===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
( 1 )
ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن الكريم مستمسك
العروة الوثقى تأليف فقيه العصر آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائى الحكيم قدس
سره الجزء الثامن
( 2 )
مطبقه الاداب في النجف الاشرف 1390 ه 1970 م منشورات مكتبة آية الله العظمى
المرعشي النجفي قم - ايران 1404 ه ق
( 3 )
{ بسم الله الرحمن الرحيم فصل في صلاة المسافر لااشكال في وجوب القصر على
المسافر (1)، مع اجتماع } فصل في صلاة السفر (1) ادعى غير واحد عليه الاجماع، بل
الضرورة من الامامية (رض) وحكي أيضا عن أكثر العامة. ويدل عليه النصوص الكثيرة، ففي
صحيح زرارة ومحمد: " قلنا لابي جعفر (ع): ما تقول في الصلاة في السفر؟ إلى أن قال
(ع): فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر قالا: قلنا له: إنما قال
الله عزوجل: (فليس عليكم جناح) (* 1) ولم يقل: (افعلوا)، فكيف أوجب ذلك؟! فقال (ع):
أو ليس قد قال عزوجل في الصفا والمروة: (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن
يطوف بهما)؟ (* 2) ألا ترى أن الطواف بهما واجب مفروض، لان الله عزوجل ذكره في
كتابه. وصنعه نبيه؟ وكذلك التقصير.. " (* 3)
____________
(* 1) النساء: 101. (* 2) البقرة: 158. (* 3) الوسائل باب: 22 من ابواب صلاة
المسافر حديث: 2.
( 4 )
{ الشرائط الآتية (1)، باسقاط الركعتين الاخيرتين من الرباعيات (2). وأما الصبح
والمغرب فلا قصر فيهما. وأما شروط القصر فأمور: الاول: المسافة (3)، وهي ثمانية
فراسخ امتدادية (4) } (1) للادلة الآتية الدالة على شرطيتها. (2) بلا خلاف. ففي
صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " عشر ركعات، ركعتان من الظهر، وركعتان من العصر،
وركعتا الصبح، وركعتا المغرب، وركعتا العشاء الاخيرة، لا يجوز فيهن الوهم... إلى أن
قال: فرضها الله عزوجل... إلى أن قال: فزاد رسول الله صلى الله عليه وآله في صلاة
المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر والعصر والعشاء الآخرة، وركعة في المغرب للمقيم
والمسافر " (* 1) ونحوه غيره. (3) يعني: المحدودة، إجماعا من الخاصة والعامة كما عن
غير واحد دعواه مع استثناء داود الظاهري، إذ اكتفى بمجرد الضرب في الارض. والنصوص
بها في الجملة متواترة، كما سنشير إلى بعضها. (4) فلا يعتبر الزائد عليها، إجماعا
منا حكاه غير واحد. وتدل عليه النصوص المستفيضة، ففي موثق سماعة: " في كم يقصر
الصلاة؟ فقال (ع): في مسيرة يوم، وذلك بريدان، وهما ثمانية فراسخ " (* 2). وفي
رواية الفضل: " إنما وجب التقصير في ثمانية فراسخ، لاأقل من ذلك، ولا أكثر " (* 3)
وفي صحيح الكاهلي " بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا " (* 4) وفي رواية ابن الحجاج:
" أربعة وعشرون ميلا يكون ثمانية فراسخ " (* 5)
____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها حديث: 12. (* 2) الوسائل
باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر
حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 5) الوسائل باب:
1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 15.
( 5 )
{ ذهابا أو إيابا، أو ملفقة من الذهاب والاياب إذ كان الذهاب أربعة أو أزيد
(1)، } وفي صحيح أبي أيوب: " في بريدين أو بياض يوم " (* 1) ونحوها غيرها. وأما ما
ورد في تحديدها بمسيرة يوم وليلة - كما في صحيح زكريا ابن آدم (* 2) - أو مسيرة
يومين - كما في رواية أبي بصير (* 3) - أو ثلاثة برد - كما في صحيح البزنطي (* 4) -
فهو مطروح، أو محمول على مالا ينافي الاول، أو على التقية. وأما ما رواه عمرو بن
سعيد قال: " كتب إليه جعفر بن أحمد يسأله عن السفر، وفي كم التقصير؟ فكتب (ع) بخطه
- وأنا أعرفه: قد كان أمير المؤمنين (ع) إذا سافر وخرج في سفر قصر في فرسخ. ثم اعاد
عليه من قابل المسألة، فكتب إليه. في عشرة أيام " (* 5) فالاول منها محمول عند
بعضهم على حد الترخص، ونحوه خبر الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله (* 6) ولكنه -
كما ترى - خلاف المقطوع به. والثاني على مدة قطع الثمانية فراسخ وهو أيضا خلاف
الظاهر، ولاقرينة عليه. وكأن ارتكاب ذلك كان لعدم صلاحيتها لمعارضة ما عرفت. لكن
الاولى إيكال أمرها إلى قائلها، من دون تعرض للمراد منها من دون شاهد عليه. (1) كما
عن الاكثر - كما عن جماعة - أو المشهور - كما عن آخرين -
____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة مسافر حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب
صلاة مسافر حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة مسافر حديث: 9. (* 4)
الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 10. (* 5) الوسائل باب: 6 من ابواب
صلاة المسافر حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4.
( 6 )
وحكي عن جملة من كتب الصدوق، والشيخ، وسلار وحمزة، والحلي، والفاضلين
والشهيدين، والمحقق الثاني، وغيرهم. وتدل عليه طائفة من النصوص، كصحيح معاوية بن
وهب: " قلت لابي عبد الله (ع): أدنى ما يقصر فيه المسافر، فقال (ع): يريد ذاهبا
وبريد جائيا " (* 1) وصحيح زرارة: " سألت أبا جعفر (ع) عن التقصير، فقال: بريد ذاهب
وبريد جائي (كذا) قال (ع): كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتى (ذبابا) قصر.
- وذباب على بريد - وإنما فعل ذلك لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ " (*
2) ونحوهما غيرهما. ومنه مادل على وجوب التقصير على أهل مكة في خروجهم الى عرفات.
وبها يجمع بين مادل على تحديد المسافة بالبريدين، كالطائفة المشار إليها سابقا،
وبين مادل على تحديدها بالبريد، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " التقصير في بريد
والبريد أربعة فراسخ (* 3) ومصحح الخزاز: " قلت لابي عبد الله (ع): أدنى ما يقصر
فيه المسافر فقال عليه السلام: بريد " (* 4) وصحيح الشحام: " سمعت أبا عبد الله (ع)
يقول: يقصر الرجل الصلاة في مسير اثني عشر ميلا " (* 5) ونحوها غيرها فتحمل الاولى
على الملفقة، والثانية على تحديد خط السير في الذهاب والاياب ويوضح ذلك ما في صحيح
زرارة السابق من التعليل، وما في خبر إسحاق المروي عن العلل وغيرها في قوم خرجوا في
سفر وتخلف عنهم رجل وبقوا
____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة
المسافر حديث: 14، 15. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1، 10. (*
4) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 11. (* 5) الوسائل باب: 2 من ابواب
صلاة المسافر حديث: 3.
( 7 )
ينتظرونه، حيث قال (ع): " إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على
تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما
أقاموا، وإذا مضوا فليقصروا. ثم قال (ع): هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لاأدري. قال
(ع): لان التقصير في بريدين ولايكون التقصير في أقل من ذلك، فلما كانوا قد ساروا
بريدا وأرادوا أن ينصرفوا بريدا كانوا قد ساروا سفر التقصير... " (* 1) فان
الحديثين المذكورين بمنزلة الحاكم على نصوص الثمان المفسر لها بما يشمل الملفقة من
الذهاب والاياب، والمقيد لاطلاق النصوص الاربع، فيتعين حملهما معا عليه. ومنه يظهر
ضعف ماعن الذكرى، والروض، والمدارك: من الميل إلى التخيير بين القصر والتمام في
الثمانية الملفقة، بحمل الامر بالتقصير فيها على الوجوب التخييري، جمعا بينه وبين
مادل على اعتبار الثمانية الامتدادية فانه جمع غير ظاهر الشاهد، بل عرفت كون الشاهد
على خلافه، ولاسيما مع إباء بعض أخبار التقصير الواردة في خروج أهل مكة الى عرفات
عنه مثل خبر معاوية بن عمار: " إن أهل مكة إذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير "
(* 2)، وخبر إسحاق بن عمار: " قلت لابي عبد الله (ع): في كم التقصير؟ فقال (ع): في
بريد. ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقصروا " (* 3) وصحيح
معاوية بن عمار: " قلت لابي عبد الله (ع): إن أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات قال (ع):
ويلهم - أو ويحهم - وأي سفر أشد منه؟! ". (* 4) فانها كالصريحة في تحتم
____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب المسافر حديث: 11. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب
صلاة المسافر حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6. (* 4)
الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.
( 8 )
{ بل مطلقا على الاقوى (1) وإن كان الذهاب فرسخا والاياب } القصر تعيينا كما لا
يخفى. وحمل الانكار فيها بالويل أو الويح على الانكار على الالتزام بالتمام والبناء
على عدم مشروعية القصر، لما سنه عثمان - كما دل عليه صحيح زرارة (* 1) - مع أنه
خلاف الظاهر، لا يناسب ما في الاول من التعبير بقوله (ع): " كان عليهم التقصير "،
ولا ما في الاخير بقوله عليه السلام: " وأي سفر أشد منه؟! ". ورفع الجناح في الآية
الشريفة لا يصلح شاهدا للتخيير. لما عرفت من اتفاق النص والفتوى على إرادة الوجوب
التعييني منه. كما منه يظهر ضعف ما عن ابن زهرة وأبي الصلاح وغيرهما: من تعين
التمام في الاربعة مطلقا، كضعف ماعن الكليني: من الاكتفاء بالاربعة الامتدادية
مطلقا. فانه وإن كان يشهد له نصوص الاربعة في نفسها، الا أنه لا مجال للاعتماد
عليها في ذلك بعد وجوب حملها على إرادة بيان خط السير الذي يكون فيه الذهاب
والاياب، بقرينة ما عرفت من النصوص. ولعل ذلك مراد الكليني (ره)، فيكون من القائلين
بالثمانية الملفقة. نعم قد يشهد لظاهره صحيح عمران بن محمد: " قلت لابي جعفر الثاني
(ع): جعلت فداك إن لي ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة فراسخ، وربما خرجت إليها فأقيم
فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتم الصلاة أم أقصر؟ فقال (ع): قصر في
الطريق، وأتم في الضيعة " (* 2). لكن المتعين طرحه. أو حمل الامر بالتمام فيه على
التقية، لمعارضة ما عرفت. وحينئذ يكون شاهدا لعدم اعتبار الرجوع ليومه، كما سيأتي
إن شاء الله تعالى. (1) لما يستفاد من نصوص الاربعة بعد الجمع بينها وبين نصوص
____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 14 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 14.
( 9 )
الثمانية، من الاكتفاء بالثمانية الملفقة مطلقا، ولو بالنحو المذكور. ولاسيما
بملاحظة ذيل موثق ابن مسلم: " عن التقصير. قال (ع): في بريد. قلت: بريد؟ قال (ع):
إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه " (* 1) فانه ظاهر في أن المدار على شغل
اليوم بالذهاب والاياب ولو مع اختلاف مسافتهما. ومثله في ذلك: التعليل في مصحح
زرارة المتقدم الوارد في سفر النبي صلى الله عليه وآله إلى (ذباب) (* 2)، وخبر
إسحاق الوارد في منتظر الرفقة (* 3) لكن لا يخفى أن التعليلات المذكورة وإن كانت
حاكمة على نصوص الثمان ومقتضية لجواز التلفيق مطلقا، إلا أن الجميع مقيد بنصوص
البريد ذاهبا وجائيا. والتعليلات المذكورة لا تصلح لتقديمها على نصوص البريد بل يجب
حملها عليه حملا للمطلق على المقيد . ولاسيما مع عدم إمكان
____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة مسافر حديث: 9. (* 2) تقدم ذلك في صدر التعليقة
السابقة. (* 3) تقدم أيضا في التعليقة السابقة. وبعبارة أخرى: نصوص الثمانية ظاهرة
في وجوب البعد ثمانية فراسخ، ونصوص الاربعة ظاهرة في وجوب البعد أربعة فراسخ، ونصوص
التعليلات لما لم تكن في بيان تعليل الحكم في مقام الثبوت، وإنما هي في بيان تعليله
في مقام الاثبات، لم تصلح للحكومة الا على نصوص الثمانية، فتدل على أن المراد منها
ما يعم الملفقة بنحو تشمل الاربعة ذهابا إبابا. ولا تعرض فيها لالغاء اعتبار البعد
أربعة فراسخ لتكون حاكمة على نصوص الاربعة نعم أطلاق التلفيق تقتضي الاكتفاء بكون
مجموع الذهاب والايات ثمانية، ولو كان أحدهما أقل من أربعة. لكن هذا الاطلاق مقيد
بنصوص الاربعة، بعدما لم تكن له حكومة عليها، حملا المطلق على القيد. نعم لو كان
التعليل تعليلا للحكم في مقام الثبوت، كان حاكما على جميع نصوص التحديد، ويكون
المستفاد منه: كون المدار على الثمانية ولو ملفقة مطلقا لكن عرفت أنه تعليل للحكم
في مقام الاثبات، وأن التقصير في البريد ذاهبا وجائيا تقصير في البريدين، فانما
يتضمن الغاء ظهور البريدين في الامتداديين، وأن المراد بهما ما يعم الملفقين، ولا
تعرض فيه لالغاء نصوص البريد، فيجب العمل بها. منه قدس سره
( 10 )
{ سبعة. وإن كان الاحوط - في صورة كون الذهاب أقل من أربعة مع كون المجموع
ثمانية - الجمع (1). } الالتزام باطلاق التعليلات المذكورة، لدلالته على الاكتفاء
بمجرد شغل اليوم ولو بالتردد بميل ذاهبا وآيبا أربعا وعشرين مرة، وهو مما لا يمكن
الالتزام به، بل الظاهر أنه لا خلاف في عدم الاكتفاء به. نعم حكي عن التحرير
التقصير على إشكال، ولم يعرف الاشكال فيه من غيره، ولا منه في غير التحرير. اللهم
إلا أن يفرق بين التلفيق من ذهاب واحد وإياب كذلك، والتلفيق من أكثر من ذهاب وإياب،
كما هو غير بعيد. وسيأتي. وكيف كان فالمتعين إذا حمل التعليلات على بيان أن المراد
من الثمانية فراسخ الاعم من الامتدادية والملفقة من أربعة الذهاب وأربعة الاياب.
وهو أولى من التصرف في نصوص البريد، بحملها على الغالب، الموجب للحكم بالتقصير في
كثير من فروض التلفيق المستبشع فيها ذلك. وعليه فما عن شرذمة من متأخري المتأخرين:
من الحكم بالتقصير في الفرض ونحوه، ضعيف. (1) أما في صورة كون الاياب أقل من أربعة
فالاحتياط فيها لا مجال له، لظهور أخبار البريد في كفاية كون الذهاب بريدا في وجوب
التقصير غاية الامر اعتبر في بعض النصوص: ضم الاياب ليكون متمما للثمانية، لاأنه
ملحوظ بالاصالة في قبال الذهاب، ليجري الاحتياط في الصورتين معا. لكن لا يخفى أن
جملة من النصوص تضمنت تحديد أقل المسافة ببريد الاياب أيضا مع بريد الذهاب، فلا فرق
بين الذهاب والاياب في ذلك.
____________
قال في التحرير: " ولو قصد أربعة فراسخ فان عزم على الرجوع من يومه قصر، أما لو قصد
التردد في ثلاثة فراسخ ثلاث مرات لم يقصر. إلا أن لا يبلغ في الرجوع الاول مشاهدة
الجدران ولا سماع الاذان " وظاهره الجزم بوجوب القصر عند التردد فيما دون الاربع.
منه قدس سره
( 11 )
{ والاقوى عدم اعتبار (1) كون الذهاب والاياب } فأن أخذ بظاهر التعليلات بني
على جواز نقص كل منهما عن البريد مع تكميله بالآخر، وإلا فلابد من اعتبار عدم نقص
كل منهما عنه فلاحظ. (1) كما عن العماني، ونسبه في محكي كلامه إلى آل الرسول صلى
الله عليه وآله. وعن المفاتيح: نسبته إلى الشيخ (ره). وعن مجمع البرهان: نسبته إلى
القاضي. واختاره الكاشاني، والبحراني، ونسبه ثانيهما إلى جملة من أفاضل متأخري
المتأخرين. وهو المشهور بين المعاصرين، ومن قارب عصرنا. ويقتضيه إطلاق نصوص
التلفيق، بل هو كصريح مادل على وجوب التقصير على أهل مكة عند خروجهم الى عرفات، مع
عدم ما يشهد لاعتبار الرجوع ليومه، إلا ما قد يتراءى من ذيل موثق ابن مسلم المتقدم
من اعتبار شغل اليوم بالفعل (* 1). ولكنه - كما ترى - غير ظاهر، بل الظاهر كونه في
مقام مجرد التقدير، ليكون نظير الصغرى للكبرى المرتكزة في ذهن السائل من اعتبار
الثمانية فراسخ، المقدرة في جملة من النصوص بمسيرة يوم، وبياض يوم، ونحو ذلك، كما
يشهد به مصحح زرارة عن أبي جعفر (ع) المتقدم في نصوص التلفيق (* 2)، فان المراد
منهما واحد، كما يظهر بأقل ملاحظة ويشير إلى ذلك التعبير باليوم، مع أن السفر قد
يكون كله بالليل، أو بعضه باليوم وبعضه بالليل. ولقد أطال السيد بحر العلوم (ره) في
رسالته في تقريب دلالة الحديث المذكور على اعتبار الرجوع ليومه. كما أتعب نفسه
الشريفة في الاستدلال على ذلك بموثق سماعة: " عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال
(ع): في مسيرة يوم، وذلك بريدان، وهما ثمانية فراسخ. ومن سافر قصر
____________
(* 1) تقدم ذلك قريبا. (* 2) تقدم ذلك في أوائل الكلام في هذا الشرط.
( 12 )
الصلاة وأفطر. إلا أن يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر، أو خرج إلى صيد، أو إلى
قرية له يكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصر ولا يفطر " (* 1). بناء على أن
المراد من أهله بلد الخروج، ويكون معنى قوله (ع): " أو إلى قرية له... " أو المسافر
إلى قرية له، مع كون سفره جامعا للشرائط لانه مسيرة يوم ذاهبا وجائيا، ورجوعه ليومه
لا يجوز فيه التقصير لانقطاعه بقصد القرية. وبما عن شرح السنة للحسين بن مسعود: "
من أن أمير المؤمنين (ع) خرج من الكوفة إلى النخيلة فصلى بالناس الظهر ركعتين ثم
رجع من يومه " (* 2). فان نقل الرجوع من يومه امارة دخله في قصر الصلاة. وبما عن
المقنع: " سئل أبو عبد الله (ع) عن رجل أتى سوقا يتسوق بها، وهي من منزله على أربع
فراسخ. فان هو أتاها على الدابة أتاها في بعض يوم، وإن ركب السفن لم يأتها في يوم.
قال (ع): يتم الراكب الذي يرجع من يومه صوما، ويقصر صاحب السفن " (* 3). بدعوى كون
المعنى: يتم الراكب الذي لا يرجع من يومه إما بتقدير حرف النفي، أو بحمل الرجوع من
يومه على إمكان الرجوع من يومه ولكن لم يرجع. لكن الجيمع - كما ترى - قاصر الدلالة
على ذلك بنحو يعول عليه في إثبات الحكم الشرعي، فضلا عن قصور السند في بعضها. ومجرد
الموافقة لفتوى المشهور غير كاف في الجبر، كما تكرر بيان وجهه في هذا الشرح.
____________
(* 1) لاحظ صدره في الوسائل باب: 1 من ابواب المسافر حديث: 13، وذيله في باب: 8 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) البحار ج 18 صفحة 686 الطبع القديم، كما في هامش
جواهر الكلام الجزء: 14 صفحة 225 الطبع الحديث. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة
المسافر حديث: 13.
( 13 )
{ في يوم واحد (1)، أو في ليلة واحدة (2)، أو في الملفق منهما مع اتصال إيابه
بذهابه وعدم قطعه بمبيت ليلة فصاعدا في الاثناء، بل إذا كان من قصده الذهاب والاياب
ولو بعد تسعة أيام يجب عليه القصر. فالثمانية الملفقة كالممتدة في إيجاب القصر }
وعلى هذا فالمتعين الاخذ بما هو المستفاد من النصوص الصحيحة الدالة على تعين القصر،
وإن لم يرد الرجوع ليومه، الدالة باطلاقها أو بصريحها على ذلك كما أشرنا إليها من
قبل. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن المرتضى والحلي والفاضلين في بعض كتبهما: من تعين
التمام على غير مريد الرجوع ليومه. كضعف ماعن المشهور: من التخيير له بين القصر
والتمام. وماعن التهذيب والمبسوط وغيرهما: من التفصيل بين مريد الرجوع ليومه فيتخير
بين القصر والتمام، وغيره فيتعين عليه التمام. وماعن المفيد وسلار ووالد الصدوق: من
التخيير لمريد الرجوع لغير يومه في خصوص الصلاة، دون الصوم. وغير ذلك من الاقوال.
لعدم الوضوح المستند لها في قبال ما عرفت، وإن كان يوافق الثاني الرضوي، قال فيه: "
وإن سافرت إلى موضع مقدار أربع فراسخ، ولم ترد الرجوع من يومك، فأنت بالخيار فان
شئت تممت، وإن شئت قصرت " (* 1). لكنه غير ثابت الحجية في نفسه، ولا يصلح للمعارضة
لغيره مما سبق. ودعوى انجباره بفتوى المشهور. ووهن ما سبق بالاعراض عنه غير ثابتة،
لما عرفت من عدم الانجبار بمجرد الفتوى، وعدم الوهن بمجرد المخالفة، لان بنائهم على
الجمع بالتخيير فرع الاعتماد عليه لا القدح فيه. (1) كما هو الموجود في أكثر
العبارات. (2) كما عن جماعة التصريح به، بل ظاهر السيد بحر العلوم أو صريحه
____________
(* 1) مستدرك الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.
( 14 )
{ إلا إذا كان قاصدا للاقامة عشرة أيام في المقصد أو غيره، أو حصل أحد القواطع
الاخر. فكما أنه إذا بات في أثناء الممتدة ليلة أو ليالي لا يضر في سفره فكذا في
الملفقة، فيقصر ويفطر ولكن مع ذلك الجمع بين القصر والتمام، والصوم وقضائه في صورة
عدم الرجوع ليومه أو ليلته أحوط. ولو كان من قصده الذهاب والاياب ولكن كان مترددا
في الاقامة في الاثناء عشرة أيام وعدمها لم يقصر (1). كما أن المأر في الامتدادية
أيضا كذلك. (مسألة 1): الفرسخ ثلاثة أميال (2). } دعوى الاجماع عليه، وإن كان مقتضى
الجمود على ذيل موثق ابن مسلم المتقدم المشتمل على التعليل عدمه (* 1). إلا أن
يستفاد من النصوص اعتبار اتصال السير عرفا. فتأمل. ومما ذكرنا يظهر حكم الملفق. (1)
لعدم قصد السفر الواحد ثمانية فراسخ ولو ملفقة، نظير مالو قصد الاقامة على رأس
الاربعة. إذ كما أن قصد الاقامة مناف لقصد السفر كذلك التردد فيها. وسيأتي التعرض
له في الشرط الرابع. (2) بلا خلاف - كما عن المنتهى - وإجماعا، كما عن المعتبر
والتذكرة والغرية والنجيبية والمفاتيح والكفاية. وعن جماعة: حكاية الاتفاق عليه.
ويشهد به ما تقدم من صحيح الكاهلي (* 2)، وخبر عبد الرحمن بن الحجاج (* 3) وصحيح
الشحام (* 4)، وما في موثق العيص عن أبي عبد الله (ع): " قال (ع) في التقصير: حده
أربعة وعشرون ميلا " (* 5) بعد الجمع
____________
(* 1) تقدم ذل في أوائل الكلام في هذا الشرط. (* 2)، (* 3)، (* 4) تقدم ذلك كله في
الشرط الاول من شروط القصر. (* 5) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 14.
( 15 )
{ والميل أربعة آلاف ذراع (1) بذراع اليد، الذي طوله أربع } بينها وبين غيرها،
وغيرها. (1) كما هو المشهور. وعن المدارك والكفاية: أنه مما قطع به الاصحاب وعن غير
واحد: أنه المشهور المعروف بين اللغويين، والفقهاء والعرف. وفي السرائر عن مروج
الذهب للمسعودي أنه قال: " الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الاسود، وهو الذراع الذي
وضعه المأمون لذرع الثياب، ومساحة البناء، وقسمة المنازل، والذراع أربع وعشرون
إصبعا ". وعن الازهري: أن الميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، وعند
المحدثين أربعة آلاف ذراع. والخلاف لفظي فانهم اتفقوا على أن مقداره ستة وتسعون ألف
إصبع، والاصبع ست شعيرات بطن كل واحدة إلى ظهر الاخرى، ولكن القدماء يقولون: الذراع
اثنتان وثلاثون إصبعا، والمحدثون: أربع وعشرون إصبعا. ونحوه ما في القاموس: " الميل
قدر مد البصر. ومنار يبنى للمسافر، أو مسافة من الارض متراخية بلا حد أو مائة ألف
إصبع إلا أربعة آلاف إصبع، أو ثلاثة أو أبعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل
هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو اثنى عشر ألف ذراع بذراع المحدثين ". وحكي التقدير
بذلك عن نهاية ابن الاثير. وحينئذ يتعين حمل الاطلاق عليه. إذ لا مجال لحمله على مد
البصر، ولا على ما يمتاز فيه الراجل والراكب، وإن عدا من معانية، لعدم انضباطهما.
كما لا مجال لحمله على ما تفرد به في محكي تاج العروس: من أنه ستة آلاف ذراع.
لندرته وغرابته. نعم في مرسل الخزاز: " إن كل ميل ثلاثة آلاف وخمس مائة ذراع " (*
1). لكن. مع إرساله وهجره بين الاصحاب لا مجال للاعتماد
____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 13.
( 16 )
{ وعشرون إصبعا، كل إصبع عرض سبع شعيرات (1)، كل شعيرة عرض سبع شعرات، من أوسط
شعر البرذون. (مسألة 2): لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ ولو يسيرا لا يجوز القصر،
فهي مبنية على التحقيق، لا المسامحة العرفية (2) نعم لا يضر اختلاف الاذرع المتوسطه
في الجملة (3) كما هو الحال في جميع التحديدات الشرعية. } عليه. مع إمكان حمله على
ذراع خاص يساوي سبعة أثمانه أربعا وعشرين إصبعا. وأولى بعدم إمكان الحمل عليه رواية
الصدوق للمرسل المذكور هكذا: " كل ميل ألف وخمس مائة ذراع " (* 1). فان لازم ذلك أن
يكون البريد ثمانية عشر ألف ذراع، التي هي فرسخ ونصف بالفرسخ المتعارف. وهو - كما
ترى - مناف لكون البريدين مسيرة يوم، كما صرحت به النصوص. فلا معدل عما هو المشهور.
(1) قيل: إنه المشهور. لكن تقدم في محكي كلام الازهري: أنه ست شعيرات. ولعل الحاجة
غير ماسة إلى معرفة ذلك، لان الذراع المقدر بأربع وعشرين إصبعا هو الذراع المتعارف
عند الاعراب اليوم، الذي هو من المرفق إلى طرف الاصبع الوسطى، فانه ست قبضات، أربع
وعشرون إصبعا، فيكون المعيار منه المتعارف، كما هو الحال في سائر التحديدات، ولا
تنتهي النوبة إلى تحديده بالاصبع، فضلا عن تحديد الاصبع والشعيرة. فلاحظ. وتأمل.
(2) كما تقتضيه ظواهر الادلة في المقام وفي سائر موارد التحديد. (3) هذا ينافي ما
تقدم من الضبط بالشعرة. وكيف كان فالعمل على أقل الاذرع المتوسطة.
____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 16.
( 17 )
{ (مسألة 3): لو شك في كون مقصده مسافة شرعية أولا بقي على التمام على الاقوى
(1)، } (1) كما عن غير واحد التصريح به، بل عن الجواهر نفي وجدان الخلاف فيه.
لاصالة التمام، الراجعة إلى عموم مادل على وجوب التمام على كل مكلف، المقتصر الخروج
عنه على المسافر، فان مقتضى الجمع العرفي بين العام والخاص كون موضوع حكم العام
عنوان العام المسلوب عنه الخاص، فإذا أحرز عنوان العام بالوجدان. وسلب الخاص عنه
بالاصل، كفى ذلك في ثبوت موضوع حكم العام تعبدا، فيثبت نفسه. نعم قد يشكل ذلك أولا:
بمنع كون مقتضى الجمع العرفي ذلك، بل ليس موضوع حكم العام إلا الافراد الواقعية
الباقية بعد التخصيص وهي مما لا يمكن إثباتها بالاصل. وثانيا: بأنه يتم لو لم يظهر
من الادلة كون موضوع حكم العام عنوانا وجوديا، والمقام من الثاني، فان المصرح به في
بعض النصوص كون موضوع التمام الحاضر أو المقيم، فلاحظ صحيح زرارة المتقدم فيما يقصر
من الصلاة (* 1). وحينئذ فاثبات وجود التمام بأصالة عدم السفر الخاص مبني على
صلاحية إثباته عنوان الحاضر، وهو مبني على القول بالاصل المثبت. ويندفع الاول: بأنه
وإن كان قريبا، لكن دعوى كون مقتضى الجمع العرفي ذلك أقرب. ويندفع الثاني: بأن ذكر
ذلك في النصوص ليس من باب التقييد، فانه خلاف ظاهر أكثر النصوص جدا. وشهد به عدم
اختصاص التمام بالمقيم والحاضر قطعا، بل يثبت لكثير من أفراد المسافر ككثير السفر،
والعاصي، والمتمادي به السير من دون قصد له، والمتردد، وغيرهم. فليس موضوع وجود
التمام إلا من لم يكن مسافرا سفرا خاصا. فيمكن إثباته بأصالة عدم كون المكلف مسافرا
ذلك السفر الخاص. والعلم بوجود السفر
____________
تقدم ذلك في أول هذا التفصل.
( 18 )
{ بل وكذا لو ظن كونها مسافة (1). (مسألة 4): تثبت المسافة بالعلم الحاصل من
الاختبار وبالشياع المفيد للعلم (2)، وبالبينة الشرعية (3). } في الجملة لا يقدح في
جريان أصالة عدم السفر الخاص، لان العلم بذات المقيد لا ينافي الشك في وجود المقيد
بما هو مقيد، فلا مانع من جريان الاصل فيه. ولاجل ذلك كان بناء الفقهاء (رض) على
الرجوع إلى أصالة التمام عند الشك في جواز القصر من جهة الشبهة الحكمية لوجوب
الرجوع إلى العام عند الشك في التخصيص. وأما استصحاب الحضر فان أريد منه استصحاب
الحضر بالمعنى العرفي اختص جريانه بصورة الشك في الخروج من البلد بنحو الشبهة
الموضوعية. أما إذا كان بنحو الشبهة المفهومية فلا يجري، لما عرفت مرارا: من عدم
جريان استصحاب المفهوم المردد. وأما إذا كان بمعنى ما يقابل السفر الشرعي فمرجعه
إلى أصالة عدم السفر. ثم إنه قد يتوهم: أنه في فرض المسألة يجوز الرجوع إلى إطلاق
وجوب القصر على المسافر للعلم بصدق السفر. وفيه: أن الاطلاق المذكور بعد ما قيد
بأدلة اعتبار المسافة لا يجوز الرجوع إليه عند الشك في وجود قيده (1) لعدم الدليل
على حجية مطلق الظن في الاحكام، فضلا عن الموضوعات. واحتمل في الروض الاكتفاء بالظن
القوي، لانه مناط العمل في كثير من العبادات. وهو كما ترى. (2) كان الاولى الاقتصار
على ذكر الشياع بلا قيد، ليكون معطوفا على الاختبار. (3) بناء على عموم حجيتها، كما
قربناه في مبحث المياه من هذا الشرح (* 1).
____________
(* 1) راجع الجزء الاول المسألة: 6 من فصل ماء البئر.
( 19 )
{ وفي ثبوتها بالعدل الواحد إشكال (1)، فلا يترك الاحتياط بالجمع. (مسألة 5):
الاقوى عند الشك وجوب الاختبار أو السؤال (2) لتحصيل البينة، أو الشياع المفيد
للعلم، إلا إذا كان مستلزما للحرج. (مسألة 6): إذا تعارض البينتان فالاقوى سقوطهما
(3) } (1) وعن الذكرى والروض: احتماله، لقرب دعوى بناء العقلاء على حجيته مطلقا، بل
حجية مطلق خبر الثقة. لكن لو تمت دلالة رواية مسعدة (* 1) على عموم حجية البينة
كانت رادعة عن هذا البناء، فلا مجال للتعويل عليه. (2) كما في الجواهر وغيرها،
لقاعدة الامتثال، وعدم الدليل على معذورية العامل بالاصول النافية قبل الفحص في
المقام. وفيه: أن قاعدة الامتثال لا مجال لها مع الاصل المؤمن من الخطر. ودليل
الاصل كاف في إثبات العذر، كما في سائر موارد الشبهات الموضوعية. وما دل على وجوب
تعلم الاحكام من الاجماع وغيره - غير شامل للمقام. نعم يمكن أن يقال: إنه يلزم من
العمل بالاصل في المقام المخالفة القطعية الكثيرة، المعلوم عدم جوازها شرعا،
المستكشف منه وجوب الاحتياط ولكن لزوم ذلك أول الكلام، بل ممنوع جدا، لقلة الابتلاء
بموارد الشك فتأمل. مع أنه لا يصلح لاستكشاف وجوب الاختبار ونحوه من أسباب العلم
وإنما يقتضي وجوب الاحتياط مع عدمه. نعم لو بني على وجوب الجزم بالنية كان ما ذكر
في محله. لكن تقدم ضعفه. (3) لاصالة التساقط في الامارات المتعارضة، كما تحقق ذلك
في الاصول. وعن المحقق تقديم بينة الاثبات، لان شهادة النفي غير مسموعة. وفيه:
____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يكتسب به حديث: 4
( 20 )
{ ووجوب التمام (1)، وإن كان الاحوط الجمع. (مسألة 7): إذا شك في مقدار المسافة
شرعا (2) وجب عليه الاحتياط بالجمع، إلا إذا كان مجتهدا، وكان ذلك بعد الفحص عن
حكمه، فان الاصل هو التمام. (مسألة 8): إذا كان شاكا في المسافة ومع ذلك قصر لم يجز
بل وجب عليه الاعادة تماما (3). نعم لو ظهر بعد } أن عموم حجية الشهادة لا يفرق فيه
بين النفي وإلاثبات ولو كان المستند في الاول الاصل، فضلا عما لو كان المستند فيه
الحس. اللهم إلا أن يقال: إذا كان المستند للنفي الاصل ترجح بينة الاثبات لانها
حاكمة على الاصل الذي هو مستند بينة النفي، فإذا سقط الاصل سقطت بينة النفي، لبطلان
مستندها، كما تقدم ذلك في مباحث أحكام النجاسات. (1) لاصالة التمام المشاره إليها
سابقا. (2) يعني: بنحو الشبهة الحكمية. والوجه في وجوب الاحتياط مع ما عرفت من
أصالة التمام: هو ما تحرر في محله من وجوب الفحص، وعدم جواز الرجوع إلى الاصول
اللفظية في الشبهات الحكمية قبل الفحص عن الحجة، فيجب على العامي الرجوع إلى
المجتهد، وعلى المجتهد الرجوع إلى الادلة، وقبل ذلك يجب الاحتياط عقلا الذي هو مفاد
قاعدة الاشتغال. نعم يجوز للمجتهد - بعد الفحص عما يوجب القصر وعدم عثوره عليه
الرجوع إلى أصالة التمام. أما العامي فليس له الرجوع إليها، لانه وظيفة المجهتد،
لقدرته على الفحص. وعجز العامي عنه. نعم لو شك بنحو الشبهة الموضوعية رجع إليها،
لانها وظيفته حينئذ بمقتضى فتوى مجتهده، وعدم اشتراط جواز الرجوع إليها بالفحص. (3)
لاصالة التمام المقتضية لوجوب التمام. ومع الغض عن ذلك فمقتضى
( 21 )
{ ذلك كونه مسافة أجزأ (1)، إذا حصل منه قصد القربة مع الشك المفروض (2). ومع
ذلك الاحوط الاعادة أيضا. (مسألة 9): لو اعتقد كونه مسافة فقصر ثم ظهر عدمها وجبت
الاعادة (3). وكذا لو اعتقد عدم كونه مسافة فأتم، ثم ظهر كونه مسافة، فانه يجب عليه
الاعادة (4). (مسألة 10): لو شك في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثم بان في أثناء
السير كونه مسافة يقصر وإن لم يكن الباقي مسافة (5). (مسألة 11): إذا قصد الصبي
مسافة ثم بلغ في الاثناء وجب عليه القصر (6) وإن لم يكن الباقي مسافة. وكذا يقصر }
قاعدة الاشتغال عدم الاكتفاء بالقصر المأتي به، للشك في الامتثال به. (1) كما في
الجواهر وغيرها. لمطابقة العمل للواقع، الموجبة للاجزاء (2) لاريب في إمكان حصوله،
لما عرفت من عدم اعتبار الجزم بالنية (3) لعدم الدليل على الاجزاء بموافقة الامر
الظاهري، فضلا عن الامر الخيالي الخطئي. (4) لما عرفت. وعن المدارك والروض:
الاجزاء، لقاعدة الاجزاء وفيه: ما عرفت. (5) كما في الجواهر وغيرها، بل لا ينبغي
الخلاف فيه، لتحقق الموضوع واقعا فيتبعه حكمه. واحتمال اعتبار العلم بالمسافة في
وجوب القصر - كما عن الروض - ضعيف كما اعترف به هو، إذ هو خلاف إطلاق الادلة.
ودعوى: أن ظاهر أدلة اعتبار القصد لزوم قصد الثمانية فراسخ، الموقوف على العلم بها
ممنوعة، بل الظاهر منها قصد السفر في مسافة هي في الواقع ثمانية. (6) كما عن الروض.
لعموم أدلة القصد، الشامل لقصد الصبي.
( 22 )
{ إذا أراد التطوع بالصلاة مع عدم بلوغه. والمجنون الذي يحصل منه القصد إذا قصد
مسافة ثم أفاق في الاثناء يقصر. وأما إذا كان بحيث لا يحصل منه القصد فالمدار بلوغ
المسافة من حين إفاقته. (مسألة 12): لو تردد في أقل من أربعة فراسخ ذاهبا وجائيا
مرات حتى بلغ المجموع ثمانية لم يقصر (1)، ففي التلفيق لابد أن يكون المجموع من
ذهاب واحد وإياب واحد ثمانية. (مسألة 13): لو كان لبلد طريقان والابعد منهما مسافة،
فان سلك الابعد قصر (2)، وإن سلك الاقرب لم } وفي الجواهر: " فيه إشكال ". وكأنه
لما دل على أن عمد الصبي خطأ (* 1). وفيه مع اختصاص ذلك بالجنايات، كما يظهر من
ملاحظة النصوص الدالة عليه -: أن القصد المعتبر في المقام أعم من الالتفات، وإن لم
يكن موجبا لارادة السفر، كما سيأتي في الاسير في أيدي المشركين، وهذا المعنى مما لا
مجال للاشكال في حصوله للصبي. مع أن لازم الاشكال المذكور عدم إمكانه تطوعه بالقصر
في السفر وبطلانه على القول بكون عباداته شرعية، وأنه لابد من تطوعه بالتمام، ولا
يظن الالتزام به من أحد. وأضعف من ذلك: ماعن بعض: من اعتبار قصد وليه وجودا وعدما،
فانه خال عن السند. (1) تقدم الكلام فيه في مسألة اختلاف الذهاب والاياب. (2)
إجماعا، كما عن جماعة، ولم ينسب الخلاف فيه إلا إلى القاضي وعلل بالشك في شمول
الادلة لمثله، واحتمال كونه من سفر اللهو، لان
____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب العاقلة حديث: 3.
( 23 )
{ يقصر، إلا إذا كان أربعة أو أقل وأراد الرجوع من الابعد (1). (مسألة 14): في
المسافة المستديرة (2) الذهاب فيها } قطع الزيادة لا لداع، كقطع تمام المسافة كذلك،
وللشك في صدق المسافر عليه. لكن الجميع كما ترى، فان إطلاق الادلة محكم، وصدق
المسافر عليه قطعي. وكونه من اللهو المانع عن القصر ممنوع. مع أنه قد يكون لداع
عقلائي، كالفرار من الصوم لاحتمال مرض، أو كون يومه عيدا، أو لمشقة أو نحو ذلك من
الاغراض الصحيحة العقلائية. (1) بناء على ما تقدم من الاكتفاء بمطلق التلفيق. (2)
حكى في مفتاح الكرامة عن مصابيح استاذه الوحيد (ره) ما يوهم عدم اعتبار المسافة
المستديرة، قال في المصابيح: " أما السفر فلا شك في أنه لغة وعرفا أن يطوي المسافة
بعنوان امتداد ذهابي يذهب ويغيب عن الوطن فلابد من قيدين: أحدهما: الابعاد عن
الوطن، فلو كان المسافر يمشي ويدور في البلد أو يدور حوله، لا يكون مسافرا... " ثم
حكي عن الصيمري في كشف الالتباس: أن الاستقامة والاستدارة لامدخل لهما في تحديد
المسافة لاطلاق الفتاوى والروايات...، ثم استظهر من الشهيد الثاني في نفائح
الافكار: أنه لاكلام فيه. وجعل الاصرح في الدلالة على ذلك ماعن جماعة الاجماع عليه:
من أنه لو كان للبلد طريقان أقرب وأبعد، فسلك الابعد قصر، ولايكون ذلك إلا مع
الاستدارة، ولا قائل بالفصل بين أفراد الاستدارة... الى إخر ما ذكر. أقول: المسافة
المستديرة تارة: تفرض مستديرة على البلد، وأخرى: في جانب منها، بحيث يلاصق البلد
نقطة منها، فتكون مع البلد شبه الدائرتين المتلاصقتين. أما الثانية فلا ينبغي
التأمل في كونها موضوعا للقصر، لاطلاق النصوص والفتاوى، وصدق السفر معها. ويشهد به
ما ذكروه في البلد الذي له طريقان. وأما الاولى فدعوى انصراف النصوص عنها بل الفتوى
( 24 )
{ الوصول الى المقصد والاياب منه الى البلد (1). وعلى المختار: يكفي كون
المجموع مسافة مطلقا، وإن لم يكن الى المقصد أربعة. وعلى القول الآخر: يعتبر أن
يكون من مبدأ السير إليه أربعة مع كون المجموع بقدر المسافة. (مسألة 15): مبدأ حساب
المسافة سور البلد (2)، } قريبة جدا. بل الظاهر عدم صدق السفر ذاهبا وآيبا بريدين
في بعض صورها فالبناء على التمام معها عملا بأصالة التمام في محله. والظاهر أنها
مورد كلام الوحيد (ره) فلاحظ. (1) لا يخلو من إلاشكال، لان المعيار في الذهاب
التباعد عن مبدأ السير وهو موجود فيما بين المقصد والنقطة المقابلة لمبدأ السير،
فلا يصدق الشروع في الاياب. إلا مع التجاوز عن تلك النقطة. نعم قد يستعمل الاياب
بمجرد الخروج عن المقصد مسامحة بلحاظ مقصدة الاصلي وهو البلد. لكنه لا عبرة به (2)
كما نسب إلى غير واحد لكونه المتبادر من إطلاق النص والفتوى كما قيل. ويشهد له صحيح
زرارة: " سافر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذي خشب، وهي مسيرة يوم من المدينة
يكون إليها بريدان، أربعة وعشرين ميلا، فقصر، وأفطر... " (* 1). وفي الكفاية: " انه
لا يبعد أن يكون مبدأ التقدير مبدأ سيره بقصد السفر ". وكأنه لان ظاهر نصوص التقدير
كونها ملحوظة مما بين المكلف والمقصد. وتشير إليه النصوص المتضمنة لذكر المنزل، مثل
خبر المروزي: " فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر
____________
(* 1) المراد به - ظاهرا - هو صحيح زرارة ومحمد بن مسلم المذكور في الفقيه ج 1 صفحة
278 الطبع الحديث. وقد نقله الوسائل عنه غير مسند في باب: من ابواب صلاة المسافر
حديث: 44 ونقل بعضا من الرواية عن الفقيه مسندا في باب: 17 من ابواب صلاة المسافر
ملحق حديث: 44 وبعضا آخر كذلك في باب: 22 من الابواب المذكورة.
( 25 )
{ أو آخر البيوت فيما لاسور فيه في البلدان الصغار والمتوسطات } ميلا - وذلك
أربعة فراسخ - ثم بلغ فرسخين ونيته الرجوع أو فرسخين آخرين قصر " (* 1)، وخبر
صفوان: " لا يقصر ولا يفطر، لانه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ " (*
2)، ومرسل ابن بكير: " إن كان بينه وبين منزله أو ضيعته التي يؤم بريدان قصر " (*
3)، وموثق عمار: " لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ " (*
4). لكن مبدأ السير لا ينطبق على المنزل دائما، إذ قد يكون من نقطة معينة في
المنزل. نعم قد تنطبق النصوص على ماعن ابن بابويه: " من أن مبدأها جدران البيت "
لكن - مع احتمال أن يكون المراد من المنزل ما هو أوسع من البيت لا يناسب عطف الضيعة
والقرية عليه في الخبرين الاخيرين. وحمله على التخيير بين الاقل والاكثر ممتنع. بل
الظاهر منها أن المبدأ المنزل، حيث لا يكون في قرية أو ضيعة، ومنهما حيث يكون
فيهما. ومنه يظهر الاشكال فيما تقدم عن الكفاية، فانه وإن سلم أنه مقتضى الاطلاق،
إلا أنه يجب رفع اليد عنه لهذه النصوص. وأما الاول الذي ذكر في المتن، فهو وإن كان
يساعده الصحيح وغيره مما تقدم، لكنه عليه يشكل البناء على اعتبار المحلة في البلاد
المتسعة جدا، لعدم الوجه الظاهر. والبناء على كون فهم البلد من النصوص بعناية
التقدير، فيرجع إلى مقدارها في الكبيرة، وهو المراد من المحلة، نظير ما ذكر في
تحديد الوجه: من رجوع غير مستوي الخلقة إليه مندفع - مضافا إلى
____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 4 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.
(* 4) الوسائل باب: 4 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.
( 26 )
{ وآخر المحلة في البلدان الكبار الخارقة للعادة. والاحوط - مع عدم بلوغ
المسافة من آخر البلدان - الجمع (1)، وإن كانت مسافة إذا لوحظ آخر المحلة. الشرط
الثاني: قصد قطع المسافة من حين الخروج (2) فلو قصد أقل منها، وبعد الوصول إلى
المقصد قصد مقدارا آخر يكون مع الاول مسافة لم يقصر. نعم لو كان ذلك } أنه لا منشأ
لفهم التقدير، وأنه ليس هناك بلد متعارف المقدار، ليكون ملحوظا في مقام التقدير،
لاختلاف البلدان جدا في الصغر والكبر بأن ذلك يوجب رجوع الافراط والتفريط في الكبر
والصغر إلى ذلك الوسط وكذا من نوى السفر وهو في البيداء، ولا وجه لاختصاص الرجوع
إليه بالكبيرة جدا. فالاولى أن يقال: إن ظاهر الادلة اعتبار صدق السفر في تمام
المسافة، فيكون مبدأ المسافة أول حركة يصدق عليها السفر. ولاجل ذلك حصل الاختلاف،
فان من كان في البيداء يصدق السفر على أول خطوة يخطوها، ومن كان في القرية أو البلد
لا يصدق عليه أنه مسافر إلا بالخروج عنهما، ومن كان في البلاد الكبيرة جدا يصدق
عليه المسافر إذا بعد عن أهله ووصل إلى موضع لا يحسب أنه من أهله، والمسألة محتاجة
إلى التأمل. (1) لاحتمال اعتبار سور البلد في مبدأ المسافة مطلقا. (2) إجماعا
بقسميه، كما في الجواهر وغيرها. ويدل عليه موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " عن
الرجل يخرج في حاجة، فيسير خمسة أو ستة فراسخ فيأتي قرية فينزل فيها، ثم يخرج منها
فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك الموضع. قال (ع): لا يكون
( 27 )
مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فليتم الصلاة " (* 1). فان
الظاهر منه بقرينة السؤال اعتبار إرادة السير ثمانية، والمرسل عن صفوان - فيمن خرج
من بغداد يلحق رجلا حتى بلغ النهروان: " قال (عليه السلام): لا يقصر، ولا يفطر،
لانه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في
بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه... " (* 2). بل في كلام غير واحد
الاستدلال عليه: بما دل على تحديد المسافة بضميمة الاجماع والنصوص على جواز التقصير
عند بلوغ حد الترخص، فإذا لم يكن طيها معتبرا في التقصير تعين أن يكون المعتبر
قصدها لا غير، ومن هنا لم تذكر المسافة في القواعد شرطا في قبال القصد وإنما ذكر
قصد المسافة المحدودة لا غير. اللهم إلى أن يقال: طي المسافة معتبر في وجوب التقصير
بنحو الشرط المتأخر، كما يظهر من صحيح أبي ولاد، المتضمن لاعادة الصلاة التي صلاها
قصرا إذا بدا له الرجوع قبل بلوغ المسافة (* 3). ولاسيما بملاحظة التعليل فيه.
فلاحظ. فالعمدة إذا: الاجماع، والنصوص المذكورة الدالة على اعتبار القصد. وأما
اعتبار طي المسافة معه بنحو الشرط المتأخر، فهو وإن كان ظاهر نصوص المسافة، وصحيح
أبي ولاد - ونحوه خبر المروزي - (* 4) لكن يجب رفع اليد عنهما بالتأويل أو الطرح
لاعراض المشهور عنهما، ومعارضتهما بصحيح زرارة الدال على صحة الصلاة (* 5). وسيأتي
التعرض لذلك إن شاء الله.
____________
(* 1)، (* 2) تقدم ذكرهما في المسألة: 15. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب صلاة
المسافر حديث: 1. (* 4) تقدم في المسألة: 15 من هذا الفصل. (* 5) الوسائل باب: 23
من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.
( 28 )
{ المقدار مع ضم العود مسافة قصر من ذلك الوقت (1)، بشرط أن يكون عازما على
العود (2). وكذا لا يقصر من لا يدري أي مقدار يقطع، كما لو طلب عبدا آبقا، أو بعيرا
شاردا، أو قصد الصيد ولم يدر أنه يقطع مسافة أولا. نعم يقصر في العود إذا كان
مسافة، بل في الذهاب إذا كان مع العود بقدر المسافة وإن لم يكن أربعة (3)، كأن يقصد
في الاثناء أن يذهب ثلاثة فراسخ، والمفروض أن العود يكون خمسة أو أزيد. وكذا لا
يقصر لو خرج ينتظر رفقة إن تيسروا سافر معهم وإلا فلا (4)، أو علق سفره على حصول
مطلب في الاثناء قبل بلوغ الاربعة إن حصل يسافر وإلا فلا (5). نعم } وأما موثق
عمار: " قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج في حاجة له وهو لا يريد السفر،
فيمضي في ذلك، فتمادى به المضي حتى يمضي به ثمانية فراسخ، كيف يصنع في صلاته؟ قال
(ع): يقصر، ولا يتم الصلاة حتى يرجع إلى منزله " (* 1) فمحمول - كما قيل - على
التقصير في الرجوع، أو مطروح في قبال ما عرفت. (1) يعني: وقت سيره الثاني. (2)
ليكون من الثمانية الملفقة. (3) على ما سبق من المصنف (ره) من الاكتفاء بمطلق
التلفيق. (4) كما نص عليه الاصحاب لما سبق. (5) لظهور الادلة المتقدمة في القصد
المنجز المطلق، وهو منتف، بخلاف الفرض الآتي.
____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.
( 29 )
{ لو اطمأن بتيسر الرفقة، أو حصول المطلب بحيث يتحقق معه العزم على المسافة،
قصر بخروجه عن محل الترخص. (مسألة 16): مع قصد المسافة لا يعتبر اتصال السير (1)
فيقصر وإن كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيام، وإن كان ذلك اختيارا، لا لضرورة،
من عدو، أو برد، أو انتظار رفيق، أو نحو ذلك. نعم لو كان بحيث لا يصدق عليه اسم
السفر لم يقصر (2)، كما إذا قطع في كل يوم شيئا يسيرا جدا للتنزه (3) أو نحوه.
والاحوط في هذه الصورة أيضا الجمع. (مسألة 17): لا يعتبر في قصد المسافة أن يكون
مستقلا بل يكفي ولو كان من جهة التبعية للغير (4). لوجوب الطاعة - كالزوجة، والعبد
- أو قهرا - كالاسير (5)، } (1) بلا خلاف ظاهر، لاطلاق الادلة. وقد تشهد به: مكاتبة
عمرو بن سعيد المتقدمة في الثمانية الامتدادية (* 1). وذكر العشرة لانها غاية العدد
في الغالب. فتأمل. (2) لظهور النصوص في اعتبار السفر، كما صرح به في جملة منها. (3)
كما في الجواهر، لكن في منع صدق السفر في الفرض تأملا. نعم هو من الافراد غير
المتعارفة، ومثله لا يقدح في الاطلاق، وإلا وجب تقييده بالمتعارف سرعة أيضا. وهكذا
سائر الخصوصيات غير المتعارفة. فلاحظ. (4) كما صرح به جماعة كثيرة. لاطلاق النص
والفتوى. (5) الاسير إن كان له قصد فهو من المكره، وإلا فهو من المجبور الذي
لااختيار له. وسيأتي حكمه.
____________
(* 1) تقدم ذكره في أول الشرط الاول.
( 30 )
{ والمكره ونحوهما - أو اختيارا - كالخادم ونحوه - بشرط العلم بكون قصد المتبوع
مسافة (1)، فلو لم يعلم بذلك بقي على التمام (2). ويجب الاستخبار مع الامكان (3).
نعم في وجوب } (1) كما عن الذكرى والروض ومجمع البرهان وغيرها. ليتحقق للتابع
قصدها، المعتبر في جواز القصر. وما عن الدروس وغيرها: من أنه يكفي قصد المتبوع عن
قصد التابع، على ظاهره غير ظاهر الوجه، لمنافاته لما دل على اعتبار القصد. (2) لما
تقدم: من أصالة التمام، المعول عليها عند الشك في المسافة. ودعوى: أن تعليل التابع
قصده بمقصد المتبوع كاف في تحقق قصد المسافة، إذا كان مقصد المتبوع مسافة واقعا.
مندفعة: بأن الظاهر من الادلة: اعتبار قصد المساحة المخصوصة، وعدم كفاية قصد عنوان
مردد بين مساحات مختلفة. ولذا يتم طالب الضالة وإن علم أن ضالته في مكان معين في
الواقع، إذا كان ذلك المكان مرددا في نظره بين رأس فرسخ ورأس ثمانية، كما إذا خرج
من النجف جاهلا أن دابته مربوطة في الكوفة أو في الحلة. (3) أقول: لا ينبغي التأمل
في أن المقام ليس من صغريات وجوب الفحص في الشبهات الحكمية والموضوعية، ليبنى فيه
على قاعدة وجوب. الفحص، بناء على عموم أدلتها لكن شبهة إلا ما خرج. حيث أن الوجوب
هناك على تقديره إرشادي، كما حقق في محله. ولذا لا يترتب على مخالفته من حيث هي
عقاب، وإنما يكون العقاب على مخالفة الواقع. ولاجل ذلك يأمن من العقاب بفعل الواقع
المحتمل، ومنه: ما تقدم في المسألة الخامسة، حيث يمكن الاحتياط بفعل القصر والتمام
معا، ويأمن بذلك من العقاب. والوجوب هنا على تقديره نفسي، إذ مع عدم الاختبار يعلم
بوجوب التمام، وعدم وجوب القصر، لعدم القصد المعتبر فيه، فلا مجال للاحتياط بفعل
( 31 )
{ الاخبار على المتبوع إشكال، وإن كان الظاهر عدم الوجوب (1) (مسألة 18): إذا
علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة ولو ملفقة بقي على التمام (2)، بل لو
ظن ذلك فكذلك (3). نعم لو شك في ذلك فالظاهر القصر. خصوصا لو ظن العدم لكن الاحوط
في صورة الظن بالمفارقة والشك فيها الجمع. } القصر والتمام، وإنما الاحتياط بفعل
الاختبار، لاحتمال وجوبه تعبدا. ولاجل ذلك لا ينبغي التأمل في جريان أصل البراءة
فيه، الجاري في سائر موارد الشبهات الوجوبية الكلية. ولا وجه للبناء على وجوبه -
كما في المتن وغيره - أو التردد فيه، كما في الجواهر، حيث جعل فيه وجهين، مقتضى
الاصل العدم. ونحوه غيره. لكن الظاهر أن الوجه في حكم المصنف (ره) بالوجوب: بناؤه
على أنه من موارد وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية، كما يتضح ذلك مما يذكره في
المسألة العشرين. وفيه: ما سيأتي. ونظير المقام: ما لو أمكنه العلم بموضع دابته
الضالة أو عبده الآبق، فانه لا يجب الاستخبار أيضا. (1) للاصل المتقدم فيما قبله.
(2) لانتفاء القصد المعتبر في القصر. (3) الظاهر أن المفروض في هذه المسألة صورة
إحراز المقتضي للتبعية وكون المفارقة على تقدير وقوعها لوجوب المانع من دوام السفر
أو انتفاء شرطه. بخلاف المسألة الآتية، فان احتمال المفارقة فيها لاحتمال زوال
مقتضي التبعية. وكيف كان فان كان احتمال المفارقة ناشئا من احتمال طروء المانع، أو
فقد الشرط، فكون الظن به مانعا من تحقق القصد إلى السفر كلية غير ظاهر، بل لا يبعد
حصول القصد إذا كان الداعي له مزيد أهمية.
( 32 )
{ (مسألة 19): إذا كان التابع عازما على المفارقة مهما أمكنه، أو معلقا لها على
حصول أمر، كالعتق أو الطلاق ونحوهما، فمع العلم بعدم الامكان وعدم حصول المعلق عليه
يقصر (1). وأما من ظنه فالاحوط الجمع وإن كان الظاهر التمام. بل وكذا مع الاحتمال،
إلا إذا كان بعيدا غايته بحيث } ومن ذلك يظهر الحال في صورة الشك في المفارقة،
والظن بعدمها. بل الظاهر عدم منافاتهما للقصد، فيجب القصر معهما. (1) لتحقق القصد
إلى المسافة تبعا، غير المنافي له القصد إلى المفارقة، المعلق على أمر غير حاصل
باعتقاده. نعم مع الظن بالحصول أو احتماله يكون القصد إلى المسافة تعليقيا
لاتنجيزيا، فلا مجال لاقتضائه القصر، لما عرفت: من ظهور النصوص والفتاوى في اعتبار
القصد التنجيزي في وجوبه وهو مفقود. وإن حكي عن جماعة: القصر في المقام، بل يظهر من
محكي المنتهى - حيث اقتصر في نقل القول بالتمام على قول الشافعي الاتفاق عليه منا،
بل ظاهر رده على الشافعي - بالنقض بالعبد والمرأة - الاتفاق على القصر فيهما حتى من
العامة. لكن عن نهاية الاحكام: الجزم بالتمام، معللا بانتفاء القصد. وفي محكي
الذكرى: التفصيل بين ظهور أمارة التمكن من المفارقة فالتمام، وعدمه فالقصر، للبناء
على بقاء الاستيلاء، وعدم رفعه بالاحتمال البعيد. وكأنه يريد من الاحتمال البعيد ما
يقابل الظن بالحصول، بقرينة المقابلة. وقد عرفت إشكاله. ويحتمل أن يريد ما في
المتن: من التفصيل بين احتمال حصول التمكن بعيدا فالقصر، وغيره فالتمام. ولا بأس به
حينئذ، لكون المفهوم من النص ما يعمه. وإن كان لا يخلو من تأمل.
( 33 )
{ لا ينافي صدق قصد المسافة، ومع ذلك أيضا لا يترك الاحتياط. (مسألة 20): إذا
اعتقد التابع أن متبوعه لم يقصد المسافة، أو شك في ذلك، وفي الاثناء علم أنه قاصد
لها، فالظاهر وجوب القصر عليه، وإن لم يكن الباقي مسافة. لانه إذا قصد ما قصده
متبوعه فقد قصد المسافة واقعا (1). فهو كما لو قصد بلدا معينا واعتقد عدم بلوغه
مسافة، فبان في الاثناء أنه مسافة. ومع ذلك فالاحوط الجمع. (مسألة 21): لا إشكال في
وجوب القصر إذا كان مكرها على السفر أو مجبورا عليه (2). وأما إذا أركب على } (1)
قد عرفت الاشكال في ذيل المسألة السابعة عشرة، وأن تردد المقصد بين مسافات مختلفة
مانع من وجوب التقصير، كتردد مكان الضالة بين بلاد كثيرة مختلفة بالقرب والبعد. نعم
لا يقدح تردد المسافة المعينة بين أن تكون ثمانية فراسخ أو دونها في وجوب التقصير
واقعا، كالخارج من النجف قاصدا الحلة مع تردده في كون المسافة بينهما تبلغ ثمانية
فراسخ. والفرق بين تردد العنوان وتردد المعنون ظاهر. (2) الجبر يقابل الاختيار،
فالمجبور لا اختيار له ولاقصد، فلا ينبغي الحاقه بالمكره الحاصل له القصد، بل ينبغي
الحاقه بما بعده في الاشكال، من جهة فقد القصد المعتبر في السفر الموجب للقصر.
ومجرد أن له حركة سيرية غير اختيارية - كالاسير الذي يسحب قهرا - غير كاف في
الالحاق بالمكره، لاشتراكهما في عدم القصد. ولعله يريد من المجبور الاسير الذي يقاد
فيمشي تبعا لقائده. لكنه حينئذ يكون من المكره لحصول القصد منه الى السير، وإن كان
الداعي له إليه الخوف.
( 34 )
{ الدابة، أو ألقي في السفينة من دون اختياره، بأن لم يكن له حركة سيرية، ففي
وجوب القصر ولو مع العلم بالايصال إلى المسافة إشكال (1)، وإن كان لا يخلو عن قوة.
} (1) قال في المستند: " قد يختلج بالبال فيه الاشكال، إذ القصد إنما يكون على
العمل، ولا يصدر منه عمل حتى يكون قاصدا له. ولعدم شمول كثير من أخبار القصر لمثله،
وعدم تبادره من شئ من أخباره، وإجمال نحو قوله (ع): (التقصير في بريدين) لاحتمال
إرادة قصد بريدين أو سيره، ومثل ذلك لا يقصد ولا يسير. إلا أن الظاهر الاجماع على
وجوب القصر عليه. ويمكن الاستدلال له بقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر
فعدة من أيام أخر..) (* 1) فان ذلك كائن في السفر وان لم يكن مقصودا له، ولا معارض
له، فيجب التقصير أيضا. وفيه: أنه إن بني على الغض عمادل على اعتبار القصد في
القصر، فلا وجه للمناقشة في إطلاق الادلة بما ذكر، وإن بني على النظر إليها، فلا
وجه لدعوى الاجماع على القصر، ولا للاستدلال عيه باطلاق الآية. إذ دعوى الاجماع
خلاف ما صرحوا به من اعتبار القصد. وإطلاق الآية مقيد بما دل على اعتباره، كما لا
يخفى. ومثله: دعوى كون المراد من القصد في كلماتهم أعم من العلم، فانها خلاف
الظاهر. والاستشهاد له بتصريحهم بوجوب القصر على الاسير في أيدي المشركين غير ظاهر،
فانه أعم من ذلك، إذ الاسير في الغالب يكون مكرها، لا مجبورا، كما هو محل الكلام،
ولا إطلاق في كلامهم يشمله، لانه وارد في مقام حكم التابع من حيث أنه تابع. فالعمدة
في وجوب القصر. ما في رواية اسحاق بن عمار، الواردة في
____________
(* 1) البقرة: 184.
( 35 )
{ الثالث: استمرار قصد المسافة (1)، فلو عدل عنه } قوم خرجوا في سفر وتخلف منهم
واحد، قال (ع): " بلى إنما قصروا في ذلك الموضع لانهم لم يشكوا في مسيرهم وأن السير
يجد بهم... " (* 1) فانه يدل على أن تمام موضوع التقصير هو العلم بالسفر ثمانية
فراسخ. لكن سند الحديث لا يخلو من إشكال. (1) نسبه في الحدائق الى الاصحاب أولا،
وادعى اتفاقهم عليه ثانيا. وفي المستند: عن بعض نفي الخلاف فيه، وعن آخر: أنه
اجماع. واستدل له غير واحد بصحيح أبي ولاد، الوارد فيمن خرج في سفر ثم بدا له
الرجوع، قال (ع) فيه: " وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا، فان عليك أن
تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام، من قبل أن تؤم من مكانك، لانك لم
تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت، فوجب عليك قضاء ما قصرت. وعليك إذا
رجعت أن تتم الصلاة حتى تصير الى منزلك " (* 2)، وبما في رواية إسحاق، من قوله (ع):
" وإن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة " (* 3)، وبرواية
المروزي فيمن نوى السفر بريدين أربعة فراسخ، فبدا له بعد ما بلغ فرسخين. قال (ع): "
وإن رجع عما نوى عند بلوغ فرسخين وأراد المقام فعليه التمام " (* 4). ويشكل الاول:
بأنه ظاهر في اعتبار بلوغ المسافة في صحة التقصير من أول الامر، بنحو الشرط
المتأخر، بقرينة أمره بالاعادة، وهو خلاف
____________
(* 1) تقدم ذكره في أوائل الشرط الاول. (* 2) تقدم ذلك في أول الشرط الثاني. (* 3)
تقدم ذكره في أول الشرط الاول. (* 4) تقدم ذكره في المسألة: 15.
( 36 )
{ قبل بلوغ الاربعة أو تردد أتم. وكذا إذا كان بعد بلوغ الاربعة لكن كان عازما
على عدم العود (1)، أو كان مترددا في أصل العود وعدمه (2)، أو كان عازما على العود
لكن بعد نية الاقامة هناك عشرة أيام. وأما إذا كان عازما على العود من غير نية
الاقامة عشرة أيام فيبقى على القصر (3) وإن لم يرجع ليومه (4) بل وإن بقي مترددا
إلى ثلاثين يوما. نعم بعد الثلاثين مترددا يتم. (مسألة 22): يكفي في استمرار القصد
بقاء القصد } المشهور: ومعارض بصحيح زرارة الآتي (* 1)، فيكون مطروحا. ويشكل
الثاني: بأنه ضعيف السند. ويشكل الثالث - مضافا الى احتمال أن يكون المراد من
المقام إقامة عشرة أيام -: بأنه لابد من حمله على ذلك، إذ لاوجه للتمام على من بلغ
بريدا وإن كان من نيته الرجوع. ولا ينافيه ذكر الفرسخين، لانها محمولة على
الخراسانية، التي هي ضعف غيرها، بشهادة تفسير البريد بها، وأمره بالقصر إذا بلغها
ناويا للرجوع، أو فرسخين آخرين. فلاحظ. ويمكن دفع الاشكال في الاول: بأنه يجب حمله
- بقرينة الصحيح - على الاستحباب، ولامانع من الاخذ بظاهره من وجوب الاتمام إذا
رجع. كدفعه في الثاني: بأنه يمكن دعوى انجباره بالعمل. فتأمل. (1) بأن كان مترددا
بين الاقامة والسفر. (2) بأن كان مترددا بين السفر والاقامة والعود. (3) لما سيأتي،
مما دل على الاكتفاء بالمسافة النوعية. (4) لما سبق، من عدم اعتبار الرجوع ليومه في
المسافة التلفيقية.
____________
(* 1) يأتي ذكره في المسألة: 24.
( 37 )
{ النوع وإن عدل عن الشخص (1)، كما لو قصد السفر إلى مكان مخصوص فعدل عنه الى
آخر يبلغ ما مضى وما بقي إليه } (1) كما عن غير واحد التصريح به. لصدق المسافة
المقصودة. المأخوذة موضوعا لوجوب القصر. إلا أن يقال: المقدار المعدول إليه لم يكن
مقصودا أولا، وإنما طرأ قصده ثانيا بعد العدول عن الاول، فكيف يمكن ضمن ما لم يقصد
الى ما قد قصد، وظاهر أدلة اعتبار القصد كون الجميع بقصد واحد ودعوى: أن المسافة
النوعية مقصودة بقصد واحد، كما ترى، إذ الجامع بين المسافتين مما لم يطرأ عليه
القصد، وإنما طرأ على مسافة شخصية أولا، ثم طرأ على مسافة شخصية أخرى ثانيا.
فالاولى أن يقال: إن أدلة اعتبار القصد إنما دلت على اعتباره عند الخروج من المنزل،
وأدلة اعتبار استمراره إنما دلت على قدح التردد في أصل السفر لاغير. فلا تشمل صورة
العدول عن مسافة إلى مسافة، بل تبقى مشمولة لادلة الاكتفاء بالقصد الاول. ومنه يظهر
وهن ما في الروض: من احتمال عدم الترخص، لبطلان المسافة الاولى بالرجوع عنها، وعدم
بلوغ المقصد الثاني مسافة انتهى فانه لا مجال لذلك بعد عموم أدلة التقصير له، ولاجل
ذلك أوجب التقصير - في العدول عن الامتدادية إلى الملفقة ولو لم يرد الرجوع ليومه -
من لا يقول به في الملفقة من أول الامر، إذا كان مريدا للرجوع ليومه، كالشيخ (ره)
في النهاية وغيره. مضافا إلى ما في صحيح أبي ولاد الوارد فيمن بدا له الرجوع الى
البلد، من قوله (ع): " إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا، كان عليك حين رجعت
أن تصلي بالتقصير، لانك كنت مسافرا إلى أن تصير في منزلك " (* 1)، وما في خبر إسحاق
بن عمار من قوله (ع):
____________
(* 1) تقذم ذكره في أول الشرط الثاني.
( 38 )
{ مسافة فانه يقصر حينئذ على الاصح. كما أنه يقصر لو كان من أول سفره قاصدا
للنوع دون الشخص (1)، فلو قصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق، ولم يعين من
الاول أحدهما بل أو كل التعيين الى ما بعد الوصول الى آخر الحد المشترك، كفى في
وجوب القصر. (مسألة 23): لو تردد في الاثناء ثم عاد الى الجزم، فاما أن يكون قبل
قطع شئ من الطريق، أو بعده، ففي } " إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على
تقصيرهم، أقاموا أم انصرفوا " (* 1)، وما في خبر المروزي من قوله (ع): " فإذا خرج
الرجل من منزله يريد اثني عشر ميلا - وذلك أربعة فراسخ - ثم بلغ فرسخين، ونيته
الرجوع، أو فرسخين آخرين قصر " (* 2). ومنه يظهر ما في المحكي عن المقدس البغدادي:
من عدم الترخص لو بلغ بريدا وإن أراد الرجوع ليومه، تمسكا باطلاق الاصحاب عدم
التقصير فيمن بدا له الرجوع أو تردد ينتظر الرفقة، لعدم اعتبار التلفيق هنا، لعدم
كونه مقصودا من قبل. فان ضعفه ظاهر مما سبق. (1) لاطلاق مادل على الترخص بمجرد
الخروج من المنزل مريدا للسفر ثمانية فراسخ، فانه شامل للثمانية الشخصية المعينة
وغيرها. ودعوى: انصرافه إلى المسافة الشخصية ساقطة جدا، لان المراد من المسافة خط
السير، وتعيينه متعذر غالبا. نعم لا بأس بدعوى الانصراف الى صورة تعيين المقصد. إلا
أنه بدوي، لا يعول عليه في رفع اليد عن الاطلاق.
____________
(* 1) تقدم ذكره في أول الشرط الاول. (* 2) تقدم ذكره في المسألة: 15.
( 39 )
{ الصورة الاولى يبقى على القصر إذا كان ما بقي مسافة (1) ولو ملفقة. وكذا إن
لم يكن مسافة في وجه (2)، لكنه مشكل (3) فلا يترك الاحتياط بالجمع. وأما في الصورة
الثانية فان كان ما بقي } (1) لكفاية قصده للمسافة بعد التردد في وجوب التقصير. (2)
قد جزم به في الجواهر وغيرها، لتناول الادلة له، لانه يصدق أنه خرج من منزله قاصدا
للمسافة. وما دل على قدح تردد، فانما دل على قدحه في بقاء الترخص حال وجوده، ولم
يدل على اقتضائه ارتفاع السفر حقيقة أو تعبدا بمجرد حدوثه، فيتعين الرجوع بعد
ارتفاعه بالعزم على السفر - إلى أدلة الترخص. (3) لاحتمال كون المرجع في المقام
استصحاب حكم الخاص، لا الرجوع الى عموم العام، لاحتمال كون عمومات الترخص إنما تدل
على حكم واحد مستمر، بحيث يكون الحكم في الزمان الثاني ملحوظا بعناية البقاء لوجوده
في الزمان الاول، لا ملحوظا في نفسه في مقابل وجوده في الزمان الاول، كما هو مبني
الاحتمالين: احتمال الرجوع إلى العام، واحتمال الرجوع الى الاستصحاب. فالحكم في
الزمان الثاني إن كان ثبوته بلحاظ استمراره وبقائه الى الزمان الثاني فالمرجع
الاستصحاب لا العام، وان كان بلحاظ نفسه في قبال وجوده في الزمان الاول فالمرجع
العام، كما أوضحنا ذلك في تعليقتنا على الكفاية. فإذا شك في ثبوت الحكم في الزمان
الثاني، وأنه على النحو الاول أو النحو الثاني، لا مجال للرجوع الى العام. وفيه: أن
الظاهر من أدلة التقصير والتمام هو ثبوت الحكم في كل زمان، مع قطع النظر عن ثبوته
فيما قبله، كما يقتضيه ظهور كون الموضوع المناط به الحكم هو السفر، وهو صادق على
حصص الفرد الزمانية بنحو واحد ونسبة واحدة. مضافا الى ما في خبر إسحاق المتقدم من
قوله (ع):
( 40 )
{ مسافة ولو ملفقة يقصر أيضا (1)، وإلا فيبقى على التمام (2). نعم لو كان ما
قطعه حال الجزم أولا مع ما بقي بعد العود الى الجزم - بعد اسقاط ما تخلل بينهما مما
قطعه حال التردد - مسافة ففي العود إلى التقصير وجه، لكنه مشكل (3)، فلا يترك
الاحتياط بالجمع. (مسألة 24): ما صلاه قصرا قبل العدول عن قصده لا تجب إعادته في
الوقت (4) فضلا عن قضائه خارجه. } " وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا
الصلاة ما أقاموا، فإذا مضوا فليقصروا " (* 1). لكن الخبر ضعيف. (1) على ما عرفت.
(2) كأنه دعوى: ظهور الادلة في اعتبار كون حركة السير في الثمانية فراسخ كلها ناشئة
عن قصد واحد للثمانية، وليس كذلك في الفرض ولاجله افترق عن الفرض السابق. ولا يجدي
إسقاط المتخلل في دفع المحذور المذكور، لان الظاهر من الثمانية الغمتدة المتصلة -
أعني: أول وجود للمسافة المقدرة بالمقدار المذكور - فإذا أسقط المختلل فات الاتصال
والامتداد. وكأنه لعدم وضوح ذلك عند المصنف (ره) جعل العود الى التقصير في صورة كون
المجموع مسافة بعد إسقاط المختلل وجها، عملا باطلاق وجوب القصر على المسافر، المؤيد
بخبر إسحاق المتقدم. لكن في الدعوى الاولى تأملا. والتمسك باطلاق أدلة التقصير،
المؤيد بما في خبر إسحاق قريب. (3) لما عرفت من ظهور المسافة المعلق عليها التقصير
في خصوص المتصلة. (4) كما هو المشهور شهرة عظمية، لصحيح زرارة: " قال سألت
____________
(* 1) تقدم ذكره في أول الشرط الاول.
( 41 )
{ الرابع: أن لا يكون من قصده في أول السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيام (1)
قبل بلوغ الثمانية. } أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده،
فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين، فصلوا، وانصرف بعضهم في حاجة، فلم
يقض له الخروج، مايصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين قال (ع): تمت صلاته، ولا يعيد
" (* 1). نعم يعارضه خبر المروزي: " وإن كان قصر ثم رجع عن نيته أعاد الصلاة " (*
2). ولاجل ذلك جمع الشيخ في الاستبصار: بحمل الاول على نفي القضاء في خارج الوقت،
والثاني على وجوب الاعادة في الوقت. وفيه - مع ضعف الثاني في نفسه، مضافا الى إعراض
الاصحاب عنه، بل كاد أن ينعقد الاجماع على خلافه، إذ لم يعرف القول بالاعادة من أحد
سواه في خصوص الاستبصار، وهو غير معد للفتوى، وإلى أنه جمع بلا شاهد -: أنه معارض
في نفي القضاء بصحيح أبي ولاد: " وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا، فان
عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤم من مكانك...
" (* 3) فيتعين حمل الجميع على الاستحباب. (1) عن الذخيرة: " لاأعرف فيه خلافا "،
وعن المدارك: " لا خلاف في أنها قاطعة للسفر ". ويستدل له - مضافا الى ذلك، والى
استصحاب التمام - بما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " من قدم قبل التروية بعشرة
أيام عليه إتمام الصلاة، وهو بمنزلة أهل مكة،
____________
(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) تقدم ذكره في المسألة:
15. (* 3) تقدم ذكره في أول الشرط الثاني.
( 42 )
فإذا خرج الى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة، وعليه إتمام
الصلاة إذا رجع الى منى حتى ينفر " (* 1). اللهم إلا أن يستشكل في الاجماع: بعدم
حجيته ما لم يوجب العلم بالحكم. وفي الاصل: بأنه محكوم لعموم وجوب التقصير على
المسافر. وفي الصحيح: بظهوره في كون التنزيل بلحاظ وجوب التمام لاغير. إلا أن يقال:
إن عطف قوله (ع): " وهو بمنزلة... " ظاهر في أنه لبيان حكم آخر، وإلا كان تأكيدا
لما قبله، وهو خلاف الاصل. بل قوله (ع): " فإذا خرج... " كالصريح في أن محل الاقامة
بمنزلة الوطن، إذا سافر عنه قصر، وإذا رجع إليه أتم، وإذا خرج عنه الى ما دون
المسافة أتم. نعم عدم التزام الاصحاب بذلك فيه يوجب وهن دلالته جدا، وكونه مما يرد
علمه الى أهله (ع). والتفكيك في الحجية بين دلالاته بحيث ينفع فيما نحن فيه، بعيد
عن المذاق العرفي. نعم قد يشير إلى عموم المنزلة صحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع) "
عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الايام في المكان. عليه صوم؟ قال (ع): لا،
حتى يجمع على مقام عشرة أيام... إلى أن قال: وسألته عن الرجل يكون عليه الايام من
شهر رمضان وهو مسافر، يقضي إذا أقام في المكان؟ قال (ع): لا، حتى يجمع على مقام
عشرة أيام " (* 2). فان ظاهر السؤال. صدرا وذيلا - كون منشئه تخيل أن المراد
بالمسافر ما يقابل المقيم والحاضر معا، لا ما يقابل الحاضر فقط، ولاجل ذلك سأل عن
جواز الصوم في حال الاقامة أداء وقضاء، فيكون الجواب ظاهرا في الاقرار على ذلك إذا
كانت مدة الاقامة عشرة. ويؤيد ذلك:
____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 15 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 1.
( 43 )
{ وأن لا يكون من قصده المرور على وطنه كذلك (1). وإلا أتم، لان الاقامة قاطعة
لحكم السفر، والوصول الى الوطن قاطع لنفسه، فلو كان من قصده ذلك من حين الشروع أو
بعده لم يكن قاصدا للمسافة. وكذا يتم لو كان مترددا في نية الاقامة، أو المرور على
الوطن قبل بلوغ الثمانية (2). نعم لو } ما ورد في وجوب التقصير على كثير السفر إذا
كان قد أقام عشرة أيام في بلده أو غيره (* 1). فتأمل. مضافا الى أن الظاهر مما دل
على وجوب التمام على المقيم - بقرينة مناسبة الحكم لموضوعه - كون التمام بعناية
خروجه بالاقامة عن عنوان المسافر. فلعل ذلك كله، بضميمة تسالم الاصحاب كاف في الحكم
بقاطعية الاقامة. ومما ذكرنا يظهر أن مراد المصنف (ره) بقوله: " لان الاقامة قاطعة
لحكم السفر ": أنها قاطعة له نفسه شرعا. في قبال الوطن القاطع له عرفا حقيقة، لا
أنها رافعة لحكم السفر نظير التردد. وإلا لم يصلح تعليلا للحكم المذكور، ولامما
تساعده الادلة. فلاحظ. (1) إذ بذلك يخرج عن عنوان المسافر عرفا. وما في المستند: من
عدم فرق العرف بين ما إذا مر بمنزله الذي يتوطنه، ولاسيما إذا كان راكبا ولاسيما
إذا مر عن حواليه، وبين ما إذا لم يمر - كما ترى - ضعيف. نعم لا بأس به بالنسبة الى
الوطن الشرعي، بناء على القول به. لكن دليله دل على كونه بمنزلة الوطن العرفي من
حيث قاطعية السفر. وسيأتي الكلام فيه. (2) لعدم قصد السفر المتصل الواحد، بل يكون
المقصود مرددا بين المتصل والمنفصل.
____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر.
( 44 )
{ لم يكن ذلك من قصده، ولا مترددا فيه، إلا أنه يحتمل عروض مقتض لذلك في
الاثناء، لم يناف عزمه على المسافة، فيقصر. نظير ما إذا كان عازما على المسافة إلا
أنه لو عرض في الاثناء مانع - من لص أو عدو أو مرض أو نحو ذلك - يرجع، ويحتمل عروض
ذلك، فانه لا يضر بعزمه وقصده. (مسألة 25): لو كان حين الشروع في السفر، أو في
أثنائه (1)، قاصدا للاقامة، أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية، لكن عدل بعد
ذلك عن قصده، أو كان مترددا في ذلك، وعدل عن ترديده الى الجزم بعدم الامرين، فان
كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه، أو مع التلفيق بضم الاياب قصر (2)، وإلا فلا.
فلو كان ما بقي بعد العدول الى المقصد أربع فراسخ، وكان عازما على العود ولو لغير
يومه قصر في الذهاب والمقصد والاياب. بل وكذا لو كان أقل من أربعة، بل ولو كان
فرسخا فكذلك على الاقوى من وجوب } (1) الاولى إسقاط هذا العطف. فانه على تقدير
القصد في الاثناء يكون داخلا في المسألة الآتية التي استشكل فيها في التقصير
والتمام، فلا وجه لذكره هنا، ولالجزمه بالتمام على تقدير عدم كون الباقي مسافة ولو
ملفقة كما هو مفاد قوله فيما يأتي: " وإلا فلا ". فالفرق بين المسألتين: أن الاولى
فيما لو كان قصد الاقامة أو التردد فيها من الاول، والثانية فيما لو كان في
الاثناء. ولعل كلمة: " أو في أثنائه " من قلم الناسخ. (2) لتحقق القصد اللاحق الى
المسافة المتصلة الممتدة أو الملفقة.
( 45 )
{ القصر في كل تلفيق من الذهاب والاياب، وعدم اعتبار كون الذهاب أربعة أو أزيد،
كما مر (1). (مسألة 26): لو لم يكن من نيته في أول السفر الاقامة أو المرور على
الوطن، وقطع مقدارا من المسافة، ثم بدا له ذلك قبل بلوغ الثمانية، ثم عدل عما بدا
له وعزم على عدم الامرين، فهل يضم ما مضى إلى ما بقي إذا لم يكن ما بقي بعد العدول
عما بدا له مسافة؟ - فيقصر إذا كان المجموع مسافة، ولو بعد اسقاط ما تخلل بين العزم
الاول والعزم الثاني إذا كان قطع بين العزمين شيئا - إشكال. خصوصا في صورة التخلل،
فلا يترك الاحتياط بالجمع، نظير ما مر في الشرط الثالث (2). الخامس من الشروط: أن
لا يكون السفر حراما (3)، وإلا لم يقصر. سواء كان نفسه حراما (4)، كالفرار من } (1)
ومر الاشكال فيه. (2) لاتحاد مناط المسألتين. (3) اجماعا، كما عن الخلاف، والمعتبر،
و التذكرة، والمنتهى، والدرة، وظاهر كشف الحق، والذخيرة، والكفاية، ومجمع البرهان،
وغيرها. ويدل عليه جملة من النصوص الآتي إليها الاشارة. (4) كما هو ظاهر المشهور.
ويقتضيه صحيح عمار بن مروان عن أبي عبد الله (ع): " من سافر قصر وأفطر. إلا أن يكون
رجلا سفره الى صيد، أو معصية الله تعالى، أو رسولا لمن يعصي الله، أو في طلب عدو،
أو شحناء، أو سعاية، أو ضرر على قوم من المسلمين " (* 1).
____________
(* 1) الوسائل باب: من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.
( 46 )
{ الزحف، وإباق العبد، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج في غير الواجب، وسفر الولد
مع نهي الوالدين في غير الواجب، وكما إذا كان السفر مضرا لبدنه، وكما إذا ندر عدم
السفر مع } فانه إذا حرم السفر يصدق عليه أنه في معصية، وموثق سماعة: " ومن سافر
قصر الصلاة وأفطر. إلا أن يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر، أو خرج الى صيد... " (* 1).
فان السفر المشايع فيه بنفسه حرام. ومرسل ابن أبي عمير: " لا يفطر الرجل في شهر
رمضان إلا في سبيل حق " (* 2) وما ورد في تعليل وجوب التمام على المتصيد بأن التصيد
مسير باطل، بدعوى: أن السفر المحرم باطل، وليس بحق. اللهم إلا أن يستشكل في الجميع:
بأن ظاهر قوله (ع): " أو في معصية " كونه معطوفا على قوله: " الى صيد "، فيكون
المراد سفره في معصية. وظاهره: كون المعصية غير السفر، فان السفر المعصية غير السفر
في المعصية، الذي هو من قبيل السعي في الحاجة. وأن الظاهر من حرمة المشايعة كونها
بلحاظ ما يترتب عليها، من ترويج الجور والاعانة عليه، لامن حيث أنها حركة بعنوان
المشايعة، فتكون حينئذ من القسم الثاني. ولو أريد من الثاني خصوص ما كانت الغاية
فعلا اختياريا، كان هذا قسما برأسه. ولا يبعد دخوله في قوله (ع): " أوفي معصية "
وحينئذ لا يدل على حكم السفر المحرم نفسه، كأكثر الامثلة المذكورة. والظاهر من سبيل
الحق ماكان سبيلا إلى الحق. فلا ينافي تحريمه النفسي - وكذا التعليل بالمسير الباطل
- فلا يثبت بهما عموم الدعوى، إذ قد يكون السفر المحرم بقصد بعض الاغراض الصحيحة
العقلائية المباحة أو المستحبة،
____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 8 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 1.
( 47 )
{ رجحان تركه، ونحو ذلك. أو كان غايته أمرا محرما (1)، كما إذا سافر لقتل نفس
محترمة، أو للسرقة، أو للزنا، أو لاعانة ظالم، أو لاخذ مال الناس ظلما، ونحو ذلك.
وأما إذا لم يكن لاجل المعصية، لكن تتفق في أثنائه، مثل الغيبة، وشرب الخمر،
والزنا، ونحو ذلك مما ليس غاية للسفر فلا يوجب التمام (2) بل يجب معه القصر
والافطار. (مسألة 27): إذا كان السفر مستلزما لترك واجب، } فيكون مسير حق لا باطل.
مع أنه لا يمكن الاخذ باطلاقهما، كما لا يخفى ودعوى القطع بالاولية أو المساواة -
كما في الجواهر - محل تأمل. ولاجل بعض ما ذكرنا - مضافا إلى دعوى استلزامه المنع من
ترخص كل مسافر تارك للواجب في سفره، المقتضي لعدم الترخص إلا للاوحدي - تنظر الشهيد
الثاني في الروض في وجوب التمام في هذا القسم. اللهم إلا أن يستفاد ذلك من اطلاق
معاقد الاجماع، وعدم العثور على مخالف فيه، وعدم ثبوت خلاف الشهيد الثاني، ولاسيما
وكون خلافه - على تقديره - للشبهة الاخيرة غير الواردة، وعلى تقدير ورودها إنما
تقدح في عدم الترخص في السفر المستلزم ترك الواجب - كما يأتي الكلام فيه - لاما حرم
في نفسه، كما هو محل الكلام. فتأمل جيدا. (1) يعني: كانت غايته فعلا اختياريا
بالمباشرة محرما. وبذلك افترق عن السفر المضر ببدنه. وكيف كان فلا خلاف ولا إشكال
في قدحه في الترخص. وتدل عليه النصوص المتقدمة، وغيرها. (2) هو واضح لا خلاف فيه،
كما في مفتاح الكرامة. لقصور الادلة من النصوص والاجماعات عن شموله. فالمرجع فيه
أصالة القصر على المسافر.
( 48 )
{ كما إذا كان مديونا وسافر مع مطالبة الديان وإمكان الاداء في الحضر دون السفر
ونحو ذلك، فهل يوجب التمام أم لا؟ الاقوى التفصيل بين (1) ما إذا كان لاجل التوصل
الى ترك الواجب أو لم يكن كذلك، ففي الاول يجب التمام، دون الثاني. لكن الاحوط
الجمع في الثاني. } (1) لا ينبغي التأمل في أن الكون في الحضر - الذي يتوقف عليه
أداء الدين الواجب - والكون في السفر من قييل الضدين. وعليه إن لم نقل بأن وجود أحد
الضدين مقدمة لترك الآخر فالسفر المذكور ليس مقدمة لترك الواجب، فلا يمكن قصد
التوصل به إليه، فضلا عن أن يكون معصية ويقتضي التمام، لعدم الدليل على ذلك، حيث لا
تشمله النصوص المتقدمة، ولا الاجماعات، فلا موجب للخروج عن أصالة القصر على
المسافر. وإن قلنا بمقدميته له كان البناء على التمام فيه في محله، لصدق كونه سفرا
في معصية. نعم لابد من التفاته إلى ترتب ترك الواجب عليه، لعدم صدق السفر في
المعصية بدونه. وحينئذ يتعين التفصيل بين الالتفات إلى الغاية المذكورة وعدمه،
لاقصد التوصل وعدمه. وإذ أن التحقيق: انتفاء المقدمية المذكورة، فالقول بوجوب القصر
مطلقا في محله. اللهم إلا أن يقال: المعيار في كون السفر في معصية نظر المسافر، لا
الواقع. فكما أنه إذا سافر بقصد الوصول اختيارا الى غاية محرمة، صدق كون سفره سفرا
في معصية، وإن لم يصل الى الغاية ولم تترتب على سفره، بل وإن لم يكن سفره مقدمة لها
أصلا واقعا. كذلك اعتقاده المقدمية مع الالتفات أو القصد الى الغاية كاف في الصدق.
ولا يتوقف على ثبوتها
( 49 )
{ (مسألة 28): إذا كان السفر مباحا، لكن ركب دابة غصبية، أو كان المشي في أرض
مغصوبة، فالاقوى فيه القصر، (1). وإن كان الاحوط الجمع. (مسألة 29): التابع للجائر
إذا كان مجبورا، أو مكرها على ذلك، أو كان قصده دفع مظلمة، أو نحوها من } واقعا.
فالتفصيل بين صورة البناء على المقدمية مع الالتفات الى ترتب ترك الواجب فيجب
التمام، وبين غيرها فيجب القصر. في محله. وعليه فاعتبار قصد التوصل في وجوب التمام
- كما في المتن - وعدم الاكتفاء بمجرد الالتفات، غير ظاهر الوجه، للاكتفاء به في
حسن العقاب في سائر الموارد في الغايات التوليدية، وإن لم يحصل قصد التوصل. ولعل ما
ذكره المصنف (ره) راجع إلى ما قلنا، وإن بعد. وسيأتي - إن شاء الله - في المسألة
السادسة والثلاثين تحقيق كون المدار على الواقع، أو على اعتقاد المسافر. (1)
لاختصاص النصوص بما لو كان السفر بما أنه طي للمسافة حراما، فلا تشمل صورة مالو كان
التحريم بلحاظ كونه تصرفا في مال الغير بركوبه عليه، أو لبسه له، أو وضعه في جبيه،
أو نحو ذلك. ومنه يظهر ضعف ما في الجواهر وغيرها من وجوب التمام. اللهم إلا أن
يقال: اختصاص النصوص بغير ما ذكر ممنوع، بل إطلاقها يقتضي عموم الحكم له. مع أن ذلك
يقتضي عدم الترخص بالسفر المضر بالبدن، فان تحريمه ليس بعنوان كونه سفرا بل بعنوان
كونه مضرا. وكذا سفر الولد مع نهي الوالد، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج، فان
تحريمهما بعنوان كونهما معصية للوالد، وخروجا من البيت بغير إذن الزوج. وكذا الحال
في كل سفر يحرم لحرمة غايته التوليدية، إذا كانت تترتب على السفر، لامن حيث كونه
بعدا عن الوطن.
( 50 )
{ الاغراض الصحيحة المباحة أو الراجحة قصر (1). وأما إذا لم يكن كذلك - بأن كان
مختارا، وكانت تبعيته إعانة للجائر في جوره - وجب عليه التمام (2)، وان كان سفر
الجائر طاعة (3)، فان التابع حينئذ يتم، مع أن المتبوع يقصر. (مسألة 30): التابع
للجائر المعد نفسه لامتثال أوامره لو أمره بالسفر (4)، فسافر امتثالا لامره، فان عد
سفره إعانة للظالم في ظلمه كان حراما (5)، ووجب عليه التمام، وإن كان من حيث هو -
مع قطع النظر عن كونه إعانة - مباحا. والاحوط الجمع. وأما إذا لم يعد إعانة على
الظلم، فالواجب عليه القصر. (مسألة 31): إذا سافر للصيد، فان كان لقوته وقوت عياله
قصر (6)، } (1) لانتفاء المعصية من كل وجه. (2) لصدق كونه سفرا في معصية. (3) لعدم
قصده المعصية. (4) يعني: لغاية مباحة. وإلا كان من القسم الثاني بلا إشكال. (5) هذا
لاإشكال فيه، إنما الاشكال في المعيار في صدق الاعانة وعدمه، والكلام فيه في محل
آخر. (6) بلا خلاف - كما عن التنقيح، والذخيرة - بل هو مجمع عليه نقلا، إن لم يكن
تحصيلا - كما في الجواهر - لاطلاق مادل على وجوب القصر في السفر. مضافا الى ما في
مرسل محمد بن عمران القمي عن أبي عبد الله (ع): "... إن خرج لقوته وقوت عياله
فليفطر، وليقصر " (* 1).
____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.
( 51 )
{ بل وكذا لو كان للتجارة (1). وإن كان الاحوط فيه الجمع. وإن كان لهوا - كما
يستعمله أبناء الدنيا - وجب عليه التمام (2). } وقصور نصوص نفي الترخص بسفر الصيد -
بواسطة التعليل فيها بأنه مسير باطل، وب " إنما خرج في لهو " - عن شموله. (1) كما
هو المشهور بين المتأخرين. لما تقدم من إطلاق وجوب القصر على المسافر. لكن المحكي
عن أكثر القدماء قصر الصوم، دون الصلاة. بل في محكي السرائر: " إن أصحابنا أجمعوا
على ذلك فتيا، ورواية ". وعن المبسوط: نسبته إلى رواية أصحابنا. وليس عليه دليل
ظاهر، عدا ما ذكر من الاجماع، والمرسلتين (* 1). وفي الاعتماد عليها - في تقييد
إطلاقات ترخص المسافر، وما دل على تلازم الافطار والقصر، كصحيح معاوية بن وهب: "
إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت " (* 2) - تأمل. أو منع. إذ الاجماع المنقول ليس
بحجة. والمرسلتان غير معلومتي الدلالة، وإن كانتا مجبورتي السند. اللهم إلا أن يكون
قوله في المبسوط: " إنه يتم ويفطر الصوم " - ونحوه في السرائر نقل للمتن باللفظ، أو
معنى. وهو غير قاصر الدلالة، فيكون حجة. واحتمال عدم وروده في المقام بعيد جيدا.
والمسألة بعد لا تخلو من إشكال. (2) إجماعا، حكاه جماعة كثيرة. وعن الامالي: إنه من
دين الامامية. ويدل عليه النصوص الكثيرة، كصحيح عمار بن مروان، وموثق سماعة،
المتقدمين (* 3) وخبر السكوني: " سبعة لا يقصرون... إلى أن قال: والرجل
____________
(* 1) المراد بهما: مرسلتا الشيخ في المبسوط والحلي في السرائر. (* 2) الوسائل باب:
15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 17. (* 3) تقدم ذكرها في الشرط الخامس.
( 52 )
{ ولافرق بين صيد البر والبحر (1). كما لافرق - بعد فرض كونه سفرا - بين كونه
دائرا حول البلد، وبين التباعد عنه، وبين استمرار ثلاثة ايام وعدمه على الاصح (2).
} يطلب الصيد، يريد به لهو الدنيا " (* 1)، وصحيح زرارة " عمن يخرج من أهله
بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزه الليلتين والثلاث، هل يقصر من صلاته، أو لا يقصر؟
قال (ع): إنما خرج في لهو، لا يقصر " (* 2). إلى غير ذلك. (1) لاطلاق النصوص
والفتاوى. اللهم إلا أن يدعى: انصرافه إلى المعهود المتعارف بين الملوك وأبناء
الدنيا، من صيد الاول بالبزاة والكلاب كذا في الجواهر. لكن عرفت: أن التعارف لا
يوجب الانصراف المعتد به في رفع اليد عن الاطلاق. (2) لاطلاق الادلة. نعم عن
الاسكافي: " المتصيد ماشيا إذا كان دائرا حول المدينة، غير مجاوز حد الترخص لم يقصر
يومين. فان تجاوز الحد واستمر دورانه ثلاثة أيام، قصر بعدها ". وهو غير واضح. نعم
يشير الى ما في ذيله خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " ليس على صاحب الصيد تقصير
ثلاثة أيام. وإذا جاوز ثلاثة لزمه " (* 3). لكنه مما لا مجال للعمل به بعد مخالفته
لما سبق. ومثله صحيح العيص: " أنه سئل الصادق (ع) عن الرجل يتصيد، فقال: إن كان
يدور حوله فلا يقصر، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر " (* 4). ونحوه صحيح صفوان عن عبد
الله قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل... " (* 5) فانهما - مع ماهما عليه من
الاجمال -
____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 9 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.
(* 4) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 5) الوسائل باب: 9 من
أبواب صلاة المسافر حديث: 2.
( 53 )
{ (مسألة 32): الراجع من سفر المعصية ان كان بعد التوبة يقصر (1). وان كان مع
عدم التوبة فلا يبعد وجوب التمام عليه، لكون العود جزءا من سفر المعصية (2). لكن
الاحوط الجمع حينئذ (3). (مسألة 33): إباحة السفر كما أنها شرط في الابتداء شرط في
الاستدامة أيضا. فلو كان ابتداء سفره مباحا، فقصد المعصية في الاثناء انقطع ترخصه
(4)، ووجب عليه الاتمام، وإن كان قد قطع مسافات (5). ولو لم يقطع بقدر المسافة }
محمولان على الصيد للقوت، جمعا. (1) لعدم كونه سفرا في معصية أو نحو ذلك. فالمرجع
فيه عموم القصر على المسافر. (2) كما ذكر بعض الاعيان، وحكاه عن المحقق القمي في
أجوبة مسائله. وفيه منع ظاهر، لاختلافهما موضوعا، وعنوانا. ولذا نفى في الجواهر
الاشكال في الترخص في العود. إلا أن يكون قصد به المعصية أيضا. (3) وفي حاشية
النجاة لشيخنا الاعظم (ره): " الاحوط في كل سفر معصية الاتمام في العود، كما قيل.
إلا أن يندم... ". وهو من المشكلات. ولذا علق عليه سيدنا الاعظم (ره) في حاشيته: "
بل الاحوط الجمع ". ولعل مراد شيخنا: أن الاحوط التمام مع القصر المذكور في متن
نجاة العباد، لا التمام وحده. فتأمل. (4) لعدم الفرق بين الابتداء والاستدامة، كما
صرح به غير واحد، على نحو يظهر أنه من المسلمات. وهو كذلك، لاطلاق الادلة. (5) كما
صرح به في الجواهر وغيرها، بنحو يظهر كونه من المسلمات،
( 54 )
{ صح ما صلاه قصرا. فهو كما لو عدل عن السفر، وقد صلى قبل عدوله قصرا (1)، حيث
ذكرنا سابقا أنه لا يجب إعادتها وأما لو كان ابتداء سفره معصية، فعدل في الاثناء
إلى الطاعة } ولم يعرف فيه خلاف صريح. نعم في حاشية النجاة لشيخنا الاعظم (ره): "
فيه تأمل مع قطع المسافة الموجبة للقصر ". وكأن وجه التأمل: احتمال كون نصوص هذا
الشرط - أعني: شرط الاباحة - إنما تكون مقيدة لاطلاق المسافة المأخوذة موضوعا لوجوب
التقصير، فيكون المحصل بعد الجمع بينهما: أنه لابد في التقصير من قصد السفر المباح
ثمانية فراسخ، فإذا حصل ذلك للمكلف وجب عليه التقصير إلى أن يخرج عن كونه مسافرا،
بالمرور بالوطن، أو ما هو بمنزلته، لا مقيدة للحكم بوجوب التقصير، حتى يكون المتحصل
بعد الجمع بينهما: أن كل مسافر يجب عليه التقصير في حال عدم كون سفره معصية، كي
يكون لازمه وجوب التمام في الفرض، كما في المتن، وغيره. وبالجملة: مرجع التأمل
المذكور في حاشية شيخنا الاعظم (ره): إلى إرجاع الشرطية الاباحة إلى تقييد السفر في
المسافة المخصوصة، ومرجع ما في المتن: إلى تقييد حكم السفر في المسافة المخصوصة.
فعلى الاول إذا تحقق السفر المباح في المسافة المخصوصة يجب التقصير، وإن نوى في
سفره الباقي المعصية، وعلى الثاني يجب التمام إذا نوى ذلك، لان انتفاء شرط وجوب
القصر يوجب انتفائه. والاظهر ما ذكره شيخنا الاعظم. وكان اللازم الجزم بوجوب القصر.
وكأن الذي منعه عن الجزم كون المعروف وجوب التمام وسيأتي ماله دخل في المقام. (1)
إذ غاية ما تقتضيه نصوص المقام تقييد السفر بالمباح، فيكون مقتضى الجمع بينها، وبين
مادل على اعتبار القصد، وبين صحيح زرارة السابق في المسألة الرابعة والعشرين: كون
تمام موضوع القصر هو قصد السفر
( 55 )
{ فان كان الباقي مسافة فلا إشكال في القصر (1)، وإن كانت ملفقة من الذهاب
والاياب (2)، بل وإن لم يكن الذهاب أربعة على الاقوى (3). وأما إذا لم يكن مسافة
ولو ملفقة فالاحوط الجمع بين القصر والتمام. وإن كان الاقوى القصر (4)، بعد كون
مجموع مانواه بقدر المسافة ولو ملفقة، فان المدار على حال العصيان والطاعة، فما دام
عاصيا يتم، وما دام مطيعا يقصر، من غير نظر إلى كون البقية مسافة أولا. } المباح.
والمفروض حصوله حال الصلاة، فتكون موافقة للامر الواقعي، وهي تقتضي الاجزاء. (1)
لتحقق الموضوع، وهو قصد السفر المباح البالغ المسافة. (2) كما في الرياض، وعن غيره.
وعن بعض نفي الخلاف فيه. والظاهر أن مرادهم الاكتفاء به في الجملة، على الشروط
المقررة في المسافة الملفقة - من اعتبار كون كل من الذهاب والاياب أربعة وعدمه،
والرجوع ليومه وعدمه، كل على مذهبه - لا الاكتفاء به مطلقا، ليكون منافيا لما ذكروه
في غير قاصد المسافة ابتداء ونحوه، من عدم ضم ما بقي من الذهاب إلى الرجوع، وإن كان
هو في نفسه مسافة. وإن احتمل في الجواهر وغيرها المنافاة لذلك، لكنه خلاف الظاهر.
(3) لكن تقدم الاشكال فيه. (4) كأن وجهه ما عرفت: من أن نصوص المقام كما يحتمل أن
تكون مخصصة لادلة الترخص بخصوص سفر غير المعصية، ويكون سفر المعصية خارجا عنها،
يحتمل أيضا أن تكون مقيدة لاطلاق حكم الترخص بخصوص حال غير المعصية، فيكون سفر
المعصية باقيا تحت عنوان السفر، غايته أنه
( 56 )
{ (مسألة 34): لو كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة } يجب التقصير في حال
الطاعة، والتمام في حال المعصية. ومع الدوران بين تقييد الموضوع وتقييد الحكم يتعين
الثاني، عملا بأصالة الاطلاق في الموضوع ولا يعارضها أصالة الاطلاق في الحكم، للعلم
بسقوطها عن الحجية في زمان المعصية، إما للتخصيص أو للتخصص، كما أشرنا الى ذلك في
مسألة التردد في الاثناء. وفيه: أن الظاهر من قوله (ع) في مرسل ابن أبي عمير: " إلا
في سبيل حق " (* 1)، وقوله (ع) في موثق عبيد: " لانه ليس بمسير حق " (* 2) وقوله
(ع) في خبر ابن بكير: " فان التصيد مسير باطل " (* 3) ونحوها غيرها: كون سفر
المعصية مستثنى من موضوع السفر، فيكون موضوع الترخص خصوص قصد السفر الذي لا يكون
معصية، على نحو تكون الاباحة شرطا للموضوع، لا لحكمه. وحينئذ يمتنع أن ينطبق على أي
قطعة تفرض من سفر المعصية، فلابد في الفرض من استئناف مسافة جديدة. ولاجل ذلك لم
يعرف الخلاف فيه، كما اعترف به غير واحد صريحا، أو ظاهرا. نعم لو سافر بقصد السفر
المباح، فنوى في أثنائه المعصية، ثم عدل منها إلى غيرها، فالمشهور وإن كان اعتبار
مسافة جديدة، لكن المحكي عن ظاهر نهاية الشيخ، والمعتبر، والروضة، وصريح الذكرى،
وغيرها، عدم اعتبارها. بل يكفي كون المجموع من السابق واللاحق مسافة، باسقاط
المتخلل، أو مع انضمامه. والوجه فيه: ما تقدم هنا، وفي مبحث التردد
____________
(* 1) تقدم ذكره في الشرط الخامس من هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة
المسافر حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7.
( 57 )
{ والمعصية فمع استقلال داعي المعصية لا إشكال في وجوب التمام (1). سواء كان
داعي الطاعة أيضا مستقلا، أو تبعا. وأما إذا كان داعي الطاعة مستقلا وداعي المعصية
تبعا، أو كان بالاشتراك، ففي المسألة وجوه (2). } في الاثناء. وإذ عرفت ظهور الادلة
في تقييد الموضوع، كان اللازم عدم احتساب المتخلل. كما أنك إذ عرفت ظهور نصوص
المسافة في خصوص الممتدة المتصلة، كان المتعين عدم الضم أصلا، كما هو المشهور. نعم
ما ذكرناه لا يلائم ما تقدم عن المشهور: من وجوب التمام إذا عدل الى المعصية، وإن
قطع مسافات، كما عرفت. وبالجملة: فتوى المشهور فيما لو عدل إلى المعصية، وفيما لو
عدل الى الطاعة، غير متلائمة وغير مبتنية على مبنى واحد. نعم في المتن أفتى في
المقامين على مبنى واحد، كما يظهر ذلك بالتأمل فيما ذكرناه. وأما مرسل السياري عن
أبي الحسن (ع): " إن صاحب الصيد يقصر مادام على الجادة، فإذا عدل عن الجادة أتم،
فإذا رجع إليها قصر " (* 1) فمع ضعفه بالارسال، وعدم ثبوت الجابر له، ظاهر في
التفصيل في الترخص لصاحب الصيد، وهو خلاف الاجماع. وحمله على من خرج لا بقصد الصيد،
ثم عدل عن الطريق للصيد، فيكون شاهدا لما نحن فيه - كما عن الشيخ (ره) - لاقرينة
عليه. فرفع اليد عنه متعين. هذا إذا كان الرجوع الى قصد المباح بعد قطع مقدار من
المسافة، أما لو رجع إليه قبل ذلك كان البناء على القصر في محله، كما عرفت في مبحث
التردد. (1) لوضوح صدق سفر المعصية. (2) أحدهما: وجوب القصر، بدعوى: ظهور نصوص سفر
المعصية
____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6.
( 58 )
{ والاحوط الجمع. وإن كان لا يبعد وجوب التمام (1). خصوصا في صورة الاشتراك،
بحيث لولا اجتماعهما لا يسافر. (مسألة 35): إذا شك في كون السفر معصية أولا، مع كون
الشبهة موضوعية، فالاصل الاباحة (2). إلا إذا كانت الحالة السابقة هي الحرمة (3)،
أو كان هناك أصل موضوعي، كما إذا كانت الحلية مشروطة بأمر وجودي، كاذن المولى، وكان
مسبوقا بالعدم، أو كان الشك في الاباحة والعدم من جهة الشك في حرمة الغاية وعدمها،
وكان الاصل فيها الحرمة (4). } فيما إذا كان داعي المعصية صالحا للعلية بالاستقلال.
وثانيها: وجوب التمام لما يأتي. وثالثها: التفصيل بين صورة الاشتراك في الداعوية،
فيجب التمام وكون داعي المعصية تابعا، فيجب القصر. بدعوى: ظهور نصوص في كون المراد
من سفر المعصية ما يكون للحرام دخل فيه، بحيث لولاه لم يكن. (1) لانه يكفي في كونه
سفرا في معصية كونه سائرا بقصد المعصية، بلا فرق بين الصور المذكورة. (2) فانه
الاصل الجاري في الشبهة الموضوعية التحريمية. (3) إذ حينئذ يكون استصحابها حاكما
على أصالة الاباحة. وكذا الحال في الاصل الموضوعي الجاري في نفي الشرط، فانه حاكم
عليها، كما هو شأن الاصل السببي. (4) إذ جريان الاصل المذكور يوجب كون الغاية معصية
تعبدا، فيصدق على السفر أنه سفر في معصية، فيكون من قبيل إحراز جزء الموضوع بالاصل،
وجزئه الآخر بالوجدان.
( 59 )
{ (مسألة 36): هل المدار في الحلية والحرمة على الواقع أو الاعتقاد، أو الظاهر
من جهة الاصول؟ (1) إشكال. فلو اعتقد كون السفر حراما، بتخيل أن الغاية محرمة، فبان
خلافه، كما إذا سافر لقتل شخص بتخيل أنه محقون الدم، فبان كونه مهدور الدم، فهل يجب
عليه إعادة ما صلاه تماما (2) أولا؟ ولو لم يصل وصارت قضاء، فهل يقضيها قصرا أو
تماما؟ وجهان (3). والاحوط الجمع. وإن كان لا يبعد كون المدار على الواقع (4)، إذا
لم نقل بحرمة التجري، وعلى } (1) هذا معطوف على الاعتقاد، الذي هو بديله يختص بحال
الشك، الذي هو موضوع الاصل، فيكون عدلا للواقع، في قبال الاعتقاد الذي هو عدل له
أيضا. (2) وكذا قضاؤه. لعدم الفرق بين الاعادة والقضاء على تقدير البطلان. (3)
ينشآن: من ظاهر قوله (ع): " إلا في سبيل حق " (* 1)، أو " في معصية الله " (* 2)، "
أو رسولا لمن يعصي الله " (* 3)، أو " طلب شحناء " (* 4)، ونحو ذلك، في إناطة الحكم
بالتحريم الواقعي. ومن أن الاباحة لما كانت شرطا في السفر - الذي أخذ موضوعا للترخص
بعنوان كونه مقصودا، لا بوجوده الواقعي الخارجي - كان الظاهر من اعتبارها فيه هو
اعتبارها كذلك، فيكون القادح في الترخص قصد المعصية. وسيما بملاحظة كون الحكم
بالترخيص إرفاقيا، كما يظهر من النصوص. ومنها بعض نصوص المقام. (4) فانه الظاهر من
كلمات الاصحاب، حيث جعلوا الاباحة شرطا
____________
(* 1) ورد ذلك في مرسل ابن أبي عمير المتقدم في الشرط الخامس من هذا الفصل. (* 2) و
(* 3) و (* 4) ورد ذلك كله في صحيح عمار بن مروان المتقدم في الشرط الخامس.
( 60 )
{ الاعتقاد إن قلنا بها. وكذا لو كان مقتضى الاصل العملي الحرمة وكان الواقع
خلافه، أو العكس، فهل المناط ما هو في الواقع، أو مقتضى الاصل بعد كشف الخلاف؟
وجهان. والاحوط الجمع. وإن كان لا يبعد كون المناط هو الظاهر، } للسفر، كشرط بلوغ
المسافة بريدين، الظاهر في كونها شرطا واقعيا، لاقصديا، بل ظاهر النصوص أيضا، لما
ذكر. ومجرد كون السفر المأخوذ شرطا للترخص قصديا لا خارجيا، لا ينافي ذلك إذا
ساعدته الادلة، ولذا لانقول بذلك في البلوغ بريدين، فان جميع ما ذكر فيه التمام من
أنواع سفر المعصية في النصوص كان محرما واقعيا، لاقصديا اعتقاديا. ودعوى: أن ظاهر
قوله (ع): " في معصية الله، أو رسولا لمن يعصي الله "، كون ذلك بنظر المكلف.
ممنوعة، بل الظاهر كون المراد منه السفر في الحرام، ولو بنحو الرسالة إليه. ومناسبة
الارفاق لا تنافي ذلك لان في جعل الترخيص لخصوص السفر المباح واقعا، دون الحرام
كذلك، نحوا من الارفاق أيضا. وليست حيثية الارفاق علة يدور مدارها الحكم جزما، بل
هي حكمة يجوز تخلفها، فليس ذلك مما يصلح لاجله رفع اليد عن الظاهر. هذا إذا لم نقل
بحرمة التجري. أما لو قلنا بها فاللازم البناء على التمام مع اعتقاد الحرمة أيضا،
لتحقق الحرمة للسفر بالفرض، ولو كانت من أجل التجري. واعتبار الحرمة بالعنوان
الاولي لا ملزم به. وحينئذ تكون نتيجة ذلك الاكتفاء في نفي الترخص باحدى الحرمتين:
الاولية الواقعية، والثانوية الناشئة من التجري، لا أنه يكون المدار على الاعتقاد
لاغير، كما يظهر من المتن.
( 61 )
{ الذي اقتضاه الاصل، إباحة أو حرمة (1). (مسألة 37): إذا كانت الغاية المحرمة
في أثناء الطريق لكن كان السفر مستلزما لقطع مقدار آخر من المسافة، فالظاهر أن
المجموع يعد من سفر المعصية (2)، بخلاف ما إذا لم يستلزم. } (1) أما إباحة فظاهر،
فانا وإن لم نقل بثبوت حكم ظاهري في قبال الحكم الواقعي، لكن لابد لنا من القول
بالترخيص الشرعي في فعل الحرام، إذا كان الاصل يقتضي الحل. وحينئذ يكون السفر سائغا
ومرخصا فيه شرعا حقيقة. وأما حرمة فينبغي ابتناؤه على ما سبق من القول بحرمة التجري
وعدمها. إذ على الاول يكون السفر محرما شرعا بعنوان التحري، وإن كان حلالا بالعنوان
الواقعي الاولي. وعلى الثاني يكون حلالا لاغير، فيجب فيه القصر واقعا. فاجراء أصل
الاباحة وأصل الحرمة على نحو واحد - كما في المتن - غير ظاهر. هذا ويمكن أن يقال:
إن مورد النصوص، والمستفاد منها: كون الموضوع هو الحرام الواقعي، لا ما يشمل الحرام
من جهة التجري. وغاية ما يدعى: انصرافه إلى صورة تنجز ذلك الحرام على المكلف. وهذا
هو الاقرب. ولاسيما وأن البناء على حرمة التجري شرعا بعيد جدا، إذ غاية ما يمكن
الالتزام به هو إيجابه لاستحقاق العقاب، كالمعصية الحقيقية. فتأمل جيدا. والله
العالم. (2) هذا إذا كان الاستلزام من جهة المقدمية، كما إذا كان مرسى السفن - التي
تركب في طريق الغاية المحرمة - واقعا في مكان أبعد من الغاية بميل ونحوه مثلا. أما
إذا لم يكن للمقدمية، بل لتلازم القطعتين من السفر لتلازم غايتهما، فلا وجه لعده
جزءا من سفر المعصية. ولعل المراد الصورة الاولى.
( 62 )
{ (مسألة 38): السفر بقصد مجرد التنزه ليس بحرام، ولا يوجب التمام (1). (مسألة
39): إذا نذر أن يتم الصلاة في يوم معين، أو يصوم يوما معينا وجب عليه الاقامة ولو
سافر وجب عليه القصر، على ما مر (2): من أن السفر المستلزم لترك واجب لا يوجب
التمام، إلا إذا كان بقصد التوصل إلى ترك الواجب والاحوط الجمع. } (1) يظهر من
المقدس البغدادي، والجواهر، وغيرهما الاجماع عليه. واستدل عليه في الجواهر: بالاصل،
والسيرة القطعية. (2) يعني: في المسألة السابعة والعشرين. وفيه: أن ذلك إنما كان في
الاستلزام الناشئ من التضاد الذاتي بين فعل الواجب والسفر، لا الناشئ من مقدمية ترك
السفر للواجب، كما في المقام، فان ترك السفر مقدمة شرعا للصوم وإتمام الصلاة،
لاعتباره فيهما، فيكون نذرهما نذرا له. وقد تقدم في أول هذا الشرط: أن السفر
المنذور تركه من سفر المعصية، يجب فيه التمام. وبالجملة: إتمام الصلاة المنذور إن
كان خصوص الاتمام المشروع بشرائطه الشرعية، كان نذره منحلا إلى نذر شرطه، وهو ترك
السفر، فيجري فيه ما سبق. وإن كان مطلق الاتمام وإن لم يكن مشروعا كان النذر باطلا.
فالبناء على صحة النذر ملازم لالحاق السفر في الفرض بالقسم الاول من أقسام سفر
المعصية. نعم مقتضى جواز السفر في شهر رمضان اختيارا الجواز هنا، بضميمة قاعدة
الالحاق. ويؤيده - بل يشهد به -: رواية عبد الله بن جندب: " سمعت من زرارة عن أبي
عبد الله (ع): " انه سأله عن رجل جعل على
( 63 )
{ (مسألة 40): إذا كان سفره مباحا، لكن يقصد الغاية المحرمة في حواشي الجادة
فيخرج عنها لمحرم ويرجع إلى الجادة. فان كان السفر لهذا الغرض كان محرما موجبا
للتمام وإن لم يكن كذلك، وإنما يعرض له قصد ذلك في الاثناء، فما دام خارجا عن
الجادة يتم (1)، وما دام عليها يقصر. كما أنه إذا كان السفر لغاية محرمة، وفي
أثنائه يخرج عن الجادة، } نفسه نذر صوم، فحضرته نية في زيارة أبي عبد الله (ع). قال
(ع): يخرج، ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك " (* 1). وقريب منها غيرها. ويأتي
- إن شاء الله تعالى - في كتاب الصوم: أن مقتضى الجمع بين الادلة، أن الحضر شرط
لنفس الصوم، لا لمشروعيته. لكن لم يؤخذ وجوده مطلقا كذلك، بل خصوص وجوده من باب
الاتفاق، لابداعي وجوده، فلا يكون نذر الصوم نذرا للحضر، ولا للاقامة. فتأمل جيدا.
وسيأتي الكلام في هذه المسألة في المسألة الثانية والعشرين من الفصل الآتي. (1) هذا
يتم بناء على متخاره: من أن إباحة السفر شرط في الترخص لا في السفر الذي جعل موضوعا
له، كما تقدم في ذيل المسألة الثالثة والثلاثين. أما على المختار: من كونها شرطا في
السفر الذي جعل موضوعا له، فلا يجوز التقصير إذا رجع إلى الجادة. إلا إذا كان
الباقي مسافة، ولو ملفقة. ثم إن الظاهر أن محل الفرض مالو كان الخروج عن الجادة
معدودا عرفا جزءا من السفر، بحيث يكون خط السير الخروجي معدودا جزءا من المسافة
المحدودة. أما لو كان معدودا عرفا خارجا عنها، كما لو غضب على المكاري، فنزل عن
دابته يركض إليه ليضربه ظلما، أو خرج من منزله إلى المواضع التي حوله ليسرق متاعا،
أو يشرب ماء غصبا، أو
____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 5.
( 64 )
{ ويقطع المسافة أو أقل (1) لغرض آخر صحيح، يقصر مادام خارجا. والاحوط الجمع في
الصورتين. (مسألة 41): إذا قصد مكانا لغاية محرمة، فبعد الوصول إلى المقصد قبل حصول
الغرض يتم (2). وأما بعده فحاله حال العود عن سفر المعصية، في أنه لو تاب يقصر، ولو
لم يتب يمكن القول بوجوب التمام، لعد المجموع سفرا واحدا (3). والاحوط الجمع هنا،
وإن قلنا بوجوب القصر } يدخل بستانا بغير إذن أهله، فالظاهر بقاؤه على التقصير في
حال الخروج، فضلا عن حال الرجوع. (1) أما في الاول فلا ينبغي الاشكال في الترخص حال
الخروج، لقصد السفر المباح مسافة. وأما في الاقل فهو مبني على ما سبق في ذيل
المسألة الثالثة والثلاثين. (2) لعدم انتهاء سفر المعصية قبل حصولها، بل يصدق عليه
أنه مسافر لقصد المعصية. (3) لاريب في أن المسافر من حين خروجه من وطنه إلى أن يرجع
إليه، سفره سفر واحد، ما لم ينقطع بأحد قواطع السفر، وهو منتف في الفرض. نعم عد
المجموع سفرا وحدا إنما يوجب التمام في حال كونه في المقصد، قبل الشروع في الاياب،
لاحد وجهين. الاول: صدق السفر المعصية عليه حينئذ. لكنه منتف. لان كونه في المقصد
لم يقصد منه معصية، ولا هو معصية. الثاني: أن تكون إباحة السفر شرطا للموضوع، لانه
على هذا المبنى لم يتحقق منه سفر المباح، ليجب عليه القصر، لان السفر السابق كان
سفر
( 65 )
{ العود، بدعوى: عدم عده مسافرا قبل أن يشرع في العود (1). (مسألة 42) إذا كان
السفر لغاية، لكن عرض في أثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرم، منضما إلى
الغرض الاول، فالظاهر وجوب التمام في ذلك المقدار من المسافة، لكون الغاية في ذلك
المقدار ملفقة من الطاعة والمعصية (2). } معصية، والسفر اللاحق المباح لم يتحقق
منه، فيجب عليه التمام. أما إذا كانت الاباحة شرطا للحكم، فالسفر السابق لا قصور في
موضوعيته للقصر، وإنما القصور في الحكم، من جهة عدم حصول شرطه، وهو الاباحة. وهذا
الشرط إنما انتفى قبل حصول الغرض الحرام. أما بعد حصوله فقد حصل شرط الاباحة،
فيتعين القصر. وبعبارة أخرى: بعد حصول الغرض الحرام يصدق على هذا المكلف أنه مسافر،
وليس سفره معصية، فيجب عليه القصر. لكن عرفت سابقا الاشكال في هذا المبنى، وإن كان
ظاهر المصنف (ره) اختياره. ولو تم ذلك كان اللازم الجزم بوجوب القصر مطلقا، وإن لم
يتب، إذ التوبة وعدمها لا يوجبان اختلافا في الصدق وعدمه. (1) قد عرفت الاشارة إلى
أن الفرق بين الشروع في الاياب وما قبله، حال كونه في المقصد، إنما يتم بناء على
أخذ الاباحة شرطا للموضوع لان تحقق السفر المباح يتوقف على الشروع فيه، فقبله لاسفر
مباح. أما إذا أخذت شرطا للحكم فالسفر السابق موضوع للحكم، وإنما لم يثبت له الحكم
لانتفاء شرطه، بحصول قصد المعصية، فإذا زال قصد المعصية بحصولها، فقد حصل الشرط،
وثبت الحكم. (2) يعني: وقد عرفت فيما سبق وجوب التمام في مثله، لصدق كون السفر في
معصية.
( 66 )
{ والاحوط الجمع، خصوصا إذا لم يكن الباقي مسافة (1). (مسألة 43): إذا كان
السفر في الابتداء معصية، فقصد الصوم، ثم عدل في الاثناء إلى الطاعة. فان كان
العدول قبل الزوال وجب الافطار (2). وإن كان بعده ففي صحة الصوم ووجوب إتمامه إذا
كان في شهر رمضان مثلا، وجهان (3). والاحوط الاتمام والقضاء. ولو انعكس بأن كان
طاعة في الابتداء وعدل إلى المعصية في الاثناء. فان لم يأت بالمفطر، } (1) لم يظهر
لهذه الخصوصية دخل في الاحتياط المذكور، لان الملفق من المعصية إن كان معصية عرفا
وجب التمام، وإن كان الباقي مسافة. وإلا وجب القصر، وإن لم يكن الباقي مسافة.
فالعمدة في الاحتياط: الاشكال في صدق المعصية على الملفق وعدمه. (2) لما يأتي إن
شاء الله تعالى في كتاب الصوم: من وجوب الافطار لمن سافر قبل الزوال المفروض حصوله.
نعم لابد على المعروف - كما سبق - من وجوب كون الباقي مسافة، ومن وجوب الشروع فيه.
ولا يفطر بمجرد العدول، كما عرفت. (3) ينشآن: من أن مقتضى البناء على أن الاباحة
ليست شرطا في السفر الموجب للترخص، وإنما هي شرط في الترخص، فيكون المسافر في الفرض
مسافرا قبل الزوال. غاية الامر أن لم يقتض سفره الترخص حال قصد المعصية. وإنما
يقتضيه حال قصد الطاعة، وذلك بعد الزوال، فيجب الافطار. ومن أن المعيار في إفطار
اليوم وصومه حال الزوال، فإذا كان صائما صوما صحيحا حاله لا يجب عليه الافطار بعد
ذلك. وكأنه لاجل ذلك توقف المصنف (ره) عن الحكم. وإلا فلازم مبناه من أن المدار
( 67 )
{ وكان قبل الزوال، صح صومه (1). والاحوط قضاؤه أيضا وإن كان بعد الاتيان
بالمفطر، أو بعد الزوال بطل (2). والاحوط إمساك بقية النهار تأدبا إن كان من شهر
رمضان (3). (مسألة 44): يجوز في سفر المعصية الاتيان بالصوم الندبي، ولا يسقط عنه
الجمعة، ولا نوافل النهار، والوتيرة، فيجري عليه حكم الحاضر (4). السادس من
الشرائط: أن لا يكون ممن بيته معه (5)، } في الترخص وعدمه على حال الاباحة
والعصيان، هو وجوب الافطار والقضاء جزما، لما تقدم من الوجه الاول، وضعف الوجه
الثاني، لعدم ثبوته. هذا وإذ عرفت أن الاباحة شرط للسفر الموجب للترخص، فيكون السفر
المشروط بها في الفرض حاصلا بعد الزوال، كان الواجب الحكم بصحة الصوم، ووجوب إتمامه
بلا قضاء، كما لو سافر ابتداء بعد الزوال. (1) فانه حينئذ يكون كمن سافر وحضر قبل
الزوال، فانه ينوي الصوم ويتمه. ولافرق بين القول بأن الاباحة شرط السفر، والقول
بأنها شرط في الترخص. (2) كما لو سافر أول النهار وحضر بعد الزوال، أو بعد استعمال
المفطر. ولافرق أيضا بين القولين المتقدمين آنفا في ذلك. (3) يعني: استحبابا.
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في كتاب الصوم بيان وجهه. (4) لظهور النص والفتوى في
اختصاص حكم المسافر بخصوص السفر المباح، من دون فرق بين الاحكام. (5) بلا خلاف فيه،
كما عن جماعة. نعم المعروف بينهم: إرجاع
( 68 )
{ كأهل البوادي من العرب والعجم، الذين لامسكن لهم معينا بل يدورون في البراري،
وينزلون في محل العشب والكلاء، ومواضع القطر واجتماع الماء. لعدم صدق المسافر عليهم
(1). } هذا الشرط ومابعده إلى شرط واحد، وإن اختلفت عبارتهم عنه. فعبر المعظم: بأن
لا يكون سفره أكثر من حضره، وآخر: بأن لا يكون كثير السفر، وثالث: بأن لا يكون
السفر عملا له، ورابع: بأن لا يكون ممن يلزمه الاتمام في السفر، وخامس: بأن لا يكون
سفره في حكم حضره، وسادس: اقتصر على ذكر العناوين الموجودة في النصوص، من المكاري،
والجمال، والملاح، والراعي، والجابي الذي يدور في جبايته، والامير الذي يدور في
إمارته، والتاجر الذي يدور في تجارته، والبدوي الذي يتطلب مواضع القطر ومنابت
الشجر، و (الاشتقان) وهو البريد أو أمين البيدر، و (الكري) وهو الساعي (* 1). وما
ذكره المصنف (ره) - تبعا لجماعة - أولى، لاختلاف الشرطين مفهوما، مع تضمن النصوص
لكل منهما بخصوصه. ففي مضمر إسحاق بن عمار: " عن الملاحين والاعراب هل عليهم تقصير؟
قال (ع): لا، بيوتهم معهم " (* 2)، ومرسل سليمان بن جعفر الجعفري عمن ذكره عن أبي
عبد الله (ع): " الاعراب لا يقصرون، وذلك أن منازلهم معهم " (* 3). (1) كما يشير
إليه التعليل في النصوص: بأن بيوتهم معهم، فان المراد منه ذلك. وحينئذ فلو كان
متوطنا في بلد معين، وكان له بيت ينقل، فسافر فيه اتفاقا، لزيارة ونحوها، قصر وإن
كان بيته معه، لصدق المسافر
____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب
المسافر حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6.
( 69 )
{ نعم لو سافروا المقصد آخر، من حج، أو زيارة، أو نحوهما قصروا (1). ولو سافر
أحدهم لاختيار منزل، أو لطلب محل القطر أو العشب، وكان مسافة، ففي وجوب القصر أو
التمام عليه إشكال (2). فلا يترك الاحتياط بالجمع. السابع: أن لا يكون ممن اتخذ
السفر عملا وشغلا له (3) كالمكاري، والجمال، والملاح، والساعي، والراعي، ونحوهم فان
هؤلاء يتمون الصلاة والصوم في سفرهم الذي هو عمل لهم، وإن استعملوه لانفسهم، كحمل
المكاري متاعه أو أهله من مكان إلى مكان آخر. ولافرق بين من كان عنده بعض } عليه
حينئذ. نعم لو جعل نفسه من الذين يسكنون البيوت المبنية على الحط والارتحال أتم،
كأهل القرى الذين يتوطنون في أيام الصيف منازلهم، وفي أيام الشتاء يرتحلون في
بيوتهم إلى المواضع القطر والنبت، لحاجة أنعامهم الى ذلك. (1) كما عن جماعة كثيرة
من المتأخرين ومتأخريهم، بل عن الغوالي: دعوى الاجماع عليه. لعدم كون بيوتهم معهم.
والمستفاد من التعليل في النصوص: دوران الحكم مداره وجودا وعدما، فلو سافروا
للزيارة ونحوها، وكانت بيوتهم معهم أتموا. (2) ينشأ: مما سبق. ومن أن السفر لما كان
راجعا الى إصلاح شؤون بيته كان كأنه سفر وهو في بيته. ولكنه - كما ترى - خروج عن
ظاهر التعليل من غير ملزم. فالبناء على القصر فيه حيث لا يكون بيته معه متعين. (3)
بلا خلاف، كما عرفت، ويدل عليه صحيح زرارة: " قال أبو
( 70 )
{ الدواب يكريها الى الاماكن القريبة من بلاده (1)، فكراها } جعفر (ع): أربعة
قد يجب عليهم التمام في السفر كانوا أو في الحضر: المكاري، والكري والراعي،
والاشتقان، لانه عملهم " (* 1). ومثله مرفوع ابن أبي عمير، بزيادة " الملاح " (*
2). ومقتضى حمل التعليل المذكور على الارتكاز العرفي عموم الحكم لمن كان بانيا على
الاستمرار على السفر للتعليم أو للتعلم أو لغير ذلك من الغايات المحللة. فالعمال
الذين يسافرون كل يوم من وطنهم إلى الخارج المسافة للعمل ثم الرجوع الى وطنهم ليلا
يتمون صلاتهم، ويصومون شهر رمضان، وان لم يصدق أن عملهم السفر بل عملهم البناء، أو
الحضر، أو نحو ذلك. كل ذلك حملا للتعليل على مقتضى الارتكاز العرفي، وهو الاستمرار
على السفر لاي غاية كانت. مضافا الى ما ورد في التاجر الذي يدور في تجارته، والامير
الذي يدور في إمارته، والجابي الذي يدور في جبايته. فان هؤلاء شغلهم الجباية،
والامارة، والتجارة التي تكون في السفر، وليس سفر نفسه شغلهم. ولافرق بينهم وبين
العمال المذكورين في أن السفر مقدمة لما هو عملهم. وحاصل ما يشير إليه التعليل: أن
الذي شغله السفر ليس له مقر يسافر عنه، فيكون ممن لامقر له إلا منازل السفر، فيكون
من قبيل من بيته معه، ولذا وجب عليه التمام. (1) بشرط أن يبلغ المسافة، كما نص عليه
في الجواهر. لان الظاهر من السفر - الذي جعل التمام لمن كان هو عملا له - هو السفر
الشرعي، الذي يكون موضوعا للقصرلولا كونه عملا. وقد يشير إلى ذلك خبر إسحاق: " عن
الذين يكرون الدواب يختلفون كل الايام، أعليهم التقصير
____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 11 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 12.
( 71 )
{ الى غير ذلك من البلدان البعيدة وغيره. وكذا لافرق بين من جد في سفره (1)،
بأن جعل المنزلين منزلا واحدا، وبين } إذا كانو ا في سفر؟ قال (ع): نعم " (* 1).
ونحوه خبره الآخر (* 2). (1) كما هو المشهور شهرة عظيمة. لاطلاق أدلة التمام على
المسافر الذي اتخذ السفر عملا. نعم عن ظاهر الكليني والشيخ في التهذيب: وجوب
التقصير إذا جد السير. للنصوص المستفيضة الدالة على ذلك، كصحيح ابن مسلم عن أحدهما
(ع): " المكاري والجمال إذا جد بهما السير فليقصروا " (* 3)، وصحيح البقباق: " سألت
أبا عبد الله (ع) عن المكارين يختلفون، فقال (ع): إذا جدوا السير فليقصروا " (* 4)،
والمروي عن كتاب ابن جعفر عن أخيه (ع): " عن المكارين الذين يختلفون الى النيل، هل
عليهم إتمام الصلاة؟ قال (ع): إذا كان مختلفهم فليصوموا، وليتموا الصلاة. إلا أن
يجد بهم السير، فيقصروا وليفطروا " (* 5). حاملين للجد على معنى جعل المنزلين منزلا
واحدا. ومال إلى العمل بها أصحاب المنتفى، والمدارك، والذخيرة، والمفاتيح والحدائق.
وإن خالفوهم في معنى جد السير، فحملوه على ظاهره، وهو المعنى العرفي، وهو زيادة
السير على القدر المتعارف، بنحو يحصل منه جهد ومشقة، وإن لم يبلغ جعل المنزلين
منزلا، إذ لا قرينة على ما ذكره الشيخان. وهو في محله.
____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 12 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.
(* 4) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 13 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 5.
( 72 )
{ من لم يكن كذلك. والمدار على صدق اتخاذ السفر عملا له عرفا (1)، } إلا أن
العمل بالنصوص المذكورة بعد إعراض الاصحاب عنها، حتى الشيخ في كتبه الفتوائية -
مشكل. ولاسيما وأن ظاهر الكليني (ره) توهينها، إذ أنه بعد ما روى روايات التمام
قال: " وفي رواية أخرى: " المكاري إذا جد به السير فليقصر " (* 1). قال: ومعنى جد
السير: جعل المنزلين منزلا ". فان إرساله لهذه الروايات لا يخلو من دلالة على
وهنها. فلا مجال لرفع اليد بها عن عموم ما سبق. وحملها على ما إذا أنشأ المكاري
والجمال سفرا غير صنعتهما - كما عن الذكرى - أو على ما إذا أقاما عشرة - كما عن
المختلف - أو على ما إذا قصدا المسافة قبل تحقق الكثرة - كما عن الروض - بعيد جدا.
نعم الاقرب منها ما احتمله في الذكرى. من حملها على ما إذا كانت المكاراة فيما دون
المسافة، ويكون جد السير عبارة عن قصد المسافة، فيكون محملها محمل خبري إسحاق
المتقدمين (* 2). لكنه لايتم في مرسل عمران بن محمد: " الجمال والمكاري إذا جد بهما
السير فليقصرا فيما بين المنزلين، ويتما في المنزل " (* 3) الذي يجب تقييد ما تقدم
به، على تقدير جواز العمل به، وعدم قدح الاعراض عنه فيه. وإرساله قد لايمنع عن ذلك،
بعد اعتماد الشيخ عليه. بل قد يدعى قصور ما تقدم عن اقتضاء القصر في المنزل. فتأمل.
(1) لما عرفت من التعليل، الحاكم على بقية النصوص الدالة على وجوب التمام على أحد
العناوين الخاصة، من المكاري، والجمال، ونحوهما، فيدور وجوب التمام مداره وجودا
وعدما. ومنه يظهر ضعف ماعن الذكرى
____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) تقدم ذكرهما في
التعليقة السابقة. (* 3) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.
( 73 )
{ ولو كان في سفرة واحدة لطولها وتكرر ذلك منه من مكان غير بلده الى مكان آخر
(1). } وجماعة: من كون المدار على صدق أحد العناوين الخاصة، أو صدق عملية السفر،
وماعن الحلبي: من أن المدار على صدق أحد العناوين الخاصة، من المكاري، والجمال،
ونحوهما. اللهم إلا أن يكون مراده ما ذكرنا، لغلبة تلازم صدق تلك العناوين مع عملية
السفر. وقد عرفت أن المراد من عملية السفر مزاولته وتعاطيه، على نحو يكون صاحبه
لامقر له الا منازل السفر، فهي بيوته التي تتناوب عليه. (1) الظاهر تحقق الصدق
العرفي بمجرد التلبس بالسفر بانيا على أنه عمله، ولا يتوقف على طول السفر، ولا على
تكرره، كما عن المقدس البغدادي استظهاره، وفي الجواهر: " لا يخلو من وجه ". فان
قلت: إذا كانت الاقامة عشرة أيام رافعة لحكم التمام، فكيف لا تكون الاقامة طول
العمر كذلك؟! فكيف يجب التمام في السفرة الاولى؟! قلت: هذا شرط آخر لوجوب التمام،
أعني: عدم إقامة عشرة أيام فما زاد. ويمكن حصوله بالسفرة الاولى، كما لو سافر إلى
بلد زائرا، فأقام بها يوما، ثم اشترى دوابا وصار مكاريا وسافر. فان قلت: ظاهر جملة
من النصوص اعتبار الاختلاف، وهو لا يتحقق بالسفرة الاولى. قلت: الظاهر من الاختلاف
الاختلاف بمعنى الملكة المأخوذ في مفهوم المكاري. لا أقل من وجوب حمله على ذلك،
بقرينة التعليل المتقدم. ولو بني على حمله على الفعلية كان اللازم اعتبار التكرر
بنحو الشرط المتأخر، كما يقتضيه الفعل المضارع، لا الشرط المتقدم الذي هو مدلول
الفعل الماضي، كما يدعيه الجماعة، وإذ لا قائل باعتباره بنحو الشرط المتأخر يتعين
حمله على الملكة.
( 74 )
{ فلا يعتبر تحقق الكثرة بتعدد السفر ثلاث مرات (1)، أو مرتين (2). فمع الصدق
في أثناء السفر الواحد أيضا يلحق الحكم، وهو وجوب الاتمام. نعم إذا لم يتحقق الصدق
إلا بالتعدد يعتبر ذلك. (مسألة 45): إذا سافر المكاري ونحوه ممن شغله السفر سفرا
ليس من عمله - كما إذا سافر للحج أو للزيارة - يقصر (3). نعم لو حج أو زار، لكن من
حيث أنه عمله } (1) كما في الروض، والرياض. حملا لاطلاق النصوص على الغالب
المتعارف. وفيه: أن الغالب في المكاري من تكرر منه السفر أكثر من ثلاث مرات، بل
أكثر من ذلك بكثير، فاللازم التخصيص بهم لو بني على الحمل على الغالب، ولاوجه
لتخصيصه بذي الثلاث. مضافا إلى أن ظهور التعليل ليس بالاطلاق، ليختص بالمتعارف. مع
أن التعارف والغلبة لا يوجبان القدح في الاطلاق، كما هو محقق في محله. ومثله ماعن
الذكرى: من أن المدار على صدق وصف أحدهم، أو صدق عملية السفر، وأن ذلك إنما يحصل
بالمرة الثالثة. إذ فيه: ما عرفت من المنع. (2) كما عن المختلف: لتوقف صدق الاختلاف
عليه، ولايحتاج الى الثلاث. وفيه: أيضا ما عرفت. (3) كما في الجواهر. اقتصارا في
تقييد الادلة على المتيقن، وهو السفر الذي يدخل في عملهم ومكاراتهم، لانصراف الادلة
عن غيره. بل هو ظاهر الادلة، لان الضمير في قوله (ع): " لانه عملهم... " راجع الى
السفر المحكوم بوجوب التمام، فلابد في السفر المحكوم بوجوب التمام فيه أن يكون من
عملهم. وقد يشير إليه صحيح ابن مسلم: " ليس
( 75 )
{ - كما إذا كرى دابته للحج أو الزيارة، وحج أو زار بالتبع - أتم (1). (مسألة
46): الظاهر وجوب القصر على الحملدارية الذين يستعملون السفر في خصوص أشهر الحج
(2). بخلاف } على الملاحين في سفينتهم تقصير " (* 1)، حيث خص الحكم بالسفينة. ونحوه
خبر ابن جعفر (ع) (* 2). ولعله أيضا محمل خبري إسحاق المتقدمين (* 3). ومنه يظهر
ضعف القول بالاتمام، اعتمادا على إطلاق أدلة التمام على من كان عمله السفر. هذا
بناء على أن الموضوع عملية السفر. أما إذا كان المراد مزاولة السفر وتعاطيه على نحو
تكون منازل السفر كبيوته المتبادلة، لعزمه على اتخاذها بيوتا له، فاللازم التمام،
لان هذا السفر كغيره من أسفاره. (1) لانه في عمله. (2) كما نص عليه في الجواهر
وغيرها. لعدم صدق كون السفر عملهم، الذي عرفت أنه مدار وجوب التمام. والوجه في ذلك:
أن عملية السفر - كعملية سائر الحرف والصنائع - موقوفة على البناء على المزاولة مرة
بعد أخرى، على نحو لا يكون له فترة طويلة غير معتادة لمن يزاول تلك الحرفة أو
الصنعة. ولذا لا يظن أن يحتمل أن من كان بناؤه على السفر من النجف الاشرف إلى
كربلاء للبيع على الزائرين في الزيارات المأثورة فهو ممن عمله السفر، لان الفترات
بين أيام الزيارات منافية لصدق عملية السفر. كما أن من كان بناؤه على نسيج ثلاثة
أثواب أو أربعة في كل سنة ليلبسها
____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 11 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 7. (* 3) تقدم ذكرهما في أوائل الشرط السابع.
( 76 )
لا يصدق عليه أنه نساج وعمله النساجة. فهؤلاء المسافرون في كل سنة إلى مكة في
أشهر الحج لا يصدق عليهم أنهم عملهم السفر، وإن كان بناؤهم على ذلك في كل سنة،
لتحقق الفترة المنافية لصدق عملية السفر، فلا تجدي مزاولتهم للسفر المذكور - بلحاظ
ضم السنين بعضها إلى بعض - في صدق كون السفر عملهم. نعم لو بنى بعض أهل مكة على
مكاراة جماله في أشهر الحج بين جدة ومكة، على نحو عزم على التردد مرة بعد أخرى، بلا
فترة منافية للاستمرار عرفا على العمل المذكور، كان في أشهر الحج ممن عمله السفر،
ووجب عليه التمام. وبالجملة: اعتبار المواظبة والتكرر في صدق كون السفر أو غيره
عملا مما لا مجال لانكاره عرفا. ويدل عليه صحيح هشام: " المكاري، والجمال الذي
يختلف وليس له مقام، يتم الصلاة، ويصوم شهر رمضان " (* 1) - ونحوه غيره - إذ المراد
من الاختلاف تكرر الذهاب والاياب بلا فترة. وهذا المعنى غير موجود في الحملدارية
ونحوهم، ممن يسافر في كل سنة مرة أو مرات متفرقة بنحو لا يصدق معه المواظبة على
السفر، والاختلاف فيه، والاستمرار عليه. فالمرجع في حكمهم أصالة القصر علي المسافر.
وإلى ذلك تومي مكاتبة محمد بن جزك إلى أبي الحسن الثالث (ع): " إن لي جمالا، ولي
قوام عليها، ولست أخرج فيها إلا في طريق مكة، لرغبتي في الحج، أو في الندرة إلى بعض
المواضع، فما يجب علي إذا خرجت معهم أن أعمل، أيجب علي التقصير في الصلاة والصيام
في السفر، أو التمام؟ فوقع (ع): إذا كنت لا تلزمها، ولا تخرج معها في كل سفر إلا
إلى مكة فعليك تقصير وإفطار " (* 2).
____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 12 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 4.
( 77 )
{ من كان متخذا ذلك عملا له في تمام السنة، كالذين يكرون دوابهم من الامكنة
البعيدة، ذهابا وايابا، على وجه يستغرق ذلك تمام السنة أو معظمها، فانه يتم حينئذ
(1). (مسألة 47): من كان شغله المكاراة في الصيف دون الشتاء، أو بالعكس، الظاهر
وجوب التمام عليه (2). ولكن الاحوط الجمع. } (1) لان الفترة بين السفرات الواقعة في
السنين - لقلتها - لا تمنع من صدق الاختلاف والمزاولة والاستمرار، فيصدق أنهم ممن
عملهم السفر. نعم لو اشترى دوابا ليكريها، ذهابا وإيابا، مرة بعد أخرى، في مدة
معينة كسنة، فاتفق أنه كراها إلى مقصد معين، ثم إلى آخر - وهكذا - حتى تمادى به
السير ستة أشهر ذاهبا، من دون قصد الاستمرا على ذلك، وإنما كان عن البداء المرة بعد
الاخرى، لم يبعد القول بوجوب التمام عليه في تمام ذهابه وإيابه، لكفاية عزمه السابق
في صدق عملية السفر. أما لو كان قاصدا المكاراة عليها من مقصد الى آخر - وهكذا إلى
نهاية الغاية - قصر في الذهاب والاياب، إذ ليس حاله إلا حال من قصد السفر إلى نهاية
ستة أشهر ذاهبا وآيبا، مرة واحدة لسبب اتفاقي، الذي لاإشكال في وجوب القصر عليه،
لعدم كونه ممن عملهم السفر. وكذا لو كان مترددا بين الصورتين من أول الامر. فالمدار
حينئذ في صدق عملية السفر، ووجوب التمام على قصد المكاراة ذاهبا وآيبا، مرة بعد
أخرى، على النحو المتعارف بين المكارين، ليصدق عليه أنه لامقر له إلا منازل السفر.
(2) وفي الجواهر: " فيه وجهان: يشنآن من إطلاق الدليل، وصدق العملية له في هذا
الحال، مع اختلافه ذهابا وإيابا متكررا. ومن أن المتيقن الاول، فيبقى غيره على أدلة
القصر. والاحوط الجمع ". وفيه: أنه
( 78 )
{ (مسألة 48): من كان التردد الى ما دون المسافة عملا له - كالحطاب ونحوه - قصر
إذا سافر (1)، ولو للاحتطاب. إلا إذا كان يصدق عليه المسافر عرفا، وإن لم يكن بحد
المسافة الشرعية، فانه يمكن أن يقال بوجوب التمام عليه إذا سافر بحد المسافة (2).
خصوصا فيما هو شغله من الاحتطاب مثلا. } لاوجه للاقتصار على المتقين، مع اقتضاء
الاطلاق التمام. ولاسيما بملاحظة ما ورد: من إتمام الجابي والاشتقان، بناء على أنه
أمين البيدر، فان عمليتهما للسفر إنما تكون في أوقات مخصوصة. واحتمال الفرق: بأن
وضع هذه الاعمال على هذا الحال، إذ عملية كل شئ بحسبه، بخلاف التاجر ونحوه. ضعيف
جدا بعد ما عرفت من صدق عملية السفر في المقامين بنحو واحد، فليست عملية السفر مثل
التوطن محتاجة الى قصد الدوام. بل تتوقف على قصد المزاولة للسفر مدة معتدا بها،
بحيث يكون لامقر له الا منازل السفر، التي يتردد إليها ذاهبا وآيبا، كما عرفت. ولا
يتوقف ذلك على أن يكون في تمام السنة. (1) كما تقدم في أوائل هذا الشرط (2) بل هو
المحكي عن الموجز الحاوي. لكنه ضعيف - ويظهر من بعض عدم القول به من أحد سواه - لما
عرفت من أن ظاهر أدلة التمام على من كان عمله السفر كونه حكما على من كان عمله
السفر الموجب للقصر لولا كونه عملا مطلقا، فيكون لسانها لسان الاستثناء من أدلة
التقصير. نعم في الفرض المذكور لو كان عازما على مزاولة السفر الشرعي للاحتطاب
ولكنه لعدم تيسره له اشتغل بالسفر الى ما دون المسافة، أو كان ذلك أعود
( 79 )
{ (مسألة 49): يعتبر في استمرار من شغله السفر على التمام أن لا يقيم في بلده
أو غيره عشرة أيام (1). وإلا انقطع حكم عملية السفر، } له، فإذا سافر الى المسافة
للاحتطاب جرى عليه حكم السفرة الاولى ممن اتخذ السفر عملا له، التي قد عرفت أن
الظاهر من الادلة أن حكمها وجوب التمام. ولو كان عازما على الاحتطاب مطلقا، إما من
المسافة أو مما دونها فاشتغل بالاحتطاب مما دونها، ثم اتفق له أن قصد الاحتطاب من
المسافة، قصر كالاول. (1) على المشهور. وعن المعتبر: نفي الخلاف فيه. وعن المدارك:
أن ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه. واستدل له بمصحح هشام المتقدم عن أبي عبد الله (ع):
" المكاري، والجمال الذي يختلف وليس له مقام، يتم الصلاة، ويصوم شهر رمضان " (* 1).
فان الظاهر من المقام إقامة عشرة أيام، إما لانها المتبادر منه عند الاطلاق في النص
والفتوى. أو للاجماع على عدم التقصير باقامة ما دونها. أو لان البناء على إطلاقه
يوجب التقصير لكل مكارغالبا، لتحقق الاقامة في الجملة ولو بعض يوم، وذلك مما لا
يمكن الالتزام به. وفيه مع رجوع الاخير إلى ما قبله -: أن من المحتمل - بقرينة
العطف على الاختلاف أن - يكون المراد من المقام ما ينافي مفهوم المكاري عرفا، فلا
يكون مما نحن فيه. وبخبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " المكاري إن لم
يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار، وأتم بالليل، وعليه صوم
شهر رمضان. وإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام وأكثر، قصر في سفره
وأفطر " وفيه: انه - مع ضعف سنده باسماعيل بن مرار المجهول. ومتروكية ظاهر،
____________
(* 1) تقدم ذكره في المسألة: 46 من هذا الفصل.
( 80 )
من التقصير نهارا باقامة الخمسة فما دونها - قاصر الدلالة على ما نحن فيه،
وإنما يدل على وجوب التقصير في السفر إلى مقصد يقيم فيه عشرة. نعم رواه الصدوق (ره)
عن عبد الله بن سنان - وطريقه إليه صحيح - هكذا: " المكاري إذا لم يستقر في منزله
إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار وأتم صلاة الليل، وعليه صيام شهر رمضان.
فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر، وينصرف الى منزله
ويكون له مقام عشرة أيام أو أكثر، قصر في سفره وأفطر " (* 1). وظاهره اعتبار أمرين
في وجوب التقصير: إقامة عشرة في البلد الذي يذهب إليه، ومثلها في بلده الذي يرجع
إليه. وهو أيضا غير ما نحن فيه. وبمرسل يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (ع): "
سألته عن حد المكاري الذي يصوم ويتم. قال (ع): أيما مكار أقام في منزله، أو في
البلد الذي يدخله أقل من عشرة أيام، وجب عليه الصيام والتمام أبدا. وإن كان مقامه
في منزله أوفي البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام، فعليه التقصير والافطار " (*
2). وفيه مع ضعف سنده بالارسال، وبإسماعيل بن مرار -: أنه يدل على اعتبار أكثر من
عشرة أيام، وهو غير المدعى بل مناف له. اللهم إلا أن يدفع الاول: برواية الشيخ (ره)
له عن كتاب نوادر الحكمة، ولم يستثن القميون من رواياته مثله، فدل ذلك على اعتمادهم
عليه وكفى به مصححا. والثاني: بأن الظاهر من الشرطيتين كون إحداهما تصريحا بمفهوم
الاخرى، وجعل الثانية تصريحا بمفهوم الاولى أولى من العكس لموافقته للترتيب الذكري،
ولمناسبته لقاطعية إقامة عشرة للسفر الشرعي. فتأمل. ولعل من هنا يتضح المراد برواية
ابن سنان التي رواها الشيخ، وأن
____________
(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 12 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 1.
( 81 )
{ وعاد الى القصر في السفرة الاولى خاصة (1)، دون الثانية، } المراد أنه يقصر
في سفره من البلد الذي يذهب إليه ويقيم عشرة، لا من سفره إليه، كما قد يشهد به:
ظهورها في أن المقابلة بين الصدر والذيل من جهة الاختلاف بينهما في الاقامة خمسة
وعشرة لاغير. وبه أيضا يتضح المراد من المتن الذي رواه الصدوق. فيكون ما ذكره
الاصحاب: - من أن إقامة المكاري عشرة في بلده أو غيره موجبة لتقصيره في سفره عنه -
مستفادا من مجموع النصوص المذكورة. واشتماله على ما هو متروك الظاهر لا يقدح في
الحجية. (1) كما عن السرائر، والمدارك، والرياض، وعن المهذب البارع والذخيرة: الميل
إليه، ونسب الى المحقق مذاكرة، وإلى السيد عميد الدين. اقتصارا فيما دل على القصر
على المتيقن، وهو السفرة الاولى، والرجوع في غيره الى عموم وجوب التمام. وعن
الشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم: العود الى التمام في الثالثة، لزوال الاسم
بالاقامة، فيكون حاله كالمبتدئ. ولانه مقتضى صحيح هشام المتقدم، المعتبر للاختلاف
مع عدم المقام، إذ لا يصدق ذلك إلا في الثالثة (* 1). وفيه: المنع من زوال الاسم.
ومجرد وجوب القصر لا يدل عليه. والعرف أقوى شاهد عليه. مع أنك عرفت عدم اعتبار
التعدد في المبتدئ وأما الصحيح فقد عرفت إشكال الاستدلال به في المبتدئ. فراجع. فلا
مجال لرفع اليد عن عموم مادل على وجوب التمام لمن كان عمله السفر. بل الظاهر إن
أدلة الترخص للمقيم عشرة ممن عمله السفر بنفسها كافية في وجوب التمام، لانها - كما
تضمنت وجوب القصر - بشرط الاقامة عشرة - تضمنت وجوب التمام بشرط عدم الاقامة عشرة،
فكل سفر عن الاقامة
____________
(* 1) راجع المسألة: 46 من هذا الفصل.
( 82 )
{ فضلا عن الثالثة (1). وإن كان الاحوط الجمع فيهما. ولا فرق في الحكم المزبور
بين المكاري، والملاح، والساعي، وغيرهم ممن عمله السفر (2). أما إذا أقام أقل من
عشرة أيام } المذكورة يوجب القصر، وكل سفر لا يكون عنها يوجب التمام. ولولا ذلك
لاشكل الرجوع الى عموم وجوب التمام في السفر الثالث، لان دليل القصر بعد الاقامة
عشرة من قبيل الخاص، المقدم إطلاقه لو كان على دليل العام فيؤخذ به في السفرين
الاولين، ويرجع في الثالث إلى الاجماع على وجوب التمام. وأما البناء على التمام في
السفرة الثانية، لاستصحاب وجوب التمام الثابت قبل الخروج فهو - مع أنه لا مجال له
فيما لو كان السفر الثاني بعد إقامة دون العشرة في غير وطنه، لان حكمه القصر حال
الاقامة المذكورة، فهو المستصحب لا التمام - إنما يتم لو لم يكن معارضا باستصحاب
تعليقي، وهو استصحاب وجوب القصر على تقدير السفر، لانه كان حين الاقامة عشرة محكوما
بذلك. وأما الاشكال على استصحاب التمام: بأنه من قبيل القسم الثالث، لان التمام في
الوطن لانه حاضر، وفي السفر لانه عمله، واختلاف العلل يوجب اختلاف المعلول،
فالمتيقن معلوم الارتفاع، والمشكوك محتمل الحدوث ففيه: أن عملية السفر ليس علة
حقيقية للحكم بالتمام، في قبال علة الحضور في الوطن، بل الظاهر أن التمام في
المقامين بمناط واحد، وهو عدم السفر الاتفاقي. فلاحظ (1) كذا في بحاة العباد.
وظاهره كون الثالثة محل الخلاف كالثانية وأن التقصير فيها مبني على وجوب التقصير
فيها للمبتدئ، وأن الاقامة عشرة موجبة لكونه مبتدئا. وقد عرفت الاشكال في كل منهما.
هذا وقد ادعى بعض: الاجماع عليه وجوب التمام في الثالثة، ولعله ظاهر غيره أيضا.
ولكنه غير ظاهر. فراجع، وتأمل. (2) كما هو المشهور، بل في الجواهر: " بلا خلاف أجده
فيه "
( 83 )
{ بقي على التمام (1). وإن كان الاحوط مع إقامة الخمسة الجمع (2) ولا فرق في
الاقامة في بلده عشرة بين أن تكون منوية } وفي الرياض: " اتفقت الفتاوى بعدم الفرق
". والمحقق وإن حكى في الشرائع وغيرها قولا بالاختصاص بالمكاري، إلا أنه لم يعرف
قائله، كما اعترف به جماعة. وإن كان هو مقتضى الجمود على مورد النصوص، لاختصاصه به.
لكن لا يبعد التعدي الى سائر من عمله السفر، بأن يكون دليل الاقامة عشرة كاشفا عن
أن المراد بعملية السفر - التي جعلت علة للحكم في جميعها - الاشتغال بعمل السفر على
نحو تنافيه الاقامة المذكورة، على ما هو المتعارف، فيكون في الجميع بمعنى واحد، فان
ذلك أقرب عرفا من تقييد التعليل في خصوص المكاري بعدم الاقامة. فيكون المقام نظير
موارد الدوران بين التخصيص والتخصص. (1) لعموم نصوص التمام عليهم، وخصوص نصوص
الاقامة عشرة الدالة على التمام بدونها. (2) لما عن الاسكافي: من أنها بحكم العشرة.
ولم يعرف مستنده. نعم عن المبسوط، والنهاية، والوسيلة - بل نسب الى الشيخ واتباعه
-: التقصير في صلاته نهارا، والاتمام في صومه وفي صلاته ليلا. ويشهد له حديث ابن
سنان المتقدم (* 1). لكن قال في محكي السرائر: " لا يجوز العمل به بلا خلاف، لان
الاجماع على خلافه بلا خلاف ". وعن غاية المراد وغيرها: أنه متروك الظاهر. مضافا
الى دلالته على الاكتفاء في ذلك بالاقل من خمسة، الذي لم ينقل عن أحد أصلا. وإلى
إمكان دعوى معارضته بخبر يونس المتقدم، الواجب ترجيحه عليه. فلاحظ. وحينئذ فلا مجال
للعمل به.
____________
(* 1) راجع أوائل الكلام في هذه المسألة.
( 84 )
{ أولا (1)، بل وكذا في غير بلده أيضا (2)، فمجرد البقاء عشرة يوجب العود الى
القصر. ولكن الاحوط - مع الاقامة في غير بلده بلانية - الجمع في السفر الاول بين
القصر والتمام. (مسألة 50): إذا لم يكن شغله وعمله السفر، لكن عرض له عارض فسافر
أسفارا عديدة، لايلحقه حكم وجوب التمام (3)، سواء كان كل سفرة بعد سابقها اتفاقيا،
أو كان } (1) كما صرح به غير واحد، بل يظهر منهم الاتفاق عليه. نعم عن النجيبية:
اعتبار النية. لكن قال في مفتاح الكرامة: " لم أجد له موافقا ". ويدل عليه إطلاق
النص، ومعاقد الاجماعات. (2) كما يقتضيه إطلاق النص. لكن المحكي عن الروض والعلامة
المجلسي: الاجماع على اعتبار النية، وهو ظاهر محكي الذخيرة. وسوق البلد وغيره بمساق
واحد، لا يأبى التفكيك بينهما في اعتبار النية في الثاني وعدمه في الاول، لامكان
كون المراد من النصوص أن يخرج عن حكم السفر عشرة أيام، وهو حاصل في البلد بلا نية،
وفي غيرها معها. إلا أن الشأن كله في ثبوت الاجماع المذكور، لاهمال جمع كثير لذكر
غير بلده، بل لايعرف من تعرض له إلى زمان المحقق في النافع. وهو فيه وإن ذكره لم
يتعرض لذكر النية، والعلامة في جملة من كتبه أهمله، وفي التبصرة ذكره ولم يشترط فيه
النية. نعم في القواعد ذكره واشترط فيه النية، وتبعه عليه الجماعة. ومع هذا الاهمال
والاطلاق لا يبقى وثوق بنقل الاجماع على نحو يعتمد عليه في تقييد إطلاق النص.
فالعمل على الاطلاق متعين. ولاسيما أن النية لادخل لها في منافاة الاقامة عشرة
لعملية السفر أصلا. فلاحظ. (3) لانتفاء العلة التي يدور الحكم مدارها، وهي عملية
السفر، على
( 85 )
{ من الاول قاصدا لاسفار عديدة. فلو كان له طعام أو شئ آخر في بعض مزارعه، أو
بعض القرى، وأراد أن يجلبه إلى البلد، فسافر ثلاث مرات أو أزيد، بدوابه أو بدواب
الغير لا يجب عليه التمام (1). وكذا إذا أراد أن ينتقل من مكان إلى مكان فاحتاج إلى
اسفار متعددة في حمل أثقاله وأحماله. (مسألة 51): لا يعتبر فيمن شغله السفر اتحاد
كيفيات وخصوصيات أسفاره، من حيث الطول والقصر، ومن حيث الحمولة، ومن حيث نوع الشغل.
فلو كان يسافر إلى الامكنة القريبة، فسافر إلى البعيدة، أو كانت دوابه الحمير فبدل
بالبغال أو الجمال، أو كان مكاريا فصار ملاحا - أو بالعكس - يلحقه الحكم (2)، وإن
أعرض عن أحد النوعين إلى الآخر، أو لفق من النوعين. نعم لو كان شغله المكاراة،
فاتفق أنه ركب السفينة للزيارة - أو بالعكس - قصر، لانه سفر في } ما عرفت من لزوم
صدق أنه لامقر له إلا منازل السفر المتناوبة. وذلك لا يحصل إلا بالعزم على المزاولة
مدة طويلة، ولا يحصل ذلك بمجرد المزاولة من دون عزم على الاستمرار. (1) لعدم صدق
كون السفر عملا له، لان صدق العملية دائر عرفا مدار اتخاذه حرفة وصنعة، كما صرح به
في المستند وغيره، وهو غير حاصل في الفرضين. (2) لصدق كونه مسافرا سفرا هو عمله،
على النحو الذي كان سفره السابق عليه. ومجرد اختلاف السفرين في الخصوصيات، لا يوجب
اختلافهما في صدق العمل عليهما بنحو واحد.
( 86 )
{ غير عمله (1)، بخلاف ما ذكرنا أولا، فانه مشتغل بعمل السفر، غاية الامر أنه
تبدل خصوصية الشغل إلى خصوصية آخرى. فالمناط هو الاشتغال بالسفر وإن اختلف نوعه.
(مسألة 52): السائح في الارض، الذي لم يتخذ وطنا منها يتم (2). والاحوط الجمع.
(مسألة 53): الراغي الذي ليس له مكان مخصوص يتم (3). (مسألة 54): التاجر الذي يدور
في تجارته يتم (4). (مسألة 55): من سافر معرضا عن وطنه، لكنه لم يتخذ وطنا غيره
يقصر (5). } (1) بل يأتي به بداع آخر، كغيره ممن لا يكون السفر عملا له. لكن عرفت
الاشكال فيه في المسألة الخامسة والاربعين. (2) كذا في نجاة العباد أيضا. وكأنه لان
السفر يختص بمن كان له حضر، والسائح لاحضر له ولا سفر، كي يثبت له حكم المسافر. أو
لانه نظير الاعراب الذين بيوتهم معهم. ولاسيما إذا كان قد اتخذ بيتا معه، لا أنه
يتخذ له في كل منزل بيتا. (3) بلا إشكال ظاهر. ويدل عليه صحيح زرارة (* 1) وموثق
السكوني (* 2)، ومرفوع ابن أبي عمير (* 3) حيث عد فيها ممن يجب عليه التمام في
السفر، معللا في الاول والاخير: بأن السفر عملهم. ولاجله قيده في المتن بما ذكر.
(4) بلا إشكال ظاهر أيضا. ويدل على موثق السكوني. (5) لعموم وجوب القصر على
المسافر، مع عدم دخوله فيمن بيته
____________
(* 1) تقدم ذلك في السابع من شرائط وجوب القصر. (* 2) تقدم ذلك في المسألة: 31 من
هذا الفصل. (* 3) تقدم ذلك في السابع من شروط القصر.
( 87 )
{ (مسألة 56): من كان في أرض واسعة قد اتخذها مقرا، إلا أنه كل سنة مثلا في
مكان منها، يقصر إذا سافر عن مقر سنته (1). (مسألة 57): إذا شك في أنه أقام في
منزله أو بلد آخر عشرة أيام أو أقل بقي على التمام (2). } معه، ولا فيمن عمله
السفر. نعم إذا كان بانيا على عدم التوطن في مكان بعينه، فانه يمكن أن يكون داخلا
فيمن بيته معه، لان منازل سفره في نظره كمنزل وطنه، فيكون نظير السائح. بل يمكن
القول بوجوب التمام عليه وإن كان مترددا في التوطن وعدمه، لاختصاص أدلة الترخص
بغيره ممن كان له وطن يسافر عنه ويرجع إليه. فتأمل جيدا. (1) لانه يكون ذا أوطان
متعددة بتعدد السنين، فإذا سافر عن مقر سنته فقد سافر عن وطنه. ولا إشكال حينئذ في
وجوب القصر عليه إذا صدق أن له وطنا، لكن الاشكال في صدق الوطن بمجرد القصد،
لاعتبار الدوام في التوطن، ولا يكفي توطن سنة في صدقه، كما سيأتي. والاولى إلحاقه
بالاعراب الذين بيوتهم معهم، فان كانوا في بيوتهم أتموا، وإذا فارقوها قصروا. (2)
هذا ظاهر، بناء على أن الاقامة عشرة إنما أوجبت القصر لارتفاع موضوع عملية السفر،
إذ الشك حينئذ يرجع الى الشك في بقاء عملية السفر وارتفاعها، فتستصحب. وكذا لو كان
عدم الاقامة عشرة قيدا شرعيا لوجوب التمام على المكاري، إذا كان الشك في أول
الاقامة، مع العلم بآخرها كما لو علم أنه خرج يوم الجمعة من البلد، وشك في أنه دخله
قبل تسعة أيام أو عشرة، إذ لا مجال لاستصحاب الاقامة حينئذ، إذ الاصل عدمها. أما
إذا كان الشك في آخرها، كما لو علم أنه دخل البلد يوم الجمعة، وشك
( 88 )
{ الثامن: الوصول الى حد الترخص (1)، وهو المكان } في أنه خرج منه بعد تسعة أو
عشرة، كما لو كان في يوم الاثنين مسافرا، وشك أنه خرج اليوم أو أمس، فقد يشكل الحكم
بوجوب التمام عليه حينئذ، لامكان استصحاب الاقامة في اليوم العاشر، فيثبت به موضوع
القصر، وهو تمام العشرة، لان الموضوع يكون مجموع الاقامات المتصلة في الايام
العشرة، فإذا أحرز منها تسعة بالعلم، والعاشر بالاصل، يكون من قبيل الموضوع المركب
المحرز بعضه بالوجدان وبعضه بالاصل، فيترتب عليه الاثر. اللهم إلا أن يقال: إنما
يجري الاستصحاب لو كان موضوع الاثر الوجود الباقي الى العشرة. أما لو كان الوجود
المستغرق للعشرة، أو المساوي أمده للعشرة، فلا يمكن إثباته باستصحاب بقاء الاقامة
الى العشرة، إلا بناء على الاصل المثبت، لملازمة هذا المفهوم للبقاء إلى نهاية
العشرة، كما تقدم نظيره في أقل الحيض ثلاثة. نعم لو شك حين الخروج أن اليوم الاحد
أو يوم الاثنين، فلا ينبغي التأمل في الرجوع إلى أصالة عدم المقام عشرة كالصورة
الاولى. ولا مجال للرجوع الى استصحاب البقاء، إذ لاشك بالنسبة الى الازمنة
التفصيلية. فتأمل جيدا. (1) على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، كما عن الذكرى، بل
عن الخلاف: الاجماع عليه. وعن علي بن بابويه: التقصير بمجرد الخروج من المنزل.
ويوافقه مرسل ولده عن أبي عبد الله (ع): " إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه
" (* 1) وقريب منه غيره. لكنه لا يصلح لمعارضة ما يأتي، فيتعين حمله عليه إن أمكن.
____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.
( 89 )
{ الذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد، ويخفى عنه أذانه (1). ويكفي تحقق أحدهما،
مع عدم العلم بعدم تحقق الآخر. } (1) كما عن المشهور، أو بين المتأخرين، أو أكثر
المتأخرين، أو الاظهر بينهم، أو أكثر علمائنا، أو نحو ذلك من عبارات النسبة. وعن
أكثر المتقدمين: اعتبار أحد الامرين، بل نسب الى المشهور تارة، وإلى الاكثر أخرى.
وعن التنقيح: الاقتصار على الاول. ونحوه ماعن المقنع: من الاقتصار على التواري من
البيوت. وعن المفيد والتقي وسلار والحلي: الاقتصار على خفاء الاذان. ومنشأ الاختلاف
المذكور اختلاف الاخبار، إذ هي بين ما يشير الى الاول، كصحيح ابن مسلم: " قلت لابي
عبد الله (ع): الرجل يريد السفر فيخرج، متى يقصر؟ قال (ع): إذا توارى عن البيوت "
(* 1) وبين ما يدل على الثاني، كصحيح ابن سنان عنه (ع): " عن التقصير قال (ع): إذا
كنت في الموضع الذي تسمع فيه الاذان فأتم. وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه
الاذان فقصر. وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " (* 2) وصحيح حماد بن عثمان المروي عن
المحاسن عنه (ع): " إذا سمع الاذان أتم المسافر " (* 3) وما تقدم في خبر إسحاق بن
عمار: " أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ " (*
4) فمبنى القول الاول المذكور في المتن: تقييد منطوق إحدى الطائفتين بالآخر. ومبنى
الثاني: إما تقييد مفهوم إحدى الطائفتين بمنطوق الاخرى
____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 6 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7.
(* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 11.
( 90 )
أو رفع اليد عن المفهوم فيهما بالمرة، أو رفع اليد عن خصوصية الشرط في كل منهما
وجعل الموضوع هو الجامع بينهما، أو البناء على التعارض فيكون الحكم التخيير، بناء
على أنه تخيير في المسألة الفرعية. ومبنى الاخيرين التعارض، والترجيح، إما للاولى،
أو للاخيرة. هذا ولا يخفى أن ما ذكر - على تقدير تماميته في نفسه - إنما يصح لو كان
فخاء الاذان أو البيوت ملحوظا موضوعا لجواز التقصير. أما إذا لوحظ معرفا للمقدار
الخاص من البعد - يعني: أن يبعد الانسان إلى حد لا يسمع فيه الاذان لو كان، ويتوارى
عن البيوت لو كانت، وإن لم يكن أذان ولا بيوت فلا مجال لهذا الخلاف. لان التقديرين
إن كانا متساويين كان أحدهما عين الآخر، والاختلاف يكون في المفهوم الملازم، نظير
التقدير بثمانية فراسخ ومسيرة يوم، فلا معنى للاكتفاء بأحدهما تعيينا، أو تخييرا،
أو اعتبار الانضمام. وان كانا مختلفين، فحيث يمتنع التقدير بالاقل والاكثر معا، وجب
إعمال قواعد التعارض، من الترجيح أو التخيير. نعم هنا احتمال آخر، وهو أن يكون كل
من الخفائين علامة على تحقق البعد في الجملة، أعم من أن يكون مقارنا لوجوده، أو
سابقا عليه. فحينئذ يمكن أن يقع الخلاف في أن العلامة مجموعهما، أو كل منهما
مستقلا، مطلقا، أو في غير صورة العلم بانتفاء الاخرى. وفيه أيضا: أنه لايتم لو أريد
بهما المقداران إذ مع البناء على تلازمهما لا معنى للخلاف المذكور، لرجوعهما الى
مقدار واحد، ومع البناء على انفكاكهما يتعين كون العلامة احدهما، إما السابق، أو
اللاحق، ويكون ضم الآخر إليه في غير محله. نعم لو أريد بهما الفعليان فحيث إنه
لاريب في انفكاك أحدهما عن الآخر يمكن النزاع المذكور. لكن لازم ذلك انتفاء العلامة
عند انتفائهما معا. وهو مما لا يمكن أن يلتزم به. فالتحقيق: إنه لا ينبغي التأمل في
كون العنوانين المذكورين في النصوص
( 91 )
يراد بهما تحديد مقدار البعد الذي يجوز معه التقصير، كما اعترف به جماعة - بل
نسبه الى الاصحاب غير واحد - لا أنهما علامتان عليه، ولا موضوعان لجواز التقصير.
وحينئذ فلابد من النظر في كونهما متساويين، أو مختلفين. وعلى الثاني فهل يمكن
التصرف بظاهر أحدهما، أو كليهما، ليرجع أحدهما الى الآخر فيرتفع التنافي، أولا يمكن
ليرجع إلى قواعد التعارض؟ فنقول: أما صحيحة ابن مسلم، المتضمنة للتحديد بأن يتوارى
عن البيوت، فمقتضى الجمود على عبارتها أن يستتر المسافر نفسه عن البيوت، يعني: أن
يبعد إلى حد يكون بينه وبينها ساتر وحاجب. وهذا تارة: يكون بعناية أن لا يراها،
وأخرى: بعناية أن لا تراه. وحيث أن الثاني محتاج الى تقدير الابصار لها. مضافا الى
عدم مناسبته لكون ذلك أمارة للمسافر يعمل عليها نعين أن يكون بعناية الاول. ولاجل
ذلك عبر المشهور بخفاء الجدران، أو تواريها، مريدين خفاءها عليه. وكأن الباعث على
هذا التعبير ان المسافر هو فاعل المواراة، وإن كانت هي قائمة بكل من الطرفين.
وحينئذ فالتحديد المذكور مما لا يناسب التحديد في صحيحة ابن سنان وأخواتها، إذ
البعد المؤدي الى استتار البيوت عن المسافر يزيد كثيرا عن البعد المانع عن سماع
الاذان، سواء أريد منه عدم سماع فصوله، على نحو يميز بعضها عن بعض أم عدم سماعه بما
أنه أذان، على نحو لا يميز كونه أذانا أو ندبة، أم عدم سماعه بما أنه صوت، بحيث
يخفى أصل الصوت، فان جميع ذلك يحصل قبل أن يحصل البعد الموجب للاستتار. وحينئذ يدور
الامر بين حمل الاولى على خصوص البوادي، التي لا يكون التوطن فيها إلا في بيوت
منقولة أو ثابتة، وحمل الثانية على ما عداها من البلدان والامصار. وبين حمل الاولى
على إرادة مرتبة خاصة من الاستتار تكون مساوية في المقدار لعدم السماع. وبين حملها
على عدم إرادة التحديد
( 92 )
{ وأما مع العلم بعدم تحققه فالاحوط اجتماعهما (1). بل الاحوط مراعاة اجتماعهما
مطلقا. فلو تحقق أحدهما دون الآخر، إما يجمع بين القصر والتمام، وإما يؤخر الصلاة
الى أن يتحقق الآخر. } بل مجرد وجوب التقصير حينئذ، لكون التواري عن البيوت أمارة
قطعية على الوصول الى الحد، ولو متجاوزا عنه. والاول وإن كان أوفق بصناعة الجمع،
لان نسبة الصحيحة الاولى - بلحاظ كون موردها البيوت - إلى غيرها نسبة المقيد الى
المطلق. ويؤيده اختصاص خبر إسحاق بالمصر. إلا أنه مما لم يقل به أحد، بل لا يظن
إمكان الالتزام به، لان تبعية مادخل في حد الترخص للوطن في المدن والامصار أولى
منها في البيوت والقرى، كما هو ظاهر. فيتعين أحد الاخيرين. وثانيهما أقرب عرفا.
وكيف كان فالتصرف يختص بالصحيحة الاولى لاغير. ولو فرض تعذر الجمع العرفي كان
الترجيح لنصوص الاذان، لكونها أشهر. (1) التفصيل بين صورة العلم بانتفاء الاخر
وعدمه مبني على أن وجود كل منهما أمارة على الوجود، وانتفاءه أمارة على الانتفاء،
فإذا أحرز أحدهما وشك في الآخر فقد أحرزت الامارة على الوجود وشك في وجود المعارض
لها، ومع الشك في وجود المعارض يرجع الى أصالة عدمه. أما مع العلم بانتفاء الآخر،
فتتعارض الامارتان، فيسقطان عن الحجية، ويرجع الى الاصول. وهذا المعنى جمع آخر بين
النصوص، ليس فيه تقييد المنطوق بالمنطوق، ولا المفهوم بالمنطوق، ولارفع اليد عن
المفهوم، ولارفع اليد عن خصوصية كل من الشرطين، بجعل الشرط هو الجامع بينهما، بل
جعل المنطوق والمفهوم من كل من الشرطيتين لبيان كون شرطها علامة وأمارة على الحد
وعدمه أمارة على عدمه. وهو وإن كان في نفسه معنى صحيحا قريبا، واستظهرناه من نصوص
صفات المني في مبحث الجنابة من هذا الشرح، لكن عرفت
( 93 )
{ وفي العود عن السفر أيضا ينقطع حكم القصر (1). إذا وصل الى } الاشكال فيه في
الحاشية السابقة. (1) على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، كما عن الذكرى ويدل
عليه - مضافا الى مادل عليه في الذهاب، لظهوره في أن مابين حد الترخص والبلد خارج
عن حكم السفر، وأنه بحكم البلد، من دون خصوصية للذهاب - صحيح حماد، وذيل صحيح ابن
سنان المتقدمان (* 1). نعم يعارضهما جملة من النصوص، كصحيح العيص عن أبي عبد الله
(ع): " لا يزال المسافر مقصرا حتى يدخل بيته " (* 2) وصحيح معاوية بن عمار عنه (ع):
" إن أهل مكة إذا زاروا البيت ودخلو منازلهم أتموا، وإذا لم يدخلوا منازلهم قصروا "
(* 3) وقريب منه صحيح الحلبي (* 4) وموثق إسحاق عن أبي ابراهيم (ع): " عن الرجل
يكون مسافرا، ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة، أيتم الصلاة أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله؟
قال (ع): بل يكون مقصرا حتى يدخل أهله " (* 5) ومرسل الصدوق عن أبي عبد الله (ع): "
إذا خرجت من منزلك فقصر الى أن تعود إليه " (* 6) ونحوها غيرها. وعن علي بن بابويه:
العمل بها كالذهاب. ووافقه السيد المرتضى، وأبو علي، وفي الرياض: " لولا الشهرة
المرجحة للادلة الاولة لكان المصير الى هذا القول في غاية القوة، لاستفاضة نصوصه
____________
(* 1) راجع أوائل الكلام من هذا الشرط. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب صلاة المسافر
حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7. (* 4) الوسائل باب:
3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 5) الوسائل باب: 7 من أبواب صلاة المسافر
حديث: 3. (* 6) الوسائل باب: 7 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.
( 94 )
{ حد الترخص (1) من وطنه أو محل اقامته. وإن كان الاحوط تأخير الصلاة الى
الدخول في منزله، أو الجمع بين القصر والتمام إذا صلى قبله بعد الوصول الى الحد. }
وصحة أكثرها، وظهور دلالتها جملة، بل صراحة كثير منها... " وفي الحدائق: جعله
الاظهر. وعن المدارك والذخيرة: التخيير بين القصر والتمام جمعا بين النصوص. وعن
الاردبيلي: أنه حسن لو وجد القائل به. وتكلف غير واحد توجيه النصوص المذكورة بنحو
لا تنافي الاول، منهم شيخ الطائفة فحمل دخول الاهل والمنزل على وصول محل الترخص.
وفي الوسائل: هو جيد، لان هذه النصوص ظاهرة، وتلك النصوص نص. وهذا الجمع وغيره وإن
كان بعيدا، لكن لا بأس به بعد إعراض المشهور عنها بنحو يوجب وهنها. ولاسيما بملاحظة
اشتمال بعضها على عدم اعتبار حد الترخص في الذهاب أيضا كالاياب. وقد عرفت أنه مخالف
للاجماع المنعقد في كثير من الطبقات. ولعل الاقرب حملها على التقية. (1) وهو بناء
على رجوع الحدين المتقدمين الى حد واحد ظاهر. وكذا بناء على أن الحد خفاء الاذان،
وأن المواراة عن البيوت طريق إليه في الذهاب، كما قربناه في الجمع. بين الروايتين،
إذ العبرة في الاياب حينئذ بخفاء الاذان لاغير، لامتناع الطريقة المتقدمة في
الاياب. وكذا بناء على سقوط رواية المواراة للمعارضة. أما بناء على اعتبار
اجتماعهما، أو الاكتفاء بأحدهما، فيشكل ذلك في الاياب، لعدم الدليل عليه فيه،
لاختصاص رواية المواراة بالذهاب فقط. ولذا كان ظاهر الشرائع الاعتبار هنا بخفاء
الاذان لاغير. ومال إليه في محكي المدارك وغيره. ثم إنه مقتضى ما هو ظاهر المشهور
من الاكتفاء بأحد الامرين في الذهاب، وأن أحدهما كاف في وجوب القصر فلابد من رفعهما
معا في الاياب، إذ لا يرتفع القصر إلا برفع موجبه، فإذا
( 95 )
{ (مسألة 58): المناط في خفاء الجدران خفاء جدران البيوت (1)، لاخفاء الاعلام
والقباب والمنارات، بل ولاخفاء سور البلد إذا كان له سور. ويكفي خفاء صورها
وأشكالها، وإن لم يخف أشباحها. (مسألة 59): إذا كان البلد في مكان مرتفع، بحيث يرى
من بعيد، يقدر كونه في الموضع المستوي (2). كما أنه إذا كان في موضع منخفض يخفى
بيسير من السير، أو كان هناك حائل يمنع عن رؤيته، كذلك يقدر في الموضع المستوي وكذا
إذا كانت البيوت على خلاف المعتاد، من حيث العلو أو الانخفاض، فانها ترد إليه. لكن
الاحوط خفاؤها مطلقا (3) وكذا إذا كانت على مكان مرتفع، فان الاحوط خفاؤها مطلقا.
(مسألة 60): إذا لم يكن هناك بيوت ولا جدران يعتبر التقدير (4). نعم في بيوت
الاعراب ونحوهم ممن لا } كان موجبه أحدهما، فلا يرتفع إلا بارتفاعهما معا. (1) قد
عرفت أنه ليس في النص خفاء، ولا جدران، وإنما الموجود فيه التواري عن البيوت، الذي
هو بمعنى استتارها عنه. كما عرفت محمله مما اقتضاه الجمع العرفي. (2) لان الظاهر من
الدليل كون التواري من جهة البعد، لامن جهة أخرى. ومنه يظهر الوجه في التقدير فيما
يأتي، وضعف ماعن المدارك: من الاكتفاء بالخفاء في المنخفضة، للاطلاق. ونحوه ماعن
الذخيرة: من الاكتفاء بالخفاء للحائل، ولو رئيت بعد ذلك. (3) قد عرفت أنه معنى
الكلام. (4) كما هو مقتضى ورود الكلام هذا المورد. وفي الجواهر: نفى الريب فيه.
( 96 )
{ جدران لبيوتهم يكفي خفاؤها، ولايحتاج الى تقدير الجدران (1). (مسألة 61):
الظاهر في خفاء الاذان كفاية عدم تميز فصوله (2). وإن كان الاحوط اعتبار خفاء مطلق
الصوت حتى المتردد بين كونه أذانا أو غيره، فضلا عن المتميز كونه أذانا، مع عدم
تميز فصوله. (مسألة 62): الظاهر عدم اعتبار كون الاذان في آخر البلد، في ناحية
المسافر (3)، في البلاد الصغيرة والمتوسطة بل المدار أذانها وإن كان في وسط البلد
على مأذنة مرتفعة. نعم في البلاد الكبيرة يعتبر كونه في أواخر البلد، من ناحية
المسافر. } (1) وعن ظاهر المقاصد العلية: اعتبار تقديرها. لكن عرفت أنه ليس في النص
إلا ذكر البيوت، فان كانت الجدران راجعة إليها، فلا معنى لتقديرها مع فعلية البيوت،
وإن لم تكن كذلك. فلاوجه للاعتبار بها، لا بالفعل، ولا بالتقدير. (2) بل مقتضى
الجمود على عبارة النص خفاؤه بما هو أذان، بحيث لا يتميز أنه أذان أو غيره. نعم
يحتمل قريبا: أن يكون المراد خفاء صوت الاذان بما هو صوت عال بمرتبة خاصة من العلو،
فيكون عنوان الاذان ملحوظا طريقا الى نفس الصوت. وإنما خصه بالذكر من بين الاصوات
لمعهوديته خارجا، وليس لغيره مثل هذه المعهودية. ولو بني على اعتبار تميز الفصول
كان اللازم اعتبار تميز الحروف، لعدم الفرق. (3) بل مقتضى اطلاق تقدير البعد الكائن
بين المسافر والبلد بذلك هو اعتبار ما ذكر، لان إرادة غيره تحتاج الى نصب قرينة.
نعم لو كان للاذان محل معين وسط البلد أو غيره كان منصرف التقدير ذلك لاغير. لكنه
( 97 )
{ (مسألة 63): يعتبر كون الاذان على مرتفع، معتاد في أذان ذلك البلد (1)، ولو
منارة غير خارجة عن المتعارف في العلو. (مسألة 64): المدار في عين الرائي وأذن
السامع على المتوسط (2) في الرؤية والسماع، في الهواء الخالي عن الغبار والريح
ونحوهما من الموانع عن الرؤية أو السماع. فغير المتوسط يرجع إليه. كما أن الصوت
الخارق في العلو يرد الى المعتاد المتوسط. (مسألة 65): الاقوى عدم اختصاص اعتبار حد
الترخص بالوطن، فيجري في محل الاقامة أيضا (3)، بل } ليس كذلك، بل يجوز أن يكون فيه
وفي آخر البلد، من ناحية المسافر ومن الناحية الاخرى، وفي غير ذلك من المواضع.
فيتعين ما ذكرنا. (1) فيكون هو منصرف التقدير كسائر الخصوصيات المعتادة ووجهه ما
أشرنا إليه مكررا، من أن التقدير إذا كان بأمر مختلف الافراد بالزيادة والنقصان،
فمقتضى إطلاقه تعين المعتاد لاغير، لان الاعتياد مما يصلح أن يكون قرينة على تعيين
المراد من الكلام الوارد في مقام البيان، لان غير المعتاد لو أريد احتيج الى نصب
قرينة، بخلاف المعتاد. ومنه يظهر الوجه في اعتبار كونه معتادا بحسب حال البلد، إذا
فرض اختلاف البلدان في ذلك. نعم لابد من مراعاة المعتاد في عصر صدور النصوص، لا
المعتاد في كل زمان، بحيث يختلف الحد باختلاف الاعتياد بحسب الازمنة، فانه خلاف
ظاهر الدليل. (2) لانه المعتاد، فينصرف إليه التقدير. (3) كما استوضحه في نفائح
الافكار، والمدارك. واختاره في السرائر
( 98 )
{ وفي المكان الذي بقى فيه ثلاثين يوما مترددا. وكما لافرق في الوطن بين ابتداء
السفر والعود عنه في اعتبار حد الترخص، كذلك في محل الاقامة. فلو وصل في سفره الى
حد الترخص } وكشف الالتباس، والذخيرة، وظاهر التذكرة، والذكرى، على ما حكي عنهم.
وفي مفتاح الكرامة: " وهو الذي يستفاد من كلام الاكثر من مواضع، بل هو صريح كلامهم
في مسألة ناوي الاقامة في بلد، حيث ذكروا: إنه لا يضره التردد في نواحيها، ما لم
يبلغ محل الترخص، فقد ذكروا ذلك هناك متسالمين عليه. والاخبار منطبقة الدلالة عليه،
فلا اشكال فيه ". أقول: أما دلالة الاخبار عليه فلا تخلو من خفاء. أما رواية حماد:
" إذا سمع الاذان أتم المسافر " (* 1) فلا معنى للاخذ باطلاقها. وأما رواية ابن
سنان فموردها السؤال عن التقصير، وإجماله مما لا يخفى. بل لعل قوله (ع): " وإذا
قدمت... " (* 2) ظاهر في خصوص الوطن. نعم لا يبعد احتمال اطلاق صحيح محمد ابن مسلم
(* 3) إلا أن دعوى انصرافه الى خصوص الوطن - بأن يراد من السفر فيه السفر بعد الحضر
- قريبة جدا. وأما رواية التنزيل للمقيم بمكة منزلة أهله (* 1) فقد عرفت الاشكال
فيها في قاطعية نية الاقامة. فراجع. ولاجل ذلك قيل بعدم اعتبار حد الترخص هنا. نعم
يمكن أن يقال: انه لو فرض اختصاص صحيح محمد ابن مسلم بالوطن، يمكن دعوى: أن الغرض
منه تحديد الموضع الذي يجب فيه التمام، وتمييزه عما يجب فيه القصر، بلا خصوصية
للوطن عرفا. ولاسيما بملاحظة بعد الاكتفاء بالخطوة والخطوتين في وجوب القصر في موضع
الاقامة فلعل هذا - بضميمة ما أشرنا إليه سابقا. من كون الاقامة قاطعة لموضوع السفر
حقيقة - كاف في البناء على الاطلاق. ومثله الكلام في الموضع الذي
____________
(* 1)، (* 2)، (* 3)، (* 4) تقدمت الروايات في الثامن من شروط القصر.
( 99 )
{ من مكان عزم على الاقامة فيه ينقطع حكم السفر، ويجب عليه أن يتم (1) وإن كان
الاحوط التأخير إلى الوصول إلى المنزل، كما في الوطن. نعم لا يعتبر حد الترخص في
غير الثلاثة، كما إذا ذهب لطلب الغريم أو الآبق، بدون قصد المسافة، ثم في الاثناء
قصدها، فانه يكفي فيه الضرب في الارض (2). (مسألة 66): إذا شك في البلوغ إلى حد
الترخص بنى على عدمه (3)، فيبقى على التمام في الذهاب، وعلى القصر في الاياب.
(مسألة 67): إذا كان في السفينة أو العربة، فشرع في الصلاة قبل حد الترخص بنية
التمام، ثم في الاثناء وصل إليه، فان كان قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة أتمها
قصرا (4) وصحت، بل وكذا إذا دخل فيه قبل الدخول في الركوع (5) } يتردد فيه المسافر
ثلاثين يوما. والمسألة بعد لا يخلو من اشكال. (1) هذا لم تم عموم التنزيل لا يكفي
فيه، إذ الظاهر من دليله كون التنزيل بعد أن يقدم الى البلد، لاقبله. فلاجل ذلك فصل
جماعة - كالشهيد الثاني وسبطه وغيرهما - بين الدخول والخروج. فلم يعتبروا الحد في
الاول مع اعتبارهم له في الثاني. نعم قد يتم بملاحظة ما ذكرنا أخيرا، فيقوى به
إطلاق روايتي حماد وابن سنان. (2) بلا اشكال، كما قيل. لاختصاص الدليل على اعتبار
الحد بغيره. (3) للاستصحاب. (4) لتبدل الحكم بتبدل موضوعه. (5) والقيام حينئذ يكون
زيادة، لانه واقع في غير محله، لانه في
( 100 )
{ وإن كان بعده فيحتمل وجوب الاتمام، لان الصلاة على ما افتتحت. لكنه مشكل، فلا
يترك الاحتياط بالاعادة قصرا أيضا (1). وإذا شرع في الصلاة في حال العود، قبل
الوصول الى الحد، بنية القصر، ثم في الاثناء وصل إليه، أتمها تماما، وصحت. والاحوط
- في وجه - إتمامها قصرا (2). ثم إعادتها تماما. (مسألة 68): إذا اعتقد الوصول الى
الحد، فصلى قصرا، ثم بان أنه لم يصل إليه، وجبت الاعادة، أو القضاء تماما (3). وكذا
في العود إذا صلى تماما باعتقاد الوصول، } الواقع مسافر يجب عليه القصر. (1) بل هو
المتعين، لانقلاب الحكم بانقلاب موضوعه، كما عرفت وكون الصلاة على ما افتتحت لم
يثبت بنحو يشمل المقام، كما هو ظاهر. نعم قد يقال: بأن الركعة الثالثة المأتي بها
إما أن تكون مأمورا بها أولا. والثاني باطل، وإلا لزم صحة صلاته لو تركها وسلم على
الركعتين مع أنه لاريب في البطلان حينئذ، لانه قبل حد الترخص. وفيه: أن البطلان
بالتسليم على الركعتين، من جهة كونه امتثالا بالقصر قبل حد الترخص لا ينافي عدم
الامر بالركعة، حيث لا يتحقق الامتثال قبله، كما لا يخفى. ومما ذكرنا يظهر وجه
الفرع الآتي. (2) مقتضى ما تقدم منه - من أن الاقوى إتمامها تماما - يكون الاحوط
إتمامها تماما، ثم إعادتها تماما. لان إتمامها قصرا مخالفة لحرمة الابطال، واعادتها
قصرا يعلم بعدم مشروعيتها، لانه دون حد الترخص. فيتعين الاحتياط على نحو ما ذكرنا.
(3) لعدم الدليل على الاجزاء. وكذا الحال فيما يأتي.
( 101 )
{ فبان عدمه، وجبت الاعادة أو القضاء قصرا. وفي عكس الصورتين - بأن اعتقد عدم
الوصول فبان الخلاف - ينعكس الحكم، فيجب الاعادة قصرا في الاولى، وتماما في
الثانية. (مسألة 69): إذا سافر من وطنه، وجاز عن حد الترخص، ثم في أثناء الطريق وصل
الى ما دونه، إما لاعوجاج الطريق، أو لامر آخر، كما إذا رجع لقضاء حاجة، أو نحو
ذلك، فما دام هناك يجب عليه التمام (1). وإذا جاز عنه بعد ذلك وجب عليه القصر، إذا
كان الباقي مسافة (2). وأما إذا سافر من محل الاقامة وجاز عن الحد، ثم وصل إلى ما
دونه، أو رجع في الاثناء لقضاء حاجة بقى على التقصير (3). وإذا صلى في الصورة
الاولى - بعد الخروج عن حد الترخص - } (1) لاطلاق مادل على وجوبه قبل الحد. (2) هذا
يتم إذا كان الرجوع الى ما دون حد الترخص رجوعا عن نية السفر. أما لو لم يكن الرجوع
كذلك، بل كان المكلف باقيا على نية السفر، فلا وجه ظاهر لما ذكر، بل يكفي كون
الباقي، بضميمة ما قطعه أولا الى الموضع الذي رجع إليه مسافة. ولاوجه لالغاء
المسافة التي بين البلد والموضع المذكور. (3) لان حد الترخص إنما يعتبر في وجوب
القصر في الخروج عن محل الاقامة بالنسبة الى السفر الاول، لا مطلقا، ولذا لو وصل
الى نهاية المسافة، ثم رجع الى محل الاقامة، جاز التقصير في الرجوع، وإن وصل الى
محل الاقامة، فضلا عما قبله بعد حد الترخص، كما سيأتي. وبالجملة: اعتبار حد الترخص
في مثل الفرض لادليل عليه.
( 102 )
{ قصرا، ثم وصل الى ما دونه، فان كان بعد بلوغ المسافة فلا اشكال في صحة صلاته.
وأما ان كان قبل ذلك. فالاحوط وجوب الاعادة. وإن كان يحتمل الاجزاء، إلحاقا له بما
لو صلى، ثم بدا له في السفر، قبل بلوغ المسافة (1). (مسألة 70): في المسافة الدورية
حول البلد، دون حد الترخص (2)، في تمام الدور أو بعضه، مما لم يكن الباقي قبله أو
بعده مسافة (3) يتم الصلاة. } (1) هذا هو المتعين لو كان ناويا لعدم الرجوع ثم بدا
له أن يرجع بل لا ينبغي التأمل فيه لو لم يكن الرجوع رجوعا عن نية السفر، كما هو
ظاهر الفرض، فان صحة القصر أولى من صحته في الرجوع عن اصل السفر أما لو كان ناويا
له، كما لو علم أن خط السير معوج، على نحو يوجب الرجوع عن حد الترخص، فلا يبعد
القول بعدم جواز التقصير عند تجاوز الحد، لظهور أدلة التحديد في اعتبار البعد الخاص
- أعني: ما يكون بعضا من البعد الناشئ عن سير المسافة - لا مطلق البعد، ولو كان
ملغيا من جهة الرجوع. وعليه فلو قصر أعاد. وأظهر من ذلك - في وجوب الاعادة - مالو
كان الرجوع على خط السير الذهابي، إذ القطعة الخاصة من الذهاب - أعني: مابين ما وصل
إليه وما رجع إليه - ليست معدودة من السفر الموجب للترخص. فلاحظ. (2) قد تقدم في
المسألة الرابعة عشرة: الاشكال في الترخيص في المسافة الدورية حول البلد مطلقا، ولو
كانت فوق حد الترخص. (3) يعني: إذا كانت المسافة الدورية حول البلد بعضها دون حد
الترخص وبعضها فوق حد الترخص، فان كان القوس الواقع فوق حد الترخص
( 103 )
{ فصل في قواطع السفر موضوعا أو حكما وهي أمور: أحدها: الوطن، فان المرور عليه
قاطع للسفر، وموجب للتمام (1) مادام فيه، أو في ما دون حد الترخص منه (2). } مسافة،
وجب التقصير فيه، دون ما كان دون حد الترخص. وإن لم يكن مسافة إلا بضميمة القوس
الكائن دون حد الترخص لم يجب التقصير في شئ منهما، سواء أكان القوس الواقع فوق حد
الترخص قبل ماكان دونه، أم بعده. أقول: إذا كان عموم أدلة الترخص للمسافر شاملا
للمسافر في المسافة الدورية، فاللازم الجزم بالترخص في القوس الواقع فوق جد الترخص.
وإن لم يكن مسافة، لما سبق: من أن المسافة المعتبرة في الترخص ما كانت من البلد،
وهي موجودة في الفرض، لامن حد الترخص. والله سبحانه أعلم. فصل في قواطع السفر
موضوعا أو حكما (1) بلا خلاف ولا إشكال فيه، في الجملة، بل لعله من الضروريات
لاختصاص أدلة القصر بغيره، واستفاضة النصوص بالاتمام فيه، كما ستأتي الاشارة إليها.
نعم تقدم في بعض النصوص: وجوب التمام ما لم يدخل منزله. وقد عرفت: أنه لا مجال
للعمل به. (2) كما تقدم الكلام فيه.
( 104 )
{ ويحتاج في العود الى القصر بعده إلى قصد مسافة جديدة (1)، ولو ملفقة، مع
التجاوز عن حد الترخص (2). والمراد به المكا الذي اتخذه مسكنا ومقرا له دائما (3)،
بلدا كان أو قرية } (1) لاعتبار كون المسافة في خارج الوطن. (2) كما سبق. (3) فان
تحقق هذا المعنى كاف في صدق الوطن عرفا، الموجب لصدق الحاضر، المقابل للمسافر،
المأخوذ في موضوع أدلة التقصير، فيبقى داخلا تحت أدلة التمام. مضافا الى النصوص
الخاصة الدالة على وجوب التمام في الوطن، كصحيح الحلبي (* 1) عن أبي عبد الله (ع):
" في الرجل يسافر، فيمر بالمنزل له في الطريق، يتم الصلاة أو يقصر؟ قال (ع): يقصر.
إنما هو المنزل الذي توطنه " (* 2) وصحيح علي بن يقطين: " قلت لابي الحسن (ع): إن
لي ضياعا ومنازل بين القرية والقرية، الفرسخ والفرسخان والثلاثة، فقال (ع): كل منزل
من منازلك لاتستوطنه فعليك فيه التقصير " (* 3) وصحيحة الآخر: " كل منزل لاتستوطنه
فليس لك بمنزل، وليس لك أن تتم فيه " (* 4) وصحيح سعد بن أبي خلف: " سأل علي بن
يقطين أبا الحسن (ع) عن الدار تكون للرجل بمصر، أو الضيعة فيمر بها. قال (ع): إن
كان مما قد سكنه أتم فيه الصلاة وإن كان مما لم يسكنه فليقصر ". (* 5)
____________
(* 1) كذا في الجواهر. لكن في الوسائل: روى المتن المذكور عن حماد بن عثمان. " منه
قدس سره ". قلت: ونحوه في الاستبصار ج 1 صحفة 230 طبع النجف الاشرف وأما التهذيب
فهو موافق لما في الجواهر. راجع التهذيب ج 3 صفحة 212 طبع النجف الاشرف. (* 2)
الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب
صلاة المسافر حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6. (*
5) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9.
( 105 )
{ أو غيرهما سواء كان مسكنا لابيه وأمه ومسقط رأسه، أو غيره مما استجده. ولا
يعتبر فيه - بعد الاتخاذ المزبور - حصول ملك له فيه (1). نعم يعتبر فيه الاقامة فيه
بمقدار يصدق عليه عرفا أنه وطنه (2). والظاهر أن الصدق المذكور يختلف } وبالجملة:
لا ينبغي التأمل في وجوب التمام بالوطن بالمعنى المذكور. وذكر غير واحد الخلاف في
معنى الوطن، وإنهاء الاقوال فيه إلى ثمانية أو اكثر، لا تنافي الاتفاق الذي ادعاه
بعض عليه، ولا ما في كلام بعض من نفي الاشكال فيه، فان ذلك الخلاف راجع إلى الخلاف
في ثبوت الوطن الشرعي وقيود ثبوته، لافي ثبوت التمام للوطن العرفي. نعم قد يتراءى -
مما في الشرائع وغيرها: " من أن الوطن هو كل موضع له فيه ملك قد استوطنه... " -
الخلاف في ثبوت الوطن العرفي، في قبال الوطن الشرعي، وجريان حكم التمام عليه. ولكنه
مما لا ينبغي، فان كثيرا من المتوطنين لاملك لهم في أوطانهم فضلا عن أن يكون الملك
وطنا لهم والالتزام بوجوب القصر عليهم غريب، بل لعله خلاف الضروري. بل الظاهر -
بقرينة كون موضوع كلامهم المسافر الخارج عن وطنه - أن مرادهم ثبوت الوطن الشرعي
وتحديده، في قبال الوطن العرفي. وكذا الحال في صحيح ابن بزيع الآتي، فانه - على
تقدير تمامية دلالته على ثبوت الوطن الشرعي - ليس في مقام حصر الوطن به، بل في مقام
مجرد بيان ثبوته، إذ لا إطلاق له يقتضي شرح مطلق الوطن - المأخوذ موضوعا للتمام -
بذلك. فلاحظه سؤالا وجوابا. (1) بلا خلاف نصا وفتوى - كما في الرياض - أو بلا خلاف
صريح - كما في الجواهر - لاطلاق الادلة. (2) لا يبعد الاكتفاء بمجرد النية، كما عن
بغية الطالب للشيخ الاكبر وفي الجواهر: " لا يخلو من قوة ".
( 106 )
{ بحسب الاشخاص والخصوصيات، فربما يصدق بالاقامة فيه - بعد القصد المزبور -
شهرا أو أقل. فلا يشترط الاقامة ستة أشهر (1)، وإن كان أحوط، فقبله يجمع بين القصر
والتمام، إذا لم ينو إقامة عشرة أيام. (مسألة 1): إذا أعرض عن وطنه الاصلي أو
المستجد وتوطن في غيره، فان لم يكن له فيه ملك أصلا، أو كان ولم يكن قابلا للسكنى،
كما إذا كان له فيه نخلة أو نحوها، أو كان قابلا له، ولكن لم يسكن فيه ستة أشهر،
بقصد التوطن الابدي، يزول عنه حكم الوطنية، فلا يوجب المرور عليه قطع حكم السفر
(2). وأما إذا كان له فيه ملك قد سكن فيه } (1) لتحقق الصدق بدونها. وما عن الذكرى:
من أن الاقرب الاشتراط ليتحقق الاستيطان الشرعي مع العرفي، غير ظاهر، إذ لا ملزم
بتحقق أحدهما مع الآخر. ومثله: ماعن المدارك: من أنه غير بعيد، لان الاستيطان على
هذا الوجه إذا كان معتبرا مع الملك فمع عدمه أولى. إذ فيه: أنه لا مجال للاولوية.
واعتباره مع الملك في الشرعي للدليل، لا يلازم اعتباره مع عدمه في العرفي، كما هو
ظاهر. (2) أما مع انتفاء الملك فلا طلاق أدلة القصر، مع عدم ما يوجب الخروج عنها،
لاختصاص النصوص الدالة على التمام في الملك والضيعة بصورة وجود الملك. وكذا صحيح بن
بزيع. وأما إذا كان ولم يكن قابلا للسكنى فيدل على التمام فيه: موثق عمار عن أبي
عبد الله (ع): " في الرجل يخرج في سفر، فيمر بقرية له أو دار، فينزل فيها. قال (ع):
يتم الصلاة ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة لا يقصر. وليصم إذا حضره الصوم " (* 1)
____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.
( 107 )
وعن المحقق والعلامة ومن تأخر عنهما: الجزم به إذا أقام هناك ستة أشهر، جمعا
بينه وبين صحيح ابن بزيع الآتي. وفيه: إنه لو أمكن الجمع بينهما بذلك فهو موقوف على
ظهور الصحيح في الوطن الشرعي، وسيأتي ما فيه. وإلا كان الموثق المزبور معارضا به،
وبمادل على اختصاص التمام بالوطن، فيجب حينئذ طرحه لمرجوحيته من وجوه. مضافا الى
عدم ظهور العمل به على إطلاقه. وأما إذا كان قابلا للسكنى ولم يسكن فيه ستة أشهر،
فيدل على وجوب التمام فيه مادل على وجوبه في الملك والضيعة، كما في صحيح اسماعيل
ابن الفضل، من قول الصادق (ع): " إن نزلت قراك وضيعتك (* 1) فأتم الصلاة " (* 2)
وما في صحيح البزنطي، من قول الرضا (ع): " يتم الصلاة كلما أتى ضيعة من ضياعه " (*
3) ونحوه ما في صحيحه الآخر (* 4) وصحيح ابن الحجاج: " قلت لابي عبد الله (ع):
الرجل يكون له الضياع بعضها قريب من بعض، يخرج فيقيم فيها، يتم أو يقصر. قال (ع):
يتم " (* 5) - كذا عن الفقيه والتهذيب - (* 6) وعن الكافي: " يقيم " بدل
____________
(* 1) كما في التهذيب ج 3 صفحة 210 طبع النجف الاشرف، والاستبصار ج 1 صفحة 228 طبع
النجف الاشرف. وفى الوسائل: " وأرضك " بدل " وضيعتك "، كما في الفقيه ج 1 صفحة 287
طبع النجف الاشرف. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 3)
الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 17. (* 4) الوسائل باب: 14 من ابواب
صلاة المسافر حديث: 18. (* 5) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسفار حديث: 2. (*
6) راجع الفقيه ج 1 صفحة 282 طبع النجف الاشرف، والتهذيب ج 3 صفحة 213 طبع النجف
الاشرف، والاستبصار ج 1 صفحة 231 طبع النجف الاشرف.
( 108 )
{ - بعد اتخاذه وطنا له دائما - ستة أشهر، فالمشهور على أنه بحكم الوطن العرفي
(1)، وإن أعرض عنه إلى غيره، ويسمونه } " يطوف " (* 1) فيشكل الاستدلال به. الى غير
ذلك. لكن قد أشرنا إلى معارضتها بما تقدم، مما دل على اعتبار التوطن في التمام.
فيجب إما تقييد الاولى بالثانية إن أمكن، أو طرحها إن لم يمكن، كما لعله كذلك في
بعضها، لمخالفتها لظاهر الاصحاب، ولرجحان الثانية عليها من وجوه، منها: موافقة عموم
القصر على المسافر. وأما إذا أقام فيه ستة أشهر، ولم يكن بقصد التوطن فوجوب التمام
فيه مبني على ظهور صحيح ابن بزيع في ثبوت الوطن الشرعي، وكون المراد من الاقامة فيه
مطلق الاقامة، ولولا بقصد التوطن الابدي، لتحققه في المقام، فيكون اللازم التمام.
هذا ولم يتضح من عبارة المشهور اعتبار قصد التوطن، ولكنه غير بعيد. (1) نسبه الى
المشهور جماعة. وعن التذكرة، و الروض: أنه إجماع وعن بعض الاجلة: " لا أعرف فيه
خلافا إلا من الصدوق، على وجه ". ودليلهم عليه: صحيح ابن بزيع عن الرضا (ع): " عن
الرجل يقصر في ضيعته. قال (ع): لا بأس، ما لم ينو مقام عشرة أيام. إلا أن يكون له
فيها منزل يستوطنه. قلت: ما الاستيطان؟ فقال (ع): أن يكون له فيها منزل يقيم فيه
ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم متى يدخلها " (* 2) وما تقدم في صحيح الحلبي وسعد بن
أبي خلف (* 3). وفيه: أن قوله (ع): " يستوطنه "، وقوله (ع): " يقيم "
____________
(* 1) راجع الكافي ج 3 صفحة 438 طبع ايران الحديثة. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب
صلاة المسافر حديث: 11. (* 3) راجع أوائل هذا الفصل.
( 109 )
بصيغة المضارع، يأبى ذلك جدا. ولاسيما بملاحظة اقتصار الامام (ع) على الجواب
بالاول، الظاهر في الاستيطان العرفي، فلو كان المراد منه الاستيطان الشرعي كان
الاقتصار عليه إيهاما لخلاف الواقع. فلاجل ذلك يتعين حمله على بيان كيفية اتخاذ
المتوطن وطنا ثانيا، ويكون بذلك ذا وطنين، لان مفروض السؤال فيه من له وطن، ثم
يستوطن منزلا آخر له في ضيعته. وهذا هو الذي سأل عنه ابن بزيع، وليس سؤاله عن مفهوم
الاستيطان، الذي لا يخفى على من هو دونه في الفضل، فالامام عليه السلام ليس في مقام
شرح مفهوم الاستيطان شرعا أو عرفا، بل في مقام بيان ما يتحقق الاستيطان للوطن
الثاني ممن كان له وطن. ولاجل ذلك أطلق لفظ الاستيطان أولا، وبعد السؤال فسره
بالاقامة، إذ لو كرره في الجواب انقلب المعنى، وكان ظاهرا في الاستيطان ستة أشهر،
مع أنه غير مراد، إذ المراد الاستيطان أبدا، لكنه يحصل بالاقامة ستة أشهر في كل
سنة. والاقتصار على الستة أشهر إنما هو لانها الاصل في قسمة السنة. وإلا فالوطن
الثاني يحصل بالعزم على الاقامة فيه في كل سنة مدة معتدا بها، أقل من ستة أشهر أو
اكثر. وأما اطلاق الصحيحين الاخيرين فهو وان كان يقتضي الاكتفاء بالتوطن في الماضي
في الجملة، ولو مع انتفاء فعليته، إلا أنه مقيد بما دل على اعتبار فعلية الاستيطان،
مما تقدم. فالمتعين حمل الجميع على إرادة الاستيطان الفعلي. وبالجملة: عموم الادلة
وخصوصها - مما دل على اعتبار الاستيطان الفعلي العرفي في وجوب التمام - صالح لان
يكون موجبا لرفع اليد عن ظهور هذه الصحاح، على تقدير ثبوته. ودعوى: أن الصحيح الاول
حاكم، وهو مقدم على المحكوم. مندفعة: بأن الحاكم إنما يقدم على المحكوم لو كان
ظهوره في الحكومة أقوى من ظهور المحكوم، وليس المقام كذلك.
( 110 )
{ بالوطن الشرعي، ويوجبون عليه التمام إذا مر عليه، مادام بقاء ملكه فيه (1).
لكن الاقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الاعراض. فالوطن الشرعي غير ثابت. وإن كان
الاحوط الجمع بين إجراء حكم الوطن وغيره عليه، فيجمع فيه بين القصر والتمام إذا مر
عليه، ولم ينو اقامة عشرة أيام. بل الاحوط الجمع إذا كان له نخلة (2) أو نحوها، مما
هو غير قابل للسكنى، وبقي فيه بقصد التوطن ستة أشهر. بل وكذا إذا لم يكن سكناه بقصد
التوطن، بل بقصد التجارة مثلا (3). } (1) الوجه في اعتبار الملك عندهم: موثق عمار
المتقدم (* 1) وكونه المتيقن من صحيح ابن بزيع (* 2) لان المنزل المذكور في الجواب
هو ما يكون في ضيعته، لا مطلقا. وأما اللام في قوله (ع): " أن يكون له منزل " فلا
دلالة فيها على الملك، لان إضافة المنزل إليه بواسطة اللام يكفي فيها كونه موضع
نزوله وقراره، لامثل إضافة الضيعة، فان دلالة اللام على الملك تختلف باختلاف
المضاف. (2) لما عرفت من موثق عمار (* 3) المعمول به عند جماعة. (3) لاحتمال كفاية
ذلك في تحقق الوطن الشرعي، على تقدير ثبوته بل هو الظاهر، كما أشرنا إليه سابقا.
وكون قصد التوطن مأخوذا في مفهوم الاستيطان، المذكور في الجواب الاول في الصحيح، لا
يكون قرينة على اعتباره في الاقامة المذكورة في الجواب الثاني تفسيرا للاستيطان،
لان المدار على ظهور المفسر - بالكسر - لا المفسر.
____________
(* 1) راجع أوائل هذه المسألة. (* 2) مر ذلك في التعليقة السابقة. (* 3) تقدم في
أوائل هذه المسألة.
( 111 )
{ (مسألة 2): قد عرفت عدم ثبوت الوطن الشرعي، وأنه منحصر في العرفي. فتقول:
يمكن تعدد الوطن العرفي، بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين، من قصده السكنى
فيهما أبدا، في كل منهما مقدارا من السنة، بأن يكون له زوجتان مثلا، كل واحدة في
بلدة، يكون عند كل واحدة ستة أشهر، أو بالاختلاف (1). بل يمكن الثلاثة أيضا. بل لا
يبعد الازيد أيضا (2). } (مسألة 3): لا يبعد أن يكون الولد تابعا (3) لابويه } (1)
بأن يقيم في أحدهما أربعة أشهر، وفي الآخر ثمانية أشهر. ولا ينافيه ما في الصحيح،
بناء على حمله على الوطن العرفي - كما عرفت - لانه محمول على أحد الافراد الذي يسبق
الى الذهن. (2) للصدق عرفا في الجميع. (3) لا ينبغي التأمل في كون الفرق بين
الامكنة - في صدق الوطن وعدمه - ليس تابعا للجهات الخارجية، وإنما هو تابع للقصد
النفساني. فإذا قصد المكث في محل إلى آخر عمره بحيث لا يخرج عنه إلا لامر يقتضي
الخروج، ولو خلي ونفسه كان مقره ذلك المكان - كان هو وطنا له. ولو خرج عنه كان
مسافرا، ولو أقام فيه كان حاضرا. وما عداه لا يكون وطنا. وهذا القصد المقوم لصدق
الوطن، تارة يكون تفصيليا، واخرى يكون اجماليا ارتكازيا، ناشئا من التبعية لوالديه
أو احدهما. فإذا حصل القصد بأحد النحوين صدق الوطن، وإلا فلا، من دون فرق بين ما
قبل البلوغ ومابعده. وإلغاء قصد الصبي في مثل المقام لادليل عليه، بعد الاكتفاء به
عرفا في صدق التوطن.
( 112 )
{ أو أحدهما في الوطن، ما لم يعرض بعد بلوغه عن مقرهما، وإن لم يتلفت بعد بلوغه
إلى التوطن فيه أبدا فيعد وطنهما وطنا له أيضا. إلا إذا قصد الاعراض عنه (1)، سواء
كان وطنا أصليا لهما ومحلا لتولدهما، أو وطنا مستجدا لهما، كما إذا أعرضا عن وطنهما
الاصلي، واتخذا مكانا آخر وطنا لهما، وهو معهما قبل بلوغه، ثم صار بالغا، وأما إذا
أتيا بلدة أو قرية، وتوطنا فيها وهو معهما، مع كونه بالغا، فلا يصدق وطنا له، إلا
مع قصده بنفسه (2). (مسألة 4): يزول حكم الوطنية بالاعراض والخروج وإن لم يتخذ بعد
وطنا آخر. فيمكن أن يكون بلا وطن (3) مدة مديدة. } (1) وكذا لو تردد، على ما يأتي.
(2) أو بالتبعية. وكذا لو كان غير بالغ، لاتحاد المناط في الجميع نعم الطفل غير
المميز، الذي لا يتأتى منه القصد الاجمالي الارتكازي ولو تبعا قد يدعى صدق الوطن في
حقه بقصد متبوعه. لكنه غير ظاهر. (3) وحينئذ يكون كالسائح يتم دائما، إذ لم يتخذ
مقرا ولو موقتا وإذا اتخذ له مقرا موقتا يأوي إليه إذا لم يكن ما يقتضي الخروج،
فانه يتم فيه، ويقصر إذا سافر عنه إلى مقصد، اتفاقا لزيارة أو نحوها. ويكون مقره
كبيوت الاعراب يتم فيه، لان بيته معه. فكأن الوطن نوعان: شخصي وهو المتعارف. ونوعي،
وهو بيوت الاعراب ونحوها من البيوت التي تتخذ مقرا موقتا، بعد الانصراف عن الوطن
الاصلي. وقد جرى على ذلك بعض المهاجرين الى بغداد، فيستأجر دارا فيها سنة، وسنة
أخرى في مدينة البياع، وثالثة في الكاظمية، ورابعة في الكرادة الشرقية
( 113 )
{ (مسألة 5): لا يشترط في الوطن إباحة المكان الذي فيه (1)، فلو غصب دارا في
بلد، وإراد السكنى فيها أبدا يكون وطنا له. وكذا إذا كان بقاؤه في بلد حراما عليه،
من جهة كونه قاصدا لارتكاب حرام، أو كان منهيا عنه من أحد والديه، أو نحو ذلك.
(مسألة 6): إذا تردد بعد العزم على التوطن أبدا، فان كان قبل أن يصدق عليه الوطن
عرفا، بأن لم يبق في ذلك المكان بمقدار الصدق، فلا إشكال في زوال الحكم (2)، وإن لم
يتحقق الخروج والاعراض. بل وكذا إن كان بعد الصدق في الوطن المستجد. وأما في الوطن
الاصلي إذا تردد في البقاء فيه وعدمه، ففي زوال حكمه قبل الخروج والاعراض إشكال
(3)، لاحتمال صدق الوطنية ما لم يعزم على العدم. فالاحوط الجمع بين الحكمين. }...
وهكذا. فكأنه قصد التوطن في منطقة بغداد وتوابعها، من دون توطن في مكان خاص، وانصرف
عن وطنه الاصلي، فهؤلاء يتمون في بيوتهم ويقصرون إذا سافروا عنها إلى زيارة مشهد أو
نحو ذلك، لانهم يسافرون عن وطنهم النوعي. فيفترقون عن السائح من جهة تحقق التوطن في
الجملة منهم، كما يفترق أهل بيوت الاعراب عنه أيضا بذلك. (1) لعدم الدليل عليه،
والعرف شاهد بخلافه. (2) إذا فرض عدم الصدق قبل الاعراض فلا حكم أولا كي يزول
بالاعراض. (3) ينشأ: من التردد في كون الوطنية تابعة للقصد حدوثا وبقاء.
( 114 )
{ (مسألة 7): ظاهر كلمات العلماء - رضوان الله عليهم - اعتبار قصد التوطن أبدا
في صدق الوطن العرفي، فلا يكفي العزم على السكنى إلى مدة مديدة، كثلاثين سنة، أو
أزيد. لكنه مشكل، فلا يبعد الصدق العرفي بمثل ذلك (1). والاحوط في مثله إجراء
الحكمين بمراعاة الاحتياط. } أو من قبيل الايقاع الذي يكفي فيه القصد الآني، غاية
الامر أنه يرتفع بالاعراض، نظير نصب الوكيل وعزله. ولا يبعد الاول. ويقتضيه ظاهر
النصوص المتقدمة. وعليه يكون حكمه التمام وإن سافر عن مكانه، بناء على ما تقدم في
المسألة الخامسة والخمسين، من أحكام من كان السفر عملهم فراجع. (1) بل هو خلاف
الظاهر، إذ لافرق في نظر العرف بين السنة والثلاثين سنة في كون قصد التوطن مدتها لا
يوجب صدق الوطن، بل لابد فيه من التوطن مدة العمر. نعم يحتمل دخوله فيمن بيوتهم
معهم، لان انقطاعه عن وطنه الاصلي واتخاذ المنزل كوطن له، يقتضي كونه في بيته
الثاني، وإن كان موقتا. اللهم إلا أن يختص من بيوتهم معهم بمن كانت بيوتهم مبنية
على الارتحال، لتكون معهم، ولا يشمل البيوت الثابتة المبنية على الاستقرار. ولكن
هذا التخصيص خلاف مقتضى التعليل الارتكازي، فانه لافرق في ارتكاز العرف بين الامرين
اللهم إلا أن يقال: حمل التعليل على مقتضى الارتكاز يقتضي كون المراد من البيوت
الاوطان، فانها التى لا يقصر فيها ويجب فيها التمام، لا مطلق البيوت. وإلا كان
التعليل غير ارتكازي، وهو خلاف الاصل في التعليلات وإذا حملت البيوت على الوطن لم
تشمل ما نحن فيه. اللهم إلا أن يقال: الارتكاز يقتضي الحمل على البيوت التي لا يكون
المقيم فيها مسافرا عرفا، وإن لم تكن وطنا. فالمقيم فيها إذا كان منقطعا
( 115 )
{ الثاني من قواطع السفر: العزم على إقامة عشرة أيام (1) متواليات (2)، في مكان
واحد (3)، من بلد، أو قرية، أو مثل بيوت الاعراب، أو فلاة من الارض (4). } عن وطنه،
وجاعلا له كوطنه لا يكون مسافرا، فلذا كان عليه التمام. فالتعليل يكون إشارة الى
هذا المعنى، وهو قريب جدا الى الاذواق العرفية فالمسافر الذي يقصر مقابل الحاضر
الذي يتم، والحضور يكون بالاقامة في الوطن الدائم، ويكون بالوطن الموقت، فان المقيم
فيه حاضر عرفا. ويشهد بذلك: أن كثيرا من الاعراب الذين يسكنون هذه البيوت لهم أوطان
مستقرة، يسكنونها في بعض السنة، ويخرجون منها في أيام الربيع لسوم مواشيهم. وعلى
هذا يكون المقر بمنزلة الوطن في وجوب التمام. (1) قد تقدم في شروط القصر الكلام في
وجه قاطعية الاقامة. فراجع وأما ايجابها التمام فمما لاإشكال فيه، بل لعل من
الضروريات. والنصوص الدالة عليه مستفيضة، لو لم تكن متواترة. (2) كما هو المشهور،
بل لعله لا خلاف فيه. والقول بجواز خروج المسافر إلى ما دون المسافة ليس راجعا الى
نفي اعتبار التوالي، بل راجع إلى نفي منافاة الخروج للاقامة نفسها، كما سيأتي.
والوجه في اعتباره: ظهور أدلة التحديد بالزمان - فيما يقبل الاستمرار - في المقدار
المستمر، غير المتفرق، كما يظهر من ملاحظة النظائر. وقد أشرنا الى ذلك في فصل الحيض
وغيره. (3) كما سيأتي. (4) كما صرح به جماعة، بل في كلام بعض: أنه مما لا خلاف فيه.
وقد اشتملت النصوص على البلد، والضيعة، والمكان، والارض.
( 116 )
{ أو العلم بذلك (1)، وإن كان لاعن اختيار. ولا يكفي الظن بالبقاء (2)، فضلا عن
الشك. والليالي المتوسط داخلة (3)، بخلاف الليلة الاولى والاخيرة (4)، فيكفي عشرة
أيام وتسع ليال. ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر على الاصح (5) فلو نوى
المقام عند الزوال من اليوم الاول إلى الزوال من اليوم الحادي عشر كفى، ويجب عليه
الاتمام. وإن كان الاحوط الجمع } (1) كما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: " قلت
له: أرأيت من قدم بلدة الى متى ينبغي له أن يكون مقصرا؟ ومتى ينبغي له أن يتم؟ فقال
(ع): إذا دخلت أرضا، فأيقنت أن لك بها مقام عشرة أيام، فأتم الصلاة... " (* 1)
وإطلاقه يقتضي عموم الحكم لصورة ما إذا كان المقام لاعن اختيار. (2) لعدم الدليل
عليه، فالمرجع عموم القصر على المسافر. (3) بلا إشكال، أما لو أريد من اليوم ما
يدخل فيه الليل فظاهر. وأما لو أريد منه ما يقابل الليل - كما هو الظاهر - فظهور
الدليل في الاستمرار - كما عرفت - كاف في اثباته. (4) لخروجهما عن اليوم عرفا، ولا
موجب لتبعيتهما له. (5) كما عن الشهيد وجماعة. لان الظاهر من اليوم الساعات
النهارية لا خصوص الامد الممتد بين الطلوع والغروب، كما أشرنا إلى ذلك في أن أقل
الحيض ثلاثة. فراجع. ومنه يظهر ضعف ماعن المدارك: من أن الاظهر العدم، وماعن
النهاية والتذكرة: من الاستشكال فيه.
____________
(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9.
( 117 )
{ ويشترط وحدة محل الاقامة (1)، فلو قصد الاقامة في أمكنة متعددة عشرة أيام لم
ينقطع حكم السفر، كأن عزم على الاقامة في النجف والكوفة، أو في الكاظمين وبغداد، أو
عزم على الاقامة في رستاق من قرية الى قرية، من غير عزم على الاقامة في واحدة منها
عشرة أيام. ولا يضر بوحدة المحل فصل مثل الشط، بعد كون المجموع بلدا واحدا، كجانبي
الحلة، وبغداد، ونحوهما. ولو كان البلد خارجا عن المتعارف في الكبر فاللازم قصد
الاقامة في المحلة منه، إذا كانت المحلات منفصلة، بخلاف ما إذا كانت متصلة. إلا إذا
كان كبيرا جدا بحيث لا يصدق وحدة المحل، وكان كنية الاقامة في رستاق مشتمل على
القرى، مثل قسطنطينية ونحوها. } (1) بلا خلاف ظاهر. لان الظاهر من النصوص كون موضوع
التمام هو الاقامة الواحد المستمرة، ومع تعدد المكان تتعدد الاقامة، فلا تكون واحدة
مستمرة. نعم في موثق عبد الرحمن بن الحجاج قال: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل
تكون له الضياع، بعضها يكون قريبا من بعض، فيخرج فيقيم فيها، أيتم، أم يقصر؟ قال
(ع): يتم " (* 1) كذا رواه في الكافي. وعن الشيخ والصدوق: روايته: " يطوف " بدل: "
يقيم " مع أنه لم يظهر منه كون الاقامة عشرة، فيمكن أن يكون من قبيل مادل على وجوب
الاتمام في الضيعة، مما تقدم الكلام فيه. ثم إن المراد من الوحدة المكانية ليس
الوحدة الحقيقية، ضرورة جواز تردد المقيم في بلد من داره الى المسجد، وإلى السوق،
وإلى الحرم، وإلى
____________
(* 1) تقدم ذلك في المسألة: 1 من هذا القصل.
( 118 )
{ (مسألة 8): لا يعتبر في نية الاقامة قصد عدم الخروج عن خطة سور البلد على
الاصح (1). بل لو قصد حال نيتها الخروج الى بعض بساتينها ومزارعها ونحوها من
حدودها، } الحمام... الى غيرها من الامكنة المتعددة. ولا الوحدة الاعتبارية مطلقا،
لاختلاف مقتضي الاعتبار جدا، فقد تكون البلاد المتعددة مع تعددها واحدا ببعض
العناوين الاعتبارية، مثل العراق، وإيران، وآسيا، وغير ذلك. بل المراد خصوص الوحدة
الاعتبارية بلحاظ عنوان الاقامة، فإذا كانت الامكنة المتعددة حقيقة بنحو لا يكون
تعددها موجبا لتعدد الاقامة عرفا فيها كانت مكانا واحدا بذلك الاعتبار. وإن كانت
بحيث توجب تعدد الاقامة كانت متعددة. والوجه في ذلك: ما عرفت من رجوع اعتبار وحدة
المكان الى اعتبار وحدة الاقامة، لانحصار الدليل عليها بما دل على اعتبار وحدة
الاقامة، فتدور وحدة المكان مدار وحدتها. فمهما كانت الامكنة المتعددة لا تكون
الاقامات فيها إلا إقامة واحدة عرفا - كالدار، والمسجد، والحرم والحمام، وغيرها -
كانت مكانا واحدا. ومهما كانت الامكنة لتباعدها بنحو تعد الاقامة في بعضها غير
الاقامة في الآخر، كانت الامكنة متعددة. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنه تختلف الاقامة
العرفية باختلاف الامكنة فالقرى المفصول بعضها عن بعض بربع الفرسخ تعد الاقامة في
بعضها غير الاقامة في الاخرى، ومحلات البلد الواحد، وإن كان يبعد بعضها عن بعض بربع
الفرسخ لاتعد الاقامة في بعضها غير الاقامة في الاخرى. فلابد من ملاحظة خصوصيات
الامكنة، لينظر أن التعدي من مكان إلى مكان هل يعد ارتحالا عنه إلى آخر، أو لا يعد
كذلك؟ وعلى ذلك تدور صحة الاقامد وعدمها، بلا فرق بين الارض، والقرية، والبلاد
المتسعة، وغيرها فلاحظ. (1) وفي الحدائق: " الظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في جواره.
( 119 )
{ مما لا ينافي صدق اسم الاقامة في البلد عرفا، جرى عليه حكم المقيم، حتى إذا
كان من نيته الخروج عن حد الترخص - بل الى ما دون الاربعة - إذا كان قاصدا للعود عن
قريب، بحيث لا يخرج عن صدق الاقامة في ذلك المكان عرفا، كما إذا كان من نيته الخروج
نهارا والرجوع قبل الليل. (مسألة 9): إذا كان محل الاقامة برية قفراء لا يجب } وأما
ما اشتهر في هذه الاوقات المتأخرة والازمنة المتغيرة: من أن من أقام في بلد أو قرية
- مثلا فلا يجوز له الخروج عن سورها المحيط بها، أو عن حدود بنيانها ودورها، فهو
ناشئ عن الغفلة " وفي مفتاح الكرامة: " هذا تعريض بالفاضل الفتوني ". ووجه ضعفه:
عدم منافاة الخروج عن السور في الجملة لصدق الاقامة في البلد عرفا، التي أخذت
موضوعا لادلة وجوب التمام، لان خارج السور القريب منه معدود عرفا متحدا مع البلد،
فلا تكون الاقامة فيه مغايرة للاقامة في البلد، فضلا عن الخروج إليه آناما. هذا
ومقتضى ما عرفت - من أن ظاهر النصوص كون الموجب للتمام هو الاقامة الواحدة المستمرة
التي لا يتخلل بين أجزائها عدم - أن يكون مبنى الفروض المذكورة في هذه المسألة: كون
المكان الذي يخرج إليه المقيم معدودا عرفا مغايرا لموضع الاقامة، بحيث تكون الاقامة
فيه إقامة أخرى، غير الاقامة في موضعها. أو معدودا معه واحدا. فما يكون من قبيل
الاول لا تجوز نية الخروج إليه، لان الخروج إليه إذا كانت منافيا لاستمرار الاقامة
كانت نية الخروج إليه منافية لنية الاقامة الواحدة المستمرة، بل كانت نية الاقامة
حينئذ من قبيل نية الاقامة في القرى المتعددة، التي لا تكون موضوعا لوجوب الاتمام.
وما يكون من قبيل الثاني تجوز نية الخروج إليه، لعدم منافاتها لنية الاقامة الواحدة
المستمرة.
( 120 )
ولاجل ذلك نسب القول بجواز نية الخروج إلى ما دون المسافة الى الندرة والشذوذ،
ولم يعرف قائل به الى زمان فخر الاسلام، فقد قيل: إنه قال به في بعض حواشيه، وتبعه
عليه في الوافي، وشرح المفاتيح. وعن الشهيد الثاني في بعض فوائده، أنه قال: " وما
يوجد في بعض القيود: من أن الخروج الى خارج الحد، مع العود الى موضع الاقامة ليومه
أو ليلته لا يؤثر في نية الاقامة، وإن لم ينو إقامة عشرة مستأنفة، لاحقيقة له، ولم
نقف عليه مسندا الى أحد من المعتبرين، الذين تعتبر فتواهم، فيجب الحكم باخراجه...
". وكأن الوجه الذي دعاهم الى ذلك: حمل الاقامة في النصوص على كون البلد مثلا مقرا
له ومحطا لرحله. إذ من الواضح أن هذا المعنى لا ينافيه الخروج المذكور. بل لا
ينافيه الخروج الى المسافة، لولا الاجماع على قدح نيته. لكن حيث لاقرينة على هذا
المعنى، لا مجال لرفع اليد عن ظاهر النصوص في كون الاقامة ما يقابل الارتحال
والذهاب، المعبر عنها بالحضور المنافي ذلك قطعا. لاأقل من إجمال النصوص، والمرجع
عموم التقصير على المسافر. اللهم إلا أن يقال: المفهوم عرفا من الاقامة هو المعنى
الاول، فيتعين حمل النصوص عليه، ولا اجمال فيها حينئذ. وأما ما في خبر الحضيني،
المروي في الوسائل في باب تخيير المسافر بمكة: " إني أقدم مكة قبل التروية بيوم أو
يومين أو ثلاثة. قال (ع): انو مقام عشرة أيام، وأتم الصلاة " (* 1) فالاستدلال به
على هذا القول مبني على كون الخروج إلى عرفات لا يوجب التقصير، والالتزام بكون
الخروج هذه المدة غير مناف للاقامة. والاول مناف لصريح النصوص. والثاني بعيد جدا.
مع أن عدم صحة الخبر في نفسه، وإعراض الاصحاب عنه مانعان عن العمل به.
____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 15.
( 121 )
{ التضييق في دائرة المقام (1)، كما لا يجوز التوسيع كثيرا، بحيث يخرج عن صدق
وحدة المحل. فالمدار على صدق الوحدة عرفا وبعد ذلك لا ينافي الخروج عن ذلك المحل
الى أطرافه، بقصد العود إليه، وإن كان الى الخارج عن حد الترخص، بل الى ما دون
الاربعة، كما ذكرنا في البلد. فجواز نية الخروج إلى ما دون الاربعة لا يوجب جواز
توسيع محل الاقامة كثيرا، فلا يجوز جعل محلها مجموع ما دون الاربعة، بل يؤخذ على
المتعارف، وإن كان يجوز التردد الى ما دون الاربعة، على وجه لا يضر بصدق الاقامة
فيه. (مسألة 10): إذا علق الاقامة على أمر مشكوك الحصول لا يكفي، بل وكذا لو كان
مظنون الحصول، فانه ينافي العزم على البقاء المعتبر فيها. نعم لو كان عازما على
البقاء لكن احتمل حدوث المانع لا يضر (2). (مسألة 11): المجبور على الاقامة عشرا
والمكره عليها يجب عليه التمام، وإن كان من نيته الخروج على فرض رفع الجبر
والاكراه، لكن بشرط أن يكون عالما بعدم ارتفاعهما، وبقائه عشرة أيام كذلك (3). }
(1) قد عرفت فيما سبق الكلام في هذه المسألة. (2) لانه مع وجود المقتضيات للعزم -
من الميل والرغبة - يتحقق وإن احتمل عروض الرافع المزاحم. وبذلك افترق عن الفرض
السابق، لان التعليق راجع الى تعليق مقتضيات العزم وعدم فعليتها. فتأمل جيدا. (3)
إذ بذلك وإن لم يدخل في العازم يدخل في المتيقن، وقد عرفت
( 122 )
{ (مسألة 12): لا تصح نية الاقامة في بيوت الاعراب ونحوهم ما لم يطمئن بعدم
الرحيل عشرة أيام (1). إلا إذا عزم على المكث بعد رحلتهم إلى تمام العشرة. (مسألة
13): الزوجة والعبد إذا قصدا المقام بمقدار ما قصده الزوج والسيد - والمفروض أنهما
قصدا العشرة - لا يبعد كفايته في تحقق الاقامة بالنسبة اليهما، وإن لم يعلما حين
القصد أن مقصد الزوج والسيد هو العشرة. نعم قبل العلم بذلك عليهما التقصير، ويجب
عليهما التمام بعد الاطلاع. وإن لم يبق إلا يومان أو ثلاثة، فالظاهر وجوب الاعادة
أو القضاء عليهما بالنسبة إلى ما مضى مما صليا قصرا. وكذا الحال إذا قصد المقام
بمقدار ما قصده رفقاؤه، وكان مقصدهم العشرة. فالقصد الاجمالي كاف (2) في تحقق
الاقامة. لكن الاحوط الجمع في الصورتين. بل لا يترك الاحتياط. } أن اليقين بالبقاء
كالعزم عليه. (1) إذ لولاه لا يحصل العزم، ولا اليقين، ومعه يحصل العزم. (2) هذا
غير ظاهر، إذ لا يخرج به عن كونه مترددا في إقامة العشرة المحكوم بوجوب القصر.
ومثله: مالو نوى الاقامة إلى أجل مردد بين العشرة وما دونها، مثل قدوم الحاج، وقضاء
الحاجة، ونزول المطر، وأمثال ذلك، فانه لا يوجب عليه التمام واقعا، وإن كان الاجل
لا ينقضي قبل العشرة بل هو من المتردد الذي يجب عليه القصر نصا وفتوى. ولا مجال
لقياس المقام على مالو قصد السفر إلى مكان معين عنده، ولكن لا يعلم أن المسافة إليه
تبلغ ثمانية فراسخ، حيث تقدم كفاية القصد
( 123 )
الاجمالي للثمانية في وجوب القصر. إذ التردد هنا في حد الزمان الاجمالي، وأنه
ينتهي الى العشرة أو الى ما دونها، وهناك لاتردد في حد المسافة، وإنما التردد في أن
المسافة المحدودة تبلغ ثمانية أو لا تبلغ، والفر بينهما ظاهر. نعم نظير المقام:
مالو قصد مكان ضالته الذي لا يعلم أنه في الكوفة أو في الحلة أو في ذي الكفل، نظرا
الى أن المتردد فيه حدود المسافة. ولذا تقدم وجوب التمام على المسافر المذكور، وان
كان مقصده الاجمالي ينطبق واقعا على نهاية مسافة. وبالجملة: تارة: يكون المسافر
مترددا في حد ذات الزمان الذي يقيم فيه، وأنه الاقل أو الاكثر، وإن كان جازما
بعنوانه من حيث المقدار على كل من تقديري الاقل والاكثر، كما إذا كان عالما بأن
الزمان الذي يقيم فيه إن كان منتهاه يوم الجمعة فهو تسعة أيام، وإن كان منتهاه يوم
السبت فهو عشرة أيام، ولكنه متردد في حده، وأنه الجمعة أو السبت. وفي هذه الصورة
يجب البقاء على التقصير واقعا، لعدم تحقق قصد الاقامة منه في زمان هو عشرة أيام،
لاحتمال انتهاء الاقامة يوم الجمعة لايوم السبت. وأخرى: يكون جازما بحد الزمان الذي
يقيم فيه، وهو يوم السبت في المثال، وان كان مترددا في انطباق عنوان العشرة أيام
عليه، لتردده في اليوم الذي بدأ فيه الاقامة، كما لو دخل البلد عند الزوال، وهو لا
يدري أن اليوم يوم الاربعاء أو الخميس، فنوى الاقامة إلى زوال السبت، وتبين أن يوم
دخوله كان هو الاربعاء. وفي هذه الصورة يجب عليه التمام، لتحقق قصد الاقامة منه في
زمان هو عشرة أيام في الواقع، وإن لم يدر أن ذات الزمان معنون بعنوان عشرة أيام،
لان الغرض من ذكر العشرة تحديد الامد فلا يلزم ملاحظتها موضوعا للقصد. وكذا الحال
إذا نوى الاقامة الى آخر الشهر، وكان مترددا في أن النية كانت في زوال يوم العشرين
أو زوال
( 124 )
{ (مسألة 14): إذا قصد المقام إلى آخر الشهر - مثلا - وكان عشرة كفى، وإن لم
يكن عالما به حين القصد، بل وإن كان عالما بالخلاف. لكن الاحوط في هذه المسألة أيضا
الجمع بين القصر والتمام بعد العلم بالحال، لاحتمال اعتبار العلم حين القصد. (مسألة
15): إذا عزم على إقامة العشرة، ثم عدل عن قصده، فان كان صلى مع العزم المذكور
رباعية بتمام بقي على التمام مادام في ذلك المكان (1). وأن لم يصل أصل، أو } الواحد
والعشرين. أما إذا علم أنه زوال العشرين، ولكن كان مترددا في أن الشهر ناقص أو كامل
فعليه القصر، كما عرفت. وهذا التفصيل الذي ذكرناه في قصد الاقامة بعينه جار في قصد
المسافة وأنه إن كانت ذات المسافة المقصودة معلومة الحد، وإنما الشك في انطباق
عنوان الثمانية فراسخ عليها، وجب القصر. وإن كانت مجهولة الحد، وأنه الموضع الفلاني
أو الموضع الفلاني وجب التمام، وان علم العنوان على تقديم أن يكون الحد هو الموضع
الخاص. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكر في المسألة الآتية. (1) بلا خلاف، كما عن
جماعة بل عن جماعة: الاجماع عليه. لصحيح أبي ولاد: " قلت لابي عبد الله (ع): إني
كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيام، وأتم الصلاة، ثم بدا لي بعد أن
لا أقيم بها، فما ترى لي أتم، أم أقصر؟ قال (ع): إن كنت دخلت المدينة، وصليت بها
صلاة فريضة واحدة بتمام، فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها. وإن كنت حين دخلتها على
نيتك التمام، ولم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم، فأنت في
تلك الحال بالخيار، إن شئت فانو المقام
( 125 )
{ صلى مثل الصبح والمغرب، أو شرع في الرباعية. لكن لم يتمها وإن دخل في ركوع
الركعة الثالثة، رجع الى القصر (1). } عشرا وأتم، وإن لم تنو المقام فقصر ما بينك
وبين شهر. فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة " (* 1) مضافا إلى إطلاق نصوص الاقامة.
لتعليق التمام فيها على مجرد نية الاقامة ولو حدوثا، ولا مقيد لها بصورة البقاء.
وخبر حمزة بن عبد الله الجعفري: " لما نفرت من منى نويت المقام بمكة، فأتممت
الصلاة، ثم جاءني خبر من المنزل، فلم أجد بدا من المصير إلى المنزل، ولم أدر أتم أم
أقصر، وأبو الحسن (ع) يومئذ بمكة، فأتيته وقصصت عليه القصة، فقال (ع): ارجع الى
التقصير " (* 2) لا يصلح لمعارضة ما سبق، لوهنه في نفسه باهمال الجعفري، وباعراض
الاصحاب عنه. ثم إن التفصيل المذكور إنما هو للعدول في الاثناء. أما لو كان بعد
تمام العشرة بقي على التمام، وإن لم يصل فريضة بتمام. (1) لان الظاهر من الشرط في
الشرطية الثانية أن لا يفرغ من صلاة فريضة تامة غير مقصورة، وهو حاصل في جميع
الفروض المذكورة. بل لااشكال فيه بالنسبة الى الاول. وكذا الثاني، وإن احتمل في
الحدائق: كون المراد من الشرط في الاوللى أن يصلي فريضة مطلقا، بعد قصد التمام في
المقصورات. إذ هو احتمال غريب، ولذا جعله بعيدا، وجعل الظاهر خلافه. وكذا في
الثالث، وان كان ظاهر محكي المبسوط وغيره: الاكتفاء بمجرد الشروع في الرباعية، وإن
لم يدخل في ركوع الثالثة. وكأنه حملا للنص على ما يعم الشروع في الرباعية بقصد
التمام. أو لدعوى انصراف النص عن مثله، فالمرجع فيه إطلاق التمام على المقيم، أو
استصحابه، بناء على
____________
(* 1) الوسائل باب: 18 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 18 من
ابواب صلاة المسافر حديث: 2.
( 126 )
{ وكذا لو أتى بغير الفريضة الرباعية، مما لا يجوز فعله للمسافر كالنوافل
والصوم ونحوهما، فانه يرجع الى القصر مع العدول. } كونه المرجع، دون عموم القصر.
وفيه: أن الانصراف ممنوع. وعن التذكرة والمختلف: الاكتفاء بالدخول في ركوع الثالثة،
لانه يلزم من الرجوع الى القصر ابطال العمل المنهي عنه. وفيه: أن تحريم الابطال لا
ينافي سببية العدول لتبدل الحكم، فيكون انبطالا لا إبطالا. وأما عدم اندراجه في
قوله (ع): " وإن شئت فانو المقام وأتم " حيث لا يتصور التخيير بين القصر والتمام،
بعدما بدا له بعد الركوع الثالث، من جهة تعذر جعل صلاته قصرا. فغير ظاهر لامكان
القصر له بالاستئناف. وأضعف من ذلك: الاكتفاء بمجرد القيام الى الثالثة وكون
الزيادة عمدية مبطلة لو بني على القصر - لو سلم لا يجدي في الاكتفاء المذكور بعد
صدق عدم الصلاة تماما. ومما ذكرنا يظهر وجه الحكم في بقية الفروض. نعم قد يدعى: أن
ذكر الصلاة تماما مبني على الغالب، والمراد مجرد فعل ما هو من أحكام الاقامة، بأن
يشرع في الرباعية بقصد اتمامها أربعا كما اشرنا إليه في توجيه ظاهر محكي المبسوط
وغيره. أو يدعى: أن فعل ذلك إما أن يحكم بصحته، أو ببطلانه. لاسبيل الى الثاني،
للامر به واقعا فيتعين الاول. ولابد أن يكون من جهة الحكم بصحة الاقامة. وقد تقدم
أنها من قواطع السفر، فإذا صحت احتيج في جواز التقصير الى إحداث سفر جديد، ولا يكفي
فيه العدول عن نية الاقامة. وفي الاول: أنه خروج عن الظاهر من غير وجه ظاهر. وفي
الثاني: (اولا): النقض بصورة مالو كان العدول قبل فعل شئ، فانه قبل العدول آناما
محكوم بأحكام الحاضر، فيكشف ذلك عن صحة إقامة. ولازمه عدم الرجوع الى
( 127 )
{ نعم الاولى الاحتياط مع الصوم، إذا كان العدول عن قصده بعد الزوال. وكذا لو
كان العدول في أثناء الرباعية، بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة، بل بعد القيام
إليها، وإن لم يركع بعد. (مسألة 16): إذا صلى رباعية بتمام، بعد العزم على }
التقصير بمجرد العدول، مع أنه خلاف الاجماع. (وثانيا): إن ما ذكر أشبه بالاجتهاد في
قبال النص، فان صحيح أبي ولاد يدل على الرجوع الى التقصير بمجرد العدول إذا لم يكن
صلى تماما، وإن لم يحدث سفرا جديدا فكيف يبني على رفع اليد عن مدلوله لما ذكر؟!. ثم
إن في الحاق الصوم الواجب بالفريضة في البقاء على التمام أقوالا: الالحاق بمجرد
الشروع فيه، حكي عن العلامة في جملة من كتبه، وعن الموجز الحاوي، وغاية المرام،
وارشاد الجعفرية، والمقاصد العلية، والمسالك وغيرها. وعلل: بتحقق أثر النية.
والالحاق بشرط الرجوع عن نية الاقامة بعد الزوال، نسب إلى جامع المقاصد، وفوائد
الشرائع، والتنقيح، والهلالية وغيرها. وعلل: بأنه - لاجل عدم جواز الافطار حينئذ -
بمنزلة مالو رجع بعد الغروب. والالحاق بشرط أن يكون العدول بعد الغروب، نسب الى
جماعة. وعلل: بأن المراد من الفريضة التامة مطلق العمل التام، ولما يستفاد من رواية
معاوية بن وهب، من أن الصوم والصلاة واحد (* 1). والجميع - كما ترى - خروج عن ظاهر
النص بلا قرينة. وأما رواية معاوية في ظاهرة في اتحادهما في الترخص وعدمه، وأنه إذا
أفطر قصر، وإذا قصر أفطر، وليست متعرضة لما نحن فيه. فالاقوى عدم الالحاق، كما عن
مجمع الفائدة، والمدارك، والكفاية، والذخيرة، والحدائق، والرياض وغيرها.