( 2 )
الأقسام في القرآن
دراسة مبسطة حول الأقسام الواردة في القرآن الكريم
تأليف
العلاّمة المحقّق
جعفر السبحاني
===============
( 3 )
===============
( 4 )
===============
![]()
بسم اللّه الرحمن الرحيم
القرآن والآفاق اللامتناهية
الحمد للّه الذي علّم بالقلم، علّم الاِنسان مالم يعلم، والصلاة والسلام
على سيدنا ونبيّنا محمّد خير من طاف الاَرض وحكم، وعلى آله الاَئمّة السادة هداة
الاَُمّة إلى الطريق الاَقوم.
نزل القرآن الكريم على قلب سيد المرسلين هادياً للاِنسان ومنيراً له طريق
السعادة، وقد وضع علماء الاِسلام علوماً جمة لفهم حقائقه وكشف أسراره ومعانيه،
وعلى الرغم من ذلك، لم يزل المفسرون في كلّ عصر يستخرجون منه حقائق غفل عنها الاَقدمون،
وكأنّ الاِنسان أمام بحر موّاج بالحقائق العلمية لا يُدرك غوره ولا يتوصل إلى
أعماقه، ولا يمكن لاَحد الاِحاطة بأسراره وعجائبه.
وكأنّ القرآن هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة الذي لم يزل يبحث عن أسراره
الباحثون، وهم بعد في الاَشواط الاَُولى من الوقوف على حقائقه الكامنة. ولا غروَ
أن يكون الكتاب العزيز كذلك أيضاً، لاَنّه كتاب صدر من لدن حكيم عليم لا نهاية
لوجوده وعلمه، فيجب أن يكون كتابه المنزّل رشحة من رشحات وجوده.
وهذا هو متكلّم قريش وخطيبهم الوليد بن المغيرة المخزومي لمّا جلس إلى
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمع شيئاً من آيات سورة غافر ، ذهب إلى
===============
( 6 )
قومه ليبيّن موقفه من الكتاب، وقال: واللّه قد سمعت
من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الاِنس ولا من كلام الجن، وانّ له لحلاوة،
وانّعليه لطلاوة، وانّ أعلاه لمثمر، وإنّأسفله لمغدق، وانّه ليعلو وما يعلى عليه. (1)
فقد أدرك مُنطيق قريش بصفاء ذهنه ما يحتوي عليه القرآن من أسرار وكنوز.
نعم، قد سبقه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك حيث عَرّف القرآن، بقوله:
«له ظهر وبطن، وظاهره حُكْم، وباطنُه عِلْم، وظاهره أنيق، وباطنه عميق، له
نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى و منار
الحكمة». (2)
وقد أفاض الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) في بيان أبعاد القرآن غير المتناهية، وقال في خطبة يصف فيها القرآن بقوله:
«أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقّده، وبحراً لا يدرك
قعـره ـ إلى أن قال: ـ و ينابيع العلم و بحوره، ورياض العدل وغدرانه، وأثافي
الاِسلام وبنيانه، وأودية الحق وغيطانه، وبحر لا ينزفه المنتزفون، وعيون لا ينضبها
الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون». (3)
وقد أثبت توالي التأليف حول القرآن الكريم على مختلف الاَصعدة، انّه كتاب
القرون والاَعصار، وحجّة خالدة للناس إلى يوم القيامة، وقد استحوذ الكتاب العزيز
على اهتمام بالغ لم يَحظ به أي كتاب آخر.
![]()
____________
1 ـ مجمع البيان:10|387.
2 ـ الكافي:2|599، كتاب القرآن.
3 ـ نهج البلاغة: 2|202، طبعة عبده.
===============
إلماع إلى بعض آفاقه اللا متناهية
إنّ من آفاق القرآن و معانيه السامية هو أقسامه، فقد أقسم القرآن الكريم
بأُمور مختلفة ربما يبلغ عدد أقسامه إلى أربعين حلفاً أو أكثر، وتمتاز عن الاَقسام
الرائجة في العصر الجاهلي بأنّها انصبت على ذوات مقدسة أو ظواهر كونية ذات أسرار
عميقة، في حين امتاز القسم في العصر الجاهلي بالحلف بالمغاني والمدام (1).
وجمال النساء، إلى غير ذلك من الاَُمور المادية الساقطة.
حلف سبحانه في كتابه مضافاً إلى ذاته، بالقرآن ،
الملائكة، النفس، الشمس، القمر، السماء، الاَرض، اليوم، الليل، القلم، و غير ذلك
من الموضوعات التي تحتوي على أسرار مكنونة، ويصحّ في حقّها، قوله سبحانه: (وَانّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظيم) . (2)
ينقل السيوطي انّ أوّل من أفرد أقسام القرآن بالتأليف
هو شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (المتوفّى751هـ) ولم يذكر
كتاباً غيره، ثمّ جمع السيوطي أقسام القرآن و جعله نوعاً من أنواع علومه، فبحث
عنها بحثاً موجزاً لا يتجاوز عن خمس صفحات. (3)
وقال الكاتب الچلبي في «كشف الظنون» ـ بعد سرد ما قام
به السيوطي ـ : وتبعه صاحب مفتاح الكرامة حيث أورده من فروع علم التفسير. (4)
ولم نقف على كتاب مفرد حول أقسام القرآن في الاَوساط
الشيعية مع ما
____________
1 ـ المدام والمدامة: الخمر .
2 ـ الواقعة:78.
3 ـ الاِتقان في علوم القرآن:4|46ـ 51.
4 ـ كشف الظنون: 1|137ـ 138.
===============
( 8 )
فيها من بحوث هامة سوى ما ألّفه ولدي
العزيز الروحاني الحائز على مقام الشهادة الشيخ أبو القاسم الرزاقي (1)
تحت عنوان «سوگندهاى قرآن»، و هو كتاب قيّم حافل بنقل الآراء حول القسم في القرآن،
وقد طبع في حياته بتقديم منّا تغمده اللّه برحمته وأسكنه فسيح جناته.
ثمّ إنّ ابن قيم الجوزية وإن كان أوّل من ألّف ـ حسب
ما نعلم ـ ولكن كتابه يعوزه المنهجية في البحث حيث لم يذكر الاَقسام الواردة
واحداً تلو الآخر حسب حروف التهجّي أو حسب سور القرآن، وإنّما ذكر أقسام كلّسورة
في فصل واحد.
لكن ما ألّفه الشيخ الرزاقي خال من هذه النقيصة،
فانّه ألّف كتابه على نمط التفسير الموضوعي، فجعل لكلّ حلف فصلاً خاصاً، وذكر جميع
الآيات الواردة في خصوص ذلك الحلف، مثلاً ذكر الآيات التي أقسم اللّه فيها بنفسه
في فصل خاص، كما جمع ما أقسم اللّه فيه بالليل في سور و آيات مختلفة في مكان واحد.
ولما كان ما ألّفه ابن قيم غير خال عن النقيصة، كما
أنّما ألّفه ولدنا البار لا ينتفع به القارىَ العربي لاَنّه أُلّف باللغة
الفارسية، عزمت على تأليف مفرد في هذا الصدد بغية تعميم الفائدة.
وأردفه إن شاء اللّه بالبحث عن أمثال القرآن.
![]()
____________
1 ـ استشهد مع مجموعة من العلماء أثر
إسقاط الطائرة التي كانت تقلّهم أثناء رحلةداخلية خلال الحرب العراقية الاِيرانية
من قبل النظام البعثي الغاشم عام 1408 هـ | 1367هـ.ش.
![]()
===============
بحوث تمهيدية في أقسام القرآن
![]()
إنّ البحث عن الاَقسام الواردة في القرآن الكريم رهن
استعراض أُمور في معنى القسم و ما يتبعه من المقسم به والمقسم عليه وأبحاث أُخرى،
فنقول:
![]()
1. تفسير القسم
إنّ لفظة القسم واضحة المعنى تعادل الحلف واليمين في
لغة العرب، ولها معادل في عامة اللغات وإنّما يوَتى به لاَجل تأكيد الخبر
والمضمون، قال الطبرسي: القسم جملة من الكلام يوَكد بها الخبر بما يجعله في قسم
الصواب. (1)
قال السيوطي : القصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده، حتى
جعلوا مثل: (وَاللّهُ يَشْهَدُ
إِنَّ الْمُنافِقينَ لَكاذِبُون) (2) قسماً، وإن كان فيه إخبار بشهادة، لاَنّه لمّا جاء
توكيداً للخبر سمّي قسماً. (3)
ولذلك نقل عن بعض الاَعراب، انّه لما سمع قوله تعالى:
(وَفِي السَّماءِرِزْقُكُمْ وَما
تُوعَدُونَ* فَوَرَبِّ السَّماءِوَالاََرْضِ انّهُ لحَقّ) . (4)
صرخ وقال: من ذا الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى
اليمين. (5)
____________
1 ـ مجمع البيان: 5|225.
2 ـ المنافقون:1.
3 ـ الاِتقان:4|46.
4 ـ الذاريات:22ـ 23.
5 ـ الاِتقان:4|46.
![]()
===============
2. أركان القسم
إنّ القسم من الاَُمور ذات الاِضافة وهو فعل فاعل
مختار له إضافة إلى أُمور أربعة:
أ. الحالف، ب. ما يحلف به، ج. ما يحلف عليه، د.
الغاية من القسم.
أمّا الاَوّل: فالحلف عبارة عن فعل الفاعل المختار،
فلا يصدر إلاّ منه سواء أكان واجباً كاللّه سبحانه أم ممكناً كالاِنسان وغيره.
والذي يتناوله بحثنا في هذا الكتاب هو القسم الذي صدر
عن الواجب في كتابه العزيز دون سواه.
فلا نتعرض لما حلف به الشيطان في القرآن وقال: (فَبِعِزَّتِكَ لاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعين) . (1)
ثمّ إنّ أدوات القسم عبارة عن الاَُمور الاَربعة،
أعني: الباء والتاء والواو واللام، وأمثلة الكل واضحة، وأمّا الاَخير فكقول الشاعر:
![]()
للّهِ لا يبقى على
الاَيام ذُو حيَدٍ * بمُشمَخر به الطيّانُ والآسُ (2)
وسيوافيك انّ حرف الباء يجتمع مع فعل القسم دون سائر
الاَدوات، إذ يحذف فيها فعله، أعني: أقسم.
وأمّا الثاني ـ أي ما يحلف به ـ :فانّلكلّ قوم،
أُموراً مقدّسة يحلفون بها، وأمّا القرآن الكريم فقد حلَفَ سبحانه بأُمور تجاوزت
عن الاَربعين مقسماً به.
وأمّا الثالث ـ أي ما يحلف عليه ـ :والمراد هو جواب
القسم الذي يراد منه
____________
1 ـ ص :82.
2 ـ والحيد كعنب جمع حيدة وهو القرن فيه
عقد، والمشمخر الجبل العالي،والطيّان الياسمين الصحرائي والآس شجر معروف.
![]()
===============
( 11 )
التأكيد عليه وتثبيته وتحقيقه، وهذا ما
يقال القصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده.
ففي الآية التالية تتجلّى الاَركان الثلاثة، وتقول: (وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا
يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَمُوت)
. (1)
فقوله: (وأقسموا) فهو
الركن الاَوّل.
وقوله: (باللّه) هو
المقسم به.
وقوله: (لا يبعث اللّه من يموت)
هو المقسم عليه
وكثيراً ما يحذف الفعل وذلك لكثرة تردّد القسم في
كلامهم ويكتفى بالواو أو التاء في أسماء اللّه.
نعم، يلازم الاِقسام بالباء ذكر الفعل، كما في الآية
السابقة، وقوله: (يَحْلِفُونَ
بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرضُوكُمْ وَاللّهُ وَرسولُهُ أَحَقُّ أن يُرْضُوهُ) . (2)
وعلى ضوء ذلك فباء القسم يلازم مع ذكر فعله، كما
أنّواو القسم وتاءه يلازم مع حذفه، فيقال: أقسم باللّه، ولا يقال: أقسم تاللّه أو
أقسم واللّه بل يقتصر على قوله: تاللّه، واللّه، يقول سبحانه: (وَتَاللّهِ لاََكِيدَنّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَن
تُولُّوا مُدْبِرِين) (3)،
وقوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ
فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أنْ قالُوا وَاللّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكين).(4)
____________
1 ـ النحل:38.
2 ـ التوبة: 62.
3 ـ الاَنبياء:57.
4 ـ الاَنعام:23.
![]()
===============
( 12 )
وثمة نكتة جديرة بالاِشارة وهي أنّأكثر
المفسرين حينما تطرّقوا إلى الاَقسام الواردة في القرآن الكريم ركّزوا جهودهم
لبيان ما للمقسم به من أسرار و رموز كالشمس والقمر في قوله سبحانه: (والشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمرِ إِذا تَلاها) (1)
أو قوله: (وَالتِّينِ
وَالزَّيْتُون) (2)
ولكنّهم غفل
والعلاقة بين المقسم به والمقسم عليه
لاحظ مثلاً قوله سبحانه: (وَالضُّحى*
وَالليلِ إِذا سَجى* ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) (3) فالضحى والليل مقسم بهما وقوله: (ما ودَّعك ربّك وما قلى) هو جواب القسم الذي نعبّر عنه بالمقسم عليه، فهناك
صلة في الواقع بين المقسم به والمقسم عليه، وهو أنّه لماذا لم يقسم بالشمس ولا
بالقمر ولا بالتين ولا بالزيتون بل حلف بالضحى والليل لاَجل المقسم عليه أعني
قوله: ( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)؟
وصفوة القول: إنّ كلّ قسم جدير لتحقيق الخبر، ولكن
يقع الكلام في كلّقسم ورد في القرآن الكريم أنّه لماذا اختار المقسم به الخاص دون
سائر الاَُمور الكثيرة التي يقسم بها؟ فمثلاً: لماذا حلف في تحقيق قوله: (ما ودّعك) بقوله: (والضحى
والليل) ولم يقسم بالشمس
والقمر؟ وهذا هو المهم في بيان أقسام القرآن، ولم يتعرّض له أكثر المفسرين ولا
سيما ابن قيم الجوزية في كتابه «التبيان في أقسام القرآن» إلاّ نزراً يسيراً.
ثمّإنّ الغالب هو ذكر جواب القسم، وربما يحذف كما
يحذف جواب لو كثيراً، أمّا الثاني فكقوله سبحانه: (وَلَو أَنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أَوْ
قُطِّعَتْ بِهِ
____________
1 ـ الشمس: 1ـ2.
2 ـ التين:1.
3 ـ الضحى: 1ـ3.
![]()
===============
( 13 )
الاََرْضُ أَوْكُلِّمَ بِهِ الْمَوتى) (1)
فانّ الجواب محذوف، وهو نظير قوله: «لما آمنوا».
وأمّا الاَوّل، فكقوله سبحانه: (ص والقُرآنِ ذِي الذِّكر ) (2)، فانّ الحلف بالقرآن الكريم المعرب
عن تعظيمه ووصفه بأنّه مذكِّر للعباد يدل على جوابه وهو انّه منزّل من عنده سبحانه
غير مفترى، وما أشبه ذلك.
وعلى كلّحال، فالغالب هو الاَوّل أي الاِتيان بالجواب.
إلى هنا تمّ بيان أركان القسم الثلاثة، وثمة ركن
رابع، وهو الغاية المتوخّاة من القسم، فنقول: إنّ الغاية إمّا هي تحقيق الخبر
ودعوة المخاطب إلى الاِيمان والاِذعان به، كما هو الغالب، أو إلفات النظر إلى عظمة
المقسم به، وما يكمن فيه من أسرار ورموز، أو لبيان قداسته وكرامته، كما في قوله:(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون) . (3)
ومن خلال هذا البيان، يتضح الجواب على ما ربما يقال
من أنّحلفه سبحانه إن كان لاَجل الموَمن فهو يصدقه بلا حلف، وإن كان لاَجل الكافر
فلا يفيده.
والجواب: انّ إيمان الموَمن بصدق إخباره سبحانه لا
ينافي تأكيده بالحلف، مضافاً إلى ما عرفت من أنّ حلفه سبحانه بشيء إشارة إلى
كرامته وقداسته أو إلى عظمته وما يكمن فيه من أسرار ورموز.
![]()
____________
1 ـ الرعد:31.
2 ـ ص:1.
3 ـ الحجر:72.
![]()