===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
( 1 )
ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن الكريم مستمسك
العروة الوثقى تأليف فقيه عصره آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس
سره الجزء الثاني عشر
( 2 )
منشورات مكتبة اية الله العظمى السيد المرعشي النجفي قم - ايران 1404 هجري قمري
( 3 )
[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاجارة وهى: تمليك عمل أو منفعة بعوض (1).
ويمكن أن ] بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد، والصلاة والسلام على رسوله الكريم
وآله الطاهرين. كتاب الاجارة (1) عرفها بعضهم - كالعلامة في القواعد -: بأنها عقد
ثمرته نقل المنفعة. والاشكال عليه ظاهر، لان العقد هو مجموع الالتزامين النفسيين،
القائم أحدهما بالموجب والاخر بالقابل، المرتبطين على نحو خاص من الارتباط،
والاجارة ليست كذلك، بل هي الامر الملتزم به، وكذلك غيرها من مفاهيم العقود
والايقاعات. ولاجل ذلك عدل بعضهم إلى تعريفها بما في المتن. ويشكل: بأن الاجارة
ليست تمليكا للمنفعة، بل هي قائمة بالعين ذات المنفعة، فنقول: (آجرت الدار) ولا
تقول: (آجرت منفعة الدار)، وبذلك امتازت عن أكثر العقود، كالبيع والصلح والرهن
والهبة والنكاح وغيرها، فان هذه المفاهيم قائمة بموضوعاتها وتقتضي التصرف فيها،
بخلاف الاجارة فانها قائمة بذي المنفعة وتقتضي التصرف في المنفعة لافيه، فلو بني
على حصول تمليك المنفعة في الاجارة فليس هو عين الاجارة بل مسبب عنها وأثر لها.
( 4 )
[ يقال: إن حقيقتها للتسليط على عين للانتفاع بها بعوض (1). وفيه فصول: فصل في
أركانها، وهى ثلاثة: الاول: الايجاب والقبول، ويكفى فيهما كل لفظ دال على المعنى
المذكور. وللصريح منه: آجرتك أو أكريت الدار - مثلا - فيقول: قبلت أو استأجرت أو
استكريت. ويجري ] والمناسب حينئذ أن يقال: إنها جعل العين موضوعا للاجر، بنحو يقتضي
تمليك المنفعة، لاأنها عين تمليك المنفعة. ويشكل هذا التعريف أيضا: بأن الاجارة قد
لا تقتضي تمليك المنفعة، كما في استيجار ولي الزكاة أو ولي الوقف دارا، لان يحرز
فيها الغلة المأخوذة من الزكاة أو من نماء الوقف، فان منفعة الدار في الفرض ليس
مملوكة لمالك، وإنما هي صدقة يتعين صرفها في مصرف الزكاة أو مصرف الوقف. وكأنه لذلك
عدل في القواعد عن جعل ثمرة العقد التمليك، إلى جعلها نقل المنفعة. لكن عرفت
الاشكال فيه أيضا. (1) السلطنة من الاحكام المترتبة على الاموال والحقوق التي هي
موضوع عقد الاجارة وليست هي نفس حقيقتها. مع أن ما ذكر لا ينعكس في الاجارة على عمل
إذا كان الاجير حرا، ولا يطرد في الاذن بالتصرف بشرط العوض، ضرورة أنه ليس من
الاجارة ولا تشترط فيه شرائطها.
( 5 )
[ فيها المعاطاة كسائر العقود (1). ويجوز أن يكون الايجاب بالقول والقبول
بالفعل، ولا يصح أن يقول في الايجاب: بعتك الدار - مثلا - وإن قصد الاجارة (2)، نعم
لو قال: بعتك منفعة للدار أو سكنى الدار - مثلا - بكذا لا يبعد ] (1) كما صرح به
غير واحد، بل قيل: لم يعرف متأمل في ذلك. ويقتضيه عموم أدلتها، لعدم الفرق فيها بين
البيع والاجارة وغيرهما. نعم خص ذلك بعض الاعاظم (ره) في منافع الاموال لا مطلقا،
كما في الاجارة على عمل إذا كان الاجير حرا، فانه لا تعاطي من قبله. اللهم إلا أن
يكون نفس إيجاد العمل - كبناء الجدار - إعطاء منه، مع أنه مبني على اعتبار التعاطي
من الطرفين، فلو اكتفي في حصول المعاطاة بالاعطاء من طرف والاخذ من الاخر أمكن
جريانها مطلقا، إذا كانت الاجرة عينا. (2) هذا مبني على عدم جواز إنشاء مضامين
العقود بالمجازات المستنكرة كما في الجواهر، ودليله غير ظاهر. نعم صرح به في
الشرائع وغيرها، وعن التذكرة نسبته إلى علمائنا. فان تم إجماعا كان هو الحجة وإلا
فاطلاق عمومات الصحة تنفيه. ودعوى انصرافها عن مثله، ممنوعة كدعوى العلم الاجمالي
بتقيد العمومات ببعض الخصوصيات في العقد، فيسقط الاطلاق عن المرجعية. فانها مدفوعة
بلزوم الاقتصار في الخروج عن الاطلاق على القدر المتيقن، فيتعين الرجوع في غيره إلى
الاطلاق. اللهم إلا أن يقال: إذا كان المجاز مستنكرا عند العرف لا يكون آلة لانشاء
العنوان الخاص، ولايكون منشأ لاعتباره عندهم، فلا مجال للرجوع إلى الاطلاق، لانه
منزل على ما عند العرف، فلاحظ.
( 6 )
[ صحته إذا قصد الاجارة (1). الثاني: المتعاقدان، ويشترط فيهما: البلوغ (2)،
والعقل (3) والاختيار (4)، ] (1) ذكر بعض الاعاظم في حاشية المتن مانصه: " صحة هذا
وأشباهه مبني على جواز التجوز في صيغ العقود، وصحة إنشاء كل واحد منها بلفظ الاخر
وهو في غاية الاشكال، بل لا يبعد بطلانه " وحكي عنه في توجيهه: أن اللفظ إنما يكون
آلة عرفا لانشاء معناه الحقيقي، ولايكون آلة لانشاء معنى مجازي. ولكن إشكاله ظاهر،
فان إنكار صدق العنوان الانشائي إذا أنشئ بنحو المجاز، كانكار صدق الخبر إذا حكي
بنحو المجاز، والفرق ممنوع. (2) لااشكال في ذلك ولا خلاف. ويشهد له بعض النصوص (*
1) لكن المتيقن من دلالته عدم صحة عقد الصبي على وجه الاستقلال، لاعدم الصحة وإن
أذن له الولي، ولاجل أن المسألة محررة في كتب القوم على التفصيل، وقد تعرضنا لها في
(نهج الفقاهة) على الاجمال، أهملنا ذكرها هنا اعتمادا على ذلك. (3) اعتبار العقل في
مقابل الجنون المانع من تحقق القصد واضح. لعدم تحقق العقد، لتقومه بالقصد، والمفروض
انتفاؤه. أما الجنون غير المانع من تحقق القصد: فالكلام فيه ينبغي أن يكون هو
الكلام في الصبي فانه محجور عليه، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في كتاب الحجر. وعدم
صحة عقده باذن الولي غير ظاهر من الادلة. (4) اعتباره مما لاإشكال فيه عندنا.
وتفصيل الكلام فيه وفي فروعه مذكور في كتابنا (نهج الفقاهة) فليراجع.
____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب المقدمات حديث: 2.
( 7 )
[ وعدم الحجر لفلس أو سفه أو رقية (1). الثالث: العوضان، ويشترط فيهما أمور:
الاول: المعلومية، وهى في كل شئ بحسبه، بحيث لا يكون هناك غرر (2)، ] (1) الكلام في
ذلك موكول إلى كتاب الحجر. (2) كما هو المشهور. واستدل له بما ورد من نهي النبي صلى
الله عليه وآله عن الغرر، (* 1) وبالنبوى: من استأجر أجيرا فليعلمه أجره " (* 2).
وفيه: أن الاول غير ثابت بل لعله ثابت العدم. والوارد إنما هو: " نهى النبي صلى
الله عليه وآله عن بيع الغرر " (* 3)، وهو مختص بالبيع. والنبوي لو تم حجة فلا يدل
على ذلك، بل يكفي في العلم المشاهدة. ولذا اختار في الشرائع الاكتفاء بها، وحكي ذلك
عن الشيخ والمرتضى وجماعة من المتأخرين. ويعضده: ما ورد في قبالة الارض بخراجها قل
أو كثر، (* 4) وفي بعضها جواز إجارتها بالنصف والثلث أو أقل من ذلك أو أكثر (* 5)،
وما في الخبر: " عن أرض يريد رجل أن يتقبلها، فأي وجوه القبالة أحل؟. قال (ع):
يتقبل الارض من
____________
(* 1) راجع التذكرة مسألة: 2 من الركن الثالث من الفصل الثاني من كتاب الاجارة. (*
2) مستدرك الوسائل باب: 3 من أبواب الاجارة حديث: 1 ويوجد ما يقرب منه في الوسائل
باب: 3 من أبواب الاجارة حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 40 من أبواب آداب التجارة
حديث: 3. كنز العمال الجزء: 2 صفحة 229 حديث، 4920، 4923. صحيح الترمذي الجزء: 5
صفحة 237. الموطأ الجزء: 2 صفحة: 75. (* 4) الوسائل باب: 17 من أبواب المزارعة
حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 21 من أبواب الاجارة حديث: 5.
( 8 )
[ فلو أجره دارا أو حمارا من غير مشاهدة ولا وصف رافع للجهالة بطل. وكذا لو جعل
العوض شيئا مجهولا. للثاني: أن يكونا مقدورى للتسليم (1)، فلا تصح إجارة للعبد
الآبق. وفى كفاية ضم للضميمة هنا - كما في البيع - إشكال (2). ] أربابها بشئ معلوم
إلى سنين مسماة، فيعمر ويؤدي الخراج، فان كان فيها علوج فلا يدخل العلوج في قبالته،
فان ذلك لا يحل " (* 1) فالظاهر أن المراد بالمعلوم مقابل المجهول المطلق، لا ما هو
مراد المشهور. (1) هذا واضح لو كان المراد تعذر التسليم، لعدم المالية في المنفعة
حينئذ لتصح المعاوضة عليها، ولايكون أكل الاجرة أكلا بالباطل. أما مع رجاء حصوله
فمشكل وقد عرفت اختصاص النهي عن الغرر بالبيع، مع إمكان المناقشة في صدقه بمجرد
ذلك، لاحتمال اختصاصه بالجهل بأحد العوضين لا مجرد الخطر، ولامجرد الجهل ولو
بالحصول. لكن الظاهر العموم، وإن حكي الاول عن الشهيد الاول في شرح الارشاد، لكن
حكي عنه في قواعده الاختصاص بالجهل بالحصول، كما أشرنا إلى ذلك في (نهج الفقاهة)
فراجع، فلا يجري الحديث إلا في ذلك. لكن الاشكال في عموم الحديث للاجارة، فكأن
المستند فيه الاجماع المدعى على اشتراط ذلك، لاغيره. (2) عن جماعة: الصحة، منهم
الاردبيلي، وعن آخرين: المنع، منهم العلامة والشهيد. وعن آخرين: التردد. واستدل
للاول: بأن الاجارة تتحمل من الغرر مالا يتحمله البيع. وفيه: أن هذا المقدار لا
يوجب القطع بالصحة.
____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب المزارعة حديث: 5.
( 9 )
[ الثالث: أن يكونا مملوكين (1)، فلا تصح إجارة مال للغير، ولا الاجارة بمال
الغير الا مع الاجازة من المالك. الرابع: أن تكون العين المستأجرة مما يمكن
الانتفاع بها مع بقائها، فلا تصح إجارة الخبز للاكل مثلا، ولا الحطب للاشعال،
وهكذا. الخامس: أن تكون المنفعة مباحة (2)، فلا تصح ] نعم يمكن الاستدلال بذيل موثق
سماعة (* 1)، الدال على جواز البيع مع الضميمة، حيث علل ذلك بقوله عليه السلام: "
فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه ". وفيه أيضا: أنه لا يظهر منه
أنه تعليل للجواز، بل من المحتمل أن يكون بيانا لحكم تعذر الابق، وأنه لا يرجع
المشتري إلى البائع بما قابله من الثمن، بل تكون معاوضة قهرية بين تمام الثمن وبين
الضميمة - كما هو أحد الوجوه المحتملة في الرواية - أو غير ذلك من الوجوه، لا أنه
تعليل للجواز. نعم إذا كان المستند في المنع الاجماع، فلا بأس بالقول بالصحة مع
الضميمة، لعدم الاجماع على المنع فيها. (1) لان الصحة بدون الملك ودون إذن المالك
خلاف قاعدة السلطنة. وسيأتي منه التعرض للاجتزاء باذن المالك أو إجازته. (2) وفي
حاشية بعض الاعاظم: " إن اشتراط مملوكية المنفعة يغني عن هذا الشرط، فان المنفعة
المحرمة غير مملوكة "، لان اضافة الملك بحسب اعتبار العقلاء إنما تكون فيما ترجع
مصلحته إلى المالك، ويكون من كماله، ولا يصح اعتبارها فيما يكون مفسدة ومضرة على
المالك، فيصح
____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب عقد البيع وشرون حديث: 2.
( 10 )
[ إجارة المساكن لاحراز المحرمات، أو للدكاكين لبيعها، أو للدواب لحملها، أو
الجارية للغناء، أو لكتابة الكفر، ونحو ذلك. وتحرم الاجرة عليها. السادس: أن تكون
العين مما يمكن استيفاء المنفعة المقصودة بها (1)، فلا تصح إجارة أرض للزارعة إذا
لم يمكن إيصال الماء إليها، مع عدم إمكان الزارعة بماء السماء، أو عدم كفايته.
السابع: أن يتمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المستأجرة (2) فلا تصح إجارة الحائض
لكنس المسجد (3) مثلا. (مسألة 1): لا تصح الاجارة إذا كان المؤجر أو المستأجر مكرها
عليها إلا مع الاجازة اللاحقة، بل الاحوط عدم الاكتفاء بها، بل تجديد العقد إذا
رضيا. نعم تصح مع ] أن تقول: يملك زيد أن يأخذ درهما من عمرو، ولا يصح أن تقول:
يملك زيد أن يأخذ منه عمرو درهما. والمحرمات لما كانت بنظر الشارع مفسدة، لا يصح
اعتبارها مملوكة عنده. (1) لانه مع عدمه يكون أخذ الاجرة أكلا للمال بالباطل، ولا
تصح معه المعاوضة المأخوذة في حاق الاجارة. (2) لان تعذر المنفعة شرعا بمنزلة
تعذرها عقلا، فيرجع الشرط المذكور إلى الذي قبله. (3) في بعض الحواشي: " إن هذا
المثال قد خرج باشتراط مملوكية المنفعة وإباحتها " وفيه: أن كنس الحائض للمسجد
حلال، وإنما الحرام المكث الموقوف عليه الكنس.
( 11 )
[ الاضطرار، كما إذا طلب منه ظالم مالا فاضطر إلى إجارة دار سكناه لذلك، فانها
تصح حينئذ (1). كما انه إذا اضطر إلى بيعها صح. (مسألة 2) لا تصح إجارة المفلس -
بعد الحجر عليه - داره أو عقاره. نعم تصح إجارته نفسه لعمل أو خدمة (2) وأما
السفيه: فهل هو كذلك - أي تصح إجارة نفسه للاكتساب مع كونه محجورا عن إجارة داره
مثلا - أولا؟ وجهان: من كونه من التصرف المالي وهو محجور (3)، ومن أنه ليس تصرفا في
ماله الموجود (4) بل هو تحصيل للمال، ولا تعد منافعه من أمواله (5). ] (1) إما
لاختصاص دليل مانعية الاكراه بما إذا كان الاكراه على خصوص العقد أو الايقاع، فلا
يشمل صورة ما إذا كان الاكراه على الغاية. وإما لان دليل مانعية الاكراه لما كان
امتنانيا لم يشمل المقام، لان شموله له خلاف الامتنان، إذ يلزم منه الوقوع في
الضرورة. (2) لانه ليس تصرفا في ماله الموجود، بل هو تصرف في نفسه. ومنافعه ليست
موضوعا لحق الغرماء كي يمنع عن التصرف فيها، فاجارة نفسه للاحتطاب والاصطياد
ونحوهما مما لايمنع المفلس عنه. (3) لانه معقد الاجماع على عدم نفوذ تصرف السفيه.
(4) كما هو مورد الادلة اللفظية المانعة من نفوذ تصرفه من الكتاب والسنة. (5) لان
منافع الحر وإن كانت أموالا، ويصح بذل المال بأزائها، لكنها ليست مملوكة له، لان
الملكية تتوقف على الاثنينية، ولا اثنينية بينه وبين نفسه، فإذا لم يملك نفسه لم
يملك منافعه، لانها تابعة للعين،
( 12 )
[ خصوصا إذا لم يكن كسوبا. ومن هنا يظهر للنظر فيما ذكره بعضهم من حجر السفيهة
من تزويج نفسها، بدعوى: أن منفعة البضع مال (1)، فانه أيضا محل إشكال. ] إذ لا وجود
لها خارجي، وإنما منشأ اعتبارها العين، فإذا لم تكن مملوكة لنفسه لم تكن المنافع
مملوكة، ولذا لا تكون من أمواله. مع أنه لو سلم أنها مملوكة ومن أموال السفيه فليست
داخلة في عموم الولاية عليه، لاختصاصه بغيرها. نعم لاتبعد استفادة حكمها من دليل
الولاية في الاموال الموجودة، لانها كلها أموال. والمستفاد من دليل الولاية أن
العلة فيها الاحتفاظ بمصلحة السفيه من حيث المال، ولافرق بين الموردين. وهذا هو
الذي يقتضيه مذاق العرف والشرع. مضافا إلى رواية عبد الله بن سنان الاتية. (1) قال
في الجواهر - في مبحث السفيه -: " والظاهر دخول تزويجها نفسها في التصرفات المالية،
من جهة مقابلة البضع بالمال، فلا يجوز بدون إذن الولي ". وقد يظهر من المفاتيح: عدم
الخلاف في ثبوت الولاية على السفيه والسفيهة في النكاح. ولكنه - كما ترى - غير
ظاهر، لعدم كون البضع مالا ولا مقابلا بالمال. أقول: إن كان المراد: أن الصداق ليس
في مقابل المنفعة المخصوصة، وإلا لم يستحق المهر بالموت، أو الطلاق قبل الدخول مع
أن الاستحقاق ضروري، فهو في محله. وإن كان المقصود: أن المهر ليس في مقابل المنفعة
أصلا فهو غير ظاهر. لان المهر في مقابل الزوجية، وهي أيضا نوع من المنفعة. ولا
ينافي ذلك صحة العقد بلا مهر، لجواز أن يكون من قبيل العارية أو الهبة المجانية.
نعم الزوجية ليست ملحوظة عوضا عن المهر، بل لوحظت عنوانا
( 13 )
[ (مسألة 3): لا يجوز للعبد أن يوجر نفسه أو ماله أو مال مولاه إلا باذنه أو
إجازته. (مسألة 4): لابد من تعيين العين المستأجرة، فلو آجره أحد هذين العبدين أو
إحدى هاتين الدارين لم يصح (1) ] لموضوع المهر. فالمهر من قبيل الهبة للزوجة، لوحظ
فيه الزوجية قيدا، فالمقام ليس من باب المعاوضة، إذ لم يدخل في ملك الزوج شئ، لانه
لم يملك الزوجية ولا البضع، ولا الانتفاع به، ولا شيئا آخر ليكون عوضا عن مهره.
وعلى هذا فالمقام ليس من قبيل المعاملة على منافع السفيه، بل هو نحو آخر. وإجراء
الحكم السابق فيه لا يخلو من وجه، لانه هو الذي يقتضيه مذاق العرف والشرع أيضا.
مضافا إلى ما يستفاد من رواية عبد الله بن سنان: " إذا بلغ ونبت عليه الشعر جاز
أمره، إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا " (* 1)، فان إطلاقه يقتضي منع السفيه حتى من
النكاح، لانه من أمره. (1) هذا إذا كان على وجه الترديد، لان المردد لا وجود له في
الخارج، فلا تصح اجارته. أما إذا كان على وجه الكلي في المعين، فلا بأس باجارته كما
لا بأس ببيعه. كما أنه إذا كان أحد العبدين معينا في نفسه، مرددا عندهما أو عند
أحدهما - مثل الاكبر أو الاصغر - فالبناء على البطلان فيه مبني على مانعية الجهل،
وإلا فلا مانع عنه عقلا ولا عرفا، والادلة المطلقة تقتضي الصحة. وأدلة نفي الغرر قد
عرفت
____________
(* 1) هذا المضمون مروي بتعبيرات مختلفة وأقرب الكل إليه ما رواه في الوسائل في
باب: 2 من احكام الحجر حديث: 5 الا أنه نقله عن الخصال عن ابي الحسين الخادم بياع
اللؤلؤ من دون توسط ابن سنان لكن الموجود في الخصال الجزء 2 صفحة 89 روايته عن بياع
اللؤلؤ عن عبد الله بن سنان. فلاحظ.
( 14 )
[ ولابد أيضا من تعيين نوع المنفعة إذا كانت للعين منافع متعددة (1). نعم تصح
إجارتها بجميع منافعها مع التعدد (2) فيكون المستأجر مخيرا بينها. (مسألة 5):
معلومية المنفعة (3): إما بتقدير المدة، كسكنى الدار شهرا، والخياطة يوما، أو منفعة
ركوب للدابة إلى زمان كذا. وإما بتقدير العمل (4) كخياطة الثوب المعلوم طوله وعرضه
ورقته وغلظته، فارسية أو رومية، من غير تعرض للزمان. نعم يلزم تعيين الزمان للواقع
فيه هذا للعمل كأن يقول: إلى يوم الجمعة مثلا. وإن أطلق اقتضى التعجيل على الوجه
العرفي (5). وفي مثل استئجار الفحل للضراب ] الاشكال فيها. مع أنه قد لا يكون غرر،
كما إذا كان العبدان لا يختلفان بالصفات التي تختلف بها الرغبات أو المالية.
فالعمدة فوجه البطلان ظهور التسالم عليه. (1) الكلام فيه كالكلام في تعيين العين
المستأجرة. (2) يأتي الكلام في جواز ذلك، في مبحث حكم الاجير الخاص، إذ المنافع
المتضادة يمتنع أن تكون مملوكة، إذ القدرة عليها بدلية والملكية تابعة لها، فلا
تكون الملكية عرضية. (3) " بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل حكي عن
المخالفين - الذين اكتفوا بالمشاهدة في البيع -: أنهم وافقوا هنا على اشتراط العلم
بقدر المنفعة "، كذا في الجواهر. والعمدة فيه الاجماع المذكور، لا الغرر لما عرفت.
(4) كما نص عليه الجماعة، لارتفاع الجهالة بذلك. (5) وحينئذ لا حاجة إلى ذكر المدة،
لارتفاع الغرر بذلك. نعم
( 15 )
[ يعين بالمرة والمرتين (1). ولو قدر المدة والعمل على وجه التطبيق (2)، فان
علم سعة الزمان له صح، وإن علم عدمها بطل، وإن احتمل الامران ففيه قولان. ] إذا كان
الاطلاق لا يقتضي التعجيل، لقيام القرينة على عدمه، لزم ذكر المدة بالمعنى المذكور.
(1) هذا في غير ضراب الماشية، فانه بقدر بالزمان (2) التقدير بالمدة مع العمل يكون:
تارة: على نحو الظرفية، مثل: أن يخبط هذا الثوب في هذا اليوم. وأخرى: على نحو
التطبيق وعلى الثاني: تارة: يكون التطبيق ملحوظا عنوانا لموضوع الاجارة، وأخرى:
يكون شرطا، فان علمت القدرة، فلا اشكال في الصحة في الجميع. وإن علم عدمها، فلا
إشكال في الفساد في الجميع. ومع الاحتمال اختار في الجواهر الصحة في الجميع، لان
القدر المعلوم خروجه عن عموم الصحة صورة العلم بالعجز، فلا يشمل صورة احتماله. ونزل
القول بالبطلان في فرض التقدير على نحو التطبيق على صورة غلبة عدم حصوله. واستوضح
البطلان حينئذ، إلا مع اعتبار التطبيق على نحو الشرطية لا العنوانية. فان احتمال
الامكان حينئذ كاف في الصحة، فلو لم يتفق كان له خيار تخلف الشرط. والتحقيق: ابتناء
الصحة والبطلان - في جميع الصور - على عموم النهي عن الغرر للاجارة وعدمه. فعلى
الاول: لا يصح مع الجهل، إلا أن تجري العادة بحصوله. وعلى الثاني: يصح، إلا أن تجري
العادة بعدم حصوله، بحيث يكون ملحقا بالمتعذر الذي تكون المعاملة عليه سفها. وقد
تقدم في الشرط الثاني الاشكال في الاول. فراجع. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكره في
الجواهر مع أنه لا يخلو في نفسه من
( 16 )
[ (مسألة 6): إذا استأجر دابة للحمل عليها، لابد من تعيين ما يحمل عليها بحسب
الجنس إن كان يختلف الاغراض باختلافه، وبحسب الوزن ولو بالمشاهدة والتخمين إن ارتفع
به للغرر. وكذا بالنسبة إلى الركوب لابد من مشاهدة للراكب أو وصفه، كما لابد من
مشاهدة الدابة أو وصفها، حتى الذكورية والانوثية ان اختلفت الاغراض بحسبهما.
والحاصل: أنه يعتبر تعيين الحمل والمحمول عليه، والراكب والمركوب عليه، من كل جهة
يختلف غرض العقلاء باختلافها. (مسألة 7) إذا استأجر الدابة لحرث جريب معلوم، فلا بد
من مشاهدة الارض أو وصفها على وجه يرتفع الغرر. (مسألة 8): إذا استأجر دابة للسفر
مسافة، لابد من بيان زمان السير من ليل أو نهار (1)، إلا إذا كان هناك عادة متبعة.
(مسألة 9): إذا كانت الاجرة مما يكال أو يوزن، لابد من تعيين كيلها أو وزنها، ولا
تكفي المشاهدة (2). وإن ] تدافع يظهر بالتأمل فيما ذكر وذكرناه. ثم إن المراد من
قولنا بالصحة على الثاني: الصحة التقديرية، بمعنى الصحة على تقدير التمكن، إذ على
تقدير عدمه يمتنع البناء على الصحة، لعدم المنفعة. (1) لاختلاف الاغراض في ذلك
غالبا. (2) تقدم الكلام فيه في الشرط الاول.
( 17 )
[ كانت مما يعد، لابد من تعيين عددها. وتكفى المشاهدة فيما يكون اعتباره بها.
(مسألة 10): ما كان معلوميته بتقدير المدة، لابد من تعيينها شهرا أو سنة أو نحو
ذلك. ولو قال: آجرتك إلى شهر أو شهرين، بطل. ولو قال: آجرتك كل شهر بدرهم مثلا، ففي
صحته مطلقا (1)، أو بطلانه مطلقا (2)، أو صحته في شهر وبطلانه في الزيادة (3)، فان
سكن فأجرة المثل بالنسبة إلى الزيادة، أو الفرق بين التعبير المذكور وبين أن يقول:
آجرتك شهرا بدرهم فان زدت فبحسابه بالبطلان في الاول والصحة في شهر في الثاني (4)،
أقوال. أقواها ] (1) حكي عن الشيخ وابن زهرة وابن الجنيد. (2) كما حكي عن جماعة،
وفي الجواهر: " لعله المشهور بين المتأخرين ". (3) اختاره في الشرائع، ونسب إلى
المقنعة والنهاية. (4) هذا القول ذكره في القواعد، والظاهر منه صورة ما إذا كان
المقصود منه الاجارة في الشهر الاول. وقوله: (فان زدت فبحسابه) من قبيل الشرط.
وحينئذ فالبناء على البطلان في الجميع مبني على فساد الشرط وإفساده العقد، وكلاهما
في المقام محل إشكال أو منع، إذ التحقيق: أن الشرط الفاسد غير مفسد، وأن الغرر في
الشرط الواقع في عقد الاجارة غير ظاهر في اقتضائه البطلان في نفسه، كما عرفت. ومن
ذلك يظهر ضعف ماعن الايضاح وجامع المقاصد من القول بالبطلان لما ذكر.
( 18 )
[ الثاني، وذلك لعدم تعيين المدة الموجب لجهالة الاجرة. بل جهالة المنفعة أيضا،
من غير فرق بين أن يعين المبدأ أولا، بل على فرض عدم تعيين المبدأ يلزم جهالة أخرى،
إلا أن يقال: إنه حينئذ ينصرف إلى المتصل بالعقد. هذا إذا كان بعنوان الاجارة، وأما
إذا كان بعنوان الجعالة فلا مانع منه (1) لانه يغتفر فيها مثل هذه الجهالة. وكذا
إذا كان (2) بعنوان الاباحة بالعوض (3). ] (1) كما صرح به في الجواهر، لكن أشكل
عليه في بعض الحواشي على المتن: بأن البذل للجعل في الجعالة في مقابل العمل فالباذل
غير العامل وهنا ليس كذلك. (2) كما صرح به في الجواهر. (3) يعني: على تقدير
الاستيفاء. ثم إن في بعض الحواشي: " أن الاباحة بالعوض تتوقف على عقد معاوضة صحيحة،
وإلا كان ما أباحه المالك بعوضه مضمونا بالمثل أو القيمة، دون المسمى ". وفيه: أنه
لامانع من الالتزام بأن الاباحة بالعوض الخاص معاملة خاصة في قبال غيرها من عقود
المعاوضات، نظير التمليك بالعوض كالهبة المعوضة والقرض، فتقتضي حينئذ ملك المسمى،
بلا حاجة إلى معاوضة أخرى صحيحة. ودعوى: أنها خارجة عن المعاوضات المتعارفة - لو
تمت - غير قادحة، كدعوى أنها مع الغرر، إذ هي ممنوعة، وكذا دعوى أنها لا تتعلق
بالكلي بل بالعين الخارجية، إذ فيها: أنها لا تقدح إذا كان المباح منفعة الدار، أو
كانت الاجرة عينا خارجية. نعم لو كان المقصود باباحة الاجرة التي في الذمة أن تكون
المنفعة هي العوض، كان الاشكال
( 19 )
[ (مسألة 11) إذا قال: إم خصلت هذا الثوب فارسيا - أي: بدرز - فلك درهم، وإن
خطته روميا - أي: بدرزين - فلك درهمان، فان كان بعنوان الاجارة بطل، لما مر من
الجهالة (1)، وإن كان بعنوان الجعالة - كما هو ظاهر العبارة - ] في محله. مع إمكان
دفعه بأنه لامانع من تعلق الاباحة بالكلي، ويكون المقصود إنه يبيح الاجرة بعوض فيه
المنفعة، ودليل الصحة شامل للقسمين جميعا. (1) كما في السرائر وجامع المقاصد
والمسالك وغيرها. وعن المبسوط والخلاف وجملة من كتب العلامة وغيره: الصحة. واختاره
في الشرائع لعمومات الصحة. واشتراط العلم بالمنفعة - على نحو يمنع من مثل هذا
الترديد - غير معلوم، بل دعوى الاجماع عليه تقتضي عدم الشمول لمثل المقام، لمخالفة
الاعيان في البطلان. وأدلة نفي الغرر (10) قد عرفت الاشكال في شمولها للمقام، بل لو
كان الغرر بمعنى الخطر فشموله له ممنوع، لعدم الخطر. وقد استدل أيضا بصحيحة محمد
الحلبي المشار إليها في المسألة الاتية، لكن يأتي بيان المراد منها. نعم يمكن
الاشكال على الصحة: بأن الاجارة بعد ما لم تكن على كل منهما لتضادهما، ولا على
أحدهما المعين لانه خلاف المفروض، فلابد أن تكون على أحدهما المردد. والمردد لا
يقبل أن يكون موضوعا للملكية ولا لنظائرها من الوضعيات، إذ لاخارجية له مصححة لذلك.
لكن قد يدفع ذلك: أن هذا الاشكال يتم في المردد واقعا، وليس منه المقام فان الخياطة
فارسية أو رومية لها تعين في الواقع بفعل العامل الخارجي. ويشكل: بأن هذا المتعين
ليس موضوعا للملكية في الاجارة، وإلا كانت
____________
(* 1) تقدمت الاشارة إليها في صفحة: 7.
( 20 )
[ صح. وكذا الحال إذا قال: إن عملت العمل الفلاني في هذا اليوم فلك درهمان وإن
عملته في الغد فلك درهم. والقول بالصحة إجارة في الفرضين ضعيف. وأضعف منه القول
بالفرق بينهما بالصحة في الثاني، دون الاول (1). وعلى ما ذكرناه من البطلان: فعلى
تقدير العمل يستحق أجرة المثل وكذا في المسألة السابقة إذا سكن الدار شهرا أو أقل
أو أكثر. (مسألة 12): إذا استأجره أو دابته ليحمله أو يحمل متاعه إلى مكان معين، في
وقت معين، بأجرة معينة، كأن استأجر منه دابة لايصاله إلى كربلاء قبل ليلة النصف من
شعبان، ولم يوصله، فان كان ذلك لعدم سعة الوقف وعدم ] الاجارة منوطة به، فإذا لم
يفعل الاجير أحد الامرين فالاجارة باطلة من أصلها لعدم الموضوع، وهو - كما ترى -
خلاف الضرورة العرفية، فان الاجارة ثابتة، وهي التي تدعو إلى العمل، فلاحظ. (1) هذا
القول لم أقف على قائله، بل المعروف في كلماتهم اتحاد المسألتين قولا وقائلا
ودليلا، ومن تأمل في إحداهما تأمل في الاخرى. نعم عن المبسوط والتحرير والكفاية:
التأمل في الثاني مع الجزم بالصحة في الاول. وفي جامع المقاصد - بعد أن جزم بالصحة
في الاول - قال في الثاني: " وفيه تردد... ثم قال: أظهره الجواز "، وهو يدل على أن
الصحة في الاول أوضح منها في الثاني. نعم لعل منشأ القول المحكي في المتن: أن
الثاني أقرب إلى مورد النصوص، التي يمكن أن يستدل بها على الصحة. لكنه يقتضي أن
تكون الصحة في الثاني أظهر لا التفصيل المذكور.
( 21 )
[ إمكان الايصال، فالاجارة باطلة (1)، وإن كان الزمان واسعا ومع هذا قصر ولم
يوصله، فان كان ذلك على وجه العنوانية (2) ] (1) هذا الفرض يمكن فيه مجئ الوجهين
الاتيين في الفرض الاتي بناء على ذلك. (2) الامور التي تذكر زائدة على موضوع
الاجارة: تارة: لا يمكن أن تستقل بالجعل والانشاء، كزمان العمل ومكانه وآلته ونحو
ذلك من متعلقاته، فهذه هي التي يتعين كونها ملحوظة على نحو التقييد. مثلا: إذا
استأجره على خياطة ثوب، فالخيط والمخيط والزمان والمكان والفاعل - أعني: الخياط -
والثوب ونحوها إذا ذكرت في ضمن العقد يتعين كونها قيودا للعمل، ولا يمكن أخذها شرطا
مجعولا بجعل زائد على جعل الخياطة. وأخرى: يمكن أن تستقل بالجعل، كما لو كانت عملا
آخر، فهذه تارة: تلحظ قيدا، وأخرى: تجعل بجعل زائد على مفاد الاجارة في ضمنه. مثلا:
إذا استأجره على الخياطة فتارة: يلحظ قراءة القرآن قيدا للخياطة، فيقول: استأجرتك
على خياطة الثوب قارئا للقرآن. وأخرى: تؤخذ شرطا في ضمن العقد، مجعولة بجعل آخر في
ضمن جعل الاجارة، بأن يقول: استأجرتك على خياطة هذا الثوب، واشترطت عليك أن تقرأ
القرآن في حال الخياطة أو قبلها أو بعدها. ثم إن ما يؤخذ قيدا تارة: يؤخذ على نحو
وحدة المطلوب، وأخرى: على نحو تعدد المطلوب. فان كان على النحو الاول لم يستحق
الاجير الاجرة لو جاء بالمستأجر عليه بدونه. وعلى النحو الثاني يستحق، لكن للمشترط
خيار تخلف الوصف. ولعل ما في المتن إشارة إلى هذه الجهة، فالمقصود من قوله (ره): "
على وجه الشرطية ": على نحو تعدد
( 22 )
المطلوب، في قبال القيدية الذي هو على نحو وحدة المطلوب، لا التفصيل بين القيد
والشرط، وإلا فقد عرفت أن الزمان لا ينبغي أن يكون ملحوظا بنحو الاشتراط، لانه لا
يمكن أن يكون مجعولا بجعل مستقل. نعم الاشكال في تشخيص كون الاشتراط والتقييد على
نحو وحدة المطلوب أو على نحو تعدده. والذي ذكروه في مبحث الوكالة: أن الموكل إذا
عين السوق أو المكان أو السعر أو غير ذلك - تعين، ولو فعل الوكيل على خلاف ذلك كان
تصرفه فضوليا محتاجا إلى إجازة. ومقتضاه أن التقييد على نحو وحدة المطلوب. وكذا في
باب الوديعة والعارية وغيرهما من العقود الاذنية. ومقتضى ثبوت خيار الشرط، والوصف،
والعيب، وخيار الاشتراط: أن القيد والشرط ملحوظان على نحو تعدد المطلوب، وكذا
بناؤهم على أن الشرط الفاسد غير مفسد كما عليه المحققون. والفرق بين البابين غير
ظاهر، ولاسيما بملاحظة أن الاذن كما تكون شرطا في صحة فعل الوكيل، كذلك تكون شرطا
في صحة العقود، فعدم جواز التصرف في مال أحد الا باذنه شامل للجميع بنحو واحد. فكما
أن الاذن في باب الوكالة ونحوها من العقود الاذنية مختصة بصورة وجود القيد ولا تشمل
ذات المقيد العارية عن القيد، كذلك في موارد خيار العيب وتخلف الوصف ونحوهما. وإذا
كانت الاذن في مورد خيار الوصف والعيب والشرط ملحوظة بنحو تعدد المطلوب، فلم لا
تكون كذلك في باب الوكالة والعارية ونحوهما؟!. ولعل التحقيق: أن القيود والشروط في
جميع الموارد مبنية على نحو وحدة المطلوب، ولافرق بين الوكالة والعارية والوديعة
والاجارة ونحوها مما كان موضوع التصرف فيه عملا، وبين بيع السلف والنسيئة بالنسبة
إلى المبيع والثمن ونحوهما مما كان موضوع التصرف فيه عينا ذميا، وبين
( 23 )
بيع العين الخارجية الموصوفة بالوصف المفقود وبيع العين المعيبة، اللذين هما
موضوع خيار تخلف الوصف وخيار العيب ونحوهما من موارد الخيار. وكذا في العقود التي
لاخيار فيها، كتزويج الزوجة المعيبة بغير العيوب السبعة الموجبة للخيار، فان الاذن
المعتبرة في صحة العقد، أو الايقاع، وفي جواز تصرف غير المالك كلها في الجميع على
نحو واحد، غير قابل للتحليل والتجزئة بين ذات المقيد والمشروط. فذات المقيد في
الجميع - مع قطع النظر عن القيد والشرط - لا إذن فيها ولارضا. ومقتضى ذلك وإن كان
بطلان بيع فاقد الوصف، وبيع المعيب وفساد العقد والايقاع المشروطين بالشرط الفاسد،
لكن خرجنا عن حكم العام بالدليل المخصص، وهو مادل على الخيار في تخلف الوصف، وفي
موارد العيب من الاجماع أو النصوص أو بناء العقلاء. فان ذلك يدل على الاجتزاء
بالاذن الضمنية في الصحة، وإن لم تكن قابلة للتحليل، وكانت واردة على المقيد، لا أن
الاذن في الموارد المذكورة ملحوظة بنحو تعدد المطلوب، فيكفي في صحة بيع ذات المقيد
وقوع البيع على المقيد عن إذن وإن كان القيد منتفيا. ويطرد ذلك حتى في الوكالة،
فإذا وكله في شراء العبد الكاتب، فاشترى عبدا يعلم أنه ليس بكاتب، كان العقد فضوليا
خارجا عن موضوع الوكالة. وإذا اشترى عبدا على أنه كاتب فتبين أنه ليس بكاتب، كان
موضوعا للتوكيل وصح العقد، وكان للمشتري الخيار. فليس الفرق بين الموارد المذكورة
سابقا: أن الاذن في بعضها على نحو تعدد المطلوب، وفي آخر على نحو وحدة المطلوب، بل
الفرق الاجتزاء في بعضها بالاذن الواردة على المقيد لفقده القيد، وعدم الاجتزاء بها
في بعضها الاخر. والمتحصل مما ذكرنا: أن الضابط في القيود هو أنها مبنية على نحو
وحدة المطلوب، من دون فرق بين الاعمال والاعيان الذمية والخارجية.
( 24 )
[ والتقييد لم يستحق شيئا من الاجرة، لعدم العمل بمقتضى الاجارة أصلا (1)،
نظير: ما إذا استأجره ليصوم يوم الجمعة، ] ومقتضاه البطلان مع انتفاء القيد. خرجنا
عن ذلك في خصوص الخارجيات العينية فانها تصح فيها العقود والايقاعات مع انتفاء
القيد، اجتزاء من العقلاء بالاذن الواردة على المقيد، لا أن الاذن فيها منحلة إلى
الاذن بذات المقيد، والاذن المقيد بما هو مقيد. هذا الكلام كله في القيود. وأما
الشروط المجعولة بانشاء مستقل. فالظاهر أنها عند العقلاء كالخارجيات العينية، يجري
عليها حكم تعدد المطلوب، فيجتزأ بالاذن الواردة على الشرط والمشروط فيها، وإن لم
تكن الاذن فيها منحلة حقيقة إلى اذنين: إحداهما: متعلقة بالمشروط ذاته، والاخرى:
متعلقة بالمشروط بما هو مشروط. والظاهر أنه لافرق بين الشرط الراجع لبا إلى القيد،
مثل: مالو استأجره على أن يصلي عن ميت له واشترط عليه التحنك ولبس اللباس الابيض في
صلاته، وبين ما لم يكن كذلك، كما لو استأجره على أن يصلي عن ميت له، واشترط عليه أن
يخيط ثوبه. ومن ذلك يظهر: أن القيود في الاجارة إن كانت قيودا للعمل المستأجر عليه
فهي على نحو وحدة المطلوب، وإن كانت قيودا للعين المستأجرة فهي على نحو تعدد
المطلوب. كما يظهر أن الايصال في الوقت المعين في المثال الذي ذكره في المتن لا
يكون إلا على نحو التقييد، ولا يمكن أن يكون على نحو الشرطية، لامتناع إنشائه
بانشاء مستقل. فلاحظ. (1) كما هو ظاهر النصوص الواردة في الموارد المختلفة، الظاهرة
في أن الاجير إذا لم يأت بالعمل المستأجر عليه لا يترتب أثر على الاجارة. وكذا ظاهر
الفقهاء. وإن كان مقتضى القواعد استحقاق الاجير المسمى، وضمانه لقيمة العمل كما لو
تعذر تسليم الثمن بعدما كان مقدورا عليه.
( 25 )
[ فاشتبه وصام يوم السبت. وإن كان ذلك على وجه الشرطية، بأن يكون متعلق الاجارة
الايصال إلى كربلاء، ولكن اشترط عليه الايصال في ذلك الوقت، فالاجارة صحيحة والاجرة
المعينة لازمة، لكن له خيار الفسخ من جهة تخلف الشرط، ومعه يرجع إلى أجرة المثل.
ولو قال: وإن لم توصلني في وقت كذا فالاجرة كذا، أقل مما عين أولا، فهذا أيضا قسمان
(1). قد يكون ذلك بحيث يكون كلتا الصورتين - من الايصال في ذلك الوقت، وعدم الايصال
فيه - موردا للاجارة (2)، ] ثم إن عدم ترتب الاثر على الاجارة يمكن أن يكون على نحو
البطلان، وأن يكون على نحو الصحة لكن لا يكون لاحدهما حق المطالبة بالعوض. والظاهر
هو الثاني كما عبر به المصنف (ره). والظاهر أنه هو مراد الاصحاب والمستفاد من
النصوص، كما يظهر ذلك من كلماتهم في مالو اشترط نقص الاجرة لو جاء بالعمل المستأجر
عليه في غير الوقت المعين له بالاجارة. فان الاجارة لو كانت باطلة كان الشرط كذلك،
فلا يستحق الاجير الاجرة ناقصة. مع بنائهم على صحة الشرط، فانتظر ما يأتي في ذيل
المسألة. (1) الظاهر من الفرض الاختصاص بالقسم الثاني ولا يجئ فيه القسم الاول،
وإنما يجئ في الاجارة على المردد بين الايصالين، كما صرح بذلك غير واحد. (2) بنحو
لو صح اقتضى اشتغال ذمته بأحدهما تخييرا، بخلاف الصورة الاتية، فان عقد الاجارة
إنما يقتضي اشتغال الذمة بالايصال في الوقت تعيينا، فيجب فعله تعيينا.
( 26 )
[ فيرجع إلى قوله: آجرتك بأجرة كذا، إن أوصلتك في الوقت الفلاني، وبأجرة كذا إن
لم أوصلك في ذلك الوقت. وهذا باطل للجهالة، نظير ما ذكر في المسألة السابقة من
البطلان إن قال: إن عملت في هذا اليوم فلك درهمان... وقد يكون مورد الاجارة هو
الايصال في ذلك الوقت، ويشترط عليه أن ينقص من الاجرة (1) كذا على فرض عدم الايصال.
والظاهر الصحة في هذه الصورة (2)، لعموم (المؤمنون عند شروطهم) (10) وغيره، مضافا
إلى صحيحة محمد الحلبي (3). ] (1) يعنى: بنحو شرط النتيجة، أو أن يتملك منها بنحو
شرط الفعل. (2) وعن المحقق الكركي وجماعة: البطلان، طرحا منهم للصحيح، أو حملا له
على الجعالة، لمخالفته للقواعد من أجل التعليق والجهالة والابهام. وأنه كالبيع
بثمنين. لكن الجميع كما ترى: إذ الاخير مبني على حمله على الصورة الاولى. وما قبله
لادليل على قدحه في صحة الشرط، بل المحقق بناؤهم في غير مورد في عدم قدحه، فلاحظ.
وحمل الصحيح على الجعالة بعيد جدا، لان الجعالة تقتضي إحداث الداعي إلى العمل بتوسط
بذل الجعل، وظاهر الصحيح أن العمل غير مرغوب فيه للباذل، فلا وجه للحث على فعله
والترغيب فيه. (3) قال: " كنت قاعدا إلى قاضي، وعنده أبو جعفر عليه السلام جالس،
فجاء رجلان، فقال أحدهما: إني تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعا إلى بعض
المعادن، فاشترطت عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا وكذا، لانها سوق وأخاف أن تفوتني
فان احتبست عن ذلك حططت
____________
(15) الوسائل باب: 20 من أبواب المهور حديث: 4.
( 27 )
[ ولو قال: إن لم توصلني فلا أجرة لك، فان كان على وجه الشرطية، بأن يكون متعلق
الاجارة هو الايصال الكذائي فقط، واشترط عليه عدم الاجرة على تقدير المخالفة، صح
(1)، ويكون الشرط المذكور مؤكدا لمقتضى العقد. وإن كان على وجه القيدية، بأن جعل
كلتا الصورتين موردا للاجارة، إلا أن في الصورة الثانية بلا أجرة، يكون باطلا. ولعل
هذه الصورة مراد المشهور (2) ] من الكرى لكل يوم احتبسته كذا وكذا، وأنه حبسني عن
ذلك اليوم كذا وكذا يوما. فقال القاضي: هذا شرط فاسد وفه كراه. فلما قام الرجل أقبل
إلي أبو جعفر (ع) فقال: شرطه هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه " (* 1). (1) كما ذكره
الشهيد في اللمعة، حاملا للفرض على هذا القسم لاغير. نعم قد يأبى الصحة الصحيح
المتقدم. اللهم إلا أن يحمل على صورة كون الزمان الخاص مأخوذا قيدا على نحو تعدد
المطلوب، إذ حينئذ يكون فوات القيد موجبا للخيار، لاعدم وقوع العمل المستأجر عليه،
كي لا يستحق الاجرة ويكون الشرط مؤكدا لمقتضى العقد كما هو المفروض في المتن، وعرفت
أنه الاصل في القيود. (2) المظنون قويا: أن مورد كلام المشهور هنا وفي المسألة
السابقة - أعني: مالو اشترط نقص الاجرة - هو خصوص صورة الشرط في ضمن عقد الاجارة
الوارد على الايصال في الوقت المعين، فلا يشمل صورة وقوع الاجارة على المردد. ووجه
تفصيلهم بالبناء على الصحة في الاولى والبطلان في الثانية: هو الصحيح لاغير. ولا
بأس بالعمل به
____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من أبواب أحكام الاجارة: 2.
( 28 )
[ القائلين بالبطلان (1) دون الاولى، حيث قالوا: ولو شرط سقوط الاجرة إن لم
يوصله لم يجز. (مسألة 13): إذا استأجر منه دابة لزيارة للنصف من شعبان - مثلا -
ولكن لم يشترط على المؤجر ذلك ولم يكن على وجه العنوانية أيضا، واتفق أنه لم يوصله،
لم يكن له خيار الفسخ، وعليه تمام المسمى من الاجره. وإن لم يوصله إلى كربلاء أصلا
سقط من المسمى بحساب ما بقي واستحق بمقدار ما مضى. وللفرق بين هذه المسألة وما مر
في المسألة السابقة: أن الايصال هنا غرض وداع وفيما مر قيد أو شرط. ] بعد اعتباره
في نفسه، واعتماد الاصحاب عليه. ومن ذلك يظهر ضعف ما في المتن من كون مراد القائلين
بالبطلان صورة وقوع الاجارة على الامرين، فانه بعيد، وموجب التفكيك بين مورد
البطلان - في كلامهم - ومورد الصحة، لانها في خصوص صورة وقوع الاجارة على الايصال
في الوقت المعين، وجعل نقص الاجرة على تقدير عدمه من قبيل الشرط، فان هذا التفكيك
بعيد. وأبعد من ذلك ما في الروضة من جعل مورد الصحة والبطلان معا صورة وقوع الاجارة
على الامرين على نحو الترديد. فان ذلك أيضا بعيد عن مذاقهم من اعتبار في الاجارة،
وإن تقدم القول بالصحة من جماعة في المسألة الحادية عشر، فلاحظ. (1) بل عن بعض: أنه
لا خلاف فيه إلا من أبي علي.
( 29 )
[ فصل الاجارة من العقود اللازمة (1)، لا تنفسخ إلا بالتقابل أو شرط الخيار
لاحدهما أو كليهما إذا اختار الفسخ. نعم الاجارة المعاطاتية جائزة (2)، يجوز لكل
منهما للفسخ، ما لم تلزم بتصرفهما، أو تصرف أحدهما فيما انتقل إليه. (مسألة 1):
يجوز بيع العين المستأجرة قبل تمام مدة الاجارة، ولا تنفسخ الاجارة به (3)، فتنتقل
إلى المشتري مسلوبة المنفعة مدة الاجارة، نعم للمشتري مع جهله بالاجارة خيار فسخ
البيع (4) لان نقص المنفعة عيب (5)، ولكن ] فصل (1) بلا خلاف، بل عليه الاجماع
محكي. ويشهد له غير واحد من النصوص (* 1). مضافا إلى عمومات اللزوم. (2) بناء على
تمامية الاجماع على عدم لزوم المعاطاة إلا بملزمات مخصوصة مذكورة في محلها. (3) بلا
خلاف ولا إشكال. ويشهد له جملة من النصوص (* 2). (4) كما صرح به جمع كثير، بل عن
الغنية: الاجماع عليه. (5) لان مبني المعاوضات على التسليم والانتفاع، وهو متعذر
بالاجارة.
____________
(* 1) الوسائل باب: 7، 15 من أبواب الاجارة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 24 من
أبواب الاجارة.
( 30 )
[ ليس كسائر العيوب مما يكون المشتري معه مخيرا بين الرد والارش، فليس له أن لا
يفسخ ويطالب بالارش، فان العيب الموجب للارش ما كان نقصا في الشئ في حد نفسه، مثل
العمى والعرج وكونه مقطوع اليد أو نحو ذلك، لامثل المقام الذي العين في حد نفسها
لاعيب فيها. وأما لو علم المشتري أنها مستأجرة ومع ذلك أقدم على الشراء، فليس له
الفسخ ايظا. نعم لو اعتقدك. ن مدة الايجارة كذا مقدارا، فبان أنها أزيد، له الخيار
أيضا (1). ولو فسخ المستأجر الاجارة رجعت المنفعة في بقية المدة إلى البائع، لا إلى
المشتري (2). ] أو لان من الشرائط الارتكازية كون العين مستتبعة للمنفعة، فإذا فات
الشرط المذكور كان له خيار تخلف الشرط. وبالجملة: نقص المنفعة خلاف الاصل المعول
عليه عند العقلاء، كأصالة الصحة، فيكون الخيار من قبيل خيار الرؤية. (1) لفوات
الزيادة عليه من دون إقدام. (2) هذا لا يخلو من نظر، لانه خلاف مقتضى تبعية المنفعة
للعين. ومجرد كون مقتضى الفسخ رجوع كل من العوضين إلى حاله قبل العقد غير كاف في
ذلك، لان المنفعة إنما كانت ملكا للبائع قبل العقد، لانها تابعة للعين فيملكها مالك
العين، فإذا تبدل المالك للعين كان مقتضى التبعية رجوعها إلى المشتري. وكأنه لما
ذكرنا احتمل في التذكرة - على ما حكي - رجوع المنفعة إلى المشتري وبذلك يظهر الفرق
بين المسألة وبين ما إذا آجر العين على شخص، ثم المستأجر اجرها ثانيا على ثالث، ثم
باع المالك العين ففسخت الاجارة الثانية، فان فسخها يوجب رجوع المنفعة
( 31 )
[ نعم لو اعتقد البائع والمشتري بقاء مدة الاجارة، وأن العين مسلوبة المنفعة
إلى زمان كذا، وتبين أن المدة منقضية، فهل منفعة تلك المدة للبائع، حيث أنه كأنه
شرط كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا (1)، أو للمشتري، لانها تابعة للعين ما لم
تفرز بالنقل إلى الغير، أو بالاستثناء، والمفروض عدمها؟ وجهان. والاقوى: الثاني.
نعم لو شرطا كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا بعد اعتقد بقاء المدة، كان لما ذكر
وجه (2). ثم بناء على ما هو الاقوى من رجوع المنفعة في الصورة السابقة إلى المشتري،
فهل للبائع الخيار أو لا؟. وجهان لا يخلوا أو لهما ] إلى المستأجر الاول، لانه
ملكها بالعقد لا بالتبعية. وبالجملة: رجوع كل من العوضين إلى محله السابق بالفسخ،
ليس لان الفسخ يقتضي ذلك، بل لان الفسخ يبطل العقد، فيرجع كل من العوضين إلى ما
يقتضيه السبب السابق. ففي المقام يرجع إلى ما تقضيه التبعية إذا الفسخ، والتبعية
إنما تقتضي الرجوع إلى ملك مالك العين، وهو المشتري لا المؤجر. (1) مجرد الاعتقاد
لا يقتضي ذلك كما لا يخفى. (2) في بعض الحواشي: " لكنه غير موجه، إذ الشرط في
المقام بمنزلة التوصيف لا الاستثناء فلا أثر له " يعني: في جعل المنفعة للبائع. بل
محض الاستثناء أيضا بمنزلة التوصيف لا يقتضي ثبوت المنفعة للبائع، وإنما الذي يقتضي
ذلك إنشاء كونها للبائع، لكنه لا يتيسر ذلك مع اعتقاد أنها للمستأجر.
( 32 )
[ من قوة (1)، خصوصا إذا أوجب ذلك له الغبن. هذا إذا بيعت المستأجرة على غير
المستأجر. أما لو بيعت عليه: فقي انفساخ الاجارة وجهان (2). أقواهما: العدم (3).
ويتفرع على ذلك أمور: منها: اجتماع الثمن والاجرة عليه حينئذ. ومنها: بقاء ملكه
للمنفعة في مدة تلك الاجارة لو فسخ البيع بأحد أسبابه، بخلاف ما لو قيل بانفساخ
الاجارة. ومنها: إرث الزوجة من المنفعة في تلك المدة (4)، لو مات الزوح المستأجر
بعد شرائه لتلك العين، وإن كانت مما لا ترث الزوجة منه، بخلاف ما لو قيل بالانفساخ
بمجرد البيع (5). ] (1) لماعرفت من أن الخيار في المقام من قبيل خيار الرؤية،
ولافرق فيه بين المشتري والبائع. وقد استظهر شيخنا الاعظم في مكاسبه الاتفاق على
عدم الفرق في خيار الرؤية بين البائع والمشتري. (2) بل قولان. (3) كما هو المشهور.
وعن الارشاد: الانفساخ، لان أثر الاجارة الانتفاع بمال الغير وهذا لا يبقى بعد
البيع، ولانه يلزم اجتماع العلتين على معلول واحد، لان المنفعة حينئذ تكون مملوكة
بالاجارة والتبعية. وضعفه بالتأمل ظاهر. (4) لانها مملوكة أصالة بالاجارة. (5) فان
المنافع تكون مملوكة للموروث بالتبعية للعين، فإذا كانت الزوجة لا ترث من العين لا
ترث مما هو تابع لها.
( 33 )
[ ومنها: رجوع المشترى بالاجرة لو تلف العين بعد قبضها وقبل انقضاء مدة
الاجارة، فان تعذر استيفاء المنفعة يكشف عن بطلان الاجارة ويوجب الرجوع بالعوض، وإن
كان تلف العين عليه. (مسألة 2): لو وقع البيع والاجارة في زمان واحد - كما لو باع
العين مالكها على شخص وآجرها وكيله على شخص آخر، واتفق وقوعهما في زمان واحد - فهل
يصحان معا ويملكها المشتري مسلوبة المنفعة كما لو سبقت الاجارة، أو يبطلان معا
للتزاحم في ملكية المنفعة، أو يبطلان معا بالنسبة إلى تمليك المنفعة فيصح البيع على
أنها مسلوبة المنفعة تلك المدة فتبق المنفعة على ملك البائع؟ وجوه. أقواها: الاول،
لعدم التزاحم، فان البائع لا يملك المنفعة وإنما يملك العين (1) وملكية العين توجب
ملكية المنفعة للتبعية، وهي متأخرة عن الاجارة. (مسألة 3): لا تبطل الاجارة بموت
المؤجر ولا بموت المستأجر على الاقوى (2). نعم في إجارة العين الموقوفة، إذا آجر
البطن السابق تبطل بموته بعد الانتقال إلى ] (1) بالتشديد، يعني: أن البائع إنما
يبيع العين ولا يملك المشتري المنفعة، بل يملكه العين، والمنفعة يملكها المشتري
بالتبعية. والملكية بالتبعية إنما تكون حيث لا يكون مقتض لملكية أخرى، فإذا آجر
الوكيل فقد ملك المستأجر المنفعة بعقد الاجارة، المانع من تأثير التبعية. (2) كما
هو المشهور بين المتأخرين. وفي المسالك: نسبته إليهم أجمع
( 34 )
[ البطن اللاحق، لان الملكية محدودة. ومثله مالو كانت المنفعة موصى بها للمؤجر
مادام حيا. بخلاف ما إذا كان المؤجر هو ] والمشهور بين القدماء أنها تبطل بالموت
مطلقا. وقيل: لا تبطل بموت المؤجر، وتبطل بموت المستأجر، ونسب إلى أكثر أصحابنا.
وقد يستدل للبطلان بموثق إبراهيم بن محمد الهمداني: " قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه
السلام وسألته: عن امرأة آجرت ضيعتها عشر سنين، على أن تعطى الاجارة (الاجرة خ ل)
في كل سنه عند انقضائها، لا يقدم لها شئ من الاجارة (الاجرة خ ل) ما لم يمض الوقت،
فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها، هل يجب على ورثتها انفاذ الاجرة إلى الوقت أم تكون
الاجارة منتقضة (منقضية خ ل) بموت المرأة؟ فقال عليه السلام: إن كان لها وقت مسمى
لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الاجارة، فان لم تبلغ ذلك الوقت وبلغت ثلثه أو نصفه أو
شيئا منه، فتعطى ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت إن شاء الله " (* 1). بناء على
أن الظاهر أن المراد من قوله عليه السلام: " فلورثتها تلك الاجارة ": أن الاجارة لا
تبطل من أصلها، بل من حين الموت، بقرينة ما بعده مما هو ظاهر في توزيع الاجرة،
بنسبة زمان الحياة إلى مجموع المدة. وفي مجمع البرهان: ادعى صراحتها في الدلالة على
عدم بطلانها بموت المؤجر. وكأنه استند في ذلك إلى ظاهر قوله (ع): " فلورثتها تلك
الاجارة " في أن الاجارة صحيحة. وحمل ما بعده على أن الورثة يستحقون الاجرة، على
حسب التوقيت الصادر في عقد الاجارة. ولكنه كما ترى وإن وافقه عليه جماعة، فانه غير
ظاهر، بل الظاهر ما ذكرنا وإن كان لا يخلو من خفاء.
____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من أبواب الاجارة حديث: 1.
( 35 )
[ المتولي للوقف وآجر لمصلحة البطون إلى مدة، فانها لا تبطل بموته، ولا بموت
البطن الموجود حال الاجارة. وكذا تبطل إذا آجر نفسه للعمل بنفسه (1) من خدمة أو
غيرها، فانه إذا مات لا يبقى محل للاجارة. وكذا إذا مات المستأجر الذي هو محل العمل
من خدمة أو عمل آخر متعلق به بنفسه. ولو جعل العمل في ذمته لا تبطل الاجارة بموته،
بل يستوفى من تركته. وكذا بالنسبة إلى المسأجر إذا لم يكن محلا للعمل، بل كان مالكا
له على المؤجر، كما إذا آجره للخدمة من غير تقييد بكونها له، فانه إذا مات تنتقل
إلى وارثه، فهم يملكون عليه ذلك العمل. وإذا آجر الدار واشترط على المستأجر سكناه
بنفسه لا تبطل بموته (2)، ويكون للمؤجر خيار الفسخ. نعم إذا اعتبر سكناه على وجه
القيدية تبطل بموته. (مسألة 4): أذا آجر الولي أو الوصي الصبي المولى عليه مدة تزيد
على زمان بلوغه ورشده، بطلت في المتيقن ] (1) في بعض الحواشي: " انه يختص البطلان
بما إذا كان متعلق الاجارة هو منفعة نفسه، ولو كان المتعلق هو الخدمة ونحوها كليا،
وشرط المباشرة بنفسه فللمستأجر الخيار " وفيه: ما عرفت من أن شرط المباشرة راجع إلى
تقييد المنفعة، وعرفت أن التقييد في الكليات على نحو وحدة المطلوب، فلا مجال
للخيار. وكذا الحكم في الفرض الآخر. اللهم إلا أن تكون العبارة المؤدية إلى التقييد
ظاهرة في كونه على نحو تعدد المطلوب. (2) قد عرفت أن الشرط في المقام راجع إلى
القيد، وأن التقييد في المقام على نحو وحدة المطلوب.
( 36 )
[ بلوغه فيه، بمعنى: أنها موقوفة على إجازته، وصحت واقعا وظاهرا بالنسبة إلى
المتيقن صغره، وظاهرا بالنسبة إلى المحتمل فإذا بلغ له أن يفسخ على الاقوى، أي: لا
يجيز، خلافا لبعضهم (1) فحكم بلزومها عليه لوقوعها من أهلها في محلها، في وقت لم
يعلم لها مناف. وهو كما ترى. نعم لو اقتضت المصلحة - الملازمة المراعاة - إجارته
مدة زائدة على زمان البلوغ، بحيث تكون إجارت أقل من تلك المدة خلاف مصلحته تكون
لازمة ليس له فسخها بعد بلوغه. وكذا الكلام في إجارة أملاكه. (مسألة 5): إذا آجرت
امرأة نفسها للخدمة مدة معينة، فتزوجت قبل انقضائها، لم تبطل الاجارة، وإن كانت
الخدمة لاستمتاع الزوج (2). ] (1) حكي ذلك عن الخلاف، معللا له بما ذكر. ورده في
الجواهر بالمنع. لكن مقتضى ولايته على الطفل في جميع ماله الولاية عليه من ماله
ونفسه، صحة ما ذكر، إذ لاريب في أن للانسان السلطنة على منافعه المستقبلة، فتكون
لوليه السلطنة عليها. كما أن الحكم في أمواله كذلك. والفرق بينهما غير ظاهر.
فالاقوى حينئذ عدم جواز فسخه ونفوذ تصرف الولي. اللهم إلا أن يستشكل في ثبوت اطلاق
لدليل الولاية يقتضي ذلك في نفسه. وأما ماله: فاطلاق قوله تعالى: (ولا تقربوا مال
اليتيم إلا بالتي هي أحسن...) (* 1). كاف في اثبات نفوذ التصرف. (2) لان حق
الاستمتاع يختص بغير صورة المزاحمة للواجب المجعول
____________
(* 1) الانعام: 152.
( 37 )
[ (مسألة 6): إذا آجر عبده أو أمته للخدمة ثم أعتقه (1) لا تبطل الاجارة
بالعتق، وليس له الرجوع على مولاه بعوض تلك الخدمة في بقية المدة (2)، لانه كان
مالكا لمنافعه أبدا وقد استوفاها بالنسبة إلى تلك المدة. فدعوى: أنه فوت على العبد
ما كان له حال حريته، كما ترى. نعم يبقى الكلام في نفقته في بقية إن لم يكن شرط
كونها على المستأحر. وفي المسألة وجوه: أحدها: كونها على المولى (3) لانه حيث
استوفى بالاجارة منافعه فكأنه باق على ملكه (4). ] بالاجارة السابقة، ولا مجال
لدعوى العكس، فيقال: الاجارة باطلة لعدم القدرة على التسليم، لان التحقيق في العلل
الشرعية، التي يكون بعضها مزاحما للاخر، الترجيح بالسبق واللحوق، فيكون الاثر
للسابق دون اللاحق. ومن ذلك يظهر أنه لو نذر أن يزور الحسين عليه السلام يوم عرفة
فاستطاع، كان النذر مقدما على الاستطاعة، ولو استطاع ثم نذر كانت الاستطاعة مقدمة
على النذر. (1) صح العتق قولا واحدا لعموم أدلته، كما في الجواهر. وكذا ذكر في صحة
الاجارة، وعن إيضاح النافع: أنه ربما قيل بالبطلان. وفي الجواهر: ان الظاهر أن
القول بذلك لبعض الشافعية. (2) حكي جواز الرجوع عن الشافعي في القديم. وعن الشيخ
والحلي حكايته قولا، ولم يعلم أنه لاصحابنا. (3) حكي ذلك عن القواعد. وفي الجواهر:
ضعفه واضح، ضرورة أن المقتضي لها الملك، وقد زال. (4) هذا التنزيل غير ظاهر الوجه.
( 38 )
[ الثاني: أنه في كسبه إن أمكن له الاكتساب لنفسه في غير زمان الخدمة (1) وان
لم يمكن فمن بيت المال (2) وإن لم يكن فعلى المسلمين (3) كفاية (4). الثالث: أنه إن
لم يمكن اكتسابه في غير زمان الخدمة ففي كسبه وان كان منافيا للخدمه (5). الرابع:
أنه من كسبه ويتعلق مقدار ما يفوت منه من الخدمة بذمته. الخامس: أنه من بيت المال
من الاول. ولا يبعد قوة الوجه الاول. ] (1) الظاهر أن هذه الصورة خارجة عن محل
الكلام والخلاف، وعلى هذا يرجع الثاني إلى الخامس. (2) لكن في كون نفقته من مصارف
بيت المال إشكال، فان بيت مال الخراج يصرف في المصالح العامة. اللهم إلا أن يكون
ترك الانفاق عليه مهانة عامة للمسلمين. (3) المقدار اللازم على المسلمين حفظه عن
الهلاك، أما النفقة المتعارفة فلا دليل على وجوبها على أحد. (4) فان لم يمكن ففي
كسبه أو غيره، مقتصرا على مقدار الضرورة، نظير أكل مال غيره عند المخمصة. (5) وفيه:
أنه تصرف في مال الغير من دون مسوغ ظاهر. مع أنه لافرق بين كسبه وساير أموال
المستأجر وغيره. وما في الجواهر: من أن النفقة مقدمة على كل واجب. فيه: أن ذلك يتم
لو كان الواجب عليه الخدمة في ذمته، وليس هو مقتضى الاجارة، لانها واقعة على
( 39 )
[ (مسألة 7): إذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيبا سابقا على العقد وكان
جاهلا به، فان كان مما تنقص به المنفعة فلا إشكال في ثبوت الخيار له بين الفسخ
والابقاء (1) والظاهر عدم جواز مطالبته الارش فله الفسخ أو الرضا بها مجانا (2).
نعم لو كان العيب مثل خراب بعض بيوت الدار ] منافعه لاعلى ذمته، ومنافعه بالاجارة
مال للمستأجر كسائر أمواله، فإذا جاز له التصرف في كسبه جاز له التصرف في مال
المستأجر غير الخدمة، وهو كما ترى. (1) قد نفى الخلاف فيه غير واحد، وتأتي في هذه
المسألة الاشارة إلى وجهه، وأنه إما من قبيل خيار تخلف الوصف، أو هو مقتضى حديث
لاضرر (* 1). (2) حكي عليه اتفاق الاصحاب إلى زمان الشهيد، فتردد فيه في اللمعة،
وتبعه غيره فيه. وعن جامع المقاصد: أن الاصح ثبوته. وهو في محله لو كان الناقص جزءا
ملحوظا بالاجارة مقابلا به جزءا من الاجرة فانه يكون من قبيل الخراب لبعض البيوت.
أما إذا لم يكن كذلك، بل كان من قبيل الوصف الموجب لنقص المالية، - كبطء السير في
الدابة - فلا وجه له ظاهر. وكونه منشأ لنقص المالية غير كاف في لزوم إرجاع بعض
الاجرة كما لا يخفى. وثبوت الارش في العيب في المبيع لدليل يخصه، لا يصحح البناء
عليه في المقام بعد كونه خلاف القاعدة. بل في الفرض الاول إنما الثابت التقسيط، كما
عبر به في المتن في خراب بعض بيوت الدار، لا الارش المصطلح الذي هو تدارك لنقص
المالية ولو بمال أجنبي
____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 16 من أبواب الخيار في كتاب البيع، وباب: 5 من كتاب
الشفعة، وباب: 7، 12 من كتاب احياء الموات.
( 40 )
[ فالظاهر تقسيط الاجرة (1)، لانه يكون حينئذ من قبيل تبعض الصفقة (2). ولو كان
العيب مما لا تنقص معه المنفعة كما إذا تبين كون الدابة مقطوعة الاذن أو الذنب،
فربما يستشكل في ثبوت الخيار معه (3). لكن الاقوى ثبوته إذا كان مما يختلف به
الرغبات وتتفاوت به الاجرة. وكذا له ] عن الاجرة، مع كون المعاملة باقية على حالها
بلا تبعض فيها. فدعوى: عدم جواز مطالبة الارش - كما في المتن - في محله. (1) لما
عرفت، وإن كان اطلاق قولهم: عدم ثبوت الارش ولو مع فوات بعض المنفعة، يقتضي عدمه في
المقام، إلا أنه منزل على الصورة السابقة. (2) وحينئذ يكون له الخيار في الباقي،
كما في سائر موارد تبعض الصفقة. (3) وإن كان يقتضيه اطلاق كلامهم، بل عن غير واحد
التصريح به، واستدل له: بأن الصبر على المعيب ضرر. وهو - كما ترى - ممنوع على
اطلاقه. وبالجملة: إن كان دليل الخيار في المقام هو: " لاضرر... "، فيقتضي اختصاصه
بصورة الضرر. وان كان هو دليل خيار العيب في المبيع، فلو بني على التعدي عن البيع
فانما هو فيما لو كان العوض معيبا، والعوض في الاجارة المنفعة والاجرة، لا العين.
مع أن تصور العيب بالمعنى المعتبر في عيب المبيع بالنسبة إلى المنافع غير ظاهر، إذ
ليس لها خلقة أصلية يكون النقص عنها عيبا. وكذا لو كان دليل خيار تخلف الوصف، من
جهة اعتماد المستأجر على أصالة الصحة، فانه أيضا يختص بالاعواض، ولا يجري في غيرها،
إذ لاريب في أنه لاخيار للاجير لو استؤجر على خياطة ثوب، وتبين بعد الاجارة أنه
معيب. وكذا لو استؤجر على حمل متاع فتبين أنه معيب. وبالجملة: دليل الخيار في
المقام
( 41 )
[ الخيار إذا حدث فيها عيب بعد العقد وقبل القبض (1)، بل بعد القبض أيضا، وان
كان استوفى بعض المنفعة ومضى بعض المدة (2). هذا إذا كانت العين شخصية. وأما إذا ]
إما حديث لاضرر، أو دليل خيار تخلف الشرط، وكلاهما غير مطرد. ولاجل ذلك يتعين
التفصيل المذكور في المتن. (1) إما لقاعدة التلف قبل القبض الحاكمة بأنه من مال
الناقل، فيكون العقد كأنه وقع على الفاقد. وفيه: أنه لو تم ذلك في تلف وصف المبيع،
فالتعدي إلى المقام يحتاج إلى دليل. وإما لان مبنى المعاوضة على التسليم والتسلم
للعوضين على ماهما عليه، فكما يثبت الخيار بتعذر تسليم العين، كذلك يثبت الخيار
بتعذر تسليمها على ماهي عليه من الوصف ولو لاجل تلف الوصف. وإما لاجل أن تلف الوصف
يكشف عن تلفه وانتفائه في نفسه، كما في تلف العين المستأجرة ولو بعد العقد والقبض،
كما يأتي في الفصل اللاحق. ولاجله تصح دعوى ثبوت الخيار في مالو حدث العيب بعد
القبض، لان الاقدام كان على الانتفاع بالعين وهي على الوصف الخاص لا مطلقا، فالتخلف
يستوجب الخيار. (2) كما في محكي التذكرة، واختاره في الجواهر وغيرها. لان تسليم
المنفعة تدريجي بتدرج زمانها، فإذا حدث العيب فقد حدث قبل تسليم المعيب، وقد عرفت
ثبوت الخيار حينئذ. هذا مضافا إلى الوجه الماضي في صورة حدوث العيب قبل القبض وبعد
العقد من أن التلف حينئذ كاشف عن عدم المنفعة الصحيحة. لكن الوجه الاول قد ينافيه
بناؤهم على عدم الخيار لو غصبت العين بعد القبض. والوجه الاخير ينافيه بناؤهم على
الانفساخ من حين التلف، فيما لو تلفت العين المستأجرة بعد القبض، كما سيأتي في
الفصل الآتي. فتأمل.
( 42 )
[ كانت كلية وكان الفرد المقبوض معيبا، فليس له فسخ العقد (1) بل له مطالبة
البدل. نعم لو تعذر البدل كان له الخيار في أصل العقد (2). (مسألة 8): إذا وجد
المؤجر عيبا سابقا في الاجرة ولم يكن عالما به كان له فسخ العقد، وله الرضا به. وهل
له مطالبة الارش معه؟ لا يبعد ذلك، بل ربما يدعى عدم الخلاف فيه (3). لكن هذا إذا
لم تكن الاجرة منفعة عين، وإلا فلا أرش فيه (4) مثل ما مر في المسألة السابقة من
كون العين المستأجرة معيبا (5). هذا إذا كانت الاجرة عينا شخصية. ] (1) كما صرح به
غير واحد من دون خلاف فيه، لعدم المقتضي للخيار في العقد. (2) لتعذر تسليم العوض
الذي عليه مبنى المعاوضة، ولذا يستتبع الخيار (3) بل هو المصرح به في كلام جماعة،
بل في مفتاح الكرامة وغيره: لاأجد فيه خلافا. فان تم إجماع عليه - كما استظهره غير
واحد - فهو الحجة. وإلا ففيه إشكال، لاختصاص دليله بالبيع فالتعدي إلى المقام وغيره
من سائر المعاوضات غير ظاهر، والاصل ينفيه، وإن حكي عن المحقق القول به في عوض
الخلع. وفي القواعد: القول به فيه، وفي عوض الهلة ومال الكتابة. وعن المسالك: القول
به في المهر. وفي محكي الروضة: القول به في الصلح على وجه قوي. إلا أن ثبوت الاجماع
بهذا المقدار على ثبوته كليا في المعاوضات ممنوع جدا. ولذا جزم بعدمه بعض في بعضها.
لكن كان المناسب عدم الفرق فيها لانها جميعا من واد واحد. (4) كما نص على ذلك في
الجواهر. (5) لما مر أيضا.
( 43 )
[ وأما إذا كانت كلية، فله مطالبة البدل لافسخ أصل العقد، إلا مع تعذر البدل
على حذو ما مر في المسألة السابقة. (مسألة 9): إذا أفلس المستأجر بالاجرة، كان
للمؤجر الخيار بين الفسخ واسترداد العين، وبين الضرب مع الغرماء (1)، نظير ما إذا
أفلس المشتري بالثمن، حيث ان للبايع الخيار إذا وجد عين ماله. (مسألة 10): إذا تبين
غبن المؤجر أو المستأجر فله الخيار، إذا لم يكن عالما به حال العقد (2) إلا إذا
اشترطا سقوطه في ضمن العقد. (مسألة 11): ليس في الاجارة خيار المجلس ولا خيار
الحيوان، بل ولا خيار التأخير على الوجه المذكور في ] (1) بلا خلاف، كما عن غير
واحد. وصرح به جماعة من القدماء والمتأخرين، إلحاقا للاجارة بالبيع الثابت فيه
بالاجماع والنصوص. (* 1) وبعضها وإن لم يكن مختصا بالبيع إلا أنه ظاهر في العين، (*
2) فالحاق المنافع بها يحتاج إلى تنقيح المناط، كما هو ظاهرهم، وإن كان المحكي عن
بعض: تكلف إدراج المنفعة في بعض تلك النصوص. (2) بناء على استفادة الخيار في البيع
من عموم نفي الضرر، فانه كما يشمل البيع يشمل الاجارة وغيرها من العقود المالية.
أما إذا كان المستند الاجماع، فثبوته في الاجارة غير ظاهر، فان كثيرا من الاصحاب
أهمل ذكره في المقام.
____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب احكام الحجر. (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب أحكام
المضاربة: 1.
( 44 )
[ البيع (1)، ويجري فيها خيار الشرط حتى للاجنبي، وخيار العيب، والغبن كما
ذكرنا، بل يجري فيها سائر الخيارات كخيار الاشتراط، وتبعض الصفقة، وتعذر التسليم،
والتفليس والتدليس، والشركة، وما يفسد ليومه، وخيار شرط رد العوض، نظير شرط رد
الثمن في البيع (2). (مسألة 12): إذا آجر عبده أو داره مثلا ثم باعه من المستأجر لم
تبطل الاجارة، فيكون للمشتري منفعة العبد مثلا، من جهة الاجارة قبل انقضاء مدتها،
لامن جهة تبعية للعين. ولو فسخت الاجارة رجعت إلى البايع (3). ولو مات بعد القبض
رجع المشتري المستأجر على البايع، بما يقابل بقية المدة من الاجرة، وإن كان تلف
العين عليه. والله العالم. فصل يملك المستأجر المنفعة في إجارة الاعيان، والعمل في
الاجارة على الاعمال بنفس العقد، من غير توقف على شئ كما هو مقتضى سببية العقود.
كما أن المؤجر يملك الاجرة ] (1) لاختصاص أدلة الثلاثة المذكورة بالبيع، وعموم أدلة
ما عداها لها، ولابد من ملاحظة تلك الادلة. (2) نص على ذلك كله في الجواهر، متمسكا
بعموم أدلتها. (3) عرفت إشكاله.
( 45 )
[ ملكية متزلزلة به كذلك. ولكن لا يستحق المؤجر مطالبة الاجرة الا بتسليم العين
أو العمل (1)، كما لا يستحق المستأجر مطالبتهما الا بتسليم الاجرة، كما هو مقتضى
المعاوضة. وتستقر ملكية الاجرة باستيفاء المنفعة أو العمل أو ما بحكمه. فأصل
الملكية للطرفين موقوف على تمامية العقد، وجواز المطالبة موقوف على التسليم،
واستقرار ملكية الاجرة موقو ف على استيفاء المنفعة أو إتمام العمل أو ما بحكمهما.
فلو حصل مانع عن الاستيفاء أو عن العمل تنفسخ الاجارة، كما سيأتي تفصيله. (مسألة
1): لو استأجر دارا - مثلا - وتسلمها، ومضت مدة الاجارة استقرت الاجرة عليه، سواء
سكنها أو لم يسكنها باختياره (2). وكذا إذا استأجر دابة للركوب أو لحمل المتاع إلى
مكان كذا، ومضى زمان يمكن له ذلك، وجب عليه الاجرة واستقرت وإن لم يركب أو لم يحمل،
بشرط أن يكون مقدرا بالزمان المتصل بالعقد. وأما إذا عينا وقتا فبعد مضي ذلك الوقت.
هذا إذا كانت الاجارة واقعة ] (1) لان مبنى المعاوضات على التسليم والتسلم، فلكل من
المتعاوضين الامتناع من التسليم في ظرف امتناع صاحبه، كما أن لكل منهما المطالبة في
ظرف صدور التسليم منه، ولايجوز للآخر الامتناع عنه حينئذ، فلو تعذر جاز له الفسخ.
(2) لتحقق التسليم من المؤجر، الذي عرفت أنه موجب لاستقرار ملكية الاجرة، وهذا مما
لا إشكال فيه ولا خلاف، ويشهد له غير واحد من النصوص.
( 46 )
[ على عين معينة شخصية في وقت معين. وأما إن وقعت على كلي وعتين في فرد وتسلمه،
فالاقوى أنه كذلك (1) مع تعيين الوقت وانقضائه. نعم مع عدم تعيين الوقت فالظاهر عدم
استقرار الاجرة المسماة (2)، وبقاء الاجارة، وإن كان ضامنا لاجرة المثل لتلك المدة،
من جهة تفويته المنفعة على المؤجر. (مسألة 2): إذا بذل المؤجر العين المستأجرة
للمستأجر ولم يتسلم حتى انقضت المدة، استقرت عليه الاجرة (3). ] (1) لان تسليم
الفرد تسليم الكلي، فيتحقق التسليم الذي هو شرط استقرار الاجرة. ونسب إلى الشيخ:
العدم، لكون المدفوع غير موضوع الاجارة. لكنه ضعيف كما عرفت، وإن احتمل في عبارة
الشرائع. (2) كما هو ظاهر محكي المهذب البارع، وايضاح النافع. واحتملاه في عبارة
الشرائع، ووجهه - على ما قيل -: ان جميع الازمنة صالح للاستيفاء، ولا تتعين في زمان
القبض، وضعفه ظاهر، لان زمان القبض فرد من زمان الاجارة، فالقبض فيه قبض فيه، فلا
فرق بين هذه الصورة وما قبلها، كما صرح به في المسالك وغيرها. نعم لو كان الموجب
لاستقرار الاجرة في الصورة الاولى تفويت المستأجر للمنفعة فهو غير حاصل في هذه
الصورة، لان فوات الموسع إنما يكون بفواته في جميع الازمنة، ولا يكفي فيه فواته في
بعضها. لكنه ليس ذلك هو الوجه، بل الوجه حصول التسليم، وهو حاصل في المقام كما
عرفت. (3) كما صرح به في الجواهر، حاكيا نفي الخلاف فيه عن كل من تعرض له. وفي
المسالك: " وفي حكم التسليم مالو بذل العين فلم يأخذها المستأجر حتى انقضت المدة،
أو مضت مدة يمكن فيها الاستيفاء ". ونحوه
( 47 )
[ وكذا إذا استأجره ليخيط له ثوبا معينا - مثلا - في وقت معين، وامتنع من دفع
الثوب إليه حتى مضى ذلك الوقت، فانه يجب عليه دفع الاجرة (1)، سواء اشتغل في ذلك
الوقت - مع امتناع المستأجر من دفع الثوب إليه - بشغل آخر لنفسه أو لغيره، أو جلس
فارغا (2). (مسألة 3): إذا استأجره لقلع ضرسه ومضت المدة التي يمكن إيقاع ذلك فيها
(3)، وكان المؤجر باذلا نفسه، استقرت الاجرة (4)، سواء كان المؤجر حرا أو عبدا باذن
مولاه. واحتمال الفرق بينهما بالاستقرار في الثاني دون الاول لان منافع الحر لا
تضمن إلا بالاستيفاء، لاوجه له، لان ] في القواعد، وعن غيرهما. ويقتضيه عموم
اللزوم، لعدم الدليل على اعتبار أكثر من ذلك في استقرار العقد ولزومه. (1) لما سبق.
(2) لاطراد المناط في استقرار الاجرة في جميع الصور، وهو البذل الذي يتحقق به
التسليم. (3) تفترق هذه المسألة عن المسألة السابقة: بأن المفروض في السابقة انقضاء
تمام المدة، وفي هذه المسألة انقضاء زمان يمكن فيه العمل، وإن لم يمض تمام المدة.
ولذلك لم يقع الخلاف في المسألة السابقة في لزوم الاجرة، من جهة صدق التفويت فيها،
بخلاف هذه. (4) هذا الحكم ربما ينافي ما تقدم منه (ره) في آخر المسألة الاولى من
عدم استقرار الاجرة مع عدم تعيين الوقت، مع أن بذل العين أولى بصدق التسليم فيه.
( 48 )
[ منافعه بعد العقد عليها صارت مالا للمستحق، فإذا بذلها ولم يقبل كان تلفها
منه (1) مع أنا لا نسلم أن منافعه لا تضمن. ] (1) الفرق المذكور ذكره في جامع
المقاصد وغيره، من جهة أن الحر لا يكون تحت اليد، فلا تكون منافعه تحت اليد بمجرد
بذل نفسه، فلا يتحقق تسليمها إلا باستيفائها. وفيه: ما عرفت من أن التسليم الذي
يتحقق به استقرار الاجرة، ويكون التلف من المستأجر، يتحقق بمجرد التخلية، بحت لا
يكون مانع من استيفاء المنفعة إلا من قبل المستأجر. وبهذا المعنى يتحقق بمجرد بذل
الاجير نفسه للعمل، كما يتحقق ببذل العين المستأجرة. بل الظاهر أنه لافرق بين العبد
والحر إلا بالحرية والرقية بالاضافة إلى نفسهما. وأما بالاضافة إلى منافعهما فهو:
أن منافع العبد مملوكة لمالكه، ومنافع الحر غير مملوكة. وأما من حيث إمكان إثبات
اليد على العين، أو على المنافع تبعا للعين فيهما سواء. وعدم ضمان الحر بمجرد اليد،
لعدم ملكية نفسه إجماعا لا يقتضي ذلك. كما أن عدم ضمان منافعه باليد عليه، لعدم
كونها مملوكة له أيضا، لا يوجب الفرق بينهما في ما نحن فيه. مع أن استقرار الاجرة
في إجارة العبد، بمجرد بذل مولاه له، لم يكن من جهة اثبات اليد عليه، ليفرق بينه
وبين الحر، بأن الحر لا يمكن أن يكون تحت اليد، بخلاف العبد، بل إنما كان من جهة
تحقق التسليم الحاصل بالبذل، وإن لم يكن العبد تحت اليد، فلم لا يلتزم بذلك بالنسبة
إلى الحر؟!. هذا وقد يحكى عن شيخنا الاعظم المحقق الانصاري (ره): الفرق بين كون
الاجارة على عمل جزئي معين وعلى عمل كلي، فتستقر في الاول بالبذل دون الثاني، لان
تسليم الاول يكون بتسليم العامل نفسه، وتسليم الثاني إنما يكون بتسليم فرده، وهو لا
يكون إلا بايجاده في الخارج.
( 49 )
[ إلا بالاستيفاء، بل تضمن بالتفويت أيضا إذا صدق ذلك (1)، كما إذا حبسه وكان
كسوبا، فانه يصدق في العرف: أنه فوت عليه كذا مقدار. هذا ولو استأجره لقلع ضرسه
فزال الالم بعد العقد لم تثبت الاجرة، لا نفساخ الاجارة حينئذ (2). (مسألة 4): إذا
تلفت العين المستأجرة قبل قبض ] لكن عرفت فيما سبق الاشكال فيه، وأن تسليم الجزئي
إذا كان يكفي في حصوله تسليم العامل فلم لا يكون تسليم الفرد الذي به يتحقق تسليم
الكلي كذلك؟!. وبالجملة: الفرق بين تسليم الجزئي الذي وقعت عليه الاجارة، وبين
تسليم الجزئي الذي هو مصداق لما وقعت عليه بأنه يكفي في الاول تسليم العامل ولا
يكفي في الثاني، غير ظاهر. (1) هذا قد يدعى عدم معقوليته، لان الضمان إن كان تداركا
للخسارة فالحبس إنما يقتضي فوات فائدة لا الوقوع في خسارة. وإن كان اشتغال الذمة
بالبدل، فمنافع الحر - كنفس الحر - ليس لها أثر في نظر الشارع كي يمكن تعقل البدلية
عنها، لعدم كونها مملوكة للحر، ولاهي معنونة بعنوان مثل كونها صدقة أو نحوها، كي
يمكن اعتبار البدلية للمضمون به، كما في إتلاف الوقف أو العين الزكوية، فان العين
في المقامين غير مملوكة لمالك على التحقيق، لكن معنونة بعنوان كونها وقفا أو زكاة،
فيمكن قيام البدل مقامها في حفظ العنوان المذكور، وفي المقام منافع الحر كنفس الحر
ليست كذلك، فلا معنى لاعتبار البدلية لشئ عنها. مضافا إلى أن مقتضى الجمود على
قاعدة الاتلاف - التي هي دليل الضمان - الاختصاص بما كان مالا للغير. فتأمل. (2)
لصيرورة المنفعة محرمة، فيمتنع أكل المال بأزائها، لانه أكل بالباطل.
( 50 )
[ المستأجر، بطلت الاجارة (1). وكذا إذا تلفت عقيب قبضها بلا فصل. وأما إذا
تلفت بعد استيفاء منفعتها في بعض المدة، فتبطل بالنسبة إلى بقية المدة، فيرجع من
الاجرة بما قابل المتخلف من المدة، إن نصفا فنصف، وإن ثلثا فثلث، مع تساوي الاجزاء
بحسب الاوقات، ومع التفاوت تلاحظ النسبة. (مسألة 5): إذا حصل الفسخ في أثناء المدة
بأحد ] (1) بلا خلاف نعلمه، كما في محكي التذكرة. ونحوه في الجواهر. وقد يستدل على
ذلك: بأن مبنى عقود المعاوضة على المعاوضة الاعتبارية والخارجية التي هي تبديل
سلطنة بسلطنة، فتعذره يقتضي انتفاءها. وأشكل عليه في الجواهر: بأن ذلك خلاف ما
ذكروه في مسألة تلف المبيع قبل القبض من أنه خلاف الاصل، ثبت بدليل خاص بالبيع،
ولاوجه للتعدي إلى غيره. اللهم إلا أن يكون التعدي إلى المقام دليل على فهم ذلك من
الدليل. هذا والتحقيق أن الوجه في البطلان: ما سيأتي من أن اعتبار المنفعة إنما يصح
في ظرف وجود العين فعلا، فمع التلف قبل القبض لا منفعة حتى يصح اعتبار الاجارة،
وعليه فبطلان الاجارة من أصلها - كما نسب إلى العلامة (ره) - لامن حين التلف كما هو
ظاهر المشهور هنا، بل المتسالم عليه في تلف المبيع قبل القبض، لان ظرف المعاوضة في
البيع العين، وهي حاصلة وقت البيع، بخلاف الاجارة، فان وجود العين في زمان غير كاف
في اعتبار المنفعة في الازمنة اللاحقة، فإذا تلفت العين في زمان كشف ذلك عن عدم
المنفعة، فلا تنعقد الاجارة من أصلها، وإن كان ظاهر المشهور كون البطلان من حين
التلف، كالبطلان في البيع. وسيأتي ذلك في المسألة السابعه.
( 51 )
[ أسبابه، تثبت الاجرة المسماة بالنسبة إلى ما مضى، ويرجع منها بالنسبة إلى ما
بقي - كما ذكرنا في البطلان - على المشهور (1) ويحتمل قريبا أن يرجع تمام المسمى،
ويكون للمؤجر أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى، لان المفروض أنه يفسخ العقد الواقع
أولا، ومقتضى الفسخ عود كل عوض إلى مالكه، بل يحتمل ] (1) فانه ذكر في الشرائع: أنه
لو تجدد فسخ، صح فيما مضى وبطل في الباقي. ولم يتعرض في الجواهر والمسالك وغيرهما -
في شرح العبارة المذكورة - لشبهة أو إشكال. وكذا ذكر في الارشاد، فيما لو انهدم
المسكن ففسخ: أنه يرجع بنسبة المتخلف ولم يتعرض في مجمع البرهان للاشكال فيه. وكذا
ذكره في الحدائق من دون نقل خلاف أو إشكال. ولم أقف على من تعرض لخلاف فيه. بل يظهر
من كلماتهم أنه من المسلمات. وقد ادعى بعض الاعيان: ظهور اتفاقهم عليه. وعن بعض
توجيهه: بعدم تعقل الفسخ فيما مضى، لانعدامه، فلا معنى لانتقاله بالفسخ إلى المؤجر.
وفيه: أن الانتقال من الاعتبارات الصالحة للتعلق بالمعدوم، كالموجود. مع أنه منقوض
باجارة العين فضولا، فان المنفعة قبل الاجارة ملك لمالك العين، وبعد الاجارة ملك
للمستأجر. نعم قد يشكل ذلك من جهة أن الفسخ إنما يكون من حينه، لامن حين حدوث
العقد. وفيه: أنه مسلم، لكن بالاضافة إلى تمام مضمون العقد، فلا يجوز الفسخ بالنسبة
إلى بعضه دون بعض، وفي الاجارة المنافع التدريجية بحسب تدرج الزمان، أبعاض موضوع
واحد لا يجوز التفكيك بينها فيه، فإذا وقع الفسخ وقع بالنسبة إلى الجميع. ولا مجال
للمقايسة بالتلف في أثناء المدة، فان البطلان في ذلك من أول الامر، نظير تبعض
الصفقة. ويشهد لما ذكرنا ما هو المعروف المدعى عليه الاجماع: أنه لا يجوز
( 52 )
[ أن يكون الامر كذلك في صورة البطلان أيضا، لكنه بعيد (1). (مسألة 6): إذا تلف
بعض العين المستأجرة، تبطل بنسبة، ويجئ خيار تبعيض الصفقة. (مسألة 7): ظاهر كلمات
للعلماء: أن الاجرة من حين العقد مملوكة للمؤجر بتمامها، وبالتلف - قبل القبض أو
بعده أو في أثناء المدة - ترجع إلى المستأجر كلا أو بعضا من حين البطلان، كما هو
الحال عندهم في تلف المبيع قبل القبض لا أن يكون كاشفا عن عدم ملكيتها من الاول.
وهو مشكل لان مع التلف ينكشف عدم كون المؤجر مالكا للمنفعة إلى ] التبعيض في الرد
إذا ظهر عيب في بعض المبيع، كما لو باعه ثوبا وخاتما فتبين عيب في الثوب. ويشير
إليه ما ذكروه من وجوب مطابقة القبول مع الايجاب، فلو قبل في بعض المبيع لم يصح
العقد. لكن الظاهر بناؤهم على جواز التبعيض في مالو كان بعض المبيع حيوانا، فانه
يثبت فيه خيار الحيوان، ويجوز رد الحيوان دون البعض الآخر. بل المشهور جواز الاقالة
في بعض المبيع دون بعض، ولم ينقل الخلاف في ذلك إلا من ابن المتوج، على ما حكاه عنه
الشهيد. والانصاف: أن المرتكزات العرفية لا تساعد على التبعيض في المقامين وإطلاقات
مشروعية الاقالة والفسخ في مورده لا يصلح لاثبات قابلية المحل ومع الشك في القابلية
يرجع إلى أصالة عدم ترتب الاثر. وهذا بخلاف مسألتنا، فان الارتكاز العرفي يساعد على
التبعيض، ولعله هو الوجه في التسالم والاتفاق ظاهرا عيه. فلاحظ. (1) سيأتي وجهه في
المسألة التاسعة.
( 53 )
[ تمام المدة، فلم ينتقل ما يقابل المتخلف من الاول إليه. وفرق واضح بين تلف
المبيع قبل القبض، وتلف العين هنا، لان المبيع حين بيعه كان مالا موجودا قوبل
بالعوض، وأما المنفعة في المقام فلم تكن موجودة حين العقد، ولا في علم الله، إلا
بمقدار بقاء العين. وعلى هذا فإذا تصرف في الاجرة، يكون تصرفه بالنسبة إلى ما يقابل
المتخلف فضوليا. ومن هذا يظهر: أن وجه البطلان في صورة التلف كلا أو بعضا انكشاف
عدم الملكية للمعوض. (مسألة 8): إذا آجر دابة كلية ودفع فردا منها فتلف، لا تنفسخ
الاجارة، بل ينفسخ الوفاء (1)، فعليه أن يدفع فردا آخر. (مسألة 9): إذا آجره داراد
فانهدمت، فان خرجت عن الانتفاع بالمرة بطلت، فان كان قبل القبض أو بعده قبل أن يسكن
فيها أصلا رجعت الاجرة بتمامها، وإلا فبالنسبة، ويتحمل تمامها في هذه الصورة أيضا،
ويضمن أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى. لكنه بعيد (2). وإن أمكن الانتفاع بها ] (1)
لكون المدفوع ليس فرد الموضوع الاجارة. (2) بلا خلاف في ذلك ولا إشكال، كما في
الجواهر. وكأنه لانحلال العقد إلى عقود متعددة، بتعدد مراتب المنفعة في الازمنة
التدريجية ولا تلازم بينها في الصحة والبطلان، وإن كانت متلازمة في الفسخ، نظير
موارد تبعض الصفقة، بل المقام منه. ويستفاد ذلك - هنا - من النصوص الواردة في
الموارد المتفرقة، الوارد بعضها فيمن استأجر دابة إلى
( 54 )
[ مع ذلك، كان للمستأجر بين الابقاء والفسخ (1). وإذا فسخ كان حكم الاجرة ما
ذكرنا. ويقوى هنا رجوع تمام المسمى مطلقا، ودفع أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى، لان
هذا مقتضى فسخ العقد كما مر سابقا. وإن انهدم بعض بيوتها بقيت الاجارة بالنسبة إلى
البقية (2)، وكان للمستأجر خيار تبعض الصفقة. ولو بادر المؤجر إلى تعميرها، بحيث لم
يفت الانتفاع أصلا، ليس للمستأجر الفسخ حينئذ على الاقوى، خلافا للثانيين (3). ]
مسأفة فأعيت (* 1)، وبعضها فيمن استأجر أجيرا ليحفر له بئرا فأعيى (* 2) وفيمن
استأجر أجيرا ليحج فمات (* 3). وبالجملة: المقام من البطلان في البعض من أول الامر،
كما هو باب تبعض الصفقة، لامن باب البطلان الطارئ بالفسخ، فليسا هما من باب واحد.
ثم إنه تقدم من المصنف (ره) في المسألة الرابعة: الجزم بالبطلان في البعض دون
البعض. (1) هذا الخيار من قبيل خيار الرؤية، لتخلف الوصف. (2) يعني: وبطلت بالنسبة
إلى ما انهدم. (3) يعني: المحقق والشهيد الثانيين، فقد اختار الاول في الجامع،
والثاني في المسالك: أن للمستأجر الفسخ وإن لم يفت الانتفاع أصلا، لثبوت الخيار
بالانهدام، فيستصحب، إذ لم يدل دليل على سقوطه بالاعادة. وفي الجواهر: " قد يناقش
فيه بمنع ما يدل على ثبوته بالانهدام، من حيث كونه انهداما، وإن لم يفت به شئ من
المنفعة على وجه تنقطع به
____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب احكام الاجارة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 35 من
أبواب احكام الاجارة حديث: 1، 2. (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب نيابة الحج.
( 55 )
[ (مسألة 10): إذا امتنع المؤجر من تسليم العين المستأجرة يجبر عليه، وإن لم
يمكن إجباره كان للمستأجر فسخ الاجارة والرجوع بالاجرة (1)، وله الابقاء ومطالبة
عوض المنفعة الفائتة. وكذا إن أخذها منه بعد التسليم، بلا فصل أو في أثناء المدة
(2). ومع الفسخ في الاثناء يرجع بما يقابل ] أصالة اللزوم، اللهم إلا أن يستبعد
الفرض، وهو خروج عن محل الفرض ". أقول: أبعاض العين المستأجرة: منه ما يكون انهدامه
موجبا لفوات المنفعة حين الانهدام، ومنه مالا يكون كذلك، لاختصاص الانتفاع به بغير
زمان الانهدام، كما إذا انهدم درج السطح أو السرداب في أيام الشتاء فانه لا يوجب
نقصا في المنفعة. أما القسم الثاني: فلا ينبغي التأمل في عدم اقتضائه البطلان. وأما
القسم الاول: فان كان فوات المنفعة بنحو بعتد به، فلا ينبغي التأمل في البطلان فيه،
لانتفاء المعاوضة بالنسبة إليه، لانتفاء موضوعها. وإن كان بنحو لا يعتد به، فالظاهر
عدم اقتضائه البطلان ولا الخيار. ومما ذكرنا يظهر جريان ما ذكر في انهدام الكل،
وتجئ فيه الاحكام. فإذا انهدام الدكان في أثناء الليل فأعاده قبل الصبح لم يقتض
شيئا. ولعله أشار بعض الاعاظم في حاشيته إلى ما ذكرنا. فراجع. (1) كما حكي عن
جماعة، واختاره في الشرائع، لان مبنى المعاوضات على التسليم، فمع تعذره يثبت
الخيار. وعن الشيخ والعلامة في التذكرة: انفساخ الاجارة، تنزيلا لذلك منزلة التلف
قبل القبض. وهو كما ترى، إذ التلف يكشف عن انتفاء المنفعة، ولا موجب لهذا التنزيل.
(2) لان المنفعة لما كانت تدريجية فأخذ العين بعد القبض يوجب عدم تحقق القبض
بالنسبة إلى المنفعة اللاحقة، ولذا نسب الخيار المذكور إلى جماعة. لكن في جامع
المقاصد وعن المسالك: لزوم العقد لتحقق
( 56 )
[ التخلف من الاجرة. ويحتمل قويا رجوع تمام الاجرة ودفع أجرة المثل لما مضى (1)
- كما مر نظيره سابقا - لان مقتضى فسخ العقد عود تمام كل من العوضين إلى مالكهما
الاول. لكن هذا الاحتمال خلاف فتوى المشهور. (مسألة 11): إذا منعه ظالم عن الانتفاع
بالعين قبل القبض تخير بين الفسخ (2) والرجوع بالاجرة (3)، وبين الرجوع على الظالم
بعوض ما فات. ويحتمل قويا تعين الثاني (4) وإن كان منع الظالم أو غصبه بعد القبض
يتعين الوجه الثاني (5) ] التسليم المعتبر في اللزوم بالتسليم قبل الاخذ. وهو غير
بعيد، لان القبض المعتبر ارتكازا عند العرف به قبض العين، وإن كان لا يخلو من خفاء.
(1) كما تقدم منه (ره)، وتقدم تقريبه. (2) لما سبق في منع المؤجر. (3) على المالك
المؤجر. وفي جامع المقاصد وعن غيره: احتمال جواز الرجوع إلى المؤجر بأجرة المثل،
لانها مضمونة عليه. لكن دفعه في المسالك: بأن ضمان المؤجر ضمان المعاوضة، بمعنى:
الرجوع إلى المسمى بعد الفسخ أو الانفساخ لا ضمان يد، كما هو ظاهر. (4) لكن الاقوى
خلافه، لما عرفت من أن تعذر التسليم الذي عليه تبتني المعاوضة موجب للخيار، من دون
فرق بين أن يكون لمنع المؤجر، أو لمنع الظالم، أو لغير ذلك. (5) بلا خلاف كما قيل.
وما تقدم في أخذ المؤجر بعد التسليم غير آت هنا كما قيل. لكن الفرق لا يخلو من
خفاء، فان منع الظالم قبل القبض إذا كان قادحا في حصول التسليم الذي تبتني عليه
المعاوضة، كان
( 57 )
[ فليس له الفسخ حينئذ، سواء كان بعد القبض في ابتداء المدة أم في أثنائها. ثم
لو أعاد الظالم العين المستأجرة في أثناء المدة إلى المستأجر فالخيار باق (1)، لكن
ليس له الفسخ إلا في الجميع. وربما يحتمل جواز الفسخ بالنسبة إلى ما مضى من المدة
في يد الغاصب (2)، والرجوع بقسطه من المسمى واستيفاء باقي المنفعة. وهو ضعيف، للزوم
التبعيض في العقد، وإن كان يشكل الفرق بينه وبين ما ذكر من مذهب المشهور من ابقاء
العقد فيما مضى وفسخه فيما بقي، إذ اشكال تبعيض العقد مشترك بينهما. (مسألة 12): لو
حدث للمستأجر عذر في الاستيفاء - كما لو استأجر دابة لتحمله إلى بلد، فمرض المستأجر
ولم يقدر - فالظاهر البطلان، ] مانعا كذلك بعد القبض بالاضافة إلى المنفعة اللاحقة.
(1) قطعا، كما في جامع المقاصد، لفوات المعقود عليه وهو مجموع المنفعة، ولانه قد
ثبت له الخيار بالغصب والاصل بقاؤه. لكن الاصل لا يعارض عموم لزوم العقود. فالعمدة
الوجه الاول. (2) قال في القواعد: " فيه نظر ". وفي جامع المقاصد: " ينشأ من أن
فوات المنفعة - وهي المعوض - يقتضي الرجوع إلى العوض، وهو الاجرة المسماة، والفوات
في هذه الصورة مختص بالمنفعة الماضية، فاستحق الفسخ فيها. ومن أن ذلك مقتض لتبعض
الصفقة، وهو خلاف مقتضى العقد، فاما أن يفسخ في الجميع أو يمضي في الجميع... إلى أن
قال: وهو الاصح ".
( 58 )
[ إن اشترط المباشرة (1) على وجه القيدية (2). وكذا لو حصل له عذر آخر. ويحتمل
عدم البطلان (3). نعم لو كان هناك عذر عام بطلت قطعا (4)، لعدم قابلية العين
للاستيفاء حينئذ (5). (مسألة 13): التلف السماوي للعين المستأجرة أو لمحل العمل
موجب للبطلان، ومنه إتلاف الحيوانات. وإتلاف ] (1) لتعذر المنفعة المشروطة، ومع عدم
المنفعة لا مجال لصحة الاجارة. ولا يكفي في الصحة مجرد قابلية العين للمنفعة في
نفسها، كما لا يخفى بعد التأمل. (2) بأن تؤخذ المباشرة قيدا على نحو وحدة المطلوب.
أما إذا كان أخذها على نحو تعدد المطلوب، كما لصاحب الشرط الخيار، نظير مالو باعه
شيئا موصوفا فتعذر الوصف، فالمستأجر يكون له الخيار بين الفسخ والرضا بذات المقيد.
(3) قال في القواعد: " ولو حدث خوف منع المستأجر من الاستيفاء - كما لو استأجر جملا
للحج فتنقطع السابلة - فالاقرب تخير كل من المؤجر والمستأجر في الفسخ والامضاء ".
وفيه: ما عرفت. مع أن الوجه في تخير المؤجر لا يخلو من خفاء، إذ لا خلل في مقصده.
(4) لكن في القواعد: " لو استأجر دارا للسكنى، فحدث خوف عام يمنع من السكنى في ذلك
البلد في تخير المستأجر نظر ". وفي جامع المقاصد: " في ثبوت التخيير قوة ". وفيه:
ما عرفت من عدم المنفعة التي هي شرط صحة الاجارة، وقد تقدم: أن في حاق الاجارة
المعاوضة على المنفعة، ولا مجال لتحقق المعاوضة مع عدم المنفعة خارجا. (5) عبارة
التعليل لا تخلو من مسامحة.
( 59 )
[ المستأجر بمنزلة القبض (1)، وإتلاف المؤجر موجب للتخيير بين ضمانه والفسخ
(2). وإتلاف الاجنبي موجب لضمانه (3). والعذر العام بمنزلة التلف. وأما العذر الخاص
بالمستأجر - كما إذا استأجر دابة لركوبه بنفسه فمرض ولم يقدر على المسافرة أو رجلا
لقلع سنه فزال ألمه، أو نحو ذلك - ففيه اشكال. ولا يبعد أن يقال: إنه يوجب البطلان
إذا كان بحيث لو كان قبل العقد لم يصح معه العقد (4). (مسألة 14): إذا آجرت الزوجة
نفسها بدون إذن الزوج فيما ينافي حق الاستمتاع وقفت على إجازة الزوج، بخلاف ما إذا
لم يكن منافيا، فانها صحيحة. وإذا اتفق إرادة الزوج للاستمتاع كشف عن فسادها. ] (1)
لا يخلو من إشكال، لان اعتبار المنفعة عند العقلاء تابع لوجود العين خارجا، ولا
يكفي فيه الوجود الفرضي ولو كان ذميا. ومنه يظهر الاشكال فيما بعده، وإن كان يظهر
من الجواهر وغيرها التسالم عليه. (2) أما الضمان: فلان إتلاف العين اتلاف للمنفعة،
وهو موجب لضمانها. وأما الفسخ: فلتخلف المقصود، وهو الانتفاع الخاص بالعين. ويظهر
من كلام غير واحد: المفروغية عن ثبوت الخيار لذلك. (3) الموجب للفسخ في إتلاف
المؤجر موجود هنا أيضا، فالفرق بينهما في ذلك غير ظاهر. (4) بأن يكون موضوع
المعاوضة خصوص انتفاع شخص المستأجر، أما إذا كان التقييد على نحو تعدد المطلوب يكون
المقام من باب تخلف الوصف، كما عرفت.
( 60 )
[ (مسألة 15): قد ذكر سابقا: ان كلا من المؤجر والمستأجر يملك ما انتقل إليه
بالاجارة بنفس العقد، ولكن لا يجب تسليم احدهما إلا بتسليم الآخر. وتسليم المنفعة
بتسليم العين. وتسليم الاجرة باقباضها إلا إذا كانت منفعة ايضا، فبتسليم العين التي
تستوفى منها. ولا يجب على واحد منهما الابتداء بالتسليم. ولو تعاسرا أجبرهما
الحاكم. ولو كان احدهما باذلا دون الآخر ولم يمكن جبره كان للاول الحبس. إلى أن
يسلم الآخر. هذا كله إذا لم يشترط في العقد تأجيل التسليم في احدهما، وإلا كان هو
المتبع. هذا وأما تسليم العمل: فان كان مثل الصلاة والصوم والحج والزيارة ونحوها
فبإتمامه، فقبله لا يستحق المؤجر المطالبة وبعده لا يجوز للمستأجر المماطلة، إلا أن
يكون هناك شرط أو عادة في تقديم الاجرة، فيتبع، وإلا فلا يستحق حتى لو لم يمكن له
العمل إلا بعد أخذ الاجرة، كما في الحج الاستئجاري إذا كان المؤجر معسرا. وكذا في
مثل بناء جدار داره أو حفر بئر في داره أو نحو ذلك (1)، فان إتمام العمل تسليم،
ولايحتاج إلى شئ آخر. وأما في مثل الثوب الذي أعطاه ] (1) لا يظهر الفرق بين بناء
الجدار وحفر البئر وخياطة الثوب، في أن كل واحد منها له أثر خارجي، لا يكون تسليم
الاثر إلا بتسليم المحل ولعل المراد: صورة ما إذا كانت الدار التي فيها الجدار
والبئر في يد المالك، فحينئذ لاريب في حصول التسليم بمجرد تمام العمل. ولعله ظاهر
العبارة الآتية.
( 61 )
[ ليخيطه، أو الكتاب الذي يكتبه، أو نحو ذلك مما كان العمل في شئ بيد المؤجر:
فهل يكفي إتمامه في التسليم، فبمجرد الاتمام بستحق المطالبة، أو لا إلا بعد تسليم
مورد العمل، فقبل أن يسلم الثوب - مثلا - لا يستحق مطالبة الاجرة؟ قولان، أقواهما:
الاول (1)، لان المستأجر عليه نفس العمل، والمفروض ] (1) كما اختاره في الجواهر.
تبعا لما في الشرائع وظاهر غيرها، للوجه المذكور في المتن. والثاني: ظاهر القواعد،
وحكي عن جملة أخرى، واختاره بعض الاعاظم في حاشيته فقال: " بل الثاني، وضابط ذلك
هو: أنه لما كانت مالية العمل باعتبار نفس صدوره من العامل - كالعبادات مثلا وحفر
البئر وبناء الجدار وحمل المتاع ونحوه من مكان إلى آخر - فالفراغ عن العمل تسليمه.
وإن كان الاثر المتولد منه هو مناط ماليته - كالخياطة والقصارة والصياغة ونحو ذلك -
فذلك الاثر بملك تبعا لتملك العمل، ويتوقف تسليم ما آجر نفسه له على تسليمه بتسليم
مورده على الاقوى. ولو تلف قبل ذلك بعد الفراغ عن العمل المستأجر له - كالخياطة
مثلا - كان بالنسبة إلى متعلق الاجارة من التلف قبل القبض الموجب لانفساخها. ولو
أتلفه المؤجر أو أجنبي يتخير المالك في فسخ الاجارة. فيستوفي قيمة الثوب غير مخيط
ممن أتلفه، أو امضائها فيستوفي قيمته مخيطا، ويدفع إلى العامل قيمة الخياطة، ويثبت
للعامل حق حبس العين بعد إتمام العمل إلى ان يستوفي أجرته ". أقول: قوله في الحاشية
المذكورة: " كالعبادات " لا يخلو من نظر، فان مالية الافعال المذكورة إنما هو بلحاظ
ما يترتب عليها من الآثار، لابلحاظها في نفسها، ولاسيما في مثل بناء الجدار، فان
الفرق بينه وبين خياطة الثوب في غاية الخفاء. فان الصفة الحادثة في الثوب من
الخياطة
( 62 )
بعينها الصفة الحادثة في الجدار من البناء. وهي في المقامين منشأ الرغبة في
العمل، التي هي الموجب لاعتبار المالية فيهما. وربما يحتمل أن يكون وجه الفرق بين
الامثلة المذكورة: أن الاثر المترتب على العمل في القسم الاول ليس له وجود خارجي،
فان نقل المتاع من مكان إلى آخر، إنما يترتب عليه إضافة الظرفية إلى المكان الثاني،
وليس هناك وجود زائد على وجود الظرف والمظروف، ونحوه بناء الجدار، وحفر البئر، إذ
لا يترتب على الاول إلا اتصال الحجارة بالطين، ولا على الثاني إلا فصل التراب عن
موضعه. وكذا أمثالها مما لا يترتب على الاعمال فيها إلا الاضافات الخاصة، بخلاف مثل
صبغ الثوب، فان اللون موجود خارجي زائد على موضوعه. وفيه: أن ذلك جار بعينه في مثل
الخياطة والصياغة، فان المترتب عليه ليس إلا الهيئة الخاصة، الحاصلة من تقارب
الاجزاء أو تواصلها. مع أن كون الامور المذكورة ليست موجودات خارجية وأنها اضافات
خارجية لا يستوجب الفرق بينها وبين مثل السواد والبياض في الحكم المذكور، فان العرف
لا يفرق بينهما في جميع الاحكام، فان كل مثل السواد والبياض مملوكا فهي أيضا
مملوكة، وإن كان مثلها مناط المالية فهي أيضا كذلك، وإن كان مثلها مما تصح الاجارة
عليه فهي أيضا كذلك، وإن كان تسليم العمل بتسليمها فهي أيضا كذلك، فالفرق بينهما
غير ظاهر. قوله - في الحاشية -: " تبعا لتملك ": لاإشكال في أن الاثر يملك تبعا
للعمل، لانه متولد منه، إلا أن هذا المقدار لا يستوجب كون الاثر موضوعا للمعاوضة
المأخوذة في حاق الاجارة، لمباينته للعمل الذي هو تمام موضوعها، وحينئذ لا يكون عقد
الاجارة موجبا لتسليمه في ظرف تسلم الاجرة. هذا مضافا إلى أن تملك الاثر بالتبعية
لا يتوقف على كون
( 63 )
[ أنه قد حصل، لا الصفة الحادثة في الثوب - مثلا - وهي المخيطة (1)، حتى يقال:
إنها في الثوب وتسليمها بتسليمه. وعلى ما ذكرنا: فلو تلف الثوب - مثلا - بعد تمام
الخياطة في يد المؤجر بلا ضمان يستحق أجرة العمل، بخلافه على القول الآخر (2). ولو
تلف مع ضمانه أو أتلفه، وجب عليه قيمته ] مالية العمل بلحاظ ترتبه، فانه لو كانت
مالية العمل بلحاظ نفسه، وكان يترتب عليه أثر عيني خارجي أيضا يكون مملوكا لمالك.
فالضابط - على هذا - ينبغي أن يكون هكذا: يعني: أن العمل المستأجر عليه قسمان:
الاول: مالا يكون له أثر في موضوع. والآخر: ما يكون له أثر عيني في موضوع. فالاول:
لاإشكال في حصول تسليمه باتمامه، واستحقاق الاجرة به. والثاني: فيه القولان
المذكوران. قوله - في الحاشية -: " يتخير المالك ": يعني: لا تبطل الاجارة بالتلف
المذكور، لان التالف لما كان مضمونا لم يكن من التلف قبل القبض، بل من قبيل تخلف
الوصف قبل القبض، الموجب للخيار. (1) لانها عين، والاجارة انما تكون على المنفعة
التي تنطبق على العمل لا على العين. (2) فانه لا يستحق الاجر، لبطلان الاجارة
بالتلف قبل القبض. لكن هذا مبني على التعدي من البيع إلى الاجارة، وهو غير ظاهر كما
تقدم في المسألة السابعة، وتعرضنا له في شرح المسألة الرابعة. إلا أن يقال: إذا كان
وجوب التسليم مشروطا بامكانه، فمع التلف لا يجب التسليم، وإذا كان الشئ لا يجب
تسليمه أبدا لا يصح اعتبار الملكية له. لكن ذلك غير البطلان. أو أن مقصودهم من أن
التلف موجب للبطلان: أنه لا يجب معه التسليم.
( 64 )
مع وصف المخيطية لاقيمته قبلها، وله الاجرة المسماة. بخلافه على القول الآخر،
فانه لا يستحق الاجرة وعليه قيمته غير مخيط. وأما احتمال عدم استحقاقه الاجرة مع
ضمانه القيمة مع الوصف. فبعيد، وإن كان له وجه (1). وكذا يتفرع على ما ذكر: أنه لا
يجوز حبس العين بعد إتمام العمل إلى أن يستوفي الاجرة (2)، فانها بيده أمانة، إذ
ليست هي ولا الصفة التي فيها موردا للمعاوضة، فلو حبسها ضمن، بخلافه على القول
الآخر. ] (1) يمكن أن يكون الوجه فيه ما أشرنا إليه، من عدم بطلان الاجارة بالتلف،
غاية الامر أنه لا يستحق الاجير المطالبة بالاجرة، ولا يجب على المستأجر تسليمها،
إذ على هذا تكون الصفة ملكا للمستأجر، فيضمنها الاجير للمستأجر، ولا تجوز له
المطالبة بالاجرة. نعم بناء على أن التلف قبل القبض موجب للبطلان في الاجارة كالبيع
يكون التلف موجبا لرجوع العمل ملكا للعامل، فيتبعه أثره، ولا موجب لضمان العامل،
لانه له لا لغيره. لكن يشكل هذا الوجه: بأن الصفة إذا كانت مضمونة للمستأجر فقد
سلمت إليه بدفع البدل، فيجب عليه دفع الاجرة لحصول التسليم من طرفه، ولافرق في ذلك
بين القول بكون الضمان معاوضة، وكونه تدارك خسارة، لان تدارك الخسارة أيضا نوع من
التسليم، فيجب معه التسليم من الطرف الآخر. وإن شئت قلت: الاصل وجوب التسليم الا ما
خرج، والمتيقن منه صورة عدم التسليم من الطرف الآخر من كل وجه. فلاحظ. (2) كما جزم
به في القواعد. وفي الجواهر: أنه مناف لما سبق منه
( 65 )
[ (مسألة 16): إذا تبين بطلان الاجارة رجعت الاجرة إلى المستأجر، واستحق المؤجر
أجرة المثل بمقدار ما استوفاه المستأجر من المنفعة (1)، أو فاتت تحت يده (2) إذا
كان جاهلا بالبطلان، خصوصا مع علم المستأجر (3). وأما إذا كان عالما فيشكل ضمان
المستأجر، خصوصا إذا كان جاهلا، لانه بتسليمه العين إليه قد هتك حرمة ماله، خصوصا
إذا كان البطلان من جهة جعل الاجرة مالا يتمول شرعا أو عرفا، أو إذا كان أجرة بلا
عوض. ودعوى: أن إقدامه وإذنه في الاستيفاء إنما هو بعنوان الاجارة، والمفروض عدم
تحققها، فاذنه مقيد بما لم يتحقق. مدفوعة: بأنه إن كان المراد كونه مقيدا بالتحقق
شرعا فممنوع، إذ مع فرض العلم بعدم ] من عدم استحقاق الاجرة باتمام العمل. (1)
العمدة في دليله الاجماع. والاستدلال له بما دل على احترام مال المسلم (* 1) أو
قاعدة الضرر (* 2)، غير ظاهر، كما حرر ذلك في قاعدة: (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده).
مضافا إلى ما يستفاد من صحيح أبي ولاد المشهور (* 3)، فانه تضمن ضمان الانتفاعات
المستوفاة. (2) دليله غير ظاهر، والاجماع المدعى عليه في التذكرة لا مجال للركون
إليه، لنقل الخلاف من جماعة، كما حرر ذلك في محله. (3) فانه في هذه الحال يكون آثما
عاصيا، فأولى أن يؤخذ بأشق الاحوال.
____________
(* 1) الوسائل باب: 152 من أبواب احكام العشرة حديث: 12 وباب: 3 من أبواب مكان
المصلي حديث: 1، 3. (* 2) تقدمت الاشارة إلى مستند القاعدة من النصوص في صفحة: 39.
(* 3) الوسائل باب: 17 من أبواب احكام الاجارة حديث: 1.
( 66 )
[ الصحة شرعا لا يعقل قصد تحققه إلا على وجه التشريع المعلوم عدمه (1). وإن كان
المراد تقيده بتحققها الانشائي فهو حاصل. ومن هنا يظهر حال الاجرة أيضا، فانها لو
تلفت في يد المؤجر يضمن عوضها، إلا إذا كان المستأجر عالما ببطلان الاجارة ومع ذلك
دفعها إليه. نعم إذا كانت موجودة له أن يستردها. هذا وكذا في الاجارة على الاعمال،
إذا كانت باطلة يستحق العامل أجرة المثل لعمله، دون المسماة إذا كان جاهلا
بالبطلان. وأما إذا كان عالما فيكون هو المتبرع بعمله، سواء كان بأمر من المستأجر،
أو لا، فيجب عليه رد الاجرة المسماة أو عوضها، ولا يستحق أجرة المثل. وإذا كان
المستأجر أيضا عالما فليس له مطالبة الاجرة مع تلفها، ولو مع عدم العمل من المؤجر.
(مسألة 17): يجوز إجارة المشاع، كما يجوز بيعه وصلحه وهبته، ولكن لا يجوز تسليمه
إلا باذن الشريك إذا كان مشتركا. نعم إذا كان المستأجر جاهلا بكونه مشتركا كان له
خيار الفسخ للشركة، وذلك كما إذا آجره داره فتبين أن ] (1) هذا غير ظاهر، بل
المرتكز في ذهن المتعاملين في أمثال المقام قصد المعاملة الشرعية بالسبب الخاص،
فالتشريع يكون في السبب، والدفع يكون مقيدا بملكية المدفوع إليه شرعا، وإن كان لاجل
التشريع في سببها. وهكذا الكلام في الاجرة وإجارة العامل، فان الدفع في جميع ذلك
إنما كان بعنوان استحقاق المدفوع إليه، لا بعنوان كونه غير مستحق له، بل مستحق
للدافع والعامل، والتبرع الخارج عن عموم الضمان مختص بالاخير لاغير.
( 67 )
[ نصفها للغير، ولم يجز ذلك الغير، فان له خيار الشركة، بل وخيار التبعض. ولو
آجره نصف الدار مشاعا، وكان المستأجر معتقدا أن تمام الدار له فيكون شريكا معه في
منفعتها، فتبين أن النصف الآخر مال الغير فالشركة مع ذلك الغير، ففي ثبوت الخيار له
حينئذ وجهان (1). لا يبعد ذلك إذا كان في الشركة مع ذلك الغير منقصة له. (مسألة
18): لا بأس باستئجار اثنين دارا على الاشاعة، ثم يقتسمان مساكنهما بالتراضي أو
بالقرعة (2). ] (1) أقواهما عدمه، لان الموجب للخيار تخلف المقصود العقدي. وكون
الشريك زيدا أو عمرا لادخل له في ذلك. (2) هذا من قبيل المنافع، وقد صرح جماعة -
منهم العلامة في القواعد - بعدم وجوب الاجابة إليها، ولو وقعت الاجابة جاز الفسخ
حتى لو تصرف أحدهما على طبق القسمة. نعم لو تصرفا معا على طبق القسمه لم يجز الرجوع
إلا بالتراضي، وكأنه لعدم الدليل على عموم الاجابة إليها، بل عدم الدليل أيضا على
صحتها من حيث أنها قسمة، لاختصاص أدلة مشروعيتها بقسمة الاعيان، ولا تشمل المنافع،
نعم لو وقع الصلح بينهم على القسمة كان لازما، عملا بعموم دليله. اللهم إلا أن
يتمسك بعموم الوفاء بالعقود، فانها نوع منها، وحينئذ يجب البناء على لزومها، ولا
يصح الرجوع عنها. نعم لا تجب الاجابة إليها لعدم الدليل عليه، ولكونه خلاف قاعدة
السلطنة. وأما التفكيك بين تصرفهما وتصرف أحدهما، فيجوز الرجوع في الثاني دون
الاول، فغير ظاهر الوجه، لانها إن كانت جائزة بعد تصرف أحدهما فقط فلتكن
( 68 )
[ وكذا يجوز استئجار اثنين دابة للركوب على التناوب، ثم يتفقان على قرار بينهما
بالتعيين، بفرسخ فرسخ، أو غير ذلك وإذا اختلفا في المبتدئ يرجعان إلى القرعة. وكذا
يجوز استئجار اثنين دابة - مثلا - لاعلى وجه الاشاعة. بل نوبا معينة بالمدة أو
بالفراسخ. وكذا يجوز إجارة اثنين نفسهما على عمل معين على وجه الشركة، كحمل شئ معين
لا يمكن إلا بالمتعدد. (مسألة 19): لا يشترط اتصال مدة الاجارة بالعقد على الاقوى،
فيجوز أن يؤجره داره شهرا متأخرا عن العقد بشهر أو سنة، سواء كانت مستأجرة في ذلك
الشهر الفاصل أم لا. ودعوى البطلان (1) من جهة عدم القدرة على التسليم كما ترى، إذ
التسليم لازم في زمان الاستحقاق لاقبله. هذا ولو آجره داره شهرا وأطلق، انصرف
الاتصال بالعقد. نعم لو لم يكن انصراف بطل (2). ] جائزة بعد تصرفهما. وكأنه لذلك
تنظر في الجواهر في الجملة فيما ذكره الجماعة. (1) حكي عن الشيخ وأبي الصلاح، وعلل
بما في المتن. وظاهر محكي كلام الاول: أن الوجه فيه عدم الدليل على الصحة. وهو كما
ترى، فان عموم الوفاء بالعقود كاف في الدلالة عليها. (2) للابهام.
( 69 )
[ فصل العين المستأجرة في يد المستأجر امانة، فلا يضمن تلفها أو تعيبها إلا
بالتعدي أو التفريط (1). ولو شرط المؤجر ] (1) إجماعا بقسميه عليه، كما في الجواهر.
ويستفاد من النصوص الواردة في ضمان المستأجر إذا تعدى، فان مفهومها يقتضي عدم
الضمان مع عدمه، كصحاح علي بن جعفر، والحلبي، وأبي ولاد (* 1)، وغيرها. وفي صحيح
محمد بن قيس: " قال أمير المؤمنين (ع): ولا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم
يكرهها أو يبغها غائلة " (* 2). وبالجملة: الحكم المذكور لاإشكال فيه. وأما مادل
على عدم ضمان الامين (* 3) ففي شموله للمقام إشكال، لان الظاهر منه الامين على
الحفظ، وهو غير ما نحن فيه. وأما صحيح الحلبي: " عن رجل استأجر أجيرا، فأقعده على
متاعه. فسرق. قال (ع): مؤتمن " (* 4) فيحتمل أن يكون المراد منه المؤتمن على الحفظ،
فلا مجال للاستدلال به على المقام. نعم في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): "
صاحبا الوديعة والبضاعة مؤتمنان... وقال: ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية
والوديعة مؤتمن " (* 5)، ودلالته على عدم ضمان المؤتمن على المال ظاهرة. ويعضدها
مادل على عدم
____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب احكام الاجارة حديث: 6، 3، 1. (* 2) الوسائل باب:
32 من أبواب احكام الاجارة حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 4 من أبواب احكام الوديعة.
(* 4) الوسائل باب: 4 من أبواب أحكام الوديعة حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 1 من
أبواب احكام العارية حديث: 6.
( 70 )
[ عليه ضمانها بدونهما فالمشهور (1) عدم الصحة (2). لكن ] ضمان الاجير، (* 1)
والمستأجر (* 2)، والمرتهن (* 3)، والمستعير (* 4)، والعامل (* 5)، ونحوهم من
المؤتمنين. فيمكن استفادة قاعدة عدم ضمان الامين بالمعنى الاعم، ويخرج به عن عموم:
(على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (* 6)، بناء على عمومه للامانة كما هو الظاهر. وعلى
هذا فعدم ضمان المستأجر كما يستفاد من الادلة الخاصة، يستفاد من القاعدة المذكورة.
(1) في مفتاح الكرامة عن المرتضى: الصحة. بل ظاهر كلامه المحكى: أنه إجماع. وعن
الاردبيلي والكفاية: موافقته. وفي الرياض: أنه أظهر. (2) لما دل على عدم ضمان
الامين، فيكون شرط الضمان مخالفا للكتاب (* 7). ودعوى أن عدم ضمانه لعدم المقتضي،
فلا يكون الشرط حينئذ مخالفا للكتاب، لاختصاص المخالف بما كان على خلاف الحكم
الاقتضائي لا مطلقا. مندفعة: بأن عموم (على اليد...) بعد ماكان شاملا ليد الامين،
ظاهر في وجود مقتضي الضمان في يده، فعدم ضمانه لابد أن يكون لمقتضي العدم. مع أن
الشك في كونه من باب التزاحم. فيكون
____________
(* 1) الوسائل باب: 29 من أبواب احكام الاجارة. (* 2) الوسائل باب: 32 من أبواب
احكام الاجارة. (* 3) الوسائل باب: 5 من أبواب احكام الرهن. (* 4) الوسائل باب: 1
من أبواب احكام العارية. (* 5) الوسائل باب: 30 من أبواب احكام الاجارة. (* 6)
مستدرك الوسائل باب: 1 من أبواب احكام الغصب حديث: 4، وباب: 12 من أبواب الوديعة
حديث: 12 وكنز العمال الجزء: 5 حديث: 5197. (* 7) لقوله تعالى: (ما على المحسنين من
سبيل) التوبة: 91.
( 71 )
عدم الضمان اقتضائيا، وكونه من باب التخصيص كاف في عدم جواز الرجوع إلى عموم: "
المؤمنون عند شروطهم " (* 1)، لكون الشبهة حينئذ مصداقية. وأصالة عدم المخالفة
للكتاب موقوفة على استصحاب العدم الازلي اللهم إلا أن يقال: المرتكز عند العقلاء
كون خروج يد الامين من باب التخصيص، فيكون عدم الضمان لعدم المقتضي، لا من باب
التزاحم، وحينئذ يشكل البناء على فساد الشرط، لاجل كونه مخالفا للكتاب. اللهم إلا
أن يوجه الفساد بأنه من باب شرط النتيجة - كما أشار إلى ذلك في الجواهر هنا - فان
التحقيق بطلان شرط النتيجة، إذ النتائج لاتقبل أن تكون مضافة إلى مالك، فلا تكون
شرطا، إذ التحقيق أن الشرط مملوك للمشروط له، فإذا امتنع أن تكون مملوكة امتنع أن
تشترط ملكيتها. نعم إذا كانت في العهدة جاز أن تكون مملوكة، لكنها حينئذ تخرج عن
كونها شرط نتيجة، بل تكون من قبيل شرط الفعل، وليس هو محل الكلام. مثلا إذا قال:
بعتك داري ولك علي أن أملكك فرسي، كان من شرط الفعل، ولا إشكال في جوازه. وإذا قال:
ولك علي ملكية فرسي، وقصد المعنى الاول، كان أيضا من شرط الفعل وكان صحيحا. وإذا
قصد أن له ملكية الفرس من دون أن تكون في عهدة المشروط عليه، كان من شرط النتيجة،
وكان موردا للاشكال المذكور، من أن النتائج إذا لم تكن في العهدة لا تصلح لان تكون
طرفا لاضافة الملكية. وكذلك سائر الاعيان التي لا وجود لها في الخارج، إذا لم تكن
في العهدة لا تكون مملوكة أيضا. هذا مضافا: إلى أن مفاد صيغة الشرط مجرد جعل
التمليك بين المشروط له والشرط، لاجعل الشرط المملوك، فان الصيغة لا تتكفله،
____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب المهور حديث: 4.
( 72 )
[ الاقوى صحته. وأولى بالصحة إذا اشترط عليه اداء مقدار ] فإذا لم يكن مجعولا
لم يكن ثابتا، فلا يكون شرط النتيجة موجبا لتحقق النتيجة، ولا يصح حينئذ ترتيب
الاثر عليها. وليس المراد من بطلان شرط النتيجة إلا هذا المعنى، أعني: عدم ترتب
النتيجة عليه. ثم إن الاشكالين المذكورين في شرط النتيجة، إنما يمنعان عنه إذا كان
مفاد الشرط في العقد تمليك الشرط للمشروط له، كما هو الظاهر، ويقتضيه مناسبته بباب
شرط الفعل، وباب الاقرار، ونحوهما. أما لو كان مفاده مجرد الالتزام للمشروط له
بالشرط، فمرجعه إلى إنشاء شرط النتيجة في ضمن العقد، ولا بأس به عملا بعموم نفوذ
الشرط. إلا إذا كان مفهومه لا ينشأ إلا بسبب خاص، فان عموم الشرط حينئذ لا يصلح
لتشريع صحة إنشائه بدون ذلك السبب، لانه يكون مخالفا للكتاب، فيدخل في الشرط
الباطل. ثم إن ما ورد في النصوص من شرط النتيجة، كشرط الضمان في العارية، وشرط
الضمان في المسألة الآتية، لابد إما أن يحمل على شرط الفعل بأن يكون المقصود من شرط
الضمان شرط تدارك خسارة التالف. كما سيأتي في كلام المصنف، وإما أن يكون المقصود
إنشاء النتيجة نفسها في ضمن العقد، من دون قصد تمليك للمشروط له. ومثل ذلك ما ورد
في الاستعمال العرفي، فانه لابد أن يحمل على أحد الامرين، ويختلف ذلك باختلاف
القرائن المكتنفة في المقام، فقد تقتضي الاول، وقد تقتضي الثاني. وأما نذر النتيجة،
فالكلام فيه أظهر، لاشتمال صيغة النذر على اللام الدالة على الملك. وحمل اللام على
أنها لام الصلة، والظرف مستقر متعلق بقوله: التزمت، يعني: التزمت لله تعالى، خلاف
الظاهر جدا. وقد تعرضنا لذلك في أوائل مباحث الزكاة من هذا الشرح.
( 73 )
[ مخصوص من ماله على تقدير التلف أو التعيب (1)، لا بعنوان الضمان (2). والظاهر
عدم الفرق في عدم الضمان مع عدم الامرين - بين أن يكون التلف في اثناء المدة أو
بعدها إذا لم يحصل منه منع للمؤجر عن عين ماله إذا طلبها، بل خلى بينه وبينها ولم
يتصرف بعد ذلك فيها. ثم هذا إذا كانت الاجارة صحيحة. وأما إذا كانت باطلة ففي
ضمانها وجهان. اقواهما: العدم (3) ] (1) لعدم المانع المذكور، بل عليه حمل القول
بصحة شرط الضمان. (2) كما صرح بذلك في الجواهر، والظاهر أنه المشهور، عملا
بالاستصحاب. وعن الاسكافي والطوسي: إطلاق الضمان بعد المدة. ويقتضيه عموم " على
اليد... "، المقتصر في الخروج عنه على ما في المدة لدليله، والاستصحاب لا يعارض
العام. نعم إذا كان ظاهر ترك المطالبة الائتمان. دخل في عموم نفي الضمان. (3) كما
هو المشهور، لقاعدة: (مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده)، المجمع عليها. وقد استدل
بها على ذلك في المقام في محكي التذكرة وغيرها. ودعوى: اختصاص القاعدة فيما هو مصب
العقد، وهو في الاجارة منفعة العين. فيها أن ذلك خلاف مقتضى استدلالهم بها على عدم
الضمان. مع أن استدلالهم عليها بالاقدام على الاذن المجاني، المانع من عموم " على
اليد ما أخذت... " مطرد في المقامين. مضافا إلى أن الاجارة أيضا موضوعها العين كما
عرفت في أول الكتاب، فانه يصح أن يقول: آجرت العين، ولا يصح أن يقول: آجرت المنفعة،
فالعين موضوع للاجارة. وكذلك يقال: أعرت العين. ثم إنه لو بني على عدم شمول عكس
القاعدة، كفى في نفي الضمان مادل
( 74 )
[ خصوصا إذا كان المؤجر عالما بالبطلان حين الاقباض، دون المستأجر. (مسألة 1):
العين التي للمستأجر بيد المؤجر الذي آجر نفس لعمل فيها - كالثوب آجر نفسه ليخيطه -
أمانة، فلا يضمن تلفها أو نقصها إلا بالتعدي أو التفريط (1)، أو ] على عدم ضمان
المستأمن (* 1)، فان موضوع عدم الضمان هو الامين العرفي، وهو حاصل في الاجارة
الصحيحة والفاسدة بنحو واحد. ودعوى: أن الاستيمان مبني على الاجارة، فإذا تبين
فسادها فقد تبين انتفاؤه. يدفعها: أن ظاهر نصوص عدم الضمان مع الاستيمان عموم الحكم
لصورة التلف المؤدي إلى فساد العقد من أول الامر، فتدل تلك النصوص على نفي الضمان
مع الاستيمان، ولو كان في العقد الفاسد. فلاحظ تلك النصوص العامة والخاصة في
مواردها، فانها تدل على ما ذكرنا من أن الاستيمان المبني على العقد موضوع لعدم
الضمان، وإن تبين بطلان العقد كما أشرنا إلى ذلك في (نهج الفقاهة). هذا ولم يحك
الخلاف في المقام إلا عن الادربيلي وصاحب الرياض، والذي عثرت عليه من كلام الاول في
مسألة عدم ضمان المستأجر هو: عدم الضمان في الاجارة الفاسدة، مستدلا عليه بالاصل
والقاعدة المتقدمة. نعم في الرياض. في مسألة ثبوت أجرة المثل في كل موضع تبطل فيه
الاجارة، اختار الضمان حاكيا نسبته إلى المفهوم من كلمات الاصحاب، مستدلا عليه
بعموم " على اليد... "، واستشكل فيه إذا كان المؤجر عالما بالفساد، للشبهة
المتقدمة. (1) بلا خلاف فيه، كما اعترف به غير واحد. نعم في الشرائع:
____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 4 من أبواب احكام الوديعة.
( 75 )
[ اشتراط ضمانها على حذو ما مر في العين المستأجرة (1). ولو تلفت أو أتلفها
المؤجر أو الاجنبي، قبل العمل أو في الاثناء بطلت الاجارة، ورجعت الاجرة بتمامها أو
بعضها إلى المستأجر بل لو أتلفها مالكها المستأجر كذلك أيضا (2). نعم لو كانت
الاجارة واقعة على منفعة المؤجر. بأن يملك منفعة الخياطي في يوم كذا، يكون إتلافه
لمتعلق العمل بمنزلة استيفائه، لانه باتلافه إياه فوت على نفسه المنفعة. ففرق بين
أن يكون العمل في ذمته، أو أن يكون منفعة الكذائية للمستأجر، ففي ] نسبته إلى
الاصح، وظاهره وقوع الخلاف فيه. وفي المسالك: وجود القول بالضمان. وعن المرتضى:
الاجماع. لكن في الجواهر - تبعا لمفتاح الكرامة - أن الخلاف في الضمان مع التهمة،
لامع العلم بعدم التفريط والتعدي. وكيف كان، فيدل عليه ما عرفت من النصوص الدالة
على عدم ضمان المستأمن، فان المقام منه. (1) كما هو المشهور كما قيل. ويشهد له خبر
موسى بن بكير: " عن رجل استأجر سفينة من ملاح فحملها طعاما واشترط عليه إن نقص
الطعام فعليه. قال (ع): جائز. قلت: إنه ربما زاد الطعام. قال: فقال: يدعي الملاح
أنه زاد فيه شيئا؟، قلت: لا، قال: هو لصاحب الطعام الزيادة، وعليه النقصان إذا كان
قد اشترط ذلك " (* 1). وقد عرفت أنه لابد من حمله على شرط الفعل، أو على كون
المقصود منه إنشاء الضمان في ضمن العقد. (2) لعدم الفرق بين صور التلف، في أن عدم
العين يوجب تعذر
____________
(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب احكام الاجارة حديث: 5.
( 76 )
[ الصورة الاولى التلف قبل العمل موجب للبطلان، ورجوع الاجرة إلى المستأجر وإن
كان هو المتلف. وفي الصورة الثانية إتلافه بمنزلة الاستيفاء، وحيث أنه مالك لمنفعة
المؤجر وقد فوتها على نفسه فالاجرة ثابتة عليه. (مسألة 2): المدار في الضمان على
قيمة يوم الاداء في القيميات (1)، لايوم التلف، ولا أعلى القيم على الاقوى. ] العمل
المستأجر عليه، لارتباطه به، الموجب لكونه فواته وانعدامه موجبا لانعدام المتعلق
به. ومن هنا يشكل الفرق بين الصورة المذكورة والصورة الاخرى، إذا أيضا يقال فيها:
إن تعذر العين يوجب تعذر المنفعة الخاصة بل يمكن كون البطلان في الثانية أظهر، لعدم
قيام غيره مقامه في الثانية، بخلاف الاولى، لكنه فرق لا يوجب إلا الاولوية.
وبالجملة بعدما. كان موضوع الاجارة متعلقا بالعين وهي متعذرة، فيكون موضوع الاجارة
متعذرا فتبطل، ولافرق بين الصورتين في ذلك. وأما دعوى المصنف (ره) أن إتلافه بمنزلة
الاستيفاء فغير ظاهرة، وإلا كان تلفه بمنزلة حصولها، ولا يظن التزامه بذلك. ومثله
دعوى كون تسليم المؤجر نفسه للعمل موجبا لاستقرار الاجرة، فانه إنما يسلم إذا كانت
المنفعة مقدورة، والاجارة باقية على صحتها، وقد عرفت خلافه. (1) كما هو أحد الاقوال
في المسألة. والعمدد فيه البناء على بقاء العين في الذمة إلى زمان الاداء، فتعتبر
القيمة حينئذ، وقيل قيمة زمان المخالفة، اعتمادا على صحيح أبي ولاد (* 1)، المشتمل
على قوله: " أرأيت لو نفق البغل أو عطب أليس كان يلزمني؟!، قال (ع): قيمة بغل يوم
خالفته "، بناء على أن قوله (ع): " يوم خالفته "، إما مضاف إليه
____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب احكام الاجارة حديث: 1.
( 77 )
القيمة. المضافة إلى البغل، أو قيد للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل.
وفيه: أن الاول غير معهود في الاستعمال ولا يمكن ارتكابه. والثاني غير معقول، لان
الاختصاص ملحوظ معنى حرفيا لاإسميا، ولا يمكن التعلق به. بل الظاهر كونه قيدا لعامل
الجملة الجوابية المقدر، أعني قوله: " يلزمك " وكما أن القيمة فاعله، كذلك الظرف
قيده. والتقدير - بعد ملاحظة الشرط في السؤال -: يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل لو
نفق أو عطب البغل، فيدل على أن الانتقال إلى القيمة يوم التلف. ولاجل أن الوجه في
ضمان القيمة تدارك الخسارة المالية في العين، يتعين البناء على قيمة يوم التلف. لان
ثبوت القيمة المذكورة تدارك لمالية العين الفائتة حينئذ. ومن هنا حكي عن الاكثر: أن
الاعتبار بقيمة يوم التلف. ويعضده بعض النصوص الاخر: مثل ما ورد في المعتق حصته من
عبد. أنه يقوم قيمته يوم أعتق أو يوم حرر. (* 1) وكأن المصنف (ره) جعل المتعلق به
الظرف. الفعل المقدر وهو: يلزمك، من دون أن يقدره معلقا على شرط التلف، فتكون
الرواية عنده مجملة من هذه الجهة، فيتعين الرجوع في تعيين القيمة إلى القواعد. ولما
كان الاظهر عنده: أن العين بنفسها باقية بعد التلف في الذمة. وان كانت قيمية، تعين
أن تكون القيمة بلحاظ زمان الاداء، لانه زمان التدارك. وما ذكره (ره) من بقاء العين
في الذمة وإن كان في محله، لكن جعل الفعل المقدر المتعلق به الظرف لا معلقا على
التلف خلاف الظاهر. وقد عرفت أنه إذا أخذ معلقا على التلف، فالاطلاق المقامي لدليل
ثبوت القيمة يقتضي الحمل على المرتكزات العقلائية، وهي تقتضي أن تكون بلحاظ زمان
التلف، لانه به يكون التدارك، وإلا كان تداركا بالاكثر أو بالاقل، وهو خلاف المرتكز
جدا.
____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب كتاب العتق حديث: 3، 4.
( 78 )
[ (مسألة 3): إذا أتلف الثوب بعد الخياطة ضمن قيمته مخيطا (1)، واستحق الاجرة
المسماة. وكذا لو حمل متاعا إلى مكان معين ثم تلف مضمونا أو أتلفه، فانه يضمن قيمته
في ذلك المكان، لا أن يكون المالك مخيرا بين تضمينه غير مخيط بلا أجرة، أو مخيطا مع
الاجرة (2). وكذا لا أن يكون في المتاع مخيرا بين قيمته غير محمول في مكانه الاول
بلا أجرة، أو في ذلك المكان مع الاجرة، كما قد يقال. (مسألة 4): إذا أفسد الاجير
للخياطة أو القصارة أو التفصيل للثوب ضمن. وكذا الحجام إذا جنى في حجامته (3) أو
الختان في ختانه. وكذا الكحال أو البيطار. وكل من آجر نفسه لعمل في مال المستأجر
إذا أفسده يكون ضامنا إذا تجاوز عن الحد المأذون فيه، وإن كان بغير قصده، لعموم "
من أتلف... " وللصحيح (4) عن أبي عبد الله (ع): ] (1) كما تقدم في المسألة العاشرة
من الفصل السابق. (2) قد تقدم منه أنه على القول الثاني يكون من التلف قبل القبض،
الموجب لبطلان الاجارة، فلا يستحق الاجرة، ويضمن قيمة العين غير موصوفة. وقد تقدم
في بعض الحواشي القول بالتخيير بين الامرين المذكورين. وذكرنا هناك وجهه، وأن
الضمان يجعل التلف من قبيل تلف الوصف، وهو خصوصية الصفة، لاتلف العين التي هي قوام
المعاوضة، الموجب للبطلان إذا كان قبل القبض، وتلف الوصف قبل القبض يوجب الخيار.
(3) استفاض نقل الاجماع صريحا وظاهرا عليه في محكي جماعة. (4) يريد به صحيح الحلبي
(1).
____________
(* 1) الوسائل باب: 29 من أبواب أحكام الاجارة حديث: 19.
( 79 )
[ " في الرجل يعطى الثوب ليصبغه، فقال، (ع): كل عامل أعطيته أجرا على أن يصلح
فأفسد فهو ضامن ". بل ظاهر المشهور ضمانه وإن لم يتجاوز عن الحد المأذون فيه (1)،
ولكنه مشكل (2). فلو مات الولد بسبب الختان، مع كون الختان حاذقا، من غير أن يتعدى
عن محل القطع، بأن كان أصل الختان مضرا به، في ضمانه اشكال. (مسألة 5): الطبيب
المباشر للعلاج إذا أفسد ضامن (3) ] (1) لاطلاقهم القول بضمان الاجير. (2) بل في
محكي التحرير: نفي الضمان، وعن الكفاية، أنه غير بعيد. ومال إليه في الجواهر. وجزم
به بعض المحققين، للاذن الرافعة للضمان وإن صدق الاتلاف، فان الاتلاف، باذن المالك
غير موجب للضمان إجماعا، والصحيح المذكور ونحوه ظاهر في صورة عدم موجود العمل
المستأجر عليه. ودعوى: أن الاذن مشروطة بالسلامة، فلا تشمل صورة التلف، ممنوعة، بل
هو خلاف المفروض. نعم لا يبعد كون السلامة من قبيل الداعي، الذي لا يقدح تخلفه في
حصول الاذن. هذا إذا كان الفساد من لوازم الفعل المأذون فيه - ولو في خصوص المورد -
واقعا، وإن جهلت الملازمة. أما إذا لم يمكن من لوازمه، فحصل من باب الاتفاق،
فالبناء على الضمان في محله، لانه غير مأذون فيه لا بالاصالة ولا بالتبعية. (3) كما
هو المعروف. ويشهد له خبر السكوني: " من تطيب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه،
وإلا فهو ضامن " (* 1). مضافا إلى عموم قاعدة: " من أتلف... "، والصحيح المتقدم،
ونحوه. وعن الحلبي:
____________
(* 1) الوسائل باب: 24 من أبواب موجبات الضمان حديث: 1.
( 80 )
[ وإن كان حاذقا. وأما إذا لم يكن مباشرا بل كان آمرا، ففي ضمانه إشكال (1)،
إلا أن يكون سببا وكان أقوى من المباشر وأشكل منه إذا كان واصفا للدواء، من دون أن
يكون آمرا كأن يقول: إن دواءك كذا وكذا. بل الاقوى فيه عدم الضمان وإن قال: الدواء
الفلاني نافع للمرض الفلاني، فلا ينبغي الاشكال في عدم ضمانه، فلا وجه لما عن بعضهم
من التأمل فيه. وكذا لو قال: لو كنت مريضا بمثل هذا المرض لشربت الدواء الفلاني.
(مسألة 6): إذا تبرأ الطبيب من الضمان، وقبل المريض أو وليه، ولم يقصر في الاجتهاد
والاحتياط برأ ] عدم الضمان، للاذن. وفيه: أن الاذن كان في العلاج، لافي الافساد.
(1) المحكي عن بعض: نفي الريب في الضمان، لاطلاق الاجماع المحكي على ضمان الطبيب،
ولخبر السكوني المتقدم، ولانه المتلف لانه السبب، وهو هنا أقوى من المباشر. والجميع
كما ترى، لمنع الاجماع. والخبر ظاهر في المباشر، بقرينة اقترانه بالبيطار، لاأقل من
عدم عمومه للآمر. وقوة السبب بنحو يستند إليه التلف عرفا غير ظاهر. وأما قاعدة
الغرور فليس بناؤهم على العمل بها في أمثال المقام ظاهرا، على أن في صدقه مع جهل
الغار تأملا، ولاسيما مع قيام السيرة على عدم التضمين بمجرد ذلك. ولاجل ما ذكر كان
عدم الضمان مختار جماعة من المحققين إذا كان واصفا غير آمر، منهم صاحب الجواهر، بل
وإذا كان آمرا أيضا، وإن كان في الجواهر مال إلى الضمان، بناء على قوة السبب
بالنسبة إلى المباشر في مثله، الذي عرفت منعه، ولاسيما وكون الامر إرشاديا، فهو
بمنزلة الوصف.
( 81 )
[ على الاقوى (1). (مسألة 7): إذا عثر الحمال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره -
مثلا - ضمن (2)، لقاعدة الاتلاف. ] (1) كما هو المشهور، بل لايعرف الخلاف فيه إلا
من الحلي وبعض آخر، لعدم جواز الاسقاط قبل الثبوت، وحملا للخبر المتقدم على البراءة
بعد الجناية. وفيه أن الحمل المذكور خلاف ظاهر الخبر، فلا مجال لرفع اليد عنه بعد
حجيته واعتماد الاصحاب عليه. مع أن ما ذكر لايتم لو كانت البراءة شرطا في عقد
الاجارة، لانه ليس من الاسقاط قبل الثبوت، بل هو شرط السقوط كما في شرط الخيار.
اللهم إلا أن يقال: إنه من شرط النتيجة. لكن عرفت قريبا الكلام فيه، وأنه لا بأس به
إذا كان المقصود إنشاء النتيجة في ضمن العقد. (2) كما نص على في الجواهر، لما ذكر،
وللصحيح: " في رجل حمل متاعا على رأسه، فأصاب إنسانا فمات أو انكسر منه. قال (ع):
هو ضامن " (* 1). لكن في شموله للفرض تأمل. فالعمدة قاعدة الاتلاف. دعوى أنه من
التلف غير ظاهرة، لاستناده إليه وإن كان عن غير قصد، كما لو عثر فرجع على إناء غيره
فكسره. ومنه يظهر ما عن كشف اللثام من عدم الضمن إلا مع التفريط، أو كونه عارية
مضمونة. نعم إذا كانت سلسلة أسباب، بعضها اختياري وبعضها غير اختياري، نسب الفعل
إلى الفاعل المختار، كما لو عمد إلى النائم فنخسه، فانقلب على إناء ثالث فكسره، نسب
الكسر إلى الناخس. أما لو كانت كلها غير اختيارية نسب الفعل إلى المباشر، كما لو
انقلب النائم على نائم آخر، فانقلب الثاني على
____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب موجبات الضمان حديث: 1، وباب: 30 من أبواب احكام
الاجارة حديث: 11.
( 82 )
[ (مسألة 8): إذا قال للخياط مثلا: إن كان هذا يكفيني قميصا فاقطعه، فلم يكف،
ضمن في وجه (1). ومثله لو قال: هل يكفي قميصا؟ فقال: نعم. فقال: اقطعه فلم يكفه
(2). وربما يفرق بينهما فيحكم بالضمان في الاول دون الثاني (3)، بدعوى عدم الاذن في
الاول دون الثاني. وفيه: أن في الاول أيضا الاذن حاصل (4). وربما يقال بعدم الضمان
فيهما، للاذن فيهما. وفيه: أنه مقيد بالكفاية، إلا أن يقال أنه مقيد باعتقاد
الكفاية، وهو حاصل (5). والاولى الفرق بين الموارد والاشخاص بحسب صدق الغرور وعدمه،
أو ] إناء فكسره، نسب الفعل إلى الثاني. ولو كانت كلها اختيارية، كما لو ضرب زيد
عمرا. فغضب عمرو وكسر إناء بكر، نسب الكسر إلى عمرو. ومن ذلك يعرف أن الاختيار ليس
شرطا في صحة النسبة، إلا إذا كان موجودا في سلسلة العلل. فانه يستند الفعل إلى
السبب الاختياري لاغير. (1) كما في القواعد وغيرها. واختاره في الجواهر، لعدم الاذن
في القطع فيكون النقص موجبا لضمان فاعله. (2) كأن وجه الضمان فيه قاعدة الغرور،
وإلا فالنقص الصادر من الخياط كان باذن المالك. (3) كما في القواعد وغيرها. واختاره
في الجواهر. (4) فيه منع، لان الاذن الحاصلة كانت مشروطة بالكفاية، والمفروض عدمها.
(5) بل غير مقيد وإنما هو مطلق، وإن كان عن داعي اعتقاد الكفاية، لكن تخلف الداعي
لا يقدح في حصول الاذن، كما في غيره.
( 83 )
[ تقيد الاذن وعدمه، والاحوط مراعاة الاحتياط. (مسألة 9): إذا آجر عبده لعمل
فأفسد، ففي كون الضمان عليه (1)، أو على العبد يتبع به بعد عتقه (2)، أو في كسبه
إذا كان من غير تفريط وفي ذمته يتبع به بعد العتق إذا كان بتفريط (3)، أو في كسبه
مطلقا (4)، وجوه وأقوال. ] (1) كما عن النهاية وفي الروض وغيره، وكأنه للحسن: " قضى
أمير المؤمنين (ع) في رجل، كان له غلام استأجره منه صائغ أو غيره قال (ع): إن كان
ضيع شيئا أو أبق منه فمواليه ضامنون " (* 1)، بعد حمل الصحيح الآتي على المثال، بأن
يكون ذكر الكسب من باب تمثيل ما يكون مع الضمان. (2) كما عن الحلي وجامع المقاصد،
عملا منهم بالقواعد، لان العبد هو المتلف. (3) هذا التفصيل منسوب إلى المسالك، حملا
للصحيح على ذلك، كما تقتضيه القاعدة، لان إذنه في العمل المترتب عليه التلف بلا
تفريط بمنزلة إسقاط حقه من كسبه، فيجب على العبد الكسب لتفريغ ذمته. بخلاف صورة
التفريط فانه لاإذن له في العمل حينئذ، فحقه في كسب العبد بحاله، وهو مانع عن تصرف
العبد فيه، ولاوجه لضمان المولى حينئذ لعدم كونه متلفا. وفيه: أن مجرد الاذن في
العمل لا يكفي في تسويغ تصرفه في كسب العبد، الذي هو ماله في غير مورد الاذن،
فالعمل باطلاق النصوص متعين. (4) كما في القواعد تبعا للشرائع. وتبعهما جماعة،
للصحيح: " في رجل استأجر مملوكا فيستهلك مالا كثيرا، قال (ع): ليس على مولاه
____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب أحكام الاجارة حديث: 2، وباب: 12 من أبواب موجبات
الضمان حديث: 1.
( 84 )
[ أقواها: الاخير، للنص الصحيح (1). هذا في غير الجناية على نفس أو طرف، وإلا
فيتعلق برقبته، وللمولى فداؤه بأقل الامرين من الارش والقيمة. (مسألة 10): إذا آجر
دابة لحمل متاع، فعثرت، وتلف أو نقص، لا ضمان على صاحبها، إلا إذا كان هو السبب
بنخس أو ضرب. (مسألة 11): إذا استأجر سفينة أو دابة لحمل متاع فنقص أو سرق، لم يضمن
صاحبها. نعم لو اشترط عليه الضمان صح، لعموم دليل الشرط، وللنص (2). (مسألة 12):
إذا حمل الدابة المستأجرة أزيد من المشترط أو المقدار المتعارف مع الاطلاق، ضمن
تلفها أو عوارها (3). والظاهر أجرة المثل لا المسمى مع عدم ] شئ، وليس لهم أن
يبيعوه، ولكنه يستسعى، فان عجز فليس على مولاه شئ، ولا على العبد " (* 1)، فيقيد به
إطلاق الحسن السابق، فيحمل على كون ضمان المولى في خصوص الكسب. (1) الذي لا يعارضه
الحسن، لوجوب حمل المطلق على المقيد. (2) تقدم في المسألة الاولى. (3) إجماعا نصا
(* 2) وفتوى، والمشهور أنه يضمن تمامها. وعن الارشاد: أنه يضمن نصفها، لان الحمل
بعضه مأذون فيه وبعضه غير
____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب احكام الاجارة حديث: 3. (* 2) لم نعثر على نص وارد
في هذا الموضوع خاصة في مضان النصوص من كتب الحديث والفقه، ولعل المراد به ما ورد
في نظائره من موارد التعدي عن مقتضى الشرط أو الاطلاق، فراجع الوسائل باب: 16 و 17
و 32 من أبواب احكام الاجارة.
( 85 )
[ التلف، لان العقد لم يقع على هذا المقدار من الحمل. نعم لو لم يكن ذلك على
وجه التقييد، ثبت عليه المسماة وأجرة المثل بالنسبة إلى الزيادة (1). (مسألة 13):
إذا اكترى دابة، فسار عليها زيادة عن المشترط، ضمن. والظاهر ثبوت الاجرة المسماة
بالنسبة إلى المقدار المشترط، وأجرة المثل بالنسبة إلى الزائد. (مسألة 14): يجوز
لمن استأجر دابة للركوب أو الحمل أن يضربها إذا وقفت على المتعارف، أو يكبحها
باللجام أو نحو ذلك على المتعارف، إلا مع منع المالك من ذلك (2)، أو كونه معها وكان
المتعارف سوقه هو. ولو تعدى عن ] مأذون فيه. وفيه: أن الموجب للضمان العدوان،
الحاصل بحمل ما لم يأذن به المالك. (1) حكي في المسألة ثلاثة أقوال: الاول: ثبوت
أجرة مثل المجموع. حكي عن الاردبيلي. والثاني: أجرة مثل الزائد مع المسمى. حكي عن
المشهور. والثالث: ثبوت المسمى مع أجرة الزيادة بحساب المسمى. حكي عن المقنعة.
والاخير غير ظاهر. والاولان محمولان على التفصيل المذكور في المتن فيرتفع الخلاف.
يظهر ذلك من دليهما. نعم لازم ما اختاره في المسألة السادسة من الفصل الآتي: وجوب
المسمى وأجرة المثل للمجموع. أما الاولى: فبالاجارة، لعدم الموجب لفسادها. وأما
الثانية: فالاستيفاء المنفعة غير المأذون فيها. وسيأتي هناك التعرض لذلك. (2) هذا
إذا لم يكن قد اشترط في العقد، ولو لاجل التعارف المنزل عليه العقد، وإلا كان منع
المالك بلاحق.
( 86 )
[ المتعارف أو مع منعه ضمن نقصها أو تلفها. أما في صورة الجواز ففي ضمانه مع
عدم التعدي اشكال. بل الاقوى: العدم، لانه مأذون فيه (1). (مسألة 15): إذا استؤجر
لحفظ متاع، فسرق، لم يضمن (2)، إلا مع التقصير في الحفظ ولو لغلبة النوم عليه (3)
أو مع اشتراط الضمان. وهل يستحق الاجرة مع السرقة؟ الظاهر: لا (4)، لعدم حصول العمل
المستأجر عليه، إلا أن يكون متعلق الاجارة الجلوس عنده، وكان الغرض هو الحفظ لا أن
يكون هو المستأجر عليه. ] (1) كما تقدم في المسألة الرابعة. (2) لانه أمين، فيدل
على عدم ضمانه مادل على عدم ضمان الامين نعم يظهر من خبر إسحاق الآتي الضمان. لكن
لم يعرف العمل به إلا من ابن إدريس، فلا مجال للاعتماد عليه، ويتعين حمله على صورة
شرط الضمان بمعنى شرط التدارك، فيكون من شرط الفعل، أو من شرط النتيجة بناء على
جوازه، وقد تقدم الكلام في ذلك في أوائل فصل: (أن العين المستأجرة أمانة)، فراجع.
وفي الجواهر: عارضه بالصحيح: " عن رجل استأجر أجيرا فأقعده على متاعه فسرق. قال
(ع): هو مؤتمن " (* 1) لكن في ظهوره في كونه أجيرا على الحفظ غير واضح، وإن لم يكن
بعيدا. (3) لا يخلو من نظر، لان غلبة النوم ليست من التقصير. نعم ربما كان منه. (4)
كما مال إليه في الجواهر، معللا له بما ذكر، بل ينبغي أن
____________
(* 1) الوسائل باب: 29 من أبواب احكام الاجارة حديث: 3.
( 87 )
[ (مسألة 16): صاحب الحمام لا يضمن الثياب (1)، الا إذا أودع وفرط أو تعدى،
وحينئذ يشكل صحة اشتراط الضمان أيضا، لانه أمين محض (2)، فانه إنما أخذ الاجرة على
الحمام ولم يأخذ على الثياب (3). نعم لو استؤجر مع ذلك ] لا يكون محلا للاشكال. (1)
بلا خلاف ولا إشكال كما في الجواهر، ويشهد له خبر إسحاق ابن عمار عن جعفر عن أبيه
(ع): " أن عليا (ع) كان يقول: لا ضمان على صاحب الحمام فيما ذهب من الثياب، لانه
إنما أخذ الجعل على الحمام، ولم يأخذ على الثياب " (* 1)، ونحوه خبر أبي البختري (*
2). وفي خبر غياث بن ابراهيم: " إن أمير المؤمنين (ع) أتي بصاحب حمام وضعت عنده
الثياب فضاعت، فلم يضمنه، وقال (ع): إنما هو أمين " (* 3) وظاهر الاخير أن صاحب
الحمام من أفراد الامين دائما، مع أنه قد لا يكون كذلك كما هو الغالب، فان الداخل
إلى الحمام يضع ثيابه في المسلخ وثوقا منه بعدم الدواعي إلى سرقة ثيابه، لجهات
دينية أو أخلاقية أو خارجية، من دون إئتمان أحد معين عليها. ولذلك ذكر في المتن
قسمين كما يفهم من الاستثناء. (2) وقد يظهر منهم في الودعي الاتفاق على عدم صحة
اشتراط الضمان عليه كما تقدم، ولولا ذلك كان الحكم كما في غيره من الامناء، وقد
تقدم من المصنف (ره) الجواز فيه. (3) هذا مضمون الخبر السابق.
____________
(* 1) الوسائل باب: 28 من أبواب احكام الاجارة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 28 من
أبواب احكام الاجارة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 28 من أبواب احكام الاجارة حديث:
1.
( 88 )
[ للحفظ أيضا، ضمن مع التعدي أو التفريط، ومع اشتراط الضمان أيضا، لانه حينئذ
يأخذ الاجرة على الثياب أيضا، فلا يكون أمينا محضا (1). فصل يكفي في صحة الاجارة
كون المؤجر مالكا للمنفعة، أو وكيلا عن المالك لها، أو وليا عليه، وإن كانت العين
للغير كما إذا كانت مملوكة بالوصية أو بالصلح أو بالاجارة، فيجوز للمستأجر أن
يؤجرها من المؤجر أو من غيره، لكن في جواز تسليمه العين إلى المستأجر الثاني بدون
إذن المؤجر إشكال (2) ] (1) إذ المراد من الامين المحض: المأذون في الاستيلاء على
العين بقصد الحفظ. وفي المقام يكون الاذن في الاستيلاء على العين بقصد الاجرة في
مقابل الحفظ. (2) عن النهاية والسرائر والقواعد وغيرها: المنع، لانها أمانة لم يأذن
له المالك في تسليمها إلى غيره. وفيه: أن الائتمام للاول إنما كان من مقتضيات عقد
الاجارة، لان استيفاء المنفعة يتوقف عليه، فإذا كان مقتضى عقد الاجارة تملك المنفعة
مطلقا، من دون شرط الاستيفاء مباشرة من المستأجر، اقتضى أيضا إئتمانه كذلك، فله أن
يستأمن غيره على العين كما استأمنه المؤجر عليها، فيكون المستأجر الثاني مستوفيا
للمنفعة وأمينا على العين كالمستأجر الاول. وهكذا الحال في المستأجر الثالث. ومنه
يظهر: أنه لو لم يكن عقد الاجارة مقتضيا للائتمان المذكور - كالمستأجر
( 89 )
[ فلو استأجر دابة للركوب أو لحمل المتاع مدة معينة، فأجرها ] لموضع معين من
سفينة أو سيارة - لم يكن له حق في تسلم العين، ولا حق تسليمها من المستأجر منه. هذا
مضافا إلى ظاهر النصوص الواردة في اجارة الارض وغيرها بمساوي الاجرة أو بالاقل (*
1)، حيث صرحت بالجواز من دون تعرض فيها لشبهة عدم جواز التسليم. وحملها على صورة
عدم الحاجة في استيفاء المنفعة إلى تسليم العين، كما ترى، فانه كالمقطوع بخلافه في
جميعها. ونحوها صحيح ابن جعفر (ع) " في رجل استأجر دابة فأعطاها غيره فنفقت، فما
عليه؟ قال (ع): إن كان اشترط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها، وإن لم يسم فليس عليه
شئ " (* 2). وما في الجواهر من حمله على كون الدفع إلى الغير كان على نحو تكون
أمانة عند الدافع، لكونها في يده وإن كان الغير راكبا لها، بعيد. ولاجل ما ذكرنا
ذهب المشهور إلى الجواز كما حكي. وعن ابن الجنيد: التفصيل، فيجوز تسليمها إلى أمين
دون غيره. وكأن وجهه: أن المستأجر الاول مؤتمن على العين بلا شرط المباشرة، فله أن
يأتمن غيره عليها. ولا بأس به. وقد يشهد له مصحح الصفار: " في رجل دفع ثوبا إلى
القصار ليقصره، فدفعه القصار إلى قصار غيره ليقصره فضاع الثوب هل يجب على القصار أن
يرده إذا دفعه إلى غيره، وإن كان القصار مأمونا؟. فوقع (ع): هو ضامن له إلا أن يكون
ثقة مأمونا إن شاء الله " (* 3). ونحوه مكاتبة محمد بن علي بن محبوب (* 4)، بناء
على أن
____________
(* 1) الوسائل باب: 20، 21، 22 من أبواب احكام الاجارة وسيأتي التعرض لها في
المسألة الآتية. (* 2) الوسائل باب: 16 من أبواب احكام الاجارة حديث: 1. (* 3)
الوسائل باب: 29 من أبواب احكام الاجارة حديث: 18. (* 4) الوسائل باب: 29 من أبواب
احكام الاجارة ملحق حديث: 18.
( 90 )
[ في تلك المدة أو في بعضها من آخر يجوز، ولكن لا يسلمها إليه، بل يكون هو معها
وإن ركبها ذلك الآخر أو حملها متاعه، فجواز الاجارة لا يلازم تسليم العين بيده (1)،
فان سلمها بدون إذن المالك ضمن. هذا إذا كانت الاجارة الاولى مطلقة. وأما إذا كانت
مقيدة، كأن استأجر الدابة لركوبه نفسه، فلا يجوز إجارتها من آخر (2). كما أنه إذا
اشترط المؤجر عدم إجارتها من غيره، أو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه لنفسه، كذلك
أيضا أي: لا يجوز إجارتها من الغير. نعم لو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه، ولم يشترط
كونها لنفسه جاز أيضا إجارتها من الغير، بشرط أن يكون هو المباشر للاستيفاء لذلك
الغير. ثم لو خالف وآجر في هذه الصور: ففي الصورة الاولى - وهي ما إذا استأجر
الدابة لركوبه نفسه - بطلت، لعدم كونه مالكا إلا ركوبه نفسه، فيكون المستأجر الثاني
ضامنا لاجرة المثل للمالك إن استوفى المنفعة (3)، وفي ] المراد بالقصار المأمون هو
القصار الثاني، بقرينة مناسبة الحكم والموضوع. نعم مورده عين المستأجر، لاعين
المؤجر. (1) لكن في هذه الصورة لا يجب على المؤجر تسليم العين أيضا، إذ ليس حينئذ
من لوازم الاجارة الاولى التسليم. والكلام لابد أن يكون في غير هذه الصورة كما
أشرنا إليه. (2) يأتي وجهه. (3) قد يشكل: بأنه إذا ملك المستأجر منفعة ركوب نفسه،
امتنع أن تكون منفعة ركوب غيره مملوكة للمالك، بناء على امتناع ملك المنفعتين
( 91 )
[ الصورة الثانية والثالثة في بطلان الاجارة وعدمه، وجهان، مبنيان على أن
التصرف المخالف للشرط باطل لكونه مفوتا لحق الشرط (1)، أو لا، بل حرام وموجب
للخيار. وكذا ] المتضادتين لمالك واحد أو لمالكين، لامتناع القدرة على المتضادتين
في عرض واحد. وعليه يكون للمالك المسمى على المستأجر، عملا بالاجارة الصحيحة فيكون
للمالك الامر ان: المسمى على المستأجر، وأجرة المثل على المستوفي الثاني. وعلى
القول الآخر ليس له إلا الاول. وسيجئ الكلام في ذلك ثم إنه بناء على ما ذكره
المصنف، إذا دفع المستوفي أجرة المثل إلى المالك فان كان مغرورا من قبل المستأجر
الاول، فهل يرجع إليه أولا؟ وجهان مذكوران في مبحث قاعدة الغرور. (1) فان الظاهر من
شرط فعل: جعل حق للمشروط له على المشروط عليه، كما أشرنا إلى ذلك، ولاجله قلنا
بامتناع شرط النتيجة، فقاعدة السلطنة في الحق مانعة من نفوذ التصرف المنافي له،
فيبطل، لعدم صدوره من السلطان. ودعوى: أن مفاد الشرط مجرد الالتزام بالمضمون، خلاف
الظاهر. ولاجل ذلك جاز للمشروط له المطالبة، وجاز له الاسقاط، كما أشرنا إلى ذلك
سابقا. فراجع. نعم يختص ذلك بالشرط الاصطلاحي، وهو الفعل الاجنبي عن موضوع العقد،
مثل: شرط أن لا يؤجرها. ولا يجري في شرط الاستيفاء، لانه من قبيل القيد الذي يكون
تخلفه موجبا للخيار إذا كان على نحو تعدد المطلوب. لكن في المقام لما كان القيد
مانعا عن عموم الاذن، لاستيفاء غير المستأجر للمنفعة يكون حراما، فلا تصح الاجارة
عليه، فالبطلان يكون من جهة حرمة المنفعة، لا لنفي السلطنة على الاجارة. وعلى هذا
لو آجرها المستأجر فاستوفى المستأجر الثاني المنفعة، يثبت الخيار في الصورة
الثالثة، ولا يثبت في الصورة الثانية.
( 92 )
[ في الصورة الرابعة (1) إذا لم يستوف هو، بل سلمها إلى ذلك الغير. (مسألة 1):
يجوز للمستأجر مع عدم اشتراط المباشرة وما بمعناها أن يؤجر العين المستأجرة بأقل
مما استأجر، وبالمساوي له مطلقا (2) أي شئ كانت، بل بأكثر منه ايضا إذا أحدث فيها
حدثا (3)، أو كانت الاجرة من غير جنس الاجرة السابقة (4)، بل مع عدم الشرطين أيضا
فيما عدا البيت والدار والدكان والاجير (5). ] (1) في هذه الصورة يجري حكم الصورة
الثالثة الذي ذكرناه في الحاشية السابقة، من ثبوت الخيار إذا كان الثالث قد استوفى
المنفعة بنفسه ولو آجرها الثاني على الثالث بشرط استيفائه - يعني: الثالث - بنفسه
بطل الشرط، وفي بطلان الاجارة الخلاف المعروف في أن بطلان الشرط يقتضي بطلان العقد
أولا. والتحقيق هو الثاني. (2) بلا خلاف ظاهر، ولا إشكال، لاختصاص أدلة المنع بغيره
والنصوص الخاصة والعامة تقتضي الصحة. وعن مجمع البرهان: أنه لا خلاف فيه وفي
المساوي. (3) بلا إشكال أيضا، لاتفاق النص والفتوى على. وعن جماعة: دعوى الاجماع
على الجواز فيه. (4) كما عن جماعة كثيرة التصريح به، لان الظاهر من الاكثر: الاكثر
في الجنس، لا الاكثر في القيمة والمالية، لا أقل من عدم الظهور في العموم بنحو يقيد
به اطلاق دليل الصحة. (5) كما نسب إلى جماعة، لعمومات الصحة، واختصاص نصوص المنع
( 93 )
[ وأما فيها: فاشكال (1)، فلا يترك الاحتياط بترك إجارتها ] بالمذكورات،
فالتعدي إلى غيرها من الاعيان المستأجرة - كما نسب إلى السيدين والشيخين والصدوق
وغيرهم - في غير محله، ولاسيما مع تصريح النصوص بالفرق، مثل خبر أبي الربيع: " إن
الارض ليست مثل الاجير ولا مثل البيت، إن فضل الاجير والبيت حرام " (* 1) ونحوه
غيره. (1) بل المنع مذهب جماعة، لحسنة أبي الربيع عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن
الرجل يتقبل الارض من الدهاقين، ثم يؤاجرها بأكثر مما يتقبلها، ويقوم فيها بحظ
السلطان، فقال (ع) لا بأس به، إن الارض ليست مثل الاجير ولا مثل البيت، إن فضل
الاجير والبيت حرام " (* 2) وفي حسنة أبي المعزا: قال (ع) - في الجواب عن السؤال
المذكور -: " لا بأس إن هذا ليس كالحانوت ولا الاجير، إن فضل الحانوت والاجير حرام
" (* 3). وبمضمون الاول خبر ابراهيم بن ميمون (4)، ومصحح الحلبي عن أبي عبد الله
(ع): " لو أن رجلا استأجر دارا بعشرة دراهم، فسكن ثلثيها وآجر ثلثها بعشرة دراهم،
لم يكن به بأس، ولا يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به، إلا أن يحدث فيها شيئا " (* 5)
وذهب جماعة إلى الجواز فيها، وعن التذكرة والمختلف وجامع المقاصد وغيرها: الاستدلال
على المنع. وكأن وجه إشكال المصنف: ما ورد في جواز ذلك في الارض، بناء على التعدي
من مورده. لكنه ضعيف.
____________
(* 1)، (* 2) الوسائل باب: 20 من أبواب احكام الاجارة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب:
20 من أبواب أحكام الاجارة حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 20 من أبواب أحكام الاجارة
حديث: 5. (* 5) الوسائل باب: 22 من أبواب احكام الاجارة حديث: 3.
( 94 )
[ بالاكثر. بل الاحوط إلحاق الرحى (1) والسفينة (2) بها أيضا في ذلك. والاقوى
جواز ذلك مع عدم الشرطين في الارض على كراهة (3)، ] (1) كما عن بعض، للخبر: " إني
لاكره أن استأجر رحى وحدها ثم أؤجرها باكثر مما استأجرتها به، إلا أن أحدث فيها
حدثا، أو أغرم فيها غراما " (* 1) ودلالته قاصرة، وإن كان سنده غير قاصر. (2)
واستدل على المنع فيها بالخبر أيضا: " لا بأس أن يستأجر الرجل الدار والارض
والسفينة، ثم يؤجرها بأكثر مما استأجرها به إذا أصلح فيها شيئا " (* 2). لكن ذكر
الارض في سياق التي لامنع فيها - كما سيأتي - قرينة على إرادة ما هو أعم من الحرمة
والكراهة من البأس المفهوم. لكن الاشكال المذكور مبني على القول بالجواز في الارض،
وسيأتي. (3) لتصريح النصوص فيها بالجواز، كما عرفت بعضها، فيحمل ما ظاهره المنع على
الكراهة كما هو مذهب جماعة. لكن الروايات الدالة على الجواز مطلقة، وهي روايتا أبي
المعزا وابراهيم بن ميمون، ويقيدهما خبر الحلبي " قلت لابي عبد الله (ع): أتقبل
الارض بالثلث أو الربع فاقبلها بالنصف، قال (ع) لا بأس: به. قلت: فاتقبلها بألف
درهم وأقبلها بالفين، قال (ع): لا يجوز. قلت: لم؟ قال: لان هذا مضمون وذلك غير
مضمون " (* 3) ونحوه مصحح إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) (* 4)، ومصححه عن أبي
بصير عن أبي عبد الله (ع) (* 5) لكن ذكر فيه
____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب احكام الاجارة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 22 من
أبواب احكام الاجارة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 21 من أبواب احكام الاجرة حديث:
1. (* 4) الوسائل باب: 21 من أبواب احكام الاجارة حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 21
من أبواب احكام الاجارة حديث: 6،
( 95 )
[ وإن كان الاحوط الترك فيها أيضا (1). بل الاحوط الترك في مطلق الاعيان إلا مع
إحداث حدث فيها (2). هذا وكذا لا يجوز أن يؤجر بعض أحد الاربعة المذكورة بأزيد من
الاجرة (3)، كما إذا استأجر دارا بعشرة دنانير وسكن بعضها وآجر البعض الآخر بأزيد
من العشرة، فانه لا يجوز بدون ] أن الذهب والفضة مصمتان، ولعله من غلط النساخ.
ويحتمل أن يكون المراد أن الذهب والفضة لا يزيدان ولا ينقصان. وكيف كان، فهذه
الروايات مانعة عن الاجرة الزائدة إذا كانت مضمونة في الذمة، أو أنها لاتقبل
الزيادة والنقيصة، فتحمل المطلقات عليها وتقيد بها، وليس لهذه المقيدات معارض كي
تسقط عن الحجية. وأما ما في رواية اسماعيل بن الفضل (* 1): من المنع من الاجارة
بالاكثر مع اختلاف الجنس إلا إذا غرم شيئا أو أحدث حدثا، فالظاهر أنه مما لاعامل به
على ظاهره، ولعله محمول على الكراهة. (1) بل المنع مذهب بعض، ويشهد له رواية أبي
بصير عن أبي عبد الله (ع): " قال: إذا تقبلت أرضا بذهب أو فضة، فلا تقبلها بأكثر
مما تقبلتها به، لان الذهب والفضة مصمتان " (* 2). (2) كما عن جماعة كثيرة، منهم
السيدان والشيخان، ودليلهم غير ظاهر إلا التعدي عن مورد النصوص إلى غيره. وهو كما
ترى. (3) كما صرح به في الشرايع وغيرها، لخبر أبي الربيع المروي عن الفقيه: " لو أن
رجلا استأجر دارا بعشرة دراهم فسكن ثلثيها وآجر
____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب احكام الاجارة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 21 من
أبواب احكام الاجارة حديث: 6.
( 96 )
[ إحداث حدث. وأما لو آجر بأقل من العشرة فلا اشكال. والاقوى الجواز بالعشرة
ايضا (1) وإن كان الاحوط تركه. (مسألة 2): إذا تقبل عملا من غير اشتراط المباشرة
ولا مع الانصراف إليها، يجوز أن يوكله إلى عبده أو صانعه أو أجنبي، ولكن الاحوط عدم
تسليم متعلق العمل كالثوب ونحوه إلى غيره من دون اذن المالك، وإلا ضمن (2). وجواز
الايكال لا يستلزم جواز الدفع كما مر نظيره في العين المستأجرة ] ثلثها بعشرة
دراهم، لم يكن به بأس، ولكن لا يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به " (* 1) ونحوه مصحح
الحلبي المتقدم (* 2)، بناء على أن الضمير في الجملة الاخيرة راجع إلى الدار
باعتبار ثلثها، وإلا فلو كان المراد منه الدار نفسها لم يكن مما نحن فيه. اللهم إلا
أن يستفاد من مفهوم الشرط في الصدر، أو من الاولوية. (1) للخبر المتقدم، وبه يضعف
ماعن الشيخ من المنع حينئذ، كما قد يشعر به بعض النصوص. (2) كما في الشرايع وغيرها،
بل قيل. لم يعثر على مصرح بعدم الضمان عدا المختلف والمسالك، حيث ذكرا. أن عدم
الضمان أولى. والذي ينبغي أن يكون الكلام هنا هو الكلام في العين المستأجرة. ودعوى:
الفرق بينهما بأن العين المستأجرة يكون الحق للمستأجر في قبضها، وهنا لاحق للاجير
في قبضها، إذ لاريب في أنه لا يجب على المستاجر استيمان الاجير. مندفعة: بأنه ليس
بفارق في المقام، لان إطلاق الاجارة إذا اقتضى جواز عمل الاجير الثاني، فعدم الاذن
له في القبض كعدم الاذن للاجير الاول فيه يقتضي استقرار الاجرة، فلا فرق بين الاجير
الثاني
____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب احكام الاجارة حديث: 3. (* 2) راجع اول المسألة.
( 97 )
[ فيجوز له استئجار غيره لذلك العمل بمساوي الاجرة التي قررها في إجارته أو
أكثر. وفي جواز استئجار الغير بأقل من الاجرة إشكال، الا أن يحدث حدثا أو يأتي
ببعض، فلو آجر نفسه لخياطة ثوب بدرهم يشكل استئجار غيره لها بأقل منه، إلا أن يفصله
أو يخيط شيئا منه ولو قليلا. بل يكفي أن يشتري الخيط أو الابرة في جواز الاقل (1).
وكذا لو آجر نفسه لعمل صلاة سنة أو صوم شهر بعشرة دراهم مثلا في صورة عدم اعتبار
المباشرة، يشكل استئجار غيره بتسعة مثلا، إلا أن يأتي بصلاة واحدة أو صوم يوم واحد
مثلا. ] والاول في لزوم الاجرة بمنع قبضه، كما لافرق بينهما في عدم وجوب التسليم
إليه، وفي عدم الحق في الايتمان له. وإن شئت قلت: الاجارة على العمل المطلق الشامل
لعمل الاجير الثاني، تتوقف على الاذن المطلقة الشاملة لتصرف الاجير الثاني. (1) فيه
اشكال، لعدم شموله العمل فيه لمثله. نعم في رواية مجمع: " أقطعها وأشتري لها
الخيوط، قال (ع): لا بأس " (* 1). لكنه غير ظاهر في الاكتفاء بالخيوط. والشراء وان
كان عملا إلا أنه ليس عملا فيه. وظاهر النصوص اعتبار ذلك، ففي صحيح محمد بن مسلم عن
أحد هما (ع): " أنه سئل عن الرجل يتقبل العمل فلا يعمل فيه، ويدفعه إلى آخر فيربح
فيه، قال (ع): لا، إلا أن يكون قد عمل فيه شيئا " (* 2). ونحوه غيره. وما في بعض
الحواشي من تفسير عبارة المتن: بأن المراد
____________
(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب احكام الاجارة حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 23 من
ابواب احكام الاجارة حديث: 1.
( 98 )
[ (مسألة 3): إذا استؤجر لعمل في ذمته لا بشرط المباشرة يجوز تبرع الغير عنه
(1)، وتفرغ ذمته بذلك، ويستحق الاجرة المسماة. نعم لو أتى بذلك العمل المعين غيره
لا بقصد التبرع عنه، لا يستحق الاجرة المسماة (2)، وتنفسخ الاجارة حينئذ، لفوات
المحل، نظير ما مر سابقا من الاجارة على قلع السن فزال ألمه، أو لخياطة ثوب فسرق أو
حرق. (مسألة 4): الاجير الخاص - وهو من آجر نفسه على وجه يكون جميع منافعه للمستأجر
في مدة معينة، أو على وجه تكون منفعته الخاصة كالخياطة مثلا له (3)، أو آجر نفسه
لعمل مباشرة مدة معينة أو كان اعتبار المباشرة أو كونها في تلك المدة أو كليهما على
وجه الشرطية لا القيدية - (4) ] منها دفع ما اشترى من الابر والخيوط، لا يجدي في
تحقيق العمل المعتبر، مع أنه مراد المصنف (ره) قطعا. نعم يصدق بذلك الغرم. لكنه غير
كاف. (1) الظاهر أنه لا إشكال في جواز التبرع في مثل ذلك مما كان في الذمة، عينا
كان أو عملا مملوكا لغيره عليه، ويقتضيه بناء العقلاء عليه، كباب النيابة. فانه نوع
منها. (2) لعدم انطباق ما في الذمة عليه إلا بالقصد. وكذا الحكم في الدين، فان
المديون إذا أعطى الدائن ما يساوي الدين لا يكون وفاء الا مع قصد الوفاء. (3) من
دون إشغال ذمته بشئ، نظير إجارة الدابة بلحاظ منفعتها الخاصة، فانه لااشتغال في ذلك
لذمة الدابة ولا لذمة المؤجر. وبذلك افترق الثالث عنه، فان فيه إشغال ذمته بلا تملك
لمنفعته الخاصة أصلا. (4) كما في الثالث.
( 99 )
[ لا يجوز له أن يعمل في تلك المدة لنفسه أو لغيره بالاجارة أو الجعالة أو
التبرع، عملا ينافي حق المستأجر، الا مع إذنه (1) ومثل تعيين المدة تعيين أول زمان
العمل، بحيث لا يتوانى فيه إلى الفراغ. نعم لا بأس بغير المنافي، كما إذا عمل
البناء لنفسه أو لغيره في الليل (2)، فانه لامانع منه إذا لم يكن موجبا لضعفه في
النهار. ومثل إجراء عقد أو إيقاع أو تعليم أو تعلم في أثناء الخياطة ونحوها،
لانصراف المنافع عن مثلها (3). هذا ولو خالف وأتى بعمل مناف لحق المستأجر، فان كانت
الاجارة على الوجه الاول بأن يكون جميع منافعه للمستأجر، وعمل لنفسه في تمام المدة
أو بعضها، فللمستأجر أن يفسخ ويسترجع تمام الاجرة المسماة (4) ] (1) بلا خلاف فيه.
بل لعله مجمع عليه كما في الجواهر. وقد يشير إليه خبر اسحاق: " سألت أبا ابراهيم
(ع) عن الرجل يستأجر الرجل بأمر معلوم، فيبعثه في ضيعته، فيعطيه رجل آخر دراهم
ويقول: اشتر بها كذا وكذا، فما ربحت بيني وبينك. فقال (ع): إذا أذن له الذي استأجره
فليس به بأس " (* 1) وإن كان في القواعد العامة كفاية، لانه تصرف في حق الغير، وهو
حرام. (2) كما صرح به في الجواهر، وكذا ما بعده، لعدم كونه تصرفا في حق الغير. (3)
يعني: لو كانت الاجارة على النحو الاول. وعن المسالك: احتمال المنع. وعن الروضة:
فيه وجهان لكنه ضعيف. (4) لعدم التسليم الذي عليه مبنى المعاوضة.
____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب احكام الاجارة حديث: 1.
( 100 )
[ أو بعضها (1) أو يبقيها ويطالب عوض الفائت من المنفعة بعضا أو كلا. وكذا إن
عمل للغير تبرعا. ولايجوز له على فرض عدم الفسخ مطالبة الغير المتبرع له بالعوض
(2)، سواء كان جاهلا بالحال أم عالما، لان المؤجر هو الذي أتلف المنفعة عليه دون
ذلك الغير وإن كان ذلك الغير آمرا له بالعمل، إلا إذا فرض على وجه يتحقق معه صدق
الغرور (3)، والا ] (1) إذا كان عمله في بعض المدة، لكن تقدم: أن القاعدة تقتضي عدم
التبعيض في الفسخ، فلو فسخ كان له المسمى وعليه عوض البعض المستوفى. (2) وفي
المسالك: أنه يتخير بين مطالبته من شاء منهما، لتحقق العدوان. وهذا التعليل - مع
اختصاصه بصورة علم الغير - غير ظاهر، إذ الغير ليس متصرفا في المنفعة المملوكة
لغيره كي يكون عاديا. ومن هنا علله بعضهم بأن الغير مستوف للمنفعة فعليه ضمانها. بل
قد يظهر من بعض اختصاصه بالرجوع إليه - وفي الجواهر: لاوجه للرجوع إليه مع الجهل،
إذ لا يزيد على من عمل له العبد بدون إذن مولاه ومن دون إذنه واستدعائه. وفيه: أن
الحكم في العبد لو تم كان لدليله الخاص به. فالعمدة: أن الضمان إما أن يكون
بالاتلاف أو باليد، وكلاهما غير حاصل بالنسبة إلى المتبرع له، فانه ليس متلفا
لمنفعة المستأجر، ولاهي تحت يده، لان المنافع إنما تكون تحت اليد بتبع العين ذات
المنفعة، والاجير ليس تحت يد الغير المتبرع له. وأما الضمان بالاستيفاء فلا مجال
له، لانه يتوقف على الامر، والمفروض عدمه. (3) مجرد الامر لا يوجب غرور الاجير مع
تقدم الاجارة منه لنفسه، ففرضه غير ظاهر. ولو سلم فصدق الغرور إنما يصحح رجوع
الاجير
( 101 )
[ فالمفروض أن المباشر للاتلاف هو المؤجر. وإن كان عمل للغير بعنوان الاجارة أو
الجعالة فللمستأجر أن يجيز ذلك (1) ويكون له الاجرة المسماة في تلك الاجارة أو
الجعالة (2)، كما أن له الفسخ والرجوع إلى الاجرة المسماة، وله الابقاء ومطالبة عوض
المقدار الذي فات (3)، فيتخير بين الامور الثلاثة. ] وهو المغرور إلى الغار، ولا
يصحح رجوع المستأجر عليه، لعدم كونه مغرورا. وكان الاولى استثناء صورة كون الامر
موجبا لنسبة الاتلاف إلى الآمر، وإن كان التحقيق جواز الرجوع إلى الامر، لتحقق
الاستيفاء. (1) لانها معاملة وقعت على ماله من غير السلطان، فتكون كسائر موارد
الفضولي محتاجة إلى الاجازة من السلطان. وإذا كانت الاجارة على ما في الذمة فهي وإن
لم تكن على مال الغير، لكنها على ما ينافي حق الغير، فلابد من إجازته حينئذ. وكذا
لو كان الواقع جعالة. (2) هذا إذا كانت الاجارة الثانية واقعة على ما وقعت عليه
الاجارة الاولى. أما مع الاختلاف - كما لو وقعت الاجارة الثانية على ما في الذمة -
ففي استحقاق المجيز المسمى المذكور إشكال، لعدم كونه عوضا عن ماله، لكون المفروض
كون الاجارة الاولى على المنفعة الخاصة، والثانية على ما في الذمة بلا تعلق لها
بالخارج. نعم في الجعالة لا يكون العمل في الذمة موضوعا، بل العمل الخارجي المتحد
مع موضوع الاجارة السابقة، فتكون الاجازة كافية في تملك الجعل. ولافرق بين أن تكون
الجعالة شخصية كما لو تعلقت بعمل شخص ذلك الاجير، أو كلية كما إذا قال: من رد عبدي
فله كذا، فان الثانية منحلة إلى جعالات متعددة بتعدد الاشخاص. (3) يعني: مطالبة
الاجير لما عرفت. وفي المسالك وعن القواعد:
( 102 )
[ وان كانت الاجارة على الوجه الثاني - وهو كون منفعة الخاصة للمستأجر - فحاله
كالوجه الاول، الا إذا كان العمل للغير على وجه الاجارة أو الجعالة، ولم يكن من نوع
العمل المستأجر عليه، كأن تكون الاجارة واقعة على منفعة الخايطي فأجر نفسه للغير
للكتابة، أو عمل الكتابة بعنوان الجعالة، فانه ليس للمستأجر إجازة ذلك، لان المفروض
أنه مالك لمنفعة الخياطي، فليس له إجازة العقد الواقع على الكتابة (1)، ] أنه يتخير
بين مطالبة الاجير المستأجر، أما الاول: فلانه المباشر للاتلاف، وأما الثاني: فلانه
المستوفي. وهو في محله لان كلا منهما سبب في الضمان، فيعمل بمقتضاه. (1) إذا فرضنا
أن الاجارة الثانية منافية للاجارة الاولى، وجب البناء على توقف صحتها على إجازة
المستأجر الاول. ولا تتوقف صحة الاجازة على كون موضوع العقد المجاز ملكا للمجيز،
فانه تصح اجازة المرتهن لبيع الرهن وإن لم يكن ملكا له، وتجوز إجازة ولي الزكاة
لبيع العين الزكوية وإن قلنا بأن الزكاة حق في العين لاجزء مشاع فيها، فصحة الاجازة
من المجيز لا تتوقف على كونه مالكا لموضوع الاجازة. نعم انتقال العوض إليه يتوقف
على كونه مالكا للمعوض. وعلى هذا: فإذا أجاز المستأجر الاول الاجازة الثانية وأطلق
الاجازة صحت الاجازة، ووجب على الاجير العمل بمقتضها، وليس للمستأجر الاول شئ،
وعليه الاجرة المسماة، وليس له الفسخ. نعم لو لم يجز وعمل الاجير بمقتضى الاجارة
الثانية، كان المستأجر الاول مخيرا بين الفسخ والامضاء، كما ذكر في المتن.
( 103 )
[ فيكون مخيرا بين الامرين من الفسخ واسترجاع الاجرة المسماة والابقاء ومطالبة
عوض الفائت (1). وإن كانت على الوجه الثالث فكالثاني، أو أنه لافرق فيه في عدم صحة
الاجازة بين ما إذا كانت الاجارة أو الجعالة واقعة على نوع العمل المستأجر عليه، أو
على غيره (2)، أذ ليست منفعة الخياطة - مثلا - مملوكة للمستأجر حتى يمكنه إجازة
العقد الواقع عليها (3)، بل يملك عمل الخياطة في ذمة المؤجر. وإن كانت على الوجه
الرابع - وهو كون اعتبار المباشرة أو المدة المعينة على وجه الشرطية لا القيدية -
ففيه وجهان: يمكن أن يقال: بصحة العمل للغير. بعنوان الاجارة ] ثم إنه بناء على ما
عرفت من امتناع ملك المنفعتين المتضادتين، إذا وقعت الاجارة الثانية على المنفعة
المضادة لما وقعت عليه الاجارة الاولى، يشكل القول بصحتها حتى مع إجازة المستأجر
الاول، لانها ليست مملوكة للاجير، فلا يمكن أن يملك عوضها. (1) يعني: مطالبة الاجير
على ما عرفت. (2) أما إذا وقعت على غيره فلانه ليس مملوكا، بل هو مناف للمملوك له،
وأما إذا كانت واقعة على نوعه، فلما ذكر في المتن. (3) قد عرفت أن صحة الاجازة لا
تتوقف على كون موضوع العقد المجاز ملكا للمجيز، بل يكفي كون مقتضى العقد منافيا
لحقه. وعليه لامانع من صحة الاجازة، فيصح العقد معها، وإذا عمل بقتضاه لا يكون
للمجيز الخيار، ويلزمه دفع الاجرة التي استحقها عليه الاجير بالاجارة الاولى.
(وبالجملة): إذا وقعت الاجارة الثانية على ضد العمل المستأجر
( 104 )
[ أو الجعالة، من غير حاجة إلى الاجازة، وإن لم يكن جائزا من حيث كونه مخالفة
للشرط الواجب العمل، غاية ما يكون أن للمستأجر خيار تخلف الشرط. ويمكن أن يقال:
بالحاجة إلى الاجازة، لان الاجارة أو الجعالة منافية لحق الشرط (1) فتكون باطلة
بدون الاجازة (2). ] عليه، فهي غير واقعة على ملك المستأجر الاول، لكنها منافية
لحقه فلا تصح إلا باذنه. وكذا إذا وقعت على مثله الخارجي، فانه مضاد لما في الذمة
تضاد المثلين، فلا تصح أيضا إلا باذنه. وكذا إذا وقعت على مثله الذمي. أما إذا وقعت
على نفسه، فقد وقعت على مال المستأجر نفسه، فلا مجال للشبهة المذكورة. ومن هنا
يظهر: أن الصور المتصورة في الاجارة الثانية خمس هي: الاجارة على مثل العمل
المستأجر عليه أولا مع كونه ذميا، وعلى مثله الخارجي، وعلى ضده الذمي، وعلى ضده
الخارجي. والجميع مورد للاجازة، بناء على ما ذكرنا من صحة الاجازة إذا كان العمل
على العقد الثاني منافيا لحق المستأجر. الصورة الخامسة: أن تكون الاجارة الثانية
واقعة على نفس العمل الذمي الذي يملكه المستأجر، فلا مجال للاشكال الذي ذكره في
المتن، وتصح الاجازة فيه، وإذا أجاز ملك الاجرة الثانية وعليه الاجرة الاولى
للاجير، بخلاف الصور الاربع، فان الاجازة فيها لا تستوجب رجوع الاجرة الثانية إليه،
وعليه الاجرة الاولى للاجير. (1) قد عرفت سابقا: أن حق الشرط موجب لقصور سلطنة
الاجير عما ينافيه، فلو وقع المنافي كان صادرا من غير السلطان، فيتعين القول
بالبطلان بدون الاجازة. (2) وعليه يرجع الاجير على المعمول له بأجرة المثل، لقاعدة:
" ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ". وكذا في الوجه الثالث إذا كانت
( 105 )
[ (مسألة 5): أذا آجر نفسه لعمل من غير اعتبار المباشرة ولو مع تعيين المدة، أو
من غير تعيين المدة ولو مع اعتبار المباشرة، جاز عمله للغير ولو على وجه الاجارة
قبل الاتيان بالمستأجر عليه، لعدم منافاته له من حيث إمكان تحصيله لا بالمباشرة أو
بعد العمل للغير، لان المفروض عدم تعيين المباشرة أو عدم تعيين المدة. ودعوى: أن
إطلاق العقد من حيث الزمان يقتضي وجوب التعجيل، ممنوعة (1). مع أن لنا أن نفرض
الكلام فيما لو كانت قرينة على عدم إرادة التعجيل. (مسألة 6): لو استأجر دابة لحمل
متاع معين شخصي أو كلي على وجه التقييد، فحملها غير ذلك المتاع، أو استعملها في
الركوب، لزمه الاجرة المسماة وأجرة المثل لحمل المتاع الاخر أو للركوب. وكذا لو
استأجر عبدا للخياطة فاستعمله في الكتابة. بل وكذا لو استأجر حرا لعمل معين، في
زمان معين، وحمله على غير ذلك العمل، مع تعمده، وغفلة ذلك الحر واعتقاده أنه العمل
المستأجر عليه (2). ودعوى: أن ليس للدابة في زمان ] الاجارة واقعة على غير نوع
العمل الذي ملكه عليه المستأجر الاول، كما صرح بذلك في الجواهر. (1) قد تقدم منه في
المسألة الخامسة من الفصل الاول: البناء على هذا الاطلاق، والاجتزاء به عن تعيين
المدة. مع أن المذكور في كلماتهم في مبحث القبض: أن الاطلاق يقتضي وجوب التعجيل في
دفع الثمن والمثمن. ولافرق بينه وبين المقام. (2) هذا الاعتقاد لا يتوقف عليه
الضمان، فان استيفاء المنفعة يوجب
( 106 )
[ واحد منفعتان متضادتان، وكذا ليس للعبد في زمان واحد ألا إحدى المنفعتين من
الكتابة أو الخياطة، فكيف يستحق أجرتين؟!. مدفوعة: بأن المستأجر بتفويته على نفسه،
واستعماله في غير ما يستحق كأنه حصل له منفعة أخرى (1). ] ضمانها حتى مع علم العامل
بعدم الاستحقاق، كما يأتي في الفصل الآتي. (1) قال العلامة في القواعد: " لو سلك
بالدابة الاشق من الطريق ضمن، وعليه المسمى والتفاوت بين الاجرتين، ويحتمل أجرة
المثل. وكذا لو شرط حمل قطن فحمل بوزنه حديدا ". وعلل احتمال أن المضمون أجرة المثل
لاغير: بأ المسمى مجعول بالعقد في قبال المنفعة الخاصة، وقد فاتت فيفوت بفواتها.
وعن جامع المقاصد: أنه الاصح. وفيه: أن فوات المنفعة لا يقتضي بطلان العقد، وقد
تقدم أنه لو بذل الاجير نفسه في المدة المعينة فلم يستعمله المستأجر استحق الاجرة.
وكذا إذا بذل المؤجر العين المستأجرة فلم ينتفع بها المستأجر في المدة، فان المؤجر
أيضا يستحق الاجرة، ففوات المنفعة في المقام من قبل المستأجر لا يقتضي بطلان العقد،
كي يقتضي عدم استحقاق الاجرة المسماة. وتفصيل الكلام في هذه المسألة: أن المنافع
المتضادة لما لم تكن مقدورة قدرة عرضية، لامتناع اجتماع الضدين، لم تكن مملوكة
ملكية عرضية، لان القدرة على المنفعة من شرائط ملكها عند العقلاء، ولا يصح اعتبار
الملكية لها عندهم إذا لم تكن مقدورة، فان كانت المنافع المتضادة غير مقدور عليها
أصلا لم تكن مملوكة أصلا، وإذا كانت مقدورة قدرة بدلية لاعرضية كانت مملوكة ملكية
بدلية لاعرضية. ولذا لم يكن إشكال عندهم في أن الغاصب لا يضمن جميع المنافع
المتضادة، وإنما يضمن واحدة
( 107 )
منها. وهذا الملكية تحتمل وجوها. الاول: أن يكون المملوك منها خصوص الموجود دون
المعدوم. ولازمه عدم ضمان المنافع غير المستوفاة، لانها غير موجودة، فلا تكون
مملوكة، فلا تكون مضمونة. الثاني: أن يكون المملوك كل واحدة منها في ظرف عدم
الاخرى. ولازمه ضمانهما معا إذا لم تكن كل واحدة منها مستوفاة، لان كل واحدة منهما
حينئذ في ظرف عدم الاخرى. الثالث: أن يكون المملوك الجامع بنحو لا ينطبق عليهما في
عرض واحد، بل إذا انطبق على واحدة لم ينطبق على الاخرى، نظير مفاد النكرة، ونظير
النصف الملحوظ فيما لو باع نصف الدار، فان النصف في نفسه وإن كان ينطبق على كل من
النصفين في عرض واحد، فان كلا من نصفي الدار نصف للدار، لكن المأخوذ موضوعا للبيع
لوحظ بنحو لا ينطبق على كل من النصفين في عرض واحد، بل بنحو ينطبق على أحدهما ولا
ينطبق على الآخر، ونظيره أيضا الصاع الملحوظ في بيع صاع من صبرة. وعلى هذا يكون
تطبيقه وتعيينه بيد المالك، فما عينه المالك يكون هو المملوك دون ما لم يعينه، وإن
كان المستوفى غير ماعينه المالك، ولازمه في المقام أن يكون المضمون هو المسمى، لانه
في مقابل المنفعة التي عينها المالك، وما استوفاه المستاجر لما لم يكن معينا من
الملك لا يكون مملوكا، فلا يكون مضمونا. الرابع: أن يكون المملوك هو الذي يعينه
المالك إذا لم يكن تعين خارجي، وإلا كان المتعين هو المملوك لاغير وإن عينه المالك.
ولازمه في المقام أن يكون المضمون أجرة المثل، لانها في مقابل المنفعة المستوفاة
المتعينة المملوكة، وعدم ضمان الاجرة المسماة لانها في مقابل منفعة غير
( 108 )
مملوكة، لانها غير المتعينة، وتعيين المالك لاأثر له مع التعين. وفي باب الغصب
يضمن الغاصب ما استوفاه، ولا أثر لتعيين المالك. وقد عرفت الاشكال في الوجهين
الاولين. وأما الوجه الاخير: فتأباه كلمات الاصحاب في باب الغصب، وأن الغاصب إذا
استوفى منفعة وكان غيرها أعلى قيمة كان للمالك اختيار ضمان الغاصب الاعلى قيمة، فعن
موضع من القواعد: " ولو تعددت المنافع - كالعبد الخياط الحائك - لزمه أجرة أعلاها،
ولا تجب أجرة الكل ". وعن موضع آخر أنه قال: " ولو انتفع بالازيد، ضمن الازيد، وإن
انتفع بالانقص ضمن أجرة المطلق ". وعن الروضة: " لو تعددت المنافع فان أمكن فعلها
جملة أو فعل أكثر من واحدة وجب أجرة ما أمكن، وإلا - كالحياكة والخياطة والكتابة -
فأعلاها أجرة. ولو كانت الواحدة أعلى منفردة عن منافع متعددة يمكن جمعها ضمن الاعلى
". لكن الظاهر أن مورد كلامه صورة عدم الانتفاع بمنفعة معينة. نعم عن المسالك: " إن
استعملها في الاعلى ضمنها، وإن استعملها في الوسطى أو الدنيا أو لم يستعملها، ففي
ضمان أجرة متوسطة أو الاعلى، وجهان ": فهذه الكلمات ونحوها - كما ترى - صريحة في
عدم ضمان المنفعة المستوفاة، وضمان غير المستوفاة، وهو في بادئ النظر غريب، فانه
لااشكال ولا خلاف في ضمان المنافع المستوفاة، فكيف ساغ البناء على عدم ضمانها وضمان
غير المستوفاة؟!. والتحقيق أن يقال في المقام: إن المنافع المتضادة وإن كانت
متباينة، لكنها مشتركة في جهة الانتفاع، فإذا اختلفت مرتبة الانتفاع بالشدة والضعف
والزيادة والنقيصة، فالاجارة على إحداهما بعينها قد لوحظ فيها القيد بنحو تعدد
المطلوب، فإذا استوفى المستأجر المساوي المباين لها كان للمالك المؤجر الخيار. فإذا
استأجر الدابة ليحمل عليها كيسا فيه مقدار
( 109 )
معين من الحنطة، فحملها كيسا آخر مثله لم يستحق أجرة أخرى، وإنما له الخيار
بفوات القيد. وإذا حملها كيسا آخر فيه حنطة ضعف المقدار المعين في الاجارة، فنصفه
مستحق الاجارة، وعليه أجرة النصف الآخر وإذا حملها كيسا آخر فيه من الحنطة نصف
المقدار المعين في الاجارة، لم يكن عليه غير المسمى، كأنه استوفى نصف حقه. نعم ربما
يكون للمؤجر الخيار لفوات القيد أيضا. وبالجملة: الذي يساعده الارتكاز العرفي أن
المتباينات ملحوظة في المقام وفي باب الضمان مع تفاوت القيمة من قبيل الاقل
والاكثر. والقيود والخصوصيات الموجبة للتباين ملحوظة عندهم بنحو تعدد المطلوب،
فيكون الاقوى في المقام ما ذكره في القواعد من لزوم المسمى والتفاوت. ولم أقف عاجلا
على من وافق المصنف في وجوب الامرين: المسمى وأجرة المثل وإن كان له في نفسه وجه،
لكنه خلاف المرتكز العرفي ومذاق الفقهاء في باب الضمانات. فلاحظ. وكذا الحكم في
ضمان الغاصب. ومما ذكرنا يظهر أن المحتملات في حكم المسألة أربعة: الاول: لزوم
المسمى فقط، ويقتضيه الوجه الثالث من وجوه كيفية ملك المنافع المتضادة الثاني: لزوم
أجرة المثل فقط. ومبناه بطلان العقد، إما لفوات المنفعة كما ذكر في التعليل، أو
لعدم ملكية المنفعة غير الموجودة كما يقتضيه الوجه الرابع من الوجوه السابقة، أو
لصحيح أبي ولاد الآتي. والثالث: لزوم المسمى وأجرة المثل معا، كما هو مختار المصنف
(ره)، ويقتضيه البناء على ملكية المنافع المتضادة في عرض واحد. الرابع: أعلى
القيمتين إن كان إحدى المنفعتين أعلى قيمة، والمسمى فقط إن لم يكن كذلك. ويقتضيه ما
ذكرناه من أن المرتكز العرفي جعل القيود الموجبة للتباين ملحوظة بنحو تعدد المطلوب،
وتكون الزيادة في المنفعة المستوفاة من قبيل
( 110 )
الزيادة في المنفعة المسماة، ويكون المقام نظير مالو استأجر الدابة واشترط عليه
المالك أن يكون الحمل مقدارا معينا لاأزيد، فحملها أكثر منه وأزيد، فانه يستحق
المسمى وأجرة الزائد لاغير، ويكون له الخيار في الفسخ والرجوع إلى أجرة المثل. نعم
قد ينافي ذلك في باب الغصب ظاهر ما ورد من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة،
المتضمنة لضمان الغاصب أجرة ما استوفاه مطلقا، وإن كان للعين المغصوبة منفعة أعلى،
ومنها صحيح أبي ولاد (* 1) المشهور الذي قد اكترى بغلا من الكوفة إلى قصر ابن هبيرة
ذاهبا وجائيا لطلب غريم له، فلما صار قرب قنطرة الكوفة أخبر أن غريمه توجه إلى
النيل، فتوجه نحو النيل، فلما أتى النيل خبر أن صاحبه توجه إلى بغداد فتوجه إلى
بغداد، ثم رجع إلى الكوفة. بل هو وارد فيما نحن فيه من استيفاء المستأجر منفعة
مضادة للمنفعة المقصودة له بالاجارة، والامام (ع) ضمنه كرى البغل من الكوفة إلى
النيل، ومن النيل إلى بغداد، ومن بغداد إلى الكوفة، ولم يضمنه الاجرة المسماة، ولم
يجعل للمالك الاختيار لاي منفعة شاء. لكن الظاهر أن الوجه فيه ما ذكرناه من أن
الملحوظ للمكاري قطع المسافة فتكون نسبة المنفعة المستوفاة إلى المسماة نسبة الاكثر
إلى الاقل، لا لاجل بطلان العقد الواقع، ولا لان التعين الخارجي دخيل في الملكية.
وكذلك حال النصوص الاخرى فانها أيضا منزلة على ما ذكرنا، ويكون المراد من النصوص هو
المراد من تعبير الفقهاء، أنه يضمن الاعلى. يعنون به: أنه يضمن المستوفى مع
التفاوت. كما أنه لا يبعد أن يكون عدم تعرض النصوص - كالصحيح وغيره - لضمان المنافع
غير المستوفاة التي هي أعلى قيمة لانها منفعة غير محتسبة ولا منتظرة من العين،
وحينئذ لا يدل الصحيح
____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب احكام الاجارة حديث: 1.
( 111 )
على عدم ضمانها مطلقا. وإن كان هذا المعنى لا يرتبط بما نحن فيه. والمتحصل مما
ذكرناه: أن ما ذكره في القواعد من الاحتمال الاول هو الذي يقتضيه المذاق العرفي.
لكن البناء عليه ورفع اليد عن الاحتمال الثالث، الموافق لاصل البراءة. لا يخلو من
شبهة وإشكال، وإن كان هو الاظهر. وقد جزم به في موضع آخر من القواعد. قال: " وان
زرع الاضر من المعين فللمالك المسمى وأرش النقصان ". وعن التحرير أنه قال: له
المسمى وأجرة الزيادة. وهو المراد مما في القواعد كما في مفتاح الكرامة، وحكى فيه
عن المبسوط: التخيير بين ذلك وبين أجرة المثل. وقال: " إنه أشبه بالصواب، ثم قال:
وهو خيرة التذكرة، وكذا الشرايع والتحرير والارشاد في باب المزارعة، قالوا: لو زرع
ما هو الاضر كان للمالك أجرة المثل أو المسمى مع الارش، والذي يقتضيه التدبر في
ملاحظة الكتب الثلاثة: أن ذلك فيما لو استأجرها للزراعة أو زارع عليها، وليست مسوقة
للمزارعة خاصة... إلى أن قال: وإن هذه العبارة خاصة بالاجارة ". ويؤيد ذلك ما ذكره
في القواعد قال: " لو عين اقتصر عليه وعلى ما يساويه، أو يقصر عنه في الضرر على
إشكال ". وعن التذكرة: أن القول بأن له أن يزرع ماعينه، وما ضرره كضرره أو أدون ولا
يتعين ماعينه قول عامة أهل العلم، إلا داود وباقي الظاهرية، فانهم قالوا: لا يجوز
له زرع غير ماعينه. حتى لو وصف الحنطة بأنها حمراء لم يجز أن يزرع البيضاء، ونسبه
في محكي الخلاف أيضا إلى أبي حنيفة والشافعي وعامة الفقهاء، وعن المبسوط: أنه نسبه
إلى جميع المخالفين، وعن جامع المقاصد: أن جواز العدول هو المشهور بين عامة
الفقهاء، وقال أيضا: إنه المشهور. وفي مفتاح الكرامة وجه القول بجواز العدول: بأن
الغالب المعروف المألوف أن الغرض المقصود في الاجارة للمالك تحصيل
( 112 )
[ (مسألة 7): لو آجر نفسه للخياطة - مثلا - في زمان معين، فاشتغل بالكتابة
للمستأجر مع علمه بأنه غير العمل المستأجر عليه، لم يستحق شيئا. أما الاجرة
المسماة: فلتفويتها على نفسه بترك الخياطة، وأما أجرة المثل للكتابة - مثلا -:
فلعدم كونها مستأجرا عليها، فيكون كالمتبرع بها. بل يمكن أن يقال بعدم استحقاقه لها
ولو كان مشتبها غير متعمد (1)، خصوصا مع جهل المستأجر بالحال. (مسألة 8): لو أجر
دابته لحمل متاع زيد من مكان إلى آخر فاشتبه وحملها متاع عمرو، لم يستحق الاجرة على
زيد ولا على عمرو. (مسألة 9): لو آجر دابته من زيد - مثلا - فشردت ] الاجرة خاصة،
وهي حاصلة على التقادير الثلاثة، فكلام أهل العلم مبني على الغالب المعروف. وما
ذكره الجماعة وإن كان محلا للمنع، بل لا ينبغي الارتياب في خلافه، وعدم جواز التعدي
عن تعيين المالك. لكن قد يفهم منه حكم المقام بطريق الاولوية. وبالجملة: إذا لاحظت
كلماتهم تعرف أن الارتكاز العرفي المذكور مما لا معدل عنه عندهم. (* 1) (1) يفترق
الحكم هنا عما كان في المسألة السابقة: بأن العمل في المقام مع العلم والجهل لا
يتحقق معه عنوان الاستيفاء، لانه لم يكن بأمر من الغير، بخلاف العمل في المسألة
السابقة، فانه بأمر يتحقق معه عنوان الاستيفاء. واعتقاد الامر هنا مع الجهل لا يكفي
في صدق الاستيفاء.
____________
(* 1) قد ذكرنا في مبحث المزارعة ماله نفع في المقام فراجع. (منه قدس سره)
( 113 )
[ قبل التسليم إليه أو بعده في أثناء المدة. بطلت الاجارة (1). وكذا لو آجر
عبده فأبق. ولو غصبهما غاصب، فان كان قبل التسليم فكذلك. وإن كان بعده يرجع
المستأجر على الغاصب بعوض المقدار الفائت من المنفعة (2). ويحتمل التخيير (3) بين
الرجوع على الغاصب وبين الفسخ في الصورة الاولى (4) وهو ما إذا كان الغصب قبل
التسليم. (مسألة 10): إذا آجر سفينته لحمل الخل مثلا من بلد إلى بلد، فحملها
المستأجر خمرا، لم يستحق المؤجر الا الاجرة المسماة، ولا يستحق أجرة المثل لحمل
الخمر، لان أخذ الاجرة عليه حرام، فليست هذه المسألة مثل مسألة إجارة العبد
للخياطة، فاستعمله المستأجر في الكتابة (5). لا يقال: فعلى هذا إذا غصب السفينة
وحملها خمرا، كان اللازم عدم استحقاق المالك أجرة المثل، لان أجرة حمل الخمر حرام.
لانا نقول: إنما يستحق المالك أجرة المثل للمنافع ] (1) يعني: في باقي المدة، لفوات
المنفعة وتعذرها، فتكون الاجارة واقعة على مالا منفعة له. (2) هذا مبني على تنزيل
الغصب منزلة التلف، كما تقدم القول به في امتناع المؤجر من التسليم، كما تقدم ضعفه،
فراجع المسألة العاشرة والحادية عشرة من الفصل الثالث. (3) هذا هو المتعين كما
عرفت. (4) قد عرفت هناك احتماله في الصورة الثانية. (5) تقدم فيها ماله نفع هنا،
فراجعه.
( 114 )
[ المحللة الفائتة في هذه المدة. وفي المسألة المفروضة لم يفوت على المؤجر
منفعة، لانه أعطاه الاجرة المسماة لحمل الخل بالفرض. (مسألة 11): لو استأجر دابة
معينة من زيد للركوب إلى مكان، فاشتبه وركب دابة أخرى له، لزمه الاجرة المسماة
للاولى، وأجرة المثل للثانية، كما إذا اشتبه فركب دابة عمرو فانه يلزمه أجرة المثل
لدابة عمرو والمسماة لدابة زيد، حيث فوت منفعتها على نفسه. (مسألة 12): لو آجر نفسه
لصوم يوم معين عن زيد مثلا، ثم آجر نفسه لصوم ذلك اليوم عن عمرو، لم تصح الاجارة
الثانية (1). ولو فسخ الاولى بخيار أو إقالة قبل ذلك اليوم لم ينفع في صحتها، بل
ولو أجازها ثانيا، بل لابد له من تجديد العقد، لان الاجازة كاشفة (2)، ولا يمكن ]
(1) لما سبق من أن المنفعة الثانية لما لم تكن مملوكة للاجير - لمباينتها للاولى -
لم تمكن الاجارة عليها، لعدم السلطنة له عليها، بل لا تصح وإن أجاز المستأجر الاول،
لان المانع لا ينحصر بتعلق حق الغير كما سبق كي تصح الاجارة باجازته، بل المانع عدم
الملك لا للاجير ولا لغيره. نعم إذا كانت الاجارة الاولى واقعة على منفعته الخاصة
وكذلك الثانية، وكانت الخصوصية - أعني: كون الصوم عن زيد - ملحوظة على نحو تعدد
المطلوب، أمكن أن تكون إجازة المستأجر الاول راجعة إلى رفع اليد عن الخصوصية،
وحينئذ تصح الثانية بالاجازة، وترجع الاجرة المذكورة فيها إلى المستأجر الاول. (2)
هذا لا يجدي في المنع، إلا بناء على الكشف الحقيقي. والعمدة:
( 115 )
[ الكشف هنا لوجود المانع حين الاجارة، فيكون نظير من باع شيئا ثم ملك (1)، بل
أشكل. ] فصل لا يجوز إجارة الارض لزرع الحنطة أو الشعير، بما يحصل منها من الحنطة
أو الشعير، لا لما قيل: من عدم كون مال الاجارة موجودا حينئذ، لا في الخارج ولا في
الذمة، ومن هنا يظهر عدم جواز إجارتها بما يحصل منها ولو من ] أن إضافة العوض إلى
مالك بعينه من قوام المعاوضة، فإذا تبدل فقد فاتت المعاوضة الواقعة وتعذرت صحتها.
(1) لان الصوم عن عمرو لما كان ضد الصوم عن زيد، فإذا ملك المستأجر الاول والثاني،
خرج الاول عن كونه مملوكا للمؤجر، لما عرفت من أن القدرة على المتضادين لما كانت
بدلية كانت الملكية لها كذلك، فإذا ملك المستأجر الاول أحدهما تعيينا خرج الآخر عن
الملكية تعيينا وتخييرا، فإذا فسخت الاجارة الاولى صار الضدان مملوكين على البدل،
كحالهما قبل الاجارة، فاذن تكون الاجارة الثانية قبل الفسخ واقعة على منفعة غير
مملوكة. وكأن الوجه في كونه أشكل: أن عدم القدرة على الضد الثاني يوجب خروجه عن
صلاحية الملك، فالمانع فيه ذاتي، بخلاف مسألة من باع ثم ملك فان المانع فيه عرضي،
وهو تبدل المالك من دون قصور في ذات المملوك.
( 116 )
[ غير الحنطة والشعير، بل عدم جوازها بما يحصل من أرض أخرى أيضا. لمنع ذلك (1)،
فانهما في نظر العرف واعتباره بمنزلة الموجود كنفس المنفعة، وهذا المقدار كاف في
الصحة نظير بيع الثمار سنتين، أو مع ضم الضميمة، فانها لا يجعل غير الموجود موجودا،
مع ان البيع وقع على المجموع. بل للاخبار الخاصة (2). وأما إذا آجرها بالحنطة أو
الشعير في الذمة ] (1) هذا المنع يتم إذا كان المقصود من الدليل المنع العقلي. أما
إذا كان المقصود المنع الشرعي من جهة الغرر، الحاصل من الشك في الوجود أو الشك في
مقدار الموجود، فالمنع المذكور لا يرفع الغرر الحاصل. (2) المشتمل بعضها على النهي
عن إجارة الارض بالطعام، وعلل في بعضها بأنه غير مضمون، ففي موثق أبي بصير عن أبي
عبد الله (ع): " لا تؤجر الارض بالحنطة ولا بالشعير ولا بالتمر ولا بالاربعاء ولا
بالنطاف، ولكن بالذهب والفضة، لان الذهب والفضة مضمون وهذا ليس بمضمون " (* 1). وفي
آخر: بأنه يلزم إجارة الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير. (* 2) وفي ثالث: " إن كان من
طعامها فلا خير فيه ". (* 3) وظاهر الجميع الاختصاص بما كان منها أو من غيرها
المعين ولم يعرف المخالف في المنع إلا ما يظهر من التبصرة والمختلف، تبعا لما يظهر
من النافع كما قيل. لكنه مخالف لظاهر النهي المذكور المعول عليه
____________
(* 1) الوسائل باب: 16 من ابواب المزارعة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 16 من أبواب
المزارعة حديث: 11. (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب المزارعة حديث: 5.
( 117 )
[ لكن بشرط الاداء منها، ففي جوازه إشكال والاحوط العدم (1) لما يظهر من بعض
الاخبار، وإن كان يمكن حمله على الصورة الاولى. ولو آجرها بالحنطة أو الشعير من غير
اشتراط كونهما منها فالاقوى جوازه (2)، نعم لا يبعد كراهته. وأما إجارتها ] عند
المشهور. والتعبير بقوله (ع): " لاخير فيه " لا يصلح لصرف النهي عن ظاهره، بل لعله
ظاهر في نفسه في المنع. (1) احتمل في الجواهر العدم، لما يظهر من بعض النصوص في
خصوص هذا الشرط كما ذكر في المتن. لكنه استظهر الجواز، للعمومات. وهو غير بعيد. (2)
عملا بالتعليل بأنه غير مضمون، المقتضي للجواز في المضمون. لكن عن بعض: المنع إذا
كان من جنس ما يزرع فيها، لصحيح الحلبي: " لا تستأجر الارض بالحنطة ثم تزرعها حنطة
" (* 1). ويساعده بعض التعليلات المتقدمة. لكن المشهور على خلافه. ولاجله يشكل
العمل بالصحيح، مع أن دلالته لا تخلو من خفاء. وأما دعوى: المعارضة للتعليل بعدم
الضمان، فغير ظاهرة، لامكان تعدد وجوه المنع. والعمدة: أن الخبر المشتمل على
التعليل ضعيف بالارسال وغيره، فلا مجال للاعتماد عليه. مضافا إلى معارضته بخبر
الهاشمي، عن أبي عبد الله عليه السلام: " سألته عن رجل استأجر من السلطان من أرض
الخراج، بدراهم مسماة أو بطعام مسمى، ثم آجرها وشرط لمن يزرعها أن يقاسمه النصف أو
أقل من ذلك أو أكثر، وله في العوض بعد ذلك فضل، أيصلح له لذلك؟ قال (ع): نعم إذا
حفر لهم نهرا... " (* 2) فتأمل.
____________
(* 1) الوسائل باب: 16 من أبواب المزارعة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب
احكام الاجارة حديث: 3.
( 118 )
[ بغير الحنطة والشعير من الحبوب، فلا إشكال فيه (1)، خصوصا إذا كان في الذمة،
مع اشتراط كونه منها أولا. (مسألة 1): لا بأس باجارة حصة من أرض معينة مشاعة، كما
لا بأس باجارة حصة منها على وجه الكلي في المعين مع مشاهدتها على وجه يرتفع به
الغرر. وأما إجارتها على وجه الكلي في الذمة فمحل إشكال، بل قد يقال: بعدم جوازها
لعدم ارتفاع الغرر بالوصف، ولذا لا يصح السلم فيها. وفيه: أنه يمكن وصفها على وجه
يرتفع، فلا مانع منها إذا كان كذلك. (مسألة 2): يجوز استئجار الارض لتعمل مسجدا، ]
(1) في خبر أبي بصير المتقدم ذكر التمر مع الحنطة والشعير، ومقتضاه المنع فيه، بل
مقتضى التعليل بعدم الضمان: اطراد المنع في كل مايخرج منها. وإن كان ظاهر بعض:
الاختصاص بالحنطة والشعير. ووجهه غير ظاهر، لعموم التعليل في النص، وعموم ما ذكروه
في وجه المنع الذي أشار إليه المصنف (ره) في صدر المسألة، ولذا كانت عباراتهم
مطلقة. قال في القواعد في كتاب المزارعة: " تجوز إجارة الارض بكل ما يصلح أن يكون
عوضا في الاجارة وإن كان طعاما إذا لم يشترط أنه مما يخرج من الارض ". وقال في
مفتاح الكرامة: " لانه لا يجوز اشتراط كونه مما يخرج منه، كما في الخلاف والمبسوط
والسرائر، والمختلف والتنقيح، وجامع المقاصد. ولا يصح كما في إيضاح النافع،
والكتاب. ويكون حراما، كما في التذكرة... " إلى آخر ما حكاه من عباراتهم. وحينئذ
فنفي الاشكال في المتن غير ظاهر، لامن حيث النص ولامن حيث الفتوى.
( 119 )
[ لانه منفعة محللة (1). وهل يثبت لها آثار المسجد من حرمة التلويث ودخول الجنب
والحائض ونحو ذلك.؟ قولان. أقواهما: العدم (2). نعم إذا كان قصده عنوان المسجدية لا
مجرد الصلاة فيه (3)، وكانت المدة طويلة كمائة سنة أو أزيد لا يبعد ذلك، لصدق
المسجد عليه حينئذ. ] (1) خلافا لابي حنيفة، لان فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد
الاجارة، فلا تجوز الاجارة لذلك. وفيه أنه لا ملازمة بين بطلان الاجارة على الصلاة،
وبطلان إجارة المكان للصلاة، لان الاجارة على الصلاة تقتضي لزوم الصلاة، وإجارة
المكان للصلاة لا تقتضي لزوم الصلاة. مضافا إلى أن استحقاق الصلاة ولزومها بالاجارة
لا يقتضي بطلانها، كما في صلاة الاجير. (2) كما عن جامع المقاصد، لان المسجد اسم
للموقوف مؤيدا لذلك. وعن الاردبيلي: دعوى كوى المسجد أعم من الموقوف مؤبدا وغيره
كالمقام، خصوصا في المدة الطويلة كمائة سنة. لكنه كما ترى مخالف لظاهر الاتفاق على
اعتبار التأييد، كما يظهر من كلماتهم في الصلاة. مع أن الشك في ذلك كاف في عدم ترتب
الاحكام، للاصل. وإطلاق أدلتها يسقط عن الحجية، إذ ليس المراد منه المعنى اللغوي
ضرورة، بل المراد منه مفهوم شرعي، فمع الشك في حصوله يرجع إلى أصالة عدم ترتب
الاثر. (3) لاإشكال في أن عنوان المسجد من العناوين القائمة بنفسها، لا ترتبط بفعل
المكلف، ولذا لو خرب المسجد لم تبطل مسجديته وإن تعذرت الصلاة فيه بخلاف مالو خرب
المكان الذي وقف على أن يكون مصلى، فانه إذا تعذرت الصلاة فيه فقد تعذرت المنفعة
المقصودة من الوقف، فتبطل وقفيته. ثم إنه إذا اعتبر الدوام في المسجدية فلا مجال
( 120 )
[ (مسألة 3): يجوز استئجار الدراهم والدنانير للزينة (1) أو لحفظ الاعتبار، أو
غير ذلك من الفوائد التي لا تنافي بقاء العين. (مسألة 4): يجوز استئجار الشجر
لفائدة الاستظلال ونحوه (2) كربط الدابة به، أو نشر الثياب عليه. (مسألة 5): يجوز
استئجار البستان لفائدة التنزه، لانه منفعة محللة عقلائية. (مسألة 6): يجوز
الاستئجار لحيازة المباحات (3) ] للاجارة المذكورة، وإن لم يعتبر لا حاجة إلى
اعتبار أن تكون المدة طويلة. (1) كما صرح به في الشرايع وغيرها. وعن مجمع البرهان:
" لاشك فيه لو حصل نفع مقصود محلل، لاطلاق أدلة الاجارة ". وهو في محله. أما إذا لم
يكن لها نفع كذلك فلا ينبغي التأمل في البطلان، لان أكل الاجرة حينئذ يكون أكلا
للمال بالباطل. وفي الجواهر: " واحتمال عدم الجواز حتى مع تحقق المنفعة، للشك في
تناول مثل ذلك، في غير محله " كاحتمال عدم جواز إجارتهما لعدم صحة وقفهما، وعدم
ضمان منفعتهما لو غصبا. وفيه: أولا... " إلى آخر ما ذكر في الاشكال من منع الملازمة
ومنع عدم جواز الوقف، ومنع عدم الضمان. (2) كما صرح به في الجواهر، لما ذكر فيما
قبله. (3) هذه المسألة مذكورة في الشرائع في أواخر كتاب الشركة، وقد اختار فيها
الجواز. وفي القواعد قال: " في جواز الاستئجار على الاحتطاب أو الاحتشاش أو
الالتقاط نظر، ينشأ من وقوع ذلك للمؤجر أو المستأجر ".
( 121 )
[ كالاحتطاب والاحتشاش والاستقاء. فلو استأجر من يحمل الماء له من الشط - مثلا
- ملك ذلك الماء بمجرد حيازة السقاء فلو أتلفه متلف قبل الايصال إلى المستأجر ضمن
قيمته له. وكذا في حيازة الحطب والحشيش. نعم لو قصد المؤجر كون المحوز لنفسه،
فيحتمل القول بكونه له (1)، ويكون ضامنا للمستأجر عوض ما فوته عليه من المنفعة،
خصوصا (2) إذا كان المؤجر آجر نفسه على وجه يكون تمام منافعه في اليوم الفلاني
للمستأجر، أو يكون منفعته من حيث الحيازة له، وذلك لاعتبار النية في التملك
بالحيازة والمفروض أنه لم يقصد كونه للمستأجر بل قصد نفسه. ويحتمل القول بكونه
للمستأجر لان المفروض ان منفعته من طرف الحيازة له، فيكون نية كونه لنفسه لغوا
والمسألة مبنية على ان الحيازة (3) ] (1) هذا يتم حتى على القول بتبعية المحاز
للحيازة في الملكية إذا كان المستأجر عليه في الذمة، لان انطباق ما في الذمة على ما
في الخارج يحتاج إلى قصد، وإن انحصر في فرد، ولايكون قهريا وان كان ذلك في الكلي
الخارجي (2) راجع إلى الضمان. (3) الوجوه المتصورة بدوا في سببية الحيازة للملك
ثلاثة: الاول: أن تكون سببا لملك الحائز مباشرة، وهو من قامت به الحيازة مطلقا،
سواء قصد نفسه أم غيره أم لم يقصد. الثاني: أن تكون سببا لملك من كانت له الحيازة،
فيكون المحاز تابعا لها في الملكية، تبعية الثمرة للشجرة، والحمل للدابة، والنماء
لذي النماء، مطلقا أيضا. الثالث: أن تكون سببا لملك من جعلت له ولو تبرعا، فتكون
سببيتها متقومة بالقصد، فان
( 122 )
قصد الحائز بها نفسه ملك هو المحاز، وإن قصد غيره ملك غيره المحاز، وان لم يقصد
أصلا لم يملك المحاز مالك، وبقي على إباحته الاصلية. هذا ولا ينبغي الاشكال في صحة
الاجارة، على الوجهين الاخيرين. نعم قد تشكل بناء على الوجه الاول، بل في المتن أن
لازمه عدم صحة الاجارة. وكأنه لعدم رجوع المنفعة، إلى المستأجر حينئذ. وفيه: أنه
يكفي في صحتها ترتب غرض ما على حصول العمل المستأجر عليه، نظير الاجارة على النيابة
عن ميت من أموات المستأجر، والاستئجار لارضاع الولد وتعليمه الكتابة ونحوها من
الكمالات، فالوجوه كلها مشتركة في صحة الاجارة عليها، ولافرق بين الاول والاخيرين
في ذلك. نعم تختلف في أمر آخر، وهو ملكية المحاز للمستأجر، فعلى الاول: لا يملكه
المستأجر مطلقا، وإنما يملكه الاجير الحائز، وعلى الثاني: يملكه المستأجر مطلقا.
إذا كانت الاجارة واقعة على المنفعة الخاصة وحدها أعني: منفعة الحيازة، أو مع غيرها
بأن كان جميع منافعه ملحوظة في الاجارة، فان الحيازة على هذا تكون ملكا للمستأجر
فيتبعها المحاز، وأما إذا كانت واقعة على ما في الذمة، فان قصد الاجير تشخيص ما في
ذمته الواجب عليه بالاجارة، كانت الحيازة الخارجية ملكا للمستأجر فيتبعها المحاز.
أما إذا لم يقصد ذلك، بل قصد نفسه، كان المحاز له، ويكون قد فوت العمل المستأجر
عليه على المستأجر، فيرجع المستأجر عليه باجرة المثل لو لم يفسخ، أو بالمسمى إذا
كان قد فسخ. وعلى الثالث: مقدمية الاجارة لتملك المحاز. تتوقف على وقوعها على
الحيازة بقصد كونها للمستأجر، إذ لو وقعت على نفس فعل الحيازة مطلقا استحق الاجير
الاجرة ولو قصد نفسه، ويكون هو المالك حينئذ للمحاز، فالاجارة إنما يترتب عليها
تملك المستأجر للمحاز، إذا وقعت على الحيازة بنحو خاص،
( 123 )
أعني: بقصد كونها للمستأجر. وحينئذ فان قصد الحائز ذلك استحق الاجرة، وكان
المحاز للمستأجر. وإن قصد نفسه كان المحاز له دون المستأجر، من دون فرق بين وقوع
الاجارة على منفعته الخاصة ووقوعها على ما في الذمة، وحينئذ يستحق المستأجر على
المسمى أو أجرة المثل كما سبق. وكذا لو لم يقصد شيئا، لكن في هذه الصورة يبقى
المحاز على إباحته الاصلية. ثم إن الوجهين الاخيرين يمكن ارجاع ثانيهما إلى أولهما،
بناء على أنه يكفي في ملكية العمل صدوره عن فاعله بقصد أنه لزيد مثلا، فيكون ملكا
لزيد بمجرد ذلك، فانه على هذا المبنى تكون ملكية المقصود للمحاز تابعة لملكية
الحيازة، فالمتبرع عن غيره بالحيازة يملكها للمتبرع عنه، فيملك المتبرع عنه المحاز،
كما يملك نفس الحيازة بالتبرع عنه فيها. فالحيازة تارة: تملك بعقد الاجارة
للمستأجر. وأخرى: يملكها المتبرع عنه بالتبرع من الحائز عنه، فيملكها المتبرع عنه
بذلك التبرع الراجع إلى فعلها بقصد كونها لغيره، فتكون حال وقوعها ملكا للمتبرع
عنه، فيتبعها المحاز. فالبناء على الثالث أيضا راجع إلى تبعية المحاز للحيازة في
الملكية. نعم إذا كانت منفعة الحيازة مملوكة على الحائز بالاجارة، لاسلطنة له على
جعلها لغير المستأجر المالك لها. نعم بين الوجهين فرق من جهة أخرى، تظهر بالتأمل
فيما ذكرنا. وكيف كان: لا ينبغي التأمل في أن الرجوع إلى المرتكز العرفي - الذي هو
المعيار المائز بين ما تدخله النيابة والوكالة ومالا تدخله - يقتضي البناء على كون
العناوين المذكورة في المتن مما تدخله النيابة، فانها عند العرف كذلك. بل التسالم
على كون القبض مما تدخله النيابة، في كل مورد كان موضوعا لحكم شرعي، يقتضي البناء
عليه هنا، لانها من أنواعه وأنحائه. فيبطل الوجه الاول. هذا ولاجل أن اعتبار
النيابة عند العقلاء إنما يصح فيما إذا كان
( 124 )
للمنوب فيه أثر ترتب عليه، وإلا لم يكن النيابة معنى، ولا مجال لاعتبارها عند
العقلاء، فتكون بناؤهم على صحة النيابة في هذه العناوين كاشفا عن كونها موضوعا
للآثار مطلقا، فيتعين الوجه الثاني الذي هو ثالث الوجوه المذكورة في المتن، ويترتب
عليه ما عرفت من أنه إذا استأجره بلحاظ المنفعة الخاصة - أعني: منفعة الحيازة - كان
المحاز ملكا للمستأجر، تبعا لملكية الحيازة وإن قصد الاجير الحيازة عن نفسه أو عن
غير المستأجر، لعدم نفوذ قصده، لكونه تصرفا في ملك المستأجر، كما لو حاز العبد بقصد
غير مولاه. وفي الشرايع في كتاب الشركة قال: " إذا استأجره للاحتطاب أو الاحتشاش أو
الاصطياد مدة معينة، صحت الاجارة، ويملك المستأجر ما يحصل في تلك المدة ". لكن قال
في كتاب الوكالة: " إن الامور المذكورة لاتقبل النيابة ". وأشكل عليه: بأن البناء
على أنها لاتقبل النيابة يقتضي المنع من صحة الاجارة عليها. وفي الجواهر دفع
الاشكال: " بأنه قد يمنع التلازم، ويكون حينئذ ملك المباح في الفرض من توابع ملك
العمل بالاجارة، وهو غير التملك بالنيابة في الحيازة. ثم قال: " فتأمل " ولعله أشار
بالامر بالتأمل إلى أنه إذا لم تقبل العناوين المذكورة اختصت آثارها بالمباشر،
فيكون المباح ملكا له، فإذا بني على كونه ملكا لمالك الحيازة وإن لم يكن هو
المباشر، كان ذلك قولا بقبولها للنيابة، إذ ليس المراد من كونها قابلة للنيابة إلا
هذا المعنى، بأن يكون الاثر لغير المباشر ثم إنه قد استدل على الوجه الاول من
الوجوه التي ذكرناه، بما دل على أن من حاز ملك، فان المضمون المذكور وإن لم يرد به
نص بلفظه، فقد ورد ما يدل على معناه، مثل قوله (ع): " لليد ما أخذت
( 125 )
وللعين ما رأت " (* 1). وفيه: أنه إذا كانت المرتكزات العرفية قاضية بقبولها
النيابة، فقد صدق ذلك بالنسبة إلى المنوب عنه ولا يصدق بالنسبة إلى النائب، كما
يظهر من ملاحظة نظائره، فإذا ورد: " من صلى ركعتين فله كذا "، وقلنا بقبول الصلاة
للنيابة، كانت الصلاة الواقعة من النائب منسوبة إلى المنوب عنه. لاإلى النائب، مثل:
من باع أو تزوج أو قبض وغيرها. ونظير المقام باب إحياء الموات، فان قولهم (ع): " من
أحيى أرضا مواتا فهي له " (* 2). وإن كان مقتضى الجمود على عبارته تملك من قام به
الاحياء، لكن مادل على قبول الاحياء للنيابة يقتضي عمومه للمباشرة والنيابة، لان
فعل النائب فعل المنوب عنه، فمن أحيى عن غيره كان غيره المحيى لا المباشر، نظير
قوله (ع): " من بنى مسجدا كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة " (* 3)، فان الاثر
المذكور يكون له ملك البناء ولو لم يباشر. نعم هنا شئ وهو: أن ملك الحيازة هل يحصل
بمجرد نية المباشر عن غيره كما يحصل بعقد الاجارة، أولا؟ فيه إشكال، ومقتضى أصالة
عدم ترتب الاثر عدمه. بل العدم مقتضى قاعدة السلطنة على النفس. ومن ذلك يشكل البناء
على عموم صحة النيابة ولو تبرعا. والمتحصل مما ذكرنا: أن مقتضى الجمود على ما تحت
مفاد الادلة الاولية هو عدم صحة النيابة في أمثال المقام، وأن المحاز ملك للحائز
مباشرة. وبعد ملاحظة مادل على قبول ذلك النيابة، والجمع بينه وبين الادلة الاولية،
يتعنى البناء على أن المحاز ملك لمالك الحيازة، لامن قامت به
____________
(* 1) الوسائل باب: 38 من أبواب الصيد حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب كتاب
احياء الموات حديث: 5، 6. (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب احكام المساجد حديث: 2، 6.
( 126 )
الحيازة، نظير: " من أحيى أرضا " و " من بنى مسجدا ". وهذا الملك تارة: يكون
الاجارة، وأخرى: يكون بغيرها من جعالة ونحوها، وقد يكون بالامر بها مجانا، فيجوز
المأمور بنية ملك الآمر. أما تبرع الحائز بدون إذن من حاز له فلا أثر له في الملك،
لما عرفت من أنه خلاف قاعدة السلطنة. بل قد يشكل حصوله بمجرد الامر بالحيازة مجانا،
لعدم الدليل على حصول الملك بمجرد ذلك. وقبول الحيازة للنيابة لا يقتضي ذلك، لان
القابلية أعم من الفعلية، فما لم يقم دليل على النفوذ يكون المرجع أصالة عدم ترتب
الاثر. اللهم إلا أن يدخل ذلك في الهبة، فيدل على ترتب الاثر مادل على نفوذ الهبة.
فتأمل. ثم إنه هل يعتبر في ملك الحائز لما حاز نية التملك، أولا يعتبر ذلك؟ في
الشرايع: " قيل: لا. وفيه تردد ". وفي القواعد: " فيه اشكال. وصريح المبسوط في كتاب
احياء الموات اعتبارها. قال فيه: لان المحيى إنما يملك بالاحياء إذا قصد تملكه ".
وتبعه عليه جماعة، منهم الشهيد في الدروس. وجزم في الجواهر في كتاب إحياء الموات
وغيره بعدم الاعتبار، وقال في كتاب الشركة: (يمكن دعوى السيرة، بل الضرورة على خلاف
ذلك " (يعني: ما ذكره في المبسوط) وفي مفتاح الكرامة: " الاقرب الاعتبار "، وذكر
أنه قد استدل عليه بالاخبار المستفيضة الواردة فيما يكون في جوف السمكة مما يكون في
البحر (* 1)، وبالاجماعين الظاهرين من التذكرة والمختلف، المعتضدين بالشهرات.
واستدل له في جامع المقاصد بما تكرر في فتوى الاصحاب من أن ما يوجد في جوف السمكة
مما يكون في البحر يملكه المشتري ولا يجب دفعه إلى البايع يعني: أنه لو لم تعتبر
النية لكان ملكا للبائع لكونه حائزا، ولاوجه
____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب اللقطة.
( 127 )
[ من الاسباب القهرية لتملك الحائز (1) ولو قصد الغير، ولازمه عدم صحة
الاستئجار لها. أو يعتبر فيها نية التملك، ودائرة مدارها، ولازمه صحة الاجارة، وكون
المحوز لنفسه إذا قصد نفسه وإن كان أجيرا للغير، وايضا لازمه عدم حصول الملكية له
إذا قصد كونه للغير، من دون ان يكون أجيرا له أو وكيلا عنه، وبقاؤه على الاباحة الا
إذا قصد بعد ذلك كونه له بناء على عدم جريان التبرع في حيازة المباحات والسبق إلى
المشتركات، وإن كان لا يبعد جريانه. أو أنها من الاسباب القهرية لمن له تلك
المنفعة، فان لم يكن أجيرا يكون له، وإن ] لان يكون للمشتري. وفيه: أن الظاهر أن
البائع باع تمام ما حازه، وإن كان يعتقد أنه سمكة فقط، فالخطأ يكون في التطبيق
لاغير. ثم إن ما ذكره من الفتوى قد تضمنتها جملة من النصوص، ذكرها في الوسائل في
كتاب اللقطة، فراجعها. ودلالتها على اعتبار نية التملك غير ظاهرة، وان استدل بها في
مفتاح الكرامة. هذا وفي الجواهر قوى اعتبار قصد الحيازة في حصول الملك، فمن حول
ترابا أو حجرا عن طريق بقصد التمكن من العبور عنه لا يملكه. وكأنه لانصراف الادلة
عن مثل ذلك وهو غير بعيد، ولاسيما مع موافقته للسيرة. وأظهر منه صورة ما إذا لم
يتحقق القصد أصلا، كما في حيازة النائم ونحوه. (1) الظاهر من العبارة - بقرينة ما
يأتي من قوله: " أو أنها من الاسباب القهرية... " - أن المراد من كونها من الاسباب
القهرية: أنها توجب تملك المباشر، الذي هو الوجه الاول من الوجوه التي ذكرناها في
الحاشية السابقة. لكن هذا المبنى لا يترتب عليه شئ من الاحتمالين السابقين، إذ
الاحتمال الثاني - وهو كون المحاز للمستأجر - لاوجه لترتبه