهر - لعدم دلالتها على ذلك، لان فعله صلى الله عليه وآله أعم من الافضلية، فضلا عن الترتيب، لان الفعل مجمل الوجه. إذ من الجائز أن إحرامه من المواضع المذكورة لانها كانت في طريقه، أو لوجه آخر. نعم أمره صلى الله عليه وآله لعائشة بالاحرام من التنعيم يدل على أفضليته. وأما الجعرانة والحديبية في صحيح عمر بن يزيد فلم يذكرا بالخصوص، وإنما ذكرا مثالا لادنى الحل بقرينة قوله (ع): (أو ما أشبههما). نعم ذكرت الجعرانة في صحيحي سالم الحناط و عبد الرحمن بن الحجاج (* 1)، المتقدمين في حكم الميقات السابع. لكن موردهما، الحج لا العمرة. فاستحباب المواضع المذكورة مبني على قاعدة التسامح، وكذا الترتيب بينها. (2) لا إشكال ظاهر بينا في أن الحرم بريد في بريد. وفى كشف اللثام: أنه لا خلاف فيه. وفى موثق عبد الله بن بكير عن زرارة قال: (سمعت أبا جعفر (ع) يقول: حرم الله تعالى حرمه بريدا في بريد: أن


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب أقسام الحج حديث: 6، 5.

===============

( 287 )

[ على اختلاف بينها في القرب والبعد. فان الحديبية - بالتخفيف أو التشديد - (1) - بشر بقرب مكة، على طريق جدة، دون ] يختلى خلاه، أو يعضد شجره إلا الاذخر، أو يصاد طيره...) (* 1). وظاهر قوله (ع): (بريد في بريد) أنه من قبيل المربع الذي طوله بريد وعرضه بريد. لكن لما كان من المعلوم اختلاف جهات مكة في حدود الحرم، فان من بعض الجهات بعيد عنها ومن بعضها قريب إليها، تعين أن يكون المراد من الحديث تقدير المساحة، بحيث لو جمعت تلك المساحة وكانت بشكل مربع كان طولها بريدا وعرضها بريدا. والذي ذكره ابن رستة في كتابه الاعلاق النفيسة: أن الحرم من طريق المدينة: دون التنعيم، عند بيوت معاذ، على ثلاثة أميال، ومن طريق اليمن: طرف إضاءة لبن، في ثنية لبن، على سبعة أميال، ومن طريق جدة: منقطع الاعشاش، على عشرة أميال، ومن طريق الطائف: على طرف عرفة من بطن نمرة، على أحد عشر ميلا، ومن طريق العراق: على ثنية خل بالمنقطع، على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة: في شعب عبد الله بن خالد بن أسيد، على تسعة أميال. وقد أطال في كشف اللثام والجواهر في نقل كلمات من تعرض لذكر مسافة الحرم من الجهات المحيطة بمكة. وليس بمهم بعد وضع العلامات على الحدود بنحو صارت معلومة وإن كانت المسافة بينها وبين مكة بالذراع مجهولة. ولاجله لا يهم الاطالة في ذلك. (1) قال في كشف اللثام: (بضم الحاء المهملة) ثم ياء مثناة تحتانية ساكنة، ثم باء موحدة، ثم ياء مثناة تحتانية، ثم تاء التأنيث. وهي في


____________
(* 1) الوسائل باب: 87 من أبواب تروك الاحرام حديث: 45.

===============

( 288 )

[ مرحلة، ثم أطلق على الموضع. ويقال: نصفه في الحل ونصفه في الحرم. والجعرانة - بكسر الجيم والعين وتشديد الراء، أو بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء - (1) موضع ] الاصل اسم بئر خارج الحرم، على طريق جدة، عند مسجد الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان. قال الفيومي: دون مرحلتين، وقال النووي: على نحو مرحلة من مكة. وعن الواقدي: أنها على تسعة أميال من المسجد الحرام. وقيل: إسم شجرة حدباء، ثم سميت بها قرية هناك ليست بالكبيرة. قيل: إنها من الحل، وقيل: من الحرم، وقيل: بعضها في الحل وبعضها في الحرم. ويقال: إنها أبعد أطراف الحل إلى الكعبة. يخفف ياؤها الثانية ويثقل، فيكون منسوبا إلى المخففة. وفى تهذيب الاسماء عن مطالع الانوار: ضبطناها بالتخفيف عن المتقنين، وأما عامة الفقهاء والمحدثين فيشدونها... وقال السهيلي: التخفيف أعرف عند أهل العربية، وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز فيها غيره، وكذا عن الشافعي. وقال أبو جعفر النحاس: سألت كل من لقيت، ممن أثق بعلميته من أهل العربية عن الحديبية فلم يختلفوا علي في أنها مخففة، وقيل: إن الثقيل لم يسمع من فصيح). انتهى ما في كشف اللثام. وقال ابن ادريس في السرائر: (الحديبية اسم بئر، وهو خارج الحرم. يقال: الحديبية، بالتخفيف، والتثقيل. وسألت ابن العطار الفرهي فقال: أهل اللغة يقولونها بالتخفيف، وأصحاب الحديث يقولونها بالتشديد. وخطه عندي بذلك، وكان إمام اللغة ببغداد). (1) في كشف اللثام: (بكسر الجيم والعين المهملة، وتشديد الراء المهملة المفتوحة، كما في الجمهرة. وعن الاصمعي والشافعي: بكسر الجيم

===============

( 289 )

[ بين مكة والطائف، على سبعة أميال. والتنعيم: موضع قريب من مكة (1)، وهو أقرب أطراف الحل إلى مكة. ويقال: بينه وبين مكة أربعة أميال، ويعرف بمسجد عائشة كذا في مجمع البحرين. وأما المواقيت الخمسة فعن العلامة (رحمه الله) في المنتهى: أن أبعدها من مكة ذو الحليفة، فانها على عشر مراحل من مكة، ويليه في البعد الجحفة، والمواقيت الثلاثة الباقية على مسافة واحدة، بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان. وقيل: إن الجحفة على ثلاث مراحل من مكة. (مسألة 5): كل من حج أو اعتمر على طريق ] واسكان العين، وتخفيف الراء. قيل: العراقيون يثقلونه، والحجازيون يخففونه. وحكى ابن ادريس: بفتح الجيم، وكسر العين، وتشديد الراء أيضا. وهي موضع بين مكة والطائف من الحل، بينها وبين مكة ثمانية عشر ميلا، على ما ذكر الباجي. سميت بريطة بنت سعد بن زيد مناة من تميم أو قريش، كانت تلقب بالجعرانة. ويقال: إنها المرادة بالتي نقضت غزلها. قال الفيومي: إنها على سبعة أميال عن مكة. وهو سهو في سهو في سهو، فان الحرم من جهته تسعة أميال أو بريد، كما يأتي). (1) قال في كشف اللثام: (على لفظ المصدر، سمي به موضع على ثلاثة أميال من مكة أو أربعة. وقيل على فرسخين على طريق المدينة به مسجد أمير المؤمنين (ع)، ومسجد زين العابدين (ع)، ومسجد عائشة وسمي به، لان عن يمينة جبلا اسمه نعيم، وعن شماله جبلا اسمه ناعم، واسم الوادي نعمان. ويقال: هو أقرب أطراف الحل إلى مكة).

===============

( 290 )

[ فميقاته ميقات أهل ذلك الطريق وإن كان مهل أرضه غيره - كما أشرنا إليه سابقا (1) - فلا يتعين أن يحرم من مهل أرضه بالاجماع، والنصوص. منها: صحيحة صفوان: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وقت المواقيت لاهلها، ومن أتى عليها من غير أهلها " (* 1). (مسألة 6): قد علم مما مر أن ميقات حج التمتع مكة. واجبا كان أو مستحبا، من الآفاقي أو من أهل مكة وميقات عمرته: أحد المواقى الخمسة، أو محاذاتها (2)، ] (1) في الميقات الثاني، والثالث. (2) قد عرفت أن المحاذاة مع البعد لا دليل على إجزائها، ويتعين الاحرام حينئذ من أدنى الحل، كما فرضه الجماعة، فيمن لم يؤد طريقه إلى الميقات أو ما يحاذيه. فراجع. هذا إذا كان عابرا على الميقات أو ما يحاذيه إلى مكة. أما إذا كان منزله دون الميقات إلى مكة، فالظاهر من الاصحاب أن منزله ميقات عمرته وحجه، فانهم ذكروا أن من كان منزله دون الميقات فميقاته منزله، ولم يخصصوا ذلك بالحج أو العمرة. قال في الجواهر: (قد عرفت أن ميقات الاحرام - لمن كان منزله أقرب من الميقات - منزله، سواء كان بعمرة تمتع، أو إفراد أو حج. لاطلاق الادلة). وكذلك ظاهر عبارات غيره. وهو في محله، للاطلاق الذي ذكره في الجواهر. فكان على المصنف أن يستثنيه في الفرض الآتي. وعلى هذا فميقات إحرام عمره التمتع، إما أحد المواقيت - إن مر به -


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب المواقيت حديث: 1.

===============

( 291 )

[ كذلك أيضا. وميقات حج القرآن والافراد: أحد تلك المواقيت مطلقا أيضا (1)، إلا إذا كان منزله دون الميقات أو مكة فميقاته منزله (2). ويجوز من أحد تلك المواقيت أيضا، بل هو الافضل. وميقات عمرتها: أدنى الحل إذا كان في مكة (3) ويجوز من أحد المواقيت أيضا (4). وإذا لم يكن في مكة فيتعين أحدها (5) وكذا الحكم في العمرة المفردة (6)، ] أو ما يحاذيه محاذاة قريبة، بحيث يكون معه في أفق واحد عرفا - إن مر به - أو أدنى الحل إن لم يمر بالميقات، ولا بما يحاذيه. أو منزله إذا كان دون الميقات. هذا إذا كان ذاهبا إلى مكة. وان كان مقيما بمكة فسيأتي حكمه.. (1) يعني: واجبا كان أو مستحبا) من أهل الآفاق أو غيره. وكان المناسب أن يذكر المحاذاة أيضا كما ذكرها فيما قبل. (2) تقدم وجهه في الميقات السابع. كما تقدم الوجه في قوله: (ويجوز من...). (3) كما تقدم في الميقات العاشر. (4) تقدم وجهه في نظيره. (5) هذا إذا كان فيما بعد الميقات، وعبر عليه. أما إذا كان فيما بعده وعبر على ما يحاذيه أحرم مما يحاذيه. وإن عبر على غير الميقات وما يحاذيه أحرم من أدنى الحل، وكذا إذا كان في الحرم. وإذا كان منزله دون الميقات أحرم من منزله. كل ذلك لاطلاق الادلة في الجميع. ويكون الحكم كما في عمرة التمتع لمن لم يكن في مكة. والتخصيص بأحد المواقيت لا دليل عليه. (6) أما في الحكم الاول، فلما عرفت في الميقات العاشر. وأما في

===============

( 292 )

[ مستحبة كانت أو واجبة. وإن نذر الاحرام من ميقات معين تعين (1). والمجاور بمكة بعد السنتين حاله حال أهلها (2)، وقبل ذلك حاله حال النائي. فإذا أراد حج الافراد أو القران ] الحكم الثاني الذي ذكرناه، فلاطلاق الادلة. (1) لعموم الوفاء بالنذر إذا تعلق بالراجح، وان كان غيره أرجح منه. (2) قد عرفت أن أهل مكة إذا أرادوا حج التمتع فاحرامهم منها كاحرام حج التمتع من غيرهم، فان مكة ميقات حج التمتع مطلقا. وأما إذا أرادوا حج القران أو الافراد فاحرامهم منها أيضا، على ما عرفت في الميقات السابع. وإذا أرادوا عمرة الافراد أو القران، أو العمرة المفردة فاحرامهم من أدنى الحل، على ما عرفت في الميقات العاشر. وأما إذا أرادوا عمرة التمتع فقد تقدم من المصنف (ره) - في المسألة الرابعة من فصل أقسام الحج -: أن ميقات إحرامها منهم أحد المواقيت الخمسة. بل قد يظهر منه أن الخلاف في حكم المجاور إذا أراد أن يعتمر عمرة التمتع جار فيهم، وأن ميقات عمرة التمتع منهم، هل هو مهل أرضه، أو أحد المواقيت، أو أدنى الحل؟. لكن لا مجال للاحتمال الاول، لان المفروض أنه من أهل مكة. فكأن مراده هناك أن ما أختاره من هذه الاحتمالات - وهو أحد المواقيت الخمسة - جار في حقهم. وكيف كان فنصوص تلك المسألة أكثرها واردة في المجاور، ولا تشمل أهل مكة، فلا بد من الرجوع إلى غيرها من الادلة وحينئذ مقتضى عموم: من كان منزله دون الميقات فميقاته منزله - بناء على عمومه لاهل مكة كما تقدم - أن ميقات عمرتهم لحج التمتع هو منزلهم مكة. لكن الظاهر أنه خلاف الاجماع، وقد ذكر في كشف اللثام: أنه

===============

( 293 )

لا بد في النسك من الجمع بين الحل والحرم، وفى الحج يجمع بينهما بالخروج إلى عرفات، وجعله دليلا على عدم جواز إحرام عمرة القارن والمفرد من مكة. وقد أشار العلامة في التذكرة إلى ذلك، فيظهر منهم أن من المسلمات أن العمرة مطلقا لا تكون من مكة، إذ حينئذ لا جمع فيها بين الحل والحرم. وهذه القاعدة وإن لم يظهر دليل عليها، لكن الظاهر التسالم عليها. وحينئذ يتردد الامر بين كونه أدنى الحل وكونه أحد المواقيت. والمصنف اختار الثاني فيما تقدم، في فصل أقسام الحج. والذي يقتضيه عموم صحيح عمرو ابن يزيد - المتقدم في دليل الميقات العاشر -: الاجتزاء بالخروج إلى أدنى الحل (* 1). وقد يشكل عمومه، باستشهاد الامام (ع) فيه بفعل النبي صلى الله عليه وآله، ولم يكن صلى الله عليه وآله حينئذ من أهل مكة، ولا كانت عمرته عمرة تمتع. لكن الظاهر أن الاستشهاد بالفعل الخاص لا يصح قرينة على التخصيص، فلا بأس بالبناء على العموم. ولا سيما بعد اعتضاده بصحيح الحلبي الوارد في المجاور إذا أراد أن يتمتع، حيث أمر فيه بالخروج عن الحرم، وقد عرفت - في مسألة حكم المجاور - أن هذا الصحيح أرجح من غيره من أدلة القولين الآخرين. ولو فرض قصور النصوص عن تعيين الميقات تعين الرجوع إلى الاصل المقتضي للاجتزاء بالاحرام من أدنى الحل. ثم إن مقصود المصنف (ره)، من قوله: (حاله حال أهلها) أن إحرامه لحج القران والافراد يكون منها، لما سبق في الميقات السابع - ويشكل بما سبق من الصحيحين المتضمنين إحرام المجاور للحج من أدنى الحل، بناء على إطلاقهما الشامل لما بعد السنتين، كما تقدم.


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب المواقيت حديث: 1، 2.

===============

( 294 )

[ يكون ميقاته أحد الخمسة أو محاذاتها (1)، وإذا أراد العمرة المفردة جاز إحرامها من أدنى الحل. ] (1) قد تقدم منه أن القدر المتيقن من الصحيحين ما قبل السنتين، وحينئذ لا موجب لرفع اليد عنهما. وإن شئت قلت: المنزل - في روايات المنزل - إن كان يختص بالوطن فلا يشمل المجاور ولو بعد السنتين، فلا وجه لاحرام المجاور منه حينئذ. وإن كان يعم غيره - بأن يراد به المنزل الذي اتخذه مقرا له ولاهله مدة معتدا بها - فهو وإن كان يشمل منزل المجاور، لكن الصحيحين موجبان للخروج عن عموم حكم المنزل بمقتضى إطلاقهما. وقد عرفت لزوم العمل بالمطلق وإن كان القدر المتيقن منه الخاص، فكيف ساغ الحكم بأن إحرام المجاور بعد السنتين من مكة؟ ولكن عرفت سابقا أن ذيل الصحيح الثاني طويل جدا، وظاهر في القاطن الذي تبدل فرضه وهو ما بعد السنتين. فلاحظ وتأمل. والذي يتحصل مما ذكرنا: أن ميقات الحج لاهل مكة مطلقا - سواء كان تمتعا، أم قرانا، أم إفرادا - وميقات عمرتهم - سواء كانت عمرة تمتع، أم إفراد أم قران، أم مفردة - أدنى الحل، وميقات حج المجاور في مكة، وعمرته أدنى الحل مطلقا. إلا حج التمتع فان ميقاته مكة. وإلا عمرته فان ميقاتها محل الخلاف، المتقدم في فصل صورة حج التمتع والله سبحانه العالم العاصم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

===============

( 295 )

[ فصل في أحكام المواقيت (مسألة 1): لا يجوز الاحرام قبل المواقيت (1)، ولا ينعقد (2)، ولا يكفي المرور عليها محرما، بل لابد من إنشائه جديدا. ففي خبر ميسرة (3: " دخلت على أبي ] فصل في أحكام المواقيت (1) المراد من عدم الجواز الحرمة التشريعية. ولو أريد الحرمة الذاتية فلا دليل. ولا سيما وأن المذكور في كلماتهم أنه لا ينعقد. وما في بعض النصوص، من النهي عن الاحرام قبل الميقات، فالظاهر الارشادي إلى عدم الصحة. (2) بلا خلاف أجده فيه. والنصوص وافية في الدلالة عليه. كذا في الجواهر. وفى كشف اللثام: (للنصوص، والاصل، والاجماع. خلافا للعامة). وفى المدارك: (عن المنتهى: أنه قول علمائنا أجمع). واستدل له: بصحيحة عبيد الله الحلبي عن أبي عبد الله (ع): (الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله لا ينبغي لحاج ولا معتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها) (* 1) وصحيح ابن أذينة قال: (قال أبو عبد الله (ع) - في حديث -: ومن أحرم قبل الميقات فلا إحرام له) (* 2). (3) رواه الكليني عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب المواقيت حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب المواقيت حديث: 3.

===============

( 296 )

[ عبد الله (ع) وأنا متغير اللون، فقال (ع): من أين أحرمت بالحج؟ فقلت: من موضع كذا وكذا. فقال (ع): رب طالب خير يزل قدمه. ثم قال: أيسرك إن صليت الظهر في السفر أربعا؟ قلت: لا. قال: فهو والله ذاك ": نعم يستثنى من ذلك موضعان: أحدهما: إذا نذر الاحرام قبل الميقات (1)، فانه يجوز ويصح. للنصوص. منها خبر أبي بصير (2) عن أبي ] علي بن النعمان، عن علي بن عقبة، عن ميسرة قال: (دخلت على أبي عبد الله (ع)...) (* 1) إلى آخر ما في المتن ونحوه غيره من النصوص الكثيرة ويأتي بعضها. (1) حكاه - في كشف اللثام - عن النهاية، والمبسوط، والخلاف والتهذيب، والمراسم، والمهذب، والوسيلة، والنافع، والشرائع، والجامع. وفى كلام غيره نسبته إلى الاكثر، أو أكثر المتأخرين، أو المشهور. واستدل له بجملة من النصوص. منها: صحيح الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل جعل لله عليه شكرا أن يحرم من الكوفة. قال (ع): فليحرم من الكوفة، وليف لله بما قال) (* 2)، وخبر علي ابن أبي حمزة قال: (كتبت إلى أبي عبد الله (ع) أسأله عن رجل جعل لله عليه أن يحرم من الكوفة. قال (ع): يحرم من الكوفة) (* 3). (* 2) رواه الشيخ باسناده عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب المواقيت حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 13 من أبواب المواقيت حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب المواقيت حديث: 2.

===============

( 297 )

أبي نصر، عن عبد الكريم، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: (سمعته يقول. لو أن...) (* 1) لكن الظاهر منه مجرد جعل الاحرام من المواضع البعيدة على نفسه، من باب تحمل الزحمة في سبيل الطاعة، شكرا لله تعالى، لا أنه من باب نذر الشكر. لكن في الاولين كفاية. نعم عن جماعة: المنع، لبطلان النذر، لانه نذر غير مشروع، كما لو نذر الصلاة قبل وقتها، أو إيقاع المناسك في غير مواضعها. مع ضعف الاخبار، فان الاول وإن حكم بصحته في المنتهى وغيره، لكن المحكي عن أكثر نسخ التهذيب أن السائل فيه: (علي)، هكذا: (عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن علي...). والظاهر أنه ابن أبي حمزة. بل قيل: إن نسخ التهذيب متفقة على ذلك (* 2)، وإنما الحلبي بدله مذكور في نسخ الاستبصار (* 3). مع أن السند فيه هكذا: (الحسين ابن سعيد، عن حماد، عن الحلبي). والمعروف في الحلبي مطلقا: عبيد الله، وأخوه محمد. وحماد إن كان ابن عيسى فتبعد روايته عن عبيد الله بلا واسطة، وإن كان ابن عثمان فتبعد رواية الحسين بن سعيد عنه بلا واسطة. وتبعد أيضا إرادة عمران من إطلاق الحلبي. ولذلك قوى البطلان في كشف اللثام. وفيه: أنه لا مجال للطعن في الروايات بالضعف بعد اعتماد من عرفت عليها. فالعمل بها متعين. مع أنها إن لم تكن من الصحيح فهي من الموثق الداخل في موضوع دليل الحجية.


____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب المواقيت حديث: 3. (* 2) المصرح به في بعض نسخ التهذيب: (الحلبي) لاحظ التهذيب الجزء: 5 الصفحة 53 طبع النجف الاشرف. (* 3) لاحظ الاستبصار الجزء: 2 الصفحة: 163 طبع النجف الاشرف.

===============

( 298 )

[ عبد الله (ع): " لو أن عبدا أنعم الله تعالى عليه نعمة، أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية، فجعل على نفسه أن يحرم من خراسان كان عليه أن يتم ". ولا يضر عدم رجحان ذلك - بل مرجوحيته - قبل النذر، مع أن اللازم كون متعلق النذر راجحا (1). وذلك لاستكشاف رجحانه بشرط النذر من الاخبار (2)، واللازم رجحانه حين العمل (3) ولو كان ] (1) هذه الشبهة ذكرت في كلام من خالف في الحكم اعتمادا عليها. (2) هذا على ظاهره غير معقول، لان صحة النذر مشروطة بمشروعية المنذور، فلو كانت مشورعيته مشروطة بالنذر لزم الدور. ولا يمكن العمل بالاخبا ر إذا دلت على أمر غير معقول. (3) لا إشكال في ذلك، لكن الاشكال في تحقق الرجحان حين العمل فانه لا يعقل أن يكون مستندا إلى النذر. وكذلك الاشكال في نظيره. واللازم في التخلص عن الاشكال أن يقال: إن الاخبار دلت على صحة النذر، اللازمة لمشروعية متعلقة. أما أنها كانت لاجل النذر أو لجهة ملازمة له فلا يستفاد من الاخبار. ولما كان الاول غير معقول تعين الثاني. وليس الدليل على عدم مشروعية الاحرام قبل الميقات إلا كسائر الادلة، يصح تقييد إطلاقه الاحوالي، كما يصح تقييد اطلاق غيره. وقد دل الدليل على صحة الصلاة تماما في السفر في بعض الموارد، وعلى صحة الصلاة قبل الوقت في بعض الموارد، وكما جاز الخروج به عن إطلاق دليل بطلان الصلاة تماما في السفر، وعن إطلاق دليل بطلان الصلاة قبل الوقت، فليجز في المقام ذلك.

===============

( 299 )

[ ذلك للنذر. ونظيره: مسأله الصوم في السفر المرجوح أو المحرم من حيث هو، مع صحته ورجحانه بالنذر. ولابد من دليل يدل على كونه راجحا بشرط النذر، فلا يرد أن لازم ذلك صحة نذر كل مكروه أو محرم. وفي المقامين المذكورين الكاشف هو الاخبار. فالقول بعدم الانعقاد - كما عن جماعة (1)، ] نعم يفترق المقام عن غيره أن عنوان المقيد في سائر المقامات يجوز أن يكون علة لحكم المقيد، وفى المقام لا يجوز ذلك، لئلا يلزم الدور. لكن هذا المقدار - مع إمكان استكشاف عنوان موجب لحكم المقيد ملازم لعنوان المقيد - لا يوجب الفرق بين المقامات، في وجوب الخروج عن الاطلاق بالمقيد. (1) المراد بهم الحلي، والعلامة في المختلف. وعن المحقق، في المعتبر: الميل إليه. أما الحلي فعذره واضح على أصله - كما في المسالك - لبنائه على عدم العمل باخبار الآحاد، وأما العلامة في المختلف فلم يذكر دليلا على الجواز إلا رواية الحلي - ونسبها إلى علي بن أبي حمزة البطائني - ورواية أبي بصير. وطعن في الاولى: بأن البطائني واقفي، وفى الثانية: بأن في طريقها سماعة، وهو أيضا واقفي. وأما المحقق في المعتبر فنسب الروايتين الاولتين إلى علي بن أبي حمزة، وأنه تارة يرويها عن أبي عبد الله (ع)، وتارة يقول - كتبت إلى أبي عبد الله (ع). ثم ذكر رواية سماعة عن أبي بصير، ثم طعن فيهما بأن علي بن أبي حمزة واقفي، وكذا سماعة. وقال في المسالك: (ولم يذكر - يعني: العلامة - في المختلف صحيحة الحلبي، وهي مستند واضح. والعجب أنه في المنتهى والتذكرة أفتى بالجواز، مستدلا بها ولم يذكر غيرها. وحينئذ فالجواز أقوى). وقد عرفت أن

===============

( 300 )

[ لما ذكر - لا وجه له. لوجود النصوص، وإمكان تطبيقها على القاعدة. وفي الحاق العهد واليمين بالنذر وعدمه وجوه، ثالثها: (1) الحاق العهد دون اليمين (2). ولا يبعد الاول، ] اعتماد الاصحاب على الرواية - على تقدير ضعفها - موجب لدخولها في موضوع الحجية، فضلا عن أن تكون صحيحة، أو موثقة. (1) وأولها: الالحاق. استظهره في المسالك، واستدل له: بأن النصوص شاملة له. فانها مفروضة فيمن جعل ذلك عليه لله. وثانيها: العدم. وهو ظاهر كل من اقتصر على النذر، وربما مال إليه في الجواهر. (2) لما عرفت في أول فصل نذر الحج، من أن النذر يتضمن إنشاء تمليك الله سبحانه نفس المنذور، والعهد يتضمن إنشاء المعاهدة مع الله على فعل، واليمين ليس فيه إنشاء مضمون إيقاعي، فلا جعل فيه لله تعالى، فلا يدخل في النصوص. بل العهد كذلك، فان إنشاء المعاهدة لا يرجع إلى جعل شئ لله تعالى، فلا وجه لدخوله في النصوص أيضا. بل التحقيق: ان المعاهد ليست من المعاني الايقاعية، بل من الامور الحقيقية، والمعاني الايقاعية هي التي تكون موضوعا للمعاهدة. وتحقيق ذلك موكول إلى محله وإرجاع المعاهدة مع الله سبحانه على فعل شئ إلى جعل شئ له تعالى غير واضح، بل ممنوع. ولاجل ذلك نقول: إذا صالحت زيدا على أن يصلي عنك أو تصلي عنه، كان مفاد عقد الصلح غير مفاده لو صالحته على أن يكون لك عليه أن يصلي عنك وله عليك أن تصلي عنه، فان مفاد الاول لا تمليك فيه، ومفاد الثاني فيه إنشاء التمليك. وكذا في الشرط، فقد يشترط عليه أن يخيط ثوبه، فيقول: بعتك وعليك ان تخيط ثوبي، فلا تمليك، وقد يشترط

===============

( 301 )

[ لامكان الاستفادة من الاخبار. والاحوط الثاني (1)، لكون الحكم على خلاف القاعدة. هذا ولا يلزم التجديد في الميقات (2)، ] أن له عليه أن يخيط ثوبة، فيقول: بعتك ولي عليك أن تخيط ثوبي، فيكون مشتملا على التمليك، فارجاع أحد المضمونين إلى الآخر غير ظاهر. اللهم إلا أن يقال: إن التمليك يستفاد من الشرط الوارد في مقام المعاوضات على اختلاف مضامينه، لان وروده في ذلك المقام يستوجب القصد إلى التمليك. ولذا يكون الشرط موروثا للوارث، ولو كان خاليا عن التمليك لم يكن وجه للارث. لكن لو تم ذلك لم يرد في العهد، إذ لا قرينة على هذا التمليك، لا حالية ولا مقالية. فالبناء على دخول العقد واليمين في النصوص غير ظاهر. ولذا اقتصر الاصحاب على ذكر النذر، ولم يتعرضوا للعهد ولا لليمين. نعم لو تمت دلالة رواية أبي بصير كانت عامة للجميع. فالتفصيل بين العهد واليمين أضعف الوجوه. ودونه في الضعف العموم، فان رواية أبي بصير قد عرفت الاشكال فيها. وحملها - بقرينة الاجماع على عدم العمل بظاهرها - على غيرها يقتضي الخصوص لا العموم. فإذا المتعين ما هو ظاهر الاصحاب، وهو الاختصاص بالنذر، لا غير. (1) يشكل بأن الثاني وإن كان أحوط من جهة، لكنه خلاف الاحتياط من جهة مخالفة النذر، والمقام من قبل الدوران بين محذورين. (2) وإن حكي عن المراسم والرواندي. فانه لاوجه له بعد صحة الاحرام المنذور. واشكل منه ما حكي عن بعض القيود، من أنه إذا نذر إحراما واجبا وجب تجديده في الميقات، وإلا استحب. فانه تفصيل بلا فاصل ظاهر.

===============

( 302 )

[ ولا المرور عليها. وإن كان الاحوط التجديد، خروجا عن شبهة الخلاف. والظاهر اعتبار تعيين المكان (1)، فلا يصح نذر الاحرام قبل الميقات مطلقا، فيكون مخيرا بين الامكنة لانه القدر المتيقن، بعد عدم الاطلاق في الاخبار. نعم لا يبعد الترديد بين المكانين (2)، بأن يقول: " لله علي أن أحرم إما من الكوفة أو من البصرة "، وإن كان الاحوط خلافه. ولا فرق بين كون الاحرام للحج الواجب، أو المندوب، أو للعمرة المفردة (3). نعم لو كان للحج أو عمرة التمتع يشترط أن يكون في أشهر الحج (4)، لاعتبار كون الاحرام لهما فيها، والنصوص إنما جوزت قبل الوقت المكاني فقط. ] (1) كما نص على ذلك في الحدائق والمستند. (2) لا يظهر الفرق بين هذه المسألة وما قبلها، فان كلا منهما غير المتيقن من الاطلاق. بل مقتضى الاقتصار على المتيقن الاقتصار على خصوص الكوفة، أو مع البصرة، بناء على دلالة روايتها على المقام، أو لزوم حملها عليه. (3) لاطلاق النص والفتوى. (4) كما نص على ذلك المحقق في كتبه، ووافقه عليه من تأخر عنه. عملا بعموم ما دل على عدم صحة عمرة التمتع وحجه في غير أشهر الحج. والنصوص المتقدمة إنما دلت على صحة النذر إذا قدمه على الميقات، ولم تتعرض لصحته إذا نذر تقديمه على وقته، فلا موجب للخروج عن عموم أدلة المنع.

===============

( 303 )

[ ثم لو نذر وخالف نذره فلم يحرم من ذلك المكان - نسيانا أو عمدا - لم يبطل إحرامه إذا أحرم من الميقات (1). نعم عليه الكفارة إذا خالفه متعمدا. ثانيهما: إذا أراد إدراك عمرة رجب وخشي تقضيه إن أخر الاحرام إلى الميقات، فانه يجوز له الاحرام قبل الميقات (2) وتحسب له عمرة رجب، وان أتى ببقية الاعمال في شعبان. لصحيحة إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل يجئ معتمرا ينوي عمرة رجب، فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق، أيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب، أو يؤخر الاحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال: يحرم قبل الوقت لرجب. فان لرجب فضلا " (3)، وصحيحة معاوية بن عمار: سمعت ] (1) أما في النسيان فظاهر، لوقوع الاحرام على الوجه المشروع فيصح. وأما في العمد فمشكل، لان النذر يقتضي ملك الله سبحانه للمنذور على وجه يمنع من قدره المكلف على تفويته، والاحرام من الميقات عمدا لما كان تفويتا للواجب المملوك كان حراما، فيبطل إذا كان عبادة. وقد تقدم ذلك في مواضع من هذا الشرح. فراجع المسألة الواحدة والثلاثين من فصل نذر الحج، ونذر الصلاة جماعة وغيرها، وتأمل. (2) في الجواهر: (بلا خلاف أجده فيه)، وفى المعتبر: (عليه اتفاق علمائنا)، وفى المسالك: (هو موضع نص ووفاق)، وفى المنتهى: (على ذلك فتوى علمائنا). (3) رواها الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن إسحاق (* 1)


____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب المواقيت حديث: 2.

===============

( 304 )

[ أبا عبد الله (ع) يقول: ليس ينبغي أن يحرم دون الوقت الذي وقت رسول الله صلى الله عليه وآله. إلا أن يخاف فوت الشهر في العمرة " (1) ومقتضى إطلاق الثانية جواز ذلك لادراك عمرة غير رجب أيضا، حيث أن لكل شهر عمرة. لكن الاصحاب خصصوا ذلك برجب (2). فهو الاحوط، حيث ان الحكم على خلاف القاعدة. والاولى والاحوط - مع ذلك - التجديد في الميقات (3) كما أن الاحوط التأخير إلى آخر الوقت. وإن كان الظاهر جواز الاحرام قبل الضيق إذا علم عدم الادراك إذا أخر إلى الميقات (4). ] وطريق الشيخ إلى الحسين صحيح، وصفوان من الاعيان، ومن أصحاب الاجماع ورواه الكليني عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان عنه. وأبو علي الاشعري ومحمد كلاهما من الاعيان، وأما إسحاق فالمعروف عد حديثه موثقا. لكن الذي حققه بعض المتأخرين أن حديثه صحيح، وهو بالقبول حقيق. ولذلك عد في الجواهر هذا الحديث في الصحيح. (1) رواها الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن معاوية. ورواها الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عنه (* 1) والسند في الجميع لا مجال للمناقشة فيه. (2) في الجواهر: (لم أجد به عاملا في غير رجب). ولعله للعلة التي أشار إليها الامام (ع) في الصحيح الآخر. (3) فان الحكم لم يتعرض له كثير من الاصحاب - كما في كشف اللثام - ولعل ذلك منهم خلاف فيه. (4) جعله في الجواهر الاقوى لما ذكر. وقال في المسالك: (ولا


____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب المواقيت حديث: 1.

===============

( 305 )

[ بل هو الاولى، حيث أنه يقع باقي أعمالها أيضا في رجب. والظاهر عدم الفرق بين العمرة المندوبة والواجبة بالاصل (1) أو بالنذر ونحوه. (مسألة 2): كما لا يجوز تقديم الاحرام على الميقات كذلك لا يجوز التأخير عنها (2)، فلا يجوز لمن أراد الحج ] يشترط إيقاع الاحرام في آخر جزء منه، بل المعتبر وقوعه فيه. عملا باطلاق النص، وإن كان آخر أولى). وأولوية آخره بملاحظة الاحتياط فلا تنافي الاولوية المذكورة في المتن. بلحاظ أن التقدم يستوجب وقوع العمرة في مدة طويلة من الشهر، بخلاف التأخير. ولعل مراد المصنف (ره) ذلك، وان كانت العبارة لا تساعد عليه. (1) عموم النص لها لا يخلو من تأمل أو منع. (2) إجماعا - بقسميه - ونصوصا. كذا في الجواهر. وللنصوص، والاجماع. وفى المعتبر والمنتهى: اجماع العلماء كافة عليه. كذا في كشف اللثام. ونحوهما كلام غيرهما. وفى صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (من تمام الحج والعمرة، أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله لا تجاوزها إلا وأنت محرم) (* 1). وفى صحيح صفوان: (فلا تجاوز الميقات إلا من علة) (* 2). وفى صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) - في حديث - قال: (ولا تجاوز الجحفة إلا محرما) (* 3). وفى دلالتها على الحرمة الذاتية تأمل.


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب المواقيت حديث: 2. وباب: 16 منه حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 15 من أبواب المواقيت حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب المواقيت حديث: 3 وباب: 16 منه حديث: 2.

===============

( 306 )

[ أو العمرة أو دخول مكة أن يجاوز الميقات اختيارا إلا محرما بل الاحوط عد المجاوزة عن محاذاة الميقات إلا محرما وإن كان أمامه ميقات آخر (1). فلو لم يحرم منها وجب العود إليها مع الامكان. إلا إذا كان أمامه ميقات آخر، فانه يجزيه الاحرام منها (2)، ] (1) لان قوله (ع) في صحيح ابن سنان المتقدم: (فليكن احرامه) (* 1) ظاهر في الوجوب. وكذا قوله (ع) في الصحيح الآخر: (فليحرم منها...) (* 2) فيكون ترك الاحرام حراما. ولا يتضح الفرق بين المحاذاة وبين نفس الميقات، فان لسان الادلة في الجميع على نحو واحد. فتوقف المصنف (ره) في المحاذاة غير ظاهر. (2) كما هو ظاهر المسالك. قال: وفى بعض الاخبار أنه يرجع إلى ميقاته في جميع الصور - يعني: صور تجاوز الميقات بلا إحرام - والظاهر أنه غير متعين بل يجزي رجوعه إلى أي ميقات شاء، لانها مواقيت لمن مر بها، وهو عند وصوله كذلك). وفى المدارك: (لا يخفى أنه إنما يجب العود إذا لم يكن في طريقه ميقات آخر، وإلا لم يجب - كما مر - بل يؤخر إلى الميقات. وفى الجواهر: (هذا كله إذا لم يكن في طريقه ميقات آخر، وإلا لم يجب عليه الرجوع أيضا على كل حال، بناء على ما تقدم، من الاجتزاء بالاحرام منه مع الاختيار، فضلا عن العذر). والمراد ببعض الاخبار - في صدر كلام المسالك -: صحيح الحلبي (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل نسي أن يحرم حتى دخل الحرم.


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب المواقيت حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب المواقيت حديث: 3.

===============

( 307 )

قال (ع): قال أبي (ع): يخرج إلى ميقات أهل أرضه، فان خشي أن يفوته الحج أحرم من مكانه، فان استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم) (* 1)، وصحيحه الآخر: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم. فقال (ع): يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم. فان خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه فان استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم) (* 2). ونحوهما خبر علي بن جعفر (ع) عن أخيه موسى بن جعفر (ع) (* 3)، وصحيح معاوية ابن عمار قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة كانت مع قوم، فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم فقالوا: ما ندري أعليك إحرام أم لا وأنت حائض؟ فتركوها حتى دخلت الحرم. فقال (ع): إن كان عليها مهلة فلترجع إلى الوقت فلتحرم منه، فان لم يكن عليها وقت فلترجع إلى ما قدرت عليه بعدما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها) (* 4). وفى رواية الشيخ: (بقدر ما لا يفوتها الحج فتحرم) (* 5). وأما ما ذكره من أن المواقيت مواقيت لمن مر بها، فهو وإن كان صحيحا، لكن لا مجال للاخذ باطلاق توقيتها بعد ورود الدليل الخاص الآمر بالرجوع إلى ميقاته. نعم قد يظهر من صحيح معاوية الرجوع إلى مطلق الميقات. لكن لو تم فهو مقيدا أيضا على أنه من القريب أن يكون المراد به الميقات الذي عبروا عليه حين سألتهم


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب المواقيت حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 14 من أبواب المواقيت حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب المواقيت حديث: 9. (* 4) الوسائل باب: 14 من أبواب المواقيت حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 14 من ابواب المواقيت ملحق حديث: 4.

===============

( 308 )

[ وإن أثم بترك الاحرام من الميقات الاول (1). والاحوط العود إليها مع الامكان مطلقا، وإن كان أمامه ميقات آخر. ] المرأة، بقرينة التعبير بالرجوع. نعم ظاهر الصحيحين الاولين خصوص ميقات بلده وإن لم يكن قد عبر عليه. لكن يتعين حملهما على ما عبر عليه بقرينة التعبير بالرجوع في ثانيهما. أو بقرينة الاجماع على خلافهما. نعم قد يظهر من موثق ابن بكير عن زرارة: (عن أناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم، فقدموا إلى الميقات وهي لا تصلي، فجهلوا أن مثلها ينبغي أن تحرم، فمضوا بها - كما هي - حتى قدموا مكة وهي طامث حلال، فسألوا الناس، فقالوا: تخرج إلى بعض المواقيت فتحرم منه. فكانت إذا فعلت لم تدرك الحج، فسألوا أبا جعفر (ع)، فقال (ع): تحرم من مكانها، قد علم الله تعالى بنيتها) (* 1). أنه يجزي الخروج إلى بعض المواقيت، أيها كان. لكن المسؤول فيه ليس هو الامام (ع) ولا يظهر من أبي جعفر (ع) تقرير للجواب المذكور، إذ لم يعرض عليه الجواب الصادر من الناس. وأما ما ذكره في المسالك، من أن المواقيت مواقيت لمن مر بها وهو عند وصوله كذلك، فهو مسلم، لكن لا يصلح للخروج به عن ظاهر النصوص المذكورة، لان نسبتها إلى دليل التوقيت نسبة الخاصة إلى العام. فإذا المتعين الرجوع إلى الميقات الذي عبر عليه ولا يجزي غيره. (1) قد اشتهر ذلك في كلماتهم. وقد أشرنا إلى أن الامر بالاحرام من الميقات ليس مولويا بل إرشادي إلى الشرطية، كما في جميع الاوامر الواردة في مقام بيان الماهيات العرفية، فضلا عن المخترعات الشرعية. وعليه عمل الفقهاء في جميع أبواب العبادات والمعاملات. فإذا أمر الشارع بالاطمئنان


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب المواقيت حديث: 6.

===============

( 309 )

[ وأما إذا لم يرد النسك، ولا دخول مكة - بأن كان له شغل خارج مكة ولو كان في الحرم - فلا يجب الاحرام. نعم في بعض الاخبار (1): وجوب الاحرام من الميقات إذا أراد دخول الحرم وان لم يرد دخول مكة. لكن قد يدعى الاجماع على عدم وجوبه (2). وإن كان يمكن استظهاره من بعض الكلمات (3). ] حال الصلاة كان المراد به الارشاد إلى شرطية الاطمئنان في الصلاة، لا وجوب الاطمئنان وجوبا مولويا، بحيث يكون تركه موجبا للاثم مع صحة الصلاة. وكذلك في المقام، فان الظاهر أن الامر بالاحرام من الميقات إرشادي إلى شرطية الاحرام من الميقات في صحة النسك - حجا أو عمرة - فلا تكون مخالفته مستوجبة للاثم. اللهم إلا أن يكون مراده الاثم من جهة الحرمة التشريعية، لكون المفروض كونه عامدا. لكن الظاهر إرادة الحرمة الذاتية، كما يفهم مما يأتي في المسأله الآتية. (1) وهو صحيح عاصم بن حميد قال: (قلت لابي عبد الله (ع): يدخل الحرم أحد إلا محرما؟ قال: لا. إلا مريض، أو مبطون) (* 1) وصحيح محمد بن مسلم: (سألت أبا جعفر (ع)، هل يدخل الرجل الحرم بغير إحرام؟ قال (ع): لا. إلا أن يكون مريضا، أو به بطن) (* 2). (2) قال في المدارك: (قد أجمع العلماء على أن من مر على الميقات وهو لا يريد دخول مكة بل يريد حاجة فيما سواها لا يلزمه الاحرام). (3) في الوسائل: التصريح به. قال (ره): (باب: أنه لا يجوز دخول مكة ولا الحرم بغير إحرام) (* 3) وفى كشف اللثام: عن الجامع


____________
(* 1) الوسائل باب: 50 من ابواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 50 من ابواب الاحرام حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 50 من ابواب الاحرام.

===============

( 310 )

[ (مسألة 3): لو أخر الاحرام من الميقات عالما عامدا ولم يتمكن من العود إليها - لضيق الوقت أو لعذر آخر - ولم يكن أمامه ميقات آخر، بطل إحرامه (1)، وحجه (2)، على المشهور (3) الاقوى، ووجب عليه قضاؤه إذا كان مستطيعا (4) واما إذا لم يكن مستطيعا فلا يجب، وأن أثم بترك الاحرام بالمرور على الميقات (5). ] والتذكرة ذلك أيضا. وظاهره: الميل إليه، لانه استدل له برواية عاصم ولم يتعرض للمناقشة فيها. وفى المستند: (ومقتضى بعض هذه الاخبار عدم جواز دخول الحرم بغير إحرام، كما حكي الفتوى به عن جمع. وهو الاحوط، بل الاظهر). ولاجله تشكل دعوى لزوم رفع اليد عن ظاهر الصحيحين، بدعوى الاجماع في المدارك، فيحملان على خصوص صورة إرادة مكة من دخول الحرم، كما في مجمع البرهان. (1) كما في الشرائع وغيرها من كتب المحقق. وفى القواعد وعن النهاية والاقتصاد والسرائر وغيرها. لانه مقتضى إطلاق دليل التوقيت، الموجب لبطلان الاحرام من غير الوقت. (2) كما حكي التصريح به عن جماعة منهم. لفوات الكل بانتفاء جزئه أو المشروط بانتفاء شرطه. نعم في الشرائع والقواعد وغيرهما اقتصر على ذكر بطلان الاحرام، ولم يتعرض فيها للنسك. ولكن الظاهر منهم ذلك لما عرفت. (3) وفى الجواهر: (وفاقا للاكثر المشهور، بل ربما يفهم من غير واحد: عدم الخلاف فيه بيننا). (4) يعني: أداؤه في السنة اللاحقة. (5) الموجب لترك الحج إذا كان واجبا عليه، أو الموجب للدخول

===============

( 311 )

[ خصوصا إذا لم يدخل مكة. والقول بوجوبه عليه ولو لم يكن مستطيعا (1)، بدعوى: وجوب ذلك عليه إذا قصد مكة، فمع تركه يجب قضاؤه. لا دليل عليه. خصوصا ذاا لم يدخل مكة (2). ] في الحرم محلا. لكن الاثم حينئذ بالدخول في الحرم محلا لا يترك الاحرام ولا مقدمية بينهما. (1) قال في المسالك: (وحيث يتعذر رجوعه مع التعمد يبطل نسكه ويجب عليه قضاؤه، وإن لم يكن مستطيعا للنسك بل كان وجوبه بسبب إرادة دخول الحرم، فان ذلك موجب للاحرام، فإذا لم يأت به وجب قضاؤه كالمنذور. نعم لو رجع بعد تجاوز الميقات ولما يدخل الحرم فلا قضاء عليه، وإن أثم بتأخير الاحرام. وادعى العلامه (* 1) في التذكرة الاجماع عليه). وفى المدارك: (هو غير جيد، لان القضاء فرض مستأنف فيتوقف على دليل، وهو منتف هنا. والاصح سقوط القضاء، كما اختاره في المنتهى. واستدل عليه بأصالة البراءة من القضاء. وبأن الاحرام مشروع لتحية البقعة فإذا لم يأت به سقط، كتحية المسجد. وهو حسن). ووجه في الجواهر كلام الشهيد في المسالك: بأن مراده وحوب القضاء على من دخل مكة حاجا ولو باحرام من دونه، وعليه يكون القضاء للحج لا للاحرام. ولكنه أيضا يشكل: بأنه لا دليل على وجوب القضاء في هذه الصورة أيضا، والاصل البراءة. على أنه خلاف ظاهر قوله: (موجب للاحرام فإذا...). (2) فان هذه الصورة داخلة في كلام المسالك. ووجه الخصوصية:


____________
(* 1) قال في التذكرة: " ولو تجاوز الميقات ورجع ولم يدخل الحرم فلا قضاء عليه. بلا خلاف نعلمه، سواء أراد النسك أو لم يرده " منه قدس سره.

===============

( 312 )

[ وذلك لان الواجب عليه إنما كان الاحرام لشرف البقعة - كصلاة التحية في دخول المسجد - فلا قضاء مع تركه. مع أن وجوب الاحرام لذلك لا يوجب وجوب الحج عليه (1)، وأيضا إذا بدا له ولم يدخل مكة كشف عن عدم الوجوب من الاول (2). وذهب بعضهم إلى أنه لو تعذر عليه العود إلى الميقات أحرم من مكانه (3)، كما في الناسي والجاهل. نظير ما إذا ترك التوضي إلى أن ضاق الوقت، فانه يتيمم وتصح صلاته، وإن أثم بترك الوضوء متعمدا. وفيه: أن البدلية في المقام لم تثبت، بخلاف مسألة التيمم، والمفروض أنه ترك ما وجب عليه متعمدا. ] ما عرفت من المشهور، من أن الاحرام إنما يجب لدخول مكة، فإذا لم يدخل لم يكن ما يوجبه، فلا وجه للقضاء مع عدم وجوب الاداء. إلا أن يقال: يجب عند الشهيد الاحرام لدخول الحرم عند إرادة دخول مكة وإن لم يدخلها) بحيث يكون الوجوب واقعيا. (1) لان قضاء الاحرام يكون بالاحرام ثانيا ولو للعمرة المفردة. إلا أن يكون مقصود الشهيد ما ذكر في الجواهر، وهو ما لو دخل حاجا. فالمقتضى يكون هو الحج لا الاحرام. لكن عرفت: أنه لا دليل عليه أيضا. (2) فلا أداء، فلا وجه للقضاء حينئذ. لكن عرفت إمكان التأمل في ذلك عند الشهيد. (3) في الجواهر: أنه محكي عن جماعة من المتأخرين. وفى كشف اللثام: أنه محتمل إطلاق المبسوط والمصباح ومختصره. وهو قوي. وفى

===============

( 313 )

[ (مسألة 4): لو كان قاصدا من الميقات للعمرة المفردة وترك الاحرام لها متعمدا، ويجوز له أن يحرم من أدنى الحل وإن كان متمكنا من العود إلى الميقات (1). فأدنى الحل له مثل كون الميقات أمامه، وإن كان الاحوط - مع ذلك - ] المستند اختياره، ونسبته إلى المحكي عن الكتب الثلاثة، وجماعة من متأخري المتأخرين. لاطلاق صحيح الحلبي الثاني المتقدم (* 1)، الموجب لتنزيل إطلاق دليل التوقيت على غير صورة التعذر. لكن في الجواهر: ليس ذلك بأولى من تنزيل إطلاق صحيح الحلبي على غير الفرض - يعني: غير العامد - وهو أولى من وجوه). وكأن المراد من الوجوه: الشهرة والحمل على الصحة. فان التنزيل الثاني أوفق بالشهرة في الفتوى والشهرة في الرواية فان روايات التوقت أكثر عددا. وكذا الحمل على الصحة، فان حمل الترك على الاعم من العمد خلاف حمل المسلم على الصحة. أقول: الصحيح من قبيل الخاص بالنسبة إلى دليل التوقيت، والخاص مقدم على العام. ولاجل ذلك لا مجال للرجوع إلى المرجحات المذكورة، لو كانت في نفسها من المرجحات. نعم الحمل على الصحة ربما يقتضي انصراف الصحيح عن العامد. لكنه بدوي لا يعتد به. فالبناء على إلحاق العامد بغيره أقرب إلى العمل بالادلة. (1) قال في الجواهر: (ثم إن ظاهر المتن والقواعد وغيرهما - يعني مما تضمن عدم صحة الاحرام لو تجاوز الميقات عمدا - بطلان الاحرام منه ولو للعمرة المفردة، وحينئذ لا يباح له دخول مكة حتى يحرم من الميقات.


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب المواقيت حديث: 7. وقد تقدم ذلك في المسألة: 2 من هذا الفصل.

===============

( 314 )

[ العود إلى الميقات. ولو لم يتمكن من العود، ولا الاحرام من أدنى الحل بطلت عمرته. (مسألة 5): لو كان مريضا لم يتمكن من النزع ولبس الثوبين يجزيه النية والتلبية (1)، فإذا زال عندها نزع ] بل عن بعض الاصحاب: التصريح بذلك. لكن قد يقال: إن المراد بطلان الاحرام لا للعمرة المفردة التي أدنى الحل ميقات لها اختياري، وإن أثم يتركه الاحرام عند مروره بالميقات، بل قيل: إن الاصحاب إنما صرحوا بذلك لا بطلانه مطلقا. ويمكن صرف ظاهر المتن وغيره إليه ولعله الاقوى). أقول: قد عرفت أن الاقوى وجوب الرجوع إلى الميقات الذي عبر عليه وان كان أمامه ميقات آخر. ولو بني على جواز الاحرام من الميقات الآخر الذى أمامه لا مجال لجعل المفروض منه، إذ لا إطلاق يدل على أن ميقات العمرة المفردة أدنى الحل يشمل الفرض، كي يرجع إليه فيه، بل الادلة فيه مختصة بغيره، كما تقدم في الميقات العاشر. وحينئذ يتعين الاخذ باطلاق التوقيت، الشامل للعمرة المفردة. بل قد يشكل فيها جواز الاحرام من موضعه إذا لم يتمكن من الرجوع إلى الميقات، لاختصاص النصوص المتقدمة بالحج، أو به وبالعمرة المتمتع بها. اللهم إلا أن تلحق بها للاولوية. (1) المحكي عن الشيخ في النهاية: أنه قال: (من عرض له مانع من الاحرام جاز له أن يؤخره عن الميقات، فإذا زال المانع أحرم من الموضع الذي انتهى إليه). وعن ابن ادريس: أن مقصوده تأخير كيفية الاحرام الظاهرة، من نزع الثياب، وكشف الرأس، والارتداء، والتوشيح والائتزار. فأما النية والتلبية - مع القدرة عليهما - فلا يجوز له ذلك، إذ

===============

( 315 )

لا مانع له يمنع ذلك، ولا ضرورة، ولا تقية. وإن أراد وقصد شيخنا غير ذلك فهذا يكون قد ترك الاحرام متعمدا من موضعه، فيؤدي إلى إبطال حجه بلا خلاف). وتبعه على ذلك العلامة في المختلف والتحرير والمنتهى، على ما حكي. وقال في المسالك: (وإنما يجوز تأخيره عن الميقات لعذر إذا لم يتمكن من نيته أصلا وإن كان الفرض بعيدا - فلو تمكن منها وإنما تعذر عليه توابعه - من نزع المخيط، ونحوه - وجب عليه الاحرام، وأخر ما يتعذر خاصة، إذ لا دخل له في حقيقة الاحرام ولا يسقط الممكن بالمتعذر). والذي ذكره في الشرائع: أنه لو أخره عن الميقات لمانع ثم زال المانع عاد إلى الميقات، فان تعذر جدد الاحرام حيث زال. وفى القواعد: (ولا يجوز تأخيره عنها إلا لعذر، فيجب الرجوع مع المكنة، ولا معها يحرم حيث زال المانع). وفى الجواهر: (ذكر ذلك غير واحد، مرسلين له إرسال المسلمات. وهو لا ينطبق على ما ذكره الشيخ، ولا على ما ذكر ابن ادريس، لظهوره في جواز تأخير نفس الاحرام - كما ذكره الشيخ، خلافا لابن ادريس - وفى وجوب الرجوع مع المكنة، وهو خلاف ما ذكره الشيخ وابن ادريس. والذي تقتضيه القواعد: هو ما ذكره ابن ادريس ومن تبعه، بناء على أن لبس الثوبين ونزع المخيط ليس من شرائط الاحرام - كما سيأتي - لامكان الاحرام للمعذور مع إمكان النية والتلبية، فيجب ولا يجوز التأخير. والموجب للخروج عن القواعد هو مرسل أبي شعيب المحاملي، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (ع) قال: (إذا خاف الرجل على نفسه أخر إحرامه إلى الحرم) (* 1). وما في صحيح صفوان المتقدم، من قوله (ع):


____________
(* 1) الوسائل باب: 16 من أبواب المواقيت حديث: 3.

===============

( 316 )

[ ولبسهما، ولا يجب حينئذ عليه العود إلى الميقات. نعم لو ] (فلا تجاوز المقات إلا من علة) (* 1). وفى الرياض: نفي البأس عما ذكر ابن ادريس لقوة دليله، مع قصور الخبرين - بعد إرسال أحدهما - عن التصريح بخلافه. انتهى لكن عدم التصريح بخلافه لا يمنع من الحجية مع الظهور. وأما خبر الاحتجاج - المتقدم في ميقات أهل العراق - فانما تضمن إيقاع الاحرام بواجباته - من لبس الثوبين، ونزع المخيط. ثم يلبس الثياب - فهو غير ما نحن فيه، فلا مجال للاستشهاد به على المقام. فالعمل بالصحيح متعين، وحمله على العلة المانعة من النية بعيد جدا. نعم ليس فيه تعرض لموقع الاحرام إذا زالت العلة وقد تجاوز الميقات محلا لاجلها. والمصرف منه أنه يحرم عند زوال العلة، لان الواجب قطع تمام المسافة التي بين الميقات ومكة محرما، فإذا رخص للعلة ترك الاحرام في بعضها وجب الباقي، فيتم حينئذ ما ذكره الشيخ (ره): ولو لم يتم الانصراف المذكور كان اللازم البناء على ما ذكر الجماعة، من الرجوع إلى الميقات مع الامكان، ومع عدمه يحرم من مكانه. إلا أن يقال: إن ظاهر الصحيح: أن العلة مسقطة للاحرام من الميقات إلى آخره على نحو لا يرجع، لا ما دامت. وحينئذ يتعين الرجوع إلى الاصل، المقتضي للاحرام من أدنى الحل، نعم إذا كان قد تجاوز الحرم لم يبعد الرجوع إلى أدنى الحل، كما يستفاد من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة، الآتي بعضها في المسألة السادسة. وأما مرسل المحاملي فالاعتماد عليه - لارساله - غير ظاهر.


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب المواقيت حديث: 1. وقد تقدم في المسألة: 2 من هذا الفصل.

===============

( 317 )

[ كان له عذر عن أصل إنشاء الاحرام - لمرض أو إغماء - ثم زال وجب عليه العود إلى الميقات إذا تمكن، وإلا كان حكمه حكم الناسي في الاحرام من مكانه إذا لم يتمكن الا منه. وإن تمكن العود في الجملة وجب. وذهب بعضهم إلى أنه إذا كان مغمى عليه ينوب عنه غيره (1). لمرسل جميل عن أحدهما (ع): " في مريض أغمي عليه، فلم يفق حتى أتى الموقف (2). قال (ع): يحرم عنه رجل ". والظاهر أن المراد أنه يحرمه رجل، ويجنبه عن محرمات الاحرام، لا أنه ينوب عنه في الاحرام (3). ومقتضى هذا القول عدم وجوب ] (1) قال في القواعد: (ولو لم يتمكن من نية الاحرام - لمرض وغيره - أحرم عنه وليه، وجنبه ما يتجنبه المحرم). وحكي في كشف اللثام ذلك عن الاحمدي، والنهاية، والمبسوط، والتهذيب، والمهذب، والجامع، والمعتبر. وفى الدروس: (ولو جن في الميقات، أو أغمي عليه أحرم عنه وليه، وجنبه ما يتجنبه المحرم). (2) في نسخة الكافي (* 1). وفى الوسائل رواه عن الكليني: (أغمي عليه حتى أتى الوقت) (* 2)، ورواه عن الشيخ: (أغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الوقت) (* 3). (3) كما هو مذكور في القواعد وغيرها مما سبق، أي: يحرم به


____________
(* 1) في بعض نسخ الكافي: (الوقت) لاحظ الكافي الجزء 4 الصفحة 325 طبع ايران الحديثة. (* 2) الوسائل باب: 20 من أبواب المواقيت حديث: 1. طبع ايران الحديثة. (* 3) الوسائل باب: 20 من أبواب المواقيت حديث: 4. طبع ايران الحديثة، باب: 55 من أبواب الاحرام حديث: 2. من الطبعة المذكورة، إلا أنه في الثاني جاء في الاصل: (الموقف) وكتب (الوقت) بعنوان: نسخة. وفي التهذيب - أيضا -: (الموقف) لاحظ التهذيب الجزء 5 الصفحة 60 طبع النجف الاشرف.

===============

( 318 )

[ العود إلى الميقات بعد إفاقته وإن كان ممكنا. ولكن العمل به مشكل، لارسال الخبر، وعدم الجابر (1). فالاقوى العود مع الامكان، وعدم الاكتفاء به مع عدمه. (مسألة 6): إذا ترك الاحرام من الميقات - ناسيا، أو جاهلا بالحكم، أو الموضوع - (2) وجب العود إليه مع الامكان (3) ] رجل فيتولى النائب النية لا غير، ويجنبه محرمات الاحرام - كما في الاحرام بالصبي - لا أن المراد: أن الاحرام يكون من النائب والافعال تكون من المنوب عنه. إذ هو نظير قيام الطهارة بالنائب والصلاة بالمنوب عنه، فان ذلك مما لا يقبل النيابة. ولذلك قال في المدارك: (وقد بينا فيما سبق: أن المراد بالاحرام عن غير المميز والمجنون الاحرام بهما، لا كون الولي نائبا عنهما). (1) يظهر من الجماعة المتقدم ذكرهم الاعتماد عليه، بل ظاهر المدارك: العمل به. وفى مرآة العقول للمجلسي - في شرح الحديث -: أنه مرسل كالحسن. وسيأتي - في المسألة الرابعة عشرة من فصل كيفية الاحرام - ماله نفع في المقام. (2) لبس في النصوص تعرض لحكم الفرض. لكن يمكن استفادته من النصوص الواردة في غيره. ولاسيما وكون الحكم إجماعيا. (3) بلا خلاف أجده فيه، نصا وفتوى. كذا في الجواهر، وعن المنتهى: (بلا خلاف فيه بين العلماء). ويشهد له في الناسي: أحد صحيحي الحلبي (* 1)، وفى الجاهل صحيح معاوية بن عمار (* 2)، وفيهما


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب المواقيت حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب المواقيت حديث: 4.

===============

( 319 )

صحيح الحلبي الآخر (* 1)، المتقدمة كلها في المسألة الثانية. نعم في خبر أبي الصباح الكناني قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل جهل أن يحرم حتى دخل الحرم، كيف يصنع؟ قال (ع) يخرج من الحرم، ثم يهل بالحج) (* 2). وفى خبر سورة بن كليب قال: (قلت لابي جعفر (ع): خرجت معنا امرأه من أهلنا فجهلت الاحرام، فلم تحرم حتى دخلنا مكة، ونسينا أن نأمرها بذلك. قال (ع): فمروها فلتحرم من مكانها من مكة، أو من المسجد) (* 3). وفى صحيح ابن جعفر (ع) قال: (سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكر وهو بعرفات، ما حاله؟ قال (ع): يقول: اللهم على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله، فقد تم إحرامه. فان جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلاده، إن كان قضى مناسكه كلها فقد تم حجه) (* 4). لكن يتعين حمله على صورة عدم التمكن من الرجوع إلى الميقات، حملا لها على ما سبق، حملا للمطلق على المقيد. بل صحيح ابن جعفر (ع) كالصريح في أن مورده صورة عدم التمكن من الرجوع إلى الميقات. نعم في خبر علي ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع) قال: (سألته عن رجل ترك الاحرام حتى انتهى إلى الحرم، فأحرم قبل أن يدخله. قال (ع): إن كان فعل ذلك جاهلا فليبن [ فليلبي. خ ل - فليلب خ ل ] مكانه ليقضي، فان ذلك يجزيه إن شاء الله. وإن رجع إلى الميقات الذي يحرم


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب المواقيت حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب المواقيت حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 14 من أبواب المواقيت حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 14 من أبواب المواقيت حديث: 8.

===============

( 320 )

[ ومع عدمه فإلى ما أمكن (1). إلا إذا كان أمامه ميقات آخر. ] منه اهل بلده فانه أفضل) (* 1). فانه صريح في عدم وجوب الرجوع إلى الميقات. ويتعين حينئذ طرحه، لعدم القائل به - كما في الجواهر - ولاسيما مع ضعفه في نفسه. (1) في المسالك: (في وجوب العود إلى ما أمكن من الطريق وجه) ونسب إلى بعض. ويشهد له ما في صحيح معاوية بن عمار - المتقدم في المسألة الثانية - من قوله (ع): (فلترجع إلى ما قدرت عليه، بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها) (* 2). واستدل له في المسالك: بقاعدة الميسور. وقد يشكل: بأنه خلاف ظاهر إطلاق النصوص، المتضمنة: أنه يحرم من مكانه، أو بعدما يخرج من الحرم. فان الحمل على صورة عدم إمكان الرجوع - في الجملة - بعيد. ولاجل ذلك قال في المدارك: (في وجوب العود إلى ما أمكن من الطريق وجهان، أظهرهما العدم للاصل. ولظاهر الروايات المتضمنة الحكم الناسي). لكن الاصل لا مجال له مع الدليل. وظهور روايات الناسي مقيد بالصحيحة لو تم عدم الفصل، ولو لم يتم لا يدل على حكم الجاهل. فالعمدة ما ذكرنا، من صعوبة التقيد جدا. فلاحظ صحيح عبد الله بن سنان قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل مر على الوقت الذي يحرم الناس منه، فنسي - أو جهل - فلم يحرم حتى أتى مكة، فخاف إن رجع إلى الوقت أن يفوته الحج. فقال (ع): يخرج من الحرام ويحرم، ويجزيه ذلك) (* 3) ونحوه غيره،


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب المواقيت حديث: 10. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب المواقيت حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 14 من أبواب المواقيت حديث: 2.

===============

( 321 )

[ وكذا إذا جاوزها محلا - لعدم كونه قاصدا للنسك، ولا لدخول مكة ثم بدا له ذلك - فانه يرجع إلى الميقات مع التمكن (1) والى ما أمكن مع عدمه (2). ] مما يبعد جدا تقييده بصورة عدم امكان الرجوع زائدا على ما ذكر ولو قليلا. وهذه النصوص لا تختص بالناسي، فانه حمل على النادر جدا، فلذلك تعين حملها على ذلك جمعا. وبذلك افترقت هذه النصوص عن النصوص السابقة الساكتة عن الرجوع إلى الميقات، إذ تقييدها بصورة عدم التمكن من الرجوع إلى الميقات ليس فيه الحمل على النادر، بل لعله الغالب. (1) بلا خلاف ظاهر، بل الظاهر أنه إجماع، وفى المدارك: أنه مما قطع به الاصحاب، وفى المستند: الاجماع عليه، وفى الجواهر: نفي وجدان الخلاف في الحاقهما بالناسي والجاهل. واستدل له في المعتبر: بأنه متمكن من الاتيان بالنسك على الوجه المأمور به فيكون واجبا. ويشكل: بأن كونه مأمورا به شرعا يحتاج إلى إثبات، والقدر الثابت أن المريد للنسك حال العبور على الميقات يحرم منه، والمقام ليس منه. فالعمدة ما ذكروه للاستدلال به، وهو صحيح الحلبي المتقدم، المتضمن لحكم من ترك الاحرام من الميقات. وإن أمكن الاشكال فيه بانصرافه إلى من تركه وهو مريد من للنسك، لان المنصرف من قول السائل: (ترك الاحرام) تركه لما لا ينبغي تركه، وهو الذي يحتاج إلى السؤال عن حكمه، فلا يشمل المقام. وكذا لا يشمل مالو كان قاصدا دخول مكة، وكان ممن لا يجب له الاحرام لذلك - كالحطاب، والحشاش، ونحوهما - فان الجميع من باب واحد عندهم. (2) على ما عرفت.

===============

( 322 )

[ (مسألة 7): من كان مقيما في مكة وأراد حج التمتع وجب عليه الاحرام لعمرته من الميقات إذا تمكن، وإلا فحاله حال الناسي (1). (مسألة 8): لو نسي المتمتع الاحرام للحج بمكة ثم ذكر وجب عليه العود مع الامكان (2)، وإلا ففي مكانه، ولو كان في عرفات - بل المشعر - وصح حجه (3). وكذا ] (1) قد تقدم الكلام منه في هذه المسألة مفصلا، في المسألة الرابعة من فصل صورة حج التمتع: فراجع. (2) لوجوب الاتيان بالمأمور به على وجهه. لكن تقدم في صحيح علي بن جعفر (ع) ما يدل على أنه إذا ذكر وهو في عرفات لم يرجع (* 1) وعن التذكرة والمنتهى: العمل به فيمن نسي الاحرام - يوم التروية - بالحج حتى حصل بعرفات. لكن عرفت ان اللازم - بمقتضى الجمع العرفي - تقييد الصحيح بغيره، فيحمل على صورة عدم التمكن من الرجوع إلى الميقات، بل هو كالصريح في ذلك كما عرفت. ولعل مراد العلامة منه ذلك، فلا مخالفة منه للمشهور، وإلا فلا وجه ظاهر للعمل به في خصوص الفرض المذكور دون غيره. فلاحظ. (3) لما يأتي فيمن ترك الاحرام حتى أتم المناسك. والظاهر أنه لا دليل عليه غيره. وحينئذ لا خصوصية للمشعر، فلو نسي الاحرام وذكر بعد الافاضة من المشعر كان حكمه كذلك، فيحرم ويتم الاعمال. ولعل وجه التعرض للمشعر بالخصوص ما ذكره العلامة (ره) في التذكرة والمنتهى، من أن من


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب المواقيت حديث: 8.

===============

( 323 )

نسي الاحرام يوم التروية حتى حصل بعرفات صح حجه، فان الاقتصار فيه على عرفات ربما أشعر باختصاص الحكم بذلك. ومثله المحقق في الشرائع فانه ذكر أنه إذا ضاق الوقت أحرم ولو بعرفات. انتهى. ولذا قال الشهيد الثاني في شرح العبارة: (وكان حق العبارة أن يقول: أحرم ولو بالمشعر لانه أبعد ما يمكن فرض الاحرام منه فيحسن دخول (لو) عليه. بخلاف عرفة، وإن كان الاحرام منها جائزا أيضا، بل أولى به) وقوله (ره): (لانه أبعد ما يمكن فرض الاحرام منه...) باعتبار كونه كافرا، فلو لم يدرك المشعر مسلما بطل حجه، لبطلان الوقوفين منه، لا لفوات الاحرام وإلا فالاحرام يمكن تداركه ولو بعد المشعر - بناء على إلحاق هذه المسألة بما يأتي في المسألة الثامنة - فانه إذا صح الحج مع قضاء المناسك كلها بغير إحرام فالبعض أولى. وفى المدارك: (فالمسأله محل تردد...). وكأنه لعدم وضوح الاولوية. لكن الاولوية في نظر العرف - الموجب لفهم العموم - ظاهرة. فلاحظ. وأما حديث رفع النسيان (* 1)، فلا يصلح لاثبات صحة الفاقد، فانه رافع لا مثبت. ودعوى: أن الرفع في حال رفع وجوب الباقي ليس امتنانيا فبقرينة ورود الحديث مورد الامتنان يتعين أن يكون الرفع في حال وجوب الباقي. مندفعة: بأن الرفع إذا لم يكن امتنانيا لا يكون الحديث شاملا له فلا يكون شاملا للمورد. لا أنه شامل للمورد على نحو يكون الرفع في حال وجوب الباقي، لان ذلك إثبات لا يصلح حديث الرفع له. وبالجملة: قرينة الامتنان تقتضي عدم شمول الرفع للمورد، لا شموله بنحو يقتضي الاثبات. فلاحظ.


____________
(* 1) الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس.

===============

( 324 )

[ لو كان جاهلا بالحكم (1). ولو أحرم له من غير مكة مع العلم والعمد لم يصح وإن دخل مكة باحرامه، بل وجب عليه الاستئناف مع الامكان، وإلا بطل حجه (2). نعم لو أحرم من غيرها نسيانا، ولم يتمكن من العود إليها صح احرامه من مكانه (3). (مسألة 9): لو نسي الاحرام ولم يذكر حتى أتى بجميع الاعمال - من الحج أو العمرة - فالاقوى صحة عمله (4). ] (1) فان الدليل الآتي وارد في الجاهل أيضا، فيتم الحاق الجاهل هنا به. (2) على ما عرفت في العامد. (3) يعني: من مكان الذكر. (4) كما هو المشهور. وعن المسالك: أنه فتوى المعظم. وفى الدروس أنه فتوى الاصحاب إلا ابن ادريس. ويشهد له مرسل جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (ع): (في رجل نسي أن يحرم أو جهل، وقد شهد المناسك كلها، وطاف، وسعى. قال (ع): يجزيه نيته، إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه وإن لم يهل) (* 1). وفى الدروس: أنه لم يجد دليلا للمشهور إلا المرسلة المذكورة، وفيها دليل على أن المنسي هو التلبية لا النية. وفيه - كما في المدارك -: أن الظاهر أن المراد بقوله: (إذا كان قد نوى ذلك) أنه نوى الحج بجميع أجزائه جملة، لا نوى الاحرام بقرينة ذكر الجاهل مع الناسي، والجاهل لا يتأتى منه نية الاحرام، كما هو ظاهر. نعم استشكل في المدارك - في الحكم المذكور - بأن الرواية مرسلة


____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب المواقيت حديث: 1.

===============

( 325 )

وإرسالها يمنع عن العمل بها. وقد يستدل له بما يأتي في الجاهل، فان الناسي أعذر من الجاهل. وفى المدارك: أنه غير واضح. انتهى. أو لان الجهل يعم النسيان، كما في كشف اللثام. وفى: منع. ولا يبعد أن يكون عمل الاصحاب بالمرسلة موجبا لا نجبار سندها. وفى السرائر - بعد ما نسب صحة الحج إلى ما روي في أخبارنا - قال: (والذي نقتضيه أصول المذهب: أنه لا يجزي، وتجب عليه الاعادة. لقوله صلى الله عليه وآله: إنما الاعمال بالنيات) (* 1)، وهذا عمل بلا نية. فلا يرجع عن الادلة باخبار الآحاد، ولم يوردها، ولم يقل به أحد من أصحابنا سوى شيخنا أبي جعفر، فالرجوع إلى الادلة أولى من تقليد الرجال). ولا يخفى أن ما ذكره من الاستدلال بقوله صلى الله عليه وآله: (إنما الاعمال بالنيات) لا يخلو من غموض، فان المفروض ترك الاحرام نسيانا، لا ترك نية الاحرام، ولا ترك نية غيره من المناسك. ولذلك قال في المعتبر: (ولست أدري كيف تخيل له هذه الاستدلال، وكيف توجيهه؟؟) وعن المنتهى: أنه وهم في ذلك، لان الشيخ اجتزأ بالنية عن الفعل فتوهم أنه اجتزأ بالفعل بغير نية، وهو الغلط من باب إيهام العكس. انتهى. وقد يوجه بوجوه لا تخلو من تكلف. فالعمدة في الدليل هو المرسلة، بناء على أن ضعف سندها منجبر بالعمل - كما هو غير بعيد - كما تقدم أيضا في حكم المغمى عليه. فلاحظ نعم مورد الرواية نسيان إحرام الحج، بقرينة قوله (ع): (فقد تم حجه)، فالتعدي إلى نسيان إحرام العمرة غير ظاهر. وفى المدارك: (لا يخرج عن القياس...) أقول: لا بأس بدعوى عموم الحكم لحج


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب مقدمات العبادات حديث: 10.

===============

( 326 )

[ وكذا لو تركه جهلا حتى أتى بالجميع (1). فصل في مقدمات الاحرام (مسألة 1): يستحب قبل الشروع في الاحرام أمور: أحدها: توفير شعر الرأس (2) - بل واللحية - (3) ] التمتع، الشامل لعمرته. نعم عمرة الافراد والقران، ومطلق العمرة المفردة لا تصلح الرواية للاستدلال بها فيها، إلا بضميمة عدم القول بالفصل. أو بالاولوية. (1) الظاهر. أنه لا خلاف فيه. وما تقدم من ابن ادريس مختص بالناسي - كما تقدم في عبارته - وإن كان ظاهر بعضهم أن خلافه هنا أيضا وكيف كان يدل عليه صحيح ابن جعفر (ع) (* 1) المتقدم في ترك الاحرام من الميقات. ولا مجال للمناقشة، لا في دلالته، ولا في سنده، فالعمل به متعين. فصل في مقدمات الاحرام (2) كما في الشرائع والقواعد، وعن النافع وغيرها. (3) ذكر مع شعر الرأس في جملة من الكتب، كالمصباح، ومختصره والسرائر، والتحرير، والمنتهى، وغيرها على ما حكي. ويشهد له: خبر سعيد الاعرج عن أبي عبد الله (ع) قال: (لا يأخذ الرجل - إذا رأى هلال ذي القعدة، وأراد الخروج - من رأسه، ولا من لحيته) (* 2). بل


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب المواقيت حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب الاحرام حديث: 6.

===============

( 327 )

[ لاحرام الحج مطلقا (1) - لا خصوص التمتع (2)، كما يظهر من بعضهم لاطلاق الاخبار - (3) ] وإطلاق الشعر جملة من النصوص الآتية. (1) كما عن جماعة من محققي المتأخرين. (2) كما في الشرائع والقواعد، وعن النهاية والمبسوط والتحرير والتذكرة والارشاد وغيرها. (3) كصحيح عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله (ع) قال: (لا تأخذ من شعرك - وأنت تريد الحج - في ذي القعدة، ولا في الشهر الذي تريد فه الخروج إلى العمرة). (* 1) ونحوه صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) (* 2)، وموثق محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): خذ من شعرك - إذا أزمعت على الحج - شوال كله إلى غرة ذي القعدة) (* 3) وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): قال (ع): الحج أشهر معلومات: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. فمن أراد الحج وفر شعره إذا نظر إلى هلال ذي القعدة. ومن أراد العمرة وفر شعره شهرا) (* 4) ومصحح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): إعف شعرك للحج إذا رأيت هلال ذي القعدة، وللعمرة شهرا) (* 5). ونحوها غيرها ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين حج التمتع وغيره.


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب الاحرام ملحق حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب الاحرام ملحق حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب الاحرام حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 2 من ابواب الاحرام حديث: 5.

===============

( 328 )

[ من - أول ذي القعدة، بمعنى: عدم إزالة شعرهما (1). لجملة من الاخبار. وهي وإن كانت ظاهرة في الوجوب (2)، إلا أنها محمولة على الاستحباب، لجملة أخرى من الاخبار ظاهرة فيه (3) ] (1) أي: عدم الاخذ منه، كما هو المذكور في أكثر النصوص، المحمول عليه ما في صحيح معاوية وغيره، من الامر بالتوفير. إذ لا احتمال لارادة ظاهره، وهو السعي في كثرة شعره. وأما ما هو ظاهر العبارة، من أن المراد الازالة بالحلق ونحوه، فمما لا يحتمل في النصوص. (2) أكثر النصوص يتضمن النهي عن أخذ الشعر، فيكون حراما، فيكون تركه واجبا. (3) كخبر علي بن جعفر (ع) المروي عن كتابه، عن أخيه موسى ابن جعفر (ع) قال: (سألته عن الرجل إذا هم بالحج، يأخذ من شعر رأسه، ولحيته، وشاربه ما لم يحرم؟ قال (ع): لا بأس) (* 1)، وصحيح هشام بن الحكم واسماعيل بن جابر - جميعا - عن الصادق (ع): (إنه يجزي الحاج أن يوفر شعره شهرا) (* 2)، وموثق سماعة عن أبي عبد الله (ع) قال: (سألته عن الحجامة وحلق القفا في أشهر الحج، فقال (ع): لا بأس به، والسواك، والنورة) (* 3)، وخبر محمد بن خالد الخراز قال: (سمعت أبا الحسن (ع) يقول: أما أنا فآخذ من شعري حين أريد الخروج - يعني: إلى مكة للاحرام -) (* 4). لكن الاخير يجب


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب الاحرام حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب الاحرام حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 4 من أبواب المواقيت حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 4 من أبواب الاحرام حديث: 5.

===============

( 329 )

[ فالقول بالوجوب - كما هو ظاهر جماعة (1) - ضعيف، وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط. كما لا ينبغي ترك الاحتياط باهراق دم لو أزال شعر رأسه بالحلق، حيث يظهر من بعضهم وجوبه أيضا، لخبر (2) محمول على الاستحباب. أو على ما إذا كان في حال الاحرام. ويستحب التوفير للعمرة شهرا. ] التصرف فيه - حتى على القول بالاستحباب - فان الامام (ع) لا يواضب على ترك المستحب. وما نيله ليس واردا في شعر الرأس واللحية. مع أن أشهر الحج أعم من ذي القعدة وغيره. والاجزاء فيما قبله أعم من الجواز. فلم يبق إلا خبر ابن جعفر (ع). وفى عده من الصحيح - كما في الجواهر - تأمل. والانصاف أن الاستحباب لا مجال للتردد فيه، لعموم الابتلاء بهذا الحكم، فبناء الاصحاب على استحبابه، وخفاء الوجوب عليهم - لو كان - مما لا يحتمل. (1) نسب ذلك إلى الشيخ في النهاية والاستبصار، والمفيد في المقنعة. قال الاول، في الاول: (فإذا أراد الانسان أن يحج متمتعا فعليه أن يوفر شعر رأسه ولحيته من أول ذي القعدة، ولا يمس شيئا منها). ونحوه ما في الاستبصار وأما الثاني، فقال في المقنعة: (إذا أراد الحج فليوفر شعر رأسه في مستهل ذي القعدة، فان حلقه في ذي القعدة كان عليه دم يهريقه). (2) وهو ما رواه جميل في الصحيح - كما في الفقيه - قال: (سألت أبا عبد الله (ع) في متمتع حلق رأسه بمكة. قال (ع): إن كان جاهلا فليس عليه شئ، وإن تعمد ذلك في أول الشهور للحج بثلاثين يوما فليس عليه شئ، وإن تعمد ذلك بعد الثلاثين التي يوفر فيها للحج فان عليه دما

===============

( 330 )

يهريقه) (* 1). ورواه الكليني بطريق فيه علي بن حديد، المرمي بالضعف (* 2) ورواه الشيخ عن الكليني (* 3). ودلالته على وجوب الدم في ذي الحجة ظاهرة. لكنه غير المدعى. وعليه فلا عامل به على ظاهره. فيلزم إما التصرف فيه بتقدير مضاف - يعني: وإن تعمد بعد دخول الثلاثين - فيكون حجة للجماعة - كما اختاره في الحدائق - وإما الحمل على الاستحباب. أو على صورة وقوعه في الاحرام، بقرينة وقوعه في مكة، التي لا يجوز دخولها للحاج بغير إحرام للعمرة. بل الثاني هو المتعين. وما في الحدائق من أن تقدير المضاف لازم على كل حال، إذ المراد إما بعد دخول الثلاثين أو مضي الثلاثين. والاول متعين. وكأنه لان الثاني يلزم منه عدم التعرض لحكم الحلق في نفس الثلاثين: التي يوفر فيها الشعر. فيه: أن معنى بعد الثلاثين: هو معنى: بعد مضي الثلاثين، أو وجود الثلاثين. وليس من باب تقدير مضاف، لان الثلاثين عين وجودها ومضيها، لان المفهوم حاك عن نفس الوجود، وحينئذ لا يلزم تقدير المضاف على كل حال. نعم في مقام توجيه الرواية لا بد، إما من تقدير المضاف، أو الحمل على أحد الوجهين. وقد عرفت أن القرينة تقتضي الحمل على ثانيهما اللهم إلا أن يقال: الحمل على ذلك يقتضي الغاء التفصيل بين ما قبل الثلاثين وما بعدها، وهي كالصريحة فيه. ومن أجل ذلك تشكل الرواية. وحملها على الحلق في مكة بعد الاحلال من العمرة - لاستحباب توفير


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 5 من أبواب الاحرام ملحق حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب الاحرام ملحق حديث: 1.

===============

( 331 )

[ الثاني: قص الاظفار، والاخذ من الشارب، وإزالة شعر الابط والعانة (1) بالطلي، أو الحلق، أو النتف (2). ] الشعر لحج التمتع - مما لا قائل به. والنصوص لا تساعد عليه، لاختصاصها بالمواقيت غير مكة. فلاحظ. (1) بلا خلاف ظاهر. ويدل عليه صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا انتهيت إلى بعض المواقيت التي وقت رسول الله صلى الله عليه وآله فانتف ابطيك، واحلق عانتك، وقلم أظافرك، وقص شاربك. ولا يضرك بأي ذلك بدأت...) (* 1)، وصحيحه الآخر عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق، أو إلى الوقت من هذه المواقيت - وأنت تريد الاحرام إن شاء الله - فانتف إبطك وقلم أظافرك، وأطل عانتك، وخذ من شاربك - ولا يضرك بأي ذلك بدأت - ثم استك، واغتسل، والبس ثوبيك) (* 2)، وصحيح حريز عن أبي عبد الله (ع): (السنة في الاحرام: تقليم الاظافر، وأخذ الشارب وحلق العانة) (* 3) ونحوها غيرها. (2) أما في العانة فقد ورد الاطلاء في صحيح معاوية الاخير، والحلق في صحيحه الاول، وفى صحيح حريز وغيرها. وأما النتف فيها فلم أجده في أبواب نصوص الاحرام. وأما في الابط فالنتف ذكر في الصحاح المذكورة وغيرها. وأما الحلق والطلي فلم أجدهما في أبواب نصوص الاحرام. نعم ذكر في آداب الحمام، كخبر ابن أبي يعفور، المتضمن


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الاحرام حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب الاحرام حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب الاحرام حديث: 5.

===============

( 332 )

[ والافضل الاول، ثم الثاني (1). ولو كان مطليا قبله يستحب له الاعادة وإن لم يمض خمسة عشر يوما (2). ] للخلاف بينه وبين زرارة في ان النتف أفضل - كما ادعاه زرارة - أو الحلق أفضل - كما ادعاه هو - وقد قال الصادق (ع): (حلقه أفضل من نتفه، وطليه أفضل من حلقه). ثم قال (ع) لنا: (اطليا، فقلنا: فعلنا منذ ثلاث. فقال (ع): أعيدا، فان الاطلاء طهور) (* 1). لكن التعبير في الروايات بالنتف في الابطين، والطلي والحلق في العانة، يقتضي الفرق بينهما في ذلك. فلاحظ. (1) أما بالنسبة للابط فللخبر، وأما بالنسبة للعانة فغير ظاهر. (2) عن المبسوط والنهاية والمنتهى وجماعة. لخبر ابن أبي يعفور المتقدم. وخبر أبي بصير: (تنور. فقال: إنما تنورت أول أمس، واليوم الثالث. فقال (ع): أما علمت أنها طهور، فتنور) (* 2). لكن في الشرائع والقواعد وغيرهما: إذا أطلى ولم يمض خمسة عشر يوما أجزأه، بل في الحدائق: نسبته إلى الاصحاب. لخبر علي بن أبي حمزة: (سأل أبو بصير أبا عبد الله (ع) - وأنا حاضر - فقال: إذا أطليت للاحرام الاول، كيف أصنع في الطلية الاخيرة، وكم بينهما؟ قال (ع): إذا كان بينهما جمعتان - خمسة عشر يوما - فاطل) (* 3). وفيه: أن ظاهر الرواية صورة الاطلاء للاحرام، مع وقوع الاحرام، فيكون الثاني في أثنائه أو بعد انتهائه، فلا تكون مما نحن فيه. بل في رواية أبي بصير


____________
(* 1) الوسائل باب: 85 من ابواب آداب الحمام حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 32 من أبواب آداب الحمام حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب الاحرام حديث: 3.

===============

( 333 )

[ ويستحب - أيضا - إزالة الاوساخ من الجسد (1)، لفحوى - ما دل على المذكورات. وكذا يستحب الاستياك (2). ] عن أبي عبد الله (ع): (قال: لا بأس بأن يطلي قبل الاحرام بخمسة عشر يوما) (* 1)، وصحيح معاوية عن أبي عبد الله (ع): (أنه سئل عن رجل يطلي قبل أن يأتي الوقت بستة ليال. قال (ع): لا بأس. وسأله عن رجل يطلي قبل أن يأتي مكة بسبع أو ثمان. قال (ع): لا بأس) (* 2). فتدل هذه الروايات على الاجتزاء بالاطلاء للاحرام قبل الاحرام بخمسة عشر، أو ستة ليال، أو أقل من ذلك، ولا تدل على الاجتزاء بالاطلاء قبل الاحرام بمدة معتد بها إذا لم يكن للاحرام. والمتحصل من مجموع النصوص: هو استحباب الاطلاء لنفسه في كل وقت وتكريره، واستحباب الاطلاء عند الاحرام، والاجتزاء بالاطلاء للاحرام قبله بخمسة عشر يوما أو أقل، وعدم الاجتزاء به إذا كان قبل الاحرام بمدة لا يصدق كونه عنده، إذا لم يكن بقصد الاحرام والتهيؤ له. (1) ذكر ذلك جماعة، منهم: المحقق في الشرائع، والعلامة في القواعد. وليس له دليل ظاهر. ولذلك خصه بعضهم بالامور المذكورة، من قص الاظفار، وحلق العانة، وغيرهما. نعم لا إشكال في رجحان ذلك في نفسه، لما دل على رجحان التنظيف، والتنزيه، والطهارة. لكنه غير ما نحن فيه من الاستحباب للاحرام. والفحوى التي ادعاها المصنف (ره) غير ظاهرة. (2) لما تقدم في صحيح معاوية بن عمار (* 3).


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الاحرام حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب الاحرام حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب الاحرام حديث: 4.

===============

( 334 )

[ الثالث: الغسل للاحرام (1) في الميقات (2)، ومع العذر عنه التيمم (3). ] (1) للنصوص الكثيرة المستفيضة أو المتواترة، على اختلاف السنتها. ففي بعضها: الامر به، وفى بعضها: عده من الغسل الواجب، وفى مضامين أخرى يأتي بعضها في هذه المباحث (* 1). وظاهر النصوص: الوجوب، لكنها محمولة على الاستحباب إجماعا - كما عن التذكرة والتحرير وعن المنتهى: لا نعرف فيه خلافا. وكأنه لم يعتد بخلاف الحسن، فانه حكي عنه الوجوب. لكنه ضعيف، إذ كيف يخفى الوجوب على الاصحاب مع اتفاقهم على خلافه؟! (2) كما عن جمع التصريح به. بل ظاهر ما يأتي من جواز تقديمه عند إعواز الماء الاتفاق على أن تشريعه كان في الميقات. ويشهد له ظاهر النصوص، كصحيح معاوية بن عمار المتقدم، وصحيح الحلبي الآتي في جواز التقديم، وغيره. (3) حكاه في الشرائع قولا. وظاهره التوقف فيه. ونسبه في المسالك إلى الشيخ وجماعة، وفى كشف اللثام إلى المبسوط والمهذب. وحكى فيه عن التذكرة تعليله: بأنه غسل مشروع، فناب عنه التيمم. ثم قال: (وضعفه ظاهر) وفى المدارك: أنه ضعيف جدا، لان الامر إنما تعلق بالغسل فلا يتناول غيره. وفى المسالك: (وتوقف المصنف، من عدم النص ومن أن الغرض من الغسل المندوب التنظيف - لانه لا يرفع الحدث - وهو مفقود مع التيمم. ومن شرعيته بدلا لما هو أقوى،


____________
(* 1) لاحظ الوسائل باب: 1 من أبواب الجنابة، وباب: 1 من أبواب الاغسال المسنونة وباب: 6، 7، 8، 9، 10، 11، 12، 13، 14 من أبواب الاحرام.

===============

( 335 )

[ ويجوز تقديمه على الميقات مع خوف إعواز الماء (1)، بل الاقوى جوازه مع عدم الخوف أيضا (2) ] وعموم قوله صلى الله عليه وآله: الصعيد طهور المؤمن). وقد تقدم في مبحث التيمم: أن عموم بدلية التراب عن الماء، وأنه يكفي عشر سنين، وأن التراب أحد الطهورين، وأن رب الماء ورب الصعيد واحد ونحوها، كاف في ثبوت بدلية التيمم في المقام ونحوه، مما لم يرد فيه نص بالخصوص فلا بأس بالبناء عليه. فراجع. (1) في المدارك: إنه مجمع عليه بين الاصحاب. لصحيح هشام بن سالم قال: (أرسلنا إلى أبي عبد الله (ع)، ونحن بالمدينة: إنا نريد أن نودعك، فأرسل الينا أن اغتسلوا بالمدينة، فاني أخاف عليكم أن يعز عليكم الماء بذي الحليفة. فاغتسلوا بالمدينة، والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها، ثم تعالوا فرادى أو مثاني... (إلى أن قال): فلما أردنا أن نخرج. قال (ع): لا عليكم أن تغسلوا إن وجدتم ماء إذا بلغتم ذي الحليفة) (* 1)، وصحيح الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يغتسل بالمدينة للاحرام، أيجزيه عن غسل ذي الحليفة؟ قال (ع): نعم) (* 2). ونحوه خبر أبي بصير (* 3). (2) وفى المدارك: أنه لا يبعد، وكذا في كشف اللثام. ونسبه في الذخيرة إلى ظاهر عدة من الروايات. ثم ذكر صحيح الحلبي وخبر أبي بصير المتقدمين. لكن تمكن المناقشة فيهما: بأن المراد السؤال عن إجزاء


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الاحرام حديث: 1، 4. (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الاحرام حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب الاحرام حديث: 3.

===============

( 336 )

الغسل الواقع في المدينة في فرض مشروعيته ولو للاعواز، لا السؤال عن أصل المشروعية، فلا يدلان على المشروعية مطلقا. نعم في صحيح معاوية بن وهب: (سألت أبا عبد الله (ع) - ونحن بالمدينة - عن التهيؤ للاحرام. فقال: أطل بالمدينة، وتجهز بكل ما تريد، واغتسل. وان شئت استمتعت بقميصك حتى تأتي مسجد الشجرة) (* 1). لكن رواه الشيخ - أيضا - بطريق فيه موسى بن القاسم (* 2)، خاليا عن ذكر الغسل. وأما إطلاقات مشروعية غسل الاحرام فمقيدة بما دل على كونه في الميقات، كما عرفت. مع أنه لو سلم الاطلاق فالتعليل في صحيح هشام المتقدم حاكم عليه. اللهم إلا أن يكون تعليلا لتعين الفرد الاول - كما هو ظاهر الامر - فيكون إرشاديا إلى وجه المتعين عقلا - كما لو قال: (صل أول الوقت، فاني أخاف عليك الموت - لا لاصل المشروعية، وإن كان دالا على المشروعية بالالتزام. لكنه لا يصلح حينئذ لتقيد إطلاق دليلها، كما لو قال: (صل نافلة الليل قبل نصف الليل، فاني أخاف عليك النوم وعدم التمكن من أدائها في آخر الليل). وحينئذ فالاخذ بالاطلاق في محله. وهذا غير بعيد. لكن عن التنقيح: أنه لا يظهر قائل به. لكن لا يهم بعد عدم تحقق الاجماع على خلافه. ولا سيما بعد مخالفة من عرفت. فتأمل. ولا ينافي ذلك ما تقدم من أن مكان غسل


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب الاحرام حديث: 3. قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن التهيؤ للاحرام، فقال: اطل بالمدينة، فانه طهور، وتجهز بكل ما تريد، وإن شئت استمتعت بقميصك حتى تأتي الشجرة فتفيض عليك من الماء وتلبس ثوبيك إن شاء الله ". فربما يستظهر من الحديث لزوم تأخير الغسل إلى مسجد الشجرة.

===============

( 337 )

[ والاحوط الاعادة في الميقات (1). ويكفي الغسل من أول النهار إلى الليل، ومن أول الليل إلى النهار (2). بل الاقوى كفاية غسل اليوم إلى آخر الليل وبالعكس (3). وإذا أحدث بعدها قبل الاحرام يستحب إعادته خصوصا في النوم (4). ] الاحرام الميقات، ولا ينطبق ذلك على الغسل بالمدينة. لا مكان أن يكون الغسل بالمدينة بدلا اختياريا، فلا منافاة. (1) بل هي مستحبة حتى في صورة خوف الاعوز، كما تقدم في صحيح هشام. (2) بلا خلاف - كما قيل - للمستفيضة، مثل صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع): (قال: غسل يومك ليومك، وغسل ليلتك لليلتك) (* 1). ونحوه غيره. (3) كما عن المقنع. وفى المدارك: أنه الاظهر، وفى الذخيرة: أنه الظاهر، وفى المستند: أنه لا بأس به، وفى الجواهر: أنه لا يخلو من وجه. ويقتضيه صحيح جميل عن أبي عبد الله (ع): (أنه قال: غسل يومك يجزيك لليلتك، وغسل ليلتك يجزيك ليومك) (* 2)، وخبر سماعة عن أبي عبد الله (ع): (من اغتسل قبل طلوع الفجر وقد استحم قبل ذلك، ثم أحرم من يومه، أجزأه غسله) (* 3). وحمل الاخير على الغسل بعد الفجر بعيد. وكذلك حمل اللام - في الصحيح - على معنى: (إلى). (4) كما هو المشهور. لصحيح النضر بن سويد عن أبي الحسن (ع)


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 9 من أبواب الاحرام حديث: 5.

===============

( 338 )

قال: (سألته عن الرجل يغتسل للاحرام ثم ينام قبل أن يحرم. قال (ع): عليه إعادة الغسل) (* 1). ونحوه خبر علي بن أبي حمزة (* 2). وفى السرائر: (وإذا اغتسل بالغداة كان غسله كافيا لذلك اليوم، أي وقت أراد أن يحرم منه فعل. وكذلك إذا اغتسل أول الليل كان كافيا إلى آخره سواء نام أو لم ينم. وقد روى: أنه إذا نام بعد الغسل - قبل أن يعقد الاحرام - كان عليه إعادة الغسل استحبابا. والاول هو الاظهر، لان الاخبار عن الائمة الاطهار جاءت في أن من اغتسل نهارا كفاه ذلك الغسل، وكذلك من اغتسل ليلا). وفيه: أن ما دل على الاكتفاء بغسل الليل إلى آخر الليل وبغسل النهار إلى آخر النهار، إنما كان النظر فيه إلى الزمان، فلا تعرض فيه للحدث. نعم في صحيح العيص بن القاسم قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يغتسل للاحرام بالمدينة، ويلبس ثوبين، ثم ينام قبل أن يحرم. قال (ع): ليس عليه غسل) (* 3). ولكنه محمول على نفي التأكد جمعا - كما في المدارك - لا على نفي الوجوب - كما عن الشيخ - لان السؤال لم يكن عن الوجوب وعدمه وإنما كان عن الاعتداد بالغسل الاول وعدمه. ثم إن الروايات من الطرفين واردة في النوم، وليس فيها تعرض لغيره من الاحداث. ولذلك قال في القواعد: (ولو أحدث بغير النوم فاشكال، ينشأ من التنبيه بالادنى على الاعلى. ومن عدم النص عليه). لكن في الدروس: (والاقرب أن الحدث كذلك). ونفى البأس عنه


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب الاحرام حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 10 من أبواب الاحرام حديث: 3.

===============

( 339 )

في المسالك، لان غير النوم أقوى. ووجه القوة الاتفاق على نقض الحدث غيره مطلقا، والخلاف فيه على بعض الوجوه. وفى كشف اللثام: (وجه القوة: أنها تلوث البدن دونه. أو لان الظاهر أن النوم إنما صار حدثا لان معه مظنة الاحداث فحقائقها أولى). أقول: الاقوائية الحديثة غير ظاهرة، والوجوه المذكورة لا تصلح لاثباتها. فالعمدة استفادة عدم الخصوصية من النص الوارد في النوم، كما هو الظاهر. ومنه يظهر ضعف ما في المدارك من أن الاصح عدم الاستحباب، لانتفاء الدليل. وربما كان في صحيحة جميل المتقدمة إشعار بذلك انتهى. وقد عرفت - في تضعيف دليل ابن إدريس - وجه الاشكال فيما ذكره أخيرا. مضافا إلى أن مقتضى الاشعار عدم الفرق بين النوم وغيره فالتفصيل غير ظاهر. وفى مصحح إسحاق بن عمار - المروي في التهذيب - قال: (سألته عن غسل الزيارة، يغتسل بالنهار ويزور بالليل بغسل واحد. قال (ع): يجزيه إن لم يحدث. فان أحدث ما يوجب وضوءا فليعد غسله) (* 1). ونحوه مصححه الآخر، المروي في الكافي - كما في الحدائق - (* 2) ودلالته على الاعادة لمطلق الحدث ظاهرة. وهو وإن كان واردا في غسل الزيارة لكن الظاهر بناؤهم على عدم الفرق بينه وبين المقام. وأما صحيح عبد الرحمن ابن الحجاج قال: (سألت أبا إبراهيم (ع) عن الرجل يغتسل لدخول مكة، ثم ينام فيتوضأ قبل أن يدخل، أيجزيه ذلك أو يعيد؟ قال (ع): لا يجزيه، لانه إنما دخل بوضوء) (* 3). فالتعليل فيه لا يقتضي عموم الحكم


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب زيارة البيت حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب زيارة البيت حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب مقدمات الطواف حديث: 1.

===============

( 340 )

[ كما أن الاولى إعادته إذا أكل أو لبس ما لا يجوز أكله أو لبسه للمحرم (1)، ] لمطلق الحدث، ولا لمطلق الغسل - نظير نصوص المقام - وإنما يقتضي انتقاض الغسل المستحب بالنوم، فيحتاج في تعميم الحكم والموضوع إلى دليل. نعم في المدارك: (ربما ظهر منه ارتفاع الحدث بالغسل المندوب كما ذهب إليه المرتضى (ره)). وفى مرآة العقول للمجلسي: (في دلالته على مذهب السيد تأمل). وكأنه لا مكان الالتزام بتعدد المراتب للحدث الاصغر، على نحو يكون وجود بعضها ناقضا للغسل ومرتفعا به وبعضها ناقضا للوضوء ومرتفعا به. فكما لا يكون الوضوء رافعا لجميع مراتب الحدث الاصغر الحاصل من أسبابه ولا بد في رفع بعضها من الغسل، كذلك الغسل لا يرفع جميع مراتبه، بل لا بد في رفع بعضها من الوضوء. وفيه: أن المنسبق من النص أن الغسل رافع لاثر النوم مطلقا، ويكون المكلف بالغسل كأن لم ينم، لا أنه رافع لبعضه ويبقى بعضه، فيكون الغسل أعظم أثرا من الوضوء. فلاحظ. (1) بل ظاهر كلام الاصحاب استحباب الاعادة، كما في الحدائق ويشهد له صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا لبست ثوبا لا ينبغي لك لبسه، أو أكلت طعاما لا ينبغي لك أكله، فأعد الغسل) (* 1) وصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا اغتسلت للاحرام فلا تقنع، ولا تطيب، ولا تأكل طعاما فيه طيب، فتعيد الغسل) (* 2) وخبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: (إذا اغتسل الرجل وهو


____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 13 من أبواب الاحرام حديث: 2.

===============

( 341 )

[ بل وكذا لو تطيب (1). بل الاولى ذلك في جميع تروك الاحرام (2)، فلو أتى بواحد منها بعدها قبل الاحرام الاولى إعادته. ولو أحرم بغير غسل أتى به (3)، ] يريد أن يحرم، فلبس قميصا قبل أن يلبي، فعليه الغسل) (* 1)، وخبر علي بن أبي حمزة قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل اغتسل للاحرام لبس قميصا قبل أن يحرم. قال (ع): قد انتقض غسله) (* 2). ونحوها غيرها. (1) كما عن التهذيب والدروس وغيرهما. لما تقدم في صحيح عمر بن يزيد. (2) لاحتمال حملها على ما سبق. وفى المسالك: (ولم يتعرضوا لباقي محرمات الاحرام - مع أن منها ما هو أقوى من هذه - لعدم النص). وفى المدارك: (والظاهر عدم استحباب الاعادة بفعل ما عدا ذلك من تروك الاحرام، لفقد النص. ولو قلم أظفاره بعد الغسل لم يعده، ويمسحها بالماء. لما رواه الشيخ - في الحسن - عن جميل بن دراج، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر (ع): (في رجل اغتسل للاحرام ثم قلم اظفاره قال (ع): يمسحها بالماء، ولا يعيد الغسل) (* 3). (3) على المشهور. لصحيح الحسين بن سعيد، عن أخيه الحسن قال: (كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن (ع): رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل، جاهلا أو عالما، ما عليه في ذلك؟ وكيف ينبغي له أن


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 11 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 12 من أبواب الاحرام حديث: 2.

===============

( 342 )

[ وأعاد صورة الاحرام (1)، ] يصنع؟ فكتب: يعيده) (* 1). وبقرينة قول السائل: (ينبغي) يظهر أن المراد السؤال عن الوظيفة الاستحبابية، فيكون الجواب كذلك، لوجوب المطابقة بينهما. ولو فرض عدم ظهور: (ينبغي) في الاستحباب فلا أقل من الاجمال، فلا يكون الكلام ظاهرا في الوجوب. مع أن نفي الوجوب إجماعي. ومن ذلك يظهر أنه لا وجه للقول بالوجوب كما حكاه في المسالك، بل في الجواهر: (لا أجد له وجها، ضرورة عدم تعقل وجوب الاعادة مع كون المتروك مندوبا). (1) في السرائر - بعدما حكى عن الشيخ (ره) في النهاية القول باعادة الاحرام في الفرض - قال: (إن أراد به أنه نوى الاحرام وأحرم ولبى من دون صلاة وغسل، فقد انعقد إحرامه، فأي اعادة تكون عليه، وكيف يتقدر ذلك؟ وإن أراد، أنه أحرم بالكيفية الظاهرة من دون النية والتلبية - على ما قدمنا القول في ذلك ومعناه - فيصح ذلك، ويكون لقوله وجه). وأشكل عليه في المختلف: بأنه لا استبعاد في استحباب إعادة الفرض لاجل النفل، كما في الصلاة المكتوبة إذا دخل فيها المصلي بغير أذان ولا إقامة، فانه يستحب له إعادتها. انتهى. وأشكل عليه في المسالك: بأن الفرق بين المقامين واضح، فان الصلاة تقبل الابطال، بخلافه. انتهى. وتبع على ذلك في كشف اللثام، وزاد عليه بأن الاعادة لا تفتقر إلى الابطال، لم لا يجوز أن يستحب تجديد النية وتأكيدها للخبر؟ انتهى. وكذلك في المدارك تبع جده فيما ذكر، وزاد بقوله: (وعلى هذا فلا


____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب الاحرام حديث: 1.

===============

( 343 )

وجه لاستيناف النية، بل ينبغي أن يكون المعاد بعد الغسل والصلاة التلبية واللبس خاصة). ونحوه حكى عن جده أيضا. وفى الرياض أصر على بطلان الاحرام باعادته، مستظهرا له من لفظ الاعادة في الصحيح، مستشهدا عليه بما ذكره الاصوليون: بأن الاعادة الاتيان بالشئ ثانيا بعد الاتيان به أولا، لوقوعه على نوع خلل، كتجرد عن شرط معتبر، أو اقترانه بأمر مبطل... ومن ذلك يظهر أن في المسألة وجوها: الاول: عدم مشروعية الاعادة إلا فيما لو كان الواقع منه - أولا - صورة الاحرام لا حقيقته. وهو ظاهر ابن ادريس. الثاني: البناء على مشروعية الاحرام - ثانيا - حقيقة وبطلان الاحرام الاول. وهو ظاهر المختلف، وتبعه عليه في الرياض الثالث: مشورعية صورة الاحرام، يلبس الثوبين، والتلبية، بلا نية انشائه. وهو ظاهر المدارك، وكذا المسالك فيما حكي عنه. الرابع: مشروعية إنشائه ثانيا مع البناء على صحة الاحرام الاول، فيكون قد أحرم إحرامين حقيقيين. كما قد يظهر من كاشف اللثام، واختاره في الجواهر في أواخر شرح المسألة. ولا يخفى بعد الوجه الاخير أولا: بمخالفته لمرتكزات المتشرعة. بل لعله خلاف بناء الاصحاب، فان الاشكالات المذكورة - في كلمات ابن ادريس وغيره - مبنية على عدم إمكان تكرر الاحرام وتأكده. ولاجله حدثت الاقوال تخلصا من المحذور المذكور. وثانيا: بأنه خلاف ظاهر الصحيح، فان الاعادة المذكورة في الصحيح يراد منها امتثال أمر الاحرام بالفرد الثاني، فلا ينطبق على الفرد الاول، فالبناء على حصول الامتثال بفردين في عرض واحد في زمان

===============

( 344 )

واحد خلاف ظاهر النص وخلاف المرتكز العرفي. وأشكل من ذلك ما ذكر في الجواهر، من أنه يحسب له أفضلهما، نظير ما ورد في الصلاة جماعة. فان ذلك كان الدليل، وهذا في المقام مفقود. والقاعدة تقتضي وقوع الامتثال بالفردين معا، لانهما في عرض واحد. ومما سبق يظهر ضعف الوجه الثالث، فان صورة الاحرام ليست إعادة للاحرام ضرورة. وأما الوجه الاول فهو خروج عن مفروض السؤال في الصحيح، فيتعين الوجه الثاني. ولا يبعد أن يكون مراد الشيخ وأمثاله ممن أطلق استحباب الاعادة ذلك. ثم إنه لا يبعد أن يكون مراد كاشف اللثام، من تجديد النية وتأكيدها استحضار صورة الاحرام، لا نية إنشائه، فان نية إنشائه لا تكون مؤكدة لنيته، بخلاف استحضار نية الاحرام - ولو بقاء - فانه مؤكد لنية الاحرام الاجمالية، وهي نية بقائه. وحينئذ يرجع مراده إلى الوجه الثالث. ومن المؤسف أن شيخنا في الجواهر مع أنه أطال في شرح المسألة، وأتعب نفسه الزكية في نقل كلمات الاصحاب وما فيها من النقض والابرام لكنه لم يتعرض لتحقيق أن الاحرام الثاني إذا كان إحراما حقيقيا وكان الاحرام الاول صحيحا، فهل يكون من اجتماع المثلين الجائز، أو أنه يتأكد أحدهما بالآخر؟ وهل يترتب على ذلك تعدد الكفارة، أو تعدد العقاب لو فعل المحرم بعض محرمات الاحرام، أو لا يترتب ذلك؟ كما أنه لم يتعرض للاشكال على القول بأن الاحرام الثاني صوري، وما المسوغ للالتزام به؟! وأطال في نقل كلام السيد في الرياض والاشكال عليه. فراجع، والله سبحانه الموفق الهادي.

===============

( 345 )

[ سواء تركه عالما عامدا أو جاهلا أو ناسيا (1). ولكن إحرامه الاول صحيح باق على حاله (2)، فلو أتى بما يوجب الكفارة بعده وقبل الاعادة وجبت عليه (3). ويستحب أن يقول عند الغسل أو بعده: " بسم الله، وبالله. اللهم اجعله لي نورا، وطهورا، وحرزا، وأمنا من كل خوف، وشفاء من كل داء وسقم. اللهم طهرني وطهر قلبي، واشرح لي ] (1) الصحيح المتقدم (* 1) مورده الجاهل والعالم، فذكر الناسي في كلماتهم لا بد أن يكون من جهة دخوله في العالم. ولا يخلو من إشكال لاحتمال انصرافه إلى العامد في مقابل الجاهل المعذور، فكأنه سأل فيه عن المعذور وغيره. وكأنه لذلك جعل في الجواهر إلحاق الناسي بالفحوى. لكنه ضعيف. وأضعف منه ما يظهر من بعضهم، من الاقتصار في موضوع المسألة على الناسي، مع التصريح في النص بالجاهل والعالم. (2) إذ لا موجب لبطلانه على هذا القول، فان الواقع ليس إحراما وإنما هو صورة الاحرام، من لبس الثوبين، والتلبية - بل والنية، وهي استحضار كونه محرما - وكل ذلك لا ينافي الاحرام الواقع. فانه لا يزال المحرم في سائر الاوقات يقع منه مثل ذلك، بل لعلها أفضل أحواله. (3) قد يظهر من العلامة في القواعد: أن لزوم الكفارة في المتخلل على كل من الاقوال، فانه - بعد أن جزم باستحباب الاعادة - قال: " وأيهما المعتبر؟ إشكال. وتجب الكفارة بالمتخلل بينهما ". فلو


____________
(* 1) المراد: هو صحيح الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن، المتقدم قريبا راجع الوسائل باب: 20 من أبواب الاحرام حديث: 1.

===============

( 346 )

[ صدري، وأجر على لساني محبتك ومدحتك والثناء عليك، فانه لا قوة الا بك، وقد علمت أن قوام ديني التسليم لك، والاتباع لسنة نبيك صلوات عليه وآله " (1). ] كان لزوم الكفارة مبنيا على القول بصحة الاول كان اللازم الاشكال في ترتبها في المتخلل تبعا للاشكال في المعتبر منهما. ولعله ظاهر. ولذا قال في كشف اللثام - في شرح العبارة المذكورة _: (لعل استشكاله هنا لاحتمال الاحلال هنا بخصوصه للنص. وأما وجوب الكفارة بالمتخلل فلا اعتبار الاول ما لم يحل). لكن اعتبار الاول ما لم يحل لا يجدي في ثبوت الكفارة بعد تحقق الاحلال بالثاني بالموجب لبطلانه من أول الامر. إلا أن يقال: صحة الاحرام الثاني لا تقتضي بطلان الاول وإنما تقتضي انتهاءه، وهو كما يكون بنحو الابطال يكون بنحو الاحلال، والاحلال اللاحق لا ينافي ثبوت الكفارة بالجناية قبله. ومن ذلك يشكل ما ذكر في الرياض من أن ظاهر القواعد: وجوب الكفارة على القولين. فان تم إجماعا، وإلا فهو منفي على المختار قطعا. وكذا مع التردد بينه وبين مقابله، عملا بالاصل السالم عن المعارض. انتهى وجه الاشكال: ما عرفت، من أن البناء على صحة الثاني وانتهاء الاول أعم من بطلانه والاحلال منه. اللهم إلا أن يقال: لا نعني من البطلان إلا عدم كونه موضوعا للامتثال، والاحرام السابق كذلك، فانه ليس جزءا من النسك، ولا يشرع الاحرام إلا إذا كان جزءا من النسك. فلاحظ. (1) قال في الفقيه - في باب سياق مناسك الحج -: (وقل إذا اغتسلت: بسم الله وبالله...) إلى آخر ما في المتن، مع تبديل: التسليم لك، ب‍: (التسليم لامرك) (* 1)


____________
(* 1) الفقيه الجزء: 2 الصفحة: 312 طبع النجف الاشرف.

===============

( 347 )

[ الرابع: أن يكون الاحرام عقيب صلاة فريضة أو نافلة (1). قيل بوجوب ذلك (2)، لجملة من الاخبار الظاهرة فيه (3)، ] (1) على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا. (2) القائل. الاسكافي. (3) كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): صل المكتوبة، ثم أحرم بالحج أو بالمتعة) (* 1)، وصحيحه الآخر عنه (ع): (إذا أردت الاحرام في غير وقت صلاة فريضة فصل ركعتين ثم أحرم في دبرها) (* 2). وصحيحه الآخر: (لا يكون الاحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة، فان كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم، وإن كانت نافلة صليت ركعتين وأحرمت في دبرهما، فإذا انفتلت في صلاتك فاحمد الله وأثن عليه، وصل على النبي صلى الله عليه وآله...) (* 3)، وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): (قال: تصلي للاحرام ست ركعات، تحرم في دبرها) (* 4)، وخبر ادريس بن عبد الله قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يأتي بعض المواقيت بعد العصر، كيف يصنع؟ قال (ع): يقيم إلى المغرب. قلت: فان أبى جماله أن يقيم عليه. قال (ع) ليس له أن يخالف السنة. قلت: أله أن يتطوع بعد العصر؟ قال (ع): لا بأس به، ولكني أكرهه للشهرة، وتأخير ذلك أحب إلي. قلت: كم أصلي


____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 18 من أبواب الاحرام حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 16 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 18 من أبواب الاحرام حديث: 4.

===============

( 348 )

[ المحمولة على الندب، للاختلاف الواقع بينها (1)، واشتمالها على خصوصيات غير واجبة (2). ] إذا تطوعت؟ قال (ع): أربع ركعات) (* 1). (1) لكن مع التمكن من الجمع لا يضر الاختلاف: ويصعب جدا رفع اليد - لذلك - عن ظاهر صحيح معاوية الثالث المتقدم. (2) لا يضر ذلك أيضا إذا اشتملت على ما هو ظاهر في الوجوب، بحيث لا مانع من الاخذ به، كالصحيح المتقدم. فالعمدة: التسالم على عدم الوجوب، المانع من احتمال الوجوب وخفائه فيما كان محلا للابتلاء العام، كما تقدم ذلك في استحباب غسل الاحرام. واما صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (خمس صلوات لا تترك على حال: إذا طفت بالبيت، وإذا أردت أن تحرم...) (* 2). فالظاهر منه الترك من جهة الوقت الذي تكره فيه الصلاة. نظير خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): (خمس صلوات تصليها في كل وقت، منها: صلاة الاحرام) (* 3). وقد تقدمت الاشارة إليه في خبر ادريس بن عبد الله. ونحوه خبر ابن فضال (* 4). واستدل في كشف اللثام على نفي الوجوب بالاصل. ولاستلزامه وجوب نافلة الاحرام إذا لم يتفق في وقت فريضة. وهو كما ترى، إذ الاصل لا يقاوم الدليل. والاستلزام المذكور لا محذور فيه.


____________
(* 1) الوسائل باب: 19 من أبواب الاحرام حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 19 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 19 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 19 من أبواب الاحرام حديث: 4.

===============

( 349 )

[ والاولى أن يكون بعد صلاة الظهر (1)، في غير احرام حج ] (1) كما في القواعد وغيرها، بل هو المشهور، بل نسبه في الحدائق إلى الاصحاب وفى كشف اللثام: استدل بتظافر الاخبار. وكأنه يشير إلى صحيحة معاوية بن عمار و عبد الله الحلبي، كليهما عن أبي عبد الله (ع): (قال: لا يضرك بليل أحرمت أو نهار. إلا أن أفضل ذلك عند زوال الشمس) (* 1)، وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: (سألته ليلا أحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أم نهارا؟ قال (ع): نهارا. فقلت: أي ساعة؟ قال (ع): صلاة الظهر. فسألته متى ترى أن نحرم؟ قال (ع): سواء عليكم. إنما أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله بعد صلاة الظهر، لان الماء كان قليلا، كان في رؤوس الجبال فيهجر الرجل إلى مثل ذلك من الغد ولا يكاد يقدرون على الماء، وإنما حدثت هذه المياه حديثا) (* 2)، وصحيح معاوية بن عمار - المتقدم في الغسل - قال أبو عبد الله (ع) فيه: (وليكن فراغك من ذلك عند زوال الشمس. وإن لم يكن عند زوال الشمس فلا يضرك ذلك، غير اني أحب أن يكون ذلك عند زوال الشمس) (* 3)، ومرسل المفيد في المقنعة: (قال (ع): الاحرام في كل وقت - من ليل أو نهار - جائز. وأفضله عند زوال الشمس) (* 4). ولا يخفى أن النصوص إنما تدل على استحباب كونه عند الزوال، ولو قبل صلاة الظهر أو بعد العصر إذا لم يكن منافيا


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 15 من أبواب الاحرام حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب الاحرام حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 15 من ابواب الاحرام حديث: 7.

===============

( 350 )

[ التمتع، فان الافضل فيه أن يصلي الظهر بمنى (1). ] لصدق: (عند الزوال). مع أن الثاني منها كالصريح في نفي أفضلية كونه عند الزوال أو كونه بعد صلاة الظهر. فكأنه لم يبق دليل على الاستحباب إلا قاعدة التسامح، بناء عليها. وكأنه لذلك عبر المصنف (ره) بالاولوية. (1) حكي عن المفيد، والسيد. لصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع): (قال: إذا كان يوم التروية فأهل بالحج... (إلى أن قال): وصل الظهر إن قدرت بمنى) (* 1)، وموثقة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): (قال: ثم تلبي من المسجد الحرام... (إلى أن قال): وإن قدرت أن يكون رواحك إلى منى زوال الشمس، وإلا متى ما تيسر لك من يوم التروية) (* 2)، وصحيح معاوية: (قال أبو عبد الله (ع): إذا انتهيت إلى منى فقل: اللهم هذه منى... (إلى أن قال) (ع): ثم تصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، والامام يصلي بها الظهر لا يسعه إلا ذلك. وموسع عليك أن تصلي بغيرها إن لم تقدر) (* 3). لكن في الشرائع: استحباب خروج المتمتع إلى منى يوم التروية بعد أن يصلي الظهرين، وحكي عن المواهب والوسيلة والتذكرة والمنتهى والمختلف والدروس وغيرها. ودليله غير ظاهر. نعم عن المختلف الاستدلال له: بأن مسجد الحرام أفضل من غيره، والمستحب إيقاع الاحرام بعد فريضة فاستحب إيقاع الفريضتين فيه. لكنه - كما ترى - لا يعارض النصوص السابقة ولا غيرها. وعن التذكرة والمنتهى: الاستدلال بصحيح معاوية: (إذا


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب احرام الحج حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب احرام الحج حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 4 من أبواب احرام الحج حديث: 5.

===============

( 351 )

[ وإن لم يكن في وقت الظهر فبعد صلاة فريضة أخرى حاضرة (1) ] كان يوم التروية - ان شاء الله - فاغتسل، ثم البس ثوبيك، وادخل المسجد حافيا... (إلى أن قال): ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قال في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة..) (* 1) لكن الظاهر من المكتوبة الظهر لا غير. ولذلك حكي عن جماعة: الاقتصار على الظهر، كالهداية، والمقنع، والمقنعة، والمصباح، ومختصره، والسرائر، والجامع، وغيرها. وعن الشيخ في التهذيب: التفصيل بين الامام فيصلي الظهر بمنى. للنصوص الكثيرة، كصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (ع): (لا ينبغي للامام أن يصلي الظهر يوم التروية إلا بمنى، ويبيت بها إلى طلوع الشمس) (* 2) وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (قال: على الامام أن يصلي الظهر يوم التروية بمسجد الخيف، ويصلي الظهر يوم النفر في المسجد الحرام) (* 3) ونحوهما غيرهما. وبذلك جمع بين الطائفتين السابقتين. لكنه بعيد. ولعل الاولى الجمع بينهما، بحمل ما دل على استحباب إيقاع الاحرام بمكة بعد الظهر على ما إذا لم يقدر على الخروج قبل ذلك، وإلا فالافضل إيقاع الظهر بمنى مطلقا، كما في المتن. وان كان بعد لا يخلو من تأمل. (1) كما يقتضيه صحيح معاوية المتقدم عن أبي عبد الله (ع): (صل المكتوبة، ثم أحرم بالحج أو بالمتعة) (* 4).


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب احرام الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 4 من أبواب احرام الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 4 من أبواب احرام الحج حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 18 من أبواب احرام الحج حديث: 1.

===============

( 352 )

[ وإن لم يكن فمقضية (1)، وإلا فعقيب صلاة النافلة. الخامس: صلاة ست ركعات (2)، أو أربع ركعات (3) أو ركعتين (4) للاحرام. والاولى الاتيان بها مقدما على الفريضة (5). ويجوز إتيانها في أي وقت كان بلا كراهة، ] (1) ففي الدروس. (ولو لم يكن وقت فالظاهر أن الاحرام عقيب فريضة مقضية أفضل). ولا يخلو من إشكال، بل هو خلاف ظاهر النصوص المتقدمة. فلاحظ صحاح معاوية بن عمار المتقدمة في صدر المسألة ومن الثالثة منها يظهر الوجه في قوله (ره): (فعقيب النافلة). (2) كذا ذكر الاصحاب. لرواية أبي بصير المتقدمة (* 1) ونحوها موثقته الاخرى: (ثم ائت المسجد الحرام، وصل فيه ست ركعات قبل أن تحرم...) (* 2)، وصحيح معاوية: (إذا أردت أن تحرم يوم التروية... (إلى أن قال): واغتسل، والبس ثوبيك، ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست ركعات قبل أن تحرم) (* 3). (3) كما في خبر إدريس المتقدم (* 4). (4) كما في صحيحي معاوية المتقدمين (* 5). (5) قال الشرائع، في مبحث مقدمات الاحرام المستحبة: (وأن


____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب الاحرام حديث: 4. وقد تقدم ذلك في الامر الرابع. (* 2) الوسائل باب: 52 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 3) لم نعثر على هذه الرواية في الابواب المناسبة من الوسائل، كأبواب الطهارة، والصلاة، والحج. كما لم نجدها في الكتب الفقهية، أمثال: الجواهر، والمستند، والحدائق. (* 4) الوسائل باب: 19 من أبواب الاحرام حديث: 3. وقد تقدم ذلك في الامر الرابع. (* 5) الوسائل باب: 18 من أبواب الاحرام حديث: 5، وباب: 16 من أبواب الاحرام حديث: 1. وقد تقدم ذكرهما في الامر الرابع.

===============

( 353 )

[ حتى في الاوقات المكروهه، وفي وقت الفريضة، حتى على ] يحرم عقيب فريضة الظهر أو فريضة غيرها. وإن لم يتفق صلى للاحرام ست ركعات، وأقله ركعتان). قال في المسالك: (ظاهر العبارة يقتضي أنه مع صلاة الفريضة لا يحتاج إلى ستة الاحرام، وإنما يكون عند عدم فعل ظهر أو فريضة. وليس كذلك، وإنما السنة أن يصلي ستة الاحرام أولا، ثم يصلي الظهر أو غيرها من الفرائض، ثم يحرم. فان لم يتفق ثمة فريضة اقتصر على ستة الاحرام... (إلى أن قال): وقد اتفق أكثر العبارات على القصور عن تأدية المراد هنا). وفى الجواهر: (سبقه إلى ذلك الكركي في حاشيته على الكتاب). وفى المدارك: أنه مع صلاة الفريضة لا يحتاج إلى ستة الاحرام، وأنها إنما تكون إذا لم يتفق وقوع الاحرام عقيب الظهر أو فريضة. وعلى ذلك دلت الاخبار. ثم ذكر صحيحي معاوية، الثاني، والثالث. ثم قال: (ومن هنا يظهر: أن ما ذكر الشارح، من أن المراد... (إلى آخر كلام المسالك) غير جيد. ومن العجب قوله: (وقد اتفق اكثر العبارات على القصور عن تأدية المراد هنا). إذ لا وجه لحمل عبارات الاصحاب على المعنى الذي ذكره، فان الاخبار ناطقة بخلافه، كما بينا). وفى الجواهر - تبعا لما في الذخيرة والحدائق - استظهر من كلمات جماعة من الاصحاب - كالمفيد في المقنعة، والشيخ في المبسوط والنهاية، والعلامة في القواعد والتذكرة والمنتهى وغيرها - ما ذكره في المسالك. قال في المقنعة: (وإن كان وقت فريضة وكان متسعا قدم نوافل الاحرام - وهي ست ركعات. ويجزي منها ركعتان - ثم صلى الفريضة، وأحرم في دبرها، فهو أفضل. وإن لم يكن وقت فريضة صلى ست ركعات). وقريب منها غيرها.

===============

( 354 )

بل في الشرائع - قال بعد ما سبق -: (ويوقع نافلة الاحرام تبعا له ولو كان وقت فريضة، مقدما للنافلة، ما لم تتضيق الحاضرة). ومقتضاه الاتيان بنافلة الاحرام في وقت الفريضة، فيكون الجمع بينه وبين ما قبله يقتضي حمل ما قبله على استحباب الاحرام عقيب الفريضة في وقت الفريضة مع سبق النافلة عليها، لا الاقتصار عليها، كما يظهر في بادي النظر. وفى كشف اللثام: نسبة إلى المشهور، ثم حكى عن جملة من كتب الجماعة تقديم الفريضة، ثم قال: (وهو أظهر، لان الفرائض تقدم على النوافل. إلا الراتبة، إذ ا لا نافلة في وقت فريضة. ولم أظفر بما يدل على استحباب نافلة الاحرام مع ايقاعه بعد الفريضة، إلا الذي سمعته الآن عن الرضا (ع). ولذا قال في التذكرة: وهل تكفي الفريضة عن ركعتي الاحرام؟ يحتمل ذلك، وهو قول الشافعي). وفى محكي الوسيلة لابن حمزة: (وإن كان بعد فريضة صلى ركعتين له وأحرم بعدهما. وان صلى ستا كان أفضل). وظاهره الجمع بين النافلة والفريضة، مع تقديم الفريضة وقد تقدم في كشف اللثام: حكاية ذلك عن جملة من الكتب، واختياره. والمتحصل من جميع ذلك: أن كلمات الجماعة مختلفة، فبعضها ظاهر في الجمع بين الفريضة والنافلة، مع تأخير الفريضة والاحرام عقيبها، وهو المنسوب إلى المشهور في كشف اللثام. وبعضها ظاهر في الجمع بينهما مع تقديم الفريضة على النافلة، واختاره في كشف اللثام. وبعضها ظاهر في عدم الجمع، كالارشاد. قال فيه: (والاحرام عقيب فريضة الظهر أو غيرها، أو ست ركعات، وأقله ركعتان). وعليه حمل في المدارك عبارة الاصحاب. وأما النصوص فالظاهر منها الاخير. بل تقدم في المدارك: أن

===============

( 355 )

[ القول بعدم جواز النافلة لمن عليه فريضة. لخصوص الاخبار الواردة في المقام (1). ] الاخبار ناطقة به. وفى الذخيرة: أنه مقتضى الاخبار، كما لا يخفى على المتأمل. انتهى. نعم في الفقه الرضوي: (فان كان وقت صلاة فريضة فصل هذه الركعات قبل الفريضة ثم صل الفريضة. وروي: أن أفضل ما يحرم الانسان في دبر صلاة الفريضة، ثم أحرم في دبرها فيكون أفضل) (* 1): ودلالته على المشهور ظاهرة. إلا أن سنده غير ظاهر. وفى الجواهر: استدل بصحيح معاوية بن عمار قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: خمس صلوات لا تترك على حال: إذا طفت بالبيت، وإذا أردت أن تحرم...) (* 2) وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): (خمس صلوات تصليها في كل وقت، منها: صلاة الاحرام) (* 3). ويشكل: بأنه - لو تمت دلالة الروايتين على مشروعية صلاة الاحرام في وقت الفريضة، فغايتها مشروعية الاحرام في دبرها حينئذ، لا الجمع بينها وبين الفريضة، والاحرام بعد الفريضة. ومنه يظهر الاشكال فيما تمسك به - في المستند والجواهر - من إطلاق مشروعية نافله الاحرام. إذ الاطلاق. لا يقتضي الجمع الذي عرفت أنه خلاف ظاهر النصوص السابقة. (1) يشير بذلك إلى صحيح معاوية وخبر أبي بصير المتقدمين. وأما إطلاقات التنقل بالركعتين، أو الاربع، أو الست فليس لها تعرض لهذه الجهة.


____________
(* 1) مستدرك الوسائل باب: 13 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 19 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 19 من أبواب الاحرام حديث: 2.

===============

( 356 )

[ والاولى أن يقرأ في الركعة الاولى بعد الحمد التوحيد (1)، وفي الثانية الجحد، لا العكس كما قيل (2). (مسألة): يكره للمرأة - إذا أرادت الاحرام - أن ] (1) كما عن النهاية والسرائر والتذكرة والمنتهى. وفى الجواهر: (أما كيفية القراءة فيهما فلم أقف فيها إلا على خبر معاذ بن مسلم عن أبي عبد الله (ع): (قال: لا تدع أن تقرأ بقل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون، في سبع مواطن: في الركعتين قبل الفجر، وركعتي الزوال والركعتين بعد المغرب، وركعتين من أول صلاة الليل، وركعتي الاحرام والفجر إذا أصبحت، وركعتي الطواف) (* 1). لكن في التهذيب - بعد أن أورد ذلك - قال: (وفى رواية أخرى: إنه يبدأ في هذا كله بقل هو الله أحد، وفى الركعة الثانية بقل يا أيها الكافرون، إلا في الركعتين قبل الفجر، فانه يبدأ بقل يا أيها الكافرون، ثم يقرأ في الركعة الثانيه بقل هو الله أحد) (* 2). وظاهره اختصاص الرواية الثانية بالتهذيب، مع أن الكليني (ره) رواها أيضا بعد الاولى كما في التهذيب (* 3). (2) اختاره في الدروس، وحكي عن المبسوط. وظاهر الشرائع: الميل إليه، فانه قال: (يقرأ في الاولى: وقل يا أيها الكافرون، وفى الثانية: الحمد، وقل هو الله أحد. وفيه رواية أخرى بالعكس). ولعلهم عثروا على غير ذلك. وإلا فخبر معاذ إما مطلق يقتضى التخيير، أو ظاهر في تعين قل هو الله أحد للاولى، والجحد للثانية. وهو صحيح في كلام بعض، وحسن في كلام آخر.


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب القراءة في الصلاة حديث: 1. (* 2)، (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب القراءة في الصلاة حديث: 2.

===============

( 357 )

[ تستعمل الحناء إذا كان يبقى أثره إلى ما بعده (1)، مع قصد الزينة (2)، بل لا معه أيضا إذا كان يحصل به الزينة وإن لم تقصدها. بل قيل بحرمته (3). فالاحوط تركه، وإن كان الاقوى عدمها (4). والرواية مختصة بالمرأة. لكنه ألحقوا بها الرجل أيضا، لقاعدة الاشتراك، ولا بأس به. واما استعماله مع عدم إرادة الاحرام فلا بأس به وإن بقي أثره (5) ولا بأس بعدم إزالته وإن كانت ممكنة. ] (1) نسبه في الحدائق إلى ظاهر الاكثر، وحكي عن جماعة. لخبر أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (ع) قال: (سألته عن امرأة خافت الشقاق فأرادت أن تحرم، هل تخضب يدها بالحناء قبل ذلك؟ قال (ع): ما يعجبني أن تفعل) (* 1). ودلالته على الكراهة ظاهرة، بعد حمل مورده على غير حال الضرورة، بقرينة الجواب. (2) الرواية غير متعرضة لهذه الصورة. لكن يستفاد الجواز مما دل على جوازها للمحرم ولو مع قصد الزينة، كما هو المشهور. والكراهية للاولوية مما قبله. (3) حكي ذلك عن الروضة. للزينة. (4) لمنع تحريم كل زينة. ولذا كان المشهور كراهة ذلك للمحرم في حال الاحرام. لصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): (سألته عن الحناء. فقال (ع): إن المحرم ليمسه، ويداوي به بعيره، وما هو بطيب، ولا به بأس) (* 2). (5) لخروجه عن مورد الرواية. لكن في المسالك: (لا فرق بين


____________
(* 1) الوسائل باب: 23 من أبواب تروك الاحرام حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 23 من أبواب تروك الاحرام حديث: 1.

===============

( 358 )

[ بسم الله الرحمن الرحيم فصل في كيفية الاحرام وواجباته ثلاثة: ] الواقع بعد نية الاحرام وبين السابق عليه إذا كان يبقى بعده). وهو - كما ترى - غير مورد الرواية. اللهم إلا أن يستفاد منها كراهة أثره عند الاحرام، لا كراهة استعماله عند إرادة الاحرام. وهو غير بعيد. ولاجله يشكل قوله (ره): (ولا بأس بعدم ازالته...). فصل في كيفية الاحرام اختلفت عبارات الاصحاب في حقيقة الاحرام، ففي المختلف، في مسألة تأخير الاحرام عن الميقات: أن الاحرام ماهية مركبة من النية، والتلبية، ولبس الثوبين. وفى المدارك: أنه حكى الشهيد في الشرح، عن ابن ادريس: أنه جعل الاحرام عبارة عن النية، والتلبية. ولا مدخلية للتجرد، ولبس الثوبين فيه. وعن ظاهر المبسوط والجمل: أنه جعله أمرا واحدا بسيطا، وهو النية. وفى المسالك: إن هذا هو الظاهر... (إلى أن قال): وللشهيد تحقيق رابع، وهو أن الاحرام توطين النفس على ترك المنهيات المعهودة إلى أن يأتي بالمحلل... (إلى أن قال):

===============

( 359 )

وهذا التفسير راجع إلى النية، لان التوطين أمر نفساني، ولا يجب تحصليه في مجموع زمان الافعال... (إلى أن قال): بل هو قد فسر النية في قوله: (أحرم): بأن معناه: أوطن نفسي... أقول: أخذ النية في مفهوم الاحرام غير معقول، لانه فعل اختياري يقع عن نية تارة، ولا عنها أخرى. ولذلك اعتبروا في صحته النية، ومن المعلوم أن النية لا تكون موضوعا للنية، فالاقوال الثلاثة الاول على ظاهرها غير معقولة، ولعلها مبنية على المسامحة. وأما التوطين فان كان راجعا إلى النية فهو - كغيره - غير معقول. وإن كان راجعا إلى البناء النفساني على ترك المحرمات والالتزام بذلك فهو معقول، لانه فعل اختياري يمكن أن يكون موضوعا للنية كغيره من الافعال الاختيارية النفسانية. بل قد تحقق في محله: أن العقود والايقاعات النفسانية كلها التزامات نفسانية وهذه الالزامات اختيارية للموقع. بل ذكروا الخلاف في وجوب الموافقة الالتزامية للتكليف زائدا على الموافقة العملية. وإن كان التحقيق عدم الوجوب بل المحقق في محله: أن الاسلام هو الالتزام بصحة ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وعليه تترتب الاحكام، من حرمة الدم، والمال، وجواز المناكحة، وثبوت التوارث، وغيرها من أحكام الاسلام. وذلك كله دليل على كون الالتزام من الافعال الاختيارية وموضوعا للارادة والنية. لكن الاشكال في أن الاحرام هو نفس الالتزام، أو أنه الحاصل من التزام ترك المحرمات؟ الظاهر هو الثاني، فيكون الالتزام سببا لانشاء الاحرام وحصوله، نظير سائر المفاهيم الايقاعية التي يكون ايقاعها بالالتزام لا أنه نفس الاحرام، كما قد يظهر من الشهيد (قده). ويحتمل أن يكون السبب في حصوله مجرد نية ترك المحرمات وإن لم يكن التزام نفساني

===============

( 360 )

[ الاول: النية (1)، بمعنى القصد إليه، فلو أحرم من غير قصد أصلا بطل، سواء كان عن عمد، أو سهو، أو جهل. ويبطل نسكه أيضا إذا كان الترك عمدا (2)، وأما مع السهو والجهل فلا يبطل. ويجب عليه تجديده من الميقات إذا أمكن، وإلا فمن حيث أمكن، على التفصيل الذي مر سابقا في ترك أصل الاحرام. (مسألة 1): يعتبر فيها القربة والخلوص، كما في سائر العبادات، فمع فقدهما أو أحدهما يبطل احرامه. (مسألة 2): يجب أن تكون مقارنة للشروع فيه، ] به. لكن الاظهر الاول. وعلى كل من التقديرين فهو صفة اعتبارية تحصل بأحد السببين، إما الالتزام بترك المحرمات، أو نية ترك المحرمات لا أنه نفس ترك المحرمات، ولا أنه نفس نيد ترك المحرمات، فان الاول خلاف الاجماع، والثاني غير معقول. (1) بلا خلاف محقق فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض. كذا في الجواهر. وفى كشف اللثام: (بلا خلاف عندنا في وجوبها...). ويقتضيه ارتكاز المتشرعة، فان الاحرام عندهم من سنخ العبادة التي لا تصح بدون نية. مضافا إلى بعض النصوص الآتية في كيفية النية والتلفظ. (2) إذا لم يتمكن من تجديده من الميقات، وإلا جدده وصح إحرامه وحجه، على ما تقدم في المسألة الثالثة من فصل أحكام المواقيت. فراجع في جميع شقوق هذه المسألة.

===============

( 361 )

[ فلا يكفي حصولها في الاثناء، فلو تركها وجب تجديده (1). ولا وجه لما قيل (2): من أن الاحرام تروك وهي لا تفتقر إلى النية، والقدر المسلم من الاجماع على اعتبارها إنما هو في الجملة ولو قبل التحلل. إذ نمنع - أولا - كونه تروكا (3) فان التلبية، ولبس الثوبين من الافعال. وثانيا: اعتبارها فيه ] (1) وعن الشيخ في المبسوط: (الافضل أن تكون مقارنة للاحرام فان فاتت جاز تجديدها إلى وقت التحلل). والاشكال عليه ظاهر، بعد ما عرفت من كونه عبادة من أوله إلى آخره، فلا يصح بدون نية. ولذلك قال في محكى المختلف: (الاولى ابطال ما لم يقع بنيته، لفوات الشرط...) وفى الدروس: (لعله أراد نية التمتع في إحرامه، لا مطلق نية الاحرام. ويكون هذا التجديد بناء على جواز نية الاحرام المطلق - كما هو مذهب الشيخ - أو على جواز العدول إلى التمتع من احرام الحج أو العمرة المفردة). (2) قال في كشف اللثام: (وقد يكون النظر إلى ما أمضيناه، من أن التروك لا تفتقر إلى النية. ولما أجمع على اشتراط الاحرام بها - كالصوم - قلنا بها في الجملة، ولو قبل التحلل بلحظة، إذ لا دليل على أزيد من ذلك ولو لم يكن في الصوم نحو قوله صلى الله عليه وآله: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام) (* 1) قلنا فيه بمثل ذلك. وإنما كان الافضل المقارنة، لان النية شرط في ترتب الثواب على الترك). (3) قد عرفت سابقا: أن الاحرام صفة خاصة اعتبارية تحصل للمحرم بتوسط الالتزام بترك المحرمات أو نية ترك المحرمات، لا أنه نفس الترك للمحرمات. كيف والمحرم إذا فعل جميع المحرمات من ابتداء احرامه


____________
(* 1) مستدرك الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم حديث: 1.

===============

( 362 )

إلى أن يحل بالمحلل لا يخرج عن كونه محرما، بخلاف الصائم فانه إذا استعمل المفطر خرج عن كونه صائما؟ فالصوم ترك المفطرات وفعلها نقيضه. أما الاحرام فليس هو ترك المحرمات، فانه لا ينتقض بفعلها، بل بمجرد حصول سببه يحصل ويبقى للمكلف إلى أن يحل بالمحلل. فهو باق بنفسه ما لم يحصل المحلل والصوم باق باختيار الصائم لا بنفسه، فما دام تاركا يكون صومه باقيا، فإذا استعمل المفطر انتقض. وبذلك افترق الصوم عن الاحرام من جهة أخرى، فان الصوم في جميع الآنات المتتالية لا بد أن يقع على وجه العبادة، لانه في جميع الآنات باق باختيار الفاعل، فهو من الامور التدريجية. والاحرام باق بنفسه فلا يحتاج في بقائه إلى نية بل هو باق بنفسه، فهو من الامور القارة، نظير الامور الانشائية، كالزوجية، والرقية، ونحوها. فإذا عدل الصائم عن نية الصوم ونوى استعمال المفطر بطل صومه، وإذا عدل المحرم عن إحرامه لم يبطل إحرامه. فبناء على ذلك لا يتوجه لكلام كاشف اللثام وجه، لان النية قبل التحلل ليست نية لاحرام ولا قصدا له، لحصوله من الاول، فلا معنى لقصد حصوله، وأنه لا مجال للمقايسة بالصوم. وأيضا يظهر من دليل كاشف اللثام: أنه توجد قاعدة، وهي: أن التروك لا تحتاج إلى نية بخلاف الافعال، وظاهر المصنف (ره) موافقته على ذلك أيضا. ولكنه غير ظاهر، فانه لا أصل لهذه القاعدة. نعم في تروك الصوم لا يعتبر نية القربة، لجواز تعزد الفعل، فان الصائم ربما لا يتمكن من الطعام والشراب والنساء فلا يكون تركه لها حينئذ عباديا ولا عن نية القربة. ولاجل ذلك نقول: بأن عبادية الصوم فاعلية لا فعلية، ويكفي في وقوعه على وجه العبادة أن يكون ناويا لترك المفطر على تقدير القدرة

===============

( 363 )

[ على حد اعتباره في سائر العبادات، في كون اللازم تحققها حين الشرع فيها (1). (مسألة 3): يعتبر في النية كون الاحرام لحج أو عمرة، وأن الحج تمتع أو قران أو إفراد، وأنه لنفسه أو نيابة عن غيره، وأنه حجة الاسلام أو الحج النذري أو الندبي (2) فلو نوى الاحرام من غير تعيين وأوكله إلى ما بعد ذلك بطل ] فإذا لم يكن ناويا ذلك كان صومه باطلا. وقد أشرنا إلى ذلك في كتاب الصوم من هذا الشرح. وأما تروك الاحرام بعد وقوعه فلا يعتبر فيها القربة بكل وجه، فانه إذا كان الفعل غير مبطل للاحرام لا يكون نية الفعل مبطلا له بطريق أولى. نعم عند إنشاء الاحرام يجب أن يكون التزامه بتركه المحرمات أو نيته ترك المحرمات واقعا على وجه قربي، بحيث عند الابتلاء بالمحرم يتركه قربة إلى الله تعالى، كما في نية الصائم في ابتداء الصوم. (1) يعني: اعتبار النية فيه. والعمدة في ذلك ارتكاز المتشرعة، وإلا فالاجماع غير ثابت مع خلاف الشيخ (ره). اللهم إلا أن يكون خلافه لشبهة. (2) لاختلاف الخصوصيات الموجبة لاختلاف موضوع الامر، ويجب في العبادة أن يقع المأمور به بخصوصياته عن الامر، ولا يحصل ذلك إلا بقصد الخصوصية الموجبة لاختلاف الموضوع. فإذا لم يعين، فان كان نوى الجامع بين الفردين فقد فاتت نية الخصوصية. مع أنه غير موضوع للامر بما هو جامع بينهما فلا مجال للتقرب به. وكذا إذا نوى المردد، لعين ما ذكر من المحذورين. فلاحظ ما ذكر مفصلا في نية الوضوء وغيرها.

===============

( 364 )

[ فما عن بعضهم من صحته، وأن له صرفه إلى أيهما شاء من حج أو عمرة (1) لا وجه له، إذ الظاهر أنه جزء من النسك فتجب نيته كما في أجزاء سائر العبادات. وليس مثل الوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة (2). نعم الاقوى كفاية التعيين ] (1) قال في التذكرة: (والواجب في النية أن يقصد بقلبه إلى أمور أربعة: ما يحرم به من حج أو عمرة متقربا إلى الله تعالى، ويذكر ما يحرم له، من تمتع، أو قران، أو إفراد... (إلى أن قال): ولو نوى الاحرام مطلقا ولم يذكر لا حجا ولا عمرة انعقد احرامه، وكان له صرفه إلى أيهما شاء...). وحكي نحوه عن المنتهى، وقريب منه عن المبسوط والمهذب والوسيلة. وفى كشف اللثام - بعد أن حكى ذلك - قال: (ولعله الاقوى، لان النسكين في الحقيقة غايتان للاحرام، غير داخلين في حقيقته، ولا يختلف حقيقة الاحرام - نوعا ولا صنفا - باختلاف غاياته. فالاصل عدم وجوب التعيين). (2) فان كلا منهما مشروع لنفسه، فيمكن أن يتعبد به لنفسه من دون نية غايته، بخلاف الاحرام. ضرورة أنه لا يصح ولا يتعبد به بنفسه وإنما يصح ويتعبد به في ضمن غايته، فيكون جزءا من المأمور به. ولاجل ذلك تختلف خصوصياته باختلاف خصوصيات ما ينضم إليه، ولا بد من قصد تلك الخصوصيات في تحقق العبادة، كما عرفت. واستدل في التذكرة على ما ذكره: بأن الاحرام بالحج يخالف غيره من احرام سائر العبادات لانه لا يخرج منه بالفساد، وإذا عقد عن غيره - بأجرة أو تطوعا - وعليه فرضه وقع عن فرضه، فجاز أن ينعقد مطلقا. وإذا ثبت أنه ينعقد مطلقا فان صرفه إلى الحج صار حجا، وإن صرفه إلى العمرة صار عمرة...

===============

( 365 )

[ الاجمالي، حتى بأن ينوي الاحرام لما سيعينه من حج أو عمرة فانه نوع تعيين (1). وفرق بينه وبين ما لو نوى مرددا مع ] إلى آخر كلامه. وفيه: ما لا يخفى، فان ما ذكره، من أنه لا يخرجه عنه بالفساد، لا أثر له فيما نحن فيه، وقد عرفت في تحقيق مفهومه وجهه. وما ذكره - ثانيا - ممنوع. ولو سلم فهو للدليل. نظير ما ورد في العدول من صلاة إلى صلاة، فانه لا يدل على عدم وجوب العيين في الصلاة. وقد استدل أيضا بما رواه العامة، من أن النبي صلى الله عليه وآله: خرج من المدينة لا سمى حجا ولا عمرة ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء، وهو بين الصفا والمروة (* 1) وهو كما ترى، فان الرواية - لو صحت - فانما تدل على قصور في التشريع، لا قصور في التعيين، فانه صلى الله عليه وآله إنما قصد ما هو المشرع بخصوصياته، إذ لا تعين حينئذ زائدا على ذلك. (1) فإذا كان ما يعينه الحج فقد نوى الحج من الاول، وإذا كان ما يعينه العمرة فقد نوى العمرة من أول الامر، وهكذا... اللهم إلا أن يكون المعتبر هو التعيين مع قطع النظر عن التعيين، ولا يكفي التعيين الآتي من التعيين. لكنه غير ظاهر. ودعوى: أنه قبل التعيين اللاحق لا تعيين للمأتي به. مدفوعة، ضرورة كون المكلف قد قصد ما يعينه لاحقا فإذا كان ما يعينه هو الحج - مثلا - فقد قصد الحج من الاول، لكنه لعدم معرفته بما يعينه لاحقا لا يعرف المعين حين النية، لكنه لا يقدح في حصول التعيين الاجمالي. والظاهر جريان مثل ذلك في أجزاء الصلاة، فالتكبير إذا وقع منه بنية ما يعينه بعد ذلك - من ظهر أو عصر - فقد نوى التكبير


____________
(* 1) سنن البيهقي الجزء: 5 الصفحة: 6 باب: أنه صلى الله عليه وآله لم يعين الحج وينتظر القضاء.

===============

( 366 )

[ إيكال التعيين إلى ما بعد. (مسألة 4): لا يعتبر فيها نية الوجوب من وجوب أو ندب (1)، إلا إذا توقف التعيين عليها. وكذا لا يعتبر فيها التلفظ (2). بل ولا الاخطار بالبال، فيكفي الداعي (3). (مسألة 5): لا يعتبر في الاحرام استمرار العزم على ترك محرماته (4)، ] المعين بلحاظ التعيين الآتي. ولاجل ذلك يتضح الفرق بين الفرض وبين ما إذا نوى المردد ثم عين بعد ذلك، فانه في أول الامر لم ينو الخصوصية لا تفصيلا ولا إجمالا. (1) تقدم في نية الوضوء وغيرها وجه ذلك، خلافا للمشهور. (2) كما في القواعد وغيرها. والظاهر أنه لا إشكال فيه. ويقتضيه - مضافا إلى ذلك، وإلى الاصل -: صحيح حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج، فكيف أقول؟ فقال: تقول: اللهم إني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج، على كتابك وسنة نبيك. وإن شئت أضمرت الذي تريد) (* 1). ونحوه خبر أبي الصلاح مولى بسام الصيرفي (* 2). ويحتمل أن يكون المراد بالاضمار الاسرار في التلفظ. (3) كما تحقق ذلك في مباحث نية الوضوء وغيره من العبادات. (4) كما أشرنا إليه آنفا، وأن فعل المحرمات لا يوجب فساد الاحرام


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب الاحرام حديث: 2.

===============

( 367 )

[ بل المعتبر العزم على تركها مستمرا (1)، فلو لم يعزم من الاول على استمرار الترك بطل. وأما لو عزم على ذلك ولم يستمر عزمه - بأن نوى بعد تحقق الاحرام عدمه، أو إتيان شئ منها - لم يبطل، فلا يعتبر فيه استدامة النية كما في الصوم. والفرق: أن التروك في الصوم معتنبرة في صحته (2)، بخلاف الاحرام فانها فيه واجبات تكليفية. (مسألة 6): لو نسي ما عينه من حج أو عمرة وجب عليه التجديد (3)، ] وإنما يوجب الفداء، فعدم استمرار العزم أولى أن لا يقتضي الفساد. وسيأتي في المتن التعرض لذلك. (1) يعني: يعتبر ذلك في حدوثه وإنشائه لا في بقائه واستمراره. والوجه في اعتبار ذلك: ما أشرنا إليه آنفا، من أن إنشاءه إما بالالتزام الملازم للعزم المذكور، أو بنفس العزم، فلا يتحقق بدونه على كل حال. (2) بل في مفهومه، فان مفهوم الصوم ترك المحرمات، ففعلها مناف له. (3) لبطلان إحرامه، لا جمال الملكف به وعدم الطريق إلى امتثاله، ولو بالاحتياط بفعل كل محتمل. فانه وإن كان هذا ليس جمعا بين النسكين بل هو مقدمة ليقين البراءة، إلا أن فعل أحدهما يقتضي التحليل لاشتماله على الطواف. ولعل مرادهم بالتخيير هذا المعنى، لا أن خطابه ينقلب إلى التخيير، كما في الابتداء كذا في الجواهر. ويشكل بامكان الامتثال الاجمالي. مثلا: إذا تردد بين نية حج الافراد وبين نية العمرة المفردة، يأتي باعمال الحج أولا، ثم يأتي إلى

===============

( 368 )

[ سواء تعين عليه أحدهما أولا. وقيل: إنه للمتعين منهما (1)، ] مكة فيأتي بأعمالها بنية المردد بين الحج والعمرة. وإذا تردد بين العمرة المفردة وعمرة التمتع، يتم أعمال العمرة بقصد ما نواه، وأحل واقتصر. لاصالة البراءة من وجوب الحج بعدها. واحتاط - بناء على لزوم الاحتياط - لان الحج طرف للعلم الاجمالي، فيحج برجاء المطلوبيه وبالجملة: لا مقتضى لبطلان الاحرام بعد وقوعه على الوجه الصحيح وإمكان إتمام أعماله إما رجاء أو علما. نعم لا يجزئ ذلك عقلا، ولا تفرغ به الذمة - وان تمكن من إتمامه - لتردده فيما نواه. فيجوز له رفع اليد عنه إذا لم يكن محذور في ذلك، كما لو دخل في صلاة ثم تردد أنه ونواها ظهرا أو عصرا، فانه إذا أتمها بقصد ما نواه لم تجزئ عما في الذمة لا عن الظهر ولا عن العصر. وهذا المقدار لا يستوجب البطلان، وانما يستوجب جواز رفع اليد عنه. لكن في مثل الاحرام - الذي لا يتحلل عنه إلا بمحلل خاص - لا مجال للبناء على التحلل منه بمجرد ذلك، إلا إذا ثبت عموم قاعدة: جواز رفع اليد عن العمل إذا لم يكن له دخل في الامتثال ولا في اليقين به، حتى في مثل المقام. لكنه يشكل، وإن كان الظاهر ثبوت ذلك هنا أيضا عندهم. نعم إذا كان لا يصح منه إلا أحدهما، فإذا تردد فيما نوى جاز له رفع اليد بالمرة - بناء على عدم جريان أصالة الصحة في المقام - ومقتضى الاصل العملي البطلان. (1) قال في الشرائع: (ولو نسي بماذا أحرم، كان مخيرا بين الحج والعمرة إذا لم يلزمه أحدهما). وفى القواعد: (ولو نسي ما عينه تخير إذا لم يلزمه أحدهما). ونحوهما ما في غيرهما. وفى الجواهر: نسبته إلى الفاضل والشهيدين وغيرهم. وفى كشف اللثام: تعليله بأن له الاحرام بأيهما شاء

===============

( 369 )

[ ومع عدم التعيين يكون لما يصح منهما (1). ومع صحتهما - كما في أشهر الحج - الاولى جعله للعمرة المتمتع بها (2). وهو مشكل، إذ لا وجه له (3). ] إذا لم يتعين عليه أحدهما، فله صرف إحرامه إلى أيهما شاء. لعدم الرحجان. وعدم جواز الاحلال بدون النسك إلا إذا صدر أو أحصر، ولا جمع بين النسكين في إحرام... انتهى. وأما أنه للمتعين منهما، فلان الظاهر من حال المكلف الاتيان بما هو فرضه. (1) عملا بقاعدة الصحة. لكن قاعدة الصحة إنما تجري بعد احراز العنوان الذى يكون موضوعا للصحة والفساد، لا مع الشك فيه. (2) يعني: ويجوز جعله لكل منهما، كما تقدم في كلام الجماعة. وهذه الاولوية نسبت إلى الشيخ (ره)، لانه ان كان متمتعا فقد وافق، وإن كان حاجا فالعدول منه إلى غيره جائز. وعن المنتهى والتحرير: أنه حسن. لكن في كشف اللثام، عن الخلاف: تتعين العمرة. وهو ظاهر كلامه المحكي عن الخلاف. قال: (وإذا أحرم بالعمرة لا يمكنه أن يجعلها حجة مع القدرة على أفعال العمرة، فلهذا قلنا يجعلها عمرة على كل حال) وكيف كان فأولوية العدول مبنية على جواز العدول من الافراد إلى العمرة المتعمع بها. لكن الوجوب غير ظاهر الوجه. إلا المحافظة على تمامية العمل، وهو لا يقتضي الوجوب. (3) وما تقدم في كشف اللثام، من توجيهه: بان له الاحرام بأيهما شاء إذا لم يتعين عليه أحدهما. لا يخلو من منع، فان ثبوت ذلك قبل إنشاء الاحرام لا يقتضي ثبوته بعده. ولذا قلنا: بأن العدول من صلاة إلى أخرى خلاف الاصل، لا يجوز ارتكابه إلا في موارد مخصوصة دل عليها الدليل

===============

( 370 )

[ (مسألة 7): لا تكفي نية واحدة للحج والعمرة (1)، بل لا بد لكل منهما من نيته مستقلا، إذ لكل منهما يحتاج إلى إحرام مستقل، فلو نوى كذلك وجب عليه تجديدها. والقول ] وان جاز قبل الشروع في العمل. هذا وإن المناسب للقول المذكور التفصيل هكذا: أنه إن صح أحدهما دون الآخر اختار ما صح، وإن صحا معا، ولزمه أحدهما دون الآخر اختار ما لزم. وإن تساويا في عدم اللزوم اختار أحدهما، والاولى العدول إلى العمرة. وعبارة المتن قد نقل فيها التفصيل على شكل آخر غير مناسب ثم إنه تقدم من الجواهر: أنه احتمل أن مراد الجماعة بالتخيير التجديد. لكنه بعيد - كما يظهر من ملاحظة عبارة الشرائع - فانه ذكر التجديد مقابل التخيير في المسألة الآتية. وفى هذه المسألة ذكر التخيير مقتصرا عليه، فليس المراد منه إلا التخيير بالمعنى الظاهر له. فلاحظ. (1) قال في الشرائع: (ولو أحرم بالحج والعمرة، وكان في أشهر الحج كان مخيرا بين الحج والعمرة إذا لم يتعين عليه أحدهما. وإن كان في غير أشهر الحج تعين للعمرة. ولو قيل بالبطلان، في الاول ولزوم تجديد النية كان أشبه). وفي القواعد (فالاقرب البطلان، وإن كان في أشهر الحجج). وفى الدروس: (لا يجوز إدخال حج على حج، ولا عمرة على عمرة) ولا نية حجتين ولا عمرتين... (إلى أن قال): ولا نية حجة وعمرة معا، إلا على قول الحسن وابن الجنيد. ولو فعل بطل إحرامه. وفى المبسوط: يتخير ما لم يلزم أحدهما). أقول: بعد ما تحقق، من أن لكل من الحج والعمرة إحراما مستقلا فإذا أحرم ونوى باحرامه الحج والعمرة - بأن كان قصده أن يكون إحرامه

===============

( 371 )

[ بصرفه إلى المتعين منهما إذا تعين عليه أحدهما والتخيير بينهما إذا لم يتعين، وصح منه كل منهما، كما في أشهر الحج (1). لا وجه له. كالقول: بأنه لو كان في أشهر الحج بطل ولزم ] للحج والعمرة معا - فقد نوى ما لم يشرع، فلا يصح. ولا فرق بين أن يكون بحيث يصح منه الاحرام للحج ويصح منه الاحرام للعمرة - كما إذا كان في أشهر الحج - وبين أن لا يصح منه الاحرام للحج وإن كان يصح منه الاحرام للعمرة - كما إذا لم يكن في أشهر الحج - لاطراد المانع في الصورتين، وهو نية غير المشروع عن غير أمر الشارع. فما ذكره في القواعد هو الموافق للقواعد. (1) هذا منسوب إلى الشيخ وجماعة. وقواه في كشف اللثام، لما سبق منه، من أن الاحرام حقيقة واحدة، فإذا وقع على وجه العبادة صح وترتب عليه أثره. وفيه: أنه لو سلم، فذلك إذا كان قد وقع على وجه العبادة، ونيته للحج والعمرة مانعة عن ذلك، إذ الاحرام الذي يترتب عليه الغايتان ليس بمشروع له، فلا مجال للتقرب به. نعم إذا كان قصد الغايتين - على نحو تعدد المطلوب - فلا بأس. لكنه خلاف المفروض. وكذا إذا كان قصدهما لا باعتبار وقوعهما فيه بل باعتبار آخر، مثل: أن يكون العمرة واقعة فيه والحج يترتب عليه في الجملة - ولو لتوقفه عليه - وإن كان يقع في احرام آخر، فان نيتهما معا - بهذا المعنى - لا بأس بها. وعلى ذلك تحمل النصوص المتضمنة لنية الحج والعمرة في إحرام العمرة. ففي صحيح يعقوب بن شعيب: (سألت أبا عبد الله (ع)، فقلت: كيف ترى لي أن أهل؟ فقال: إن شئت سميت وإن شئت لم تسم شيئا. فقت له: كيف تصنع أنت؟ قال: أجمعهما فأقول: لبيك

===============

( 372 )

[ التجديد، وإن كان في غيرها صح عمرة مفردة (1). (مسألة 8): لو نوى كاحرام فلان، فان علم أنه لماذا أحرم صح (2). وإن لم يعلم، فقيل: بالبطلان لعدم التعيين، وقيل: بالصحة لما عن علي (ع) (3). والاقوى ] بحجة وعمرة معا...) (* 1). (1) وهو ظاهر الشرائع. ومثله، القول بالصحة للحج والعمرة - الذي نسبه في الدروس: إلى الحسن وابن الجنيد، وفى المسالك: إلى الاول وجماعة - لما عرفت. نعم في الحدائق: أن الاول يرى أن الحج بعد العمرة يقع في إحرام العمرة لا في احرام آخر. وأنه لا يحل من إحرامها إلا بعد أفعال الحج. وعليه يكون خلافه في المبنى. (2) بلا خلاف ولا إشكال. لوجود المقتضي - من النية، والتعيين - وعدم المانع. كذا في الجواهر. (3) قال في الدروس: (قال - يعني: الشيخ - لو قال: كاحرام فلان، صح. لما روي عن علي (ع) أنه قال: إهلالا كاهلال نبيك). يشير بذلك إلى ما في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) - الوارد في حج النبي صلى الله عليه وآله - وفيه ذكر: (أن عليا (ع) قدم من اليمين على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو بمكة... (إلى أن قال): (وأنت يا علي بما أهلك؟ قال (ع): قلت: يارسول الله إهلالا كاهلال النبي صلى الله عليه وآله: فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: كن على إحرامك مثلي، وأنت شريكي في هديي) (* 2). ونحوه ما في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) (* 3)،


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب الاحرام حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب أقسام الحج حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب أقسام الحج حديث: 14.

===============

( 373 )

ومرسل الفقيه (* 1)، وغيرها. لكن النصوص المذكورة لا تخلو من تدافع - كما أشار إلى ذلك في الحدائق والجواهر وغيرهما - فان المذكور في صحيح الحلبي ومرسل الفقيه: أن النبي صلى الله عليه وآله ساق مائة بدنة، وبعد أن جاء علي (ع) من اليمن وسأل عن إهلاله، فقال: أهلك بما أهل به النبي صلى الله عليه وآله، فشركه في هديه وجعل له سبعا وثلاثين وحينئذ يكون الحكم مختصا به (ع)، لان مجرد نية الاحرام كاحرام النبي - مع أنه (ع) لم يسبق الهدي - لا يستوجب الاشتراك في الهدي. والمذكور في صحيح معاوية وخبر الفضل بن الحسن الطبرسي - في أعلام الورى -: أن النبي صلى الله عليه وآله ساق الهدي، ستا وستين أو أربعا وستين بدنة. وأن عليا (ع) جاء بأربع وثلاثين، أو ست وثلاثين (* 2). ومقتضاه أنه لم يكن إجمال في نية إحرام أمير المؤمنين (ع) وإنما كان ناويا للقران وساق الهدي كما نواه رسول الله صلى الله عليه وآله وساق الهدي فلا يكون مما نحن فيه. وأيضا فان المستفاد من النصوص: أن المتعة شرعت في حجة الوداع بعد وصول النبي صلى الله عليه وآله إلى مكة، ولم يكن قبل ذلك إلا تشريع الحج. والمسلمون حسين أحرم النبي صلى الله عليه وآله من الميقات كلهم أحرموا للحج كما أحرم النبي صلى الله عليه وآله، ولا فرق بينهم وبينه في الاحرام، وإنما كان الفرق في سياق الهدي، وهو أمر خارج عن النية وعلي (ع) إنما أحرم للحج كما أحرم غيره، ولا إجمال فيما نواه. بل إن كان قد ساق الهدي - كما في بعض الروايات - كان حجه قرانا، وإلا كان إفرادا. وحينئذ يكون


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب أقسام الحج ملحق الحديث: 14، حديث: 25. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب أقسام الحج حديث: 32.

===============

( 374 )

[ الصحة، لانه نوع تعيين. نعم لو لم يحرم فلان، أو بقي على الاشتباه فالظاهر البطلان (1). وقد يقال: إنه في صورة الاشتباه يتمتع (2) ولا وجه له. إلا إذا كان في مقام يصح له العدول إلى التمتع. (مسألة 9): لو وجب عليه نوع من الحج أو العمرة فنوى غيره بطل (3). ] المقصود، من قوله (ع): (كاهلالك) أنه إهلال بالحج. ولعله في مقابلة إهلال الجاهلية، فالاستدلال بالنصوص على ما نحن فيه غير ظاهر. وقد عرفت فيما سبق أنه لا قصور في النية في فرض المسألة. بل الصحة فيها أظهر منها فيه، لتحقق التعين حال النية في الفرض دون ما سبق. ومن العجيب ما في الجواهر هنا من أن الاقوى البطلان. كيف؟! ولعل أكثر السواد على هذا النهج من النية، فانهم يحرمون كما يحرم غيرهم ممن يعرفونه بالمعرفة والتفقه. (1) أما في الصورة الاولى فظاهر، لانتفاء الموضوع. وأما في الصورة الثانية فغير ظاهر. إلا بناء على ما عرفت في الناسي. (2) حكاه في الشرائع قولا، ونسبه في الجواهر إلى الشيخ. قال في محكي الخلاف: (إذا أحرم كاحرام فلان، وتعين له ما أحرم به عمل عليه. وإن لم يعلم حج متمتعا). وفيه - كما في الجواهر -: أن العدول إنما يسوغ في حج الافراد خاصة إذا لم يكن متعينا عليه. ومن ذلك يظهر الوجه فيما ذكر في المتن. (3) لفوات النية.

===============

( 375 )

[ (مسألة 10): لو نوى نوعا ونطق بغيره كان المدار على ما نوى دون ما نطق (1). (مسألة 11): لو كان في أثناء نوع وشك في أنه نواه أو نوى غيره بنى على أنه نواه (2). (مسألة 12): يستفاد من جملة من الاخبار استحباب التلفظ بالنية (3)، ] (1) كما في القواعد وغيرها. إذ لا اعتبار بالنطق، وإنما الاعتبار بالنية. وقد يستشهد له بخبر علي بن جعفر (ع) عن أخيه موسى (ع) قال: (سألته عن رجل أحرم قبل التروية، فأراد الاحرام بالحج يوم التروية فأخطأ فذكر العمرة. قال (ع): ليس عليه شئ، فليعقد الاحرام بالحج) (* 1). لكن ظاهره نية العمرة غلطا، لا التلفظ بالعمرة والنية غلطا - أيضا - لا أثر لها كاللفظ، لان التأثير في الفعل إنما يكون للداعي النفسي، لا للنية غلطا، فيكون المدار عليه لا عليها. (2) قد تقدم - في بعض مباحث نية الصلاة - الاشكال في ذلك، وأن قاعدة التجاوز أو الصحة إنما تجري مع الشك في تحقق ماله دخل في تماميه المعنون بعد إحراز عنوانه. والنية لما كانت بها قوام العنوان فمع الشك فيها يكون الشك في العنوان لا في المعنون. فراجع ذلك المبحث، وتأمل. (3) يعني: بالمنوي. ذكره جماعة من الاصحاب، كما في الحدائق. وفى الجواهر: (صرح به غير واحد...). ويشير بالاخبار المذكورة إلى صحيح حماد بن عثمان المتقدم في المسألة الرابعة (* 2). ونحوه خبر أبي


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب الاحرام حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 17 من أبواب احرام حديث: 1.

===============

( 376 )

الصلاح مولى بسام الصيرفي، قال: (أردت الاحرام بالمتعة، فقلت لابي عبد الله (ع): كيف أقول؟ قال: تقول: اللهم إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج، على كتابك وسنة نبيك وإن شئت أضمرت الذي تريد) (* 1)، وصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): (قال: إذا أردت الاحرام بالتمتع، فقل: اللهم إني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج، فيسر ذلك لي، وتقبله مني، وأعني عليه، وحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. أحرم لك شعري، وبشري من النساء، والطيب، والثياب) (* 2). وظاهر هذه النصوص استحباب التلفظ بالمنوي في غير التلبية. قال في المدارك: (والافضل أن يذكر - في تلبية عمرة التمتع - الحج والعمرة معا، على معنى: أنه ينوي فعل العمرة - أولا - ثم الحج بعدها، باعتبار دخولها في حج التمتع. لقوله في صحيحة الحلبي: إن أمير المؤمنين (ع) كان يقول فيها: لبيك بحجة وعمرة معا، لبيك) (* 3) وهو في محله. وما في بعض النصوص من أنه يهل بالحج، محمول على ذلك قطعا. هذا وفى المنتهى: (لو اتقى كان الافضل الاضمار. وروى الشيخ - في الصحيح - عن أبان بن تغلب قال: (قلت لابي عبد الله (ع): بأي شئ أهل؟ فقال (ع): لا تسم حجا ولا عمرة، وأضمر في نفسك المتعة. فان أدركت كنت متمتعا، وإلا كنت حاجا) (* 4).


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب الاحرام حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 16 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 21 من أبواب الاحرام حديث: 7. (* 4) الوسائل باب: 21 من أبواب الاحرام حديث: 4.

===============

( 377 )

[ والظاهر تحققه بأي لفظ كان (1). والاولى أن يكون بما في صحيحة ابن عمار (2)، وهو أن يقول: " اللهم إني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج، على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله، فيسر ذلك لي، وتقبله مني، وأعني عليه. فان عرض شئ يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. اللهم إن لم تكن حجة فعمرة، أحرم لك شعري، وبشري، ولحمي، ودمي، وعظامي، ومخي، وعصبي من النساء والطيب، أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة ". ] وعن منصور بن حازم قال: (أمرنا أبو عبد الله (ع) أن نلبي، ولا نسمي شيئا. وقال: أصحاب الاضمار أحب إلي) (* 1). وعن اسحاق بن عمار قال: (سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (ع) قال: الاضمار أحب إلي، ولم يسم) (* 2). وإنما قلنا: أن ذلك على سبيل التقية جمعا بين الاخبار). ولا بأس به، كما في المدارك. (1) لان اختلاف النصوص في اللفظ يدل على عدم خصوصية في لفظ بعينه. (2) روى في الفقيه: عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنه قال: (لا يكون إحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة... (إلى أن قال): فإذا انفتلت من الصلاة فاحمد الله عزوجل واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله، وتقول: اللهم إني اسألك أن تجعلني ممن استجاب لك، وآمن بوعدك، واتبع أمرك... (إلى أن قال):


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب الاحرام حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب الاحرام حديث: 6.

===============

( 378 )

[ (مسألة 13): يستحب أن يشترط - عند إحرامه - على الله أن يحله إذا عرض مانع من إتمام نسكه من حج أو عمرة، وأن يتمم إحرامه عمرة إذا كان للحج ولم يمكنه الاتيان، كما يظهر من جملة من الاخبار (1). واختلفوا في ] اللهم تمم لي حجي. اللهم إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج، على كتابك وسنة نبيك صلواتك عليه وآله، فان عرض لي عارض (* 1)...) (* 2) إلى آخر ما في المتن. كذا فيما يحضرني من نسخة الفقيه وغيرها. ثم إن تخصيص الاولوية بصحيحة معاوية غير ظاهر. فاللازم إطلاق الاولوية بالنسبة إليها وإلى ما في صحيح ابن سنان (* 3) وغيرها، من دون اختصاص بواحد منها. (1) وفى الجواهر: (بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، نصا وفتوى. نعم أنكره جماعة من العامة)، وفى المدارك والحدائق: (استحباب ذلك مما أجمع عليه أصحابنا وأكثر العامة). والمراد من الاخبار في المتن: صحيح عبد الله بن سنان، وصحيح معاوية بن عمار المتقدمان (* 4)، وخبر


____________
(* 1) كما في الفقيه الجزء 2 الصفحة 206 طبع النجف الاشرف. وفي الكافي والتهذيب: " فان عرض لي شئ ". الكافي الجزء 4 الصفحة 331 طبع ايران الحديثة، التهذيب الجزء 5 الصفحة 77 طبع النجف الاشرف. (* 2) الوسائل باب: 16 من أبواب الاحرام حديث: 1. وأما ما أسنده إلى معاوية بن عمار في المتن فلم نعثر له على رواية كذلك. نعم إلى قوله: " وأعني عليه " موافق لصحيح ابن سنان المتقدم ذكره قريبا. فلاحظ. (* 3) الوسائل باب: 16 من أبواب الاحرام حديث: 2. وقد تقدم ذكره قريبا. (* 4) الوسائل باب: 16 من أبواب الاحرام حديث: 2، 1. وقد تقدم ذكر رواية ابن سنان في المسألة المتقدمة ورواية معاوية في التعليقة السابقة.

===============

( 379 )

[ فائدة هذا الاشتراط، فقيل: إنها سقوط الهدي (1). ] أبي الصباح الكناني قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يشترط في الحج، كيف يشترط؟ قال: يقول حين يريد أن يحرم: أن حلني حيث حسبتني، فان حبستني فهي عمرة...) (* 1)، وخبر الفضيل ابن يسار عن أبي عبد الله (ع): (قال: المعتمر عمرة مفردة يشترط على ربه أن يحله حيث حبسه، ومفرد الحج يشترط على ربه إن لم تكن حجة فعمرة) (* 2)، وخبر حنان بن سدير قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا أتيت مسجد الشجرة... (إلى أن قال): ثم تقول: اللهم إني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج، فان أصابني قدرك فحلني حيث حسبتني بقدرك...) (* 3)، وغير ذلك من النصوص. (1) حكي ذلك في كشف اللثام، عن الانتصار، والسرائر، والجامع، وحصر التحرير، والمنتهى، والتذكرة، وغيرها. واستدل - في الاول - عليه: بالاجماع. وبأنه لا فائدة له سواء. وبصحيح ذريح المحاربي عن أبي عبد الله (ع) قال: (سألته عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج، وأحصر بعدما أحرم، كيف يصنع؟ قال: فقال: أو ما اشترط على ربه - قبل أن يحرم - أن يحله من إحرامه عند عارض عرض له من أمر الله تعالى؟ فقلت: بلى، قد اشترط ذلك. قال: فليرجع إلى أهله حلا لا إحرام عليه. إن الله أحق من وفى بما اشترط عليه. قلت: أفعليه الحج من قابل؟ قال: لا) (* 4)، وصحيح محمد بن أبي نصر قال:


____________
(* 1) الوسائل باب: 23 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 23 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 23 من أبواب الاحرام حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 24 من أبواب الاحرام حديث: 3.

===============

( 380 )

[ وقيل: إنها تعجيل التحلل، وعدم انتظار بلوغ الهدي محله (1). ] وسألت أبا الحسن (ع) عن محرم انكسرت ساقه، أي شئ تكون حاله وأي شئ عليه؟ قال (ع): هو حلال من كل شئ. قلت: من النساء والثياب والطيب؟ فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم: وقال: أو ما بلغك قول أبي عبد الله (ع): حلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي؟ قلت: أخبرني عن المحصور والمصدود هما سواء؟ فقال: لا...) (* 1). فان الصحيحين وإن لم يتعرض فيهما لنفي الهدي صريحا، لكن السكوت فيهما عن الهدي ظاهر في سقوطه. واحتمال أن يكون ترك بيان وجوب الهدي اتكالا على الآية وغيرها - كما في الجواهر - غير ظاهر، فان مورد الصحيحين أخص من مورد الآية، وظاهر الآية: أن وجوب الهدي من جهة التحلل، فإذا حصل بالشرط لم يكن له فائدة (* 2). وأيضا فان البناء على كون الفائدة التعجيل يوجب تصرفا في الآية، وليس هو أولى من التصرف فيها، بحمل الهدي على غير صورة الاشتراط. (1) ولا يسقط الهدي، كما عن المبسوط والخلاف والمهذب في المحصور، والوسيلة في المصدود، وعن التذكرة والتحرير والمنتهى والنافع. واختاره في الشرائع والجواهر، واستشهد له بصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -: (إن الحسين بن علي (ع) خرج معتمرا فمرض في الطريق، فبلغ عليا ذلك وهو بالمدينة، فخرج في طلبه فأدركه في السقيا، وهو مريض بها. فقال: يا بني ما تشتكي؟ فقال: اشتكى رأسي، فدعا علي (ع) ببدنة فنحرها، وحلق رأسه، ورده إلى


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاحصار حديث: 4. (* 2) المراد بها: قوله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) - البقرة: 196 -.

===============

( 381 )

المدينة) فلما برأ من وجعه اعتمر...) (* 1). بناء على أنه (ع) قد اشترط، لانه مستحب فلا يتركه. وبخبر عبد الله بن عامر، الذي رواه في كشف اللثام عن جامع بن سعيد، عن كتاب المشيخة لابن محبوب، عن الصادق (ع): (في رجل خرج معتمرا، فاعتل في بعض الطريق وهو محرم. قال (ع): ينحر بدنة، ويحلق رأسه، ويرجع إلى رحله، ولا يقرب النساء. فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما، فإذا برأ من وجعه اعتمر إن كان لم يشترط على ربه في إحرامه. وان كان قد اشترط فليس عليه أن يعتمر...) (* 2). لكن الخبر الاخير غير ظاهر الصحة، وقد تفرد بروايته ابن سعيد ولم يعمل به. فانه نسب إليه القول الاول. والاول غير واضح الدلالة على ما نحن فيه. ومجرد الاستحباب لا يقتضي تحقق الاشتراط، لامكان وجود المانع. مع أن في صحيح رفاعة عن أبي عبد الله (ع) قال: (خرج الحسين (ع) معتمرا - وقد ساق بدنة - حتى انتهى إلى السقيا فبرسم، فحلق شعر رأسه، ونحرها مكانه. ثم أقبل حتى جاء فضرب الباب، فقال علي (ع): ابني ورب الكعبة، افتحوا له الباب. وكان قد حموه الماء، فأكب عليه فشرب، ثم اعتمر بعد) (* 3). إذ حينئذ يكون خارجا عما نحن فيه، ففي المدارك: أن موضع الخلاف من لم يسق الهدي أما السائق فقال فخر المحققين (ره): إنه لا يسقط عنه باجماع الامة. وفى صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع)، ورفاعة عن أبي عبد الله (ع)


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب الاحصار والصد حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاحصار والصد حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب الاحصار والصد حديث: 2.

===============

( 382 )

أنهما قالا: (القارن يحصر، وقد قال واشترط: فحلني حيث حبستني. قال: يبعث بهديه. قلنا: هل يتمتع في قابل؟ قال لا، ولكن يدخل في مثل ما خرج منه) (* 1). اللهم إلا أن يكون مورده واقعة أخرى غير مورد صحيح معاوية، للاختلاف الواقع بن مضمونيهما، كما هو ظاهر. فالعمدة الاشكال الاول. مضافا إلى أن ظاهره أنه (ع) نحر البدنة في مكانه - وهي سقيا بني غفار - لا أنه أرسله إلى مكة وانتظر وصول الهدي إلى مكه، وبينه وبينها مسافة أربعة أيام أو أكثر، فانه أحد المنازل بين المدينة إلى مكه فمنه إلى الابواء، ومنه إلى الجحفه، ومنه إلى قديد، ومنه إلى عسفان، ومنه إلى بطن مر، ومنه إلى مكة. فان ذلك بعيد جدا عن سوق الرواية، لو لم يكن مقطوعا بخلافه، كما اعترف في الجواهر. فلو كانت الرواية فيما نحن فيه تعين البناء على تعجيل الاحلال بتعجيل نحر الهدي والاحلال بعده، لا التعجيل بالمعنى الذي ذكروه، فانه خلاف ظاهر الرواية جدا. لكن عرفت الاشكال في كون الرواية فيما نحن فيه. وعليه لا مانع من الاخذ بظاهر الصحيحين السابقين في سقوط الهدي، لسكوتهما عنه (* 2). بل ظهور الشرط في ذلك، فان مضمونه فسخ الاحرام وجعله كأن لم يكن، فلا يكون مقتضى للهدي كي يجب. ومنه يشكل ما في الجواهر، من أنه قد يقال: بأن المراد بالشرط


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب الاحصار والصد حديث: 1. (* 2) المراد بالصحيحين: هما صحيح ذريح المحاربي، وصحيح محمد بن أبي نصر، المتقدمين قريبا لاحظ الوسائل باب: 24 من ابواب الاحرام حديث: 3، باب: 1 من أبواب الاحصار والصد حديث: 4.

===============

( 383 )

[ وقيل: سقوط الحج من قابل (1). ] التحلل من احرامه بمحلله الشرعي، لا أنه يثبت به تحليل خاص لا يحتاج معه إلى الهدي ولا غيره. انتهى. كيف وهو خلاف ظاهر الشرط؟ وخلاف قوله (ع): (إن الله أحق من وفى بما اشترط عليه) (* 1)؟ وحمله على التعجيل بالمعنى المذكور بعيد جدا. وإن شئت قلت: ظاهر الآية الشريفة: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله...) (* 2) انحصار المحلل بالهدي ووجوب الانتظار، فان كانت فائدة الشرط التعجيل كان التصرف في إطلاقها من حيث وجوب الانتظار، وان كانت فائدة الشرط التحلل كان التصرف في اطلاقها من حيث لزوم الهدي. والتصرف الاول ليس أولى من الثاني، فيسقط الاطلاق من الجهتين، ومقتضى أصل البراءة عدم وجوب الهدي. (1) حكي ذلك عن الشيخ (ره) في التهذيب. واستدل عليه بصحيح ضريس بن أعين قال: (سألت أبا جعفر (ع) عن رجل خرج متمتعا بالعمرة إلى الحج، فلم يبلغ مكة إلا يوم النحر. فقال (ع): يقيم على إحرامه، ويقطع التلبية حين يدخل مكة، فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق رأسه، وينصرف إلى أهله إن شاء. وقال: هذا لمن اشترط على ربه عند إحرامه. فان لم يكن اشترط فان عليه الحج من قابل) (* 3). وأشكل عليه: بأن الحج الفائت إن كان واجبا لم يسقط فرضه في العام القابل بمجرد الاشتراط. وفى الجواهر: (بلا خلاف أجده


____________
(* 1) هذا بعض ما جاء في صحيح ذريح المحاربي، المتقدم ذكره قريبا. (* 2): البقرة: 196. (* 3) الوسائل باب: 27 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث: 2.

===============

( 384 )

[ وقيل: إن فائدته إدراك الثواب (1)، فهو مستحب تعبدي وهذا هو الاظهر. ويدل عليه قوله (ع) في بعض الاخبار (2): ] فيه، كما اعترف به في محكي المنتهى). وإن لم يكن واجبا لم يجب بترك الاشتراط، والظاهر أنه لا خلاف فيه أيضا. وعليه فالصحيح غير معمول به، ولا معمول عليه. على أن مورده خاص بالمتمتع الذي لم يدرك الموقفين فلا وجه للتعدي منه إلى ما نحن فيه. (1) نسبه في المدارك إلى الشهيد الثاني في جملة من مصنفاته. قال في المسالك - بعد ذكر الاقوال في فائدة الشرط -: (وكل واحد من هذه الفوائد لا يأتي على جميع الافراد التي يستحب فيها الاشتراط. أما سقوط الهدي فمخصوص بغير السائق، إذ لو كان قد ساق هديا لم يسقط. وأما تعجيل التحلل فمخصوص بالمحصور دون المصدود - فانه يجوز له التعجيل من غير شرط اتفاقا، كما تقدم في كلامه -. وأما كلام التهذيب فمخصوص بالمتمتع. وظاهر أن ثبوت التحلل بالاصل، والعارض لا مدخل له في شئ من الاحكام. واستحباب الاشتراط ثابت لجميع أفراد الحاج. ومن الجائز كونه - تعبدا، أو ادعاء - مأمور به يترتب على فعله الثواب). وفى الجواهر: (ربما كان ذلك ظاهر المبسوط والخلاف والمهذب). (2) يشير بذلك إلى مصحح زرارة عن أبي عبد الله (ع): (هو حل إذا حبسه، اشترط أو لم يشترط) (* 1)، وخبر حمزة بن حمران قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الذي يقول: حلني حيث حبستني. قال (ع): هو حل حيث حبسه، قال أو لم يقل) (* 2). ورواه الصدوق باسناده عن


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 25 من أبواب الاحرام حديث: 2.

===============

( 385 )

حمران بن اعين (* 1). لكن الروايتين لا تنافيان ما سبق، لجواز الفرق من جهة زائدة على أصل الحل، فالتمسك بهما لنفي الفرق أصلا غير ظاهر في مقابل ما عرفت من النصوص. مضافا إلى أن الضمير في قوله (ع): (هو حل...) لا يعرف مرجعه، فالتمسك به في جميع الصور غير ظاهر. وأما ما أشار إليه في المسالك، من أن استحباب الشرط عام والفائدة غير عامة، فلا بد أن يكون الشرط لغير تلك الفوائد المذكورة. ففيه أيضا: أنه وإن كان صحيحا في الجملة، لكنه لا يصلح لنفي الفائدة بالمرة بعد دلالة النصوص عليها. ووجوب الهدي للسائق لا يدل على عدم الفائدة للشرط فيه، لا مكان أن يكون الوجوب من جهة تعين الهدي للذبح أو النحر، لا لعدم التحلل بالشرط، بل يتحلل قبل ذبح الهدي. فلا تختص الفائدة - على القول الاول - بمورد دون مورد. وهذا مما يعضد أدلة القول الاول. ومثله في الاشكال ما عن فخر المحققين، من أن الفائدة: هي أن التحليل بالشرط أصلي، وبغيره عرضي من جهة العذر. وفيه: أن ذلك يتوقف على أن طروء المانع مع عدم الشرط موجب للتحلل فعلا من دون حاجة إلى الهدي، وهو غير ظاهر. بل خلاف ظاهر الآية الشريفة الواردة في المحصور، المتضمنة الانتظار في التحلل أن يبلغ الهدي محله (* 2). فمع الشرط يجوز التحلل فورا، فتكون فائدته تحليل ما لم يحل لولاه. نعم عرفت الاتفاق على التحلل فورا في المصدود، فتكون فائدة الشرط سقوط الهدي، لان الشرط يوجب انفساخ الاحرام وفرضه بمنزلة عدمه، فلا


____________
(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب الاحرام حديث: 4. (* 2) المراد بالآية: قوله تعالى: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) - البقرة: 196 -.

===============

( 386 )

[ " هو حل حيث حبسه، اشتراط أو لم يشترط ". والظاهر عدم كفاية النية في حصول الاشتراط. بل لا بد من التلفظ (1). لكن يكفي كلما أفاد هذا المعنى، فلا يعتبر فيه لفظ مخصوص (2) وان كان الاولى التعيين مما في الاخبار. الثاني: من واجبات الاحرام: التلبيات الاربع (3). ] موجب للهدي. بخلاف ما لو لم يشترط، فان تحلله يكون بالهدي في مكانه. والمتحصل. أن حكم المحصور عدم التحلل إلا بعد وصول الهدي إلى محله إذا لم يكن قد اشترط. فان كان قد اشترط كان حكمه انفساخ الاحرام، فيتحلل بلا هدي. وحكم المصدود - إذا لم يشترط -: أن يتحلل بذبح الهدي أو نحره من مكان الصد، فإذا اشترط كان حكمه انفساخ الاحرام بمجرد الصد، ولا حاجة إلى الهدي. فهذا هو الفرق بين الشرط وعدمه، لا ما ذكره (قدس سره). (1) الظاهر أن المراد من النية: الالتزام النفساني بمضمون الشرط فلا يترتب عليه الاثر - لانصراف الادلة عنه - ما لم يكن معه إنشاء لفظي كما هو الحكم في الانشائيات العرفية، فان الالتزامات النفسانية ما لم يكن لها مظهر - من قول أو فعل - ليست موضوعا للتأثير، ولا يترتب عليها الاثر. وأما النية بمعنى: نية الاشتراط فلا تحتمل إرادتها في كلام المصنف ولا موضوعيتها لاثر شرعى. (2) كما يقتضي ذلك إطلاق الادلة، مثل ما تقدم في صحيح ذريح (* 1) (3) الوجوب - في الجملة - من القطعيات، المدعى عليها الاجماع.


____________
(* 1) الوسائل باب: 24 من أبواب الاحرام حديث: 3. وقد تقدم ذلك في صفحة: 379.

===============

( 387 )

[ والقول بوجوب الخمس (1)، أو الست (2) ضعيف. بل ادعى جماعة الاجماع على عدم وجوب الازيد من الاربع. واختلفوا في صورتها على أقوال: أحدها: أن يقول: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك " (3). ] وفى الجواهر: (الاجماع بقسميه عليه). نعم يقع الكلام تارة: في وجوبها تكليفا، وأخرى: في وجوبها وضعا، بمعنى: عدم انعقاد الاحرام إلا بها. وسيأتي الكلام في ذلك في المسألة الخامسة عشرة. (1) قال في محكي الاقتصاد: (يلبي فرضا واجبا فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك بحجة أو عمرة أو بحجة مفردة تمامها عليك، لبيك. وإن أضاف إلى ذلك الفاظا مروية من التلبيات كان أفضل). قال في كشف اللثام - بعد نقل ذلك -: (ولم يقل به أحد، وفى التذكره: الاجماع على العدم، وفى المنتهى: إجماع أهل العلم عليه...). (2) حكي عن المهذب البارع: حكايته عن بعض. وفى الجواهر: (لم نتحققه...). (3) كما في الشرائع، وعن النافع، وعن جملة من نسخ المقنعة، وعن التحرير والمنتهى، واختاره السيد في المدارك وكاشف اللثام وغيرهم. ويشهد له صحيح معاوية بن عمار - الآتي عن أبي عبد الله (ع) (* 1) فانه - بعد ما ذكر ما في المتن إلى قوله (ع): (يا كريم لبيك) - قال:


____________
(* 1) يأتي ذلك في الامر الرابع من واجبات الاحرام.

===============

( 388 )

[ الثاني: أن يقول - بعد العبارة المذكورة -: " إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " (1) الثالث: أن يقول: " لبيك اللهم لبيك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك " (2). ] (تقول ذلك في دبر كل صلاة... (إلى أن قال) (ع): واعلم أنه لا بد من التلبيات الاربع التي كن في أول الكلام، وهي الفريضة، وهي التوحيد، وبها لبى المرسلون...) (* 1). والظاهر من التلبيات الاربع - التي كن أول الكلام - ما يتم بلفظ (لبيك) الرابع. (1) حكي ذلك عن الفقيه، والمقنع، والهداية، والامالي، والمراسم لما في صحيح عاصم بن حميد قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما انتهى إلى البيداء - حيث الميل - قربت له ناقة فركبها فلما انبعثت به لبى بالاربع، فقال: لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك. ثم قال: هاهنا يخسف بالاخابث. ثم قال: إن الناس زادوا بعد، وهو حسن) (* 2) وخبر شرائع الدين، الذي رواه الصدوق في الخصال عن الاعمش، عن الصادق (ع) (وفرائض الحج: الاحرام، والتلبيات الاربع، وهي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) (* 3) (2) كما عن جمل السيد، وشرحه، والمبسوط، والسرائر، والكافي والغنية، والوسيلة، والمهذب.


____________
(* 1) الوسائل باب: 40 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 36 من أبواب الاحرام حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 2 من أبواب أقسام الحج حديث: 29.

===============

( 389 )

[ الرابع: كالثالث، إلا أنه يقول: " إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك، لبيك " (1) بتقديم لفظ: والملك على لفظ: لك. والاقوى هو القول الاول - كما هو صريح (2) صحيحة معاوية بن عمار (* 1) - والزوائد مستحبة. والاولى التكرار، بالاتيان بكل من الصور المذكورة. بل يستحب ] (1) اختاره في القواعد، وحكي عن جامع ابن سعيد. الخامس: ما عن النهاية والاصباح، من ذكر: (لك) قبل: (الملك) وبعده جميعا (2) الصراحة غير ظاهرة، لاحتمال أن يكون المراد من التلبيات الاربع: ما قبل الخامسة، بأن تكون التلبيات الاربع من قبيل العلم لذلك كما أن ما بينها داخل في مفهومها. نعم دعوى الظهور في محلها. لكن الجمع بينه وبين صحيح عاصم بن حميد يقتضي الحمل على ذلك. اللهم إلا أن يقال: المذكور في صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع): (قال إذا أحرمت من مسجد الشجرة، فان كنت ماشيا لبيت من مكانك من المسجد تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، لبيك ذا المعارج لبيك، لبيك بحجة تمامها عليك. وأجهر بها...) (* 2)، فان خلوه من الزيادة المذكورة دليل على عدم لزومها. وحينئذ يتعين حمل ما في صحيح عاصم على الاستحباب، وتكون حكاية الامام (ع) ذلك من باب حكاية ما هو أفضل وأرجح. وأما القول الثالث والرابع والخامس فلم يعرف لها شاهد.


____________
(* 1) الوسائل باب: 40 من أبواب الاحرام حديث: 2. وقد تقدم ذكر الرواية في الصورة الاولى من صور التلبية. (* 2) الوسائل باب: 40 من أبواب الاحرام حديث: 4.

===============

( 390 )

[ أن يقول - كما في صحيحة معاوية بن عمار -: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك ذا المعارج لبيك، لبيك داعيا إلى دار السلام، لبيك غفار الذنوب لبيك، لبيك أهل التلبية لبيك، لبيك ذا الجلال والاكرام، لبيك مرهوبا ومرغوبا إليك لبيك، لبيك تبدأ والمعاد اليك، لبيك كشاف الكروب العظام لبيك، لبيك عبدك ابن عبديك لبيك، لبيك يا كريم لبيك ". ] وفى الجواهر: (وأما القول الثالث - على كثرة القائل به، بل في الدروس: إنه أتم الصور، وإن كان الاول مجزيا، والاضافة إليه أحسن - فلم أظفر له بخبر - كما اعترف به غير واحد - لا من الصحيح، ولا من غيره، في الكتب الاربعة ولا في غيرها، لا بتقدم. (لك) على (الملك). ولا تأخيره، ولا ذكر مرتين قبله وبعده...) ونحوه ما في المدارك وكشف اللثام وغيرهما. نعم ورد في بعض الروايات صور أخرى مثل ما في خبر يوسف بن محمد بن زياد وعلى بن محمد بن يسار، عن أبويهما عن الحسن العسكري (ع)، عن آبائه (ع)، عن أمير المؤمنين (ع)، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله.. (إلى أن قال): فنادى ربنا عزوجل: يا أمة محمد، فأجابوا كلهم، وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم: لبيك اللهم، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك) (* 1). ونحوه مرسل الصدوق عن أمير المؤمنين (ع) قال: (جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إن التلبية شعار المحرم،


____________
(* 1) الوسائل باب: 40 من أبواب الاحرام حديث: 5.

===============

( 391 )

[ (مسألة 14): اللازم الاتيان بها على الوجه الصحيح بمراعاة أداء الكلمات على قواعد العربية (1). فلا يجزئ الملحون مع التمكن من الصحيح، بالتلقين، أو التصحيح. ومع عدم تمكنه فالاحوط الجمع بينه وبين الاستنابة (2). ] فارفع صوتك بالتلبية: لبيك اللهم لبيك...) (* 1) إلى آخر ما في الخبر. ومثل ما في صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): (قال: لما لبى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لبيك الله لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك ذا المعارج. وكان صلى الله عليه وآله يكثر من ذي المعارج...) (* 2). ومتن هذا الصحيح كمتن صحيح معاوية المتقدم (* 3)، غير أنه خال عن الجملة الاخيرة التي بها قوام الاستدلال للقول الاول. (1) قال في التذكرة ومحكي المنتهى: (لا تجوز التلبية إلا بالعربية مع القدرة، خلافا لابي حنيفة). وظاهره أنه لا خلاف فيه منا. لانه المفهوم من الادلة، والملحون - مادة أو هيئة - خارج عنه. (2) فان مقتضى قاعدة الميسور الاجتزاء بالملحون. ومقتضى خبر زرارة: (إن رجلا قدم حاجا لا يحسن أن يلبي، فاستفتي له أبو عبد الله (ع) فأمر له أن يلبي عنه) (* 4) لزوم الاستنابة عنه. لكن القاعدة لا تعارض الخبر. ودعوى: أنه حكاية حال كما ترى، فانه حكاية قول في مورد


____________
(* 1) الوسائل باب: 37 من أبواب الاحرام حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب أقسام الحج حديث: 15. (* 3) الوسائل باب: 40 من أبواب الاحرام حديث: 2. وقد تقدم ذلك في الصورة الاولى من صور التلبية. (* 4) الوسائل باب: 39 من أبواب الاحرام حديث: 2.

===============

( 392 )

[ وكذا لا تجزئ الترجمة مع التمكن (1)، ومع عدمه فالاحوط الجمع بينهما وبين الاستنابة (2). والاخرس يشير إليها باصبعه مع تحريك لسانه (3). والاولى أن يجمع بينها وبين الاستنابة ] الجواب عن السؤال، كغيره من الاخبار الواردة هذا المورد. نعم هو غير ثابت الصحة، والاعتماد عليه غير ظاهر. والقاعدة وان لم تكن عليها حجة لكنها معتضدة برواية الاخرس، بضميمة الاولوية. (1) لانها غير المأمور به. (2) لما عرفت، من قاعدة الميسور، وخبر زرارة. (3) كما صرح بذلك أكثر الاصحاب. ويقتضيه خبر السكوني عن أبي عبد الله (ع) (إن عليا (ع) قال: تلبية الاخرس، وتشهده، وقراءته القرآن في الصلاة: تحريك لسانه، وإشارته باصبعه) (* 1). وفى الشرائع قال: (مع عقد قلبه بها...). ولم يذكره الاكثر، ولا ذكر في الخبر ولعله لا ستفادته من الامر بالاشارة بالاصبع، لانها لا تحقق إلا بذلك. ومن الامر بتحريك لسانه، إذ المراد منه تحريكه بعنوان الحكاية عما يحكيه لفظ التلبية لا مجرد التحريك. وظاهر المحكي عن أبي على لزوم الجمع. قال: (يجزيه تحريك لسانه مع عقده إياها بقلبه). ثم قال: ويلبي عن الصبي، والاخرس، وعن المغمى عليه...). ولعل مراده من الاخرس - في كلامه الاخير - الابكم الذي لا يعرفها، ولا تمكنه الاشارة، ولا عقد قلبه إياها. إلا فهو خلاف ظاهر خبر السكوني، المعول عليه عندهم هنا وفى الصلاة. فلاحظ.


____________
(* 1) الوسائل باب: 39 من أبواب الاحرام حديث: 1.

===============

( 393 )

[ ويلبى عن الصبي غير المميز، وعن المغمى عليه (1). وفي قوله: " إن الحمد... " يصح أن يقرأ بكسر الهمزة، وفتحها (2). والاولى الاول. و (لبيك) مصدر منصوب بفعل مقدر (3)، أي: ألب لك البابا بعد إلباب. أو لبا ] (1) بلا إشكال ظاهر في الاول. ويقتضيه فيهما خبر زرارة المتقدم لكن عرفت الاشكال في صحة الاعتماد عليه. مع أن عمومه لهما محل تأمل أو منع. ويقتضيه في الصبي صحيح زرارة عن أحدهما (ع) قال: (إذا حج الرجل بابنه وهو صغير، فانه يأمره أن يلبي ويفرض الحج. فان لم يحسن أن يلبي لبوا عنه...) (* 1). وقريب منه غيره. وقد تقدم - في المسألة الخامسة من فصل أحكام المواقيت - ما هو مناف لما هنا في الاول. فراجع. (2) قال في المدارك: (فائدة: يجوز كسر الهمزة في: (إن الحمد) وفتحها. وحكى العلامة في المنتهى، عن بعض أهل العربية أنه قال: من قال: (أن) - بفتحها - فقد خص، ومن قال بالكسر فقد عم: وهو واضح، لان الكسر يقتضي تعميم التلبية وانشاء الحمد مطلقا والفتح يقتضي تخصيص التلبية، أي: لبيك بسبب أن الحمد لك). ونحوه كلام غيره، ممن تقدم عليه، أو تأخر عنه. (3) قال سيبويه: (انتصب (لبيك) على الفعل، كما انتصب سبحان الله). وفى الصحاح: (نصب على المصدر، كقولك: (حمدا لله وشكرا) وكان حقه أن يقال: لبا لك...).


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب أقسام الحج حديث: 5.

===============

( 394 )

[ بعد لب، أي: إقامة بعد إقامة، من لب بالمكان - أو الب - أي: أنام. والاولى كونه من لب (2). وعلى هذا، فأصله (لبين لك)، فحذ اللام، وأضيف إلى الكاف، فحذف النون. وحاصل معناه: إجابتين لك (3). وربما يحتمل أن يكون من (لب)، بمعنى: واجه (4)، يقال، " داري تلب دارك "، أي: تواجهها. فمعناه: مواجهتي وقصدي لك. وأما احتمال كونه من (لب الشئ) أي: خالصه، فيكون بمعنى إخلاصي لك فبعيد (5). كما ] (1) حكي بعض عن الخيل، وأنشد: لب بأرض ما تخطاها الغنم قال: ومنه قول طفيل: رددن حصينا من عدي ورهطه * * * وتيم تلبي في العروج وتحلب وعن أبي الهيثم: أن معنى تلبي - في البيت المذكور - تحلب اللباء تشربه (2) لانها أنسب بهيئة الثلاثي. (3) ذكر ذلك جماعة من أهل اللغة، من القدماء والمتأخرين. (4) احتمل ذلك جماعة، كابن الاثير، والجوهري، والفيروز ابادي حكى احتماله عن الخليل وغيره. (5) وان احتمل الجماعة. وكأن وجه البعد: أنه لا يناسب مقام الجواب. أولا يناسب هيئة الكلمة. واحتمل في القاموس وغيره أن المعنى محبتي: لك. مأخوذ من قولهم: (امرأة لبة) أو (أم لبة) بمعنى: محبة. وأنشد له:

===============

( 395 )

[ أن القول بأنه كلمة مفردة، نظير: (على) و (لدى)، فأضيفت إلى الكاف، فقلبت ألفه ياء (1). لا وجه له (2) لان (على) و (لدى) - إذا أضيفا إلى الظاهر - يقال فيهما بالالف، كعلى زيد، ولدى زيد. وليس لبى كذلك، فانه يقال فيه: " لبي زيد " بالياء. (مسالة 15): لا ينعقد إحرام حج التمتع وإحرام عمرته، ولا إحرام حج الافراد، ولا إحرام حج العمرة ] وكنتم كام لبة طعن ابنها * * * * إليها فما ردت عليه بساعد وهو - أيضا - كسابقه في البعد. (1) هذا القول محكي عن يونس. (2) قال الجوهري - بعد ما حكى ذلك عن يونس وأنكره سيبويه - قال: (لو كان مثل (على) و (لدى) ثبتت الياء مع الضمير، وبقيت الالف مع الظاهر. وحكى من كلامهم: (لبى زيد) مع الاضافة إلى الظاهر، فثبوت الياء مع الاضافة إلى الظاهر يدل على أنه ليس مثل (على) و (لدى)...). والانصاف: أن الاحتمالات المذكورة وإن ذكرت في كلام أكثر أهل اللغة والعربية، واقتصر بعضهم على ذكر الاولين منها، وبعضهم على ذكر الثلاثة الاول منها. لكن كلها بعيدة وتخرص في العربية، ولا طريق إلى اثبات بعضها، ولا يخطر منها شئ في بال المتكلم أصلا. والاقرب أن تكون كلمة برأسها، تستعمل في مقام الجواب للمنادي، مثل سائر كلمات الجواب، ولا يختلف حالها في الظاهر والضمير.

===============

( 396 )

[ المفردة إلا بالتلبية (1). وأما في حج القران فيتخير بين ] (1) حكى الاجماع على ذلك في الانتصار وفى الجواهر والغنية والتذكرة والمنتهى وغيرها، بمعنى: أن من لم يلب كان له ارتكاب المحرمات على المحرم ولا كفارة عليه. وقد استفاضت بذلك النصوص. منها: صحيح عبد الرحمن ابن الحجاج عن أبي عبد الله (ع): (في الرجل يقع على أهله بعدما يعقد الاحرام ولم يلب. قال (ع): ليس عليه شئ) (* 1)، وصحيح معاوية ابن عمار عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): لا بأس أن يصلي الرجل في مسجد الشجرى، ويقول الذي يريد أن يقوله ولا يلبي، ثم يخرج فيصيب من الصيد وغيره، فليس عليه فيه شئ) (* 2)، وما وراء الصدوق باسناده عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع) (فيمن عقد الاحرام في مسجد الشجرة ثم وقع على أهله قبل أن يلبي. قال (ع): ليس عليه شئ) (* 3)، ومصحح حريز عن أبي عبد الله (ع): (في الرجل إذا تهيأ للاحرام فله أن يأتي النساء ما لم يعقد التلبية أو يلب) (* 4). ونحوها غيرها مما هو كثير. كما لا فرق بين عمرة التمتع والعمرة المفردة، ولا في الحج بين حج التمتع والقران والافراد. وأما ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد قال: (سمعت أبي يقول، في رجل يلبس ثيابه ويتهيأ للاحرام ثم يواقع أهله قبل أن يهل بالاحرام.


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الاحرام حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 14 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 14 من أبواب الاحرام حديث: 13. (* 4) الوسائل باب: 14 من أبواب الاحرام حديث: 8.

===============

( 397 )

[ التلبية وبين الاشعار أو التقليد (1). والاشعار مختص بالبدن ] قال: عليه دم) (* 1). فلا مجال للعمل به في مقابل تلك النصوص والاجماعات ولا سيما أن مقتضى الجمع بينها وبينه الحمل على الاستحباب. كما عن الشيخ (ره). على أنه غير معلوم الاسناد إلى المعصوم. (1) على المشهور، كما في المدارك والجواهر وغيرهما. للنصوص. منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): يوجب الاحرام ثلاثة أشياء: التلبية، والاشعار، والتقليد، بمنزلة التلبية) (* 3) وصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع): (قال (ع): من أشعر بدنه فقد أحرم، وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير) (* 4) ونحوها غيرها. وعن السيد وابن إدريس عدم انعقاد الاحرام مطلقا إلا بالتلبية، لان انعقاد الاحرام بالتلبية مجمع عليه، ولا دليل على انعقاده بهما. وفيه: أن النصوص الصحيحة الصريحة المعول عليها دليل عليه. ومثله في الاشكال ما عن الشيخ وابني حمزة والبراج، من اشتراط الانعاقد بغيرها بالعجز عنها إذ فيه: أنه جمع بلا شاهد. والجمع العرفي يقتضي ما ذكره المشهور. ولاسيما بملاحظة صحيح معاوية الثاني، فانه بمنزلة الحاكم المعلوم تقدمه على المحكوم.


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الاحرام حديث: 14. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب أقسام الحج حديث: 20. (* 3) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 11. (* 4) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 21.

===============

( 398 )

[ والتقليد مشترك بينها وبين غيرها من أنواع الهدي (1). والاولى في البدن الجمع بين الاشعار والتقليد (2). فينعقد ] (1) الظاهر انه لا إشكال فيه. وقد صرح به غير واحد، مرسلا له إرسال المسلمات، منهم العلامة في التذكرة والقواعد. قال في القواعد: ويتخير القارن في عقد احرامه بها، أو بالاشعار المختص بالبدن، أو التقليد المشترك بينها). ونحوه كلام غيره. وفى الحدائق: أنه ذكره الاصحاب وأن الظاهر أنه متفق عليه بينهم، لا أعلم فيه مخالفا. انتهى. ولكن دليله غير ظاهر. نعم كل ما ورد كيفية الاشعار لم يذكر فيه الا البدن، والتقليد ورد في جميعها. وعلل اختصاص الاشعار: بضعف البقر والغنم عن الاشعار. واستدل على الاشتراك في الثاني، بصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): (قال: كان الناس يقلدون الغنم والبقر، وإنما تركه الناس حديثا، ويقلدون بخيط أو سير) (* 1). وضعف ذلك ظاهر. (2) في حسن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (البدن تشعر من الجانب الايمن، ويقوم الرجل من الجانب الايسر، ثم يقلدها بنعل خلق قد صلى فيه) (* 2). وفى رواية السكوني عن أبي جعفر (ع): (أنه سئل ما بال البدنة تقلد بالنعل وتشعر؟ قال: أما النعل فتعرف أنها بدنة، ويعرفها صاحبها بنعله. وأما الاشعار فانه يحرم ظهرها على صاحبها من حيث أشعرها، فلا يستطيع الشيطان أن يمسها) (* 3) ونحوه غيره.


____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 22.

===============

( 399 )

[ إحرام حج القران بأحد هذه الثلاثة، ولكن الاحوط - مع اختيار الاشعار والتقليد - ضم التلبية أيضا (1). نعم الظاهر وجوب التلبية على القارن (2)، ] (1) خروجا عن شبهة خلاف السيد وغيره ممن تقدم. (2) قال في الشرائع: (والقارن بالخيار إن شاء عقد إحرامه بها - يعني: بالتلبية - وإن شاء قلد أو أشعر، على الاظهر. وبأيهما بدأ كان الآخر مستحبا). وفى القواعد: (ولو جمع بين التلبية وأحدهما كان الثاني مستحبا). وظاهر المسالك: المفروغية عن الاستحباب. وفى المدارك: أنه لم يقف على دليل يتضمن ذلك صريحا. ولعل اطلاق الامر بكل من الثلاثة كاف في ذلك.... وفى كشف اللثام، في شرح عبارة القواعد المذكورة - بعد نسبة مضمونها إلى الشرائع - قال: (والاقوى الوجوب. لاطلاق الاوامر، والتأسي. وهو ظاهر من قبلهما - يعني: قبل الفاضلين -.....) إلى آخر كلامه في تقريب نسبة الوجوب إلى من قبل الفاضلين، ونقل عباراتهم الظاهرة في وجوب التلبية في حج القران حتى مع الاشعار والتقليد. وفى الجواهر - في مباحث فصل أنواع الحج - قال: (إنما الكلام في المستفاد من عبارة القواعد، من استحباب التلبية بعد عقد الاحرام والاشعار والتقليد. ولعل وجهه الاحتياط، وإطلاق الاوامر بها في عقده، ونحو ذلك مما يكفي في مثله. وأما احتمال الوجوب تعبدا وإن انعقد الاحرام بغيرها - كما هو مقتضى ما سمعته من كشف اللثام. بل قد يوهم ظاهره وجوب الاشعار والتقليد بعدها أيضا - فهو في غاية البعد. خصوصا الاخير. فتأمل جيدا). لكن في هذا المبحث حمل عبارة الشرائع والقواعد على أن المراد

===============

( 400 )

استحاب الثاني من حيث عقد الاحرام الذي لا ينافي الوجوب تعبدا. وذكر أنه يمكن استفادته من إطلاق الامر بالتلبية (* 1). وما في موثق يونس من الامر بالتلبية بعد الاشعار (* 2)، وما في حسن معاوية المتقدم من الامر بالتقليد بعد الاشعار (* 3)، وما في رواية السكوني المتقدمه من الامر بالتقليد مع الاشعار (* 4)، وما في رواية الفضيل بن يسار، من الامر بالجمع بين التقليد والاشعار، فانه (ع) قال: (ولكن إذا انتهى إلى الوقت فليحرم، ثم يشعرها، ويقلدها) (* 5). أقول: أما الروايات الثلاث الاخيرة فاللازم حملها على الاستحباب. ضرورة عدم وجوب الجمع بين الاشعار والتقليد، لا على الترتيب ولا مطلقا. ولذلك ذكرها في الحدائق دليلا على الاستحباب الذي ذكر في الشرائع والقواعد، معارضة منه لصاحبه المدارك، فيما ذكره من عدم وقوفه على دليل صريح في الاستحباب. وأما موثق يونس: (قلت لابي عبد الله (ع): إني قد اشتريت بدنة، فكيف أصنع بها؟ فقال: انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة، فأفض عليك من الماء، والبس ثوبيك. ثم أنخها مستقبل القبلة، ثم ادخل المسجد فصل، ثم أفرض بعد صلاتك، ثم أخرج إليها فأشعرها من الجانب الايمن من سنامها، ثم قل: بسم الله اللهم منك ولك، اللهم فتقبل مني. ثم انطلق حتى تأتي البيداء فلبه) (* 6).


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب أقسام الحج حديث: 29. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب أقسام الحج حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 22. (* 5) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 13. (* 6) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 2.

===============

( 401 )

فمن المعلوم أن جهة السؤال فيه عما يصنع بالبدنة غير معلومة، من حيث الوجوب، أو الاستحباب، أو هما. وأيضا فان أكثر المذكورات آداب وأيضا فالامر إنما كان بالتلبية في البيداء، وسيأتي أن في كونها مستحبة حينئذ أو واحبة إشكالا. وبالجملة: استفادة وجوب التلبية من الامر المذكور غير ظاهرة. ولاسيما بملاحظة ما تقدم في صحيحة معاوية الثانية، الدال على أن الاشعار والتقليد بمنزلة التلبية (* 1)، فان مقتضاه الاجتزاء بأحدهما عنها من حيث الوضع والتكليف، فتكون حاكمة على أدلة الوجوب لو كانت. وأما كلمات الجماعة من القدماء، فأما السيد وابن ادريس وابن حمزة وابن البراج والسيخ فحالهم معلوم - كما اعترف به في كشف اللثام - لما عرفت من بنائهم على عدم انعقاد الاحرام إلا بها اختيارا مطلقا. وأما ما حكاه عن القواعد والمراسم، مما يدل على وجوب التلبية حتى مع الاشعار والتقليد فغير ظاهر في ذلك. فلاحظ عبارتهما. ولاسيما مع اشتمالها على المندوبات واحتمال أن يكون مذهبهم فيها مذهب الشيخ وابني حمزة والبراج. وكيف كان، فالعمدة في دعوى الوجوب الدليل، وهو غير ظاهر. هذا بالنسبة إلى التلبية، وأما الاشعار والتقليد بعد التلبية، فقد حكي في كشف اللثام. الاتفاق على عدم وجوبهما. للاصل، وصحيح معاوية ابن عمار عن الصادق (ع): (في رجل ساق هديا، ولم يقلده، ولم يشعره. قال (ع): قد أجزأ عنه. ما أكثر ما لا يقلد ولا يشعر ولا يحلل) (* 2). فلا مجال لاحتمال قوله بالوجوب، كما قد تشعر به عبارته السابقة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 11. (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 10.

===============

( 402 )

[ وإن لم يتوقف انعقاد احرامه عليها، فهي واجبة عليه في نفسها. ويستحب الجمع بين التلبية وأحد الامرين، وبأيهما بدأ كان واجبا وكان الآخر مستحبا. ثم إن الاشعار عبارة عن شق السنام الايمن (1)، بأن يقوم الرجل من الجانب الايسر من الهدي، ويشق سنامه من الجانب الايمن، ويلطخ صفحته بدمه (2). والتقليد: أن يعلق في رقبة الهدي نعلا خلقا قد صلى فيه (3). ] (1) كما في موثق يونس ومصحح معاوية بن عمار المتقدمين (* 1). وفى رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله وزرارة: (سألنا أبا عبد الله (ع): عن البدن كيف تشعر؟... (إلى أن قال (ع) في الجواب): وتشعر من الجانب الايمن) (* 2). (2) كذا ذكره الاصحاب. لكن في الحدائق: إن الاخبار لا تساعد على ما ذكروه من اللطخ... وهو كما ذكر. وفى التذكرة علله: بأنه يعرف به أنه صدقة. وفى رواية السكوني المتقدمة ما ربما ينافيه (3). كما تقدم في صحيح معاوية (* 4) وعن ابن زهرة: يعلق عليه نعلا أو مزادة. وفى التذكرة: (والتقليد: أن يجعل في رقبة الهدي نعلا قد صلى فيه، أو يجعل في رقبة الهدي خيطا أو سيرا أو ما أشبههما ليعلم


____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 2، 4. وقد تقدم الاول في التعليقة السابقة، والثاني قبل ذلك قريبا. (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب أقسام الحج حديث: 22. (* 4) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 11.

===============

( 403 )

[ (مسألة 16): لا تجب مقارنة التلبية لنية الاحرام، وإن كان أحوط. فيجوز أن يؤخرها عن النية ولبس الثوبين على الاقوى (1). ] أنه صدقة). ونحوه عن المنتهى. ولعله لصحيح زرارة المتقدم (* 1). لكن دلالته غير ظاهرة، لان فعل الناس لا يدل على المشروعية. ثم إنه قد ذكر الاصحاب (قدهم) أنه إذا كان القارن قد ساق أكثر من بدنة وقف بينهما، وأشعر ما على يمينه من الجانب الايمن، وما على يساره من الجانب الايسر. ففي صحيح حريز: (إذا كانت بدن كثيرة فأردت أن تشعرها، دخل الرجل بين بدنتين، فيشعر هذه من الشق الايمن، وهذه من الشق الايسر) (* 2). وفى صحيح جميل: (إذا كانت البدن كثيرة قام فيما بين اثنين، ثم أشعر اليمنى، ثم اليسرى) (* 3). (1) كما لعله المشهور، والمنسوب في الجواهر إلى ظاهر المعظم، بل الجميع إلا من جماعة. وفى المدارك وغيرها: نسبته إلى كثير، أو الاكثر أو المشهور. وفى اللمعة: اعتبار المقارنة بينهما، وحكي عن ابن ادريس وابني حمزة وسعيد عن التنقيح. وظاهر ذلك عدم الاعتبار بهما مع الفصل فلو نوى الاحرام ثم لبى لم يصح. ويحتمل أن يكون المراد من المقارنة الانضمام، فلو نوى الاحرام لم يصح احرامه حتى يلبي، فإذا لبى بعد ذلك صح احرامه. وهذا المعنى وان كان بعيدا عن معنى المقارنة، غير بعيد عن عبارات من نسب إليهم اعتبار المقارنة فان المحكي عن ابن ادريس: أنها - يعني:


____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 19. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب أقسام الحج حديث: 7.

===============

( 404 )

التلبية - كتكبيرة الصلاة. وعن ابن حمزة: أنه إذا نوى ولم يلب، أو لبى ولم ينو لم يصح احرامه. وعن ابن سعيد: أنه يصير محرما بالنية والتلبية واطلاق العبارات المذكورة يقتضي اعتبار المقارنة بالمعنى الثاني، لا بالمعنى الاول. وكذلك ما استدل به عليها، وهو الاتفاق على أن الاحرام إنما ينعقد بها لغير القارن، ولا معنى للانعقاد إلا التحقق والحصول والنصوص الدالة على عدم لزوم الكفارات إذا حصل الموجب قبل التلبية. فان مفاد الدليلين المذكورين عدم حصول الاحرام قبلها، لا لزوم المقارنة بينها وبين النية. وبالجملة: لا تصح نسبة القول بوجوب المقارنة - بالمعنى الاول - إلا إلى من عبر بالمقارنة، فانها ظاهرة فيه. ودليله أيضا غير ظاهر إلا الاصل - بناء على عدم إطلاق لادلة تشريع الاحرام - فانه مع الشك حينئذ يرجع إلى أصالة عدم ترتب الاثر. أما إذا كان له إطلاق فمقتضى الاطلاق عدم الشرطية. وقد عرفت أن الاحرام من الايقاعات الانشائية الحاصلة بالالتزام بحصولها، فمقتضى الاطلاق المقامي حصوله بمجرد الالتزام النفساني. والدليل الدال على لزوم التلبية في حصول الاحرام - لما لم يدل إلا على اعتبارها في الجملة، فاطلاق دليل التشريع يقتضي نفي اعتبار المقارنة زائدا على اعتبار وجودها. ثم إن ثمرة الخلاف المذكور أنه لو أنشأ الاحرام ولم يلب حينئذ ثم لبى بعد ذلك، لم يصح احرامه بناء على اعتبار المقارنة، ويصح احرامه بناء على عدمه. ولا فرق بين أن تكون النية هي الاخطار أو الداعي. ومنه يظهر لك النظر فيما في الجواهر، من أن الثمرة واضحة، بناء على أن النية الاخطار. أما بناء على الداعي - كما هو التحقيق - فلا ثمرة

===============

( 405 )

[ (مسألة 17): لا تحرم عليه محرمات الاحرام قبل التلبية وإن دخل فيه بالنية ولبس الثوبين، فلو فعل شيئا من المحرمات لا يكون آثما، وليس عليه كفارة (1). وكذا في القارن إذا لم يأت بها، ولا بالاشعار أو التقليد (2). بل يجوز له أن يبطل الاحرام ما لم يأت بها في غير القارن، أو لم يأت بها ولا بأحد الامرين فيه (3). ] غالبا، ضرورة عدم انفكاكه عن التلبية المقصود بها عقد الاحرام. وجه النظر: أن المراد من قصد عقد الاحرام بها إن كان إنشاء الاحرام حين التلبية، فهو حاصل أيضا بناء على الاخطار. وان كان تصور عقد الاحرام فلا يفيد في إنشاء الاحرام حتى بناء على الداعي، لفقد الالتزام الذي يتحقق به الانشاء. (1) الظاهر أنه مما لا إشكال فيه. وتقتضيه النصوص والاجماع، المتقدمان في المسألة الخامسة عشرة. (2) النصوص المتقدمة خالية عن التعرض لذلك. لكن يستفاد من الاجماع على عدم انعقاد احرام القارن إلا بأحد الثلاثة، ومن النصوص المتضمنة أن الاشعار والتقليد بمنزلة التلبية. فقبل واحد منها لا شئ عليه، لاطلاق النصوص المتقدمة، ومع فعل واحد منها يكون عليه الاثم والكفارة، لهذه النصوص المتضمنة للتنزيل. (3) كما نص على ذلك في التهذيب. ويشكل: بأنه - على ما يأتي احتماله، من صيرورته محرما وإن لم يلب - يكون مقتضى الاستصحاب بقاء الاحرام وان عدل عنه. وإن كان بقاؤه لا اثر له، من إثم أو كفارة،

===============

( 406 )

[ والحاصل: أن الشروع في الاحرام وان كان يتحقق بالنية ولبس الثوبين (1)، إلا أنه لا تحرم عليه المحرمات، ولا يلزم ] لكن لو رجع إلى أهله واتفق وقوع التلبية منه - إما مطلقا، أو بقصد عقد الاحرام - لزمه الاحرام، ولم يحل عنه الا بالمحلل. (1) قد عرفت أن المذكور في كلام الاصحاب، المدعى عليه الاجماع أنه لا ينعقد الاحرام الا بالتلبية لغير القارن، ولا ينعقد إحرام القارن إلا بالتلبية أو الاشعار أو التقليد، وأن مقتضى ذلك عدم حصول الاحرام إلا بذلك. لكن المذكور في كشف اللثام وغيره: أنه يصح الاحرام، ويكون المكلف محرما بالنية لا غير. وفسر معقد إجماع الاصحاب، من أنه لا ينعقد الاحرام الا بالتلبية: بأنه ما لم يلب يجوز له ارتكاب محرامات الاحرام ولا كفارة عليه، لا أنه لا يكون محرما الا بالتلبية. وبذلك - أيضا - فسره في الجواهر. وقد يظهر ذلك من الخلاف والمبسوط والنهاية والمهذب وغيرها. والوجه فيه: عدم الدليل على عدم صحة الاحرام الا بالتلبية. وإنما الذي دلت عليه النصوص - المتقدمة في المسألة الخامسة عشرة -: أنه إذا أحرم ولم يلب جاز له ارتكاب المحرمات ولا كفارة عليه، وهو أعم من عدم الصحة. وحملها على أنها من قبيل نفي الموضوع بلسان نفي الحكم، غير ظاهر، ولا داعي إليه. لكن قال في التهذيب - بعد ذكر الاخبار المتقدمه في عدم انعقاد الاحرام إلا بالتلبيه -: (والمعنى في هذه الاحاديث أن من اغتسل للاحرام وصلى وقال ما أراد من القول بعد الصلاة لم يكن في الحقيقة محرما، وإما يكون عاقدا للحج والعمرة، وإنما يدخل في أن

===============

( 407 )

[ البقاء عليه إلا بها، أو بأحد الامرين. فالتلبية وأخواها بمنزلة تكبيرة الاحرام في الصلاة (1). (مسألة 18): إذا نسي التلبية وجب عليه العود إلى الميقات لتداركها (2). وان لم يتمكن أتى بها في مكان التذكر. والظاهر عدم وجوب الكفارة عليه إذا كان آتيا بما يوجبها، لما عرفت من عدم انعقاد الاحرام إلا بها. ] يكون محرما إذا لبى...) ونحوه ظاهر غيره. ولكنه غير ظاهر، كما عرفت. وكأنه لذلك اختاره في المتن. لكن الانصاف أنه خلاف المرتكزات عند المتشرعة، فيكون ذلك قرينة على نفي الموضوع بلسان نفي الحكم. (1) يعني: توجب تحريم المحرمات، لا أنها بها يتحقق الاحرام، وإلا كان منافيا لما سبق. (2) هذا ظاهر - بناء على عدم صحة الاحرام قبل التلبية - إذ يكون نسيان التلبية نسيانا للاحرام، وحكم الناسي الرجوع إلى الميقات إن أمكن أما بناء على ما تقدم منه، من صحة الاحرام قبل التلبية وصيرورة الملكف محرما بمجرد النية، فلا موجب للرجوع إلى الميقات، بل يلبي حيث يذكر. وكأنه لذلك حكي عن الشيخ في النهاية والمبسوط: أنه من ترك الاحرام ناسيا حتى يجوز الميقات كان عليه أن يرجع إليه ويحرم منه إذا تمكن منه والا أحرم من موضعه. وإذا ترك التلبية ناسيا ثم ذكر جدد التلبية، وليس عليه شئ...). فانه كالصريح في الفرق بين نسيان الاحرام من الميقات ونسيان التلبية منه. اللهم إلا أن يقال: كما يجب الاحرام من الميقات تجب التلبية منه.

===============

( 408 )

[ (مسألة 19): الواجب من التلبية مرة واحدة (1). نعم يستحب الاكثار بها وتكريرها ما استطاع (2). خصوصا في دبر كل صلاة فريضة أو نافلة، وعند صعود شرف أو هبوط واد، وعند المنام (3)، وعند اليقظة، وعند الركوب ] فإذا نسيها في الميقات ثم ذكر وجب تداركها بفعلها في الميقات. لكن دليله غير واضح، إذ غاية ما يستفاد من الادلة وجوب المبادرة إليها، والنسيان عذر في تركها. فتأمل (1) كما صرح في السرائر وغيرها، بل الظاهر أنه إجماع. ويقتضيه إطلاق الادلة. (2) إجماعا كما قيل. وتقتضيه النصوص، ففي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) - بعد الامر بالتلبية، وذكر كيفيتها -: (تقول ذلك في دبر كل صلاة مكتوبة ونافلة، وحين ينهض بك بعيرك، وإذا علوت شرفا أو هبطت واديا، أو لقيت راكبا، أو استيقضت من منامك وبالاسحار. وأكثر ما استطعت وأجهر بها... (إلى أن قال): وأكثر من ذي المعارج، فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يكثر منها) (* 1). وفى صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا أحرمت من مسجد الشجرة، فان كنت ماشيا لبيت من مكانك من المسجد، تقول: لبيك... (إلى أن قال): وأجهر بها كلما ركبت وكلما نزلت، وكلما هبطت واديا، أو علوت أكمة، أو لقيت راكبا، وبالاسحار) (* 2). (3) كما في الشرائع والقواعد. لكن في كشف اللثام: (لم أر لمن


____________
(* 1) الوسائل باب: 40 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 40 من أبواب الاحرام حديث: 3.

===============

( 409 )

[ وعند النزول، وعند ملاقاة راكب، وفي الاسحار. وفي بعض الاخبار (1): " من لبى في إحرامه سبعين مرة إيمانا واحتسابا، أشهد الله ألف ألف ملك براءة من النار وبراءة من النفاق ". ويستحب الجهر بها - خصوصا في المواضع المذكورة - للرجال (2)، ] قبل الفاضلين التعرض له)، وفى الجواهر: (لم نجد - فيما وصل الينا من النصوص - التعرض للنوم، كما اعترف به في المدارك). (1) يريد به خبر ابن فضال، عن رجال شتى، عن أبي جعفر (ع) (قال: رسول الله صلى الله عليه وآله...) (* 1) (2) عن السرائر: (الجهر بها مندوب، على الاظهر من قول أصحابنا. وقال بعضهم: الجهر بها واجب). وعن التهذيب: (الاجهار بالتلبية واجب مع القدرة والامكان). وربما مال إليه في الحدائق. للامر به في صحيح معاوية المتقدم (* 2)، وصحيح حريز وغيره عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع): (أنهما قالا: لما أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه جبرئيل فقال: مر أصحابك بالعج والثج. فالعج: رفع الصوت، والثج: نحر البدن. قال: فقال جابر: فما مشى الروحاء حتى بحت أصواتنا) (* 3). والامر حقيقة في الوجوب. ولاسيما أوامر الله تعالى. وربما استظهر ذلك من الكليني، حيث قال: (ولا يجوز لاحد أن يجوز البيداء إلا وقد أظهر التلبية). لكن في الخلاف: (إن التلبية


____________
(* 1) الوسائل باب: 41 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 40 من أبواب احرام حديث: 2. وقد تقدم ذلك قريبا. (* 3) الوسائل باب: 37 من أبواب الاحرام ملحق حديث: 1.

===============

( 410 )

[ دون النساء (1). ففي المرسل (2): " إن التلبية شعار المحرم فارفع صوتك بالتلبية ". وفي المرفوعة (3): " لما أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه جبرائيل، فقال: مر أصحابك بالعج ] فريضة، ورفع الصوت بها سنة. ولم أجد أحدا ذكر كونها فرضا). ثم ذكر رواية خلاد بن السايب، المتضمنة للامر برفع أصواتهم بالتلبية، ثم قال: (وظاهر الامر يقتضي الوجوب. ولو خليناه وظاهره لقلنا إن رفع الصوت أيضا واجب. لكن تركنا بدليل). وكيف كان فالنصوص المذكورة ظاهرة في الحكم الادبي، بقرينة بحة الصوت الذي حكاه جابر، إذ لا قائل بوجوبة. وكذا ذكره في سياق الامور التي لا شبهة في استحبابها. (1) بلا خلاف، كما قيل. للاخبار الكثيرة الدالة على ذلك. منها: مرسلة فضالة، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (ع): (إن الله وضع عن النساء أربعا: الجهر بالتلبية...) (* 1). ونحوه خبر أبي سعيد المكاري. (* 2) وفى مصحح أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): (ليس على النساء جهر بالتلبية) (* 3). (2) رواه في الفقيه عن أمير المؤمنين (ع): (قال: جاء جبرئيل (ع) إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال له: إن التلبية...) (* 4). (3) رواها في الكافي عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز رفع قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أحرم أتاه جبرئيل


____________
(* 1) الوسائل باب: 38 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 38 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 38 من أبواب الاحرام حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 37 من أبواب الاحرام حديث: 3.

===============

( 411 )

[ والثج. فالعج: رفع الصوت بالتلبية. والثج: نحر البدن ". (مسألة 20): ذكر جماعة أن الافضل لمن حج على طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء مطلقا - كما قاله بعضهم - (1) أو في خصوص الراكب، كما قيل (2). ولمن حج على طريق آخر تأخيرها إلى أن يمشي قليلا (3). ولمن حج من مكة تأخيرها إلى الرقطاء (4) - كما قيل - أو إلى أن يشرف على الابطح (5). لكن الظاهر - بعد عدم الاشكال في عدم ] فقال له: مر أصحابك...) إلى آخر ما تقدم، لكن في الحدائق: أنه مسند، كما تقدم (* 1). (1) حكي ذلك عن الشيخ، وبني حمزة والبراج وسعيد: (2) حكي عن الشيخ، وابن سعيد (3) حكي عن المبسوط) والتحرير، والمنتهى، والمسالك. (4) عن هداية الصدوق: استحباب التأخير إلى الرقطاء مطلقا. وعن السرائر والنهاية والجامع والوسيلة والمنتهى والتذكرة: استحباب تلبية المحرم من مكة من موضعه إن كان ماشيا. وإذا نهض به بعيره إن كان راكبا. (5) كما في الشرائع والقواعد وغيرهما. بل في الجواهر: (صرح به غير واحد من المتقدمين والمتأخرين). وفى حسن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (إذا انتهيت إلى الردم، وأشرفت على الابطح، فارفع صوتك بالتلبية) (* 2).


____________
(* 1) الوسائل باب: 37 من أبواب الاحرام ملحق حديث: 1. وقد تقدم ذلك قريبا فلاحظ. (* 2) الوسائل باب: 46 من أبواب الاحرام حديث: 4.

===============

( 412 )

[ وجوب مقارنتها للنية ولبس الثوبين - استحباب التعجيل بها مطلقا، وكون أفضلية التأخير بالنسبة إلى الجهر بها (1). ] (1) أقول: الروايات الواردة في الباب لا تخلو من إشكال واختلاف ففي صحيح معاوية بن وهب قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التهيؤ للاحرام: فقال: في مسجد الشجرة، فقد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله. وقد ترى أناسا يحرمون، فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء - حيث الميل - فتحرمون كما أنتم في محاملكم، تقول: لبيك اللهم لبيك...) (* 1)، وصحيح منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع): (قال: إذا صليت عند الشجرة فلا تلب حتى تأتي البيداء، حيث يقول الناس: يخسف بالجيش) (* 2)، وصحيح عبد الله بن سنان قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء) (* 3)، وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (قال: صل المكتوبة، ثم أحرم بالحج أو بالمتعة، وأخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء إلى أول ميل عن يسارك. فإذا استوت بك الارض - راكبا كنت أو ماشيا - فلب) (* 4). وفى صحيح البزنطي: (سألت أبا الحسن الرضا (ع)، كيف أصنع إذا أردت الاحرام؟ قال: إعقد الاحرام في دبر الفريضة، حتى إذا استوت بك البيداء فلب. قلت: أرأيت إذا كنت محرما من طريق العراق؟ قال: لب إذا استوى بك بعيرك) (* 5)


____________
(* 1) الوسائل باب: 34 من أبواب الاحرام حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 34 من أبواب الاحرام حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 34 من أبواب الاحرام حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 34 من أبواب الاحرام حديث: 6. (* 5) الوسائل باب: 34 من أبواب الاحرام حديث: 7.

===============

( 413 )

وفى صحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع): (قال: إن أحرمت من غمرة ومن بريد البعث صليت، وقلت كما يقول المحرم في دبر صلاتك وإن شئت لبيت من موضعك، والفضل أن تمشي قليلا ثم تلبي) (* 1). وفى صحيح الفضلاء، حفص بن البختري، ومعاوية بن عمار، و عبد الرحمن ابن الحجاج، والحلبي، كلهم عن أبي عبد الله (ع): (قال: إذا صليت في مسجد الشجرة فقل - وأنت قاعد - في دبر الصلاة - قبل أن تقوم - ما يقول المحرم، ثم قم فامش حتى تبلغ الميل وتستوي بك البيداء، فإذا استوت بك فلبه) (* 2). وفى صحيح الفضلاء - أيضا - عن أبي عبد الله (ع): (وإذا أهلت من المسجد الحرام للحج، فان شئت لبيت خلف المقام. وأفضل من ذلك أن تمضي حتى تأتي الرقطاء وتلبي، قبل أن تصير إلى الابطح) (* 3). وفى صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع): (قال: إن كنت ماشيا فاجهر باهلالك وتلبيتك من المسجد، وإن كنت راكبا فإذا علت بك راحلتك البيداء) (* 4). وفى صحيحه - أيضا - عن أبي عبد الله (ع): (إذا كان يوم التروية فاصنع كما صنعت بالشجرة، ثم صل خلف المقام، ثم أهل بالحج. فان كنت ما شيا فلب عند المقام، وان كنت راكبا فإذا نهض بك بعيرك) (* 5). وفى موثق أبي بصير: (ثم تلبي من المسجد الحرام كما لبيت حين أحرمت) (* 6).


____________
(* 1) الوسائل باب: 35 من ابواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 35 من أبواب الاحرام حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 46 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 34 من ابواب الاحرام حديث: 1. (* 5) الوسائل باب: 46 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 46 من أبواب الاحرام حديث: 3.

===============

( 414 )

وفى خبر زرارة: (قلت لابي جعفر (ع): متى ألبي بالحج؟ فقال: إذا خرجت إلى منى... ثم قال: إذا جعلت شعب الدب على يمينك والعقبة على يسارك فلب بالحج) (* 1). وفى خبر علي بن جعفر (ع) عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: (سألته عن الاحرام عند الشجرة هل يحل لمن أحرم عندها أن لا يلبي حتى يعلو البيداء؟ قال: لا يلبي حتى يأتي البيداء، عند أول ميل. فأما عند الشجرة فلا تجوز التلبية) (* 2) وفى مصحح اسحاق بن عمار عن أبي الحسن (ع) قال: (قلت له: إذا أحرم الرجل في دبر المكتوبة، أيلبي حين ينهض به بعيره أو جالسا في دبر الصلاة؟ قال: إي ذلك شاء صنع) (* 3). ونحوها غيرها. وهي - كما ترى - تختلف مضامينها من حيث المنع من الاحرام في مسجد الشجرة - كما في صحيح معاوية بن وهب - أو المنع من التلبية فيه - كما في خبر ابن جعفر - أو الامر بتأخير التلبية عن الميقات - كما في أكثرها - أو التفصيل في الجهر بالتلبية بين الماشي، فيجهر من المسجد، والراكب فيجهر في البيداء - كما في صحيح عمر بن يزيد - أو التخيير بين المبادرة إلى التلبية في دبر الصلاة وتأخيرها إلى أن ينهض به بغيره، كما في مصحح اسحاق. ونحوه صحيح هشام بن الحكم، فيمن أحرم من غمرة. أقول: أما ما دل على تأخير الاحرام عن مسجد الشجرة فلا مجال للاخذ به. ضرورة وجوب الاحرام من الميقات، وأنه موضع الاحرام لا موضع التهيؤ للاحرام. مع أنه لم يعرف قائل به. ومعارض بالنصوص


____________
(* 1) الوسائل باب: 36 من أبواب الاحرام حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 34 من ابواب الاحرام حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 35 من أبواب الاحرام حديث: 4.

===============

( 415 )

الباقية، الظاهر ة في وقوع الاحرام في الميقات. فما في الحدائق من الميل إليه، وما في كشف اللثام من احتماله تأخير نية الاحرام إلى البيداء، ضعيف. وأما ما تضمن الامر بتأخير التلبية، فيعارضه في الماشي صحيح عمر ابن يزيد المتقدم في استحباب الاكثار منها (* 1)، ومطلقا مصحح اسحاق ابن عمار (* 2)، وخبر عبد الله بن سنان: (أنه سأل أبا عبد الله (ع) هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحج أن يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال: نعم، إنما لبى رسول الله صلى الله عليه وآله في البيداء، لان الناس لم يعرفوا التلبية فأحب أن يعلمهم كيف التلبية) (* 3). وعليه فلا ينبغي التأمل في جوازها في الميقات. نعم يبقى الاشكال في جواز تأخيرها - بناء على أنها شرط في صحة الاحرام - فتأخيرها تأخير للاحرام عن الميقات، مع أنه لا يجوز تأخيره عن الميقات. ولاجل ذلك يشكل التفصيل بين الراكب فيؤخر التلبية والماشي فيبادر إليها - كما عن الشيخ لصحيح عمر بن يزيد، ويكون شاهد جمع بين النصوص - فان المحذور المذكور لا يفرق فيه بينهما ويلزم الوقوع في المحذور في الراكب. مضافا إلى أن الصحيح ظاهر في التفصيل بالاجهار بالتلبية، لا في أصل التلبية، وأن روايات التأخير قد نص بعضها على عدم الفرق بين الماشي والراكب. وحينئذ يكون التخلص عن المحذور المذكور دائرا بين أمور: الاول: حمل روايات التأخير على تأخير الجهر، إما مطلقا - كما عن الصدوق في الفقيه والهداية، وابن ادريس، والمنتهى والتذكرة، واختاره في المتن -


____________
(* 1) الوسائل باب: 40 من أبواب الاحرام حديث: 3. (* 2) تقدم ذلك قريبا. قريبا. (* 3) الوسائل باب: 35 من أبواب الاحرام حديث: 2.

===============

( 416 )

[ فالافضل أن يأتي بها حين النية ولبس الثوبين سرا، ويؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة. والبيداء: أرض مخصوصة بين مكة والمدينة، على ميل من ذي الحليفة نحو مكة (1). ] أو لخصوص الراكب - كما في الشرائع والقواعد وعن غيرهما - وأما الماشي فيجهر بها في الميقات. الثاني: البناء على صحة الاحرام بلا تلبية، فيكون الاحرام من الميقات لكن بلا تلبية، فلا يلزم المحذور المتقدم. الثالث: حمل روايات تأخير التلبية على التلبية المستحبة والاكثار منها. وهذا هو الاقرب، فان الروايات واردة في التلبية في فرض حصول الاحرام، فلا تعرض فيها للتلبية التي بها قوام الاحرام. وقد عرفت: أن الوجه الثاني خلاف المرتكزات الشرعية. والاول بعيد جدا عن ظاهر النصوص، فانها كالصريحة في أصل التلبية، لا الاجهار بها. وبالجملة: الاقرب - في وجوب التخلص من المحذور - حمل الروايات على استحباب تأخير التلبية المستحبة بعد عقد الاحرام بها، لا التلبية التي بها عقد الاحرام. وأما وجه الجمع بين النصوص - بعد حملها على هذا المعنى -: فالاقرب هو الاخذ باطلاق نصوص التأخير وحملها على كراهة التقديم، جمعا بينها وبين ما دل على جواز التقديم. والبناء على تأكد الكراهة في الراكب - ولا سيما مع الجهر - بشهادة صحيح عمر بن يزيد (* 1). هذا ما يقتضيه التأمل عاجلا. والله سبحانه العالم العاصم الحاكم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (1) كما عن السرائر، والتحرير، والتذكرة، والمنتهى، وغيرها.


____________
(* 1) الوسائل باب: 34 من أبواب الاحرام حديث: 1 وباب: 46 من أبواب الاحرام حديث: 2. وقد تقدم ذكر الروايتين قريبا. فلاحظ.

===============

( 417 )

[ والابطح مسيل وادي مكة (1)، وهو مسيل واسع فيه دقائق الحصى، أوله عند منقطع الشعب بين وادي منى، وآخره متصل بالمقبرة التي تسمى بالعلى عند أهل مكة. والرقطاء: موضع دون الردم، يسمى مدعى (2). ومدعى الاقوام: مجتمع قبائلهم. والردم: حاجز يمنع السيل عن البيت (3)، ويعبر عنه بالمدعى (4). (مسألة 21): المعتمر عمرة التمتع يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة (5) في الزمن القديم. وحدها - لمن جاء ] ويشهد به صحيح معاوية المتقدم. (1) هذا إلى قوله (ره): (والرقطاء) ذكره في مجمع البحرين. لكن عن ابن الاثير: تفسيره بمسيل وادي مكة، مقتصرا عليه. وقوله: (هو مسيل واسع فيه دقاق الحصى) ذكره في القاموس تفسيرا للبطيحة والبطحاء والابطح. (2) على وزن سلمى: اسم مكان للدعوة. (3) هذا إلى آخره ذكره في مجمع البحرين. وكأنه لاحظ فيه معناه في أصل اللغة، ومنه قوله تعالى. (أجعل بينكم وبينهم ردما) (* 1). لكن المذكور في القاموس: أنه موضع بمكة يضاف إلى بني جمح، وهو لبني قراد، كغراب. (4) هذا ربما ينافي ما تقدم من تفسير الرقطاء - التي هي دون الردم - بالمدعى. اللهم إلا أن يكون كل من الموضعين يسمى بالمدعى. (5) ذكره الاصحاب، وقيل: إنه اجماع. ويشهد له النصوص.


____________
(* 1) الكهف: 95.

===============

( 418 )

منها: مصحح معاوية بن عمار قال: (قال أبو عبد الله (ع): إذا دخلت مكة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية. وحد بيوت مكة - التي كانت قبل اليوم -: عقبة المدنين، فان الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن، فاقطع التلبية. وعليك بالتكبير، والتحميد، والتهليل، والثناء على الله عزوجل ما استطعت) (* 1)، ومصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): (قال: المتمتع إذا نظر إلى بيوت مكة قطع التلبية) (* 2)، وصحيح البزنطي عن أبي الحسن الرضا (ع): (أنه سئل عن المتمتع متى يقطع التلبية؟ قال (ع): إذا نظر إلى عروش مكة، عقبة ذى طوى. قلت: بيوت مكة؟ قال: نعم) (* 3). ونحوها غيرها. نعم في موثق زرارة عن أبي عبد الله (ع): (سألته أين يمسك المتمتع عن التلبية؟ فقال: إذا دخل البيوت بيوت مكة، لا بيوت الابطح) (* 4). لكنه مهجور. ونحوه خبر زيد الشحام عن أبي عبد الله (ع): (سألته عن تلبية المتعة متى تقطع؟ قال: حين يدخل الحرم) (* 5). نعم يبقى الاشكال في الاختلاف فيما بين مصحح معاوية وصحيح البزنطي، فان التحديد في الاول بعقبة المدنيين ينافيه التحديد في الثاني بعقبة ذي طوى - بناء على أن الاولى غير الثانية - كما يظهر من الاصحاب. ولاجل


____________
(* 1) الوسائل باب: 43 من ابواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 43 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 43 من أبواب الاحرام حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 43 من أبواب الاحرام حديث: 7. (* 5) الوسائل باب: 43 من أبواب الاحرام حديث: 9.

===============

( 419 )

[ على طريق المدينة -: عقبة المدنيين، وهو مكان معروف. والمعتمر عمرة مفردة عند دخول الحرم إذا جاء من خارج الحرم (1)، وعند مشاهدة الكعبة إن كان قد خرج من ] ذلك جمع بينهما، بحمل الاول على من دخل مكة على طريق المدينة، والثاني على من دخلها على طريق العراق. حكي ذلك عن السيد والشيخ وسلار. وعن الصدوقين: تخصيص الثاني بمن أخذ على طريق المدينة. وفى الروضة والمسالك: تخصيص الاول بمن دخلها من أعلاها، والثاني بمن دخلها من أسفلها. وفى المختلف - بعد نقل الجمعين الاولين - (ولم نقف لاحدهم على دليل). أقول: عقبة المدنيين وعقبة ذي طوى إن اتحد المراد منهما فلا تعارض وإن اختلف فلا بد أن يكون ذلك لاختلاف الجهات. وحينئذ لا اختلاف بين النصوص، لان بيوت مكة من جهة: عقبة المدنيين، ومن جهة أخرى: عقبة ذي طوى، والوارد إلى مكة من جهة يكون قطعه عند النظر إلى بيوتها من تلك الجهة لا من الاخرى، وحينئذ لا معارضة بين النصوص ولا منافاة ومقتضى ما في الروضة والمسالك: أن عقبة ذي طوى تكون من جهة أسفل مكة، كما حكي عن تهذيب الاسماء ولعل اختلاف الجماعة - قدس سرهم - مبني على اختلاف الازمنة في تداول الطرق إلى مكة. (1) كما عن المشهور فيه وفيما بعده. جمعا بين صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع)، قال في حديث: (ومن خرج من مكة يريد العمرة ثم دخل معتمرا لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة) (* 1) ومصحح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (من اعتمر من التنعيم


____________
(* 1) الوسائل باب: 45 من ابواب الاحرام حديث: 8.

===============

( 420 )

فلا يقطع التلبية حتى ينظر إلى المسجد (* 1). وبين خبر معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) - في حديث - قال: (وإن كنت معتمرا فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم) (* 2) وصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع): (من دخل مكة مفردا للعمرة فليقطع التلبية حين تضع الابل أخفافها في الحرم) (* 3)، وحسن مرازم عن أبي عبد الله (ع): (يقطع صاحب العمرة المفردة التلبيه إذا وضعت الابل أخفافها في الحرم) (* 4). ونحوها غيرها. لكن في جملة من النصوص: أنه يقطع التلبية عند النظر إلى بيوت مكة. منها: موثق يونس بن يعقوب قال: (سألت أبا عبد الله (ع): عن الرجل يعتمر عمرة مفردة، من أين يقطع التلبية؟ قال (ع): إذا رأيت بيوت مكة - ذي طوى - فاقطع التلبية) (* 5). وفى خبر الفضيل ابن يسار قال: (سألت أبا عبد الله (ع) قلت: دخلت بعمرة، فاين أقطع التلبية؟ قال (ع): حيال العقبة، عقبة المدنيين. فقلت: أين عقبة المدنيين؟ قال: بحيال القصارين) (* 6) وصحيح البزنطي، المروي في قرب الاسناد قال: (سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن الرجل يعتمر عمرة المحرم من أين يقطع التلبية؟ قال: كان أبو الحسن (ع) يقول: يقطع التلبية إذا نظر إلى بيوت مكة) (* 7). ونحوها غيرها.


____________
(* 1) الوسائل باب 45 من ابواب الاحرام حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 45 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 45 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 45 من أبواب الاحرام حديث: 6. (* 5) الوسائل باب: 45 من ابواب الاحرام حديث: 3. (* 6) الوسائل باب: 45 من أبواب الاحرام حديث: 11. (* 7) الوسائل باب: 45 من أبواب الاحرام حديث: 12.

===============

( 421 )

وعن الصدوق (ره): أنه جمع بينها بالتخيير. وحكاه في الشرائع قولا، وفى النافع: أنه أشبه، وفى كشف اللثام: أنه لا بد منه. ويشكل: بأن الصحيح الاول مختص بمن خرج من مكة للعمرة، ولا معارض له في مورده إلا بالعموم اللازم تخصيصه. بل قيل: إن نصوص القطع بدخول الحرم لا تشمله، لان الخارج من مكة إحرامه من أدنى الحل، فلا تمضي مدة يكون انتهاؤها بدخول الحرم، فلا بد أن يختص بالبعيد الذي يقبل إلى مكة. بل خصوص البعيد الذي إحرامه من الميقات لا من أدنى الحل كما تقدم في المواقيت. نعم يبقى الاشكال في وجه الجمع بين الطائفتين الاخريين. وعن ظاهر الشيخ في التهذيب والاستبصار: الجمع بينهما، بحمل الاولى على من لم يجئ من المدينة أو العراق، وحمل الثانيه على من جاء منهما. فان جاء من المدينة قطع عند عقبة المدنيين، وإن جاء من العراق قطع عند ذي طوى، وان جاء من غيرهما قطع عند دخول الحرم، وإن خرج من مكة قطع عند رؤية الكعبة. ولا بأس به لو كانت الطائفة الثانية مختصة بخبري الفضيل ويونس - المذكور فيهما: عقبة المدنيين، وذي طوى - عملا بالنصوص الخاصة في موردها، وبالنصوص العامة في بقية الموارد. لكن من جملة الطائفة الثانية: صحيح البزنطي، الذي لم يذكر فيه طريق بعينه، فيكون التعارض بينه وبين الطائفة الاولى مستحكما. فيحتمل الجمع بينهما، بحمل الثانية على تأكد المنع. ويحتمل الجمع بالتخصيص، بناء على ما عرفت: من أن نصوص الدخول في الحرم مختصة بالمحرم من الميقات، وصحيح البزنطي أعم منها، فيخصص بها. لكن الظاهر أن نصوص النظر إلى البيوت لا عامل بها. بل خبر الفضيل ظاهره القطع

===============

( 422 )

[ مكة لاحرامها. والحاج - بأي نوع من الحج يقطعها عند الزوال من يوم عرفة (1). وظاهرهم: أن القطع في الموارد المذكورة على سبيل الوجوب (2)، وهو الاحوط. وقد يقال بكونه مستحبا. ] عند الوصول إلى البيوت لا النظر إليها، فيتعارضان. وكيف كان فاعراض الاصحاب عنها يوجب سقوطها عن الحجية. (1) بلا خلاف ظاهر. ويشهد له النصوص المستفيضة. منها: صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) أنه قال: (الحاج يقطع التلبية يوم عرفة زوال الشمس) (* 1)، ومصحح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (قال: قطع رسول الله صلى الله عليه وآله التلبية حين زاغت الشمس يوم عرفة. وكان علي بن الحسين (ع) يقطع التلبية إذا زاغت الشمس يوم عرفة) (* 2)، ومصححه الآخر عن أبي عبد الله (ع): (إذا زالت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية عند زوال الشمس) (* 3). ونحوها غيرها. (2) بل عن الخلاف والوسيلة: النص عليه، بل عن الاول: الاجماع عليه، وحكي عن علي بن بابويه. وفى المدارك: إنه حسن، بل هو ظاهر الجميع ويقتضيه ظاهر النصوص، فان الامر بالفعل بعد النهي عنه، وان قلنا إنه ظاهر في الرخصة فيه، كما أن النهي عن الشئ بعد الامر به ظاهر في الرخصة في تركه، لكن ذلك في غير العبادة. أما فيها فظاهر النهي بعد الامر نفي المشروعية، وهو المراد من وجوب القطع في كلامهم، لا الوجوب التكليفي.


____________
(* 1) الوسائل باب: 44 من أبواب الاحرام حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 44 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 44 من أبواب الاحرام حديث: 5.

===============

( 423 )

[ (مسألة 22): الظاهر أنه لا يلزم - في تكرار التلبية - أن يكون بالصورة المعتبرة في انعقاد الاحرام - بل ولا باحدى الصور المذكورة في الاخبار - بل يكفي أن يقول: " لبيك اللهم لبيك " (1). بل لا يعبد كفاية تكرار لفظ: (لبيك). (مسألة 23): إذا شك بعد الاتيان بالتلبية أنه أتى بها صحيحة أم لا بنى على الصحة (2). (مسألة 24): إذا أتى بالنية ولبس الثوبين وشك في أنه أتى بالتلبية أيضا حتى يجب عليه ترك المحرمات أولا، يبني على عدم الاتيان بها (3). فيجوز له فعلها ولا كفارة عليه. (مسألة 25): إذا أتى بموجب الكفارة (4) وشك ] (1) لاطلاق النصوص. بل يظهر ذلك بملاحظة التكرار في صحيح معاوية بن عمار المتقدم في المتن (* 1). وكفى بالاطلاق دليلا على ذلك وعلى ما بعده، فضلا عن الصحيح. (2) عملا بقاعدة الصحة - المعبر عنها بقاعدة الفراغ في بعض الموارد - التي تشهد لها النصوص، وبناء العقلاء، كما أشرنا إلى ذلك في بعض المباحث السابقة. (3) لاصالة عدمه. فيجوز له فعل المحرمات، لان النصوص المتقدمة دلت على أن موضوع الجواز عدم التلبية. (4) يعني: وقد أتى بالتلبية.


____________
(* 1) الوسائل باب: 40 من أبواب الاحرام حديث: 2. وقد تقدم ذلك في المسألة: 13 من هذا الفصل.

===============

( 424 )

[ في أنه كان بعد التلبية حتى تجب عليه أو قبلها، فان كانا مجهولي التاريخ أو كان تاريخ التلبية مجهولا لم تجب عليه الكفارة (1) وإن كان تاريخ إتيان الموجب مجهولا، فيحتمل أن يقال بوجوبها، لاصالة التأخر (2). لكن الاقوى عدمه، لان الاصل لا يثبت كونه بعد التلبية. الثالث من واجبات الاحرام: لبس الثوبين (3) ] (1) أما في الصورة الاولى فلاصالة البراءة الجارية بعد عدم جريان الاصل في مجهولي التاريخ - إما لعدم كونهما مجرى للاصل. أو للتعارض بين الاصلين على الخلاف - كما أشرنا إلى ذلك في بعض مباحث الخلل في الوضوء. وأما في الثانية فلاصالة عدم التلبية إلى حين فعل المحرم، المقتضية لانتفاء الحرمة والكفارة، كما عرفت في المسألة السابقة. (2) يشير إلى ما ذكره جماعة: من أصالة تأخر الحادث، إذا شك في تقدمه وتأخره. والاشكال عليه ظاهر، لان التأخر حادث، فلا يثبت بالاصل. وحينئذ يتعين الرجوع إلى أصالة البراءة من وجوب الكفارة. (3) قال في الذخيرة: (لا أعلم خلافا في هذا الحكم بين الاصحاب بل قال في المنتهى: إنه لا نعلم خلافا). ونحوه كلام غيره. وعن التحرير: الاجماع عليه. ومستنده قيل التأسي. وإشكاله ظاهر، لان فعله صلى الله عليه وآله أعم من الوجوب وقيل: النصوص. مثل: صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): (قال: إذا انتهت إلى العقيق من قبل العراق، أو إلى الوقت من هذه المواقيت وأنت تريد الاحرام - إن شاء الله - فانتف أبطيك وقلم أظفارك، وأطل عانتك، وخذ من شاربك - ولا يضرك بأي ذلك

===============

( 425 )

بدأت - ثم استك، واغتسل، والبس ثوبيك. وليكن فراغك من ذلك....) (* 1) ونحوه غيره. وفى دلالتها تأمل، لانها واردة في مقام بيان الآداب. ولذلك قال في كشف اللثام: (وأما لبس الثوبين فان كان على وجوبه إجماع كان هو الدليل، وإلا فالاخبار التي ظفرت بها لا تصلح مستندا له، مع أن الاصل العدم). وهل يختص وجوب لبسهما بالرجل أو يعم المرأة؟ فيه إشكال. وفى الجواهر: حكي الثاني عن بعض الفضلاء. وقوى العدم، لعدم شمول النصوص لها. وقاعدة الاشتراك غير جارية هنا، لمخالفتها لظاهر النص والفتوى... وفيه: أن الفتاوى مطلقة، ولم أقف على من قيد الوجوب بالرجل إلا البحراني في حدائقه. وأما النصوص - فان تمت دلالتها على الوجوب - فالخطاب فيها للرجل كغيرها من أدلة التكاليف التي كان البناء على التعدي فيها من الرجل إلى المرأة. مع أن في بعض النصوص ما يظهر منه ثبوت الحكم فيها. ففي موثق يونس بن يعقوب قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الحائض تريد الاحرام. قال: تغتسل، وتستثفر، وتحتشي بالكرسف، وتلبس ثوبا دون ثياب إحرامها...) (* 2)، وخبر زيد الشحام عن أبي عبد الله (ع) قال: (سئل عن امرأة حاضت وهي تريد الاحرام فتطمث. قال: تغتسل، وتحتشي، بكرسف، وتلبس ثياب الاحرام، وتحرم) (* 3).


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب الاحرام حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 48 من ابواب الاحرام حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 48 من أبواب الاحرام حديث: 3.

===============

( 426 )

[ بعد التجرد عما يجب على المحرم اجتنابه (1): يتزر بأحدهما، ويرتدي بالآخر. والاقوى عدم كون لبسهما شرطا في تحقق الاحرام (2)، ] (1) لما سيأتي. (2) حكي ذلك عن ظاهر الاصحاب. قال في الدروس: (وهل اللبس من شرائط الصحة حتى لو أحرم عاريا أو لابسا مخيطا لم ينعقد؟؟ نظر. وظاهر الاصحاب انعقاد، حيث قالوا: لو أحرم وعليه قميص نزعه ولا يشقه، ولو لبسه بعد الاحرام وجب شقه وإخراجه من تحته، كما هو مروي). وفى كشف اللثام: (قلت: كلامهم هذا قد يدل على عدم الانعقاد، فان الشق والاخراج من تحت للتحرز عن ستر الرأس، فعلهم لم يوجبوه أولا لعدم الانعقاد. نعم الاصل عدم اشتراط الانعقاد). أقول: الكلام تارة: في عدم اشتراط صحة الاحرام بلبس الثوبين، وأخرى: في عدم اشتراطه بالتجرد عن لبص الخيط. وما ذكره الاصحاب إنما يرتبط بالثاني. فان كان غرض الدروس الاستدلال به على الاول فهو كما ترى. وإن كان غرضه الاستدلال به على الثاني فهو في محله، إذ لو كان التجرد من لبس المخيط شرطا في صحة الاحرام لكان اللازم تجديد النية والتلبية، وظاهر الاصحاب عدم الاحتياط إلى ذلك كظاهر النص. ففي صحيح معاوية بن عمار وغير واحد عن أبي عبد الله (ع): (في رجل أحرم وعليه قميصه. فقال: ينزعه ولا يشقه. وإن كان لبسه بعدما أحرم شقه وأخرجه مما يلي رجليه) (* 1)، وخبر عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله (ع): (فيمن لبس قميصا. فقال (ع) له: متى


____________
(* 1) الوسائل باب: 45 من أبواب تروك الاحرام حديث: 2.

===============

( 427 )

[ بل كونه واجبا تعبديا. والظاهر عدم اعتبار كيفية مخصوصا في لبسهما، فيجوز الاتزار بأحدهما كيف شاء، والارتداء بالآخر، أو التوشح به، أو غير ذلك من الهيئات (1). ] لبست قميصك؟ أبعد ما لبيت أم قبل؟؟ قال: قبل أن البي. قال (ع): فأخرجه من رأسك، فانه ليس عليك بدنة، وليس عليك الحج من قابل أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه) (* 1). ونحوه خبر خالد بن محمد الاصم (* 2). نعم في مصحح معاوية عن أبي عبد الله (ع) قال: (إن لبست ثوبا في إحرامك لا يصلح لك لبسه فلب وأعد غسلك، وإن لبست قميصا فشقه وأخرجه من تحت قدميك) (* 3). لكن الظاهر منه اللبس بعد الاحرام، ويكون مفاده الفرق بين القميص وغيره من الثياب التي لا يصلح للمحرم لبسها، وهو على ظاهره غير معمول به. وسيأتي ماله نفع في المقام في المسألة الآتية. هذا كله في عدم اشتراط التجرد. وأما عدم اشتراط لبس الثوبين، فالعمدة فيه: صحيح معاوية عن أبي عبد الله (ع): (يوجب الاحرام ثلاثه أشياء: التلبية، والاشعار، والتقليد. فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم) (* 4). فان اطلاقه يقتضي نفي شرطية لبس الثوبين كغيره مما يحتمل فيه الشرطية. (1) الظاهر أنه لا إشكال في وجوب الاتزار بأحدهما، ولكن


____________
(* 1) الوسائل باب: 45 من أبواب تروك الاحرام حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 45 من ابواب تروك الاحرام حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 45 من أبواب تروك الاحرام حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 12 من أبواب أقسام الحج حديث: 20.

===============

( 428 )

[ لكن الاحوط لبسهما على الطريق المألولف. ولذا الاحوط عدم عقد الازار في عنقه (1). ] اختلفت كلماتهم في الثاني، ففي المنتهى والتذكرة: أنه يرتدي به. وعن الوسيلة: أنه يتوشح به. وهو - كما عن الازهري وغيره -: أن يدخل طرفه تحت أبطه الايمن ويلقيه على عاتقه الايسر، كالتوشح بالسيف. وفى القواعد: (يأتزر بأحدهما ويتوشح بالآخر أو يرتدي به). وحكي عن الشيخ والحلي والمسالك وغيرهم: التخيير المذكور. وفى كشف اللثام: (ولا يتعين عليه شئ من الهيئتين. للاصل من غير معارض. بل يجوز التوشح بالعكس أيضا، أي: إدخال طرفه تحت الابط الايسر والقاؤه على الايمن). وفى الحدائق: قوة الاول. للتعبير بالرداء في جملة من النصوص. منها: صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع)، وفيه: (لما نزل الشجرة - يعني: رسول الله صلى الله عليه وآله - أمر الناس بنتف الابط، وحلق العانة، والغسل، والتجرد في ازار ورداء، أو ازار وعمامة يضعها على عائقه لمن لم يكن له رداء) (* 1). وفى رواية محمد بن مسلم: (يلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء) (* 2). ونحوهما. لكن النصوص المذكور ليس فيها إلا ذكر الرداء، ولم تتعرض لكيفية لبسه. نعم النصوص المتضمنة للامر بلبس الثوبين ظاهرة في لبس كل واحد منهما في محله. لكن عرفت المناقشة في ورودها مورد الوجوب. فتأمل. (1) في موثق سعيد الاعرج: (أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن المحرم يعقد أزاره في عنقه؟ قال (ع): لا) (* 3). وفى خبر علي بن


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب أقسام الحج حديث: 15. (* 2) الوسائل باب: 44 من أبواب تروك الاحرام حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 53 من أبواب تروك الاحرام حديث: 1.

===============

( 429 )

[ بل عدم عقده مطلقا ولو بعضه ببعض، وعدم غرزه بابرة ونحوها (1). وكذا في الرداء الاحوط عدم عقده (2). لكن الاقوى جواز ذلك كله في كل منهما (3)، ما لم يخرج عن ] جعفر (ع) عن أخيه موسى بن جعفر (ع): (المحرم لا يصلح له أن يعقد أزاره على رقبته. ولكن يثنيه على عنقه ولا يعقده) (* 1). وظاهرهما المنع، وإن كان ظهور الثاني محل تأمل. (1) في مكاتبه محمد بن عبد الله ابن جعفر (ع) إلى صاحب الزمان (ع) المروية في الاحتجاج: (أنه كتب إليه يسأله عن المحرم، يجوز أن يشد الميزر من خلفه على عنقه [ عقبة خ ل ]... (إلى أخر ما ذكر في السؤال). فأجاب (ع): جائز أن يتزر الانسان كيف شاء إذا لم يحدث في الميزر حدثا بمقراض، ولا إبرة تخرجه به عن حد الميزر وغرزه غرزا ولم يعقده ولم يشد بعضه ببعض، وإذا غطى سرته... (إلى أن قال): والافضل لكل أحد شده على السبيل المألوفة للناس جميعا) (* 2). (2) فعن العلامة والشهيد في الدروس وغيرهما: عدم الجواز. ويستدل له بموثق الاعرج المتقدم، بناء على أن المراد بالازار الرداء بقرينة السؤال، لانه هو الذي يعقد في العنق. ولذا خص الجماعة المنع فيه، وفى الدروس صرح بجواز عقد الازار. (3) فان موثق الاعرج غير ظاهر في المنع، لاحتمال كون السؤال فيه عن وجوب العقد - لمناسبة الستر الذي هو أقرب إلى مقام العبادة والتواضع - فيكون النفي في الجواب بنفي الوجوب. لا كون السؤال فيه عن الجواز،


____________
(* 1) الوسائل باب: 53 من أبواب تروك الاحرام حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 53 من أبواب تروك الاحرام حديث: 3.

===============

( 430 )

[ كونه رداء أو أزارا. ويكفي فيهما المسمى (1). وإن كان الاولى - بل الاوحط أيضا - كون الازار مما يستر السرة والركبة والرداء مما يستر المنكبين (2). والاحوط عدم الاكتفاء بثوب طويل يتزر ببعضه ويرتدي بالباقي (3)، إلا في حال الضرورة والاحوط كون اللبس قبل النية والتلبية (4)، ] ليكون النفي لنفي الجواز. وأما خبر ابن جعفر (ع) فضعيف السند. مضافا إلى ضعف الدلالة. وكذا المكاتبة، لعدم ذكر السند في كتاب الاحتجاج. مع قرب احتمال أن يكون المراد من العقد فيها العقد المخرج عن كونه أزارا. فلاحظ. (1) للاصل. وإطلاق النص. لكن الاطلاق قد عرفت الاشكال فيه، فالعمدة: الاصل. (2) المعروف بينهم: أنه يعتبر في الازار ستر ما بين السرة والركبة وفى الرداء ستر ما بين المنكبين، وعن الرياض: نفي الاشكال عن ذلك. لكنه لا دليل عليه، واللازم الرجوع فيه إلى العرف، كما صرح به غير واحد، منهم: السيد في المدارك، والشيخ في الجواهر. وفى صدق الرداء على ما يستر المنكبين فقط إشكال، بل الظاهر وجوب ستر أكثر من ذلك. (3) قال في الدروس: (ولو كان الثوب طويلا فأتزر ببعضه وارتدى بالباقي أو توشح أجزأ). وعليه فالاثنينية - في النص والفتوى - لا اعتبار لها. وفى الجواهر: (لا يخلو من وجه). ولكنه غير ظاهر. (4) كما صرح به غير واحد. ويقتضيه الامر بذلك في النصوص، حيث ذكر فيها في سياق مقدمات الاحرام. وفى الجواهر: جعله ظاهر النص والفتوى. لكن من المعلوم أن الواجب وقوع ذلك حال التلبية التي

===============

( 431 )

[ فلو قدمهما عليه أعادهما بعده (1). والاحوط ملاحظة النية في اللبس (2). وأما التجرد فلا يعتبر فيه النية (3)، وإن كان الاحوط والاولى اعتبارها فيه أيضا. (مسألة 26): لو أحرم في قميص (4) عالما عامدا أعاد. لا لشرطية لبس الثوبين (5)، لمنعها - كما عرفت - بل لانه مناف للنية، حيث أنه يعتبر فيها العزم على ترك المحرمات التي منها لبس المخيط (6). وعلى هذا فلو لبسهما فوق القميص أو تحته كان الامر كذلك أيضا، لانه مثله في ] بها يكون عقد الاحرام، ولا يجب قبلها ولو حال النية. للاصل. والنصوص لا تفي بالوجوب قبل ذلك، لما عرفت من الاشكال فيها. (1) هذا ينافي ما تقدم منه، من عدم كون اللبس شرطا في صحة الاحرام، ومقتضاه الاثم وعدم وجوب الاعادة. (2) لان الظاهر كونه من العبادات - كالتلبية - حسب مرتكزات المتشرعة (3) فانه - كغيره من تروك الاحرام - ليس من العبادة التي يعتبر فيها التقرب. (4) يعني: أحرم في القميص بدون لبس ثوبين. (5) يعني: وهو مفقود. (6) فيه: أن منافاة اللبس حال الاحرام للنية وان كان يقتضي البطلان لفوات النية، لكن عرفت: أن يقتضى صحيح معاوية السابق الصحة (* 1). وكذا مقتضى فتوى الاصحاب، كما أشرنا إلى ذالك في توجيه كلام الدروس.


____________
(* 1) الوسائل باب: 45 من أبواب تروك الاحرام حديث: 2 وقد تقدم في المسألة السابقة.

===============

( 432 )

[ المنافاة للنية. إلا أن يمنع كون الاحرام هو العزم على ترك المحرمات (1)، بل هو البناء على تحريمها على نفسه (2)، فلا تجب الاعادة حينئذ. هذا ولو أحرم في القميص جاهلا بل أو ناسيا أيضا - نزعه وصح إحرامه (3)، أما إذا لبسه ] وحينئذ لابد من الخروج عن القاعدة المذكورة، بأن يلتزم بان المحرم هو اللبس بعد الاحرام لاحاله، فلا يكون لبس القميص حال الاحرام منافيا لنية الاحرام. ولذلك صح الاحرام حينئذ ووجب نزع الثوب. نعم مقتضى إطلاق الصحيح - كاطلاق الفتوى - عدم الفرق بين العلم والجهل بالموضوع والحكم، والنسيان للحكم والموضوع. لكن ظاهر ما في خبر خالد بن محمد الاصم، من التعليل بقوله (ع): (أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه) (* 1). الاختصاص بحال الجهل، فلا يشتمل حال العلم بالموضوع والحكم. وحينئذ يتعين تخصيص صحيح معاوية به، فيحمل على حال الجهل لا غير، ويرجع إلى القاعدة في البناء على البطلان في حال العلم. لكن الخبر ضعيف السند، ومخالف لاطلاق الفتوى - كما عرفت حكايتها في الدروس - فالاعتماد عليه في تقييد الصحيح غير واضح. ولابد من مراجعة كلماتهم، ليتضح اعتمادهم على الخبر في تقييد الصحيح وإهمالهم إياه. (1) كأنه يريد أن نية الاحرام هو العزم، لا أنه نفس الاحرام. (2) قد عرفت أن ذلك هو التحقيق. وهذا البناء عبارة عن الالتزام النفسائي بترك المحرمات. والظاهر المنافاة بينه وبين لبس القميص، فلا فرق بينه وبين العزم في المنافاة. (3) تقدم ما يتعلق بذلك.


____________
(* 1) الوسائل باب: 45 من أبواب تروك الاحرام حديث: 4. وقد تقدم ذلك في المسألة السابقة.

===============

( 433 )

[ بعد الاحرام فاللازم شقه وإخراجه من تحت. والفرق بين الصورتين من حيث النزع والشق تعبد، لا لكون الاحرام باطلا في الصورة الاولى، كما قد قيل (1). (مسألة 27): لا يجب استدامة لبس الثوبين، بل يجوز تبديلهما ونزعهما لازالة الوسخ أو للتطهير (2). بل الظاهر جواز التجرد منهما (3)، مع الامن من الناظر. أو كون العورة مستورة بشئ آخر. (مسألة 28): لا بأس بالزيادة على الثوبين - في إبتداء الاحرام وفي الاثناء - للاتقاء عن البرد والحر (4). ] (1) يشير به إلى ما تقدم من كاشف اللثام. (2) كما صرح به جماعة منهم السيد في المدارك. بل ذكر: أنه مقطوع به عند الاصحاب. ويقتضيه الاصل، بعد عدم الدليل على وجوب الاستمرار. وفى رواية الشحام: (عن امرأة حاضت وهي تريد الاحرام فطمثت، فقال (ع): تغتسل، وتحتشي بكرسف، وتلبس ثياب الاحرام وتحرم. فإذا كان الليل خلعتها ولبست ثيابها الاخر حتى تطهر) (* 1). (3) كل ذلك ذلك للاصل. (4) بلا خلاف فيه، كما عن المفاتيح وشرحه. ففي مصحح الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن المحرم يتردى بالثوبين؟ قال: نعم والثلاثة إن شاء، يتقي بها البرد والحر) (* 2) وفى مصحح معاوية بن عمار


____________
(* 1) الوسائل باب: 48 من أبواب الاحرام حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الاحرام حديث: 1.

===============

( 434 )

[ بل ولو اختيارا (1). (قد تم كتاب الحج بعون الله. وصلى الله عليه محمد وآله الطاهرين) ] عن أبي عبد الله (ع): (سألته عن المحرم يقارن بين ثيابه وغيرها التي أحرم فيها. قال (ع): لا بأس بذلك إذا كانت طاهرة) (* 1). (1) كما يقتضيه المصحح الثاني. مضافا إلى الاصل. وقد يتوهم - من اقتصار جماعة على ما في مضمون المصحح الاول -: عدم جواز الزيادة اختيارا. لكنه بعيد، مخالف للاصل والنص. والله سبحانه ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. إلى هنا انتهى ما أردنا شرحه من كتاب العروة الوثقى من مباحث الحج، في جوار الحضرة العلوية المشرقة، عند غروب اليوم السابع من شهر شعبان، سنة ألف وثلاثمائة وخمس وسبعين هجرية. والحمد لله تعالى كما هو أهله، والصلاة والسلام على رسوله الاكرم وآله الطاهرين.


____________
(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الاحرام حديث: 2.