الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)

 

المرجع الديني الراحل

آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره الشريف)

 

 

الطبعة الأولى

1420هـ 1999م

 

 

مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر

بيروت ـ لبنان ص.ب: 6080 شوران

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بقية الله

خير لكم

إن كنتم مؤمنين

 

صدق الله العلي العظيم

سورة هود: 86

 

كلمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الإمام المهدي(عليه السلام)

عنوان جميل.. وعنفوان جليل.

وريح العطور.. وشذى الزهور.. وعبق المسك والكافور، يملؤ جوَّ الأصيل.

أو كأن كل ذلك محمول ـ بل محمّل ـ لنسيم الصبح العليل.

ذكر تقدّس، واسم تعاظم، وصفات جلّت عن الحصر والتقدير، والفهم والتفكير، فهو الذي لا يعلم من هو إلا الله رب العالمين.. ورسوله الأمين(صلى الله عليه وآله وسلّم) وآباؤه الأكرمين من آل طه( الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً..

 

الإمام المهدي(عليه السلام)

نور يعمّ الأرجاء، وفكرة تبعث على الرجاء، وأمل يدغدغ الأرواح المؤمنة والقلوب الطاهرة النظيفة، فتبعث فيها أمل اللقاء بالمخلِّص الرباني المنتظر، وأمل الخلاص من كل هذه المآسي والمحن، والظلم والجور والفتن، التي أصبحت تلفُّ العالم بجدار سميك من الظلام الدامس، والظلم الفاحش.

 

الإمام المهدي (عليه السلام)

فكر عملاق، وعمل في القمة، لأنه يختزن وعداً بكل خير.. بكثرة الأرزاق، وفتح الأسواق، وكثرة الأموال حتى أن الذهب سيكوّم في المعابر والطرقات، ولا أحد يأخذ منه إلاّ حاجته ويدع الباقي في مكانه ـ كما ورد في الحديث ـ فوجب على من يؤمن به(عليه السلام) أن يعمل بجد ونشاط، دون كلل أو ملل، من أجل تلك الدولة المنتظرة، بتلك القيادة المظفرة..

 

الإمام المهدي (عليه السلام)

هو حقيقة واقعية، وضرورة حياتية حضارية لبني البشر كلهم ـ دون استثناء ـ حتى اللادينيين، واللاأخلاقيين، واللامسؤولين، فهم أيضاً يأملون في أن يحيوا حياة سعيدة وان ينعموا بالأمن والإطمئنان والرفاه والحرية.. وكل ذلك وأكثر في دولة الإمام المنتظر(عليه السلام) العادلة.

فهو (عليه السلام) ليس فكرة مجرَّدة، بل فكر واقعي حضاري.

وهو (عليه السلام) ليس سراب بقيعة، بل هو حقيقة نعيشها في كل لحظة.

وهو (عليه السلام) بالتالي ليس اسطورة إغريقية قديمة، بل هو قائد وموجّه وإمام، ومعه رسالة ودين، نأمل أن نراها ونحيا في ظلالها الوارفة، وإن لم نبلغ ذلك لا شك إن جيلاً من الأجيال القادمة سيشهدونها وينعمون في أفيائها بكل ما يأملون أو حتى يحلمون به...

فالإنفتاح على قضية الإمام المهدي المنتظر(عليه السلام)، والتملي من إشراقاتها، والتشبع من منهل مائها العذب الرقراق، الذي هو لذة للشاربين، تجعل الإنسان المؤمن يطلُّ من أعلى قمم المجد والفخر والنور، على ساحة عريضة مخضرة.. تجتمع فيها قلوب رسالية، وعقول ملائكية، وأجساد بشرية، بأرواح ونفحات إلهية رائعة..

تلك الساحة التي يرتفع منها الظلم والظلام، ويحل محله العدل والمساواة والنور، وتخلو من الخوف والجزع، وينعم أهل الأرض جميعاً بالأمن والأمان، وتتطهر المجتمعات من غل وحقد، وحسد وتباغض، ويسود مكانها المحبة والمودة، والتلاؤم والإخلاء..، كل هذا وأكثر منه نعيم يتلوه نعيم، وخيرات متواليات بعضها في اثر بعض.

وكم هي الكتب التي كُتبت واُلفت عن هذا العظيم المنتظر(عليه السلام) من كل طائفة ومذهب، بل ومن كل دين ومنهج، فالكل يتطلع إلى المخلِّص الأعظم، فكُتبت مئات ـ بل الآلاف ـ من الكتب التي تتناول أحاديث وأحوال وصفات الإمام المهدي (عليه السلام) ودولته المباركة.

وفي هذا السباق نلتقي مع فكرة هذا الكتاب "الإمام المهدي(عليه السلام)" وهو موجز عن أحوال الإمام(عليه السلام)، بالاضافة إلى بعض الأحاديث المختارة والموثوقة من خلال السند والمتن والرواية.. جمعها، وعلَّق على بعض المبهمات فيها، وشرح بعض النقاط الهامة... سماحة الإمام المرجع الديني الأعلى السيد محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) فجاء هذا الكتاب الجميل والذي هو في بابه جليل.

وقد قمنا بطباعة ونشره هذا الكتاب، ليكون لنا شرف المشاركة في توجيه هذه الأجيال إلى إمامها ومخلصها من عذاباتها: الإمام المهدي المنتظر(عليه السلام).

وندعو الله متضرعين بحق "الإمام المهدي (عليه السلام)" أن يحفظه ويعجل مخرجه، ويجعلنا من جنده والمستشهدين بين يديه، وان يسدد هذه الأمة إلى ما فيه صلاحها، وأن يحفظ علماء الدين لا سيما العاملين منهم، وان يمد سماحة الإمام الشيرازي بطول العمر المبارك وأن يفرّج كربته بحقِّ مفرج الكربات عن وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم) ذاك أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام).

وان يوفقنا إلى ما فيه الصلاح والإصلاح لنا ولأمتنا وللناس أجمعين، إله الحق آمين والحمد لله رب العالمين.

 

 مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر

 بيروت ـ لبنان ص ب: 6080 / 13

 

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

الإمام المهدي (عليه السلام) نور له حقيقته الكونية، والمقام التكويني العظيم، فبيمنه ترزق المخلوقات بأسرها(1)، هذا بالاضافة إلى مقامه التشريعي وانه حجة الله على الأرض، فكما أن للشمس مكانتها الكونية، ولذا إذا لم تكن لساخت الأرض، كذلك الإمام المهدي المنتظر(عليه السلام).. ولولاه لساخت الشمس أيضاً، حيث ورد أن بوجوده(عليه السلام) ثبتت الأرض والسماء، مع أن الشمس مادية فحسب والإمام المهدي (عليه السلام) مادي معنوي معاً، فوجوده (عليه السلام) في غيبته لطف لا يستغنى عنه.

والبشرية تنتظر ظهوره لكي يملأ الأرض قسطاً وعدلا بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، ولابد من يوم يظهر.. وحينئذ تتبدل الأرض غير الأرض، فلا هي كالأرض الحالية ولا هي كالجنة، وحيث إنا لانعرف عادة إلا ما رأينا أمثاله، لا نعرف كيفية الكون عند ظهوره او خصوصياتها... وربما لا نستوعب ذلك، مثله مثل عدم معرفتنا بتفاصيل الجنة، كما قالوا(عليه السلام): (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)(2).

وهذا موجز حول الإمام (عليه السلام) كتبته ليكون خدمة في سبيله، وهو الرابع عشر من سلسلة أحوال المعصومين (عليه السلام) وهي مع ما كتبته حول المبدء والمعاد ستة عشر كتاباً، نسأل الله سبحانه القبول وهو المستعان.

قم المقدسة

 1418 هـ ق / محمد الشيرازي

 

 

ولادة الإمام (عليه السلام) واسمه المبارك

كانت ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) في سامراء، اليوم الخامس عشر من شهر شعبان سنة 255هـ(3).

واسمه الشريف وكنيته المباركة نفس اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وكنيته كما ورد في الحديث(4).

وقالوا: لا يجوز ذكر اسمه في زمن الغيبة، لكن هذا الكلام غير متيقن، فان الظروف السياسية في زمن الإمام العسكري (عليه السلام) وما والاه لم تسمح بذكر اسمه الشريف، باعتبار أن العباسيين ومن أشبههم كانوا يسعون باخماد ذكره (عليه السلام) وقتله، بزعمهم انهم يتمكنون من اطفاء نور الله، قال تعالى: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)(5).

وقال عزوجل: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون)(6).

وإلا فالظاهر أن ذكر اسمه المبارك في هذا الزمان جائز، وان كان تمام الحكمة في التحريم في ذلك الزمان أيضاً غير بين لنا، لأن الكفار والمنافقين والظالمين ما كانوا يتمكنون منه بتقدير الله تعالى، ولعلهم كانوا يقتلون الذين كانوا يسمون به من الناس، أو انه عزوجل أراد حفظه (عليه السلام) مع ملاحظات قانون الأسباب والمسببات الكونية أو لغير ذلك(7).

وألقابه (عليه السلام) كثيرة منها: الصاحب، والحجة، والمنتظر، والخاتم، والمهدي، وهذا الأخير هو ما اشتهر الإمام به(8).

 

قصة الولادة المباركة (9)

قال بشر: أتاني كافور الخادم فقال: (مولانا ابو الحسن علي بن محمد العسكري يدعوك إليه).

ـ أقول: وإنما سُمي الإمام (عليه السلام) بالعسكري لأن الخليفة الظالم سجن الإمام(عليه السلام) في العسكر حتى لايتمكن من الخروج عليه ـ.

(فأتيته فلما جلست بين يديه قال لي: يا بشر انك من ولد الأنصار، وهذه الموالاة لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، وأنتم ثقاتنا أهل البيت، واني مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها الشيعة في الموالاة، بسرّ اطلعك عليه، وانفذك في ابتياع أمة، فكتب كتاباً لطيفاً بخط رومي ولغة رومية وطبع عليه خاتمه واخرج شُقَيقة) ـ تصغير شقة وهي جنس من الثياب ـ (صفراء فيها مائتان وعشرون ديناراً فقال : خذها وتوجه بها إلى بغداد واحضر معبر الفرات ضحوة يوم كذا، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وترى الجواري فيها ستجد طوائف المتابعين من وكلاء قواد بني العباس وشرذمة من فتيان العرب فإذا رأيت ذلك فاشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس) ـ والنخاس عبارة عن الذي كان يبيع العبيد والاماء ـ (عامة نهارك إلى أن تبرز للمبتاعين جارية، صفتها كذا وكذا لابسة حريرين صفيقين) ـ الصفيق من الثوب: ما كثف نسجه ـ (تمتنع من العرض ولمس المعترض والانقياد لمن حاول لمسها وتسمع صرخة رومية من وراء ستر رقيق فاعلم أنها تقول: واهتك ستراه.

فيقول بعض المبتاعين: علي ثلاثمائة دينار.. فقد زادني العفاف فيها رغبة.

فتقول له بالعربية: لو برزت في زي سليمان بن داود وعلى شبه ملكه، ما بدت لي فيك رغبة فاشفق على مالك.

فيقول النخاس: فما الحيلة ولابد بيعك.

فتقول الجارية: وما العجلة ولابد من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه والى وفائه وأمانته.

فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس وقل له: إن معك كتابا ملصقاً لبعض الأشراف، كتبه بلغة رومية وخط رومي وصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه، فناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه، فان مالت إليه ورضيته فانا وكيله في ابتياعها منك.

قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حده لي مولاي أبو الحسن (عليه السلام) في أمر الجارية.

فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديداً وقالت لعمر بن يزيد: بعني من صاحب هذا الكتاب، وحلفت بالمحرّجة والمغلظة ـ أي اليمين المؤكدة ـ انه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها.

فما زلت اشاحه في ثمنها حتى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان اصحبنيه مولاي(عليه السلام) من الدنانير، فاستوفاه وتسلمت الجارية ضاحكة مستبشرة وانصرفت بها إلى الحجيرة التي كنت آوي إليها ببغداد.

فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولانا (عليه السلام) من جيبها وهي تلثمه وتطبقه على جفنها وتضعه على خدها وتمسحه على بدنها.

فقلت متعجباً منها: تلثمين كتاباً لا تعرفين صاحبه؟

فقالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء(عليه السلام) أعرني سمعك وفرغ لي قلبك، انا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون، انبئك بالعجب.

إن جدي قيصر اراد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة، فجمع في قصره من نسل الحواريين من القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل، ومن ذوي الأخطار منهم سبعمائة رجل، وجمع من أمراء الأجناد وقواد العسكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف، وأبرز من بهي ملكه عرشاً مصنوعا من أصناف الجوهر ورفعه فوق أربعين مرقاة، فلما صعد ابن أخيه واحدقت الصلب وقامت الأساقفة عكفاً ونشرت أسفار الانجيل، تسافلت الصلب من الأعلى فلصقت بالأرض وتقوضت أعمدة العرش فانهارت إلى القرار، وخر الصاعد من العرش مغشياً عليه، فتغيرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم.

فقال كبيرهم لجدي: أيها الملك اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال دولة هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني.

فتطير جدي من ذلك تطيراً شديداً وقال للأساقفة: أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان واحضروا أخا هذا المدبر العاثر ـ والمراد بالعاثر الكذاب وفي بعض النسخ العاهر ـ المنكوس جدّه لأزوجه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده.

 فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني مثل ما حدث على الأول، وتفرق الناس وقام جدي قيصر مغتماً فدخل منزل النساء وأرخيت الستور، واُريت في تلك الليلة كان المسيح (عليه السلام) وشمعون وعدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبراً من نور يباري السماء علواً وارتفاعاً في الموضع الذي كان نصب جدي فيه عرشه، ودخل عليهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وختنه ووصيه (عليه السلام) وعدة من أبنائهi.

فتقدم المسيح (عليه السلام) إليه (صلى الله عليه وآله وسلّم) فاعتنقه، فيقول له محمد(صلى الله عليه وآله وسلّم): يا روح الله اني جئتك خاطباً من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، وأومأ بيده إلى ابي محمد (عليه السلام) ابن صاحب هذا الكتاب.

 فنظر المسيح إلى شمعون وقال له: قد أتاك الشرف فصل رحمك رحم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم).

قال: قد فعلت.

فصعد ذلك المنبر فخطب محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وزوجني من ابنه، وشهد المسيح (عليه السلام) وشهد أبناء محمد والحواريون.

فلما استيقظت أشفقت من أن أقص هذه الرؤيا على ابي وجدي مخافة القتل، فكنت أسرها ولا أبديها لهم، وضرب صدري بمحبة أبي محمد (عليه السلام) حتى امتنعت من الطعام والشراب، فضعفت نفسي ودق شخصي ومرضت مرضاً شديداً، فما بقي في مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدي وسأله عن دوائي، فلما برح به اليأس قال: يا قرة عيني وهل يخطر ببالك شهوة فازودكها في هذه الدنيا.

فقلت: يا جدي أرى أبواب الفرج علي مغلقة، فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من اسارى المسلمين، وفككت عنهم الأغلال وتصدقت عليهم ومنّيتهم الخلاص، رجوت أن يهب لي المسيح وأمه عافية.

فلما فعل ذلك تجلدت في اظهار الصحة في بدني قليلاً وتناولت يسيراً من الطعام، فسر بذلك واقبل على اكرام الاسارى واعزازهم، فأريت بعد أربع عشرة ليلة كان سيدة نساء العالمين فاطمة (عليها السلام) قد زارتني ومعها مريم ابنة عمران وألف من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هذه سيدة نساء العالمين أم زوجك أبي محمد (عليه السلام)، فاتعلق بها وابكي وأشكو إليها امتناع ابي محمد(عليه السلام) من زيارتي.

فقالت سيدة النساء (عليها السلام): إن ابني ابا محمد لا يزورك وأنت مشركة بالله على مذهب النصارى، وهذه أختي مريم بنت عمران، تبرأ إلى الله تعالى من دينك، فان ملت إلى رضى الله ورضى المسيح(عليه السلام) ومريم (عليها السلام) وزيارة ابي محمد اياك فقولي: اشهد أن لا اله إلا الله وان ابي محمداً رسول الله.

فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمتني إلى صدرها سيدة نساء العالمين (عليها السلام) وطيبت نفسي وقالت: الآن توقعي زيارة ابي محمد فإني منفذته إليك.

فانتبهت وأنا انول وأتوقع لقاء أبي محمد(عليه السلام).

فلما كان في الليلة القابلة رأيت أبا محمد(عليه السلام) وكأني أقول له: جفوتني يا حبيببي بعدان أتلفت نفسي معالجة حبك.

 فقال (عليه السلام): ما كان تأخري عنك إلا لشركك، فقد اسلمت وأنا زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله تعالى شملنا في العيان، فما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.

قال بشر: فقلت لها: وكيف وقعت في الاسارى.

فقالت: أخبرني ابو محمد (عليه السلام) ليلة من الليالي أن جدك سيسيّر جيشا إلى قتال المسلمين يوم كذا وكذا، ثم يتبعهم، فعليك باللحاق بهم متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف من طريق كذا، ففعلت ذلك فوقعت علينا طلائع المسلمين حتى كان من أمري ما رأيت وشاهدت، وما شعر بأني ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية أحد سواك، وذلك باطلاعي إياك عليه، ولقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته وقلت: (نرجس)، فقال: اسم الجواري.

قلت: العجب انك رومية ولسانك عربي.

قالت: نعم، من ولوع جدي وحمله إياي على تعلم الآداب أن أوعز إليّ امرأة ترجمانة لي في الاختلاف إلي وكانت تقصدني صباحاً ومساءاً وتفيدني العربية حتى استمر لساني عليها واستقام.

قال بشر: فلما انكفأت بها إلى سر من رأى دَخَلَت على مولاي أبي الحسن (عليه السلام) فقال: كيف أراكِ الله عز الإسلام وذل النصرانية وشرف محمد وأهل بيته (عليهم السلام)؟

قالت: كيف اصف لك يا بن رسول الله ما أنت أعلم به مني.

قال: فاني أحببت أن أكرمك، فما أحب إليك: عشرة آلاف دينار، ام بشرى لك بشرف الأبد.

قالت: بشرى بولد لي.

 قال لها: ابشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

قالت: ممن؟

قال: ممن خطبك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) له ليلة كذا في شهر كذا من سنة كذا بالرومية.

قالت: من المسيح ووصيه؟

قال لها: ممن زوجك المسيح (عليه السلام) ووصيه؟

قالت: من ابنك أبي محمد (عليه السلام).

فقال: هل تعرفينه؟

قالت: وهل خلت ليلة لم يرني فيها منذ الليلة التي أسلمت على يد سيدة النساء (صلوات الله عليها).

قال: فقال مولانا: يا كافور ادع أختي حكيمة، فلما دخلت قال لها: ها هي، فاعتنقتها طويلا وسرت بها كثيراً، فقال لها أبو الحسن (عليه السلام): يا بنت رسول الله خذيها إلى منزلك وعلميها الفرائض والسنن، فانها زوجة أبي محمد وأم القائم (عليه السلام) (10).

 

سيولد الليلة المولود الكريم(11)

عن حكيمة(عليها السلام) انها قالت: كانت لي جارية يقال لها: نرجس، فزارني ابن أخي الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) واقبل يحدق النظر إليها، فقلت له: يا سيدي لعلك هويتها فأرسلها إليك؟

فقال: لا يا عمة، ولكني أتعجب منها.

فقلت: وما أعجبك منها؟

فقال (عليه السلام): سيخرج منها ولد كريم على الله عزوجل، الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.

فقلت: فارسلها إليك يا سيدي؟

فقال: استأذني في ذلك أبي.

قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن الهادي(عليه السلام) فسلّمت وجلست، فبدأني وقال (عليه السلام): يا حكيمة، ابعثي نرجس إلى ابني أبي محمد.

قالت: فقلت يا سيدي على هذا قصدتك على أن استأذنك في ذلك.

فقال لي: يا مباركة إن الله تبارك وتعالى أحب أن يشركك في الاجر ويجعل لك في الخير نصيباً.

قالت حكيمة: فلم البث أن رجعت إلى منزلي وزينتها ووهبتها لأبي محمد (عليه السلام) وجمعت بينه وبينها في منزلي، فأقام عندي أياماً ثم مضى إلى والده (عليه السلام) ، ووجّهت بها معه.

قالت حكيمة: فمضى أبو الحسن (عليه السلام) وجلس أبو محمد(عليه السلام) مكان والده وكنت أزوره كما كنت ازور والده، فجاءتني نرجس يوماً تخلع خفي فقالت: يا مولاتي ناوليني خفك.

 فقلت:بل أنت سيدتي ومولاتي، والله لا ادفع إليك خفي لتخلعيه ولا لتخدميني، بل أنا أخدمك على بصري.

فسمع أبو محمد (عليه السلام) ذلك فقال: جزاك الله يا عمة خيراً، فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لأنصرف.

فقال (عليه السلام): لا يا عمتاه، بيتي الليلة عندنا فانه سيولد الليلة المولود الكريم على الله عزوجل، الذي يحيي الله عزوجل به الأرض بعد موتها.

فقلت: ممن يا سيدي ولست أرى بنرجس شيئاً من أثر الحبل.

فقال: من نرجس لا من غيرها.

قالت: فوثبت إليها فقلبتها ظهراً لبطن، فلم ار بها أثر حبل، فعدت إليه (عليه السلام) فأخبرته بما فعلت.

فتبسم (عليه السلام) ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل، لأن مثلها مثل أم موسى(عليه السلام) لم يظهر بها الحبل ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها، لأن فرعون كان يشق بطون الحبالى في طلب موسى(عليه السلام)، وهذا نظير موسى (عليه السلام).

 وفي رواية أخرى: انه (عليه السلام) قال: انا معاشر الأوصياء لسنا نحمل في البطون، وانما نحمل في الجنوب، ولا نخرج من الأرحام وانما نخرج من الفخذ الأيمن من أمهاتنا، لأننا نور الله الذي لا تناله الدانسات.

قالت حكيمة: فذهبت إلى نرجس وأخبرتها بما قال.

فقالت: لم أر شيئاً ولا أثراً.

 فبقيت الليل هناك وافطرت عندهم ونمت قرب نرجس، وكنت أفحصها كل ساعة وهي نائمة، فازدادت حيرتي، واكثرت في هذه الليلة من القيام والصلاة، فلما كنت في الوتر من صلاة الليل قامت نرجس فتوضأت وصلّت صلاة الليل، ونظرت فإذا الفجر الأول قد طلع، فتداخل قلبي الشك.

 فصاح بي أبو محمد (عليه السلام) فقال: لا تعجلي يا عمة فان الأمر قد قرب.

 فرأيت اضطراباً في نرجس فضممتها إلى صدري وسميت عليها، فصاح أبو محمد (عليه السلام) وقال: اقرئي عليها: (إنا أنزلناه في ليلة القدر)(12) فأقبلت أقرأ عليها وقلت لها: ما حالك؟

قالت: ظهر بي الأمر الذي اخبرك به مولاي.

فاقبلت اقرأ عليها كما امرني، فأجاب الجنين من بطنها يقرأ كما أقرأ، وسلم علي.

قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت.

فصاح بي أبو محمد (عليه السلام): لا تعجبي من أمر الله عزوجل، ان الله تبارك وتعالى ينطقنا بالحكمة صغاراً، ويجعلنا حجة في أرضه كباراً، فلم يستتم الكلام حتى غيبت عني نرجس، فلم ارها كأنه ضرب بيني وبينها حجاب.

فعدوت نحو أبي محمد (عليه السلام) وأنا صارخة.

فقال لي: ارجعي يا عمة فانك ستجديها في مكانها.

قالت: فرجعت فلم البث أن كشف الحجاب الذي كان بيني وبينها، وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشي بصري، وإذا أنا بالصبي (عليه السلام) ساجداً على وجهه، جاثياً على ركبتيه، رافعاً سبابتيه نحو السماء وهو يقول:

(اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأن جدي محمداً رسول الله، وأن أبي أمير المؤمنين، ثم عدّ إماماً إماماً إلى أن بلغ إلى نفسه، فقال: اللهم انجز لي وعدي، وأتمم لي أمري، وثبت وطأتي، واملأ الأرض بي عدلاً وقسطاً).

 

النور الساطع

وفي رواية عن أبي علي الخيزراني، عن جارية له عند الإمام الحسن (عليه السلام) انها قالت: لما ولد (السيد) رأيت له نوراً ساطعاً قد ظهر منه وبلغ أفق السماء، ورأيت طيوراً بيضاء تهبط من السماء وتمسح أجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده ثم تطير، فأخبرنا أبا محمد بذلك، فضحك ثم قال: تلك ملائكة نزلت للتبرك بهذا المولى وهي أنصاره إذا خرج(13).

وفي حديث آخر(14): ناداني أبو محمد (عليه السلام) وقال: يا عمة هاتي ابني إلي، فكشفت عن سيدي (عليه السلام) فإذا به مختوناً مسروراً طهراً طاهراً وعلى ذراعه الأيمن مكتوب: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً)(15).

فأتيت به نحوه فلما مثلت بين يدي ابيه سلم على أبيه، فتناوله الحسن (عليه السلام) وادخل لسانه في فمه ومسح بيده على ظهره وسمعه ومفاصله، ثم قال له: يا بني انطق بقدرة الله(16)، فاستعاذ ولي الله(عليه السلام) من الشطان الرجيم واستفتح: (بسم الله الرحمن الرحيم: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ( ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون)(17)وصلى على رسول الله وعلى أمير المؤمنين(عليه السلام) والأئمة (عليهم السلام) واحداً واحداً حتى انتهى إلى ابيه، وكانت هناك طيور ترفرف على رأسه فصاح (عليه السلام) بطير منها فقال له: احمله واحفظه ورده الينا في كل أربعين يوماً.(18)

فتناوله الطائر وطار به في جو السماء واتبعه سائر الطير، فسمعت أبا محمد يقول: أستودعك الذي استودعته أم موسى(19).

 فبكت نرجس فقال لها: اسكتي فان الرضاع محرم عليه إلا من ثديك، وسيعاد إليك كما رد موسى إلى أمه، وذلك قوله عزوجل:(فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن)(20).

 قالت حكيمة: فقلت ما هذا الطائر؟

قال: هذا روح القدس الموكل بالأئمة(عليهم السلام) يوفقهم ويسددهم ويربيهم بالعلم.

قالت حكيمة: فلما أن كان بعد أربعين يوماً ردّ الغلام، ووجّه اليّ ابن أخي (عليه السلام) فدعاني فدخلت عليه، فإذا انا بصبي متحرك يمشي بين يديه فقلت سيدي هذا ابن سنتين!

فابتسم (عليه السلام) ثم قال: إن أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشؤون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وإن الصبي منا إذا أتي عليه شهر كان كمن يأتي عليه سنة، وان الصبي منا ليتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن ويعبد ربه عزوجل، وعند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليه كل صباح ومساء(21).

قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك الصبي كل أربعين يوماً إلى أن رايته رجلاً قبل مضى أبي محمد (عليه السلام) بأيام قلائل، فلم أعرفه فقلت لأبي محمد (عليه السلام): من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟

فقال: ابن نرجس، وهو خليفتي من بعدي، وعن قليل تفقدوني فاسمعي له وأطيعي.

قالت حكيمة: فمضى أبو محمد (عليه السلام) بأيام قلائل وافترق الناس، وإني والله لأراه صباحاً ومساء وانه لينبئني عما تسألون عنه فأخبركم، و والله اني لأريد أن اسأله عن الشيء فيبدؤني به(22).

 

تكلم يا بني

وفي رواية: أنّ حكيمة u قالت: فلما كان بعد ثلاث اشتقت إلى ولي الله (عليه السلام)، فصرت اليهم، فسألت عنه، فأجابني (عليه السلام): انه أخذه من هو أحق به منك، فإذا كان اليوم السابع فاتينا، فذهبت في اليوم السابع اليهم فرأيت مولاي في المهد يزهر منه النور كالقمر ليلة أربعة عشر.

فقال أبو محمد (عليه السلام) هلمي ابني، فجئت بسيدي، فجعل (عليه السلام) لسانه في فمه، ثم قال له تكلم يا بني، فقال (عليه السلام): (اشهد أن لا اله إلا الله) وثنى بالصلاة على محمد وأمير المؤمنين والأئمة(عليهم السلام) حتى وقف على أبيه، ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض...)(23) ثم قال له: اقرأ يا بني مما انزل الله على أنبيائه ورسله، فابتدأ بصحف آدم (عليه السلام) فقرأها بالسريانية، وكتاب ادريس (عليه السلام) وكتاب نوح(عليه السلام) وكتاب هود (عليه السلام) وكتاب صالح (عليه السلام) وصحف إبراهيم (عليه السلام) وتوراة موسى (عليه السلام) وزبور داود (عليه السلام) وانجيل عيسى (عليه السلام) وفرقان جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ثم قصّ قصص الأنبياء والمرسلين إلى عهده(24).

ثم قال (عليه السلام): لما وهب لي ربي مهديّ هذه الأمة أرسل ملكين فحملاه إلى سرادق العرش حتى وقفا به بين يدي الله عزوجل فقال له: مرحبا بك عبدي، بك نصرة ديني واظهار امري ومهديّ عبادي، آليت اني بك آخذ وبك اعطي وبك أغفر وبك أعذب، اُردداه ايها الملكان ردّاه ردّاه على ابيه رداً رفيقاً وأبلغاه، فانه في ضماني وكنفي وبعيني إلى أن أحق به الحق وأزهق به الباطل ويكون الدين لي واصباً (25).

 

من فلسفة الارهاصات

ثم لا يخفى أن هذه الأعاجيب في قصة ولادة الإمام المهدي(عليه السلام) بتلك الخصوصيات بل وأكثر وأكثر ـ كما في بعض التواريخ والروايات ـ فهي كما كانت الكثير من الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) من الأدلة على نبوتهم أو امامتهم، فانه(عليه السلام) يمتاز على غيره منذ الولادة بل قبلها ايضاً. فهو(عليه السلام) خاتم الأوصياء الذي به يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وكل ذلك ليس بعجيب من أمر الله سبحانه وحكمته.

وفي (حق اليقين) أحاديث أخرى أيضاً في باب ولادته(عليه السلام)، منها:

رواية محمد بن عثمان العمري انه قال: (لما ولد السيد(عليه السلام)، قال أبو محمد (عليه السلام): ابعثوا إلى أبي عمرو، فبعث إليه، فصار إليه فقال: اشتر عشرة آلاف رطل خبزاً وعشرة آلاف رطل لحماً وفرقّه احسبه، قال: علي بن هاشم وعق عنه بكذا وكذا شاة)(26).

 

الإماء

وأما كون بعضهم (عليهم السلام) وهو (عليه السلام) أيضاً، من أولاد الإماء فقد قال عزوجل:(إن أكرمكم عند الله اتقاكم)(27) وقد كان جد نبينا إسماعيل (عليه السلام) ولداً لأمة وهي هاجر(28)، وذلك لأن الله سبحانه يرى عمل الانسان وتقواه ومدى معرفته وإيمانه لا أنه من حرّة أو أمة كما ورد في الحديث: "إن الله لا ينظر إلى صوركم... ولكن ينظر إلى قلوبكم"(29)، والأمة مفضلة إذا كانت فوق الحرّة إيماناً وعملاً صالحاً، كما أن العبد مفضل إذا كان فوق الحرّ عند الله سبحانه، هذا بالاضافة إلى أن الإسلام والأديان السماوية لا تعترف بالطبقيات غير الشرعية، حيث أنه (ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى)(30) وقال (عليه السلام): (الشريف المطيع والوضيع العاصي... انما يتفاضلون بالتقوى... إنّي وجدت، أصل الخلق التراب والأب آدم والأم حواء خلقهم اله واحد وهم عبيده)(31).

 

هل تحرم تسميته (عليه السلام)

قد اختلف في حرمة التسمية وذكر اسمه المبارك(عليه السلام) كما أشرنا إليه، والمشهور بينهم في الأزمنة المتأخرة: شرعية ذكر الاسم وجوازه، وانما الحرمة كانت مختصةً في زمن الغيبة الصغرى لأسباب ذكرناها، وكانت التسمية في زمن الشيخ البهائي (قدس سره) مطروحاً للبحث عن حكمها وكتبوا رسائل عدّة حول الجواز والعدم، مثل (شرعية التسمية) للمحقق الداماد، و(تحريم التسمية) للشيخ الماخوري، وقد فصُّل الكلام في ذلك في الكتاب (النجم الثاقب)(32).

 

من شمائله (عليه السلام)

وروي أن الإمام المهدي (عليه السلام) أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) خلقاً وخُلقاً، وفي كمال الدين: (عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً، تكون به غيبة وحيرة تضل فيها الأمم ثم يقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)(33).

كما روي ان شمائله شمائل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كما في البحار وغيره، فقالوا: إنه (عليه السلام) كان ابيض مشرباً حمرة، اجلي الجبين، أقنى الأنف، غائر العينين، مشرف الحاجبين، له نور ساطع، يغلب سواد لحيته ورأسه، وعلى رأسه فرق بين وفرتين كأنه ألف بين واوين، افلج الثنايا، برأسه جزاز، أي في أخير شعره مثل العُقد، عريض ما بين المنكبين، اسود العينين، ساقه كساق جده أميرالمؤمنين(عليه السلام)، وبطنه كبطنه، ليس بالطويل الشامخ، ولابالقصير اللازق، بل مربوع القامة، مدور الهامة، سهل الخدين، على خده الأيمن خال كأنه فتاة مسك، على رضراضة عنبر، له سمت ما رأت العيون أقصد منه(34).

وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): (... وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي أمتي، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، يظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلة، فيعلن أمر الله ويظهر دين الله جل وعز، ويؤيد بنصر الله وينصر بملائكة الله فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(35).

 

فضل الإمام المهدي (عليه السلام)

م لا يخفى أن الإمام المهدي (عليه السلام) أفضل من الأئمة قبله إلى الإمام السجاد (عليهم الصلاة والسلام) كما يظهر من الأحاديث، فالأول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وبعده أمير المؤمنين (عليه السلام) وفاطمة الزهراء(عليها السلام) معاً، وبعدهما الإمام الحسن(عليه السلام) ثم الإمام الحسين (عليه السلام)، وبعد هؤلاء الأطهار الإمام المهدي (عليه السلام)، وبعده الأئمة الطاهرون من السجاد إلى العسكري (عليه السلام) (36).

 فله (عليه السلام) شرافة النسب بآبائه الطاهرين..

هذا بالنسبة إلى الأب.

وأما بالنسبة إلى الأم فاُمه تنتهي نسبها إلى شمعون الصفا وصي عيسى (عليه السلام) المنتهي نسبه إلى كثير من الأنبياء والأوصياء ومن جملتهم إبراهيم (عليه السلام)، كما مر سابقاً.

ثم انه (عليه السلام) فُضّل أيضاً حيث رفع إلى السماوات في يوم ولادته(37).

 وفي الحديث كما ورد في البحار: ان الله تعالى فضله بقوله: (مرحباً بك عبدي، بك نصرة ديني واظهار أمري ومهدي عبادي آليت إني بك آخذ وبك أعطي وبك اغفر وبك أعذب)، وقد سبق تفصيله(38).

وانه خاتم الأوصياء والحجج(39)، ولا وصي بعده بالمعنى الخاص.

وانه (عليه السلام) ليست في عنقه بيعة لأحد من الجبارين(40) ولم تصل إليه يد ظالم ولا كافر ولا منافق، كما في جملة من آبائه لمصلحة رأها الله تعالى فيهم. ففي الحديث: (لما صالح الحسن بن علي(عليه السلام) معاوية بن ابي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته، فقال(عليه السلام): ويحكم ما تدرون ما عملت، والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، الا تعلمون أنني إمامكم مفترض الطاعة عليكم وأحد سيدي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم)... أما علمتم إنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم(عليه السلام) الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فان الله عزوجل يخفي ولادته ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين(عليه السلام) بن سيدة الإماء، يطيل الله عمره ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير)(41).

وأنه (عليه السلام) يصلي خلفه عيسى بن مريم (عليها السلام) الذي هو روح الله وكلمته(42) قال الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم):( ... من ذريتي المهدي، إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته فقدمه وصلى خلفه)(43).

وعن محمد بن الحنفية: (فينا ست خصال لم تكن في أحد ممن كان قبلنا ولا تكون في أحد بعدنا، منا محمد سيد المرسلين وعلى سيد الوصيين... ومهدي هذه الأمة الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم(عليه السلام) )(44).

وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام): (إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم(عليه السلام) فصلى خلفه)(45).

وأنه يسمع نداء من السماء حين ظهوره، كما ورد بذلك روايات كثيرة نشير إلى بعضها:

روى علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى: (واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب)(46) قال: (ينادي المنادي باسم القائم (عليه السلام) واسم أبيه)(47).

وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر (عليه السلام) انه قال: (ينادي مناد من السماء باسم القائم (عليه السلام) فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقى راقد إلا استيقظ، ولا قائم إلا قعد، ولا قاعد إلا قام على رجليه، فزعاً من ذلك الصوت، فرحم الله من اعتبر بذلك الصوت فأجاب، فان الصوت الأول هو صوت جبرئيل الروح الأمين وهو في شهر رمضان شهر الله ليلة الجمعة في الثالث والعشرين منه)، كما في غيبة النعماني(48) ودلّ على ذلك أخبار متعددة.

 

حركة الأفلاك

ثم إن حركة الأفلاك تبطأ وتقلل سرعتها حين ظهوره (عليه السلام)، ففي رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام): (إذا قام القائم(عليه السلام) سار إلى الكوفة... فيمكث على ذلك سبع سنين مقدار كل سنة عشر سنين من سنيكم هذه، ثم يفعل الله ما يشاء، قال: قلت له: جعلت فداك فكيف تطول السنون؟ قال: يأمر الله تعالى الفلك باللبوث وقلة الحركة فتطول الأيام لذلك والسنون، قال: قلت له: انهم يقولون إن الفلك إن تغيّر فسد، قال: ذلك قول الزنادقة، فأما المسلمين فلاسبيل لهم إلى ذلك، وقد شق الله تعالى القمر لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) ورد الشمس قبله ليوشع بن نون (عليه السلام) واخبر بطول يوم القيامة وانه(كألف سنة مما تعدون)(49) )(50).

وفي بعض الروايات: أن في زمن العدل يطول سير الفلك، بينما في وقت الظلم يقصر سير الفلك، ولقد ذكرنا هذا الحديث في كتاب الآداب والسنن(51).

من خصائصه (عليه السلام)

وانه (عليه السلام) يأتي بمصحف أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي دونه بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وهو المصحف الذي يشتمل على التفسير والتأويل وما أشبه.

 وانه (عليه السلام) تظله غمامة على رأسه الشريف دائماً، وينادي مناد من تلك الغمامة بلسان فصيح بحيث يسمعه الثقلان بان هذا مهدي آل محمد (عليه السلام) يملأ الأرض عدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً (52)، وهذا النداء غير الذي ذكرناه سابقاً.

وانه (عليه السلام) يحضر الملائكة والجن والانس في عسكره لنصرته، كما كان كذلك سليمان النبي (عليه السلام) (53).

وانه (عليه السلام) حين يظهر يكون على هيئة الرجل الذي مضى من عمره ثلاثون أو أربعون سنة، فلا تغيره الأيام(54)..

وعن أبي الصلت الهروي قال: (قلت للرضا (عليه السلام) ما علامات القائم منكم إذا خرج؟ قال: علامته أن يكون شيخ السن، شاب المنظر، حتى أن الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وان من علاماته انه لا يهرم بمرور الأيام والليالي حتى يأتيه أجله) كذا رواه كمال الدين(55).

 

وحتى الحيوانات

كما أن الحيوانات ـ في زمانه (عليه السلام) ـ لا يخاف بعضها من بعض، وكما لا تخاف من الإنسان أيضاً، وتكون الألفة بين بعضها البعض، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث: (ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، ولأخرجت الأرض نباتها، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد،واصطلحت السباع والبهائم، حتى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلا على النبات، وعلى رأسها زينتها لا يهيجها سبع ولا تخافه)(56).

أقول: إن الأرض تكون في ذلك الحال كمثل صغير للجنة كما قال سبحانه: (ونزعنا ما في صدورهم من غلّ)(57).

 

احياء بعض الموتى

كما أن بعض الموتى يحيون ويحضرون في ركابه (عليه السلام) .

وقد روي انه (يخرج مع القائم (عليه السلام) من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى (عليه السلام) الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وابو دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً)(58).

 

الأرض وكنوزها

وتخرج الأرض كنوزها وذخائرها المختبئة فيها، وهي كثيرة جداً.

وتغزو الأمطار وتكثر الثمار وسائر النعم بحيث تختلف حال الأرض حينئذ عما كانت قبله.

وقد روي في بعض الروايات تفسير قوله تعالى: (يوم تبدل الأرض غير الأرض)(59) بذلك.

القوة الجسمية

وانه (عليه السلام) حين يظهر يضع يده على الرؤوس، فيذهب الحقد والحسد من الناس، وتكثر العلوم، حتى أن في بعض الأحاديث أن نسبة العلم الظاهر اليوم حرفان فحسب، والعلم الذي يظهر بعد اليوم في زمانه (عليه السلام) سبع وعشرون ويضاف إليه الحرفان الظاهران قبل زمانه.

وفي الحديث عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) عن أبيه عن جده (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو على المنبر: (يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان، ... إذا هز رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ووضع يده على رؤوس العباد، فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه اشد من زبر الحديد(60).

وفي حديث آخر عن ابي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم)(61).

وتكون القوة الخارقة عن العادة في أبصار وأسماع أصحابه (عليه السلام) بحيث يرون الإمام (عليه السلام) ويسمعون كلامه من مسافة أربعة فراسخ أو أكثر.

كما أن أعمار أصحابه (عليه السلام) تطول، قال (عليه السلام): (ويعمر الرجل في ملكه (عليه السلام) حتى يولد له ألف ذكر لا يولد فيهم انثى)(62)، والظاهر أن المراد أنها ليست من هؤلاء الألف، وإلا فمن الواضح أن ولادة الأنثى مستمرة إلى يوم القيامة.

وفي زمانه (عليه السلام) تذهب البلايا والعاهات، والضعف عن أنصاره وأعوانه. ويعطى كل واحد من أنصاره وأعوانه قوّة أربعين رجلاً.

قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): (إذا قام قائمنا أذهب الله عن شيعتنا العاهة وجعل قلوبهم كزبر الحديد وجعل قوة الرجل منهم قوة أربعين رجلاً ويكونون حكام الأرض وسنامها)(63).

وعن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (يكون من شيعتنا في دولة القائم(عليه السلام) سنام الأرض وحكامها، يعطى كل رجل منهم قوة أربعين رجلاً)(64).

ويصطحب (عليه السلام) راية رسول الله وينشرها(65) ويلبس درع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وان الله تعالى يسخر له (عليه السلام) سحاباً فيه الرعد والبرق، فيجلس الإمام عليه، فيذهب الغمام به إلى طرق السماوات السبع والأرضين السبع، وهكذا لأصحابه فان بعضهم يسير في السحاب(66).

وهل المراد بالأرضين هنا هذه الطبقة، أو كما فسره الإمام الرضا(عليه السلام)، احتمالان.

 

لا تقية ولا خوف

وتزول التقية والخوف في زمانه (عليه السلام)، وهو ينظم أمور العباد فلاخوف من سلطان جائر أو عدو منكر ولا تقية، قال سبحانه:

(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً...)(67).

يملك الشرق والغرب

وانه (عليه السلام) يسلط على كل العالم شرقاً وغرباً، براً وبحراً، سهلاً وجبلاً، كما بشر بذلك الإمام الهادي(عليه السلام) السيدة نرجس(عليها السلام) حيث قال لها: فابشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً).(68)

وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم):

(... إن الله تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم من ولدي، فيبلغه شرق الأرض وغربها حتى لا يبقى منهلاً ولا موضعاً من سهل ولا جبل وطئة ذو القرنين إلا وطئه ويظهر الله له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(69).

قضاؤه (عليه السلام)

وأنه (عليه السلام) يقضي بين الناس بعلم الامامة من دون احتياج إلى حضور شاهد أو بينة أو ما أشبه، كما أن داود (عليه السلام) وسليمان (عليه السلام) كانا كذلك، حسبما ورد في روايات متعددة.

وفي كمال الدين عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: ...(هذا المهدي يقضي بقضاء داوود وسليمان (عليه السلام) ولا يريد عليه بينة)(70).

وفي حديث آخر عنه (عليه السلام): (حتى يبعث الله عزوجل القائم من أهل البيت (عليهم السلام) فيحكم فيهما بحكم الله عزوجل لا يريد على ذلك بينة)(71).

 

من أخبار ظهوره