مستمسك العروة

السيد محسن الحكيم ج 13

===============

( 1 )

ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن الكريم مستمسك العروة الوثقى تأليف فقيه عصره آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره الجزء الثالث عشر

===============

( 2 )

منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - ايران 1404 ه‍ ق

===============

( 3 )

[ فصل في أحكام الشركة وهي عبارة عن كون شئ واحد لاثنين أو أزيد ملكا أو حقا (1). وهي (إما واقعية قهرية) كما في المال أو الحق الموروث (وإما واقعية اختيارية) من غير استناد إلى عقد كما إذا أحيي شخصان أرضا مواتا بالاشتراك، أو حفرا بئرا، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه اجمعين محمد وآله الغر الميامين الطيبين الطاهرين المعصومين. ] فصل في أحكام الشركة (1) قال في الشرايع: " الشركة اجتماع حقوق الملاك في الشئ الواحد على سبيل الشياع " ونحوه في القواعد وغيرها، بل هو المشهور. وفي جامع المقاصد. " في التعريف نظر، لانتقاضه بالشركة في القصاص، وحد القذف، والخيار، والرهن، والشفعة، ونحو ذلك، فانه ليس هناك ملك حقيقي، فلا مالك حقيقة. وقد صرحوا بأن هذا أحد أقسام الشركة الثلاثة ". وفيه: أن المراد من الملاك ما يشمل ذوي الحقوق التي منها ما ذكره، إذ الحقوق نوع من الاملاك، والحق نوع من الملك والاختلاف بينهما بحسب المورد لاغير، كما أوضحناه في بعض مباحث هذا الكتاب.

===============

( 4 )

[ أو اغترفا ماء، أو اقتلعا شجرا (وإما ظاهرية قهرية) (1) كما إذا امتزج مالهما من دون اختيارهما - ولو بفعل أجنبي - بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر، سواء كانا من جنس واحد، ] ولاجل ذلك صح التعبير بقوله: " اجتماع حقوق الملاك " إذ الحقوق لو كانت غير املاك لكانت الاضافة مجازية، إذ الملاك على هذا لا حقوق لهم، ولا تكون الحقوق إلا لاهل الحقوق، لا للملاك، كما هو ظاهر. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره المصنف عدولا عن تعريف المشهور، إذ زاد قوله (ره): " ملكا أو حقا " فرارا عن الاشكال المذكور. لما عرفت من عدم ورود الاشكال في نفسه. ونقص تقييد على سبيل الاشاعة مع الحاجة إليه، إذ لولاه لصدقت الشركة فيما إذا كان خشب البيت لشخص وسائر آلاته لآخر وأرضه لثالث، لصدق كون الشئ الواحد لاكثر من واحد، مع أنه لا شركة هنا، كما صرحوا بذلك. وحمل الواحد على البسيط الذي لا يتجزأ كما ترى. وكأن عذره أن الشركة التي يقصد تعريفها غير الشركة بالمعنى الشرعي، كما سيأتي في كلامه قريبا. (1) قال في الشرائع: " وكل مالين مزج أحدهما بالآخر بحيث لا يتميزان تحققت فيهما الشركة، اختيارا كان المزج أو اتفاقا " وألحقه في الجواهر بقوله: " مقصودا به الشركة أولا، بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه " وفي القواعد: " وتحصل الشركة بالمزج، سواء كان اختيارا أو اتفاقا " ونحوهما عبارات غيرهما. والظاهر منها كون الشركة واقعية تتبدل ملكية كل منهما للجزء المعين في نفس الامر بالجزء المشاع. لكن في الجواهر خص ذلك بما إذا كان المزج بقصد الشركة، أما إذا كان قهرا، - كما في مفروض كلام المصنف - أو اختيارا لا بقصدها فالمراد من الشركة الحكمية، يعنى تجري أحكام الشركة حينئذ ويعامل

===============

( 5 )

معاملتها في الاحكام، مع بقاء الملكية بمالها من تعلقها بالجزء المعين الخارجي في نفس الامر، بحيث لو فرض العلم ببعضه لاحدهما لم يكن للاخر شركة فيه، بل لو فرض بقاء ما ليس هو إلا لاحدهما أمكن حينئذ الرجوع إلى القرعة عند القائل بها في مثله... إلى آخر ما ذكر مما يرجع إلى نفي ملكية الجزء المشاع. وكأن هذا هو المراد من الظاهرية في عبارة المتن، بل في بعض عبارات الجواهر أيضا، فالمراد الشركة الحكمية الواقعية، لا الشركة على وجه الاشاعة لكنها ظاهرية، لان جعل هذه الملكية إما مع بقاء الملكية للجزء المعين أو مع انتفائها، فعلى الاول يلزم اجتماع ملكيتين في موضوع واحد لمالكين، وعلى الثاني لا مليكة واقعية سوى ملكية المشاع، فكيف تكون ملكية المشاع ظاهريه؟! اللهم إلا أن يكون مجرد اصطلاح. وكيف كان فما في الجواهر هو الذي تقتضيه القواعد العامة، ولا دليل على تبدل الملكية حقيقة، و الاصل عدمه. والاجماع على التبدل غير ثابت. ولا سيما بملاحظة أن سببية المزج للشركة لم يذكره الشيخ ولا غيره من القدماء، وإنما ذكره المتأخرون، على ما قيل. وعلى هذا لا يعتبر في حصول الشركة بالمعنى المذكور - أعني الحكمية - اتحاد الجنس، ولا اتحاد الوصف، بل تكون حتى مع تعدد الجنس وفقد التمييز - كما في مزج الدبس بالخل، ودقيق الحنطة بدقيق الشعير، ودهن الحيوان بدهن النبات ودهن اللوز بدهن الجوز - ومع وحدة الجنس واختلاف الوصف - كمزج الحنطة الحمراء بالصفراء - ومع اختلاف الجنس واختلاف الوصف - مثل خلط الماش بالرز، والحنطة بالشعير إذا فرض تعذر عزل بعضها عن بعض - فان الحكم في الجميع هو الشركة الحكمية، ولا وجه لذكر القيود المذكورة في كلامهم. وبالجملة: الشركة الحكمية - بمعنى ترتيب آثار الشركة وأحكامها - لا تتوقف على أكثر من الامتزاج، فيكفي ذلك فيه وإن

===============

( 6 )

كان تميز بين الاجزاء مثل الامثلة التي ذكرناها. ومن ذلك يظهر إشكال ما في الجواهر، فانه اعترف بأن الشركة في مزج المالمين حكمية واعتبر فيها عدم التمير بين الاجزاء. فلاحظ كلامه. هذا ولكن التحقيق: أن الامتزاج بين المالين الموجب لارتفاع التميز بينهما موجب للشركة الحقيقية - كما هو ظاهر الاصحاب وإن كانت أجزاء المالين متميزة في نفس الامر - فان ذلك من الاحكام العرفية الممضاة لدى الشارع المقدس. بل إن ذلك - في الجملة - من الضروريات الفقهية والعرفية، وقد حكي عن التذكرة الاجماع عليه، وفي المسالك: أنه لا خلاف فيه. نعم قد يقع الاشكال في عموم الحكم وخصوصه، والمحكي عن المقداد أنه قال: " الفائدة الثانية: الشركة أمر حادث، وكل حادث لابد له من سبب، والسبب هنا قد يكون ارثا وقد يكون حيازة - كما لو اقتلعا شجرة، أو اغترفا ماء بآنية - وقد يكون مزجا، كما إذا مزجت الاجزاء المتساوية المصغرة بحيث لا يتميز جزؤ عن جزؤ كالادقة والادهان، لا كالحنطة والذرة والدخن والسمسم والدراهم الجدد والعتق ". والظاهر عدم الشركة في امتزاج الحنطة بمثلها والذرة بمثلها وكذا الدخن والسمسم. وحمله في الجواهر على إرادة عدم الشركة في امتزاج الامور المذكورة بغيرها، لا بمثلها. لكنه خلاف الظاهر جدا. وفي الشرايع: " أما ما لا مثل له - كالثوب والخشب والعبد - فلا يتحقق فيه المزج ". وحمل على أن المراد عدم الشركة في مزج القيميات مثل الثوب والعبد والخشب، فيكون ذلك تفصيلا فيه بين المثلي والقيمي. لكن الظاهر من عبارته اعتبار المزج في حصول الشركة، ولا يتحقق ذلك في مثل الامثلة المذكورة، بل يكون من اشتباه أحد المالين بالاخر، والمرجع فيه القرعة. والمتحصل مما ذكرنا أمور (الاول): أن التعبير عن الشركة في

===============

( 7 )

المقام بالظاهرية لم يكن مذكورا في كلام الاصحاب، وانما هو مذكور في كلام المصنف، وفي الجواهر في بعض مباحث الشركة غير هذا المقام. (الثاني): أن الشركة مع اتحاد الجنس والوصف شركة حقيقية واقعية. (الثالث): أن الشركة مع الامتزاج بين الجنسين - سواء انتفى التميز مثل خلط الادهان ومثل خلط الدبس بالخل، أم كان تمييز، مثل خلط الحنطة بالشعير - أو بين أفراد جنس واحد مع اختلاف الوصف - مثل الحنطة الحمراء بالصفراء - شركة حكمية، بمعنى: أنه لا يجوز لاحد المالكين التصرف بدون إذن الاخر، ويجوز المطالبة بالقسمة، وأن العوض يكون مشتركا بين المالكين (الرابع): أن وجه الحكم في المقامين بناء الفقهاء الموافق لبناء العرف (الخامس): أن ما ذكره في الجواهر من حمل الشركة على الشركة الحكمية إن كان ذلك خلافا منه للفقهاء كان المناسب له التعرض للوجه المسوغ له مع ظهور الاجماع عليه أو دعواه صريحا ونفي الخلاف فيه. وإن كان ذلك شرحا لمراد الفقهاء كان المناسب له أيضا التعرض لوجهه، فانه خلاف الظاهر. ولا سيما بملاحظه الشروط المذكورة في كلامهم من اتحاد الجنس وعدم التميز، فان هذه الشروط لا تكون شرطا في الحكمية كما عرفت: هذا وفي الرياض: " واعلم أن المستفاد من كلمة الاصحاب في المقام سيما كلام الفاضل في التذكرة - في دعوى الاجماع على حصول الشركة بمزج العروض والاثمان مزجا لا يتميز معه المالان - عدم اشتراط عدم التمييز في نفس الامر، بل يكتفى بعدمه في الظاهر وإن حصل في نفس الامر. وهو مناف لما ذكروه في التعريف من أنها اجتماع الحقوق على الاشاعة، فان الظاهر حينئذ منها حيث تطلق أن لا يفرض جزؤ إلا وفيه حق لهما. وبه صرح الفاضل المقداد في شرح الكتاب - يعنى النافع -.. (إلى أن

===============

( 8 )

[ كمزج حنطة بحنطة، أو جنسين كمزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير (1)، أو دهن اللوز بدهن الجوز، أو الخل بالدبس (وإما ظاهرية اختيارية) كما إذا مزجا باختيارهما لا بقصد الشركة فان مال كل منهما في الواقع ممتاز عن الاخر، ولذا لو فرض تمييزهما اختص كل منهما بماله (2). وأما الاختلاط ] قال): بقي الكلام في التوفيق بين التعريف وما هنا، والخطب سهل بعد الاجماع على ما هنا، لعدم الدليل على ما في التعريف من اعتبار الاشاعة بالمعنى المتقدم... " والظاهر منه أن الشركة في المالين الممتزجين على نحو لا يتميز أجزاؤها في الظاهر ليست على الاشاعة، بل على شكل آخر وان لم يتعرض له. وهو كما ترى، فان الاجماع الذي ادعاه كما كان على الشركة كان على كون الشركة على نحو الاشاعة. وهذا هو مراد الجواهر من قوله في الاشكال على الرياض: " إن التعريف للشركة الشرعية الموجبة للملك على الاشاعة التي قد ذكروا أسبابها بعد تعريفها. " وكأنه يخالف ما ذكره سابقا من كون الشركة حكمية لا حقيقية. على أن الشركة لا بمعنى المالك على الاشاعة ليست من الاحكام الشريعة، بل الاحكام الواقعية التابعة لاسبابها الواقعية، نظير الشركة في النسب والبلد والمهنة، وليس من وظيفة الفقهاء التعرض لها. (1) قال في الشرائع بعد العبارة المحكية سابقا: " ويثبت ذلك في المالين المتماثلين في الجنس والصفة ". وظاهره اختصاص الشركة بذلك فيكون امتزاج الجنسين أو الفردين من جنس واحد مع اختلاف الصفة خارجا عن مورد الشركة الحقيقية وإن كان داخلا في مورد الشركة الحكمية. (2) هذا لا يدل على انتفاء الشركة قبل التميز الحادث من باب

===============

( 9 )

[ مع التميز فلا يوجب الشركة ولو ظاهرا (1)، إذا مع الاشتباه (2) ] الاتفاق، لامكان انفساخ الشركة بهذا التميز. نظير ما إذا وقع مقدار من البول في كر من ماء، فانه لما صار مستهلكا بالامتزاج صار طاهرا، فإذا أخذ كف منه فذلك المقدار طاهر يجوز شربه والوضوء به، فإذا اتفق عروض بعض الطوارئ الموجب لتميز البول صار البول نجسا بعد أن خرج عن حال الاستهلاك إلى حال الوجود العرفي. (1) إذا كان الاختلاط بالمزج مثل اختلاط الحنطة البيضاء بالصفراء فقد عرفت أنه مع تعذر التخليص والعزل فهو أيضا يوجب الشركة الحكمية ولو فرض إمكان العزل والتخليص بقي كل مال لمالكه من دون تبدل الاحكام. وإذا كان الاختلاط بدون مزج - كما إذا وضع ثوبا في ثياب زيد، أو قوسا في أقواس عمرو ونحو ذلك ما لا مزج فيه - فان كان تميز فلا إشكال في أن كلا من العينين لمالكه كما قبل الاختلاط، وإذا لم يكن تميز فهذا من اشتباه المال بالمال، فكل من المالين مردد بين المالكين، فيرجع إلى القرعة في تعيين مالكه نعم لو فرض تعذر العمل بالقرعة لكثرة الثياب - كما إذا خلط مائة الف ثوب لزيد في مائة الف ثوب لعمرو ولم يكن تميز بين الثياب - يرجع إلى الشركة الحكمية. ومن ذلك تعرف أن باب اشتباه أحد المالين بالاخر أجنبي عن باب المزج بلا تميز. (2) كأنه يريد أنه مع عدم الاشتباه يبقى كل مال لمالكه من دون تبدل في الاحكام، ولوضوح ذلك لم يتعرض لحكمه، وقد عرفت أنه مع عدم الاشتباه تكون الشركة حكمية إذا كان من قبيل مزج الحنطة الصفراء بالبيضاء.

===============

( 10 )

[ مرجعه الصلح القهري (1) أو القرعة (وإما واقعية) مستندة إلى عقد غير عقد الشركة، كما إذا ملكا شيئا واحدا بالشراء أو الصلح أو الهبة أو نحوها (2) (واما واقعية) منشأه بتشريك أحدهما الاخر في ماله كما إذا اشترى شيئا فطلب منه شخص أن يشركه فيه. ويسمى عندهم بالتشريك. وهو صحيح لجملة من الاخبار (3) (وإما واقعية) منشأه بتشريك كل منهما الآخر في ماله. ويسمى هذا بالشركة العقدية ومعدود ] (1) الظاهر أن المراد من الصلح القهري الشركة الحكمية، فالصلح يكون في مقام تمييز الحقوق والقسمة، لا قبل ذلك، وإلا كان هو الشركة الحقيقية. (2) هذا من الواضحات ومصرح به في كلامهم. (3) منها صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الرجل يشارك في السلعة. قال: إن ربح فله، وإن وضع فعليه " (10)، وصحيح الحلبي عن أبي جعفر (ع) قال: " سألته عن الرجل يشتري الدابة وليس عنده نقدها، فاتى رجل من أصحابه فقال يا فلان أنقد عني ثمن هذه الدابة والربح بيني وبينك، فنقد عنه، فنفقت الدابة قال: ثمنها عليهما، لانه لو كان ربح فيها لكان بينهما " (20)، ونحوهما غيرهما. وأما مثل صحيح اسحاق بن عمار قال: " قلت للعبد الصالح (ع): الرجل يدل الرجل على السلعة فيقول: اشترها ولي نصفها، فيشترها الرجل وينقد من ماله. قال: له نصف الربح. قلت: فان وضع يلحقه


____________
(10) الوسائل الباب: 1 من أبواب كتاب الشركة حديث: 1. (20) الوسائل باب: 1 من ابواب كتاب الشركة حديث: 2.

===============

( 11 )

[ من العقود (1). ثم إن الشركة قد تكون في عين وقد تكون في منفعة وقد تكون في حق، وبحسب الكيفية إما بنحو الاشاعة وإما ] من الوضيعة شئ؟ قال: عليه من الوضيعة كما اخذ الربح " (* 1)، ونحوه غيره. فالظاهر منها التشريك في نفس الشراء، بأن يشتري لهما معا، كما سبق في كلام المصنف. (1) قال في المسالك: " وهي يعني: الشركة تطلق على معنيين أحدهما: ما ذكره المصنف في تعريفه من اجتماع الحقوق على الوجه المذكور وهذا هو المتبادر من معنى الشركة لغة وعرفا... (إلى أن قال): وثانيهما: عقد ثمرته جواز تصرف الملاك للشئ الواحد على سبيل الشياع. وهذا هو المعنى الذي به تندرج الشركة في جملة العقود، ويلحقها الحكم بالصحة و البطلان. واليه يشير المصنف (ره) فيما بعد بقوله: قيل: تبطل الشركة. أعني: الشرط والتصرف. وقيل: تصح. ولقد كان على المصنف أن يقدم تعريفها على ما ذكره، لانها المقصود بالذات هنا، أو ينبه عليهما معا على وجه يزيل الالتباس عن حقيقتها وأحكامها ولكنه اقتصر على تعريفها بالمعنى الاول ". لكن في القواعد ذكر تعريفها بما سبق، ثم قال: " وأقسامها أربعة شركة العنان... (إلى أن قال): وأركانها (يعني شركة العنان) ثلاثة المتعاقدان... " و ظاهر ذلك ان التعريف إنما هو للشركة العقدية. ولذلك أشكل عليه في جامع المقاصد: بأنه إن كان غرضه البحث عن الشركة التي يجوز معها التصرف فحقه أن يعرف هذا القسم، وإن كان غرضه البحث عن الشركة التي يجوز معها التصرف فحقه أن يعرف هذا القسم، وإن كان غرضه البحث عن أحكام مطلق الشركة فعليه أن يقيد قوله: " وأركانها ". ثم ذكر أن الشركة لها معنيان (الاول): مطلق اجتماع حقوق الملاك في واحد


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب كتاب الشركة حديث: 4.

===============

( 12 )

على سبيل الشياع و (الثاني) هو الذي ينتظم في قسم العقود ويجري عليه أحكام الفساد والصحة. والاحسن ما يقال في تعريفها: أنها عقد ثمرته جواز تصرف الملاك للشئ الواحد على سبيل الشياع. انتهى. و في الحدائق بعد ما ذكر ما حكيناه عن المسالك قال: " لا يخفى على من تأمل الاخبار الجارية في هذا المضمار أنه لا يفهم منها معنى للشركة غير ما ذكره الفاضلان ونحوهما كالشيهد في اللمعة وغيره. وهو المتبادر لغة وعرفا من لفظ الشركة. وهذا المعنى الذي ذكره لا يكاد يثم له رائحة منها بالمرة " ثم حكى كلام الروضة الذي هو مثل ما في المسالك، ثم أشكل عليه بما أشكل به على المسالك. هذا ولا يخفى أن المراد من الشركة العقدية في كلام الجماعة إن كان إنشاء مفهوم الشركة بالعقد فلا ينبغي التأمل في صحة ذلك عرفا، فكما يصح إنشاء الشركة من قبل الشارع في الميراث مع تعدد الوارث، وفي الحيازة مع تعدد الحائز، يجوز إنشاؤها بعقد المتعاقدين، سواء كان المال من أحد الشخصين فيشرك الآخر فيه - كما سبق - أم من كل من الشخصين فيشرك كل منهما صاحبه، فيقول أحدهما مثلا: اشتركنا، ويقول الآخر: قبلت. وقد دلت الاخبار على ذلك كله، كصحيحي هشام بن سالم والحلبي المتقدمين. ومثل صحيح علي بن رئاب: " قال أبو عبد الله (ع): لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمي ولا يبضعه ولا يودعه وديعة " (* 1) ونحوه غيره. وإن كان المراد من الشركة العقدية إنشاء الاذن في التصرف - كما قد يظهر من عبارتي جامع المقاصد والمسالك المتقدمتين، ونحوهما عبارات غيرهما، قال في القواعد: " وأركانها ثلاثة: المتعاقدان... (إلى أن قال) والصيغة، وهو ما يدل على الاذن في التصرف. ويكفي قولهما


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب الشركة حديث: 1

===============

( 13 )

[ بنحو الكلي في المعين (1)، وقد تكون على وجه يكون كل من ] اشتركنا " ونحوها غيرها - فانشاء الاذن ليس من العقود، بل من الايقاع، ولا يرتبط بمفهوم الشركة، وليس هو من لوازمه، ولا مما تشير إليه النصوص كما ذكر في الحدائق. وإن أريد من الشركة العقدية الاشتراك المنشأ بالعقد بشرط الاذن في التصرف بهما، فهو أيضا مقتضى عمومات الصحة في العقد وفي الشرط. ولا يظن من صاحب الحدائق أو غيره انكاره إذ هو شركة بشرط كما لو اشتركا بشرط أن يكون التصرف لثالث أو لاحدهما بعينه وغير ذلك من الشرائط، فانه لابد من القول بصحته، عملا بعموم الادلة. ثم إنه قد يستشكل في صحة انشاء الشركة بين مالكين في ماليهما: بأنه لابد من مزج المالين في صحة الشركة العقدية مع أن المزج نفسه يقتضى الشركة. ويندفع: بأن المزج إنما يقتضى الشركة إذا لم تكن منشأة، أما إذا فرض إنشاؤها فلا يقتضى شيئا. مع أن المزج قد لا يقتضي الشركة الحقيقية، كما عرفت. مضافا إلى الاشكال في اعتبار المزج الذي هو من أسباب الشركة في صحة الشركة العقدية، كما سيأتي الكلام في ذلك (1) في الجواهر: " لا إشكال في صدق الشركة معه ولا إشاعة. اللهم الا أن يراد منها عدم التعيين، لا خصوص الثلث والربع ونحوهما " وما ذكره غير ظاهر، فان معنى الشركة في المملوك كون الملك على نحو الجزء المشاع، كما ذكره الاصحاب، وحمل الاشاعة على معنى عدم التعيين خلاف المقطوع به من كلامهم، فحملها على ذلك لا مقتضي له. وعليه فلا شركة في المقام، ولا وجه لنفي الاشكال في صدقها. الا أن يراد بها الاشتراك في عنوان من العناوين والمماثلة فيه، كما في البيت الواحد الذي يملك حجارته شخص وخشبه آخر وطينه ثالث، فان هؤلاء اشتركوا في

===============

( 14 )

[ الشريكين أو الشركاء مستقلا في التصرف، كما في شركة الفقراء في الزكاة (1) والسادة في الخمس (2) والموقوف عليهم ] وصف من الاوصاف، وهو تملك شئ من هذا البيت، والشركة في ملك الصاع من الصبرة من هذا القبيل، لاشتراك المالكين في صفة المالكية في الصبرة وإن اختلف المملوك، وهذا خلاف معنى الشركة في المملوك التي هي محل الكلام. (1) عن الشهيد في بعض حواشيه: أن ملك الفقراء للزكاة على البدل لا الجميع في عرض واحد، فلا اشتراك. وفي الجواهر: أن المالك للزكاة الجنس لا الفرد، وذكر أنه لا ريب في ملك الفقراء للزكاة في الجملة. وفيه: أن الملكية إن كانت مستفادة من اللام في قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء...) (* 1) فاللام فيه ليست للملك، وإنما هي للمصرف بقرينة بقية الاصناف، مثل في الرقاب وفي سبيل الله تعالى الذي لا يظن من أحد الالتزام بالملك فيه، والتفكيك بين الاصناف بعيد جدا. وان كانت مستفادة من غيره فغير ظاهر. وأما ما ذكره المصنف من كون كل من الفقراء مستقلا بالتصرف بالزكاة فغريب، فانه لا يجوز للفقير التصرف في الزكاة بدون إذن الولي، وهو المالك أو الحاكم الشرعي فضلا عن أن يكون مستقلا بالتصرف. (2) ظاهر الآية الشريفة: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن الله خمسه... " (* 2) وهو الملكية، ولا مانع من ثبوت هذه الملكية بالنسبة إليه تعالى، كثبوتها في النذر مثل: لله علي أن أتصدق، فان الصدقة تكون مملوكة له تعالى، على نحو ملكية زيد للدينار في قول المقر لزيد


____________
(* 1) التوبة: 60. (* 2) الانفال: 41.

===============

( 15 )

[ في الاوقاف العامة (1) ونحوها. (مسألة 1): لا تصح الشركة العقدية إلا في الاموال (2) بل الاعيان، فلا تصح في الديون (3)، فلو كان لكل منهما دين على شخص فأوقعا العقد على كون كل منهما بينهما لم يصح. وكذا لا تصح في المنافع، بأن كان لكل منهما دار مثلا وأوقعا العقد على أن يكون منفعة كل منهما بينهما بالنصف ] علي دينار. نعم لا يمكن حملها على ملكية الافراد " والا لزم البسط، ولا يقول المشهور به، وللزم انتقال المال إلى وارثه ولو لم يكن هاشميا. فالمتعين أن يكون المالك الجنس العاري عن الخصوصيات الفردية، وبتعيين المالك يصير الفرد مالكا، وحينئذ لا معنى للاشتراك بين الافراد على نحو الاستقلال في التصرف. (1) الاوقاف العامة إنما كان الوقف فيها على نحو البذل من دون ملك للموقوف عليهم ولا رائحة الملك، فان كتب العلم موقوفة على أن تبذل الطلبة، والمدارس موقوفة على أن تبذل للطلبة، ومنازل المسافرين موقوفة على أن تبذل للمسافرين من دون ملك ولا مالك. ولذلك إذا غصبت فسرق الكتاب غير الطلبة لا يضمن منافعه بالاستيفاء، وكذلك المدرسة إذا اغتصبها غير الطلبة فسكنوها لا يكون ضمانا لمنافعها عليهم، بل ليس الا الغصب وفعل الحرام. ولو فرض ان كان للساكن من غير الطلبة عذر شرعي من غفلة أو ضرورة أو نحو ذلك فلا أثم ولا ضمان عليه. (2) في مقابل الشركة في الابدان وأختيها. (3) لما يأتي من شرطية الامتزاج بين المالين في الشركة العقدية، وهذا متعذر في الديون، وكذا في المنافع. ولاجل ذلك كان المناسب تأخير هذه المسألة عن السمألة الرابعة المتضمنة لشرطية الامتزاج.

===============

( 16 )

[ مثلا. ولو أراد ذلك (1) صالح أحدهما الآخر نصف منفعة داره بنصف منفعة دار الآخر، أو صالح نصف منفعة داره بدينار مثلا وصالحه الآخر نصف منفعة داره بذلك الدينار. وكذا لا تصح شركة الاعمال (2) وتسمى شركة الابدان أيضا وهي أن يوقعا العقد على أن يكون أجرة عمل كل منهما مشتركا بينهما، سواء اتفق عملهما كالخياطة مثلا، أو كان عمل أحدهما الخياطة والآخر النساجة، وسواء كان ذلك في عمل معين أو في كل ما يعمل كل منهما. ولو أرادا الاشتراك في ذلك صالح أحدهما الآخر نصف منفعته المعينة أو منافعه إلى مدة كذا ] (1) يعني: لو أرادا نفس المشاركة في المنافع صالح أحدهما الآخر... عل نحو المعاوضة بين الحصتين، أو على نحو تكون المعاوضة بين التمليكين فيقول: صالحتك على أن تملك حصة من مالي في مقابل أن أملك حصة من مالك، أو على نحو آخر من دون معاوضة بين العينين ولا بين التمليكين فيقول: صالحتك على أن تكون حصة من مالي لك وحصة من مالك لي ففي جميع ذلك تحصل الشراكة بينهما في ماليهما، وكذلك إذا كان بطريق الهبة المشروطة، فيهب أحدهما حصته من ماله لصاحبه بشرط ان يهبه الآخر حصته من ماله. أو بطريق بيع الحصة على صاحبه بثمن ثم شراء حصة صاحبه بذلك الثمن. كل ذلك لعدم اعتبار المزج في هذه العقود بخلاف الشركة، فان انشاءها لا يصح الا بالمزج، على ما سيأتي بيانه، ولا يمكن ذلك في المنفعة. (2) بلا خلاف معتد به أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه بل المحكي منه مستفيض أو متواتر. كذا في الجواهر، ومفتاح الكرامة:

===============

( 17 )

" أجمعوا على نقل الاجماع، إذ هو محكي في تسعة عشر كتابا أو أكثر، كما سمعت، وهو معلوم محصل قطعا ". وعن المختلف (* 1): أنه استدل على البطلان باجماع الفرقة، وبأن الاصل عدم الشركة، ولانه غرر عظيم، ولان الشركة عقد شرعي فيقف على الاذن فيه. وفي الجواهر: استدل عليه بالاصل السالم عن معارضة (أوفوا بالعقود) بعد ما عرفت. والتراضي بما لم يثبت شرعيته غير مجد، والمراد بالتجارة عنه ما ثبت التكسب به شرعا. انتهى. والاشكال عليه ظاهر فان عموم (أوفوا بالعقود) لا مخصص له إلا دعوى الاجماع على البطلان. وعليه لا مجال للرجوع إلى الاصل معه. ولا وجه لدعوى كون المراد من التجارة عن تراض ما ثبت التكسب به، أو ما ثبت شرعيته. فان ذلك خلاف الاطلاق المقامي الموجب للتنزيل على المعنى العرفي. ولا يظهر الفرق بين عموم: (أوفوا بالعقود)، وعموم: (تجارة عن تراض) حيث جعل الاجماع مقيدا للاول، ولم يتعرض لذلك في الثاني. والذي تحصل من كلماتهم في المقام أن العمدة دعوى الاجماع. وفي كلام الاردبيلي قدس سره: " لا يظهر دليل على عدم الجواز إلا الاجماع، فان كان فهو، وإلا فلا مانع ". ويمكن أن يقال: إن العامل إذا آجر نفسه لعمل كانت الاجرة عوض العمل فتكون في ملك العامل، فجعلها لغيره بعقد الشركة خلاف مقتضى دليل صحة الاجارة، فإذا كانت الاجارة صحيحة كانت الشركة باطلة، وإذا كانت الاجارة باطلة فالشركة أيضا باطلة، لانها مبنية عليها


____________
(* 1) حكى في المختلف عن ابن الجنيد شركة الوجوه. ورده بما ذكره في المتن، فهو لم يستدل بما في المتن على البطلان شركة الاعمال بل على بطلان شركة الوجوه. وأما شركة الاعمال فقد حكى في المختلف عن ابن الجنيد كلاما ظاهرا في بطلانها وفاقا المشهور، ومن ثم لم يستدل على بطلانها. راجع المختلف الجزء: 2 الصفحة: 21.

===============

( 18 )

[ بنصف منفعة أو منافع الاخر، أو صالحه نصف منفعته بعوض معين (1) وصالحه الاخر أيضا (2) نصف منفعته بذلك العوض ولا تصح أيضا شركة الوجوه (3)، وهي أن يشترك اثنان وجيهان لا مال لهما (4) بعقد الشركة على أن يبتاع كل منهما في ذمته إلى أجل (5) ويكون ما يبتاعه بينهما فيبيعانه ويؤديان الثمن ويكون ما حصل من الربح بينهما. وإذا أرادا ذلك على ] فيعلم ببطلان الشركة على كل من تقديري صحة الاجارة وبطلانها. نعم لو كان مفاد شركة الاعمال الاشتراك في الاجر بعد ما يدخل في ملك العامل منهما، بحيث يخرج من ملك العامل إلى ملك الشريك لم يجر الاشكال المذكور، وكانت صحتها على طبق القواعد العامة. وكذا لو كان مفادها تشريك كل منهما الآخر في منفعته التي تقابل بالاجر والعوض لم يتوجه الاشكال المذكور، كما سيأتي نظيره في كلام المصنف. (1) فيكون التشريك في المنفعة بعنوان المصالحة لا بعنوان التشريك، كما سبق منا في الحاشية السابقة. (2) فتكون هناك معاملتان لا معاملة واحدة كما في الوجوه السابقة. (3) وجه البطلان فيها عندهم هو الوجه فيه في شركة الاعمال وفي مفتاح الكرامة: " والحجة على بطلانها - بعد الاجماع - الاصل، والغرر والضرر، وأنه عقد يتوقف على الاذن ". والعمدة دعوى الاجماع. (4) هذا المعنى أحد الوجوه المذكورة في تفسيرها، وفي المسالك: أنه الاشهر، وفي التذكرة: أنه أشهرها. انتهى. (5) ظاهر العبارة أن الثمن جميعه في ذمة المتاع وان كان قد ابتاع المثمن لهما معا، وفي الجواهر لم يتعرض لكون الثمن في ذمة المبتاع أو ذمتهما، واقتصر على كون الابتياع لهما معا، وفي التذكرة قال في تفسيرها:

===============

( 19 )

[ الوجه الصحيح وكل كل منهما الآخر في الشراء (1) فاشترى ] " ليبتاعا في الذمة إلى أجل على أن ما يبتاعه كل واحد منهما يكون بينهما... " ونحوه عبارة المسالك. وظاهره أن الابتياع لهما والثمن في ذمتهما معا. وكيف كان فان كان المراد ما ذكره المصنف رحمه الله من كون الابتياع لهما والثمن في ذمة المبتاع المباشر فالمعاملة في نفسها باطلة، بناء على المشهور من وجوب دخول كل من العوضين في ملك من خرج منه الآخر، فان الابتياع إذا كان لهما فقد دخل في ملك كل منهما نصف المبيع، فيجب أن يخرج من كل منهما نصف الثمن، ولازمه كون نصف الثمن في ذمة أحدهما والنصف الآخر في ذمة الآخر، لا أن يكون تمام الثمن في ذمة أحدهما المباشر. نعم بناء على أن اللازم في المعاملات المعاوضية أن يدخل العوض في ملك مالك المعوض ولا يلزم العكس كما هو الظاهر، تصح المعاملة المذكورة. وحينئذ لا موجب لبطلان الشركة إلا الاجماع، وسيأتي. (1) الفرق بين هذا وما قبله بناء على ما ذكره المصنف أمران: (الاول): أن الشراء فيما قبله لهما كان بالاذن وهنا بالوكالة. (الثاني): أن الشراء فيما قبله كان بذمة أحدهما وهنا بذمتهما معا. وعلى ما هو ظاهر التذكرة وغيرها بكون الفرق بين هذا وما قبله بالاذن فيما قبله وبالوكالة فيه. لكن هذا الفرق لا يصح أن يكون فارقا قطعا والمظنون - كما هو ظاهر المبسوط - أن المراد من شركة الوجوه أن يبتاع كل من الشريكين لنفسه بثمن في ذمته على أن يكون الربح بينهما. و حينئذ يتوجه الاشكال المتقدم في شركة الابدان من أن الربح يتبع الاصل بمقتضى المعاملة، فلا يمكن أن يجعل بعضه لغير مالك الاصل، الا بدليل خاص، وهو مفقود، ولابد حينئذ من القول بالبطلان. ولولا ذلك أشكل القول بالبطلان، كما أشكل الاعتماد على الاجماع

===============

( 20 )

في البطلان، لعدم تحصل معقد الاجماع، إذ قد عرفت أن شركة الوجوه قد فسرت بمعان أربعة أظهرها أو أشهرها ما ذكره المصنف رحمه الله. وفي القواعد فسرها بأن يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربح ليكون له بعضه وخصه بالبطلان، وهذا المعنى ذكره في التذكرة آخر المعاني الاربعة. وذكر قبله أن يشترك وجيه لا مال له وخامل ذو مال، ليكون العمل من الوجيه والمال من الخامل، والمال في يده لا يسمله إلى الوجيه، والربح بينهما. وذكر قبلهما أن يبتاع وجيه في الذمة ويفوض بيعه إلى خامل، ويكون الربح بينهما، عكس المعنى المذكور في القواعد. ويظهر منهم أن معقد الاجماع مردد بين هذه المعاني، فهو واحد منها مردد بينها. كما يظهر أيضا من الاقتصار على واحد منها في كلام بعضهم أن الاجماع لم يكن على البطلان في الجميع. وحينئذ كيف يعتمد على مثل هذا الاجماع المردد معقده؟ ولا سيما بملاحظة أن المعنى الثالث نوع من المضاربة الصحيحة لا يختلف عنها إلا في خصوصية الوجاهة والخمول، ومن المعلوم أن هذين القيدين لا يوجبان اختصاصه بالبطلان، ولم يذكر الاصحاب في شروط صحة المضاربة انتفاء القيدين المذكورين. نعم المعنى الذي ذكره في القواعد وعكسه من قبيل الجعالة، لكنها لا تصح فيهما، لما تقدم من الاشكال في شركة الابدان من أن عقد الشركة لا يصلح لتشريع غير المشروع. والذي يتحصل مما ذكرناه أمور (الاول): أن الاجماع في مسألة شركة الوجوه لا مجال للاعتماد عليه بعد جهالة معقده (الثاني): أن المعنى المشهور من شركة الوجوه لا مجال للبناء على البطلان فيه، والعموم يقتضي الصحة. نعم على ما نظن يتعين البناء على البطلان، للوجه المتقدم في شركة الابدان. (الثالث): أن المعنى الثالث من شركة الوجوه لا مجال للقول

===============

( 21 )

[ لهما وفي ذمتهما. وشركة المفاوضة أيضا باطلة (1)، وهي أن يشترك اثنان أو أزيد على أن يكون كل ما يحصل لاحدهما ] بالبطلان فيه، لانه نوع من المضاربة. (الرابع) أن المعنيين الآخرين لتعين البناء على البطلان فيهما للوجه المتقدم في شركة الابدان كونهما نوعا من الجعالة لا يكفي في البناء على الصحة، إذ لا عموم يقتضي صحة الجعالة وإن كانت موجبة لمخالفة الادلة. نعم يصح إذا كان المراد أن تكون الحصة من الربح للعامل بعد أن تدخل في ملك مالك الاصل، كما لعله المفهوم من عنوان الجعالة، إذ لا مانع من ذلك، بل هو صحيح حتى في شركة الابدان، لعدم وجود المانع المتقدم حينئذ. وهذا هو المصحح للمضاربة في مواردها وفي المعنى الثالث الذي صححناه، لانه من المضاربة. (1) وفي الجواهر: " الاجماع بقسميه على فسادها "، وفي مفتاح الكرامة: " اجماعا كما في السرائر، والايضاح، وشرح الارشاد لولد المصنف، والمهذب البارع، والتنقيح وجامع المقاصد... " إلى آخر ما حكاه عن الكتب المتضمنة لنقل الاجماع ظاهرا. والذي يظهر منهم أن الاجماع هو مستند البطلان لا غير. وفيه نظر ظاهر. لورود الاشكال المتقدم في شركة الابدان هنا بعينة. إذ الربح يكون لصاحبه بدليله فانتقال بعضه إلى غير صاحبه خلاف ذلك الدليل. وكذلك الغرامة تكون على صاحبها بدليل ثبوتها لغيره خلاف ذلك الدليل. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في بعض الحواشي من أنه يمكن تصحيح ذلك بالاشتراط في ضمن عقد لازم آخر. إذ بناء على ما ذكرنا يكون مخالفا لمقتضى الكتاب، فلا يصح. إلا أن يقال إذا كان الشرط في ضمن عقد المعاوضة أو نحوها فالظاهر من اشتراط شئ، من الربح فيه أن يدخل الربح في ملك المشروط له بعد

===============

( 22 )

[ من ربح تجارة أو زراعة أو كسب آخر أو إرث أو وصية أو نحو ذلك مشتركا بينهما، وكذا كل غرامة ترد على أحدهما تكون عليهما. فانحصرت الشركة العقدية الصحيحة بالشركة في الاعيان المملوكة فعلا، وتسمى بشركة العنان (1). (مسألة 2): لو استأجر اثنين لعمل واحد بأجرة معلومة صح وكانت الاجرة مقسمة عليهما بنسبة عملهما. ولا يضر الجهل بمقدار حصة كل منهما حين العقد، لكفاية معلومية المجموع (2) ولا يكون من شركة الاعمال (3) التي تكون باطلة، بل من شركة الاموال (4)، فهو كما لو استأجر كل منهما لعمل (5) وأعطاهما شيئا واحدا بأزاء اجرتهما. ولو اشتبه مقدار عمل كل منهما فان احتمل التساوي حمل عليه، لاصالة عدم زيادة عمل أحدهما على الآخر (6)، وإن علم ] أن يدخل في ملك المشروط عليه، لا قبل أن يدخل. نظير اشتراط شئ من الربح للعامل في المضاربة، فان المراد به اشتراط أن يدخل الربح في ملك العامل بعد أن يدخل في ملك المالك، لا قبله ليكون خلاف الادلة الاولية. (1) سيأتي في المسألة الرابعة أن هناك قسم خامس للشركة فانتظر. (2) كما في بيع الصفقة. إذ لا دليل على اعتبار العلم باكثر من ذلك. (3) لاختصاص تلك بعقد الشركة بين العاملين وهو مفقود هنا. (4) هذا يكون بعد قبض المال المشترك، أما لو دفع المستأجر حصة كل واحد بمقدار عمله فلا شركة. (5) يعني: بأجرة معينة، مثل نصف دينار، وبعد عملهما أعطاهما دينارا واحدا ورضيا بذلك. (6) قال في القواعد: " وإذا تميز عمل الصانع من صاحبه اختص

===============

( 23 )

[ زيادة أحدهما على الآخر (1) فيحتمل القرعة في المقدار الزائد (2) ويحتمل الصلح القهري. (مسألة 3): لو اقتلعا شجرة أو اغترفا ماء بآنية واحدة أو نصبا معا شبكة للصيد أو أحييا أرضا معا، فان ملك كل منهما نصف منفعته بنصف منفعة الآخر اشتركا فيه بالتساوي، وإلا فلكل منهما بنسبة عمله بحسب القوة والضعف (3). ولو اشتبه الحال فكالمسألة السابقة (4). ] بأجرته، ومع الاشتباه يحتمل التساوي والصلح "، ونحوه عن التذكرة، وفي المسالك: " ولو اشتبه مقدار كل واحد فطريق التخلص بالصلح ". وكأن وجه التساوي الاصل المذكور، كما صرح بذلك في الجواهر في المسألة الآتية، لكن يعارضه أصالة عدم التساوي. أو يقال: لا مجال للاصول المذكورة، لعدم كون مجراها موضوعا لحكم شرعي، إذ ليس المدار في الاستحقاق على مقدار نسبة أحد العملين إلى الآخر، بل على مقدار نسبة العمل إلى ما يقابله من الاجرة، والنسبة مجهولة، والاصول لا تصلح لاثباتها لتعارضها في العملين، وحينئذ فالمقدار المردد يرجع فيه إلى القرعة، فإذا تعذرت لكثرة المحتملات لزم البناء على الصلح بينهما، ومع تعاسرهما يفصل بينهما الحاكم الشرعي بما يراه من كيفية الصلح. (1) يعني: ولم يعلم مقدار الزيادة. (2) بناء على ما تقدم منه من جريان أصالة عدم الزيادة فمع الشك في مقدار الزيادة يبنى على القدر المتيقن، لاصالة عدم الزيادة المحتملة. لكن عرفت إشكاله. (3) إذا كانا دخيلين في زيادة العمل ونقصه، وإلا فلا أثر لهما. (4) لكن عرفت التحقيق فيها.

===============

( 24 )

[ وربما يحتمل التساوي مطلقا (1)، لصدق اتحاد فعلهما في السببية واندراجهما في قوله: من حاز ملك. وهو كما ترى (2). (مسألة 4): يشترط على ما هو ظاهر كلماتهم (3) في الشركة العقدية - مضافا إلى الايجاب، والقبول، والبلوغ والعقل، والاختيار، وعدم الحجر لفلس أو سفه - امتزاج المالين (4) ] (1) هذا الاحتمال ذكره في الجواهر، لصدق اتحاد فعلهما في السببية واندراجهما في قول: من حاز ملك، ولعدم الدليل على اقتضاء ذلك التفاوت في المحاز، وإن كان هو منافيا للاعتبار العقلي، الذي لا يرجع إلى دليل معتبر شرعا. (2) فان انطباقه على كل واحد ينافي انطباقه على الآخر، " فيجب أن يكون له انطباق واحد عليهما معا، وحينئذ لا إطلاق له يقتضي المساواة في الحصة، بل الارتكاز العقلائي يقتضي صرفه إلى كون الملكية بمقدار العمل. (3) بل هو صريح كلماتهم. نعم ظاهرهم الاجماع عليه، ولعله مراد المصنف. (4) قال في التذكرة: " لا تصح الشركة إلا بمزج المالين وعدم الامتياز بينهما عند علمائنا ". لكن في الخلاف: " لا تنعقد الشركة الا في مالين مثلين في جميع صفاتهما، ويخلطان، ويأذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في التصرف فيه. وبه قال الشافعي ". ثم حكى عن أبي حنيفة عدم اعتبار الخلط، ثم قال: " دليلنا أن ما اعتبرناه مجمع على انعقاد الشركة به، وليس على انعقادها بما قاله دليل، فوجب بطلانه "، وظاهره الاجماع على الصحة في المختلطين، لا على اشتراط الاختلاط في الصحة والبطلان في غير المختلطين، وان كان ظاهر كلمات الجماعة في هذا الباب التسالم على اعتبار المزج في صحة الشركة. قال في النافع: " ولا تصح الا مع امتزاج

===============

( 25 )

المالين على وجه لا يتميز أحدهما من الآخر " ونحوه كلام غيره وقد عرفت الاشكال في ذلك في الحاشية على قول المصنف (ره): " وهو معدود من العقود "، فان النصوص صريحة في حصول الشركة يقول مالك العين للآخر: شاركتك، فإذا قال أحد المالكين للعينين: شاركتك " وقال الآخر: قبلت، حصلت الشركة في عينه، فإذا قال الآخر للاول: شاركتك، وقال الاول: قبلت، حصلت الشركة في عينه أيضا، فتكون شركة في العينين ومثله أن يقول أحدهما: تشاركنا في مالينا، فيقول الآخر: قبلت. ودعوى: أنه لا يحصل في هذا الشركة إلا بشرط الامتزاج بعيدة جدا، وإن عرفت أنها ظاهرة من كلام الاصحاب. إلا أن يكون مرادهم من الشركة معنى غير المعنى العرفي، وهو الاشتراك على وجه الاذن في التصرف من كل من الشريكين، كما عرفت أنه أيضا ظاهر كلمات جماعة منهم، و منهم الشيخ في عبارته في الخلاف المتقدمة. ومن ذلك ظهر أن لا إجماع على اعتبار الامتزاج في حصول مجرد الاشتراك في المالين وإن كان ظاهر بعض العبارات ذلك، والقدر المتيقن من الاجماع الشركة في التجارة المتضمنة للاذن في التصرف، المسماة بشركة العنان. وكأن وجه تسميتها بذلك أن كلا من الشريكين كأنه فارس وبيده عنان الفرس يذهب حيث يشاء، بخلاف من لا يكون بيده العنان، فانه يذهب حيث تشاء الفرس لا حيث يشاء هو. وان كان هذا الوجه لم يذكر في وجه التسمية بشركة العنان مع أنهم ذكروا الوجوه الكثيرة. وعلى هذا لم يظهر اجماع على اعتبار الامتزاج في أصل الاشتراك، والمتيقن منه في خصوص شركة التجارة التي يقصد فيها الاسترباح، المسماة بشركة العنان، المتضمنة للاذن لهما في التصرف. والمتحصل مما ذكرنا: أن الشركة العقدية على قسمين. (الاول).

===============

( 26 )

[ سابقا على العقد (1) أو لاحقا، بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر، من النقود كانا أو من العروض. بل اشترط جماعة (2) اتحادهما في الجنس والوصف. والاظهر عدم اعتباره (3)، بل يكفي الامتزاج على وجه لا يتميز أحدهما من الآخر، كما لو امتزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير ونحوه، أو امتزج نوع ] مجرد عقد شركة بين المالكين في المالين فقط. وهذه لم يقم دليل على اعتبار المزج فيها. (والثاني): عقد شركة بين المالكين في ماليهما مع الاذن في التصرف منهما لهما. وهي التي يعتبر فيها المزج بين المالين على نحو لا يتميز أحدهما عن الآخر، بناء على الاجماع المتقدم في كلامهم. بل هناك قسم ثالث يكون في المال الذي يشرك مالكه فيه، كما تضمنته النصوص فان الشركة فيه عقدية في مال واحد. (1) إذا كان الامتزاج سابقا على العقد فقد حصلت الشركة وحينئذ لا يكون العقد لانشائها، بل يكون لمحض الاذن في التصرف، فيكون معنى اشتركنا: أنه اشتركنا في التصرف لا اشتركنا في الملك. (2) حكى في مفتاح الكرامة: اشتراط الاتحاد في الجنس والصفة عن المبسوط والوسيلة والسرائر وجامع الشرائع والشرائع والتذكرة وجامع المقاصد والمسالك والكفاية، وعن السرائر: الاجماع على ذلك. لكن الذي يظهر من عبارة المبسوط الآتية خلاف ذلك. فانتظر. (3) قد يظهر ذلك من عبارة القواعد، إذ قال في مقام بيان أركانها الثلاثة: المتعاقدان والصيغة والمال: " وهو كلما يرتفع الامتياز مع مزجه، سواء كان أثمانا أو عروضا أو فلوسا "، وفي المبسوط: " ومن شرط الشركة أن يكون مال الشركة مختلطا لا يتميز مال أحدهما عن الآخر.. (إلى أن قال): ومتى أخرجا مالين متفقين في الصفة - مثل أن يخرج

===============

( 27 )

[ من الحنطة بنوع آخر (1). بل لا يبعد كفاية امتزاج الحنطة بالشعير (2). وذلك للعمومات العامة، كقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (* 1) وقوله (ع): " المؤمنون عند شروطهم " (* 2) وغيرهما. بل لولا ظهور الاجماع على اعتبار الامتزاج أمكن منعه مطلقا، عملا بالعمومات. ودعوى عدم كفايتها لاثبات ذلك (3). ] كل واحد منهما دراهم مثل دراهم صاحبه أو دنانير مثل دنانير صاحبه أو دهنا مثل دهن صاحبه أو حبا مثل حب صاحبه - وخلطاهما، وأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف في المال انعقد الشركة ". وكأنه لهذا ونحوه لم يتحقق الاجماع على اعتبار الجنس والوصف، ولذا قال في مجمع البرهان: " إن في اشتراط التساوي في الجنس تأملا، لانه يجري في غير المتجانسين حيث يرتفع المايز ". وحينئذ لا بأس بالبناء على حصول الشركة العقدية بمجرد الخلط الرافع للامتياز وإن كان المالان مختلفي الجنس. (1) يعني: مع عدم الامتياز. (2) لا يخفى أن الاجماع على اعتبار الخلط الذي عول عليه المصنف في اعتبار المزج كان معقده المزج الذي يرتفع معه الامتياز بين المالين، ولم يكن على محض اعتبار المزج مطلقا، كى يمكن التفكيك بين اعتبار المزج واعتبار عدم التميز، كما لا يخفى، وحينئذ لا مجال للرجوع إلى العمومات الدالة على الصحة. (3) تظهر هذه الدعوى من كلام الشيخ في الخلاف المتقدم نقله في الحاشية السابقة، فانه ظاهر في أنه مع عدم الامتزاج لا دليل على


____________
(* 1) المائدة: 1. (* 2) الوسائل الباب: 20 من ابواب المهور حديث: 4.

===============

( 28 )

[ كما ترى (1). لكن الاحوط مع ذلك أن يبيع كل منهما حصة مما هو له بحصة مما للآخر، أو يهبها كل منهما للآخر أو نحو ذلك، في غير صورة الامتزاج الذي هو المتيقن. هذا ويكفي في الايجاب والقبول كل ما دل على الشركة (2) من قول أو فعل. (مسألة 5): يتساوى الشريكان في الربح والخسران مع تساوي المالين (3)، ومع زيادة فبنسبة الزيادة ربحا وخسرانا سواء كان العمل من أحدهما أو منهما، مع التساوي فيه أو الاختلاف أو من متبرع أو أجير. هذا مع الاطلاق، ولو شرطا في العقد زيادة لاحدهما، فان كان للعامل منهما، أو لمن عمله أزيد، فلا اشكال ولا خلاف على الظاهر (4) عندهم في ] الصحة، بل يمكن أن ينسب ذلك لى القواعد وجماع المقاصد والمسالك، بناء على ما يظهر منها من أن العقد إنما ينشأ به الاذن في التصرف، دون الاشتراك في الملكية، وأن ذلك إنما يستند إلى المزج، فإذا شك في السببية للاشتراك في الملك يرجع إلى أصالة عدم ترتب الاثر، إذ لا عموم يقتضى ذلك. (1) لان الظاهر من الشركة العقدية إنشاء نفس الاشتراك بالعقد، غاية الامر أن ينضم إلى الاشتراك الاذن في التصرف، وحملها على إنشاء نفس الاذن مقطوع بخلافه، فلاحظ. (2) بناء على ما سبق يتعين أن يكون المراد من الشركة الشركة في الملك والشركة في العمل والتجارة، ليتضمن الاذن في التصرف. (3) هذا مقتضى أصالة تبعية الربح لاصل المال، وكذا في المسألة الثانية. (4) قال في الجواهر: " بل لا خلاف فيه بينهم، على ما اعترف

===============

( 29 )

[ صحته. أما لو شرطا لغير العامل منهما أو لغير من عمله أزيد ففي صحة الشرط والعقد (1) وبطلانهما (2) وصحة العقد وبطلان الشرط (3) - فيكون كصورة الاطلاق - أقوال (4) أقواها الاول (5) وكذا لو شرطا كون الخسارة على أحدهما أزيد. وذلك لعموم: " المؤمنون عند شروطهم ". ودعوى: أنه ] به جماعة، بل ولا في جوازه مع العمل منهما أيضا وشرطت الزيادة لمن زاد عمله على الآخر "، وفي الشرائع: " أما لو كان أحدهما وشرطت الزيادة للعامل صح، وكان بالقراض أشبه ". واستشكل عليه في الجواهر بعدم قصد القراض أولا، وبعدم اعتبار ما يعتبر في صحة القراض من كونه نقدا ثانيا، وبأنه لا يتم في الفرض الثاني ثالثا، فيتعين أن يكون الملك بالشرط، وحينئذ يطالب بوجه الفرق بين صورة العمل وغيرها بالصحة في الاولى والبطلان في غيرها، لتحقق الشرط في المقامين، فان صح صح فيهما معا، وإن بطل ففيهما معا أيضا. وفيه ما سيأتي فانتظر. (1) حكي ذلك عن المرتضى في الانتصار، وعن العلامة في جملة من كتبه كالتذكرة والتحرير والتبصرة والمختلف، وعن مجمع البرهان والكفاية وغيرها، وعن العلامة حكايته عن والده، واختاره في الجواهر. (2) حكاه في الشرايع قولا واختاره، ونسب إلى الخلاف والمبسوط والسرائر وشرح الارشاد للفخر واللمعة والمفاتيح وغيرها، وفي جامع المقاصد: أنه الاصح. (3) حكي عن ظاهر الكافي والغنية والنافع وجامع الشرائع، حيث قالوا: لم يلزم الشرط، بل في المسالك حكايته عن أبي الصلاح. (4) سيأتي القول الرابع الذي اختاره في القواعد. (5) لما سيأتي.

===============

( 30 )

[ مخالف لمقتضى العقد (1)، كما ترى (2). نعم هو مخالف لمقتضى إطلاقه. والقول بأن جعل الزيادة لاحدهما من غير أن يكون له عمل يكون في مقابلتها ليس تجارة، بل هو أكل بالباطل (3) ] (1) لا يحضرني من ادعى ذلك. (2) من الواضح أن مقتضى الشركة الاشتراك في الربح على حسب الشركة في الاصل، لكن هذا الاقتضاء ليس على نحو العلية بل على نحو الاقتضاء، وهذا المقدار كاف في بطلان الشرط على خلافه لكونه حينئذ مخالفا للكتاب، المراد أنه مخالف للحكم الاقتضائي. هذا بالنسبة إلى النماء الخارجي، وأما بالنسبة إلى النماء الاعتباري أعنى الربح فالاشكال فيه أظهر، كما اشرنا إليه في شركة الابدان، وسيأتي أيضا. ومن ذلك تعرف الاشكال في قوله رحمه الله: " هو مخالف لمقتضى... ". (3) هذا القول لجامع المقاصد وقد أطال في الاستدلال على البطلان فانه بعد أن استدل للقول بالصحة بعموم قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (* 1) وقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، (* 2)، وقوله (ع): " المؤمنون عند شروطهم " (* 3) قال: " ويضعف بأنه أكل مال بالباطل لان الزيادة ليس في مقابلها عوض، لان الفرض أنها ليست في مقابله عمل " ولا وقع اشتراطها في عقد معاوضة، لتضم إلى أحد العوضين، ولا اقتضى تملكها وعقد هبة، والاسباب المثمرة للملك معدودة، وليس هذا أحدها، ولا هو إباحة للزيادة، إذ المشروط تملكها بحيث يستحقها المشروط


____________
(* 1) المائدة: 1. (* 2) النساء: 29. (* 3) الوسائل باب: 20 من ابواب المهور حديث: 4.

===============

( 31 )

[ كما ترى باطل (1). ودعوى: أن العمل بالشرط غير لازم، ] له، فيكون اشتراطها اشتراطا لتملك شخص مال غيره بغير سبب ناقل للملك، كما لو دفع إليه دابة ليحمل عليها والحاصل لهما، فيكون باطلا، فيبطل العقد المتضمن له إذ لم يقع التراضي بالشركة والاذن في التصرف الا على ذلك التقدير، ولا يندرج في قوله تعالى: (أوفوا بالعقود)، ولا في قوله (ع): " المؤمنون عند شروطهم ". أما عدم اندراجه في قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فظاهر، إذ الشركة ليست من التجارة في شئ، إذ هي مقابلة مال بمال. نعم لو شرط ذلك للعامل تحققت التجارة حينئذ، لان العمل مال، فهو في معنى القراض ". (1) فان قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (* 1) وإن كان مقدما على قوله تعالى: " (أوفوا بالعقود) (* 2) وقوله تعالى: (تجارة عن تراض) (* 3) ونحوهما، إما لانه مخصص لها، أو وارد عليها، إلا أن كون الزيادة ليس في مقابلها عوض لا يستوجب أكل المال بالباطل، فان أكل مال الغير باذنه أو بتمليكه ليس من الاكل بالباطل ضرورة. كما أنه لا تنحصر صحة التملك بالمعاوضة والهبة كما ذكر - إذ لا دليل على ذلك، بل هو خلاف عموم صحة الشروط المقتضية للملك المجاني. هذا مضافا إلى أن بطلان الشرط لا يقتضي بطلان العقد، وعدم التراضي بالعقد الا على تقدير الشرط ممنوع، فان الرضا بالعقد ولشرط كان على نحو تعدد المطلوب، كما حقق في محله. ولذا بنى جماعة من المحققين على أن بطلان الشرط لا يقتضي بطلان العقد.


____________
(* 1) البقرة: 188، النساء: 29. (* 2) المائدة: 1. (* 3) النساء: 29.

===============

( 32 )

[ لانه في عقد جايز (1). مدفوعة أولا: بأنه مشترك الورود، ] (1) هذا محكي عن الرياض، وقد سبق أن عقد الشركة تارة: يراد به عقد التشريك في الملك، وأخرى: عقد التشريك في العمل والاذن في التصرف لهما، كما عرفت ظهور عبارات جماعة في أنه معنى عقد الشركة، وأنه بهذا المعنى كان من العقود الجائزة. وحينئذ فالشرط المذكور إن كان شرطا في الشركة بالمعنى الاول فهو شرط في عقد لازم، ولا ينافي لزومه بطلان الشركة بالقسمة، كما لا ينافي لزوم البيع بطلانه بالاقالة، كما ذكر ذلك في الجواهر. وإن كان شرطا في الشركة بالمعنى الثاني كان شرطا في عقد جائز لا لازم. لكن عرفت سابقا الاشكال في كون الشركة بهذا المعنى من العقود، لان الاذن في التصرف منهما كالاذن من أحدهما من قبيل الايقاع، الذي لا يصح فيه الشرط. نعم يصح الشرط في الاذن على معنى كونه عوض الاذن، فيكون الشرط مقوما للعقد، لا شرطا في العقد، بأن يقول الشريك لشريكه: أنت مأذون في العمل وحدك في المال المشترك على أن يكون لي ثلاثة أرباع الربح، فيقبل الشريك ذلك، لما يترتب على ذلك من الاغراض العقلائية، لكن الشرط بهذا المعنى ليس بالمعنى المصطلح في معنى الشرط في العقد، بأن يكون انشاء في ضمن انشاء، بل يكون قيدا مقوما للعقد. ولا مجال للتمسك فيه بقوله (ع): " المسلمون عند شروطهم " (* 1) بل يتمسك فيه بمثل: (أوفوا بالعقود). ومن ذلك يظهر أن شرط التفاوت مع العمل - الذي تقدم الاتفاق على صحته - من هذا القبيل، فانه معاملة بين الشريكين موضوعها العمل والتفاوت، لا أن ذلك شرط في العقد.


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 6 من أبواب الخيار من كتاب التجارة.

===============

( 33 )

[ إذ لازمه عدم وجوب الوفاء به في صورة العمل أو زيادته (1) وثانيا: بأن غاية الامر جواز فسخ العقد فيسقط وجوب الوفاء بالشرط والمفروض في صورة عدم الفسخ (2)، فما لم يفسخ يجب الوفاء به. وليس معنى الفسخ حل العقد من الاول (3) ] (1) وقد عرفت أنه لا خلاف في صحة الشرط حينئذ ونفوذه. (2) يعني: المفروض ومحل الكلام في صورة عدم الفسخ، فيكون الشرط نافذا. (3) يعني: لو فرض أنه وقع الفسخ بعد ذلك لا يكون ذلك الفسخ موجبا لبطلان الشرط من أصله، لان الفسخ حل العقد من حينه - يعني: من حين وقوع الفسخ لامن أول الامر، وحينئذ يترتب أثر الشرط وإن وقع الفسخ بعده. هذا ولكن عرفت في مسألة بطلان الشركة في الابدان أن المعاوضة على مال الغير تقتضي دخول العوض في ملك مالك المعوض عنه، فالربح يجب أن يدخل في ملك مالك المال، فلا يصح اشتراط خلاف ذلك، لانه إن صح الشرط بطلت المعاوضة، وإن صحت المعاوضة بطل الشرط. نعم إذا كان المراد أن تمليك مقدار التفاوت للشريك بعد أن يدخل في ملك شريكه صح. لكنه خلاف الظاهر من جعل التفاوت له في غير مقام المعاوضة. نعم إذا كان الجعل في مقام المعاوضة - كما إذا كان له عمل - فان ذلك قرينة على كون المقدار خارجا عن ملك الشريك إلى ملكه، لانه عوض العمل الذي ترجع فائدته إلى من يخرج من ملكه، كما في الصورتين الاوليين اللتين لا خلاف فيهما في صحة الشرط. ولاجل ذلك كانت المضاربة لا مخالفة فيها للقاعدة من أجل أن جزء الربح المجعول للعامل في مقابل عمله، فيكون المراد صيرورته للعامل بعد أن يدخل في ملك المالك لا قبل أن يدخل في ملكه، ليلزم مخالفة

===============

( 34 )

القاعدة. وكذلك الحكم في المثال الذي ذكره في جامع المقاصد، وهو ما إذا دفع دابة إلى غيره ليحمل عليها ويكون الحاصل لهما، فان جزء الحاصل الذي يكون للعامل يراد منه ذلك بعد أن يدخل في ملك مالك الدابه في مقابل عمله، لا قبله ليلزم الاشكال، والقرينة على ذلك ظهور قصد المعاوضة الموجبة لدخول كل من العوضين في ملك مالك من خرج عنه الاخر. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن المراد من الشرط في المقام ليس ما يكون انشاء في ضمن إنشاء، بل القيد المأخوذ في المعاملة سواء كان في مقابل عمل - كما في الصورتين - أم لا، كما في مورد الكلام. (الثاني): أن الوجه في البطلان في الصورة الاخيرة ليس من جهة أكل المال بالباطل، ولا من جهة أنه شرط في عقد جائز، بل من جهة أنها معاملة على خلاف مقتضى المعاملة الواقعة على أصل المال، فلا يمكن تصحيحهما معا، فان صحت المعاملة على المال بطلت هذه المعاملة وإن صحت هذه المعاملة بطلت المعاملة على المال. (الثالث): أن الوجه في الفرق بين الشرط مع العمل والشرط بدونه أنه مع العمل يكون المراد دخول جزء الربح في ملك العامل بعد خروجه من ملك الشريك، عملا بظاهر المعاوضة، ولا اشكال فيه، وبدون العمل يكون المراد دخوله في ملك الشريك قبل أن يدخل في ملك شريكه، فيلزم الاشكال. فلو فرض التصريح بأن الدخول في ملك من له التفاوت بعد دخوله في ملك الشريك تعين القول بالصحة. فالفارق بين المسألتين اختلافهما في المراد، لا اختلافهما في الدخول في الادلة، ليطالب بالوجه الفارق في ذلك. (الرابع): أن المعيار في الصحة والفساد كون اشتراط الزيادة لاحدهما بعد دخولها في ملك الشريك وقبله، فعلى الاول تصح، وعلى الثاني تبطل. (تنبيه): قال العلامة في القواعد: " ولو اشترطا التفاوت مع تساوي

===============

( 35 )

[ بل من حينه، فيجب الوفاء بمقتضاه مع الشرط إلى ذلك الحين. هذا ولو شرطا تمام الربح لاحدهما بطل العقد، لانه خلاف مقتضاه (1). نعم لو شرطا كون تمام الخسارة على أحدهما فالظاهر صحته (2) لعدم كونه منافيا. (مسألة 6): إذا اشترطا في ضمن العقد (3) كون ] المالين أو التساوي مع تفاوته فالاقرب جوازه إن عملا أو أحدهما سواء اشترطت الزيادة له أو للآخر ". ووجهه غير ظاهر، فانه إذا جاز اشتراط الزيادة لغير العامل فلا وجه لاعتبار عمل غيره في ذلك، فاشتراط ذلك فيه لا يخلو وجهه من غموض وخفاء. (1) لم يتضح وجه الفرق بين تمام الربح وبعضه في كون شرط الاول مخالفا لمقتضى العقد دون الثاني، وقد عرفت أنه ليس هناك عقد وشرط، بل ليس إلا عقد فقط، غايته أنه مقيد بقيد ينافي صحة المعاملة الموجبة للربح. (2) الكلام في الخسارة بعينه الكلام في الربح، فان مقتضى المعاملات الواقعة على المال رجوع النقص على المالك، عملا بالعوضية كرجوع الزيادة إليه عملا بالعوضية، فرجوع الخسران إلى غير المالك خلاف مقتضى المعاوضة الذي لا يمكن أن يتخلف، فيكف لا يكون منافيا؟!. نعم لو أريد من رجوع الخسارة إلى أحدهما لزوم تداركهما فلا بأس به، ولا يكون منافيا لمقتضى المعاوضات، نظير ما عرفته في الربح. (3) الظاهر إرادة عقد التشريك في الملك لا عقد التشريك في العمل والتجارة، ولذا قال في الشرائع: " وإذا اشترك المال لم يجز لاحد الشركاء التصرف فبه إلا مع إذن الباقين، فان حصل الاذن لاحدهم تصرف هو دون الباقين، ويقتصر من التصرف على ما أذن له، فان

===============

( 36 )

[ العمل من أحدهما أو منهما مع استقلال كل منهما أو مع انضمامهما فهو المتبع ولا يجوز التعدي، وإن اطلقا لم يجز لواحد منهما التصرف إلا باذن الآخر. ومع الاذن بعد العقد أو الاشتراط فيه فان كان مقيدا بنوع خاص من التجارة لم يجز التعدي عنه. وكذا مع تعيين كيفية خاصة. وإن كان مطلقا فاللازم الاقتصار على المتعارف (1) من حيث النوع والكيفية. ويكون حال المأذون حال العامل في المضاربة، فلا يجوز البيع بالنسيئة، بل ولا الشراء بها، ولا يجوز السفر بالمال، وإن تعدى عما عين له أو عن المتعارف ضمن الخسارة والتلف، ولكن يبقى الاذن بعد التعدي أيضا (2) إذ لا ينافي الضمان بقاءه. والاحوط مع اطلاق الاذن ملاحظة المصلحة، وإن كان لا يبعد كفاية عدم المفسدة (3). (مسألة 7): العامل أمين (4)، فلا يضمن التلف ] أطلق له الاذن تصرف كيف شاء "، ونحوه ما في القواعد وغيرها، فالحكم المذكور من أحكام الشركة وان لم تكن بعقد. (1) إذا كان التعارف قرينة على التقييد به أو صالحا لذلك، أما إذا لم يكن كذلك فلا مانع من الاخذ بخلافه، خصوصا إذا كان ذلك أقرب إلى المصلحة وأبعد عن الضرر. (2) لاطلاقه الشامل لذلك. (3) وفي الجواهر: " إن ذلك لا يخلو من قوة ". لكن وجهه غير ظاهر، إذ الاذن بالتجارة يقتضي الاختصاص بما فيه الفائدة، فلا إطلاق له يشمل رفع المفسدة. (4) عبر في الشرائع بقوله: " ولا يضمن الشريك ما تلف في يده "

===============

( 37 )

[ ما لم يفرط أو يتعدى. (مسألة 8): عقد الشركة من العقود الجايزة (1)، ] وفي القواعد: " والشريك أمين لا يضمن ما يتلف في يده "، والعبارات الثلاث واحدة المفاد، وهو عدم ضمان من هو مأذون في وضع يده على المال، لانه أمين. والحكم عندهم من المسلمات الواضحات، وهو كذلك، لما دل من النصوص على عدم ضمان الامين، وهي كثيرة. (1) قد اشتهر التعبير بذلك في كلام الجماعة، كالمحقق والعلامة والمحقق الثاني والشهيد الثاني وغيرهم، وعن الغنية والتذكرة: الاجماع عليه، قال في الشرائع: " ولكل واحد من الشركاء الرجوع في الاذن والمطالبة بالقسمة لانها غير لازمة "، وقال في القواعد: " ويجوز الرجوع في الاذن والمطالبة بالقسمة، إذ الشركة من العقود الجائزة من الطرفين " ونحوهما عبارات غيرهما، وفي المسالك في شرح عبارة الشرائع المتقدمة قال: " الشركة بمعنييها غير لازمة " وأشار إلي الاول بقوله: والمطالبة بالقسمة، وإلى الثاني بقوله: الرجوع في الاذن ". ويشكل: بأن المطالبة بالقسمة لا تنافي اللزوم، إذ القسمة ليست فسخا، وإنما هي تعيين الحصة المشاعة، وذلك وإن كان يقتضي زوال الاشاعة والاشتراك لكنه ليس فسخا لعقد التشريك في الملك، إذ الفسخ يقتضي رجوع كل مال إلى ملك مالكه قبل الاشتراك، وليست القسمة كذلك. ومجرد زوال الاشتراك به لا يوجب كونه فسخا، كما أن الطلاق لا يكون فسخا للنكاح وإن زال النكاح به. هذا إذا كان التشريك قد انشئ بالعقد " أما إذا كان قد حصل بالامتزاج فهو من الاحكام لا من العقود، فلا يقبل الجواز واللزوم حتى يكون طلب القسمة مقتضيا للجواز وأما الرجوع بالاذن فليس فسخا لعقد، وإنما هو رفع للاذن، والاذن ليس من العقود بل من الايقاع، كما أشرنا إلى ذلك في أول المبحث،

===============

( 38 )

[ فيجوز لكل من الشريكين فسخه (1)، لا بمعنى أن يكون الفسخ موجبا للانفساخ (2) من الاول أو من حينه بحيث تبطل الشركة (3)، إذ هي باقية ما لم تحصل القسمة، بل بمعنى جواز رجوع كل منهما عن الاذن في التصرف الذي بمنزلة عزل الوكيل ] وذكره شيخنا في الجواهر. ثم إنه في المسالك قرب أن يكون مراد الشرائع من قوله (ره): " غير لازمة " هو المعنى الثاني، لانه الذي يكون من العقود. لكن على هذا لا يحسن جعله تعليلا لطلب القسمة الذي ذكر أنه يتعلق بالمعنى الاول. فلاحظ. هذا والظاهر أن مراد الشرائع والقواعد وغيرهما من طلب القسمة طلب قسمة المال المشترك بعقد الشركة التجارية، يعني: أن الشريكين في التجارة يجوز لكل منهما نقضها بالرجوع عن الاذن وبطلب القسمة، في مقابل احتمال لزوم الاستمرار عليها، فيكون طلب القسمة أيضا منافيا للزوم الشركة التجارية، ولا يرتبط بالشركة الملكية، وحينئذ يتوجه الاشكال الاخير فقط، وهو: أن الشركة التجارية إيقاع لا عقد، فلا تقبل الجواز واللزوم. وإن شئت قلت: لا يمكن أن يكون المراد كل واحد من المعنيين للشركة، لانه من استعمال المشترك في اكثر من معنى، وحينئذ إما أن يراد المعنى الاول أو الثاني، والاول ممتنع لانه لا يرتبط بالاذن، فيتعين الثاني. (1) ذكر المصنف ذلك، لانه من أحكام جواز العقد ومن فروعه. (2) إذا لم يكن بهذا المعنى لم يكن من أحكام جواز العقد، بل يكون حكما خاصا، وحينئذ لا يكون جواز عقد الشركة بمعناه المصطلح بل يكون بمعنى آخر، وحينئذ لا داعي إلى هذا التعبير هذا الايهام. (3) إذا كان المراد من الشركة العقدية التمليكية فهي لازمة لا جائزة

===============

( 39 )

[ عن الوكالة (1) أو بمعنى مطالبة القسمة (2). وإذا رجع أحدهما عن إذنه الآخر - فيما لو كان كل منهما مأذونا - لم يجز التصرف للآخر، ويبقى الجواز بالنسبة إلى الاول (3) وإذا رجع كل منهما عن إذنه لم يجز لواحد منهما. وبمطالبة القسمة يجب القبول على الآخر، وإذا أوقعا الشركة على وجه يكون لاحدهما زيادة في الربح أو نقصان في الخسارة يمكن ] ولا يجوز فسخها، وإذا كان المراد الشركة التجارية فان كانت من العقود فلا مانع من أن تكون جائزة ويجوز فسخها وان بقيت الشركة في المال بحالها. نعم عرفت سابقا الاشكال في كونها من العقود، كي تقبل الجواز واللزوم، وتقبل الفسخ. (1) عزل الوكيل ليس فسخا للوكالة، وإنما هو اعتبار آخر وإن كان رافعا لها، كما أن طلاق الزوجة ليس فسخا لنكاحها، وعتق العبد ليس فسخا لشرائه أو استرقاقه، فان هذه العناوين الاعتبارية مباينه لاعتبار الفسخ. (2) الظاهر أنه لا إشكال في أنه يجوز للشريك مطالبة القسمة، ويقتضيه عموم السلطنة. لكنه ليس فسخا للسبب الموجب للتشريك، ولذا تصح القسمة في الموارد الذي لا يكون التشريك إنشائيا كالارث ونحوه. (3) هذا مما يوضح أن الرجوع عن الاذن ليس فسخا، إذ لو كان فسخا كان رفعا للاذن من الطرفين. نعم إذا كان الاذن من الطرفين مضمون عقد الشركة، فان كان عقد الشركة يقتضى الاذن فرفع الاذن من أحد الطرفين يقتضي ارتفاع الاذن من الآخر، لما بينهما من نوع المعاوضة، فيكون انفساخا قهريا. ومن ذلك يشكل ما عن التذكرة من الفرق بين قوله: " فسخت العقد " وبين قوله: " عزلتك "، حيث أن

===============

( 40 )

[ الفسخ، بمعنى إبطال هذا القرار، بحيث لو حصل بعده ربح أو خسران كان بنسبة المالين (1) على ما هو مقتضى إطلاق الشركة. (مسألة 9): لو ذكرا في عقد الشركة أجلا لا يلزم فيجوز لكل منهما الرجوع قبل انقضائه (2). إلا أن يكون مشروطا في ضمن عقد لازم، فيكون لازما. ] الاول يقتضي ارتفاع الاذن من الطرفين، بخلاف الثاني، لكن عرفت أن التحقيق أنه لا عقد ولا جواز ولا لزوم، وانما هو إيقاع من الطرفين، فإذا ارتفع أحدهما لم يرتفع الآخر. (1) هذا إذا كانت التفاوت قد أخذ شرطا زائدا على إنشاء الشركة التجارية، إذ حينئذ يجوز بطلان الشرط، ويبقى الانشاء المشروط فيه بحاله، ولذا يحوز للمشروط اسقاط شرطه من دون ورود خلل في أصل العقد. أما إذا كان قد أخذ مقوما للايقاع - كما عرفت - فإذا بطل أحتيج إلى إيقاع جديد. (2) قال في الشرائع: " ولو شرط التأجيل في الشركة لم يصح، ولكن منهما أن يرجع متى شاء "، وفي القواعد " ولا يصح التأجيل فيها " ونحوهما كلام غيرهما. وفي بعضها: أن المؤجلة باطلة. والظاهر أن المراد بطلان التأجيل، ولا بطلان أصل الشركة التجارية، بحيث لا يصح التصرف في المال والاتجار به، فضلا عن بطلان الشركة العقدية التمليكية. ثم إن الظاهر أنه لا إشكال في الحكم المذكور عندهم، وعللوة: بأن الشركة من العقود الجائزة، فلا تلزم بالشرط. والاشكال فيه ظاهر إذ لم يثبت أن الشركة التجارية من العقود، فضلا عن أن تكون جائزة. ولم سلم فلا مانع من صحة شرط اللزوم وعدم الفسخ إلى أجل في العقود الجائزة، كما تقدم من المصنف (ره) في أوائل المضاربة. اللهم إلا أن يكون جوازها

===============

( 41 )

[ (مسألة 10): لو ادعى أحدهما على الآخر الخيانة أو التفريط في الحفظ فأنكر عليه الحلف مع عدم البينة (1). (مسألة 11): إذا ادعى العامل التلف قبل قوله مع اليمين لانه أمين (2). (مسألة 12): تبطل الشركة بالموت (3)، والجنون والاغماء، والحجر بالفلس أو السفه، بمعنى: أنه لا يجوز للآخر ] اقتضائيا، فيكون الشرط مخالفا للكتاب. لكن بناء على هذا لا يصح وان كان في عقد لازم. نعم لو كان المستند الاجماع على بطلان الشرط أمكن اختصاص الاجماع بصورة الشرط في ضمن العقد، فلا يشمل غيره. لكن ثبوت الاجماع غير ظاهر. فالتحقيق أن الوجه فيه أن الشركة التجارية ليست إلا إيقاع الاذن من الشركاء، والاذن لا يقبل اللزوم ضرورة، فيجوز للآذن العدول عن إذنه ما لم يكن سبب ملزم. (1) لانه أمين، وليس على الامين إلا اليمين، كما سبق أنه مفاد النصوص (2) يعني: وليس على الامين إلا اليمين. ولا فرق بين أن يكون التلف المدعى بسبب ظاهر أو خفي - كما نص على ذلك في الشرائع وغيرها - لاطلاق الادلة، خلافا لبعض العامة. (3) كما نص على ذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما من كتب القدماء والمتأخرين. ويظهر منهم الاجماع عليه، بل عن الغنية: الاجماع صريحا، وعن التذكرة: انفساخها بالاغماء والحجر والسفه، وعن التحرير وجامع المقاصد والمسالك: انفساخها بالفلس. والوجه في الحكم في الموت ظاهر، لانتقال المال إلى الوارث فلا يجوز التصرف بغير إذنه. وكذا في الفلس، لكون الاموال تحت سلطان الحاكم الشرعي، فلا يجوز التصرف بغير اذنه. أما في غيرهما فغير ظاهر، لولا ظهور الاجماع، وكما أن الاذن

===============

( 42 )

[ التصرف، وأما أصل الشركة فهي باقية (1). نعم يبطل أيضا ما قرراه من زيادة أحدهما في النماء بالنسبة إلى ماله أو نقصان الخسارة كذلك (2). إذا تبين بطلان الشركة فالمعاملات الواقعة قبله (3) محكومة بالصحة، ويكون الربح على نسبة المالين، لكفاية الاذن المفروض حصوله (4). نعم لو كان مقيدا بالصحة تكون كلها فضوليا بالنسبة إلى من يكون إذنه ] لا تبطل بالنوم لا تبطل عرفا بالاغماء والجنون والسفه، وإذا شك فالاستصحاب كاف في ترتيب الاحكام. (1) كما صرحوا بذلك على نحو يظهر منهم أنه من المسلمات، بل ينبغي أن يكون من الضروريات، وأن حدوث هذه الطوارئ لا يوجب إفراز الحقوق، ولا تعيين الحصة المشاعة، فالشركة التي حكم ببطلانها بالامور المذكورة هي الشركة في الاتجار بالمال والعمل به، بمعنى عدم جواز التصرف فيه. (2) لان بطلان العقد يستوجب بطلان الشرط في ضمنه، لانه حينئذ يكون من الشرط الابتدائي، وهو لا يجب العمل به. (3) يعني: قبل تبين البطلان. (4) يعني: أن الشركة إذا بطلت فبطل الشرط في ضمنها تبقى الاذن فيصح بها التصرف، وقد ذكر جماعة أنه إذا بطلت الوكالة يصح التصرف بالاذن التي في ضمنها، مثلا إذا علق الوكالة على شرط استقبالي بطلت للتعليق، لكن تبقى الاذن، فيصح لاجلها التصرف الصادر من الوكيل، لا لانه وكيل، بل لانه مأذون. فيكون هناك أمور ثلاثة: شركة عقدية، وشرط التفاوت، وإذن في التصرف، فإذا بطلت الشركة فبطل الشرط لم تنتف الاذن بالتصرف، فتصح المعاملات الجارية على المال. لكن عرفت

===============

( 43 )

[ مقيدا. ولكل منهما أجرة مثل عمله (1) بالنسبة إلى حصة الآخر إذا كان العمل منهما، وان كان من أحدهما فله أجرة مثل عمله. (مسألة 13): إذا اشترى أحدهما متاعا وادعى أنه ] أن الشركة العقدية نفس الاذن بالتصرف، والشرط إن فرض فهو قيد للاذن ومقوم لها لان الاذن بالتصرف أخذت مقيدة بالتفاوت، نظير الاباحة، فمع انتفاء القيد تتفي الاذن. هذا مضافا إلى أن المبطلات المذكورة إنما تبطل الشركة لانها تبطل الاذن فلا تصح الاذن معها، كما هو ظاهر، وقد سبق منه أنه لا يجوز التصرف. نعم لو فرض بطلان الشركة بمبطل غير الامور المذكورة أمكن القول ببقاء الاذن، كما تقدم ذلك في المضاربة. لكن ظاهر كلام المصنف (ره) الحكم في المبطلات المذكورة. ويحتمل بعيدا أن يكون المراد أن المعاملات الواقعة قبل البطلان صحيحة. لكن صحتها حينئذ من جهة صحة الشركة، لا لكفاية الاذن مع بطلان الشركة كما ذكر. وأيضا بناء على ذلك لا تختص الصحة بالمعاملات الواقعة قبل البطلان، بل يشمل حتى المعاملات الواقعة بعد البطلان، لان البطلان لا يوجب ارتفاع الاذن. (1) الذي يظهر من العبارة أن ذلك من أحكام البطلان، يعني إذا بطلت الشركة استحق العامل أجرة عمله بالنسبة إلى حصة شريكه، لاستيفائه العمل فيضمن بالاستيفاء. لكن يختص ذلك بما إذا فرض للعامل أجرة، أما إذا لم يفرض له أجرة فقاعده: ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، تقتضي عدم الضمان. هذا والمصنف لم يتعرض في الشركة الصحيحة لاستحقاق الاجرة وعدمه، وكان المناسب ذلك، بل الظاهر من قوله في المسألة الخامسة:

===============

( 44 )

[ اشتراه لنفسه وادعى الآخر أنه اشتراه بالشركة، فمع عدم البينة القول قوله مع اليمين، لانه أعرف بنيته (1). كما أنه كذلك لو ادعى أنه اشتراه بالشركة وقال الآخر أنه اشتراه لنفسه، فانه يقدم قوله أيضا، لانه أعرف، ولانه أمين (2). تم كتاب الشركة ] " يتساوى الشريكان... " أن ذلك مبني على أن العمل مجاني، وكذلك ظاهر كلمات الفقهاء. وعليه فلا وجه لاستحقاق الاجرة مع البطلان. هذا ويحتمل بعيدا أن يكون كلامه هذا لبيان حكم العمل في الشركة الصحيحة، لكن كان المناسب أن يفصله عن هذه المسألة بمسألة أخرى. (1) يشير هذا التعليل إلى القاعدة المشهورة في كلام الاصحاب من قبول قول من لا يعرف المقول إلا من قبله، ويظهر أنها من القواعد المعول عليها عند العقلاء، ولولاها يلزم تعطيل أحكام المقول، إذ لا طريق إلى إثبات موضوعها، ويقتضيها قاعدة: من ملك شيئا ملك الاقرار به، المدعى عليها الاجماع في كلام الاصحاب، وقد مر ذلك في المسألة الثانية والخمسين من كتاب المضاربة. فراجع. (2) لا يظهر دليل على كلية سماع قول الامين الا في حال الاخبار عن وقوع الفعل المؤتمن عليه، كما إذا أخبرت الجارية بغسل الثوب الذي كلفت بغسله، أو يكون الخبر مع التداعي مع من ائتمنه في جملة من الموارد لا على كليته، فلو ادعى الرد لم يقبل قوله إلا في الودعي. فكان الاولى للمصنف (ره) أن يقول: لانه أمين على أداء الفعل الذي أخبر عن وقوعه.

===============

( 45 )

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المزارعة وهي المعاملة على الارض بالزراعة بحصة من حاصلها (1) وتسمى مخابرة أيضا، ولعلها من الخبرة بمعنى النصيب، ] بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المزارعة المزارعة من باب المفاعلة، مصدر (فاعل) وهو للسعي نحو الفعل، بخلاف فعل، فانه لوقوع الفعل، فإذا قلت: قتل زيد عمروا فقد أخبرت عن وقوع القتل على عمرو من زيد، فإذا قلت: قاتل زيد عمروا، فقد أخبرت عن سعي زيد لقتل عمرو، فإذا قلت: زارع زيد عمروا، كان المراد أنه سعى زيد لتحقيق الزرع ووقوعه من عمرو، ففي المثالين يراد من فاعل السعي ويختلفان في كيفية وقوع الفعل، ولا يقال: زراعت الحب بمعنى سعيت إلى زرعه، كما يقال: قاتلت زيدا، فهذا الاختلاف ناشئ من اختلاف الموارد. (1) تفترق المزارعة عن إجارة الارض: بأن إجارة الارض لا يملك مؤجرها على المستأجر لها شيئا غير الاجرة، وهنا يملك المؤجر لها مضافا

===============

( 46 )

[ كما يظهر من مجمع البحرين (1) ولا إشكال في مشروعيتها، بل يمكن دعوى استحبابها. لما دل على استحباب الزراعة، بدعوى كونها أعم من المباشرة والتسبيب (2). ففي خبر الواسطي قال: " سألت جعفر بن محمد (ع) عن الفلاحين قال: هم الزراعون كنوز الله في أرضه، وما في الاعمال شئ احب إلى الله من الزراعة، وما بعث الله نبيا إلا زارعا ] إلى الحصة، أن يعمل العامل، وليس له الامتناع عن العمل. كما أنها تفترق عن إجارة الاجير بأن في إجارة الاجير لا يملك الاجير على المستأجر شيئا غير الاجرة، وهنا يملك على مالك الارض بذل الارض مضافا إلى الحصة، فالمزارعة كأنها إجارة للارض وإجارة للعامل، فهي كأنها إجارتان لان كلا من العامل والمالك يملك على الآخر شيئا غير الحصة. ولاجل ذلك احتمل أن تكون المزارعة معاوضة بين عمل العامل ومنفعة الارض، أو بذلها، وتكون الحصة من قبيل الشرط فيها، لا أن الحصة هي العوض. لكن الارتكاز العرفي لا يساعد عليه، بل يساعد على ما ذكره الاصحاب لا غير. وسيأتي في المسألة التاسعة عشرة من مبحث المساقاة بعض الكلام في ذلك. (1) وفي القاموس: " الخبرة: النصيب تأخذه من لحم أو سمك "، وفي المسالك: " وقد يعبر عن المزارعة بالمخابرة، إما من الخبير وهو الاكار أو من الخبارة وهي الارض الرخوة، أو مأخوذة من معاملة النبي صلى الله عليه وآله لاهل خيبر ". وقد أشار في القاموس إلى المعنيين الاولين مضافا إلى المعنى السابق. (2) أو كون الاستحباب من باب: تعاونوا على البر والتقوى.

===============

( 47 )

[ إلا ادريس (ع) فانه كان خياطا ". (* 1) وفي آخر عن ابي عبد الله (ع): " الزارعون كنوز الانام يزرعون طيبا أخرجه الله وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاما وأقربهم منزلة يدعون المباركين " (* 2). وفي خبر عنه (ع) قال: " سئل النبي صلى الله عليه وآله أي الاعمال خير؟ قال: زرع يزرعه صاحبه وأصلحه وأدى حقه يوم حصاده. قال: فأي الاعمال بعد الزرع؟ قال: رجل في غنم له قد تبع بها مواضع القطر يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. قال: فأي المال بعد الغنم خير؟ قال: البقر يغدو بخير ويروح بخير. قال: فأي المال بعد البقر خير؟ قال: الراسيات في الوحل المطعمات في المحل: نعم المال النخل. من باعها فانما ثمنه بمنزلة رماد على رأس شاهق اشتدت به الريح في يوم عاصف، إلا أن يخلف مكانها. قيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله: فأي المال بعد النخل خير فسكت، فقام إليه رجل فقال له: فاين الابل؟ قال: فيها الشقاء والجفاء والعناء وبعد الدار، تغدو مدبرة وتروح مدبرة لا يأتي خيرها الا من جانبها الاشأم أما إنها لا تعدم الاشقياء الفجرة " (* 3). وعنه (ع) " الكمياء الاكبر الزراعة " (* 4). وعنه (ع): " إن الله جعل أرزاق أنبيائه في الزرع والضرع كيلا يكرهوا شيئا من قطر السماء " (* 5) ]


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب مقدمات التجارة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 3 من كتاب المزارعة والمسقاة: 7. (* 3) الوسائل باب: 48 من ابواب احكام الدواب حديث: 1. (* 4) الكافي الجزء: 5 الصفحة: 261 الطبعة الحديثة. الوافي الجزء: 3 الصفحة: 23 آواخر باب فضل المزارعة، مجمع البحرين مادة: " كرم ". (* 5) الوسائل باب: 3 من كتاب المزارعة والمسقاة حديث: 2.

===============

( 48 )

[ وعنه (ع): " أنه سأله رجل فقال له: جعلت فداك أسمع قوما يقولون: إن المزارعة مكروهة. فقال: ازرعوا فلا والله ما عمل الناس عملا أحل ولا أطيب منه " (* 1). ويستفاد من هذا الخبر ما ذكرنا من أن الزراعة أعم من المباشرة والتسبيب وأما ما رواه الصدوق مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله: " أنه نهى عن المخابرة. قال: وهي المزارعة بالنصف أو الثلث أو الربع " (* 2). فلابد من حمله على بعض المحامل، لعدم مقاومته لما ذكر. وفي مجمع البحرين: " وما روي من أنه صلى الله عليه وآله نهى عن المخابرة، كان ذلك حين تنازعوا، فنهاهم عنها ". ويشترط فيها أمور. أحدها: الايجاب والقبول (1). ويكفي فيهما كل لفظ دال (2)، سواء كان حقيقة أو مجازا مع القرينة، ك‍ " زارعتك أو سلمت إليك الارض على أن تزرع على كذا " ولا يعتبر فيهما العربية (3)، ولا الماضوية، فيكفي الفارسي ] (1) لانها من العقود، بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه. كذا في الجواهر. (2) كما يقتضيه عمومات الصحة و إطلاقاتها من دون مخصص ولا مقيد، كما حرر في أوائل مباحث البيع. (3) لما عرفت من العمومات والاطلاقات، لعدم اعتبار ذلك في مفهومها عرفا.


____________
) (* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب المزارعة حديث: 1. (* 2) معاني الاخبار الجزء: 2 باب: 133 الصفحة: 80. بحار الانوار المجلد: 23 كتاب المزارعة الحديث: 2.

===============

( 49 )

[ وغيره، والامر (1) كقوله: " ازرع هذه الارض على كذا " أو المستقبل أو الجملة الاسمية مع قصد الانشاء بها. ] (1) قال في الشرائع: " وعبارتها أن يقول: زارعتك " أو ازرع هذه الارض " قال في المسالك: " وأما قوله: إزرع هذه الارض - بصيغة الامر - فان ذلك لا يجيزونه في نظائره من العقود، ولكن المصنف وجماعة أجازوه، استنادا إلى رواية أبي الربيع الشامي والنضر بن سويد عن أبي عبد الله (ع). وهما قاصرتان عن الدلالة على ذلك، فالاقتصار على لفظ الماضي أقوى ". ومراده من رواية أبى الربيع ما رواه الشيخ والصدق عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله (ع): " أنه سئل عن الرجل يزرع أرض رجل آخر، فيشترط على ثلثا للبذر وثلثا للبقر. فقال: لا ينبغي أن يسمي بذرا ولا بقرا، ولكن يقول لصاحب الارض: ازرع في أرضك ولك منها كذا وكذا نصفا وثلثا وما كان من شرط، ولا يسمي بذرا ولا بقرأ، فانما يحرم الكلام " (* 1). ومراده من رواية النظر ما رواه الكليني والشيخ عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان: " أنه قال: في الرجل يزارع فيزرع أرض غيره، فيقول: ثلث للبقر وثلث للبذر وثلث للارض، قال: لا يسمي شيئا من الحب والبقر، ولكن يقول: ازرع فيها كذا وكذا إن شئت نصفا وإن شئت ثلثا " (* 2). هذا والمذكور في الروايتين لفظ المضارع لا لفظ الامر. كما أن رواية النضر عن عبد الله بن سنان لا عن أبي عبد الله (ع) كما ذكر، وقد سبقه إلى ذلك في جامع المقاصد. وايضا فان الامر لو فرض أنه كان في الروايتين فهو من العامل، لا من صاحب الارض.


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 10. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 5.

===============

( 50 )

ولعل مراد المستدل بالروايتين الاستدلال بهما بتوسط الاولوية، فانه إذا جاز الايجاب بالمضارع جاز بالامر بالاولوية، كما حكي ذلك عن الايضاح. لكن الاشكال فيه ظاهر. وكان الاولى الاستدلال بصحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل يعطي الرجل أرضه فيها ماء (رمان خ ل) أو نخل أو فاكهة، ويقول: إسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرجه الله (عزوجل. خ ل) قال: لا بأس " (* 1) بضميمة عدم القول بالفصل، أو فهم عدم الخصوصية وإن أمكن الاشكال فيه: بأنه لم يثبت كون الامر إنشاء للمساقاة، بل من المحتمل - بل الظاهر - أنه من قبيل؟ الة. والاولى أن يقال: إن المائز بين العقد والايقاع أن المفهوم المنشأ إن كان متعلقا بطرفين على وجه يكون تعلقه بكل منهما خلاف السلطنة عليه يكون عقديا، أولا يكون كذلك، فيكون ايقاعا. مثلا تمليك مال إنسان لآخر لما كان على خلاف سلطنة المالك والمتملك - فان خروج مال إنسان عن ملكه إلى ملك غيره خلاف سلطنة المالك على ماله، وخلاف سلطنة المتملك على نفسه -، كان التمليك مفهوما عقديا. واسقاط ما في الذمة لما لم يكن خلاف سلطنة من له الذمة كان إيقاعا، فيجوز وقع الثاني بلا حاجة إلى إعمال سلطنة صاحب الذمة، ولا يجوز وقوع الاول بلا سلطنة المتملك. ومن ذلك تعرف أن إنشاء المفهوم العقدي لا يكون إلا باعمال سلطنة كل من الطرفين، فيكون إيجابا من طرف وقبولا من طرف آخر. وربما يحصل باعمال السلطنة من دون صدق القول " كما إذا قال زيد لعمرو: بعني فرسك، فانه إذا قال عمرو: بعتك الفرس، حصل البيع


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب كتاب المزرعة والمساقاة حديث: 2.

===============

( 51 )

بلا حاجة إلى قبول، لحصول الاعمال للسلطنة من جهة زيد بمجرد الامر. وكذا إذا قال: أذنت لك في أن تبيعني فرسك، فانه إذا قال عمرو: بعتك فرسي، صح من دون حاجة إلى القبول، وكذلك الوكيل للمتعاقدين معا، فانه إذا قال: بعت فرس أحدهما للآخر، صح من دون حاجة إلى القبول، ومالك العبد والامة إذا انشأ تزويج أمته من عبده صح من دون حاجة إلى قبوله، كما أفتى بذلك جماعة. وعلى هذا فالامر بالزرع ليس إيجابا ولا قبولا، لعدم صدوره في مقام الانشاء للمفهوم الانشائي، فانه أمر بالزرع وطلب له من دون إنشاء للمزارعة، فصحة المعاملة مع ذلك ليس لانه إيجاب أو قبول، بل لانه إعمال للسلطنة. ومثله أن يقول: أذنت لك في أن تزرع الارض بحصة كذا، أو أذنت لك في أن تزارعني على الثلث، فذلك بمنزلة الايجاب، لانه إعمال لسلطنة صاحب الارض الذي وظيفته الايجاب، إذ الاحتياج إلى الايجاب في حصول المفهوم العقدي لاجل كونه إعمالا للسلطنة، وهو حاصل بالامر، فإذا قال زيد لعمرو: تملك مالي، فقال عمرو: تملكت مال زيد، حصل الملك من دون حاجة إلى قول زيد: قبلت. ومن ذلك يظهر أن الاكتفاء بالامر في الايجاب ليس من باب استعمال الامر في المعنى الانشائي، بأن يكون قوله: ازرع هذه الارض، مستعملا في إنشاء المزارعة مجازا، كي يكون من المجازات المستنكرة، ولا من باب الكناية عن الانشاء النفساني، فيكون الامر حاكيا عنه بالدلالة العقلية، نظير حكاية تصرف من له الخيار في العين المبيعة الحاكي عن إنشاء الفسخ، بل هو من باب إعمال السلطنة الكافي عن القبول. وربما يكون الامر بنفسه انشاء على الحقيقة. بأن يكون أمرا تكوينيا لا تشريعيا، كما إذا قال البائع للمشتري: اشتر هذا الفرس بدرهم منشئا

===============

( 52 )

[ وكذا لا يعتبر تقديم الايجاب على القبول (1). ويصح الايجاب ] نفس الشراء، كما في قوله تعالى: (كن فيكون) (* 1) فيقول المشتري: قبلت، ويتم العقد، فيكون قوله: اشتر، إيجابا على الحقيقة، وفي المقام يقول صاحب الارض للفلاح: كن مزارعا، فيقول الفلاح: قبلت، و في باب النكاح يقول الرجل للمرأة: كوني زوجة " فتقول المرأة: قبلت، أو تقول هي: كن لي زوجا، فيقول: قبلت، وهكذا ينشأ المفهوم الانشائي بصيغة الامر، فيكون جعلا تكوينيا للمعنى الانشائي، ويكون إيجابا، فإذا لحقه القبول كان عقدا. ويتحصل مما ذكرنا: أن الاكتفاء بالامر في العقود يكون على أربعة أنحاء: (الاول): أن يكون من باب إعمال السلطنة، فيكون كافيا عن الايجاب أو القبول. لا أنه إيجاب أو قبول. (الثاني): أن يكون إيجابا أو قبولا، كما إذا كان أمرا تكوينيا. (الثالث): أن يكون حاكيا عن الالتزام النفسي ودالا على بالدلالة العقلية، نظير تصرف من له الخيار، ويكون جزء العقد في الحقيقة هو ذلك الالتزام النفسي ويكون الامر تشريعيا دالا عليه دلالة المعلول على علته. (الرابع): أن يكون مستعملا مجازا في معنى فعل الماضي أو المضارع، على نحو الانشاء لا الاخبار فيكون من المجازات المستنكرة التي لا يجوز إنشاء العقد بها. (1) لا يخفى أن مفهوم القبول لغة وعرفا مثل مفهوم الرضا يمكن أن يتعلق بالمستقبل كما يتعلق بالماضي، بل قد يتعلق بالمفهوم اللحاضي من دون أن يكون له خارجية ومطابق عيني. أما القبول العقدي فلا يتعلق إلا بما هو واقع، فإذا تعلق بما يقع في المستقبل لم يكن قبولا عقديا،


____________
(* 1) يس: 82.

===============

( 53 )

[ من كل من المالك والزارع (1). بل يكفي القبول الفعلي (2) بعد الايجاب القولي على الاقوى (3). ] بل هو قبول عرفي، وحينئذ يمتنع تقدم القبول على لايجاب. نعم إذا تقدم كان إعمالا للسلطنة، ويكفي ذلك عن القبول وإن كان خبرا لا إنشاء لا أنه قبول متقدم. وكذا يمكن أن يكون إنشاء ممن وظيفته القبول فيكون إيجابا، ويكون الانشاء من الآخر قبولا، كما إذا قال المشتري للبائع: اشتريت منك الفرس بدرهم، فيقول البائع: بعتكها بدرهم، فان ما صدر من المشتري إيجاب، وما صدر من البائع قبول، لا أن ما صدر من المشتري قبول متقدم، وكذلك في المقام. (1) لا يختص ذلك بالمقام، بل يجري في عامة العقود، كما أشرنا إليه. ويدل عليه في المقام روايتا أبي الربيع الشامي والنضر بن سويد المتقدمتان. (2) بأن يكون الفعل دالا على الالتزام النفسي دلالة عقلية دلالة المعلول على علته، لا دلالة لفظية كدلالة اللفظ على معناه، كما تقدم نظيره. (3) كما صرح به في القواعد، قال: " ومن قبول، وهو كل لفظ أو فعل دل على الرضا "، وفي المسالك: استظهر من عدم تعرض الشرائع للقبول مع تعرضه للايجاب أنه لا يعتبر اللفظ فيه، كما ذكره في الايجاب وفي مفتاح الكرامة: أن القبول الفعلي ليس بقبول، وأن العقود عبارة عن الصيغة من الطرفين، وأن تسمية ما اشتمل على القبول الفعلي عقدا مسامحة. انتهى. لكنه - كما ترى - خلاف مرتكزات العرف، فانه لا فرق عندهم بين القول والفعل في الدلالة على الالتزام النفسي الذي هو قوام العقد، غاية الامر أن دلالة اللفظ لفظية ودلالة الفعل عقلية، وليس بفارق في انطباق عنوان العقد أو عنوان المزارعة أو غيرهما من العناوين. وحينئذ يتعين العمل باطلاقات الصحة وعموماتها.

===============

( 54 )

[ وتجري فيها المعاطاة (1)، وإن كانت لا تلزم (2) إلا بالشروع في العمل (3). الثاني: البلوغ، والعقل، والاختيار، وعدم الحجر (4) ] (1) كما نص على ذلك في الجواهر، لاطراد الوجه المصحح لها في البيع هنا، كما عرفت. نعم لا يمكن هنا حصول التعاطي من الطرفين، وإنما يكون من طرف صاحب الارض لا غير. نعم يكون القبول بأخذ الارض من الفلاح، فيكون العقد بالاعطاء والاخذ. لا بالتعاطي من الطرفين. (2) للاجماع على عدم لزوم المعاطاة إلا بالتصرف المانع من الرد. (3) لان استيفاء الفعل إتلاف له، فيكون ملزما لها. ثم إنه قد تشكل صحة المعاطاة في المقام بأنه يعتبر في المزارعة اشتراط أمور: من تعيين الحصة، والاجل، ومن عليه البذر، والزرع، والفعل لا يقبل الاشتراط لانه لا يقبل الاطلاق، فلا يقبل التقييد. وفيه: أن التقييد للالتزام النفساني كما هو كذلك في العقد اللفظي فان اللفظ أيضا لا يقبل التقييد، وكما أن اللفظ في العقد اللفظي حاك عن الالتزام المشروط، كذلك بالفعل أيضا يكون حاكيا عن الالتزام المشروط. نعم الفعل لا يصلح للحكاية عن الاشتراط، لكن يمكن استفادة الشرط من القرائن الحافة بالعقد الفعلي بأن يكون الالتزام المحكي بالفعل مبنيا على الشروط المذكورة، وربما تكون الاستفادة من اللفظ. (4) الشروط المذكورة شروط عامة لمطلق التصرف، وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في بعض الكتب السالفة، وتحرير الاستدلال على الوجه الاكمل يكون في كتاب البيع، لانه الكتاب الاول من كتب العقود والايقاعات، وقد تعرضنا لذلك في كتاب: (نهج الفقاهة) تعليقا على كتاب المكاسب لشيخنا الاعظم (قدس سره)

===============

( 55 )

[ لسفه أو فلس، ومالكية التصرف (1) في كل من المالك والزارع. نعم لا يقدح فلس الزارع إذا لم يكن منه مال، لانه ليس تصرفا ماليا. الثالث: أن يكون النماء مشتركا بينهما، فلو جعل الكل لاحدهما لم يصح مزارعة (2). الرابع: أن يكون مشاعا بينهما. فلو شرطا اختصاص أحدهما بنوع - كالذي حصل أولا - والآخر بنوع آخر، أو شرطا ان يكون ما حصل من هذه القطعة الارض لاحدهما وما حصل من القطعة الاخرى للآخر، لم يصح (3). الخامس: تعيين الحصة بمثل النصف أو الثلث أو الربع أو نحو ذلك، فلو قال: " ازرع هذه الارض على أن ] (1) الظاهر من العبارة أنها شرط آخر زائد على ما ذكر. وكأن وجهه أن ما سبق يختص بقصور في المتصرف، وهذا الشرط القصور في موضوع التصرف، كالمرهون ونحوه. ويحتمل أن يكون المراد بيان الجامع بين الشروط المذكورة، لان مرجع الجميع إلى مالكية التصرف. (2) إجماعا. ويشهد له ما سيأتي من الصحيح. (3) بلا خلاف ظاهر، وعن مجمع البرهان: " كأنه إجماع ". ويشهد له مصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " لا تقبل الارض بحنطة مسماة، ولكن بالنصف والثلث والربع والخمس لا بأس به. وقال: لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس ".


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 3.

===============

( 56 )

[ يكون لك أو لي شئ من حاصلها " بطل (1). السادس: تعيين المدة (2) بالاشهر والسنين، فلو أطلق بطل. نعم لو عين المزروع، أو مبدأ الشروع في الزرع لا يبعد صحته إذا لم يستلزم غررا. بل مع عدم تعيين ابتداء الشروع أيضا إذا كانت الارض مما لا يزرع في السنة إلا مرة، ] (1) إجماعا، كما عن التذكرة. ويشهد له النصوص التي منها المصحح المتقدم. (2) كما صرح به في كلماتهم، بل عن التذكرة: الاجماع على أنه لا يجوز مع جهالة المدة، وفي الجواهر: " بلا خلاف معتد به، بل لعل الاجماع عليه ". ولم يظهر عليه دليل، فإن ما دل على النهي عن بيع الغرر لا يشمل المقام. وما دل على نهي النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر (* 1) غير ثابت. وما في الشرائع من الاستدلال عليه بأنه عقد لازم فهو كالاجارة " فيشترط فيه تعيين المدة، دفعا للغرر - وإليه يرجع ما في المسالك من الاستدلال عليه: بأن مقتضى العقد اللازم ضبط أجله، وكذا ما في الجواهر من الاستدلال: بأن المزارعة أشبه بالاجارة - كما ترى لا يرجع إلى دليل، ومثلها الاستدلال بخبر أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن أرض يريد رجل أن يتقبلها، فأي وجوه القبالة أحل؟ قال: يتقبل الارض من أربابها بشئ معلوم إلى سنين مسماة فيعمر ويؤدي الخراج " (* 2). ونحوه غيره. فان الظاهر من القبالة غير المزارعة نعم يستفاد من مجموع كلماتهم أنه لابد من تعيين المدة في الجملة بحيث لا يؤدي إلى الغرر، فان تم اجماعا - كما هو الظاهر - فهو المعتمد


____________
(* 1) تقدم التعرض لمصادر الحديث المذكور في الجزء الثاني عشر صفحة: 246 من هذه الطبعة (* 2) الوسائل باب: 18 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 5

===============

( 57 )

[ لكن مع تعيين السنة، لعدم الغرر فيه (1). ولا دليل على اعتبار التعيين تعبدا، والقدر المسلم من الاجماع على تعيينها غير هذه الصورة. وفي صورة تعيين المدة لابد وأن تكون بمقدار يبلغ فيه الزرع (2)، فلا تكفي المدة القليلة التي تقصر عن إدراك النماء. ] لا غير. لكنه لا يقتضي لزوم تعيين المدة بحيث لا تقبل الزيادة والنقيصة، بل يكفي التعيين في الجملة ولو بتعيين الزرع والبدء به وإن جهل زمان بلوغه. بل ربما يكون تعيين المدة موجبا للغرر إذا كان من المحتمل عدم بلوغ الزرع فيها، لان في ذلك تعريضا لضياع الزرع بناء على استحقاق المالك قلعه عند انتهاء المدة أو الخسارة المالية بناء على غير ذلك. (1) لان الغرر إنما يكون للجهل بالخصوصيات التي تختلف باختلافها الرغبات وتتفاوت بها المالية، فإذا كانت الارض لا تزرع الا مرة واحدة في السنة لا تتفاوت المالية باختلاف الابتداء والانتهاء. (2) في الجواهر: " صرح جماعة بوجوب كون المدة فيها مما يعلم فيها إدراك الزرع ولو من جهة العادة، لان إدراك الزرع هو الملحوظ في المزارعة، بل ركنها الاعظم، حتى أنه ظن من جعل ذلك هو المدار في بعض النصوص عدم اعتبار المدة في المزارعة وأن ادراك الزرع هو الغاية فيها قال ابراهيم الكرخي لابي عبد الله (ع): " أشارك العلج فيكون من عندي الارض والبذر والبقر، ويكون على العلج القيام والسقي والعمل في الزرع حتى يكون حنطة أو شعيرا، ويكون القسم، فيأخذ السلطان حقه ويبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي. قال (ع): لا بأس " (* 1). بل بناء على ما ذكره من أن قوام المزارعة هو الزرع


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب المزارعة والمساقاة حديث: 1. ويأتي التعرض الحديث بتمامه في اواخر المسألة: 5 من هذا الفصل.

===============

( 58 )

فذكر المدة الزائدة على بلوغ الزرع و المساوية له بلا فائدة، وذكر المدة الناقصة مفوت للمقصود منها، بناء على ما سيأتي الكلام فيه في المسألة السادسة. وعلى هذا فالاولي المنع من اشتراط المدة زائدا على اشتراط زمان الشروع في الزرع. إلا أن يكون المقصود من اشتراط المدة اشتراط عدم التواني في الاعمال المعتلقة بالزرع بحيث يتأخر الانتاج، أو يكون المراد من اشتراط المدة تعيين السنين والاعوام التي تستمر فيها المزارعة، فلا يصح أن يقول: زارعتك على هذه الارض مرات من دون تعيين. فيكون الواجب التعيين بذكر عدد المرات أو بالسنين والاعوام. في مقابل بقاء المزارعة و استمرارها إلى أجل مبهم. وإن كان يكفي أيضا التعيين في عدد الزرع، فيقول: زارعتك على أن تزرع الشعير فيها مرتين أو خمسا أو عشرا، فيكون التعيين في عدد الزرع وإن لم يعلم مقدار الزمان. وبالجملة: تعيين الزرع ووقت الشروع فيه والاستمرار على الاعمال على النحو المتعارف بلا مماهلة كاف في رفع الغرر، وكذلك ذكر عدد الزرع والخصوصيات المتعلقة به كاف في رفع الغرر، (ومن ذلك) يظهر أن ما ذكر في الشرائع بقوله: " ولو اقتصر على تعيين المزروع من غير ذكر المدة فوجهان أحدهما يصح، لان لكل زرع أمد فيبني على العادة - كالقراض - والاخر يبطل، لانه عقد لازم فهو كالاجارة، فيشترط فيه تعيين المدة رفعا للغرر، لان أمد الزرع غير مضبوط. وهو أشبه "، (ضعيف) وأول الوجهين أصح وأشبه بالقواعد حتى لو بنى على منع الغرر من الصحة إذ لا غرر ولا خطر، كما عرفت. والمتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أنه لا دليل لفظي على مانعية الغرر في المقام (الثاني): أن مانعية الغرر في المقام مستفادة

===============

( 59 )

[ السابع: أن تكون الارض قابلة للزرع ولو بالعلاج فلو كانت سبخة لا يمكن الانتفاع بها، أو كان يستولي عليها الماء قبل أو ان ادراك الحاصل أو نحو ذلك، أو لم يكن هناك ماء للزراعة ولم يمكن تحصيله ولو بمثل حفر البئر أو نحو ذلك ولم يمكن الاكتفاء بالغيث، بطل (1). الثامن: تعيين المزروع من الحنطة والشعير وغيرهما مع اختلاف الاغراض فيه، فمع عدمه يبطل (2) إلا أن يكون هناك انصراف يوجب التعيين، أو كان مرادهما التعميم (3) وحينئذ فيتخير الزارع بين أنواعه. التاسع: تعيين الارض ومقدارها، فلو لم يعينها بأنها هذه القطعة أو تلك القطعة، أو من هذه المزرعة أو تلك، ] من ظهور الاجماع. (الثالث): اندفاع الغرر بتعيين المزروع وأو ان الزرع أو نحو ذلك، بلا حاجة إلى تعيين المدة. (الرابع): أن تعيين المدة غير جائز، إما لانه مفوت للمقصود، أو أنه عبث ولغو، فلا يكون له أثر. (1) لان امتناع الموضوع يوجب امتناع المضمون. مع أن الحكم إجماعي ظاهرا، وإن كان البطلان أوضح من أن يستدل عليه بالاجماع. (2) الظاهر من العبارة البطلان حتى مع إرادة التعميم. لكن ينافيه ما سيأتي من الصحة حينئذ فيختص البطلان - على هذا - بما إذا كان المراد من الزرع المردد. وحينئذ فالبطلان ظاهر الوجه، لان المردد لا خارجية له، كي يكون موضوعا للاحكام. على أنه فرض نادر. ولاجل ذلك لم يتعرض الجماعة لذكر هذا الشرط بهذا المعنى. (3) يعني: المفهوم الجامع بين الافراد. لكن لا يخفي إن إرادة

===============

( 60 )

[ أو لم يعين مقدارها، بطل مع اختلافها، بحيث يلزم الغرر (1). نعم مع عدم لزومه لا يبعد الصحة، كأن يقول: " مقدار جريب من هذه القطعة من الارض التى لا اختلاف بين أجزائها " أو " أي مقدار شئت منها ". ولا يعتبر كونها شخصية فلو عين كليا موصوفا على وجه يرتفع الغرر فالظاهر صحته وحينئذ يتخير المالك في تعيينه (2). العاشر: تعيين كون البذر على أي منهما (3)، وكذا سائر المصارف واللوازم إذا لم يكن هناك انصراف مغن عنه ولو بسبب التعارف. ] التعميم لا توجب ارتفاع الغرر، وإنما توجب الاقدام على الغرر، فإذا كان دليل على مانعية الغرر فهو حاصل في الفرض مع اختلاف الافراد في الضرر وعدمه أو شدة الضرر وخفته، والرضا بالتعميم لا يرفع مانعية الغرر. نعم لا دليل على مانعية الغرر من هذه الجهة، و الاطلاق يقتضي الصحة. (1) الكلام في هذا الشرط هو الكلام فيما قبله، فإذا كان الغرر مانعا فهو في المقامين سواء، وإلا فلا موجب للبطلان فيهما أيضا. (2) كما في بيع الكلي. (3) قال في القواعد: " والاطلاق يقتضي كون البذر على العامل. ويحتمل البطلان " وحكى الاول عن جماعة. وكأن وجهه: أن المزارعة تقتضي لزوم العمل على الفلاح بنحو الواجب المطلق المقتضي وجوب مقدماته ومنها البذر. كالعوامل وآلات الحرث ونحو ذلك، كما أن إطلاق الاجارة على الخياطة يقتضي كون الخيوط على الاجير لا على المستأجر. فيكون وجه البطلان الذي احتمله في القواعد المنع من ذلك، وأن مقتضي المزارعة

===============

( 61 )

[ (مسألة 1): لا يشترط في المزارعة كون الارض ملكا للمزارع، بل يكفي كونه مسلطا عليها بوجه من الوجوه كأن يكون مالكا لمنفعتها بالاجارة أو الوصية أو الوقف عليه أو مسلطا عليها بالتولية كمتولي الوقف العام أو الخاص والوصي ] مجرد العمل بنحو الوجوب المشروط بوجود البذر، فإذا لم يتعين من عليه البذر كان المفهوم المنشأ بلا موضوع، فيبطل. وعن الايضاح وجامع المقاصد: أنه الاصح. لكن في صحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام: " وسألته عن المزارعة قال (ع): النفقة منك والارض لصاحبها، فلما أخرج الله تعالى من شئ قسم على الشطر. وكذلك أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر حين أتوه، فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما أخرجت " (* 1). لكن في جامع المقاصد الاطباق على صحة المزارعة مع كون البذر على المالك، فان تم - كما هو الظاهر، كما يشهد به تقسيم المزارعة في كلامهم إلى صور متعددة، ومنها كون البذر على العامل تارة، وعلى صاحب الارض أخرى، وعليهما معا ثالثة - فلا مجال للعمل بظاهر الرواية، ويتعين تأويلها والرجوع إلى القواعد المقتضية لوجوب التعيين إذا لم يكن تعين، وربما يختلف ذلك باختلاف الاصقاع والازمان، فقد يكون البذر على صاحب الارض فيكون الفلاح كالبناء، وقد يكون على الفلاح فيكون الفلاح كالخياط والصحاف في زماننا وقد لا يكون تعارف، وحينئذ لابد من التعيين، ومع عدمه تبطل لعدم الموضوع. إلا أن يكون إطلاق فيقتضي كونه على العامل، كما ذكر في القواعد: و سيأتي في المسألة التاسعة عشرة ماله نفع في المقام.


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 2.

===============

( 62 )

[ أو كان له حق اختصاص بها بمثل التحجير والسبق، ونحو ذلك (1)، أو كان مالكا للانتفاع بها، كما إذا أخذها بعنوان المزارعة فزارع غيره (2) أو شارك غيره. بل يجوز أن يستعير الارض للمزارعة. نعم لو لم يكن له فيها حق أصلا لم يصح مزارعتها، فلا يجور المزارعة في الارض الموات مع عدم تحجير أو سبق أو نحو ذلك، فان المزارع والعامل فيها سواء. نعم يصح الشركة في زراعتها مع اشتراك البذر، أو باجارة أحدهما نفسه للاخر في مقابل البذر أو نحو ذلك. لكنه ليس حينئذ من المزارعة المصطلحة (3). ولعل هذا مراد الشهيد في المسالك من عدم جواز المزارعة في الاراضي الخراجية التي هي للمسلمين قاطبة (4) إلا مع الاشتراك في البذر أو بعنوان آخر، فمراده هو فيما إذا لم يكن للمزارع جهة اختصاص بها، وإلا فلا إشكال في جوازها بعد الاجارة من السلطان، كما يدل عليه جملة من الاخبار. (مسألة 2): إذا أذن لشخص في زرع أرضه على أن يكون الحاصل بينهما بالنصف أو الثلث أو نحوهما، فالظاهر ] (1) كما إذا وضع فيه شيئا. (2) كما سيأتي التعرض لذلك في المسألة الثالثة عشرة. (3) من المعلوم أن الشركة في الزرع ليست مزارعة - كما عرفت - مفهوما عرفا ولغة وشرعا. (4) قال في المسالك: " واعلم أنه قد استفيد من حقيقة المزارعة ومن صيغتها أن المعقود عليه هو الارض المملوكة المنتفع بها - كما سيتحرر

===============

( 63 )

من شرائطها - ويبقى من لوازمها البذر والعمل والعوامل، وهي بحسب ما ينفقان عليه في مقابلة الارض أو بعضها مضافا إليها من صاحب الارض وبعضها على العامل، وصورها المتشعبة بينها كلها جائزة، وأنه لا تشرع المزارعة إذا لم تكن الارض ملكا لاحدهما كما في الارض الخراجية... ". وأشكل عليه: بأن صيغة المزارعة - التي هي: زارعتك ونحوها - لا تقتضي اعتبار ملكية الارض لا عينا ولا منفعة، بل يكفي فيها الاولوية الحاصلة في أرض الخراج بالاحياء أو بالتفويض ممن هي بيده. وعن الكفاية: الجزم بعدم اعتبار ذلك في المزارعة، وذكر جملة من النصوص الدالة على جواز مزارعة أرض الخراج، كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في حديث: " أنه سئل عن مزارعة أهل الخراج بالربع والنصف والثلث. قال: نعم لا بأس به، قد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر أعطاها اليهود حين فتحت عليه بالخبر، والخبر هو النصف " (* 1) وخبر الفيض بن المختار: " قلت لابي عبد الله (ع): جعلت فداك ما تقول في أرض أتقبلها من السلطان ثم أو اجرها أكرتي على أن ما أخرج الله منها من شئ كان لي من ذلك النصف والثلث بعد حق السلطان. قال: لا بأس به، كذلك أعامل أكرتي " (* 2)، وصحيح يعقوب المتقدم في الشرط العاشر. لكن في الجواهر حمل كلام المسالك على إرادة ما في المتن... إلى أن قال: " ودعوى ظهور كلامه في اعتبار ملكية العين في المزارعة، مقطوع بفسادها، فان القواعد والنصوص والفتاوى صريحة في خلافها، ويبعد خفاء مثل ذلك على مثله " أقول: صريح كلامه اعتبار الملكية وعدم


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 15 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 3.

===============

( 64 )

[ صحته وإن لم يكن من المزارعة المصطلحة. بل لا يبعد كونه منها أيضا (1). وكذا لو أذن لكل من يتصدى للزرع وإن لم يعين شخصا (2). وكذا لو قال: " كل من زرع أرضي هذه أو مقدارا من المزرعة الفلانية فلي نصف حاصله أو ثلثه " - مثلا - فاقدم واحد على ذلك، فيكون نظير الجعالة (3) ] صحة المزارعة على الارض الخراجية لعدم كونها ملكا للمزارع، فدعوى ظهور كلامه في ذلك مقطوع بصحتها لا بفسادها. والقواعد والفتاوى والنصوص إنما تدل على فساد دعوى اعتبار الملكية، لا على فساد دعوى ظهور كلامه في ذلك. (1) قد تقدم وسيأتي أن المزارعة المصطلحة من العقود اللازمة ومن المعلوم أن الاذن في الفعل الخارجي ليس عقدا، فضلا عن أن يكون لازما. نعم إذا كان المراد من الاذن في زرع الارض الاذن في إيقاعه للمزارعة الانشائية، وكان المزارع في مقام إنشائها، كان إنشاؤها بذلك إيجابا لها، ويكون الاذن السابق قائما مقام القبول " لكونه اعمالا للسلطنة. وكذا إذا كان من قبيل الدال على ايجاب المزارعة بالدلالة العقلية، نظير دلالة التصرف على امضاء العقد أو فسخه، كما سبق ذلك في مبحث الايجاب والقبول. لكن الظاهر خروج ذلك عن الفرض المقصود من العبارة. وبالجملة: الاذن في زرع الارض لشخص إيقاع بحت، لا عقد ولا جزء عقد. (2) الفرق أن الاول إذن لشخص بعينه، والثاني إذن عام، والثالث ليس إذنا، وإنما هو جعل على نفسه، ويستفاد منه الاذن بالقرينة، وهو جعل العوض للمأذون الدال على الترغيب إليه. (3) لان الجعالة جعل شئ على نفسه فتشترك مع الفرض الاخير في ذلك. لكن يشكل ما ذكره بأن الجعالة إيقاع على المشهور، فكيف يكون

===============

( 65 )

[ فهو كما لو قال: " كل من بات في خاني أو داري فعليه في كل ليلة درهم " " أو كل من دخل حمامي فعليه في كل مرة ورقة " فان الظاهر صحته للعمومات، إذ هو نوع من المعاملات العقلائية، ولا نسلم انحصارها في المعهودات، ولا حاجة إلى الدليل الخاص لمشروعيتها، بل كل معاملة عقلائية صحيحة إلا ما خرج بالدليل الخاص، كما هو مقتضى العمومات. (مسألة 3): المزارعة من العقود اللازمة (1) لا تبطل ] الفرض الاخير إيقاعا وقد جعله من المزارعة المصطلحة؟ اللهم إلا أن يكون بناؤه على أن الجعالة من العقد، كما هو قول لبعضهم. والتحقيق: أن الفروض المذكورة وكذلك الجعالة ليست من العقود إذ لم يجعل فيها للعامل عنوان من العناوين الموقوف على إعمال سلطنته وقبوله. مع أنها لو كانت عقدا احتاجت إلى القبول، وهو مفقود، فان العمل من العامل لم يكن بقصد القبول للايجاب، بل كان بقصد الجري على مقتضى الايجاب بناء منه على تمامية اقتضائه، فلا يكون قبولا فعليا. مع أنه في الصورتين الاخيرتين وفي الجعالة قد لا يكون مواليا للايجاب أو لا يكون مطابقا له، كما إذا كان العمل بقصد عوض آخر غير ما ذكر في الايجاب، أو كان صادرا من غير البالغ، أو من غير الرشيد أو من غير المميز أو من المجنون الذي لا يصح قصده. ولعله لذلك قال في الشرائع في مبحث الجعالة: أنها لا تحتاج إلى قبول. وإن كان ينافيه قوله بعد ذلك: " ويجوز أن يكون العمل مجهولا " لانه عقد جائز كالمضاربة " إلا أن يكون مراده من العقد معنى آخر، لا ما اشتمل على الايجاب والقبول، وإن كان بعيدا. وكيف كان فالتحقيق ما ذكرنا. (1) اجماعا - كما عن جامع المقاصد - وفي المسالك: أنه اتفاق، وفي

===============

( 66 )

[ إلا بالتقايل (1) أو الفسخ بخيار الشرط (2) أو بخيار الاشتراط (3) أي: تخلف بعض الشروط المشترطة على أحدهما. وتبطل أيضا بخروج الارض عن قابلية الانتفاع (4) لفقد الماء أو استيلائه أو نحو ذلك. ولا تبطل بموت أحدهما (5)، فيقوم وارث الميت منهما مقامه (6). ] الجواهر: " بلا خلاف، بل لعل الاجماع بقسميه عليه " وعن الكفاية: كأنه إجماع ". ويقتضيه ما دل على اللزوم في عامة العقود. (1) لما دل على مشروعية الاقالة في عامة العقود اللازمة. وعن الرياض: الظاهر أنه لا خلاف في البطلان بالتقايل، ونحوه عن غيره. (2) لما دل على صحة اشتراط الخيار في عامة العقود اللازمة، لعموم صحة الشروط. (3) فان فوات الشرط يوجب الخيار، إما لانه من الاحكام العرفية الممضاة لدى الشارع المقدس، أو لان لازم اشتراط الشرط اشتراط الخيار عند فقده. هذا وقد اقتصر المصنف في الخيار على السببين المذكورين مع أن الخيار قد يكون بالغبن، بناء على عموم دليله لجميع المعاوضات المالية وقد أثبته المصنف وغيره في الاجارة، ولا فرق بينها وبين المقام. نعم لو كان دليله الاجماع اختص بالبيع، لاختصاص الاجماع به، وحينئذ لا يشمل الاجارة ولا المقام، فالتفكيك بين الاجارة والمقام غير ظاهر، إذ المقام إما من قبيل إجارة الارض، أو إجارة الاجير العامل، أو إجارتهما. (4) كما صرح به غير واحد، لما تقدم في الشرط السابع. (5) كما في الشرائع والقواعد وغيرهما، وفي جامع المقاصد: " لا نعرف خلافا في أن المزارعة لا تبطل بموت أحد المتعاقدين. " ويقتضيه الاصل. (6) كما نص على ذلك في جامع المقاصد والمسالك وغيرهما.

===============

( 67 )

[ نعم تبطل بموت العامل مع اشتراط مباشرته للعمل (1)، سواء كان قبل خروج الزرع أو بعده (2). وأما المزارعة المعاطاتية فلا تلزم إلا بعد التصرف (3). وأما الاذنية فيجوز فيها الرجوع دائما (4)، لكن إذا كان بعد الزرع وكان البذر من ] (1) كما ذكره في المسالك. لكنه يختص بما إذا كان الشرط راجعا إلى تقييد العمل بعمل العامل مباشرة، بأن كان موضوع المزارعة الارض ومنفعة العامل نفسه، والبطلان فيه ظاهر، لفوات الموضوع الموجب لفوات الحكم. أما إذا كان الشرط راجعا إلى اشتراط شئ زائد على العامل، فالموضوع نفس العمل في الذمة، الشامل لعمل غيره، فيكون الشرط تطبيقه على عمل نفسه، فإذا مات العامل فقد تعذر العامل بالشرط، ويكون الحكم صحة العقد والخيار في الفسخ، لفوات الشرط. (2) في المسالك: " هو مشكل لو كان موته بعد خروج الثمرة لانه قد ملك الحصة وإن وجب عليه بقية العمل، فخروجه عن ملكه بعد ذلك بعيد ". ورده في الجواهر: بأن الملك وإن حصل، لكنه متزلزل إلى حصول تمام العمل نحو ملك العامل في المضاربة في بعض الاحوال ". وهو في محله عملا بمقتضى العقد الخاص. (3) لما حرر في مبحث البيع المعاطاتي من عدم لزومها الا بالتصرف. (4) قد تقدم منه أن المزارعة الاذنية من المزارعة المصطلحة، وقد عرفت أن المزارعة المصطلحة من العقود، فتكون لازمة، عملا بأصالة اللزوم في العقود. نعم إذا كانت من الايقاع جاز الرجوع فيها، لكن بالنسبة إلى المستقبل الذي هو محل الابتلاء، لا بالنسبة إلى الماضي الخارج عن محل الابتلاء، فإذا قال زيد: أذنت لك أن تسكن داري شهرا، فسكنت فيه أياما، ثم رجع عن الاذن صح ذلك بالنسبة إلى اللاحقة، لا

===============

( 68 )

[ العامل يمكن دعوى لزوم ابقائه إلى حصول الحاصل، لان الاذن في الشئ إذن في لوازمه (1)، وفائدة الرجوع أخذ أجرة الارض منه حينئذ ويكون الحاصل كله للعامل. (مسألة 4): إذا استعار أرضا للمزارعة (2) ثم أجرى ] الماضية، فانه لا يجوز الرجوع فيها، لخروجها عن محل الابتلاء. (1) الاذن في بقاء الرزع ليس مستندا إلى الاذن في الزرع، ليكون من باب: الاذن في الملزوم إذن في اللازم، بل هو مقتضى صريح العبارة الدالة على استحقاق حصة الناتج. مضافا إلى أن ثبوت الاذن في بقاء الزرع لا يجدي بعد فرض رجوع المالك عن الاذن، كما هو المفروض. اللهم إلا أن يكون مراده أنه إذا أذن المالك في إبقاء الزرع فرجع عن إذنه ليس له قلع الزرع الذي كان مأذونا في ابقائه. لكن - على هذا - يكون المناسب التعرض لاثبات هذه الدعوى ووجهها، لا التعليل بما ذكر. وأيضا فان جواز رجوع المالك بعد عمل العامل غير ظاهر، إذ لا دليل على عموم الرجوع عن الاذن، ومقتضى الاصل عدم تأثير الرجوع شيئا وبقاء الاستحقاق للحصة المعينة، وعدم الرجوع إلى أجرة المثل بحاله. فالذي يتحصل في الاشكال على ما في المتن أمور: (الاول): أن الاذن في بقاء الزرع ليس مستندا إلى الملازمة والاذن في الملزوم، بل مستند إلى صريح القول. (الثاني): أن الكلام ليس في الاذن من المالك " بل في تأثير الرجوع عن الاذن في جواز القلع وعدمه. (الثالث): أنه لا دليل على جواز رجوع المالك عن إذنه بعد عمل العامل، لا سيما إذا كان النتاج لا يحتاج إلى عمل. (2) الظاهر أنه لا مانع من صحة استعارة الارض للمزارعة، فان الاستعارة استباحة العين للاستفادة بمنافعها، أعم من أن تكون الاستفادة

===============

( 69 )

[ عقدها لزمت، لكن للمعير الرجوع في إعارته (1)، فيستحق أجرة المثل لارضه على المستعير، كما إذا استعارها للاجارة (2) فآجرها، بناء على ما هو الاقوى من جواز كون العوض لغير مالك المعوض. ] بالمباشرة أو بالتسبيب، فالحصة التي تكون للمستعير بالمزارعة نتيجة استعارة الارض للمزارعة. (1) لا يخلو من نظر، فان المزارعة قد اقتضت على وجه اللزوم استحقاق المستعير والعامل لمنفعة الارض، فلا يمكن رجوع المنفعة إلى مالكها كي يترتب على الرجوع فائدة. ودعوى: أن فائدة الرجوع عن الاذن ضمان أجرة المثل. مدفوعة: بأنه لا موجب لهذا الضمان. وثبوت الضمان فيما لو باع المشتري العين ثم ظهر غبن البائع، فانه إذا فسخ يرجع على المشتري ببدل العين، لانها مضمونة بالمعاوضة، لا يقتضي ثبوت الضمان هنا، إذ لا معاوضة في العارية. (2) في صحة هذه الاستعارة نظر، فإن الاستعارة استباحة الانتفاع بالعين واستيفاء منفعتها، والاجارة ليست استيفاء للمنفعة، بل استيفاء لعوضها، فلا تصح الاستعارة لها. لكن المصنف (ره) لم يهتم لهذا الاشكال واهتم لاشكال آخر، وهو أن الاجارة من المعاوضات، وهي تقتضي دخول العوض في ملك من خرج عنه المعوض، فيجب أن تدخل الاجرة في ملك مالك المنفعة وهو المعير، ولا يمكن أن تدخل في ملك غيره وهو المستعير. وأجاب عنه: بأن العوض في المعاوضات لوحظ فيه العوضية في الجملة ولا يجب أن يدخل في ملك مالك المعوض. لكن قد تقدم الاشكال في ذلك، وأنه خلاف المرتكز في باب المعاوضة. نعم لا يبعد عدم اعتبار دخول المعوض في ملك من

===============

( 70 )

[ (مسألة 5): إذا شرط أحدهما على الآخر شيئا في ذمته أو في الخارج - من ذهب أو فضة أو غيرهما - مضافا إلى حصته من الحاصل صح (1)، ] يخرج منه العوض. ثم إنه قد يقال بصحة الاستعارة للاجارة، بملاحظة أن الاجرة تدخل في ملك المعير، ثم تدخل في ملك المستعير، فمرجع الاستعارة للاجارة الاذن في تملك الاجرة. ولكن لا يخفى أن ذلك بعيد عن مفهوم الاستعارة جدا، إذا العين المستعارة على هذا لم يقصد الاستفادة بمنفعتها، ولا بعوض المنفعة. وانما قصد الاذن في الاجارة للمعير ثم تملك الاجرة، لا الاجارة للمستعير فلم تكن الاستعارة للاجارة (1) كما هو المشهور، بل عليه عامة من تأخر، كما في الجواهر. وفي الشرائع: حكاية القول بالبطلان، لكن عن جماعة أنه لم يعرف قائله، بل ولا دليله، لمخالفته لعموم نفوذ الشروط من غير مخصص أو مقيد. مضافا إلى ما رواه المشايخ الثلاثة: (رض) عن محمد بن سهل بن اليسع عن أبيه قال: " سألت أبا الحسن (ع) موسى (ع) عن الرجل يزرع له الحراث بالزعفران، ويضمن له أن يعطيه في كل جريب أرض يمسح عليه وزن كذا وكذا درهما، فربما نقص وغرم، وربما استفضل وزاد. قال (ع): لا بأس به إذا تراضيا " (* 1). وقد استدل به على الحكم كما عن جماعة، مستظهرين دلالته، منهم الخراساني والكاشاني والسيد فئ الرياض، وفي الجواهر: " في المفاتيح: في بعض الاخبار عليه دلالة (يعني: على جواز الشرط المذكور) قيل: ولعله ما أشار إليه في الكفاية من بعض المعتبرة: عن الرجل... " ثم ذكر الحديث ولم يتعرض لوجه


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 1.

===============

( 71 )

[ وليس قراره مشروطا بسلامة الحاصل (1)، ] الدلالة. لكن الدلالة على ما نحن فيه غير ظاهرة، لوروده في اشتراط حصة معينة من الحاصل لا من غيره، والتعدي إلى غيره غير ظاهر. (1) قال في المسالك: " القول بالمنع لا نعلم القائل به. وعلى القول بالجواز يكون قراره مشروطا بالسلامة، كاستثناء أرطال معلومة من الثمرة في البيع، فلو تلف البعض سقط منه بحسابه، لانه كالشريك وإن كانت حصته معينة. مع احتمال أن لا يسقط منه شئ بتلف البعض متى بقي قدر نصيبه، عملا باطلاق الشرط ". والذي يظهر من العبارة أن في المسألة احتمالين: (الاول): أنه يسقط من الشرط بنسبة التالف إلى الحاصل، فيكون من قبيل الجزء المشاع فإذا تلف من الحاصل الربع - مثلا - سقط من الشرط الربع. (الثاني): أنه لا يسقط منه ما دام الباقي من الحاصل بمقداره، فإذا تلف الحاصل كله سقط الشرط حينئذ، فيكون من قبيل الكلي في المعين، والاول أقوى في نظره الشريف من الثاني، ولكن الاحتمالين خلاف عموم صحة الشرط وإطلاقها الشامل لصورتي تلف الحاصل أو بعضه وعدمه، فلا يسقط من الشرط شئ وان تلف جميع الحاصل، نظير الدين في الذمة. ولا مجال لقياس المقام على صورة استثناء البائع للثمرة بعض الحاصل الذي ذكر الاصحاب أنه يسقط من المستثنى بالنسبة، لان الاستثناء يقتضي وحدة السنخية بين المستثنى والمستثنى منه، ولما كان المستثنى منه خارجيا كان المستثنى أيضا خارجيا، فيكون جزءا مشاعا لا كليا في المعين ولا في الذمة، وفي المقام لا وحدة جنسية بين الحاصل وبين الشرط، كي يبنى على وحدة السنخية ليترتب ما ذكر. فلاحظ ما ذكرناه في تلك المسألة في باب (بيع صاع من صبرة) من كتابنا نهج الفقاهة.

===============

( 72 )

[ بل الاقوى صحة استثناء مقدار معين من الحاصل لاحدهما (1) مع العلم ببقاء مقدار آخر ليكون مشاعا بينهما، فلا يعتبر إشاعة جميع الحاصل بينهما على الاقوى. كما يجوز استثناء ] (1) قال في المختلف: " منع بعض أصحابنا أن يشترط أحدهما شيئا من الحاصل والباقي يكون بينهما. والوجه عندي الجواز. وقد نص الشيخ وجماعة - كابن البراج وابن ادريس وغيرهما - على جواز اشتراط إخراج البذر أولا "، وفي التحرير: " لو شرط أحدهما قفيزا معلوما من الحاصل وما زاد بينهما ففي البطلان نظر "، وظاهره أن الصحة أقرب، وعن الكفاية: أنه غير بعيد. لكن في القواعد الحكم بالبطلان على إشكال، وهو المحكي عن كثير من كتب الاصحاب، وهو المشهور، كما في المسالك. وفي الشرائع: " لو شرط أحدهما قدرا من الحاصل وما زاد على بينهما لم يصح، لجواز أن لا تحصل الزيادة "، ولا يخفى ضعف التعليل، فان الاحتمال المذكور لا يبطل المزارعة في صورة عدم الشرط، فكيف صار يبطلها مع فرضه. مضافا إلى أنه قد يحصل العلم بالزيادة، فلا وجه للمنع مطلقا. نعم لابد من حصول الزيادة في الواقع، لا أن العلم به شرط في الصحة. وفي جامع المقاصد: الاستدلال بأصالة عدم المشروعية فيما لم يثبت مشروعيته، لان العقود بالتلقي، وفي المسالك: الاستدلال بأن ذلك مناف لوضع المزارعة، وكون العقد على خلاف الاصل، حيث أن العوض فيه مجهول، فيقتصر فيه على موضع النقل. انتهى. وفيه: أنه لا دليل على قدح الجهالة كلية. كما أنه لم يثبت منافاته لوضع المزارعة. وأما أصالة عدم المشروعية فهي خلاف إطلاق دليل صحة المزارعة، فضلا عن صحة العقود. نعم لابد من إثبات كونها مزارعة عرفا، أما مع الشك في ذلك فالاصل عدم ترتب

===============

( 73 )

[ مقدار البذر لمن كان منه (1)، أو استثناء مقدار خراج السلطان، أو ما يصرف في تعمير الارض، ثم القسمة. وهل ] أحكام المزارعة، وإن قيل بصحتها من حيث كونها عقدا. ثم إن ظاهر النصوص المتقدمة أن قوام المزارعة المعاملة على الارض بالصحة المشاعة، وهو في المقام حاصل، غايه الامر أنه اشترط فيه شرط ودليل صحة الشروط يقتضي صحته، كما في المسألة السابقة، ولا فرق بين أن يكون الشرط متعلقا بالحاصل كما هنا، أو متعلقا بخارج الحاصل كما في المسألة السابقة، فالتفصيل بينهما - كما عن الاكثر - بلا فاصل. ودعوى: كون الشرط المتعلق بالحاصل منافيا لوضع المزارعة، فيكون منافيا لمقتضى العقد، فيكون باطلا. ممنوعة. لما عرفت. ويمكن الاستدلال على الصحة برواية سهل بن اليسع المتقدمة، إذ تقدم أن موردها ما نحن فيه دون ما تقدم. (1) الظاهر أنه لا إشكال في صحة اشتراط ذلك واستثنائة، والنصوص تدل عليه، ففي خبر ابراهيم الكرخي قال: " قلت لابي عبد الله (ع): أشارك العلج (المشرك. خ ل) فيكون من عندي الارض والبقر والبذر ويكون على العلج القيام والسقي (السعي. خ ل) والعمل في الزرع حتى يصير حنطة أو شعيرا، وتكون القسمة فيأخذ السلطان حقه (مثله. خ ل) ويبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي. قال: لا بأس بذلك. قلت: فلي عليه أن يرد علي مما أخرجت الارض البذر ويقسم ما بقي؟ قال: إنما شاركته على أن البذر من عندك و عليه السقي والقيام (القيام والسعي. خ ل) " (* 1). وظاهر التعليل في الاخير جواز اشتراط أخذ البذر قبل القسمة. وصحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الرجل تكون له الارض من أرض الخراج فيدفعها إلى الرجل


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 1.

===============

( 74 )

[ يكون قراره في هذه الصورة مشروطا بالسلامة كاستثناء الارطال في بيع الثمار (1) أولا؟ وجهان (2). ] على أن يعمرها ويصلحها ويؤدي خراجها " وما كان من فضل فهو بينهما. قال: لا بأس " (* 1). وظاهره اشتراط الامور الثلاثة جميعها. (1) قد أشرنا في أوائل المسألة إلى أنه قد ذكر الفقهاء - قدس الله اسرارهم - أنه إذا باع الثمرة واستثنى مقدارا معينا فخاست الثمرة ينقص من المستثنى على حسب النسبة. قال في الشرائع: " يجوز أن يستثني ثمرة شجرات أو نخلات بعينها، وأن يستثني حصة مشاعة أو أرطالا معلومة. ولو خاست الثمرة سقط من الثنيا بحسابه ". وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه ". كما أنهم ذكروا في بيع الصاع من صبرة أنه إذا تلف بعض الصبرة لم ينقص من المبيع شئ. ولاجل ذلك استشكل في وجه الفرق بين المسألتين جماعة، والاقرب في وجه الفرق: أن المبيع في بيع صاع من صبرة الكلي الذي لا ينقص بنقصان الصبرة، والمستثنى في بيع الثمرة المقدار المشاع لا الكلي، لان حمله على الكلي يوجب عدم السنخية بين المستثنى والمستثنى منه، وإذا حمل على المقدار المشاع لابد أن يرد عليه النقص الوارد على الكل، بخلاف بيع الصاع، فان الظاهر من المبيع الكلي، ولا مقتضى لحمله على المشاع، كما أشرنا إلى ذلك آنفا. (2) الظاهر اختلاف الحكم باختلاف التعبير، فان كان بنحو الاستثناء - كما عبر به في المتن - حمل على الاشاعة - كما ذكرنا - وإن كان على نحو آخر حمل على الكلي في المعين أو في الذمة على اختلاف العبارات " والمصنف (ره) عبر بالاستثناء، وغيره بالشرط، والشرط قد يكون بنحو الاشاعة، وقد يكون بنحو الكلي في المعين، وقد يكون بنحو الكلي في الذمة، وقد


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب كتاب المزارعة ولمساقاة حديث: 2.

===============

( 75 )

[ (مسألة 6): إذا شرط مدة معينة يبلغ الحاصل فيها غالبا فمضت والزرع باق لم يبلغ فالظاهر أن للمالك الامر بازالته (1) بلا أرش (2) أو إبقائه ومطالبة الاجرة إن رضي العامل باعطائها ولا يجب عليه الابقاء بلا أجرة، كما لا يجب عليه الارش مع إرادة الازالة، لعدم حق للزارع بعد المدة والناس مسلطون على أموالهم (3). ولا فرق بين أن يكون ] عرفت حكم كل منها. فان كان التعبير من المصنف بالاستثناء يريد به معناه فاللازم الفتوى بسراية النقص، ولا وجه للتردد، وإن كان يريد به الشرط - كما ذكر الفقهاء - فالحكم يختلف باختلاف التعبير. (1) قال في الشرائع: " ولو مضت المدة والزرع باق كان للمالك إزالته على الاشبه، سواء كان بسبب الزارع - كالتفريط - أو من قبل الله سبحانه، كتأخر المياه، أو تغير الاهوية "، ونحوه ما في المسالك، وما عن التحرير والارشاد والروض ومجمع البرهان والكفاية وغيرها مما هو كثير. (2) للاصل. (3) هذا الاستدلال ذكره في المسالك. وفيه: أن قاعدة السلطنة معارضة بقاعدة الضرر، لان إزالة الزرع ضرر على الزارع، وقاعدة الضرر مقدمة على قاعدة السلطنة، نعم إذا اتفق أن منع المالك عن التصرف في أرضه ضرر عليه - لما فيه من تفويت المنفعة الخاصة - تعارضت قاعدة الضرر في الطرفين، فيرجع إلى عموم قاعدة السلطنة. وعليه يتعين التفصيل بين صورة ما إذا كان حبس المالك عن التصرف في أرضة ضررا وبين غيرها، فتجوز الازالة في الاولى، ولا تجوز في الثانية. فإذا جازت الازالة في الاولى فأزاله الزارع فلا موجب لاستحقاق الارش على مالك

===============

( 76 )

[ ذلك بتفريط الزارع (1) أو من قبل الله، كتأخير المياه أو تغير الهواء. وقيل بتخييره بين القلع مع الارش والبقاء مع الاجرة (2). وفيه: ما عرفت (3)، خصوصا إذا كان ] الارض، للاصل - كما سبق - ولا مجال لاحتمال أن قاعدة الضرر تقتضي ذلك، أولا لما عرفت من سقوطها، وثانيا لانها نافية فلا تصلح للاثبات وكذا إذا امتنع الزارع من الازالة فازاله المالك. واحتمال الضمان - لان النقص جاء بفعله - ضعيف، لان الزرع لما لم يكن مستحق البقاء لم تكن في إزالة المالك له نوع من التعدي، كي يوجب الضمان. وإذا لم تجز الازالة في الثانية فبقي الزرع إستحق المالك أجرة الارض، وقاعدة الضرر الموجبة لجواز الابقاء لا تقتضي الابقاء مجانا، فاستيفاء منفعته الارض تقتضي ضمانها. (1) يمكن أن يقال بعدم جريان قاعدة الضرر في هذه الصورة، لان تفريطه يوجب نسبة الضرر إليه. لا إلى الحكم الشرعي. كي يرتفع بقاعدة الضرر. ولكنه كما ترى، إذ الضرر يحصل بالازالة التي سوغها الشارع. نعم قد يقال: إن تفريطه إقدام على الضرر، فلا تشمله القاعدة لاختصاصها بغير المقدم. وهو أيضا مشكل إذ قد يكون تفريطه برجاء بلوغ الزرع مع التفريط، أو رضا المالك بابقائه، أو نحو ذلك من الوجوه التي لا يكون فيها الاقدام على الضرر. (2) القائل العلامة في القواعد قال: " ولو ذكر مدة يظن الادراك فيها فلم يحصل فالاقرب أن للمالك الازالة مع الارش أو التبقية بالاجرة. سواء كان بسبب الزارع، كالتفريط بالتأخير أو من قبل الله تعالى كتغيير الاهوية وتأخير المياه ". (3) من أنه لا دليل على الارش.

===============

( 77 )

[ بتفريط الزارع (1). مع أنه لا وجه لالزامه العامل بالاجرة بلا رضاه (2). نعم لو شرط الزارع على المالك إبقاءه إلى ] (1) ولذلك فصل جماعة بين صورة التفريط من الزارع فتجوز الازالة بلا أرش، وبين غيرها فلا تجوز الازالة. (2) كما ذكره في جامع المقاصد، وتبعه عليه غيره، فان ذلك خلاف قاعدة السلطنة على النفس المانعة من إلزام الزارع بالاجرة. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن قلع الزرع عند انتهاء المدة إذا لم كن موجبا للضرر فيه جاز للمالك الامر بالزالته، عملا بقاعدة السلطنة من دون معارض. (الثاني): أنه إذا كان قلع الزرع موجبا للضرر فيه كان مقتضى قاعدة نفي الضرر - المقدمة على قاعدة السلطنة - عدم جواز قلعه، ويتعين دفع الاجرة للمالك في مقابل المنفعة المستوفاة من بقاء الزرع، فان استيفاء المنفعة موجب للضمان. (الثالث): إذا كان قلع الزرع ضررا عليه وإبقاؤها في الارض ضررا عليها، كان مقتضى تعارض الضررين سقوط القاعدة فيهما والرجوع إلى قاعدة السلطنة ولا يقدم أقول الضررين، لان المقام من تعارض التطبيقين ونسبة الدليل اليهما نسبة واحدة من دون ترجيح، وليس المقام من التزاحم، كي يقدم الاقوى على الاضعف. ثم إذا رجع إلى قاعدة السلطنة جاز للمالك الامر بالازالة من دون أرش عليه، إذ لا موجب له، وقاعدة الضرر غير جارية مع مع أنها لا تصلح للاثبات لانها نافية لا مثبتة، مع أنه لو ثبت الارش لم يكن ذلك لعدم الضرر، وإنما كان لتدارك الضرر، وليس من شأن القاعدة إثبات التدارك. (الرابع): أن التفريط بالتأخير لا يوجب نسبه الضرر إلى المفرط، ولا يقتضي الاقدام عليه، فقاعدة الضرر بحالها، كما في غير المفرط.

===============

( 78 )

[ البلوغ - بلا أجرة، أو معها - إن مضت المدة قبله لا يبعد صحته (1) ووجوب الابقاء عليه. (مسألة 7): لو ترك الزارع الزرع بعد العقد وتسليم الارض إليه حتى انقضت المدة، ففي ضمانه أجرة المثل للارض - كما أنه يستقر عليه المسمى في الاجارة - أو عدم ضمانه أصلا غاية الامر كونه آثما بترك تحصيل الحاصل، أو التفصيل بين ما إذا تركه اختيارا فيضمن أو معذورا فلا، أو ضمانه ما يعادل الحصة المسماة من الثلث أو النصف أو غيرها بحسب التخمين في تلك السنة، أو ضمانه بمقدار تلك الحصة من منفعة الارض - من نصف أو ثلث - ومن قيمة عمل الزارع، أو الفرق بين ما إذا اطلع المالك على تركه للزرع فلم يفسخ المعاملة لتدارك ] (1) قال في الشرائع: " لو شرط في العقد تأخيره إن بقي بعد المدة المشروطة بطل العقد على القول باشتراط تقرير المدة ". وفي المسالك: " وجه البطلان على القول المذكور أن المدة تصير في الحقيقة هي المجموع من المذكور وما بعده إلى أن يدرك الزرع، وهي مجهولة، فيبطل العقد للاخلال بالشرط. وعلى تقدير عدم جهالة الجملة فالمدة المشروطة مجهولة وشرطها في ضمن العقد من جملة العوض، فإذا تضمن جهالة بطل العقد... (إلى أن قال): ويحتمل على هذا القول صحة الشرط المذكور، لان المدة مضبوطة، وما تضمنه الشرط بمنزلة التابع، ذكر إحتياطا لاجل الحاجة وجهالة التابع غير مضرة ". لكن في الجواهر: " فيه ما لا يخفى " وكأنه لعدم الفرق في قدح الجهالة بين التابع والمتبوع. وفيه: أن عموم دليل المنع للامرين غير ظاهر، إذ بناء على اعتبار تعيين المدة فالدليل عليه

===============

( 79 )

[ استيفاء منفعة أرضه فلا يضمن، وبين صورة عدم اطلاعه إلى أن فات وقت الزرع فيضمن، وجوه، وبعضها أقوال، فظاهر بل صريح جماعة الاول (1)، ] الاجماع، وهو غير شامل للتابع. ثم إنه قال في الجواهر. " قد يقال بالبطلان حتى مع تعيين المدة المشروطة، للتعليق، وللجهالة ولو لاعتبار الترديد بين المدتين ". وهو كما ترى، إذ لا دليل على البطلان في التعليق في التابع أيضا، إذ العمدة في دليله الاجماع، وهو غير شامل للتابع. ومن ذلك ظهر أن ما في القواعد من قوله: " ولو شرط في العقد تأخيره عن المدة إن بقي بعدها فالاقرب البطلان " أولى بالضعف. (1) قال في الشرائع: ولو ترك المزارعة حتى انقضت المدة لزمه أجرة المثل. ولو كان استأجرها لزمته الاجرة "، ونحوه ما في القواعد وعن التذكرة والتحرير والارشاد والروض والمفاتيح ومجمع البرهان، وعن الاخير: أنه ظاهر وهو المنسوب إلى ظاهر الاصحاب في كلام غير واحد. وعلله في المسالك: بأن منفعة الارض صارت مستحقة له بحيث لا يتمكن المالك من استيفائها، وقد فوتها، فيلزم الاجرة ". وفيه: أنه لا يظهر وجه الملازمة بنى تفويته ما يستحق وبين ضمان الاجرة للمالك. وكان الاولى تعليله: بأن منفعة الارض صارت مستحقة له بعوض لم يسلم لتعذره، فينتقل إلى أجرة المثل. وإن كان يشكل أيضا: بأن تعذر العوض موجب للبطلان فاستحقاق أجرة المثل يحتاج إلى دليل. إلا أن يقال: يكفي في الضمان عموم قاعدة: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، ولما كانت منفعة الارض مضمونة في المزارعة الصحيحة بالحصة فهي مضمونة في المزارعة الفاسدة بالاجرة. كذا استدل. وفيه تأمل

===============

( 80 )

[ بل قال بعضهم (1): يضمن النقص الحاصل بسبب ترك الزرع إذا حصل نقص، واستظهر بعضهم الثاني (2)، وربما يستقرب الثالث (3)، ] (1) القائل الشهيد الثاني في المسالك، قال: " وحيث يلزم ضمان الاجرة يلزم أرشها لو نقصت بترك الزرع، كما يتفق في بعض الارضين، لاستناد النقص إلى تفريطه ". وهو في محله، لانه بحكم الامين، وهو يضمن النقص بالتفريط. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في الجواهر من أن ضمان النقص من أحكام يد الضمان التي ليست هذه اليد منها. (2) يريد به صاحب الجواهر (قده) حيث ذكر، في الاشكال على الضمان أن الرجوع إلى أجرة المثل مما لا يرجع إلى قاعدة، ضرورة عدم العدوان في يده حتى يندرج في عموم: " على اليد... " وعدم صدق إتلاف مال الغير، لان عقد المزارعة جعله بحكم ماله. نعم يجب عليه الاستنماء وتسليم الحصة، وذلك إنما يترتب عليه الاثم لا الضمان. وقاعدة " لا ضرر ولا ضرار... " لا يستفاد منها الضمان، ولكن ترفع اللزوم، وحينئذ يتسلط على الخيار. لم ينسب ذلك لاحد قولا أو احتمالا. (3) هو ظاهر الشهيد الثاني في المسالك، قال: " وهل يفرق فيهما (يعني: في ضمان أجرة المثل وضمان النقص) بين ما إذ ترك العامل الانتفاع اختيارا وغيره؟ ظاهرهم عدمه. ولا يبعد الفرق، لعدم التقصير في الثاني، خصوصا في الارش ومقتضي العقد لزوم الحصة خاصة، ولم يحصل منه تقصير يوجب الانتقال إلى ما لا يقتضيه العقد " وقد يظهر منه أن القول المذكور يختص به. وفيه: أن التقصير والقصور إنما يختلفان في الاثم وعدمه واستحقاق العقاب وعدمه، لا في الضمان وعدمه، فان الضمان بعموم: " على اليد... " أو عموم: من أتلف، لا يفرق فيه بين القصور

===============

( 81 )

[ ويمكن القول بالرابع (1)، والاوجه الخامس (2)، ] والتقصير. وكذا في ضمان المعاوضات، فان ضمان كل من العوضين عند الفسخ لا يفرق فيه بين القصور والتقصير. وكذا الضمان بالتفريط في الامانات لا يفرق فيه بين الامرين، فالتفصيل بين القصور والتقصير في الضمان وعدمه ضعيف جدا. (1) لان الحصة المسماة في العقد مستحقة للمالك بمقتضي القعد، وقد فوتها عليه العامل، فيضمنها له، ولما لم يمكن ضبطها على وجه التحقيق انتقل إلى وجه التقريب والتخمين. وفيه: أن الحصة المستحقة إنما هي من الحاصل، والمفروض عدمه، فيبطل العقد، لانتفاء موضوعه، فيبطل أثره وهو الاستحقاق، وليست هي في الذمة حتى تكون مضمونة. (2) لان الحاصل لما كان نتيجة منفعة الارض وعمل الزارع، فنصفه نتيجة نصفهما، وربعه نتيجة ربعهما، فإذا كان للمالك حصة من الحاصل فهو نتيجة ما يملكه من حصة منفعة الارض وعمل الزارع، فلما فوتهما الزارع على المالك كان ضامنا لهما، لا لاجرة المثل، ولا للحصة من الزرع. وفيه: أن الذي تضمنه عقد المزارعة هو ملك مالك الارض نفس الحصة من الزرع فقط في مقابل تمام منفعة الارض، أو في مقابل بذل الارض، وأما عمل الزارع فليس موضوعا لعقد المزارعة، إذ لا يستفاد من قولهم في شرح مفهوم المزارعة أنها المعاملة على الارض بحصة من حاصلها إلا ذلك، فلا يملك مالك الارض إلا الحصة الخاصة من الحاصل، ولما تعذرت بطلت المزارعة وصارت كأن لم تكن، وقد فاتت منفعة الارض بيد العامل، فيكون ضامنا لها - على ما ذكره المشهور - أولا - كما ذكر في الجواهر - على ما سبق ويأتي. وكان الاقرب من هذا الوجه أن يقال: إن المزارعة مأخوذة من

===============

( 82 )

[ وأضعفها السادس (1). ثم هذا كله إذا لم يكن الترك بسبب ] الزرع، فهي معاملة على الارض على أن تزرع، فيكون عوض بذل الارض عمل الزارع، وأما الحصة من الحاصل فهي من قبيل الشرط في المزارعة، فيكون صاحب الارض مالكا على العامل العمل، وهو الزرع فإذا لم يزرع يكون ضامنا لقيمة العمل المملوك عليه. وهذا الوجه أقرب عرفا من الوجه الخامس، ويكون وجها سابعا. لكن يشكل: بأن الاعمال المملوكة لا تكون مضمونة إذا فاتت، ولذا ذكر المشهور أن الاجير إذا لم يعل ما استؤجر عليه لم يستحق الاجرة، ولم يذكروا أنه يستحق الاجرة ويستحق عليه المستأجر قيمة العمل. وكذا إذا شرط العمل في عقد لازم ففات الشرط، ولم يكن للمشروط له - عند المشهور - مطالبة المشروط عليه بقيمة العمل، وإنما يكون للمشروط له الفسخ لا غير، فالاعمال إذا كانت في الذمة لا تكون مضمونة بقيمتها عند التعذر والفوات، وإنما يستلزم ذلك الفوات إما بطلان العقد أو الخيار. وهذا الاشكال كما يجري على هذا الوجه يجري على الوجه الخامس، فانه لا يصح تضمين حصة من العمل بالقيمة. وسيأتي في المسألة الحادية عشرة من كتاب المساقاة ماله نفع في المقام. (1) لان مجرد ترك الفسخ عند اطلاع المالك على تمرد العامل عن العمل لا يوجب نسبة تفويت المنفعة إليه، بل هل منسوب إلى العامل لا غير. مع أنه قد لا يتمكن المالك من تدارك المنفعة بالفسخ، لعدم وجود عامل آخر، أو لوجود مانع من استعماله ومزارعته، أو لغير ذلك. فهذه الوجوه الاربعة الاخيرة كلها ضعيفة، ويبقى الوجهان الاولان أولهما - المنسوب إلى ظاهر الاصحاب - أقواهما، إذ المزارعة إما أن تكون عبارة عن بذلك الارض في مقابل العمل أو بذل الارض في مقابل الحصة

===============

( 83 )

من الزرع، كما قد يظهر من الاصحاب، وكيف كانت فهي معاوضة، فإذا بطلت لعدم العمل أو لعدم الحصة كان موضوعها مضمونا بضمان المعاوضة، وهو نوع آخر من الضمان، لا يكون باليد ولا بالاتلاف. فان المبيع مضمون على المشتري إذا قبضه فتلف ففسخ البيع، وكذلك الثمن مضمون على البائع إذا قبضه فتلف ففسخ البيع، وكذلك الحكم في سائر المعاوضات إذا وقع القبص، فان القبض موجب للضمان عند بطلان المعاوضة وإن كان قبضا لماله لا لمال غيره، ومنها المقام، فان الارض إذا قبضها العامل من المالك ليزرعها فلم يفعل، مضمونة على العامل بعد انفساخ المزارعة بتعذر العمل أو بتعذر الحصة. ونظير المقام: أن يدفع مالك الشبكة شبكته إلى الصياد ليصطاد بها ويكون الحاصل بينهما، فيأخذها الصياد ولا يستعملها في الصيد، فانه أيضا يكون ضامنا لمنفعة الشبكة. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما سبق نقله عن الجواهر من أن الرجوع إلى أجرة المثل مما لا يرجع إلى قاعدة، لعدم العدوان في يده حتى يندرج في عموم: " على اليد... "، وعدم صدق إتلاف مال الغير، لانه بحكم ماله. إذ لا ينحصر الضمان بالسببين المذكورين، بل يكون بسبب غيرهما كما في الضمان في المعاوضات التي تكون اليد فيها على مال نفسه والاتلاف لمال نفسه، ومع ذلك يكون مضمونا عند الفسخ. كما قد يرد الاشكال على التمسك على الضمان بقاعدة: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، لكون الظاهر اختصاصها بالفاسد من أول الامر فلا تشمل ما طرأ عليه الفساد كما نحن فيه. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن المزارعة معاوضة قائمة بذل الارض في مقابل العمل أو في مقابل الحصة. (الثاني):

===============

( 84 )

[ عذر عام، وإلا فيكشف عن بطلان المعاملة (1). ولو انعكس المطلب، بأن امتنع المالك من تسليم الارض بعد العقد فللعامل الفسخ (2)، ومع عدمه ففي ضمان المالك ما يعادل حصته من منفعة الارض (3)، أو ما يعادل حصته من الحاصل بحسب ] أن تعذر العمل يوجب بطلان المزارعة، لفوات العوض. كما أن تعذر العمل في الاجارة يوجب بطلان الاجارة. (الثالث): أن الضمان لا ينحصر باليد والاتلاف، بل يكون بغيرهما، كالمعاوضة. (الرابع): أن العمل لا يكون مضونا بمثله أو قيمته، والضمان يختص بالمنافع والاعيان. (الخامس): أنه لا فرق في أسباب الضمان بين الاختيار واللاختيار. (السادس): إختصاص قاعدة: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، بالفاسد من أول الامر. (1) لفوات شرط إمكان الانتفاع بالارض الذي تقدم أنه من شرائط الصحة. ثم إن المصنف لم يتعرض للضمان في هذه الصورة، ولعله لوضوح عدم الضمان، لعدم منفعة الارض لتكون مضمونة. لكن يختص ذلك بما إذا لم يمكن الانتفاع بالارض من وجه آخر غير الزراعة، أما إذا كان يمكن الانتفاع بها في غير الزراعة فاللازم البناء على الضمان، كما في المقبوض بالاجارة الفاسدة. اللهم إلا أن يكون إقدام مالك الارض على إهمال تلك المنافع مانعا عن ضمانها. (2) لان التسليم وإن لم يكن قوام المزراعة، إذ هي قائمة بين بذل الارض، وعمل الزارع والحصة، والتسليم أمر آخر، لكن مبنى المزارعة عليه، فهو شرط إرتكازي زائد على مفهومها. فمع تخلفه يكون الخيار في الفسخ. (3) فيه: أن الزارع لم يملك شيئا من منفعة الارض، لعدم اقتضاء

===============

( 85 )

[ التخمين (1)، أو التفصيل بين صورة العذر وعدمه (2)، أو عدم الضمان حتى لو قلنا به في الفرض الاول، بدعوى الفرق بينهما (3)، وجوه. ] عقد المزارعة ذلك، وإنما يملك بذلك الارض للزراعة. (1) وفيه: أن ضمان الحصة من الحاصل موقوف على ملكها، وملكها موقوف على وجود الحاصل، والمفروض إنتفاؤه، كما سبق نظيره. (2) قد عرفت أن العذر وعدمه لا فرق بينهما في الضمان وعدمه، وإنما الفرق بينهما في الاثم وعدمه. ولم يتعرض المصنف رحمه الله لكيفية الضمان بناء على التفصيل المذكور، وأن الضمان على النحو الاول أو الثاني أو نحو آخر، والمظنون أن الضمان حينئذ لاجرة مثل العمل. (3) قال في الجواهر هنا في ذيل المسألة السابقة: " بل عدم الضمان فيه (يعني: في مقامنا) أولى، لعدم صيرورة منفعة الارض ملكا له بعقد المزارعة، حتى تكون يد المالك عليها عادية يترتب عليها الضمان ". يعني: أنه يمكن في المسألة السابقة أن تقول: بأن عمل الزارع مملوك لمالك الارض فتفويته على المالك يوجب ضمانه، وفي هذه المسألة لا يمكن القول بأن منفعة الارض مملوكة للزارع، حتى تكون مضمونة على المالك باليد العادية. هذا وقد عرفت أن الضمان في المسألة السابقة لم يكن من جهة أن عمل الزارع مملوك للمالك وقد فوته، لما عرفت من أن الاعمال لا تكون مضمونة، وإنما كان الضمان ضمان المعاوضة وفي المسألتين على نهج واحد، فان بذل الزارع نفسه للعمل جريا على مقتضى العقد بمنزلة استيفاء عمله، فيكون مضمونا على المبذول له، نظير ما لو استأجره على عمل بأجرة، فبذل العامل نفسه للعمل، فلم يستوفه المالك، ثم طرأ الفسخ، فان عمل الاجير مضمون على المستأجر، كالاجارة الصحيحة. فالاقوى في المقام أن يكون

===============

( 86 )

[ (مسألة 8): إذا غصب الارض بعد عقد المزارعة غاصب ولم يمكن الاسترداد منه، فان كان ذلك قبل تسليم الارض إلى العامل تخير بين الفسخ وعدمه (1)، وإن كان بعده لم يكن له الفسخ، وهل يضمن الغاصب تمام منفعة الارض ] المالك ضامنا لعمل الزارع بأجرة المثل، كما سبق، نعم بناء على ما اختاره المصنف (ره) من كون الضمان في المسألة السابقة من جهة أن المالك يملك حصة من منفعة الارض وحصة من عمل العامل، وقد فوتها العامل على المالك، فالوجه المذكور غير آت هنا، لان العامل لا يملك حصة من منفعة نفسه، فلا يضمنها له المالك. ولذا ذكروا أن منافع الحر لا تضمن. نعم يملك حصة من منفعة الارض، وقد فوتها عليه المالك، فيضمنها، فيختص الضمان بحصة من منفعة الارض، ولا يكون بحصة، من منفعة العامل، فالفرق بين المسألتين يكون في عموم الضمان وخصوصه. ولا وجه للتوقف من المصنف في أصل الضمان. والذي يتحصل أنه بناء على الضمان بنحو الوجه السابع - الذي ذكرناه سابقا - فالفرق بين المسألتين بالضمان وعدمه في محله، و بناء على الضمان على الوجه الخامس فالفرق يكون بعموم الضمان وخصوصه، وبناء على الضمان بالمعاوضة فلا فرق بين المسألتين في ثبوت الضمان. (1) لما سبق من أن مبنى المزارعة على تسليم الارض، فهو شرط زائد على قوامها، فإذا فات كان للمشروط له الخيار، فان فسخ كان أجنبيا عن المعاملة، ولم تجر له الاحكام الآتية، وأن لم يفسخ كان محكوما بالاحكام الآتية. لكن بناء على ما هو التحقيق من أنه لا ضمان بالنسبة إلى العامل - كما يأتي - لا فرق بين الفسخ وعدمه، وحينئذ يبطل أثر العقد قهرا، فيكون انفساخا للعقد.

===============

( 87 )

[ في تلك المدة للمالك فقط (1)، أو يضمن له بمقدار حصته - من النصف أو الثلث - من منفعة الارض ويضمن له أيضا مقدار قيمة حصته من عمل العامل، حيث فوته عليه (2)، ويضمن للعامل أيضا مقدار حصته من منفعة الارض (3)؟ وجهان (4). ويحتمل ضمانه لكل منهما ما يعادل حصته من الحاصل بحسب التخمين (5). (مسألة 9): إذا عين المالك نوعا من الزرع - من حنطة أو شعير أو غيرهما - تعين ولم يجز للزارع التعدي ] (1) لان منفعة الارض باقية عى ملك المالك، وقد فاتت في يد الغاصب العادية، فتكون مضمونة للمالك. (ودعوى): أن منفعة الارض صارت مملوكة للعامل، كما أن منفعة العامل صارت مملوكة لصاحب الارض (ممنوعة) والقدر الثابت لزوم بذل الارض للعامل، لا تمليكه منفعة الارض - كما سبق وسيأتي في المسألة الخامسة عشرة - فالعامل له أن ينتفع بالارض، لا أنه يملك منفعة الارض، لا تماما ولا بمقدار الحصة المعينة له. (2) لا دليل على الضمان بهذا التفويت، فان من حبس انسانا فقد فوت عليه الانتفاع بداره و بدابته وبالآلات التي يستعملها. والحابس لا يضمن شيئا من هذه المنافع التي فوتها عليه، لا شرعا ولا عرفا. (3) لم يضف إليها حصته من منفعة نفسه، لان منافع الحر لا تضمن لانها غير مملوكة له. (4) أقواهما الاول، كما عرفت. و كان المناسب لاختيار المصنف (ره) القول الخامس في المسألة السابقة إختيارة الوجه الثاني هنا، ولا وجه للتوقف (5) قد عرفت إشكاله في المسألة السابقة.

===============

( 88 )

[ عنه (1)، ولو تعدى إلى غيره ذهب بعضهم (2) إلى أنه إن كان ما زرع إضر مما عينه المالك كان المالك مخيرا بين الفسخ وأخذ أجرة المثل للارض، والامضاء وأخذ الحصة من المزروع مع أرش النقص الحاصل من الاضر، وإن كان أقل ضررا لزم وأخذ الحصة منه. وقال بعضهم (3): يتعين أخذ أجرة المثل للارض مطلقا، لان ما زرع غير ما وقع عليه العقد، فلا يجوز أخذ الحصة منه مطلقا (4). والاقوى أنه إن علم ] (1) قطعا، كما في الجواهر، وفي الرياض: أنه لا خلاف فيه، وعن الغنية: أنه إجماع. ويقتضيه عموم الوفاء بالعقد والشرط. (2) قال في الشرائع: " ولو زرع ما هو أضر والحال هذه كان للمالك أجرة المثل إن شاء أو المسمى مع الارش، وان كان أقل ضررا جاز " ونحوه عن التذكرة والتحرير واللمعة. وفي القواعد: " فان زرع الاضر فللمالك الخيار بين المسمى والارض وبين أجرة المثل، ولو زرع الاخف تخير المالك بين الحصة مجانا وأجرة المثل " فلم يفرق بين الاضر والاخف في الخيار بين المسمى وأجرة المثل، وفي مفتاح الكرامة: أنه من منفردات القواعد. وكأنه لذلك لم يتعرض له المصنف، كما أنه في الشرائع والقواعد وغيرهما لم يتعرض لحكم المساوي ضررا، وكان اللازم التعرض له كغيره. اللهم إلا أن يكون ذكر الارش في الاضر بالخصوص يقتضي الحاق المساوي بالاخف. (3) يشير إلى ما في جامع المقاصد والمسالك، وعن الروضة ومجمع البرهان، حيث حكموا بأجرة المثل في جميع صور التعدي. (4) هذا مذكور في المسالك. وأما المذكور في جامع المقاصد فهو

===============

( 89 )

[ أن المقصود مطلق الزرع وان الغرض من التعيين ملاحظة مصلحة الارض (1) وترك ما يوجب ضررا فيها يمكن أن يقال إن الامر كما ذكر من التخيير بين الامرين في صورة كون المزروع أضر وتعين الشركة في صورة كونه أقل ضررا. لكن التحقيق مع ذلك خلافه. وإن كان التعيين لغرض متعلق بالنوع الخاص لا لاجل قلة الضرر وكثرته، فاما أن يكون التعيين على وجه التقييد والعنوانية (2)، أو يكون على وجه تعدد المطلوب ] التعليل بأن المزروع غير معقود عليه. والحصة المسماة إنما هي من غيره، فكيف تجب الحصة منه؟... إلى أن قال: " فالاصح حينئذ وجوب أجرة المثل ". وظاهره أن المانع ليس مجرد المخالفة، وإنما المانع أن الحصة المجعولة للمالك إنما هي مما عينه، وهي متعذرة فيتعين الرجوع إلى أجرة المثل. (1) هذا ذكره في جامع المقاصد، وأشكل عليه. والاولى في الاشكال عليه أن يقال: إن تعيين زرع بعينه إن كان دخيلا في المزارعة كان قيدا، وتركه يوجب البطلان، لفوات المقيد بفوات قيده، وإن كان أجنبيا عن المعاملة فلا يوجب الخيار. فالجمع بين المسمى والخيار غير ممكن. إلا أن يكون التقييد بنحو تعدد المطلوب، وسيأتي. ولعله إلى ذلك أشار المصنف (ره) بقولة: " لكن التحقيق... ". لكن لا يتناسب قوله هذا مع قوله سابقا، " والاقوى أنه إن علم... "، فانه كيف يكون أقوى مع أنه خلاف التحقيق؟. (2) المقابلة بين الامرين