مستمسك العروة

السيد محسن الحكيم ج 8

===============

( 1 )

ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن الكريم مستمسك العروة الوثقى تأليف فقيه العصر آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائى الحكيم قدس سره الجزء الثامن

===============

( 2 )

مطبقه الاداب في النجف الاشرف 1390 ه‍ 1970 م منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - ايران 1404 ه‍ ق

===============

( 3 )

{ بسم الله الرحمن الرحيم فصل في صلاة المسافر لااشكال في وجوب القصر على المسافر (1)، مع اجتماع } فصل في صلاة السفر (1) ادعى غير واحد عليه الاجماع، بل الضرورة من الامامية (رض) وحكي أيضا عن أكثر العامة. ويدل عليه النصوص الكثيرة، ففي صحيح زرارة ومحمد: " قلنا لابي جعفر (ع): ما تقول في الصلاة في السفر؟ إلى أن قال (ع): فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر قالا: قلنا له: إنما قال الله عزوجل: (فليس عليكم جناح) (* 1) ولم يقل: (افعلوا)، فكيف أوجب ذلك؟! فقال (ع): أو ليس قد قال عزوجل في الصفا والمروة: (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما)؟ (* 2) ألا ترى أن الطواف بهما واجب مفروض، لان الله عزوجل ذكره في كتابه. وصنعه نبيه؟ وكذلك التقصير.. " (* 3)


____________
(* 1) النساء: 101. (* 2) البقرة: 158. (* 3) الوسائل باب: 22 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

===============

( 4 )

{ الشرائط الآتية (1)، باسقاط الركعتين الاخيرتين من الرباعيات (2). وأما الصبح والمغرب فلا قصر فيهما. وأما شروط القصر فأمور: الاول: المسافة (3)، وهي ثمانية فراسخ امتدادية (4) } (1) للادلة الآتية الدالة على شرطيتها. (2) بلا خلاف. ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " عشر ركعات، ركعتان من الظهر، وركعتان من العصر، وركعتا الصبح، وركعتا المغرب، وركعتا العشاء الاخيرة، لا يجوز فيهن الوهم... إلى أن قال: فرضها الله عزوجل... إلى أن قال: فزاد رسول الله صلى الله عليه وآله في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر والعصر والعشاء الآخرة، وركعة في المغرب للمقيم والمسافر " (* 1) ونحوه غيره. (3) يعني: المحدودة، إجماعا من الخاصة والعامة كما عن غير واحد دعواه مع استثناء داود الظاهري، إذ اكتفى بمجرد الضرب في الارض. والنصوص بها في الجملة متواترة، كما سنشير إلى بعضها. (4) فلا يعتبر الزائد عليها، إجماعا منا حكاه غير واحد. وتدل عليه النصوص المستفيضة، ففي موثق سماعة: " في كم يقصر الصلاة؟ فقال (ع): في مسيرة يوم، وذلك بريدان، وهما ثمانية فراسخ " (* 2). وفي رواية الفضل: " إنما وجب التقصير في ثمانية فراسخ، لاأقل من ذلك، ولا أكثر " (* 3) وفي صحيح الكاهلي " بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا " (* 4) وفي رواية ابن الحجاج: " أربعة وعشرون ميلا يكون ثمانية فراسخ " (* 5)


____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها حديث: 12. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 15.

===============

( 5 )

{ ذهابا أو إيابا، أو ملفقة من الذهاب والاياب إذ كان الذهاب أربعة أو أزيد (1)، } وفي صحيح أبي أيوب: " في بريدين أو بياض يوم " (* 1) ونحوها غيرها. وأما ما ورد في تحديدها بمسيرة يوم وليلة - كما في صحيح زكريا ابن آدم (* 2) - أو مسيرة يومين - كما في رواية أبي بصير (* 3) - أو ثلاثة برد - كما في صحيح البزنطي (* 4) - فهو مطروح، أو محمول على مالا ينافي الاول، أو على التقية. وأما ما رواه عمرو بن سعيد قال: " كتب إليه جعفر بن أحمد يسأله عن السفر، وفي كم التقصير؟ فكتب (ع) بخطه - وأنا أعرفه: قد كان أمير المؤمنين (ع) إذا سافر وخرج في سفر قصر في فرسخ. ثم اعاد عليه من قابل المسألة، فكتب إليه. في عشرة أيام " (* 5) فالاول منها محمول عند بعضهم على حد الترخص، ونحوه خبر الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله (* 6) ولكنه - كما ترى - خلاف المقطوع به. والثاني على مدة قطع الثمانية فراسخ وهو أيضا خلاف الظاهر، ولاقرينة عليه. وكأن ارتكاب ذلك كان لعدم صلاحيتها لمعارضة ما عرفت. لكن الاولى إيكال أمرها إلى قائلها، من دون تعرض للمراد منها من دون شاهد عليه. (1) كما عن الاكثر - كما عن جماعة - أو المشهور - كما عن آخرين -


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة مسافر حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة مسافر حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة مسافر حديث: 9. (* 4) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 10. (* 5) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4.

===============

( 6 )

وحكي عن جملة من كتب الصدوق، والشيخ، وسلار وحمزة، والحلي، والفاضلين والشهيدين، والمحقق الثاني، وغيرهم. وتدل عليه طائفة من النصوص، كصحيح معاوية بن وهب: " قلت لابي عبد الله (ع): أدنى ما يقصر فيه المسافر، فقال (ع): يريد ذاهبا وبريد جائيا " (* 1) وصحيح زرارة: " سألت أبا جعفر (ع) عن التقصير، فقال: بريد ذاهب وبريد جائي (كذا) قال (ع): كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتى (ذبابا) قصر. - وذباب على بريد - وإنما فعل ذلك لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ " (* 2) ونحوهما غيرهما. ومنه مادل على وجوب التقصير على أهل مكة في خروجهم الى عرفات. وبها يجمع بين مادل على تحديد المسافة بالبريدين، كالطائفة المشار إليها سابقا، وبين مادل على تحديدها بالبريد، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " التقصير في بريد والبريد أربعة فراسخ (* 3) ومصحح الخزاز: " قلت لابي عبد الله (ع): أدنى ما يقصر فيه المسافر فقال عليه السلام: بريد " (* 4) وصحيح الشحام: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: يقصر الرجل الصلاة في مسير اثني عشر ميلا " (* 5) ونحوها غيرها فتحمل الاولى على الملفقة، والثانية على تحديد خط السير في الذهاب والاياب ويوضح ذلك ما في صحيح زرارة السابق من التعليل، وما في خبر إسحاق المروي عن العلل وغيرها في قوم خرجوا في سفر وتخلف عنهم رجل وبقوا


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 14، 15. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1، 10. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 11. (* 5) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.

===============

( 7 )

ينتظرونه، حيث قال (ع): " إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا، وإذا مضوا فليقصروا. ثم قال (ع): هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لاأدري. قال (ع): لان التقصير في بريدين ولايكون التقصير في أقل من ذلك، فلما كانوا قد ساروا بريدا وأرادوا أن ينصرفوا بريدا كانوا قد ساروا سفر التقصير... " (* 1) فان الحديثين المذكورين بمنزلة الحاكم على نصوص الثمان المفسر لها بما يشمل الملفقة من الذهاب والاياب، والمقيد لاطلاق النصوص الاربع، فيتعين حملهما معا عليه. ومنه يظهر ضعف ماعن الذكرى، والروض، والمدارك: من الميل إلى التخيير بين القصر والتمام في الثمانية الملفقة، بحمل الامر بالتقصير فيها على الوجوب التخييري، جمعا بينه وبين مادل على اعتبار الثمانية الامتدادية فانه جمع غير ظاهر الشاهد، بل عرفت كون الشاهد على خلافه، ولاسيما مع إباء بعض أخبار التقصير الواردة في خروج أهل مكة الى عرفات عنه مثل خبر معاوية بن عمار: " إن أهل مكة إذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير " (* 2)، وخبر إسحاق بن عمار: " قلت لابي عبد الله (ع): في كم التقصير؟ فقال (ع): في بريد. ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقصروا " (* 3) وصحيح معاوية بن عمار: " قلت لابي عبد الله (ع): إن أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات قال (ع): ويلهم - أو ويحهم - وأي سفر أشد منه؟! ". (* 4) فانها كالصريحة في تحتم


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب المسافر حديث: 11. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

===============

( 8 )

{ بل مطلقا على الاقوى (1) وإن كان الذهاب فرسخا والاياب } القصر تعيينا كما لا يخفى. وحمل الانكار فيها بالويل أو الويح على الانكار على الالتزام بالتمام والبناء على عدم مشروعية القصر، لما سنه عثمان - كما دل عليه صحيح زرارة (* 1) - مع أنه خلاف الظاهر، لا يناسب ما في الاول من التعبير بقوله (ع): " كان عليهم التقصير "، ولا ما في الاخير بقوله عليه السلام: " وأي سفر أشد منه؟! ". ورفع الجناح في الآية الشريفة لا يصلح شاهدا للتخيير. لما عرفت من اتفاق النص والفتوى على إرادة الوجوب التعييني منه. كما منه يظهر ضعف ما عن ابن زهرة وأبي الصلاح وغيرهما: من تعين التمام في الاربعة مطلقا، كضعف ماعن الكليني: من الاكتفاء بالاربعة الامتدادية مطلقا. فانه وإن كان يشهد له نصوص الاربعة في نفسها، الا أنه لا مجال للاعتماد عليها في ذلك بعد وجوب حملها على إرادة بيان خط السير الذي يكون فيه الذهاب والاياب، بقرينة ما عرفت من النصوص. ولعل ذلك مراد الكليني (ره)، فيكون من القائلين بالثمانية الملفقة. نعم قد يشهد لظاهره صحيح عمران بن محمد: " قلت لابي جعفر الثاني (ع): جعلت فداك إن لي ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة فراسخ، وربما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتم الصلاة أم أقصر؟ فقال (ع): قصر في الطريق، وأتم في الضيعة " (* 2). لكن المتعين طرحه. أو حمل الامر بالتمام فيه على التقية، لمعارضة ما عرفت. وحينئذ يكون شاهدا لعدم اعتبار الرجوع ليومه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (1) لما يستفاد من نصوص الاربعة بعد الجمع بينها وبين نصوص


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 14.

===============

( 9 )

الثمانية، من الاكتفاء بالثمانية الملفقة مطلقا، ولو بالنحو المذكور. ولاسيما بملاحظة ذيل موثق ابن مسلم: " عن التقصير. قال (ع): في بريد. قلت: بريد؟ قال (ع): إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه " (* 1) فانه ظاهر في أن المدار على شغل اليوم بالذهاب والاياب ولو مع اختلاف مسافتهما. ومثله في ذلك: التعليل في مصحح زرارة المتقدم الوارد في سفر النبي صلى الله عليه وآله إلى (ذباب) (* 2)، وخبر إسحاق الوارد في منتظر الرفقة (* 3) لكن لا يخفى أن التعليلات المذكورة وإن كانت حاكمة على نصوص الثمان ومقتضية لجواز التلفيق مطلقا، إلا أن الجميع مقيد بنصوص البريد ذاهبا وجائيا. والتعليلات المذكورة لا تصلح لتقديمها على نصوص البريد بل يجب حملها عليه حملا للمطلق على المقيد . ولاسيما مع عدم إمكان


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة مسافر حديث: 9. (* 2) تقدم ذلك في صدر التعليقة السابقة. (* 3) تقدم أيضا في التعليقة السابقة. وبعبارة أخرى: نصوص الثمانية ظاهرة في وجوب البعد ثمانية فراسخ، ونصوص الاربعة ظاهرة في وجوب البعد أربعة فراسخ، ونصوص التعليلات لما لم تكن في بيان تعليل الحكم في مقام الثبوت، وإنما هي في بيان تعليله في مقام الاثبات، لم تصلح للحكومة الا على نصوص الثمانية، فتدل على أن المراد منها ما يعم الملفقة بنحو تشمل الاربعة ذهابا إبابا. ولا تعرض فيها لالغاء اعتبار البعد أربعة فراسخ لتكون حاكمة على نصوص الاربعة نعم أطلاق التلفيق تقتضي الاكتفاء بكون مجموع الذهاب والايات ثمانية، ولو كان أحدهما أقل من أربعة. لكن هذا الاطلاق مقيد بنصوص الاربعة، بعدما لم تكن له حكومة عليها، حملا المطلق على القيد. نعم لو كان التعليل تعليلا للحكم في مقام الثبوت، كان حاكما على جميع نصوص التحديد، ويكون المستفاد منه: كون المدار على الثمانية ولو ملفقة مطلقا لكن عرفت أنه تعليل للحكم في مقام الاثبات، وأن التقصير في البريد ذاهبا وجائيا تقصير في البريدين، فانما يتضمن الغاء ظهور البريدين في الامتداديين، وأن المراد بهما ما يعم الملفقين، ولا تعرض فيه لالغاء نصوص البريد، فيجب العمل بها. منه قدس سره

===============

( 10 )

{ سبعة. وإن كان الاحوط - في صورة كون الذهاب أقل من أربعة مع كون المجموع ثمانية - الجمع (1). } الالتزام باطلاق التعليلات المذكورة، لدلالته على الاكتفاء بمجرد شغل اليوم ولو بالتردد بميل ذاهبا وآيبا أربعا وعشرين مرة، وهو مما لا يمكن الالتزام به، بل الظاهر أنه لا خلاف في عدم الاكتفاء به. نعم حكي عن التحرير التقصير على إشكال، ولم يعرف الاشكال فيه من غيره، ولا منه في غير التحرير. اللهم إلا أن يفرق بين التلفيق من ذهاب واحد وإياب كذلك، والتلفيق من أكثر من ذهاب وإياب، كما هو غير بعيد. وسيأتي. وكيف كان فالمتعين إذا حمل التعليلات على بيان أن المراد من الثمانية فراسخ الاعم من الامتدادية والملفقة من أربعة الذهاب وأربعة الاياب. وهو أولى من التصرف في نصوص البريد، بحملها على الغالب، الموجب للحكم بالتقصير في كثير من فروض التلفيق المستبشع فيها ذلك. وعليه فما عن شرذمة من متأخري المتأخرين: من الحكم بالتقصير في الفرض ونحوه، ضعيف. (1) أما في صورة كون الاياب أقل من أربعة فالاحتياط فيها لا مجال له، لظهور أخبار البريد في كفاية كون الذهاب بريدا في وجوب التقصير غاية الامر اعتبر في بعض النصوص: ضم الاياب ليكون متمما للثمانية، لاأنه ملحوظ بالاصالة في قبال الذهاب، ليجري الاحتياط في الصورتين معا. لكن لا يخفى أن جملة من النصوص تضمنت تحديد أقل المسافة ببريد الاياب أيضا مع بريد الذهاب، فلا فرق بين الذهاب والاياب في ذلك.


____________
قال في التحرير: " ولو قصد أربعة فراسخ فان عزم على الرجوع من يومه قصر، أما لو قصد التردد في ثلاثة فراسخ ثلاث مرات لم يقصر. إلا أن لا يبلغ في الرجوع الاول مشاهدة الجدران ولا سماع الاذان " وظاهره الجزم بوجوب القصر عند التردد فيما دون الاربع. منه قدس سره

===============

( 11 )

{ والاقوى عدم اعتبار (1) كون الذهاب والاياب } فأن أخذ بظاهر التعليلات بني على جواز نقص كل منهما عن البريد مع تكميله بالآخر، وإلا فلابد من اعتبار عدم نقص كل منهما عنه فلاحظ. (1) كما عن العماني، ونسبه في محكي كلامه إلى آل الرسول صلى الله عليه وآله. وعن المفاتيح: نسبته إلى الشيخ (ره). وعن مجمع البرهان: نسبته إلى القاضي. واختاره الكاشاني، والبحراني، ونسبه ثانيهما إلى جملة من أفاضل متأخري المتأخرين. وهو المشهور بين المعاصرين، ومن قارب عصرنا. ويقتضيه إطلاق نصوص التلفيق، بل هو كصريح مادل على وجوب التقصير على أهل مكة عند خروجهم الى عرفات، مع عدم ما يشهد لاعتبار الرجوع ليومه، إلا ما قد يتراءى من ذيل موثق ابن مسلم المتقدم من اعتبار شغل اليوم بالفعل (* 1). ولكنه - كما ترى - غير ظاهر، بل الظاهر كونه في مقام مجرد التقدير، ليكون نظير الصغرى للكبرى المرتكزة في ذهن السائل من اعتبار الثمانية فراسخ، المقدرة في جملة من النصوص بمسيرة يوم، وبياض يوم، ونحو ذلك، كما يشهد به مصحح زرارة عن أبي جعفر (ع) المتقدم في نصوص التلفيق (* 2)، فان المراد منهما واحد، كما يظهر بأقل ملاحظة ويشير إلى ذلك التعبير باليوم، مع أن السفر قد يكون كله بالليل، أو بعضه باليوم وبعضه بالليل. ولقد أطال السيد بحر العلوم (ره) في رسالته في تقريب دلالة الحديث المذكور على اعتبار الرجوع ليومه. كما أتعب نفسه الشريفة في الاستدلال على ذلك بموثق سماعة: " عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال (ع): في مسيرة يوم، وذلك بريدان، وهما ثمانية فراسخ. ومن سافر قصر


____________
(* 1) تقدم ذلك قريبا. (* 2) تقدم ذلك في أوائل الكلام في هذا الشرط.

===============

( 12 )

الصلاة وأفطر. إلا أن يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر، أو خرج إلى صيد، أو إلى قرية له يكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصر ولا يفطر " (* 1). بناء على أن المراد من أهله بلد الخروج، ويكون معنى قوله (ع): " أو إلى قرية له... " أو المسافر إلى قرية له، مع كون سفره جامعا للشرائط لانه مسيرة يوم ذاهبا وجائيا، ورجوعه ليومه لا يجوز فيه التقصير لانقطاعه بقصد القرية. وبما عن شرح السنة للحسين بن مسعود: " من أن أمير المؤمنين (ع) خرج من الكوفة إلى النخيلة فصلى بالناس الظهر ركعتين ثم رجع من يومه " (* 2). فان نقل الرجوع من يومه امارة دخله في قصر الصلاة. وبما عن المقنع: " سئل أبو عبد الله (ع) عن رجل أتى سوقا يتسوق بها، وهي من منزله على أربع فراسخ. فان هو أتاها على الدابة أتاها في بعض يوم، وإن ركب السفن لم يأتها في يوم. قال (ع): يتم الراكب الذي يرجع من يومه صوما، ويقصر صاحب السفن " (* 3). بدعوى كون المعنى: يتم الراكب الذي لا يرجع من يومه إما بتقدير حرف النفي، أو بحمل الرجوع من يومه على إمكان الرجوع من يومه ولكن لم يرجع. لكن الجيمع - كما ترى - قاصر الدلالة على ذلك بنحو يعول عليه في إثبات الحكم الشرعي، فضلا عن قصور السند في بعضها. ومجرد الموافقة لفتوى المشهور غير كاف في الجبر، كما تكرر بيان وجهه في هذا الشرح.


____________
(* 1) لاحظ صدره في الوسائل باب: 1 من ابواب المسافر حديث: 13، وذيله في باب: 8 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) البحار ج 18 صفحة 686 الطبع القديم، كما في هامش جواهر الكلام الجزء: 14 صفحة 225 الطبع الحديث. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 13.

===============

( 13 )

{ في يوم واحد (1)، أو في ليلة واحدة (2)، أو في الملفق منهما مع اتصال إيابه بذهابه وعدم قطعه بمبيت ليلة فصاعدا في الاثناء، بل إذا كان من قصده الذهاب والاياب ولو بعد تسعة أيام يجب عليه القصر. فالثمانية الملفقة كالممتدة في إيجاب القصر } وعلى هذا فالمتعين الاخذ بما هو المستفاد من النصوص الصحيحة الدالة على تعين القصر، وإن لم يرد الرجوع ليومه، الدالة باطلاقها أو بصريحها على ذلك كما أشرنا إليها من قبل. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن المرتضى والحلي والفاضلين في بعض كتبهما: من تعين التمام على غير مريد الرجوع ليومه. كضعف ماعن المشهور: من التخيير له بين القصر والتمام. وماعن التهذيب والمبسوط وغيرهما: من التفصيل بين مريد الرجوع ليومه فيتخير بين القصر والتمام، وغيره فيتعين عليه التمام. وماعن المفيد وسلار ووالد الصدوق: من التخيير لمريد الرجوع لغير يومه في خصوص الصلاة، دون الصوم. وغير ذلك من الاقوال. لعدم الوضوح المستند لها في قبال ما عرفت، وإن كان يوافق الثاني الرضوي، قال فيه: " وإن سافرت إلى موضع مقدار أربع فراسخ، ولم ترد الرجوع من يومك، فأنت بالخيار فان شئت تممت، وإن شئت قصرت " (* 1). لكنه غير ثابت الحجية في نفسه، ولا يصلح للمعارضة لغيره مما سبق. ودعوى انجباره بفتوى المشهور. ووهن ما سبق بالاعراض عنه غير ثابتة، لما عرفت من عدم الانجبار بمجرد الفتوى، وعدم الوهن بمجرد المخالفة، لان بنائهم على الجمع بالتخيير فرع الاعتماد عليه لا القدح فيه. (1) كما هو الموجود في أكثر العبارات. (2) كما عن جماعة التصريح به، بل ظاهر السيد بحر العلوم أو صريحه


____________
(* 1) مستدرك الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

===============

( 14 )

{ إلا إذا كان قاصدا للاقامة عشرة أيام في المقصد أو غيره، أو حصل أحد القواطع الاخر. فكما أنه إذا بات في أثناء الممتدة ليلة أو ليالي لا يضر في سفره فكذا في الملفقة، فيقصر ويفطر ولكن مع ذلك الجمع بين القصر والتمام، والصوم وقضائه في صورة عدم الرجوع ليومه أو ليلته أحوط. ولو كان من قصده الذهاب والاياب ولكن كان مترددا في الاقامة في الاثناء عشرة أيام وعدمها لم يقصر (1). كما أن المأر في الامتدادية أيضا كذلك. (مسألة 1): الفرسخ ثلاثة أميال (2). } دعوى الاجماع عليه، وإن كان مقتضى الجمود على ذيل موثق ابن مسلم المتقدم المشتمل على التعليل عدمه (* 1). إلا أن يستفاد من النصوص اعتبار اتصال السير عرفا. فتأمل. ومما ذكرنا يظهر حكم الملفق. (1) لعدم قصد السفر الواحد ثمانية فراسخ ولو ملفقة، نظير مالو قصد الاقامة على رأس الاربعة. إذ كما أن قصد الاقامة مناف لقصد السفر كذلك التردد فيها. وسيأتي التعرض له في الشرط الرابع. (2) بلا خلاف - كما عن المنتهى - وإجماعا، كما عن المعتبر والتذكرة والغرية والنجيبية والمفاتيح والكفاية. وعن جماعة: حكاية الاتفاق عليه. ويشهد به ما تقدم من صحيح الكاهلي (* 2)، وخبر عبد الرحمن بن الحجاج (* 3) وصحيح الشحام (* 4)، وما في موثق العيص عن أبي عبد الله (ع): " قال (ع) في التقصير: حده أربعة وعشرون ميلا " (* 5) بعد الجمع


____________
(* 1) تقدم ذل في أوائل الكلام في هذا الشرط. (* 2)، (* 3)، (* 4) تقدم ذلك كله في الشرط الاول من شروط القصر. (* 5) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 14.

===============

( 15 )

{ والميل أربعة آلاف ذراع (1) بذراع اليد، الذي طوله أربع } بينها وبين غيرها، وغيرها. (1) كما هو المشهور. وعن المدارك والكفاية: أنه مما قطع به الاصحاب وعن غير واحد: أنه المشهور المعروف بين اللغويين، والفقهاء والعرف. وفي السرائر عن مروج الذهب للمسعودي أنه قال: " الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الاسود، وهو الذراع الذي وضعه المأمون لذرع الثياب، ومساحة البناء، وقسمة المنازل، والذراع أربع وعشرون إصبعا ". وعن الازهري: أن الميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، وعند المحدثين أربعة آلاف ذراع. والخلاف لفظي فانهم اتفقوا على أن مقداره ستة وتسعون ألف إصبع، والاصبع ست شعيرات بطن كل واحدة إلى ظهر الاخرى، ولكن القدماء يقولون: الذراع اثنتان وثلاثون إصبعا، والمحدثون: أربع وعشرون إصبعا. ونحوه ما في القاموس: " الميل قدر مد البصر. ومنار يبنى للمسافر، أو مسافة من الارض متراخية بلا حد أو مائة ألف إصبع إلا أربعة آلاف إصبع، أو ثلاثة أو أبعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو اثنى عشر ألف ذراع بذراع المحدثين ". وحكي التقدير بذلك عن نهاية ابن الاثير. وحينئذ يتعين حمل الاطلاق عليه. إذ لا مجال لحمله على مد البصر، ولا على ما يمتاز فيه الراجل والراكب، وإن عدا من معانية، لعدم انضباطهما. كما لا مجال لحمله على ما تفرد به في محكي تاج العروس: من أنه ستة آلاف ذراع. لندرته وغرابته. نعم في مرسل الخزاز: " إن كل ميل ثلاثة آلاف وخمس مائة ذراع " (* 1). لكن. مع إرساله وهجره بين الاصحاب لا مجال للاعتماد


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 13.

===============

( 16 )

{ وعشرون إصبعا، كل إصبع عرض سبع شعيرات (1)، كل شعيرة عرض سبع شعرات، من أوسط شعر البرذون. (مسألة 2): لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ ولو يسيرا لا يجوز القصر، فهي مبنية على التحقيق، لا المسامحة العرفية (2) نعم لا يضر اختلاف الاذرع المتوسطه في الجملة (3) كما هو الحال في جميع التحديدات الشرعية. } عليه. مع إمكان حمله على ذراع خاص يساوي سبعة أثمانه أربعا وعشرين إصبعا. وأولى بعدم إمكان الحمل عليه رواية الصدوق للمرسل المذكور هكذا: " كل ميل ألف وخمس مائة ذراع " (* 1). فان لازم ذلك أن يكون البريد ثمانية عشر ألف ذراع، التي هي فرسخ ونصف بالفرسخ المتعارف. وهو - كما ترى - مناف لكون البريدين مسيرة يوم، كما صرحت به النصوص. فلا معدل عما هو المشهور. (1) قيل: إنه المشهور. لكن تقدم في محكي كلام الازهري: أنه ست شعيرات. ولعل الحاجة غير ماسة إلى معرفة ذلك، لان الذراع المقدر بأربع وعشرين إصبعا هو الذراع المتعارف عند الاعراب اليوم، الذي هو من المرفق إلى طرف الاصبع الوسطى، فانه ست قبضات، أربع وعشرون إصبعا، فيكون المعيار منه المتعارف، كما هو الحال في سائر التحديدات، ولا تنتهي النوبة إلى تحديده بالاصبع، فضلا عن تحديد الاصبع والشعيرة. فلاحظ. وتأمل. (2) كما تقتضيه ظواهر الادلة في المقام وفي سائر موارد التحديد. (3) هذا ينافي ما تقدم من الضبط بالشعرة. وكيف كان فالعمل على أقل الاذرع المتوسطة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 16.

===============

( 17 )

{ (مسألة 3): لو شك في كون مقصده مسافة شرعية أولا بقي على التمام على الاقوى (1)، } (1) كما عن غير واحد التصريح به، بل عن الجواهر نفي وجدان الخلاف فيه. لاصالة التمام، الراجعة إلى عموم مادل على وجوب التمام على كل مكلف، المقتصر الخروج عنه على المسافر، فان مقتضى الجمع العرفي بين العام والخاص كون موضوع حكم العام عنوان العام المسلوب عنه الخاص، فإذا أحرز عنوان العام بالوجدان. وسلب الخاص عنه بالاصل، كفى ذلك في ثبوت موضوع حكم العام تعبدا، فيثبت نفسه. نعم قد يشكل ذلك أولا: بمنع كون مقتضى الجمع العرفي ذلك، بل ليس موضوع حكم العام إلا الافراد الواقعية الباقية بعد التخصيص وهي مما لا يمكن إثباتها بالاصل. وثانيا: بأنه يتم لو لم يظهر من الادلة كون موضوع حكم العام عنوانا وجوديا، والمقام من الثاني، فان المصرح به في بعض النصوص كون موضوع التمام الحاضر أو المقيم، فلاحظ صحيح زرارة المتقدم فيما يقصر من الصلاة (* 1). وحينئذ فاثبات وجود التمام بأصالة عدم السفر الخاص مبني على صلاحية إثباته عنوان الحاضر، وهو مبني على القول بالاصل المثبت. ويندفع الاول: بأنه وإن كان قريبا، لكن دعوى كون مقتضى الجمع العرفي ذلك أقرب. ويندفع الثاني: بأن ذكر ذلك في النصوص ليس من باب التقييد، فانه خلاف ظاهر أكثر النصوص جدا. وشهد به عدم اختصاص التمام بالمقيم والحاضر قطعا، بل يثبت لكثير من أفراد المسافر ككثير السفر، والعاصي، والمتمادي به السير من دون قصد له، والمتردد، وغيرهم. فليس موضوع وجود التمام إلا من لم يكن مسافرا سفرا خاصا. فيمكن إثباته بأصالة عدم كون المكلف مسافرا ذلك السفر الخاص. والعلم بوجود السفر


____________
تقدم ذلك في أول هذا التفصل.

===============

( 18 )

{ بل وكذا لو ظن كونها مسافة (1). (مسألة 4): تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار وبالشياع المفيد للعلم (2)، وبالبينة الشرعية (3). } في الجملة لا يقدح في جريان أصالة عدم السفر الخاص، لان العلم بذات المقيد لا ينافي الشك في وجود المقيد بما هو مقيد، فلا مانع من جريان الاصل فيه. ولاجل ذلك كان بناء الفقهاء (رض) على الرجوع إلى أصالة التمام عند الشك في جواز القصر من جهة الشبهة الحكمية لوجوب الرجوع إلى العام عند الشك في التخصيص. وأما استصحاب الحضر فان أريد منه استصحاب الحضر بالمعنى العرفي اختص جريانه بصورة الشك في الخروج من البلد بنحو الشبهة الموضوعية. أما إذا كان بنحو الشبهة المفهومية فلا يجري، لما عرفت مرارا: من عدم جريان استصحاب المفهوم المردد. وأما إذا كان بمعنى ما يقابل السفر الشرعي فمرجعه إلى أصالة عدم السفر. ثم إنه قد يتوهم: أنه في فرض المسألة يجوز الرجوع إلى إطلاق وجوب القصر على المسافر للعلم بصدق السفر. وفيه: أن الاطلاق المذكور بعد ما قيد بأدلة اعتبار المسافة لا يجوز الرجوع إليه عند الشك في وجود قيده (1) لعدم الدليل على حجية مطلق الظن في الاحكام، فضلا عن الموضوعات. واحتمل في الروض الاكتفاء بالظن القوي، لانه مناط العمل في كثير من العبادات. وهو كما ترى. (2) كان الاولى الاقتصار على ذكر الشياع بلا قيد، ليكون معطوفا على الاختبار. (3) بناء على عموم حجيتها، كما قربناه في مبحث المياه من هذا الشرح (* 1).


____________
(* 1) راجع الجزء الاول المسألة: 6 من فصل ماء البئر.

===============

( 19 )

{ وفي ثبوتها بالعدل الواحد إشكال (1)، فلا يترك الاحتياط بالجمع. (مسألة 5): الاقوى عند الشك وجوب الاختبار أو السؤال (2) لتحصيل البينة، أو الشياع المفيد للعلم، إلا إذا كان مستلزما للحرج. (مسألة 6): إذا تعارض البينتان فالاقوى سقوطهما (3) } (1) وعن الذكرى والروض: احتماله، لقرب دعوى بناء العقلاء على حجيته مطلقا، بل حجية مطلق خبر الثقة. لكن لو تمت دلالة رواية مسعدة (* 1) على عموم حجية البينة كانت رادعة عن هذا البناء، فلا مجال للتعويل عليه. (2) كما في الجواهر وغيرها، لقاعدة الامتثال، وعدم الدليل على معذورية العامل بالاصول النافية قبل الفحص في المقام. وفيه: أن قاعدة الامتثال لا مجال لها مع الاصل المؤمن من الخطر. ودليل الاصل كاف في إثبات العذر، كما في سائر موارد الشبهات الموضوعية. وما دل على وجوب تعلم الاحكام من الاجماع وغيره - غير شامل للمقام. نعم يمكن أن يقال: إنه يلزم من العمل بالاصل في المقام المخالفة القطعية الكثيرة، المعلوم عدم جوازها شرعا، المستكشف منه وجوب الاحتياط ولكن لزوم ذلك أول الكلام، بل ممنوع جدا، لقلة الابتلاء بموارد الشك فتأمل. مع أنه لا يصلح لاستكشاف وجوب الاختبار ونحوه من أسباب العلم وإنما يقتضي وجوب الاحتياط مع عدمه. نعم لو بني على وجوب الجزم بالنية كان ما ذكر في محله. لكن تقدم ضعفه. (3) لاصالة التساقط في الامارات المتعارضة، كما تحقق ذلك في الاصول. وعن المحقق تقديم بينة الاثبات، لان شهادة النفي غير مسموعة. وفيه:


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يكتسب به حديث: 4

===============

( 20 )

{ ووجوب التمام (1)، وإن كان الاحوط الجمع. (مسألة 7): إذا شك في مقدار المسافة شرعا (2) وجب عليه الاحتياط بالجمع، إلا إذا كان مجتهدا، وكان ذلك بعد الفحص عن حكمه، فان الاصل هو التمام. (مسألة 8): إذا كان شاكا في المسافة ومع ذلك قصر لم يجز بل وجب عليه الاعادة تماما (3). نعم لو ظهر بعد } أن عموم حجية الشهادة لا يفرق فيه بين النفي وإلاثبات ولو كان المستند في الاول الاصل، فضلا عما لو كان المستند فيه الحس. اللهم إلا أن يقال: إذا كان المستند للنفي الاصل ترجح بينة الاثبات لانها حاكمة على الاصل الذي هو مستند بينة النفي، فإذا سقط الاصل سقطت بينة النفي، لبطلان مستندها، كما تقدم ذلك في مباحث أحكام النجاسات. (1) لاصالة التمام المشاره إليها سابقا. (2) يعني: بنحو الشبهة الحكمية. والوجه في وجوب الاحتياط مع ما عرفت من أصالة التمام: هو ما تحرر في محله من وجوب الفحص، وعدم جواز الرجوع إلى الاصول اللفظية في الشبهات الحكمية قبل الفحص عن الحجة، فيجب على العامي الرجوع إلى المجتهد، وعلى المجتهد الرجوع إلى الادلة، وقبل ذلك يجب الاحتياط عقلا الذي هو مفاد قاعدة الاشتغال. نعم يجوز للمجتهد - بعد الفحص عما يوجب القصر وعدم عثوره عليه الرجوع إلى أصالة التمام. أما العامي فليس له الرجوع إليها، لانه وظيفة المجهتد، لقدرته على الفحص. وعجز العامي عنه. نعم لو شك بنحو الشبهة الموضوعية رجع إليها، لانها وظيفته حينئذ بمقتضى فتوى مجتهده، وعدم اشتراط جواز الرجوع إليها بالفحص. (3) لاصالة التمام المقتضية لوجوب التمام. ومع الغض عن ذلك فمقتضى

===============

( 21 )

{ ذلك كونه مسافة أجزأ (1)، إذا حصل منه قصد القربة مع الشك المفروض (2). ومع ذلك الاحوط الاعادة أيضا. (مسألة 9): لو اعتقد كونه مسافة فقصر ثم ظهر عدمها وجبت الاعادة (3). وكذا لو اعتقد عدم كونه مسافة فأتم، ثم ظهر كونه مسافة، فانه يجب عليه الاعادة (4). (مسألة 10): لو شك في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثم بان في أثناء السير كونه مسافة يقصر وإن لم يكن الباقي مسافة (5). (مسألة 11): إذا قصد الصبي مسافة ثم بلغ في الاثناء وجب عليه القصر (6) وإن لم يكن الباقي مسافة. وكذا يقصر } قاعدة الاشتغال عدم الاكتفاء بالقصر المأتي به، للشك في الامتثال به. (1) كما في الجواهر وغيرها. لمطابقة العمل للواقع، الموجبة للاجزاء (2) لاريب في إمكان حصوله، لما عرفت من عدم اعتبار الجزم بالنية (3) لعدم الدليل على الاجزاء بموافقة الامر الظاهري، فضلا عن الامر الخيالي الخطئي. (4) لما عرفت. وعن المدارك والروض: الاجزاء، لقاعدة الاجزاء وفيه: ما عرفت. (5) كما في الجواهر وغيرها، بل لا ينبغي الخلاف فيه، لتحقق الموضوع واقعا فيتبعه حكمه. واحتمال اعتبار العلم بالمسافة في وجوب القصر - كما عن الروض - ضعيف كما اعترف به هو، إذ هو خلاف إطلاق الادلة. ودعوى: أن ظاهر أدلة اعتبار القصد لزوم قصد الثمانية فراسخ، الموقوف على العلم بها ممنوعة، بل الظاهر منها قصد السفر في مسافة هي في الواقع ثمانية. (6) كما عن الروض. لعموم أدلة القصد، الشامل لقصد الصبي.

===============

( 22 )

{ إذا أراد التطوع بالصلاة مع عدم بلوغه. والمجنون الذي يحصل منه القصد إذا قصد مسافة ثم أفاق في الاثناء يقصر. وأما إذا كان بحيث لا يحصل منه القصد فالمدار بلوغ المسافة من حين إفاقته. (مسألة 12): لو تردد في أقل من أربعة فراسخ ذاهبا وجائيا مرات حتى بلغ المجموع ثمانية لم يقصر (1)، ففي التلفيق لابد أن يكون المجموع من ذهاب واحد وإياب واحد ثمانية. (مسألة 13): لو كان لبلد طريقان والابعد منهما مسافة، فان سلك الابعد قصر (2)، وإن سلك الاقرب لم } وفي الجواهر: " فيه إشكال ". وكأنه لما دل على أن عمد الصبي خطأ (* 1). وفيه مع اختصاص ذلك بالجنايات، كما يظهر من ملاحظة النصوص الدالة عليه -: أن القصد المعتبر في المقام أعم من الالتفات، وإن لم يكن موجبا لارادة السفر، كما سيأتي في الاسير في أيدي المشركين، وهذا المعنى مما لا مجال للاشكال في حصوله للصبي. مع أن لازم الاشكال المذكور عدم إمكانه تطوعه بالقصر في السفر وبطلانه على القول بكون عباداته شرعية، وأنه لابد من تطوعه بالتمام، ولا يظن الالتزام به من أحد. وأضعف من ذلك: ماعن بعض: من اعتبار قصد وليه وجودا وعدما، فانه خال عن السند. (1) تقدم الكلام فيه في مسألة اختلاف الذهاب والاياب. (2) إجماعا، كما عن جماعة، ولم ينسب الخلاف فيه إلا إلى القاضي وعلل بالشك في شمول الادلة لمثله، واحتمال كونه من سفر اللهو، لان


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب العاقلة حديث: 3.

===============

( 23 )

{ يقصر، إلا إذا كان أربعة أو أقل وأراد الرجوع من الابعد (1). (مسألة 14): في المسافة المستديرة (2) الذهاب فيها } قطع الزيادة لا لداع، كقطع تمام المسافة كذلك، وللشك في صدق المسافر عليه. لكن الجميع كما ترى، فان إطلاق الادلة محكم، وصدق المسافر عليه قطعي. وكونه من اللهو المانع عن القصر ممنوع. مع أنه قد يكون لداع عقلائي، كالفرار من الصوم لاحتمال مرض، أو كون يومه عيدا، أو لمشقة أو نحو ذلك من الاغراض الصحيحة العقلائية. (1) بناء على ما تقدم من الاكتفاء بمطلق التلفيق. (2) حكى في مفتاح الكرامة عن مصابيح استاذه الوحيد (ره) ما يوهم عدم اعتبار المسافة المستديرة، قال في المصابيح: " أما السفر فلا شك في أنه لغة وعرفا أن يطوي المسافة بعنوان امتداد ذهابي يذهب ويغيب عن الوطن فلابد من قيدين: أحدهما: الابعاد عن الوطن، فلو كان المسافر يمشي ويدور في البلد أو يدور حوله، لا يكون مسافرا... " ثم حكي عن الصيمري في كشف الالتباس: أن الاستقامة والاستدارة لامدخل لهما في تحديد المسافة لاطلاق الفتاوى والروايات...، ثم استظهر من الشهيد الثاني في نفائح الافكار: أنه لاكلام فيه. وجعل الاصرح في الدلالة على ذلك ماعن جماعة الاجماع عليه: من أنه لو كان للبلد طريقان أقرب وأبعد، فسلك الابعد قصر، ولايكون ذلك إلا مع الاستدارة، ولا قائل بالفصل بين أفراد الاستدارة... الى إخر ما ذكر. أقول: المسافة المستديرة تارة: تفرض مستديرة على البلد، وأخرى: في جانب منها، بحيث يلاصق البلد نقطة منها، فتكون مع البلد شبه الدائرتين المتلاصقتين. أما الثانية فلا ينبغي التأمل في كونها موضوعا للقصر، لاطلاق النصوص والفتاوى، وصدق السفر معها. ويشهد به ما ذكروه في البلد الذي له طريقان. وأما الاولى فدعوى انصراف النصوص عنها بل الفتوى

===============

( 24 )

{ الوصول الى المقصد والاياب منه الى البلد (1). وعلى المختار: يكفي كون المجموع مسافة مطلقا، وإن لم يكن الى المقصد أربعة. وعلى القول الآخر: يعتبر أن يكون من مبدأ السير إليه أربعة مع كون المجموع بقدر المسافة. (مسألة 15): مبدأ حساب المسافة سور البلد (2)، } قريبة جدا. بل الظاهر عدم صدق السفر ذاهبا وآيبا بريدين في بعض صورها فالبناء على التمام معها عملا بأصالة التمام في محله. والظاهر أنها مورد كلام الوحيد (ره) فلاحظ. (1) لا يخلو من إلاشكال، لان المعيار في الذهاب التباعد عن مبدأ السير وهو موجود فيما بين المقصد والنقطة المقابلة لمبدأ السير، فلا يصدق الشروع في الاياب. إلا مع التجاوز عن تلك النقطة. نعم قد يستعمل الاياب بمجرد الخروج عن المقصد مسامحة بلحاظ مقصدة الاصلي وهو البلد. لكنه لا عبرة به (2) كما نسب إلى غير واحد لكونه المتبادر من إطلاق النص والفتوى كما قيل. ويشهد له صحيح زرارة: " سافر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذي خشب، وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان، أربعة وعشرين ميلا، فقصر، وأفطر... " (* 1). وفي الكفاية: " انه لا يبعد أن يكون مبدأ التقدير مبدأ سيره بقصد السفر ". وكأنه لان ظاهر نصوص التقدير كونها ملحوظة مما بين المكلف والمقصد. وتشير إليه النصوص المتضمنة لذكر المنزل، مثل خبر المروزي: " فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر


____________
(* 1) المراد به - ظاهرا - هو صحيح زرارة ومحمد بن مسلم المذكور في الفقيه ج 1 صفحة 278 الطبع الحديث. وقد نقله الوسائل عنه غير مسند في باب: من ابواب صلاة المسافر حديث: 44 ونقل بعضا من الرواية عن الفقيه مسندا في باب: 17 من ابواب صلاة المسافر ملحق حديث: 44 وبعضا آخر كذلك في باب: 22 من الابواب المذكورة.

===============

( 25 )

{ أو آخر البيوت فيما لاسور فيه في البلدان الصغار والمتوسطات } ميلا - وذلك أربعة فراسخ - ثم بلغ فرسخين ونيته الرجوع أو فرسخين آخرين قصر " (* 1)، وخبر صفوان: " لا يقصر ولا يفطر، لانه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ " (* 2)، ومرسل ابن بكير: " إن كان بينه وبين منزله أو ضيعته التي يؤم بريدان قصر " (* 3)، وموثق عمار: " لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ " (* 4). لكن مبدأ السير لا ينطبق على المنزل دائما، إذ قد يكون من نقطة معينة في المنزل. نعم قد تنطبق النصوص على ماعن ابن بابويه: " من أن مبدأها جدران البيت " لكن - مع احتمال أن يكون المراد من المنزل ما هو أوسع من البيت لا يناسب عطف الضيعة والقرية عليه في الخبرين الاخيرين. وحمله على التخيير بين الاقل والاكثر ممتنع. بل الظاهر منها أن المبدأ المنزل، حيث لا يكون في قرية أو ضيعة، ومنهما حيث يكون فيهما. ومنه يظهر الاشكال فيما تقدم عن الكفاية، فانه وإن سلم أنه مقتضى الاطلاق، إلا أنه يجب رفع اليد عنه لهذه النصوص. وأما الاول الذي ذكر في المتن، فهو وإن كان يساعده الصحيح وغيره مما تقدم، لكنه عليه يشكل البناء على اعتبار المحلة في البلاد المتسعة جدا، لعدم الوجه الظاهر. والبناء على كون فهم البلد من النصوص بعناية التقدير، فيرجع إلى مقدارها في الكبيرة، وهو المراد من المحلة، نظير ما ذكر في تحديد الوجه: من رجوع غير مستوي الخلقة إليه مندفع - مضافا إلى


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 4 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.

===============

( 26 )

{ وآخر المحلة في البلدان الكبار الخارقة للعادة. والاحوط - مع عدم بلوغ المسافة من آخر البلدان - الجمع (1)، وإن كانت مسافة إذا لوحظ آخر المحلة. الشرط الثاني: قصد قطع المسافة من حين الخروج (2) فلو قصد أقل منها، وبعد الوصول إلى المقصد قصد مقدارا آخر يكون مع الاول مسافة لم يقصر. نعم لو كان ذلك } أنه لا منشأ لفهم التقدير، وأنه ليس هناك بلد متعارف المقدار، ليكون ملحوظا في مقام التقدير، لاختلاف البلدان جدا في الصغر والكبر بأن ذلك يوجب رجوع الافراط والتفريط في الكبر والصغر إلى ذلك الوسط وكذا من نوى السفر وهو في البيداء، ولا وجه لاختصاص الرجوع إليه بالكبيرة جدا. فالاولى أن يقال: إن ظاهر الادلة اعتبار صدق السفر في تمام المسافة، فيكون مبدأ المسافة أول حركة يصدق عليها السفر. ولاجل ذلك حصل الاختلاف، فان من كان في البيداء يصدق السفر على أول خطوة يخطوها، ومن كان في القرية أو البلد لا يصدق عليه أنه مسافر إلا بالخروج عنهما، ومن كان في البلاد الكبيرة جدا يصدق عليه المسافر إذا بعد عن أهله ووصل إلى موضع لا يحسب أنه من أهله، والمسألة محتاجة إلى التأمل. (1) لاحتمال اعتبار سور البلد في مبدأ المسافة مطلقا. (2) إجماعا بقسميه، كما في الجواهر وغيرها. ويدل عليه موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل يخرج في حاجة، فيسير خمسة أو ستة فراسخ فيأتي قرية فينزل فيها، ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك الموضع. قال (ع): لا يكون

===============

( 27 )

مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فليتم الصلاة " (* 1). فان الظاهر منه بقرينة السؤال اعتبار إرادة السير ثمانية، والمرسل عن صفوان - فيمن خرج من بغداد يلحق رجلا حتى بلغ النهروان: " قال (عليه السلام): لا يقصر، ولا يفطر، لانه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه... " (* 2). بل في كلام غير واحد الاستدلال عليه: بما دل على تحديد المسافة بضميمة الاجماع والنصوص على جواز التقصير عند بلوغ حد الترخص، فإذا لم يكن طيها معتبرا في التقصير تعين أن يكون المعتبر قصدها لا غير، ومن هنا لم تذكر المسافة في القواعد شرطا في قبال القصد وإنما ذكر قصد المسافة المحدودة لا غير. اللهم إلى أن يقال: طي المسافة معتبر في وجوب التقصير بنحو الشرط المتأخر، كما يظهر من صحيح أبي ولاد، المتضمن لاعادة الصلاة التي صلاها قصرا إذا بدا له الرجوع قبل بلوغ المسافة (* 3). ولاسيما بملاحظة التعليل فيه. فلاحظ. فالعمدة إذا: الاجماع، والنصوص المذكورة الدالة على اعتبار القصد. وأما اعتبار طي المسافة معه بنحو الشرط المتأخر، فهو وإن كان ظاهر نصوص المسافة، وصحيح أبي ولاد - ونحوه خبر المروزي - (* 4) لكن يجب رفع اليد عنهما بالتأويل أو الطرح لاعراض المشهور عنهما، ومعارضتهما بصحيح زرارة الدال على صحة الصلاة (* 5). وسيأتي التعرض لذلك إن شاء الله.


____________
(* 1)، (* 2) تقدم ذكرهما في المسألة: 15. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 4) تقدم في المسألة: 15 من هذا الفصل. (* 5) الوسائل باب: 23 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

===============

( 28 )

{ المقدار مع ضم العود مسافة قصر من ذلك الوقت (1)، بشرط أن يكون عازما على العود (2). وكذا لا يقصر من لا يدري أي مقدار يقطع، كما لو طلب عبدا آبقا، أو بعيرا شاردا، أو قصد الصيد ولم يدر أنه يقطع مسافة أولا. نعم يقصر في العود إذا كان مسافة، بل في الذهاب إذا كان مع العود بقدر المسافة وإن لم يكن أربعة (3)، كأن يقصد في الاثناء أن يذهب ثلاثة فراسخ، والمفروض أن العود يكون خمسة أو أزيد. وكذا لا يقصر لو خرج ينتظر رفقة إن تيسروا سافر معهم وإلا فلا (4)، أو علق سفره على حصول مطلب في الاثناء قبل بلوغ الاربعة إن حصل يسافر وإلا فلا (5). نعم } وأما موثق عمار: " قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج في حاجة له وهو لا يريد السفر، فيمضي في ذلك، فتمادى به المضي حتى يمضي به ثمانية فراسخ، كيف يصنع في صلاته؟ قال (ع): يقصر، ولا يتم الصلاة حتى يرجع إلى منزله " (* 1) فمحمول - كما قيل - على التقصير في الرجوع، أو مطروح في قبال ما عرفت. (1) يعني: وقت سيره الثاني. (2) ليكون من الثمانية الملفقة. (3) على ما سبق من المصنف (ره) من الاكتفاء بمطلق التلفيق. (4) كما نص عليه الاصحاب لما سبق. (5) لظهور الادلة المتقدمة في القصد المنجز المطلق، وهو منتف، بخلاف الفرض الآتي.


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

===============

( 29 )

{ لو اطمأن بتيسر الرفقة، أو حصول المطلب بحيث يتحقق معه العزم على المسافة، قصر بخروجه عن محل الترخص. (مسألة 16): مع قصد المسافة لا يعتبر اتصال السير (1) فيقصر وإن كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيام، وإن كان ذلك اختيارا، لا لضرورة، من عدو، أو برد، أو انتظار رفيق، أو نحو ذلك. نعم لو كان بحيث لا يصدق عليه اسم السفر لم يقصر (2)، كما إذا قطع في كل يوم شيئا يسيرا جدا للتنزه (3) أو نحوه. والاحوط في هذه الصورة أيضا الجمع. (مسألة 17): لا يعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلا بل يكفي ولو كان من جهة التبعية للغير (4). لوجوب الطاعة - كالزوجة، والعبد - أو قهرا - كالاسير (5)، } (1) بلا خلاف ظاهر، لاطلاق الادلة. وقد تشهد به: مكاتبة عمرو بن سعيد المتقدمة في الثمانية الامتدادية (* 1). وذكر العشرة لانها غاية العدد في الغالب. فتأمل. (2) لظهور النصوص في اعتبار السفر، كما صرح به في جملة منها. (3) كما في الجواهر، لكن في منع صدق السفر في الفرض تأملا. نعم هو من الافراد غير المتعارفة، ومثله لا يقدح في الاطلاق، وإلا وجب تقييده بالمتعارف سرعة أيضا. وهكذا سائر الخصوصيات غير المتعارفة. فلاحظ. (4) كما صرح به جماعة كثيرة. لاطلاق النص والفتوى. (5) الاسير إن كان له قصد فهو من المكره، وإلا فهو من المجبور الذي لااختيار له. وسيأتي حكمه.


____________
(* 1) تقدم ذكره في أول الشرط الاول.

===============

( 30 )

{ والمكره ونحوهما - أو اختيارا - كالخادم ونحوه - بشرط العلم بكون قصد المتبوع مسافة (1)، فلو لم يعلم بذلك بقي على التمام (2). ويجب الاستخبار مع الامكان (3). نعم في وجوب } (1) كما عن الذكرى والروض ومجمع البرهان وغيرها. ليتحقق للتابع قصدها، المعتبر في جواز القصر. وما عن الدروس وغيرها: من أنه يكفي قصد المتبوع عن قصد التابع، على ظاهره غير ظاهر الوجه، لمنافاته لما دل على اعتبار القصد. (2) لما تقدم: من أصالة التمام، المعول عليها عند الشك في المسافة. ودعوى: أن تعليل التابع قصده بمقصد المتبوع كاف في تحقق قصد المسافة، إذا كان مقصد المتبوع مسافة واقعا. مندفعة: بأن الظاهر من الادلة: اعتبار قصد المساحة المخصوصة، وعدم كفاية قصد عنوان مردد بين مساحات مختلفة. ولذا يتم طالب الضالة وإن علم أن ضالته في مكان معين في الواقع، إذا كان ذلك المكان مرددا في نظره بين رأس فرسخ ورأس ثمانية، كما إذا خرج من النجف جاهلا أن دابته مربوطة في الكوفة أو في الحلة. (3) أقول: لا ينبغي التأمل في أن المقام ليس من صغريات وجوب الفحص في الشبهات الحكمية والموضوعية، ليبنى فيه على قاعدة وجوب. الفحص، بناء على عموم أدلتها لكن شبهة إلا ما خرج. حيث أن الوجوب هناك على تقديره إرشادي، كما حقق في محله. ولذا لا يترتب على مخالفته من حيث هي عقاب، وإنما يكون العقاب على مخالفة الواقع. ولاجل ذلك يأمن من العقاب بفعل الواقع المحتمل، ومنه: ما تقدم في المسألة الخامسة، حيث يمكن الاحتياط بفعل القصر والتمام معا، ويأمن بذلك من العقاب. والوجوب هنا على تقديره نفسي، إذ مع عدم الاختبار يعلم بوجوب التمام، وعدم وجوب القصر، لعدم القصد المعتبر فيه، فلا مجال للاحتياط بفعل

===============

( 31 )

{ الاخبار على المتبوع إشكال، وإن كان الظاهر عدم الوجوب (1) (مسألة 18): إذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة ولو ملفقة بقي على التمام (2)، بل لو ظن ذلك فكذلك (3). نعم لو شك في ذلك فالظاهر القصر. خصوصا لو ظن العدم لكن الاحوط في صورة الظن بالمفارقة والشك فيها الجمع. } القصر والتمام، وإنما الاحتياط بفعل الاختبار، لاحتمال وجوبه تعبدا. ولاجل ذلك لا ينبغي التأمل في جريان أصل البراءة فيه، الجاري في سائر موارد الشبهات الوجوبية الكلية. ولا وجه للبناء على وجوبه - كما في المتن وغيره - أو التردد فيه، كما في الجواهر، حيث جعل فيه وجهين، مقتضى الاصل العدم. ونحوه غيره. لكن الظاهر أن الوجه في حكم المصنف (ره) بالوجوب: بناؤه على أنه من موارد وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية، كما يتضح ذلك مما يذكره في المسألة العشرين. وفيه: ما سيأتي. ونظير المقام: ما لو أمكنه العلم بموضع دابته الضالة أو عبده الآبق، فانه لا يجب الاستخبار أيضا. (1) للاصل المتقدم فيما قبله. (2) لانتفاء القصد المعتبر في القصر. (3) الظاهر أن المفروض في هذه المسألة صورة إحراز المقتضي للتبعية وكون المفارقة على تقدير وقوعها لوجوب المانع من دوام السفر أو انتفاء شرطه. بخلاف المسألة الآتية، فان احتمال المفارقة فيها لاحتمال زوال مقتضي التبعية. وكيف كان فان كان احتمال المفارقة ناشئا من احتمال طروء المانع، أو فقد الشرط، فكون الظن به مانعا من تحقق القصد إلى السفر كلية غير ظاهر، بل لا يبعد حصول القصد إذا كان الداعي له مزيد أهمية.

===============

( 32 )

{ (مسألة 19): إذا كان التابع عازما على المفارقة مهما أمكنه، أو معلقا لها على حصول أمر، كالعتق أو الطلاق ونحوهما، فمع العلم بعدم الامكان وعدم حصول المعلق عليه يقصر (1). وأما من ظنه فالاحوط الجمع وإن كان الظاهر التمام. بل وكذا مع الاحتمال، إلا إذا كان بعيدا غايته بحيث } ومن ذلك يظهر الحال في صورة الشك في المفارقة، والظن بعدمها. بل الظاهر عدم منافاتهما للقصد، فيجب القصر معهما. (1) لتحقق القصد إلى المسافة تبعا، غير المنافي له القصد إلى المفارقة، المعلق على أمر غير حاصل باعتقاده. نعم مع الظن بالحصول أو احتماله يكون القصد إلى المسافة تعليقيا لاتنجيزيا، فلا مجال لاقتضائه القصر، لما عرفت: من ظهور النصوص والفتاوى في اعتبار القصد التنجيزي في وجوبه وهو مفقود. وإن حكي عن جماعة: القصر في المقام، بل يظهر من محكي المنتهى - حيث اقتصر في نقل القول بالتمام على قول الشافعي الاتفاق عليه منا، بل ظاهر رده على الشافعي - بالنقض بالعبد والمرأة - الاتفاق على القصر فيهما حتى من العامة. لكن عن نهاية الاحكام: الجزم بالتمام، معللا بانتفاء القصد. وفي محكي الذكرى: التفصيل بين ظهور أمارة التمكن من المفارقة فالتمام، وعدمه فالقصر، للبناء على بقاء الاستيلاء، وعدم رفعه بالاحتمال البعيد. وكأنه يريد من الاحتمال البعيد ما يقابل الظن بالحصول، بقرينة المقابلة. وقد عرفت إشكاله. ويحتمل أن يريد ما في المتن: من التفصيل بين احتمال حصول التمكن بعيدا فالقصر، وغيره فالتمام. ولا بأس به حينئذ، لكون المفهوم من النص ما يعمه. وإن كان لا يخلو من تأمل.

===============

( 33 )

{ لا ينافي صدق قصد المسافة، ومع ذلك أيضا لا يترك الاحتياط. (مسألة 20): إذا اعتقد التابع أن متبوعه لم يقصد المسافة، أو شك في ذلك، وفي الاثناء علم أنه قاصد لها، فالظاهر وجوب القصر عليه، وإن لم يكن الباقي مسافة. لانه إذا قصد ما قصده متبوعه فقد قصد المسافة واقعا (1). فهو كما لو قصد بلدا معينا واعتقد عدم بلوغه مسافة، فبان في الاثناء أنه مسافة. ومع ذلك فالاحوط الجمع. (مسألة 21): لا إشكال في وجوب القصر إذا كان مكرها على السفر أو مجبورا عليه (2). وأما إذا أركب على } (1) قد عرفت الاشكال في ذيل المسألة السابعة عشرة، وأن تردد المقصد بين مسافات مختلفة مانع من وجوب التقصير، كتردد مكان الضالة بين بلاد كثيرة مختلفة بالقرب والبعد. نعم لا يقدح تردد المسافة المعينة بين أن تكون ثمانية فراسخ أو دونها في وجوب التقصير واقعا، كالخارج من النجف قاصدا الحلة مع تردده في كون المسافة بينهما تبلغ ثمانية فراسخ. والفرق بين تردد العنوان وتردد المعنون ظاهر. (2) الجبر يقابل الاختيار، فالمجبور لا اختيار له ولاقصد، فلا ينبغي الحاقه بالمكره الحاصل له القصد، بل ينبغي الحاقه بما بعده في الاشكال، من جهة فقد القصد المعتبر في السفر الموجب للقصر. ومجرد أن له حركة سيرية غير اختيارية - كالاسير الذي يسحب قهرا - غير كاف في الالحاق بالمكره، لاشتراكهما في عدم القصد. ولعله يريد من المجبور الاسير الذي يقاد فيمشي تبعا لقائده. لكنه حينئذ يكون من المكره لحصول القصد منه الى السير، وإن كان الداعي له إليه الخوف.

===============

( 34 )

{ الدابة، أو ألقي في السفينة من دون اختياره، بأن لم يكن له حركة سيرية، ففي وجوب القصر ولو مع العلم بالايصال إلى المسافة إشكال (1)، وإن كان لا يخلو عن قوة. } (1) قال في المستند: " قد يختلج بالبال فيه الاشكال، إذ القصد إنما يكون على العمل، ولا يصدر منه عمل حتى يكون قاصدا له. ولعدم شمول كثير من أخبار القصر لمثله، وعدم تبادره من شئ من أخباره، وإجمال نحو قوله (ع): (التقصير في بريدين) لاحتمال إرادة قصد بريدين أو سيره، ومثل ذلك لا يقصد ولا يسير. إلا أن الظاهر الاجماع على وجوب القصر عليه. ويمكن الاستدلال له بقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر..) (* 1) فان ذلك كائن في السفر وان لم يكن مقصودا له، ولا معارض له، فيجب التقصير أيضا. وفيه: أنه إن بني على الغض عمادل على اعتبار القصد في القصر، فلا وجه للمناقشة في إطلاق الادلة بما ذكر، وإن بني على النظر إليها، فلا وجه لدعوى الاجماع على القصر، ولا للاستدلال عيه باطلاق الآية. إذ دعوى الاجماع خلاف ما صرحوا به من اعتبار القصد. وإطلاق الآية مقيد بما دل على اعتباره، كما لا يخفى. ومثله: دعوى كون المراد من القصد في كلماتهم أعم من العلم، فانها خلاف الظاهر. والاستشهاد له بتصريحهم بوجوب القصر على الاسير في أيدي المشركين غير ظاهر، فانه أعم من ذلك، إذ الاسير في الغالب يكون مكرها، لا مجبورا، كما هو محل الكلام، ولا إطلاق في كلامهم يشمله، لانه وارد في مقام حكم التابع من حيث أنه تابع. فالعمدة في وجوب القصر. ما في رواية اسحاق بن عمار، الواردة في


____________
(* 1) البقرة: 184.

===============

( 35 )

{ الثالث: استمرار قصد المسافة (1)، فلو عدل عنه } قوم خرجوا في سفر وتخلف منهم واحد، قال (ع): " بلى إنما قصروا في ذلك الموضع لانهم لم يشكوا في مسيرهم وأن السير يجد بهم... " (* 1) فانه يدل على أن تمام موضوع التقصير هو العلم بالسفر ثمانية فراسخ. لكن سند الحديث لا يخلو من إشكال. (1) نسبه في الحدائق الى الاصحاب أولا، وادعى اتفاقهم عليه ثانيا. وفي المستند: عن بعض نفي الخلاف فيه، وعن آخر: أنه اجماع. واستدل له غير واحد بصحيح أبي ولاد، الوارد فيمن خرج في سفر ثم بدا له الرجوع، قال (ع) فيه: " وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا، فان عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام، من قبل أن تؤم من مكانك، لانك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت، فوجب عليك قضاء ما قصرت. وعليك إذا رجعت أن تتم الصلاة حتى تصير الى منزلك " (* 2)، وبما في رواية إسحاق، من قوله (ع): " وإن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة " (* 3)، وبرواية المروزي فيمن نوى السفر بريدين أربعة فراسخ، فبدا له بعد ما بلغ فرسخين. قال (ع): " وإن رجع عما نوى عند بلوغ فرسخين وأراد المقام فعليه التمام " (* 4). ويشكل الاول: بأنه ظاهر في اعتبار بلوغ المسافة في صحة التقصير من أول الامر، بنحو الشرط المتأخر، بقرينة أمره بالاعادة، وهو خلاف


____________
(* 1) تقدم ذكره في أوائل الشرط الاول. (* 2) تقدم ذلك في أول الشرط الثاني. (* 3) تقدم ذكره في أول الشرط الاول. (* 4) تقدم ذكره في المسألة: 15.

===============

( 36 )

{ قبل بلوغ الاربعة أو تردد أتم. وكذا إذا كان بعد بلوغ الاربعة لكن كان عازما على عدم العود (1)، أو كان مترددا في أصل العود وعدمه (2)، أو كان عازما على العود لكن بعد نية الاقامة هناك عشرة أيام. وأما إذا كان عازما على العود من غير نية الاقامة عشرة أيام فيبقى على القصر (3) وإن لم يرجع ليومه (4) بل وإن بقي مترددا إلى ثلاثين يوما. نعم بعد الثلاثين مترددا يتم. (مسألة 22): يكفي في استمرار القصد بقاء القصد } المشهور: ومعارض بصحيح زرارة الآتي (* 1)، فيكون مطروحا. ويشكل الثاني: بأنه ضعيف السند. ويشكل الثالث - مضافا الى احتمال أن يكون المراد من المقام إقامة عشرة أيام -: بأنه لابد من حمله على ذلك، إذ لاوجه للتمام على من بلغ بريدا وإن كان من نيته الرجوع. ولا ينافيه ذكر الفرسخين، لانها محمولة على الخراسانية، التي هي ضعف غيرها، بشهادة تفسير البريد بها، وأمره بالقصر إذا بلغها ناويا للرجوع، أو فرسخين آخرين. فلاحظ. ويمكن دفع الاشكال في الاول: بأنه يجب حمله - بقرينة الصحيح - على الاستحباب، ولامانع من الاخذ بظاهره من وجوب الاتمام إذا رجع. كدفعه في الثاني: بأنه يمكن دعوى انجباره بالعمل. فتأمل. (1) بأن كان مترددا بين الاقامة والسفر. (2) بأن كان مترددا بين السفر والاقامة والعود. (3) لما سيأتي، مما دل على الاكتفاء بالمسافة النوعية. (4) لما سبق، من عدم اعتبار الرجوع ليومه في المسافة التلفيقية.


____________
(* 1) يأتي ذكره في المسألة: 24.

===============

( 37 )

{ النوع وإن عدل عن الشخص (1)، كما لو قصد السفر إلى مكان مخصوص فعدل عنه الى آخر يبلغ ما مضى وما بقي إليه } (1) كما عن غير واحد التصريح به. لصدق المسافة المقصودة. المأخوذة موضوعا لوجوب القصر. إلا أن يقال: المقدار المعدول إليه لم يكن مقصودا أولا، وإنما طرأ قصده ثانيا بعد العدول عن الاول، فكيف يمكن ضمن ما لم يقصد الى ما قد قصد، وظاهر أدلة اعتبار القصد كون الجميع بقصد واحد ودعوى: أن المسافة النوعية مقصودة بقصد واحد، كما ترى، إذ الجامع بين المسافتين مما لم يطرأ عليه القصد، وإنما طرأ على مسافة شخصية أولا، ثم طرأ على مسافة شخصية أخرى ثانيا. فالاولى أن يقال: إن أدلة اعتبار القصد إنما دلت على اعتباره عند الخروج من المنزل، وأدلة اعتبار استمراره إنما دلت على قدح التردد في أصل السفر لاغير. فلا تشمل صورة العدول عن مسافة إلى مسافة، بل تبقى مشمولة لادلة الاكتفاء بالقصد الاول. ومنه يظهر وهن ما في الروض: من احتمال عدم الترخص، لبطلان المسافة الاولى بالرجوع عنها، وعدم بلوغ المقصد الثاني مسافة انتهى فانه لا مجال لذلك بعد عموم أدلة التقصير له، ولاجل ذلك أوجب التقصير - في العدول عن الامتدادية إلى الملفقة ولو لم يرد الرجوع ليومه - من لا يقول به في الملفقة من أول الامر، إذا كان مريدا للرجوع ليومه، كالشيخ (ره) في النهاية وغيره. مضافا إلى ما في صحيح أبي ولاد الوارد فيمن بدا له الرجوع الى البلد، من قوله (ع): " إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا، كان عليك حين رجعت أن تصلي بالتقصير، لانك كنت مسافرا إلى أن تصير في منزلك " (* 1)، وما في خبر إسحاق بن عمار من قوله (ع):


____________
(* 1) تقذم ذكره في أول الشرط الثاني.

===============

( 38 )

{ مسافة فانه يقصر حينئذ على الاصح. كما أنه يقصر لو كان من أول سفره قاصدا للنوع دون الشخص (1)، فلو قصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق، ولم يعين من الاول أحدهما بل أو كل التعيين الى ما بعد الوصول الى آخر الحد المشترك، كفى في وجوب القصر. (مسألة 23): لو تردد في الاثناء ثم عاد الى الجزم، فاما أن يكون قبل قطع شئ من الطريق، أو بعده، ففي } " إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم، أقاموا أم انصرفوا " (* 1)، وما في خبر المروزي من قوله (ع): " فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر ميلا - وذلك أربعة فراسخ - ثم بلغ فرسخين، ونيته الرجوع، أو فرسخين آخرين قصر " (* 2). ومنه يظهر ما في المحكي عن المقدس البغدادي: من عدم الترخص لو بلغ بريدا وإن أراد الرجوع ليومه، تمسكا باطلاق الاصحاب عدم التقصير فيمن بدا له الرجوع أو تردد ينتظر الرفقة، لعدم اعتبار التلفيق هنا، لعدم كونه مقصودا من قبل. فان ضعفه ظاهر مما سبق. (1) لاطلاق مادل على الترخص بمجرد الخروج من المنزل مريدا للسفر ثمانية فراسخ، فانه شامل للثمانية الشخصية المعينة وغيرها. ودعوى: انصرافه إلى المسافة الشخصية ساقطة جدا، لان المراد من المسافة خط السير، وتعيينه متعذر غالبا. نعم لا بأس بدعوى الانصراف الى صورة تعيين المقصد. إلا أنه بدوي، لا يعول عليه في رفع اليد عن الاطلاق.


____________
(* 1) تقدم ذكره في أول الشرط الاول. (* 2) تقدم ذكره في المسألة: 15.

===============

( 39 )

{ الصورة الاولى يبقى على القصر إذا كان ما بقي مسافة (1) ولو ملفقة. وكذا إن لم يكن مسافة في وجه (2)، لكنه مشكل (3) فلا يترك الاحتياط بالجمع. وأما في الصورة الثانية فان كان ما بقي } (1) لكفاية قصده للمسافة بعد التردد في وجوب التقصير. (2) قد جزم به في الجواهر وغيرها، لتناول الادلة له، لانه يصدق أنه خرج من منزله قاصدا للمسافة. وما دل على قدح تردد، فانما دل على قدحه في بقاء الترخص حال وجوده، ولم يدل على اقتضائه ارتفاع السفر حقيقة أو تعبدا بمجرد حدوثه، فيتعين الرجوع بعد ارتفاعه بالعزم على السفر - إلى أدلة الترخص. (3) لاحتمال كون المرجع في المقام استصحاب حكم الخاص، لا الرجوع الى عموم العام، لاحتمال كون عمومات الترخص إنما تدل على حكم واحد مستمر، بحيث يكون الحكم في الزمان الثاني ملحوظا بعناية البقاء لوجوده في الزمان الاول، لا ملحوظا في نفسه في مقابل وجوده في الزمان الاول، كما هو مبني الاحتمالين: احتمال الرجوع إلى العام، واحتمال الرجوع الى الاستصحاب. فالحكم في الزمان الثاني إن كان ثبوته بلحاظ استمراره وبقائه الى الزمان الثاني فالمرجع الاستصحاب لا العام، وان كان بلحاظ نفسه في قبال وجوده في الزمان الاول فالمرجع العام، كما أوضحنا ذلك في تعليقتنا على الكفاية. فإذا شك في ثبوت الحكم في الزمان الثاني، وأنه على النحو الاول أو النحو الثاني، لا مجال للرجوع الى العام. وفيه: أن الظاهر من أدلة التقصير والتمام هو ثبوت الحكم في كل زمان، مع قطع النظر عن ثبوته فيما قبله، كما يقتضيه ظهور كون الموضوع المناط به الحكم هو السفر، وهو صادق على حصص الفرد الزمانية بنحو واحد ونسبة واحدة. مضافا الى ما في خبر إسحاق المتقدم من قوله (ع):

===============

( 40 )

{ مسافة ولو ملفقة يقصر أيضا (1)، وإلا فيبقى على التمام (2). نعم لو كان ما قطعه حال الجزم أولا مع ما بقي بعد العود الى الجزم - بعد اسقاط ما تخلل بينهما مما قطعه حال التردد - مسافة ففي العود إلى التقصير وجه، لكنه مشكل (3)، فلا يترك الاحتياط بالجمع. (مسألة 24): ما صلاه قصرا قبل العدول عن قصده لا تجب إعادته في الوقت (4) فضلا عن قضائه خارجه. } " وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا، فإذا مضوا فليقصروا " (* 1). لكن الخبر ضعيف. (1) على ما عرفت. (2) كأنه دعوى: ظهور الادلة في اعتبار كون حركة السير في الثمانية فراسخ كلها ناشئة عن قصد واحد للثمانية، وليس كذلك في الفرض ولاجله افترق عن الفرض السابق. ولا يجدي إسقاط المتخلل في دفع المحذور المذكور، لان الظاهر من الثمانية الغ‌متدة المتصلة - أعني: أول وجود للمسافة المقدرة بالمقدار المذكور - فإذا أسقط المختلل فات الاتصال والامتداد. وكأنه لعدم وضوح ذلك عند المصنف (ره) جعل العود الى التقصير في صورة كون المجموع مسافة بعد إسقاط المختلل وجها، عملا باطلاق وجوب القصر على المسافر، المؤيد بخبر إسحاق المتقدم. لكن في الدعوى الاولى تأملا. والتمسك باطلاق أدلة التقصير، المؤيد بما في خبر إسحاق قريب. (3) لما عرفت من ظهور المسافة المعلق عليها التقصير في خصوص المتصلة. (4) كما هو المشهور شهرة عظمية، لصحيح زرارة: " قال سألت


____________
(* 1) تقدم ذكره في أول الشرط الاول.

===============

( 41 )

{ الرابع: أن لا يكون من قصده في أول السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيام (1) قبل بلوغ الثمانية. } أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده، فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين، فصلوا، وانصرف بعضهم في حاجة، فلم يقض له الخروج، مايصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين قال (ع): تمت صلاته، ولا يعيد " (* 1). نعم يعارضه خبر المروزي: " وإن كان قصر ثم رجع عن نيته أعاد الصلاة " (* 2). ولاجل ذلك جمع الشيخ في الاستبصار: بحمل الاول على نفي القضاء في خارج الوقت، والثاني على وجوب الاعادة في الوقت. وفيه - مع ضعف الثاني في نفسه، مضافا الى إعراض الاصحاب عنه، بل كاد أن ينعقد الاجماع على خلافه، إذ لم يعرف القول بالاعادة من أحد سواه في خصوص الاستبصار، وهو غير معد للفتوى، وإلى أنه جمع بلا شاهد -: أنه معارض في نفي القضاء بصحيح أبي ولاد: " وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا، فان عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤم من مكانك... " (* 3) فيتعين حمل الجميع على الاستحباب. (1) عن الذخيرة: " لاأعرف فيه خلافا "، وعن المدارك: " لا خلاف في أنها قاطعة للسفر ". ويستدل له - مضافا الى ذلك، والى استصحاب التمام - بما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " من قدم قبل التروية بعشرة أيام عليه إتمام الصلاة، وهو بمنزلة أهل مكة،


____________
(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) تقدم ذكره في المسألة: 15. (* 3) تقدم ذكره في أول الشرط الثاني.

===============

( 42 )

فإذا خرج الى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة، وعليه إتمام الصلاة إذا رجع الى منى حتى ينفر " (* 1). اللهم إلا أن يستشكل في الاجماع: بعدم حجيته ما لم يوجب العلم بالحكم. وفي الاصل: بأنه محكوم لعموم وجوب التقصير على المسافر. وفي الصحيح: بظهوره في كون التنزيل بلحاظ وجوب التمام لاغير. إلا أن يقال: إن عطف قوله (ع): " وهو بمنزلة... " ظاهر في أنه لبيان حكم آخر، وإلا كان تأكيدا لما قبله، وهو خلاف الاصل. بل قوله (ع): " فإذا خرج... " كالصريح في أن محل الاقامة بمنزلة الوطن، إذا سافر عنه قصر، وإذا رجع إليه أتم، وإذا خرج عنه الى ما دون المسافة أتم. نعم عدم التزام الاصحاب بذلك فيه يوجب وهن دلالته جدا، وكونه مما يرد علمه الى أهله (ع). والتفكيك في الحجية بين دلالاته بحيث ينفع فيما نحن فيه، بعيد عن المذاق العرفي. نعم قد يشير إلى عموم المنزلة صحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع) " عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الايام في المكان. عليه صوم؟ قال (ع): لا، حتى يجمع على مقام عشرة أيام... إلى أن قال: وسألته عن الرجل يكون عليه الايام من شهر رمضان وهو مسافر، يقضي إذا أقام في المكان؟ قال (ع): لا، حتى يجمع على مقام عشرة أيام " (* 2). فان ظاهر السؤال. صدرا وذيلا - كون منشئه تخيل أن المراد بالمسافر ما يقابل المقيم والحاضر معا، لا ما يقابل الحاضر فقط، ولاجل ذلك سأل عن جواز الصوم في حال الاقامة أداء وقضاء، فيكون الجواب ظاهرا في الاقرار على ذلك إذا كانت مدة الاقامة عشرة. ويؤيد ذلك:


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

===============

( 43 )

{ وأن لا يكون من قصده المرور على وطنه كذلك (1). وإلا أتم، لان الاقامة قاطعة لحكم السفر، والوصول الى الوطن قاطع لنفسه، فلو كان من قصده ذلك من حين الشروع أو بعده لم يكن قاصدا للمسافة. وكذا يتم لو كان مترددا في نية الاقامة، أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية (2). نعم لو } ما ورد في وجوب التقصير على كثير السفر إذا كان قد أقام عشرة أيام في بلده أو غيره (* 1). فتأمل. مضافا الى أن الظاهر مما دل على وجوب التمام على المقيم - بقرينة مناسبة الحكم لموضوعه - كون التمام بعناية خروجه بالاقامة عن عنوان المسافر. فلعل ذلك كله، بضميمة تسالم الاصحاب كاف في الحكم بقاطعية الاقامة. ومما ذكرنا يظهر أن مراد المصنف (ره) بقوله: " لان الاقامة قاطعة لحكم السفر ": أنها قاطعة له نفسه شرعا. في قبال الوطن القاطع له عرفا حقيقة، لا أنها رافعة لحكم السفر نظير التردد. وإلا لم يصلح تعليلا للحكم المذكور، ولامما تساعده الادلة. فلاحظ. (1) إذ بذلك يخرج عن عنوان المسافر عرفا. وما في المستند: من عدم فرق العرف بين ما إذا مر بمنزله الذي يتوطنه، ولاسيما إذا كان راكبا ولاسيما إذا مر عن حواليه، وبين ما إذا لم يمر - كما ترى - ضعيف. نعم لا بأس به بالنسبة الى الوطن الشرعي، بناء على القول به. لكن دليله دل على كونه بمنزلة الوطن العرفي من حيث قاطعية السفر. وسيأتي الكلام فيه. (2) لعدم قصد السفر المتصل الواحد، بل يكون المقصود مرددا بين المتصل والمنفصل.


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر.

===============

( 44 )

{ لم يكن ذلك من قصده، ولا مترددا فيه، إلا أنه يحتمل عروض مقتض لذلك في الاثناء، لم يناف عزمه على المسافة، فيقصر. نظير ما إذا كان عازما على المسافة إلا أنه لو عرض في الاثناء مانع - من لص أو عدو أو مرض أو نحو ذلك - يرجع، ويحتمل عروض ذلك، فانه لا يضر بعزمه وقصده. (مسألة 25): لو كان حين الشروع في السفر، أو في أثنائه (1)، قاصدا للاقامة، أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية، لكن عدل بعد ذلك عن قصده، أو كان مترددا في ذلك، وعدل عن ترديده الى الجزم بعدم الامرين، فان كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه، أو مع التلفيق بضم الاياب قصر (2)، وإلا فلا. فلو كان ما بقي بعد العدول الى المقصد أربع فراسخ، وكان عازما على العود ولو لغير يومه قصر في الذهاب والمقصد والاياب. بل وكذا لو كان أقل من أربعة، بل ولو كان فرسخا فكذلك على الاقوى من وجوب } (1) الاولى إسقاط هذا العطف. فانه على تقدير القصد في الاثناء يكون داخلا في المسألة الآتية التي استشكل فيها في التقصير والتمام، فلا وجه لذكره هنا، ولالجزمه بالتمام على تقدير عدم كون الباقي مسافة ولو ملفقة كما هو مفاد قوله فيما يأتي: " وإلا فلا ". فالفرق بين المسألتين: أن الاولى فيما لو كان قصد الاقامة أو التردد فيها من الاول، والثانية فيما لو كان في الاثناء. ولعل كلمة: " أو في أثنائه " من قلم الناسخ. (2) لتحقق القصد اللاحق الى المسافة المتصلة الممتدة أو الملفقة.

===============

( 45 )

{ القصر في كل تلفيق من الذهاب والاياب، وعدم اعتبار كون الذهاب أربعة أو أزيد، كما مر (1). (مسألة 26): لو لم يكن من نيته في أول السفر الاقامة أو المرور على الوطن، وقطع مقدارا من المسافة، ثم بدا له ذلك قبل بلوغ الثمانية، ثم عدل عما بدا له وعزم على عدم الامرين، فهل يضم ما مضى إلى ما بقي إذا لم يكن ما بقي بعد العدول عما بدا له مسافة؟ - فيقصر إذا كان المجموع مسافة، ولو بعد اسقاط ما تخلل بين العزم الاول والعزم الثاني إذا كان قطع بين العزمين شيئا - إشكال. خصوصا في صورة التخلل، فلا يترك الاحتياط بالجمع، نظير ما مر في الشرط الثالث (2). الخامس من الشروط: أن لا يكون السفر حراما (3)، وإلا لم يقصر. سواء كان نفسه حراما (4)، كالفرار من } (1) ومر الاشكال فيه. (2) لاتحاد مناط المسألتين. (3) اجماعا، كما عن الخلاف، والمعتبر، و التذكرة، والمنتهى، والدرة، وظاهر كشف الحق، والذخيرة، والكفاية، ومجمع البرهان، وغيرها. ويدل عليه جملة من النصوص الآتي إليها الاشارة. (4) كما هو ظاهر المشهور. ويقتضيه صحيح عمار بن مروان عن أبي عبد الله (ع): " من سافر قصر وأفطر. إلا أن يكون رجلا سفره الى صيد، أو معصية الله تعالى، أو رسولا لمن يعصي الله، أو في طلب عدو، أو شحناء، أو سعاية، أو ضرر على قوم من المسلمين " (* 1).


____________
(* 1) الوسائل باب: من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.

===============

( 46 )

{ الزحف، وإباق العبد، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج في غير الواجب، وسفر الولد مع نهي الوالدين في غير الواجب، وكما إذا كان السفر مضرا لبدنه، وكما إذا ندر عدم السفر مع } فانه إذا حرم السفر يصدق عليه أنه في معصية، وموثق سماعة: " ومن سافر قصر الصلاة وأفطر. إلا أن يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر، أو خرج الى صيد... " (* 1). فان السفر المشايع فيه بنفسه حرام. ومرسل ابن أبي عمير: " لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلا في سبيل حق " (* 2) وما ورد في تعليل وجوب التمام على المتصيد بأن التصيد مسير باطل، بدعوى: أن السفر المحرم باطل، وليس بحق. اللهم إلا أن يستشكل في الجميع: بأن ظاهر قوله (ع): " أو في معصية " كونه معطوفا على قوله: " الى صيد "، فيكون المراد سفره في معصية. وظاهره: كون المعصية غير السفر، فان السفر المعصية غير السفر في المعصية، الذي هو من قبيل السعي في الحاجة. وأن الظاهر من حرمة المشايعة كونها بلحاظ ما يترتب عليها، من ترويج الجور والاعانة عليه، لامن حيث أنها حركة بعنوان المشايعة، فتكون حينئذ من القسم الثاني. ولو أريد من الثاني خصوص ما كانت الغاية فعلا اختياريا، كان هذا قسما برأسه. ولا يبعد دخوله في قوله (ع): " أوفي معصية " وحينئذ لا يدل على حكم السفر المحرم نفسه، كأكثر الامثلة المذكورة. والظاهر من سبيل الحق ماكان سبيلا إلى الحق. فلا ينافي تحريمه النفسي - وكذا التعليل بالمسير الباطل - فلا يثبت بهما عموم الدعوى، إذ قد يكون السفر المحرم بقصد بعض الاغراض الصحيحة العقلائية المباحة أو المستحبة،


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

===============

( 47 )

{ رجحان تركه، ونحو ذلك. أو كان غايته أمرا محرما (1)، كما إذا سافر لقتل نفس محترمة، أو للسرقة، أو للزنا، أو لاعانة ظالم، أو لاخذ مال الناس ظلما، ونحو ذلك. وأما إذا لم يكن لاجل المعصية، لكن تتفق في أثنائه، مثل الغيبة، وشرب الخمر، والزنا، ونحو ذلك مما ليس غاية للسفر فلا يوجب التمام (2) بل يجب معه القصر والافطار. (مسألة 27): إذا كان السفر مستلزما لترك واجب، } فيكون مسير حق لا باطل. مع أنه لا يمكن الاخذ باطلاقهما، كما لا يخفى ودعوى القطع بالاولية أو المساواة - كما في الجواهر - محل تأمل. ولاجل بعض ما ذكرنا - مضافا إلى دعوى استلزامه المنع من ترخص كل مسافر تارك للواجب في سفره، المقتضي لعدم الترخص إلا للاوحدي - تنظر الشهيد الثاني في الروض في وجوب التمام في هذا القسم. اللهم إلا أن يستفاد ذلك من اطلاق معاقد الاجماع، وعدم العثور على مخالف فيه، وعدم ثبوت خلاف الشهيد الثاني، ولاسيما وكون خلافه - على تقديره - للشبهة الاخيرة غير الواردة، وعلى تقدير ورودها إنما تقدح في عدم الترخص في السفر المستلزم ترك الواجب - كما يأتي الكلام فيه - لاما حرم في نفسه، كما هو محل الكلام. فتأمل جيدا. (1) يعني: كانت غايته فعلا اختياريا بالمباشرة محرما. وبذلك افترق عن السفر المضر ببدنه. وكيف كان فلا خلاف ولا إشكال في قدحه في الترخص. وتدل عليه النصوص المتقدمة، وغيرها. (2) هو واضح لا خلاف فيه، كما في مفتاح الكرامة. لقصور الادلة من النصوص والاجماعات عن شموله. فالمرجع فيه أصالة القصر على المسافر.

===============

( 48 )

{ كما إذا كان مديونا وسافر مع مطالبة الديان وإمكان الاداء في الحضر دون السفر ونحو ذلك، فهل يوجب التمام أم لا؟ الاقوى التفصيل بين (1) ما إذا كان لاجل التوصل الى ترك الواجب أو لم يكن كذلك، ففي الاول يجب التمام، دون الثاني. لكن الاحوط الجمع في الثاني. } (1) لا ينبغي التأمل في أن الكون في الحضر - الذي يتوقف عليه أداء الدين الواجب - والكون في السفر من قييل الضدين. وعليه إن لم نقل بأن وجود أحد الضدين مقدمة لترك الآخر فالسفر المذكور ليس مقدمة لترك الواجب، فلا يمكن قصد التوصل به إليه، فضلا عن أن يكون معصية ويقتضي التمام، لعدم الدليل على ذلك، حيث لا تشمله النصوص المتقدمة، ولا الاجماعات، فلا موجب للخروج عن أصالة القصر على المسافر. وإن قلنا بمقدميته له كان البناء على التمام فيه في محله، لصدق كونه سفرا في معصية. نعم لابد من التفاته إلى ترتب ترك الواجب عليه، لعدم صدق السفر في المعصية بدونه. وحينئذ يتعين التفصيل بين الالتفات إلى الغاية المذكورة وعدمه، لاقصد التوصل وعدمه. وإذ أن التحقيق: انتفاء المقدمية المذكورة، فالقول بوجوب القصر مطلقا في محله. اللهم إلا أن يقال: المعيار في كون السفر في معصية نظر المسافر، لا الواقع. فكما أنه إذا سافر بقصد الوصول اختيارا الى غاية محرمة، صدق كون سفره سفرا في معصية، وإن لم يصل الى الغاية ولم تترتب على سفره، بل وإن لم يكن سفره مقدمة لها أصلا واقعا. كذلك اعتقاده المقدمية مع الالتفات أو القصد الى الغاية كاف في الصدق. ولا يتوقف على ثبوتها

===============

( 49 )

{ (مسألة 28): إذا كان السفر مباحا، لكن ركب دابة غصبية، أو كان المشي في أرض مغصوبة، فالاقوى فيه القصر، (1). وإن كان الاحوط الجمع. (مسألة 29): التابع للجائر إذا كان مجبورا، أو مكرها على ذلك، أو كان قصده دفع مظلمة، أو نحوها من } واقعا. فالتفصيل بين صورة البناء على المقدمية مع الالتفات الى ترتب ترك الواجب فيجب التمام، وبين غيرها فيجب القصر. في محله. وعليه فاعتبار قصد التوصل في وجوب التمام - كما في المتن - وعدم الاكتفاء بمجرد الالتفات، غير ظاهر الوجه، للاكتفاء به في حسن العقاب في سائر الموارد في الغايات التوليدية، وإن لم يحصل قصد التوصل. ولعل ما ذكره المصنف (ره) راجع إلى ما قلنا، وإن بعد. وسيأتي - إن شاء الله - في المسألة السادسة والثلاثين تحقيق كون المدار على الواقع، أو على اعتقاد المسافر. (1) لاختصاص النصوص بما لو كان السفر بما أنه طي للمسافة حراما، فلا تشمل صورة مالو كان التحريم بلحاظ كونه تصرفا في مال الغير بركوبه عليه، أو لبسه له، أو وضعه في جبيه، أو نحو ذلك. ومنه يظهر ضعف ما في الجواهر وغيرها من وجوب التمام. اللهم إلا أن يقال: اختصاص النصوص بغير ما ذكر ممنوع، بل إطلاقها يقتضي عموم الحكم له. مع أن ذلك يقتضي عدم الترخص بالسفر المضر بالبدن، فان تحريمه ليس بعنوان كونه سفرا بل بعنوان كونه مضرا. وكذا سفر الولد مع نهي الوالد، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج، فان تحريمهما بعنوان كونهما معصية للوالد، وخروجا من البيت بغير إذن الزوج. وكذا الحال في كل سفر يحرم لحرمة غايته التوليدية، إذا كانت تترتب على السفر، لامن حيث كونه بعدا عن الوطن.

===============

( 50 )

{ الاغراض الصحيحة المباحة أو الراجحة قصر (1). وأما إذا لم يكن كذلك - بأن كان مختارا، وكانت تبعيته إعانة للجائر في جوره - وجب عليه التمام (2)، وان كان سفر الجائر طاعة (3)، فان التابع حينئذ يتم، مع أن المتبوع يقصر. (مسألة 30): التابع للجائر المعد نفسه لامتثال أوامره لو أمره بالسفر (4)، فسافر امتثالا لامره، فان عد سفره إعانة للظالم في ظلمه كان حراما (5)، ووجب عليه التمام، وإن كان من حيث هو - مع قطع النظر عن كونه إعانة - مباحا. والاحوط الجمع. وأما إذا لم يعد إعانة على الظلم، فالواجب عليه القصر. (مسألة 31): إذا سافر للصيد، فان كان لقوته وقوت عياله قصر (6)، } (1) لانتفاء المعصية من كل وجه. (2) لصدق كونه سفرا في معصية. (3) لعدم قصده المعصية. (4) يعني: لغاية مباحة. وإلا كان من القسم الثاني بلا إشكال. (5) هذا لاإشكال فيه، إنما الاشكال في المعيار في صدق الاعانة وعدمه، والكلام فيه في محل آخر. (6) بلا خلاف - كما عن التنقيح، والذخيرة - بل هو مجمع عليه نقلا، إن لم يكن تحصيلا - كما في الجواهر - لاطلاق مادل على وجوب القصر في السفر. مضافا الى ما في مرسل محمد بن عمران القمي عن أبي عبد الله (ع): "... إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر، وليقصر " (* 1).


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

===============

( 51 )

{ بل وكذا لو كان للتجارة (1). وإن كان الاحوط فيه الجمع. وإن كان لهوا - كما يستعمله أبناء الدنيا - وجب عليه التمام (2). } وقصور نصوص نفي الترخص بسفر الصيد - بواسطة التعليل فيها بأنه مسير باطل، وب‍ " إنما خرج في لهو " - عن شموله. (1) كما هو المشهور بين المتأخرين. لما تقدم من إطلاق وجوب القصر على المسافر. لكن المحكي عن أكثر القدماء قصر الصوم، دون الصلاة. بل في محكي السرائر: " إن أصحابنا أجمعوا على ذلك فتيا، ورواية ". وعن المبسوط: نسبته إلى رواية أصحابنا. وليس عليه دليل ظاهر، عدا ما ذكر من الاجماع، والمرسلتين (* 1). وفي الاعتماد عليها - في تقييد إطلاقات ترخص المسافر، وما دل على تلازم الافطار والقصر، كصحيح معاوية بن وهب: " إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت " (* 2) - تأمل. أو منع. إذ الاجماع المنقول ليس بحجة. والمرسلتان غير معلومتي الدلالة، وإن كانتا مجبورتي السند. اللهم إلا أن يكون قوله في المبسوط: " إنه يتم ويفطر الصوم " - ونحوه في السرائر نقل للمتن باللفظ، أو معنى. وهو غير قاصر الدلالة، فيكون حجة. واحتمال عدم وروده في المقام بعيد جيدا. والمسألة بعد لا تخلو من إشكال. (2) إجماعا، حكاه جماعة كثيرة. وعن الامالي: إنه من دين الامامية. ويدل عليه النصوص الكثيرة، كصحيح عمار بن مروان، وموثق سماعة، المتقدمين (* 3) وخبر السكوني: " سبعة لا يقصرون... إلى أن قال: والرجل


____________
(* 1) المراد بهما: مرسلتا الشيخ في المبسوط والحلي في السرائر. (* 2) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 17. (* 3) تقدم ذكرها في الشرط الخامس.

===============

( 52 )

{ ولافرق بين صيد البر والبحر (1). كما لافرق - بعد فرض كونه سفرا - بين كونه دائرا حول البلد، وبين التباعد عنه، وبين استمرار ثلاثة ايام وعدمه على الاصح (2). } يطلب الصيد، يريد به لهو الدنيا " (* 1)، وصحيح زرارة " عمن يخرج من أهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزه الليلتين والثلاث، هل يقصر من صلاته، أو لا يقصر؟ قال (ع): إنما خرج في لهو، لا يقصر " (* 2). إلى غير ذلك. (1) لاطلاق النصوص والفتاوى. اللهم إلا أن يدعى: انصرافه إلى المعهود المتعارف بين الملوك وأبناء الدنيا، من صيد الاول بالبزاة والكلاب كذا في الجواهر. لكن عرفت: أن التعارف لا يوجب الانصراف المعتد به في رفع اليد عن الاطلاق. (2) لاطلاق الادلة. نعم عن الاسكافي: " المتصيد ماشيا إذا كان دائرا حول المدينة، غير مجاوز حد الترخص لم يقصر يومين. فان تجاوز الحد واستمر دورانه ثلاثة أيام، قصر بعدها ". وهو غير واضح. نعم يشير الى ما في ذيله خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام. وإذا جاوز ثلاثة لزمه " (* 3). لكنه مما لا مجال للعمل به بعد مخالفته لما سبق. ومثله صحيح العيص: " أنه سئل الصادق (ع) عن الرجل يتصيد، فقال: إن كان يدور حوله فلا يقصر، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر " (* 4). ونحوه صحيح صفوان عن عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل... " (* 5) فانهما - مع ماهما عليه من الاجمال -


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 5) الوسائل باب: 9 من أبواب صلاة المسافر حديث: 2.

===============

( 53 )

{ (مسألة 32): الراجع من سفر المعصية ان كان بعد التوبة يقصر (1). وان كان مع عدم التوبة فلا يبعد وجوب التمام عليه، لكون العود جزءا من سفر المعصية (2). لكن الاحوط الجمع حينئذ (3). (مسألة 33): إباحة السفر كما أنها شرط في الابتداء شرط في الاستدامة أيضا. فلو كان ابتداء سفره مباحا، فقصد المعصية في الاثناء انقطع ترخصه (4)، ووجب عليه الاتمام، وإن كان قد قطع مسافات (5). ولو لم يقطع بقدر المسافة } محمولان على الصيد للقوت، جمعا. (1) لعدم كونه سفرا في معصية أو نحو ذلك. فالمرجع فيه عموم القصر على المسافر. (2) كما ذكر بعض الاعيان، وحكاه عن المحقق القمي في أجوبة مسائله. وفيه منع ظاهر، لاختلافهما موضوعا، وعنوانا. ولذا نفى في الجواهر الاشكال في الترخص في العود. إلا أن يكون قصد به المعصية أيضا. (3) وفي حاشية النجاة لشيخنا الاعظم (ره): " الاحوط في كل سفر معصية الاتمام في العود، كما قيل. إلا أن يندم... ". وهو من المشكلات. ولذا علق عليه سيدنا الاعظم (ره) في حاشيته: " بل الاحوط الجمع ". ولعل مراد شيخنا: أن الاحوط التمام مع القصر المذكور في متن نجاة العباد، لا التمام وحده. فتأمل. (4) لعدم الفرق بين الابتداء والاستدامة، كما صرح به غير واحد، على نحو يظهر أنه من المسلمات. وهو كذلك، لاطلاق الادلة. (5) كما صرح به في الجواهر وغيرها، بنحو يظهر كونه من المسلمات،

===============

( 54 )

{ صح ما صلاه قصرا. فهو كما لو عدل عن السفر، وقد صلى قبل عدوله قصرا (1)، حيث ذكرنا سابقا أنه لا يجب إعادتها وأما لو كان ابتداء سفره معصية، فعدل في الاثناء إلى الطاعة } ولم يعرف فيه خلاف صريح. نعم في حاشية النجاة لشيخنا الاعظم (ره): " فيه تأمل مع قطع المسافة الموجبة للقصر ". وكأن وجه التأمل: احتمال كون نصوص هذا الشرط - أعني: شرط الاباحة - إنما تكون مقيدة لاطلاق المسافة المأخوذة موضوعا لوجوب التقصير، فيكون المحصل بعد الجمع بينهما: أنه لابد في التقصير من قصد السفر المباح ثمانية فراسخ، فإذا حصل ذلك للمكلف وجب عليه التقصير إلى أن يخرج عن كونه مسافرا، بالمرور بالوطن، أو ما هو بمنزلته، لا مقيدة للحكم بوجوب التقصير، حتى يكون المتحصل بعد الجمع بينهما: أن كل مسافر يجب عليه التقصير في حال عدم كون سفره معصية، كي يكون لازمه وجوب التمام في الفرض، كما في المتن، وغيره. وبالجملة: مرجع التأمل المذكور في حاشية شيخنا الاعظم (ره): إلى إرجاع الشرطية الاباحة إلى تقييد السفر في المسافة المخصوصة، ومرجع ما في المتن: إلى تقييد حكم السفر في المسافة المخصوصة. فعلى الاول إذا تحقق السفر المباح في المسافة المخصوصة يجب التقصير، وإن نوى في سفره الباقي المعصية، وعلى الثاني يجب التمام إذا نوى ذلك، لان انتفاء شرط وجوب القصر يوجب انتفائه. والاظهر ما ذكره شيخنا الاعظم. وكان اللازم الجزم بوجوب القصر. وكأن الذي منعه عن الجزم كون المعروف وجوب التمام وسيأتي ماله دخل في المقام. (1) إذ غاية ما تقتضيه نصوص المقام تقييد السفر بالمباح، فيكون مقتضى الجمع بينها، وبين مادل على اعتبار القصد، وبين صحيح زرارة السابق في المسألة الرابعة والعشرين: كون تمام موضوع القصر هو قصد السفر

===============

( 55 )

{ فان كان الباقي مسافة فلا إشكال في القصر (1)، وإن كانت ملفقة من الذهاب والاياب (2)، بل وإن لم يكن الذهاب أربعة على الاقوى (3). وأما إذا لم يكن مسافة ولو ملفقة فالاحوط الجمع بين القصر والتمام. وإن كان الاقوى القصر (4)، بعد كون مجموع مانواه بقدر المسافة ولو ملفقة، فان المدار على حال العصيان والطاعة، فما دام عاصيا يتم، وما دام مطيعا يقصر، من غير نظر إلى كون البقية مسافة أولا. } المباح. والمفروض حصوله حال الصلاة، فتكون موافقة للامر الواقعي، وهي تقتضي الاجزاء. (1) لتحقق الموضوع، وهو قصد السفر المباح البالغ المسافة. (2) كما في الرياض، وعن غيره. وعن بعض نفي الخلاف فيه. والظاهر أن مرادهم الاكتفاء به في الجملة، على الشروط المقررة في المسافة الملفقة - من اعتبار كون كل من الذهاب والاياب أربعة وعدمه، والرجوع ليومه وعدمه، كل على مذهبه - لا الاكتفاء به مطلقا، ليكون منافيا لما ذكروه في غير قاصد المسافة ابتداء ونحوه، من عدم ضم ما بقي من الذهاب إلى الرجوع، وإن كان هو في نفسه مسافة. وإن احتمل في الجواهر وغيرها المنافاة لذلك، لكنه خلاف الظاهر. (3) لكن تقدم الاشكال فيه. (4) كأن وجهه ما عرفت: من أن نصوص المقام كما يحتمل أن تكون مخصصة لادلة الترخص بخصوص سفر غير المعصية، ويكون سفر المعصية خارجا عنها، يحتمل أيضا أن تكون مقيدة لاطلاق حكم الترخص بخصوص حال غير المعصية، فيكون سفر المعصية باقيا تحت عنوان السفر، غايته أنه

===============

( 56 )

{ (مسألة 34): لو كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة } يجب التقصير في حال الطاعة، والتمام في حال المعصية. ومع الدوران بين تقييد الموضوع وتقييد الحكم يتعين الثاني، عملا بأصالة الاطلاق في الموضوع ولا يعارضها أصالة الاطلاق في الحكم، للعلم بسقوطها عن الحجية في زمان المعصية، إما للتخصيص أو للتخصص، كما أشرنا الى ذلك في مسألة التردد في الاثناء. وفيه: أن الظاهر من قوله (ع) في مرسل ابن أبي عمير: " إلا في سبيل حق " (* 1)، وقوله (ع) في موثق عبيد: " لانه ليس بمسير حق " (* 2) وقوله (ع) في خبر ابن بكير: " فان التصيد مسير باطل " (* 3) ونحوها غيرها: كون سفر المعصية مستثنى من موضوع السفر، فيكون موضوع الترخص خصوص قصد السفر الذي لا يكون معصية، على نحو تكون الاباحة شرطا للموضوع، لا لحكمه. وحينئذ يمتنع أن ينطبق على أي قطعة تفرض من سفر المعصية، فلابد في الفرض من استئناف مسافة جديدة. ولاجل ذلك لم يعرف الخلاف فيه، كما اعترف به غير واحد صريحا، أو ظاهرا. نعم لو سافر بقصد السفر المباح، فنوى في أثنائه المعصية، ثم عدل منها إلى غيرها، فالمشهور وإن كان اعتبار مسافة جديدة، لكن المحكي عن ظاهر نهاية الشيخ، والمعتبر، والروضة، وصريح الذكرى، وغيرها، عدم اعتبارها. بل يكفي كون المجموع من السابق واللاحق مسافة، باسقاط المتخلل، أو مع انضمامه. والوجه فيه: ما تقدم هنا، وفي مبحث التردد


____________
(* 1) تقدم ذكره في الشرط الخامس من هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7.

===============

( 57 )

{ والمعصية فمع استقلال داعي المعصية لا إشكال في وجوب التمام (1). سواء كان داعي الطاعة أيضا مستقلا، أو تبعا. وأما إذا كان داعي الطاعة مستقلا وداعي المعصية تبعا، أو كان بالاشتراك، ففي المسألة وجوه (2). } في الاثناء. وإذ عرفت ظهور الادلة في تقييد الموضوع، كان اللازم عدم احتساب المتخلل. كما أنك إذ عرفت ظهور نصوص المسافة في خصوص الممتدة المتصلة، كان المتعين عدم الضم أصلا، كما هو المشهور. نعم ما ذكرناه لا يلائم ما تقدم عن المشهور: من وجوب التمام إذا عدل الى المعصية، وإن قطع مسافات، كما عرفت. وبالجملة: فتوى المشهور فيما لو عدل إلى المعصية، وفيما لو عدل الى الطاعة، غير متلائمة وغير مبتنية على مبنى واحد. نعم في المتن أفتى في المقامين على مبنى واحد، كما يظهر ذلك بالتأمل فيما ذكرناه. وأما مرسل السياري عن أبي الحسن (ع): " إن صاحب الصيد يقصر مادام على الجادة، فإذا عدل عن الجادة أتم، فإذا رجع إليها قصر " (* 1) فمع ضعفه بالارسال، وعدم ثبوت الجابر له، ظاهر في التفصيل في الترخص لصاحب الصيد، وهو خلاف الاجماع. وحمله على من خرج لا بقصد الصيد، ثم عدل عن الطريق للصيد، فيكون شاهدا لما نحن فيه - كما عن الشيخ (ره) - لاقرينة عليه. فرفع اليد عنه متعين. هذا إذا كان الرجوع الى قصد المباح بعد قطع مقدار من المسافة، أما لو رجع إليه قبل ذلك كان البناء على القصر في محله، كما عرفت في مبحث التردد. (1) لوضوح صدق سفر المعصية. (2) أحدهما: وجوب القصر، بدعوى: ظهور نصوص سفر المعصية


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6.

===============

( 58 )

{ والاحوط الجمع. وإن كان لا يبعد وجوب التمام (1). خصوصا في صورة الاشتراك، بحيث لولا اجتماعهما لا يسافر. (مسألة 35): إذا شك في كون السفر معصية أولا، مع كون الشبهة موضوعية، فالاصل الاباحة (2). إلا إذا كانت الحالة السابقة هي الحرمة (3)، أو كان هناك أصل موضوعي، كما إذا كانت الحلية مشروطة بأمر وجودي، كاذن المولى، وكان مسبوقا بالعدم، أو كان الشك في الاباحة والعدم من جهة الشك في حرمة الغاية وعدمها، وكان الاصل فيها الحرمة (4). } فيما إذا كان داعي المعصية صالحا للعلية بالاستقلال. وثانيها: وجوب التمام لما يأتي. وثالثها: التفصيل بين صورة الاشتراك في الداعوية، فيجب التمام وكون داعي المعصية تابعا، فيجب القصر. بدعوى: ظهور نصوص في كون المراد من سفر المعصية ما يكون للحرام دخل فيه، بحيث لولاه لم يكن. (1) لانه يكفي في كونه سفرا في معصية كونه سائرا بقصد المعصية، بلا فرق بين الصور المذكورة. (2) فانه الاصل الجاري في الشبهة الموضوعية التحريمية. (3) إذ حينئذ يكون استصحابها حاكما على أصالة الاباحة. وكذا الحال في الاصل الموضوعي الجاري في نفي الشرط، فانه حاكم عليها، كما هو شأن الاصل السببي. (4) إذ جريان الاصل المذكور يوجب كون الغاية معصية تعبدا، فيصدق على السفر أنه سفر في معصية، فيكون من قبيل إحراز جزء الموضوع بالاصل، وجزئه الآخر بالوجدان.

===============

( 59 )

{ (مسألة 36): هل المدار في الحلية والحرمة على الواقع أو الاعتقاد، أو الظاهر من جهة الاصول؟ (1) إشكال. فلو اعتقد كون السفر حراما، بتخيل أن الغاية محرمة، فبان خلافه، كما إذا سافر لقتل شخص بتخيل أنه محقون الدم، فبان كونه مهدور الدم، فهل يجب عليه إعادة ما صلاه تماما (2) أولا؟ ولو لم يصل وصارت قضاء، فهل يقضيها قصرا أو تماما؟ وجهان (3). والاحوط الجمع. وإن كان لا يبعد كون المدار على الواقع (4)، إذا لم نقل بحرمة التجري، وعلى } (1) هذا معطوف على الاعتقاد، الذي هو بديله يختص بحال الشك، الذي هو موضوع الاصل، فيكون عدلا للواقع، في قبال الاعتقاد الذي هو عدل له أيضا. (2) وكذا قضاؤه. لعدم الفرق بين الاعادة والقضاء على تقدير البطلان. (3) ينشآن: من ظاهر قوله (ع): " إلا في سبيل حق " (* 1)، أو " في معصية الله " (* 2)، " أو رسولا لمن يعصي الله " (* 3)، أو " طلب شحناء " (* 4)، ونحو ذلك، في إناطة الحكم بالتحريم الواقعي. ومن أن الاباحة لما كانت شرطا في السفر - الذي أخذ موضوعا للترخص بعنوان كونه مقصودا، لا بوجوده الواقعي الخارجي - كان الظاهر من اعتبارها فيه هو اعتبارها كذلك، فيكون القادح في الترخص قصد المعصية. وسيما بملاحظة كون الحكم بالترخيص إرفاقيا، كما يظهر من النصوص. ومنها بعض نصوص المقام. (4) فانه الظاهر من كلمات الاصحاب، حيث جعلوا الاباحة شرطا


____________
(* 1) ورد ذلك في مرسل ابن أبي عمير المتقدم في الشرط الخامس من هذا الفصل. (* 2) و (* 3) و (* 4) ورد ذلك كله في صحيح عمار بن مروان المتقدم في الشرط الخامس.

===============

( 60 )

{ الاعتقاد إن قلنا بها. وكذا لو كان مقتضى الاصل العملي الحرمة وكان الواقع خلافه، أو العكس، فهل المناط ما هو في الواقع، أو مقتضى الاصل بعد كشف الخلاف؟ وجهان. والاحوط الجمع. وإن كان لا يبعد كون المناط هو الظاهر، } للسفر، كشرط بلوغ المسافة بريدين، الظاهر في كونها شرطا واقعيا، لاقصديا، بل ظاهر النصوص أيضا، لما ذكر. ومجرد كون السفر المأخوذ شرطا للترخص قصديا لا خارجيا، لا ينافي ذلك إذا ساعدته الادلة، ولذا لانقول بذلك في البلوغ بريدين، فان جميع ما ذكر فيه التمام من أنواع سفر المعصية في النصوص كان محرما واقعيا، لاقصديا اعتقاديا. ودعوى: أن ظاهر قوله (ع): " في معصية الله، أو رسولا لمن يعصي الله "، كون ذلك بنظر المكلف. ممنوعة، بل الظاهر كون المراد منه السفر في الحرام، ولو بنحو الرسالة إليه. ومناسبة الارفاق لا تنافي ذلك لان في جعل الترخيص لخصوص السفر المباح واقعا، دون الحرام كذلك، نحوا من الارفاق أيضا. وليست حيثية الارفاق علة يدور مدارها الحكم جزما، بل هي حكمة يجوز تخلفها، فليس ذلك مما يصلح لاجله رفع اليد عن الظاهر. هذا إذا لم نقل بحرمة التجري. أما لو قلنا بها فاللازم البناء على التمام مع اعتقاد الحرمة أيضا، لتحقق الحرمة للسفر بالفرض، ولو كانت من أجل التجري. واعتبار الحرمة بالعنوان الاولي لا ملزم به. وحينئذ تكون نتيجة ذلك الاكتفاء في نفي الترخص باحدى الحرمتين: الاولية الواقعية، والثانوية الناشئة من التجري، لا أنه يكون المدار على الاعتقاد لاغير، كما يظهر من المتن.

===============

( 61 )

{ الذي اقتضاه الاصل، إباحة أو حرمة (1). (مسألة 37): إذا كانت الغاية المحرمة في أثناء الطريق لكن كان السفر مستلزما لقطع مقدار آخر من المسافة، فالظاهر أن المجموع يعد من سفر المعصية (2)، بخلاف ما إذا لم يستلزم. } (1) أما إباحة فظاهر، فانا وإن لم نقل بثبوت حكم ظاهري في قبال الحكم الواقعي، لكن لابد لنا من القول بالترخيص الشرعي في فعل الحرام، إذا كان الاصل يقتضي الحل. وحينئذ يكون السفر سائغا ومرخصا فيه شرعا حقيقة. وأما حرمة فينبغي ابتناؤه على ما سبق من القول بحرمة التجري وعدمها. إذ على الاول يكون السفر محرما شرعا بعنوان التحري، وإن كان حلالا بالعنوان الواقعي الاولي. وعلى الثاني يكون حلالا لاغير، فيجب فيه القصر واقعا. فاجراء أصل الاباحة وأصل الحرمة على نحو واحد - كما في المتن - غير ظاهر. هذا ويمكن أن يقال: إن مورد النصوص، والمستفاد منها: كون الموضوع هو الحرام الواقعي، لا ما يشمل الحرام من جهة التجري. وغاية ما يدعى: انصرافه إلى صورة تنجز ذلك الحرام على المكلف. وهذا هو الاقرب. ولاسيما وأن البناء على حرمة التجري شرعا بعيد جدا، إذ غاية ما يمكن الالتزام به هو إيجابه لاستحقاق العقاب، كالمعصية الحقيقية. فتأمل جيدا. والله العالم. (2) هذا إذا كان الاستلزام من جهة المقدمية، كما إذا كان مرسى السفن - التي تركب في طريق الغاية المحرمة - واقعا في مكان أبعد من الغاية بميل ونحوه مثلا. أما إذا لم يكن للمقدمية، بل لتلازم القطعتين من السفر لتلازم غايتهما، فلا وجه لعده جزءا من سفر المعصية. ولعل المراد الصورة الاولى.

===============

( 62 )

{ (مسألة 38): السفر بقصد مجرد التنزه ليس بحرام، ولا يوجب التمام (1). (مسألة 39): إذا نذر أن يتم الصلاة في يوم معين، أو يصوم يوما معينا وجب عليه الاقامة ولو سافر وجب عليه القصر، على ما مر (2): من أن السفر المستلزم لترك واجب لا يوجب التمام، إلا إذا كان بقصد التوصل إلى ترك الواجب والاحوط الجمع. } (1) يظهر من المقدس البغدادي، والجواهر، وغيرهما الاجماع عليه. واستدل عليه في الجواهر: بالاصل، والسيرة القطعية. (2) يعني: في المسألة السابعة والعشرين. وفيه: أن ذلك إنما كان في الاستلزام الناشئ من التضاد الذاتي بين فعل الواجب والسفر، لا الناشئ من مقدمية ترك السفر للواجب، كما في المقام، فان ترك السفر مقدمة شرعا للصوم وإتمام الصلاة، لاعتباره فيهما، فيكون نذرهما نذرا له. وقد تقدم في أول هذا الشرط: أن السفر المنذور تركه من سفر المعصية، يجب فيه التمام. وبالجملة: إتمام الصلاة المنذور إن كان خصوص الاتمام المشروع بشرائطه الشرعية، كان نذره منحلا إلى نذر شرطه، وهو ترك السفر، فيجري فيه ما سبق. وإن كان مطلق الاتمام وإن لم يكن مشروعا كان النذر باطلا. فالبناء على صحة النذر ملازم لالحاق السفر في الفرض بالقسم الاول من أقسام سفر المعصية. نعم مقتضى جواز السفر في شهر رمضان اختيارا الجواز هنا، بضميمة قاعدة الالحاق. ويؤيده - بل يشهد به -: رواية عبد الله بن جندب: " سمعت من زرارة عن أبي عبد الله (ع): " انه سأله عن رجل جعل على

===============

( 63 )

{ (مسألة 40): إذا كان سفره مباحا، لكن يقصد الغاية المحرمة في حواشي الجادة فيخرج عنها لمحرم ويرجع إلى الجادة. فان كان السفر لهذا الغرض كان محرما موجبا للتمام وإن لم يكن كذلك، وإنما يعرض له قصد ذلك في الاثناء، فما دام خارجا عن الجادة يتم (1)، وما دام عليها يقصر. كما أنه إذا كان السفر لغاية محرمة، وفي أثنائه يخرج عن الجادة، } نفسه نذر صوم، فحضرته نية في زيارة أبي عبد الله (ع). قال (ع): يخرج، ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك " (* 1). وقريب منها غيرها. ويأتي - إن شاء الله تعالى - في كتاب الصوم: أن مقتضى الجمع بين الادلة، أن الحضر شرط لنفس الصوم، لا لمشروعيته. لكن لم يؤخذ وجوده مطلقا كذلك، بل خصوص وجوده من باب الاتفاق، لابداعي وجوده، فلا يكون نذر الصوم نذرا للحضر، ولا للاقامة. فتأمل جيدا. وسيأتي الكلام في هذه المسألة في المسألة الثانية والعشرين من الفصل الآتي. (1) هذا يتم بناء على متخاره: من أن إباحة السفر شرط في الترخص لا في السفر الذي جعل موضوعا له، كما تقدم في ذيل المسألة الثالثة والثلاثين. أما على المختار: من كونها شرطا في السفر الذي جعل موضوعا له، فلا يجوز التقصير إذا رجع إلى الجادة. إلا إذا كان الباقي مسافة، ولو ملفقة. ثم إن الظاهر أن محل الفرض مالو كان الخروج عن الجادة معدودا عرفا جزءا من السفر، بحيث يكون خط السير الخروجي معدودا جزءا من المسافة المحدودة. أما لو كان معدودا عرفا خارجا عنها، كما لو غضب على المكاري، فنزل عن دابته يركض إليه ليضربه ظلما، أو خرج من منزله إلى المواضع التي حوله ليسرق متاعا، أو يشرب ماء غصبا، أو


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 5.

===============

( 64 )

{ ويقطع المسافة أو أقل (1) لغرض آخر صحيح، يقصر مادام خارجا. والاحوط الجمع في الصورتين. (مسألة 41): إذا قصد مكانا لغاية محرمة، فبعد الوصول إلى المقصد قبل حصول الغرض يتم (2). وأما بعده فحاله حال العود عن سفر المعصية، في أنه لو تاب يقصر، ولو لم يتب يمكن القول بوجوب التمام، لعد المجموع سفرا واحدا (3). والاحوط الجمع هنا، وإن قلنا بوجوب القصر } يدخل بستانا بغير إذن أهله، فالظاهر بقاؤه على التقصير في حال الخروج، فضلا عن حال الرجوع. (1) أما في الاول فلا ينبغي الاشكال في الترخص حال الخروج، لقصد السفر المباح مسافة. وأما في الاقل فهو مبني على ما سبق في ذيل المسألة الثالثة والثلاثين. (2) لعدم انتهاء سفر المعصية قبل حصولها، بل يصدق عليه أنه مسافر لقصد المعصية. (3) لاريب في أن المسافر من حين خروجه من وطنه إلى أن يرجع إليه، سفره سفر واحد، ما لم ينقطع بأحد قواطع السفر، وهو منتف في الفرض. نعم عد المجموع سفرا وحدا إنما يوجب التمام في حال كونه في المقصد، قبل الشروع في الاياب، لاحد وجهين. الاول: صدق السفر المعصية عليه حينئذ. لكنه منتف. لان كونه في المقصد لم يقصد منه معصية، ولا هو معصية. الثاني: أن تكون إباحة السفر شرطا للموضوع، لانه على هذا المبنى لم يتحقق منه سفر المباح، ليجب عليه القصر، لان السفر السابق كان سفر

===============

( 65 )

{ العود، بدعوى: عدم عده مسافرا قبل أن يشرع في العود (1). (مسألة 42) إذا كان السفر لغاية، لكن عرض في أثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرم، منضما إلى الغرض الاول، فالظاهر وجوب التمام في ذلك المقدار من المسافة، لكون الغاية في ذلك المقدار ملفقة من الطاعة والمعصية (2). } معصية، والسفر اللاحق المباح لم يتحقق منه، فيجب عليه التمام. أما إذا كانت الاباحة شرطا للحكم، فالسفر السابق لا قصور في موضوعيته للقصر، وإنما القصور في الحكم، من جهة عدم حصول شرطه، وهو الاباحة. وهذا الشرط إنما انتفى قبل حصول الغرض الحرام. أما بعد حصوله فقد حصل شرط الاباحة، فيتعين القصر. وبعبارة أخرى: بعد حصول الغرض الحرام يصدق على هذا المكلف أنه مسافر، وليس سفره معصية، فيجب عليه القصر. لكن عرفت سابقا الاشكال في هذا المبنى، وإن كان ظاهر المصنف (ره) اختياره. ولو تم ذلك كان اللازم الجزم بوجوب القصر مطلقا، وإن لم يتب، إذ التوبة وعدمها لا يوجبان اختلافا في الصدق وعدمه. (1) قد عرفت الاشارة إلى أن الفرق بين الشروع في الاياب وما قبله، حال كونه في المقصد، إنما يتم بناء على أخذ الاباحة شرطا للموضوع لان تحقق السفر المباح يتوقف على الشروع فيه، فقبله لاسفر مباح. أما إذا أخذت شرطا للحكم فالسفر السابق موضوع للحكم، وإنما لم يثبت له الحكم لانتفاء شرطه، بحصول قصد المعصية، فإذا زال قصد المعصية بحصولها، فقد حصل الشرط، وثبت الحكم. (2) يعني: وقد عرفت فيما سبق وجوب التمام في مثله، لصدق كون السفر في معصية.

===============

( 66 )

{ والاحوط الجمع، خصوصا إذا لم يكن الباقي مسافة (1). (مسألة 43): إذا كان السفر في الابتداء معصية، فقصد الصوم، ثم عدل في الاثناء إلى الطاعة. فان كان العدول قبل الزوال وجب الافطار (2). وإن كان بعده ففي صحة الصوم ووجوب إتمامه إذا كان في شهر رمضان مثلا، وجهان (3). والاحوط الاتمام والقضاء. ولو انعكس بأن كان طاعة في الابتداء وعدل إلى المعصية في الاثناء. فان لم يأت بالمفطر، } (1) لم يظهر لهذه الخصوصية دخل في الاحتياط المذكور، لان الملفق من المعصية إن كان معصية عرفا وجب التمام، وإن كان الباقي مسافة. وإلا وجب القصر، وإن لم يكن الباقي مسافة. فالعمدة في الاحتياط: الاشكال في صدق المعصية على الملفق وعدمه. (2) لما يأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الصوم: من وجوب الافطار لمن سافر قبل الزوال المفروض حصوله. نعم لابد على المعروف - كما سبق - من وجوب كون الباقي مسافة، ومن وجوب الشروع فيه. ولا يفطر بمجرد العدول، كما عرفت. (3) ينشآن: من أن مقتضى البناء على أن الاباحة ليست شرطا في السفر الموجب للترخص، وإنما هي شرط في الترخص، فيكون المسافر في الفرض مسافرا قبل الزوال. غاية الامر أن لم يقتض سفره الترخص حال قصد المعصية. وإنما يقتضيه حال قصد الطاعة، وذلك بعد الزوال، فيجب الافطار. ومن أن المعيار في إفطار اليوم وصومه حال الزوال، فإذا كان صائما صوما صحيحا حاله لا يجب عليه الافطار بعد ذلك. وكأنه لاجل ذلك توقف المصنف (ره) عن الحكم. وإلا فلازم مبناه من أن المدار

===============

( 67 )

{ وكان قبل الزوال، صح صومه (1). والاحوط قضاؤه أيضا وإن كان بعد الاتيان بالمفطر، أو بعد الزوال بطل (2). والاحوط إمساك بقية النهار تأدبا إن كان من شهر رمضان (3). (مسألة 44): يجوز في سفر المعصية الاتيان بالصوم الندبي، ولا يسقط عنه الجمعة، ولا نوافل النهار، والوتيرة، فيجري عليه حكم الحاضر (4). السادس من الشرائط: أن لا يكون ممن بيته معه (5)، } في الترخص وعدمه على حال الاباحة والعصيان، هو وجوب الافطار والقضاء جزما، لما تقدم من الوجه الاول، وضعف الوجه الثاني، لعدم ثبوته. هذا وإذ عرفت أن الاباحة شرط للسفر الموجب للترخص، فيكون السفر المشروط بها في الفرض حاصلا بعد الزوال، كان الواجب الحكم بصحة الصوم، ووجوب إتمامه بلا قضاء، كما لو سافر ابتداء بعد الزوال. (1) فانه حينئذ يكون كمن سافر وحضر قبل الزوال، فانه ينوي الصوم ويتمه. ولافرق بين القول بأن الاباحة شرط السفر، والقول بأنها شرط في الترخص. (2) كما لو سافر أول النهار وحضر بعد الزوال، أو بعد استعمال المفطر. ولافرق أيضا بين القولين المتقدمين آنفا في ذلك. (3) يعني: استحبابا. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في كتاب الصوم بيان وجهه. (4) لظهور النص والفتوى في اختصاص حكم المسافر بخصوص السفر المباح، من دون فرق بين الاحكام. (5) بلا خلاف فيه، كما عن جماعة. نعم المعروف بينهم: إرجاع

===============

( 68 )

{ كأهل البوادي من العرب والعجم، الذين لامسكن لهم معينا بل يدورون في البراري، وينزلون في محل العشب والكلاء، ومواضع القطر واجتماع الماء. لعدم صدق المسافر عليهم (1). } هذا الشرط ومابعده إلى شرط واحد، وإن اختلفت عبارتهم عنه. فعبر المعظم: بأن لا يكون سفره أكثر من حضره، وآخر: بأن لا يكون كثير السفر، وثالث: بأن لا يكون السفر عملا له، ورابع: بأن لا يكون ممن يلزمه الاتمام في السفر، وخامس: بأن لا يكون سفره في حكم حضره، وسادس: اقتصر على ذكر العناوين الموجودة في النصوص، من المكاري، والجمال، والملاح، والراعي، والجابي الذي يدور في جبايته، والامير الذي يدور في إمارته، والتاجر الذي يدور في تجارته، والبدوي الذي يتطلب مواضع القطر ومنابت الشجر، و (الاشتقان) وهو البريد أو أمين البيدر، و (الكري) وهو الساعي (* 1). وما ذكره المصنف (ره) - تبعا لجماعة - أولى، لاختلاف الشرطين مفهوما، مع تضمن النصوص لكل منهما بخصوصه. ففي مضمر إسحاق بن عمار: " عن الملاحين والاعراب هل عليهم تقصير؟ قال (ع): لا، بيوتهم معهم " (* 2)، ومرسل سليمان بن جعفر الجعفري عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع): " الاعراب لا يقصرون، وذلك أن منازلهم معهم " (* 3). (1) كما يشير إليه التعليل في النصوص: بأن بيوتهم معهم، فان المراد منه ذلك. وحينئذ فلو كان متوطنا في بلد معين، وكان له بيت ينقل، فسافر فيه اتفاقا، لزيارة ونحوها، قصر وإن كان بيته معه، لصدق المسافر


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب المسافر حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6.

===============

( 69 )

{ نعم لو سافروا المقصد آخر، من حج، أو زيارة، أو نحوهما قصروا (1). ولو سافر أحدهم لاختيار منزل، أو لطلب محل القطر أو العشب، وكان مسافة، ففي وجوب القصر أو التمام عليه إشكال (2). فلا يترك الاحتياط بالجمع. السابع: أن لا يكون ممن اتخذ السفر عملا وشغلا له (3) كالمكاري، والجمال، والملاح، والساعي، والراعي، ونحوهم فان هؤلاء يتمون الصلاة والصوم في سفرهم الذي هو عمل لهم، وإن استعملوه لانفسهم، كحمل المكاري متاعه أو أهله من مكان إلى مكان آخر. ولافرق بين من كان عنده بعض } عليه حينئذ. نعم لو جعل نفسه من الذين يسكنون البيوت المبنية على الحط والارتحال أتم، كأهل القرى الذين يتوطنون في أيام الصيف منازلهم، وفي أيام الشتاء يرتحلون في بيوتهم إلى المواضع القطر والنبت، لحاجة أنعامهم الى ذلك. (1) كما عن جماعة كثيرة من المتأخرين ومتأخريهم، بل عن الغوالي: دعوى الاجماع عليه. لعدم كون بيوتهم معهم. والمستفاد من التعليل في النصوص: دوران الحكم مداره وجودا وعدما، فلو سافروا للزيارة ونحوها، وكانت بيوتهم معهم أتموا. (2) ينشأ: مما سبق. ومن أن السفر لما كان راجعا الى إصلاح شؤون بيته كان كأنه سفر وهو في بيته. ولكنه - كما ترى - خروج عن ظاهر التعليل من غير ملزم. فالبناء على القصر فيه حيث لا يكون بيته معه متعين. (3) بلا خلاف، كما عرفت، ويدل عليه صحيح زرارة: " قال أبو

===============

( 70 )

{ الدواب يكريها الى الاماكن القريبة من بلاده (1)، فكراها } جعفر (ع): أربعة قد يجب عليهم التمام في السفر كانوا أو في الحضر: المكاري، والكري والراعي، والاشتقان، لانه عملهم " (* 1). ومثله مرفوع ابن أبي عمير، بزيادة " الملاح " (* 2). ومقتضى حمل التعليل المذكور على الارتكاز العرفي عموم الحكم لمن كان بانيا على الاستمرار على السفر للتعليم أو للتعلم أو لغير ذلك من الغايات المحللة. فالعمال الذين يسافرون كل يوم من وطنهم إلى الخارج المسافة للعمل ثم الرجوع الى وطنهم ليلا يتمون صلاتهم، ويصومون شهر رمضان، وان لم يصدق أن عملهم السفر بل عملهم البناء، أو الحضر، أو نحو ذلك. كل ذلك حملا للتعليل على مقتضى الارتكاز العرفي، وهو الاستمرار على السفر لاي غاية كانت. مضافا الى ما ورد في التاجر الذي يدور في تجارته، والامير الذي يدور في إمارته، والجابي الذي يدور في جبايته. فان هؤلاء شغلهم الجباية، والامارة، والتجارة التي تكون في السفر، وليس سفر نفسه شغلهم. ولافرق بينهم وبين العمال المذكورين في أن السفر مقدمة لما هو عملهم. وحاصل ما يشير إليه التعليل: أن الذي شغله السفر ليس له مقر يسافر عنه، فيكون ممن لامقر له إلا منازل السفر، فيكون من قبيل من بيته معه، ولذا وجب عليه التمام. (1) بشرط أن يبلغ المسافة، كما نص عليه في الجواهر. لان الظاهر من السفر - الذي جعل التمام لمن كان هو عملا له - هو السفر الشرعي، الذي يكون موضوعا للقصرلولا كونه عملا. وقد يشير إلى ذلك خبر إسحاق: " عن الذين يكرون الدواب يختلفون كل الايام، أعليهم التقصير


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 12.

===============

( 71 )

{ الى غير ذلك من البلدان البعيدة وغيره. وكذا لافرق بين من جد في سفره (1)، بأن جعل المنزلين منزلا واحدا، وبين } إذا كانو ا في سفر؟ قال (ع): نعم " (* 1). ونحوه خبره الآخر (* 2). (1) كما هو المشهور شهرة عظيمة. لاطلاق أدلة التمام على المسافر الذي اتخذ السفر عملا. نعم عن ظاهر الكليني والشيخ في التهذيب: وجوب التقصير إذا جد السير. للنصوص المستفيضة الدالة على ذلك، كصحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع): " المكاري والجمال إذا جد بهما السير فليقصروا " (* 3)، وصحيح البقباق: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المكارين يختلفون، فقال (ع): إذا جدوا السير فليقصروا " (* 4)، والمروي عن كتاب ابن جعفر عن أخيه (ع): " عن المكارين الذين يختلفون الى النيل، هل عليهم إتمام الصلاة؟ قال (ع): إذا كان مختلفهم فليصوموا، وليتموا الصلاة. إلا أن يجد بهم السير، فيقصروا وليفطروا " (* 5). حاملين للجد على معنى جعل المنزلين منزلا واحدا. ومال إلى العمل بها أصحاب المنتفى، والمدارك، والذخيرة، والمفاتيح والحدائق. وإن خالفوهم في معنى جد السير، فحملوه على ظاهره، وهو المعنى العرفي، وهو زيادة السير على القدر المتعارف، بنحو يحصل منه جهد ومشقة، وإن لم يبلغ جعل المنزلين منزلا، إذ لا قرينة على ما ذكره الشيخان. وهو في محله.


____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

===============

( 72 )

{ من لم يكن كذلك. والمدار على صدق اتخاذ السفر عملا له عرفا (1)، } إلا أن العمل بالنصوص المذكورة بعد إعراض الاصحاب عنها، حتى الشيخ في كتبه الفتوائية - مشكل. ولاسيما وأن ظاهر الكليني (ره) توهينها، إذ أنه بعد ما روى روايات التمام قال: " وفي رواية أخرى: " المكاري إذا جد به السير فليقصر " (* 1). قال: ومعنى جد السير: جعل المنزلين منزلا ". فان إرساله لهذه الروايات لا يخلو من دلالة على وهنها. فلا مجال لرفع اليد بها عن عموم ما سبق. وحملها على ما إذا أنشأ المكاري والجمال سفرا غير صنعتهما - كما عن الذكرى - أو على ما إذا أقاما عشرة - كما عن المختلف - أو على ما إذا قصدا المسافة قبل تحقق الكثرة - كما عن الروض - بعيد جدا. نعم الاقرب منها ما احتمله في الذكرى. من حملها على ما إذا كانت المكاراة فيما دون المسافة، ويكون جد السير عبارة عن قصد المسافة، فيكون محملها محمل خبري إسحاق المتقدمين (* 2). لكنه لايتم في مرسل عمران بن محمد: " الجمال والمكاري إذا جد بهما السير فليقصرا فيما بين المنزلين، ويتما في المنزل " (* 3) الذي يجب تقييد ما تقدم به، على تقدير جواز العمل به، وعدم قدح الاعراض عنه فيه. وإرساله قد لايمنع عن ذلك، بعد اعتماد الشيخ عليه. بل قد يدعى قصور ما تقدم عن اقتضاء القصر في المنزل. فتأمل. (1) لما عرفت من التعليل، الحاكم على بقية النصوص الدالة على وجوب التمام على أحد العناوين الخاصة، من المكاري، والجمال، ونحوهما، فيدور وجوب التمام مداره وجودا وعدما. ومنه يظهر ضعف ماعن الذكرى


____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) تقدم ذكرهما في التعليقة السابقة. (* 3) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.

===============

( 73 )

{ ولو كان في سفرة واحدة لطولها وتكرر ذلك منه من مكان غير بلده الى مكان آخر (1). } وجماعة: من كون المدار على صدق أحد العناوين الخاصة، أو صدق عملية السفر، وماعن الحلبي: من أن المدار على صدق أحد العناوين الخاصة، من المكاري، والجمال، ونحوهما. اللهم إلا أن يكون مراده ما ذكرنا، لغلبة تلازم صدق تلك العناوين مع عملية السفر. وقد عرفت أن المراد من عملية السفر مزاولته وتعاطيه، على نحو يكون صاحبه لامقر له الا منازل السفر، فهي بيوته التي تتناوب عليه. (1) الظاهر تحقق الصدق العرفي بمجرد التلبس بالسفر بانيا على أنه عمله، ولا يتوقف على طول السفر، ولا على تكرره، كما عن المقدس البغدادي استظهاره، وفي الجواهر: " لا يخلو من وجه ". فان قلت: إذا كانت الاقامة عشرة أيام رافعة لحكم التمام، فكيف لا تكون الاقامة طول العمر كذلك؟! فكيف يجب التمام في السفرة الاولى؟! قلت: هذا شرط آخر لوجوب التمام، أعني: عدم إقامة عشرة أيام فما زاد. ويمكن حصوله بالسفرة الاولى، كما لو سافر إلى بلد زائرا، فأقام بها يوما، ثم اشترى دوابا وصار مكاريا وسافر. فان قلت: ظاهر جملة من النصوص اعتبار الاختلاف، وهو لا يتحقق بالسفرة الاولى. قلت: الظاهر من الاختلاف الاختلاف بمعنى الملكة المأخوذ في مفهوم المكاري. لا أقل من وجوب حمله على ذلك، بقرينة التعليل المتقدم. ولو بني على حمله على الفعلية كان اللازم اعتبار التكرر بنحو الشرط المتأخر، كما يقتضيه الفعل المضارع، لا الشرط المتقدم الذي هو مدلول الفعل الماضي، كما يدعيه الجماعة، وإذ لا قائل باعتباره بنحو الشرط المتأخر يتعين حمله على الملكة.

===============

( 74 )

{ فلا يعتبر تحقق الكثرة بتعدد السفر ثلاث مرات (1)، أو مرتين (2). فمع الصدق في أثناء السفر الواحد أيضا يلحق الحكم، وهو وجوب الاتمام. نعم إذا لم يتحقق الصدق إلا بالتعدد يعتبر ذلك. (مسألة 45): إذا سافر المكاري ونحوه ممن شغله السفر سفرا ليس من عمله - كما إذا سافر للحج أو للزيارة - يقصر (3). نعم لو حج أو زار، لكن من حيث أنه عمله } (1) كما في الروض، والرياض. حملا لاطلاق النصوص على الغالب المتعارف. وفيه: أن الغالب في المكاري من تكرر منه السفر أكثر من ثلاث مرات، بل أكثر من ذلك بكثير، فاللازم التخصيص بهم لو بني على الحمل على الغالب، ولاوجه لتخصيصه بذي الثلاث. مضافا إلى أن ظهور التعليل ليس بالاطلاق، ليختص بالمتعارف. مع أن التعارف والغلبة لا يوجبان القدح في الاطلاق، كما هو محقق في محله. ومثله ماعن الذكرى: من أن المدار على صدق وصف أحدهم، أو صدق عملية السفر، وأن ذلك إنما يحصل بالمرة الثالثة. إذ فيه: ما عرفت من المنع. (2) كما عن المختلف: لتوقف صدق الاختلاف عليه، ولايحتاج الى الثلاث. وفيه: أيضا ما عرفت. (3) كما في الجواهر. اقتصارا في تقييد الادلة على المتيقن، وهو السفر الذي يدخل في عملهم ومكاراتهم، لانصراف الادلة عن غيره. بل هو ظاهر الادلة، لان الضمير في قوله (ع): " لانه عملهم... " راجع الى السفر المحكوم بوجوب التمام، فلابد في السفر المحكوم بوجوب التمام فيه أن يكون من عملهم. وقد يشير إليه صحيح ابن مسلم: " ليس

===============

( 75 )

{ - كما إذا كرى دابته للحج أو الزيارة، وحج أو زار بالتبع - أتم (1). (مسألة 46): الظاهر وجوب القصر على الحملدارية الذين يستعملون السفر في خصوص أشهر الحج (2). بخلاف } على الملاحين في سفينتهم تقصير " (* 1)، حيث خص الحكم بالسفينة. ونحوه خبر ابن جعفر (ع) (* 2). ولعله أيضا محمل خبري إسحاق المتقدمين (* 3). ومنه يظهر ضعف القول بالاتمام، اعتمادا على إطلاق أدلة التمام على من كان عمله السفر. هذا بناء على أن الموضوع عملية السفر. أما إذا كان المراد مزاولة السفر وتعاطيه على نحو تكون منازل السفر كبيوته المتبادلة، لعزمه على اتخاذها بيوتا له، فاللازم التمام، لان هذا السفر كغيره من أسفاره. (1) لانه في عمله. (2) كما نص عليه في الجواهر وغيرها. لعدم صدق كون السفر عملهم، الذي عرفت أنه مدار وجوب التمام. والوجه في ذلك: أن عملية السفر - كعملية سائر الحرف والصنائع - موقوفة على البناء على المزاولة مرة بعد أخرى، على نحو لا يكون له فترة طويلة غير معتادة لمن يزاول تلك الحرفة أو الصنعة. ولذا لا يظن أن يحتمل أن من كان بناؤه على السفر من النجف الاشرف إلى كربلاء للبيع على الزائرين في الزيارات المأثورة فهو ممن عمله السفر، لان الفترات بين أيام الزيارات منافية لصدق عملية السفر. كما أن من كان بناؤه على نسيج ثلاثة أثواب أو أربعة في كل سنة ليلبسها


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7. (* 3) تقدم ذكرهما في أوائل الشرط السابع.

===============

( 76 )

لا يصدق عليه أنه نساج وعمله النساجة. فهؤلاء المسافرون في كل سنة إلى مكة في أشهر الحج لا يصدق عليهم أنهم عملهم السفر، وإن كان بناؤهم على ذلك في كل سنة، لتحقق الفترة المنافية لصدق عملية السفر، فلا تجدي مزاولتهم للسفر المذكور - بلحاظ ضم السنين بعضها إلى بعض - في صدق كون السفر عملهم. نعم لو بنى بعض أهل مكة على مكاراة جماله في أشهر الحج بين جدة ومكة، على نحو عزم على التردد مرة بعد أخرى، بلا فترة منافية للاستمرار عرفا على العمل المذكور، كان في أشهر الحج ممن عمله السفر، ووجب عليه التمام. وبالجملة: اعتبار المواظبة والتكرر في صدق كون السفر أو غيره عملا مما لا مجال لانكاره عرفا. ويدل عليه صحيح هشام: " المكاري، والجمال الذي يختلف وليس له مقام، يتم الصلاة، ويصوم شهر رمضان " (* 1) - ونحوه غيره - إذ المراد من الاختلاف تكرر الذهاب والاياب بلا فترة. وهذا المعنى غير موجود في الحملدارية ونحوهم، ممن يسافر في كل سنة مرة أو مرات متفرقة بنحو لا يصدق معه المواظبة على السفر، والاختلاف فيه، والاستمرار عليه. فالمرجع في حكمهم أصالة القصر علي المسافر. وإلى ذلك تومي مكاتبة محمد بن جزك إلى أبي الحسن الثالث (ع): " إن لي جمالا، ولي قوام عليها، ولست أخرج فيها إلا في طريق مكة، لرغبتي في الحج، أو في الندرة إلى بعض المواضع، فما يجب علي إذا خرجت معهم أن أعمل، أيجب علي التقصير في الصلاة والصيام في السفر، أو التمام؟ فوقع (ع): إذا كنت لا تلزمها، ولا تخرج معها في كل سفر إلا إلى مكة فعليك تقصير وإفطار " (* 2).


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4.

===============

( 77 )

{ من كان متخذا ذلك عملا له في تمام السنة، كالذين يكرون دوابهم من الامكنة البعيدة، ذهابا وايابا، على وجه يستغرق ذلك تمام السنة أو معظمها، فانه يتم حينئذ (1). (مسألة 47): من كان شغله المكاراة في الصيف دون الشتاء، أو بالعكس، الظاهر وجوب التمام عليه (2). ولكن الاحوط الجمع. } (1) لان الفترة بين السفرات الواقعة في السنين - لقلتها - لا تمنع من صدق الاختلاف والمزاولة والاستمرار، فيصدق أنهم ممن عملهم السفر. نعم لو اشترى دوابا ليكريها، ذهابا وإيابا، مرة بعد أخرى، في مدة معينة كسنة، فاتفق أنه كراها إلى مقصد معين، ثم إلى آخر - وهكذا - حتى تمادى به السير ستة أشهر ذاهبا، من دون قصد الاستمرا على ذلك، وإنما كان عن البداء المرة بعد الاخرى، لم يبعد القول بوجوب التمام عليه في تمام ذهابه وإيابه، لكفاية عزمه السابق في صدق عملية السفر. أما لو كان قاصدا المكاراة عليها من مقصد الى آخر - وهكذا إلى نهاية الغاية - قصر في الذهاب والاياب، إذ ليس حاله إلا حال من قصد السفر إلى نهاية ستة أشهر ذاهبا وآيبا، مرة واحدة لسبب اتفاقي، الذي لاإشكال في وجوب القصر عليه، لعدم كونه ممن عملهم السفر. وكذا لو كان مترددا بين الصورتين من أول الامر. فالمدار حينئذ في صدق عملية السفر، ووجوب التمام على قصد المكاراة ذاهبا وآيبا، مرة بعد أخرى، على النحو المتعارف بين المكارين، ليصدق عليه أنه لامقر له إلا منازل السفر. (2) وفي الجواهر: " فيه وجهان: يشنآن من إطلاق الدليل، وصدق العملية له في هذا الحال، مع اختلافه ذهابا وإيابا متكررا. ومن أن المتيقن الاول، فيبقى غيره على أدلة القصر. والاحوط الجمع ". وفيه: أنه

===============

( 78 )

{ (مسألة 48): من كان التردد الى ما دون المسافة عملا له - كالحطاب ونحوه - قصر إذا سافر (1)، ولو للاحتطاب. إلا إذا كان يصدق عليه المسافر عرفا، وإن لم يكن بحد المسافة الشرعية، فانه يمكن أن يقال بوجوب التمام عليه إذا سافر بحد المسافة (2). خصوصا فيما هو شغله من الاحتطاب مثلا. } لاوجه للاقتصار على المتقين، مع اقتضاء الاطلاق التمام. ولاسيما بملاحظة ما ورد: من إتمام الجابي والاشتقان، بناء على أنه أمين البيدر، فان عمليتهما للسفر إنما تكون في أوقات مخصوصة. واحتمال الفرق: بأن وضع هذه الاعمال على هذا الحال، إذ عملية كل شئ بحسبه، بخلاف التاجر ونحوه. ضعيف جدا بعد ما عرفت من صدق عملية السفر في المقامين بنحو واحد، فليست عملية السفر مثل التوطن محتاجة الى قصد الدوام. بل تتوقف على قصد المزاولة للسفر مدة معتدا بها، بحيث يكون لامقر له الا منازل السفر، التي يتردد إليها ذاهبا وآيبا، كما عرفت. ولا يتوقف ذلك على أن يكون في تمام السنة. (1) كما تقدم في أوائل هذا الشرط (2) بل هو المحكي عن الموجز الحاوي. لكنه ضعيف - ويظهر من بعض عدم القول به من أحد سواه - لما عرفت من أن ظاهر أدلة التمام على من كان عمله السفر كونه حكما على من كان عمله السفر الموجب للقصر لولا كونه عملا مطلقا، فيكون لسانها لسان الاستثناء من أدلة التقصير. نعم في الفرض المذكور لو كان عازما على مزاولة السفر الشرعي للاحتطاب ولكنه لعدم تيسره له اشتغل بالسفر الى ما دون المسافة، أو كان ذلك أعود

===============

( 79 )

{ (مسألة 49): يعتبر في استمرار من شغله السفر على التمام أن لا يقيم في بلده أو غيره عشرة أيام (1). وإلا انقطع حكم عملية السفر، } له، فإذا سافر الى المسافة للاحتطاب جرى عليه حكم السفرة الاولى ممن اتخذ السفر عملا له، التي قد عرفت أن الظاهر من الادلة أن حكمها وجوب التمام. ولو كان عازما على الاحتطاب مطلقا، إما من المسافة أو مما دونها فاشتغل بالاحتطاب مما دونها، ثم اتفق له أن قصد الاحتطاب من المسافة، قصر كالاول. (1) على المشهور. وعن المعتبر: نفي الخلاف فيه. وعن المدارك: أن ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه. واستدل له بمصحح هشام المتقدم عن أبي عبد الله (ع): " المكاري، والجمال الذي يختلف وليس له مقام، يتم الصلاة، ويصوم شهر رمضان " (* 1). فان الظاهر من المقام إقامة عشرة أيام، إما لانها المتبادر منه عند الاطلاق في النص والفتوى. أو للاجماع على عدم التقصير باقامة ما دونها. أو لان البناء على إطلاقه يوجب التقصير لكل مكارغالبا، لتحقق الاقامة في الجملة ولو بعض يوم، وذلك مما لا يمكن الالتزام به. وفيه مع رجوع الاخير إلى ما قبله -: أن من المحتمل - بقرينة العطف على الاختلاف أن - يكون المراد من المقام ما ينافي مفهوم المكاري عرفا، فلا يكون مما نحن فيه. وبخبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " المكاري إن لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار، وأتم بالليل، وعليه صوم شهر رمضان. وإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام وأكثر، قصر في سفره وأفطر " وفيه: انه - مع ضعف سنده باسماعيل بن مرار المجهول. ومتروكية ظاهر،


____________
(* 1) تقدم ذكره في المسألة: 46 من هذا الفصل.

===============

( 80 )

من التقصير نهارا باقامة الخمسة فما دونها - قاصر الدلالة على ما نحن فيه، وإنما يدل على وجوب التقصير في السفر إلى مقصد يقيم فيه عشرة. نعم رواه الصدوق (ره) عن عبد الله بن سنان - وطريقه إليه صحيح - هكذا: " المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار وأتم صلاة الليل، وعليه صيام شهر رمضان. فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر، وينصرف الى منزله ويكون له مقام عشرة أيام أو أكثر، قصر في سفره وأفطر " (* 1). وظاهره اعتبار أمرين في وجوب التقصير: إقامة عشرة في البلد الذي يذهب إليه، ومثلها في بلده الذي يرجع إليه. وهو أيضا غير ما نحن فيه. وبمرسل يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن حد المكاري الذي يصوم ويتم. قال (ع): أيما مكار أقام في منزله، أو في البلد الذي يدخله أقل من عشرة أيام، وجب عليه الصيام والتمام أبدا. وإن كان مقامه في منزله أوفي البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام، فعليه التقصير والافطار " (* 2). وفيه مع ضعف سنده بالارسال، وبإسماعيل بن مرار -: أنه يدل على اعتبار أكثر من عشرة أيام، وهو غير المدعى بل مناف له. اللهم إلا أن يدفع الاول: برواية الشيخ (ره) له عن كتاب نوادر الحكمة، ولم يستثن القميون من رواياته مثله، فدل ذلك على اعتمادهم عليه وكفى به مصححا. والثاني: بأن الظاهر من الشرطيتين كون إحداهما تصريحا بمفهوم الاخرى، وجعل الثانية تصريحا بمفهوم الاولى أولى من العكس لموافقته للترتيب الذكري، ولمناسبته لقاطعية إقامة عشرة للسفر الشرعي. فتأمل. ولعل من هنا يتضح المراد برواية ابن سنان التي رواها الشيخ، وأن


____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

===============

( 81 )

{ وعاد الى القصر في السفرة الاولى خاصة (1)، دون الثانية، } المراد أنه يقصر في سفره من البلد الذي يذهب إليه ويقيم عشرة، لا من سفره إليه، كما قد يشهد به: ظهورها في أن المقابلة بين الصدر والذيل من جهة الاختلاف بينهما في الاقامة خمسة وعشرة لاغير. وبه أيضا يتضح المراد من المتن الذي رواه الصدوق. فيكون ما ذكره الاصحاب: - من أن إقامة المكاري عشرة في بلده أو غيره موجبة لتقصيره في سفره عنه - مستفادا من مجموع النصوص المذكورة. واشتماله على ما هو متروك الظاهر لا يقدح في الحجية. (1) كما عن السرائر، والمدارك، والرياض، وعن المهذب البارع والذخيرة: الميل إليه، ونسب الى المحقق مذاكرة، وإلى السيد عميد الدين. اقتصارا فيما دل على القصر على المتيقن، وهو السفرة الاولى، والرجوع في غيره الى عموم وجوب التمام. وعن الشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم: العود الى التمام في الثالثة، لزوال الاسم بالاقامة، فيكون حاله كالمبتدئ. ولانه مقتضى صحيح هشام المتقدم، المعتبر للاختلاف مع عدم المقام، إذ لا يصدق ذلك إلا في الثالثة (* 1). وفيه: المنع من زوال الاسم. ومجرد وجوب القصر لا يدل عليه. والعرف أقوى شاهد عليه. مع أنك عرفت عدم اعتبار التعدد في المبتدئ وأما الصحيح فقد عرفت إشكال الاستدلال به في المبتدئ. فراجع. فلا مجال لرفع اليد عن عموم مادل على وجوب التمام لمن كان عمله السفر. بل الظاهر إن أدلة الترخص للمقيم عشرة ممن عمله السفر بنفسها كافية في وجوب التمام، لانها - كما تضمنت وجوب القصر - بشرط الاقامة عشرة - تضمنت وجوب التمام بشرط عدم الاقامة عشرة، فكل سفر عن الاقامة


____________
(* 1) راجع المسألة: 46 من هذا الفصل.

===============

( 82 )

{ فضلا عن الثالثة (1). وإن كان الاحوط الجمع فيهما. ولا فرق في الحكم المزبور بين المكاري، والملاح، والساعي، وغيرهم ممن عمله السفر (2). أما إذا أقام أقل من عشرة أيام } المذكورة يوجب القصر، وكل سفر لا يكون عنها يوجب التمام. ولولا ذلك لاشكل الرجوع الى عموم وجوب التمام في السفر الثالث، لان دليل القصر بعد الاقامة عشرة من قبيل الخاص، المقدم إطلاقه لو كان على دليل العام فيؤخذ به في السفرين الاولين، ويرجع في الثالث إلى الاجماع على وجوب التمام. وأما البناء على التمام في السفرة الثانية، لاستصحاب وجوب التمام الثابت قبل الخروج فهو - مع أنه لا مجال له فيما لو كان السفر الثاني بعد إقامة دون العشرة في غير وطنه، لان حكمه القصر حال الاقامة المذكورة، فهو المستصحب لا التمام - إنما يتم لو لم يكن معارضا باستصحاب تعليقي، وهو استصحاب وجوب القصر على تقدير السفر، لانه كان حين الاقامة عشرة محكوما بذلك. وأما الاشكال على استصحاب التمام: بأنه من قبيل القسم الثالث، لان التمام في الوطن لانه حاضر، وفي السفر لانه عمله، واختلاف العلل يوجب اختلاف المعلول، فالمتيقن معلوم الارتفاع، والمشكوك محتمل الحدوث ففيه: أن عملية السفر ليس علة حقيقية للحكم بالتمام، في قبال علة الحضور في الوطن، بل الظاهر أن التمام في المقامين بمناط واحد، وهو عدم السفر الاتفاقي. فلاحظ (1) كذا في بحاة العباد. وظاهره كون الثالثة محل الخلاف كالثانية وأن التقصير فيها مبني على وجوب التقصير فيها للمبتدئ، وأن الاقامة عشرة موجبة لكونه مبتدئا. وقد عرفت الاشكال في كل منهما. هذا وقد ادعى بعض: الاجماع عليه وجوب التمام في الثالثة، ولعله ظاهر غيره أيضا. ولكنه غير ظاهر. فراجع، وتأمل. (2) كما هو المشهور، بل في الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه "

===============

( 83 )

{ بقي على التمام (1). وإن كان الاحوط مع إقامة الخمسة الجمع (2) ولا فرق في الاقامة في بلده عشرة بين أن تكون منوية } وفي الرياض: " اتفقت الفتاوى بعدم الفرق ". والمحقق وإن حكى في الشرائع وغيرها قولا بالاختصاص بالمكاري، إلا أنه لم يعرف قائله، كما اعترف به جماعة. وإن كان هو مقتضى الجمود على مورد النصوص، لاختصاصه به. لكن لا يبعد التعدي الى سائر من عمله السفر، بأن يكون دليل الاقامة عشرة كاشفا عن أن المراد بعملية السفر - التي جعلت علة للحكم في جميعها - الاشتغال بعمل السفر على نحو تنافيه الاقامة المذكورة، على ما هو المتعارف، فيكون في الجميع بمعنى واحد، فان ذلك أقرب عرفا من تقييد التعليل في خصوص المكاري بعدم الاقامة. فيكون المقام نظير موارد الدوران بين التخصيص والتخصص. (1) لعموم نصوص التمام عليهم، وخصوص نصوص الاقامة عشرة الدالة على التمام بدونها. (2) لما عن الاسكافي: من أنها بحكم العشرة. ولم يعرف مستنده. نعم عن المبسوط، والنهاية، والوسيلة - بل نسب الى الشيخ واتباعه -: التقصير في صلاته نهارا، والاتمام في صومه وفي صلاته ليلا. ويشهد له حديث ابن سنان المتقدم (* 1). لكن قال في محكي السرائر: " لا يجوز العمل به بلا خلاف، لان الاجماع على خلافه بلا خلاف ". وعن غاية المراد وغيرها: أنه متروك الظاهر. مضافا الى دلالته على الاكتفاء في ذلك بالاقل من خمسة، الذي لم ينقل عن أحد أصلا. وإلى إمكان دعوى معارضته بخبر يونس المتقدم، الواجب ترجيحه عليه. فلاحظ. وحينئذ فلا مجال للعمل به.


____________
(* 1) راجع أوائل الكلام في هذه المسألة.

===============

( 84 )

{ أولا (1)، بل وكذا في غير بلده أيضا (2)، فمجرد البقاء عشرة يوجب العود الى القصر. ولكن الاحوط - مع الاقامة في غير بلده بلانية - الجمع في السفر الاول بين القصر والتمام. (مسألة 50): إذا لم يكن شغله وعمله السفر، لكن عرض له عارض فسافر أسفارا عديدة، لايلحقه حكم وجوب التمام (3)، سواء كان كل سفرة بعد سابقها اتفاقيا، أو كان } (1) كما صرح به غير واحد، بل يظهر منهم الاتفاق عليه. نعم عن النجيبية: اعتبار النية. لكن قال في مفتاح الكرامة: " لم أجد له موافقا ". ويدل عليه إطلاق النص، ومعاقد الاجماعات. (2) كما يقتضيه إطلاق النص. لكن المحكي عن الروض والعلامة المجلسي: الاجماع على اعتبار النية، وهو ظاهر محكي الذخيرة. وسوق البلد وغيره بمساق واحد، لا يأبى التفكيك بينهما في اعتبار النية في الثاني وعدمه في الاول، لامكان كون المراد من النصوص أن يخرج عن حكم السفر عشرة أيام، وهو حاصل في البلد بلا نية، وفي غيرها معها. إلا أن الشأن كله في ثبوت الاجماع المذكور، لاهمال جمع كثير لذكر غير بلده، بل لايعرف من تعرض له إلى زمان المحقق في النافع. وهو فيه وإن ذكره لم يتعرض لذكر النية، والعلامة في جملة من كتبه أهمله، وفي التبصرة ذكره ولم يشترط فيه النية. نعم في القواعد ذكره واشترط فيه النية، وتبعه عليه الجماعة. ومع هذا الاهمال والاطلاق لا يبقى وثوق بنقل الاجماع على نحو يعتمد عليه في تقييد إطلاق النص. فالعمل على الاطلاق متعين. ولاسيما أن النية لادخل لها في منافاة الاقامة عشرة لعملية السفر أصلا. فلاحظ. (3) لانتفاء العلة التي يدور الحكم مدارها، وهي عملية السفر، على

===============

( 85 )

{ من الاول قاصدا لاسفار عديدة. فلو كان له طعام أو شئ آخر في بعض مزارعه، أو بعض القرى، وأراد أن يجلبه إلى البلد، فسافر ثلاث مرات أو أزيد، بدوابه أو بدواب الغير لا يجب عليه التمام (1). وكذا إذا أراد أن ينتقل من مكان إلى مكان فاحتاج إلى اسفار متعددة في حمل أثقاله وأحماله. (مسألة 51): لا يعتبر فيمن شغله السفر اتحاد كيفيات وخصوصيات أسفاره، من حيث الطول والقصر، ومن حيث الحمولة، ومن حيث نوع الشغل. فلو كان يسافر إلى الامكنة القريبة، فسافر إلى البعيدة، أو كانت دوابه الحمير فبدل بالبغال أو الجمال، أو كان مكاريا فصار ملاحا - أو بالعكس - يلحقه الحكم (2)، وإن أعرض عن أحد النوعين إلى الآخر، أو لفق من النوعين. نعم لو كان شغله المكاراة، فاتفق أنه ركب السفينة للزيارة - أو بالعكس - قصر، لانه سفر في } ما عرفت من لزوم صدق أنه لامقر له إلا منازل السفر المتناوبة. وذلك لا يحصل إلا بالعزم على المزاولة مدة طويلة، ولا يحصل ذلك بمجرد المزاولة من دون عزم على الاستمرار. (1) لعدم صدق كون السفر عملا له، لان صدق العملية دائر عرفا مدار اتخاذه حرفة وصنعة، كما صرح به في المستند وغيره، وهو غير حاصل في الفرضين. (2) لصدق كونه مسافرا سفرا هو عمله، على النحو الذي كان سفره السابق عليه. ومجرد اختلاف السفرين في الخصوصيات، لا يوجب اختلافهما في صدق العمل عليهما بنحو واحد.

===============

( 86 )

{ غير عمله (1)، بخلاف ما ذكرنا أولا، فانه مشتغل بعمل السفر، غاية الامر أنه تبدل خصوصية الشغل إلى خصوصية آخرى. فالمناط هو الاشتغال بالسفر وإن اختلف نوعه. (مسألة 52): السائح في الارض، الذي لم يتخذ وطنا منها يتم (2). والاحوط الجمع. (مسألة 53): الراغي الذي ليس له مكان مخصوص يتم (3). (مسألة 54): التاجر الذي يدور في تجارته يتم (4). (مسألة 55): من سافر معرضا عن وطنه، لكنه لم يتخذ وطنا غيره يقصر (5). } (1) بل يأتي به بداع آخر، كغيره ممن لا يكون السفر عملا له. لكن عرفت الاشكال فيه في المسألة الخامسة والاربعين. (2) كذا في نجاة العباد أيضا. وكأنه لان السفر يختص بمن كان له حضر، والسائح لاحضر له ولا سفر، كي يثبت له حكم المسافر. أو لانه نظير الاعراب الذين بيوتهم معهم. ولاسيما إذا كان قد اتخذ بيتا معه، لا أنه يتخذ له في كل منزل بيتا. (3) بلا إشكال ظاهر. ويدل عليه صحيح زرارة (* 1) وموثق السكوني (* 2)، ومرفوع ابن أبي عمير (* 3) حيث عد فيها ممن يجب عليه التمام في السفر، معللا في الاول والاخير: بأن السفر عملهم. ولاجله قيده في المتن بما ذكر. (4) بلا إشكال ظاهر أيضا. ويدل على موثق السكوني. (5) لعموم وجوب القصر على المسافر، مع عدم دخوله فيمن بيته


____________
(* 1) تقدم ذلك في السابع من شرائط وجوب القصر. (* 2) تقدم ذلك في المسألة: 31 من هذا الفصل. (* 3) تقدم ذلك في السابع من شروط القصر.

===============

( 87 )

{ (مسألة 56): من كان في أرض واسعة قد اتخذها مقرا، إلا أنه كل سنة مثلا في مكان منها، يقصر إذا سافر عن مقر سنته (1). (مسألة 57): إذا شك في أنه أقام في منزله أو بلد آخر عشرة أيام أو أقل بقي على التمام (2). } معه، ولا فيمن عمله السفر. نعم إذا كان بانيا على عدم التوطن في مكان بعينه، فانه يمكن أن يكون داخلا فيمن بيته معه، لان منازل سفره في نظره كمنزل وطنه، فيكون نظير السائح. بل يمكن القول بوجوب التمام عليه وإن كان مترددا في التوطن وعدمه، لاختصاص أدلة الترخص بغيره ممن كان له وطن يسافر عنه ويرجع إليه. فتأمل جيدا. (1) لانه يكون ذا أوطان متعددة بتعدد السنين، فإذا سافر عن مقر سنته فقد سافر عن وطنه. ولا إشكال حينئذ في وجوب القصر عليه إذا صدق أن له وطنا، لكن الاشكال في صدق الوطن بمجرد القصد، لاعتبار الدوام في التوطن، ولا يكفي توطن سنة في صدقه، كما سيأتي. والاولى إلحاقه بالاعراب الذين بيوتهم معهم، فان كانوا في بيوتهم أتموا، وإذا فارقوها قصروا. (2) هذا ظاهر، بناء على أن الاقامة عشرة إنما أوجبت القصر لارتفاع موضوع عملية السفر، إذ الشك حينئذ يرجع الى الشك في بقاء عملية السفر وارتفاعها، فتستصحب. وكذا لو كان عدم الاقامة عشرة قيدا شرعيا لوجوب التمام على المكاري، إذا كان الشك في أول الاقامة، مع العلم بآخرها كما لو علم أنه خرج يوم الجمعة من البلد، وشك في أنه دخله قبل تسعة أيام أو عشرة، إذ لا مجال لاستصحاب الاقامة حينئذ، إذ الاصل عدمها. أما إذا كان الشك في آخرها، كما لو علم أنه دخل البلد يوم الجمعة، وشك

===============

( 88 )

{ الثامن: الوصول الى حد الترخص (1)، وهو المكان } في أنه خرج منه بعد تسعة أو عشرة، كما لو كان في يوم الاثنين مسافرا، وشك أنه خرج اليوم أو أمس، فقد يشكل الحكم بوجوب التمام عليه حينئذ، لامكان استصحاب الاقامة في اليوم العاشر، فيثبت به موضوع القصر، وهو تمام العشرة، لان الموضوع يكون مجموع الاقامات المتصلة في الايام العشرة، فإذا أحرز منها تسعة بالعلم، والعاشر بالاصل، يكون من قبيل الموضوع المركب المحرز بعضه بالوجدان وبعضه بالاصل، فيترتب عليه الاثر. اللهم إلا أن يقال: إنما يجري الاستصحاب لو كان موضوع الاثر الوجود الباقي الى العشرة. أما لو كان الوجود المستغرق للعشرة، أو المساوي أمده للعشرة، فلا يمكن إثباته باستصحاب بقاء الاقامة الى العشرة، إلا بناء على الاصل المثبت، لملازمة هذا المفهوم للبقاء إلى نهاية العشرة، كما تقدم نظيره في أقل الحيض ثلاثة. نعم لو شك حين الخروج أن اليوم الاحد أو يوم الاثنين، فلا ينبغي التأمل في الرجوع إلى أصالة عدم المقام عشرة كالصورة الاولى. ولا مجال للرجوع الى استصحاب البقاء، إذ لاشك بالنسبة الى الازمنة التفصيلية. فتأمل جيدا. (1) على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، كما عن الذكرى، بل عن الخلاف: الاجماع عليه. وعن علي بن بابويه: التقصير بمجرد الخروج من المنزل. ويوافقه مرسل ولده عن أبي عبد الله (ع): " إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه " (* 1) وقريب منه غيره. لكنه لا يصلح لمعارضة ما يأتي، فيتعين حمله عليه إن أمكن.


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

===============

( 89 )

{ الذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد، ويخفى عنه أذانه (1). ويكفي تحقق أحدهما، مع عدم العلم بعدم تحقق الآخر. } (1) كما عن المشهور، أو بين المتأخرين، أو أكثر المتأخرين، أو الاظهر بينهم، أو أكثر علمائنا، أو نحو ذلك من عبارات النسبة. وعن أكثر المتقدمين: اعتبار أحد الامرين، بل نسب الى المشهور تارة، وإلى الاكثر أخرى. وعن التنقيح: الاقتصار على الاول. ونحوه ماعن المقنع: من الاقتصار على التواري من البيوت. وعن المفيد والتقي وسلار والحلي: الاقتصار على خفاء الاذان. ومنشأ الاختلاف المذكور اختلاف الاخبار، إذ هي بين ما يشير الى الاول، كصحيح ابن مسلم: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يريد السفر فيخرج، متى يقصر؟ قال (ع): إذا توارى عن البيوت " (* 1) وبين ما يدل على الثاني، كصحيح ابن سنان عنه (ع): " عن التقصير قال (ع): إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الاذان فأتم. وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الاذان فقصر. وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " (* 2) وصحيح حماد بن عثمان المروي عن المحاسن عنه (ع): " إذا سمع الاذان أتم المسافر " (* 3) وما تقدم في خبر إسحاق بن عمار: " أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ " (* 4) فمبنى القول الاول المذكور في المتن: تقييد منطوق إحدى الطائفتين بالآخر. ومبنى الثاني: إما تقييد مفهوم إحدى الطائفتين بمنطوق الاخرى


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 11.

===============

( 90 )

أو رفع اليد عن المفهوم فيهما بالمرة، أو رفع اليد عن خصوصية الشرط في كل منهما وجعل الموضوع هو الجامع بينهما، أو البناء على التعارض فيكون الحكم التخيير، بناء على أنه تخيير في المسألة الفرعية. ومبنى الاخيرين التعارض، والترجيح، إما للاولى، أو للاخيرة. هذا ولا يخفى أن ما ذكر - على تقدير تماميته في نفسه - إنما يصح لو كان فخاء الاذان أو البيوت ملحوظا موضوعا لجواز التقصير. أما إذا لوحظ معرفا للمقدار الخاص من البعد - يعني: أن يبعد الانسان إلى حد لا يسمع فيه الاذان لو كان، ويتوارى عن البيوت لو كانت، وإن لم يكن أذان ولا بيوت فلا مجال لهذا الخلاف. لان التقديرين إن كانا متساويين كان أحدهما عين الآخر، والاختلاف يكون في المفهوم الملازم، نظير التقدير بثمانية فراسخ ومسيرة يوم، فلا معنى للاكتفاء بأحدهما تعيينا، أو تخييرا، أو اعتبار الانضمام. وان كانا مختلفين، فحيث يمتنع التقدير بالاقل والاكثر معا، وجب إعمال قواعد التعارض، من الترجيح أو التخيير. نعم هنا احتمال آخر، وهو أن يكون كل من الخفائين علامة على تحقق البعد في الجملة، أعم من أن يكون مقارنا لوجوده، أو سابقا عليه. فحينئذ يمكن أن يقع الخلاف في أن العلامة مجموعهما، أو كل منهما مستقلا، مطلقا، أو في غير صورة العلم بانتفاء الاخرى. وفيه أيضا: أنه لايتم لو أريد بهما المقداران إذ مع البناء على تلازمهما لا معنى للخلاف المذكور، لرجوعهما الى مقدار واحد، ومع البناء على انفكاكهما يتعين كون العلامة احدهما، إما السابق، أو اللاحق، ويكون ضم الآخر إليه في غير محله. نعم لو أريد بهما الفعليان فحيث إنه لاريب في انفكاك أحدهما عن الآخر يمكن النزاع المذكور. لكن لازم ذلك انتفاء العلامة عند انتفائهما معا. وهو مما لا يمكن أن يلتزم به. فالتحقيق: إنه لا ينبغي التأمل في كون العنوانين المذكورين في النصوص

===============

( 91 )

يراد بهما تحديد مقدار البعد الذي يجوز معه التقصير، كما اعترف به جماعة - بل نسبه الى الاصحاب غير واحد - لا أنهما علامتان عليه، ولا موضوعان لجواز التقصير. وحينئذ فلابد من النظر في كونهما متساويين، أو مختلفين. وعلى الثاني فهل يمكن التصرف بظاهر أحدهما، أو كليهما، ليرجع أحدهما الى الآخر فيرتفع التنافي، أولا يمكن ليرجع إلى قواعد التعارض؟ فنقول: أما صحيحة ابن مسلم، المتضمنة للتحديد بأن يتوارى عن البيوت، فمقتضى الجمود على عبارتها أن يستتر المسافر نفسه عن البيوت، يعني: أن يبعد إلى حد يكون بينه وبينها ساتر وحاجب. وهذا تارة: يكون بعناية أن لا يراها، وأخرى: بعناية أن لا تراه. وحيث أن الثاني محتاج الى تقدير الابصار لها. مضافا الى عدم مناسبته لكون ذلك أمارة للمسافر يعمل عليها نعين أن يكون بعناية الاول. ولاجل ذلك عبر المشهور بخفاء الجدران، أو تواريها، مريدين خفاءها عليه. وكأن الباعث على هذا التعبير ان المسافر هو فاعل المواراة، وإن كانت هي قائمة بكل من الطرفين. وحينئذ فالتحديد المذكور مما لا يناسب التحديد في صحيحة ابن سنان وأخواتها، إذ البعد المؤدي الى استتار البيوت عن المسافر يزيد كثيرا عن البعد المانع عن سماع الاذان، سواء أريد منه عدم سماع فصوله، على نحو يميز بعضها عن بعض أم عدم سماعه بما أنه أذان، على نحو لا يميز كونه أذانا أو ندبة، أم عدم سماعه بما أنه صوت، بحيث يخفى أصل الصوت، فان جميع ذلك يحصل قبل أن يحصل البعد الموجب للاستتار. وحينئذ يدور الامر بين حمل الاولى على خصوص البوادي، التي لا يكون التوطن فيها إلا في بيوت منقولة أو ثابتة، وحمل الثانية على ما عداها من البلدان والامصار. وبين حمل الاولى على إرادة مرتبة خاصة من الاستتار تكون مساوية في المقدار لعدم السماع. وبين حملها على عدم إرادة التحديد

===============

( 92 )

{ وأما مع العلم بعدم تحققه فالاحوط اجتماعهما (1). بل الاحوط مراعاة اجتماعهما مطلقا. فلو تحقق أحدهما دون الآخر، إما يجمع بين القصر والتمام، وإما يؤخر الصلاة الى أن يتحقق الآخر. } بل مجرد وجوب التقصير حينئذ، لكون التواري عن البيوت أمارة قطعية على الوصول الى الحد، ولو متجاوزا عنه. والاول وإن كان أوفق بصناعة الجمع، لان نسبة الصحيحة الاولى - بلحاظ كون موردها البيوت - إلى غيرها نسبة المقيد الى المطلق. ويؤيده اختصاص خبر إسحاق بالمصر. إلا أنه مما لم يقل به أحد، بل لا يظن إمكان الالتزام به، لان تبعية مادخل في حد الترخص للوطن في المدن والامصار أولى منها في البيوت والقرى، كما هو ظاهر. فيتعين أحد الاخيرين. وثانيهما أقرب عرفا. وكيف كان فالتصرف يختص بالصحيحة الاولى لاغير. ولو فرض تعذر الجمع العرفي كان الترجيح لنصوص الاذان، لكونها أشهر. (1) التفصيل بين صورة العلم بانتفاء الاخر وعدمه مبني على أن وجود كل منهما أمارة على الوجود، وانتفاءه أمارة على الانتفاء، فإذا أحرز أحدهما وشك في الآخر فقد أحرزت الامارة على الوجود وشك في وجود المعارض لها، ومع الشك في وجود المعارض يرجع الى أصالة عدمه. أما مع العلم بانتفاء الآخر، فتتعارض الامارتان، فيسقطان عن الحجية، ويرجع الى الاصول. وهذا المعنى جمع آخر بين النصوص، ليس فيه تقييد المنطوق بالمنطوق، ولا المفهوم بالمنطوق، ولارفع اليد عن المفهوم، ولارفع اليد عن خصوصية كل من الشرطين، بجعل الشرط هو الجامع بينهما، بل جعل المنطوق والمفهوم من كل من الشرطيتين لبيان كون شرطها علامة وأمارة على الحد وعدمه أمارة على عدمه. وهو وإن كان في نفسه معنى صحيحا قريبا، واستظهرناه من نصوص صفات المني في مبحث الجنابة من هذا الشرح، لكن عرفت

===============

( 93 )

{ وفي العود عن السفر أيضا ينقطع حكم القصر (1). إذا وصل الى } الاشكال فيه في الحاشية السابقة. (1) على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، كما عن الذكرى ويدل عليه - مضافا الى مادل عليه في الذهاب، لظهوره في أن مابين حد الترخص والبلد خارج عن حكم السفر، وأنه بحكم البلد، من دون خصوصية للذهاب - صحيح حماد، وذيل صحيح ابن سنان المتقدمان (* 1). نعم يعارضهما جملة من النصوص، كصحيح العيص عن أبي عبد الله (ع): " لا يزال المسافر مقصرا حتى يدخل بيته " (* 2) وصحيح معاوية بن عمار عنه (ع): " إن أهل مكة إذا زاروا البيت ودخلو منازلهم أتموا، وإذا لم يدخلوا منازلهم قصروا " (* 3) وقريب منه صحيح الحلبي (* 4) وموثق إسحاق عن أبي ابراهيم (ع): " عن الرجل يكون مسافرا، ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة، أيتم الصلاة أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله؟ قال (ع): بل يكون مقصرا حتى يدخل أهله " (* 5) ومرسل الصدوق عن أبي عبد الله (ع): " إذا خرجت من منزلك فقصر الى أن تعود إليه " (* 6) ونحوها غيرها. وعن علي بن بابويه: العمل بها كالذهاب. ووافقه السيد المرتضى، وأبو علي، وفي الرياض: " لولا الشهرة المرجحة للادلة الاولة لكان المصير الى هذا القول في غاية القوة، لاستفاضة نصوصه


____________
(* 1) راجع أوائل الكلام من هذا الشرط. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 5) الوسائل باب: 7 من أبواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 6) الوسائل باب: 7 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

===============

( 94 )

{ حد الترخص (1) من وطنه أو محل اقامته. وإن كان الاحوط تأخير الصلاة الى الدخول في منزله، أو الجمع بين القصر والتمام إذا صلى قبله بعد الوصول الى الحد. } وصحة أكثرها، وظهور دلالتها جملة، بل صراحة كثير منها... " وفي الحدائق: جعله الاظهر. وعن المدارك والذخيرة: التخيير بين القصر والتمام جمعا بين النصوص. وعن الاردبيلي: أنه حسن لو وجد القائل به. وتكلف غير واحد توجيه النصوص المذكورة بنحو لا تنافي الاول، منهم شيخ الطائفة فحمل دخول الاهل والمنزل على وصول محل الترخص. وفي الوسائل: هو جيد، لان هذه النصوص ظاهرة، وتلك النصوص نص. وهذا الجمع وغيره وإن كان بعيدا، لكن لا بأس به بعد إعراض المشهور عنها بنحو يوجب وهنها. ولاسيما بملاحظة اشتمال بعضها على عدم اعتبار حد الترخص في الذهاب أيضا كالاياب. وقد عرفت أنه مخالف للاجماع المنعقد في كثير من الطبقات. ولعل الاقرب حملها على التقية. (1) وهو بناء على رجوع الحدين المتقدمين الى حد واحد ظاهر. وكذا بناء على أن الحد خفاء الاذان، وأن المواراة عن البيوت طريق إليه في الذهاب، كما قربناه في الجمع. بين الروايتين، إذ العبرة في الاياب حينئذ بخفاء الاذان لاغير، لامتناع الطريقة المتقدمة في الاياب. وكذا بناء على سقوط رواية المواراة للمعارضة. أما بناء على اعتبار اجتماعهما، أو الاكتفاء بأحدهما، فيشكل ذلك في الاياب، لعدم الدليل عليه فيه، لاختصاص رواية المواراة بالذهاب فقط. ولذا كان ظاهر الشرائع الاعتبار هنا بخفاء الاذان لاغير. ومال إليه في محكي المدارك وغيره. ثم إنه مقتضى ما هو ظاهر المشهور من الاكتفاء بأحد الامرين في الذهاب، وأن أحدهما كاف في وجوب القصر فلابد من رفعهما معا في الاياب، إذ لا يرتفع القصر إلا برفع موجبه، فإذا

===============

( 95 )

{ (مسألة 58): المناط في خفاء الجدران خفاء جدران البيوت (1)، لاخفاء الاعلام والقباب والمنارات، بل ولاخفاء سور البلد إذا كان له سور. ويكفي خفاء صورها وأشكالها، وإن لم يخف أشباحها. (مسألة 59): إذا كان البلد في مكان مرتفع، بحيث يرى من بعيد، يقدر كونه في الموضع المستوي (2). كما أنه إذا كان في موضع منخفض يخفى بيسير من السير، أو كان هناك حائل يمنع عن رؤيته، كذلك يقدر في الموضع المستوي وكذا إذا كانت البيوت على خلاف المعتاد، من حيث العلو أو الانخفاض، فانها ترد إليه. لكن الاحوط خفاؤها مطلقا (3) وكذا إذا كانت على مكان مرتفع، فان الاحوط خفاؤها مطلقا. (مسألة 60): إذا لم يكن هناك بيوت ولا جدران يعتبر التقدير (4). نعم في بيوت الاعراب ونحوهم ممن لا } كان موجبه أحدهما، فلا يرتفع إلا بارتفاعهما معا. (1) قد عرفت أنه ليس في النص خفاء، ولا جدران، وإنما الموجود فيه التواري عن البيوت، الذي هو بمعنى استتارها عنه. كما عرفت محمله مما اقتضاه الجمع العرفي. (2) لان الظاهر من الدليل كون التواري من جهة البعد، لامن جهة أخرى. ومنه يظهر الوجه في التقدير فيما يأتي، وضعف ماعن المدارك: من الاكتفاء بالخفاء في المنخفضة، للاطلاق. ونحوه ماعن الذخيرة: من الاكتفاء بالخفاء للحائل، ولو رئيت بعد ذلك. (3) قد عرفت أنه معنى الكلام. (4) كما هو مقتضى ورود الكلام هذا المورد. وفي الجواهر: نفى الريب فيه.

===============

( 96 )

{ جدران لبيوتهم يكفي خفاؤها، ولايحتاج الى تقدير الجدران (1). (مسألة 61): الظاهر في خفاء الاذان كفاية عدم تميز فصوله (2). وإن كان الاحوط اعتبار خفاء مطلق الصوت حتى المتردد بين كونه أذانا أو غيره، فضلا عن المتميز كونه أذانا، مع عدم تميز فصوله. (مسألة 62): الظاهر عدم اعتبار كون الاذان في آخر البلد، في ناحية المسافر (3)، في البلاد الصغيرة والمتوسطة بل المدار أذانها وإن كان في وسط البلد على مأذنة مرتفعة. نعم في البلاد الكبيرة يعتبر كونه في أواخر البلد، من ناحية المسافر. } (1) وعن ظاهر المقاصد العلية: اعتبار تقديرها. لكن عرفت أنه ليس في النص إلا ذكر البيوت، فان كانت الجدران راجعة إليها، فلا معنى لتقديرها مع فعلية البيوت، وإن لم تكن كذلك. فلاوجه للاعتبار بها، لا بالفعل، ولا بالتقدير. (2) بل مقتضى الجمود على عبارة النص خفاؤه بما هو أذان، بحيث لا يتميز أنه أذان أو غيره. نعم يحتمل قريبا: أن يكون المراد خفاء صوت الاذان بما هو صوت عال بمرتبة خاصة من العلو، فيكون عنوان الاذان ملحوظا طريقا الى نفس الصوت. وإنما خصه بالذكر من بين الاصوات لمعهوديته خارجا، وليس لغيره مثل هذه المعهودية. ولو بني على اعتبار تميز الفصول كان اللازم اعتبار تميز الحروف، لعدم الفرق. (3) بل مقتضى اطلاق تقدير البعد الكائن بين المسافر والبلد بذلك هو اعتبار ما ذكر، لان إرادة غيره تحتاج الى نصب قرينة. نعم لو كان للاذان محل معين وسط البلد أو غيره كان منصرف التقدير ذلك لاغير. لكنه

===============

( 97 )

{ (مسألة 63): يعتبر كون الاذان على مرتفع، معتاد في أذان ذلك البلد (1)، ولو منارة غير خارجة عن المتعارف في العلو. (مسألة 64): المدار في عين الرائي وأذن السامع على المتوسط (2) في الرؤية والسماع، في الهواء الخالي عن الغبار والريح ونحوهما من الموانع عن الرؤية أو السماع. فغير المتوسط يرجع إليه. كما أن الصوت الخارق في العلو يرد الى المعتاد المتوسط. (مسألة 65): الاقوى عدم اختصاص اعتبار حد الترخص بالوطن، فيجري في محل الاقامة أيضا (3)، بل } ليس كذلك، بل يجوز أن يكون فيه وفي آخر البلد، من ناحية المسافر ومن الناحية الاخرى، وفي غير ذلك من المواضع. فيتعين ما ذكرنا. (1) فيكون هو منصرف التقدير كسائر الخصوصيات المعتادة ووجهه ما أشرنا إليه مكررا، من أن التقدير إذا كان بأمر مختلف الافراد بالزيادة والنقصان، فمقتضى إطلاقه تعين المعتاد لاغير، لان الاعتياد مما يصلح أن يكون قرينة على تعيين المراد من الكلام الوارد في مقام البيان، لان غير المعتاد لو أريد احتيج الى نصب قرينة، بخلاف المعتاد. ومنه يظهر الوجه في اعتبار كونه معتادا بحسب حال البلد، إذا فرض اختلاف البلدان في ذلك. نعم لابد من مراعاة المعتاد في عصر صدور النصوص، لا المعتاد في كل زمان، بحيث يختلف الحد باختلاف الاعتياد بحسب الازمنة، فانه خلاف ظاهر الدليل. (2) لانه المعتاد، فينصرف إليه التقدير. (3) كما استوضحه في نفائح الافكار، والمدارك. واختاره في السرائر

===============

( 98 )

{ وفي المكان الذي بقى فيه ثلاثين يوما مترددا. وكما لافرق في الوطن بين ابتداء السفر والعود عنه في اعتبار حد الترخص، كذلك في محل الاقامة. فلو وصل في سفره الى حد الترخص } وكشف الالتباس، والذخيرة، وظاهر التذكرة، والذكرى، على ما حكي عنهم. وفي مفتاح الكرامة: " وهو الذي يستفاد من كلام الاكثر من مواضع، بل هو صريح كلامهم في مسألة ناوي الاقامة في بلد، حيث ذكروا: إنه لا يضره التردد في نواحيها، ما لم يبلغ محل الترخص، فقد ذكروا ذلك هناك متسالمين عليه. والاخبار منطبقة الدلالة عليه، فلا اشكال فيه ". أقول: أما دلالة الاخبار عليه فلا تخلو من خفاء. أما رواية حماد: " إذا سمع الاذان أتم المسافر " (* 1) فلا معنى للاخذ باطلاقها. وأما رواية ابن سنان فموردها السؤال عن التقصير، وإجماله مما لا يخفى. بل لعل قوله (ع): " وإذا قدمت... " (* 2) ظاهر في خصوص الوطن. نعم لا يبعد احتمال اطلاق صحيح محمد ابن مسلم (* 3) إلا أن دعوى انصرافه الى خصوص الوطن - بأن يراد من السفر فيه السفر بعد الحضر - قريبة جدا. وأما رواية التنزيل للمقيم بمكة منزلة أهله (* 1) فقد عرفت الاشكال فيها في قاطعية نية الاقامة. فراجع. ولاجل ذلك قيل بعدم اعتبار حد الترخص هنا. نعم يمكن أن يقال: انه لو فرض اختصاص صحيح محمد ابن مسلم بالوطن، يمكن دعوى: أن الغرض منه تحديد الموضع الذي يجب فيه التمام، وتمييزه عما يجب فيه القصر، بلا خصوصية للوطن عرفا. ولاسيما بملاحظة بعد الاكتفاء بالخطوة والخطوتين في وجوب القصر في موضع الاقامة فلعل هذا - بضميمة ما أشرنا إليه سابقا. من كون الاقامة قاطعة لموضوع السفر حقيقة - كاف في البناء على الاطلاق. ومثله الكلام في الموضع الذي


____________
(* 1)، (* 2)، (* 3)، (* 4) تقدمت الروايات في الثامن من شروط القصر.

===============

( 99 )

{ من مكان عزم على الاقامة فيه ينقطع حكم السفر، ويجب عليه أن يتم (1) وإن كان الاحوط التأخير إلى الوصول إلى المنزل، كما في الوطن. نعم لا يعتبر حد الترخص في غير الثلاثة، كما إذا ذهب لطلب الغريم أو الآبق، بدون قصد المسافة، ثم في الاثناء قصدها، فانه يكفي فيه الضرب في الارض (2). (مسألة 66): إذا شك في البلوغ إلى حد الترخص بنى على عدمه (3)، فيبقى على التمام في الذهاب، وعلى القصر في الاياب. (مسألة 67): إذا كان في السفينة أو العربة، فشرع في الصلاة قبل حد الترخص بنية التمام، ثم في الاثناء وصل إليه، فان كان قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة أتمها قصرا (4) وصحت، بل وكذا إذا دخل فيه قبل الدخول في الركوع (5) } يتردد فيه المسافر ثلاثين يوما. والمسألة بعد لا يخلو من اشكال. (1) هذا لم تم عموم التنزيل لا يكفي فيه، إذ الظاهر من دليله كون التنزيل بعد أن يقدم الى البلد، لاقبله. فلاجل ذلك فصل جماعة - كالشهيد الثاني وسبطه وغيرهما - بين الدخول والخروج. فلم يعتبروا الحد في الاول مع اعتبارهم له في الثاني. نعم قد يتم بملاحظة ما ذكرنا أخيرا، فيقوى به إطلاق روايتي حماد وابن سنان. (2) بلا اشكال، كما قيل. لاختصاص الدليل على اعتبار الحد بغيره. (3) للاستصحاب. (4) لتبدل الحكم بتبدل موضوعه. (5) والقيام حينئذ يكون زيادة، لانه واقع في غير محله، لانه في

===============

( 100 )

{ وإن كان بعده فيحتمل وجوب الاتمام، لان الصلاة على ما افتتحت. لكنه مشكل، فلا يترك الاحتياط بالاعادة قصرا أيضا (1). وإذا شرع في الصلاة في حال العود، قبل الوصول الى الحد، بنية القصر، ثم في الاثناء وصل إليه، أتمها تماما، وصحت. والاحوط - في وجه - إتمامها قصرا (2). ثم إعادتها تماما. (مسألة 68): إذا اعتقد الوصول الى الحد، فصلى قصرا، ثم بان أنه لم يصل إليه، وجبت الاعادة، أو القضاء تماما (3). وكذا في العود إذا صلى تماما باعتقاد الوصول، } الواقع مسافر يجب عليه القصر. (1) بل هو المتعين، لانقلاب الحكم بانقلاب موضوعه، كما عرفت وكون الصلاة على ما افتتحت لم يثبت بنحو يشمل المقام، كما هو ظاهر. نعم قد يقال: بأن الركعة الثالثة المأتي بها إما أن تكون مأمورا بها أولا. والثاني باطل، وإلا لزم صحة صلاته لو تركها وسلم على الركعتين مع أنه لاريب في البطلان حينئذ، لانه قبل حد الترخص. وفيه: أن البطلان بالتسليم على الركعتين، من جهة كونه امتثالا بالقصر قبل حد الترخص لا ينافي عدم الامر بالركعة، حيث لا يتحقق الامتثال قبله، كما لا يخفى. ومما ذكرنا يظهر وجه الفرع الآتي. (2) مقتضى ما تقدم منه - من أن الاقوى إتمامها تماما - يكون الاحوط إتمامها تماما، ثم إعادتها تماما. لان إتمامها قصرا مخالفة لحرمة الابطال، واعادتها قصرا يعلم بعدم مشروعيتها، لانه دون حد الترخص. فيتعين الاحتياط على نحو ما ذكرنا. (3) لعدم الدليل على الاجزاء. وكذا الحال فيما يأتي.

===============

( 101 )

{ فبان عدمه، وجبت الاعادة أو القضاء قصرا. وفي عكس الصورتين - بأن اعتقد عدم الوصول فبان الخلاف - ينعكس الحكم، فيجب الاعادة قصرا في الاولى، وتماما في الثانية. (مسألة 69): إذا سافر من وطنه، وجاز عن حد الترخص، ثم في أثناء الطريق وصل الى ما دونه، إما لاعوجاج الطريق، أو لامر آخر، كما إذا رجع لقضاء حاجة، أو نحو ذلك، فما دام هناك يجب عليه التمام (1). وإذا جاز عنه بعد ذلك وجب عليه القصر، إذا كان الباقي مسافة (2). وأما إذا سافر من محل الاقامة وجاز عن الحد، ثم وصل إلى ما دونه، أو رجع في الاثناء لقضاء حاجة بقى على التقصير (3). وإذا صلى في الصورة الاولى - بعد الخروج عن حد الترخص - } (1) لاطلاق مادل على وجوبه قبل الحد. (2) هذا يتم إذا كان الرجوع الى ما دون حد الترخص رجوعا عن نية السفر. أما لو لم يكن الرجوع كذلك، بل كان المكلف باقيا على نية السفر، فلا وجه ظاهر لما ذكر، بل يكفي كون الباقي، بضميمة ما قطعه أولا الى الموضع الذي رجع إليه مسافة. ولاوجه لالغاء المسافة التي بين البلد والموضع المذكور. (3) لان حد الترخص إنما يعتبر في وجوب القصر في الخروج عن محل الاقامة بالنسبة الى السفر الاول، لا مطلقا، ولذا لو وصل الى نهاية المسافة، ثم رجع الى محل الاقامة، جاز التقصير في الرجوع، وإن وصل الى محل الاقامة، فضلا عما قبله بعد حد الترخص، كما سيأتي. وبالجملة: اعتبار حد الترخص في مثل الفرض لادليل عليه.

===============

( 102 )

{ قصرا، ثم وصل الى ما دونه، فان كان بعد بلوغ المسافة فلا اشكال في صحة صلاته. وأما ان كان قبل ذلك. فالاحوط وجوب الاعادة. وإن كان يحتمل الاجزاء، إلحاقا له بما لو صلى، ثم بدا له في السفر، قبل بلوغ المسافة (1). (مسألة 70): في المسافة الدورية حول البلد، دون حد الترخص (2)، في تمام الدور أو بعضه، مما لم يكن الباقي قبله أو بعده مسافة (3) يتم الصلاة. } (1) هذا هو المتعين لو كان ناويا لعدم الرجوع ثم بدا له أن يرجع بل لا ينبغي التأمل فيه لو لم يكن الرجوع رجوعا عن نية السفر، كما هو ظاهر الفرض، فان صحة القصر أولى من صحته في الرجوع عن اصل السفر أما لو كان ناويا له، كما لو علم أن خط السير معوج، على نحو يوجب الرجوع عن حد الترخص، فلا يبعد القول بعدم جواز التقصير عند تجاوز الحد، لظهور أدلة التحديد في اعتبار البعد الخاص - أعني: ما يكون بعضا من البعد الناشئ عن سير المسافة - لا مطلق البعد، ولو كان ملغيا من جهة الرجوع. وعليه فلو قصر أعاد. وأظهر من ذلك - في وجوب الاعادة - مالو كان الرجوع على خط السير الذهابي، إذ القطعة الخاصة من الذهاب - أعني: مابين ما وصل إليه وما رجع إليه - ليست معدودة من السفر الموجب للترخص. فلاحظ. (2) قد تقدم في المسألة الرابعة عشرة: الاشكال في الترخيص في المسافة الدورية حول البلد مطلقا، ولو كانت فوق حد الترخص. (3) يعني: إذا كانت المسافة الدورية حول البلد بعضها دون حد الترخص وبعضها فوق حد الترخص، فان كان القوس الواقع فوق حد الترخص

===============

( 103 )

{ فصل في قواطع السفر موضوعا أو حكما وهي أمور: أحدها: الوطن، فان المرور عليه قاطع للسفر، وموجب للتمام (1) مادام فيه، أو في ما دون حد الترخص منه (2). } مسافة، وجب التقصير فيه، دون ما كان دون حد الترخص. وإن لم يكن مسافة إلا بضميمة القوس الكائن دون حد الترخص لم يجب التقصير في شئ منهما، سواء أكان القوس الواقع فوق حد الترخص قبل ماكان دونه، أم بعده. أقول: إذا كان عموم أدلة الترخص للمسافر شاملا للمسافر في المسافة الدورية، فاللازم الجزم بالترخص في القوس الواقع فوق جد الترخص. وإن لم يكن مسافة، لما سبق: من أن المسافة المعتبرة في الترخص ما كانت من البلد، وهي موجودة في الفرض، لامن حد الترخص. والله سبحانه أعلم. فصل في قواطع السفر موضوعا أو حكما (1) بلا خلاف ولا إشكال فيه، في الجملة، بل لعله من الضروريات لاختصاص أدلة القصر بغيره، واستفاضة النصوص بالاتمام فيه، كما ستأتي الاشارة إليها. نعم تقدم في بعض النصوص: وجوب التمام ما لم يدخل منزله. وقد عرفت: أنه لا مجال للعمل به. (2) كما تقدم الكلام فيه.

===============

( 104 )

{ ويحتاج في العود الى القصر بعده إلى قصد مسافة جديدة (1)، ولو ملفقة، مع التجاوز عن حد الترخص (2). والمراد به المكا الذي اتخذه مسكنا ومقرا له دائما (3)، بلدا كان أو قرية } (1) لاعتبار كون المسافة في خارج الوطن. (2) كما سبق. (3) فان تحقق هذا المعنى كاف في صدق الوطن عرفا، الموجب لصدق الحاضر، المقابل للمسافر، المأخوذ في موضوع أدلة التقصير، فيبقى داخلا تحت أدلة التمام. مضافا الى النصوص الخاصة الدالة على وجوب التمام في الوطن، كصحيح الحلبي (* 1) عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يسافر، فيمر بالمنزل له في الطريق، يتم الصلاة أو يقصر؟ قال (ع): يقصر. إنما هو المنزل الذي توطنه " (* 2) وصحيح علي بن يقطين: " قلت لابي الحسن (ع): إن لي ضياعا ومنازل بين القرية والقرية، الفرسخ والفرسخان والثلاثة، فقال (ع): كل منزل من منازلك لاتستوطنه فعليك فيه التقصير " (* 3) وصحيحة الآخر: " كل منزل لاتستوطنه فليس لك بمنزل، وليس لك أن تتم فيه " (* 4) وصحيح سعد بن أبي خلف: " سأل علي بن يقطين أبا الحسن (ع) عن الدار تكون للرجل بمصر، أو الضيعة فيمر بها. قال (ع): إن كان مما قد سكنه أتم فيه الصلاة وإن كان مما لم يسكنه فليقصر ". (* 5)


____________
(* 1) كذا في الجواهر. لكن في الوسائل: روى المتن المذكور عن حماد بن عثمان. " منه قدس سره ". قلت: ونحوه في الاستبصار ج 1 صحفة 230 طبع النجف الاشرف وأما التهذيب فهو موافق لما في الجواهر. راجع التهذيب ج 3 صفحة 212 طبع النجف الاشرف. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6. (* 5) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9.

===============

( 105 )

{ أو غيرهما سواء كان مسكنا لابيه وأمه ومسقط رأسه، أو غيره مما استجده. ولا يعتبر فيه - بعد الاتخاذ المزبور - حصول ملك له فيه (1). نعم يعتبر فيه الاقامة فيه بمقدار يصدق عليه عرفا أنه وطنه (2). والظاهر أن الصدق المذكور يختلف } وبالجملة: لا ينبغي التأمل في وجوب التمام بالوطن بالمعنى المذكور. وذكر غير واحد الخلاف في معنى الوطن، وإنهاء الاقوال فيه إلى ثمانية أو اكثر، لا تنافي الاتفاق الذي ادعاه بعض عليه، ولا ما في كلام بعض من نفي الاشكال فيه، فان ذلك الخلاف راجع إلى الخلاف في ثبوت الوطن الشرعي وقيود ثبوته، لافي ثبوت التمام للوطن العرفي. نعم قد يتراءى - مما في الشرائع وغيرها: " من أن الوطن هو كل موضع له فيه ملك قد استوطنه... " - الخلاف في ثبوت الوطن العرفي، في قبال الوطن الشرعي، وجريان حكم التمام عليه. ولكنه مما لا ينبغي، فان كثيرا من المتوطنين لاملك لهم في أوطانهم فضلا عن أن يكون الملك وطنا لهم والالتزام بوجوب القصر عليهم غريب، بل لعله خلاف الضروري. بل الظاهر - بقرينة كون موضوع كلامهم المسافر الخارج عن وطنه - أن مرادهم ثبوت الوطن الشرعي وتحديده، في قبال الوطن العرفي. وكذا الحال في صحيح ابن بزيع الآتي، فانه - على تقدير تمامية دلالته على ثبوت الوطن الشرعي - ليس في مقام حصر الوطن به، بل في مقام مجرد بيان ثبوته، إذ لا إطلاق له يقتضي شرح مطلق الوطن - المأخوذ موضوعا للتمام - بذلك. فلاحظه سؤالا وجوابا. (1) بلا خلاف نصا وفتوى - كما في الرياض - أو بلا خلاف صريح - كما في الجواهر - لاطلاق الادلة. (2) لا يبعد الاكتفاء بمجرد النية، كما عن بغية الطالب للشيخ الاكبر وفي الجواهر: " لا يخلو من قوة ".

===============

( 106 )

{ بحسب الاشخاص والخصوصيات، فربما يصدق بالاقامة فيه - بعد القصد المزبور - شهرا أو أقل. فلا يشترط الاقامة ستة أشهر (1)، وإن كان أحوط، فقبله يجمع بين القصر والتمام، إذا لم ينو إقامة عشرة أيام. (مسألة 1): إذا أعرض عن وطنه الاصلي أو المستجد وتوطن في غيره، فان لم يكن له فيه ملك أصلا، أو كان ولم يكن قابلا للسكنى، كما إذا كان له فيه نخلة أو نحوها، أو كان قابلا له، ولكن لم يسكن فيه ستة أشهر، بقصد التوطن الابدي، يزول عنه حكم الوطنية، فلا يوجب المرور عليه قطع حكم السفر (2). وأما إذا كان له فيه ملك قد سكن فيه } (1) لتحقق الصدق بدونها. وما عن الذكرى: من أن الاقرب الاشتراط ليتحقق الاستيطان الشرعي مع العرفي، غير ظاهر، إذ لا ملزم بتحقق أحدهما مع الآخر. ومثله: ماعن المدارك: من أنه غير بعيد، لان الاستيطان على هذا الوجه إذا كان معتبرا مع الملك فمع عدمه أولى. إذ فيه: أنه لا مجال للاولوية. واعتباره مع الملك في الشرعي للدليل، لا يلازم اعتباره مع عدمه في العرفي، كما هو ظاهر. (2) أما مع انتفاء الملك فلا طلاق أدلة القصر، مع عدم ما يوجب الخروج عنها، لاختصاص النصوص الدالة على التمام في الملك والضيعة بصورة وجود الملك. وكذا صحيح بن بزيع. وأما إذا كان ولم يكن قابلا للسكنى فيدل على التمام فيه: موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يخرج في سفر، فيمر بقرية له أو دار، فينزل فيها. قال (ع): يتم الصلاة ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة لا يقصر. وليصم إذا حضره الصوم " (* 1)


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

===============

( 107 )

وعن المحقق والعلامة ومن تأخر عنهما: الجزم به إذا أقام هناك ستة أشهر، جمعا بينه وبين صحيح ابن بزيع الآتي. وفيه: إنه لو أمكن الجمع بينهما بذلك فهو موقوف على ظهور الصحيح في الوطن الشرعي، وسيأتي ما فيه. وإلا كان الموثق المزبور معارضا به، وبمادل على اختصاص التمام بالوطن، فيجب حينئذ طرحه لمرجوحيته من وجوه. مضافا الى عدم ظهور العمل به على إطلاقه. وأما إذا كان قابلا للسكنى ولم يسكن فيه ستة أشهر، فيدل على وجوب التمام فيه مادل على وجوبه في الملك والضيعة، كما في صحيح اسماعيل ابن الفضل، من قول الصادق (ع): " إن نزلت قراك وضيعتك (* 1) فأتم الصلاة " (* 2) وما في صحيح البزنطي، من قول الرضا (ع): " يتم الصلاة كلما أتى ضيعة من ضياعه " (* 3) ونحوه ما في صحيحه الآخر (* 4) وصحيح ابن الحجاج: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يكون له الضياع بعضها قريب من بعض، يخرج فيقيم فيها، يتم أو يقصر. قال (ع): يتم " (* 5) - كذا عن الفقيه والتهذيب - (* 6) وعن الكافي: " يقيم " بدل


____________
(* 1) كما في التهذيب ج 3 صفحة 210 طبع النجف الاشرف، والاستبصار ج 1 صفحة 228 طبع النجف الاشرف. وفى الوسائل: " وأرضك " بدل " وضيعتك "، كما في الفقيه ج 1 صفحة 287 طبع النجف الاشرف. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 17. (* 4) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 18. (* 5) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسفار حديث: 2. (* 6) راجع الفقيه ج 1 صفحة 282 طبع النجف الاشرف، والتهذيب ج 3 صفحة 213 طبع النجف الاشرف، والاستبصار ج 1 صفحة 231 طبع النجف الاشرف.

===============

( 108 )

{ - بعد اتخاذه وطنا له دائما - ستة أشهر، فالمشهور على أنه بحكم الوطن العرفي (1)، وإن أعرض عنه إلى غيره، ويسمونه } " يطوف " (* 1) فيشكل الاستدلال به. الى غير ذلك. لكن قد أشرنا إلى معارضتها بما تقدم، مما دل على اعتبار التوطن في التمام. فيجب إما تقييد الاولى بالثانية إن أمكن، أو طرحها إن لم يمكن، كما لعله كذلك في بعضها، لمخالفتها لظاهر الاصحاب، ولرجحان الثانية عليها من وجوه، منها: موافقة عموم القصر على المسافر. وأما إذا أقام فيه ستة أشهر، ولم يكن بقصد التوطن فوجوب التمام فيه مبني على ظهور صحيح ابن بزيع في ثبوت الوطن الشرعي، وكون المراد من الاقامة فيه مطلق الاقامة، ولولا بقصد التوطن الابدي، لتحققه في المقام، فيكون اللازم التمام. هذا ولم يتضح من عبارة المشهور اعتبار قصد التوطن، ولكنه غير بعيد. (1) نسبه الى المشهور جماعة. وعن التذكرة، و الروض: أنه إجماع وعن بعض الاجلة: " لا أعرف فيه خلافا إلا من الصدوق، على وجه ". ودليلهم عليه: صحيح ابن بزيع عن الرضا (ع): " عن الرجل يقصر في ضيعته. قال (ع): لا بأس، ما لم ينو مقام عشرة أيام. إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه. قلت: ما الاستيطان؟ فقال (ع): أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم متى يدخلها " (* 2) وما تقدم في صحيح الحلبي وسعد بن أبي خلف (* 3). وفيه: أن قوله (ع): " يستوطنه "، وقوله (ع): " يقيم "


____________
(* 1) راجع الكافي ج 3 صفحة 438 طبع ايران الحديثة. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 11. (* 3) راجع أوائل هذا الفصل.

===============

( 109 )

بصيغة المضارع، يأبى ذلك جدا. ولاسيما بملاحظة اقتصار الامام (ع) على الجواب بالاول، الظاهر في الاستيطان العرفي، فلو كان المراد منه الاستيطان الشرعي كان الاقتصار عليه إيهاما لخلاف الواقع. فلاجل ذلك يتعين حمله على بيان كيفية اتخاذ المتوطن وطنا ثانيا، ويكون بذلك ذا وطنين، لان مفروض السؤال فيه من له وطن، ثم يستوطن منزلا آخر له في ضيعته. وهذا هو الذي سأل عنه ابن بزيع، وليس سؤاله عن مفهوم الاستيطان، الذي لا يخفى على من هو دونه في الفضل، فالامام عليه السلام ليس في مقام شرح مفهوم الاستيطان شرعا أو عرفا، بل في مقام بيان ما يتحقق الاستيطان للوطن الثاني ممن كان له وطن. ولاجل ذلك أطلق لفظ الاستيطان أولا، وبعد السؤال فسره بالاقامة، إذ لو كرره في الجواب انقلب المعنى، وكان ظاهرا في الاستيطان ستة أشهر، مع أنه غير مراد، إذ المراد الاستيطان أبدا، لكنه يحصل بالاقامة ستة أشهر في كل سنة. والاقتصار على الستة أشهر إنما هو لانها الاصل في قسمة السنة. وإلا فالوطن الثاني يحصل بالعزم على الاقامة فيه في كل سنة مدة معتدا بها، أقل من ستة أشهر أو اكثر. وأما اطلاق الصحيحين الاخيرين فهو وان كان يقتضي الاكتفاء بالتوطن في الماضي في الجملة، ولو مع انتفاء فعليته، إلا أنه مقيد بما دل على اعتبار فعلية الاستيطان، مما تقدم. فالمتعين حمل الجميع على إرادة الاستيطان الفعلي. وبالجملة: عموم الادلة وخصوصها - مما دل على اعتبار الاستيطان الفعلي العرفي في وجوب التمام - صالح لان يكون موجبا لرفع اليد عن ظهور هذه الصحاح، على تقدير ثبوته. ودعوى: أن الصحيح الاول حاكم، وهو مقدم على المحكوم. مندفعة: بأن الحاكم إنما يقدم على المحكوم لو كان ظهوره في الحكومة أقوى من ظهور المحكوم، وليس المقام كذلك.

===============

( 110 )

{ بالوطن الشرعي، ويوجبون عليه التمام إذا مر عليه، مادام بقاء ملكه فيه (1). لكن الاقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الاعراض. فالوطن الشرعي غير ثابت. وإن كان الاحوط الجمع بين إجراء حكم الوطن وغيره عليه، فيجمع فيه بين القصر والتمام إذا مر عليه، ولم ينو اقامة عشرة أيام. بل الاحوط الجمع إذا كان له نخلة (2) أو نحوها، مما هو غير قابل للسكنى، وبقي فيه بقصد التوطن ستة أشهر. بل وكذا إذا لم يكن سكناه بقصد التوطن، بل بقصد التجارة مثلا (3). } (1) الوجه في اعتبار الملك عندهم: موثق عمار المتقدم (* 1) وكونه المتيقن من صحيح ابن بزيع (* 2) لان المنزل المذكور في الجواب هو ما يكون في ضيعته، لا مطلقا. وأما اللام في قوله (ع): " أن يكون له منزل " فلا دلالة فيها على الملك، لان إضافة المنزل إليه بواسطة اللام يكفي فيها كونه موضع نزوله وقراره، لامثل إضافة الضيعة، فان دلالة اللام على الملك تختلف باختلاف المضاف. (2) لما عرفت من موثق عمار (* 3) المعمول به عند جماعة. (3) لاحتمال كفاية ذلك في تحقق الوطن الشرعي، على تقدير ثبوته بل هو الظاهر، كما أشرنا إليه سابقا. وكون قصد التوطن مأخوذا في مفهوم الاستيطان، المذكور في الجواب الاول في الصحيح، لا يكون قرينة على اعتباره في الاقامة المذكورة في الجواب الثاني تفسيرا للاستيطان، لان المدار على ظهور المفسر - بالكسر - لا المفسر.


____________
(* 1) راجع أوائل هذه المسألة. (* 2) مر ذلك في التعليقة السابقة. (* 3) تقدم في أوائل هذه المسألة.

===============

( 111 )

{ (مسألة 2): قد عرفت عدم ثبوت الوطن الشرعي، وأنه منحصر في العرفي. فتقول: يمكن تعدد الوطن العرفي، بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين، من قصده السكنى فيهما أبدا، في كل منهما مقدارا من السنة، بأن يكون له زوجتان مثلا، كل واحدة في بلدة، يكون عند كل واحدة ستة أشهر، أو بالاختلاف (1). بل يمكن الثلاثة أيضا. بل لا يبعد الازيد أيضا (2). } (مسألة 3): لا يبعد أن يكون الولد تابعا (3) لابويه } (1) بأن يقيم في أحدهما أربعة أشهر، وفي الآخر ثمانية أشهر. ولا ينافيه ما في الصحيح، بناء على حمله على الوطن العرفي - كما عرفت - لانه محمول على أحد الافراد الذي يسبق الى الذهن. (2) للصدق عرفا في الجميع. (3) لا ينبغي التأمل في كون الفرق بين الامكنة - في صدق الوطن وعدمه - ليس تابعا للجهات الخارجية، وإنما هو تابع للقصد النفساني. فإذا قصد المكث في محل إلى آخر عمره بحيث لا يخرج عنه إلا لامر يقتضي الخروج، ولو خلي ونفسه كان مقره ذلك المكان - كان هو وطنا له. ولو خرج عنه كان مسافرا، ولو أقام فيه كان حاضرا. وما عداه لا يكون وطنا. وهذا القصد المقوم لصدق الوطن، تارة يكون تفصيليا، واخرى يكون اجماليا ارتكازيا، ناشئا من التبعية لوالديه أو احدهما. فإذا حصل القصد بأحد النحوين صدق الوطن، وإلا فلا، من دون فرق بين ما قبل البلوغ ومابعده. وإلغاء قصد الصبي في مثل المقام لادليل عليه، بعد الاكتفاء به عرفا في صدق التوطن.

===============

( 112 )

{ أو أحدهما في الوطن، ما لم يعرض بعد بلوغه عن مقرهما، وإن لم يتلفت بعد بلوغه إلى التوطن فيه أبدا فيعد وطنهما وطنا له أيضا. إلا إذا قصد الاعراض عنه (1)، سواء كان وطنا أصليا لهما ومحلا لتولدهما، أو وطنا مستجدا لهما، كما إذا أعرضا عن وطنهما الاصلي، واتخذا مكانا آخر وطنا لهما، وهو معهما قبل بلوغه، ثم صار بالغا، وأما إذا أتيا بلدة أو قرية، وتوطنا فيها وهو معهما، مع كونه بالغا، فلا يصدق وطنا له، إلا مع قصده بنفسه (2). (مسألة 4): يزول حكم الوطنية بالاعراض والخروج وإن لم يتخذ بعد وطنا آخر. فيمكن أن يكون بلا وطن (3) مدة مديدة. } (1) وكذا لو تردد، على ما يأتي. (2) أو بالتبعية. وكذا لو كان غير بالغ، لاتحاد المناط في الجميع نعم الطفل غير المميز، الذي لا يتأتى منه القصد الاجمالي الارتكازي ولو تبعا قد يدعى صدق الوطن في حقه بقصد متبوعه. لكنه غير ظاهر. (3) وحينئذ يكون كالسائح يتم دائما، إذ لم يتخذ مقرا ولو موقتا وإذا اتخذ له مقرا موقتا يأوي إليه إذا لم يكن ما يقتضي الخروج، فانه يتم فيه، ويقصر إذا سافر عنه إلى مقصد، اتفاقا لزيارة أو نحوها. ويكون مقره كبيوت الاعراب يتم فيه، لان بيته معه. فكأن الوطن نوعان: شخصي وهو المتعارف. ونوعي، وهو بيوت الاعراب ونحوها من البيوت التي تتخذ مقرا موقتا، بعد الانصراف عن الوطن الاصلي. وقد جرى على ذلك بعض المهاجرين الى بغداد، فيستأجر دارا فيها سنة، وسنة أخرى في مدينة البياع، وثالثة في الكاظمية، ورابعة في الكرادة الشرقية

===============

( 113 )

{ (مسألة 5): لا يشترط في الوطن إباحة المكان الذي فيه (1)، فلو غصب دارا في بلد، وإراد السكنى فيها أبدا يكون وطنا له. وكذا إذا كان بقاؤه في بلد حراما عليه، من جهة كونه قاصدا لارتكاب حرام، أو كان منهيا عنه من أحد والديه، أو نحو ذلك. (مسألة 6): إذا تردد بعد العزم على التوطن أبدا، فان كان قبل أن يصدق عليه الوطن عرفا، بأن لم يبق في ذلك المكان بمقدار الصدق، فلا إشكال في زوال الحكم (2)، وإن لم يتحقق الخروج والاعراض. بل وكذا إن كان بعد الصدق في الوطن المستجد. وأما في الوطن الاصلي إذا تردد في البقاء فيه وعدمه، ففي زوال حكمه قبل الخروج والاعراض إشكال (3)، لاحتمال صدق الوطنية ما لم يعزم على العدم. فالاحوط الجمع بين الحكمين. }... وهكذا. فكأنه قصد التوطن في منطقة بغداد وتوابعها، من دون توطن في مكان خاص، وانصرف عن وطنه الاصلي، فهؤلاء يتمون في بيوتهم ويقصرون إذا سافروا عنها إلى زيارة مشهد أو نحو ذلك، لانهم يسافرون عن وطنهم النوعي. فيفترقون عن السائح من جهة تحقق التوطن في الجملة منهم، كما يفترق أهل بيوت الاعراب عنه أيضا بذلك. (1) لعدم الدليل عليه، والعرف شاهد بخلافه. (2) إذا فرض عدم الصدق قبل الاعراض فلا حكم أولا كي يزول بالاعراض. (3) ينشأ: من التردد في كون الوطنية تابعة للقصد حدوثا وبقاء.

===============

( 114 )

{ (مسألة 7): ظاهر كلمات العلماء - رضوان الله عليهم - اعتبار قصد التوطن أبدا في صدق الوطن العرفي، فلا يكفي العزم على السكنى إلى مدة مديدة، كثلاثين سنة، أو أزيد. لكنه مشكل، فلا يبعد الصدق العرفي بمثل ذلك (1). والاحوط في مثله إجراء الحكمين بمراعاة الاحتياط. } أو من قبيل الايقاع الذي يكفي فيه القصد الآني، غاية الامر أنه يرتفع بالاعراض، نظير نصب الوكيل وعزله. ولا يبعد الاول. ويقتضيه ظاهر النصوص المتقدمة. وعليه يكون حكمه التمام وإن سافر عن مكانه، بناء على ما تقدم في المسألة الخامسة والخمسين، من أحكام من كان السفر عملهم فراجع. (1) بل هو خلاف الظاهر، إذ لافرق في نظر العرف بين السنة والثلاثين سنة في كون قصد التوطن مدتها لا يوجب صدق الوطن، بل لابد فيه من التوطن مدة العمر. نعم يحتمل دخوله فيمن بيوتهم معهم، لان انقطاعه عن وطنه الاصلي واتخاذ المنزل كوطن له، يقتضي كونه في بيته الثاني، وإن كان موقتا. اللهم إلا أن يختص من بيوتهم معهم بمن كانت بيوتهم مبنية على الارتحال، لتكون معهم، ولا يشمل البيوت الثابتة المبنية على الاستقرار. ولكن هذا التخصيص خلاف مقتضى التعليل الارتكازي، فانه لافرق في ارتكاز العرف بين الامرين اللهم إلا أن يقال: حمل التعليل على مقتضى الارتكاز يقتضي كون المراد من البيوت الاوطان، فانها التى لا يقصر فيها ويجب فيها التمام، لا مطلق البيوت. وإلا كان التعليل غير ارتكازي، وهو خلاف الاصل في التعليلات وإذا حملت البيوت على الوطن لم تشمل ما نحن فيه. اللهم إلا أن يقال: الارتكاز يقتضي الحمل على البيوت التي لا يكون المقيم فيها مسافرا عرفا، وإن لم تكن وطنا. فالمقيم فيها إذا كان منقطعا

===============

( 115 )

{ الثاني من قواطع السفر: العزم على إقامة عشرة أيام (1) متواليات (2)، في مكان واحد (3)، من بلد، أو قرية، أو مثل بيوت الاعراب، أو فلاة من الارض (4). } عن وطنه، وجاعلا له كوطنه لا يكون مسافرا، فلذا كان عليه التمام. فالتعليل يكون إشارة الى هذا المعنى، وهو قريب جدا الى الاذواق العرفية فالمسافر الذي يقصر مقابل الحاضر الذي يتم، والحضور يكون بالاقامة في الوطن الدائم، ويكون بالوطن الموقت، فان المقيم فيه حاضر عرفا. ويشهد بذلك: أن كثيرا من الاعراب الذين يسكنون هذه البيوت لهم أوطان مستقرة، يسكنونها في بعض السنة، ويخرجون منها في أيام الربيع لسوم مواشيهم. وعلى هذا يكون المقر بمنزلة الوطن في وجوب التمام. (1) قد تقدم في شروط القصر الكلام في وجه قاطعية الاقامة. فراجع وأما ايجابها التمام فمما لاإشكال فيه، بل لعل من الضروريات. والنصوص الدالة عليه مستفيضة، لو لم تكن متواترة. (2) كما هو المشهور، بل لعله لا خلاف فيه. والقول بجواز خروج المسافر إلى ما دون المسافة ليس راجعا الى نفي اعتبار التوالي، بل راجع إلى نفي منافاة الخروج للاقامة نفسها، كما سيأتي. والوجه في اعتباره: ظهور أدلة التحديد بالزمان - فيما يقبل الاستمرار - في المقدار المستمر، غير المتفرق، كما يظهر من ملاحظة النظائر. وقد أشرنا الى ذلك في فصل الحيض وغيره. (3) كما سيأتي. (4) كما صرح به جماعة، بل في كلام بعض: أنه مما لا خلاف فيه. وقد اشتملت النصوص على البلد، والضيعة، والمكان، والارض.

===============

( 116 )

{ أو العلم بذلك (1)، وإن كان لاعن اختيار. ولا يكفي الظن بالبقاء (2)، فضلا عن الشك. والليالي المتوسط داخلة (3)، بخلاف الليلة الاولى والاخيرة (4)، فيكفي عشرة أيام وتسع ليال. ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر على الاصح (5) فلو نوى المقام عند الزوال من اليوم الاول إلى الزوال من اليوم الحادي عشر كفى، ويجب عليه الاتمام. وإن كان الاحوط الجمع } (1) كما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: " قلت له: أرأيت من قدم بلدة الى متى ينبغي له أن يكون مقصرا؟ ومتى ينبغي له أن يتم؟ فقال (ع): إذا دخلت أرضا، فأيقنت أن لك بها مقام عشرة أيام، فأتم الصلاة... " (* 1) وإطلاقه يقتضي عموم الحكم لصورة ما إذا كان المقام لاعن اختيار. (2) لعدم الدليل عليه، فالمرجع عموم القصر على المسافر. (3) بلا إشكال، أما لو أريد من اليوم ما يدخل فيه الليل فظاهر. وأما لو أريد منه ما يقابل الليل - كما هو الظاهر - فظهور الدليل في الاستمرار - كما عرفت - كاف في اثباته. (4) لخروجهما عن اليوم عرفا، ولا موجب لتبعيتهما له. (5) كما عن الشهيد وجماعة. لان الظاهر من اليوم الساعات النهارية لا خصوص الامد الممتد بين الطلوع والغروب، كما أشرنا إلى ذلك في أن أقل الحيض ثلاثة. فراجع. ومنه يظهر ضعف ماعن المدارك: من أن الاظهر العدم، وماعن النهاية والتذكرة: من الاستشكال فيه.


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9.

===============

( 117 )

{ ويشترط وحدة محل الاقامة (1)، فلو قصد الاقامة في أمكنة متعددة عشرة أيام لم ينقطع حكم السفر، كأن عزم على الاقامة في النجف والكوفة، أو في الكاظمين وبغداد، أو عزم على الاقامة في رستاق من قرية الى قرية، من غير عزم على الاقامة في واحدة منها عشرة أيام. ولا يضر بوحدة المحل فصل مثل الشط، بعد كون المجموع بلدا واحدا، كجانبي الحلة، وبغداد، ونحوهما. ولو كان البلد خارجا عن المتعارف في الكبر فاللازم قصد الاقامة في المحلة منه، إذا كانت المحلات منفصلة، بخلاف ما إذا كانت متصلة. إلا إذا كان كبيرا جدا بحيث لا يصدق وحدة المحل، وكان كنية الاقامة في رستاق مشتمل على القرى، مثل قسطنطينية ونحوها. } (1) بلا خلاف ظاهر. لان الظاهر من النصوص كون موضوع التمام هو الاقامة الواحد المستمرة، ومع تعدد المكان تتعدد الاقامة، فلا تكون واحدة مستمرة. نعم في موثق عبد الرحمن بن الحجاج قال: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل تكون له الضياع، بعضها يكون قريبا من بعض، فيخرج فيقيم فيها، أيتم، أم يقصر؟ قال (ع): يتم " (* 1) كذا رواه في الكافي. وعن الشيخ والصدوق: روايته: " يطوف " بدل: " يقيم " مع أنه لم يظهر منه كون الاقامة عشرة، فيمكن أن يكون من قبيل مادل على وجوب الاتمام في الضيعة، مما تقدم الكلام فيه. ثم إن المراد من الوحدة المكانية ليس الوحدة الحقيقية، ضرورة جواز تردد المقيم في بلد من داره الى المسجد، وإلى السوق، وإلى الحرم، وإلى


____________
(* 1) تقدم ذلك في المسألة: 1 من هذا القصل.

===============

( 118 )

{ (مسألة 8): لا يعتبر في نية الاقامة قصد عدم الخروج عن خطة سور البلد على الاصح (1). بل لو قصد حال نيتها الخروج الى بعض بساتينها ومزارعها ونحوها من حدودها، } الحمام... الى غيرها من الامكنة المتعددة. ولا الوحدة الاعتبارية مطلقا، لاختلاف مقتضي الاعتبار جدا، فقد تكون البلاد المتعددة مع تعددها واحدا ببعض العناوين الاعتبارية، مثل العراق، وإيران، وآسيا، وغير ذلك. بل المراد خصوص الوحدة الاعتبارية بلحاظ عنوان الاقامة، فإذا كانت الامكنة المتعددة حقيقة بنحو لا يكون تعددها موجبا لتعدد الاقامة عرفا فيها كانت مكانا واحدا بذلك الاعتبار. وإن كانت بحيث توجب تعدد الاقامة كانت متعددة. والوجه في ذلك: ما عرفت من رجوع اعتبار وحدة المكان الى اعتبار وحدة الاقامة، لانحصار الدليل عليها بما دل على اعتبار وحدة الاقامة، فتدور وحدة المكان مدار وحدتها. فمهما كانت الامكنة المتعددة لا تكون الاقامات فيها إلا إقامة واحدة عرفا - كالدار، والمسجد، والحرم والحمام، وغيرها - كانت مكانا واحدا. ومهما كانت الامكنة لتباعدها بنحو تعد الاقامة في بعضها غير الاقامة في الآخر، كانت الامكنة متعددة. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنه تختلف الاقامة العرفية باختلاف الامكنة فالقرى المفصول بعضها عن بعض بربع الفرسخ تعد الاقامة في بعضها غير الاقامة في الاخرى، ومحلات البلد الواحد، وإن كان يبعد بعضها عن بعض بربع الفرسخ لاتعد الاقامة في بعضها غير الاقامة في الاخرى. فلابد من ملاحظة خصوصيات الامكنة، لينظر أن التعدي من مكان إلى مكان هل يعد ارتحالا عنه إلى آخر، أو لا يعد كذلك؟ وعلى ذلك تدور صحة الاقامد وعدمها، بلا فرق بين الارض، والقرية، والبلاد المتسعة، وغيرها فلاحظ. (1) وفي الحدائق: " الظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في جواره.

===============

( 119 )

{ مما لا ينافي صدق اسم الاقامة في البلد عرفا، جرى عليه حكم المقيم، حتى إذا كان من نيته الخروج عن حد الترخص - بل الى ما دون الاربعة - إذا كان قاصدا للعود عن قريب، بحيث لا يخرج عن صدق الاقامة في ذلك المكان عرفا، كما إذا كان من نيته الخروج نهارا والرجوع قبل الليل. (مسألة 9): إذا كان محل الاقامة برية قفراء لا يجب } وأما ما اشتهر في هذه الاوقات المتأخرة والازمنة المتغيرة: من أن من أقام في بلد أو قرية - مثلا فلا يجوز له الخروج عن سورها المحيط بها، أو عن حدود بنيانها ودورها، فهو ناشئ عن الغفلة " وفي مفتاح الكرامة: " هذا تعريض بالفاضل الفتوني ". ووجه ضعفه: عدم منافاة الخروج عن السور في الجملة لصدق الاقامة في البلد عرفا، التي أخذت موضوعا لادلة وجوب التمام، لان خارج السور القريب منه معدود عرفا متحدا مع البلد، فلا تكون الاقامة فيه مغايرة للاقامة في البلد، فضلا عن الخروج إليه آناما. هذا ومقتضى ما عرفت - من أن ظاهر النصوص كون الموجب للتمام هو الاقامة الواحدة المستمرة التي لا يتخلل بين أجزائها عدم - أن يكون مبنى الفروض المذكورة في هذه المسألة: كون المكان الذي يخرج إليه المقيم معدودا عرفا مغايرا لموضع الاقامة، بحيث تكون الاقامة فيه إقامة أخرى، غير الاقامة في موضعها. أو معدودا معه واحدا. فما يكون من قبيل الاول لا تجوز نية الخروج إليه، لان الخروج إليه إذا كانت منافيا لاستمرار الاقامة كانت نية الخروج إليه منافية لنية الاقامة الواحدة المستمرة، بل كانت نية الاقامة حينئذ من قبيل نية الاقامة في القرى المتعددة، التي لا تكون موضوعا لوجوب الاتمام. وما يكون من قبيل الثاني تجوز نية الخروج إليه، لعدم منافاتها لنية الاقامة الواحدة المستمرة.

===============

( 120 )

ولاجل ذلك نسب القول بجواز نية الخروج إلى ما دون المسافة الى الندرة والشذوذ، ولم يعرف قائل به الى زمان فخر الاسلام، فقد قيل: إنه قال به في بعض حواشيه، وتبعه عليه في الوافي، وشرح المفاتيح. وعن الشهيد الثاني في بعض فوائده، أنه قال: " وما يوجد في بعض القيود: من أن الخروج الى خارج الحد، مع العود الى موضع الاقامة ليومه أو ليلته لا يؤثر في نية الاقامة، وإن لم ينو إقامة عشرة مستأنفة، لاحقيقة له، ولم نقف عليه مسندا الى أحد من المعتبرين، الذين تعتبر فتواهم، فيجب الحكم باخراجه... ". وكأن الوجه الذي دعاهم الى ذلك: حمل الاقامة في النصوص على كون البلد مثلا مقرا له ومحطا لرحله. إذ من الواضح أن هذا المعنى لا ينافيه الخروج المذكور. بل لا ينافيه الخروج الى المسافة، لولا الاجماع على قدح نيته. لكن حيث لاقرينة على هذا المعنى، لا مجال لرفع اليد عن ظاهر النصوص في كون الاقامة ما يقابل الارتحال والذهاب، المعبر عنها بالحضور المنافي ذلك قطعا. لاأقل من إجمال النصوص، والمرجع عموم التقصير على المسافر. اللهم إلا أن يقال: المفهوم عرفا من الاقامة هو المعنى الاول، فيتعين حمل النصوص عليه، ولا اجمال فيها حينئذ. وأما ما في خبر الحضيني، المروي في الوسائل في باب تخيير المسافر بمكة: " إني أقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة. قال (ع): انو مقام عشرة أيام، وأتم الصلاة " (* 1) فالاستدلال به على هذا القول مبني على كون الخروج إلى عرفات لا يوجب التقصير، والالتزام بكون الخروج هذه المدة غير مناف للاقامة. والاول مناف لصريح النصوص. والثاني بعيد جدا. مع أن عدم صحة الخبر في نفسه، وإعراض الاصحاب عنه مانعان عن العمل به.


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 15.

===============

( 121 )

{ التضييق في دائرة المقام (1)، كما لا يجوز التوسيع كثيرا، بحيث يخرج عن صدق وحدة المحل. فالمدار على صدق الوحدة عرفا وبعد ذلك لا ينافي الخروج عن ذلك المحل الى أطرافه، بقصد العود إليه، وإن كان الى الخارج عن حد الترخص، بل الى ما دون الاربعة، كما ذكرنا في البلد. فجواز نية الخروج إلى ما دون الاربعة لا يوجب جواز توسيع محل الاقامة كثيرا، فلا يجوز جعل محلها مجموع ما دون الاربعة، بل يؤخذ على المتعارف، وإن كان يجوز التردد الى ما دون الاربعة، على وجه لا يضر بصدق الاقامة فيه. (مسألة 10): إذا علق الاقامة على أمر مشكوك الحصول لا يكفي، بل وكذا لو كان مظنون الحصول، فانه ينافي العزم على البقاء المعتبر فيها. نعم لو كان عازما على البقاء لكن احتمل حدوث المانع لا يضر (2). (مسألة 11): المجبور على الاقامة عشرا والمكره عليها يجب عليه التمام، وإن كان من نيته الخروج على فرض رفع الجبر والاكراه، لكن بشرط أن يكون عالما بعدم ارتفاعهما، وبقائه عشرة أيام كذلك (3). } (1) قد عرفت فيما سبق الكلام في هذه المسألة. (2) لانه مع وجود المقتضيات للعزم - من الميل والرغبة - يتحقق وإن احتمل عروض الرافع المزاحم. وبذلك افترق عن الفرض السابق، لان التعليق راجع الى تعليق مقتضيات العزم وعدم فعليتها. فتأمل جيدا. (3) إذ بذلك وإن لم يدخل في العازم يدخل في المتيقن، وقد عرفت

===============

( 122 )

{ (مسألة 12): لا تصح نية الاقامة في بيوت الاعراب ونحوهم ما لم يطمئن بعدم الرحيل عشرة أيام (1). إلا إذا عزم على المكث بعد رحلتهم إلى تمام العشرة. (مسألة 13): الزوجة والعبد إذا قصدا المقام بمقدار ما قصده الزوج والسيد - والمفروض أنهما قصدا العشرة - لا يبعد كفايته في تحقق الاقامة بالنسبة اليهما، وإن لم يعلما حين القصد أن مقصد الزوج والسيد هو العشرة. نعم قبل العلم بذلك عليهما التقصير، ويجب عليهما التمام بعد الاطلاع. وإن لم يبق إلا يومان أو ثلاثة، فالظاهر وجوب الاعادة أو القضاء عليهما بالنسبة إلى ما مضى مما صليا قصرا. وكذا الحال إذا قصد المقام بمقدار ما قصده رفقاؤه، وكان مقصدهم العشرة. فالقصد الاجمالي كاف (2) في تحقق الاقامة. لكن الاحوط الجمع في الصورتين. بل لا يترك الاحتياط. } أن اليقين بالبقاء كالعزم عليه. (1) إذ لولاه لا يحصل العزم، ولا اليقين، ومعه يحصل العزم. (2) هذا غير ظاهر، إذ لا يخرج به عن كونه مترددا في إقامة العشرة المحكوم بوجوب القصر. ومثله: مالو نوى الاقامة إلى أجل مردد بين العشرة وما دونها، مثل قدوم الحاج، وقضاء الحاجة، ونزول المطر، وأمثال ذلك، فانه لا يوجب عليه التمام واقعا، وإن كان الاجل لا ينقضي قبل العشرة بل هو من المتردد الذي يجب عليه القصر نصا وفتوى. ولا مجال لقياس المقام على مالو قصد السفر إلى مكان معين عنده، ولكن لا يعلم أن المسافة إليه تبلغ ثمانية فراسخ، حيث تقدم كفاية القصد

===============

( 123 )

الاجمالي للثمانية في وجوب القصر. إذ التردد هنا في حد الزمان الاجمالي، وأنه ينتهي الى العشرة أو الى ما دونها، وهناك لاتردد في حد المسافة، وإنما التردد في أن المسافة المحدودة تبلغ ثمانية أو لا تبلغ، والفر بينهما ظاهر. نعم نظير المقام: مالو قصد مكان ضالته الذي لا يعلم أنه في الكوفة أو في الحلة أو في ذي الكفل، نظرا الى أن المتردد فيه حدود المسافة. ولذا تقدم وجوب التمام على المسافر المذكور، وان كان مقصده الاجمالي ينطبق واقعا على نهاية مسافة. وبالجملة: تارة: يكون المسافر مترددا في حد ذات الزمان الذي يقيم فيه، وأنه الاقل أو الاكثر، وإن كان جازما بعنوانه من حيث المقدار على كل من تقديري الاقل والاكثر، كما إذا كان عالما بأن الزمان الذي يقيم فيه إن كان منتهاه يوم الجمعة فهو تسعة أيام، وإن كان منتهاه يوم السبت فهو عشرة أيام، ولكنه متردد في حده، وأنه الجمعة أو السبت. وفي هذه الصورة يجب البقاء على التقصير واقعا، لعدم تحقق قصد الاقامة منه في زمان هو عشرة أيام، لاحتمال انتهاء الاقامة يوم الجمعة لايوم السبت. وأخرى: يكون جازما بحد الزمان الذي يقيم فيه، وهو يوم السبت في المثال، وان كان مترددا في انطباق عنوان العشرة أيام عليه، لتردده في اليوم الذي بدأ فيه الاقامة، كما لو دخل البلد عند الزوال، وهو لا يدري أن اليوم يوم الاربعاء أو الخميس، فنوى الاقامة إلى زوال السبت، وتبين أن يوم دخوله كان هو الاربعاء. وفي هذه الصورة يجب عليه التمام، لتحقق قصد الاقامة منه في زمان هو عشرة أيام في الواقع، وإن لم يدر أن ذات الزمان معنون بعنوان عشرة أيام، لان الغرض من ذكر العشرة تحديد الامد فلا يلزم ملاحظتها موضوعا للقصد. وكذا الحال إذا نوى الاقامة الى آخر الشهر، وكان مترددا في أن النية كانت في زوال يوم العشرين أو زوال

===============

( 124 )

{ (مسألة 14): إذا قصد المقام إلى آخر الشهر - مثلا - وكان عشرة كفى، وإن لم يكن عالما به حين القصد، بل وإن كان عالما بالخلاف. لكن الاحوط في هذه المسألة أيضا الجمع بين القصر والتمام بعد العلم بالحال، لاحتمال اعتبار العلم حين القصد. (مسألة 15): إذا عزم على إقامة العشرة، ثم عدل عن قصده، فان كان صلى مع العزم المذكور رباعية بتمام بقي على التمام مادام في ذلك المكان (1). وأن لم يصل أصل، أو } الواحد والعشرين. أما إذا علم أنه زوال العشرين، ولكن كان مترددا في أن الشهر ناقص أو كامل فعليه القصر، كما عرفت. وهذا التفصيل الذي ذكرناه في قصد الاقامة بعينه جار في قصد المسافة وأنه إن كانت ذات المسافة المقصودة معلومة الحد، وإنما الشك في انطباق عنوان الثمانية فراسخ عليها، وجب القصر. وإن كانت مجهولة الحد، وأنه الموضع الفلاني أو الموضع الفلاني وجب التمام، وان علم العنوان على تقديم أن يكون الحد هو الموضع الخاص. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكر في المسألة الآتية. (1) بلا خلاف، كما عن جماعة بل عن جماعة: الاجماع عليه. لصحيح أبي ولاد: " قلت لابي عبد الله (ع): إني كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيام، وأتم الصلاة، ثم بدا لي بعد أن لا أقيم بها، فما ترى لي أتم، أم أقصر؟ قال (ع): إن كنت دخلت المدينة، وصليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام، فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها. وإن كنت حين دخلتها على نيتك التمام، ولم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم، فأنت في تلك الحال بالخيار، إن شئت فانو المقام

===============

( 125 )

{ صلى مثل الصبح والمغرب، أو شرع في الرباعية. لكن لم يتمها وإن دخل في ركوع الركعة الثالثة، رجع الى القصر (1). } عشرا وأتم، وإن لم تنو المقام فقصر ما بينك وبين شهر. فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة " (* 1) مضافا إلى إطلاق نصوص الاقامة. لتعليق التمام فيها على مجرد نية الاقامة ولو حدوثا، ولا مقيد لها بصورة البقاء. وخبر حمزة بن عبد الله الجعفري: " لما نفرت من منى نويت المقام بمكة، فأتممت الصلاة، ثم جاءني خبر من المنزل، فلم أجد بدا من المصير إلى المنزل، ولم أدر أتم أم أقصر، وأبو الحسن (ع) يومئذ بمكة، فأتيته وقصصت عليه القصة، فقال (ع): ارجع الى التقصير " (* 2) لا يصلح لمعارضة ما سبق، لوهنه في نفسه باهمال الجعفري، وباعراض الاصحاب عنه. ثم إن التفصيل المذكور إنما هو للعدول في الاثناء. أما لو كان بعد تمام العشرة بقي على التمام، وإن لم يصل فريضة بتمام. (1) لان الظاهر من الشرط في الشرطية الثانية أن لا يفرغ من صلاة فريضة تامة غير مقصورة، وهو حاصل في جميع الفروض المذكورة. بل لااشكال فيه بالنسبة الى الاول. وكذا الثاني، وإن احتمل في الحدائق: كون المراد من الشرط في الاوللى أن يصلي فريضة مطلقا، بعد قصد التمام في المقصورات. إذ هو احتمال غريب، ولذا جعله بعيدا، وجعل الظاهر خلافه. وكذا في الثالث، وان كان ظاهر محكي المبسوط وغيره: الاكتفاء بمجرد الشروع في الرباعية، وإن لم يدخل في ركوع الثالثة. وكأنه حملا للنص على ما يعم الشروع في الرباعية بقصد التمام. أو لدعوى انصراف النص عن مثله، فالمرجع فيه إطلاق التمام على المقيم، أو استصحابه، بناء على


____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 18 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

===============

( 126 )

{ وكذا لو أتى بغير الفريضة الرباعية، مما لا يجوز فعله للمسافر كالنوافل والصوم ونحوهما، فانه يرجع الى القصر مع العدول. } كونه المرجع، دون عموم القصر. وفيه: أن الانصراف ممنوع. وعن التذكرة والمختلف: الاكتفاء بالدخول في ركوع الثالثة، لانه يلزم من الرجوع الى القصر ابطال العمل المنهي عنه. وفيه: أن تحريم الابطال لا ينافي سببية العدول لتبدل الحكم، فيكون انبطالا لا إبطالا. وأما عدم اندراجه في قوله (ع): " وإن شئت فانو المقام وأتم " حيث لا يتصور التخيير بين القصر والتمام، بعدما بدا له بعد الركوع الثالث، من جهة تعذر جعل صلاته قصرا. فغير ظاهر لامكان القصر له بالاستئناف. وأضعف من ذلك: الاكتفاء بمجرد القيام الى الثالثة وكون الزيادة عمدية مبطلة لو بني على القصر - لو سلم لا يجدي في الاكتفاء المذكور بعد صدق عدم الصلاة تماما. ومما ذكرنا يظهر وجه الحكم في بقية الفروض. نعم قد يدعى: أن ذكر الصلاة تماما مبني على الغالب، والمراد مجرد فعل ما هو من أحكام الاقامة، بأن يشرع في الرباعية بقصد اتمامها أربعا كما اشرنا إليه في توجيه ظاهر محكي المبسوط وغيره. أو يدعى: أن فعل ذلك إما أن يحكم بصحته، أو ببطلانه. لاسبيل الى الثاني، للامر به واقعا فيتعين الاول. ولابد أن يكون من جهة الحكم بصحة الاقامة. وقد تقدم أنها من قواطع السفر، فإذا صحت احتيج في جواز التقصير الى إحداث سفر جديد، ولا يكفي فيه العدول عن نية الاقامة. وفي الاول: أنه خروج عن الظاهر من غير وجه ظاهر. وفي الثاني: (اولا): النقض بصورة مالو كان العدول قبل فعل شئ، فانه قبل العدول آناما محكوم بأحكام الحاضر، فيكشف ذلك عن صحة إقامة. ولازمه عدم الرجوع الى

===============

( 127 )

{ نعم الاولى الاحتياط مع الصوم، إذا كان العدول عن قصده بعد الزوال. وكذا لو كان العدول في أثناء الرباعية، بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة، بل بعد القيام إليها، وإن لم يركع بعد. (مسألة 16): إذا صلى رباعية بتمام، بعد العزم على } التقصير بمجرد العدول، مع أنه خلاف الاجماع. (وثانيا): إن ما ذكر أشبه بالاجتهاد في قبال النص، فان صحيح أبي ولاد يدل على الرجوع الى التقصير بمجرد العدول إذا لم يكن صلى تماما، وإن لم يحدث سفرا جديدا فكيف يبني على رفع اليد عن مدلوله لما ذكر؟!. ثم إن في الحاق الصوم الواجب بالفريضة في البقاء على التمام أقوالا: الالحاق بمجرد الشروع فيه، حكي عن العلامة في جملة من كتبه، وعن الموجز الحاوي، وغاية المرام، وارشاد الجعفرية، والمقاصد العلية، والمسالك وغيرها. وعلل: بتحقق أثر النية. والالحاق بشرط الرجوع عن نية الاقامة بعد الزوال، نسب إلى جامع المقاصد، وفوائد الشرائع، والتنقيح، والهلالية وغيرها. وعلل: بأنه - لاجل عدم جواز الافطار حينئذ - بمنزلة مالو رجع بعد الغروب. والالحاق بشرط أن يكون العدول بعد الغروب، نسب الى جماعة. وعلل: بأن المراد من الفريضة التامة مطلق العمل التام، ولما يستفاد من رواية معاوية بن وهب، من أن الصوم والصلاة واحد (* 1). والجميع - كما ترى - خروج عن ظاهر النص بلا قرينة. وأما رواية معاوية في ظاهرة في اتحادهما في الترخص وعدمه، وأنه إذا أفطر قصر، وإذا قصر أفطر، وليست متعرضة لما نحن فيه. فالاقوى عدم الالحاق، كما عن مجمع الفائدة، والمدارك، والكفاية، والذخيرة، والحدائق، والرياض وغيرها.


____________
(* 1) تقدم ذلك في المسألة: 31 من فصل صلاة المسافر.

===============

( 128 )

{ الاقامة، لكن مع الغفلة عن اقامته، ثم عدل، فالظاهر كفايته في البقاء على التمام (1). وكذا لو صلاها تماما لشرف البقعة (2) كمواطن التخيير، ولو مع الفلة عن الاقامة (3). وإن كان الاحوط الجمع بعد العدول حينئذ. وكذا في الصورة الاولى. (مسألة 17): لا يشترط في تحقق الاقامة كونه مكلفا بالصلاة (4)، فلو نوى الاقامة وهو غير بالغ، ثم بلغ في أثناء العشرة، وجب عليه التمام في بقية الايام. وإذا أراد التطوع بالصلاة قبل البلوغ يصلي تماما (5). وكذا إذا نواها وهو مجنون (6)، إذا كان ممن يتحقق منه القصد، أو نواها حال الافاقة، ثم جن، ثم أفاق (7). } (1) لاطلاق الصحيح المتقدم. ودعوى: انصرافه الى خصوص صورة الفعل، جريا على نية الاقامة. ممنوعة، بل الانصراف بدوي لا يعول عليه في رفع اليد عن الاطلاق. (2) للاطلاق أيضا. لكن لاتبعد دعوى الانصراف الى خصوص صورة كون الصحة من آثار نية الاقامة. إلا أن يقال: الصحة في المقام مستندة إلى نية الاقامة، غاية الامر إنه لولا النية لصحت أيضا من جهة الخصوصية في المكان، فالصحة لها سببان على البدل. (3) لا يمكن فرض ذلك في حال الالتفات، بل لابد فيه من الغفلة (4) لاطلاق الادلة. والاشكال في قصد الصبي قد عرفت دفعه في قصد المسافة. ثم إنه لا يطرد في صورة العلم بالاقامة عشرة أيام. (5) لانه كالبالغ في كيفية العمل، سواء أكانت أعماله شرعية أم تمرينية (6) للاطلاق. (7) إذ الجنون - لو سلم كونه رافعا للقصد - لا يقدح عروضه،

===============

( 129 )

{ وكذا إذا كانت حائضا حال النية (1)، فانها تصلي ما بقي بعد الطهر من العشرة تماما. بل إذا كانت حائضا تمام العشرة يجب عليها التمام، ما لم تنشئ سفرا. (مسألة 18): إذا فاتته الرباعية بعد العزم على الاقامة ثم عدل عنها بعد الوقت، فان كانت مما يجب قضاؤها، وأتى بالقضاء تماما ثم عدل، فالظاهر كفايته في البقاء على التمام (2). وأما إن عدل قبل إتيان قضائها أيضا فالظاهر العود إلى القصر، وعدم كفاية استقرار القضاء عليه تماما. وإن كان الاحوط الجمع حينئذ، مادام لم يخرج. وإن كانت مما لا يجب قضاؤه كما إذا فاتت لاجل الحيض، أو النفاس، ثم عدلت عن النية، قبل إتيان صلاة تامة، رجعت إلى القصر. فلا يكفي مضي وقت الصلاة في البقاء على التمام (3). (مسألة 19): العدول عن الاقامة قبل الصلاة تماما قاطع لها من حينه، } لعدم الدليل على اعتبار استمرار القصد، وإنما دل على قدح التردد والبداء ولذا لا يقدح النوم، ولا النسيان. (1) للاطلاق. (2) للاطلاق. إذ اعتبار خصوص الاداء لاوجه له. والانصراف إليه بدوي. (3) كما عن الذكرى. لصدق أنه لم يصل فريضة بتمام. وفي نجاة العباد لم يستبعد الاكتفاء، تبعا لما عن التذكرة وغيرها، لاستقرارها في الذمة تماما. وهو كما ترى.

===============

( 130 )

{ وليس كاشفا عن عدم تحققها من الاول (1). فلو فاتته حال العزم عليها صلاة أو صلوات أيام، ثم عدل قبل أن يصلي صلاة واحدة بتمام، يجب عليه قضاؤها تماما. وكذا إذا صام يوما أو أياما حال العزم عليها، ثم عدل قبل أن يصلى صلاة واحدة بتمام، فصيامه صحيح. نعم لا يجوز له الصوم بعد العدول، لان المفروض انقطاع الاقامة بعده (2). (مسألة 20): لافرق في العدول عن قصد الاقامة بين أن يعزم على عدمها، أو يتردد فيها (3)، في أنه لو كان بعد الصلوة تماما بقي على التمام ولو كان قبله رجع إلى القصر. (مسألة 21): إذا عزم على الاقامة فنوى الصوم، ثم عدل بعد الزوال قبل الصلاة تماما، رجع إلى القصر في صلاته (4). لكن صوم ذلك اليوم صحيح، لما عرفت من } (1) لان ظاهر الصحيح التعرض للبقاء على التمام، لا لاصل الحدوث فاطلاق مادل على أن حدوث نية الاقامة مطلقا كاف في وجوب التمام محكم بلا معارض. مضافا الى أن فعل الفريضة لو كان شرطا في صحة الاقامة لزم الدور، لان نية الاقامة شرط في صحة التمام والامر به. فتأمل. (2) على ما عرفت: من عدم الاكتفاء بالصوم في البقاء على التمام. (3) لما في ذيل الصحيح المتقدم: من أن البقاء على التمام مشروط بالبقاء على النية، فإذا لم ينو الاقامة - ولو كان مترددا - وجب القصر، إذا لم يصل فريضة بتمام (* 1) (4) لما عرفت.


____________
(* 1) راجع المسألة: 15 من هذا الفصل.

===============

( 131 )

{ أن العدول قاطع من حينه، لا كاشف، فهو كمن صام، ثم سافر بعد الزوال (1). (مسألة 22): إذا تمت العشرة لا يحتاج في البقاء على التمام إلى اقامة جديدة. بل إذا تحققت باتيان رباعية تامة كذلك، فما دام لم ينشئ سفرا جديدا يبقى على التمام (2). (مسألة 23): كما أن الاقامة موجبة للصلاة تماما، و لوجوب - أو جواز - الصوم، كذلك موجبة لاستحباب النوافل الساقطة حال السفر، ولوجوب الجمعة، ونحو ذلك من أحكام الحاضر (3). (مسألة 24): إذ تحققت الاقامة وتمت العشرة أولا وبدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ولو ملفقة، فللمسألة صور: الاولى: أن يكون عازما على العود إلى محل الاقامة } (1) لاطلاق الاخبار الدالة على أن من سافر بعد الزوال أتم صومه مثل صحيح ابن مسلم " إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فخرج بعد نصف النهار، عليه صيام ذلك اليوم " (* 1) فانه ظاهر الشمول لما نحن فيه. كما أن مقتضى استصحاب وجوب الصوم ذلك. لكن في الاعتماد عليه، في قبال عموم وجوب الافطار على المسافر إشكال ظاهر. فلاحظ. (2) أما في الاول فلاطلاق مادل على أن نية الاقامة موجبة للتمام. وأما في الثاني فللتصريح في صحيح أبي ولاد بوجوب الاتمام حتى يخرج (* 2) (3) لما عرفت من انها من قواطع السفر، وأن المقيم في البلد بمنزلة أهله.


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب من يصح الصوم منه حديث: 1. (* 2) تقدم في المسألة: 15 من هذا الفصل.

===============

( 132 )

{ واستئناف إقامة عشرة أخرى. وحكمه: وجوب التمام (1) في الذهاب، والمقصد، والاياب، ومحل الاقامة الاولى. وكذا إذا كان عازما على الاقامة في غير محل الاقامة الاولى، مع عدم كون ما بينهما مسافة (2). الثانية: أن يكون عازما على عدم العود إلى محل الاقامة وحكمه: وجوب القصر إذا كان ما بقي من محل إقامته إلى } (1) إجماعا، كما عن الروض، والمقاصد العلية، والمصابيح. وعن الغرية: عليه عامة الاصحاب. وعن الصيمري في كشف الالتباس: انه لاشك ولا خلاف فيه. وعن مجمع البرهان: ان دليله واضح لا إشكال فيه. ووجهه: ما عرفت، من كون الاقامة قاطعة لموضوع السفر، فالرجوع إلى القصر بعدها محتاج إلى سفر جديد، وهو غير حاصل في الفرض. بل لو قلنا بكونها قاطعة لحكمه تعين أيضا البناء على التمام، بناء على الرجوع في مثل المقام الى استصحاب حكم المخصص، لاعموم أدلة القصر. وعن بعض: وجوب القصر، ونسب الى المقدس البغدادي (ره)، والشيخ محمد طه نجف (ره) وكأنه لبنائهم على كون الاقامة رافعة لحكم السفر، لا قاطعة لنفسه، وعلى كون المرجع في مثل المقام عموم أدلة التقصير، لااستصحاب التمام. أو على إطلاق الخروج في صحيح أبي ولاد (* 1) وكلاهما ضعيف. إذ الاول عرفت حاله في شروط المسافة. والثاني - لو سلم - لا مجال للاخذ به بعد البناء على قاطعية الاقامة للسفر، للاجماع على عدم جواز التقصير لغير المسافر. (2) كما نص عليه في محكي مجمع البرهان وغيره، لجريان ما سبق فيه لكونهما من باب واحد.


____________
(* 1) تقدم في المسألة: 15 من هذا الفصل.

===============

( 133 )

{ مقصده مسافة (1)، أو كان مجموع ما بقي مع العود إلى بلده أو بلد آخر مسافة، ولو كان ما بقي أقل من أربعة، على الاقوى من كفاية التلفيق، ولو كان الذهاب أقل من أربعة (2). الثالثة: أن يكون عازما على العود إلى محل الاقامة، من دون قصد إقامة مستأنفة، لكن من حيث أنه منزل من منازله في سفره الجديد. وحكمه: وجوب القصر أيضا في الذهاب، والمقصد، ومحل الاقامة (3). } (1) يعني: إذا كان مابين محل إقامته ومقصده مسافة. والتعبير عنه بما بقي بلحاظ سفره قبل نية الاقامة. وفي الجواهر: " الظاهر أنه لا خلاف فيه، فان الباحثين عنها والمتعرضين لها اتفقوا على ذلك، من دون نقل خلاف، ولا إشكال، بل اعترف بعضهم بظهور الاتفاق عليها "، ويقتضيه مادل على وجوب القصر على المسافر، من دون معارض. وهذا مما لاإشكال فيه. نعم في جعل هذا من صور مسألة الخروج الى ما دون المسافة ولو ملفقة - كما في المتن - غير ظاهر. (2) لكن عرفت إشكاله في مبحث التلفيق. هذا بالنسبة إلى الرجوع الى بلده. أما بالنسبة الى الرجوع إلى غير بلده، فليس هو من التلفيق، بل يجري عليه حكم الامتداد، فانه نوع منه. إذ لا يعتبر استقامة خط السير، بل يشمل غير المستقيم أيضا. (3) كما عن الشيخ، والقاضي، والحلبي، والعلامة في كثير من كتبه وغيرهم. بل عن الشهيد: نسبته الى المتأخرين. وهو إنما يتم بناء على ضم الذهاب مطلقا - ولو كان دون الاربعة - إلى الاياب. أما بناء على عدمه، واعتبار كون الذهاب أربعة، فغير ظاهر. لان المفروض كون

===============

( 134 )

الذهاب الى المقصد دون الاربعة. ودعوى: كفاية قصد السفر بالاياب، فهو من حين خروجه عن محل الاقامة يصدق أنه مسافر، بلحاظ قصد الاياب، فيجب عليه التقصير. مندفعة: بما عرفت في أحكام المسافة، من أن ظاهر الادلة اعتبار السير في المسافة في وجوب التقصير، فإذا لم يكن السير الذهابي جزءا من السفر الموجب للقصر، لم يشرع القصر حاله. ولذا حكي عن جماعة: الاقتصار في وجوب التقصير على الاياب، ومحل الاقامة وأوجبوا التمام في الذهاب، والمقصد. وهذا القول وإن كان أقرب من الاول إلى القواعد، لعدم ورود الاشكال المتقدم فيه. إلا أنه استشكل فيه أيضا جماعة: بأن جعل الشروع في الاياب شروعا في السفر يتوقف على ضم الاياب الى الخروج ثانيا عن محل الاقامة، وكونهما سفرا واحدا عرفا، وهو لا يطرد في جميع الصور. ولذا فصل - في المتن وغيره - بين الصورة الثالثة والرابعة، فأوجب القصر في الاياب في الاولى، والتمام فيه في الثانية، لانه يصدق على الاياب والخروج عن محل الاقامة أنهما سفر واحد عرفا في الاولى، ولا يصدق ذلك عليهما في الثانية. وفيه: أن عدم الصدق في الثانية مبني على المسامحة، إذ لا ينبغي التأمل في كون المسافر عند شروعه في الاياب قاصدا للسفر إلى بلده حقيقة، غاية الامر أنه - بلحاظ كونه لما لم يقض وطره من محل الاقامة - يقال - بنحو من العناية - إنه ذاهب إلى محل الاقامة، لا إلى بلده. وهذا المقدار لا يدور عليه الحكم. ونظيره: من خرج من وطنه لحاجة له في موضع على رأس ثلاثة فراسخ، لكنه لا يتمكن من النزول فيه عند الوصول إليه، لعدم وقوف القطار فيه مثلا، بل كان يقف على رأس أربعة فراسخ، فانه إذا وقف القطار على رأس الاربعة فرجع إلى مقصده، يقال عند شروعه في الرجوع

===============

( 135 )

إليه: انه قاصد السفر إلى المقصد، لا إلى بلده، مع أنه لا يظن من أحد التوقف في وجوب القصر عليه في الذهاب، والاياب، لما ذكرنا من كونه قاصدا حقيقة الرجوع إلى بلده، وان كان يمر بمقصده. ولذا اتفق النص والفتوى على انحصار قواطع السفر بالمرور بالوطن، والاقامة عشرا، والتردد ثلاثين يوما. بل من ضروريات نصوص الاقامة: أن الاقامة دون عشرة في الضياع والقرى المملوكة لا يقطع السفر، ولا يقدح في اتصال السفر قبلها بما بعدها على أي نحو كانت، فكيف يكون المقام في موضع الاقامة قاطعا في المقام؟! فتأمل جيدا. فإذا التفصيل المذكور لا يخلو من إشكال. مضافا الى ما يمكن أن يشكل به على أصل الحكم بالتقصير في الاياب جميع صوره، وذلك أنه بناء على كون الاقامة قاطعة لنفس السفر المأخوذ موضوعا لوجوب التقصير، لابد في جواز التقصير من قصد السفر عن محل الاقامة، بحيث يكون الكون في محل الاقامة خارجا عنه. وهذا المعنى إنما ينطبق على الخروج عن محل الاقامة كلية بعد العود إليه، ولا ينطبق على الاياب إليه، لان انطباقه على الاياب يلازم كون المرور بمحل الاقامة جزءا من السفر عنه، وقد عرفت أنه غير جائز. فالقول بالتمام في الذهاب والمقصد، والاياب، ومحل الاقامة، الى أن يخرج عنه كلية - كما عن غير واحد من متأخري المتأخرين، وفاقا لما عن العلامة في جواب المسائل المهنائية ونسب الى ولده في بعض الحواشي - في محله. وما عن غير واحد: من نفي الخلاف في وجوب القصر في الاياب، أو دعوى الاجماع عليه. ليس بنحو يصلح أن يعتمد عليه في رفع اليد عما تقتضيه القواعد. ومن ذلك تعرف حال الصورة الرابعة. اللهم إلا أن يقال: لادليل على اعتبار تحقق السفر عن محل الاقامة في المترخص، بل اللازم - بعد البناء على قاطعية الاقامة للسفر - اعتبار

===============

( 136 )

{ الرابعة: أن يكون عازما على العود إليه من حيث أنه محل إقامته، بأن لا يكون حين الخروج معرضا عنه، بل أراد قضاء حاجة في خارجه والعود إليه، ثم إنشاء السفر منه ولو بعد يومين، أو يوم، بل أو أقل. والاقوى في هذه الصورة البقاء على التمام في الذهاب، والمقصد، والاياب، ومحل الاقامة ما لم ينشئ سفرا. وإن كان الاحوط الجمع في الجميع، خصوصا في الاياب، ومحل الاقامة. الخامسة: أن يكون عازما على العود الى محل الاقامة، لكن مع التردد في الاقامة بعد العود وعدمها. وحكمه أيضا وجوب التمام (1). والاحوط الجمع، كالصورة الرابعة. السادسة: أن يكون عازما على العود، مع الذهول عن } تحقق السفر غير السفر السابق المنقطع بالاقامة، وهذا متحقق في المقام وفيه: أن ظاهر صحيح أبي ولاد (* 1) اعتبار السفر عن محل الاقامة، والخروج عنه مسافرا، بحيث يكون خط السير في خارجه. (1) كما عن المدارك، والذخيرة: والمصابيح. أما بناء على الاشكال المتقدم فظاهر. وأما بناء على القصر في الاياب في الصورة الثالثة، فلعدم قصد السفر به، لان التردد في الاقامة تردد في السفر غير المنقطع بها، ومعه لابد من التمام، كما تقدم في الشرط الرابع من شروط القصر. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن الغرية وارشاد الجعفرية. من الحكم بالقصر، وعن فوائد الشرائع وحاشية الارشاد: انه الاقوى، وما عن جامع المقاصد والجعفرية: من أن فيه وجهين.


____________
(* 1) تقدم في المسألة: 15 من هذا الفصل.

===============

( 137 )

{ الاقامة وعدمها. وحكمه أيضا: وجوب التمام (1). والاحوط الجمع، كالسابقة. السابعة: أن يكون مترددا في العود وعدمه (2)، } (1) يظهر وجهه مما سبق في الصورة الخامسة، لان الذهول عن الاقامة وعدمها مناف لقصد السفر، كالتردد فيها هناك، بناء على وجوب القصر في الاياب. أما بناء على وجوب التمام فيه، فوجه التمام أظهر. (2) عدم العود تارة: يكون بمعنى الاقامة في المقصد، وأخرى: بمعنى السفر إلى أهله. فعلى الاول يكون محصل الفرض: أنه قصد الذهاب الى المقصد، مترددا بين الاقامة فيه والعود الى محل الاقامة. وينبغي الجزم بوجوب التمام في الذهاب، لان التردد في الاقامة مانع من الترخص فيه، سواء أكان قاصدا - على تقدير العود - الاقامة في محل الاقامة ثانيا، أم الذهاب إلى أهله، أم تردد في ذلك. وعلى الثاني فاما أن يكون بناؤه - على تقدير العود - الاقامة في محل الاقامة ثانيا، وإما أن يكون بناؤه - على تقديره - السفر إلى أهله، أو تردد في ذلك. فعلى الاول يكون محصل الفرض: أنه سافر إلى المقصد، مترددا بين الذهاب منه الى أهله، وبين العود والاقامة. وينبغي الجزم بوجوب التمام أيضا في الذهاب، لما عرفت من أن التردد في الاقامة مانع عن القصر. وكذا لو كان مترددا في الاقامة ولافرق في ذلك بين القول بالترخص في الاياب في الصورة الثالثة والرابعة والقول بالتمام فيه. وعلى الثاني يكون محصل الفرض: أنه سافر إلى المقصد مترددا بين السفر منه إلى أهله وبين العود الى محل الاقامة والذهاب منه إلى أهله. وينبغي الجزم بأن حكمه التمام في الذهاب، على تقدير كون رجوعه إلى محل الاقامة من قبيل الرجوع إليه في الصورة الرابعة، وأن حكمه القصر لو كان من قبيل الرجوع إليه في الصورة الثالثة، بناء على القصر في الاياب

===============

( 138 )

{ أو ذاهلا عنه (1). ولا يترك الاحتياط بالجمع فيه في الذهاب والمقصد، والاياب، ومحل الاقامة، إذا عاد إليه إلى أن يعزم على الاقامة، أو ينشئ السفر. ولافرق في الصور التي قلنا فيها بوجوب التمام بين أن يرجع الى محل الاقامة في يومه، } فيها. أما بناء على التمام فيه فيهما - بناء على الاشكال المتقدم - فالحكم التمام هنا على التقديرين لعدم تحقق قصد السفر الخارج عن محل الاقامة. وهذا الكلام كله في الذهاب. وقد عرفت أنه قد يجب فيه التمام، وقد يجب فيه القصر. كما أن وجوب القصر - على تقديره - مبني على القول بالضم مطلقا. أما بناء على اعتبار الاربعة في جواز الضم فلا مجال للقصر فيه في جميع الصور. وأما الاياب فلا يعرف حكمه إلا بعد الشروع فيه، ليعلم أنه كان بأي قصد. وحينئذ يعرف حكمه مما سبق في الصور السابقة. لكن لابد من ملاحظة ما يأتي في ذيل المسألة الخامسة والعشرين، فقد يجب فيه القصر، مع وجوب التمام فيه فيما سبق، وذلك إذا انقطعت الاقامة في الذهاب، حيث يجب فيه التقصير، فلاحظ. (1) الذهول عن العود إن كان بمعنى الذهول عنه وعما ينافيه - من الاقامة في المقصد، والسفر منه الى أهله - فهو يلازم عدم قصد السفر إلا إلى المقصد. وحينئذ فلابد من التام فيه، لعدم قصد المسافة الموجبة للقصر وإن كان بمعنى الغفلة عنه فقط، بأن عزم على السفر إلى المقصد ومنه إلى أهله، أو بنى على الاقامة فيه، أو تردد بين الامرين، وجب القصر في الذهاب في الاول، والتمام في الاخيرين. هذا حكم الذهاب. وأما الاياب فلا يعرف حكمه إلا بعد الشروع فيه، كما سبق. ومما ذكرنا كله تعرف أنه لاوجه ظاهر لتوقف المصنف (ره) عن الفتوى في هذه المسألة، مع ما عرفت من وضوح حكمها في جميع الصور.

===============

( 139 )

{ أو ليلته، أو بعد أيام (1). هذا كله إذا بدا له الخروج إلى ما دون المسافة، بعد العشرة أو في أثنائها، بعد تحقق الاقامة. وأما إذا كان من عزمه الخروج في حال نية الاقامة، فقد مر (2) أنه إن كان من قصده الخروج والعود عما قريب. وفي ذلك اليوم، من غير أن يبيت خارجا عن محل الاقامة، فلا يضر بقصد اقامته ويتحقق معه، فيكون حاله بعد ذلك حال من بدا له. وأما إن كان من قصده الخروج إلى ما دون المسافة في ابتداء نيته، مع البيتوتة هناك ليلة أو أزيد، فيشكل معه تحقق الاقامة. والاحوط الجمع من الاول إلى الآخر. إلا إذا نوى الاقامة بدون القصد المذكور جديدا، أو يخرج مسافرا. (مسألة 25): إذا بدا للمقيم السفر، ثم بدا له العود إلى العود محل الاقامة والبقاء عشرة أيام، فان كان ذلك بعد بلوغ أربعة فراسخ، قصر في الذهاب، والمقصد، والعود (3). وإن كان قبله فيقصر حال الخروج (4) - بعد التجاوز عن حد الترخص - (5) إلى حال العزم على العود، ويتم عند } (1) لان التفصيل بين الامرين إنما قيل به في قصد المسافة التلفيقية، لافيما نحن فيه. (2) قد مر الكلام فيه. (3) لكونه مسافرا في الجميع، كالخارج من وطنه. (4) لكونه شارعا في سفر مقصود له. (5) على ما تقدم.

===============

( 140 )

{ العزم عليه (1). ولا يجب عليه قضاء ما صلى قصرا (2). وأما إذا بدا له العود، بدون إقامة جديدة، بقى على القصر حتى في محل الاقامة، لان المفروض الاعراض عنه (3). وكذا لو ردته الريح، أو رجح لقضاء حاجة، كما مر سابقا (4). (مسألة 26): لو دخل في الصلاة بنية القصر، ثم بدا له الاقامة في أثنائها أتمها، وأجزأت (5). ولو نوى الاقامة ودخل في الصلاة بنية التمام، فبدا له السفر، فان كان } (1) لان العدول عن السفر مانع من البقاء على القصر، لاعتبار استمرار قصده، كما عرفت. (2) لما تقدم في المسألة الرابعة والعشرين من أول المبحث. (3) يعني: فلا مجال لتوهم أن الرجوع الى موضع الاقامة ملحق بالاقامة السابقة، لعدم منافاة هذا المقدار من الخروج لها، فان الخروج حال الاعراض مانع عن ذلك، ولا دليل على أن العدول عنه موجب للرجوع الى التمام، فالمرجع عموم القصر. (4) في المسألة التاسعة والستين من الفصل الاول. (5) بلا خلاف ظاهر، بل عن التذكرة، وإرشاد الجعفرية، وظاهر الذخيرة: الاجماع عليه. ويدل عليه - مضافا الى إطلاق أدلة التمام على المقيم - صحيح علي بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام: " عن الرجل يخرج في السفر، ثم يبدو له في الاقامة، وهو في الصلاة. قال (ع): يتم إذا بدت له الاقامة " (* 1) ونحوه خبر سهل (* 2).


____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 20 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

===============

( 141 )

{ قبل الدخول في الركعة الثالثة أتمها قصرا، واجتزأ بها (1). وإن كان بعده بطلت، ورجع إلى القصر مادام لم يخرج (2) وإن كان الاحوط إتمامها تماما، وإعادتها قصرا، والجمع بين القصر والاتمام ما لم يسافر (3)، كما مر. (مسألة 27): لا فرق في إيجاب الاقامة لقطع حكم السفر واتمام الصلاة بين أن تكون محللة أو محرمة (4)، كما إذا قصد الاقامة لغاية محرمة، من قتل مؤمن، أو سرقة ماله أو نحو ذلك، كما إذا نهاه عنها والده، أو سيده، أو لم يرض بها زوجها. (مسألة 28): إذا كان عليه صوم واجب معين غير رمضان - كالنذر، أو الاستيجار، أو نحوهما - وجب عليه الاقامة مع الامكان (5). } (1) بلا إشكال فيه على الظاهر، بناء على عدم الاكتفاء في البقاء على وجوب التمام بمجرد الدخول في الصلاة بنية التمام. أما بناء على الاكتفاء بذلك - كما تقدم نقله عن الشيخ - أتمها تماما، وبقي على التمام. وقد عرفت فيما سبق أن هذا المبنى خلاف ظاهر صحيح أبي ولاد (* 1). (2) إذا كان بعد الدخول في ركوع الثالثة. وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الخامسة عشرة. فرجع. (3) مبنى الاحتياط: الاشكال في الاكتفاء بهذا المقدار من الاثر في البقاء على التمام وغيره، مما عرفت ضعفه. (4) للاطلاق. (5) إعلم: أن الحضر إذا كان شرطا لوجوب الصوم - كما يقتضيه


____________
(* 1) تقدم ذلك في المسألة: 15 من هذا الفصل.

===============

( 142 )

ظاهر الآية (* 1) وبعض النصوص (* 2) كان السفر موجبا لعدم المصلحة في الصوم. وحينئذ لا يكون ترك الصوم تفويتا، ولاعدمه فوتا. ولا وجه لوجوب القضاء لما فات في السفر، بل إن وجب بعد ذلك في الحضر لم يكن قضاء لما فات، بل هو واجب آخر أجنبي عنه. وهو خلاف ضرورة الفقه، بل خلاف مرتكزات المتشرعة. وان كان الحضر شرطا لوجوده، كان اللازم وجوب تحصيله، فلا يجوز السفر. ولاجل أن المشهور المنصور جواز السفر اختيارا في شهر رمضان، وجب الالتزام بأن الشرط ليس وجود الحضر مطلقا، بل وجوده من باب الاتفاق. وحينئذ يجوز تفويته اختيارا، كما يجوز تفويت شرائط الوجوب، ولكن يجب القضاء. هذا في صوم رمضان. أما غيره فمقتضى قاعدة الالحاق جريان ذلك فيه أيضا، فيكون الحضر شرطا لوجود الصوم، لا مطلقا، بل خصوص وجوده من باب الاتفاق. وعليه فيجوز السفر اختيارا في كل صوم واجب معين، بالاصل أو بالعارض، كما اختاره في نجاة العباد، وأمضاه شيخنا الاعظم (ره) والسيد المحقق الشيرازي (قده) وغيرهما من محشيها. ويشهد به في النذر بعض النصوص، كرواية عبد الله بن جندب: " سمعت من زرارة عن أبي عبد الله (ع) أنه سأله عن رجل جعل على نفسه نذرا صوما. فحضرته نية في زيارة أبي عبد الله (ع). قال (ع): يخرج، ولا يصوم في الطريق. فإذا رجع قضى ذلك " (* 3) وقريب منها غيرها. وعلى هذا فلا موجب للاقامة. نعم لا يبعد ذلك في الاستئجار، لظهور الاجارة في كونها إجارة على الاقامة والصوم معا، لا على الصوم على تقدير الاقامة.


____________
(* 1) وهي قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه...) البقرة: 185. (* 2) تأتي الاشارة إليها - ان شاء الله تعالى - في المسألة: 1 من فصل شرائط وجوب الصوم. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 5.

===============

( 143 )

{ (مسألة 29): إذا بقي من الوقت أربع ركعات، وعليه الظهران، ففي جواز الاقامة إذا كان مسافرا، وعدمه من حيث استلزامه تفويت الظهر وصيرورتها قضاء، اشكال (1) فالاحوط عدم نية الاقامة مع عدم الضرورة. نعم لو كان حاضرا، وكان الحال كذلك لا يجب عليه السفر لادراك الصلاتين في الوقت. (مسألة 30): إذا نوى الاقامة، ثم عدل عنها، وشك في أن عدوله كان بعد الصلاة تماما حتى يبقى على التمام أم لا، بنى على عدمها (2)، فيرجع إلى القصر. (مسألة 31): إذا علم بعد نية الاقامة بصلاة أربع ركعات والعدول عن الاقامة، ولكن شك في المتقدم منهما مع } ومنه يظهر أنه لو كان مرجع النذر إلى نذر الاقامة والصوم معا، وجبت الاقامة أيضا. وانما لا تجب الاقامة - حسبما قلنا - إذا كان النذر للصوم المشروع في الزمان المعين، لاغير. وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في المسألة التاسعة والثلاثين من الفصل السابق. وتمام الكلام في المقام موكول إلى محله من كتاب الصوم. (1) لكنه ضعيف، لان التفويت المحرم ترك الواجب في ظرف الفراغ عن وجوبه، ولا يشمل ترك تبديل الواجب، الذي لا يقدر عليه المكلف بواجب يقدر عليه، لعدم الدليل على حرمة مثل ذلك، والاصل البراءة. ولاجل ذلك لم يجب السفر في الفرض الآتي. إذ لافرق بين الفرضين في ذلك. وقد تقدم في المسألة الثالثة من فصل القراءة ماله تعلق بالمقام. (2) لاصالة عدمها، فيثبت موضوع وجوب القصر بكلا جزئيه،

===============

( 144 )

{ الجهل بتاريخهما رجع إلى القصر، مع البناء على صحة الصلاة (1) لان الشرط في البقاء على التمام وقوع الصلاة تماما، حال العزم على الاقامة، وهو مشكوك (2). } أحدهما بالوجدان، وهو العدول، والثاني بالاصل، وهو عدم الصلاة تماما. (1) هذا يوجب المخالفة القطعية للعلم الاجمالي بالتكليف، لانه إن كان العدول بعد الصلاة تماما وجب عليه البقاء على التمام. وان كان قبلها وجب عليه الاعادة لما مضى والقصر لما يأتي، فالبناء على صحة الصلاة، والرجوع إلى القصر مخالفة قطعية للتكليف المعلوم بالاجمال. (2) هذا إنما يصلح تعليلا للرجوع الى القصر، لو جرت أصالة عدم وقوع الصلاة تماما الى حين العدول. لكنه يمتنع جريانها، إما لمعارضتها بأصالة عدم وقوع العدول إلى حين الصلاة تماما، كما هو المشهور. أو لعدم حجية الاصل المذكور ذاتا، كما هو التحقيق، حسبما حررناه في تعليقتنا على الكفاية: (حقائق الاصول)، في استصحاب مجهول التاريخ، وتقدم في مباحث خلل الوضوء. ولاجل أنه لا يجري الاصل الموضوعي المذكور، فالمرجع الاصل الحكمي وهو استصحاب وجوب التمام لو أمكن. وإلا - كما لو كان العدول المحتمل قبل الوقت. وبني على عدم حجية الاستصحاب التعليقي - تعين الجمع بين التمام والقصر، من جهة العلم الاجمالي. كما أن عليه إعادة القصر، لانها بعض المعلوم بالاجمال. هذا كله بناء على عدم الرجوع إلى العام في الشبهة المصداقية. أما بناء على الرجوع إليه فيكون الحكم التمام، لعموم مادل على التمام بنية الاقامة المقتصر في الخروج عنه على صورة العلم بالعدول، قبل الصلاة تماما، لا القصر لعموم مادل على القصر للمسافر، للعلم بتخصيصه بأدلة الاقامة، المعلوم

===============

( 145 )

{ (مسألة 32): إذا صلى تماما ثم عدل، ولكن تبين بطلان صلاته، رجع إلى القصر، وكان كمن لم يصل (1). نعم إذا صلى بنية التمام، وبعد السلام شك في أنه سلم على الاربع أو على الاثنين أو الثلاث، بنى على أنه سلم على الاربع ويكفيه في البقاء على حكم التمام إذا عدل عن الاقامة بعدها (2) (مسألة 33): إذا نوى الاقامة، ثم عدل عنها بعد خروج وقت الصلاة، وشك في أنه هل صلى في الوقت حال العزم على الاقامة أم لا، بنى على أنه صلى. لكن في كفايته في البقاء على حكم التمام إشكال (3)، وإن كان لا يخلو من } انطباقه في المقام. هذا ويمكن أن يقال: إن موضوع وجوب التمام على من عدل عن نية الاقامة، هو نية الاقامة مع الصلاة تماما، فإذا ثبتت صحت الصلاة بأصالة الصحة فقد تحقق موضوعه. وعدم العدول قبل الصلاة تماما، لادخل له في وجوب التمام، إلا من حيث اقتضائه صحة الصلاة، لا أنه شرط آخر في قبال الصلاة تماما صحيحة. فليس الشرط في وجوب التمام إلا صحة الصلاة تماما ويمكن إثبات ذلك بأصل الصحة. (1) لما عرفت من عدم الاكتفاء بمطلق الاثر الشرعي لنية الاقامة، فضلا عن الاثر الخارجي. (2) لاطلاق دليل قاعدة البناء على الاكثر، الشامل لمثل الاثر المذكور. (3) لاحتمال اختصاص دليل قاعدة الشك بعد خروج الوقت - وهو صحيح زرارة والفضيل بنفي الاعادة، للاقتصار فيه على ذلك، قال (ع): " وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت، وقد دخل حائل فلا إعادة

===============

( 146 )

{ قوة خصوصا إذا بنينا على أن قاعدة الشك بعد الفراغ، أو بعد الوقت، إنما هي من باب الامارات، لا الاصول العلمية (1). (مسألة 34): إذا عدل عن الاقامة، بعد الاتيان بالسلام الواجب، وقبل الاتيان بالسلام الاخير، الذي هو مستجب، فالظاهر كفايته في البقاء على حكم التمام (2)، وفي تحقق الاقامة. وكذا لو كان عدوله قبل الاتيان بسجدتي السهو إذا كانتا عليه. بل وكذا لو كان قبل الاتيان بقضاء الاجزاء المنسية، كالسجدة والتشهد المنسيين. بل وكذا لو كان قبل } عليك من شك حتى تستيقن... " (* 1) لكن لا يبعد أن يكون ذكر نفي الاعادة لاجل كونه أجد الآثار المترتبة على الوجود، لا لخصوصية فيه. وإذا رجعت القاعدة المذكورة الى قاعدة التجاوز فالامر أظهر، لما عرفت في أوائل مبحث الخلل، من صلاحية القاعدة المذكورة لاثبات الوجود المطلق بلحاظ جميع الآثار. (1) هذا لا أثر له في الفرق في الاكتفاء وعدمه. إذ لو كان دليل القاعدة شاملا باطلاقه للاثر المذكور، اكتفي بها على كلا المذهبين. وإلا لم يكتف بها على كليهما أيضا. نعم لو لم يكن الاثر المذكور شرعيا أمكن أن يدعى الفرق بين المذهبين في ذلك. لكنه شرعي على كل حال. فمنشأ الاشكال: عدم عموم الدليل له، ولو كان عاما له ارتفع الاشكال، وإن لم تكن القاعدة من الامارات، ولم نقل بحجية الاصل المثبت. (2) لصدق أنه صلى فريضة تمام، فيجب عليه البقاء على التمام. وكذا في الفرضين الاخيرين. نعم لو قيل بأن الاجزاء المنسية أجزاء للصلاة أشكل الحكم في الفرض الثاني منهما. لكنه خلاف التحقيق، كما تقدم.


____________
(* 1) الوسائل باب: 60 من ابواب المواقيت حديث: 1.

===============

( 147 )

{ الاتيان بصلاة الاحتياط، أو في أثنائها (1) إذا شك في الركعات وإن كان الاحوط فيه الجمع، بل وفي الاجزاء المنسية. (مسألة 35): إذا اعتقد أن رفقاؤه قصدوا الاقامة فقصدها، ثم تبين أنهم لم يقصدوا، فهل يبقى على التمام أولا؟ فيه صورتان: إحداهما: أن يكون قصده مقيدا بقصدهم (2). الثانية: أن يكون اعتقاده داعيا له إلى القصد، من غير أن يكون مقيدا بقصدهم. ففي الاولى يرجع إلى التقصير (3). } (1) هذا غير ظاهر، لان احتمال نقص الركعة أو الأكثر موجب لاحتمال عدم صدق التمام. ومنه يظهر أنه لا يجب عليه صلاة الاحتياط، بل يجب عليه الاستئناف قصرا، كما لو عدل قبل السلام. والظاهر أنه لافرق في ذلك بين البناء على كون التسليم على الصلاة المشكوكة تسليما على نقص غير مخرج، كما استظهرناه، وبين البناء على كونه مخرجا، لاجل البناء على انقلاب التكليف بصلاتين، على ما يظهر من جماعة. إذ المراد من الصلاة بتمام - على هذا المعنى - هو تمام الصلاتين. فتأمل جيدا. (2) بأن يكون قصده الخارجي ثابتا في فرض ثبوت قصدهم، نظير الارادة في الوجوب المشروط، فان الارادة الخارجية الحاصلة للآمر حاصلة له فعلا في فرض وجود الشرط اللحاظي. أو بأن يكون موضوع قصده هو موضوع قصدهم، غاية الامر أنه كان يعتقد أن موضوع قصدهم عشرة ومقتضى الجمود على عبارة المتن إرادة الاول. لكن المظنون قويا هو الثاني. (3) أما على تقدير الاحتمال الثاني فظاهر، لكون المفروض أنه لم

===============

( 148 )

{ وفي الثانية يبقى على التمام. والاحوط الجمع في الصورتين. الثالث من القواطع: التردد في البقاء وعدمه ثلاثين يوما (1)، إذا كان بعد بلوغ المسافة. وأما إذا كان قبل بلوغها } يقصد إقامة عشرة، وإنما قصد إقامة المدة المنوية لرفقائه، فإذا كانت في الواقع دون عشرة أيام لم يكن قد نوى مدة عشرة. ومجرد علمه بأن تلك المدة عشرة، غير مجد في وجوب التمام، ما لم يوجب العلم باقامة العشرة الذي هو غير المفروض. ونظيره: مالو نوى الاقامة إلى يوم العيد، وكان يعتقد أن مابين زمان الاقامة والعيد عشرة أيام، ولم يكن في الواقع كذلك. وأما على تقدير الاحتمال الاول فانه وإن كان نوى إقامة عشرة لكن نيته ليست مطلقة، بل مشروطة حسب الفرض بنية رفقائه، فإذا لم يكن الشرط حاصلا في الواقع، لم تكن النية داخلة في إطلاق النصوص، لان النية المنوطة بشرط غير حاصل بمنزلة العدم في نظر العرف. وإن كان التحقيق - حسب ما ذكرنا في الواجب المشروط - أنها موجودة حقيقة، غاية الامر أنها منوطة لا مطلقة. ومجرد عدم حصول المنوط به خارجا، لا يوجب عدم حصولها، لان المنوط به حقيقة وجود الشرط الفرضي اللحاظي، لا الخارجي الحقيقي. لكن الوجود التعليقي بدون وجود المعلق عليه ليس موضوعا للحكم بوجوب التمام، كما هو واضح. (1) على المشهور، بل عن ظاهر الروض أو صريحه: مساواته لمحل الاقامة في حكاية الاجماعات. ولم يعرف مخالف في ذلك إلا المحقق البغدادي (ره) فقد حكي عن ظاهره أو صريحه: أنه ليس من القواطع، ولا يحتاج في تحديد الترخص الى قصد مسافة مستأنفة. وكأنه جمود منه على نصوص وجوب التمام بعد التردد، والرجوع بعد الخروج عن مكان التردد الى عمومات

===============

( 149 )

{ فحكمه التمام حين التردد، لرجوعه إلى التردد في المسافرة وعدمها (1). ففي الصورة الاولى إذا بقي في مكان مترددا في البقاء والذهاب أو في البقاء والعود إلى محله، يقصر إلى ثلاثين يوما، ثم بعده يتم مادام في ذلك المكان (2)، ويكون بمنزلة من } الترخص للمسافر. وفيه: أن النصوص المذكورة وإن لم يصرح فيها بقاطعية التردد، إلا أن المنسبق إلى الذهن منها كون وجوب التمام إنما هو لقدح الاقامة الطويلة في عنوان المسافر، المأخوذ موضوعا للترخص، فتكون نظير الحاكم على أدلته، لا المخصص البحث. وهذا هو العمدة في تسالم الاصحاب على القاطعية وإلا فمن البعيد وقوفهم على ما لم نقف عليه. وكيف كان لا ينبغي التأمل فيما ذكرنا. (1) هذا يتم إذا كان تردده في الاقامة عشرة أيام وعدمها، فان الاقامة إذا كانت منافية للسفر كان تردده فيها ترددا في السفر. وكذا لو كان تردده في البقاء دون العشرة والعود الى وطنه. أما لو كان تردده في الاقامة دون العشرد والذهاب. كما لو تردد في بعض منازل سفره في إقامة يوم أو يومين أو أكثر - إلى تسعة أيام - والذهاب. ثم لم يزل كذلك حتى مضى عليه ثلاثون يوما، وجب عليه القصر إلى نهاية الثلاثين، لعدم منافاته لقصد السفر بوجه. (2) إجماعا، كما عن الخلاف والمدارك، وظاهر المنتهى والذخيرة والرياض. وتدل عليه النصوص المستفيضة، كصحيح أبي ولاد عن أبي عبد الله (ع): " إن شئت فانو المقام عشرا وأتم، وإن لم تنو المقام فقصر ما بينك وبين شهر. فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة " (* 1) وصحيح زرارة


____________
(* 1) تقدم ذلك في المسألة: 15 من هذا الفصل.

===============

( 150 )

{ نوى الاقامة عشرة أيام، سواء أقام فيه قليلا أو كثيرا، حتى إذا كان بمقدار صلاة واحدة (1). (مسألة 36) يلحق بالتردد ما إذا عزم على الخروج غدا أو بعد غد، ثم لم يخرج. وهكذا، إلى أن مضى ثلاثون يوما، حتى إذا عزم على الاقامة تسعة أيام مثلا (2)، ثم بعدها عزم على إقامة تسعة أيام أخرى. وهكذا. فيقصر إلى ثلاثين يوما، ثم يتم، ولو لم يبق إلا مقدار صلاة واحدة. } عن أبي جعفر (ع): " وإن لم تدر ما مقامك بها، تقول غدا أخرج أو بعد غد، فقصر ما بينك وبين أن يمضي شهر. فإذا تم لك شهر فأتم الصلاة، وإن أردت أن تخرج من ساعتك " (* 1) ومصحح ابن أبي أيوب: " قال: سأل محمد ابن مسلم أبا عبد الله (ع) [ أبا جعفر (ع). خ تهذيب ] (* 2)... إلى أن قال (ع): فان لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر، فليعد ثلاثين يوما، ثم ليتم وإن كان أقام يوما، أو صلاة واحدة " (* 3) ونحوها غيرها. (1) كما في مصحح ابن أبي أيوب المتقدم. (2) ففي خبر أبي بصير: " وإن كنت تريد أن تقيم أقل من عشرة أيام فأفطر ما بينك وبين شهر، فإذا تم الشهر فأتم الصلاة والصيام " (* 4) وفي صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع) - في حديث - قال (ع):


____________
(* 1) الواسئل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9. (* 2) راجع التهذيب ج 3 صفحة 219 طبع النجف الاشرف. وفي الوسائل نقل الرواية عن الشيخ (ره) باسناده عن أبي عبد الله (ع)، ثم أردفها برواية الكافي عنه (ع). ولعل المقصود بذلك إنما هو رواية الشيخ (ره) في الاستبصار. راجع الاستبصار ج 1 صفحة 238 طبع النجف الاشرف. والكافي ج 3 صفحة 436 طبع ايران الحديثة. (* 3) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 12. (* 4) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.

===============

( 151 )

{ (مسألة 37): في إلحاق الشهر الهلالي إذا كان ناقصا بثلاثين يوما إذا كان تردده في أول الشهر وجه، لا يخلو عن قوة (1). وإن كان الاحوط عدم الاكتفاء به. } " وإن أقمت تقول غدا أخرج أو بعد غد، ولم تجمع على عشرة فقصر ما بينك وبين شهر. فإذا تم الشهر فأتم الصلاة " (* 1). (1) الموجود في مصحح ابن أبي أيوب المتقدم ذكر الثلاثين، وفيما عداه من النصوص ذكر الشهر. كما أن الموجود في عبارات الاكثر التعبير بالشهر. وفي النهاية وأكثر كتب المتأخرين: التعبير بالثلاثين. ولا خلاف - كما في مفتاح الكرامة، وغيره - في اعتبار الثلاثين إذا لم يكن ابتداء التردد في أول الشهر. إنما الخلاف فيما لو كان أول يوم منه. والمعروف اعتبار الثلاثين فيه أيضا. وعن مجمع البرهان: الاكتفاء بالشهر الهلالي، وتبعه غير واحد. ووجه القول الاول، بناء على كون الشهر حقيقة في الثلاثين ظاهر لاتفاق النصوص عليه. أما بناء على كون حقيقة في خصوص مابين الهلالين أو مشتركا لفظيا بينهما، أو مشتركا معنويا، فان رواية الثلاثين تكون حينئذ نسبتها إلى رواية الشهر نسبة القرينة الصارفة عن الحقيقة الى المجاز، أو المعينة للمشترك اللفظي، أو المقيدة للمشترك المعنوي، كذا قرر هذا الوجه في الجواهر وغيرها. ووجه القول الثاني: أن لفط (الشهر) حقيقة فيما بين الهلالين، فيجب حمله عليه. ولا تصلح رواية الثلاثين لصرفه، لعدم التنافي بينهما. إذ يمكن أن يكون كل منهما موضوعا للحكم، فيكون التردد فيما بين الهلالين موجبا للتمام كالتردد ثلاثين. ويختص الاول بما لو وقع التردد في أول الشهر.


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاد المسافر حديث: 17.

===============

( 152 )

{ (مسألة 38): يكفي في الثلاثين التلفيق إذا كان تردده في أثناء اليوم (1)، كما مر في إقامة العشرة. وإن كان الاحوط عدم الاكتفاء ومراعاة الاحتياط. (مسألة 39): لافرق في مكان التردد بين أن يكون بلدا، أو قرية، أو مفازة (2). } ويختص الثاني بغيره. والتحقيق: أن الشهر وإن كان حقيقة فيما بين الهلالين لا غير، فانه موضوع لغة وعرفا للجامع بين الشهور العربية الاثني عشر، من محرم إلى ذي الحجة. إلا أنه يمتنع حمله في النصوص المذكورة عليه. إذ لازمه اختصاص تلك النصوص بصورة وقوع التردد في أول آنات الشهر، ويكون المراد منها أنه إذا تردد المسافر في تمام محرم، أو صفر، أو غيرهما من الشهور العربية، فعليه التمام. ولا تعرض فيها لصورة وقوع التردد في ثاني آنات اليوم الاول من الشهور، فضلا عن صورة وقوعه في غير اليوم الاول من الايام. وهذا مما لا يمكن الالتزام به ضرورة. فلابد أن يكون المراد منها مقدار الشهر، وحيث أن الشهر يختلف بالتمام والنقصان، يتعين حمله على خصوص التام، فانه مقتضى الاطلاق المقامي، فضلا عن كونه مقتضى رواية الثلاثين. ومما ذكرنا يظهر لك ضعف الوجه الذي أشار إليه في المتن. (1) لما عرفت من ظهور الادلة في المقدار الحاصل مع التلفيق وغيره (2) كما في الجواهر، حاكيا عن بعض التصريح به. ويقتضيه إطلاق كلامهم، كاطلاق جملة من النصوص، وعن الدروس واللمعة: التقييد بالمصر. وكأنه وارد مورد التمثيل. وإلا فمن الواضح خلافه، فانه تقييد لنصوص البلد والارض من غير وجه.

===============

( 153 )

{ (مسألة 40): يشترط اتحاد مكان التردد (1) فلو كان بعض الثلاثين في مكان وبعضه في مكان آخر لم يقطع حكم السفر. وكذا لو كان مشتغلا بالسير وهو متردد، فانه يبقى على القصر إذا قطع المسافة. ولا يضر بوحدة المكان، إذا خرج عن محل تردده إلى مكان آخر - ولو ما دون المسافة - بقصد العود إليه عما قريب، إذا كان بحيث يصدق عرفا أنه كان مترددا في ذلك المكان ثلاثين يوما، كما إذا كان مترددا في النجف، وخرج منه إلى الكوفه لزيارة مسلم، أو لصلاة ركعتين في مسجد الكوفه، والعود إليه في ذلك اليوم، أو في ليلته. بل أو بعد ذلك اليوم. (مسألة 41): حكم المتردد بعد الثلاثين كحكم المقيم في مسألة الخروج إلى ما دون المسافة مع قصد العود إليه (2)، في أنه يتم ذهابا، وفي المقصد، والاياب، ومحل التردد، إذا كان قاصدا للعود إليه من حيث أنه محل تردده. وفي القصر } (1) لظهور الادلة في ذلك، كما تقدم في الاقامة. إذ لسان الدليل في البابين واحد. ومن ذلك يظهر ذلك الكلام في الخروج إلى ما دون المسافة بقصد العود إليه عن قريب. (2) إذ بعد ما عرفت من البناء على قاطعية التردد للسفر، وأنه كالاقامة عشرة، لابد أن يجري فيه الكلام المتقدم في الخروج الى ما دون المسافة، بعد نية الاقامة على نسق واحد. نعم لو بني على عدم قاطعيته وجب القصر بمجرد الخروج عن ذلك المكان، ولو مع عدم الاعراض عنه، بناء على كون المرجع في المقام عموم وجوب القصر على المسافر، كما هو الظاهر.

===============

( 154 )

{ بالخروج إذا أعرض عنه، وكان العود إليه من حيث كونه منزلا له في سفره الجديد، وغير ذلك من الصور التي ذكرناها. (مسألة 42): إذا تردد في مكان تسعة وعشرين يوما أو أقل، ثم سار الى مكان آخر وتردد فيه كذلك - وهكذا - بقي على القصر مادام كذلك (1) إلا إذا نوى الاقامة في مكان أو بقي متردد ثلاثين يوما في مكان واحد. (مسألة 43): المتردد ثلاثين يوما إذا أنشأ سفرا بقدر المسافة لا يقصر إلا بعد الخروج عن حد الترخص، كالمقيم، كما عرفت سابقا (2). } (1) لعدم الدليل على وجوب التمام، ليخرج عن عموم وجوب القصر فالعموم المذكور محكم. (2) وعرفت وجهه في المسألة الخامسة والستين في مبحث حد الترخص والله سبحانه أعلم.

===============

( 155 )

{ فصل في أحكام صلاة المسافر مضافا إلى ما مر في طي المسائل السابقة قد عرفت أنه يسقط - بعد تحقق الشرائط المذكورة - من الرباعيات ركعتان (1). كما أنه تسقط النوافل النهارية (2) أي نافلة الظهيرين. بل ونافلة العشاء - وهي الوتيرة - أيضا على الاقوى (3). } فصل في أحكام صلاة المسافر (1) تقدم في أول صلاة المسافر. (2) بلا إشكال. وعن جماعة: الاجماع عليه صريحا وظاهرا والنصوص الدالة عليه كثيرة، منها: صحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع): " عن الصلاة تطوعا في السفر. قال (ع): لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئا نهارا " (* 1) ونحوه غيره. (3) كما هو المشهور. وعن المنتهى: نسبته الى علمائنا. وعن الحلي: الاجماع عليه. ويقتضيه إطلاق بعض النصوص (* 1) وعن الشيخ في النهاية جواز فعلها. لخبر الفضل بن شاذان عن الرضا (ع): " إنما صارت العتمة مقصورة، وليس تترك ركعتاها، لان الركعتين ليستا من الخمسين وإنما هي زيادة في الخمسين تطوعا، ليتم بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع " (* 3) وعن الذكرى: " إنه قوي ". وهو في محله


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 2، 3، 7. (* 3) الوسائل باب: 29 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 3.

===============

( 156 )

{ وكذا يسقط الصوم الواجب عزيمة (1)، بل المستحب أيضا، الا في بعض المواضع المستثناه. فيجب عليه القصر في الرباعيات فيما عدا الاماكن الاربعة (2). ولايجوز له الاتيان بالنوافل النهارية. بل ولا الوتيرة إلا بعنوان الرجاء واحتمال المطلوبية، لمكان الخلاف في سقوطها وعدمه. ولا تسقط نافلة الصبح، والمغرب، ولا صلاة الليل (3). كما لا إشكال في أنه يجوز الاتيان بغير الرواتب من الصلوات المستحبة (4). (مسألة 1): إذا دخل عليه الوقت هو حاضر، ثم سافر قبل الاتيان بالظهرين، يجوز له الاتيان بنافلتهما سفرا (5)، وإن كان يصليهما قصرا. وان تركها في الوقت يجوز له قضاؤها. } فانه مقتضى الجمع العرفي بين النصوص. لولا شبهة الاعراض عن الخبر الموجب لسقوطه عن الحجية. وقد تقدم في أوائل الصلاة ماله نفع في المقام (1) كما تقدمت الاشارة الى ذلك. وتفصيله يأتي - إن شاء الله - في محله من كتاب الصوم. (2) على ما يأتي قريبا إن شاء الله. (3) بلا خلاف. والنصوص به متظافرة، ففي رواية الحرث: " قال أبو عبد الله عليه السلام: " كان أبي (ع) لا يدع ثلاث عشرة ركعة في الليل، في سفر ولا حضر " (* 2). (4) لاطلاق أدلتها. (5) هذا خلاف مادل على سقوط نافلة المقصورة. واحتمال اختصاصه


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 1.

===============

( 157 )

{ (مسألة 2): لا يبعد جواز الاتيان بنافلة الظهر في حال السفر (1) إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر، وترك الاتيان بالظهر حتى يدخل المنزل، من الوطن، أو محل الاقامة } بغير هذه الصورة، فيرجع الى عموم ثبوتها. غير ظاهر. نعم قد يقتضي ذلك موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل إذا زالت الشمس وهو في منزله، ثم يخرج في السفر، فقال (ع): يبدأ بالزوال فيصليها ثم يصلي الاولى بتقصير ركعتين، لانه خرج من منزله قبل أن تحضر الاولى وسئل: فان خرج بعدما حضرت الاولى. قال (ع): يصلي الاولى أربع ركعات. ثم يصلي بعد النافلة ثمان ركعات، لانه خرج من منزله بعدما حضرت الاولى. فإذا حضرت العصر صلى العصر بتقصير، وهي ركعتان لانه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر " (* 1) إلا أن في جواز العمل به - مع ابتناء الحكم فيه على كون العبرة بحال الوجوب، وعلى عدم دخول وقت الظهر بمجرد الزوال - إشكالا. ولاسيما مع مخالفته لعموم سقوط نافلة المقصورة. ولذا اختار في المدارك العدم، حيث قيد جواز الاتيان بها في السفر بصورة فعل الفريضة تماما في الحضر. وإن قال في الجواهر: " فيه نظر "، ولم يتعرض لوجهه. اللهم إلا أن يكون مراده صورة فوات وقت النافلة. إذ حينئذ يكون عموم مادل على قضائها محكما. لكن الظاهر أن كلام المدارك لا يختص بذلك. وكيف كان فالانصاف يقتضي جواز العمل بالموثق، لانه من قسم الحجة. ولم يثبت إعراض منهم يوجب وهنه فلا مانع من تخصيصه لعمومات السقوط. كما لامانع من. التفكيك بين دلالته في الحجية. فتأمل. (1) هذا أيضا خلاف إطلاق مادل على سقوط نافلة المقصورة، إذ


____________
(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 1.

===============

( 158 )

{ وكذا إذا صلى الظهر في السفر ركعتين، وترك العصر إلى أن يدخل المنزل، لا يبعد جواز الاتيان بنافلتها في حال السفر. وكذا لا يبعد جواز الاتيان بالوتيرة في حال السفر إذا صلى العشاء أربعا في الحضر ثم سافر، فانه إذا تمت الفريضة صلحت نافلتها (1). (مسألة 3): لوصلى المسافر - بعد تحقق شرائط القصر - تماما، فاما أن يكون عالما بالحكم والموضوع (2)، أو جاهلا بهما - أو باحداهما -، أو ناسيا. فان كان عالما بالحكم والموضوع عامدا - في غير الاماكن الاربعة - بطلت } المفروض أنه في السفر وظيفته القصر، ومقتضى الاطلاق المتقدم سقوط نافلتها. ومجرد كونه في الواقع يصليها تماما بعد الوصول إلى وطنه لا يوجب انقلاب تكليفه فعلا، وإنما يوجب انقلاب تكليفه بعد ذلك، فليحقه حينئذ حكم النافلة، لا فعلا، وكذا الحال في الفرض اللاحق. (1) كأنه إشارة إلى ما في الصحيح عن أبي يحيى الحناط: " سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر، فقال (ع): يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة " (* 1). ولكنه يدل على أنه مهما لا تتم الفريضة في سفر لاتشرع النافلة فيه. وإذ أن السفر في الفرض لا تتم فيه الفريضة، فيجب أن لاتشرع فيه النافلة. لا أنه إذا صليت الفريضة تماما، في حضر أو سفر، جاز الاتيان بنافلتها، ولو سفرا، ليدل على مشروعية النافلة في المقام. (2) إمكان التقرب من العالم العامد إنما يكون بالتشريع في تطبيق المأمور به على المأتي به، لافي الامر. والا كان خاليا عن التقرب.


____________
(* 1) الواسائل باب: 21 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 4.

===============

( 159 )

{ صلاته. ووجب عليه الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه (1). وإن كان جاهلا بأصل الحكم، وأن حكم المسافر التقصير، لم تجب عليه الاعادة، فضلا عن القضاء. وأما إن كان عالما } (1) إجماعا، كما عن الانتصار، والغنية، والتذكرة، والدروس، وشرح المفاتيح، وظاهر المنتهى، والنجيبية، والذخيرة، وهو الذي يقتضيه إطلاق دليل الواقع، حيث لادليل على الاجزاء يقتضي الخروج عنه. مضافا إلى صحيح زرارة ومحمد قالا: " قلنا لابي جعفر (ع): رجل صلى في السفر أربعا، أيعيد، أم لا؟ قال (ع): إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت له، فصلى أربعا أعاد. وإن لم يكن قرئت عليه، ولم يعلمها، فلا إعادة عليه " (* 1) وفي خبر الاعمش: " ومن لم يقصر في السفر لم تجز صلاته، لانه زاد في فرض الله عزوجل " (* 2) وصحيح عبيد الله ابن علي الحلبي: " قلت لابي عبد الله (ع): صليت الظهر أربع ركعات وأنا في سفر. قال (ع): أعد " (* 3) والظاهر أن المراد من الصحيح الاخير السؤال عن القضية الفرضية، فاطلاقه كاطلاق غيره يشمل العامد، لاعن القضية الخارجية، كي يجب حمله على غير صورة العلم والعمد، لمكان جلالة الحلبي ورفعة مقامه. نعم يمكن أن يستشكل في اقتضائه الاعادة في خارج الوقت في العامد لوجوب تقييده بصحيح العيص بن القاسم قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل صلى وهو مسافر فأتم الصلاة. قال (ع): إن كان في وقت فليعد، وإن كان الوقت قد مضى فلا " (* 4). بل قد يستشكل في


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

===============

( 160 )

الاستدلال بالصحيح الاول على الاعادة في خارج الوقت في العامد، نظرا إلى أن بين صدره وهذا الصحيح عموما من وجه، لعموم هذا الصحيح للجاهل والعالم، وعموم الاول للوقت وخارجه. وهذا التعارض بعينه جار في الجاهل بالنسبة إلى الاعادة في الوقت، فان مقتضى إطلاق الصحيح الاول عدم وجوبها، ومقتضى إطلاق الثاني وجوبها. والتحقيق أن يقال: بعد صراحة الصحيح الاول بالتفصيل بين العالم والجاهل وصراحة الصحيح الثاني بالتفصيل بين الوقت وخارجه، يمتنع الجمع بينهما بالتصرف في أحدهما دون الآخر، لان ذلك خلاف صريح التفصيل المذكور فيه. مثلا: التصرف في الاول، بحمل نفي الاعادة فيه في الجاهل على نفيها في خارج الوقت، ووجوب الاعادة المذكور فيه في العالم على وجوبها في داخل الوقت، خلاف صريح التفصيل فيه، لان التفصيل إنما يحسن مع تنافي الحكمين. وكذلك التصرف في الصحيح الثاني بحمل وجوب الاعادة فيه على خصوص العالم، ونفي القضاء فيه على خصوص الجاهل، فانه أيضا خلاف صريح التفصيل بين الوقت وخارجه المذكور فيه، لما عرفت من توقف صحة التفصيل على تباين الحكمين. فيتعين في مقام الجمع ارتكاب التصرف فيهما معا. وذلك، إما أن تحمل الاعادة وعدمها في الاول على خارج الوقت فيلزم حمل الثاني على خصوص الجاهل، فيكون حكمه التفصيل بين الوقت وخارجه، دون العالم، فانه يعيد في الوقت وخارجه. وإما بأن يحمل الاول على داخل الوقت، فيلزم حمل الثاني على خصوص العالم. فيكون التفصيل بين الوقت وخارجه مختصا بالعالم، دون الجاهل، فانه لا يعيد لافي الوقت ولافي خارجه. وإما بأن يحمل الثاني على العالم، فيلزم تقييد صدر الاول بالحمل على الاعادة في خصوص الوقت، ويبقى ذيله على إطلاقه في نفي

===============

( 161 )

{ بأصل الحكم وجاهلا ببعض الخصوصيات - مثل أن السفر إلى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر، أو أن المسافة } الاعادة على الجاهل. ومرجع هذا الحمل إلى الحمل الثاني. وإما بأن يحمل الثاني على الجاهل، فيلزم تقييد ذيل الاول بحمل نفي الاعادة فيه على الجاهل في خارج الوقت، ويبقى صدره على إطلاقه في وجوب الاعادة على العالم في الوقت وخارجه. ومرجع هذا الحمل إلى الحمل الاول. ثم إنه لما كان حمل وجوب الاعادة ونفيه على خارج الوقت بعيدا في الصحيح الاول، من جهة أن التعرض لحكم خارج الوقت دون داخله خلاف الاولى، ومن جهة أن استعمال لفظ الاعادة في القضاء دون الاداء خلاف الشائع، يتعين التصرف بحمل الاول على داخل الوقت، والثاني على خصوص العالم، ومقتضاه عدم وجوب القضاء على العالم. ويحتمل الجمع بحمل الصحيح الثاني على خصوص العالم الناسي، فيجب القضاء فيما عداه من أقسام العالم. ولعله أولى من غيره من أنواع الجمع، إذ لا يلزم عليه إلا تصرف واحد في الصحيح الثاني، للعمل بتخصيص وجوب الاعادة على العالم بغير الناسي. وكذا تخصيص عموم قضاء الفائت بغير الناسي، بخلاف غيره من أنواع الجمع، فان التصرف فيه متعدد. مضافا إلى أنه أوفق باطلاق قضاء الفائت. وإلى إمكان المناقشة في دلالة الصحيح، بأن قوله: " فأتم الصلاة " ظاهر في أن الاتمام لم يكن مقصودا من أول الامر، وإنما طرأ من جهة النسيان. وإلى أن الاجماعات الدالة على وجوب القضاء على العالم غير الناسي مانعة من حمل وجوب الاعادة في الصحيح على خصوص الوقت. وقد عرفت أن حمله على خارج الوقت بعيد أيضا. فلابد من ارتكاب الجمع المذكور، فانه لا يلزم منه مخالفة لشئ من ذلك. ومن ذلك تعرف وجه الحكم الذي ذكره المصنف (ره)

===============

( 162 )

{ ثمانية، أو أن كثير السفر إذا أقام في بلده أو غيره عشرة أيام يقصر في السفر الاول، أو أن العاصي بسفره إذا رجع إلى الطاعة يقصر، ونحو ذلك - وأتم، وجب عليه الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه (1). وكذا إذا كان عالما بالحكم جاهلا بالموضوع، كما إذا تخيل عدم كون مقصده مسافة مع كونه مسافة، فانه لو أتم وجب عليه الاعادة أو القضاء. } في الجاهل بقوله: " لم تجب عليه الاعادة فضلا... " كما هو المشهور كما عن جماعة، بل عن المقدس البغدادي: الاجماع عليه. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في الغنية، وعن الاشارة: من وجوب الاعادة إن ذكر في الوقت، بل في الاول: دعوى الاجماع عليه. وأضعف منه ماعن العماني: من وجوب الاعادة مطلقا. (1) كما عن أكثر من تعرض له. لاطلاق دليل الواقع، المعتضد باطلاق صحيح الحلبي (* 1)، وخبر الاعمش (* 2). بل صحيح العيص بالنسبة إلى الوقت (* 3)، مع عدم المخرج عنها. إلا ما يتوهم من دخوله في صحيح زرارة ومحمد (* 4)، لان عدم العلم ببعض الخصوصيات يصدق معه عدم العلم بتفسير الآية. أو لانه يستفاد من الصحيح المذكور كون الوجه في الاجزاء مطلق الجهل. أو مما ورد في الصوم من بعض النصوص المطلقة الشاملة له، كرواية العيص: " من صام في السفر بجهالة لم يقضه " (* 5). ونحوه غيره، بضميمة عدم القول بالفصل. لكن الجميع غير ظاهر. إذ الظاهر من التفسير بيان أن المراد من نفي الجناح الوجوب، والمفروض أنه حاصل له. واستفادة كون الوجه في


____________
(* 1)، (* 2)، (* 3)، (* 4) تقدم ذلك في أوائل التعليقة السابقة. (* 5) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 5

===============

( 163 )

{ وأما إذا كان ناسيا لسفره، أو أن حكم السفر القصر، فأتم، فان تذكر في الوقت وجب عليه الاعادة، وإن لم يعد وجب } الاجزاء مطلق الجهل لا منشأ لها. وعدم الفصل غير ثابت. مع أن الحكم في الصوم غير ثابت. ولو سلم ذلك، وبني على عدم الفصل، كان دليله معارضا بصحيح زرارة ومحمد، ومقتضى الرجوع إلى الاصل بعد التساقط البطلان، كما سيأتي في نظيره في الصوم. نعم لو فرض إجمال الصحيح - لاجمال التفسير - سقط عن الحجية، وكان المرجع رواية العيص ونحوها. لكنه ممنوع، وأن الظاهر من التفسير تفسير نفي الجناح بالوجوب. ومن ذلك يظهر لك الحال في الجاهل بالموضوع، فانه من أفراد من قرئت عليه آية التقصير وفسرت له، فلا مجال لاحتمال دخوله في ذيل صحيح زرارة ومحمد، بل المتعين دخوله في صدره، وحينئذ يجيئ فيه الكلام المتقدم في العامد بعينه. وقد يستوجه إلحاقه بجاهل الحكم في نفي الاعادة والقضاء للاولوية، فان الجاهل بالموضوع معذور فأولى بالتخفيف من الجاهل بالحكم غير المعذور ولاقتضاء الامر الظاهري للاجزاء. بل عن المقدس البغدادي: أنه لو فاتته الصلاة قضى تماما. ولكن ضعفه ظاهر. لمنع الاولوية، لعدم وضوح المناط في الاجزاء. ولما حرر في محله: من عدم اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء. مع أنه لو سلما فلا يقتضيان القضاء تماما، بل يتوقف ذلك على كون الجاهل بالموضوع حكمه التمام وأن القصر بدل على تقدير الاداء لا مطلقا وهو كما ترى. ومثله: الناسي لسفره، والناسي لحكم سفره، فان الجميع داخل في العالم، فيجري فيه ما تقدم في العامد، لاتفاق النصوص المتقدمة عليه. مضافا إلى اطلاق دليل الواقع.

===============

( 164 )

{ عليه القضاء في خارج الوقت (1). وإن تذكر بعد خروج الوقت لا يجب عليه القضاء (2). وأما إذا لم يكن ناسيا للسفر } (1) لما تقدم. أو لعموم قضاء الفائت من دون معارض، كما عرفت ولا يدخل في صحيح العيص، لفرض التذكر في الوقت. (2) على المشهور. وعن الانتصار، والخلاف، والسرائر، وظاهر التذكرة: الاجماع عليه. بل عن الثالث: دعوى تواتر الاخبار به. إلا أنا لم نقف إلا على ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل ينسى، فيصلي في السفر أربع ركعات. قال (ع): إن ذكر في ذلك اليوم فليعد، وإن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه " (* 1) ومقتضى الجمود على متن الجواب وإن كان ثبوت الحكم في الظهورين لا غير لاختصاص اليوم بالنهار، لكن بملاحظة إطلاق السؤال، وما تقدم في صحيح العيص، يحمل ذكر اليوم على إرادة مطلق الوقت، فيثبت الحكم في العشاء أيضا. ولاسيما مع عدم القول بالفصل. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن الصدوق، ووالده، والمبسوط: من وجوب الاعادة مطلقا لصحيح الحلبي (* 2)، فانه يجب تقييده بما ذكر. ودعوى: أنه ظاهر في السؤال بعد الوقت، لاستبعاد وقوع السؤال فيه في الوقت، غير ظاهرة. والاستبعاد لا يصلح قرينة. مع أنك عرفت أن المراد السؤال عن القضية الفرضية، لا الخارجية، فلا مانع من التقييد حينئذ. وأولى منه بالتقييد غيره ما تضمن الامر بالاعادة مطلقا ولو بعد الوقت. ثم إن مقتضى ترك الاستفصال في رواية أبي بصير المذكورة عدم


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 2) تقدم ذلك في أوائل هذه المسألة.

===============

( 165 )

{ ولا لحكمه، ومع ذلك أتم صلاته ناسيا (1)، وجب عليه الاعادة والقضاء (2). (مسألة 4): حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة، فيبطل مع العلم والعمد (3)، } الفرق بين نسيان الحكم والموضوع. لكن قيل: ان المتيقن من النص والفتوى نسيان الموضوع - أعني: السفر - فيرجع في نسيان الحكم إلى غيره من الادلة المتقتضية للاعادة والقضاء. وفيه: ما أشرنا إليه: من وجوب العمل بالعموم الناشئ من ترك الاستفصال، ولا موجب للاقتصار على المتيقن. مع أن دعوى: كون متيقن الفتوى نسيان الموضوع غير ظاهر، لان ذكر النسيان في كلامهم في سياق العلم والجهل يقتضي اتحاد متعلقهما. فدعوى: كون المتيقن منها نسيان الحكم أولى. (1) يعني: لصلاته، بأن غفل عن عددها فصلاها أربعا. (2) بلا إشكال ظاهر. ويقتضيه إطلاق ما تقدم من النصوص، المعتضد باطلاق دليل الواقع، وليس ما يوجب الخروج عنه في الاعادة قطعا. وأما في القضاء فقد يتوهم عدمه، لدخوله في رواية أبي بصير، فيلحقه حكم ناسي الحكم أو السفر. ولكن لا مجال له، لان الظاهر من الاربع فيه الاربع في الرباعية، لافعل الركعتين الاخيرتين بعنوان الاولتين سهوا كما هو المفروض. وكذا قوله: " فاتم الصلاة " في صحيح العيص (* 1) فانه ظاهر في صلاة التمام بعنوان التمام، فلا يشمل المقام. فلاحظ. (3) إجماعا. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق مادل على بطلان الصوم في السفر - (* 2) النصوص الآتية في الجاهل.


____________
(* 1) تقدم ذلك في اوائل المسألة السابقة. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب من يصح الصوم منه.

===============

( 166 )

{ ويصح مع الجهل بأصل الحكم (1)، دون الجهل بالخصوصيات ودون الجهل بالموضوع. } (1) إجماعا. ويدل عليه صحيح عبد الرحمن البصري عن أبي عبد الله (عليه السلام): " سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر، فقال (ع) إن كان لم يبلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء، وقد أجزأ عنه الصوم " (* 1):، وصحيح الحلبي " قلت لابي عبد الله (ع): رجل صام في السفر، فقال (ع): إن كان بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه فلا شئ عليه " (* 2)، وصحيح العيص عنه (ع): " من صام في السفر بجهالة لم يقضه " (* 3). وفي صحيح ليث: " وإن صامه بجهالة لم يقضه " (* 4). ومقتضى إطلاق الاخيرين - كما أشرنا إليه سابقا - عدم الفرق بين الجهل بالحكم، والجهل بالخصوصيات والجهل بالموضوع. لكن يعارضه في الاخير إطلاق صحيح الحلبي (* 5) ونحوه، الظاهر في اعتبار الجهل بأصل الحكم شرطا في الصحة، فيقدم عليه للاخصية. ولو سلم التساوي وعدم الترجيح في الظهور فالمرجع إطلاق مادل على بطلان الصوم في السفر. وأما الجهل بالخصوصيات فقد يدعى عدم بلوغ النهي فيه، فلا يجب القضاء معه. لكن الانصاف منع ذلك، وأن المراد من بلوغ النهي العلم بأصل الحكم، فيجري فيه ما ذكرنا في الجاهل بالموضوع بعينه.


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 6. (* 5) تقدم ذلك في أوائل المسألة السابقة.

===============

( 167 )

{ (مسألة 5): إذا قصر من وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع الموارد (1). إلا في المقيم المقصر للجهل بأن حكمه التمام. (مسألة 6): إذا كان جاهلا بأصل الحكم، ولكن لم } (1) على المشهور، كما عن الروض، وظاهرهم، كما في الحدائق. وفي الجواهر: " بل ربما كان ظاهر جميع الاصحاب أيضا حيث اقتصروا في بيان المعذورية على الاولى - وهي عكس الفرض - ". لاطلاق أدلة التمام، الموجب للبطلان. وعن الجامع: الصحة. وعن مجمع البرهان: نفي البعد عنها. وليس له وجه ظاهر غير صحيح منصور عن الصادق (ع) " إذا أتيت بلدة، فأزمعت المقام عشرة أيام فأتم الصلاة. فإن تركه رجل جاهلا فليس عليه إعادة " (* 1)، وخبر محمد بن اسحاق بن عمار: " سألت أبا الحسن (ع) عن امرأة كانت معنا في السفر، وكانت تصلي المغرب ركعتين ذاهبة وجائية. قال (ع): ليس عليها قضاء " (* 2). لكن الخبر غير ظاهر في الجاهل. وحمله عليه بلا وجه ظاهر، بعد حكاية الاجماع على خلافه، كما عن الدروس، ورميه بالشذوذ، كما عن الشيخ وغيره. وأما الصحيح فالعمل به في مورده لا يخلو عن إشكال بعد اعراض الاصحاب عنه، فضلا عن التعدي عنه إلى غيره. بل وإلى الناسي كما عن الجامع. اللهم إلا أن يقال: إنه لم يثبت إعراضهم عنه، لعدم تصريحهم بخلافه. ومجرد عدم التعرض لمضمونه غير كاف في إثباته. ولاسيما مع إطلاق بعض معذورية الجاهل بالقصر والاتمام. فالعمل به في مورده - كما في المتن - لا يخلو من قوة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7.

===============

( 168 )

{ يصل في الوقت، وجب عليه القصر في القضاء بعد العلم به (1)، وإن كان لو أتم في الوقت كان صحيحا. فصحة التمام منه ليس لاجل أنه تكليفه، بل من باب الاغتفار (2). فلا ينافي ما ذكرناه قوله: " اقض ما فات كما فات "، ففي الحقيقة الفائت منه هو القصر، لا التمام. وكذا الكلام في الناسي للسفر أو لحكمه، فانه لو لم يصل أصلا - عصيانا أو لعذر - وجب عليه القضاء قصرا. } (مسألة 7): إذا تذكر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة، فان كان قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة أتم الصلاة قصرا (3) واجتزأ بها. ولا يضر كونه ناويا من الاول للتمام، لانه من باب الداعي والاشتباه في المصداق (4)، } (1) أما قبل العلم به فالمتعين القول باجزاء القضاء تماما. لاطلاق مادل على معذورية الجاهل، الشامل للاداء والقضاء. (2) وإن شئت قلت: دليل الصحة إنما دل عليها في ظرف حصول الامتثال به، لا على انقلاب إليه مطلقا. فاطلاق مادل على وجوب القصر عند عدم الامتثال بالتمام محكم، ومقتضاه وجوب القضاء قصرا. (3) بلا كلام، كما في الجواهر، حاكيا عن المقدس البغدادي الاعتراف به. (4) المستفاد من النصوص: أن القصر والتمام حقيقة واحدة، يختلف مصداقها باختلاف خصوصيتي الحضر والسفر، وأن صلاة القصر عين الركعتين الاولتين اللتين فرضهما الله تعالى، وأن السفر اقتضى سقوط الركعتين الاخيرتين اللتين سنهما النبي صلى الله عليه وآله. وعليه فالمسافر يتقرب بصلاة القصر

===============

( 169 )

{ لا التقييد، فيكفي قصد الصلاة، والقربة بها. وإن تذكر بعد ذلك بطلت (1)، ووجب عليه الاعادة مع سعة الوقت، } بعين ما يتقرب به الحاضر في الركعتين الاولتين، فيأتيان بفعل واحد، ممتثلين أمرا واحدا. غير أن الحاضر يقصد امتثال ذلك الامر في ضمن امتثاله للامر المنبسط على الركعات الاربع، والمسافر يقصد امتثال الامر المتعلق بالركعتين مستقلا بلا ضم امتثال الآخر إليه، بل يقصد امتثال الامر بهما بقيد عدم زيادة عليهما. وهذا المقدار من الاختلاف لا يوجب فرقا بينهما في أصل التقرب المعتبر في العبادة بالاضافة الى الركعتين، وإنما هو اختلاف في الخصوصية. فان كانت الخصوصية ملحوظة في التقرب على نحو التقييد كان فواتها موجبا لفوات التقرب. وإن كانت ملحوظة فيه على نحو الداعي، لم يكن فواتها موجبا لفوات التقرب، كما في سائر موارد الاشتباه في التطبيق. ودعوى: أن العناوين - التي تقصد من باب الاشتباه في التطبيق ولا يقدح تخلفها - هي التي لا تؤخذ في موضوع الامر، أما ماكان كذلك فتخلفه يوجب فوات المقصود الواجب قصده، لاعتبار قصد المأمور به في حصول التقرب. مندفعة: بأن قصد المأمور به بقيوده إنما يعتبر في حصول التقرب بالمعنى الاعم من الاجمالي والتفصيلي، فيمكن قصد قيود المأمور به على ماهي عليه إجمالا، وقصد غيرها تفصيلا خطأ. ولاتنافي بين القصدين لاختلافهما بالاجمال والتفصيل. على أنك عرفت في مباحث النية عدم وضوح الدليل على اعتبار قصد المأمور به في تحقق العبادة، وإن كان هو المشهور، بل المحتمل اعتبار قصد الامر، لاغير. نعم ربما كان قصد المأمور به دخيلا في كون الانبعاث عن الامر، وربما لا يكون. فراجع. (1) لحصول الزيادة.

===============

( 170 )

{ ولو بادراك ركعة من الوقت (1). بلى وكذا لو تذكر بعد الصلاة تماما وقد بقي من الوقت مقدار ركعة، فانه يجب عليه إعادتها قصرا (2). وكذا الحال في الجاهل بأن مقصده مسافة إذا شرع في الصلاة بنية التمام ثم علم بذلك، أو الجاهل بخصوصيات الحكم إذا نوى التمام ثم علم في الاثناء أن حكمه القصر. بل الظاهر أن حكم من كان وظيفته التمام إذا شرع في الصلاة بنية القصر جهلا ثم تذكر في الاثناء العدول إلى التمام ولا يضره أنه نوى من الاول ركعتين مع أن الواجب عليه أربع ركعات، لما ذكر من كفاية قصد الصلاة متقربا وإن تخيل أن الواجب هو القصر، لانه من باب الاشتباه في التطبيق والمصداق، لا التقييد. فالمقيم الجاهل بأن وظيفته التمام إذا قصد القصر ثم علم في الاثناء يعدل إلى التمام، ويجتزئ به. لكن الاحوط الاتمام والاعادة، بل الاحوط في الفرض الاول } (1) أما مع ضيق الوقت حتى عن الركعة فقد يحتمل إتمامها تماما، والاجتزاء بها، لانه يلزم من بطلانها وجوب القضاء، وقد عرفت أنه ساقط عن الناسي. اللهم إلا أن يقال: الدليل إنما دل على الصحة إن ذكر وقد مضى الوقت، فإذا ذكر قبل مضيه وجب القضاء. وفيه: أن الظاهر من قوله: " وإن كان الوقت قد مضى... " عدم التمكن من الفعل في الوقت. أو يقال: إن الدليل إنما دل على الصحة لو ذكر بعد الفراغ عنها تماما، فلا يشمل ما نحن فيه، والتعدي إليه غير واضح. فتأمل جيدا. (2) لصدق أنه في وقت.

===============

( 171 )

{ أيضا الاعادة قصرا بعد الاتمام قصرا. (مسألة 8): لو قصر المسافر اتفاقا لا عن قصد فالظاهر صحة صلاته (1) وإن كان الاحوط الاعادة. بل وكذا لو } (1) ادعى في الجواهر: عدم وجدان الخلاف في البطلان بين من تعرض لهذا الفرع. وعلله - تبعا للمبسوط - بأنه قد صلى صلاة يعتقد فسادها، وأنها غير المأمور به. ومقتضى التعليل المذكور كون المراد صورة الالتفات إلى عدم الامر بالقصر المأتي به. وحينئذ يتعين كون التقرب بلحاظ الامر التشريعي، لا الشرعي، والبطلان حينئذ في محله. لكن إرادة ذلك بعيدة عن ظاهر العبارة، لان الظاهر أن قيد الاتفاق راجع الى القصر يعني: كان قاصدا لفعل التمام، فوقع منه القصر بلا قصد له، بل من باب الاتفاق. وينحصر فرضه حينئذ في صورتين. إحداهما، أن يقع منه التسليم بلا قصد إليه أصلا، ككلام النائم. وحينئذ لاوجه للاجتزاء به، لفوات التقرب المعتبر فيه. فاما أن يحكم بالبطلان بمثل ذلك، أولا، فلابد من تجديد السلام بقصد الصلاة بعد الالتفات. وثانيتهما: أن يقع منه التسليم سهوا، بأن يعتقد أن عليه التمام ثم يسلم على الركعتين باعتقاد فعل الاربع، ولا مانع من الالتزام بالصحة وعدم الحاجة إلى استئناف القصر بعد العلم بأنه حكمه، لما عرفت في المسألة السابقة. ثم إنه يمكن تصحيح القصر - مع الالتفات إلى كون المأمور به هو التمام جهلا، وإلى أن المأتي به هو القصر - بدعوى: كون التشريع ليس في الامر، ليلزم فوات التقرب، بل في تطبيق المأمور به - هو التمام - على القصر. فيأتي بالقصر بدعوى كونه عين التمام المأمور به. لكن كون مراد المصنف (ره) ذلك بعيدا جدا، بل الظاهر أن الفرق بين هذه الصورة

===============

( 172 )

{ كان جاهلا بأن وظيفته القصر فنوى التمام، لكنه قصر سهوا. والاحتياط بالاعادة في هذه الصورة (1) أأكد وأشد (2). (مسألة 9): إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر متمكن من الصلاة، ولم يصل، ثم سافر وجب عليه القصر (3). ولو دخل عليه الوقت وهو مسافر، فلم يصل حتى دخل المنزل من الوطن، أو محل الاقامة، } والصورة الآتية: أن قصد التمام فيها كان عن نسيان، وفي الثانية عن جهل. (1) وقوى بعض البطلان، لان وظيفة الجاهل التمام، فيكون القصر غير المأمور به. وفيه: ما عرفت آنفا: من أنه لادليل على كون وظيفة الجاهل التمام مطلقا حتى لو جاء بالقصر، وإنما المستفاد من النصوص صحة التمام لو امتثل له، وهو غير ما نحن فيه. مع أن لازم ذلك وجوب القضاء تمام لو لم يأت به في الوقت، وإن علم بعد خروج الوقت أن وظيفة المسافر القصر، ولم يلتزم به القائل المذكور. وكون دليل القضاء يفيد التوسعة في وقت الاداء لا يجدي، لان المطابقة بين الاداء والقضاء مما لابد منها، فإذا لم يصل في الوقت في حال الجهل، فقد فاته التمام، فدليل القضاء يدل على توسعة الوقت للتمام، فيجب فعله خارج الوقت، وإن علم بأن حكم المسافر القصر. مع أن ذلك لو سلم اختص بجاهل الحكم، لا مطلق الجاهل. (2) كأنه للشبهة المتقدمة. (3) على المشهور. وعن السرائر: الاجماع عليه. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق مادل على وجوب القصر على المسافر - صحيح اسماعيل بن جابر: " قلت لابي عبد الله (ع): يدخل علي وقت الصلاة وأنا في السفر، فلا

===============

( 173 )

أصلي حتى أدخل أهلي، فقال (ع): صل، وأتم الصلاة. قلت: فدخل علي وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر، فلا أصلي حتى أخرج فقال (ع): فصل، وقصر، فان لم تفعل فقد خالفت والله رسول الله صلى الله عليه وآله " (* 1) وصحيح محمد بن مسلم: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يريد السفر، فيخرج حين تزول الشمس، فقال (ع): إذا خرجت فصل ركعتين " (* 2) ولا ينافي الاستدلال بالاخير فرض الخروج حين الزوال، لان الخروج المذكور يلازم إمكان التمام قبل الوصول إلى حد الترخص. بل الظاهر أن السؤال كان من جهة وجوب التمام عليه قبل السفر. وخبر الحسن بن علي الوشا: " سمعت الرضا (ع) يقول: إذا زالت الشمس وأنت في المصر، وأنت تريد السفر فأتم. فإذا خرجت وأنت بعد الزوال قصر العصر " (* 3) بناء على ما هو الظاهر من إرادة الاتمام في المصر. واحتمال إرادة الاتمام بعد الخروج - كما عن الكافي - خلاف الظاهر. نعم يعارضها صحيحة محمد بن مسلم: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يدخل من سفره، وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق، فقال (عليه السلام): يصلي ركعتين. وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل أربعا " (* 4)، ومصححته عنه (ع): " عن الرجل يدخل مكة من سفره وقد دخل وقت الصلاة. قال (ع): يصلي ركعتين. فان خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل أربعا " (* 5)، وصحيح


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 3) الوسائل باب صلاة المسافر حديث: 12. (* 4) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5. (* 5) الوسائل باب: 21 من ابواب الصلاة المسافر حديث: 11.

===============

( 174 )

زرارة المروي عن مستطرفات السرائر عن أحدهما (ع): " أنه قال في رجل مسافر نسي الظهر والعصر حتى دخل أهله، قال (ع): يصلي أربع ركعات. وقال لمن نسي الظهر والعصر وهو مقيم حتى يخرج، قال (ع): يصلي أربع ركعات في سفره. وقال: إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم، ثم سافر، صلى تلك الصلاة التي دخل وقتها عليه وهو مقيم أربع ركعات في سفره " (* 1)، وخبر بشير النبال: " خرجت مع أبي عبد الله (ع) حتى أتينا الشجرة، فقال لي أبو عبد الله (ع): يا نبال، قلت: لبيك. قال (ع): إنه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلي أربعا غيرى وغيرك. وذلك: إنه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج " (* 2). لكن لم يصرح في الاخير أنهما صليا بعد الخروج، فمن الجائز أن يكون المراد أنهما صليا قبله أربعا. وأما الاولان: فالجمع العرفي بينهما وبين ما سبق غير ظاهر. إذ يبعد جدا حمل ما سبق على مالو كان الخروج قبل الوقت بقليل، بحيث لا يمكن فعل التمام قبل الوصول إلى حد الترخص، إذ يأباه جدا قوله في الصحيح الاول: " فلا أصلي حتى أخرج ". كما أنه يبعد أيضا حمل الاخيرة على الصلاة أربعا قبل الخروج، أو بعده قبل الوصول إلى محل الترخص. وكون التصرف فيها بذلك أقرب من التصرف في الاول بما سبق، غير كاف في كون الجمع عرفيا غير محتاج الى شاهد على أنه لا يتأتى في صحيح زرارة. كما أن الجمع بينهما بالتخيير - كما عن الشيخ في الخلاف واحتمله في التهذيب والاستبصار، حملا للامر على الوجوب التخييري، كما يشهد به


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 13. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 10.

===============

( 175 )

صحيح منصور بن حازم قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله، فسار حتى دخل أهله، فان شاء قصر، وإن شاء أتم. والاتمام أحب الي " (* 1) - مما لا مجال له. لصراحة صحيح اسماعيل بالوجوب التعييني، لان التفصيل بين الدخول والخروج يأبى ذلك جدا. وصحيح منصور - مع أنه مختص بصورة الرجوع إلى الاهل، كما هو موضوع المسألة اللاحقة - لا مجال للعمل به في مورده بعد إعراض المشهور عنه، فضلا عن التعدي عنه إلى المقام. ونحوه: الجمع بينهما بحمل الاول على صورة سعة الوقت، والاخيرة على صورة ضيقه - كما عن الفقيه والنهاية، وموضع من المبسوط والكامل - بشهادة موثق إسحاق: " سمعت أبا الحسن (ع) يقول: في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة، فقال (ع): إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتم، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصر " (* 2). فانه أيضا يرد عليه ما سبق من منافاته للتفصيل المشتمل عليه نصوص الطرفين، ولما هو كصريح صحيح اسماعيل. ومن اختصاصه بصورة القدوم من السفر وعدم إمكان العمل به في مورده. مضافا إلى قرب دعوى: إرادة أنه إن كان في سعة فليدخل وليتم، وإن كان يخاف الضيق فليقصر في الطريق، كما ورد في صحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع): " في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة فقال (ع): إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل وليقصر " (* 3).


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8.

===============

( 176 )

{ أو حد الترخص منهما أتم (1). فالمدار على حال الاداء، لاحال الوجوب والتعلق. لكن الاحوط في المقامين الجمع. } وحيث تعذر الجمع العرفي وغيره بينها فاللازم الرجوع إلى المرجحات ومقتضاها تعين العمل بالطائفة الاولى، لموافقتها لعموم وجوب القصر على المسافر، وسلامتها من الوهن الحاصل للثانية، حيث تضمنت أن العبرة في صورة الدخول أيضا بحال الوجوب، ولم يعرف القائل به هناك، كما سيأتي مؤيدا ذلك كله بموافقة الشهرة الفتوائية. والاجماع المنقول. ولما قد يظهر من صحيح اسماعيل - حيث تضمن أن التمام مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وآله، مؤكدا ذلك بالقسم - من أن التمام موافق للعامة. ومن ذلك يظهر ضعف القول بوجوب الاتمام في المقام اعتبار بحال الوجوب، كما نسب إلى مشهور المتأخرين، وحكي عن المقنع، وكثير من كتب العلامة، والشهيدين، والمحقق الثاني، وغيرهم. فلاحظ. (1) كما هو المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، فان القول هنا بكون الاعتبار بحال الوجوب ضعيف القائل، حيث حكي عن غير واحد دعوى عدم الوقوف عليه. وإن كان يظهر من الشرائع وغيرها وجوده، لكنه غير ظاهر. بل عن السرائر: " لم يذهب إلى ذلك أحد ولم يقل به فقيه، ولا مصنف ذكره في كتابه، لامنا، ولا من مخالفينا ". ويشهد له من النصوص - مضافا إلى ما تقدم من صحيح إسماعيل بن جابر (* 1) -: صحيح العيص قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر. ثم يدخل بيته قبل أن يصليها. قال (عليه السلام): يصليها أربعا. وقال (ع): لا يزال مقصرا حتى يدخل بيته " (* 2).


____________
(* 1) راجع أوائل المسألة. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4.

===============

( 177 )

ويعارضها - مضافا إلى ما تقدم - خبر موسى ابن بكر عن زرارة عن أبي جعفر (ع): " أنه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر، فأخر الصلاة حتى قدم، وهو يريد يصليها إذا قدم إلى أهله، فنسي حين قدم إلى أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها. قال (ع): يصليها ركعتين صلاة المسافر، لان الوقت دخل وهو مسافر، كان ينبغي أن يصلي عند ذلك " (* 1). فانه وإن كان واردا في القضاء، لكن ظاهر التعليل فيه عموم الحكم للاداء، بل عموم الحكم لصورة الخروج. هذا وقد عرفت الاشارة إلى امتناع الجمع العرفي بين النصوص، كامتناع الجمع بالتخيير، وإن كان يشهد به هنا صحيح منصور المتقدم (* 2) وكذا بالتفصيل بين ضيق الوقت وسعته، وإن كان يشهد به موثق اسحاق المتقدم (* 3). فيتعين الرجوع إلى الترجيح، وهو يقتضي العمل بالطائفة الاولى، لما عرفت، بل هنا أولى. وهنا قولان آخران: (أحدهما): الاعتبار في المسألة الاولى بحال الوجوب وفي المسألة الثانية بحال الاداء، عكس التفصيل السابق. وكأنه لنظير ما ذكر أولا في التفصيل الاول. أو لما روي في البحار، عن كتاب محمد بن المثنى الحضرمي، عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربي، قال: " قلت لابي عبد الله (ع): إذا خرج الرجل مسافرا وقد دخل وقت الصلاة كم يصلي؟ قال (ع): أربعا. قلت:


____________
(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 2) راجع أوائل المسألة. (* 3) راجع التعليقة السابقة.

===============

( 178 )

{ (مسألة 10): إذا فاتت منه الصلاة، وكان في أول الوقت حاضرا وفي آخره مسافرا أو بالعكس، فالاقوى أنه مخير بين القضاء قصرا أو تماما (1)، أنه فاتت منه الصلاة } فان دخل وقت الصلاة وهو في السفر. قال (ع) يصلي ركعتين قبل أن يدخل أهل. فان دخل المصر فليصل أربعا " (* 1). لكن التفصيلين معا ضعيفان. إذ ما ذكر لهما من الوجه - عد الرواية - كما ترى اقتراح من غير وجه. والرواية على تقدير اعتبار سندها - لا تصلح معارضة لجميع ما سبق، فطرحها، وإرجاعها الى أهلها متعين. والله سبحانه أعلم. (1) لانه يدور الامر بين عدم وجوب قضاء أحدهما، ووجوب قضاء كل منهما، ووجوب قضاء أحدهما بخصوصه تعيينا، ووجوب قضاء أحدهما تخييرا. لكن الاول: مخالفة لدليل وجوب القضاء. والثاني: يتوقف على وجود مصلحتين عرضيتين فيهما، وهو منتف. والثالث: ترجيح بلا مرجح، لان خصوصية كل من القصر للمسافر والتمام للحاضر على نحو واحد في اعتبارها في المصلحة. فيتعين الاخير. نعم قد تقدمت هذه المسألة في قضاء الصلاة، وذكرنا: أن المتعين - بحسب القواعد - القضاء قصرا في الفرض الاول، وتماما في الثاني، بناء على أن العبرة في المسألة السابقة بحال الاداء، لان الفوت الذي هو موضوع القضاء قد جعل موضوع الفرض، فيجب أن يكون مقارنا له، ولاريب أن الفرض المقارن للفوت إنما يصدق على ما وجب في آخر الوقت، لانه - بعد انقلاب الواجب من القصر الى التمام، أو من التمام الى القصر - يكون المطالب به المكلف والواجب عليه تعيينا هو الثاني لاغير، فإذا تركه إلى آخر الوقت كان هو الفرض الفائت، فيتعين قضاؤه. أما ما وجب أولا ففي زمان


____________
(* 1) مستدرك الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

===============

( 179 )

{ في مجموع الوقت، والمفروض أنه كان مكلفا في بعضه بالقصر وفي بعضه بالتمام. ولكن الاحوط مراعاة حال الفوت، وهو آخر الوقت. وأحوط منه الجمع بين القصر والتمام. (مسألة 11): الاقوى كون المسافر مخيرا بين القصر والتمام في الاماكن الاربعة (1)، وهي مسجد الحرام، ومسجد } الفوت ليس بفرض، وفي حال كونه فرضا ليس بفائت، لكون المفروض أنه تبدل بواجب آخر. نعم مقتضى خبر زرارة المتقدم وجوب القضاء بلحاظ حال الوجوب. لكن عرفت اشكاله في المسألة السابقة. وأما ما في المتن: من التخيير فيتوقف على كون الفائت هو الجامع بين القصر والتمام، مع أنه لم يكن مفروضا على المكلف في زمان من أزمنة الاداء، لا في حال السفر، ولا في حال الحضر. ولعل ما ذكرنا ظاهر بأقل تأمل. (1) على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، ونسب الى مذهب الاصحاب ومتفرداتهم. وعن السرائر وظاهر الخلاف: الاجماع عليه. وظاهر مفتاح الكرامة: تكثر دعوى الاجماع. للاخبار الكثيرة الدالة عليه، التي منها الصحيح والموثق وغيرهما. وفي فهرست الوسائل: أنها أربعة وثلاثون حديثا على اختلاف في مضامينها (* 1). فمنها: صحيح ابن الحجاج: " سألت أبا عبد الله (ع) عن التمام بمكة والمدينة، فقال (ع): أتم وإن لم تصل فيهما إلا صلاة واحدة " (* 1)، ومصحح حماد بن عيسى عنه (ع): " من مخزون علم الله الاتمام في أربعة مواطن: حرم الله،


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر، ومستدرك الوسائل باب: 18 من ابواب صلاة المسافر. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

===============

( 180 )

{ النبي صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة، والحائر الحسيني عليه السلام. بل التمام هو الافضل، وإن كان الاحوط هو القصر. } وحرم رسوله صلى الله عليه وآله، وحرم أمير المؤمنين (ع)، وحرم الحسين (ع) " (* 1) وصحيح ابن مهزيار: " كتبت إلى أبي جعفر الثاني (ع): إن الرواية قد اختلفت عن آبائك في الاتمام والتقصير للصلاة في الحرمين، فمنها: يأمر بأن يتم الصلاة ولو صلاة واحدة، ومنها: يأمر أن يقصر ما لم ينو مقام عشرة أيام. ولم أزل على الاتمام فيهما إلى إن صدرنا من حجنا في عامنا هذا، فان فقهاء أصحابنا أشاروا إلي بالتقصير إذا كانت لاأنوي مقام عشرة، وقد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك. فكتب (ع) بخطه: قد علمت - يرحمك الله - فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما، فأنا أحب لك إذا دخلتهما أن لا تقصر وتكثر فيهما من الصلاة. فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة: إني كتبت إليك بكذا، وأجبت بكذا، فقال (ع): نعم. فقلت: أي شئ تعني بالحرمين؟ فقال: مكة، والمدينة " (* 2) إلى غير ذلك... نعم يعارضها جملة أخرى آمرة بالقصر ما لم ينو مقام عشرة. منها: صحيح أبي ولاد، المتقدم في مبحث العدول عن نية الاقامة (* 3). ومنها: صحيح ابن بزيع: " سألت الرضا (ع) عن الصلاة بمكة والمدينة تقصير أو إتمام؟ فقال (ع): قصر ما لم تعزم على مقام عشرة أيام " (* 4). ومنها: المصحح عن علي بن حديد: " سألت الرضا (ع) فقلت: إن


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 3) لاحظ المسألة: 15 من فصل قواطع السفر. (* 4) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 32.

===============

( 181 )

أصحابنا اختلفوا في الحرمين، فبعضهم يقصر وبعضهم يتم، وأنا ممن يتم على رواية أصحابنا في التمام، وذكرت عبد الله بن جندب أنه كان يتم، فقال: رحم الله ابن جندب (ثم قال): لي لا يكون التمام. إلا أن تجمع على إقامة عشرة أيام. وصل النوافل ما شئت. قال ابن حديد: وكانت محبتي أن يأمرني بالاتمام " (* 1). ومنها: مصحح معاوية بن وهب: " سألت أبا عبد الله (ع) عن التقصير في الحرمين والتمام، فقال: لا تتم حتى تجمع على مقام عشرة أيام. فقلت: إن أصحابنا رووا عنك أنك أمرتهم بالتمام، فقال: إن أصحابنا كانوا يدخلون المسجد فيصلون ويأخذون نعالهم ويخرجون، والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة، فأمرتهم بالتمام " (* 2)، وحسنه: " قلت لابي عبد الله (ع): مكة والمدينة كسائر البلدان؟ قال: نعم. قلت: روى عنك بعض أصحابنا أنك قلت لهم: أتموا بالمدينة لخمس. فقال: إن أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون، فيخرجون من المسجد عند الصلاة، فكرهت ذلك لهم، فلهذا قلته " (* 3). ويمكن الجواب عنها، أما صحيح أبي ولاد فلتوقف الاستدلال به على كون التخيير بين القصر والتمام عاما لجميع البلد. أما لو اختص بالمسجد فلا مجال له. مضافا إلى إمكان دعوى كون السؤال عن حكم الاقامة في مطلق البلد، ولاجل ذلك استفيد منه الحكم الكلي، وإن كان للمدينة خصوصية دون غيرها. ولزوم تخصيص المورد لامانع منه في مقام الجمع بين الادلة. وأما صحيح ابن بزيع والمصحح عن ابن حديد، فمع ضعف الثاني، يمكن حملهما على إرادة نفي وجوب التمام، لانفي مشروعيته إذا لم


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 33. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 34. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 27.

===============

( 182 )

ينو الاقامة عشرة، كما يشهد به قوله في الثاني: " وكانت محبتي أن يأمرنى بالتمام ". إذ هو ظاهر في الالزام به، لافي الترخيص فيه. ومن ذلك يظهر الجواب عن مصحح معاوية، وحسنه. والظاهر منهما أن أصحاب الائمة (ع) في عصرهم كانوا مختلفين، فبعضهم كان مأمورا بالاتمام، ولذا كان يرى وجوبه تعيينا، وبعضهم كان مأمورا بالقصر، فيرى وجوبه تعيينا. والظاهر أن الوجوبين طارئان بالعناوين الثانوية فالعنوان الموجب للامر بالاتمام تعيينا هو ما أشير إليه في مصحح معاوية وحسنه الاخيرين. والعنوان الموجب للامر بالقصر هو خوف الوقوع في خلاف التقية، كما أشير إليه في حسن ابن الحجاج: " قلت لابي الحسن (ع): إن هشاما روى عنك أنك أمرته بالتمام في الحرمين، وذلك من أجل الناس قال: لا، كنت أنا ومن مضى من أبائي إذا وردنا مكة أتممنا الصلاة، واستترنا من الناس " (* 1). فان الظاهر أن الاستتار إنما يكون من جهة التقية ممن كان يرى وجوب القصر على المسافر من العامة. فكل من العنوانين الموجب للقصر والتمام راجع إلى التقية. وان اختلفت الجهة. ولاجل ذلك الاختلاف صح له (ع) أن يقول في حسن ابن الحجاج: " لا، كنت... " إد المراد إنكار جهة التقية التي ادعاها هشام، لاإنكار أصل التقية، وإلا لم يكن وجه للاستتار بالاتمام. ومن ذلك أيضا تعرف أن المراد من قول السائل في صحيح ابن مهزيار: " فمنها: يأمر أن يتم...، ومنها: يأمر أن يقصر... " الامر الالزامي التعييني، لكن كان لبعض العناوين الثانوية، ولولاها لكان كل منها واجبا تخييريا. وأما ما في صدر الحسن الاخير فلابد أن يكون المراد منه مساواة مكة والمدينة لسائر البلاد في عدم وجوب التمام إلا بنية


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6.

===============

( 183 )

الاقامة عشرة. وبالجملة: المستفاد من نصوص المسألة: أن العبارات الصادرة من الائمة (ع) على أنحاء. منها: ما هو صريح في التخيير بين التمام والقصر ومنها: ما هو آمر تعيينا بالتمام، ومنها: ما هو آمر تعيينا بالقصر. والجمع بين الاخيرين وما قبلهما: هو أن الحكم الاولي التخيير، وقد يطرأ عنوان فيقتضي وجوب أحدهما تعيينا. وأن اختلاف أصحاب الائمة (ع) في ذلك ناشئ من اختلافهم في الامر الصادر لهم، الناشئ من اختلاف الجهات المعينة للقصر أو التمام. فلا تنافي بين روايتي الامر بالتمام والامر بالقصر، كما لا تنافي بينهما وبين غيرهما. ومن ذلك يظهر الوجه فيما رواه في كامل الزيارة عن سعد: " أنه سئل أيوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد: مكة، والمدينة، والكوفة وقبر الحسين (ع)، والذي روي فيها، فقال: أنا أقصر، وكان صفوان يقصر، وابن أبي عمير وجميع أصحابنا يقصرون " (* 1)، وما في صحيح ابن مهزيار: " من أن فقهاء أصحابنا أشاروا إليه بالتقصير... " (* 2) فان المراد الالتزام بالتقصير، والاشارة بذلك للامر الصادر عن الائمة (ع) به لبعض العوارض المتقضية لذلك. وما ذكرنا هو الذي يقتضيه الجمع بين النصوص. وأما حمل نصوص الامر بالاتمام على إرادة الامر بالاقامة فبعيد جدا. وكذا حمل التخيير بينه وبين القصر على إرادة التخيير بين نية الاقامة وعدمها، فانه خلاف مادل على الاتمام ولو صلاة واحدة، أو مارا، أو حين يدخل. ومما ذكرنا يظهر لك ضعف ماعن ظاهر الصدوق أو صريحه. من منع


____________
(* 1) مستدرك الوسائل باب: 18 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 2) تقدم ذلك في أوائل هذه التعليقة.

===============

( 184 )

{ وما ذكرنا هو القدر المتيقن، والا فلا يبعد كون المدار على البلدان الاربعة، وهي مكة، والمدينة، والكوفة وكربلاء (1). } الاتمام إلا مع نية الاقامة. وكذا ما عن السيد وابن الجنيد: من وجوبه. إذ جواز القصر من ضروريات مدلول النصوص المتقدمة إليها الاشارة. وطرحها بأجمعها، والعمل بما ظاهره وجوب التمام خلاف مقتضى الجمع بين الادلة. إلا أن في الحكاية عنهما إشكالا، لما عن المختلف: من نسبة استحباب التمام اليهما. ولذا لم يتعرض في المتن للاحتياط بفعل التمام. فلاحظ. وتأمل. (1) كما نسب إلى المبسوط والنهاية - على وجه - وابني حمزة وسعيد، والمحقق في كتاب له في السفر، بل حكي عن الشيخ، والفاضلين، وأكثر الاصحاب، بل نسب إلى المشهور. ووجهه: أما في الاولين فالاخبار الكثيرة المشتملة على التعبير بمكة والمدينة، كصحيح ابن الحجاج المتقدم (* 1)، وبالحرمين، لتفسيرهما في صحيح ابن مهزيار المتقدم بهما، وبحرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وآله، المفسرين في رواية معاوية بن عمار وغيرها بهما (* 2). وما يتوهم معارضته لها، من مرسل إبراهيم بن أبي البلاد عن أبي عبد الله (ع): " تتم الصلاة في ثلاثة مواطن: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله، وعند قبر الحسين (ع) " (* 3)، ونحوه مرسل حذيفة


____________
(* 1) راجع التعليقة السابقة. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب المزار حديث: 1. وفى نفس الباب - وكذا في الباب 16 من أبواب المزار - أحاديث أخر على ذلك. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 22.

===============

( 185 )

ابن منصور عنه (ع) (* 1). وخبر أبي بصير عنه (ع) (* 2)، وخبر خادم اسماعيل بن جعفر عنه (ع) (* 3)، فمع ضعفه في نفسه، غير صالح للمعارضة، لعدم التنافي بينهما، لكونهما مثبتين. وذكر المسجد بالخصوص يمكن أن يكون لغلبة كونه موضع صلاة. ويشهد بعموم الحكم للبلدين: ما في مرسل حماد عن أبي عبد الله (ع): " من الامر المذخور: إتمام الصلاة في أربعة مواطن: بمكة، والمدينة، ومسجد الكوفة، والحائر " (* 4). فان التعبير بالبلدين، ثم العدول عنه إلى التعبير بالمسجد في الكوفة شاهد قوي على عموم الحكم لها. ونحوه مرسل الفقيه (* 5)، بل الظاهر أنه هو. ويشهد له أيضا ما في صحيح ابن مهزيار من قوله: " أي شئ تعني بالحرمين؟... " فان الظهر أن اختصاص الحرمين في مكة والمدينة في الجملة مما لاإشكال فيه عنده، وإنما السؤال كان عن أن الحرم يعم البلد، أو يخص المسجد، أو جهة معينة منه، أو غير ذلك، فلا يمكن حمل البلدين فيه على المسجدين فلاحظ. نعم يقتضي الاختصاص بالمسجد في المدينة صحيح أبي ولاد المتقدم. لكن عرفت قريبا وجه الجمع بينه وبين ما نحن فيه. فتأمل. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن الحلي: من اختصاص الحكم بالمسجدين. أخذا بالمتيقن. وأما بلد الكوفة فليس ما يدل على جواز الاتمام فيه إلا خبر زياد القندي عن أبي الحسن (ع) (* 6). وما عداه قد اشتمل بعضه على التعبير


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 22. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 14. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 14. (* 4) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 29. (* 5) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 26. (* 6) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 13.

===============

( 186 )

بحرم أمير المؤمنين (ع)، كمصحح حماد بن عيسى المتقدم (* 1)، ومرسل المصباح (* 2). وبعضها قد اشتمل على التعبير بمسجد الكوفة، كمرسل حذيفة ابن منصور (* 3)، ومرسل الفقيه (* 4)، وخبر أبي بصير (* 5)، ومرسل حماد (* 6). ولاريب في اختصاص الاخير بالمسجد. وأما الثاني فلا يخلو من إجمال. وتطبيقه في بعض الروايات عليها - كخبر حسان بن مهران، وفيه: " قال أمير المؤمنين: مكة حرم الله تعالى، والمدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وآله، والكوفة حرمي، لا يريدها جبار بحادثة إلا قصمه الله " (* 7). - ونحوه خبر عاصم بن حميد - (* 8) وفي رواية القلانسي: " إن الكوفة حرم الله، وحرم رسول صلى الله عليه وآله، وحرم أمير المؤمنين (ع) " (* 9) غير كاف في اثبات الحكم لها، لضعفه - كخبر زياد - أولا. ولان مجرد التطبيق لا يجدي فيما نحن فيه، وإنما المجدي التفسير، بأن يقال: حرم أمير المؤمنين (ع) هو الكوفة. وليس


____________
(* 1) راجع اوائل التعليقة السابقة. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 24. (* 3) المراد هو المرسل المتقدم في صدر التعليقة. (* 4)، (* 5)، (* 6) تقدم ذكر ذلك في هذه التعليقة. (* 7) الوسائل باب: 16 من ابواب المزار حديث: 1. (* 8) لم نجد الرواية المذكورة في مظانها، من الوسائل، والمستدرك، والجواهر، والحدائق، والمستند. نعم في المستدرك باب: 12 من ابواب المزار، عن امالي الطوسي (ره) عن عاصم بن عبد الواحد المدني، عن الصادق (ع) وفيه: " والكوفة حرم علي (ع)... " وقد أشار صاحب المستند في ج 2 صفحة 584، والحدائق في ج 11 صفحة 456 طبع النجف الاشرف إلى الرواية المذكورة مصرحا الاخير منهما باهمال الراوي. كما وإنا لم نجد ذكرا له في تنقيح المقال المامقاني (ره) وانما جاء فيه: ترجمة عاصم بن حميد. من أصحاب الصادق (ع). فراجع تنقيح المقال ج 2 ص 113 (* 9) الوسائل باب: 44 من ابواب أحكام المساجد حديث: 33.

===============

( 187 )

مفاد النصوص ذلك. والتطبيق إنما يجدي في الحكم الثابت لموضع عام، لا ما إذا أريد من العام فرد مخصوص وقد أجمل. فرفع اليد عن عموم وجوب القصر على المسافر فيما عدا مسجد الكوفة لا يخلو من إشكال، والاقتصار على المتيقن - وهو خصوص المسجد - متعين. ويشير إليه مرسل حماد المتقدم. وإلحاق الكوفة بمكة، بضميمة عدم الفصل - كما عن الشيخ (ره) - غير ظاهر، لثبوت القول بالفصل حينئذ. وأما كربلاء: فالنصوص المتعرضة للحكم فيها بين ما تضمن التعبير ب‍ " حرم الحسين (ع) "، كمصحح حماد (* 1)، وخبر خادم اسماعيل بن جعفر (* 2)، ومرسل حذيفة بن منصور (* 3). ومرسل الصباح (* 4)، وبين ما تضمن التعبير ب‍ " عند قبر الحسين (ع)، كخبر أبي شبل (* 5) وخبر عمرو بن مرزوق (* 6)، ومرسل إبراهيم بن أبي البلاد المتقدم (* 7) وبين ما تضمن التعبير بالحائر، كمرسل حماد، ومرسل الصدوق، الذين قد عرفت أن الظاهر أنهما واحد (* 8). أما الاول فقد ورد في مرفوع منصور بن العباس: أنه خمسة فراسخ من أربع جوانبه (* 9). وفي مرسل محمد بن اسماعيل البصري: أنه فراسخ في فرسخ من أربع جوانب القبر (* 10). لكن لا مجال للاعتماد عليه في مثل


____________
(* 1) تقدم ذلك في أول المسألة. (* 2) و (* 3) و (* 4) تقدم ذلك كله في صدر التعليقة. (* 5) الوسائل باب: 25 من أبواب صلاة المسافر حديث: 12. (* 6) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 30. (* 7) تقدم ذلك في صدر التعليقة. (* 8) تقدم ذلك في صدر التعليقة. (* 9) الوسائل باب: 67 من ابواب المزار حديث: 1. (* 10) الوسائل باب: 67 من ابواب المزار حديث: 2.

===============

( 188 )

المقام، لضعف السند من دون جابر. ولما لم يكن طريق شرعي إلى تحديده يبقى على إجماله، وليس له معنى عرفي ليرجع إليه. وأما الاخير فلم أقف في النصوص على تحديده، إلا على رواية الحسين ابن ثوير، الواردة في آداب الزيارة المأثورة، وفيها: " وعليك بالتكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، والتعظيم لله تعالى، والصلاة على محمد وأهل بيته، حتى تصير إلى باب الحائر، ثم تقول: السلام... (إلى أن قال) ثم اخط عشر خطأ، ثم قف وكبر ثلاثين تكبيرة. ثم امش إليه حتى تأتيه من قبل وجه، فاستقبل وجهك بوجهه... " (* 1). فانه - على تقدير ظهوره في كون باب الحائر متصلا بالحائر - ظاهر في أن الحائر أكثر من عشر خطوات. نعم عن الارشاد للمفيد (ره): أن الحائر محيط بهم (ع) إلا العباس (ع) فانه قتل على المسناة، وعن السرائر: أنه ما دار سور المشهد والمسجد عليه، دون ما دار سور البلد عليه، لان ذلك هو الحائر حقيقة، لان الحائر في لسان العرب الموضع المطمئن الذي يحار الماء فيه. وعن البحار عن بعض: أنه مجموع الصحن المقدس، وبعضهم: أنه القبة السامية. وبعضهم: أنه الروضة المقدسة وما أحاط بها من العمارات المقدسة، من الرواق والمقتل والخزانة وغيرها. ثم قال: " والاظهر عندي أنه مجموع الصحن القديم، لاماتجدد منه في الدولة الصفوية ". لكن الجميع غير واضح المستند. مع أن في الاعتماد على المرسلين المشتملين على التعبير بالحائر (* 2) إشكالا. فالاقتصار على القدر المتيقن من معنى الحائر، ومن معنى الحرم - وهو ما يقارب الضريح المقدس - متعين.


____________
(* 1) الوسائل باب: 62 من ابواب المزار حديث: 1. (* 2) المراد بها: مرسلا حماد والصدوق المتقدمان في صدر التعليقة.

===============

( 189 )

{ لكن لا ينبغي ترك الاحتياط، خصوصا في الاخيرتين. ولا يلحق بها سائر المشاهد (1). والاحوط في المساجد الثلاثة الاقتصار على الاصلي منها، دون الزيادات الحادثة في بعضها (2). نعم لافرق فيها بين السطوح، والصحن، والمواضع المنخفضة منها. كما أن الاحوط في الحائر الاقتصار على ما حول الضريح المبارك. (مسألة 12): إذا كان بعض بدن المصلي داخلا في أماكن التخيير وبعضه خارجا لا يجوز له التمام (3). نعم لا بأس بالوقوف منتهى أحدها إذا كان يتأخر حال الركوع والسجود (4) } وأما تحديده في كلام بعض بخمسة وعشرين ذراعا فلم أقل على مستند له غير مصحح إسحاق بن عمار: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إن لموضع قبر الحسين عليه السلام حرمة معروفة من عرفها واستجار بها أجير. قلت: صف لي موضعها. قال (ع): امسح من موضع قبره اليوم خمسة وعشرين ذراعا من ناحية رأسه، وخمسة وعشرين ذراعا من ناحية رجليه، وخمسة وعشرين ذراعا من خلفه، وخمسة وعشرين ذراعا مما يلي وجهه " (* 1) إلا أن في تعلقها بما نحن فيه تأملا ظاهرا. والله سبحانه أعلم. (1) لعدم الدليل الموجب للخروج عن عموم القصر على المسافر. وما عن السيد وابن الجنيد. من إلحاق المشاهد بها في وجوب التمام. وقد عرفت الاشكال فيه في الملحق به، فضلا عن الملحق. (2) إذا كانت الزيادة بعد صدور النصوص، لعدم الدليل على ذلك نعم لو كانت الزيادة قبل صدور النصوص فظاهرها دخول الزيادة. (3) لعدم دخوله في أدلته. (4) لصدق الصلاة في المواطن المذكورة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 67 من ابواب المزار حديث: 4.

===============

( 190 )

{ بحيث يكون تمام بدنه داخلا حالهما. (مسألة 13): لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور (1)، فلا يصح له الصوم فيها، إلا إذا نوى الاقامة أو بقي مترددا ثلاثين يوما. (مسألة 14): التخيير في هذه الاماكن استمراري (2) فيجوز له التمام مع شروعه في الصلاة بقصد القصر وبالعكس ما لم يتجاوز محل العدول. بل لا بأس بأن ينوي الصلاة من غير تعيين أحد الامرين من الاول (3). بل لو نوى القصر فأتم غفلة أو بالعكس فالظاهر الصحة (4). } (1) كما هو ظاهر الفتاوى، والمصرح به في كلام غير واحد. لعدم دخوله في الادلة. وعموم التلازم بينهما في القصر والتمام مختص بغير ما نحن فيه، لظهوره في عدم الفرق بين السفر المشرع لقصر الصوم والمشرع لقصر الصلاة، وأن عنوان المسافر في المقامين بمعنى واحد. ويشير إلى عدم الالحاق ما في موثق عثمان بن عيسى: " عن إتمام الصلاة والصيام في الحرمين قال (ع): أتمها ولو صلاة واحدة " (* 1). (2) لاطلاق الادلة، التي لافرق فيها بين الابتداء والاستدامة. (3) بأن يقصد الامر المتعلق بالركعتين في الجملة، بلا تحديد له باحدى الخصوصيتين. (4) كما لو تخيل أنه مأمور بالتمام لكونه حاضرا. وكذا لو جاء بكل من الركعتين الاخيرتين بقصد أنها الثانية، لاعتقاده عدم فعلها. واحتمال البطلان بزيادة الركعتين لعدم قصد امتثال أمرهما ضعيف. لان ذلك من قبيل الاشتباه في التطبيق، كما تقدم في مبحث الخلل. فلاحظ.


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 17.

===============

( 191 )

{ مسألة 15): يستحب أن يقول عقيب كل صلاة مقصورة (1) ثلاثين مرة: " سبحان الله والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله اكبر ". وهذا وإن كان يستحب من حيث التعقيب عقيب كل فريضة حتى غير المقصورة (2)، إلا أنه يتأكد عقيب المقصورات (3)، بل الاولى تكرارها مرتين (4)، مرة من باب التعقيب، ومرة من حيث بدليتها عن الركعتين الساقطتين. } (1) بلا خلاف أجده، كما في الجواهر. لخبر المروزي قال: " قال الفقيه العسكري (ع): يجب على المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصر فيها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثلاثين مرة، لتمام الصلاة " (* 1). وفي خبر رجاء: " إن الرضا (ع) كان يقولها في دبر كل صلاة يقصرها ثلاثين مرة، ويقول هذا تمام الصلاة " (* 2). ويتعين حمل الاول على الاستحباب، لما عرفت من نفي الخلاف، وقضاء السيرة القطعية بذلك. (2) كما ورد في بعض الاخبار. (3) لتعدد الجهة. (4) لاحتمال عدم التداخل. لكنه خلاف اطلاق الادلة. ولاجله لا مجال للرجوع إلى قاعدة عدم التداخل. والحمد لله رب العالمين. انتهى الكلام فيما يتعلق بصلاة المسافر، في النجف الاشرف، ثالث ربيع الثاني من السنة الخمسين بعد الالف والثلاثمائة هجرية، على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام وأزكى التحية. بقلم مؤلفه الاقل (محسن)، خلف المقدس العلامة المرحوم السيد (مهدي) الطباطبائي الحكيم. وله الحمد


____________
(* 1) الوسائل باب: 24 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 24 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

===============

( 192 )

{ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصوم وهو الامساك عما يأتي من المفطرات، بقصد القربة (1). } والمجد، كما هو أهل. وهو حسبنا ونعم الوكيل. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وآله الغر الميامين. كتاب الصوم الصوم في اللغة: مطلق الامساك، أو إمساك الحيوان، أو خصوص الانسان، وعن ابن دريد: " كل شئ سكنت حركته فقد صام صوما ". (1) قد اختلفت عباراتهم في معناه الشرعي، ففي بعضها: أنه الكف وفي آخر: أنه التوطين، وفي ثالث: أنه الامسال. وقد اختلفت أيضا في القيود المذكورة في تعريفاته. وظاهر أكثرهم أنهم في مقام التعريف الحقيقي، لعدول كل عن تعريف الآخر، معتذرا بتوجه المناقشات على التعريف المعدول عنه، من جهة الطرد، أو العكس، أو من جهتهما معا. وليس ذلك إلا لبنائهم على التعريف الحقيقي. لكن السعي في هذا السبيل لما لم يترتب عليه مزيد فائدة كان تركه والاشتغال بما هو أهم أولى.

===============

( 193 )

{ وينقسم (1) إلى الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، بمعنى قلة الثواب. والواجب منه ثمانية (2): صوم شهر رمضان، وصوم القضاء، وصوم الكفارة - على كثرتها - وصوم بدل الهدي في الحج وصوم النذر والعهد واليمين، وصوم الاجارة ونحوها - كالشروط في ضمن العقد - وصوم الثالث من أيام الاعتكاف، وصوم الولد الاكبر عن أحد أبويه. ووجوبه في شهر رمضان من ضروريات الدين (3)، ومنكره مترد (4) يجب قتله (5). ومن أفطر فيه - لامستحلا -، } نعم هنا شئ، وهو أنه لاريب في الاجتزاء يصوم من أكل ناسيا للصوم. وحينئذ فان كان الصوم عبارة عن الامساك عن ذوات المفطرات لم يصدق ذلك على الصوم المذكور، ووجب الالتزام بكونه بدلا عن الصوم لاصوما حقيقة، وهو خلاف ظاهر النص والفتوى. وإن كان عبارة عن الامساك عنها بقيد الالتفات إلى الصوم لزم أخذ الالتفات إليه قيدا فيه، وهو ممتنع، إذ الالتفات إلى الشئ خارج عنه. فلابد من أخذ المفطرات مهملة، لا مطلقة، ولا مقيدة بالالتفات. وهكذا الحال في أخذ قصد القربة فيه وفي غيره من العبادات، فالامر به وبسائر العبادات متعلق بالذات الملازمة لقصد القربة، لا بالذات المطلقة، ولا بالذات المقيدة بقصد القربة. فلاحظ (1) سيأتي التعرض للاقسام المذكورة. (2) الاستدلال على وجوب كل من الاقسام المذكورة موكول إلى محله. (3) كما صرح به جماعة، بل الظاهر أنه إجماع. (4) تقدم في مبحث نجاسة الكافر الكلام في أن إنكار الضروري مطلقا موجب للكفر، أو بشرط علم المنكر بأنه من الدين. فراجع. (5) إن كان ولد على فطرة الاسلام. وإلا فبعد أن يستتاب فلا يتوب،

===============

( 194 )

{ عالما عامدا يعزر (1) بخمسة وعشرين سوطا (2)، فان عاد عزر ثانيا (3)، فان عاد قتل على الاقوى (4). وإن كان } كما أشرنا إليه في كتاب الطهارة. ومحله مفصلا في كتاب الحدود. (1) بلا خلاف ظاهر. لصحيح بريد العجلي: " سئل أبو جعفر (ع) عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر شهر رمضان ثلاثة أيام. قال (ع): يسأل هل عليك في إفطارك شهر رمضان إثم، فان قال: لا، فان على الامام أن يقتله. وإن قال: نعم، فان على الامام أن ينهكه ضربا " (* 1) (2) لخبر المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (ع) - فيمن أتى امرأته وهما صائمان -: " وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا، نصف الحد. وإن كانت طاوعته ضرف خمسة وعشرين سوطا، وضربت خمسة وعشرين سوطا " (* 2). وضعف سنده - لو تم - مجبور بالعمل به في مورده. لكن التعدي منه إلى مطلق الافطار - مع كونه خلاف إطلاق الصحيح المتقدم، وإطلاق مادل على إيكال تقدير التعزير إلى الامام - غير ظاهر. ولاسيما وكون التقدير المذكور خلاف ظاهر إطلاق التعزير في كلامهم، فانه عندهم يقابل الحد، وهو الذي له تقدير بعينه. وكأنه لذلك كان ماعن جماعة من التصريح بعدم التقدير. (3) بلا خلاف ظاهر. ويقتضيه إطلاق الصحيح المتقدم. (4) كما عن الاكثر أو المشهور. لموثق سماعة: " سألته عن رجل أخذ في شهر رمضان، وقد أفطر ثلاث مرات، وقد رفع إلى الامام ثلاث مرات. قال (ع): يقتل في الثالثة " (* 3). ونحوه خبر أبي بصير (* 4)


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب أحكام شهر رمضان ملحق الحديث: 2.

===============

( 195 )

{ الاحوط قتله في الرابعة (1). وإنما يقتل في الثالثة أو الرابعة إذا عزر في كل من المرتين أو الثلاث (2). وإذا ادعى شبهة محتملة في حقه درئ عنه الحد (3). فصل في النية يجب في الصوم القصد إليه، مع القربة والاخلاص (4) } أما صحيح يونس عن أبي الحسن الماضي (ع): " أصحاب الكبائر كلها إذا أقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة " (* 1) فالاستدلال به يتوقف على عمومه للمقام، بأن يراد من الحد ما يعم التعزير. وهو كما ترى. (1) كما هو المحكي عن بعض. للمرسل: " إن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة " (* 2). وضعفه - لعدم صلاحية المرسل لمعارضة ما سبق - ظاهر. وكونه أحوط غير ظاهر. لانه مخالف للادلة المتقدمة. وأهمية القتل إنما تقتضي تقديم الاحتياط فيه على الاحتياط في غيره عند تزاحم الاحتياطين. وذلك في غير ما نحن فيه. (2) كما عن التذكرة وجماعة. ويقتضيه ظاهر ما سبق. لا أقل من عدم إطلاقه بنحو يشمل صورة عدمه، كما لا يخفى. (3) لاطلاق مادل على أن الحدود تدرأ بالشبهات. فصل في النية (4) بلا خلاف. لكونه من العبادات المعتبر فيها ذلك اجماعا. نعم الظاهر، بل الذي لا ينبغي التأمل فيه: أنه لا يعتبر فيه أن يكون الترك


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب مقدمات الحدود حديث: 1. (* 2) لم نعثر على ذلك، وإنما روي ذلك مرسلا في خصوص شارب الخمر. لاحظ الوسائل باب: 11 من ابواب حد المسكر حديث: 7.

===============

( 196 )

{ كسائر العبادات. ولا يجب الاخطار بل يكفي الداعي (1). ويعتبر فيما عدا شهر رمضان - حتى الواجب المعين أيضا - القصد إلى نوعه (2)، من الكفارة، أو القضاء، أو النذر، } للمفطرات في كل آن من آنات النهار مستندا إلى إرادة موافقة أمر الله تعالى. وإلا لزم بطلان الصوم بانتفاء ذلك بالنوم، أو الغفلة، أو العجز عن ارتكاب المفطر، أو عدم الرغبة فيه، أو وجود المنفر الطبعي عنه، بناء على قدح الضميمة في عبادية العبادة، وذلك مما لا يمكن الالتزام به ضرورة بل المعتبر فيه: استقلال داعي الموافقة للامر في الزجر عن المفطر على تقدير الالتفات والاختيار وعدم وجود المتقضي الخارجي للزجر عنه. فلا يقدح فيه النوم، والغفلة، والعجز، ووجود المتقضي الخارجي للزجر عنه، كما في الموارد المذكورة إذا فرض تحقق داعي موافقة الامر الشرعي بنحو يستقل في الزجر لولا ما ذكر، وإنما يقدح فيه عدم تحقق داعي الموافقة للامر الشرعي أصلا، أو عدم صلاحيته للاستقلال في الزجر. فالعبادية المعتبرة في آنات الصوم إنما هي عبادية فاعلية، لافعلية، كما في سائر العبادات ولعل ذلك يجري أيضا في بعض الواجبات العبادية، كالوقوف في عرفات أو المشعر الحرام. (1) كما تقدم بيانه مفصلا في نية الوضوء. فراجع. (2) وهو في غير المعين قول علمائنا - كما عن المنتهى - وقول العلماء كافة - كما عن التذكرة - وعند الاصحاب - كما عن المعتبر - وبلا خلاف يعرف - كما عن التنقيح - وإجماعا - كما عن السرائر، والتحرير، وغيرهما وظاهر الشرائع. ويدل عليه - مضافا إلى ذلك -: أن الفعل العبادي لا يصح عبادة إلا إذا قصد إيقاعه على النحو الذي أخذ موضوعا للتكليف، لما عرفت في نية الوضوء من أن قوام العبادية انفعال المكلف بأمر المولى،

===============

( 197 )

بنحو تحدث له إرادة تكوينية تابعة للارادة التشريعية للمولى، فلابد أن تتعلق إرادة العبد بما تعلقت به إرادة مولاه، وهذا معنى قصد موضوع الامر على النحو الذي أخذ موضوعا له. فإذا فرض أن صوم الكفارة بعنوان كونه كفارة قد أخذ موضوعا للامر، فلا يكون عبادة إلا إذا قصد الاتيان به معنونة بذلك العنوان. نعم قد يتوهم فيدعى: أن ظاهر الادلة السمعية كون موضوعها نفس الصوم الذي هو الماهية المشتركة بين أفراده، فإذا كان على المكلف صوم يوم قضاء وصوم يوم كفارة فقد وجب عليه صوم يومين لاميز بينهما إلا بمحض الاثنينية، فلا مجال للتعيين، فضلا عن وجوبه. فلو صام يوما واحدا سقط عنه صوم يوم وبقي عليه صوم يوم آخر. ولكنه كما ترى، بل ظاهر نصوص الامر بالقضاء والكفارة ونحوهما: أخذ العنوان من القضاء والكفارة أو نحوهما في موضوع الامر، فلابد من قصده ليقع عبادة، كما عرفت. ويشهد به أيضا اختلافها بخصوصيات أخر، مثل التضييق والتوسعة، والسقوط مع العجز بلا بدل ومع البدل وغير ذلك، فان اختلافها في الخصوصيات المذكورة يدل على اختلافها بالقيود والحدود. كما يظهر أيضا من نصوص عدم جواز الصوم ندبا لمن عليه فريضة: أن الصوم المندوب غير الصوم الواجب يمكن أن يقصد أحدهما بعينه. فيسقط أمره ويبقى أمر الآخر، نظير النافلة والفريضة في الصلاة. نعم لا يبعد الالتزام برجحان طبيعة الصوم في نفسها، عدا الحرم منه، وتعرضها خصوصيات أخرى موجبة له من قضاء أو كفارة، فإذا قصد النفس الطبيعة بلا خصوصية وقع مندوبا، وإذا قصدها مع الخصوصية الاخرى وقع ذو الخصوصية وترتبت عليه أحكامه.

===============

( 198 )

{ مطلقا كان أو مقيدا بزمان معين (1)، من غير فرق بين الصوم الواجب والمندوب. ففي المندوب أيضا يعتبر تعيين نوعه، } هذا في غير رمضان، أما هو فلا يشرع فيه غير فرضه أصلا، فلا يصح ولو ندبا وإن قصد صرف الطبيعة الراجحة، كما سيأتي. (1) كما هو المشهور. ونسب إلى الشيخ، والمحقق، والعلامة في بعض كتبه، والشهيد في كتبه الثلاثة. وهو واضح جدا بناء على أن النذر يوجب كون الفعل المنذور ملكا لله سبحانه على المكلف، كما هو الظاهر. ويقتضيه مفهوم صيغة النذر، لان تسليم ما في الذمة يتوقف على قصد المصداقية، ولولاه لم يتعين الخارجي لذلك، كما في سائر موارد ما في الذمة من الديون المالية عينا كانت أو فعلا. وبذلك أيضا يتضح وجه اعتبار التعيين في الصوم الواجب بالاجارة والشرط ونحوهما. أما بناء على عدم إيجاب النذر ذلك، بل إنما يقتضي وجوب المنذور فقط، يشكل اعتبار قصد التعيين، بل يكفي قصد نفس العنوان المنذور في سقوطه، لانطباق موضوعه عليه قهرا. فان قلت: الوجوب الآتي من قبل النذر إنما يتعلق بعنوان الوفاء، كما يقتضيه ظاهر أدلة النفوذ، فيجب قصد الوفاء في سقوط أمر النذر، كما هو الحال في الامر بالكفارة والقضاء. قلت: أولا: إن الامر بالوفاء بالنذور ليس مولويا، بل هو إرشادي إلى صحة النذر، نظير الامر بالوفاء بالعقود والشروط وغيرها، كما أوضحناه فيما علقناه على مباحث الشرط من مكاسب شيخنا الاعظم (ره). وثانيا: إنه لو سلم كونه مولويا فالظاهر كونه توصليا، لاتعبديا، فلا يتوقف سقوطه على قصد امتثاله، بل يكفي في سقوطه الاتيان بمتعلقه، وهو فعل نفس المنذور. نعم لو بني على أن الواجب عنوان الوفاء بالنذر بنحو يكون قصديا، توقف وجوده على قصده لكن الظاهر أنه ليس كذلك، بل ليس الواجب إلا فعل المنذور لا غير

===============

( 199 )

{ من كونه صوم أيام البيض مثلا أو غيرها من الايام المخصوصة (1) فلا يجزي القصد إلى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع، من غير فرق بين ما إذا كان ما في ذمته متحدا أو متعددا، } ومما ذكرنا يظهر أن ما حكي عن السيد. والحلي والعلامة في جملة من كتبه والمدارك وغيرهم: من عدم اعتبار التعيين فيه ينبغي أن يكون مبنيا على ذلك لاغير. وأما الاستدلال له: بأنه زمان يتعين بالنذر للصوم، فكان كشهر رمضان، لا يعتبر فيه التعيين. ففيه: أن التعيين الواقعي لا يكفي في انطباق ما في الذمة من حق الغير عليه، ولافي صدق إطاعة أمر النذر لو كان عباديا، ولافي صدق الوفاء بالنذر لو كان قصديا. ومثله في الضعف: الاستدلال للاول بأنه زمان لم يعينه الشارع في الاصل، فافتقر إلى التعيين، كالنذر المطلق. وجه الضعف: أنه لو بني على عدم اقتضاء النذر جهة وضعية، ولاكون الامر بالوفاء عباديا، ولا كون عنوان الوفاء قصديا، يكون انطباق المنذور على المأتي به قهريا، فيسقط أمره، ولا يتوقف على التعيين. وكذا الحال في النذر المطلق، فان المنذور فرد من العنوان المستحب يعرضه بالنذر الوجوب. فتكون أفراد المستحب بعضها واجبا بالعرض وبعضها مستحبا، فيلحقه حكم مالو وجب صوم يوم واستحب صوم يوم آخر، بلا تميز بين اليومين إلا بمحض الاثنينية، فإذا صام أحدهما سقط الوجوب وبقي الاستحباب. فالعمدة إذا في القولين ما ذكرنا. هذا ولا يبعد الفرق بين مفاد النذر ومفاد العهد واليمين، فظاهر الاول الاول، كما عرفت، وظاهر الاخيرين الثاني. (1) يظهر من أدلة القولين في النذر المعين: تأتي الخلاف هنا أيضا (*

===============

( 200 )

{ ففي صورة الاتحاد أيضا يعتبر تعيين النوع (1). ويكفي التعيين الاجمالي (2)، كأن يكون ما في ذمته واحدا، فيقصد ما في ذمته، وإن لم يعلم أنه من أي نوع، وإن كان يمكنه الاستعلام أيضا. بل فيما إذا كان ما في ذمته متعددا أيضا يكفي التعيين الاجمالي، كأن ينوي ما اشتغلت ذمته به أولا، أو ثانيا أو نحو ذلك. وأما في شهر رمضان فيكفي قصد الصوم وإن لم ينو كونه من رمضان (3). بل لو نوى فيه غيره } وعن البيان: إلحاق المندوب المعين بالواجب في عدم اعتبار التعيين. وعن بعض تحقيقاته: إلحاق مطلق المندوب به، لتعينه شرعا في جميع الايام، وتبعه على ذلك بعض من تأخر. ولكن التحقيق: لزوم التعيين في الاول إما لاخذ الزمان الخاص قيدأ في موضوع الامر، كما يقتضيه الجمود على عبارة النصوص، فلا يقع عبادة وامتثالا لامر إلا إذا قصده المكلف. وإما لان صوم الزمان المعين كما يصلح أن يكون امتثالا للامر بالمعين يصلح أن يكون امتثالا للامر بالمطلق، فكونه امتثالا للاول بعينه محتاج إلى معين وليس إلا القصد، ومجرد تعينه غير كاف فيه، ولاسيما مع صلاحية الزمان لغيره. وأما المندوب المطلق فالقصد إلى صرف الطبيعة المطلقة فيه كاف في تعينه، لان ما عداه طبيعة خاصة. نعم لو قصد طبيعة الصوم مهملة مرددة بين الواجب والمندوب، لم يجز عنه ولا عن غيره. (1) لما عرفت من اعتبار القصد إلى عنوان موضوع الامر في تحقق العبادة. (2) للاكتفاء به عند العقلاء، الذين هم المرجع في القيود المعتبرة في العبادة. (3) على المشهور، بل في محكي التذكرة: نسبته إلى علمائنا. ونحوه

===============

( 201 )

{ جاهلا أو ناسيا له أجزأ عنه (1). نعم إذا كان عالما به وقصد } ماعن المختلف والمنتهى، بل عن التنقيح: دعوى الاتفاق عليه. وعن الغنية: دعوى الاجماع. واستدل له - مضافا إلى ذلك - بأصالة البراءة من وجب التعيين. وبأصالة الاطلاق النافية لاشتراطه. وبأن التعيين فرع قابلية المورد للترديد، ولما كان رمضان لا يصح فيه صوم غير صومه لا مجال للترديد، فيكون متعينا بالذات بلا حاجة الى التعيين. والجميع كما ترى، إذ الاجماع لم يثبت بنحو يصح الاعتماد عليه. وأصل البراءة لا مجال له بعد قيام الاجماع بل الضرورة على كون الصوم من العبادات المعتبر فيها القصد، وبه يقيد إطلاق الادلة. مع أنه إنما يصلح لرفع الشك في شرط المأمور به، لا في شرط الاطاعة والامتثال، كما هو موضح في الاصول. فتأمل. والتعيين فرع الترديد في نظر المكلف، وهو حاصل، ولا ينافيه عدم مشروعية غير صوم رمضان، كما هو ظاهر. فما تقدم في صوم أيام البيض وغيرها جار هنا بعينه. نعم يمكن قصد الامر الخاص بنحو يكون ملازما لقصد خصوصية رمضان، كما يمكن العكس، بأن يقصد الصوم الخاص بالغد عن أمره، فان ذلك كله قصد لصوم رمضان عن أمره الخاص به، ولا إشكال فيه ولعله ذلك هو مراد القائلين بعدم اعتبار التعيين هنا، فمرادهم عدم اعتباره تفصيلا، لا عدم اعتباره أصلا ولا إجمالا، إهمالا منهم لقاعدة اعتبار قصد المأمور به بخصوصياته في تحقق العبادية. وإن كانت عبارة المتن وغيره آبية عنه. (1) إجماعا، حكاه غير واحد. وتساعده القواعد إذا رجع الى قصد الخصوصية إجمالا، بأن كان الخطأ في مجرد التطبيق لاغير. أما إذا رجع

===============

( 202 )

{ غيره لم يجزه (1). } ألى قصد الامر والخصوصية المباينين لخصوصية رمضان وأمره يشكل الاجتزاء به بالنظر إلى القواعد. نعم يدل على الاجتزاء به في الاول: ما ورد في الاجتزاء يصوم يوم الشك على أنه من شعبان، ففي رواية سماعة. " فان كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله تعالى " (* 1). وفي خبر الزهري: " لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا، وهو لا يعلم أنه من شهر رمضان، ثم علم بذلك لاجزأ عنه، لان الفرض إنما وقع على اليوم بعينه " (* 2) بل ظاهر الاخير الاجتزاء به في الثاني أيضا. بل يمكن القول بدلالة الاول عليهما معا بالغاء خصوصية مورده. اللهم إلا أن يدعى: أن منصرف النصوص خصوص صورة الجهل بالتطبيق الراجعة إلى تحقق قصد الخصوصية إجمالا. وقد يومئ إليه التعليل في الثاني. ولاسيما بملاحظة تخصيصه بصورة عدم العلم. ولا ينافيه التعبير بالتفضل في الاول، لامكان كون الوجه في التفضل عدم الجزم بالنية. فتأمل جيدا. لكن يدفع توهم الانصراف المذكور: التفصيل في النصوص بين نية رمضان وشعبان، إذ لاوجه للتفصيل مع قصد الخصوصية إجمالا. والتعليل لا يخلو من إجمال. مع ضعف سند الخبر، ومخالفته لظاهر ما قبله من إجزاء التطوع عن رمضان تفضلا. فلاحظ. (1) كما عن الحلي، والكركي، والشهيدين، وصاحب المدارك، وغيرهم. لعدم الدليل على الاجتزاء به بعد فوات التقرب المعتبر، من جهة عدم قصد خصوصية الواجب، وعدم قصد امتثال أمره. والنصوص المتقدمة


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم حديث: 8.

===============

( 203 )

{ كما لا يجزئ لما قصده أيضا (1). بل إذا قصد غيره عالما به } لا تصلح للدلالة على الاجتزاء به. بل ظاهر الخبر الثاني عدمه. وعن السيد والمبسوط والمعتبر والتذكرة والمختلف: أن الاجزاء لا يخلو عن قوة، لان النية المشترطة - وهي القربة - حاصلة، وما زاد لغو لا عبرة به. وهو كما ترى. نعم لازم القول بالصحة في غير العالم اعتمادا على القواعد القول بها فيه أيضا، فالتفكيك بينهما في ذلك غير ظاهر. (1) وفي الجواهر: " إنه المعروف في الشريعة، بل كاد يكون من قطعيات أربابها، إن لم يكن من ضرورياتها ". لعدم الدليل على مشروعية غير صوم رمضان فيه، ولقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (* 1)، وللنبوي: " ليس من البر الصيام في السفر " (* 2) ولمرسل الحسن بن بسام عن رجل: " كنت مع أبي عبد الله (ع) فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم، ثم رأينا هلال شهر رمضان، فأفطر. فقلت: جعلت فداك أمس كان من شعبان وأنت صائم، واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر! فقال (ع): إن ذلك تطوع ولنا أن نفعل ما شئنا. وهذا فرض وليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا " (* 3). وقريب منه مرسل ابن سهل (* 4). لكن الجميع لا يخلو من خدش. إذ يكفي في المشروعية إطلاقات مشروعية ما قصده. والآية الشريفة ظاهرة في نفي وجوب صوم رمضان على المريض والمسافر، لا مطلق الصوم. ولو سلم فظاهرها المنع من حيث


____________
(* 1) البقرة: 184. (* 2) مستدرك الوسائل باب: 9 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 12 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 4.

===============

( 204 )

{ مع تخيل صحة الغير فيه، ثم علم بعدم الصحة، وجدد نيته قبل الزوال لم يجزه أيضا (1). بل الاحوط عدم الاجزاء إذا كان جاهلا بعدم صحة غيره فيه، وإن لم يقصد الغير أيضا بل قصد الصوم في الغد مثلا. فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان (2). كما أن الاحوط في المتوخي - أي: المحبوس } السفر والمرض، لامن حيث زمان رمضان، كما هو محل الكلام. وكذلك النبوي، مع أنه أخص من المدعى، ومقيد بما دل على مشروعية الصوم في السفر في الجملة، كما هو المفروض في المقام. والمرسلان - مع أنهما أخص من المدعى أيضا، ويتضمنان جواز الصوم ندبا في السفر الذي هو محل الاشكال، كما سيأتي إن شاء الله، وأنهما لا يدلان إلا على المنع من صوم رمضان في السفر - ضعيفان. ومن ذلك يمكن البناء على ما هو صريح المبسوط: من أن المسافر إذا نوى صوم التطوع، أو النذر المعين، أو صوما واجبا آخر وقع عما نواه، وعليه قضاء رمضان. لولا ما عرفت من كون الحكم مظنة الاجماع وخلاف الشيخ غريب - كما هو في الجواهر - فلا يقدح في الاجماع. ولاسيما مع مخالفته له في بقية كتبه، وعدم موافقة أصوله، بل حكى الاتفاق غير واحد في غير المسافر. وهذا هو العمدة في المنع، كما اعترف به في الجواهر. والله سبحانه أعلم. (1) لاختصاص دليل الاجتزاء بالنية قبل الزوال بغير المقام، فيتعين العمل فيه بالقواعد المقتضية للبطلان، لما عرفت من وضوح عباديته، فيجب وقوعه بتمامه عن نية التقرب. (2) كما تقدم في نية رمضان. وكأن الوجه في تخصيص الاحتياط بالجاهل: دعوى كون نية العالم بعدم صحة الغير فيه راجعة إلى نية الخصوصية،

===============

( 205 )

{ الذي اشتبه عليه شهر رمضان وعمل بالظن - أيضا ذلك، أي: اعتبار قصد كونه من رمضان. بل وجوب ذلك لا يخلو عن قوة (1). (مسألة 1): لا يشترط التعرض للاداء والقضاء، ولا الوجوب والندب، ولا سائر الاوصاف الشخصية (2)، بل } كما أشرنا إليه سابقا، وعدم ثبوت ذلك في الجاهل. هذا بناء على كون عدم اعتبار التعيين في رمضان جاريا على القواعد، أما لو كان على خلافها من جهة الاجماع، فالوجه في التوقف في الجاهل: عدم ثبوت الاجماع فيه. (1) حكي في المتوخي وجوه: (أحدهما): وجوب التعيين مطلقا - كما عن البيان: أنه قوي - لانه زمان لا يتعين فيه الصوم. ولانه معرض للقضاء المعتبر فيه التعيين. (ثانيهما): عدم الوجوب، لانه زمان الصوم كشهر رمضان غير معتبر فيه التعيين. (ثالثها): التفصيل بين حصول الامارة الموجبة للظن بشهر رمضان فلا يجب، لحجية الظن كالعلم، وعدمه فيجب، لعدم الطريق إلى ثبوت الشهر. والكلام فيه يعرف مما سبق في الجاهل. فتأمل جيدا. (2) لان الخصوصيات المذكورة مما لادخل لها في تحقق العبادة والطاعة، والاصل البراءة من وجوبها، على ما هو التحقيق: من جريان البراءة في الشك في شرط الاطاعة كالشك في شرط المأمور به. مع أن الاطلاقات المقامية كافية في نفي وجوب مثل ذلك. نعم يشكل ذلك في خصوصيتي الاداء والقضاء: من جهة أن الاداء هو الفعل في الوقت والقضاء هو الفعل خارج الوقت، فيرجعان إلى قيود المأمور به، فيجري عليهما ما يجري عليها، من لزوم نيتها تفصيلا أو إجمالا.

===============

( 206 )

{ لو نوى شيئا منها في محل الآخر صح، إلا إذا كان منافيا للتعيين. مثلا: إذا تعلق به الامر الادائي فتخيل كونه قضائيا فان قصد الامر الفعلي المتعلق به واشتبه في التطبيق فقصده قضاء صح. وأما إذا لم يقصد الامر الفعلي بل قصد الامر القضائي بطل، لانه مناف للتعيين حينئذ (1). وكذا يبطل إذا كان مغيرا للنوع، كما إذا قصد الامر الفعلي لكن بقيد كونه قضائيا مثلا، أو بقيد كونه وجوبيا مثلا فبان كونه أدائيا، أو كونه ندبيا، فانه حينئذ مغير للنوع، ويرجع إلى عدم قصد الامر الخاص. (مسألة 2): إذا قصد صوم اليوم الاول من شهر رمضان فبان أنه اليوم الثاني مثلا، أو العكس، صح (2). وكذا لو قصد اليوم الاول من صوم الكفارة أو غيرها فبان الثاني - مثلا - أو العكس. وكذا إذا قصد قضاء رمضان النسة الحالية فبان أنه قضاء رمضان النسة السابقة وبالعكس. } (1) بل لعدم قصد الامر الخاص - أعني: الامر المتوجه إليه - كما سيذكر، وإنما قصد أمر وهميا لا واقع له. (2) لانه جاء بالمأمور به عن أمره. وخصوصية اليوم الاول أو غيره ليست دخيلة في موضوع الامر، كي يكون عدم قصدها مانعا من تحقق العبادية. وقصده اليوم الثاني أو الاول خطأ لايمنع من تحقق الاطاعة، فيلغى. وكذا الحال في الفرض الآتي. نعم إذا كان قصد الخصوصية اليوم أو السنة راجعا إلى تقييد الامتثال، الموجب لعدم قصد خصوصية الامر أو المأمور به بطل.

===============

( 207 )

{ (مسألة 3): لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل، فلو نوى الامساك عن أمور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى (1). (مسألة 4): لو نوى الامساك عن جميع المفطرات، ولكن تخيل أن المفطر الفلاني ليس بمفطر، فان ارتكبه في ذلك اليوم بطل صومه (2). وكذا إن لم يرتكبه ولكنه لاحظ في نيته الامساك عما عداه (3). وأما إن لم يلاحظ ذلك صح صومه في الاقوى (4). (مسألة 5): النائب عن الغير لا يكفيه قصد الصوم بدون نية النيابة (5) وإن كان متحدا. نعم لو علم باشتغال } (1) هذا واضح إذا كان قدنوى التقرب بخصوص الامساك عن المفطرات المعلومة إجمالا. ووجه الكفاية: تحقق الصوم منه متقربا. أما لو نوى التقرب بالامساك عن جميع الامور التي يعلم أن فيها المفطر وغيره كان ذلك تشريعا، فتبتني الكفاية على عدم قدح التشريع في الصحة، وإلا بطل. (2) لاستعمال المفطر. (3) وجه البطلان حينئذ: عدم التقرب بالامساك عنه، فيكون متقربا ببعض الصوم لا بتمامه، فلا يكون صومه بتمامه واقعا على نحو العبادة. نعم إذا كانت نية الامساك عما عداه مقارنة لنية الصوم المشروع، مع الخطأ في تطبيقه على الامساك عما عداه، كانت الصحة في محلها. (4) هذا يتم إذا لاحظ الامساك عنه إجمالا، كما هو المراد ظاهرا. أما لو لم يلاحظه، بل لاحظ ما عداه مهملا، تعين البطلان، كما قبله. (5) لان كون الفعل لغيره المنوب عنه من الامور القصدية، فلا يكون بغير قصد.

===============

( 208 )

{ ذمته بصوم، ولا يعلم أنه له أو نيابة عن الغير، يكفيه أن يقصد ما في الذمة (1). (مسألة 6): لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره (2) واجبا كان ذلك الغير أو ندبا. سواء كان مكلفا بصومه أولا كالمسافر ونحوه. فلو نوى صوم غيره لم يقع عن ذلك الغير سواء كان عالما بأنه رمضان أو جاهلا، وسواء كان عالما بعدم وقوع غيره فيه أو جاهلا. ولا يجزئ عن رمضان أيضا إذا كان مكلفا به مع العلم والعمد. نعم يجزئ عنه مع الجهل أو النسيان، كما مر. ولو نوى في شهر رمضان قضاء رمضان الماضي أيضا لم يصح قضاء، ولم يجز عن رمضان أيضا مع العلم والعمد. (مسألة 7): إذا نذر صوم يوم بعينه لا تجزؤه نية الصوم بدون تعيين أنه للنذر (3)، ولو إجمالا، كما مر (4). } (1) لانه يرجع إلى قصد النيابة على تقدير كونه نائبا، وهذا المقدار يكفي في تحقق النيابة، لتحقق التقدير. (2) تقدم في أوائل الفصل الكلام في هذه المسألة. (3) لا يخلو من إشكال، لان التعين مانع من صلاحية التعيين وعدمه لاختصاص الصلاحية لهما بغير المتعين القابل لكل من التعيين وعدمه. ولاجل ذلك حكم بالصحة في المسألة التاسعة. (4) مر وجهه، من أن مفاد النذر جعل المنذور ملكا لله سبحانه، فلا يمكن أداؤه إلا بنية أداء ما في الذمة، فلو بني على كون مفاد النذر مجرد الالتزام بالمنذور، وأن مفاد دليل النفوذ وجوب ما التزام به، فإذا

===============

( 209 )

{ ولو نوى غيره، فان كان مع الغفلة عن النذر صح (1)، وإن كان مع العلم والعمد ففي صحته إشكال (2). } جاء به - ولو مع الغفلة عن النذر - سقط الامر، لحصول موضوعه، لانه توصلي، وعنوان الوفاء ليس واجبا زائدا على وجوب المنذور. وتقدم أن الاول أظهر. (1) لان النذر لا يرفع ملاك مشروعية الصوم غير المنذور، فإذا ثبت الملاك لاوجه للبطلان، لكون المفروض الغفلة عن النذر، المانعة من تحقق العصيان. هذا إذا نوى غير المنذور، كما لو نذر الصوم ندبا فصام قضاء. أما لو نوى نفس المنذور غافلا عن النذر فالصحة أوضح، وإن لم يكن وفاء بالنذر. (2) أقول: بناء على أن النذر لا يوجب حقا في ذمة الناذر وإنما يقتضي وجوب المنذور فقط، ففعل غير المنذور يكون من صغريات مسألة الضد، فيبتني الفساد فيها على اقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده، فإذا منع من الاقتضاء المذكور - كما هو المحقق في محله - فلا مجال للاشكال في الصحة. أما بناء على أن النذر يوجب جهة وضعية - كما هو الظاهر - فلا يبعد أيضا القول بالصحة. إذ الصوم غير المنذور ليس تصرفا في الحق الحاصل بالنذر، ليكون حراما، لحرمة التصرف في حق الغير كحرمة التصرف في ماله، وإنما هو ضد لاداء الحق الواجب، فيجري عليه ما يجري على ضد الواجب من الصحة كما عرفت. نعم لو فرض كون مرجع النذر إلى نذر أن يشغل الزمان المعين في الصوم المنذور كان البطلان في محله، لكن الصوم المأتي به تفويتا لموضوع النذر فيحرم، فيبطل. لكن هذا النحو خارج عن الفرض فان قلت: إذا كان النذر يقتضي ملكية الله سبحانه للصوم، امتنع على الناذر جعله على خلاف مقتضى النذر، لانه تصرف في مال الغير.

===============

( 210 )

{ (مسألة 8): لو كان عليه قضاء رمضان السنة التي هو فيها وقضاء رمضان السنة الماضية، لا يجب عليه تعيين أنه من أي منهما، بل يكفيه نية الصوم قضاء (1). وكذا إذا كان عليه نذران كل واحد يوم أو أزيد. وكذا إذا كان عليه كفارتان غير مختلفتين في الآثار. (مسألة 9): إذا نذر صوم يوم خميس معين، ونذر } قلت: إنما يتم ذلك لو كان المملوك الصوم بما أنه من منافع الناذر الشخصية. أما لو كان المملوك العمل في ذمة الناذر، فهذا لا ينطبق على الصوم الخارجي إلا بالنية، فلا مانع من التصرف فيه بجعله لغير المنذور له. (1) هذا يتم لو لم يكن مايز بين القضاءين في الآثار، مثل التضييق والتوسعة، والكفارة وعدمها، وإلا كشف ذلك عن التمايز بالقيود، الموجب لاعتبار القصد، كما أشرنا إليه سابقا. وأما ما ربما يقال: من وجوب تعيين ما يقضى من الايام حتى ما كان لسنة واحدة، فينوي اليوم الاول أو الثاني، لتمايزهما بالخصوصيات، فيجب ملاحظتها في القضاء الملحوظ به البدلية. ففيه: أنه يتم لو فرض كون خصوصية اليوم الاول أو الثاني ملحوضة في موضوع التكليف بالاداء. لكنه خلاف ظاهر الدليل المتضمن لوجوب صوم شهر رمضان من حيث أنه شهر رمضان كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر لك وجه عدم وجوب التعيين لو نذر صوم يوم إذا رزق ولد، وصوم يوم آخر إذا شفي المريض، فرزق ولدا، وشفي مريضه، لان عدم التمييز بينهما مانع من إمكان التعيين، فضلا عن وجوبه. كذا الحال في صورة تعدد الكفارات المتفقة، كما لو ترك صوم اليومين المندورين في الفرض المذكور.

===============

( 211 )

{ صوم يوم معين من شهر معين، فاتفق في ذلك الخميس المعين يكفيه صومه (1)، ويسقط النذران. فان قصدهما أثيب عليهما (2) وإن قصد أحدهما أثيب عليه، وسقط عنه الآخر. (مسألة 10): إذا نذر صوم يوم معين، فاتفق ذلك اليوم في أيام البيض مثلا، فان قصد وفاء النذر وصوم أيام البيض أثيب عليهما، وإن قصد النذر فقط أثيب عليه فقط، وسقط الآخر. ولايجوز أن يقصد أيام البيض دون وفاء النذر (3). } (1) إن كان العنوان المأخوذ في كل من النذرين ملحوظا مرآة للزمان المعين، كان النذر الاول صحيحا، والثاني لغوا باطلا، ووجب عليه الصوم بقصد الوفاء وأداء ما في ذمته. وإن كان ملحوظا موضوعا لكونه موضوعا للاستحباب الشرعي، كما لو نذر صوم آخر خميس في ذي القعدة ويوم دحو الارض، فاتفقا يوما واحدا، صح النذران معا، ووجب قصدهما معا فلو قصد أحدهما دون الآخر وفى بأحدهما دون الآخر. وفي ثبوت الكفارة حينئذ إشكال، لاختصاص أدلتها بالحنث غير الصادق في المقام. إلا أن يقال: الحنث مجرد عدم موافقة النذر، وهو حاصل. (2) لما كان يعتبر في المنذور أن يكون راجحا، فالمقصود امتثاله وإطاعته بفعل المنذور هو الرجحان الثابت فيه مع قطع النظر عن الامر بالوفاء بالنذر. والثواب إنما يكون على إطاعة الامر الذاتي المذكور، لا الامر العرضي الناشئ من النذر، كما يظهر من العبارة. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما يظهر من عبارته في المسألة الآتية. فتأمل جيدا. (3) لما تقدم: من وجوب قصد الوفاء في النذر.

===============

( 212 )

{ (مسألة 11): إذا تعدد في يوم واحد جهات من الوجوب، أو جهات من الاستحباب، أو من الامرين، فقصد الجميع، أثيب على الجميع. وإن قصد البعض دون البعض أثيب على المنوي، وسقط الامر بالنسبة إلى البقية (1). (مسألة 12): آخر وقت النية في الواجب المعين - رمضانا كان أو غيره - عند طلوع الفجر الصادق (2). } (1) يعني: إذا كان مضيقا. للعجز المسقط للتكليف. (2) لوضوح كون الصوم من العبادات المعتبر وقوعها بتمامها عن نية الامتثال، فلو تأخرت النية عن طلوع الفجر - الذي هو أول وقته - يلزم وقوع بعضه بلا نية، فيبطل. لكن المحكي عن السيد (ره): جواز التأخير عمدا الى الزوال. بل ظاهر ابن الجنيد: جواز التأخير إلى ما قبل الغروب. وحينئذ يكون ذلك منهم خلافا في وجوب وقوع الصوم بتمامه عبادة. فان لم ينعقد الاجماع على خلافهم كان مقتضى الاصل جواز التأخير اختيارا. ولاسيما بملاحظة ما تقدم: من أن نية الصوم ليست مقومة لعباديته، لعدم اعتبار وقوعه على وجه العبادة، وإنما يعتبر وقوعه في حال كون المكلف عازما عن داعي الامر على الامساك على تقدير وجود المقتضي لاستعمال المفطر، فإذا لم يقم دليل على وجوب العزم في أوله - من إجماع أو غيره - فالمرجع أصل البراءة. لكن الانصاف أن ارتكاز عباديته عند المتشرعة مما يوهن الخلاف المذكور جدا، فلا مجال لرفع اليد عن الاجماع عليه ممن عداهما. بل الظاهر أن الوجه في خلافهما: النصوص الآتية في غير المعين وفي المندوب. ولاجل عدم شمول تلك النصوص للواجب المعين كان العمل على المشهور متعينا. وأما ما عن ابن أبي عقيل: من لزوم تقديمها من الليل. فلو سلم

===============

( 213 )

{ ويجوز التقديم في أي جزء من أجزاء ليلة اليوم الذي يريد صومه (1). النسيان أو الجهل بكونه رمضان أو المعين } ظهوره في المخالفة، وامتنع حمله على ارادة وقوع الصوم عن نية، أو أنه من باب الاحتياط، أو لعدم القدرة على ايقاعها حدوثا في الجزء الاول من النهار، فلا دليل عليه إلا ما قد يظهر من النبوي المشهور: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " (* 1) ونحوه خبران آخران. لكن يتعين حملها على ما ذكر، للاجماع على عدم اعتبار شئ في الصوم اكثر من كون عبادة. (1) كما هو المعروف، بل لعله إجماع. وما عن السيد (ره): من أن وقتها قبل الفجر غير ظاهر في المخالفة. مع أنه لو سلم كونه ظاهرا في التوقيت بآخر الليل، فلازمه الالتزام ببطلان صوم النائم قبل الفجر إذا كان قد نوى الصوم أول الليل، وهو كما ترى. نعم ظاهرهم: عدم الاكتفاء بايقاعها قبل الليل. وقد يشهد به النبوي المشهور المتقدم. لكن لا يبعد ظهور كون الحصر فيه إضافيا، أي بالاضافة إلى النهار. ويمكن أن يستدل له: بأنه القدر المتيقن في الخروج عن قاعدة اعتبار المقارنة للنية في العبادات. وفيه: أن قاعدة المقارنة إن تمت هنا لاتقبل التخصيص، فلابد من حمل الدليل الوارد على خلافها على إخراج المورد عن العبارة، فالمتعين الرجوع إلى الاصل، وهو يقتضي نفي التوقيت. لكن الذي يهون الخطب أن ذلك كله مبني على كون النية المعتبرة في العبادات الاخطار، أعني: الارادة التفصيلية. أما على ما هو التحقيق: من أنها عبارة عن الداعي - أعني: ما يعم الارادة الاجمالية الارتكازية - فلا تقديم


____________
(* 1) مستدرك الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 1 وملحقه. وفي كنز العمال ج 4 صحفة 303 حديث: 6105 - 6109.

===============

( 214 )

{ الآخر، يجوز متى تذكر إلى ما قبل الزوال (1) إذا لم يأت } ولا وقت لها إلا وقت العمل. (1) إجماعا، كما عن صريح الغنية، وظاهر المعتبر، والمنتهى، والتذكرة ويشهد له، ما ورد في المسافر إذا حضر قبل الزوال (* 1)، وحديث رفع النسيان وما لا يعلمون (* 2) والمرسل: " إن ليلة الشك أصبح الناس، فجاء اعرابي فشهد برؤية الهلال، فأمر صلى الله عليه وآله مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليسمك " (* 3). مورده وان كان الجهل، إلا أنه تمكن دعوى ظهوره في مطلق العذر. والجميع لا يخلو من خدش، إذ التعدي عما ورد في المسافر يتوقف على إحراز المناط، وهو غير حاصل. وحديث الرفع لا يصلح لتصحيح الناقص، ولعدم لزوم التدارك. ولاسيما فيما كان شرطا للاطاعة. فتأمل. والمرسل - منع ضعفه بالارسال، وكونه عاميا، وتضمنه قبول شهادة الواحد في الهلال، ولاسيما من كان من الاعراب. فتأمل - مختص بالجاهل، وبشهر رمضان، فالتعدي منهما إلى النسيان والصوم المعين غير ظاهر. مع أنه لا يدل على بقاء الوقت إلى الزوال. فالعمدة إذا: الاجماع. ولا يقدح فيه خلاف العماني، حيث ألحق الناسي بالعامد في البطلان، لكثرة تفرده في مخالفة الاصحاب. مع عدم ثبوت خلافه في المقام، كما قيل. ثم إن ظاهر غير واحد: اختصاص الاجماع بالمعين، من دون فرق بين رمضان، والنذر المعين، والمطلق المضيق، والقضاء المضيق. كما


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب من يصح الصوم منه. (* 2) الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس (* 3) لاحظ المعتبر مسألة، وقت النية في الصوم. وقريب منه حديث عكرمة عن ابن عباس، كما في المبسوط للسر خسي ج 3 صحفة 62.

===============

( 215 )

{ بمفطر، و أجزأه عن ذلك اليوم، ولا يجزؤه إذا تذكر بعد الزوال (1). وأما في الواجب غير المعين فيمتد وقتها اختيارا من أول الليل إلى الزوال (2)، } أنه لافرق في العذر بين الجهل والنسيان للموضوع والحكم. وأما احتمال الرجوع في المعين إلى بعض النصوص الآتية في غير المعين، بدعوى عمومه للمعين. فضعيف - كما عرفت - لقصوره عن شمول المعين جزما، كما يظهر من التعبير في السؤال والجواب فيها. فانتظر. (1) والعمدة فيه: الاجماع المدعى: مضافا إلى أنه مقتضى أصالة العبادية في الصوم، المقتصر في الخروج عنها على ما قبل الزوال، كما عرفت. وأما النصوص الآتية المفصلة بين ما قبل الزوال ومابعده، فعلى تقدير وجوب الاخذ بظاهرها، قد عرفت اختصاصها بغير المعين، ولا تشمل المقام. (2) بلا خلاف معتد به، وعن المدارك: انه مما قطع به الاصحاب. ففي صحيح ابن الجحاج عن أبي الحسن (ع): " في الرجل يبدو له - بعدما يصبح ويرتفع النهار - في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان ولم يكن نوى ذلك من الليل. قال (ع): نعم، ليصمه، وليعتد به إذا لم يكن أحدث شيئا " (* 1). وفي مصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) " إن رجلا أراد أن يصوم ارتفاع النهار أيصوم؟ فقال (ع): نعم " (* 2) وفي خبر صالح بن عبد الله عن أبي إبراهيم (ع): " رجل جعل لله تعالى عليه الصيام شهرا، فيصبح وهو ينوي الصوم، ثم يبدو له فيفطر ويصبح وهو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم. فقال: هذا كله جائز " (* 3). وخبر محمد بن قيس


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 4.

===============

( 216 )

{ دون ما بعده على الاصح (1). ولافرق في ذلك بين سبق } عن أبي جعفر (ع). " قال علي (ع): إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما، ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما، أو يشرب شرابا ولم يفطر فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر " (* 1). وموثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل يكون عليه من أيام شهر رمضان، ويريد أن يقضيها، متى ينوي الصيام؟ قال (ع): هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس، فان كان نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الافطار فليفطر. سئل: فان كان نوى الافطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال (ع): لا " (* 2). واختصاص البعض بقضاء شهر رمضان أو النذر، لا يقدح في عموم الحكم لغيرهما من أفراد غير المعين، للاجماع على عدم الفصل. مضافا إلى إطلاق البعض الآخر. كما أن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين تضيق الوقت وعدمه، فالتعيين بضيق الوقت بمنزلة عدمه. (1) للموثق المتقدم، بضميمة عدم القول بالفصل. وعن ظاهر ابن الجنيد: جواز تجديد النية بعده. ويشهد له - مضافا إلى إطلاق بعض النصوص المتقدمة -: صحيح ابن الحجاج عن أبي الحسن (ع): " عن الرجل يصبح ولم يطعم، ولم يشرب، ولم ينو صوما، وكان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك وقد ذهب عامة النهار؟ فقال (ع): نعم له أن يصومه ويعتد به من شهر رمضان " (* 3)، ومرسل البزنطي عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع): " الرجل يكون عليه القضاء من شهر


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 10. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 6.

===============

( 217 )

{ التردد، أو العزم على العدم (1). وأما في المندوب فيمتد إلى أن يبقى من الغروب زمان يمكن تجديدها فيه على الاقوى (2). } رمضان، ويصبح فلا يأكل إلى العصر، أيجوز أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال (ع): نعم " (* 1)، وصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع): " قلت له الرجل يصبح ولا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار وحدث له رأي في الصوم، فقال (ع): إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى " (* 2). هذا ولاريب أن مقتضى الجمع بينها وبين الموثق حمله على استحباب الافطار واستئناف القضاء، كما يومئ إليه الصحيح الاخير. لكن لا مجال له بعد إعراض المشهور عنها، بل ظاهر السيد (ره): الاجماع على خلافها. فيتعين العمل بظاهره، مع اعتضاده باطلاق خبر ابن بكير الآتي. (1) كما صرح به في بعضها. (2) كما عن الصدوق في الفقيه، والشيخ، والاسكافي، وابني زهرة وحمزة، والحلي، والمنتهى، والتحرير، والمختلف، والدروس، والروضة وعن الانتصار والسرائر: الاجماع عليه. لموثق أبي بصير: " عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة. قال (ع): هو بالخيار ما بينه وبين العصر. وإن مكث حتى العصر، ثم بدا له أن يصوم، فان لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء " (* 3)، وإطلاق صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع): " كان أمير المؤمنين (ع) يدخل إلى أهله فيقول:


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث 8. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 1.

===============

( 218 )

{ (مسألة 13): لو نوى الصوم ليلا، ثم نوى الافطار ثم بدا له الصوم قبل الزوال فنوى وصام قبل أن يأتي بمفطر صح على الاقوى (1)، إلا أن يفسد صومه برياء ونحوه، } عندكم شئ وإلا صمت، فان كان عندهم شئ أتوا به. وإلا صام " (* 1) وإطلاق خبر محمد بن قيس المتقدم (* 2) وغيره. وعن جماعة: العدم. وعن الذخيرة: نسبته إلى الاكثر وعن المسالك والمدارك: أنه المشهور. للاصل، وخبر ابن بكير: " عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب، ثم أراد الصيام بعدما اغتسل، ومضى ما مضى من النهار قال (ع): يصوم إن شاء. وهو بالخيار إلى نصف النهار " (* 3). لكن الخبر لا يصلح لمعارضة ما سبق، لامكان حمله على خصوص الصوم الواجب أو على الفضل، حسبما يقتضيه الجمع العرفي بينها. (1) كما هو المشهور، كما عن المدارك والحدائق. إذ احتمال قدح نية الافطار من حيث هي مما يقطع بخلافه. بل ينفيه: مادل على حصر النواقض في غيرها، فلم يبق إلا احتمال البطلان من جهة منافاته لنية الصوم فإذا تمت دلالة النصوص السابقة على عدم اعتبار النية قبل الزوال كان الاحتمال المذكور ساقطا أيضا. ومنه يظهر: أنه لا حاجة إلى الاستدلال على الصحة: بأن المعتبر في صحة الصوم النية عند انعقاده لا استمرارها. مع أنه غير ظاهر، لمخالفته لمرتكزات المتشرعة في عامة العبادات. وأيضا يشكل: بأنه إن تم الدليل على اعتبارها في انعقاده فلا يبعد امكان إثبات اعتبار استمرارها بالاستصحاب.


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 7. (* 2) تقدم ذلك قريبا. (* 3) الوسائل باب: 20 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

===============

( 219 )

{ فانه لا يجزؤه لو أراد التجديد قبل الزوال على الاحوط (1). } مع أن بعض الادلة المستدل بها على الاعتبار لافرق فيها بين الاول ومابعده. فلاحظ. وعن الحلبي، والارشاد، وشرحه للفخر، والشهيد في الدروس والبيان، وحاشية القواعد - وكذا عن المسالك وغيرها -: البطلان، واختاره في الجواهر. لانه مع فوات النية يبطل الصوم في ذلك الزمان، فيبطل بتمامه: لانه لا يتبعض. وضعفه ظاهر مما مر. نعم يتم ذلك في الواجب المعين الذي لا يجوز ترك النية فيه اختيارا، وكذا في غير المعين بعد الزوال، كما هو ظاهر. هذا ولكن المحكي عن المختلف: أنه لا فرق في قدح نية الافطار وعدمه بين ما قبل الزوال ومابعده. وهو غير ظاهر بناء على ما عرفت من وجه القول بالصحة. نعم بناء على أن الوجه فيها عدم اعتبار النية إلا في انعقاد الصوم - كما يقتضيه الاقتصار على النبوي المتقدم (* 1) - كان لما ذكره الوجه. (1) لاحتمال ظهور نصوص حرمة الرياء في كونه مبطلا له، لا من جهة منافاته للتقرب المعتبر في العبادة. كي يتوجه القول بالصحة في المقام - كما عن بعض - لعدم اعتبار التقرب بالامساك الخارجي، كما عرفت. بل لانه إذا كان الفعل المأتي به رياء مبعدا امتنع أن يكون مقربا. ولا ينافيه ما سبق: من عدم كون عبادية الصوم فعلية، لان ذلك بالاضافة إلى العبادية العقلية، لا بالاضافة الى الادلة الشرعية، المتضمنة لترتب الثواب عليه، وأنه جنة من النار. فلاحظ.


____________
(* 1) راجع اول المسألة: 12 من هذا الفصل.

===============

( 220 )

{ (مسألة 14): إذ نوى الصوم ليلا لا يضره الاتيان بالمفطر بعده قبل الفجر (1)، مع بقاء العزم على الصوم. (مسألة 15): يجوز في شهر رمضان أن ينوي لكل يوم نية على حدة (2). والاولى: أن ينوي صوم الشهر جملة ويجدد النية لكل يوم (3). ويقوى الاجتزاء بنية واحدة للشهر كله (4). لكن لا ويترك الاحتياط بتجديدها لكل يوم. وأما في غير شهر رمضان من الصوم المعين فلابد من نيته لكل } (1) لعدم منافاته للنية، ولا للمنوي. وعن البيان: الجزم بعدم جواز التناول، والتردد في جواز ما يبطل الغسل. وهو - كما ترى - دعوى خالية عن الدليل، كما عن المدارك. أو على خلافها الدليل، كما في الجواهر. (2) كما هو ظاهر الاصحاب. وعن المنتهى: الاجماع عليه. لكن عن الشهيد الثاني أنه استشكل فيه، بناء على عدم جواز تفريق النية على أجزاء العبادة الواحدة. وفيه: أنه لا مجال لاحتمال ذلك، لتعدد الثواب والعقاب، والكفارة، وإمكان التفكيك بين الايام في الطاعة والمعصية، فان ذلك كله من لوازم تعدد العبادة. (3) جمعا بين ما ذكرنا وما ذكره الشهيد. (4) إجماعا، كما عن السيدين، والشيخ في الخلاف. واستدل له: بأن صوم الشهر كله عبادة واحدة. لكن عرفت ما فيه، فان تم إجماع، وإلا كفى في جواز ذلك أصالة البراءة من لزوم إيقاعها لكن يوم في ليلته ولاجله يظهر ضعف ماعن المختلف، وجامع المقاصد وغيرهما - بل عن الحدائق: نسبته إلى المشهور بين المتأخرين -: من وجوب ذلك. نعم قد

===============

( 221 )

{ يوم (1) إذا كان عليه أيام، كشهر أو أقل أو اكثر. (مسألة 16): يوم الشك في أمن شعبان أو رمضان يبني على أنه من شعبان، فلا يجب صومه (2). وإن صام ينويه ندبا (3)، } يقتضيه ظاهر النبوي المتقدم، المتضمن وجوب تبييت النية (* 1). لكنه - على تقدير حجيته، وعدم قدح تخصيص الاكثر فيه، لخروج غير الواجب المعين، بل الواجب المعين في غير العمد، ولا إعراض القدماء عنه - قد عرفت أنه لا يبعد حمله على عدم جواز انعقاده بلا نية. ثم إن هذا الخلاف جار على ما هو المشهور من كون النية الاخطار. أما بناء على أنها الداعي فلا مجال للخلاف المذكور، لانه إن تحقق الداعي حال الصوم صح وإن حدث قبل أشهر، وإن لم يتحقق لم يجد الاخطار في الليل، فضلا عن أول الشهر. (1) وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده، بل في الدروس: الاجماع عليه ". أقول: عرفت المراد بالنية. وعليه فلا فرق بين رمضان وغيره إلا أن يكون إجماع على الفرق المذكور. (2) بلا خلاف ولا اشكال. ويكفي فيه الاصل. مع استفاضة النصوص بذلك، بل دلالة بعضها على المنع عن صومه. (3) فان الظاهر أنه لا إشكال في مشروعية صومه في الجملة، بل عن صريح جماعة وظاهر الآخرين: الاجماع عليه وتدل عليه النصوص الكثيرة، المتضمنة أنه يصام على أنه من شعبان، ففي موثق سماعة: " قلت لابي عبد الله (ع)... إلى أن قال (ع): إنما يصام يوم الشك


____________
(* 1) راجع أول المسألة: 12 من هذا الفصل.

===============

( 222 )

{ أو قضاء (1)، أو غيرهما. ولو بان بعد ذلك أنه من رمضان أجزأ عنه (2)، } من شعبان، ولا يصومه من شهر رمضان " (* 1). وأما ما تضمن النهي عن صومه، كخبر الاعشى عن الصادق (ع): " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن صوم ستة أيام: العيدين، والتشريق، والذي يشك فيه من رمضان... " (* 2) - ونحوه غيره - فمحمول على صيامه على أنه من شهر رمضان، جمعا بينه وبين مثل موثق سماعة. وربما حمل على الكراهة، كما عن المفيد. وهو غير ظاهر بعد تضمن النصوص الامر بصومه على أنه من شعبان. نعم لا يبعد ذلك في خبر عبد الكريم بن عمرو. قال: " قلت لابي عبد الله (ع): إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم، فقال (ع): لاتصم في السفر، ولا العيدين، ولا أيام التشريق، ولا اليوم الذي يشك فيه " (* 3). لكن يتعين تخصيصه بمورده لا غير. (1) لاطلاق نصوصه، إذ صومه على أنه من شعبان كما يمكن أن يكون بنية الندب يمكن أن يكون بنية القضاء. اللهم إلا أن يدعى: أن المنصرف من صومه على أنه من شعبان صومه بنية صوم شعبان المندوب لا غير. لكنه ليس بنحو يعتد به. مع أنه يمكن التعدي عن مورده في نظر العرف. نعم لو لم يتم هذا فالوجه في جواز الجميع - مضافا إلى ظهور الاتفاق -: إطلاق أدلة مشروعيتها. (2) إجماعا مستفيض النقل أو متواترا، كالنصوص. بل في كثير


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 3.

===============

( 223 )

{ ووجب عليه تجديد النية إن بان في أثناء النهار (1)، ولو كان بعد الزوال. ولو صامه بنية أنه من رمضان لم يصح وإن صادف الواقع (2). } منها: أنه يوم وفق له، وأنه يجزئ بما وسع الله تعالى على عباده، ونحو ذلك (* 1). ثم إن تم وفاء نصوص يوم الشك بمشروعية كل صوم تمت دلالتها أيضا على الاجزاء، وإن لم يتم كما أشرنا إليه - فالحاق غير صوم شعبان به في الاجتزاء محتاج إلى دعوى الاجماع على عدم الفصل، أو دعوى الاولوية. وأما التعليل في رواية الزهري: بأن الفرض وقع على اليوم بعينه، فمقتضاه الاجزاء ولو مع العلم، مع أنه فيها قد نفى الاجزاء معه، كما أشرنا الى ذلك آنفا. (1) لقصور النصوص عن صورة الانكشاف في الاثناء، فالحاقها إنما كان بالاجماع، أو الاولوية، والمتيقن منهما صورة التجديد. ومنه يظهر ضعف ما في الجواهر: من عدم وجوب التجديد. ومن أن إطلاق النص والفتوى يقتضي الاجتزاء ولو مع عدم تجديد النية. نعم قد يوهم تعليل الاجزاء في رواية الزهري الاجتزاء مطلقا. لكنه ينافيه الحكم بعدم الاجزاء في صورة العلم، كما سبق. (2) كما هو المشهور، كما في الجواهر. للاخبار المتضمن بعضها للنهي عن صومه كذلك، الظاهر في الحرمة التكليفية المتقتضية للبطلان، مثل موثق سماعة المتقدم (* 2) - ونحوه روايتا الزهري (* 3) - والمصرح بعضها بلزوم


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته. (* 2) تقدم ذلك قريبا. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 8، وباب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 4.

===============

( 224 )

{ (مسألة 17): صوم يوم الشك يتصور على وجوه: الاول: أن يصوم على أنه من شعبان. وهذا لا إشكال فيه، } قضائه، كصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع): " قال (ع) في يوم الشك: من صامه قضاه وإن كان كذلك - يعني: من صامه على أنه من شهر رمضان قضاه وإن كان من شهر رمضان - لان السنة جاءت في صيامه على أنه من شعبان، ومن خالفها كان عليه القضاء " (* 1). واحتمال أن قوله " يعني... " من كلام الشيخ أو بعض الرواة لا يقدح في الاستدلال به، لان ما قبله كاف في الدلالة، لان قوله (ع): " وإن كان كذلك " إنما يصح إذا أريد أن صيامه كان بنية رمضان، إذ لو أريد غيره لم يكن لقوله (ع): " وإن كان كذلك " معنى. فتأمل. نعم لايتم ذلك في صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. فقال (ع): عليه قضاؤه وإن كان كذلك " (* 2)، بناء على أن قوله: " من رمضان " متعلق بقوله: " يشك " لا بقوله: " يصوم ". لكن لابد حينئذ من حمله - كغيره من المطلقات - على ما ذكر، جمعا كما أشرنا إليه سابقا. هذا وعن الشيخ في البيان، والعماني، والاسكافي: إجزاؤه عن رمضان. وعن الشيخ: الاستدلال له باجماع الفرقة وأخبارهم على أنه من صام يوم الشك أجزأه عن صيام شهر رمضان. (انتهى). وهو كما ترى. إذ الاجماع معلوم الانتفاء. والنصوص قد عرفت مفادها. نعم في موثق سماعة: " قال سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، لا يدري أهو من شعبان أو من شهر رمضان، فصامه فكان من شهر رمضان. قال (ع):


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 1.

===============

( 225 )

{ سواء نواه ندبا، أو بنية ما عليه من القضاء أو النذر، أو نحو ذلك. ولو انكشف بعد ذلك أنه كان من رمضان أجزأ عنه، وحسب كذلك. الثاني: أن يصومه بنية أنه من رمضان. والاقوى بطلانه وإن صادف الواقع. الثالث: أن يصومه على أنه إن كان من شعبان كان ندبا أو قضاء مثلا، وإن كان من رمضان كان واجبا. والاقوى بطلانه أيضا (1). } هو يوم وفق له ولاقضاء عليه " (* 1) ومصحح معاوية بن وهب قال: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك، فقال (ع): هو شئ وفق له " (* 2). لكن عن الكافي رواية الاول هكذا: " فصامه، فكان من شهر... ". وهو - مع أنه أضبط - يتعين الاعتماد عليه في المقام، لعدم مناسبته للذيل على رواية الشيخ (* 3). وأما المصحح فان لم يكن الظاهر متعلق " من شهر رمضان " ب‍ " يشك " لانه أقرب، يتعين الحمل عليه، جمعا. مع أنه لو فرض تعذر الجمع بذلك، تعين الطرح، لاعراض المشهور. ولشهرة الرواية الدالة على البطلان. (1) كما عن الشيخ (ره) في جملة من كتبه، والحلي، والمحقق، وصاحب المدارك، وأكثر المتأخرين، بل عن التذكرة: " لو نوى أنه يصوم عن


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 5. (* 3) في رواية الشيخ (ره): " فصامه من شهر رمضان... " لاحظ التهذيب ج 4 ص 181 طبع النجف، الاستبصار ج 2 صفحة 78 طبع النجف الاشرف.

===============

( 226 )

رمضان أو نافلة، لم يجز إجماعا ". لانه لم ينو أحد السببين قطعا، والنية فاصلة بين الوجهين، كما عن الشيخ. أو لما يستفاد من النصوص: من تعين نيته من شعبان، فنيته على خلاف ذلك تشريع محرم، فلا يتحقق به الامتثال، كما عن المدارك، أو لان حقيقة صوم رمضان غير حقيقة غيره كما يكشف عن ذلك اختلاف أحكامهما، فإذا لم تعين حقيقة أحدهما فالنية - التي حقيقتها استحضار حقيقة الفعل المأمور به - لم يقع عن أحدهما، كما ذكر شيخنا الاعظم (ره). لكن الجميع لا يخلو من إشكال: أما الاول: فلان الواقع لما لم يخل عن أحد التقديرين، فنية كل على تقدير بعينه ترجع إلى نية كونه من شعبان لاغير إذا انكشف أنه من شعبان أو من رمضان لاغير إذا انكشف أنه من رمضان، فالفاصل بين الوجهين محقق حينئذ. نعم لاجزم بالمنوي حال النية، إلا أنه لادليل على قدحه في العبادة حتى مع إمكان الموافقة التفصيلية الظاهرية، كما هو محقق في الاصول، وأشرنا إلى وجهه في أوائل مسائل التقليد من هذا الشرح. وأما الثاني: فلان الظاهر من الحصر في بعض النصوص كونه ظاهريا إضافيا بلحاظ نيته من رمضان، فلا يمنع من العمل على الواقع، فالمرجع في الفرض لابد أن يكون القواعد الاولية، المقتضية للصحة، وتشير إليها بعض النصوص، كحسن بشير النبال عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن صوم يوم الشك. فقال (ع): صمه فان يك من شعبان كان تطوعا، وإن يك من شهر رمضان فيوم وفقت له " (* 1). وفي حسن الكاهلي: " قال سألت أبا عبد الله (ع) عن اليوم الذي يشك فيه من شعبان. قال (ع): لان أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أفطر يوما من


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب الصوم ونيته حديث: 3.

===============

( 227 )

{ الرابع: أن يصومه بنية القربة المطلقة، بقصد ما في الذمة، وكان في ذهنه أنه إما من رضمان أو غيره، بأن يكون الترديد في المنوي لافي نيته، فالاقوى صحته (1). وإن كان الاحوط خلافه. } شهر رمضان " (* 1). ونحوه خبر الزهري (* 2). وأما الثالث: فيظهر اندفاعه مما ذكر في الاشكال في الاول، لرجوعه إليه. ومن هنا يظهر: أن الاقوى الصحة، كما عن الخلاف، والمبسوط. والوسيلة، والمتخلف، والدروس، وظاهر البيان وغيرها. (1) لتحقق النية إلى الصوم المشروع واقعا عن أمره، وإنما التردد في عنوانه. أقوال: لم يتضح الفرق بين هذه الصورة وما قبلها، إذ المراد من القربة المطلقة إن كان هو الجامع بين الامر بصوم شعبان والامر بصوم رمضان، فنيتها غير كافية، لاعتبار ملاحظة الخصوصيات في الامر والمأمور به في باب العبادات، لتوقف الاطاعة عليها. وإن كان المراد الامر الخاص وموضوعه الخاص بواقعهما، مع التردد في خصوصياتهما في نظر المكلف، بأن يقصد المكلف الصوم الخاص عن أمره الذي هو إما رمضان وجوبا أو شعبان ندبا، رجع إلى الصورة السابقة بعينها. فلا وجه للفرق بينهما في


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 1. (* 2) لم نعثر على رواية الزهري بمضمون حسن الكاهلي الراجع الى اهمال كيفية النية لينفع فيما نحن فيه وانما الذي عثرنا عليه روايتين له، إحدهما: ظاهرة في صوم يوم الشك تطوعا، وهي التي رواها في الوسائل باب: 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث: 8. والاخرى ظاهرة في صومه بعنوان شعبان، والنهي عن صومه بنية رمضان، وهي المروية في الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 4.

===============

( 228 )

{ (مسألة 18): لو أصبح يوم الشك بنية الافطار، ثم بان له أنه من الشهر. فان تناول المفطر وجب عليه القضاء، وأمسك بقية النهار وجوبا (1) تأدبا. وكذا لو لم يتناوله ولكن كان بعد الزوال (2). وإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر، } الصحة والبطلان، كما يظهر باقل تأمل. وأما ما قد يظهر من المتن: من كون السابقة من الترديد في النية، واللاحقة من الترديد في المنوي، فلا يرجع إلى محصل ظاهر، وإن ذكره في نجاة العباد أيضا. إذ الترديد في النية في مقابل الجزم بها، وليس هنا كذلك، للجزم بنية الصوم على كل تقدير. نعم لو نوى صومه من رمضان إن كان كذلك، ولم ينو صومه من شعبان، كان ترديدا في النية. ومع ذلك فلا دليل أيضا على قدح مثله، كالترديد في المنوي. إلا إذا كان موجبا لابهامه وعدم تعينه واقعا، كما لو قصد أن يصوم يوم الشك إما من شعبان أو رمضان، بلا تعليق على تقدير معين واقعا. لكنه خارج عن الصورتين معا. كما أنه مما ذكرنا يظهر لك ضعف ما يظهر من إطلاق بعض الفتاوى: من البطلان أيضا في الفرض. فتأمل جيدا. (1) إجماعا، كما عن الخلاف. بل عن المنتهى، والذكرى: " لا نعلم أحدا قال بأنه يأكل بقية يومه، إلا عطا وأحمد في رواية ". ويشهد به: النبوي الوارد في ثبوت الهلال يوم الشك: " من أكل فليمسك " (* 1). ولعل هذا المقدار كاف في إثبات الوجود المذكور، ولاسيما بملاحظة ما ورد في حرمة استعمال المفطر ممن وظيفته الصوم. وأيضا الظاهر أن حكمه في الكفارة حكم من استعمل المفطر بعد الافطار، كما سيأتي. (2) لما عرفت من انتهاء وقت النية في مثله بالزوال.


____________
(* 1) تقدم ذلك في المسألة: 12 من هذا الفصل.

===============

( 229 )

{ جدد النية وأجزأ عنه (1). (مسألة 19): لو صام يوم الشك بنية أنه من شعبان - ندبا أو قضاء أو نحوهما - ثم تناول المفطر نسيانا، وتبين بعده أنه من رمضان، أجزأ عنه أيضا، ولا يضره تناول المفطر نسيانا (2)، كما لو لم يتبين، وكما لو تناول المفطر نسيانا بعد التبين. (مسألة 20): لو صام بنية شعبان ثم أفسد صومه - برياء ونحوه - لم يجزه عن رمضان (3) وإن تبين له كونه منه قبل الزوال. (مسألة 21): إذا صام يوم الشك بنية شعبان، ثم نوى الافطار، وتبين كونه من رمضان قبل الزوال قبل أن يفطر، فنوى صح صومه (4). وأما إن نوى الافطار في يوم من شهر رمضان عصيانا، ثم تاب فجدد النية قبل الزوال لم ينعقد صومه (5). وكذا لو صام يوم الشك بقصد واجب معين، ثم نوى الافطار عصيانا. ثم تاب فجدد النية، بعد تبين كونه من رمضان، قبل الزوال (6). } (1) كما تقدم في المسألة الثانية عشرة. (2) لما سيأتي: من عدم قدح ذلك في الصوم. (3) لبطلانه بالرياء المفسد، كما أشرنا إلى ذلك في المسألة الثالثة عشرة (4) كما لو لم يكن قد نوى الصوم أصلا. (5) لفوات النية عمدا، الموجب للبطلان في الواجب المعين، على ما سبق. (6) يمكن القول بالصحة، لان نية الافطار إنما كانت تجريا محضا،

===============

( 230 )

{ مسألة 22): لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعين بطل صومه (1)، سواء نواهما محينه، أو } لعدم صحة الصوم الذي نواه من أول الامر، لما تقدم: من أنه لا يصح في رمضان غيره. فإذا جدد النية بعد تبين أن اليوم من رمضان، يكون كما لو أصبح بنية الافطار ثم تبين قبل الزوال كون اليوم من رمضان، الذي تقدم في المسألة الثامنة: أنه يجدد النية بعد التبين قبل الزوال، ويصح صومه. ومجرد نيته للصوم المعين - الذي لا يصح واقعا - لا يصلح فارقا بين المسألتين. (1) ينبغي أن يكون حكم نية القطع - وهو رفع اليد عما تلبس به من الصوم - ونية القاطع - وهو فعل أحد المفطرات الآتية - حكم نية الافطار، فإذا تم الدليل على اعتبار النية من طلوع الفجر الى الغروب في صحة الصوم كانت نية القطع أو القاطع منافية لها، فيبطل الصوم لفوات شرطه. وإن لم يتم الدليل على ذلك فلا موجب للبطلان بحدوث نية القطع أو القاطع، ولافرق في ذلك بين المنوي الحالي والاستقبالي. ودعوى: أن نية الثاني غير منافية لنية الصوم فعلا، فلا موجب للبطلان. مندفعة: بأنهما إنما لا ينافيان نية الصوم إلى زمان القطع أو القاطع المنويين، لانية الصوم المأخوذ موضوعا للحكم الشرعي، الذي هو الامساك إلى الغروب، إذ من الواضح منافاتها لها، لتنافي متعلقهما. والمعتبر من النية - في الصوم وغيره من العبادات - هي الثانية، فإذا انتفت بطل الصوم. نعم قد يظهر من التعبير بنية المفطر أو القاطع: استناد الافطار إلى فعل المفطر أو القاطع، لا إلى النية. وبناء على ما ذكرنا يستند إلى النية، إذ قد لا يتحقق استعمال المفطر بعد ذلك، ولو تحقق استند الافطار إلى أسبق العلل. لكن لا يخفى: أن التعبير المذكور بلحاظ أصل ماهية الصوم

===============

( 231 )

{ فيما يأتي. وكذا لو تردد (1). نعم لو كان تردده من جهة الشك في بطلان صومه وعدمه لعروض عارض، لم يبطل (2) وإن استمر ذلك إلى أن يسأل. ولا فرق في البطلان بنية القطع أو القاطع أو التردد بين أن يرجع إلى نية الصوم قبل الزوال أم لا (3). وأما في غير الواجب المعين فيصح لو رجع قبل الزوال (4). (مسألة 23): لا يجب معرفة كون الصوم هو ترك } فان المنافي للماهية استعمال نفس المفطر، أما فوات النية فانما ينافي الماهية الصحيحة، لانها بحكم الشرط، لا أصل الماهية، لخروجها عن حقيقته، حقيقة وحكما، كما عرفت. هذا وقد عرفت في كتاب الصلاة: أن نية الزيادة أو النقيصة قد لا تنافي نية الامر والمأمور به إذا كان التشريع في التطبيق. وفي المقام يكون الامر كذلك، وقد يكون من نية غير المأمور به. ثم إن نية المفطر إنما تكون منافية لنية الصوم مع الالتفات إلى مفطريته أما إذا لم يكن ذلك فلا تكون منافية لها. (1) فان التردد مضاد للنية، كنية القطع، فيجري عليه حكمها. نعم إذا كان التردد على نحو لا ينافي قصد الصوم ولو رجاء لم يبطل. (2) كما نص عليه جماعة. لان التردد المذكور راجع إلى النية الصوم على تقدير صحته، وهو كاف في نية العبادة، كما في الصوم الاحتياطي. (3) لما عرفت: من اعتبار النية من طلوع الفجر إلى الغروب في الواجب المعين. (4) لعدم اعتبار النية فيه قبل الزوال، على ما سبق الكلام فيه.

===============

( 232 )

{ المفطرات مع النية، أو كف النفس عنها معها (1). (مسألة 24): لا يجوز العدول من صوم إلى صوم (2) واجبين كانا أو مستحبين، أو مختلفين. وتجديد نية رمضان إذا صام يوم الشك بنية شعبان ليس من باب العدول، بل } (1) هذا إذا كان قد قصده مطلقا، لتحقق الموافقة القطعية على نحو العبادة. نعم لو اعتبرت الموافقة التفصيلية في صحة العبادة - كما لعله المشهور. ولاجله بني على بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد وإن طابقت الواقع - كانت معرفة معنى الصوم منهما لازمة. إلا أن التحقيق: عدم اعتبارها، كما أشرنا إليه في مسائل التقليد من هذا الشرح. (2) فانه على خلاف الاصل. ومجرد ثبوته بالدليل في الصلاة أو غيرها غير كاف في إثباته مطلقا، بل اللازم الاقتصار على المقدار الثابت لاغير، والرجوع في غيره الى أصالة عدم صحة المعدول إليه. نعم يختص ذلك بما بعد زمان انعقاده، فالواجب المعين ينعقد عند طلوع الفجر، فلا يجوز العدول إليه بعده، والواجب غير المعين ينعقد عند الزوال، فلا يعدل إليه بعده، والمستحب ينعقد عند الغروب، فلا يعدل إليه بعده. أما قبل زمان انعقاده - كما لو عدل إلى واجب غير معين قبل الزوال - فلا مانع منه. إذ المعدول عنه إن كان غير معين فلا تعينه النية قبل الزوال، لعدم تعينه حينئذ، فلا مانع من العدول بالنية إلى غيره. وإن كان معينا فنية العدول كنية المفطر مفسدة له، فلا مانع من تجديد النية لغيره أيضا. ولعل عبارة المصنف منزلة على ذلك. وإلا فاشكالها ظاهر. وبالجملة: جواز العدول تابع لوقت التجديد، ففي كل وقت يجوز تجديد النية يجوز العدول ويصح، وكل وقت فات تجديد النية فيه للمعدول إليه لم يجز العدول فيه.

===============

( 233 )

{ من جهة أن وقتها موسع لغير العالم به إلى الزوال (1). فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم من المفطرات وهي أمور: الاول والثاني: الاكل والشرب (2) من غير فرق في المأكول والمشروب بين المعتاد - كالخبز، والماء، ونحوهما وغيرها، كالتراب، والحصى، وعصارة الاشجار، ونحوها (3)، } (1) لكن الذي تقدم: هو الاجتزاء به عن رمضان إذا ثبت الهلال ولو بعد الزوال إذا جدد النية. والتحديد بالزوال إنما هو فيما إذا لم ينو الصوم، لافيما إذا نواه من شعبان، وإلا فهو من باب الاجتزاء، لا من باب العدول. فالاولى دعوى: وجوب الاقتصار على مورده لا غير. فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم من المفطرات (2) إجماعا في الجملة. بل ادعي عليه الضرورة. ويشهد به الكتاب والسنة. (3) كما هو المشهور شهرة عظيمة، بل عن الخلاف، والغنية، والسرائر، والمختلف، وظاهر المنتهى، والتذكرة: الاجماع عليه. بل في محكي كلام السيد (ره) في المسائل الناصرية، نفي الخلاف فيه بين المسلمين إلا من الحسن بن صالح، حيث قال: إنه لا يفطر. ثم قال: " وهو

===============

( 234 )

{ ولابين الكثير القليل (1)، كعشر حبة الحنطة، أو عشر } مسبوق بالاجماع، وملحو به ". وكفى بذلك دليلا على مفطرية ما ذكر بضميمة وضوح كونه من مرتكزات المتشرعة. ويشهد به أيضا: النص الوارد في الغبار، كما سيأتي (* 1). وحينئذ فما عن السيد (ره) في بعض كتبه: من نفي المفطرية - وكذا عن ابن الجنيد - ضعيف. وإن امكن الاستدلال له: بمنع صدق الطعام والشراب - المذكورين في صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام، والشراب والنساء، والارتماس في الماء " (* 2). وفي بعض طرقه: إبدال " ثلاث " ب‍ " أربع " على غير المتعارف، فيقيد به إطلاق مادل على لزوم الاجتناب عن الاكل والشرب من دون ذكر للمتعلق، فان اطلاقه الحاصل بحذف المفعول وإن كان يقتضي المنع عن كل ما يتعلق به الاكل والشرب، لكنه مقيد بما ذكر. مضافا الى ما ورد في عدم الافطار بالذباب إذا دخل الحلق، معللا: إنه ليس بطعام (* 3). ومثله: ما ورد في الكحل (* 4). إلا أنه لا مجال لجميع ذلك بعدما عرفت من تكرر دعوى الاجماع، المعتضدة بارتكاز المتشرعة بعدما عرفت. مع إمكان حملهما على المعنى المصدري. فتأمل. (1) بلا خلاف ظاهر. لاطلاق الادلة. والقلة والكثرة لا يوجبان الانصراف المعتد به.


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. ويأتي ذكره - إن شاء الله - في السادس من الامور الذي يجب الامساك عنه في الصوم. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 39 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

===============

( 235 )

{ قطرة من الماء، أو غيرها من المايعات. حتى أنه لو بل الخياط الخيط بريقه أو غيره، ثم رده إلى الفم، وابتلع ما عليه من الرطوبة، بطل صومه (1). إلا إذا استهلك ماكان عليه من الرطوبة (2) بريقه على وجه لا يصدق عليه الرطوبة الخارجية (3) وكذا لو استاك. وأخرج المسواك من فمه، وكان عليه رطوبة ثم رده إلى الفم، فانه لو ابتلع ما عليه بطل صومه، إلا مع الاستهلاك على الوجه المذكور. وكذا يبطل بابتلاع مايخرج من بقايا الطعام من بين أسنانه (4). } (1) عندنا، وهو قول أكثر الشافعية، كذا في محكي التذكرة. ويقتضيه. ما تقدم من الاطلاق. (2) كما نص عليه في الجواهر وغيرها. (3) يمكن دعوى عدم كفاية هذا المقدار، بل يكفي في المنع عنه: صدق ريقه وريق غيره على نحو الامتزاج عليه، ولا يعتبر صدق غير ريقه عليه، ليكفي في الجواز عدم صدقه. ولذا قيده في الجواهر بقوله: " يجب يعد ابتلاع ريقه لاغير ". لكن في تحقق الاستهلاك كذلك - مع الاتحاد في الجنس - إشكال فتأمل. (4) قولا واحدا عندنا، كما في الجواهر. ويقتضيه: الاطلاق المتقدم. نعم قد ينافيه: ما في صحيح ابن سنان: " عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشئ من الطعام، أيفطر ذلك؟ قال (ع): لا. قلت: فان ازدرده بعد أن صار على لسانه. قال (ع): لا يفطره ذلك " (* 1). ولاجله ناقش في الحدائق في الحكم المذكور. لكن - مع أنه لم يعرف عامل به في مورده - غير ما نحن فيه، لامكان أن يلحق مايخرج بعد البلع


____________
(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 9.

===============

( 236 )

{ (مسألة 1): لا يجب التخليل بعد الاكل لمن يريد الصوم وإن احتمل أن تركه يؤدي إلى دخول البقايا بين الاسنان في حلقه. ولا يبطل صومه لو دخل بعد ذلك سهوا (1) نعم لو علم أن تركه يؤدي إلى ذلك وجب عليه، وبطل صومه على فرض الدخول. (مسألة 2): لا بأس ببلع البصاق (2) وإن كان كثيرا } حكم مايخرج من الصدر، فالتعدي منه الى المقام غير ظاهر. (1) لاختصاص قدح استعمال المفطرات بصورة العمد، كما سيأتي. نعم عن فوائد الشرائع هنا: وجوب القضاء خاصة لو قصر في التخليل فجرى بالريق إلى الجوف. ونفى عنه البأس في المسالك، للتفريط الموجب للالحاق بالعمد. ولكنه كما ترى، لاختصاص ذلك بصورة العلم بالترتب، كما هو الحال في العمد المعتبر في حسن العقاب وتحقق المعصية. ولا يكفي مجرد احتمال الترتب في صدقه جزما. اللهم إلا أن يقال: مقتضى الاطلاقات الاولية تحقق الافطار به، وما دل على عدم قدح الاكل سهوا - من النص (* 1) والاجماع - مختص بغير المقام مما لا يكون فيه تفريط أصلا، فيلحقه حكم العلم بالترتب الذي لا مخرج به قطعا عن عموم المفطرية للاكل والشرب. وبذلك يفترق عن النوم مع العلم بالاحتلام، كما سيأتي جوازه في مفطرية الاستمناء، فانه لاعموم يقتضي مفطريته. اللهم إلا أن يؤخذ باطلاق معاقد الاجماع على اختصاص المفطرية بصورة العمد، غير الشامل لصورة الاحتمال، فيبقى داخلا تحت عموم المفطرية. (2) بلا خلاف، كما عن الخلاف. وعن التذكرة: نسبته إلى


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم.

===============

( 237 )

{ مجتمعا، بل وإن كان اجتماعه بفعل ما يوجبه (1)، كتذكر الحامض مثلا. لكن الاحوط الترك في صورة الاجتماع، خصوصا مع تعمد السبب. (مسألة 3): لا بأس بابتلاع مايخرج من الصدر من الخلط وما ينزل من الرأس (2) ما لم يصل إلى فضاء الفم. } علمائنا. لقصور الادلة عن شموله - فتأمل - والاصل البراءة. مضافا إلى السيرة التي ادعاها غير واحد. والى خبر زيد الشحام: " في الصائم يتمضمض قال (ع): لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات " (* 1). (1) كما نص عليه غير واحد. لعين ما سبق. (2) مطلقا فيهما، كما عن المعتبر، والمنتهى، والتذكرة، والبيان، وغيرها. لقصور الادلة عن شمول مثله، والاصل البراءة، فتأمل. مضافا إلى موثق غياث: " لا بأس بأن يزدرد الصائم نخامته " (* 2)، بناء على عموم النخامة لهما، كما صرح به بعض اللغويين، واستظهره غير واحد من الفقهاء، وظاهر المجمع والقاموس وغيرهما. كما أن الظاهر عموم الازدراد لما يصل إلى فضاء الفم، بل لعله فيه أظهر. وظاهر الشرائع والارشاد: التفصيل بينهما، بالجواز في الاول، والمنع في الثاني. وكأنه مبني على أن مقتضى الادلة الاولية المنع فيهما، لكن وجب الخروج عنها في الاول للموثق، لاختصاص النخامة به. وعن الشهيدين: الجواز فيهما قبل الوصول إلى فضاء الفم، والمنع منهما بعده. وكأنه لقصور الخبر عن الحجية، لضعف سنده، أو اجمال المراد به، ومقتضى القواعد المنع في الواصل إلى فضاء الفم، لصدق الاكل والشرب


____________
(* 1 (الوسائل باب: 31 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 39 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

===============

( 238 )

{ بل الاقوى جواز الجر من الرأس إلى الحلق، وإن كان الاحوط تركه. وأما ما وصل منهما إلى فضاء الفم فلا يترك الاحتياط فيه بترك الابتلاع. (مسألة 4): المدار صدق الاكل والشرب (1) وإن } عليه، دون ما لم يصل لعدم الصدق. وضعف القولين يظهر مما سبق. (1) قد يستشكل في ذلك: بأن الادلة لم تختص بالمنع عن الاكل والشرب، بل مثل الصحيح السابق - المتضمن لوجوب الاجتناب عن الاربع وغيره - دال على المنع عما هو أعم من الاكل والشرب. وكيف ولو خص بهما أشكل الحكم بالافطار بالطعام والشراب الواصلين إلى الجوف بغير طريق الفم؟ كما يحكى عن بعض أهل زماننا هذا. إذ دعوى: صدق الاكل والشرب بذك غير ظاهرة، لتقومهما بالفم، وإطلاقهما على غير ذلك مسامحة بلحاظ ترتب الغاية. مضافا إلى أنه يستفاد - مما ورد في المنع عن الاحتقان بالمائع (* 1)، وصب الدهن في الاذن إذا كان يصل إلى الحلق (* 2)، وما ورد في الاستنشاق إذا كان كذلك (* 3)، وما ورد في مفطرية الغبار (* 4) -: أن المعتبر في الصوم: عدم الايصال إلى الجوف مطلقا. وحينئذ يشكل صب الدواء في الجرح إذا كان يصل إلى الجوف. بل في المختلف: استقرب فيه الافطار، مستظهرا له من المبسوط. وكذا تقطير المائع في الاذن. وعن أبي الصلاح: الجزم بمفطريته. وكذا الصب في الاحليل وفي محكي المبسوط: الجزم بمفطريته. وفي المختلف: أنه أقرب.


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 24 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 3) و (* 4) المراد: رواية سليمان المروزي، ويأتي ذكرها - ان شاء الله - في الامر السادس مما يجب الامساك عنه في الصوم.

===============

( 239 )

{ كان بالنحو غير المتعارف. فلا يضر مجرد الوصول إلى الجوف إذا لم يصدق الاكل والشرب، كما إذ صب دواء في جرحه أو شيئا في أذنه أو إحليله فوصل إلى جوفه. نعم إذا وصل من طريق أنفه فالظاهر أنه موجب للبطلان إن كان متعمدا، لصدق الاكل والشرب حينئذ. (مسألة 5): لا يبطل الصوم بانفاذ الرمح أو السكين أو نحوهما بحيث يصل إلى الجوف (1) وان كان متعمدا. الثالث: الجماع وإن لم ينزل (2). للذكر والانثى، قبلا أو دبرا صغيرا كان أو كبيرا، حيا أو ميتا، واطئا أو } اللهم إلا أن يقال: الظاهر عرفا من الاكل والشرب إيصال المأكول والمشروب من طريق الحلق وإن لم يكن بواسطة الفم، فيشمل ما يتعارف بين بعض أهل زماننا، وكذا الاستنشاق. وأما ما تضمن وجوب الاجتناب عن الطعام والشراب، فهو ظاهر في خصوص الاكل والشرب. وما ورد في الاحتقان ونحوه مما لم يكن من طريق الحلق يجب الاقتصار على مورده لاغير، كما هو ظاهر المشهور. فالبناء على قاعدة المنع مما يصل إلى الجوف مطلقا غير ظاهر. (1) كما هو المشهور، وعن المبسوط. وفي المختلف: البطلان، لما سبق. وفيه: ما عرفت. (2) لاإشكال في الافطار بالجماع في قبل المرأة، ولعله من الضروريات. وهو القدر المتيقن من نصوص مفطرية الجماع. وكذا بالجماع في دبرها إذا أنزل. ويدل عليه: النصوص الواردة في الاستمناء (* 1) فتأمل.


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 1، 4، 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم

===============

( 240 )

وأما إذا لم ينزل فالمحكي عن صريح الخلاف، والوسيلة، والمبسوط: الاجماع على أنه كذلك أيضا. وعن الغنية: الاجماع على الفساد بحصول الجنابة، الشامل لما نحن فيه، بناء على سببيته لها، كما تقدم في كتاب الطهارة. ويدل عليه: إطلاق النصوص الدالة على الافطار بالنكاح، أو الجماع، أو الوطئ، أو إصابة الاهل، أو نحو ذلك على اختلاف مضامينها ودعوى: الانصراف إلى الجماع في القبل. ممنوعة، إذ لا منشأ لها إلا الغلبة. وقد عرفت غير مرة: أنها لا توجب الانصراف المعتد به في رفع اليد عن الاطلاق. ولاسيما مع مناسبته لارتكاز مفطرية الجنابة بلا خصوصية للنكاح في القبل. بل لا يبعد استفادة ذلك من النصوص، ففي خبر عمر بن يزيد: " قلت لابي عبد الله (ع): لاي علة لا يفطر الاحتلام الصائم، والنكاح يفطر الصائم؟ قال (ع): لان النكاح فعله، والاحتلام مفعول به " (* 1). فان الظاهر منه كون المرتكز في ذهن السائل مساواة الاحتلام والنكاح في حصول الجنابة التي هي السبب في الافطار، فالجواب بالفرق بينهما بالعمد وعدمه تقرير لما في ذهنه. وفي خبر القماط عنه (ع): " عمن أجنب في شهر رمضان في أول الليل فنام حتى أصبح. قال (ع): لا شئ عليه. وذلك أن جنابته كانت في وقت حلال " (* 2). فان مفهوم التعليل قدح الجنابة في وقت حرام. وبذلك يظهر لزوم الحكم بالافطار بالايلاج في دبر الغلام، وفرج البهيمة، بناء على وجوب الغسل بذلك. ويعضده: الاجماع المحكي سابقا عن الغنية من فساد الصوم بتعمد الجنابة، وتلوح دعواه من المختلف


____________
(* 1) الوسائل باب: 35 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

===============

( 241 )

{ موطوءا. بل وكذا لو كان الموطوء بهيمة. بل وكذا لو كانت } وغيره. نعم لو لم نقل بوجوب الغسل بذلك يشكل الحكم بالافطار به. اللهم إلا أن يكون المستند فيه: ظاهر الاجماع المدعى في المبسوط على الافطار فيهما، وصريح الاجماع المدعى في محكي الخلاف في أولهما. لكن الاعتماد عليه محل إشكال، بعد تردد مثل المحقق في الشرائع، ودعواه فيها: أن الاشبه أنه يتبع وجوب الغسل. ونحوه العلامة في المختلف. أو يكون المستند فيه: إطلاق الجماع الشامل للغلام والبهيمة بنحو شموله لدبر المرأة. لكنه بعيد. مع إمكان دعوى تقييده بمثل صحيح ابن مسلم: " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام، والشراب، والنساء، والارتماس في الماء " (* 1). فإذا البناء على ما ذكره المحقق هو القأوى. وعليه فالحكم بالافطار في الصورة المذكورة في المتن موقوف على البناء على وجوب الغسل فيها. والكلام فيه تقدم في غسل الجنابة، وقد تقدم من المصنف (ره): التوقف في اقتضاء وطئ البهيمة للغسل، مع جزمه بالافطار. هنا. وأما مرسل علي بن الحكم عن رجل عن أبي عبد الله (ع): " إذا أتى الرجل المرأة في الدبر وهي صائمة لا ينقض صومها، وليس عليها غسل " (* 2). ونحوه مرفوع بعض الكوفيين (* 3). فلا مجال للعمل بهما بعد ضعفهما في أنفسهما، وإعراض الاصحاب عنهما، ودعوى الاجماع على خلافهما.


____________
(* 1) تقدم ذلك في الامر الاول مما يجب الامساك عنه. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب الجنابة ملحق الحديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب الجنابة حديث: 3.

===============

( 242 )

{ هي الواطئة. ويتحقق بادخال الحشفة (1)، أو مقدارها من مقطوعها. فلا يبطل بأقل من ذلك. بل لو دخل بجملته ملتويا (2) ولم يكن بمقدار الحشفة لم يبطل، وإن كان لو انتشر كان بمقدارها. (مسألة 6): لافرق في البطلان بالجماع بين صورة قصد الانزال به وعدمه (3). (مسألة 7): لا يبطل الصوم بالايلاج في غير أحد الفرجين (4) بلا إنزال. إلا إذا كان قاصدا له، فانه يبطل وإن لم ينزل من حيث أنه نوى المفطر (5). (مسألة 8): لا يضر إدخال الاصبع ونحوه لا بقصد الانزال (6). } (1) هذا مما لادليل عليه في المقام، وإنما تضمنت النصوص اعتباره في وجوب الغسل (* 1)، فلو لم يكن المقام من متفرعات وجوب الغسل كان مشكلا. وكذا الحكم باعتبار مقدارها من مقطوعها، فان مبناه فهم التقدير من النصوص القائلة: " إذا التقى الختانان وجب الغسل " (* 2). فالبناء عليه في المقام يتوقف على كونه من متفرعات وجوب الغسل. (2) يعني: منكمشا. الظاهر رجوعه الى مقطوع الحشفة. (3) بلا إشكال. لظهور الادلة في كونه بنفسه موضوعا للحكم بالبطلان. (4) لعدم الدليل عليه. بل الظاهر: عدم الاشكال فيه. (5) كما تقدم في أواخر الفصل السابق. (6) لعدم الدليل عليه. بل الظاهر: أنه لااشكال فيه.


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 6 من ابواب الجناية.

===============

( 243 )

{ (مسألة 9): لا يبطل الصوم بالجماع إذا كان نائما (1) أو كان مكرها بحيث خرج عن اختياره، كما لا يضر إذا كان سهوا (2). (مسألة 10): لو قصد التفخيذ مثلا فدخل في أحد الفرجين لم يبطل (3). ولو قصد الادخال في أحدهما فلم يتحقق كان مبطلا، من حيث أنه نوى المفطر (4). (مسألة 11): إذا دخل الرجل بالخنثى قبلا لم يبطل صومه، ولا صومها (5). وكذا لو دخل الخنثى بالانثى ولو } (1) لاعتبار الاختيار والعمد في فعل المفطر في مفطريته. وسيأتي إن شاء الله في الفصل الآتي. (9) يعني: سهوا عن الصيام. فانه لا خلاف أيضا في أنه لا يقدح استعمال المفطر مع نسيان الصوم، كما سيأتي إن شاء الله. (3) لعدم العمد. (4) على ما سبق. (5) على ما هو ظاهر المشهور. لظهور الادلة في الايلاج بالفرج الحقيقي، وهو غير معلوم للشبهة الموضوعية، لا مطلق الثقب وإن كان مثله. وعن كشف الغطاء: أن الاقوى البطلان. وكأنه مبني على أنه فرج حقيقة كسائر الفروج النساء والرجال، ولذا يكون له ما يكون لها من الخواص، مثل أنها تحمل بوطئها فيه، أو تلقح بوطئها للمرأة. وهو غير بعيد. إلا أن في عموم الادلة تأملا، لانصرافها إلى ما يكون مقتضى الخلقة الاصلية، فمع الشك فيه يكون مقتضى الاصل الصحة. هذا مع قطع النظر عن العلم الاجمالي في بعض الفروض، وإلا وجب العمل عليه.

===============

( 244 )

{ دبرا. أما لو وطئ الخنثى دبرا بطل صومهما (1). ولو دخل الرجل بالخنثى، ودخلت الخنثى بالانثى (2)، بطل صوم الخنثى (3) دونهما (4). ولو وطئت كل من الخنثيين الاخرى لم يبطل صومهما (5). (مسألة 12): إذا جامع نسيانا أو من غير اختيار، ثم تذكر أو ارتفع الجبر، وجب الاخراج فورا، فان تراخى بطل صومه (6). (مسألة 13): إذا شك في الدخول، أو شك في بلوغ مقدار الحشفة، لم يبطل صومه (7). الرابع من المفطرات: الاستمناء، أي: إنزال المني متعمدا (8)، } (1) يعني: وطئه الرجل، لا الخنثى. (2) الواو بمنزلة مع. (3) للعلم بأنها إما واطئة أو موطوءة. (4) لاحتمال كل منهما مساواتها له في الذكورة والانوثة. نعم يكونان كواجدي المني في الثوب المشترك. (5) لاحتمال تساويهما في الذكورية والانوثية. (6) لتعمد الجماع ولو بقاء لاحدوثا، لظهور الادلة في الاعم منهما. (7) للاصل. (8) بلا خلاف، كما عن المنتهى، والذخيرة، والحدائق. وعن المعتبر: الاتفاق عليه. وعن شرح اللمعة للاصبهاني: " أنه مما أطبق عليه الاصحاب ". وعن المدارك: " عليه أجمع العلماء كافة ". ونحوه - في

===============

( 245 )

{ بملامسة، أو قبلة، أو تفخيذ، أو نظر (1)، أو تصوير } دعوى الاجماع - ما عن الانتصار، والوسيلة، والغنية، والتذكرة، وغيرها. ويدل عليه: صحيح ابن الحجاج عن الصادق (ع): " عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني. قال (ع): عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع " (* 1)، وخبر أبي بصير: " عن رجل وضع يده على شئ من جسد امرأته فادفق. فقال (ع): كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، أو يعتق رقبة " (* 2)، ومرسل حفص بن سوقة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يلاعب أهله أو جاريته، وهو في قضاء شهر رمضان، فيسبقه الماء. فقال (ع) عليه من الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان " (* 3)، وغيرها. والجميع وإن لم يصرح فيه بالافطار والقضاء، إلا أنه يدل عليه بالالتزام، للاجماع على انتفاء الكفارة مع عدم الافطار. مع أن الاجماعات المتقدمة تغني عن الاستدلال عليه بالنصوص. وتشير إليه أيضا: النصوص - الدالة على مفطرية الجناية العمدية - المتقدمة. والنصوص الدالة على كراهة المس مع خوف سبق المني. وسنذكر بعضها إن شاء الله. (1) الحاق النظر بما قبله يتوقف، إما على ثبوت الاجماع على مفطرية مطلق الاستمناء، كما هو ظاهر غير واحد. لكن ينافيه القول بالصحة معه مطلقا - كما عن الخلاف، والسرائر، وفي الشرائع، وغيرها - أو إذا كان إلى من يحل النظر إليه، كما عن المفيد وسلار، وابن البراج، والسيد


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

===============

( 246 )

{ صورة الواقعة، أو تخيل صورة امرأة، أو نحو ذلك من الافعال التي يقصد بها حصوله. فانه مبطل للصوم بجميع أفراده. وأما لو لم يكن قاصدا للانزال وسبقه المني من دون إيجاد شئ مما يقتضيه، لم يكن عليه شئ (1). (مسألة 14): إذا علم من نفسه أنه لو نام في نهار رمضان يحتلم، فالاحوط تركه. وإن كان الظاهر جوازه (2)، } في جملة من كتبه، وابن حمزة، والتحرير. اللهم إلا أن ينزل كلام هؤلاء على صورة عدم القصد إليه، كما عن الرياض دعواه. لكن صريح محكي المدارك: اعتبار الاعتياد مع القصد. وإما على ثبوت فهم عدم الخصوصية من العبث، والملاعبة، والمس، واللزق، واللصق، المذكورة في النصوص، فيراد منها: مطلق ما يقصد منه نزول المني، وإما لما عرفت: من ظهور النصوص في قاعدة مفطرية الجنابة العمدية. ومن ذلك تعرف: وجه الحكم في التخيل، وكذا في الاصغاء. وإن كان ظاهر الشرائع عدم قدحه مطلقا. فتأمل. (1) قطعا بلا خلاف ولا إشكال. لعدم الدليل عليه بعد قصور النصوص السابقة عن إثبات مفطريته حينئذ، والاصل البراءة. ولو فرض استفادة مفطرية خروح المني في نفسه من الادلة، اختصت - بقرينة ما ورد في عدم مفطرية الاحتلام - بما إذا استند خروجه إلى المكلف الصائم، كالاكل، والشرب، والجماع، كما تقدمت الاشارة إليه، ويجئ تفصيله فيما يأتي إن شاء الله. (2) إذ لا يخرج عن كونه حينئذ مفعولا به، الذي تقدم في النص

===============

( 247 )

{ خصوصا إذا كان الترك موجبا للحرج (1). (مسألة 15): يجوز للمحتلم في النهار الاستبراء بالبول أو الخرطات، وإن علم بخروج بقايا المني في المجرى (2) }. تعليلا لعدم مفطرية الاحتلام. نعم لو كان المراد من التعليل مجرد العذر العقلي في تحقق الجنابة، كان الحكم بمفطرية الاحتلام المذكور في محله، لان العلم بترتبه على النوم الاختياري كاف في عدم العذر العقلي فيه، لانه يكفي في اختيارية الفعل كون بعض مقدماته اختيارية ولو كانت عدمية. لكنه خلاف الظاهر. ولو سلم ظهوره في ذلك فالاعتماد عليه محل إشكال. ولاسيما مع بناء الاصحاب ظاهرا على خلافه، وأن المفطر هو الجنابة العمدية بفعله، لا مطلق العمد إليها في الجملة. وحركة المني إلى الخارج في المقام نظير حرمة الدم في العروق، مما لا تصح نسبته إلى المكلف بوجه. فتأمل. وبذلك افترق الفرض عن صورة العلم بدخول بقايا الطعام في الفم إلى الجوف لو لم يخلل، حيث تقدم في المسألة الاولى من هذا الفصل: الحكم بالافطار على تقدير الدخول. وحاصل الفرق: أن الاكل قد أخذ مطلقا موضوعا للافطار في جملة من النصوص، والخارج إنما هو خصوص صورة الاكل ناسيا للصوم، فلا يشمل الفرض. بخلاف خروج المني، فانه قد ورد - في خصوص خروجه بالاحتلام - دليل على عدم مفطريته، وإطلاقه - ولاسيما بملاحظة التعليل المشار إليه سابقا - شامل للمقام، فإذا لم يكن مفطرا في هذه الحال لم يجب الاجتناب عنه. (1) أدلة الحرج والضرر - على تقدير جريانها - إنما تدل على جواز الافطار، لا على نفي المفطرية. وكذا الحال فيما يأتي. (2) قيل: إنه مقطوع به. وهو كذلك، لقصور الادلة - من الاجماع

===============

( 248 )

{ ولا يجب عليه التحفظ (1) بعد الانزال (2) من خروج المني إن استيقظ قبله. خصوصا مع الاضرار أو الحرج. (مسألة 16): إذا احتلم في النهار وأراد الاغتسال، فالاحوط تقديم الاستبراء إذا علم أنه لو تركه خرجت البقايا بعد الغسل، فتحدث جنابة جديدة (3). (مسألة 17): لو قصد الانزال، باتيان شئ مما ذكر ولكن لم ينزل، بطل صومه من باب نية إيجاد المفطر (4). } والنصوص - عن شمول مثله. فأدلة جواز الاستبراء أو استحبابه محكمة. إلا أن يقال: إنها غير ظاهرة فيما نحن فيه، ولا إطلاق لها يشمل صورة لزوم الافطار كي تكون دالة على عدم المفطرية. فالعمدة في الجواز: أصل البراءة. ولاسيما مع كون السيرة من المحتلمين الصائمين على البول بلا احتمال منهم للمنع. (1) لما عرفت في المسألة السابقة: من عدم الدليل عليه، والادلة إنما تدل على مفطرية الجنابة بفعل المكلف، لا مطلقا. (2) يعني: نزول المني من مقره، قبل الخروج إلى الخارج المخرج. (3) مقتضى ما تقدم - من عدم الدليل على وجوب التحفظ - جواز ترك الاحتياط، فالاحتياط المذكور لا يناسب الجزم بعدم لزوم التحفظ. إلا أن يكون المراد منه صورة الخروج بفعله ببول أو نحوه. وعليه فالظاهر عدم جوازه لانه تعمد للجنابة، ولاسيرة عليه. وبذلك افترق عن الاستبراء قبل الغسل مع العلم ببقاء شئ في المجرى، فان خروجه لا يوجب جنابة، فلا موجب لمفطريته. (4) كما سبق.

===============

( 249 )

{ (مسألة 18): إذا أوجد بعض هذه الافعال لابنية الانزال، لكن كان من عادته الانزال بذلك الفعل، بطل صومه أيضا إذا أنزل (1). وأما إذا أوجد بعض هذه، ولم } (1) في الرياض: " الذي أظنه أن هذا ليس محل خلاف أجده في وجوب الامرين معا "، يعني: البطلان، والكفارة، ويقتضي البطلان: إطلاق النصوص المتقدمة (* 1). نعم عن المدارك: الصحة، لعدم حجية غير الصحيح الاول. ودلالته على البطلان في المقام تتوقف على كون (حتى) للغاية، وهو غير ظاهر. بل من المحتمل - أو الظاهر - كونها تعليلية، بمنزلة (كي). وحينئذ يتوقف تطبيقها على وجود القصد، المفقود في المقام حسب الفرض. وفيه: أن ما ذكره - أولا - لايتم، بناء على حجية خبر الثقة مطلقا. وما عدا الاول فيه الموثق، والمرسل المعتبر لكون الراوي عن حفص فيه محمد بن أبي عمير: التي عدت مراسيله في الصحاح عند المشهور. فتأمل. وما ذكره - ثانيا ممنوع، فان الظاهر من (حتى) كونها للغاية دائما. غاية الامر أنه قد تقوم القرينة الخارجية على كون الغاية فيها علة غائية، فمع عدم القرينة يكون مقتضى أصالة الاطلاق عدمها. ولاسيما بملاحظة كون قصد الامناء خلاف ظاهر حال المسلم العاقل. نعم قد يتوهم: معارضة النصوص المذكورة بمرسل المقنع عن علي (عليه السلام): " لو أن رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأمنى، لم يكن عليه شئ " (* 2). ورواية أبي بصير - المروية في التهذيب، والمنتهى والذخيرة، والحدائق - عن الصادق (ع): " عن رجل كلم امرأته في


____________
(* 1) لاحظ الامر الرابع من المفطرات. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم ملحق حديث: 5.

===============

( 250 )

{ يكن قاصدا للانزال، ولا كان من عادته، فاتفق أنه أنزل، فالاقوى عدم البطلان (1). وإن كان الاحوط القضاء، خصوصا } شهر رمضان فأمنى. فقال (ع): لا بأس " (* 1). فيكون مقتضى الجمع العرفي: حمل الاول على خصوص صورة القصد، وحمل الثانية على غيرها. وفيه - مع أن الاولى مرسلة، ومروية في الوسائل عن الفقيه هكذا: " لو أن رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأدفق كان عليه عتق رقبة " (* 2) اللهم إلا أن تكون رواية أخرى غير الاولى. فتأمل. والثانية - مع أنها ضعيفة - موردها مالا يعتاد غالبا خروج المني بعده. فتختص به جمعا -: أن ما ذكره من الجمع لا شاهد عليه، فلا مجال له. فالبناء على البطلان متعين. ولاسيما مع كونه مظنة الاجماع، كما عرفت من الرياض وغيره. (1) كما عن السيدين، والحلي، والفاضلين في جملة من كتبهما، وغيرهم. لعدم الدليل عليه. والنصوص المتقدمة وإن كانت في نفسها مطلقة، لكن تضمنها للكفارة مانع عن الحكم باطلاقها، لان الكفارة لا تناسب العذر، المفروض من جهة عدم القصد، وعدم الاعتياد معا. ومنه يظهر: ضعف ما اختاره في المستند - حاكيا عن المختلف. والمهذب: نسبته إلى المشهور، وعن المعتبر والخلاف: الاجماع عليه -: من وجوب القضاء والكفارة، في الملاعبة، والملامسة، والتقبيل، للاطلاقات المذكورة. وبالجملة: ذكر الكفارة قرينة على الاختصاص بصورة العمد، للاجماع على اعتباره فيها. ولاختصاصها عرفا بالذنب المتوقف على ذلك. ولاجله يشكل ثبوت الاطلاق للنصوص، فيقتصر في الكفارة على المتيقن - وهو صورة القصد إليه أن الاعتياد، فان الاعتياد له نحو من الطريقة العرفية.


____________
(* 1) التهذيب حديث: 837 ج 4 صفحة 273 طبع النجف الاشرف. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5.

===============

( 251 )

{ في مثل الملاعبة، والملامسة، والتقبيل (1). الخامس: تعمد الكذب على الله تعالى، أو رسوله، أو الائمة - صلوات الله عليهم - (2)، سواء كان متعلقا } مع أن حمل النصوص على خصوص صورة القصد بعيد جدا - وفي غير هاتين يشكل ثبوت الكفارة، فضلا عن القضاء. نعم ما ورد في كراهة المس والتقبيل والمباشرة في شهر رمضان، معللا بخوف أن يسبقه المني - كصحيح الحلبي عن الصادق (ع): " عن الرجل يمس من المرأة شيئا، أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال (ع): إن ذلك ليكره للرجل الشاب، مخافة أن يسبقه المني " (* 1)، وصحيح محمد وزرارة عن أبي جعفر (ع): " هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال (ع): إني أخاف عليه فليتنزه من ذلك. إلا أن يثق أن لا يسبقه منيه " (* 2). ونحوهما غيرهما - ظاهر في أن سبق المني مطلقا موجب للافطار. ولا يظهر له معارض عدا خبر أبي بصير المتقدم (* 3). لكن في حجيته تأملا، لضعف سنده، وعدم ثبوت جابر له. ومجرد الموافقة لفتوى المشهور - لو تمت - غير جابرة. فالخروج عن إطلاق تلك النصوص بمجرده، وحملها على صورة الاعتياد، غير ظاهر. (1) لانه مورد النصوص. (2) كما عن الشيخين والسيدين، في الانتصار والغنية، بل عنهما: دعوى الاجماع عليه. وعن الخلاف: نسبته إلى الاكثر. واستدل له - مضافا إلى الاجماع المدعى في كلام السيدين، وقاعدة


____________
(* 1) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 13. (* 3) راجع التعليقة السابقة.

===============

( 252 )

الاشتغال - بالنصوص، كموثق سماعة: " عن رجل كذب في رمضان. فقال (ع): قد أفطر، وعليه قضاؤه. فقلت: ما كذبته؟ قال (ع): يكذب على الله، وعلى رسوله " (* 1). وفي موثقه الآخر: " قد أفطر وعليه قضاؤه، وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد " (* 2). وموثق أبي بصير قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم. فقلت له: هلكنا! (ع): ليس حيث تذهب، إنما ذلك الكذب على الله، وعلى رسوله، وعلى الائمة " (* 3). ونحوها غيرها. وعن السيد في الجمل، والحلي، والمحقق في المعتبر والشرائع، والعلامة في التذكرة والمختلف: العدم، ونسب إلى أكثر المتأخيرين. لاصالة البراءة وعدم تمامية الاجماع. وعن المعتبر: أن دعواه مكابرة. ويشهد له: مخالفة حاكيه له. وعدم صحة النصوص. وقصور دلالتها، لاشتمالها على نقضه للوضوء، المراد به نقض كماله، الموجب - بقرينة وحدة السياق - لحمل الافطار فيه على نقض كمال الصوم أيضا. ولقوله في موثق سماعة: " وهو صائم "، فيكون المراد من افطار الصوم ذلك أيضا. وفيه: أنه لا مجال للاصل مع الدليل. والنصوص إن لم تكن صحيحة فهي من الموثق الذي هو حجة. مع أن عمل القدماء بها كاف في جبر سندها. وكون المراد من نقض الوضوء نقض كماله لا يقتضي حمل إفطار الصوم فيه عليه. وقرينة وحدة السياق في مثله غير ثابتة. ولاسيما مع اختلاف المادتين، وما زالت النصوص مشتملة على الواجب والمستحب معا. وقوله (عليه السلام): " وهو صائم " كما يصلح أن يصرف قوله (ع):


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

===============

( 253 )

" { بأمور الدين أو الدنيا (1)، سواء كان بنحو الاخبار أو بنحو الفتوى (2)، } قد أفطر " إلى إرادة نقض الكمال، يمكن العكس أيضا، بحمل الصوم على الامساك الواجب وعدم جواز استعمال المفطر، وترجح الاول على الثاني عرفا غير ثابت. وغاية ذلك: سقوط النص عن صلاحية إثبات المفطرية لاصلاحيته لصرف غيره إلى نقض الكمال. وحينئذ يكفي غيره لاثبات المفطرية. هذا ما تقتضيه صناعة الاستدلال. وإن كان في النفس منه شئ. ولاسيما بملاحظة أن حمل الصوم على ما ذكر - من وجوب الامساك - خلاف ظاهر القضية الحملية الحالية. وحمله على الامساك حال الكذب خلاف ظاهر حال المتكلم، لانه أمر خارجي معلوم للسامع لا يحتاج إلى بيان، ولاسيما ممن شأنه تشريع الاحكام. فيتعين حمله على الصوم الحقيقي، وحمل ظاهر " أفطر " على نقض الكمال، فيتعين حمل بقية النصوص على ذلك. ولاسيما مع تأييده بنقض الوضوء، واعتضاده بما دل على حصر المفطر في غيره. والاحتياط طريق النجاة. (1) كما عن المنتهى، والتحرير. لاطلاق النصوص. وعن كشف الغطاء: تخصيصه بالاول. وكأنه: لدعوى الانصراف إليه. لكنها غير ظاهرة. (2) المفتي تارة: يخبر عن الواقع بتوسط الحجة. وتارة: يخبر عن رأيه الحاكي عن الواقع. فان كان الاول - كما هو الظاهر من الفتوى - كانت من قبيل الخبر عن الله تعالى، فلا يناسب جعلها في قبال الخبر. اللهم إلا أن يكون المراد من الخبر الصريح، كأن يقول: " قال الله تعالى كذا، وخلق الله كذا " بخلاف الفتوى مثل: " هذا حلال، وهذا حرام " فانه راجع إلى الاخبار عن الله تعالى بأنه أحله أو حرمه. وإن كان الثاني فالظاهر عدم كونه من الكذب على الله تعالى، وإنما هو كذب على نفسه

===============

( 254 )

{ بالعربي، أو بغيره من اللغات (1). من غير فرق بين أن يكون بالقول، أو الكتابة، أو الاشارة، أو الكناية، غيرها مما يصدق عليه الكذب (2). مجعولا له، أو جعله غيره وهو أخبر به مسندا إليه (3) لاعلى وجه نقل القول. وأما لو كان على وجه الحكاية ونقل القول فلا يكون مبطلا (4). (مسألة 19): الاقوى إلحاق باقي الانبياء والاوصياء بنبينا صلى الله عليه وآله (5)، فيكون الكذب عليهم أيضا موجبا للبطلان بل الاحوط إلحاق فاطمة الزهراء - سلام الله عليها - بهم أيضا (6). } لو لم يكن رأيه كذلك. (1) للاطلاق. (2) للاطلاق أيضا. وتوهم: أن الكذب نوع من الخبر، وهو إنما يكون بالقول، دون غيره. ساقط، لصدق الخبر المتصف بالصدق أو الكذب على الجميع. (3) كما لو قال: " بايع علي (ع) معاوية، كما أخبر بذلك فلان " إذ لا يخرج بهذا الاسناد عن كونه كاذبا. (4) لعدم كونه كذبا. (5) جعله في الجواهر أولى. لرجوع الكذب عليهم إلى الكذب على الله تعالى. وفيه: نظر، كما يظهر من جعل الكذب على النبي صلى الله عليه وآله مقابلا للكذب على الله تعالى. ولذا صرح بنفي الالحاق في محكي كشف الغطاء. نعم لو أمكن التمسك باطلاق: " رسوله ". " والائمة "، بأن يكون المراد منهما الجنس، كان الاطلاق في محله. لكنه خلاف الظاهر. (6) كما عن كشف الغطاء. وفي الجواهر جعل الاولى الالحاق أيضا

===============

( 255 )

{ (مسألة 20): إذا تكلم بالخبر غير موجه خطابه إلى أحد، أو موجها إلى من لا يفهم معناه، فالظاهر عدم البطلان (1). وإن كان الاحوط القضاء. (مسألة 21): إذا سأله سائل: " هل قال النبي صلى الله عليه وآله كذا... "، فأشار (نعم) في مقام (لا)، أو (لا) في مقام (نعم)، بطل صومه (2). (مسألة 22): إذا أخبر صادقا عن الله أو عن النبي صلى الله عليه وآله مثلا، ثم قال: " كذبت "، بطل صومه (3). وكذا إذا أخبر بالليل كاذبا، ثم قال في النهار: " ما أخبرت به البارحة صدق " (4). } لما سبق. وفيه: ما عرفت. نعم يحتمل التعدي عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) إليها (ع)، وإلى الانبياء، والاوصياء (ع). بدعوى: فهم عدم الخصوصية عرفا. لكنه غير ثابت. (1) كما صرح به في الجواهر. وكأنه: لعدم صدق الخبر بدون المخبر. ولذا تصح تعدية الفعل إليه فيقال: " أخبرت زيدا ". لكن الخبر لم يذكر في النص، وإنما المذكور الكذب. لكن الكذب نوع من الخبر. ولا أقل من الانصراف. (2) لصدق الكذب. (3) كما صرح به في محكي كشف الغطاء. لانه من الكذب غير الصريح، فيشمله الاطلاق. ودعوى: انصرافه عنه، غير ظاهرة. هذا إذا كان المقصود نفي الواقع المطابق للخبر، كما هو الظاهر. أما إذا كان المقصود نفي الخبر المطابق للواقع، فلا يبطل به صومه، لعدم كونه كذبا على الله تعالى أو على النبي صلى الله عليه وآله، بل كذب على نفسه فقط. (4) كما في محكي كشف الغطاء. والكلام فيه كما سبق.

===============

( 256 )

{ (مسألة 23): إذا أخبر كاذبا، ثم رجع عنه بلا فصل لم يرتفع عنه الاثر (1)، فيكون صومه باطلا. بل وكذا إذا تاب بعد ذلك، فانه لا تنفعه توبته في رفع البطلان (2). (مسألة 24): لافرق في البطلان بين أن يكون الخبر المكذوب مكتوبا في كتاب من كتب الاخبار أولا، فمع العلم بكذبه لا يجوز الاخبار به وإن أسنده إلى ذلك الكتاب (3). إلا أن يكون ذكره له على وجه الحكاية دون الاخبار. بل لا يجوز الاخبار به على سبيل الجزم (4) مع الظن بكذبه، بل وكذا مع الاحتمال كذبه، إلا على سبيل النقل والحكاية. فالاحوط لناقل الاخبار في شهر رمضان - مع عدم العلم بصدق الخبر - أن يسنده إلى الكتاب، أو إلى قول الراوي على سبيل الحكاية. } (1) حيث لا يخرج خبره السابق عن كونه كذبا. (2) نعم تنفعه في رفع الاثم. (3) لما عرفت: من أن الاسناد إلى الكتاب لا يخرجه عن الكذب، لان الصدق في الاسناد لا ينافي الكذب في الاخبار عن الواقع. (4) لما يظهر من مثل قوله تعالى: (االله أذن لكن أم على الله تفترون) (* 1)، وقوله تعالى: (أتقولون على الله مالا تعلمون) (* 2) وغيرهما. عدم جواز الاخبار بدون العلم، أو ما هو بمنزلته، كاليد المسوغة للشهادة بالملك، والاستصحاب المسوغ للشهادة ببقاء الواقع، كما يظهر من بعض النصوص. فمع عدم العلم بالواقع لا يجوز الاخبار عنه، سواء أظن به، أم بعدمه، أم شك.


____________
(* 1) يونس: 59. (* 2) يونس: 68.

===============

( 257 )

{ (مسألة 25): الكذب على الفقهاء والمجتهدين والرواة - وإن كان حراما - لا يوجب بطلان الصوم (1). إلا إذا رجع إلى الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله. (مسألة 26): إذا اضطر إلى الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله في مقام التقية من ظالم لا يبطل صومه به (2). كما أنه لا يبطل } هذا حكم الاخبار من حيث نفسه. وأما حكمه من حيث الصوم فلا دليل على كون الاخبار مع عدم العلم مفطرا، لاختصاص الدليل بالكذب ولما كان المشهور المنصور: كونه عبارة عن مخالفة الخبر للواقع، فمع الشك في المخالفة يشك في حصول الافطار به، والمرجع أصل البراءة. بل بناء على ما سيأتي: من اختصاص المفطرية بحال العمد المتوقف على قصد الكذب لا يفطر به وإن كان مخالفا للواقع. وحينئذ لا مجال لاصل البراءة، للعلم بعدم مفطريته واقعا. فتأمل. ولاجل توقف المصنف (ره) في ذلك توقف عن الفتوى بعدم مفطريته. ومما ذكرنا، يظهر: أنه لا تنافي بين جزمه بعدم جواز الاخبار مع الاحتمال، وقوله: " فالاحوط... " فان الاول كان في حكم الاخبار ئكليفا، والثاني في حكمه وضعا. (1) لعدم الدليل عليه، والاصل البراءة. (2) كما في محكي كشف الغطاء وغيره. وكأنه: لانصراف الدليل إلى الكذب المحرم. وحينئذ لا موقع لما قيل. من أن التقية إنما ترفع الاثم لاحكم الافطار من القضاء. فانه إنما يتم لو بني على إطلاق دليل المفطرية ليكون حاله حال الاكل تقية، لا مالو بني على الانصراف، اللهم إلا أن يكون مبني ما ذكر: منع الانصراف المعتد به. ومجرد كون الكذب بعنوانه الاولي محرما لا يقتضيه. وإلا لاتجه انصراف الاكل والشرب إلى

===============

( 258 )

{ مع السهو، أو الجهل المركب (1). (مسألة 27): إذا قصد الكذب فبان صدقا دخل في عنوان قصد المفطر، بشرط العلم بكونه مفطرا (2). (مسألة 28): إذا قصد الصدق فبان كذبا لم يضر، كما أشير إليه (3). (مسألة 29): إذا أخبر بالكذب هزلا - بأن لم يقصد المعنى أصلا - لم يبطل صومه (4). } المحرم، ولم يدعه أحد. لكن الانصاف: الفرق بين المقامين، لوجود المناسبة المقتضية له في الاول، والقتضية لعدمه في الثاني، كما لعله ظاهر. (1) لعدم العمد، الذي هو شرط المفطرية، كما سيأتي. (2) إذ مع عدم العلم بمفطريته لا يكون من قصد المفطر بما هو مفطر بل يكون من قصد ذات المفطر بعنوانه الاولي، ومثله لا ينافي قصد الصوم لان المعتبر في قصد الصوم القصد إلى الامساك عن المفطرات ولو إجمالا، كما تقدم. والقصد إلى ترك الشئ بعنوان إجمالي - مثل عنوان ما جعل مفطرا شرعا - لا ينافي القصد إلى فعله بعنوانه التفصيلي، لان القصد إنما يتعلق بالوجود العلمي، ومع اختلاف الوجودات العلمية - ولو لاختلاف العناوين الاجمالية والتفصيلية - يجوز اختلاف القصود المتعلقة بها، فيتعلق بأحد العنوانين قصد الفعل، وبالآخر قصد الترك، فلا تنافي بين القصد إلى الاكل والقصد إلى الصوم بماله من المعنى، نعم لو احتمل أو علم بتنافي العنوانين انطباقا امتنع القصد المطلق اليهما. لكنه في غير محل الفرض. (3) يعني: في آخر المسألة السادسة والعشرين. (4) لعدم تحقق الخبر، المتقوم بقصد الحكاية عن الواقع.

===============

( 259 )

{ السادس: إيصال الغبار الغليظ إلى حلقه (1)، } (1) على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا. إذ لم يعرف مخالف فيه صريحا إلى زمان المحدث الكاشاني. نعم ظاهر عدم تعرض الصدوق. والسيد والشيخ في المصباح، وسلار له: المنع من مفطريته. وكأنه لاجل ذلك حكي في الشرائع: الخلاف فيها. واستدل له - مضافا إلى قاعدة المنع عن كل ما يصل إلى الجوف، المتقدم إليها الاشارة في ذيل مفطرية الاكل. وإلى دعوى الاجماع عليه صريحا أو ظاهرا، كما عن الناصرية، والغنية، والسرائر، ونهج الحق، والتذكرة، والتنقيح - برواية سليمان المروزي: " سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان، أو استنشق متعمدا، أو شم رائحة غليظة، أو كنس بيتا، فدخل في أنفه وحلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فان ذلك له فطر، مثل الاكل، والشرب، والنكاح " (* 1). ولا يقدح ضعفها بحهالة سليمان، لانجباره بالعمل. ولا إضمارها، لان تدوين الاجلاء لها في كتب الحديث شهادة منهم بكونها رواية عن المعصوم. ولا معارضتها بموثق عمرو بن سعيد عن الرضا (ع): " عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك، فتدخل الدخنة في حلقه. فقال (ع): جائز لا بأس به. وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه. قال (ع): لا بأس " (* 2) لامكان حمله على صورة العذر، لاختصاص الرواية الاولى بصورة العمد، بقرينة ذكر الكفارة، وتشبيهه بالاكل وأخويه المختص مفطريتها بحاله. اللهم إلا أن يقال: أصالة المنع عن كل ما يدخل الجوف - لو تمت -


____________
(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 22 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

===============

( 260 )

{ بل وغير الغليظ (1) على الاحوط. سواء كان من الحلال } مختصة بما كان له جرم، لا ما يشمل الغبار ونحوه من الاجزاء اللطيفة المنتشرة. والرواية غير معلومة الانجبار بالعمل، لتقييد المشهور الغبار بالغليظ، مع خلوها عنه. وحملها على صورة العمد خلاف ظاهر تقييد المضمضة والاستنشاق به وتركه فيما عداهما. ويكفي في صدق المجازاة المسامحة من المكلف في ترك التحفظ ولو بترك بعض المقدمات البعيدة. والاجماع على اختصاص الكفارة بحال العمد موهن آخر للرواية. والتشبيه إنما يقتضي التخصيص بالعمد لو كانت الرواية مطلقة، لا مالو كانت كالصريحة في العموم من جهة ما ذكرنا. والموثق صدره ظاهر في العمد، بقرينة قوله (ع): " جائز ". والتفكيك بين ما في الصدر والذيل بعيد. هذا ولكن قد يقال: إن قول الامام في الخبر: " أو كنس بيتا فدخل في أنفه... " ظاهر في أن الحكم ليس لمطلق الغبار، بل للغبار الذي يحصل عند كنس البيت، الذي يكون غالبا من الغليظ. وعليه يتضح الوجه في تقييد المشهور الغبار بالغليظ، وأن هذا التقييد دليل على اعتمادهم على الرواية، وأن النسبة بينها وبين الموثق نسبة المقيد والمطلق. فيتعين حمل الموثق على غير الغليظ، جمعا بينه وبين الرواية. وترك التقييد بالعمد في الغبار ليس بنحو يوجب امتناع حمل الرواية على صورة العمد. فإذا لامانع من العمل بالرواية. فلاحظ. (1) وعن المسالك: انه الظاهر، لانه نوع من المتناولات، فيحرم ويفسد. وفيه: أنه مبني على ثبوت أصالة المنع ينحو يشمل المقام، وقد عرفت: أنه أول الكلام. كما عرفت: اختصاص الرواية بالغليظ، وأنه يتعين في غير الغليظ الرجوع إلى الموثق النافي لمفطريته، المعتضد بالسيرة القطعية على عدم الاجتناب عنه في الصوم.

===============

( 261 )

{ - كغبار الدقيق - أو الحرام، كغبار التراب ونحوه (1). وسواء كان باثارته بنفسه - بكنس أو نحوه - أو باثارة غيره، بل أو باثارة الهواء مع التمكين منه وعدم تحفظه (2). والاقوى إلحاق البخار الغليظ، ودخان التنباك (3) ونحوه. ولا بأس بما } (1) بلا إشكال ظاهر. وخصوصية مورد النص ملغاة في نظر العرف إذ المفهوم من النص عندهم - بقرينة مناسبة الحكم والموضوع - دخول النفس الغبار كما لا يخفى. مضافا إلى أصالة المنع، بناء عليها. (2) قد يظهر من محكي كشف الغطاء، عدم مفطريته حينئذ ولو مع عدم التحفظ. لكن الفرق بينه وبين غيره غير ظاهر. (3) حكي عن المتأخرين: إلحاقهما بالغبار. وكأن الوجه فيه: استفادته من نص الغبار، أو أصالة المنع. ولاجل الاشكال في ذلك - كما عرفت - استبعد الالحاق في المدارك، والكفاية، والذخيرة. بل عن التنقيح: الجزم بعدمه في الدخان، لموثق عمرو بن سعيد المتقدم، الواجب تقديمه على الوجهين المذكورين حجة للالحاق، على تقدير تماميتهما. ومن ذلك يظهر الاشكال في البناء على مفطرية دخان التتن، والترياك ونحوهما. وكونه - بواسطة الاعتياد والتلذذ - يقوم مقام القوت، ويكون أشد من الغبار، غير واضح. ومثله: ما قيل: من استقرار سيرة المسلمين على الاجتناب عنه. لانقطاع السيرة المذكورة. وكذا ما يقال: من أنه ماح لصورة الصوم بحسب ارتكاز المتشرعة. فانه بنحو يكون حجة أول الكلام. فتأمل. بل لعل استقرار سيرة المسلمين على الدخول إلى الحمامات في نهار رمضان من دون أقل استشكال في ذلك دليل على جواز جذب البخار. ولافرق في ارتكازهم بين الغليظ وغيره. فالتعدي منه إلى الدخان - لتناسبهما

===============

( 262 )

{ يدخل في الحلق غفلة، أو نسيانا، أو قهرا (1)، أو مع ترك التحفظ بظن عدم الوصول (2)، ونحو ذلك. السابع: الارتماس في الما (3). ويكفي فيه رمس } جدا - غير بعيد، لولا بلوغ الحكم المذكور من الاستبشاع في هذه الاعصار حدا يلحقه بمخالفة الضروري. وقال شيخنا الاعظم (ره) في محكي صومه: " الاقوى الالحاق لو عممنا الغبار لغير الغليظ، لتنقيح المناط، والاولوية وإن قيدناه بالغليظ فالاقوى عدم اللحوق، لان الاجزاء الترابية تلصق بالحلق وتنزل مع الريق، بخلاف الزأجاء اللطيفة الرمادية في الدخان، فانها تدخل في الجوف مصاحبة للدخان النازل، ولا تلصق بالحلق، ولا ينزل مع الريق منها شئ. والدخان ليس مما يؤكل، والاجزاء الرمادية ليست منفردة عن الدخان حتى يصدق الاكل بنزولها... ". وما ذكره في وجه الفرق بين الدخان والغبار مانع من الجزم بالاولوية على تقدير تعميم الغبار لغير الغليظ. مع أن اللصوق بالحلق والنزول مع الريق ليسا مناطا في مفطرية المفطرات، ليكون الفرق المذكور فارقا، حيث لا يظن الاشكال في مفطرية دخول الجرم إلى الجوف، ولو مع انتفاء الريق أصلا، ووجود الحائل على الحلق، بحيث لا يلصق به الجرم. مع أن الفرق المذكور في نفسه غير ظاهر، أو ممنوع، فلاحظ. (1) على ما سيأتي - إن شاء الله - في اعتبار العمد في الافطار. (2) إطلاق النص، بضميمة قرينة أن الغبار مما يكون الداعي النفساني موجبا لعدم ابتلاعه، يقتضي حصول الافطار به في الصورة المذكورة. (3) على المشهور شهرة عظيمة، بل ادعي عليه الاجماع. للنصوص الناهية عنه، الظاهرة في الارشاد إلى مفطريته، كغيرها مما ورد في أمثال المقام. وأظهر منه في ذلك صحيح ابن مسلم: " سمعت أبا جعفر (ع)

===============

( 263 )

{ الرأس فيه (1)، وإن كان سائر البدن خارجا عنه. من غير } يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام، والشراب، والنساء، والارتماس في الماء " (* 1)، والمرفوع المروي عن الخصال، عن أبي عبد الله (ع): " خمسة أشياء تفطر الصائم... "، وعد منها: الارتماس في الماء (* 2). نعم يعارض ذلك كله: موثق إسحاق بن عمار: " رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا، عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال (ع): ليس عليه قضاؤه ولا يعودن " (* 3). والجمع العرفي بينهما يوجب حمل ما سبق على الكراهة، كما عن المرتضى في أحد قوليه، وابن إدريس وغيرهما. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن الشيخ في الاستبصار، والعلامة، وولده والشهيد الثاني وغيرهم: من حمل النهي على الحرمة التكليفية - واختاره في الشرائع والمدارك - فانه خلاف المعهود بينهم في الجمع بين النهي والرخصة الواردين في مقام بيان الماهيات، فان بناءهم على حمل النهي على الكراهة الوضعية. ولا ينافيه في المقام: قوله (ع) في الموثق: " ولا يعودون " لقرب حمله على ذلك أيضا، كما يظهر بأقل ملاحظة لنظائر المقام. فراجع. (1) لاشتمال جملة من النصوص عليه، كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: " الصائم يستنقع في الماء، ويصب على رأسه، ويتبرد بالثوب، وينضح بالمروحة، وينضح البوريا تحته، ولا يغمس رأسه في الماء " (* 4). ونحوه غيره. ولاتنافي بينه وبين ما تضمن النهي عن الارتماس الظاهر في ارتماس تمام البدن. لامكان حمله على الاول، ويكون كل منهما مفطرا.


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

===============

( 264 )

{ فرق بين أن يكون رمسه دفعة، أو تدريجا (1) على وجه يكون تمامه تحت الماء زمانا. وأما لو غمسه على التعاقب - لا على هذا الوجه - فلا بأس به وإن استغرقه (2). والمراد بالرأس ما فوق الرقبة بتمامه (3)، فلا يكفي غمس خصوص المنافذ في البطلان (4). وإن كان هو الاحوط. وخروج الشعر لا ينافي صدق الغمس (5). (مسألة 30): لا بأس برمس الرأس، أو تمام البدن في غير الماء من سائر المائعات (6)، بل ولا رمسه في الماء المضاف. وإن كان الاحوط الاجتناب، خصوصا في الماء المضاف. } ومنه يظهر ضعف ما في محكي الدروس: من التوقف في الافطار. برمس الرأس، وماعن ظاهر الميسي: من منعه. (1) كما نص عليه في الجواهر. للاطلاق. (2) لعدم صدق الارتماس والانغماس، الظاهرين في كون الرأس بتمامه تحت الماء آناما. فاحتمال تحريمه - كما في المدارك - ضعيف. (3) لانه الظاهر منه لغة وعرفا. (4) لقصور الادلة عن شموله. وما في المدارك: من أنه لا يبعد تعلق التحريم بغمس المنافذ كلها دفعة، وإن كانت منابت الشعر خارجة عن الماء ضعيف. (5) لخروج الشعر عن مفهوم الرأس. (6) إذ لم أقف على إطلاق يقضتي الاكتفاء بمطلق الارتماس. ولو فرض وجوده - كما هو ظاهر الجواهر - فهو مقيد بصحيح ابن مسلم. وحمل ذكر الماء فيه على ارادة التمثيل لمطلق المائع خال عن القرينة. اللهم إلا أن يكون الوجه في تخصيصه بالذكر. كونه الغالب في الارتماس.

===============

( 265 )

{ (مسألة 31): لو لطخ رأسه بما يمنع من وصول الماء إليه ثم رمسه في الماء، فالاحوط، بل الاقوى بطلان صومه (1). نعم لو أدخل رأسه في إناء - كالشيشة ونحوها - ورمس الاناء في الماء، فالظاهر عدم البطلان. (مسألة 32): لو ارتمس في الماء بتمام بدنه إلى منافذ رأسه، وكان ما فوق المنافذ من رأسه خارجا عن الماء، كلا أو بعضا، لم يبطل صومه على الاقوى (2). وإن كان الاحوط البطلان برمس خصوص المنافذ، كما مر. (مسألة 33): لا بأس بافاضة الماء على رأسه (3) وإن اشتمل على جميعه، ما لم يصدق الرمس في الماء. نعم لو أدخل رأسه أو تمام بدنه في النهر المنصب من عال إلى السافل - ولو } لكنه غير ظاهر. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن المسالك: من أن في حكم الماء: مطلق المائع وإن كان مضافا، كما نبه عليه بعض أهل اللغة والفقهاء. انتهى: إذ لاريب في كون الماء حقيقة في المطلق. وإطلاقه على غيره مجاز، محتاج في الحمل عليه إلى قرينة. ومثله: ماعن كشف الغطاء: من تقوية إلحاق خصوص المضاف بالماء. (1) كما في محكي كشف الغطاء. لصدق الارتماس معه. لكن تنظر فيه في الجواهر. وكأنه لدعوى الانصراف، وإن صدق معه الارتماس. (2) لعدم تحقق الارتماس، كما تقدم. (3) كما تقدم في صحيح ابن مسلم (* 1). والظاهر أنه لاإشكال فيه.


____________
(* 1) تقدم قريبا في السابق من المفطرات.

===============

( 266 )

{ على وجه التسنيم - فالظاهر البطلان، لصدق الرمس (1). وكذا في الميزاب إذا كان كبيرا، وكان الماء كثيرا، كالنهر مثلا. (مسألة 34): في ذي الرأسين إذا تميز الاصلي منهما فالمدار عليه. ومع عدم التميز يجب عليه الاجتناب عن رمس كل منهما (2). لكن لا يحكم ببطلان الصوم (3) إلا برمسهما ولو متعاقبا. (مسألة 35): إذا كان مائعان يعلم بكون أحدهما ماء } (1) وكون الماء جاريا وواقفا لا أثر له في الفرق. (2) يعني: إذا كان يحرم عليه الافطار. إذ حينئذ يعلم إجمالا بحرمة رمس أحدهما، فيجب عقلا الاحتياط. أما لو كان الصوم مندوبا فحكم العقل إرشادي إلى عدم الاجتزاء بالصوم مع الارتماس في طرف الشبهة. لان منجزية العلم الاجمالي لا تختص بالاحكام الالزامية، فكما يمنع العلم من جريان الاصل المنافي في الاحكام الالزامية، يمنع منه في الاحكام غير الالزامية. (3) لاحتمال كون المرموس الرأس الزائد. وإن كان يعاقب على تقدير المصادفة للرأس الاصلي، بل مطلقا، بناء على قبح التجري عقلا بحيث يوجب العقاب. هذا ويمكن أن يقال: إنه وإن لم يحكم بالافطار واقعا أو ظاهرا شرعا إلا أنه بمقتضى العلم الاجمالي يحكم عقلا بعدم الاجتزاء به، لاحتمال مصادفة الواقع المنجز. كما لو توضأ من أحد الاناءين المشتبهين، أو صلى في أحد الثوبين كذلك. واستصحاب الصحة لا يجري في قبال العلم الاجمالي المنجز، كما هو لازم القول بالحرمة. وبالجملة: وجوب الاجتناب عقلا تابع لتنجز الواقع، وهو مانع من جريان الاصل المؤمن منه.

===============

( 267 )

{ يجب الاجتناب عنهما، ولكن الحكم بالبطلان يتوقف على الرمس فيهما (1). (مسألة 36): لا يبطل الصوم بالارتماس سهوا، أو قهرا، أو السقوط في الماء من غير اختيار (2). (مسألة 37): إذا ألقى نفسه من شاهق في الماء بتخيل عدم الرمس، فحصل، لم يبطل صومه (3). (مسألة 38): إذا كان مائع لا يعلم أنه ماء أو غيره، أو ماء مطلق أو مضاف، لم يجب الاجتناب عنه (4). } (1) بناء على اختصاص الحكم بالماء المطلق فالكلام في الفرض كما سبق في ذي الرأسين. ولو عمم لمطلق المائع كفى الرمس في أحدهما في الافطار. (2) لاعتبار العمد في المفطرية، كما سيأتي إن شاء الله. (3) لعدم العمد. (4) لاصالة البراءة عن مفطرية الارتماس فيه. ودعوى: أنه إنما يصح جريانها لو كان المفطر ملحوظا في وجوب الصوم عنه بنخو الطبيعة السارية، إذ حينئذ يشك في تعلق التكليف بالاضافة إلى المشتبه بنحو الشبهة الموضوعية. أما لو كان ملحوظا بنحو صرف الوجود الخارق للعدم، فلا يصح جريانها، لان صرف الوجود مفهوم معين علم بتعلق التكليف بالصوم عنه، فمع الشك في المائع أنه ماء أولا يشك في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالارتماس فيه، ومع الشك في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم يجب الاحتياط. مندفعة: بأن مرجع الشك في المقام إلى الشك في اتساع التكليف بنحو يشمل الارتماس في المردد وعدمه، فيكون الارتماس فيه موضوعا للشك في التكليف، والشك في التكليف مطلقا مجرى لاصالة

===============

( 268 )

{ (مسألة 39): إذا ارتمس نسيانا أو قهرا، ثم تذكر أو ارتفع القهر، وجب عليه المبادر إلى الخروج، وإلا بطل صومه (1). (مسألة 40): إذا كان مكرها في الارتماس لم يصح صومه (2)، بخلاف ما إذا كان مقهورا (3). } البراءة. ولافرق في جريانها بين انحلال التكليف إلى تكاليف متعددة، متلازمة ثبوتا وسقوطا وإطاعة ومعصية، وبين مثل المقام، لعدم الفرق في حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان بين المقامين. ولاجل ذلك نقول بالبراءة في الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين مع انحلال التكليف بالاكثر إلى تكاليف متلازمة ثبوتا وسقوطا وإطاعة ومعصية، وأن التكليف بالاقل مشكوك السقوط مع الاقتصار على الاقل. وتفصيل الكلام موكول إلى محله من الاصول. (1) لتحقق الارتماس منه عمدا. ودعوى الانصراف إلى الحدوث دون البقاء ممنوعة. (2) لعدم الدليل على الصحة. وكون البطلان مقتضى إطلاق الادلة. وأدلة نفي الاكراه إنما تصلح لنفي المؤاخذة أو سائر الآثار المترتبة على فعل المكره ولا تصلح لاثبات الصحة، لان وظيفتها النفي لا الاثبات. ومثله: الكلام فيما لو أكره على ترك الجزء، أو الشرط، أو فعل المانع، في سائر العبادات. (3) لانتفاء العمد. وبذلك افترق عن الاكراه، لتحقق القصد معه لان الاكراه هو الحمل على فعل المكروه عن إرادة. وكذا الحال لو كان الارتماس واجبا عليه لانقاذ غريق، إذ الوجوب المذكور إنما يقتضي وجوب الافطار. لاصحة الصوم مع الارتماس، إذ لا تعرض فيه لذلك.

===============

( 269 )

{ (مسألة 41): إذا ارتمس لانقاذ غريق بطل صومه وإن كان واجبا عليه. (مسألة 42): إذا كان جنبا. وتوقف غسله على الارتماس انتقل إلى التيمم إذا كان الصوم واجبا معينا (1). وإن كان مستحبا، أو كان واجبا موسعا وجب عليه الغسل (2) وبطل صومه (3). } (1) فان وجوبه كذلك يوجب حرمة الغسل الارتماسي، فيكون غير مقدور شرعا، فيتعين عليه التيمم. (2) لتمكنه منه، لكون المفروض جواز الافطار. وربما يتوهم: وجوب التيمم في الفرض أيضا، بناء على كونه محرما تكليفا، لا مفطرا إذ أنه بناء على ذلك لافرق بين الواجب المعين وغيره في كون الارتماس فيه حراما، لاطلاق الادلة ودعوى: قصورها عن شمول النافلة - كما احتمله في محكي المدارك - ممنوعة. فإذا حرم الغسل الارتماسي تعين التيمم. وفيه: أنه إذا فرض جواز إفطار الصوم لعدم كونه من الواجب المعين، كانت الطهارة المائية مقدورة ولو بتوسط الافطار، فيجب أن يفطر أولا، ثم يرتمس بعده، لئلا يحصل الارتماس حال الصوم المفروض كونه محرما. فيكون الافطار في المقام نظير وجوب شراء ماء الغسل لئلا يكون الغسل بالماء المغصوب. فإذا لافرق في وجوب الغسل الارتماسي بين القول بمفطرية الارتماس والقول بتحريمه. (3) يعني: يبطل بمجرد وجوب الغسل وإن لم يرتمس. لانه إذا وجب الارتماس للغسل فقد امتنع الامر بالصوم عنه، فيبطل لعدم الامر به، وامتناع التقرب بفعله.

===============

( 270 )

{ (مسألة 43): إذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم الواجب المعين، بطل صومه وغسله (1) إذا كان متعمدا. وإن كان ناسيا لصومه صحا معا (2). وأما إذا كان الصوم مستحبا، أو واجبا موسعا، بطل صومه، وصح غسله (3). (مسألة 44): إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي، فان لم يكن من شهر رمضان، ولا من الواجب المعين غير رمضان، يصح له الغسل حال المكث في الماء، أو حال الخروج (4). وإن كان من شهر رمضان يشكل صحته حال المكث، لوجوب الامساك عن المفطرات فيه بعد البطلان أيضا. بل يشكل صحته حال الخروج أيضا، لمكان النهي السابق، كالخروج من الدار الغصبية إذا دخلها عامدا (5). ومن هنا يشكل صحة الغسل في الصوم الواجب المعين أيضا، سواء كان في حال المكث، أو حال الخروج. } (1) أما بطلان صومه فللارتماس فيه عمدا. وأما بطلان غسله فللنهي عنه، لكونه مفطرا. (2) أما الصوم فلعدم انتقاضه بالارتماس السهوي. وأما الغسل فلعدم النهي عنه، لعدم كونه مفطرا. (3) يعني: إذا كان متعمدا. ووجه الحكم فيهما يظهر مما سبق. (4) المراد من حال الخروج: حال المكث تحت الماء مقارنا لحركته للخروج. ثم إنه لافرق بين الحالين في كون الغسل في كل منهما مأمورا به بلا شائبة نهي عنه، لكون المفروض كون الصوم مما يجوز نقضه بالمفطر. (5) فان الخروج المذكور مورد الخلاف بين الاعلام. فقيل بوجوبه

===============

( 271 )

{ (مسألة 45): لو ارتمس الصائم في الماء الغصوب } مقدمة للكون في المكان المباح، وليس منهيا عنه، لا فعلا، ولا سابقا على الدخول. وهو المنسوب إلى فقهائنا (رض). وقيل: بأنه واجب وحرام فعلا. وهو المنسوب إلى أبي هاشم. وقيل: بأنه واجب وليس بحرام فعلا، ولكنه كان حراما قبل الدخول. وهو المنسوب إلى الرازي. والتحقيق: أنه ليس بواجب، لانفسيا - كما هو ظاهر - ولاغيريا لعدم كونه مقدمة لواجب. وكونه مقدمة للكون في المكان المباح - لو سلم - لا يقتضي وجوبه غيريا، لعدم وجوب الكون في المكان المباح، بل ليس الثابت في الشريعة المقدسة إلا حرمة الكون في المكان المغصوب. نعم لا بأس بدعوى وجوبه عقلا، فرارا عن الغصب في الزمان الزائد على زمان الخروج من باب وجوب ارتكاب أقل القبيحين. فان قلت: الفرار عن الغصب في الزمان الزائد واجب، فإذا توقف الفرار على الخروج كان واجبا أيضا. وهذا معنى ما اشتهر، من وجوبه مقدمة للتخلص عن الغصب. قلت: الفرار عن الغصب وإن كان واجبا، إلا أن الخروج ليس مقدمة له، بل هو ملازم له، لانه أقل القبيحين، الملازم لعدم أكثرهما. كما أن التحقيق أنه ليس بحرام فعلا، لخروجه عن الاختيار المانع من التكليف به. وإنما الاشكال في أنه كان حراما سابقا، فيقع على وجه المبغوضية، فيكون مبعدا، وموجبا للعقاب - وهو المعبر عنه بحكم المعصية - أولا. وجهان، ناشئان من كونه اختياريا - ولو في الزمان السابق - أولا فعلى الاول يكون مبعدا وموجبا للعقوبة، لانه مخالفة للنهي عنه، ولو سابقا. وعلى الثاني لا يكون كذلك. واختار بعض الاعيان الثاني، مدعيا أن للخروج عدمين: عدم في

===============

( 272 )

ظرف عدم الدخول، وعدم في ظرف الدخول. والاختياري هو الاول، لا الثاني، فانه ليس اختياريا من الازل، فلا يصح تعلق التكليف به من الازل. وفيه: أنه لا يظهر وجه للتفكيك بين العدمين في الاختيار وعدمه فكما أن عدم الخروج على تقدير الدخول ليس اختياريا بل واجب، كذلك عدمه على تقدير عدم الدخول، فانه أيضا ليس اختياريا بل ممتنع، فاما أن يلتزم بامتناع التكليف بالخروج على كل تقدير، وإما أن يلتزم بجوازه كذلك. والتحقيق هو الثاني، سواء أكان الدخول مقدمة للخروج أم ملازما له. إذ على الاول: يكون اختياره الدخول كاختيار سائر المعلولات باختيار عللها، ويكفي مثله في صحة التكليف. وعلى الثاني: يكون اختياره ملازما لاختيار الدخول، كما في سائر المتلازمات، ويكفي أيضا مثله في صحة التكليف. وهذا الذي ذكرنا هو الموافق لمرتكزات العرف والعقلاء. وتحقيق الكلام موكول إلى محله في الاصول. وعليه يمتنع الغسل في حال الخزوج، لحرمته المانع من إمكان التقرب به. وربما يتوهم الفرق بين المقام وبين الخروج من الدار المغصوبة، بأن دليل حرمة الغصب نسبته إلى الدخول والخروج نسبة واحدة، بخلاف حرمة استعمال المفطر في المقام، فان حرمة الاستعمال الاول من باب حرمة الافطار وحرمة الاستعمال الثاني من باب وجوب الامساك على المفطر، فحرمة الثاني مشروطة بالافطار، وإذا كانت مشروطة به امتنع أن تقتضي المنع عما كان معلولا للافطار، لانه يلزم أن يكون الافطار المذكور علة لوجود المعلول وعلة لعدمه، أما الاول: فلكونه المفروض، وأما الثاني: فلانه مقتضى علية الافطار للحرمة، التي هي علة العدم. فحينئذ نقول: الخروج إذا كان معلولا للارتماس الدخولي امتنع أن يكون محرما بالحرمة المشروطة به، لانه يلزم أن يكون الارتماس الدخولي علة للخروج ولعدمه.

===============

( 273 )

{ فان كان ناسيا للصوم وللغصب صح صومه وغسله (1). وإن كان عالما بهما بطلا معا -. وكذا إن كان متذكرا للصوم ناسيا للغصب (2). وإن كان عالما بالغصب ناسيا للصوم صح الصوم، دون الغسل (3). (مسألة 46): لا فرق في بطلان الصوم بالارتماس } ودفعه أولا: بعدم المقتضي للالتزام بكون حرمة الاستعمال ثانيا مشروطة بالافطار، ولم لا يكون الدليل الدال على وجوب الامساك دالا على كون وجوب الامساك عن المفطرات ثابتا على من يجب عليه الصوم من أول النهار إلى آخره وإن أفطر في بعض النهار؟! فتكون حرمة استعمال المفطر نظير حرمة الغصب التي لافرق فيها بين الدخول والخروج. وثانيا: بأن الارتماس المفطر الذي هو شرط حرمة استعمال المفطر ثانيا آني، ولايكون علة للارتماس في الان الثاني، وانما الذي يكون كذلك هو خصوص الارتماس مع البعد عن سطح الماء، وليس هو المفطر لاستناد الافطار إلى أول مراتب وجوده. وثالثا: بالاشكال في إمكان كون الحدوث من علل البقاء، لان الحدوث والبقاء وجود واحد، لا وجودان مترتبان، كما هو الحال في العلة والمعلول، ليكون الاول علة للثاني، فلاحظ. (1) أما الاول: فلعدم القصد الى المفطر. وأما الثاني: فللجهل بالغصبية، المصحح للتقرب بالغسل، على ما تقرر في محله. ومنه يظهر وجه بطلانهما لو علم بهما. (2) إذ يكفي في بطلان الغسل الالتفات إلى كونه مفطرا محرما. (3) يعلم وجهه مما سبق.

===============

( 274 )

{ بين أن يكون عالما بكونه مفطرا أو جاهلا (1). (مسألة 47): لا يبطل الصوم بالارتماس في الوحل، ولا بالارتماس في الثلج (2). (مسألة 48): إذا شك في تحقق الارتماس بنى على عدمه (3). الثامن: البقاء على الجنابة عمدا إلى الفجر الصادق (4)، } (1) لاطلاق الادلة من دون مقيد. وسيأتي في الفصل الآتي. (2) لعدم كونهما من الماء، بل هما أولى بالعدم من الماء المضاف الذي عرفت عدم قدح الارتماس فيه. (3) لاصالة عدمه. (4) على المشهور، بل عده في الجواهر من القطعيات، وإنه لم يتحقق فيه خلافا. وعن الخلاف، والوسيلة، والغنية، والسرائر، وظاهر التذكرة والمنتهى وغيرها: الاجماع عليه، بل في محكي الانتصار: دعوى الاجماع المتكرر عليه. ويدل عليه جملة من النصوص. وفي الرياض: أنها قريبة من التواتر إذ منها مادل على ثبوت الكفارة، كموثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل، ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح. قال (ع): يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا " (* 1) ونحوه رواية المروزي عن الفقيه (* 2) ومرسل ابن عبد الحميد (* 3) مع التصريح فيهما بالقضاء. ولاجلهما تكون الكفارة في


____________
(* 1) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4.

===============

( 275 )

الموثق للافطار، لا المجرد المعصية. ومنها: ما ورد في النائم، كصحيح الحلبي عنه (ع): " في رجل احتلم أول الليل أو أصاب من أهله، ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتى أصبح. قال (ع): يتم صومه ذلك، ثم يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان ويستغفر ربه " (* 1) وصحيح البزنطي عن أبي الحسن (ع): " عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة، ثم ينام حتى يصبح متعمدا قال (ع): يتم ذلك اليوم، وعليه قضاؤه " (* 2) ونحوهما غيرهما. نعم يعارضها جملة أخرى دالة على الجواز وعدم الافطار، كصحيح حماد عن الخثعمي عن أبي عبد الله (ع): " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي صلاة الليل في شهر رمضان، ثم يجنب، ثم يؤخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر " (* 3) ونحوه غيره. لكنها لا مجال للعمل بظاهرها بعدما عرفت: من حكاية الاجماعات الكثيرة على خلافها. فلابد من حملها على التقية، كما يشير إليه ما رواه في المقنع عن حماد بن عثمان. " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل، فأخر الغسل حتى يطلع الفجر. فقال (ع): كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجامع نساءه من أول الليل، ثم يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر! ولا أقول كما يقول هؤلاء الاقشاب (* 4)، ويقضي يوما مكانه " (* 5) ورواية اسماعيل بن عيسى قال: " سألت الرضا (ع) عن رجل أصابته


____________
(* 1) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 4) جمع قشب ككتف وهو من لا خير فيه من الرجال. (* 5) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

===============

( 276 )

{ في صوم شهر رمضان، أو قضائه (1)، دون غيرهما من } جنابة في شهر رمضان، فنام عمدا حتى يصبح، أي شئ عليه؟ قال (ع): لا يضره هذا، ولا يفطر، ولا يبالي. فان أبي (ع) قال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أصبح جنبا من جماع غير احتلام " (* 1). أما مالا صراحة فيه في العمد - كصحيح العيص: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب في شهر رمضان في أول الليل، فأخر الغسل حتى طلع الفجر. فقال (ع): يتم صومه، ولا قضاء عليه " (* 2). ونحوه غيره - فمحمول على غير العامد، جمعا بينه وبين ما سبق مما هو صريح في العامد، أو ظاهر فيه. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن ظاهر الصدوقين: من عدم الافطار بذلك. وعن الداماد في شرح النجاة، والاردبيلي في آيات أحكامه وشرح الارشاد، والكاشاني في المعتصم: القول به، أو الميل إليه. (1) كما هو ظاهر الاصحاب - ويقتضيه - مضافا الى أنه مقتضى قاعدة اتحاد القضاء مع الاداء -: صحيح عبد الله بن سنان: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقضي شهر رمضان، فيجنب من أول الليل، ولا يغتسل حتى يجيئ آخر الليل وهو يرى أن الفجر قد طلع. قال (ع): لا يصوم ذلك اليوم، ويصوم غيره " (* 3) وصحيحه الآخر: " كتب أبي إلى أبي عبد الله (ع) - وكان يقضي شهر رمضان - وقال: إني أصبحت بالغسل وأصابتني جنابة، فلم أغتسل حتى طلع الفجر. فأجابه (ع): لاتصم هذا اليوم، وصم غدا " (* 4) ونحوهما موثق سماعة (* 5)


____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

===============

( 277 )

{ الصيام الواجبة والمندوبة على الاقوى (1). وإن كان الاحوط } وحينئذ فما عن المنتهى: من التردد فيه، وعن المعتبر: من الميل إلى عدمه، في غير محله. وما يظهر من تعليل الاول ذلك باختصاص النصوص بشهر رمضان كما ترى. (1) أما في المندوبة فهو المشهور بين من تعرض له. ويدل عليه: صحيح عبد الله بن المغيرة عن حبيب الخثعمي: " قلت لابي عبد الله (ع): أخبرني عن التطوع وعن صوم هذه الثلاثة أيام إذا أجنبت من أول الليل فأعلم أني أجنبت. فأنام متعمدا حتى ينفجر الفجر، أصوم أولا أصوم؟ قال (ع): صم " (* 1) وخبر عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (ع): " سئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب، ثم أراد الصيام بعدما اغتسل ومضى ما مضى من النهار. قال (ع): يصوم إن شاء، وهو بالخيار الى نصف النهار " (* 2) وقريب منهما موثقه عنه (ع) (* 3) وماقد يظهر من المشهور أو ينسب إليهم من المنع في غير محله. وأما الواجبة فصريح جماعة المنع فيها، كرمضان وقضائه، بل هو ظاهر المشهور والمنسوب إليهم. حملا له عليها. ولا مجال لحمله على التطوع، لمعلومية التسامح فيه بما لا يتسامح في غيره، كصلاة التطوع. وفيه: أن قاعدة الالحاق وإن كانت تامة في الجملة، وقد استقر بناء الاصحاب عليها في كثير من الموارد. إلا أنها لا مجال لها في المقام. إذ الوجه فيها - كما أشرنا إليه في بعض مباحث الطهارة من الشرح - إما ظهور الدليل الوارد في المورد الخاص في كونه لبيان نفس الماهية من حيث هي. أو الاطلاق


____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

===============

( 278 )

{ تركه في غيرهما أيضا (1). خصوصا في الصيام الواجب، موسعا كان أو مضيقا. وأما الاصباح جنبا من غير تعمد فلا يوجب البطلان (2). } المقامي لدليل مشروعية الملحق، الموجب لحمله على الملحق به. وكلاهما لا مجال لهما في المقام. إذ الاول ينافيه مادل على الجواز في المندوب. والاطلاق كما يمكن أن يكون الوجه فيه: الاكتفاء ببيان صوم شهر رمضان وقضائه يمكن أن يكون الاكتفاء ببيان صوم المندوب. ولو فرض أن البيان في الاول أولى بالاعتماد عليه، للمشاركة في الوجوب، أمكن أن يقال: إن الوجه في الاطلاق: الاعتماد على ما ورد في مطلق الصوم مما ينفي اعتبار ذلك فيه، مثل صحيح ابن مسلم: " سمعت أبا جعفر (ع) يقول: لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء " (* 1) فانه يدل على عدم قدح البقاء على الجنابة في طبيعة الصوم من حيث هي. فإذا دل دليل على دخله في خصوص صوم رمضان لم يكن وجه لالحاق غيره به، بل المرجع فيه الدليل المذكور. (1) بل هو المختار في الجواهر، وعن المصابيح، ناقلا الاجماع عليه وفي محكي مفتاح الكرامة: " لم أجد في علمائنا المتقدمين من خالف في ذلك أو تردد، سوى المحقق في المعتبر ". ونحوه كلام غيره. وقد عرفت ضعفه وان كان لا ينبغي ترك الاحتياط، لما عرفت من الشبهة. لكن يتم ذلك في الصيام الواجب، دون المندوب، فان في الاحتياط تفويتا للمندوب، الذي دل الدليل على صحته. (2) كما هو ظاهر الاصحاب، لانهم قيدوا الافطار بصورة العمد.


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب عنه الصائم حديث: 1.

===============

( 279 )

بل يظهر ذلك مما عن الخلاف: من الاجماع على صحة الصوم لو نام وقد نوى الغسل. وفي الجواهر: " لا خلاف أجده فيه ". وعن المدارك: إنه مذهب الاصحاب، لا أعلم فيه مخالفا ". وكيف كان يدل عليه: صحيح البزنطي عن القماط: " سئل أبو عبد الله (ع) عمن أجنب في شهر رمضان في أول الليل، فنام حتى أصبح قال (ع): لا شئ عليه. وذلك أن جنابته كانت في وقت حلال " (* 1) وصحيح ابن رئاب: " سئل أبو عبد الله (ع) - وأنا حاضر - عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان، فينام ولا يغتسل حتى يصبح. قال (ع): لا بأس، يغتسل ويصلي ويصوم " (* 2) ونحوهما غيرهما. ولا ينافيها: مادل على الفساد بالنوم جنبا حتى يصبح، كصحيح ابن مسلم عن أحدهما قال: " سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في شهر رمضان ثم ينام قبل أن يغتسل. قال (ع): يتم صومه، ويقضي ذلك اليوم " (* 3) ونحوه غيره - لوجوب حملها على العامد، جمعا بينهما، بشهادة صحيح الحلبي المتقدم (* 4) إذ بعد تقييد ما سبق به - لاختصاصه بالعامد - يبقى تحت ما سبق غير العامد، فيكون أخص من مثل صحيح ابن مسلم. وهذا نحو من الجمع العرفي، كما حقق في مبحث التعارض. هذا كله في رمضان. أما غيره من انواع الواجب المعين، فان أمكن إلحاقه برمضان من جهة النصوص المذكورة، بدعوى إلغاء خصوصية موردها فهو. وإلا كفى أصل البراءة في الالحاق فيه وفي غير المعين، أو عموم حصر المفطر في غيره.


____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 4) تقدم قريبا في اول الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

===============

( 280 )

{ إلا في قضاء شهر رمضان (1) على الاقوى. وإن كان الاحوط إلحاق مطلق الواجب غير المعين به في ذلك (2). وأما الواجب } (1) كما نسب الى الشيخ، والفاضلين، والمحقق الثاني وغيرهم، بل عن الاخير: نسبته إلى الشيخ والاصحاب. لاطلاق صحيحي ابن سنان المتقدمين (* 1) ودعوى: اختصاصهما بالعمد - لان الظاهر من قول السائل في الاول: " ولا يغتسل حتى... "، وقوله في الثاني: " أصبحت بالغسل فلم أغتسل حتى... ": أن ذلك عن عمد، كما هو الاصل في نسبة الفعل إلى الفاعل - ممنوعة. والاصل المذكور لا أصل له. نعم يشكل التمسك بموثق سماعة: " سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان، فنام - وقد علم بها - ولم يستيقظ حتى أدركه الفجر. فقال (ع): عليه أن يتم صومه، ويقضي صوما آخر. فقلت: إذا كان ذلك من الرجل وهو يقضي رمضان؟ قال (ع): فليأكل يومه ذلك، وليقض، فانه لا يشبه رمضان شئ من الشهور " (* 2) لظهور صدره في عدم الصحة في رمضان في مورد السؤال، فلابد من حمله على العمد - كما هو الظاهر - أو على تعدد الانتباه، فيختص الذيل بذلك. لكن في غيره من النصوص كفاية. ولاجلها لا مجال للتمسك في المقام بقاعدة المساواة بين القضاء والاداء، فان نسبة النصوص إلى القاعدة نسبة الخاص الى العام، الواجب تقديمه عليه. (2) كما نسب إلى الشيخ وجماعة من المتأخرين، بل عن جامع المقاصد وفوائد الشرائع: نسبته إلى الشيخ والاصحاب. وليس له وجه ظاهر إلا دعوى استفادته من نصوص القضاء، بالغاء خصوصية موردها، وأن المفهوم


____________
(* 1) تقدما قريبا في أوائل هذا الامر. (* 2) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

===============

( 281 )

{ المعين - رمضانا كان أو غيره - فلا يبطل بذلك. كما لا يبطل مطلق الصوم - واجبا كان أو مندوبا، معينا أو غيره - بالاحتلام في النهار (1). ولا فرق في بطلان الصوم بالاصباح جنبا عمدا بين أن تكون الجنابة بالجماع في الليل أو الاحتلام (2)، ولا بين أن يبقى كذلك ميتقظا أو نائما (3) بعد العلم بالجنابة مع العزم على ترك الغسل (4). ومن البقاء على الجنابة عمدا: } منها عرفا: كون الموضوع فيها كونه غير معين. لكن في جواز الاعتماد عليها إشكال، بل منع. فأصل البراءة محكم، كما أشرنا إليه سابقا. (1) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه - كما في الجواهر - بل لعله ضروري. ويدل عليه النصوص المستفيضة، كصحيح عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله (ع): " ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ، والاحتلام، والحجامة " (* 1) وصحيح العيص: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم، ثم يستيقظ، ثم ينام قبل أن يغتسل قال (ع): لا بأس " (* 2) ونحوهما غيرهما. (2) كما صرح بكل منهما في جملة من النصوص، كصحيحي الحلبي والبزنطي (* 3) وغيرهما. (3) لاطلاق النص والفتوى. مع التصريح في جملة من النصوص بالثاني، المقتضي لثبوت الحكم في الاول بطريق أولى (* 4). (4) كما يقتضيه ظاهر التعمد المذكور في صحيحي الحلبي والبزنطي.


____________
(* 1) الوسائل باب: 35 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 35 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) تقدما في أول الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم. (* 4) لاحظ ما تقدم في أول الامر الثامن.

===============

( 282 )

{ الاجناب قبل الفجر متعمدا (1) في زمان لا يسع الغسل ولا التيمم. وأما لو وسع التيمم خاصة فتيمم، صح صومه. وإن كان عاصيا في الاجناب (2). وكما يبطل الصوم بالبقاء على الجنابة متعمدا كذا يبطل بالبقاء على حدث الحيض والنفاس } (1) كما نص عليه في الجواهر وغيرها. وفي كلام بعض: نفي الاشكال فيه. وعن الخلاف: الاجماع عليه. لان مورد النصوص المتقدمة وإن كان مختصا بصورة كون البقاء جنبا بنفسه اختياريا مع قطع النظر عن الحدوث، إلا أن الظاهر منها: كون المفطر مجرد الاختيار في البقاء ولو بتوسط الاختيار في الحدوث، كما في الفرض. (2) أما الصحة فلعموم بدلية التراب عن الماء، الشامل لما نحن فيه. وما عن المنتهى وغيره: من المنع عن البدلية عن الغسل في المقام - وعن المدارك اختياره - لان أدلة البدلية مثل قولهم (ع): " التراب أحد الطهورين " ونحوه (* 1) ظاهر في قيام التيمم مقام الغسل أو الوضوء في ترتيب آثار الطهارة. ولم يظهر من نصوص المقام كون صحة الصوم منها، بل الظاهر منها: كون نفس الغسل شرطا في صحة الصوم، لا الطهارة. فيه: أن الظاهر من دليل اعتبار الغسل: اعتباره من أجل اعتبار ما يترتب عليه من الطهارة، لامن حيث هو. ومثله في الضعف: ما قد يقال: من اختصاص أدلة البدلية بصورة اعتبار الطهارة المطلقة، لا مطلق الطهارة، ولو كان خصوص الطهارة من الجنابة. إذ فيه أيضا: أن ذلك خلاف إطلاق أدلة البدلية. ومثلهما في الضعف: ما قد يقال: من أن أدلة المقام إنما تدل على


____________
(* 1) تقدم في فصل ما يصح التيمم به من الجزء: 4 من هذا في مسألة: 24 من فصل أحكام التيمم من الجزء المذكور ما يدل على ذلك فراجع

===============

( 283 )

قدح الجنابة في الصوم، فيكون البطلان من آثار الجنابة، ولما كان التحقيق أن التيمم ليس رافعا لها، لم يجد التيمم في تصحيح الصوم. وهذا وإن كان لا يخلو من وجه، إلا أن الاوجه خلافه: أولا: من جهة اشتمال جملة من نصوص المقام على ذكر الغسل، بنحو يكون مقتضى الجمود على ظاهرها: شرطية الغسل والطهارة، لامانعية الجنابة. وثانيا: من جهة أن الطهارة وإن كانت صفة وجودية ضد الحدث، إلا أن المراد منها - في موضوعيتها للاحكام - الخلو من الحدث، ولذا تضاف الى حدث معين، فيقال: طاهر من الاكبر، أو الاصغر، أو من الجنابة أو من الحيض، أو غير ذلك. ودليل البدلية ظاهر في ترتيب آثار الخلو من الحدث الخاص سواء ألوحظ الحدث مانعا، أم الخلو عنه شرطا، لرجوع الاول إلى الثاني ولاجل ذلك كان من الضروري صحة الصلاة مع التيمم، مع تسالمهم على كون الحدث قاطعا، كما يقتضيه الجمود على ظاهر جملة من النصوص وهكذا الحال في الطهارة المقابلة للنجاسة، فانها يراد منها عدم النجاسة. ولذا يرجع إلى قاعدة الطهارة في الشبهة الموضوعية حتى في الموارد التى كان ظاهر الدليل مانعية النجاسة فيها. وبالجملة: لو بني على فتح هذا الباب لاشكل الحكم في كثير من الغايات المترتبة على الطهارة من الحدث والخبث، التي يكتفى في ترتيبها بالتيمم وأصالة الطهارة، مع أن مقتضى الجمود على ظاهر أدلتها مانعية الحدث والنجاسة. فلاحظ باب حرمة دخول المساجد، وقراءة العزائم على الجنب وغيرها. وتأمل. وأما العصيان فمبني على عدم وفاء التيمم بتمام مصلحة الغسل. ويقتضيه الجمع العرفي بين إطلاق دليل الطهارة المائية وتقييد دليل الطهارة الترابية بتعذر الماء، فان العرف في مثله يحكم: بأن الوجه في إطلاق الدليل الاول:

===============

( 284 )

{ إلى طلوع الفجر (1)، فإذا طهرت منهما قبل الفجر وجب عليها الاغتسال أو التيمم، ومع تركهما عمدا يبطل صومها، } تعين المائية في مقام الوفاء بالمصلحة. وكذا الحال في سائر الابدال الاضطرارية. وقد أشرنا الى ذلك في غير مقام من كتاب الطهارة. فراجع. (1) كما هو المشهور بين من تعرض له. بل عن جامع المقاصد: نفي الخلاف فيه. ويدل عليه في الاول: موثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " قال: إذا طهرت بليل من حيضها، ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت، عليها قضاء ذلك اليوم " (* 1) وعن المعتبر والذكرى: التردد فيه. بل عن نهاية الاحكام الميل الى العدم، بل يستظهر من عدم التعرض له في كثير من كتب السيدين والشيخين وغيرهما. ويستدل له: بالاصل، مع عدم صحة الرواية. وفيه مالا يخفى. إذ يكفى في الحجية كونها من الموثق. ولاسيما وكونها من روايات بني فضال، التي أمرنا بالخصوص بالاخذ بها. وفي الثاني: القاعدة المجمع عليها، من أن النفساء كالحائض، والكلام فيها تقدم في مبحث النفاس. هذا ومقتضى عموم مادل على وجوب الكفارة بتعمد المفطر: وجوب الكفارة أيضا. لكن في المستند وغيره: عدمها. ووجهه غير ظاهر. وأصل البراءة لا مجال له مع الدليل.


____________
رواه الشيخ (ره) باسناده عن علي بن الحسن، عن علي بن اسباط، عن عمه يعقوب ابن سالم الاحمر، عن أبي بصير. (منه قدس سره). راجع التهذيب ج 1 صفحة 393 طبع النجف الاشرف. (* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

===============

( 285 )

{ والظاهر: اختصاص البطلان بصوم رمضان (1). وإن كان الاحوط إلحاق قضائه به أيضا، بل إلحاق مطلق الواجب، بل المندوب أيضا. وأما لو طهرت قبل الفجر في زمان لا يسع الغسل ولا التيمم، أو لم تعلم بطهرها في الليل حتى دخل النهار فصومها صحيح (2)، واجبا كان أو ندبا على الاقوى. (مسألة 49): يشترط في صحة صوم المستحاضة (3) } (1) لاختصاص النص به، والمرجع في غيره عموم حصر المفطر في غيرهما، الموافق لاصل البراءة. ولاجل العموم المذكور يشكل البناء على قاعدة الالحاق، كما أشرنا إليه سابقا. ودعوى: كون المفهوم من الموثق المتقدم: منافاة حدث الحيض للصوم مطلقا، عهدتها على مدعيها. فما في نجاة العباد: من إلحاق غير شهر رمضان من النذر المعين ونحوه به ضعيف. نعم لا يبعد الالحاق في قضاء رمضان. لظهور دليل القضاء في اتحاده مع المقضي في جميع الخصوصيات عدا الزمان. (2) لعدم الدليل على المفطرية حينئذ. لاختصاص الموثق المتقدم بصورة التواني عن الغسل، غير الصادق فيما نحن فيه. وما في نجاة العباد: من تخصيص الصحة في الواجب المعين، دون الموسع والمندوب، ضعيف ونحوه: ماعن كشف الغطاء: من تخصيص الصحة بغير الموسع. (3) على المشهور شهرة عظيمة. بل عن جماعة: الاجماع عليه. ويدل عليه صحيح ابن مهزيار: " وكتبت إليه (ع): امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت، فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة، من الغسل لكن صلاتين، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب (ع): تقضي

===============

( 286 )

{ - على الاحوط - الاغسال النهارية التي للصلاة (1)، دون مالا } صومها، ولا تقضي صلاتها. لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر فاطمة (ع) والمؤمنات من نسائه بذلك " (* 1) وإضماره لا يقدح، كما تكرر غير مرة. وكذا اشتماله على ما لا يقول به الاصحاب من عدم قضاء الصلاة. لامكان التفكيك بين فقرات الحديث الواحد في الحجية. وكذا اشتماله على الامر لفاطمة - التي تكاثرت الاخبار. بأنها (ع) لم تر حمرة أصلا، لاحيضا ولا استحاضة - لامكان أن يكون المراد منها بنت أبي حبيش. أو لكون الامر لفاطمة الزهراء (ع) لاجل أن تعلم المؤمنات، لا لعمل نفسها. ولا سيما وكون المحكي عن الفقيه والعلل روايته هكذا: " كان يأمر المؤمنات... " (* 2) ومن ذلك يظهر ضعف الوجه في توقف المصنف (ره) عن الجزم بالاشتراط. (1) أقول: مقتضى الجمود على عبارة النص كون الوجه في فساد الصوم: ترك الغسل للصلاتين، الظهرين والعشاءين، إذ لا تعرض فيه لغسل الفجر. لكن الظاهر - بل المقطوع به - إرادة ترك الغسل للصلاة أصلا حتى للفجر. وحينئذ فبطلان الصوم عند ترك الجميع لا يدل على اعتبار كل واحد منها فيه، وإنما يدل على اعتبارها في الجملة، كلا أو بعضا. ولما كان لا يحتمل اعتبار غسل العشاءين فقط، بل التردد إنما هو في اعتبار غسل النهار فقط، أو مع غسل الليل، يكون غسل الليل مشكوك الشرطية ويكون المرجع فيه أصل البراءة، على التحقيق من جريانه مع الشك في الشرطية، كالجزئية.


____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1، باب: 41 من ابواب الحيض حديث: 7. (* 2) الفقيه ج 1 صفحة 142 طبع النجف الاشرف. هذا والمذكور في الكافي، والتهذيب وموضع أخر الفقيه هو ما تقدم أولا. لاحظ الكافي ج 4 صفحة 136 طبع ايران الحديثة والتهذيب ج 4 صفحة 310 طبع النجف الاشرف، والفقيه ج 2 صفحة 94 طبع النجف الاشرف.

===============

( 287 )

{ يكون لها. فلو استحاضت قبل الاتيان بصلاة الصبح أو الظهرين بما يوجب الغسل - كالمتوسطة (1)، أو الكثيرة - فتركت الغسل بطل صومها. وأما لو استحاضت بعد الاتيان بصلاة الفجر، أو بعد الاتيان بالظهرين، فتركت الغسل إلى الغروب لم يبطل صومها (2). ولا يشترط فيها الاتيان بأغسال الليلة المستقبلة (3)، وإن كان أحوط. وكذا لا يعتبر فيها الاتيان } ثم نقول: إن تم إجماع على اعتبار غسلي النهار مع فهو. وإلا كان كل منهما طرفا للعلم الاجمالي، فيجب الاحتياط بفعلهما معا. اللهم إلا أن يكون غسل الفجر متيقنا أيضا، إذ لم يقل أحد بالاقتصار على غسل الظهرين دونه، مع احتمال الاقتصار على غسل الفجر قبل الصوم دون غسل الظهرين كما عن العلامة (ره) في النهاية. لكن هذا المقدار لا يوجب العلم التفصيلي، بنحو ينحل به العلم الاجمالي ليرجع في غسل الظهرين إلى أصالة البراءة. (1) لا يخفى أن مورد الصحيح هو الكثيرة، ولاجل ذلك خص الحكم بها في الجامع، والبيان، والموجز، وشرحه، والجعفرية، بل لعله ظاهر كل من عبر بالاغسال. لكن عن جامع المقاصد وغيره: التصريح بعدم الفرق بين الكثيرة والمتوسطة. وهو غير ظاهر الوجه. إلا دعوى: كون المفهوم من النص مانعية الحدث الاكبر للصوم. وعهدتها على مدعيها. مع أني لم أجد التصريح بعدم الفرق في جامع المقاصد. وحينئذ فما في الجواهر - من رمي التقييد بالكثيرة بالشذوذ، أو كونه محمولا على ما يقابل القليلة - لم يصادف محله، (2) لعدم فوات الغسل النهاري. (3) فانه لا يعتبر ذلك في الصحة قطعا، كما في جامع المقاصد.

===============

( 288 )

{ بغسل الماضية، بمعنى: أنها لو تركت الغسل الذي للعشاءين لم يبطل صومها لاجل ذلك. نعم يجب عليها الغسل حينئذ لصلاة الفجر، فلو تركته بطل صومها من هذه الجهة. وكذا لا يعتبر فيها ما عدا الغسل من الاعمال (1). وإن كان الاحوط اعتبار جميع ما يجب عليها من الاغسال، والوضوءات، وتغيير الخرقة، والقطنة. ولا يجب تقديم غسل المتوسطة والكثيرة على الفجر (2)، وإن كان هو الاحوط. (مسألة 50): الاقوى بطلان صوم شهر رمضان بنسيان غسل الجنابة ليلا قبل الفجر (3) حتى مضى عليه يوم } ويقتضيه الاصل، كما تقدم في غسل الليلة الماضية. ومنه يظهر: أنه لافرق في جريان الاصل بين أن تغتسل لصلاة الصبح قبل الفجر - كما سيأتي - وأن تغتسل بعد الفجر، فان الوجه المتقدم يقتضي جريان الاصل النافي لاعتبار الغسل لليلة الماضية في صحة صوم النهار اللاحق. (1) لعدم الدليل عليه. فما عن ظاهر السرائر، ونهاية الاحكام وغيرهما، - من التوقف عليه، حيث علق الفساد فيها على الاخلال بما عليها - في غير محله، أو يكون المراد منه خصوص الغسل. (2) لعدم الدليل عليه. والنص إنما تضمن الغسل للصلاة ولو بعد دخول وقتها. ومجرد دلالة الرواية على كون المنع للحدث لا يجدي في وجوب التقديم. إلى أن يدل الدليل على منع الدخول في الصوم مع الحدث، وهو غير ثابت. وحينئذ فما عن العلامة في النهاية - من احتمال اشتراط الصوم بغسل الفجر خاصة مع وجوب تقديمه عليه - ضعيف. (3) كما عن الصدوق، والشيخ في النهاية والمبسوط، والمحقق في المعتبر

===============

( 289 )

وابن سعيد، والعلامة، وأكثر المتأخرين. بل نسب الى الاكثر، والاشهر. ويدل عليه صحيح الحلبي: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب في شهر رمضان، فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان. قال (ع): عليه إن يقضى الصلاة والصيام " (* 1)، وخبر إبراهيم بن ميمون: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان. ثم ينسى أن يغتسل حتى يمضي لذلك جمعة، أو يخرج شهر رمضان. قال (ع): عليه قضاء الصلاة والصوم ". (* 2) وقريب منهما مرسل الفقيه (* 3). وعن الحلي: العدم، بل في محكي كلامه: أنه لم يقل أحد من محققي أصحابنا بوجوب القضاء. وفي الشرائع والنافع: أنه أشبه. وكأنه لما دل على رفع النسيان (* 4) ولمساواته للنوم، الذي سيأتي عدم المفطرية معه. ولما دل على حصر المفطر في غيره. والجميع - كما ترى - لا يصلح لمعارضة ما سبق. مع أن حديث رفع النسيان إنما يصح تطبيقه لو ثبت عموم يقتضي قدح مطلق الجنابة، وهو مفقود. ولو ثبت فلا يصلح الحديث لتصحيح الناقص، بنحو لا يحتاج الى الاعادة والقضاء. إذ غاية ما يقتضي رفع التكليف بالتمام، لا ثبوت التكليف بالناقص حال النسيان ليصح، كما أشرنا إلى ذلك آنفا. والمساواة للنوم إن أريد بها المساواة في العذرية عقلا فلا تجدي فيما نحن فيه، وإن أريد بها المساواة شرعا في الاحكام فهي مصادرة. وربما يتوهم: معارضة النصوص المذكورة بما ورد في عدم قضاء الجنب إذا نام حتى أصبح (* 5)، لان بينها وبين نصوص المقام عموما من


____________
(* 1) الوسائل باب: 30 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 30 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 30 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس (* 5) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

===============

( 290 )

{ أو أيام. والاحوط إلحاق غير شهر رمضان - من النذر المعين ونحوه - به، وإن كان الاقوى عدمه (1). كما أن الاقوى عدم إلحاق غسل الحيض والنفاس لو نسيتهما بالجنابة في ذلك (2) وإن كان أحوط. } وجه. ولكنه في غير محله، لدلالة تلك النصوص على عدم اقتضاء الجنابة من حيث النوم للافطار، ودلالة نصوص المقام على اقتضائها له من حيث النسيان، فلا تنافي بينهما، كما لا تنافي بين المقتضي واللا مقتضي في سائر المقامات وعليه فلو نسي الجنابة ثم نام حتى أصبح، أو نام ثم استيقظ فنسي حتى أصبح كان مفطرا، وعليه القضاء، لتحقق المقتضي بلا مانع. (1) لاختصاص النص بشهر رمضان، والتعدي منه إلى مطلق الصوم محتاج إلى فهم عدم الخصوصية لرمضان، بنحو يقدم على عموم مادل على حصر المفطر في غيره، وهو غير ثابت. فالعموم المذكور، المطابق لاصل البراءة محكم. ومنه يظهر: ضعف ما استظهره في الجواهر: من عدم الفرق بين الاقسام في الاشتراط. نعم يلحق برمضان قضاؤه، لما دل على اتحاد المقضي وقضائه، لما أشرنا إليه سابقا. ولاسيما مع امكان دخوله في صحيحي ابن سنان المتقدمين في قضاء رمضان (* 1). (2) لما سبق في نظيره: من اختصاص النصوص بالجنابة، فالتعدي منها إليها يحتاج الى دليل مفقود. وفهم عدم الخصوصية للجنابة غير ثابت ولاسيما بملاحظة عموم حصر المفطرات في غيره. وما في الجواهر - من استظهار الالحاق بالجنابة غير ظاهر. وتعليله: بأنهما أقوى، لانه لم يرد فيهما ما ورد فيه مما يوهم أن الشرط إنما هو تعمد البقاء. ممنوع، لاختصاص


____________
(* 1) تقدم ذكرهما في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

===============

( 291 )

{ مسألة 51): إذا كان المجنب ممن لا يتمكن من الغسل - لفقد الماء، أو لغيره من أسباب التيمم - وجب عليه التيمم (1)، فان تركه بطل صومه (2). وكذا لو كان متمكنا من الغسل وتركه حتى ضاق الوقت (3). (مسألة 52): لا يجب على من تيمم بدلا عن الغسل أن يبقى مستيقظا حتى يطلع الفجر، فيجوز له النوم بعد التيمم قبل الفجر على الاقوى (4). وإن كان الاحوط البقاء مستيقظا، لاحتمال بطلان تيممه بالنوم، كما على القول بأن التيمم بدلا عن الغسل يبطل بالحدث الاصغر. } النص المتقدم في الحيض بصورة التواني في الغسل (* 1) مع أن هذا المقدار - لوتم - لا يوجب الاقوائية. بل كثرة النصوص في قدح الجنابة عمدا، وقلتها في قدحهما كذلك، ربما يقتضي أقوائيتها منهما. مع أن الاقوائية في العمد لا تقتضي الاقوائية في المقام، لاختلاف الجهات. فالتعدي عن عموم حصر المفطر بغيرهما غير ظاهر الوجه. (1) لما عرفت من كون المورد من موارد عموم كونه أحد الطهورين وأنه بمنزلة الغسل، فيترتب على فعله وتركه ما يترتب على فعل الغسل وتركه. (2) لانه بقاء على الجنابة عمدا. (3) يعني: ضاق عن الغسل، فلم يغتسل، ولم يتيمم. أما لو ضاق الوقت عن الغسل فتيمم صح صومه. فالمراد من العبارة: أن ضيق الوقت عن الغسل كغيره من الاعذار موجب للتيمم، وتركه موجب للبطلان. (4) يعني: بناء على ما اختاره من عدم انتقاض التيمم الذي هو بدل الغسل بالحدث الاصغر كالنوم، كما أشار الى ذلك في المتن.


____________
(* 1) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

===============

( 292 )

{ (مسألة 53): لا يجب على من أجنب في النهار بالاحتلام أو نحوه من الاعذار أن يبادر إلى الغسل فورا (1) وإن كان هو الاحوط. (مسألة 54): لو تيقظ بعد الفجر من نومه، فرأى نفسه محتلما لم يبطل صومه، سواء علم سبقه على الفجر، أو علم تأخره، أو بقي على الشك. لانه لو كان سابقا كان من البقاء على الجنابة غير متعمد. ولو كان بعد الفجر كان من الاحتلام في النهار. نعم إذا علم سبقه على الفجر لم يصح منه صوم قضاء رمضان (2) مع كونه موسعا. وأما مع ضيق وقته فالاحوط الاتيان به وبعوضه (3) } (1) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، كما في الجواهر. وعن التذكرة: نسبته إلى علمائنا. وعن المنتهى، والذخيرة، والحدائق: نفي العلم بالخلاف فيه. ويدل عليه صحيح العيص عن أبي عبد الله (ع) المتقدم في عدم مفطرية الاحتلام (* 1) وما في مرسل إبراهيم بن عبد الحميد: " إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلا ينام حتى يغتسل " (* 2) محمول على الندب وكأنه هو الوجه في الاحتياط. (2) لما عرفت من إطلاق النص الدال على قدح الجنابة فيه، الشامل لغير العمد. (3) منشؤه: التوقف في أن قولهم (ع): " لاتصم هذا اليوم، وصم غدا " (* 3) هل له ظهور أو انصراف الى الموسع أولا؟ فعلى الاول


____________
(* 1) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم. (* 2) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم. (* 3) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

===============

( 293 )

{ (مسألة 55): من كان جنبا في شهر رمضان في الليل لا يجوز له أن ينام قبل الاغتسال إذا علم أنه لا يستيقظ قبل الفجر للاغتسال (1). ولو نام واستمر إلى الفجر لحقه حكم البقاء متعمدا (2)، فيجب عليه القضاء والكفارة. وأما إن احتمل الاستيقاظ جاز له النوم وإن كان من النوم الثاني أو الثالث أو الازيد فلا يكون نومه حراما (3). وإن كان الاحوط } يجب أن يصومه لصحته، ولا موجب لصوم غيره. وعلى الثاني يجب أن يصوم غيره لبطلانه. والاظهر الثاني. (1) لان في ذلك تعمد البقاء على الجنابة، المؤدي إلى تعمد الافطار المحرم. (2) بل هو بالخصوص مورد بعض النصوص المتقدمة. (3) كما عن صريح جماعة من المتأخرين، واختاره في المدارك، حاكيا له عن المنتهى. للاصل، وعدم الدليل على الحرمة. وفي المسالك: الحرمة في النوم الثاني مطلقا، وفي الاول مع عدم العزم على الغسل، أو عدم اعتياد الانتباه. وكأنه لما في صحيح معاوية بن عمار: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يجنب في أول الليل، ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان. قال (ع): ليس عليه شئ. قلت: فانه استيقظ ثم نام حتى أصبح. قال (ع): فليقض ذلك اليوم عقوبة " (* 1) وفيه: أن العقوبة بالقضاء لا تلازم الحرمة وإنما يلازمها العقوبة الاخروية لاغير. مع أن الصحيح خال عن التعرض لحكم النومة الاولى، وربما كان ظاهرا في جوازها ولو مع عدم اعتياد الانتباه فإذا لا معدل عما يقتضيه أصل البراءة. وقد يظهر من الجواهر القول بالحرمة لخبر إبراهيم بن عبد الحميد: " وإن أجنب ليلا في شهر رمضان فلا ينام ساعة حتى يغتسل " (* 2) لكنه


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

===============

( 294 )

{ ترك النوم الثاني فما زاد وإن اتفق استمراره إلى الفجر (1)، غاية الامر: وجوب القضاء أو مع الكفارة في بعض الصور، كما سيتبين. (مسألة 56): نوم الجنب في شهر رمضان في الليل مع احتمال الاستيقاظ أو العلم به إذا اتفق استمراره إلى طلوع الفجر على أقسام، فانه إما أن يكون مع العزم على ترك الغسل وآما أن يكون مع التردد في الغسل وعدمه، وإما أن يكون مع الذهول والغفلة عن الغسل، وأما أن يكون مع البناء على الاغتسال حين الاستيقاظ مع اتفاق الاستمرار. فان كان مع العزم على ترك الغسل أو مع التردد فيه لحقه حكم تعمد البقاء جنبا (2)، } - مع إرساله - مروي في الوسائل المصححة هكذا: " فلا ينام إلا ساعة حتى يغتسل. فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه... " ودلالته غير ظاهرة، بل هو على الجواز أدل. وربما يتوهم: أن مقتضى استصحاب بقاء النوم إلى الصبح حرمته، لان النوم على الجنابة إلى الفجر حرام. وفيه: أن الحرام تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر، وهذا المعنى لا يثبت بالاستصحاب المذكور، ولو ثبت لا يوجب حرمة النوم الخارجي حتى يعلم بترتبه عليه. كما لعله ظاهر بالتأمل. (1) لان اتفاق استمراره لا يوجب صدق تعمد البقاء، فلا يقتضي ثبوت الحرمة، كما هو محل الكلام. (2) أما في الاول فعن المعتبر والمنتهى: نسبته إلى علمائنا، وفي الرياض الاتفاق عليه. لوضوح كونه من تعمد البقاء على الجنابة، فيدل على حكمه ما تقدم في تعمد البقاء: من الاجماع والنصوص، مطلقها ومقيدها.

===============

( 295 )

وأما في الثاني: فهو المحكي عن جماعة. وربما كان إطلاق ماعن المنتهى من أنه لو نام غير ناو للغسل فسد صومه، وعليه القضاء. ذهب إليه علماؤنا انتهى. ظاهر في الاجماع عليه. إلا أن استدلاله عليه: بأن العزم على ترك الغسل يسقط اعتبار النوم، يقتضي اختصاص كلامه بالاول، كما اعترف به في الرياض وغيره. وكيف كان فاستدل له بالنصوص المتقدمة في حكم تعمد البقاء على الجنابة. وفيه: أن المطلق منها وإن كان يشمل المقام، لكنك عرفت حمله على صورة تعمد البقاء، جمعا بينه وبين مادل على نفي المفطرية مطلقا. والمقيد منها بالعمد ظاهر في العمد الى النوم حتى يصبح، أوفي مطلق العمد إلى البقاء على الجنابة حتى يصبح، وليس المقام كذلك، كما هو ظاهر. ولاجل ذلك تأمل في المدارك في وجوب القضاء في الفرض. اللهم إلا أن يقال: التردد في الغسل ينافي نية الصوم، لانه إذا كانت الطهارة في أول الفجر معتبرة في قوامه، فنيته عين نية الطهارة في الحال المذكورة، ومع عدمه لانية للصوم المأمور به. فان قلت: المعتبر في الصوم الطهارة من الجنابة العمدية، لامن مطلق الجنابة، فلا موجب لنية الطهارة من الجنابة مطلقا. قلت: التردد في الغسل وعدمه الذي هو محل الكلام، هو التردد في الطهارة من الجنابة في حال الالتفات إليها وفي البقاء عليها، فيكون ترددا في البقاء على الجنابة العمدية، فيكون ترددا في الصوم، وهو ينافي نية الصوم. نعم إذا كان التردد في الغسل للتردد في الاستيقاظ وعدمه فلا منافاة بينه وبين نية الصوم. وكذا لو كان التردد في وجوب الغسل وعدمه، بناء على ما سبق: من عم منافاة نية فعل المفطر لنية الصوم إجمالا. فلاحظ.

===============

( 296 )

{ بل الاحوط ذلك إن كان مع الغفلة والذهول أيضا (1). وإن كان الاقوى لحوقه بالقسم الاخير. وإن كان مع البناء على الاغتسال، أو مع الذهول - على ماقوينا - فان كان في النومة الاولى بعد العلم بالجنابة فلا شئ عليه، وصح صومه (2). } (1) الذهول أولى من التردد بعدم وفاء النصوص المتقدمة بقدحه. وأما من حيث المنافاة لنية الصوم فالظاهر عدمها، لامكان ارتكاز نية الصوم المأمور به شرعا في ذهنه مع الغفلة عن مفطر بعينه، فيلحق الذهول المذكور حكم نية الغسل، كما قواه في المتن. وإن كان ظاهر الجماعة خلافه. (2) بلا خلاف ظاهر، بل الظاهر الاتفاق عليه. وعن الخلاف: الاجماع عليه. ويدل عليه - مضافا إلى إطلاق النصوص النافية للبأس عن النوم بعد الجنابة حتى يصبح -: صحيح معاوية بن عمار المتقدم (* 1) وصحيح ابن أبي يعفور: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ، ثم ينام، ثم يستيقظ، ثم ينام حتى يصبح. قال (ع): يتم صومه، ويقتضي يوما آخر. وإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه وجاز له " (* 2) وحمل نفي الاستيقاظ في الشرطية الثانية على نفي أصل الاستيقاظ، لا الاستيقاظ الثاني خلاف الظاهر، لانه يوجب عدم التعرض لبعض الصور المفروضة، وهو خلاف الظاهر، بل يوجب عدم التعرض لما هو أولى من غيره بالتعرض فلاحظ. لكن عن موضع من المعتبر: " لو أجنب فنام ناويا للغسل حتى أصبح فسد صومه ذلك اليوم، وعليه قضاؤه. وعليه أكثر علمائنا " وهو غير ظاهر. ومثله: ما حكي عنه: من استدلاله على ذلك بصحيح ابن أبي يعفور المذكور وصحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع) قال: " سألته عن الرجل تصيبه الجنابة


____________
(* 1) راجع المسألة: 55 من هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

===============

( 297 )

{ وإن كان في النومة الثانية - بأن نام بعد العلم بالجنابة، ثم النتبه ونام ثانيا - مع احتمال الانتباه، فاتفق الاستمرار وجب عليه القضاء فقط (1)، دون الكفارة على الاقوى (2). وإن كان } في شهر رمضان، ثم ينام قبل أن يغتسل. قال (ع): يتم صومه، ويقضي ذلك اليوم، إلا أن يستيقظ قبل أن يطلع الفجر. فان انتظر ماء يسخن أو يستقي فطلع الفجر فلا يقضي صومه (يومه. خ ل) " (* 1) إذ الصحيح الاول قد عرفت مفاده. والصحيح الثاني - كغيره من المطلقات - محمول على العمد، جمعا بينه وبين غيره، كما عرفت آنفا. (1) بلا خلاف يعرف. وعن المدارك: نسبته الى الاصحاب. وعن المنتهى، نسبته إلى علمائنا، وعن الخلاف: الاجماع عليه. وفي المستند: " استفاض نقل الاجماع عليه ". ويدل عليه صحيحا معاوية وابن أبي يعفور المتقدمان. (2) كما نسب الى ظاهر الاصحاب. بل قيل: إنه نقل الاجماع عليه للاصل، مع عدم الدليل عليها، عدا ما يقال: من أصالة وجوب الكفارة عند وجوب القضاء، وخبر المروزي عن الفقيه (ع): " إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولا يغتسل حتى يصبح، فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم. ولا يدرك فضل يومه " (* 2) وما في مرسل إبراهيم ابن عبد الحميد: " فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح، فعليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا، وقضاء ذلك اليوم، ويتم صيامه. ولن يدركه أبدا " (* 3).


____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4.

===============

( 298 )

{ في النومة الثالثة فكذلك على الاقوى (1). } والجميع محل إشكال: أما القاعدة فلا دليل عليها، كما سيأتي إن شاء الله وأما الخبر الاول فخال عن ذكر النوم. وتقييده بالنوم الثاني ليس أولى من تقييده بالعمد، بل الثاني أظهر، ولاسيما بملاحظة موثق أبي بصير المصرح به بالتقييد بذلك (* 1) وأما الثاني - فمع ضعفه في نفسه - ظاهر في النومة الاولى، ومجرد عدم إمكان العمل باطلاقه غير كاف في حمله على النومة الثانية، لقرب حمله على صورة العمد، بل هو الاقرب جمعا فيتعين. فلا معدل عن العمل بالاصل، المؤيد أو المعتضد بسكوت الصحيحين المتقدمين عن الكفارة (* 2). (1) أما وجوب القضاء فالظاهر عدم الخلاف فيه. ويقتضيه: ما تقدم في النوم الثاني. وأما عدم وجوب الكفارة فهو المحكي عن المعتبر، والمنتهى والمدارك وجماعة من متأخري المتأخرين. لما تقدم في النوم الثاني أيضا: من الاصل، وعدم الدليل. لكن المحكي عن الشيخين، وابني حمزة وزهرة والحلبي، والحلي، والعلامة، والشهيد، والمحقق الثاني في جملة من كتبهم وغيرهم: وجوبها. بل عن الغنية، والخلاف، والوسيلة، وفي جامع المقاصد: الاجماع عليه. لما تقدم أيضا في وجه وجوب الكفارة في النوم الثاني، مما عرفت الاشكال فيه. وأما الاجماع المحكي في لسان الجماعة فيشكل الاعتماد عليه بعد مخالفة من عرفت. بل من الغريب دعوى الاجماع على وجوب الكفارة من مثل جامع المقاصد مع خلاف المعتبر والمنتهى، وتردد الشرائع فيه بعد نسبته الى قول مشهور. وكأنه يريد الاجماع ممن سبق المحقق. لكن مخالفته ومخالفة


____________
(* 1) الوسائل باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) المراد بهما: صحيحا معاوية بن عمار وابن أبي يعفور المتقدمين قريبا.

===============

( 299 )

{ وإن كان الاحوط ما هو المشهور (1): من وجوب الكفارة أيضا في هذه الصورة، بل الاحوط وجوبها في النومة الثانية أيضا. بل وكذا في النومة الاولى أيضا إذا لم يكن معتاد الانتباه (2) ولا يعد النوم الذي احتلم فيه من النوم الاول، بل المعتبر فيه النوم بعد تحقق الجنابة، فلو استيقظ المحتلم من نومه ثم نام كان من النوم الاول لا الثاني (3). } غيره مانعة من جواز الاعتماد عليه، كما عرفت. (1) قد عرفت وجه الاحتياط. (2) كأنه لاحتمال صدق العمد. (3) كما عن الفخر في شرح الارشاد، والشهيدين، والمدارك، واختاره في الجواهر وغيرها. وقد يشهد له صحيح العيص بن القاسم: " أنه سال أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم، ثم يستيقظ، ثم ينام قبل أن يغتسل قال (ع): لا بأس " (* 1) فتأمل. مضافا الى قصور دليله عن شمول نوم الاحتلام. وأما صحيح معاوية بن عمار، المتقدم في المسألة الخامسة والخمسين (* 2) فهو إما مختص بالجنابة بغير الاحتلام، فلا يكون مما نحن فيه. وإمامطلق شامل لما نحن فيه فمقتضى قوله: " ثم ينام " أن يكون المراد غير نومة الاحتلام. فلاحظه. وأما صحيح ابن أبي يعفور المتقدم (* 3) فمورد الحكم بالقضاء فيه - على ما في الوسائل المصححة - النوم إلى الصبح بعد يقظتين، يقظة بعد نومة الاحتلام ويقظة أخرى. نعم فيما يحضرني من نسختي الوسائل المطبوعة


____________
(* 1) الوسائل باب: 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) من هذا الفصل. (* 3) تقدم ذلك قريبا في هذه المسألة.

===============

( 300 )

والحدائق - وعن الفقيه والوافي عنه - روايته هكذا: " يجنب في شهر رمضان ثم ينام، ثم يستيقظ، ثم ينام " (* 1) فيكون حاله حال صحيح معاوية إما ظاهر في غير الاحتلام، أو شامل له. وبقرينة: (ثم) يراد من النوم فيه غير نومة الاحتلام. وفيما يحضرني من نسخة الجواهر، والمستند والمعتبر والمنتهى، والمختلف، ومجمع البرهان، والذخيرة، وعن التهذيب، والوافي عنه روايته هكذا: " يجنب في شهر رمضان، ثم يستيقظ، ثم ينام حتى يصبح " (* 2) وحينئذ يكون مقتضاه احتساب المقدار الواقع بعد الاحتلام وربما كان نحوه موثق سماعة: " سألته (ع) عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان، فنام وقد علم بها، ولم يستيقظ حتى يدركه الفجر. فقال (ع): عليه أن يتم صومه، ويقضي يوما آخر " (* 3) لكن الموثق غير ظاهر في النومة الثانية. وحينئذ كما يمكن حمله على النومة الثانية لنومة الاحتلام، يمكن حمله على التعمد كغيره مما ورد في مطلق النوم بعد الجنابة وقد عرفت أنه الاظهر. وأما النسخة الاخيرة لصحيح ابن أبي يعفور فلا مجال للاعتماد عليها في قبال غيرها، ولاسيما مع استبعاد الفرق بين يقظة الجنابة إذا أجنب في اليقظة وبين الانتباهة بعد نومة الاحتلام. فإذا لا موجب لطرح الاصل وعموم حصر المفطر اللذين هما العمدة في المقام.


____________
(* 1) كما في الفقيه ج 1 صفحة 136 الطبعة الايرانية بعنوان (نسخة). وأما الطبعة الاخرى من الفقيه فلم تشتمل على ذلك، لاحظ الفقيه ج 2 صفحة 75 طبع النجف الاشرف، والوافي ص 348 والوسائل باب: 15 من ابواب ما يجب الامساك عنه حديث: 2، الطبعة الايرانية الحديثة. (* 2) التهذيب ج 4 صفحة 211 طبع النجف الاشرف، الاستبصار ج 2 صفحة 86، الوافي صفحة 348. (* 3) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5.

===============

( 301 )

{ (مسألة 57): الاحوط إلحاق غير شهر رمضان من الصوم المعين به (1) في حكم استمرار النوم الاول، أو الثاني، أو الثالث، حتى في الكفارة في الثاني والثالث، إذا كان الصوم مما له كفارة، كالنذر ونحوه. (مسألة 58): إذا استمر النوم الرابع أو الخامس فالظاهر أن حكمه حكم النوم الثالث (2). } أما صحيح العيص: فالظاهر منه الاحتلام في النهار. فانه المنصرف من إطلاق السؤال. ولاسيما بقرينة عدم تعرضه للبقاء على الجنابة الى الصبح وإنما كان السؤال عن مجرد النوم على الجنابة آناما، ومن البعيد أن يكون مما يحتمل المنع عنه في ليل رمضان كي يسأل عن حكمه. ولو سلم كان ظاهرا في الجواز التكليفي للنوم في الجملة، ولايكون مما نحن فيه. فلاخظ. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في المستند: من احتساب نومة الاحتلام من النوم الاول. فتأمل جيدا. (1) لان النصوص المتقدمة وإن كانت واردة في رمضان بخصوصه لكن يقرب فهم عدم الخصوصية له، وأن ذلك قادح في مطلق الصوم المعين. وإنما لم يجزم المصنف (ره) بذلك لما عرفت غير مرة: من أن ذلك معارض باطلاق مادل على حصر المفطرات في غيره، المطابق لمقتضى أصالة البراءة. لكن عرفت ضعف الوجه الاول. نعم يتعين القول بالحاق قضائه به، لما عرفت من اتحاد القضاء والمقضي في الخصوصيات، لو لا ما قد عرفت: من بطلان القضاء بالاصباح جنبا ولو لم يكن قد أفاق. (2) لانه يفهم وجوب القضاء فيه من نصوص النوم الثاني، كما فهم وجوب القضاء في النوم الثالث، فانه لم تصرح به النصوص. وأما الكفارة

===============

( 302 )

{ (مسألة 59): الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الاحكام المذكور (1). } (مسألة 60): ألحق بعضهم الحائض والنفساء بالجنب في حكم النومات (2). والاقوى عدم الالحاق، وكون المناط فيهما صدق التواني في الاغتسال (3)، فمعه يبطل وإن كان في النوم الاول، ومع عدمه لا يبطل وإن كان في النوم الثاني أو الثالث. (مسألة 61): إذا شك في عدد النومات بنى على الاقل (4). (مسألة 62): إذا نسي غسل الجنابة، ومضى عليه أيام، وشك في عددها يجوز له الاقتصار في القضاء على القدر } - على تقدير القول بها في الثالث - فلا فرق في نصوصها بينه وبين غيره. (1) فان الجنابة الواقعية وإن لم تكن تمام موضوع الحكم، بل العلم جزء منه إلا أن المحقق في الاصول: قيام الاستصحاب مقام العلم المأخوذ في موضوع الحكم على نحو الطريقية، لظهور دليله في تنزيل الشك بعد اليقين بمنزلة اليقين. فراجع. (2) كما في النجاة، ونسب الى غير واحد ممن تأخر. ووجهه: أن حكم النومة الاولى في الجنب موافق للاصل، فيطرد فيهما. والنصوص في النومتين وإن كانت واردة في الجنب، لكن يتعدى اليهما بالاولوية. وفيه: ما عرفت في المسألة الخمسين: من عدم ثبوت الاولوية. (3) لانه المذكور في النص (* 1) فيدور الحكم مداره. (4) لاصالة عدم الزائد عليه.


____________
(* 1) راجع الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

===============

( 303 )

{ المتيقن (1). وإن كان الاحوط تحصيل اليقين بالفراغ. (مسألة 63): يجوز قصد الوجوب في الغسل وإن أتى به في أول الليل (2). } (1) لاصالة الصحة في المقدار الزائد عليه، المشكوك وقوعه حال الجنابة. ولا مجال لاستصحاب بقاء الجنابة حينه لو كان الشك في نهاية المدة لان أصالة الصحة مقدمة عليه، لكونه محكوما لها. (2) قد اشتهر الاشكال في وجوب المقدمات قبل الوقت، من أجل أن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها، فإذا كان الوقت شرطا لوجوب الصوم كان شرطا لوجوب المقدمة، فلا وجوب قبله، فكيف يمكن أن ينوي الوجوب بفعل المقدمة قبل الوقت؟! ولاجل ذلك يمتنع الاتيان بالغسل قبل الوقت بنية الوجوب. فلابد في إمكان نية الوجوب به من الالتزام بكون وجوب الصوم من الوجوب المعلق، بأن يكون الوقت شرطا للواجب - وهو الصوم - لا للوجوب، فيكون الوجوب حاليا والواجب استقباليا. ودعوى: أنه إذا كان الوقت شرطا للواجب كان الواجب غير مقدور في الزمان الحالي، لان العجز عن الشرط فيه يستوجب العجز عن المشروط فإذا انتفت القدرة في الحال انتفى الوجوب فيه. مندفعة: بأن الزمان الاستقبالي أخذ شرطا للواجب بنحو لا يجب تحصيله، بأن أخذ وجوده الاستقبالي الحاصل من قبل إرادة الله تعالى شرطا، فإذا فرض حصوله بعد ذلك من قبله تعالى كان الفعل فيه مقدورا، وجاز تعلق التكليف به. نعم مثل هذا التكليف لا يبعث على إيجاده فعلا حالا، وإنما يقتضي البعث إليه في وقته المعين له، وهذا المقدار لا يوجب المنع من تعلق التكليف به فعلا عرفا أو عقلا، نظير الامر بالمركب فانه ينحل الى أوامر متعددة

===============

( 304 )

بتعدد الاجزاء، والامر الضمني المتعلق بالجزء الاخير لا يقتضي البعث إليه فعلا، ولكن لا يصح لذلك أن يقال: إن الامر بالمركب منتف، وإنما الامر الفعلي هو المتعلق بالجزء الاول منه لاغير. ويكفي في صحة دعوى كونه حاليا أنه يبعث الى فعل المقدمات قبل الوقت، كالغسل في المقام. أو الالتزام بالتفكيك بين الوجوب النفسي والغيري في الاطلاق والاشتراط فيكون وجوب الغسل مطلقا غير مشروط بالوقت، ووجوب الصوم مشروطا به. لكن في معقولية ذلك إشكال، لان الوجوب الغيري معلول للوجوب النفسي، فإذا كان الوجوب النفسي معلولا للشرط امتنع أن لا يكون الوجوب الغيري معلولا له، لان علة العلة علة. أو الالتزام بأن الزمان اللاحق شرط للوجوب النفسي على نحو الشرط المتقدم، ولكنه شرط للوجوب الغيري على نحو الشرط المتأخر. والاشكال السابق لا مجال له هنا، لامكان كون المصلحة الموجودة في المقدمة منوطة بالوقت على غير نحو إناطة مصلحة الواجب به. أو الالتزام بكون الشرط وجود الوقت الاستقبالي اللحاظي لا الخارجي فيكون الوجوب ثابتا قبله منوطا به، لا مطلقا. لكن هذا الالتزام وإن كان في محله، إلا أنه لا يدفع الاشكال، لان وجوب المقدمة قبل الوقت وإن كان حاصلا على نحو الاناطة بالوجود الاستقبالي، إلا أن الاناطة المذكورة مانعة من باعثيته إلى فعل المقدمة قبل حصول المنوط به. إلا أن تكون الاناطة على نحو الشرط المتأخر، فيتوجه عليه ما يتوجه على الوجه السابق من الاشكال. أو الالتزام بوجوب الغسل وجوبا تهيئيا، لاغيريا، ويكون هو الباعث على فعله قبل الوقت. لكن مغايرة الوجوب التهيئي للوجوب الغيري غير ظاهرة. وقد تعرضنا لهذه الوجوه في تعليقة الكفاية في مبحث وجوب التعلم.

===============

( 305 )

{ لكن الاولى مع الاتيان به قبل آخر الوقت أن لا يقصد الوجوب بل يأتي به بقصد القربة. (مسألة 64): فاقد الطهورين يسقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم (1)، فيصح صومه مع الجنابة، أو مع حدث الحيض أو النفاس. (مسألة 65): لا يشترط في صحة الصوم الغسل لمس الميت (2). كما لا يضر مسه في أثناء النهار. (مسألة 66): لا يجوز إجناب نفسه في شهر رمضان إذا ضاق الوقت عن الاغتسال أو التيمم (3)، بل إذا لم يسع للاغتسال ولكن وسع للتيمم (4). ولو ظن سعة الوقت فتبين } ولو لم يتم شئ من ذلك وجب عقلا فعل الغسل قبل الوقت بنية الاستحباب. وهذا الوجوب العقلي يبعث على فعل المقدمة قبل الوقت كفعلها بعده. بل قد يجب فعلها تعيينا قبله إذا لزم من تركها فوات الواجب، لا أنه يأتي بها بنية الوجوب الشرعي النفسي أو الغيري، كما هو كذلك لو ثم أحد الوجوه السابقة. فلاحظ. (1) لعدم الدليل على قدح الجنابة حينئذ. والثابت من الادلة غيره مما سبق. (2) لعدم الدليل على شرطيته، ولا على مانعية حدث المس لا حدوثا ولا بقاء. (3) كما سبق في أوائل المفطر الثامن. (4) يعني: لا يجوز إجناب نفسه حينئذ، لكن عدم الجواز في الفرض تكليفي - بمعنى: حصول العصبان - لا وضعي، بمعنى: البطلان، كما

===============

( 306 )

{ ضيقه، فان كان بعد الفحص صح صومه (1)، وإن كان مع ترك الفحص، فعليه القضاء على الاحوط (2). التاسع من المفطرات: الحقنة بالمائع (3)، ولو مع الاضطرار إليها (4) لرفع المرض. ولا بأس بالجامد (5). وإن كان الاحوط اجتنابه أيضا. } سبق في أوائل هذا المفطر تصريحه به. (1) لعدم الدليل على المفطرية حينئذ. (2) لاحتمال صدق التعمد بترك الفحص. لكن الاظهر عدمه. (3) كما عن المختلف، حاكيا له عن الشيخ في المبسوط والجمل، والقاضي، والحلبي، وحكي أيضا عن الارشاد والتحرير، والدروس، وغيرها. بل في الناصريات: " لم يختلف في أنها تفطر ". ويقتضيه صحيح البزنطي عن أبي الحسن (ع): " أنه سأله عن الرجل يحتقن تكون به العلة في شهر رمضان. فقال (ع): الصائم لا يجوز له أن يحتقن " (* 1). وحمل نفي الجواز على الحرمة التكليفية - كما نسب إلى كثير - خلاف ظاهره في أمثال المقام. والظاهر من الاحتقان عرفا خصوص المائع. (4) كما يقتضيه ظاهر النص. ولم يعرف التفصيل بين الاختيار والاضطرار في المفطرية. نعم عن ابن زهرة: التفصيل بينهما في الكفارة، مدعيا الاجماع عليه. ولعله في محله. إذ مع الاضطرار يجوز الافطار أو يجب، فلا مجال للكفارة معه. (5) كما عن الاكثر، ونسب إلى جملة من كتب الشيخ (ره)، والسرائر، والنافع. ويقتضيه الاصل - بعد قصور الصحيح المتقدم عن شموله، لظهوره في المائع - وصحيح علي بن جعفر (ع) عن أخيه موسى


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب يمسك عنه الصائم حديث: 4.

===============

( 307 )

{ (مسألة 67): إذا احتقن بالمائع، لكن لم يصعد إلى } ابن جعفر (ع) قال: " سألته عن الرجل والمرأة هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء وهما صائمان؟ فقال (ع): لا بأس " (* 1). فانه لو سلم إطلاقه الشامل للمائع كان مقيدا بالصحيح السابق، لما عرفت من ظهوره في خصوص المائع. وأوضح من ذلك: موثق الحسن بن فضال: " كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): ما تقول في اللطف يستدخله الانسان وهو صائم؟ فكتب (ع) لا بأس بالجامد " (* 2)، وعن الشيخ (ره) روايته: " في اللطف من الاشياف " (* 3). ولاجله يظهر أنه لو بني على عموم الصحيحين معا للجامد والمائع معا، يكون الموثق المذكور موجبا للجمع العرفي بينهما بالتقييد لان الموثق أخص من الاول فيقيد به، وبعد التقييد المذكور يكون الاول أخص من الثاني فيقيد به أيضا. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن السيد في الناصرية، والمفيد، وعلي ابن بابويه، والحلبي: من الافساد في الجامد كالمائع، واختاره في المختلف. كما يظهر أيضا ضعف ما في المعتبر: من الحرمة فيهما معا، لعدم صحة الموثق لوجود ابني فضال في سنده. ولكونه مكاتبة. إذ فيه: أن الموثق من الخبر حجة، ولا سيما إذا كان في السند بنو فضال. وكذا المكاتبة. مع أن في صحيح ابن جعفر - بعد حمله على الجامد، ولو للجمع بينه وبين صحيح البزنطي - كفاية. ولو فرض التعارض وتساويهما في العموم كان مقتضى الجمع العرفي الحمل على الكراهة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

===============

( 308 )

{ الجوف، بل كان بمجرد الدخول في الدبر فلا يبعد عدم كونه مفطرا (1). وإن كان الاحوط تركه. (مسألة 68): الظاهر جواز الاحتقان بما يشك في كونه جامدا أو مائعا (2). وإن كان الاحوط تركه. العاشر: تعمد القئ (3) } (1) لانصراف الاحتقان عنه. (2) كما في سائر موارد الشبهات الموضوعية التحريمية. وقد تقدم في المسألة الثامنة والثلاثين ماله نفع في المقام. فراجع. (3) عن جماعة نسبته إلى الاكثر، وعن آخرين: نسبته إلى المشهور. وفي الجواهر: أنه إجماع من المتأخرين، بل في الخلاف، وظاهر الغنية، والمحكي عن المنتهى، الاجماع عليه. انتهى. وتشهد له جملة من النصوص: منها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " إذا تقيأ الصائم فقد أفطر. وإن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه " (* 1). وفي موثق سماعة " سألته عن القئ في رمضان. فقال (ع): إن كان شئ يبدره فلا بأس وإن كان شئ يكره نفسه عليه فقد أفطر، وعليه القضاء " (* 2) ونحوهما غيرهما. ومن ذلك يظهعر ضعف ماعن الحلي: من أنه محرم غير مفطر، للاصل. ولعموم حصر المفطر في غيره. ولان الصوم الامساك عما يصل إلى الجوف، لاعما يخرج منه، فتحمل النصوص على الحرمة. ولصحيح عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله (ع) عن أبيه (ع) قال: " ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ، والاحتلام، والحجامة " (* 3). فان الاصل


____________
(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 35 من ابواب ما يسمك عنه الصائم حديث: 1.

===============

( 309 )

{ وإن كان للضرورة (1)، من رفع مرض، أو نحوه. ولا بأس بما كان سهوا (2)، أو من غير اختيار (3). والمدار على الصدق العرفي (4)، فخروج مثل النواة، أو الدود لا يعد منه (5). (مسألة 69): لو خرج بالتجشؤ شئ، ثم نزل من غير اختيار، لم يكن مبطلا (6). ولو وصل إلى فضاء الفم } لا مجال له مع الدليل. والعموم مقيد بالدليل. وكون الصوم: الامساك عما يدخل في الجوف اجتهاد في مقابل النص. وحمل النصوص على الحرمة خلاف صريحها. والصحيح مقيد بما سبق. فيحمل على غير صورة الاختيار. ومن الاخير يظهر ضعف ماعن السرائر: من أنه منقص للصوم غير مبطل له، جمعا بين النصوص، إذ الجمع العرفي يقتضي التقييد كما عرفت لاحمل الافطار على النقص. (1) لاطلاق النصوص. (2) كما سيأتي في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى. (3) كما صرح به في النصوص، وادعي الاتفاق عليه. نعم عن ابن الجنيد: وجوب القضاء إذا كان من محرم. وضعفه ظاهر. (4) كما في سائر الموضوعات المذكورة في الكتاب والسنة. (5) لاأظن أنه محل إشكال، فلا يكون مفطرا. (6) أما ما خرج بالتجشؤ فلعدم الدليل على الافطار به. بل الظاهر أنه لاكلام في عدمه، كما يقتضيه ظاهر جملة من النصوص الآتية. وأما ما نزل بلا اختيار فلما سيأتي: من اعتبار الاختيار في حصول الافطار. مضافا إلى صحيح عبد الله بن سنان قال: " سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل الصائم يقلس، فيخرج منه الشئ من الطعام، أيفطر ذلك؟ قال (ع): لا.

===============

( 310 )

{ فبلعه اختيارا بطل صومه (1)، وعليه القضاء والكفارة. بل تجب كفارة الجمع إذا كان حراما (2)، من جهة خباثته، أو غيرها. (مسألة 70): لو ابتلع في الليل ما يجب عليه قيؤه في النهار فسد صومه (3) إن كان الاخراج منحصرا في القئ، وإن لم يكن منحصرا فيه لم يبطل (4). إلا إذا اختار القئ مع امكان الاخراج بغيره. ويشترط أن يكون مما يصدق القئ على إخراجه (5). وأما لو كان مثل درة، أو بندقة، أو درهم } قلت: فان ازدرده بعد أن صار على لسانه. قال (ع): لا يفطره ذلك " (* 1) وموثق عمار: " عن الرجل يخرج من جوفه القلس حتى - يبلغ الحلق، ثم يرجع إلى جوفه وهو صائم. قال (ع): ليس بشئ " (* 2). وقريب منهما غيرهما. فتأمل. (1) لاطلاق مادل على المنع عن الاكل، بناء على عمومه للمقام. لكن صحيح ابن سنان المتقدم يقتضي الصحة لو أمكن العمل به على ظاهره. (2) بناء على ما سيجئ: من وجوبها في الافطار على الحرام. (3) يعني: وإن لم يتقيأ، لان وجوب فعل القئ المفطر يمنع من التعبد بالامساك عنه. (4) لامكان التقرب بالامساك عن القئ، لكون المفروض إمكان إخراجه بغيره، فيتعين ذلك في نظر العقل، جمعا، بين غرضي الشارع الاقدس كما في كل واجب كانت مقدمته محرمة مع عدم الانحصار فيها. (5) كما سبق.


____________
(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 30 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

===============

( 311 )

{ أو نحوها مما لا يصدق معه القئ لم يكن مبطلا. (مسألة 71): إذا أكل في الليل ما يعلم أنه يوجب القئ في النهار من غير اختيار فالاحوط القضاء (1). (مسألة 72): إذا ظهر أثر القئ وأمكنه الحبس والمنع وجب (2)، إذا لم يكن حرج وضرر. (مسألة 73): إذا دخل الذباب في حلقه وجب إخراجه مع إمكانه (3) ولايكون من القئ. ولو توقف إخراجه على القئ سقط وجوبه، وصح صومه (4). } (1) لاحتمال كون المعيار في المفطر العمد المصحح للعقاب الحاصل في الفرض، لا خصوص العمد في زمان الفعل المنتفي. وإن كان هو الظاهر من اعتبار إكراه النفس عليه في موثق سماعة (* 1)، ولصدق: " بدره " و " ذرعه ". لا أقل من الرجوع إلى أصالة البراءة، الموافقة لعموم حصر المفطر في غيره. (2) لمفطريته حينئذ، لتحقق العمد إليه، المصحح للعقاب، كما عرفت. والمراد من الوجوب التكليفي، بقرينة استثناء الحرج والضرر. إذ لو كان المراد الوضعي - بمعنى: البطلان - لم يكن فرق بين الحرج والضرر وغيرهما في ذلك. وحينئذ يختص الوجوب بالواجب المعين. (3) لحرمة أكله في نفسه. (4) للتزاحم بين وجوب الصوم وحرمة الاكل، والاول أهم، أو محتمل الاهمية، فيترجح في نظر العقل. ومنه يظهر: اختصاص الحكم بالواجب المعين. إلا أن في ثبوت أهمية مطلق الواجب المعين. من حرمة الاكل أو احتمالها تأملا، أو منعا.


____________
(* 1) تقدم ذلك في المفطر العاشر.

===============

( 312 )

{ (مسألة 74): يجوز للصائم التجشؤ اختيارا وإن احتمل خروج شئ من الطعام معه (1). وأما إذا علم بذلك فلا يجوز (2). (مسألة 75): إذا ابتلع شيئا سهوا، فتذكر قبل أن يصل إلى الحلق (3) وجب إخراجه (4)، وصح صومه. وأما إن تذكر بعد الوصول إليه فلا يجب (5) بل لا يجوز إذا صدق عليه القئ. وإن شك (6) في ذلك فالظاهر وجوب إخراجه أيضا مع إمكانه، عملا بأصالة عدم الدخول في الحلق (7). } (1) للاصل. وقد يقتضيه ظاهر النصوص المتقدمة في المسألة التاسعة والستين. (2) كأن الوجه: دلالة نصوص القئ عليه. وقد تأمل ظاهر. (3) يعني: منتهاه. (4) يعني: لا يجوز ابتلاعه، لقدحه في الصوم، فلو أخرجه لم يكن وجه لبطلان الصوم. (5) لتحقق الاكل والشرب، فلا يتحقق ثانيا بنزوله إلى الجوف. إلا أن نقول: بأن وصول شئ الى الجوف مفطر لنفسه وإن لم يكن أكلا أو شربا. وقد تقدم التعرض له في المفطر الاول. (6) يعني: في الوصول وعدمه. (7) لا يخلو من تأمل، لان أصالة عدم دخوله في الحلق لا يثبت كون ابتلاعه حينئذ أكلا أو شربا. إلا بناء على الاصل المثبت، لان اللزوم بين الاول والثاني عقلي، لا شرعي. نعم لو ثبت أن كل ما لم يدخل الحلق يحرم ابتلاعه ويقدح في الصوم. كان الاصل المذكور كافيا في اثبات الحرمة. لكنه كما ترى.

===============

( 313 )

{ (مسألة 76): إذا كان الصائم بالواجب المعين مشتغلا بالصلاة الواجبة، فدخل في حلقه (1) ذباب، أو بق، أو نحوهما، أو شئ من بقايا الطعام الذي بين أسنانه، وتوقف إخراجه على إبطال الصلاة بالتكلم ب‍ (أخ) أو بغير ذلك، فان أمكن التحفظ والامساك إلى الفراغ من الصلوة وجب (2) وإن لم يمكن ذلك ودار الامر بين إبطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالاخراج، فان لم يصل إلى الحد من الحلق - كمخرج الخاء - وكان مما يحرم بلعه في حد نفسه - كالذباب ونحوه - وجب قطع الصلاة (3) باخراجه، ولو في ضيق وقت الصلاة (4) وإن كان مما يحل بلعه في ذاته - كبقايا الطعام - ففي سعة الوقت للصلاة - ولو بادراك ركهة منه - يجب القطع والاخراج وفي الضيق يجب البلع وإبطال الصوم، تقديما لجانب الصلاة } (1) يعني: في فمه، كما يظهر ذلك من تقسيمه الآتي. (2) لئلا يلزم قطع الصلاة المحرم. (3) لاهمية حرمة الاكل وحرمة الافطار من حرمة قطع الصلاة. بل ثبوت حرمة القطع في مثل ذلك غير معلوم، فانه يجوز القطع للحاجة التي منها: الفرار عن المحرم، كما تقدم في كتاب الصلاة. (4) فيقطع الصلاة، وينتقل إلى البدل الاضطراري، لان دليل البدلية ظاهر في مثل المورد. أما لو فرض لزوم فوات الصلاة بالمرة فجواز القطع غير ظاهر، فان الصلاة إحدى الدعائم التي بني الاسلام عليها، ومزيد الاهتمام بها من الشارع مما لا مجال للتشكيك فيه، فكيف يجوز تركها محافظة على امتثال النهي عن أكل الحرام في الجملة؟! وكذا الحال في الفرض الآتي.

===============

( 314 )

{ لاهميتها (1). وإن وصل إلى الحد، فمع كونه مما يحرم بلعه وجب إخراجه بقطع الصلاة وإبطالها، على إشكال (2). وإن كان مثل بقايا الطعام لم يجب (3)، وصحت صلاته، وصح صومه على التقديرين (4)، لعدم عد إخراج مثله قيئا في العرف. (مسألة 77): قيل يجوز للصائم أن يدخل إصبعه في حلقه ويخرجه عمدا. وهو مشكل مع الوصول إلى الحد (5)، فالاحوط الترك. (مسألة 78): لا بأس بالتجشؤ القهري (6) وإن وصل } (1) ثبوت الاهمية إنما هذ إذا دار الامر بين فوات الصلاة في الوقت بالمرة وفوات الصوم. أما إذا دار بين فوات الصلاة التامة وفوات الصوم فثبوتها محل تأمل، كما تقدم. (2) بل هو الاظهر. والاشكال ضعيف، كما عرفت. نعم في ضيق الوقت بحيث يؤدي القطع إلى فوات الصلاة يشكل جواز القطع، كما تقدم. (3) لعدم المقتضي، كما تقدم في المسألة السابقة. (4) يعني: تقديري الاخراج وعدمه. أما على الاول فلما ذكر. وأما على الثاني فلكون وصوله إلى الحد لم يكن باختياره، فلا يكون مفطرا. وابتلاعه بعد ذلك وان كان باختياره فليس بمفطر، لانه بعد تجاوز الحد، كما سبق. (5) إن كان الاشكال من جهة الادخال، ففيه: أنه لم يتضح الفرق بينه وبين إنفاذ الرمح والسكين بحيث يصلان إلى الجوف، الذي تقدم في أوائل الفصل الجزم بعدم الافطار به، لعدم صدق الاكل والشرب. وان كان من جهة الاخراج لاحتمال صدق القئ. ففيه: أن هذا الاحتمال ضعيف. (6) للاصل. وكذا تعمد التجشؤ، كما تقدم. ووجه بقية المسألة يعلم مما سبق في المسائل السابقة.

===============

( 315 )

{ معه الطعام إلى فضاء الفم ورجع. بل لا بأس بتعمد التجشؤ ما لم يعلم أنه يخرج معه شئ من الطعام. وإن خرج بعد ذلك وجب إلقاؤه. ولو سبقه الرجوع إلى الحلق لم يبطل صومه. وإن كان الاحوط القضاء. فصل في اعتبار العمد والاختيار في الافطار المفطرات المذكورة، ما عدا البقاء على الجنابة - الذي مر الكلام فيه تفصيلا - إنما توجب بطلان الصوم إذا وقعت على وجه العمد والاختيار. وأما مع السهو وعدم القصد فلا توجبه (1). } فصل في اعتبار العمد والاختيار في الافطار (1) أما في السهو وعدم القصد إلى فعل المفطر فقولا واحدا، ونصوصا - كما في الجواهر - وبلا ريب ولا خلاف، كما في المستند. والظاهر أن النصوص المشار إليها في الجواهر: ما ورد في الكذب والقئ من التقييد بالعمد (* 1) وما ورد في قضاء من أفطر قبل الغروب من التعليل: بأنه أكل متعمدا (* 2) ومثل خبر مسعدة: " سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم. قال (ع): ليس عليه قضاء، لانه ليس بطعام " (* 3) بناء على أن المراد أنه ليس باختيار المكلف، وما ورد في تعليل عدم مفطرية الاحتلام من أنه مفعول به (* 2) وما ورد في سبق ماء المضمضة الذي سيأتي - إن


____________
(* 1) لاحظ نصوص الكذب في الوسائل باب: 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1، 2، 3، وأما نصوص القئ فقد تقدمت قريبا في المفطر العاشر. (* 2) الوسائل باب: 50 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 39 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 35 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4.

===============

( 316 )

شاء الله - الكلام فيه. وأما النصوص المتضمنة للقضاء على من أفطر متعمدا (* 1) فلا تصلح لاثبات ذلك، لان التقييد بالعمد إنما كان في السؤال، فلا تصلح لتقييد وجوب القضاء على من أفطر. نعم في رواية المشرقي ذكر في الجواب (* 2) إلا أن الجزاء فيها مجموع الحكمين: من القضاء والكفارة، فلا تدل على تقييد القضاء به. فالعمدة في النصوص: ما ذكرنا. وأما في السهو عن الصوم فلا خلاف ظاهر في عدم الافطار. وعن غير واحد: نفي الخلاف. وفي المستند: دعوى الاجماع المحقق، وحكاه عن بعض. ويشهد به جملة من النصوص المتضمنة لعدم الافطار لو أكل أو شرب أو جامع ناسيا. منها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل نسي فأكل وشرب. ثم ذكر. قال (ع): لا يفطر: إنما هو شئ رزقه الله، فليتم صومه " (* 3) وصحيح محمد بن قيس: " كان أمير المؤمنين (ع) يقول: من صام فنسي فأكل وشرب فلا يفطر، من أجل أنه نسي، فانما هو رزق رزقه الله تعالى، فليتم صيامه " (* 4) وموثق عمار: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينسى وهو صائم فجامع أهله. فقال (ع): يغتسل، ولا شئ عليه " (* 5) ونحوها غيرها. واختصاصها بالثلاثة لا يقدح في عموم الحكم، لما في الصحيح الثاني: من التعليل بالنسيان، المطرد في الجميع. ولعدم الفصل، أو فهم عدم الخصوصية. مضافا الى عموم: " ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر " (* 6)


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 11. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 9. (* 5) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 24 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6.

===============

( 317 )

{ من غير فرق بين أقسام الصوم (1)، من الواجب المعين، والموسع، والمندوب ولافرق في البطلان مع العمد بين الجاهل بقسميه (2) والعالم، } الوارد في نفي القضاء عن المغمى عليه، بناء على أن تطبيقه بلحاظ نفي القضاء موجب للتصرف فيه بحمل العذر على العذر حتى من أجل القضاء، لا للتصرف في تطبيقه، ليختص بمورده. وفيه تأمل. (1) بلا خلاف. لاطلاق جملة من النصوص. واختصاص بعض النصوص برمضان أو النافلة لا يستوجب تقييد المطلق. ولاسيما مع إمكان إلحاق غيرهما بهما في الحكم، بالغاء خصوصية المورد. ولما عن الفقيه: من أنه - بعد روايتي الحلبي وعمار - قال: " روي عن الائمة (ع): أن هذا في شهر رمضان وغيره. ولا يجب فيه القضاء " (* 1) (2) على المشهور. لاطلاق دليل المفطرية. وعن ظاهر الحلي، والشيخ في موضع من التهذيب: العدم مطلقا، وحكي أيضا عن ظاهر الجامع، واختاره في الحدائق. لاطلاق موثق أبي بصير وزرارة، قالا جميعا: " سألنا أبا جعفر (ع) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان، أو أتى أهل وهو محرم وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له. قال (ع): ليس عليه شئ " (* 2) المعتضد باطلاق صحيح عبد الصمد، الوارد فيمن لبس قميصا حال الاحرام: " أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي عليه " (* 3) وحمل الموثق على الجاهل القاصر غير ظاهر. ومثله: حمله على نفي خصوص الكفارة، فانه خلاف إطلاقه. ودعوى: أن بينه وبين أدلة


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب تروك الاحرام حديث: 3.

===============

( 318 )

{ ولابين المكره وغيره (1). فلو أكره على الافطار فأفطر } المفطرية عموما من وجه، والترجيح لها من وجوه: منها: الشهرة. ومنها: ظهور جملة من أدلة القضاء في الجاهل. غير ظاهرة، إذ الشهرة الفتوائية لا تصلح للترجيح. مع أن إعمال الترجيح في تعارض العامين من وجه خلاف التحقيق. وظهور جملة من أدلة القضاء في الجاهل أول الكلام. فالتحقيق: أن إطلاق الموثق في نفي القضاء أقوى من إطلاق أدلة المفطرية، كما هو الحال في أمثاله مما يظهر لعنوان الموضع خصوصية تناسب الحكم، كالجهل في المقام. ولو سلم عدم الترجيح في الظهور فاللازم الرجوع إلى الاصل المتقتضي لنفي المفطرية. وأما التقييد بغير المقصر فخال عن الوجه. فالبناء على الصحة في الجاهل وإن كان مقصرا أقوى. نعم لا تشمل الجاهل المتردد الذي لا يحكم عقله بالحل، فالرجوع فيه إلى عموم المفطرية ووجوب القضاء أولى. ونحوه: الجاهل بالموضوع وإن كان عقله حاكما بالحل، لاختصاص الموثق بالجاهل بالحكم. وصحيح عبد الصمد وإن كان يشمله وغيره، ويقتضي نفي القضاء والكفارة، لكن الاعتماد عليه في ذلك لا يخلو من إشكال، لامتناع الاخذ باطلاقه، للزوم كثرة التخصيص الموهنة له. فلا يبعد اختصاصه بمورده: من الجهل بالحكم مع حكم عقله بالحل، فيكون كالموثق. فالمرجع في الجاهل بالموضوع مطلقا عموم المفطرية. فتأمل جيدا. (1) كما عن المبسوط، والتذكرة، والمسالك، والحدائق، لاطلاق أدلة المفطرات، المؤيد بما ورد في الافطار تقية، كمرسل رفاعة عن رجل عن أبي عبد الله (ع): " قال (ع): دخلت على أبي العباس بالحيرة... (إلى أن قال): فأكلت معه وأنا أعلم والله أنه يوم من شهر رمضان،

===============

( 319 )

{ مباشرة فرارا عن الضرر المترتب على تركه بطل صومه على الاقوى. نعم لو وجر في حلقه من غير مباشرة منه لم يبطل (1). (مسألة 1): إذا أكل ناسيا، فظن فساد صومه، فأفطر عامدا بطل صومه (2). وكذا لو أكل بتخيل أن صومه } فكان إفطاري يوما وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا أ عبد الله " (* 1) لكن المحكي عن الاكثر: عدم الافطار. للاصل، بعد انصراف أدلة المفطرية الى غير المكره. ولحديث رفع الاكراه الحاكم على إطلاقها (* 2) وفيه: أن الانصراف ممنوع فلا مجال للاصل. وحديث الرفع لا يصلح لاثبات الصحة، لانه ناف لامثبت، كما أشرنا إلى ذلك آنفا. وأما ما ورد في إكراه الزوجة على الجماع: من أن على الزوج كفارتين (* 3) فلا يدل على عدم إفطارها، بل على إفطارها أدل، بقرينة تعدد الكفارة. وأما ما ورد في نفي القضاء عن المغمى عليه: من قوله (ع): " كلما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر " (* 4) فلا يبعد اختصاصه بالاجبار، كما في الاغماء، فلا يشمل الاكراه. مع أنك عرفت في أول الفصل: التأمل في صحة التسمك به في غير مورده. (1) بلا خلاف - كما جزم به جماعة - لانتفاء العمد المعتبر في المفطرية إجماعا، كما سبق. (2) هذا بناء على ما سبق: من إلحاق الجاهل بالعامد ظاهر، لان الافطار مقتضى الاطلاق. أما بناء على إلحاقه بالساهي فقد يشكل الحكم


____________
(* 1) الوسائل باب: 57 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 24 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 6.

===============

( 320 )

{ مندوب يجوز إبطاله، فذكر أنه واجب (1). (مسألة 2): إذا أفطر تقية من ظالم بطل صومه (2). } بالافطار في الفرض، لكون الوجه في الافطار جهله بكونه صائما شرعا، والظاهر عدم الفرق بين أفراد الجهل بالحكم. اللهم إلا أن يقال: مورد موثق أبي بصير وزرارة المتقدم خصوص الجهل بالمفطرية مع العلم بالصوم (* 1) والمقام عكس ذلك، فالتعدي إليه يحتاج الى دليل مفقود. إلا أن يثبت عدم الفصل. لكنه ممنوع، كما يظهر من المحقق حيث تردد في حكم الجاهل، وجزم في المقام بالافطار والقضاء. (1) فانه لا ينبغي التأمل في البطلان، لاطلاق أدلة المفطرية. وخروج نسيان الصوم عنها لا يلازم خروج ما نحن فيه، للفرق الظاهر بين المقامين. (2) لما تقدم في المكره. وقال في المدارك - بعدما اختار الصحة في المكره -: " وفي معنى الاكراه: الافطار في يوم يجب صومه للتقية، أو التناول قبل الغروب لاجل ذلك ". ونحوه في الذخيرة. وقال في الحدائق: " قالوا: في معنى الاكراه: الافطار في يوم... ". فكأن الخلاف فيه مبني عندهم على الخلاف في المكره. نعم ظاهر جملة من النصوص الواردة في الامر بالتقية: صحة العمل الجاري على طبق التقية وإن وجد مانعا أو فقد شرطا أو جزءا، مثل المصحح عن أبي عمر الاعجمي: " قال لي أبو عبد الله (ع): يا أبا عمر أن تسعة أعشار الدين التقية، ولادين لمن لاتقية له. والتقية في كل شئ، إلا في النبيذ، والمسح على الخفين " (* 2) فان استثناء المسح على الخفين يقتضي


____________
(* 1) تقدم ذكرهما في أول هذا الفصل. (* 2) لاحظ صدر الرواية في الوسائل باب: 24 من ابواب الامر بالمعروف حديث: 2، وذيلها في باب: 25 حديث: 3.

===============

( 321 )

شمول المستثنى منه للحكم الوضعي، ومصحح زرارة: " قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال (ع): ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا: شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج " (* 1) وفي رواية أبي الصباح عن جعفر بن محمد (ع): " ما صنعتم من شئ، أو حلفتم عليه من يمين في تقية، فأنتم منه في سعة " (* 2) فان إطلاق السعة يقتضي الصحة. فتأمل، وموثق سماعة: " وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو، ويصلي ركعة أخرى، ويجلس قدر ما يقول: " أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع فان التقية واسعة. وليس شئ من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله " (* 3). وقريب منها غيرها. وحينئذ لامانع من الالتزام بالصحة في المقام، كما هو صريح جماعة، بل هو المشهور في غير المقام. فراجع ما تقدم في الوضوء. نعم القدر المتيقن صورة مالو كان العمل موافقا لمذهبهم من حيث الحكم الكلي، مثل استعمال ما ليس مفطرا عندهم مع كونه مفطرا عندنا كالارتماس. أما لو كان موافقا لمذهبهم من حيث الموضوع الخارجي، فان شمول النصوص له غير ظاهر، كما لو ثبت عندهم هلال شوال فأفطروا، فان الافطار معهم ليس موافقة لهم إلا في اعتقاد كون يوم الافطار عيدا وهو من قبيل الموضوع لا الحكم. إلا أن يرجع ذلك إلى مذهبهم في الحكم بحجية الشهادة، أو في حجية حكم حكامهم التي هي من قبيل الحكم الكلي الظاهري. ولافرق بين الحكم الواقعي والظاهري في دخولهما تحت دليل


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب الامر بالمعروف حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب الايمان حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 56 من ابواب صلاة الجماعة حديث: 2.

===============

( 322 )

{ (مسألة 3): إذا كانت اللقمة في فمه، وأراد بلعها لنسيان الصوم، فتذكر وجب إخراجها، وإن بلعها مع إمكان إلقائها بطل صومه، بل تجب الكفارة أيضا. وكذا لو كان مشغولا بالاكل فتبين طلوع الفجر. } الاجزاء. ويشير إليه خبر أبي الجارود: " إنا شككنا سنة في عام من تلك الاعوام في الاضحى، فلما دخلت على أبي جعفر (ع) وكان بعض أصحابنا يضحي، فقال (ع): الفطر يوم يفطر الناس، والاضحى يوم يضحي الناس، والصوم يوم يصوم الناس " (* 1). إلا أن يقال: أدلة الاجزاء مختصة بالعمل الناقص الموافق للتقية، مثل الوضوء مع المسح على الخف، أو غسل الرجلين، والصلاة مع القراءة بدون البسملة، والصوم مع الارتماس ونحو ذلك. ولا تشمل صورة ترك العمل الواجب بحيث تقتضي عدم وجوب قضائه إذا كان مما يقضى. والافطار في عيدهم من قبيل ذلك، لان الموافقة لهم في الجواز الافطار، لافي صحة الصوم، لانه خلاف معتقدهم، فنفي القضاء يحتاج الى دليل مفقود. ومجرد كون المورد من باب الموافقة لهم في الحكم الكلي غير كاف في نفي القضاء مع كون مذهبهم جواز الافطار وعدم صحة الصوم. فالمقام نظير مالو كان مذهبهم ترك صلاة موقتة، فتركها تقية، فان ذلك لا يوجب نفي القضاء. وبالجملة: الادلة ظاهرة في إجزاء العمل الناقص إذا كان الموجب لنقصه التقية، فيسقط الامر به، ولايحتاج الى الاعادة. ولاتعرض فيها لسقوط الامر بالفعل إذا كانت التقية تقتضي تركه. ومن الاول - الذي هو موضوع النصوص -: الافطار عند سقوط القرص تقية، فانه موافقة لهم في مذهبهم في امتثال الحكم الكلي الواقعي، وهو انتهاء اليوم بسقوط القرص.


____________
(* 1) الوسائل باب: 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 7.

===============

( 323 )

{ (مسألة 4): إذا دخل الذباب، أو البق، أو الدخان الغليظ، أو الغبار في حلقه من غير اختياره لم يبطل صومه. } وما في الجواهر من الاشكال فيه وفي الافطار في عيدهم - بالشك في شمول دينية التقية لمثل ذلك، الذي مرجعه الى موضوع مصداقا أو مفهوما لا إلى حكم غير ظاهر، فان الاختلاف في المسح على الخف، وجزئية البسملة، ومانعية التكتف أيضا اختلاف في مفهوم الموضوع، ولا ريب في ثبوت التقية فيها، وأنها من الدين، فالاختلاف في الموضوعات المستنبطة اختلاف مذهبي تشمله أدلة التقية. نعم الاختلاف في الموضوع من جهة الامور الخارجية ليس اختلافا مذهبيا، فلا تشمله الادلة الخاصة بها، مثل الاختلاف في العيد للاختلاف في الرؤية وعدمها. وأما لو كان من جهة الاختلاف في الحكم الظاهري للاختلاف في حجية الشهادة أو حكم حاكمهم، فهو وإن كان اختلافا مذهبيا - كما اعترف به في الجواهر - لكنه لا تشمله أدلتها بنحو لا توجب القضاء كما عرفت. نعم لو حكم حاكمهم بهلال ذي الحجة فالحج الجاري على مقتضى الحكم المذكور مجزئ عن الاعادة. وكذا لو حكم حاكمهم بطهارة ماء فتوضأ به وصلى أجزأت صلاته عن الاعادة والقضاء. ومما ذكرنا يظهر قوة ما في نجاة العباد: من الاجزاء إذا تناول ما ليس مفطرا عندهم، أو أفطر قبل الغروب تقية، ووجوب القضاء لو أفطر في عيدهم. كما يظهر أيضا ضعف القول بالصحة في الجميع، اعتمادا على نصوص مشروعية التقية، كضعف القول بعدم الاجزاء، اعتمادا على أدلة وجوب القضاء، بعد الاستشكال في دلالة نصوص التقية على الصحة، كما في المسالك، والحدائق. وبالجملة: التفصيل الذي ذكرناه هو الظاهر من النصوص المتقدمة،

===============

( 324 )

{ وإن أمكن إخراجه وجب، ولو وصل إلى مخرج الخاء (1). (مسألة 5): إذا غلب على الصائم العطش، بحيث خاف من الهلاك، يجوز له أن يشرب الماء (2)، مقتصرا على مقدار الضرورة (3)، ولكن يفسد صومه بذلك (4). } والقول بالصحة مطلقا. أو ببطلان الصوم مطلقا ضعيف. ومن ذلك يظهر: أن مرسل رفاعة المتقدم - المتضمن وجوب القضاء على من أفطر في عيدهم تقية (* 1) موافق لما ذكرنا، لا مخالف له، وإن كان هو ضعيفا لا يصلح للحجية. (1) لحرمة أكله في نفسه. (2) لادلة وجوب حفظ النفس عن الهلاك. وكذا لو كان حرجا أو خاف ضررا، لدليل نفي الحرج والضرر. (3) بلا خلاف ظاهر. ويقتضيه موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه؟ قال (ع): يشرب بقدر ما يمسك رمقه، ولا يشرب حتى يروي " (* 2) وخبر المفضل قال: " قلت لابي عبد الله (ع): إن لنا فتيات وشبانا لا يقدرون على الصيام من شدة ما يصيبهم من العطش. قال (ع): فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم وما يحذرون " (* 3). (4) لاستعمال المفطر اختيارا. وأدلة رفع الاضطرار لا تصلح لتصحيح الصوم (* 4).


____________
(* 1) راجع أوائل الكلام من هذا الفصل: (* 2) الوسائل باب: 16 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 16 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 2. (* 4) راجع الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس.

===============

( 325 )

{ ويجب عليه الامساك بقية النهار (1) إذا كان في شهر رمضان وأما في غيره من الواجب الموسع والمعين فلا يجب الامساك (2) وإن كان أحوط في الواجب المعين. (مسألة 6): لا يجوز للصائم أن يذهب إلى المكان الذي يعلم اضطراره فيه إلى الافطار (3) باكراه أو إيجار في حلقه أو نحو ذلك، ويبطل صومه لو ذهب وصار مضطرا ولو كان بنحو الايجار. بل لا يبعد بطلانه بمجرد القصد إلى ذلك، فانه كالقصد إلى الافطار (4). } (1) كما يفهم من الخبرين السابقين. (2) لعدم الاطلاق في الموثق، والمتيقن منه شهر رمضان. والخبر - مع ضعفه في نفسه - لاتبعد أيضا فيه دعوى الانصراف إلى شهر رمضان كما يظهر ذلك بملاحظة السؤال. لا أقل من الاجمال فيه، فأصالة البراءة من وجوب الامساك في غير رمضان محكمة. (3) يعني: إذا كان صومه معينا، فان العمد الى الذهاب عمد الى الافطار المحرم، وقد عرفت: أن الافطار عمدا مفطر موجب للقضاء. نعم يمكن الاشكال في الايجار: بأنه غير مفطر، نظير الاحتلام، لانه مفعول به، فالعمد إليه ليس عمدا إلى المفطر، حتى يكون حراما. فالعمد إليه بالذهاب ليس عمدا الى الحرام، كما لو علم أنه إذا نام يحتلم، أو إذا أكل في الليل شيئا احتلم. بل قد يشكل الامر في القئ. بناء على ما تقدم من المصنف (ره): من التوقف في كفاية العمد المصحح للعقاب في تحقق العمد المعتبر في مفطريته. (4) فقد تقدم أنه مفطر. هذا والحكم في المسألة الآتية ظاهر.

===============

( 326 )

{ (مسألة 7): إذا نسي فجامع لم يبطل صومه. وإن تذكر في الاثناء وجب المبادرة إلى الاخراج، وإلا وجب عليه القضاء والكفارة. فصل في أمور لا بأس بها للصائم لا بأس للصائم بمص الخاتم أو الحصى، ولا بمضغ الطعام للصبي، ولا بزق الطائر، ولا بذوق المرق، ونحو ذلك مما لا يتعدى إلى الحلق (1)، } فصل في أمور لا بأس بها للصائم (1) للاصل. وعموم حصر المفطر في غيره. مضافا الى صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يعطش في شهر رمضان. قال (ع): لا بأس أن يمص الخاتم " (* 1) ونحوه صحيح منصور عنه (ع) (* 2) وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -: " أنه سئل عن المرأة يكون لها الصبي وهي صائمة، فتمضغ له الخبر وتطعمه؟ قال (ع): لا بأس. والطير إن كان لها " (* 3) ونحوه في المضغ خبر مسعدة عنه (ع) (* 4) وصحيح حماد قال: " سأل ابن أبي يعفور أبا عبد الله (ع) - وأنا أسمع - عن الصائم يصب الدواء في أذنه؟ قال (ع): نعم، ويذوق المرق،


____________
(* 1) الوسائل باب: 40 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 40 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 38 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 38 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

===============

( 327 )

{ ولا يبطل صومه إذا اتفق التعدي (1)، إذا كان من غير قصد ولا علم بأنه يتعدى قهرا أو نسيانا. أما مع العلم بذلك من الاول فيدخل في الافطار العمدي (2). وكذا لا بأس بمضغ العلك (3)، ولاببلع ريقه بعده، وإن وجد له طعما فيه (4) } ويزق الفرخ " (* 1) ونحوه في ذوق المرق جملة أخرى. وأما مصحح سعيد الاعرج: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الصائم يذوق المرق ولا ببلعه. قال (ع): لا " (* 2) فمحمول على الكراهة. وحمله على عدم الحاجة - كما عن الشيخ - لا شاهد عليه. (1) لعدم العمد، الذي هو شرط في الافطار. وما عن المنتهى: من وجوب القضاء إذا كان الادخال في الفم لا لغرض صحيح، ضعيف. (2) لان العمد إلى ما يعلم ترتب الشئ عليه عمد الى ذلك الشئ. (3) للاصل. والعموم المتقدم. وصحيح ابن مسلم: " قال أبو جعفر (ع): يا محمد إياك أن تمضغ علكا. فاني مضغت اليوم علكا وأنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئا " (* 3) وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " عن الصائم يمضغ العلك؟ قال (ع): نعم إن شاء " (* 4) ولاجلها يحمل ما في مصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) من المنع عنه على الكراهة (* 5) كما يشهد به التحذير عنه في الصحيح. (4) للاطلاق. بل الصحيح كالصريح فيه.


____________
(* 1) الوسائل باب: 37 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 37 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 36 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 36 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 36 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

===============

( 328 )

{ ما لم يكن ذلك بتفتت أجزاء منه (1)، بل كان لاجل المجاورة وكذا لا بأس بجلوسه في الماء (2) ما لم يرتمس، رجلا كان أو امرأة (3)، وإن كان يكره لها ذلك. ولا ببل الثوب ووضعه على الجسد (4)، } (1) فيدخل في الاكل المفطر. إلا أن تكون الاجزاء مستهلكة في الريق، فالحكم بالافطار حينئذ غير ظاهر. (2) للاصل. والعموم. وخبر ابن راشد عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -: " قلت فالصائم يستنقع في الماء؟ قال (ع): نعم. قلت: فيبل ثوبا على جسده؟ قال (ع): لا " (* 1) ونحوه غيره، وقد تقدم بعضه في مبحث الارتماس. (3) أما في الاول فلا خلاف فيه يعرف. وأما في الثاني فهو المشهور. وعن الحلبي: وجوب القضاء. وعن القاضي وابن زهرة: وجوبه مع الكفارة. وكأنه لخبر حنان بن سدير: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الصائم يستنقع في الماء؟ قال (ع): لا بأس، ولكن لا يغمس رأسه. والمرأة لاتستنقع في الماء، لانها تحمله بقبلها " (* 2) وهو كما ترى. إذ فيه - مضافا إلى إعراض المشهور عنه -: قصور الدلالة، من جهة التعليل. فالمتعين الحمل على الكراهة، كما هو المشهور. (4) بلا خلاف ظاهر، بل الاجماع في الظاهر، كما في الجواهر. وبه - مضافا الى عموم حصر المفطر في غير المقام، وصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع)، المتضمن: أن الصائم يتبرد بالثوب (* 3). فتأمل - يحمل


____________
الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

===============

( 329 )

{ ولا بالسواك باليابس (1)، بل بالرطب أيضا (2). لكن إذا أخرج المسواك من فمه لا يرده وعليه رطوبة، وإلا كانت كالرطوبة الخارجية لا يجوز بلعها إلا بعد الاستهلاك في الريق. وكذا لا بأس بمص لسان الصبي، أو الزوجة (3) } النهي في خبر ابن راشد المتقدم وغيره على الكراهة، كما يأتي. (1) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، كما في الجواهر. للاصل والعموم المتقدم. والنصوص المستفيضة الدالة على جوازه مطلقا. كصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " يستاك الصائم أي ساعة من النهار أحب " (* 1). (2) كما هو المشهور، وعن المنتهى: نسبته إلى علمائنا أجمع. لما سبق أيضا. وعن المختلف، عن ابن أبي عقيل: المنع عنه. ويقتضيه النهي في جملة من النصوص، مثل صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " ولا يستاك بعود رطب " (* 2) ومصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " ولا يستاك بسواك رطب " (* 3) ونحوهما غيرهما. لولا معارضتها بغيرها، مما يوجب الحمل على الكراهة، مثل صحيح الحلبي: " سألت أبا عبد الله (ع): أيستاك الصائم بالماء وبالعود الرطب يجد طعمه؟ فقال (ع): لا بأس " (* 4) (3) للاصل. والعموم. ولصحيح ابن جعفر (ع)، عن أخيه (ع): " قال سألته عن الرجل الصائم يمص لسان المرأة، أو تفعل المرأة ذلك؟ قال (ع): لا بأس " (* 5) ويدل أيضا على جواز مصها للسانه. ونحوه


____________
(* 1) الوسائل باب: 28 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 28 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 28 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 28 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 34 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

===============

( 330 )

{ إذا لم يكن عليه رطوبة (1)، ولا بتقبيلها، أو ضمها (2)، أو نحو ذلك. (مسألة 1): إذا امتزج بريقه دم واستهلك فيه يجوز بلعه على الاقوى (3)، وكذا غير الدم من المحرمات والمحللات. والظاهر عدم جواز تعمد المزج والاستهلاك بالبلع (4)، سواء كان مثل الدم ونحوه من المحرمات، أو الماء ونحوه من المحللات. فما ذكرنا من الجواز إنما هو إذا كان ذلك على وجه الاتفاق. } في ذلك خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) (* 1) ولم أقف على نص في الصبي. (1) الاطلاق المتقدم يقتضي الجواز معها، بل هو الغالب. نعم قد يدعى سوق النصوص لحكم مجرد المص، فلا تدل على جواز ابتلاعها، فيرجع فيه إلى الاصل المانع. لكنه لا يخلو من تأمل. (2) النصوص بذلك مستفيضة، كصحيح جميل وزرارة وأبي بصير عن أبي جعفر (ع): " لا تنقض القبلة الصوم " (* 2) وموثق سماعة بن مهران قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن القبلة في شهر رمضان للصائم أتفطر؟ قال (ع): لا " (* 3). ونحوهما غيرهما. (3) إذا بلعه بعد استهلاك الدم فيه لا يخرج عن كونه بلعا للريق. المنصوص على جوازه، كما تقدم. (4) وجهه غير ظاهر. لانه إذا فرض جواز البلع بعد الاستهلاك كان المنع عن الاستهلاك غير ظاهر الوجه، لانه محتاج الى دليل، وهو مفقود، والاصل يقتضي الجواز.


____________
(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 3) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 14.

===============

( 331 )

{ فصل يكره للصائم أمور أحدها: مباشرة النساء، لمسا، وتقبيلا، وملاعبة (1) خصوصا لمن تتحرك شهوته بذلك (2). بشرط أن لا يقصد } فصل يكره للصائم أمور (1) لاطلاق جماعة الكراحهة. بناء على قاعدة التسامح، مع الاكتفاء بالفتوى في تطبيقها. مضافا الى إطلاق بعض النصوص، مثل ماعن العيون: " ثلاثة لا يعرض أحدكم نفسه لهن وهو صائم: الحجامة، والحمام، والمرأة الحسناء " (* 1) وما عن أبي جعفر (ع): " عن الرجل يجد البرد، أيدخل مع أهله في لحاف وهو صائم؟ قال (ع): يجعل بينهما ثوبا " (* 2) (2) فقد استفاض في النصوص نهيه عن ذلك، كصحيح منصور: " ما تقول في الصائم يقبل الجاربة والمرأة؟ فقال (ع): أما الشيخ الكبير مثلى ومثلك فلا بأس. وأما الشاب الشبق فلا، لانه لا يأمن، والقبلة إحدى الشهوتين " (* 3) المحمول على الكراهة إجماعا. وعن جماعة - منهم الفاضلان والشهيدان -: تخصيص الكراهة بذلك جمعا بين النصوص، وحملا للمطلق منها على المقيد. ولعل الجمع بينها باختلاف مراتب الكراهة أوفق بالقواعد. فتأمل.


____________
(* 1) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

===============

( 332 )

{ الانزال، ولاكان من عادته. وإلا حرم إذا كان في الصوم الواجب المعين (1). الثاني: الاكتحال بما فيه صبر أو مسك أو نحوهما، مما يصل طعمه أو رائحته إلى الحلق (2). } (1) كما نص عليه في الجواهر، معللا له: بأنه كتعمد الابطال. وهو بالنسبة إلى الاول ظاهر، بناء على أن قصد المفطر مفطر. أما بالنسبة إلى الثاني فمحل تأمل، لان مجرد الاعتياد غير كاف في منافاة ذلك لقصد الصوم. نعم لو أنزل بطل صومه، كما تقدم في المسألة الثامنة عشرة. (2) بلا خلاف أجده، كما في الجواهر. وفي موثق سماعة: " عن الكحل للصائم. فقال (ع): إذا كان كحلا ليس فيه مسك وليس له طعم في الحلق فلا بأس به " (* 1) وفي صحيح ابن مسلم: " عن المرأة تكتحل وهي صائمة؟ فقال (ع): إذا لم يكن كحلا تجد له طعما في حلقها فلا بأس " (* 2) وخبر الحسين بن علوان: " كان لا يرى بأسا بالكحل للصائم إذا لم يجد طعمه " (* 3) المحمول على الكراهة إجماعا، ادعاه غير واحد صريحا وظاهرا. وللنصوص المطلقة في الجواز المعللل بعضها: بأنه ليس بطعام ولا شراب (* 4). وفي بعضها: إنه ليس بطعام يؤكل (* 5) وخصوصا: مادل على نفي البأس بالاكتحال بما فيه المسك (* 6)


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 4) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 5) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6. (* 6) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 11.

===============

( 333 )

{ وكذا ذر مثل ذلك في العين (1). الثالث: دخول الحمام إذا خشي منه الضعف (2). الرابع: إخراج الدم المضعف (3) بحجامة أو غيرها. } نعم قد يقتضي الجمع بين ما ذكر وما دل على إطلاق النهي عن الاكتحال (* 1) عموم الكراهة وشدتها فيما له طعم، كما احتمله في الجواهر والامر سهل. (1) لدخول الذر بالاكتحال، فتشمله النصوص المتقدمة. (2) ففي صحيح ابن مسلم: " عن الرجل يدخل الحمام وهو صائم. فقال (ع): لا بأس ما لم يخش ضعفا " (* 2) المحمول على الكراهة إجماعا. (3) ففي صحيح سعد الاعرج: " عن الصائم يحتجم. فقال (ع): لا بأس، إلا أن يتخوف على نفسه الضعف " (* 3) وفي صحيح الحلبي: " أني أتخوف عليه، أما يتخوف على نفسه؟ قلت: ماذا يتخوف عليه؟ قال (ع) الغشيان، وتثور به مرة. قلت: أرأيت إن قوي على ذلك ولم يخش شيئا؟ قال (ع): نعم إن شاء " (* 4) ومن التعليل يظهر عموم الحكم للحجامة وغيرها. وما في صحيح ابن سنان: " لا بأس أن يحتجم الصائم، إلا في شهر رمضان، فاني أكره أن يغرر بنفسه " (* 5) لا يبعد حمله على شدة الكراهة في رمضان، وإن كان قد يأباه التعليل. كما أن إطلاق النهي عن الحجامة (* 6) قد يقتضي عموم الكراهة وإن أمن الضعف. فلاحظ


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 27 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 26 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 26 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 5) الوسائل باب: 26 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 6) الوسائل باب: 26 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 7.

===============

( 334 )

{ وإذا علم بأدائه إلى الاغماء المبطل للصوم حرم (1). بل لا يبعد كراهة كل فعل يورث الضعف، أو هيجان المرة (2). الخامس: السعوط (3)، مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق وإلا فلا يجوز على الاقوى (4). السادس: شم الرياحين (5)، } (1) لادائه إلى تعمد الافطار. (2) لعموم التعليل المتقدم في صحيح الحلبي. (3) لموثق ليث: " عن الصائم يحتجم ويصب في أذنه الدهن، قال (ع): لا بأس، إلا السعوط، فانه يكره " (* 1) وخبر غياث: " يكره السعوط للصائم " (* 2) وما عن جماعة: من القول بالحرمة - منهم المفيد والديلمي - غير ظاهر. ومثله: القول بالجواز بلا كراهة، كما نسب إلى الاسكافي. (4) كما عن المبسوط والمختلف وغيرهما. لما دل على عدم جواز الاكل والشرب، الصادقين مع الوصول الى الحلق. ولا يصلح الخبران لمعارضته لعدم الاطلاق فيهما، لسوقهما لبيان كراهة السعوط من حيث هو لاغير. فما عن المشهور: من اطلاق الكراهة غير ظاهر. (5) إجماعا صريحا وظاهرا، محكيا عن جماعة. ويدل عليه جملة من النصوص، كخبر الحسن بن راشد: " الصائم لا يشم الريحان " (* 3) وفي خبره الآخر: " الصائم يشم الريحان؟ قال (ع): لا، لانه لذة، ويكره له أن يتلذذ (* 4) المحمولة على الكراهة، كما يقتضيه ظاهر بعضها، وصريح


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 32 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 4) الوسائل باب: 32 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 7.

===============

( 335 )

خصوصا النرجس (1). والمراد بها: كل نبت طيب الريح (2). السابع: بل الثوب على الجسد (3). الثامن: جلوس المرأة في الماء (4)، بل الاحوط لها تركه (5). التاسع: الحقنة بالجامد (6). } مادل على الجواز، كصحيح ابن مسلم: " الصائم يشم الريحان والطيب؟ قال (ع): لا بأس (* 1) ونحوه غيره. (1) للنهي عنه بالخصوص في خبر ابن رئاب، معللا: بأنه ريحان الاعاجم (* 2). (2) كما في المجمع. وفي القاموس: إنه أحد معانيه. (3) بلا خلاف أجده، كما في الجواهر. للنهي عنه في خبر ابن راشد (* 3) وخبر الصيقل (* 4) وفي خبر سنان: " لا تلزق ثوبك إلى جسدك وهو رطب وأنت صائم حتى تعصره " (* 5) ولا يبعد كون العصر ينافي البلل، لان الظاهر من المبلول ما فيه بلل، لا مجرد الرطب. ولو بني على منافاته للبلل كان اللازم البناء على خفة الكراهة، إذ لا مجال لحمل المطلق على المقيد في أمثال المقام. (4) كما تقدمت الاشارة إليه (* 6). (5) للنهي المتقدم (* 7). (6) قد تقدم الكلام فيه (* 8).


____________
(* 1) الوسائل باب: 32 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 32 من ابواب ما يمسك عنه الصائم ملحق حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 6)، (* 7) لاحظ أوائل الكلام من الفصل السابق. (* 8) لاحظ المسألة: 68 من فصل ما يجب الامساك عنه من المفطرات.

===============

( 336 )

{ العاشر: قلع الضرس، بل مطلق إدماء الفم (1). الحادي عشر: السواك بالعود الرطب (2). الثاني عشر: المضمضة عبثا (3). وكذا إدخال شئ آخر في الفم لا لغرض صحيح. الثالث عشر: انشاد الشعر (4). } (1) لموثق عمار: " في الصائم ينزع ضرسه؟ قال (ع): لا، ولا يدمي فاه... " (* 1) (2) للنهي عنه في جملة من النصوص، المحمول على الكراهة، كما تقدم (* 2). (3) الموجود في مرسل حماد: النهي عن المبالغة في المضمضة (* 3) وفي خبر يونس: " الافضل للصائم أن لا يتمضمض " (* 4) وفي خبر عمار فيمن تمضمض الثالثة: " أنه قد أساء " (* 5) وفي الرضوي: التحذير عن إدخال الماء في الفم للتلذذ في غير وضوء (* 6). وأما ما في المتن فلم أقف على ما يدل عليه. (4) كما عن بعض. لصحيح حماد: " يكره رواية الشعر للصائم، وللمحرم، وفي الحرم، وفي يوم الجمعة، وأن يروي بالليل. قلت: وإن كان شعر حق؟ قال (ع): وإن كان شعر حق " (* 7) وفي صحيحه


____________
(* 1) الوسائل باب: 26 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) لاحظ أوائل الكلام من الفصل السابق. (* 3) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 6) مستدرك الوسائل باب: 14 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 7) الوسائل باب: 13 من ابواب أداب الصائم حديث: 1.

===============

( 337 )

{ ولا يبعد اختصاصه (1) بغير المراثي، أو المشتمل على المطالب الحقة من دون إغراق، أو مدح الائمة (ع). وان كان يظهر من بعض الاخبار التعميم (2). الرابع عشر: الجدال، والمراء، وأذى الخادم (3)، } الآخر: " ولا ينشد في شهر رمضان بليل ولانهار. فقال له (ع) إسماعيل يا أبتاه فانه فينا؟ قال (ع): وإن كان فينا " (* 1). (1) كما نسب إلى الاصحاب. ويشهد له: ما عن الآداب الدينية الطبرسي، عن خلف بن حماد: " قلت للرضا (ع): إن أصحابنا يروون عن آبائك: أن الشعر ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، وفي شهر رمضان، وفي الليل مكروه. وقد هممت أن أرثي أبا الحسن (ع)، وهذا شهر رمضان. فقال (ع): إرث أبا الحسن (ع) في ليلة الجمعة، وفي شهر رمضان وفي الليل وفي سائر الايام. فان الله عزوجل يكافؤك على ذلك بالثواب الجزيل " (* 2) واختصاصه بالمرائي لا يقدح في التعميم، لامكان التعدي عنها بعدم القول بالفصل، كما ادعي. (2) بل هو صريح ما تقدم. لكن دعوى الهجر عند الاصحاب، وموافقته للتقية - كما قيل - توجب ترجح الثاني. فتأمل. (3) ففي خبر جراح المدائني: " ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا... إلى أن قال (ع): ودع المراء، وأذى الخادم " (* 3). ونحوه - في الحسد والتنازع خبر أبي بصير (* 4)، وفيما عن نوادر ابن عيسى: " فإذا


____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب أداب الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 105 من ابواب المزار حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 11 من ابواب آداب الصائم حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 11 من ابواب آداب الصائم حديث: 4.

===============

( 338 )

{ والمسارعة إلى الحلف (1)، ونحو ذلك من المحرمات والمكروهات في غير حال الصوم، فانه تشتد حرمتها أو كراهتها حاله. فصل فيما يوجب الكفارة المفطرات المذكورة كما أنها موجبة للقضاء كذلك توجب الكفارة (2)، } صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضوا أبصاركم، ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا، ولا تغتابوا، ولا تماروا، ولا تكذبوا ولا تباشروا، ولا تخالفوا، ولا تغاضبوا ولا تسابوا، ولا تشاتموا، ولا تنابزوا ولا تجادلوا، ولا تباذوا، ولا تظلموا ولا تسافهوا، ولا تزاجروا، ولا تغفلوا عن ذكر الله تعالى... " (* 1) - الحديث طويل -. (1) لمصحح الفضيل: " إذا صام أحدكم الثلاثة في الشهر فلا يجادلن أحدا، ولا يجهل، ولا يسرع إلى الايمان والحلف بالله تعالى. فان جهل عليه أحد فليتحمله " (* 2) فتأمل. ويمكن إدخاله تحت جملة من العناوين المذكورة في النصوص المروية في الوسائل والمستدرك (* 3). فصل فيما يوجب الكفارة (2) إعلم أنه قد ورد في جملة من النصوص وجوب الكفارة على من


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب آداب الصائم حديث: 13. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب آداب الصائم حديث: 1. (* 3) لاحظ الوسائل باب: 11، 12 من ابواب آداب الصائم، ومستدرك الوسائل باب: 9 من الابواب المذكورة.

===============

( 339 )

{ إذا كانت مع العمد والاختيار (1)، من غير كره ولا إجبار (2) } أفطر متعمدا، كصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر. قال (ع): يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا. فان لم يقدر على ذلك تصدق بما يطيق " (* 1)، ومصحح عبد الرحمن البصري عنه (ع): " عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا. قال (ع): عليه خمسة عشر صاعا، لكل مسكين مد بمد النبي صلى الله عليه وآله أفضل " (* 2)، وصحيح البزنطي عن المشرقي، عن أبي الحسن (ع): " من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة. ويصوم يوما بدل يوم " (* 3). ونحوها غيرها. واختلاف هذه النصوص في نفس الكفارة يأتي الكلام فيه ان شاء الله. وعليه فكل ما ثبت كونه مفطرا فالعمومات المذكورة تقتضي وجوب الكفارة فيه. مضافا إلى ما ورد بالخصوص في كثير منها، كالاكل، والشرب، والجماع، والاستمناء، وتعمد البقاء على الجنابة، والغبار بناء على كونه مفطرا. (1) كما يقتضيه - مضافا إلى اعتباره في الافطار كما تقدم -: التقييد به في الصحيح عن المشرقي، الدال على عدمها مع عدم بمفهوم الشرط. (2) أما الثاني فلعدم العمد، فيجري فيه ما سبق. ومثله: صورة السهو عن الصوم، لانتفاء الافطار معه. ولرواية عبد السلام، الآتية في الافطار على الحرام (* 4).


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 10. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 11. (* 4) لاحظ الامر الاول من المسألة: 1 من هذا الفصل.

===============

( 340 )

{ من غير فرق بين الجميع (1)، حتى الارتماس، والكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، بل والحقنة، والقئ على الاقوى. } وأما في الاول فلانه وإن كان يصدق الافطار عمدا، لكن - لاختصاص الكفارة أو انصرافها إلى خصوص صورة تحقق الاثم والذنب، وهو منتف في الاكراه - لا تشمله أدلتها. مضافا إلى حديث رفع الاكراه (* 1)، ولو بملاحظة تطبيقه في طلاق المكره، على نحو يدل على عدم صحته وعدم ترتب أثره عليه. وكذلك في المقام. (1) إذ بعد البناء على مفطريتها تدخل تحت العمومات المتقدمة. ودعوى: انصراف الافطار إلى غيرها غير ظاهرة. وفي الشرائع: نفى الكفارة في تعمد القئ، والاحتقان بالمائع، مع بنائه على وجوب القضاء. وكأن الوجه في الاول: خلو نصوص المفطرية عن التعرض لها مع تعرضها لوجوب القضاء. وما في رواية مسعدة من قول الصادق (ع): " من تقيأ متعمدا وهو صائم فقد أفطر، وعليه الاعادة. فان شاء الله تعالى عذبه، وإن شاء غفر له " (* 2). فانه ظاهر في نفي الكفارة، بل في الجواهر: كالصريح في عدم الكفارة، التي يفزع إليها في تكفير الذنوب. ولاجله - مضاف إلى صريح إجماع الخلاف وظاهر غيره، المؤيد بالتتبع لعدم معرفة القائل بوجوبها - مال في الجواهر إلى نفيها، وأفتى به في نجاة العباد. ولا يخلو من قوة. وإن كان الخروج به عن عموم وجوب الكفارة بالافطار عمدا لا يخلو من إشكال. وأما وجهه في الثاني: فلعله دعوى الانصراف. لكنها غير ظاهرة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6.

===============

( 341 )

{ نعم الاقوى عدم وجوبها في النوم الثاني من الجنب بعد الانتباه (1) بل والثالث. وإن كان الاحوط فيها أيضا ذلك، خصوصا الثالث. ولافرق أيضا في وجوبها بين العالم والجاهل، والمقصر والقاصر (2) على الاحوط. وإن كان الاقوى عدم وجوبها على الجاهل (3)، خصوصا القاصر، والمقصر غير الملتفت حين الافطار. نعم إذا كان جاهلا بكون الشئ مفطرا، مع علمه بحرمته، كما إذا لم يعلم أن الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله } (1) قد تقدم عدم الدليل على وجوبها فيه وفي النوم الثالث. والعمومات المتقدمة لا تقتضيه، لانتفاء العمد فيها. فراجع ما سبق في المفطرات. (2) كما نسب إلى الاكثر، والمشهور. وقيل بثبوتها في المقصر، دون القاصر. ووجه الاول: الاطلاقات المتقدمة، لعدم منافاة الجهل للعمد المأخوذ قيدا في وجوبها في كثير من النصوص. ووجه الثاني: انصراف الكفارة واختصاصها بصورة الاثم، وهو غير حاصل في القاصر. (3) لما تقدم من موثق أبي بصير وزرارة: " عن رجل أتى أهله وهو في شهر رمضان، أو أتى أهله وهو محرم، وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له. قال ((ع): ليس عليه شئ " (* 1) بناء على عمومه الشامل للقاصر والمقصر - كما هو الظاهر - لترك الاستفصال، مع عدم القرينة على التعيين. نعم موردها من كان يرى أنه غير مفطر، فتشمل القاطع بالحل مطلقا والمتردد الذي يحكم عقله بجواز الارتكاب - بناء على أن المراد بالحل الاعم من الواقع والظاهر - ولا تشمل المتردد الذي لا يحكم عقله بالحل، فالتعدي إليه لا يخلو من إشكال، بل الرجوع الى عموم الكفارة فيه أنسب بالقاعدة كما تقدم مثل ذلك في القضاء.


____________
(* 1) راجع أوائل الكلام من فصل اعتبار العمد والاختيار في الافطار.

===============

( 342 )

{ من المفطرات، فارتكبه حال الصوم، فالظاهر لحوقه بالعالم في وجوب الكفارة (1). (مسألة 1): تجب الكفارة في أربعة أقسام من الصوم: الاول: صوم شهر رمضان. وكفارته مخيرة (2) بين } (1) لا يخلو من إشكال، لان الظاهر من قول السائل: " وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له " أنه يرى حلال له من حيث الصوم ومن حيث الاحرام، لا أنه حلال في نفسه، أو من حيثية أخرى، وحينئذ فيشمل الفرض المذكور. (2) كما عن الشيخين، والسيدين، والاسكافي، والقاضي والحلي، والحلبي وسلار، وكثير ممن تأخر. وفي الجواهر، وعن الحدائق: أنه المشهور، وعن الانتصار: أنه مما انفردت به الامامية. ويشهد له صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا، من غير عذر قال (ع): يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا. فان لم يقدر تصدق بما يطيق " (* 1) وخبر أبي بصير: " عن رجل وضع يده على شئ من جسد امرأته فادفق. فقال (ع): كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا أو يعتق رقبة " (* 2) وموثق سماعة - المروي عن نوادر ابن عيسى، على ما في الجواهر والوسائل المصححة. وكذا في رواية الشيخ، على ما في الوسائل: - " عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمدا. قال (ع): عليه عتق رقبة، أو اطعام ستين مسكينا، أو صوم شهرين متتابعين " (* 3) وموثقه


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 13، ملحقه.

===============

( 343 )

{ العتق، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينا على الاقوى. وإن كان الاحوط الترتيب (1)، فيختار العتق مع الامكان، } الآخر: " عن معتكف واقع أهله. قال (ع) عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا " (* 1). وقد تؤيد هذه النصوص بما اقتصر فيه على ذكر الصدقة لاغير، كصدر مصحح جميل (* 2) ومصحح محمد بن النعمان ومصحح عبد الله ابن سنان (* 4) وموثق عبد الرحمن بن أبي عبد الله (* 5) وموثق سماعة (* 6) وخبر إدريس بن هلال (* 7) وغيرها. بناء على أن التصرف فيها بالحمل على التخيير - كما يقتضيه القول به - أولى من التصرف فيها بالتقييد، كما يقتضيه القول بالترتيب. ويمكن أن يعارض بالاقتصار في صحيح البزنطي عن المشرقي على الامر بالعتق (* 8) إذ على الترتيب يمكن الاخذ بظاهره، وعلى التخيير لابد من حمله على الوجوب التخييري. (1) كما عن العماني، والمرتضى في أحد قوليه، ونسب الى محتمل


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 10. (* 6) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 7) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 8. (* 8) تقدم ذلك في أول الفصل.

===============

( 344 )

{ ومع العجر عنه فالصيام، ومع العجز عنه فالاطعام. ويجب الجمع بين الخصال إن كان الافطار على محرم (1)، كأكل المغصوب، وشرب الخمر، والجماع المحرم، ونحو ذلك. } الخلاف، ولم يعرف لغيرهم. لما عن علي بن جعفر (ع) في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام: " عن رجل نكح امرأته وهو صائم في رمضان، ما عليه؟ قال (ع): عليه القضاء، وعتق رقبة. فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين. فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا. فان لم يجد فليستغفر الله تعالى " (* 1) وخبر عبد المؤمن الانصاري: " فيمن أتى أهله في شهر رمضان. قال صلى الله عليه وآله: إعتق رقبة. قال: لا أجد قال صلى الله عليه وآله: فصم شهرين متتابعين. قال: لا أطيق. قال صلى الله عليه وآله: تصدق على ستين مسكينا " (* 2). وفيه: أن الثاني - مع ضعفه في نفسه - إنما يدل بالاطلاق الظاهر في التعيين، والتصرف فيه بحمله على التخيير - بقرينة ما سبق - أولى من التصرف فيما سبق من التقييد، بجعل (أو) للتنويع، لا التخيير، مع أن هجره عند الاصحاب كاف في سقوطه عن الحجية. ومن الاخير يظهر الاشكال في الاول. مضافا الى أن التصرف فيه بالحمل على الاستحباب أولى من التصرف فيما سبق بحمل (أو) على التنويع ولو سلم التعارض فالترجيح لما سبق، لكثرة العدد، وأصحية السند، والمخالفة للعامة. فلاحظ. (1) كما عن الصدوق، والشيخ في كتابي الحديث، والوسيلة، والجامع وجملة من كتب العلامة، والشهيدين وغيرهم. لخبر عبد السلام بن صالح


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5.

===============

( 345 )

- الذي رواه الصدوق عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان عنه - قال: " قلت للرضا (ع): يابن رسول الله، قد روي عن آبائك (ع) فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه: ثلاث كفارات، وروي عنهم (ع) أيضا: كفارة واحدة فبأي الحديثين نأخذ؟ قال (ع): بهما جميعا - متى جامع الرجل حراما، أو أفطر على حرام في شهر رمضان، فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينا، وقضاء ذلك اليوم. وان نكح حلالا، أو أفطر على حلال. فعليه كفارة واحدة، وان كان ناسيا فلا شئ عليه " (* 1). والتوقف في اعتبار السند في جهة عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، أو علي بن محمد بن قتيبة. أو عبد السلام بن صالح الهروي في غير محله. إذ الاول من مشايخ الصدوق المعتبرين، الذين أخذ عنهم الحديث، كما عن المدارك. والثاني من مشايخ الكشي، وعليه اعتمد في رجاله، كما في النجاشي والخلاصة. وفي الخلاصة، في ترجمة يونس بن عبد الرحمن: " روى الكشي حديثا صحيحا عن علي بن محمد القتيبي... إلى أن قال: وفي حديث صحيح عن علي بن محمد القتيبي... ". وقد ذكره في الخلاصة في قسم الموثقين، وهو ظاهر ما في المختلف أيضا، حيث قال: " في طريق هذه الرواية: عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري. ولا يحضرني الآن حاله، فان كان ثقة فالرواية صحيحة يتعين العمل بها " والثالث في الخلاصة: " إنه ثقة صحيح الحديث ". ونحوه عن النجاشي، والحسن بن داود، وغيرهم ممن تأخر. مضافا الى ما في التحرير في كتاب الكفارات: من تصحيح الحديث المذكور. وإلى اعتضاده بما عن الفقيه من الفتوى بمضمونه، لوجود ذلك


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

===============

( 346 )

{ الثاني: صوم قضاء شهر رمضان (1) } في رواية أبي الحسين الاسدي، فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (ره).... وبه ترفع اليد عن إطلاق النصوص المتقدمة، فتحمل على إرادة بيان كفارة الافطار من حيث هو، لامن حيث خصوصية كونه على حرام. (1) على المشهور، وفي الجواهر: نفي الخلاف فيه ممن عدا العماني. وعن الانتصار والغنية والخلاف: الاجماع عليه. وتشهد له جملة من النصوص كخبر بريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر (ع): " في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان. قال (ع): إن كان أتى أهله قبل الزوال في يوم يقضيه من شهر رمضان. قال (ع): إن كان أتى أهله قبل الزوال فلا شئ عليه، إلا يوما مكان يوم. وإن كان أتى أهله بعد الزوال فان عليه أن يتصدق على عشرة مساكين، فان لم يقدر عليه صام يوما مكان يوم، وصام ثلاثة أيام كفارة لما صنع " (* 1). ونحوه في ثبوت الكفارة ما يأتي: من صحيح هشام بن سالم، ومرسل حفص بن سوقه، وموثق زرارة. نعم يعارضها موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان، ويريد أن يقضيها، متى يريد أن ينوي الصيام قال (ع): هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الافطار فليفطر... إلى أن قال: سئل: فان نوى الصوم، ثم أفطر بعد مازالت الشمس؟ قال (ع): قد أساء، وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه " (* 2) والجمع بينه وبين ما سبق وإن كان يقتضي حمل ما سبق على الاستحباب - كما في محكي المسالك وعن الذخيرة - ولا سيما بملاحظة اختلافه في كيفيتها،


____________
(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 4.

===============

( 347 )

{ إذا أفطر بعد الزوال (1). وكفارته إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد (2). فان لم يتمكن فصوم } وفي وقت ثبوتها. إلا أنه لا مجال له بعد هجره عند الاصحاب، ومخالفته للاجماعات التي عرفتها، فيتعين حمله على التقية. فتأمل. (1) كما في خبر بريد المتقدم. وعليه يحمل إطلاق موثق زرارة، ومرسل حفص. وأما ما في صحيح هشام، من قول أبي عبد الله (ع) - في رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان -: " إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شئ عليه، يصوم يوما بدل يوم وان فعل بعد العصر صام ذلك اليوم، وأطعم عشرة مساكين، فان لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك " (* 1). فلا مجال للاخذ به، لعدم القائل به، فلابد من طرحه فيحمل على سهو الراوي. أو إرادة وقت الظهر - بناء على اشتراكهما في الوقت - أو نحو ذلك، وإن بعد. (2) كما نسب إلى المشهور لخبر بريد، وصحيح هشام المتقدمين. وعن علي بن بابويه وولده: أنها كفارة الافطار في رمضان المتقدمة. وعن ابن البراج: أنها كفارة يمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، مخيرا بينها، ونسب أيضا الى الشيخين، وسلار، والحلبي، والحلبي وربما نسب الى الحلبي: أنها صيام ثلاثة أيام، أو إطعام عشرة مساكين. وعن ابن حمزة في الوسيلة ذلك إذا لم يكن مستخفا، وإلا فكفارة الافطار في رمضان. ووجه الاول: موثق زرارة عن أبي جعفر: " رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء. قال (ع): عليه من الكفارة مثل ما على الذي أصاب في شهر رمضان، لان ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان " (* 2).


____________
(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 3.

===============

( 348 )

{ ثلاثة أيام (1). والاحوط إطعام ستين مسكينا. الثالث: صوم النذر المعين (2). وكفارة إفطار شهر رمضان (3). } وما في مرسل حفص بن سوقة من قوله (ع) - في الرجل يلاعب أهله أو جاريته وهوفي قضاء شهر رمضان، فيسبقه الماء فينزل -: " عليه من الكفارة مثل ما على الذى جامع في شهر رمضان " (* 1). وفيه: أن الثاني مرسل لا يصلح للاعتماد عليه. والوأل لا يصلح لمعارضة ما سبق، لامكان الجمع العرفي بحمله على الاستحباب. فتأمل. ولو بني على امتناع الجمع كان الترجيح من الاولين، لصحة السند، وكثرة العدد. ودعوى: ضعف خبر بريد بالحارث بن محمد المجهول مندفعة: بانجبارها باعتماد المشهور. ولاسيما كون الرواي عنه الحسن بن محبوب، الذي هو من أصحاب الاجماع، ومن الذين قيل في حقهم: إنهم لا يروون إلا عن ثقة، وكون الراوي عن الحسن أحمد بن محمد، الظاهر في ابن عيسى الاشعري. ومثلها: الاشكال في صحيح هشام لاشتماله على التحديد بالعصر، إذ يمكن التفكيك في مدلول الخبر الواحد في الحجية. (1) كما في صحيح هشام، وخبر العجلي. (2) على المشهور شهرة عظيمة، بل لم يعرف الخلاف فيه إلا من ابن أبي عقيل، وعن الانتصار: الاجماع عليه. للنصوص الآتية. ومستند ابن أبي عقيل غير ظاهر، كما في الجواهر. (3) كما عن المشهور في كفارة النذر، وعن الانتصار والغنية: الاجماع عليه. لصحيح جميل عن عبد الملك بن عمر عن أبي عبد الله (ع): " سألته عمن جعل لله عليه أن لا يركب محرما سماه فركبه. قال (ع): لا، ولا


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

===============

( 349 )

أعلمه إلا قال: فليعتق رقبة، أو ليصم شهرين متتابعين، أو ليطعم ستين مسكينا " (* 1) ومكاتبة ابن مهزيار إلى الهادي (ع): " رجل نذر أن يصوم يوما بعينه، فوقع ذلك اليوم على أهله، ما عليه من الكفارة؟ فكتب إليه: يصوم يوما بدل يوم، وتحرير رقبة مؤمنة " (* 2) ونحوها - سؤالا وجوابا - مكاتبة الحسين بن عبيدة (* 3) ومكاتبة القاسم الصيقل (* 4) بناء على أن الامر بالعتق للتخيير بينه وبين الاطعام والصيام. وفيه: أن الخبر الاول معارض بمحصص الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " إن قلت: (لله علي) فكفارة يمين " (* 5) وخبر حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام): " سألته عن كفارة النذر، فقال (ع): كفارة النذر كفارة اليمين " (* 6) والمكاتبات كما تصلح أن تكون شاهدا لكون الكفارة كفارة رمضان، تصلح أيضا شاهدا لكونها كفارة يمين، لان العتق خصالها الثلاث أيضا. بل صحيح ابن مهزيار -: " كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت، فان أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟ فكتب إليه وقرأته: لا تتركه إلا من علة. وليس عليك صومه في سفر، ولا مرض. إلا أن تكون نويت ذلك. وإن كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بعدد كل يوم على سبعة مساكين " (* 7) - شاهد للثاني، بناء على أن (سبعة)


____________
(* 1) السوائل باب: 23 من ابواب الكفارات حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 7 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 23 من ابواب الكفارات حديث: 1. (* 6) الوسائل باب: 23 من ابواب الكفارات حديث: 4. (* 7) الوسائل باب: 7 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 4.

===============

( 350 )

مصحف (عشرة)، كما حكي في المسالك: روايته كذلك في المقنع (* 1)، قائلا في المسالك: " هو عندي بخطه الشريف ". بل مقتضى الجمع بينه وبين المكاتبات السابقة: الحمل على التخيير، فتكون معارضة لخبر عبد الملك، موافقة لحسن الحلبي وخبر حفص. ولا ريب حينئذ في وجوب ترجيحها عليه، لضعفه، واتحاده، بل لقصور حكايته، حيث يظهر منه نحو تردد للراوي في روايته. فلاحظ. وكأنه لذلك اختار في النافع والمسالك: أنها كفارة يمين، وحكي عن الصدوق (ره). نعم قد يعارض ذلك كله مخالفتها للاجماع المحكي عن الانتصار والغنية وموافقتها لمذهب العامة. لكن الاجماع المحكي لم يبلغ حدا يوجب سقوط مخالفه عن الحجية. وموافقة العامة ومخالفتهم واقعتان في مقام الترجيح في مقبولة ابن حنظلة في الرتبة اللاحقة للمرجحات السابقة. فلاحظ. هذا وعن الروض، والحلي، والعلامة في بعض كتبه: حمل الخبر على كفارة نذر الصوم، وحمل معارضه على غيره، واختاره في الوسائل. وفيه: أنه لا شاهد له، فلا مجال لارتكابه. وعن الشيخ: حمل الاول على القادر، ومعارضه على العاجز، بشهادة خبر جميل بن صالح: " كل من عجز عن نذر نذره فكفارته كفارة يمين " (* 2). وفيه: أن الظاهر منه العجز عن المنذور، لا العجز عن كفارة النذر، فيتعين حمله على الاستحباب. وعن سلار، والكراجكي، وظاهر غيرهما: أن كفارة النذر كفارة ظهار ودليله غير ظاهر. ومثله: ماعن الراوندي: من أنها كفارة ظهار، فان عجز عنها فكفارة يمين.


____________
(* 1) لاحظ المقنع باب الايمان والنذور والكفارات صفحة 34. (* 2) الوسائل باب: 23 من ابواب الكافرات حديث: 5.

===============

( 351 )

{ الرابع: صوم الاعتكاف (1). وكفارته مثل كفارة شهر رمضان مخيرة بين الخصال (2)، ولكن الاحوط الترتيب المذكور. هذا وكفارة الاعتكاف مختصة بالجماع، فلا تعم سائر المفطرات (3). } (1) بلا خلاف ظاهر في الجملة. وتقتضيه النصوص الآتية. (2) كما هو الاشهر فتوى، وعن المنتهى والتذكرة: نسبته إلى فتوى علمائنا، وعن الغنية: الاجماع عليه. ويدل عليه موثق سماعة المتقدم في كفارة رمضان (* 1) وموثقه الآخر: " سألت أبا عبد الله (ع) عن معتكف واقع أهله. فقال (ع): هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان " (* 2). وعن بعض: أنها كفارة ظهار. وعن المسالك والمدارك: أنه أرجح لصحيح زرارة: " سألت أبا جعفر (ع) عن المعتكف يجامع أهله. قال (ع): إذا فعله فعليه ما على المظاهر " (* 3) وصحيح أبي ولاد الحناط: " سألت أبا عبد الله (ع) في امرأة معتكفة هيأت نفسها لزوجها حتى واقعها... قال (ع): عليها ما على المظاهر " (* 4) الواجب ترجيحهما على ما سبق لصحة السند. وفيه: أنه يتم لو لم يمكن الجمع العرفي بالحمل على الافضل. (3) كما في الشرائع. وفي الجواهر: نسبته الى الشيخ ومن تبعه، وعن المدارك ناسبا له إلى الشيخ وأكثر المتأخرين. لاختصاص النصوص المتقدمة بالجماع، والاصل البراءة من وجوب الكفارة في غيره. وعن المفيد


____________
(* 1) لاحظ القسم الاول من الاقسام الاربع من هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 6.

===============

( 352 )

{ والظاهر أنها لاجل الاعتكاف (1) لا للصوم، ولذا تجب في الجماع ليلا أيضا. وأما ما عدا ذلك من أقسام الصوم فلا كفارة في إفطاره (2)، واجبا كان - كالنذر المطلق، والكفارة - أو مندوبا، فانه لا كفارة فيها وإن أفطر بعد الزوال. (مسألة 2): تتكرر الكفارة بتكرر الموجب في يومين أو أزيد (3) من صوم له كفارة. } والسيدين والعلامة في التذكرة: الوجوب، بل عن الغنية: الاجماع عليه، إلحاقا له بالجماع. وفيه: مالا يخفى. نعم عن الشيخ في الخلاف والمبسوط وظاهر العلامة في التذكرة: الاجماع على ثبوتها في الاستمناء. وليس له وجه ظاهر. والاجماع لا مجال للاعتماد عليه بعد مخالفة مثل المحقق وغيره. (1) كما يقتضيه ظاهر النصوص التي تقدمت إليها الاشارة، وصريح مادل على وجوبه الكفارة في الجماع ليلا، كخبر عبد الاعلى بن أعين: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل وطئ امرأته وهو معتكف ليلا في شهر رمضان. قال (ع): عليه الكفارة. قلت: فان وطئها نهارا. قال (ع): عليه كفارتان " (* 1) ونحوه مرسل الصدوق (* 2). (2) بلا خلاف ظاهر، وعن المنتهى: دعوى اتفاق العامة والخاصة عليه. ويقتضيه الاصل، بعد اختصاص مادل على ثبوت الكفارة بالافطار بغيره، وعدم الدليل على ثبوت الكفارة فيه. (3) إجماعا، كما عن المبسوط، والتذكرة، والتنقيح، ونهج الحق وفي الجواهر الاجماع بقسميه عليه. من غير فرق بين تخلل التكفير وعدمه، واتحاد جنس الموجب وعدمه، والوطئ وغيره. لاطلاق مادل على وجوبها


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 3.

===============

( 353 )

{ ولا تتكرر بتكرره في يوم واحد (1) في غير الجماع، وإن تخلل التكفير بين الموجبين، أو اختلف جنس الموجب على } بالافطار، الصادق مع الجميع، كما يقتضيه البناء على أصالة عدم التداخل مع عدم ما يوجب الخروج عنه. (1) كما عن المبسوط، والخلاف، والوسيلة، وكتب المحقق الثلاثة والمنتهى والذخيرة. لامتناع تكرر الافطار الموجب لها، إذ لا ينطبق إلا على استعمال المفطر أولا، فمقتضى أصالة البراءة عدم وجوب الزائد على المرة. وما في بعض النصوص - من تعليق الكفارة على استعمال نفس المفطر - منصرف إلى صورة وقوعه مفطرا، ولذا لايبنى على وجوب الكفارة ولو مع عدم وجوب الصوم. ومن ذلك يظهر ضعف القول بالتكرار مطلقا، كما عن المحقق الثاني في حواشي الشرائع، وفي المسالك: " إنه الاصح، إن لم يكن سبق بالاجماع على خلافه ". وكأنه اعتماد على أصالة عدم التداخل. ولانه كما يجب الامساك قبل فعل المفطر يجب بعد فعله أيضا، فإذا وجبت الكفارة في الاول، لمخالفة وجوب الامساك، كذلك تجب في الثاني. إذ فيه: أن أصالة عدم التداخل إنما تجدى لو تكرر عنوان السبب. وقد عرفت امتناعه. كما أن مجرد مخالفة وجوب الامساك لم يجعل موضوعا للسببية، ليبنى على عدم الفرق بين المخالفتين، وإنما المجعول الافطار - الذي هو نقض الصوم - وليس له إلا فرد واحد. ودعوى: أنه لادليل على انتقاض الصوم باستعمال المفطر أولا، بل من الجائز صحته حتى بعد استعماله. ودليل القضاء لا ينافي ذلك، لامكان كونه واجبا تعبدا، نظير الكفارة. مندفعة: بأنه خلاف صريح النصوص الدالة على ماهية الصوم، وبيان المفطرات، ونصوص القضاء أيضا، إذ

===============

( 354 )

{ الاقوى، وإن كان الاحوط التكرار مع أحد الامرين، بل الاحوط التكرار مطلقا. وأما الجماع فالاحوط، بل الاقوى تكريرها بتكرره (1). } ليس القضاء إلا فعل ما لم يفعل في وقته. فراجع. وتأمل. كما يظهر أيضا ضعف ماعن المختلف وغيره: من التكرر مع تغاير جنس المفطر، أو اتحاده مع وقوع التكفير عن الاول، وعدم التكرر مع انتفائهما معا. ومستنده في الاول: أصالة عدم التداخل. وفي الثاني: أصالة التداخل. وفيه: أن الاصل عدم التداخل مطلقا. واختلاف الجنس، ووقوع التكفير لا يقتضيان شيئا بعد امتناع تكرر السبب - أعني: الافطار - كما عرفت. ومن ذلك كله يظهر ضعف التفصيل بين اختلاف الجنس فتتكرر، واتحاده فلا، وبين وقوع التكفير فتتكرر، وعدمه فلا. (1) كما نسب إلى السيد المرتضى (قده) وقواه في المستند. وكأنه لما ورد في كفارته من النصوص الكثيرة، المعلقة وجوب التكفير على عنوان: الجماع، أو ملاعبة الاهل، أو العبث بها، أو نحو ذلك، من دون تعرض فيها لعنوان الافطار. وحينئذ يكون مقتضى أصالة عدم التداخل وجوب التكرار. وفيه: ما عرفت من أن منصرف النصوص المذكورة خصوص الافطار بالجماع، لانفس الجماع تعبدا. مع أنه لو تم لجرى في بعض أخبار الاستمناء لذكره بنفسه سببا للكفارة. فالعمدة فيه: رواية الفتح بن يزيد الجرجاني المروية عن العيون والخصال: " أنه كتب إلى أبي الحسن (ع) يسأله عن رجل واقع امرأة في شهر رمضان، من حلال أو حرام في يوم عشر مرات. قال (ع): عليه عشر كفارات. فان أكل أو شرب فكفارة يوم واحد " (* 1).


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

===============

( 355 )

{ (مسألة 3): لا فرق في الافطار بالمحرم الموجب لكفارة الجمع بين أن تكون الحرمة أصلية - كالزنا، وشرب الخمر - أو عارضية (1)، كالوطء حال الحيض، أو تناول ما يضره. (مسألة 4): من الافطار بالمحرم: الكذب على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، بل ابتلاع النخامة إذا قلنا بحرمتها من حيث دخولها في الخبائث. لكنه مشكل (2). } وعن ابن أبي عقيل: أنه روى عن صاحب كتاب (شمس المذهب) عنهم (ع): " أن الرجل إذا جامع في شهر رمضان عامدا فعليه القضاء والكفارة. فان عاد إلى المجامعة في يومه ذلك مرة أخرى فعليه في كل مرة كفارة " (* 1). وعن العلامة (ره): " روي عن الرضا (ع): أن الكفارة تتكرر بتكرر الوطء " (* 2) وفيه: أنه لم تثبت حجية الروايات المذكورة، فالاعتماد عليها غير ظاهر. وعمل السيد (ره) الذي لا يعمل إلا بالقطعيات غير معلوم. (1) لما عرفت من إطلاق المحرم، الشامل لما هو أعم من المحرم بالذات وبالعارض. (2) لعدم ثبوت ذلك، كيف ويتعارف وقوعه كثيرا بلا اكتراث من أهل العرف فيه؟! بل في صحيح عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): " من تنخع في المسجد، ثم ردها في جوفه، لم تمر بداء في جوفه إلا أبرأته منه (* 3). فاصالة البراءة عن الحرمة - كما في المستند - محكمة: نعم


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 20 من ابواب أحكام المساجد حديث: 1.

===============

( 356 )

{ (مسألة 5): إذا تعذر بعض الخصال في كفارة الجمع وجب عليه الباقي (1). (مسألة 6): إذا جامع في يوم واحد مرات وجب عليه كفارات بعددها. وإن كان على الوجه المحرم تعددت كفارة الجمع بعددها (2). (مسألة 7): الظاهر أن الاكل في مجلس واحد يعد إفطارا واحدا وإن تعددت اللقم، فلو قلنا بالتكرار مع التكرر في يوم واحد لا تتكرر بتعددها، وكذا الشرب إذا كان جرعة فجرعة. (مسألة 8): في الجماع الواحد إذا أدخل وأخرج مرات لا تتكرر الكفارة (3)، وان كان أحوط. (مسألة 9): إذا أفطر بغير الجماع، ثم جامع بعد ذلك، يكفيه التكفير مرة (4). وكذا إذا أفطر أولا بالحلال، ثم } لا ينبغي التأمل في كون نخامة الغير منها. (1) لا يخلو من إشكال، لان الظاهر من الدليل كون التكليف بالجمع ارتباطيا. وعليه فمقتضى القاعدة الاولية سقوطه بالعجز عنه ولو للعجز عن بعض أجزائه. إلا أن تثبت قاعدة الميسور. ولكنه محل إشكال، أو منع كما تكرر في هذا الشرح. نعم إذا طرأ العجز لم يبعد الوجوب، عملا بالاستصحاب. (2) بناء على تعددها بتعدد الجماع. (3) لان الظاهر من دليل تكررها بتكرر الجماع غير هذا الفرض. (4) هذا يتم إذا لم نقل بالتكرر بالجماع، إذ الافطار حينئذ لا ينطبق

===============

( 357 )

{ أفطر بالحرام تكفيه كفارة الجمع (1). (مسألة 10): لو علم أنه أتى بما يوجب فساد الصوم وتردد بين ما يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفارة أيضا، لم تجب عليه (2). وإذا علم أنه أفطر أياما ولم يدر عددها، يجوز له الاقتصار على القدر المعلوم (3). وإذا شك في أنه أفطر بالمحلل أو المحرم كفاه إحدى الخصال (4). وإذا شك في أن اليوم أفطره كان من شهر رمضان أو كان من } إلا على الاول، فالجماع الواقع بعد الافطار بالاكل كالاكل الواقع بعد الافطار بالاكل. أما إذا قلنا بالتكرر بتكرره فظاهر دليله حينئذ سببية كل فرد من الجماع إذا وقع في نهار رمضان وإن لم يتحقق الافطار به، فيكون الجماع في الفرض موجبا للكفارة. ودعوى: اختصاص دليل التكرر بصورة تكرر الجماع لاغير، بحيث يكون وجود الجماع السابق له دخل في وجوب الكفارة بالجماع اللاحق. خلاف ظاهر الدليل. نعم لو انعكس الفرض كان الحكم في محله. (1) في وجوبها إشكال، لان المحرم إنما وقع بعد الافطار بالمحلل. فلا يكون مفطرا، فلا يوجب الكفارة، بناء على عدم التكرر بتكرر غير الجماع. نعم لو انعكس الفرض كان ما ذكر في محله. (2) للاصل. (3) يعني: الاقتصار في الكفارة. ووجهه: أصالة البراءة من وجوب الزائد عليه. ولافرق بين أن يكون النسيان مسبوقا بالذكر أم لا، لان العلم السابق إنما ينجز حال وجوده، فإذا زال حال النسيان فقد زال التنجز معه، وجاز الرجوع إلى أصل البراءة، كما هو موضح في محله من الاصول. (4) لاصالة البراءة من وجوب الزائد.

===============

( 358 )

{ قضائه - وقد أفطر قبل الزوال - لم تجب عليه الكفارة (1)، وإن كان قد أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستين مسكينا (2)، بل له الاكتفاء بعشرة مساكين (3). (مسألة 11): إذا أفطر متعمدا ثم سافر بعد الزوال لم تسقط عنه الكفارة بلا إشكال (4). وكذا إذا سافر قبل الزوال (5) للفرار عنها. } (1) لاحتمال كون الافطار في القضاء قبل الزوال، الذي لا كفارة فيه، وم