مستمسك العروة

السيد محسن الحكيم ج 1

===============

( 1 )

ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن الكريم مستمسك العروة الوثقى تأليف فقيه العصر آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره الجزء الاول

===============

( 2 )

الطبعة الرابعة مطبعة الآداب - النجف الاشرف - تلفون 2898 1391 هجرية حقوق الطبع محفوظة للناشر منشوراة مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - ايران 1404 ه‍ ق

===============

( 3 )

مقدمة الطبعة الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم المرسلين محمد وآله الطاهرين. وبعد فان جميع الاوساط العلمية لتعرف حقا ما يتمتع به الكتاب الشهير " مستمسك العروة الوثقى " تأليف آية الله العظمى والمرجع الديني الاعلى الذي انتهت إليه رئاسة الشيعة الامامية في هذا العصر السيد المحسن الطباطبائي الحكيم (مد الله ظله على رؤوس المسلمين) من سمو المعنى وحسن السمعة وبعد الصيت ذلك لانه أول كتاب من نوعه ظهر للملا العلمي وأول شرح للكتاب " العروة الوثقى " برز للاوساط العلمية وهو يحمل بين دفتيه من الدقة والتحقيق في المجالات الفقهية الشئ الكثير، ولهذه الناحية فقد كان محور الدراسات الفقهية من ذي قبل هو كتاب " شرايع الاسلام " للمحقق (قدس الله سره) ويتلوه كتاب تبصرة المتعلمين للعلامة أعلى الله مقامه. أما اليوم وبعد ظهور هذا الكتاب العظيم فقد أصبح محور الدراسة الفقهية هو " العروة الوثقى " وكثرت لذلك شروحه والتعليقات عليه، وكل ما جاء بعد هذا الشرح " المستمسك " من شروح " العروة الوثقى " فقد وجد طريقا معبدا فسار عليه بسهولة ويسر، وأصبحت مطالبه ونظرياته موضع عناية الدارسين والمدرسين ونقاشهم وقبولهم وردهم. وقد طبع للمرة الثانية بشكل امتازت به على الطبعة الاولى من نواح شتى أبرزها تيسر تطبيق الشرح مع الاصل بفضل الارقام الموضوعة على

===============

( 4 )

كل منهما ولم يمض من الزمن إلا قليل نسبيا حتى نفدت نسخه وأصبح الطلب متكررا والحاجة إليه ملحة فلم يسع الناشر الا ان يتقدم للملا العلمي باخراج الجزء الاول منه في طبعة ثالثة تمتاز على سابقتها بمزيد العناية في تحقيقه وتدقيقه وتخريج أحاديثه والدلالة على مظانها من مصادرها ونحو ذلك من الجهود التي بذلها صاحب الفضيلة البحاثة العلامة الجليل السيد مرتضى الخلخالي النجفي دام فضله وعلى الله أجره والحمد لله رب العالمين. 5 / رمضان / 1384 الناشر: محمد كاظم الحكيم

===============

( 5 )

[ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على محمد خير خلقه وآله الطاهرين. وبعد فيقول المعترف بذنبه المفتقر إلى رحمة ربه محمد كاظم الطباطبائى: هذه جملة مسائل مما تعم به البلوى وعليها الفتوى، جمعت شتاتها وأحصيت متفرقاتها عسى أن ينتفع بها اخواننا المؤمنون، وتكون ذخرا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. والله ولي التوفيق. ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. والصلاة والسلام على أشرف النبيين وخاتم المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين. وبعد فيقول العبد الفقير إلى الله الغني " محسن " خلف العلامة المرحوم السيد " مهدي " الطباطبائي الحكيم: قد يكون من دواعي الخير وأسباب التوفيق أن يجتمع لدي فريق من أرباب العلم والفضل، ويرغبوا إلي رغبة ملحة في تدريس علم الفقه الشريف على أن يكون محور البحث والنظر كتاب (العروة الوثقى) تأليف سيدنا الاعظم فخر الفقهاء المحققين المرحوم المبرور السيد محمد كاظم الطباطبائى، أعلى الله مقامه، فنزلت عند رغبتهم متوكلا على الله تعالى ومستمدا منه المعونة والتسديد. وكنت في أثناء ذلك أدون ما ألقيه إليهم كشرح للكتاب المذكور بشكل موجز. آملا منه - جل شأنه - أن يكون وافيا بمداركه كافيا في تعرف أحكامه، فأكون قد أديت وظيفة جلى في خدمة هذا العلم الجليل.

===============

( 6 )

[ (مسأله 1): يجب على كل مكلف (1) في عباداته ومعاملاته (2) أن يكون مجتهدا أو مقلدا أو محتاطا (3). (مسألة 2): الاقوى جواز العمل بالاحتياط (4) ] واني لارجو منه تعالى ببركة من أنا في جوار حرمه، وأستجير في كثير من الاحيان بذمته - صلوات الله عليه - أن يتقبله بقبول حسن، ويثبته في ديوان الحسنات، ليكون ذخرا لي يوم القاه (يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم) إنه ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (1) الوجوب التخييري المذكور من قبيل وجوب الاطاعة، فطري بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل، حيث أن في ترك جميع الابدال احتمال الضرر. وعقلي بمناط وجوب شكر المنعم. ولاجل ذلك اختص بصورة احتمال التكليف المنجز، فمع الغفلة عن التكليف، أو احتمال التكليف غير الالزامي، أو الالزامي غير المنجز، لم يجب شئ من ذلك، لعدم احتمال الضرر في تركها، ولا هو مما ينافي الشكر الواجب. (2) بل في جميع أفعاله وتروكه - كما سيأتي ذلك منه رحمه الله - لوجود المناطين المذكورين في الجميع. (3) يعنى: يجب أن يعمل على طبق الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط. أما الاكتفاء بالاولين فلاقتضاء كل منهما العلم بأداء الوظيفة شرعية أو عقلية الموجب للامن من العقاب، أو من حصول ما ينافي الشكر، وان احتمل مخالفته للواقع. وأما الاكتفاء بالاخير فلانه يوجب القطع بأداء الواقع الموجب للامن مما ذكر أيضا. وأما عدم الاكتفاء بغيرها كالظن مثلا فلعدم اقتضاء العمل المطابق له للامن لاحتمال مخالفته للواقع. (4) خلافا لما عن المشهور، من بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد

===============

( 7 )

[ مجتهدا أو لا. لكن يجب أن يكون عارفا بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد (1). (مسألة 3): قد يكون الاحتياط في الفعل، كما إذا احتمل كون الفعل واجبا وكان قاطعا بعدم حرمته، وقد يكون في الترك، كما إذا احتمل حرمة فعل وكان قاطعا بعدم وجوبه، ] والتقليد معا، بل لعل ظاهر المحكي عن السيد المرتضى وأخيه الرضي - قدس سرهما - دعوى الاتفاق عليه. لكنه لا دليل عليه بعد ما عرفت من أن العمل الموافق للاحتياط موجب للعلم بمطابقة الواقع. وأما أدلة وجوب التعلم فتأبى الحمل على الوجوب النفسي، والوجوب الغيري ممتنع، لعدم المقدمية بين العلم والعمل، فالمراد منها الوجوب الارشادي، والمقصود منه عدم عذرية الجهل في مخالفة الواقع قبل التعلم، كما هو أيضا ظاهر وجوب التبين في آية النبأ (* 1). والاجماع المدعى على المنع غير واضح الحجية. كما أن اعتبار الاطاعة في صحة العبادة لا يقتضي ذلك، لتحقق الاطاعة عند العقلاء بنفس الفعل الصادر عن داعي الامر ولو كان محتملا، والتمييز مما لا يعتبر عندهم فيها قطعا. واحتمال دخله في حصول الغرض - مع أنه قد يندفع بالاطلاقات المقامية - لا يصلح علة لوجوب الاحتياط في نظر العقل، كاحتمال اعتبار شئ جزءا أو شرطا في المأمور به، كما هو موضح في محله من الاصول. (. 1) هذا شرط للاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل، بل لعل عدم المعرفة مانع من حصول الاحتياط، فلا يحصل الامن.


____________
(* 1) وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) الحجرات: 49

===============

( 8 )

[ وقد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار (1) كما إذا لم يعلم أن وظيفته القصر أو التمام. (مسألة 4): الاقوى جواز الاحتياط ولو كان مستلزما للتكرار (2) وأمكن الاجتهاد أو التقليد. ] (1) الاولى إسقاط هذا القيد، إذ التكرار هنا عين الجمع بين الامرين كالقصر والتمام، فيغني ذكره عن ذكره. وتسميته تكرارا بلحاظ مفهوم الصلاة وإلا فمع الاختلاف في الكيفية لا تكرار حقيقة. والاحتياط بفعل محتمل الجزئية أو الشرطية وترك محتمل المانعية داخل في أحد الاولين. بل الجمع يمكن أن يكون داخلا في الاول. فتأمل. (2) وعن جماعة منعه، بل هو الذي أصر عليه بعض الاعاظم (دام ظله) (* 1). وقد يستدل له (أولا): بأن فيه فوات نية الامر، لان الفعل حينئذ يكون بداعي احتمال الامر، لا بداعي نفس الامر. (وثانيا): بأنه لعب أو عبث بأمر المولى. وكلا الامرين ممنوعان. أما الاول: فلان فعل كل واحد من الاطراف ناشئ عن داعي الامر بفعل الواجب. والاحتمال دخيل في داعوية الامر، لا أنه الداعي إليه، والا كان اللازم في فرض العلم التفصيلي البناء على كون الفعل ناشئا عن داعي العلم بالامر لا عن داعي نفس الامر، إذ الفرق بين المقامين غير ظاهر. (وبالجملة): العلم في فرض العلم التفصيلي والاحتمال في فرض عدمه دخيلان في داعوية الامر إلى الفعل، لا أنهما داعيان إليه. ومن ذلك تعرف أن مرجع الشك في المقام إلى الشك في اعتبار العلم بالامر في تحقق الاطاعة فيكون من قبيل الدوران بين الاقل والاكثر


____________
(* 1) الشيخ ميرزا محمد حسين النائيني

===============

( 9 )

[ (مسألة 5): في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهدا أو مقلدا (1)، لان المسألة خلافيه. ] لا من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير. نعم يتم ذلك بناء على أن الباعث على العمل الاحتمال لتباين نحوي الامتثال، إذ في أحدهما يكون الباعث الامر، وفي الآخر الاحتمال، فالشك في اعتبار الامتثال التفصيلي يكون من التردد بين التعيين والتخيير. وأما الثاني: فلانه قد يكون في الفحص بالاجتهاد أو التقليد من العناء والمشقة ما لا يكون بالاحتياط - مع أنه لو سلم، فكونه عبثا بأمر المولى ممنوع، إذ الاتيان بالفعل المتكرر - بعد ما كان عن محض الامر - موجب لكونه أبلغ في الاطاعة، وأظهر في استشعار العبودية من الفعل بدون التكرار. غاية الامر أنه عبث في كيفية الاطاعة، وهو مما لا يقدح في حصولها، كيف وهو متأخر عنها رتبة؟. (1) لا ريب في أن الاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل إنما هو لكونه موجبا للعلم بأداء الواقع المؤدي إلى الامن من تبعة مخالفته. فإذا أدرك عقل المكلف ذلك كان مجتهدا في مسألة جواز الاحتياط حينئذ ولزم الاكتفاء به، وإلا امتنع الاكتفاء به. إلا أن يدرك عقله حجية رأي الغير، فيفتي له بجواز الاحتياط، فيكتفي به أيضا. وكون المسألة وفاقية أو خلافية لا يصلح علة للاكتفاء به وعدمه. بل الاكتفاء به دائر مدار إدراك عقله لذلك، كما عرفت. مع أن كون المسألة خلافية لا يختص بجواز الاحتياط، فان مسألة جواز التقليد أيضا خلافية، إذ المحكي عن علماء حلب وغيرهم وجوب الاجتهاد عينا، فاختصاص الاحتياط بذلك غير ظاهر. وسيأتى أنه لابد للعامي من أن يكون مجتهدا في جواز التقليد.

===============

( 10 )

[ (مسألة 6): في الضروريات لا حاجة إلى التقليد (1) كوجوب الصلاة والصوم ونحوهما. وكذا في اليقينيات إذا حصل له اليقين. وفي غيرهما يجب التقليد (2) إن لم يكن مجتهدا إذا لم يمكن الاحتياط، وإن أمكن تخير بينه وبين التقليد. (مسألة 7): عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل (2). ] (1) لوضوح أن وجوب العمل شرعا برأي الغير حكم ظاهري كوجوب العمل بسائر الحجج، ومن المعلوم أن الحكم الظاهري يختص جعله بحال الشك، فيمتنع جعل حجية رأي الغير مع العلم بالواقع، كما في الضروريات واليقينيات. (2) على المعروف. لما دل على حجية رأي المجتهد لغيره، من الكتاب والسنة وبناء العقلاء، والسيرة القطعية في زمان المعصومين (ع) كما هو محرر في محله من الاصول - من غير فرق في دلالتها عليه بين إمكان الاحتياط وتعذره. وخلاف بعضهم في ذلك ضعيف، وبذلك يظهر التخيير بينه وبين الاحتياط مع إمكانه. (3) بمعنى عدم الاكتفاء به في نظر العقل في حصول الامن من العقاب لاحتمال عدم مطابقته للواقع. فلو علم بعد العمل بصحته واقعا، أو ظاهرا لمطابقته لرأيه أو رأي من يجب عليه تقليده حال النظر، اكتفى به في نظر العقل حينئذ. أما في الاول فواضح. وأما في الثاني فلحصول الامن من تبعة مخالفته على تقديرها من جهة مطابقته للحجة. وسيأتي لذلك تتمة في كلام المصنف (ره). (* 1) ولو انكشف مطابقته لرأي من يجب عليه تقليده حال العمل مع مخالفته لرأي من يجب عليه تقليده حال النظر، ففي الاكتفاء به وعدمه وجهان، أقواهما الثاني. وليس الحكم فيه حكم ما لو قلد


____________
(* 1) راجع المسألة: 16 من هذا الفصل

===============

( 11 )

[ (مسألة 8): التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين (1)، وان لم يعمل بعد، بل ولو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته والتزام بما فيها كفى في تحقق التقليد. ] مجتهدا ثم عدل عنه إلى غيره - لموت أو نحوه مما يسوغ العدول - فكان رأي من قلده ثانيا مخالفا لرأي من قلده أولا. للفرق بين المسألتين بحصول التقليد في الثانية دون الاولى، وربما كان فارقا في الحكم. وسيأتى التعرض لذلك إن شاء الله تعالى (* 1). (1) قد اختلفت كلماتهم في تعريف التقليد. ففي بعضها: أنه الاخذ بقول الغير من غير حجة، وفي آخر: أنه العمل بقول الغير.. وفي ثالث: أنه قبول قول الغير... لكن هذا الاختلاف وإن كان - لاول نظرة - ظاهرا في الاختلاف في معنى التقليد ومفهومه، إلا أن عدم تعرضهم للخلاف في ذلك مع تعرضهم لكثير من الجهات غير المهمة يدل على كون مراد الجميع واحدا، وأن اختلافهم بمحض التعبير. وظاهر القوانين أن مراد الجميع العمل، حيث نسب تعريفه بالعمل بقول الغير.. إلى العضدي وغيره، مع أن تعريف العضدي كان بالاخذ. وظاهر الفصول أن المراد الالتزام حيث قال: واعلم أنه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه. لان العمل مسبوق بالعلم، فلا يكون سابقا عليه. ولئلا يلزم الدور في العبادات، من حيث أن وقوعها يتوقف على قصد القربة، وهو يتوقف على العلم بكونها عبادة، فلو توقف العلم بكونها عبادة على وقوعها كان دورا.. (إلى أن قال): وقول العلامة (ره) في النهاية: بأن التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة معلومة، بيان لمعناه اللغوى - كما يظهر من ذيل كلامه - وإطلاقه على هذا شائع في العرف العام.


____________
(* 1) في المسألة: 53 من هذا الفصل

===============

( 12 )

وظاهره تسليم كون التقليد لغة هو العمل إلا أنه يجب حمله اصطلاحا على مجرد الالتزام فرارا عن الاشكالين المذكورين في عبارته. لكن يدفعهما أن دليل حجية الفتوى يقتضي كونها بمنزلة العلم وهي سابقة على العمل، وكافية في حصول نية القربة. (ودعوى): أن حجية الفتوى مشروطة بالالتزام بالعمل، كما يظهر منه (قده) في شرح قولهم - في تعريف التقليد -: من غير حجة (يدفعها): أنها خلاف ظاهر أدلة الحجية، بل خلاف المقطوع به من بعضها، كما لا يخفى. هذا مضافا إلى النظر والاشكال في مقدمات الاشكالين المذكورين، كما يظهر ذلك بالتأمل. وأما التعبير بالاخذ في كلام الجماعة - كما سبق - فالظاهر أن المراد منه العمل، كما في كثير من المقامات، مثل الاخذ بما وافق الكتاب والاخذ بما خالف العامة، والاخذ بقول أعدلهما، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات.. إلى غير ذلك مما هو كثير. ولعله المراد أيضا من القبول المذكور في كلام بعضهم. مع أن عدم إرادته منه لا يهم بعد ما عرفت من كون مقتضى الادلة جواز العمل بالفتوى بلا توسيط الالتزام، فلا يكون دخيلا في حصول الامن من الضرر، ولا واجبا تخييريا بالوجوب الفطري والعقلي المتقدمين آنفا. فالمتحصل إذا: أن التقليد عبارة عن العمل اعتمادا على رأى الغير، وهو المناسب جدا لمعناه اللغوي - كما تقدم من الفصول - ويعبر عنه في العرفيات بقوله: إني أعمل كذا ويكون ذلك في رقبتك - مخاطبا من يشير عليه بالفعل - والالتزام أجنبي عنه. هذا كله مع اتحاد المجتهد، أما مع تعدده: فاما أن يتفقوا في الفتوى أو يختلفوا فيها. فان اتفقوا فالظاهر أنه لا دليل على تعيين واحد منهم، فيجوز تقليد جميعهم كما يجوز تقليد بعضهم وأدلة حجية الفتوى - كأدلة

===============

( 13 )

حجية الخبر - إنما تدل على حجية الفتوى بنحو صرف الوجود الصادق على القليل والكثير، فكما أنه لو تعدد الخبر الدال على حكم معين يكون الجميع حجة على ذلك الحكم كما يكون البعض كذلك ولا تختص الحجية بواحد منها معين أو مردد، كذلك لو تعددت الفتوى. ويشير إلى ذلك آيتا النفر (* 1) والسؤال (* 2) - بناء على ظهورهما في التقليد - ورواية ابن مهزيار الواردة في حكم الاتمام بمكة (* 3)، ورواية صاحب السابري الواردة في من أوصى أن يحج عنه بمال لا يفي بالحج (* 4)، وخبر حمران بن أعين، ومرفوع ابراهيم بن هاشم الواردان في أكثر النفاس (* 5)، وغير ذلك. ومنه يظهر ضعف أخذ التعيين للمجتهد في مفهوم التقليد. إلا أن يكون المراد به ما يقابل الترديد، فانه حينئذ لا بأس به إذ الفرد المردد ليس له خارجية كي يصلح أن يكون موضوعا للحجية أو غيرها من الاحكام. وإن اختلف المجتهدون في الفتوى، فلما امتنع أن يكون الجميع حجة للتكاذب الموجب للتناقض، ولا واحد معين، لانه بلا مرجح، ولا التساقط والرجوع إلى غير الفتوى، لانه خلاف الاجماع والسيرة، تعين أن يكون الحجة هو ما يختاره، فيجب عليه الاختيار مقدمة لتحصيل الحجة، وليس


____________
(* 1) وهي قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) التوبة: 122 (* 2) وهي قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك الا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) النحل: 43، الانبياء: 7 (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4 (* 4) الوسائل باب: 37 من كتاب الوصايا حديث: 2 وسيأتي ذكر الرواية مفصلا في الجزء العاشر في المسألة التاسعة من فصل الوصية بالحج (* 5) الوسائل باب: 3 من ابواب النفاس حديث: 11، 7

===============

( 14 )

[ (مسألة 9): الاقوى جواز البقاء على تقليد الميت (1). ] الاختيار إلا الالتزام بالعمل على طبق إحدى الفتويين أو الفتاوى بعينها، وحينئذ يكون الالتزام مقدمة للتقليد لا أنه عينه، ومما ذكرنا يظهر أن دعوى أن التقليد هو الالتزام مما لم يتضح له مأخذ. والله سبحانه أعلم. (1) الكلام في هذه المسألة، (تارة): يكون في صورة موافقة رأي الميت لرأي الحي الذي يجب عليه تقليده على تقدير عدم جواز البقاء على تقليد الميت، (وأخرى): في صورة مخالفة رأيه لرأيه. أما الكلام في الصورة الاولى: فهو أنه - بناء على ما عرفت من أن التقليد هو العمل برأي الغير واحدا كان أو متعددا - لا تترتب صحة العمل واقعا وعدمها على الجواز وعدمه، لان العمل الموافق لرأي الميت مواقف لرأي الحي أيضا، فيكون صحيحا مطلقا، كان رأي الميت حجة أولا. غاية الامر أنه على تقدير حجيته تكون صحة العمل عقلا - بمعنى الاجتزاء به في نظر العقل - لموافقته لرأي الجميع، وعلى تقدير عدم حجيته يكون الاجتزاء به في نظر العقل لموافقته لرأي الحي، فالصحة والاجتزاء به عند العقل محرز على كل تقدير. نعم يثمر الكلام في حجية رأي الميت من حيث جواز البناء عليها لعدم كونه تشريعا، وعدمه لكونه كذلك. لكنه شئ آخر أجنبي عن صحة العمل. أما بناء على كونه الالتزام بالعمل فصحة العمل عقلا وعدمها يبتنيان على حجية رأي الميت وعدمها، فانه على تقدير الحجية يكون الالتزام بالعمل برأيه تقليدا صحيحا والعمل الموافق للالتزام المذكور عملا عن تقليد صحيح، وليس كذلك على تقدير عدم الحجية. وأما الكلام في الصورة الثانية: فهو بعينه الكلام في الصورة الاولى بناء على كون التقليد هو الالتزام بالعمل، لما عرفت من توقف الحجية حينئذ على الالتزام بواحد من الرأيين بعينه، فتبتني الصحة وعدمها على حجية

===============

( 15 )

رأي الميت وعدمها. إذا عرفت ذلك نقول: بناء على ما عرفت من أن الادلة اللفظية الدالة على حجية الفتوى لو تمت في نفسها فانها تدل على حجيتها بنحو صرف الوجود الصادق على القليل الكثير. كأدلة حجية الخبر - فلا مجال للتمسك بها مع اختلاف الرأيين. لتكاذبهما المانع من شمول الدليل لهما ولا أحدهما. فلابد في إثبات الحجة من رأي الميت أو الحي من الرجوع إلى دليل آخر، من إجماع، أو بناء العقلاء، أو سيرة المتشرعة، أو الاصل. (والاول) لم يثبت بالنسبة إلى الميت، بل قد يدعى على عدم جواز الرجوع إليه، فضلا عن العلم بعدم انعقاده على الجواز. (وأما الثاني) فالظاهر أنه لا يشمل صورة الاختلاف أيضا كالادلة اللفظية. (وأما السيرة) فهي وإن ادعي استقرارها في عصر المعصومين (ع) على البقاء على تقليد الميت، كما هو المظنون قويا، لكن بلوغه حدا يصح التعويل عليه لا يخلو من: إشكال. فيتعين الاخير. وستأني وجوه تقريره. وأما بناء على أن مفاد أدلة التقليد هو الحجية على تقدير الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين فلا مانع من الرجوع إلى إطلاق تلك الادلة لو كان. لكن عرفت أنا لا نعرف ذلك الدليل لنعرف إطلاقه. فالعمدة إذا هو الاصل. وتقريره (تارة): باجرائه في الحكم الوضعي الاصولي - أعني: الحجية - فيقال: كان رأي فلان حجة - يعني حال حياته - وهو على ما كان. (وأخرى): في نفس المؤدى الواقعي المحكي بالرأي، فيقال مثلا: كانت السورة واجبة واقعا حال حياة فلان فهي باقية على وجوبها. (وثالثة): في الحكم الظاهري، فيقال مثلا: كانت السورة واجبة ظاهرا حال حياة فلان فهي باقية على وجوبها الظاهري، فنقول: أما إجراؤه في الحكم الوضعي على النحو الاول - أعنى: الحجية -

===============

( 16 )

فيتوقف أولا على كونها متأصلة في الجعل، بحيث يصح اعتبارها من مجرد جعلها، وتترتب عليها آثارها عقلا من صحة اعتذار كل من المولى والعبد بها. لكنه غير ظاهر، بل الظاهر أنها منتزعة من الحكم الظاهري الراجع إلى الامر بالعمل بالواقع على تقدير المصادفة - نظير الامر بالاحتياط في بعض موارد الشك - وإلى الترخيص على تقدير المخالفة، فان ذلك هو منشأ صحة الاعتذار والاحتجاج، فالحجية نظير الوجوب والحرمة المنتزعين من مقام الارادة والكراهة، ولا يصح اعتبارهما من مجرد جعلهما مع قطع النظر عن الارادة والكراهة. وعلى هذا لا مجال لجريان الاستصحاب فيها، لعدم كونها أثرا شرعيا ولا موضوعا لاثر شرعي. ويتوقف ثانيا على أن يكون موضوع الحجية مجرد حدوث الرأي، أما إذا كانت منوطة به حدوثا وبقاء، بحيث يكون موضوعها في الآن الثاني بقاء الرأي، فلا مجال لاستصحابها، لعدم بقاء موضوعها، لانتفاء الرأى بالموت. وقد يستظهر ذلك من بناء الاصحاب - بل ظهور الاجماع - على ارتفاع الحجية بتبدل رأي المجتهد، وبارتفاع الشرائط من العدالة والعقل والضبط وغيرها. ولان حجية الرأي بالاضافة إلى العامي ليست بأعظم منها بالاضافة إليه نفسه، ومن المعلوم أن حجية الرأي بالاضافة إلى نفسه على النحو الثاني، فان الحجية لرأي المجتهد بالاضافة إلى نفسه في كل زمان موضوعها الرأي في ذلك الزمان، لا مجرد الحدوث. فان قلت: سلمنا كونها كذلك بالاضافة إلى العامي، لكن لا دليل على ارتفاع الرأي بالموت فيجري فيه استصحاب بقائه، ويكون حجة. (قلت): لو سلمنا تقوم الرأي بالنفس عقلا لا بالبدن فليس كذلك عرفا، فانه يصدق عرفا أن هذا الميت لا رأي له. مع أن الموت ملازم لارتفاع الرأي - غالبا - قبله آنا ما فلا مجال لاستصحابه.

===============

( 17 )

هذا ولكن الانصاف أن الاجماع على عدم حجية رأي المجتهد مع اختلال الشرائط - لو تم - لا يقتضي عدم الحجية مع ارتفاع الحياة إذا كان محلا للخلاف وارتفاع الحجية بتبدل الرأي إنما هو لكون الحجية مشروطة بعدم ظهور الخطأ له في المستند، لا لكونها منوطة بالرأي حدوثا وبقاء. ولذا ترى الشهادة تسقط عن مقام الحجية إذا ظهر للشاهد الخطأ في المستند، مع أنها حجة بحدوثها إلى الابد ولا ترتفع حجيتها بموت الشاهد أو نسيانه. وارتفاع الرأي قبل الموت غالبا إن قام إجماع على قدحه فهو خارج عن محل الكلام، والكلام في غيره من الفروض وإن لم يقم إجماع على ذلك لم يقدح في جريان الاستصحاب. وبالجملة: احتمال حجية الرأي بحدوثه إلى الابد لا رافع له، فلا مانع من الاستصحاب. فان قلت: رأى المجتهد حال حياته وإن دل على ثبوت الحكم في جميع الوقائع السابقة والمقارنة واللاحقة، إلا أن القدر المتيقن حجيته في غير الوقائع اللاحقة، فهو بالنسبة إليها غير معلوم الحجية حتى تستصحب بعد الموت، إذ الاستصحاب حينئذ يكون من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلي. قلت: إنما يتم الاشكال لو كانت الوقايع ملحوظة بخصوصها موضوعا للحجية في قبال غيرها، كأفراد الكلي الملحوظ بعضها في قبال آخر. أما إذا كانت جميع الوقايع ملحوظة بنحو القضية الحقيقية، والشك إنما هو في مجرد استمراد الحكم إلى الازمنة اللاحقة، فلا مانع من الاستصحاب، إذ الواقعة اللاحقة - على هذا المعنى - تكون موضوعا للحكم لو كانت واقعة في حياة المفتي وإنما الشك في خصوصية زمان الحياة، والاستصحاب شأنه إلغاء احتمال دخل خصوصية الزمان السابق في الحكم. نظير ما لو ثبت أن من ولد في يوم الجمعة يجب ختانه وشك في استمرار الحكم لمن ولد في يوم السبت، فمن ولد في يوم السبت يعلم بثبوت الحكم له لو كان ولد في يوم الجمعة

===============

( 18 )

ويشك في بقائه على ما كان. فصورة القضية المستصحبة هكذا: هذا - يعنى: المولود في يوم السبت - كان لو ولد وجب ختانه فهو على ما كان. وكذلك نقول في المقام: هذه الواقعة كانت لو وجدت فيما مضى لكان الرأي فيها حجة فهي باقية على ما كانت، فالشك ليس لا حتمال دخل خصوصية أفراد الوقايع، بل لاحتمال دخل خصوصية الزمان السابق في الحكم، وشأن الاستصحاب إلغاء احتمال ذلك. فهذا الاستصحاب نظير استصحاب الشرائع السابقة عند الشك المحرر جوازه في مبحث الاستصحاب. نعم هو من قبيل الاستصحاب التعليقي المحقق في محله جريانه، إذ لا فرق بين الحكم التعليقي والتنجيزي في الدخول في عموم دليل الاستصحاب. لكنه ربما يكون معارضا بالاستصحاب التنجيزي لعدم الدليل على حكومته عليه، وحينئذ يسقط للمعارضة، وفي المقام يعارض بأصالة عدم الحجية الثابت قبل الوجود. لكنه مبني على جريان الاصل في العدم الازلي، وإلا كان الاصل التعليقي بلا معارض. وأما إجراؤه في الحكم الواقعي: فيشكل بأنه يتوقف على اليقين بالحدوث والشك في البقاء، وكلاهما غير حاصل. أما الاول فلعدم اليقين الوجداني حال الوفاة بثبوت الحكم الواقعي حال الحياة، إذ لا منشأ له. ومثله اليقين التنزيلي. وكون رأي المجتهد بمنزلة اليقين مسلم لو ثبتت حجيته حال الوفاة، وهي محل الكلام، وحجيته حال الحياة على ثبوت الحكم الواقعي حينئذ لا تجدي في ثبوت اليقين التنزيلي بعد الوفاة بأصل الثبوت، فلا يقين ولا ما هو بمنزلته بثبوت الحكم الواقعي من أول الامر. وأما الثاني فانتفاؤه أظهر، للعلم بثبوت الحكم الواقعي على تقدير حدوثه، وإنما الشك في أصل ثبوته لا غير. وأما إجراؤه في الحكم الظاهري: فلا ضير فيه، لاجتماع أركانه،

===============

( 19 )

لليقين الوجداني حال الوفاة بثبوته حال الحياة الملازم لحجية الفتوى حال الحياة، والشك في بقائه، للشك في بقاء الحجية إلى زمان الوفاة. نعم يتوجه عليه الاشكال الاخير في استصحاب الحجية. ويندفع بما عرفت من الاستصحاب التعليقي. بل جريانه هنا أوضح، لان الحكم المستصحب إن لم يكن اقتضائيا - كما لو كانت فتوى الميت عدم الوجوب أو عدم الحرمة - فاستصحابهما التعليقي لا يعارضه الاستصحاب التنجيزي، لانه لو جرى كان مفاده نفي الوجوب أو الحرمة - لاصالة عدمهما - فالاستصحاب التنجيزي - لو جرى - فهو موافق لا مخالف كي يسقطا بالمعارضة. نعم لو كان اقتضائيا - كما لو كانت فتوى الميت الوجوب أو الحرمة - فالاصل التنجيزي وإن كان معارضا، لكن البقاء على التقليد في الاحكام الاقتضائية مما لا بأس به قطعا من حيث العمل، لموافقته للاحتياط. ولو كانت فتوى الميت الوجوب، وفتوى الحي الحرمة، فالفتوى الاولى لما كان مفادها نفي الحرمة كانت من هذه الجهة غير اقتضائية، فلا مانع من جريان الاستصحاب في مضمونها، ومن حيث نفس الوجوب اقتضائية فلا بأس بالبقاء عليها من حيث العمل، كما عرفت. هذا كله مضافا إلى ما أشرنا إليه آنفا من أن المظنون قويا استقرار السيرة على البقاء على تقليد الميت، بل دعوى الجزم بذلك قريبة جدا. وعليه فلا تنتهي النوبة إلى الاصول وإن كان مقتضاهما مختلفا، إذ القدر المتيقن من السيرة صورة العلم بالمسألة أو خصوص صورة العمل، لا مطلقا وإن لم يعمل، فضلا عما لو لم يعلم. أما الاصل فمقتضاه الجواز مطلقا عمل أولا، علم أولا. والتشكيك في ثبوته في الوقايع مع عدم العلم في غير محله، إذ اعتبار العلم بالفتوى في الحجية خلاف الاجماع كما لا يخفى. هذا كله مع تساوي المجتهدين الميت والحي في العلم. أما مع الاختلاف

===============

( 20 )

فالظاهر أنه لا إشكال في بناء العقلاء على تعين الرجوع إلى الاعلم، فيجب العدول إلى الحي إن كان أعلم، كما يجب البقاء إن كان الميت أعلم. بلا فرق بين ما علم وعمل وبين غيره، لعدم الفرق في بناء العقلاء المذكور. ولا مجال حينئذ للرجوع إلى الاصول شرعية أو عقلية، نعم لو كان الرجوع إلى الاعلم من جهة الحكم العقلي بالتعيين عند الدوران بينه وبين التخيير كان الاصل الشرعي واردا عليه، فيتعين الرجوع إلى الاصل المتقدم. لكن الظاهر استقرار بناء العقلاء على تعين الرجوع إلى الاعلم، فيتعين العمل به. هذا ولو بني على جواز البقاء على تقليد الميت فهل يجوز العدول - كما هو ظاهر المتن والنسوب إلى بعضهم - أولا؟ - كما نسب إلى أكثر القائلين بجواز البقاء - وجهان. أما وجه الاول: فهو استصحاب التخيير الثابت قبل الرجوع إلى الميت. وفيه: أن مرجع التخيير الثابت سابقا إلى أنه لو اختار أي واحد منهما كان رأيه حجة عليه، فيقال: كان لو اختار الحي الذي يقع الكلام في جواز العدول إليه لكان رأيه حجة. وهو من الاستصحاب التعليقي المعارض باستصحاب عدم الحجية الثابت قبل الاختيار. وأما وجه الثاني: فهو إما الاجماع على عدم جواز العدول الثابت قبل الوفاة وبعد الوفاة أو الثابت قبل الوفاة فيستصحب المنع إلى ما بعد الوفاة. أو أصالة الاحتياط، لكون المورد من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير. وفيه: أن عموم معقد الاجماع إلى ما بعد الوفاة ممنوع، بل ثبوت الاجماع على المنع حال الحياة عن العدول تعبدا غير ظاهر كي يجري استصحابه. وأما أصالة الاحتياط عند الدوران بين التعيين والتخيير فلا مجال لها، إذ كما يحتمل وجوب البقاء على تقليد الميت يحتمل وجوب العدول عنه إلى الحي، فاحتمال التعيين موجود في كل من الطرفين كما يحتمل التخيير أيضا،

===============

( 21 )

وفي مثله يجب البناء على التخيير بعد قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي، حتى أحوط القولين المتعين في نظر العقل - لولا الاجماع المذكور - للعلم الاجمالي بثبوت الحجة بينهما، المستوجب لوجوب موافقتهما عقلا، والعمل بأحوطهما موافقة لهما معا. لكن الاجماع على عدم وجوب الاحتياط مطلقا على العامي يستوجب الحكم بالتخيير. نعم البناء على ذلك موقوف على عدم جريان الاصول الشرعية، وإلا كان عليها المعول فنقول: أما من حيث العمل وصحته فقد عرفت أنه إذا كانت فتوى الميت الرخصة، كما لو أفتى بعدم وجوب الكفارة للوطئ في الحيض، وكانت فتوى الحي وجوبها لا مانع من جريان استصحاب الحكم الظاهري لعدم المعارض. فنقول هنا: أنه لا مانع من العدول إلى فتوى الحي من حيث العمل، لموافقتها للاحتياط. أما إذا كانت فتوى الميت حكما اقتضائيا - كالوجوب والحرمة - فلا مجال للاستصحاب التعليقي وان البقاء لا بأس به. أما جواز العدول فمقتضى الاجماع على التخيير في تعيين الحجة عند احتمال التعيين في كل واحد من محتملي الحجية، لما عرفت أنه كما يحتمل حجية رأى الميت يحتمل حجية رأى الحي كما يحتمل التخيير بينهما أيضا، فله اختيار البقاء وله اختيار العدول. هذا كله من حيث العمل. وأما من حيث جواز الالتزام والاعتقاد القلبي، ومن حيث جواز النقل والاخبار عن الحكم الواقعي، - اللذين هما من آثار العلم المترتبين على الطرق الشرعية بمقتضى دلالة أدلتها على تنزيلها بمنزلة العلم، فحيث أن هذا التنزيل أيضا من الاحكام الشرعية يجرى فيه ما تقدم في الاحكام الاقتضائية التى تتضمنها فتوى الميت، ويجري الاصل فيه على نحو جريانه في تلك الاحكام. ولاجل السقوط بالمعارضة يرجع إلى التخيير المستفاد من الاجماع عليه عند تردد الحجة تعيينا بين فردين حسبما

===============

( 22 )

[ ولا يجوز تقليد الميت ابتداء (1). ] عرفت. وقد عرفت أن هذا الكلام كله مع تساوي الحي والميت في العلم لا مع الاختلاف، وإلا تعين الرجوع إلى الاعلم كان الحي أو الميت. فلاحظ وتأمل. (1) إجماعا إلا من جماعة من علمائنا الاخباريين، على ما نسب إليهم على تأمل في صحة النسبة، لظهور كلمات بعضهم في كون ذلك في التقليد بمعنى آخر غير ما هو محل الكلام. وكيف كان فالوجه في المنع: أنك عرفت قصور أدلة حجية الفتوى عن شمول الفتاوى المختلفة، فلا مجال للرجوع إلى الآيات والروايات لاثبات حجية فتوى الميت - على تقدير تمامية دلالتها في نفسها على الحجية، وكونها مطلقة - وكذلك بناء العقلاء عليها، وكذلك الاجماع. إذ لا إجماع على جواز الرجوع إلى الميت ابتداء، بل المنع مظنته، كما عرفت. وكذلك السيرة، فان دعواها على الرجوع ابتداء إلى الاموات مجازفة. وقد عرفت إشكال استصحاب الحجية، واستصحاب الاحكام الواقعية، في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت، فضلا عن المقام لعدم ثبوت الحجية هنا حدوثا، ولا قام عند المقلد طريق على ثبوت الحكم الواقعي في وقت من الاوقات. ومن هنا كان الاشكال في جريانهما هنا أعظم. ولاجل ذلك يشكل جريان استصحاب الاحكام الظاهرية، إذ لا يقين بالثبوت لا وجداني ولا تعبدي. فيتعين الرجوع إلى الاصل العقلي عند الدوران بين التعيين والتخيير، حيث يعلم بجواز الرجوع إلى الحي ويشك في الميت، فان الحكم العقلي في مثله الاحتياط بالرجوع إلى معلوم الحجية. ومن ذلك تعرف الفرق بين تقليد الميت ابتداء واستمرارا، وأنه في الاول لا يقين بثبوت أمر شرعى سابقا كي يجري الاستصحاب فيه، بخلاف الثاني، لليقين بثبوت الحجية سابقا أو الحكم الظاهري، فيمكن جريان

===============

( 23 )

الاستصحاب فيه. وأن الشك في الاول بين التعيين والتخيير، بخلاف الثاني فان احتمال التعيين موجود في كل من الميت والحي. ولاجل ذلك كان الاصل العقلي التعيين في الاول دون الثاني، بل المرجع فيه التخيير بعد الاجماع على عدم وجوب الاحتياط. هذا كله مع تساوي الميت والحي في الفضيلة. أما إذا كان الميت أعلم فمقتضى بناء العقلاة لزوم تقليده تعيينا. وليس ما يوجب الخروج عنه إلا حكاية الاجماع على المنع عنه، فقد حكاه غير واحد عليه، كما في الجواهر، وجعله فيها مفروغا عنه بين أصحابنا، وقد تعرض في تقريرات درس شيخنا الاعظم (ره) لكلماتهم في حكاية الاجماع على المنع. ولعل هذا المقدار كاف في رفع اليد عن بناء العقلاء على وجوب الرجوع إلى الافضل، فان الحاكين للاجماع وإن كانوا جماعة خاصة، لكن تلقي الاصحاب لنقلهم له بالقبول، من دون تشكيك أو توقف من أحد، وتسالمهم على العمل به، يوجب صحة الاعتماد عليه. ولا سيما مع كون نقلة الاجماع المذكور من أعاظم علمائنا وأكابر فقهائنا، ولهم المقام الرفيع في الضبط والاتقان والتثبت. قدس الله تعالى أرواحهم، ورفع منازل كرامتهم وجزاهم عنا أفضل الجزاء. ومن هذا الاجماع تعرف سقوط ما يتصور في المقام أيضا من الاستصحاب الجاري في الحكم الظاهري، نظير ما سبق في مسألة الاستدامة. وتقريبه: أن هذا المقلد وان لم يثبت في حقه حكم ظاهري إلى حين موت المجتهد، لعدم وجوده في حياته، أو لعدم تكليفه أصلا حينئذ. لكن كان بحيث لو كان موجودا في حياة المجتهد ورجع إليه لثبت الحكم الظاهري في حقه، فيستصحب ذلك إلى ما بعد موت المجتهد ووجود ذلك العامي، فيثبت حينئذ أنه لو رجع إليه لكان محكوما بالحكم الظاهري. فتكون هذه المسألة نظير

===============

( 24 )

[ (مسألة 10): إذا عدل عن الميت إلى الحي لا يجوز له العدول إلى الميت (1). ] المسألة السابقة من هذه الجهة. غاية الامر أن الشك هنا من حيث الشخص المقلد، وهناك من حيث الواقعة المتجددة، وهذا غير فارق في جريان الاستصحاب بنحو استصحاب أحكام الشرايع السابقة. فالعمدة إذا في الخروج عن الاستصحاب المذكور في الفرض الاجماع المتقدم. على أنه لا يطرد في بعض الفروض كما لو كان مقلدا في حال حياته لغيره الاعلم ففقد بعض الشرائط المانعة من البقاء على تقليده، فانه لا مجال للاستصحاب بالنسبة إلى الميت، كما لا يخفى. وأما الاصل العقلي عند الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية، فلا تنتهي النوبة إليه إلا بعد سقوط الاصل الشرعي. وقد عرفت أن هذا الاصل في الفرض المتقدم لو جري في الحكم الظاهري غير الاقتضائي فلا معارض له من حيث العمل. نعم هو من حيث الاخبار عن الواقع، أو الالتزام به، ومن حيث العمل أيضا - لو كان الحكم اقتضائيا - معارض في الجميع بالاستصحاب التنجيزي. فالمرجع في ذلك يكون هو الاصل العقلي. فالعمدة في الفرق المطرد بين المسألتين على هذا يكون في مقتضى الاصل العقلي لا غير، وإلا ففي الاصل الشرعي قد لا يكون فرق بينهما. وكيف كان ففي الاجماع المذكور كفاية. وبه يكون الفرق بين المسألتين أيضا، إذ القول بجواز تقليد الميت استدامة محكي عن جماعة من الاكابر؟، بل القول بوجوب ذلك محكي في الجواهر وغيرها، فكيف يمكن دعوى الاجماع على المنع أو يجب العمل بها؟! والله سبحانه أعلم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (1) لما يأتي في المسألة اللاحقة. مضافا إلى أنه من التقليد الابتدائي

===============

( 25 )

[ (مسألة 11): لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي، إلا إذا كان الثاني أعلم (1). ] الذي قد عرفت قيام الاجماع على المنع عنه. (1) إجماعا في الجملة حكاه غير واحد. ويقتضيه الاصل العقلي المتقدم، للشك في حجية فتوى من يريد العدول إليه والعلم بحجية فتوى من يريد العدول عنه، وفي مثله يبنى على عدم حجية مشكوك الحجية. وليس ما يوجب سقوط هذا الاصل العقلي من دليل أو أصل شرعي. إذ أدلة التقليد اللفظية قد عرفت عدم شمولها لصورة الاختلاف في الفتوى، بلا فرق بين إطلاق الآيات والروايات. وكذلك بناء العقلاء. ولا إجماع على جواز العدول ولا سيرة. وأما استصحاب التخيير فقد تقدم في مسألة جواز العدول عن الميت إلى الحي: أنه من الاستصحاب التعليقي المعارض بالاستصحاب التنجيزي، فلا مرجع الا الاصل العقلي، وهو أصالة التعيين عند التردد في الحجية بين التعيين والتخيير. نعم مع الاتفاق في الفتوى لا مانع من الاعتماد على فتوى كل من المجتهدين عملا باطلاق أدلة الحجية كما عرفت، لكن الظاهر أن هذه الصورة خارجة عن محل الكلام. هذا كله إذا لم يكن المعدول إليه أعلم. وإلا - فبناء على ما يأتي من وجوب الرجوع إلى الاعلم - يجب الرجوع إليه. لعدم الفرق في كون مقتضى أدلة وجوب الرجوع إلى الاعلم وجوب الرجوع إليه بين سبق تقليد غيره فيجب العدول إليه. وعدمه فيرجع إليه ابتداء. نعم لو كان الوجه في وجوب الرجوع إلى الاعلم الاصل العقلي - أعني: أصالة التعيين عند الدوران بين التعيين والتخيير - وكان الوجه في عدم جواز العدول استصحاب حجية فتوى من يريد العدول عنه ونحوه من الاصول الشرعية، لزم عدم جواز العدول ولو إلى الاعلم، لان الاصل الشرعي وارد على الاصل العقلي. فلاحظ.

===============

( 26 )

[ (مسألة 12): يجب تقليد الاعلم مع الامكان (1) على الاحوط. ] هذا والمحكي عن جماعة التفصيل بين الوقايع التي التزم فيها بتقليد من قلده فلا يجوز العدول عنه إلى غيره، كما لو عقد على زوجته بالفارسية اعتمادا على فتوى مجتهد يجوز ذلك، فلا يجوز العدول إلى غيره فيه، بأن لا يرتب آثار الزوجية من النفقة والقسمة ونحوهما اعتمادا على فتوى مجتهد آخر لا يصح عنده العقد الفارسي، وبين غيرها من الوقائع، كالعقد على امرأة أخرى، فيجوز له العدول إليه فيه، فلو عقد على امرأة أخرى بالفارسية بعد العدول جاز له عدم ترتيب آثار الزوجية عليها. واختار هذا القول في الجواهر. وكأنه لاستصحاب التخيير الذي لا إجماع على خلافه هنا. وفيه ما عرفت. (1) كما هو المشهور بين الاصحاب، بل عن المحقق الثاني الاجماع عليه، وعن ظاهر السيد في الذريعة كونه من المسلمات عند الشيعة. وعن جماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني جواز الرجوع إلى غير الاعلم. لاطلاق الادلة كتابا وستة، بل حمل مثل آيتي النفر والسؤال (* 1) على صورة تساوى النافرين والمسؤولين في الفضيلة حمل على فرد نادر. ولاستقرار سيرة الشيعة في عصر المعصومين (ع) على الاخذ بفتاوى العلماء المعاصرين لهم مع العلم باختلاف مراتبهم في العلم والفضيلة. ولان في وجوب الرجوع إلى الاعلم عسرا، وهو منفي في الشريعة. ولانه لو وجب تقليد الاعلم لوجب الرجوع إلى الائمة (ع) لانهم أولى من الاعلم. وفيه: أن الاطلاقات لا تشمل صورة الاختلاف في الفتوي - كما هو محل الكلام - ولا فرق بين آيتي النفر والسؤال وغيرهما، كيف وقد عرفت


____________
(* 1) تقدم ذكرهما في المسألة: 8 من هذا الفصل

===============

( 27 )

أنه غير معقول. وندرة تساوي النافرين والمسؤولين مسلمة، لكنها غير كافية إلا مع ندرة الاتفاق في الفتوى، وهي ممنوعة، بل الاختلاف في مورد الآيتين أولى بالندرة. بل ما لم يحرز الاختلاف لا تصلح الآيتان الشريفتان دليلا على جواز الرجوع إلى غير الاعلم، لان الحمل على الحجية التخييرية خلاف ظاهر الادلة، ومنها الآيتان، فالحمل عليها محتاج إلى قرينة. نعم لو علم الاختلاف كان هو القرينة، وإلا فلا قرينة تستدعي الحمل على خلاف الظاهر. ومن ذلك يظهر الاشكال في الاستدلال بالسيرة، إذ مجرد قيام السيرة على الرجوع إلى المختلفين في الفضيلة لا يجدي في جواز الرجوع إليهم مع الاختلاف في الفتوى، ولم تثبت سيرة على ذلك. والعلم بوجود الخلاف بينهم وإن كان محققا، لكن ثبوت السيرة على الرجوع إلى المفضول غير معلوم، بل بعيد جدا فيما هو محل الكلام، أعني: صورة الاختلاف المعلوم وإمكان الرجوع إلى الاعلم. وأما لزوم العسر فممنوع كلية، كيف وقد عرفت أن المشهور المدعى عليه الاجماع وجوب إلى الرجوع إلى الاعلم في أكثر الاعصار، ولم يلزم من العمل بهذه الفتوى عسر على المقلدين. نعم لو بني على وجوب الرجوع إلى الاعلم على نحو يجب الفحص عنه مهما احتمل وجوده كان ذلك موجبا للعسر غالبا. لكنه ليس كذلك، لما يأتي. وبالجملة: محل الكلام ما إذا أمكن الرجوع إلى الاعلم بلا عسر ولا حرج. وأما الاستدلال الاخير: فانما يتم لو كان الرجوع إلى غير الاعلم ممنوعا عقلا ذاتا، وأما إذا كان من جهة عدم الدليل على حجية فتوى غير الاعلم فالمقايسة غير ظاهرة، لقيام الدليل على جواز الرجوع إلى غير المعصوم مع إمكان الرجوع إليه.

===============

( 28 )

وربما يستدل على الجواز بما ورد في الرجوع إلى شخص معين، فان إطلاقه يقتضي جواز الرجوع إليه وإن كان غيره أعلم. وفيه: أن الارجاع على نحو الخصوص كالارجاع على نحو العموم إنما يقتضي الحجية في الجملة ولا يشمل صورة الاختلاف وإلا تعارض مع ما دل على الارجاع إلى غيره بالخصوص، بل مع ما دل على الارجاع على نحو العموم، فيكون كتعارض تطبيقي العام بالاضافة إلى الفردين المختلفين، كما لا يخفى. واحتمال التخصيص يتوقف على احتمال الخصوصية في الشخص المعين وهو منتف. ولو سلم اختص الحكم بذلك الشخص بعينه، ولا يطرد في غيره من الاشخاص. وبالجملة: فلا يتضح دليل على جواز تقليد المفضول مع تيسر الرجوع إلى الافضل، ومقتضى بناء العقلاء تعين الرجوع إلى الافضل، والتشكيك في ثبوت بناء العقلاء على ذلك يندفع بأقل تأمل. مضافا إلى الاصل العقلي عند دوران الامر في الحجية بين التعيين والتخيير الذي عرفته فيما سبق، فان رأي الافضل معلوم الحجية، ورأي المفضول مشكوك الحجية. لكنه لا يطرد العمل بهذا الاصل مع سبق تقليد المفضول، لعدم وجود الافضل ثم تجدد وجوده، فان استصحاب بقاء الاحكام الظاهرية وارد على الاصل المذكور إذا كانت الاحكام غير اقتضائية، وكذا إذا كانت اقتضائية من جهة الاشكال في جريان استصحابها، لانه من الاستصحاب التعليقي بالاضافة إلى الوقائع المتجددة، المعارض بالاستصحاب التنجيزي، وبعد التساقط يرجع إلى الاصل العقلي المقتضي للتخيير بين البقاء والعدول، كما عرفت ذلك في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت فلاحظ. وأما مقبولة ابن حنظلة (* 1) الواردة في رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث قال فيها: " فان كان كل منهما اختار رجلا من أصحابنا


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب صفات القاضي حديث: 1

===============

( 29 )

[ ويجب الفحص عنه (1). ] فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، فاختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثنا؟ فقال (ع): الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر. فانها - بقرينة التنازع الذي لا يكون إلا مع العلم حقيقة أو تعبدا، وبقرينة ما في ذيلها من الرجوع إلى المرجحات الداخلية والخارجية - ظاهرة في الحكم الفاصل للخصومة، ولا تشمل الفتوى. وإلحاق الفتوى به لعدم القول بالفصل غير ظاهر. مع أن ظهورها في جواز فصل الخصومة بالحكم الصادر من الحكام المتعددين مما يظهر من الاصحاب عدم جواز العمل به، لا عتبار الوحدة في القاضي عندهم ظاهرا. فلاحظ وتأمل. (1) الكلام في وجوب الفحص (تارة): يكون في صورة العلم بالاختلاف في الفتوى وبالتفاضل، بأن يعلم بأن أحدهما أفضل من الآخر ولم يعرف الافضل بعينه. (وأخرى): في صورة الجهل بالاختلاف والعلم بالتفاضل. (وثالثة): في صورة العكس. (رابعة): في صورة الجهل بهما معا. (وخامسة): في صورة الشك في وجود مجتهد غير من يعرف. أما الكلام في الاولى: فهو أنه بعد ما عرفت من عدم شمول أدلة الحجية للفتويين المختلفتين، وأن العمدة في التخيير بين المجتهدين هو الاجماع، فلا مجال للرجوع إلى واحد بعينه، إذ لا إجماع عليه قبل الفحص، فيجب الفحص لاصالة عدم الحجية. بل مقتضى ما دل على وجوب الرجوع إلى الاعلم يكون الفرض من باب اشتباه الحجة باللاحجة، المستوجب للاخذ بأحوط القولين حتى بعد الفحص والعجز عن معرفة الافضل. لكن الظاهر الاتفاق على جواز الرجوع حينئذ إلى أيهما شاء، وعدم وجوب الاحتياط

===============

( 30 )

المذكور عليه. وبالجملة: الرجوع إلى أحد المجتهدين قبل الفحص اعتماد على مشكوك الحجية، فلا يجوز في نظر العقل فلاحظ. وأما في الثانية: فهو أن مقتضى إطلاق أدلة الحجية حجية كل واحدة من الفتويين. واحتمال الاختلاف بين الفتويين الموجب لسقوط الاطلاق عن الحجية لا يعتنى به في رفع اليد عن الاطلاق كما في سائر موارد التخصيص اللبي، وإذا ثبتت حجية كل منهما جاز الاعتماد عليها قبل الفحص. (ودعوى): أن العمل المطابق لاحدى الفتويين وان جاز الاجتزاء به في نظر العقل لموافقته للحجة، لكن لما كان مقتضى إطلاق دليل الحجية حجية الفتوى الاخرى، ويحتمل مخالفة العمل لها لاحتمال الاختلاف بين الفتويين، كان العمل مما يحتمل مخالفته للحجة، والعمل المحتمل المخالفة للحجة مما لا يجوز الاجتزاء به في نظر العقل، لاحتمال الخطر. (مندفعة): بأنه يعلم بانتفاء الخطر من قبل الفتوى الاخرى، لان احتمال الخطر إنما جاء من قبل احتمال مخالفة العمل لها، لاحتمال مخالفتها للفتوى الاولى، واحتمال ذلك ملازم لاحتمال عدم حجيتها، لعدم شمول دليل الحجية للفتويين المختلفتين، فلا خطر في العمل بالاضافة إلى تطبيق الدليل على الفتوى الاخرى قطعا. مضافا إلى ما ربما قيل من أن إطلاق دليل الحجية الشامل لاحدى الفتويين يدل بالالتزام على نفي الاختلاف بينهما، وعلى موافقة العمل لهما معا. وان كان صلاحية العموم لاثبات مثل هذه اللوازم الخارجية محل تأمل واشكال. وأما الصورة الثالثة: فالكلام فيها هو الكلام في الصورة الاولى لاشتراكهما في العلم بالاختلاف المانع من العمل باطلاق أدلة الحجية، فتكون كل من الفتويين مشكوكة الحجية قبل الفحص. كما أن الكلام في الصورة الرابعة، هو الكلام في الصورة الثانية، لاشتراكهما في عدم المانع من الاخذ باطلاق دليل الحجية بالاضافة إلى إحدى الفتويين، وأن احتمال اختلافهما

===============

( 31 )

[ (مسألة 13): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخير بينهما، إلا إذا كان أحدهما أورع، فيختار الاورع (1). ] الموجب لسقوط دليل الحجية بالاضافة إلى كل منهما لا يؤبه به، كما عرفت. ثم إنه قيل بعدم وجوب الفحص مع العلم بالاختلاف لوجهين. (الاول): أصل البراءة، للشك في وجوبه (والثاني): أنهما أمارتان تعارضتا لا يمكن الجمع بينهما، ولا طرحهما، ولا تعيين إحداهما، فلا بد من التخيير بينهما. ويشكل الاول: بأنه ليس الكلام في وجوب الفحص مولويا كي يرجع إلى أصل البراءة في نفيه، وإنما الكلام في وجوبه عقلا وجوبا إرشاديا إلى الخطر بدونه، إذ قد عرفت أنه لولا الفحص لا تحرز حجية إحدى الفتويين. ومن ذلك يظهر الاشكال في الثاني إذ لا حكم للعقل بالتخيير بين الفتويين المتعارضتين، وإنما التخيير بين الفتويين بتوسط الاجماع على حجية ما يختاره منهما، وقد عرفت أن معقد الاجماع إنما هو الحجية بعد الفحص لا قبله. وأما الصورة الخامسة: فاثبات حجية فتوى من يعرف باطلاق دليل الحجية أظهر مما سبق، للشك في وجود مفت آخر، فضلا عن كونه أفضل وكون فتواه مخالفة. ولا يبعد استقرار بناء العقلاء، وسيرة المتشرعة، على العمل بالفتوى مع الشك في وجود مجتهد آخر من دون فحص عنه. فعدم وجوب الفحص في هذه الصورة أظهر منه فيما سبق. فتأمل جيدا. (1) كما عن النهاية، والتهذيب، والذكرى، والدروس، والجعفرية والمقاصد العلية، والمسالك وغيرها، ويقتضيه أصالة التعيين الجارية عند الدوران بينه وبين التخيير. ولا يظهر على خلافها دليل، إذ الاطلاقات الدالة على الحجية - لو تمت - لا تشمل صورة الاختلاف. اللهم الا أن يكون بناء العقلاء على التخيير بين المتساويين في الفضل وان كان أحدهما

===============

( 32 )

[ (مسألة 14): إذا لم يكن للاعم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الاخذ من غير الاعلم (1) وإن أمكن الاحتياط (2). (مسألة 15): إذا قلد مجتهدا كان يجوز البقاء على تقليد الميت (3)، فمات ذلك المجتهد، لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة، بل يجب الرجوع إلى الحي الاعلم في جواز البقاء وعدمه. ] أورع فيتبع اتباعه في حجية رأي العالم. لكن هذا البناء غير ظاهر مع الاختلاف، كما عرفت آنفا. ولو كان أحد المجتهدين أفضل والآخر أورع قدم الافضل، لما عرفت من بناء العقلاء على تعينه. (1) سيجئ التقييد بالاعلم فالاعلم، كما هو مقتضى ما تقدم في وجوب تقليد الاعلم. (2) لعدم وجوبه على العامي. لما عرفت من الادلة القطعية على جراز رجوع الجاهل إلى العالم ولو مع إمكان الاحتياط. (3) الظاهر أن المراد تقليده في المسائل الفرعية، كما لو قلده حين البلوغ. ويحتمل أن يكون المراد أنه قلده في خصوص مسألة جواز البقاء على تقليد الميت. وكيف كان فقد عرفت أنه مع الشك في جواز البقاء على تقليد الميت يتعين عليه الرجوع إلى الحي في نظر العقل، فيعمل على مقتضى فتواه في جواز العدول وحرمته، ووجوبه. وهو ظاهر في الصورة الاولى التي هي ظاهر المتن. وأما في الفرض الثاني - الذي هو محتمل العبارة - فقد يشكل فيما لو أفتاه الحي بوجوب البقاء - مثلا - فهل يتعين عليه الرجوع إلى المجتهد الاول؟ أو بتخير بينه وبين الرجوع إلى الثاني؟

===============

( 33 )

أو يفصل بين ما لو كان رأي الثاني جواز البقاء، فالثاني، ووجوبه فالاول؟ فيه وجوه. وأشكل منه مالو أفتاه الحي بوجوب البقاء، وكانت فتوى المجتهد الثاني وجوب العدول، لتناقض الفتويين عملا ولذلك بنى شيخنا الاعظم (ره) على عدم الاخذ بعموم فتوى الحي بالنسبة إلى مسألة البقاء والعدول، للزوم تخصيص الاكثر، ولاقتضائه وجوب العدول مع أن المفتي الحيى لا يقول به. والذي ينبغي أن يقال: إذا قلد زيدا في المسألة الفرعية، كوجوب صلاة الظهر يوم الجمعة - مثلا - فمات زيد، فقلد عمرا في جواز البقاء على تقليد زيد في وجوب صلاة الظهر، فإذا مات عمرو فقلد بكرا فأفتى له بوجوب البقاء على تقليد الميت، كان مقتضى ذلك وجوب العمل برأي زيد دون رأي عمرو. وذلك أن عمرا وإن كان ميتا قد قلده حال حياته في جواز البقاء على تقليد الميت، إلا أنه يمتنع الرجوع إليه في مسألة جواز تقليد الميت، لان هذه المسألة قد قلد فيها بكرا بعد موت عمرو، فلا مجال لتقليد عمرو فيها، لان المسألة الواحدة لا تحتمل تقليدين مترتبين. لانه لو بني على جواز اجتماع المثلين في رتبتين فلا أقل من لزوم اللغوية مع اتفاقهما عملا، أو التناقض مع اختلافهما، وبطلانه ظاهر. وتوهم: أن رأي بكر حجة في ميألة جواز البقاء على تقليد عمرو ورأي عمرو حجة في مسألة جواز البقاء على تقليد زيد، فيكون هناك مسألتان لاختلاف موضوعيهما يرجع في إحداهما إلى بكر، وفي الاخرى إلى عمرو، ولا يكون تقليد أحدهما فيما قلد فيه الآخر، كما لو أخبر بكر بحجية خبر عمرو، وأخبر عمرو بحجية خبر زيد، فيكون كل منهما حجة في مؤداه، ولا اشتراك بينهما في موضوع واحد. (مندفع): بأن خصوصية عمرو ليست مقومة للقضية الشرعية التي يرجع فيها العامي إلى بكر، ويكون رأيه حجة فيها، فان فتوى بكر جواز تقليد الميت بنحو الكلية، لا خصوص عمرو،

===============

( 34 )

فإذا كان رأي بكر حجة فيها على عمومها امتنع في الرتبة اللاحقة جعل حجة أخرى عليها. ومن ذلك يظهر الفرق بين المقام وبين المثال المذكور. ومن ذلك أيضا يظهر أنه لو كان رأي بكر وجوب البقاء، وجب البقاء على تقليد زيد وإن كان رأي عمرو وجوب العدول أو جواز كل من البقاء والعدول. كما أنه لو كان رأي بكر جواز كل من البقاء والعدول، جاز البقاء على تقليد زيد والعدول عنه، وإن كان رأي عمرو وجوب البقاء أو وجوب العدول. ثم إن العدول هنا إنما يكون إلى الحي لا إلى الميت الثاني، لانه من التقليد الابتدائي للميت. فتأمل. ثم إنه يمكن أن يقرر المنع عن الرجوع إلى الميت في جواز البقاء وعدمه بوجه آخر، وهو أنه إذا رجع إلى الحي في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت، فالتقليد المأخوذ موضوعا في هذه القضية لابد أن يكون في غير هذه المسألة، لامتناع أخذ الحكم في موضوع نفسه، فيمتنع أن يفتي الحي بجواز البقاء على تقليد الميت في جواز البقاء على تقليد الميت، أو بحجية رأي الميت في حجية رأي الميت، فلابد أن يكون موضوع الحجية غير هذه المسألة. وهذا الاشكال قد أورد نظيره في عموم حجية الخبر للخبر بالواسطة، ودفع بما لا يطرد في المقام لما عرفت من أن الخصوصيات الموجبة للاختلاف مثل خصوصية كون الميت زيدا أو عمرا ليست دخيلة في القضية الشرعية التي يرجع فيها إلى المجتهد، فيلزم المحذور المتقدم. ومن هنا يظهر امتناع حجية رأي الميت في حجية رأي الميت، فكما يمتنع أن يكون ذلك بتوسط الرجوع إلى الحي يمتنع في نفسه أيضا، وأن امتناع ذلك في نفسه مانع من احتماله، ليصح الرجوع فيه إلى الحي، وان كان يمنع من الرجوع فيه إلى الحي ما عرفت آنفا من اجتماع تقليدين مترتبين في مسألة واحدة. ومن ذلك يظهر الوجه في قول المصنف (ره): لا يجوز البقاء

===============

( 35 )

[ (مسألة 16) عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل وان كان مطابقا للواقع (1). ] على تقليده في هذه المسألة مع أنه (ره) قد تقدم منه جواز البقاء على تقليد الميت. للفرق بين هذه المسألة وغيرها من المسائل، بامتناع جعل حجية رأي الميت فيها وامكانه في غيرها، فإذا مات المجتهد الذى يفتي بجواز البقاء على تقليد الميت فمقلده لا يشك في عدم جواز البقاء على تقليده في هذه المسألة، وإنما الشك في جواز البقاء على تقليده في بقية المسائل. فلاحظ وتدبر. (1) قد تقدم هذا الحكم في المسألة السابعة، وحملناه على صورة عدم العلم بالمطابقة للواقع أو لرأي من رأيه حجة، لكون البطلان حينئذ عقليا. لكن هنا قد صرح بالبطلان ولو مع المطابقة للواقع. والوجه فيه - مضافا إلى نفي الاشكال والخلاف فيه ظاهرا، على ما ادعاه شيخنا الاعظم (ره) في مبحث العمل قبل الفحص من رسالة البراءة - ما ذكره (قده) في ذلك المقام من عدم تحقق نية القربة، لان الشاك في كون المأتي به موافقا للمأمور به كيف يتقرب به؟ وقال (ره) في مبحث الشبهة الوجوبية: " من قصد الاقتصار على أحد الفعلين ليس قاصدا لامتثال الامر الواقعي على كل تقدير. نعم هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل له لا مطلقا، وهذا غير كاف في العبادات المعلوم وقوع التعبد بها.. " (* 1) إلى آخر ما ذكره في المقامين. ومحصله اعتبار الجزم بالنية في التعبد المعتبر في صحة العبادات. هذا ولكن التحقيق منع ذلك، لعدم ظهور بناء العقلاء عليه، وقد عرفت في أوائل الكتاب أن الاطاعة الاحتمالية كالاطاعة الجزمية في


____________
(* 1) التنبيه الثاني من تنبيهات الوجوبية من مبحث اشتباه المكلف به مع العلم بأصل التكليف.

===============

( 36 )

[ وأما الجاهل القاصر أو المقصر الذي كان غافلا حين العمل (1) وحصل منه قصد القربة، فان كان مطابقا لفتوى المجتهد الذي قلده بعد ذلك كان صحيحا (2). والاحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل. (مسألة 17): المراد من الاعلم (3) من يكون أعرف ] كون صدور الفعل عن الارادة التكوينية الحاصلة للعبد بداعي إطاعة الارادة التشريعية المولوية، واحتمال الانطباق كالجزم به دخيلان في تأثير الارادة المتعلقة بمعلوم الفردية أو محتملها. ودعوى: أن الاقتصار على بعض المحتملات مع البناء على عدم فعل الباقي. يدل على أن الباعث ليس هو الارادة المولوية، وإلا لاثرت في غيره من المحتملات. (مندفعة): بامكان أن يكون قد منع من تأثيرها مانع من مشقة أو غيرها، ولذلك تختلف الواجبات في ترتب الاطاعة على العلم بوجوبها وعدمه. وأما دعوى نفي الاشكال والخلاف فلم يعتن بها شيخنا الاعظم (قده) في رسالته المعمولة في التقليد - على ما حكاه بعض الاكابر من تلامذته - فكيف الاعتماد عليها حينئذ؟. (1) المراد به الملتفت إلى الاحكام فلم يتعلم تهاونا حتى غفل حين العمل. ويقابله القاصر. (2) عملا بما دل على حجية رأيه ولو بعد العمل مع عدم ورود الشبهة المتقدمة. أما اعتبار مطابقته لرأي من يجب عليه تقليده حال العمل فلا دليل عليه فان أدلة الحجية لا تقتضي السببية، كما هو محقق في محله. (3) الظاهر أن المراد به الاعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية، عقلية كانت أم شرعية. فلابد أن يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله.

===============

( 37 )

[ بالقواعد والمدارك للمسألة، واكثر اطلاعا لنظائرها وللاخبار وأجود فهما للاخبار، والحاصل أن يكون أجود استنباطا. والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط. (مسألة 18): الاحوط عدم تقليد (1) المفضول حتى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الافضل. (مسألة 19): لا يجوز تقليد غير المجتهد وان كان من أهل العلم (2). ] ولا يلزم فيه أن يكون أقرب إلى الواقع. كما لا يكفي ذلك إذا كان سالكا ما لا يجوز سلوكه من الطرق في مقام الاستنباط غفلة منه وقصورا، كما يوجد عند كثير من البسطاء ولو كان معذورا لقصوره. وأما حمل الاعلم على معنى أكثر علما وأوسع إحاطة بالمعلومات. فهو وان كان أقرب إلى معنى التفضيل المدلول لهيئة (أفعل) إلا أن الظاهر كونه غير مراد القائلين بوجوب تقليد الاعلم، ولا يقتضيه الدليل المتقدم عليه. فلاحظ. (1) قد تقدم (* 1) أنه مع اتفاق الآراء فالجميع حجة، والعمل المطابق لواحد منها مطابق للجميع، فكما بجوز العمل اعتمادا على رأي الافضل، يجوز اعتمادا على رأي المفضول أيضا، وكما يجوز الالتزام بالعمل بالاول، يجوز الالتزام بالعمل بالثاني أيضا. فاحتمال المنع عن الثاني غير ظاهر الوجه، الا إطلاق قولهم: لا يجوز تقليد المفضول. لكن لو تم الاطلاق، فليس معقدا لاجماع واجب العمل. (2) إجماعا. لعدم الدليل على حجية فتواه.


____________
(* 1) في المسألة: 8 من هذا الفصل.

===============

( 38 )

[ كما أنه يجب على غير المجتهد التقليد (1) وان كان من أهل العلم. (مسألة 20): يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني كما إذا كان المقلد من أهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص. وكذا يعرف بشهادة عدلين (2) من أهل الخبرة إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد. وكذا يعرف باشياع المفيد للعلم (3). وكذا الاعلمية تعرف بالعلم أو البينة غير المعارضة، أو الشياع المفيد للعلم. ] (1) يعني: إذا لم يكن محتاطا، كما عرفت فيما سبق. (2) سيأتي (* 1) - إن شاء الله - في مبحث المياه تقريب العموم الدال على حجية البينة في المقام وغيره. (3) الفرق بينه وبين الاول من حيث السبب لا غير، وإلا فهما مشتركان في كون العلم هو الحجة وإن كانت عبارة المتن توهم غير ذلك. هذا وربما يقال بثبوته بخبر الثقة، لعموم ما دل على حجيته في الاحكام الكلية، إذ المراد منه ما يؤدي إلى الحكم الكلي، سواء كان بمدلوله المطابقي أم الالتزامي، والمقام من الثاني، فان مدلول الخبر المطابقي هو وجود الاجتهاد، وهو من هذه الجهة يكون إخبارا عن الموضوع، لكن مدلوله الالتزامي هو ثبوت الحكم الواقعي الكلي الذي يؤدي إليه نظر المجتهد. فان قلت: أدلة حجية خبر الثقة مختصة بالاخبار عن حس، ولا تشمل الاخبار عن حدس، ولذا لم تكن تلك الادلة دالة على حجية فتوى المجتهد مع أنها اخبار عن الحكم الكلي إلا أن مستنده الحدس. (قلت): الاخبار عن الا جتهاد من قبيل الاخبار عن الحس. نعم المدلول الالتزامي - وهو


____________
(* 1) في المسألة: 6 من الفصل المتعرض لاحكام ماء البئر

===============

( 39 )

[ (مسألة 21): إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما ولا البينة (1)، فان حصل الظن بأعلمية أحدهما تعين تقليده، بل لو كان في أحدهما احتمال الاعلمية يقدم، كما إذا علم أنهما إما متساويان أو هذا المعين أعلم ولا يحتمل أعلمية الآخر، فالاحوط تقديم من يحتمل أعلميته. ] الحكم الكلي - إنما كان بتوسط الحدس. لكن هذا المقدار لا يقدح في الحجية، لان الحس إنما يعتبر في المدلول المطابقي، لا في الملازمة التي يتوقف عليها ثبوت المدلول الالتزامي، وإلا فاخبار زرارة - مثلا - عن قول الامام الذى هو إخبار عن موضوع يكون أيضا إخبارا عن الحكم الكلي ويكون حجة على المجتهد، وربما يكون بتوسط حدس المجتهد الذى هو حجة عليه أيضا. وبالجملة: الاخبار عن الاجتهاد كالاخبار عن قول الامام، ودلالتهما على الحكم الكلي بالالتزام إنما يكون بتوسط الحدس، غاية الامر أن الحدس في الثاني من المجتهد وحجة عليه، والحدس في الاول من المجتهد وحجة على العامي المقلد له. وعلى هذا المبنى يكفي توثيق رجال السند بخبر الثقة. وكذا في إثبات المعنى باخبار اللغوي الثقة، كما حررنا ذلك في مبحث حجية قول اللغوي. ولو قلنا بحجية خبر الثقة في الموضوعات - كما عليه بناء العقلاء - فالحكم أظهر. لكنه محل تأمل، لامكان دعوى تحقق الردع عنه. وسيأتي (* 1) - إن شاء الله - التعرض لذلك في بعض المباحث. (1) هذه المسألة، تارة: تكون ثلاثية الاحتمالات، وأخرى: ثنائية. فالاولى: أن يحتمل كونهما متساويين، ويحتمل أعلمية زيد من عمرو مثلا، ويحتمل العكس. والثانية صورتان: الاولى: أن يعلم أعلمية أحدهما ويحتمل


____________
(* 1) في المسألة: 6 من الفصل المتعرض لاحكام البئر

===============

( 40 )

[ (مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور (1): البلوغ والعقل، والايمان والعدالة، والرجولية، والحرية - على قول - وكونه مجتهدا مطلقا، فلا يجوز تقليد المتجزئ، والحياة، فلا يجوز تقليد الميت ابتداء. نعم يجوز البقاء كما مر، وان يكون أعلم فلا يجوز - على الاحوط - تقليد المفضول مع التمكن من الافضل، وأن لا يكون متولدا من الزنا، وأن لا يكون ] كونه زيدا ويحتمل كونه عمرا أيضا. والثانية: أن يحتمل تساويهما ويحتمل أعلمية زيد لا غير. والحكم في الاولى التخيير مع تساوي الاحتمالات. وأن كان مقتضى القاعدة الاخذ بأحوط القولين، لان الاعتماد على كل واحد من القولين اعتماد على مشكوك الحجية، إلا أن الظاهر الاتفاق على عدم وجوب الاحتياط المذكور وعلى جواز الرجوع إلى أيهما شاء. ولو ظن أن أحدهما بعينه أعلم ففي الترجيح بالظن إشكال، لعدم الدليل عليه بعد ما لم يكن معتبرا في نفسه. اللهم إلا أن يكون احتمال الترجيح به موجبا لكون رأي مظنون الاعلمية معلوم الحجية، ورأي الآخر مشكوك الحجية، فيتعين الاول، كما في جميع موارد الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية. ومنه يظهر الحكم في الصورة الثانية، فانه - لعدم المرجح، وعدم محتمل المرجحية - يتعين التخيير، بناء على ما عرفت آنفا من الاتفاق فتوى على جواز رجوع الجاهل إلى العالم وإن أمكن الاحتياط، حتى في مثل المقام. وأما الصورة الثالثة: فلا ينبغي التأمل في تعين محتمل الاعلمية للمرجعية للدوران بين التعيين والتخيير الذى يجب فيه عقلا الاخذ بمحتمل التعيين. (1) قد أشرنا سابقا إلى أن جواز التقليد في الجملة لابد أن يكون بغير التقليد، وإلا لزم الدور أو التسلسل. فإذا لابد أن يستند جواز التقليد

===============

( 41 )

[ مقبلا على الدنيا وطالبا لها مكبا عليها مجدا في تحصيلها، ففي الخبر: " من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه ". ] - في الجملة - إلى الاجتهاد. ومستند هذا الاجتهاد بناء العقلاء عليه مع الغفلة عن احتمال الردع أو القطع بعدمه ولو بالاضافة إلى شخص معين بخصوصه، لاجتماع جميع ما يحتمل اعتباره شرعا فيه، مثل كونه بالغا، عاقلا، عادلا، حيا، أفضل.. إلى غير ذلك. فهذا البناء المرتكز في نفس العامي هو المسوغ له الرجوع إلى غيره في الخصوصيات المعتبرة في المفتي، فإذا رجع إلى غيره أفتى له بما يقتضيه نظره الحاصل له من مراجعة الادلة المستفاد منها شرائط التقليد، ويكون عمله حينئذ على ما تقتضيه فتواه عموما أو خصوصا. وهذا ولاجل أن من أدلة جواز التقليد بناء العقلاء عليه في الجملة، فهذا البناء محكم مهما تحقق في مورد من الموارد والعمل عليه متعين، إلا مع ثبوت الردع عنه. وحينئذ نقول: لا ينبغي التأمل في عدم الفرق في بناء العقلاء بين البالغ وغيره إذا كان غير البالغ قد حاز مراتب الفضل حتى صار كالبالغ، فاعتبار البلوغ في المفتي لابد أن يكون بدليل شرعي يكون رادعا عن إطلاق بناء العقلاء، وليس هو الا الاجماع إن تم. ومجرد كونه محجورا عن التصرف ومرفوعا عنه القلم، ومولى عليه وعمده خطأ، ونحو ذلك. لا يصلح رادعا لانه لا يوجب إلا الاستبعاد المحض كيف؟! وربما كان غير البالغ حائزا مرتبة النبوة أو الامامة فكيف لا يصلح أن يحوز منصب الفتوى؟! اللهم إلا أن يقوم الدليل على كون منصب الفتوى محتصا بالمعصوم وبمن يجعله له، فالشك في الجعل كاف في المنع. لكنه خلاف إطلاق الادلة، ولاسيما بناء العقلاء.

===============

( 42 )

وأما اعتبار العقل: فأمره ظاهر عند العقلاء، فضلا عن المتشرعة، فقد قيل: إنه مما أجمع عليه الخلف والسلف. نعم المجنون الادواري في حال إفاقته لا مانع عند العقلاء من الرجوع إليه، وحكي القول به عن بعض متأخري المتأخرين كصاحبي المفاتيح والاشارات، ولا بأس به إن لم ينعقد الاجماع على خلافه. لعموم الادلة أيضا. وأما اعتبار الايمان: فغير ظاهر عند العقلاء. نعم حكي عليه إجماع السلف الصالح والخلف. وهو العمدة فيه، دون مثل قول أبي الحسن (ع) فيما كتبه لعلي بن سويد: " لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فانك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وخانوا أماناتهم، إنهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه.. (. 1) وقول أبي الحسن الثالث (ع) فيما كتبه لاحمد بن حاتم بن ماهويه واخيه: فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا، وكل كثير القدم في أمرنا، فانهما كافوكما إن شاء الله ". (* 2) إذ الظاهر من الاول كون المانع عدم الايتمان لا مجرد اعتقاد الخلاف. مع أن منصرفه القضاة الذين كانوا يعتمدون على القياس ونحوه من الحجج الظنية في مقابل فتوى المعصومين (ع) وليس مثلهم محل الكلام. والثاني محمول على الاستحباب للاجماع القطعي على خلاف ظاهره. وأما اعتبار العدالة: فهو كسابقه عند العقلاء. لكنه المعروف بين الاصحاب بل هو إجماع كما قيل. وهو العمدة - لو تم - دون مثل آية النبأ إذ هي في الخبر لا في الفتوى. مع أن مقتضى الجمع بينها وبين ما دل على اعتبار الوثوق وكفايته في حجية الخبر، حمل التبين فيها على الوثوق. وكذا


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 43. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 46.

===============

( 43 )

خبر الاحتجاج المروي عن تفسير العسكري (ع) (* 1) الآتي ذكره (* 2) فانه - مع ضعفه في نفسه - ظاهر في اعتبار الامانة والوثوق، كما يظهر من ملاحظته بتمامه. مع أن مورده أصول الدين التي لا يجوز فيها التقليد ولا يقبل فيها الخبر تعبدا، فلابد من حمله على غير التقليد الذي هو محل الكلام. وكأنه لاجل ذلك ونحوه جوز بعض تقليد الفاسق المأمون عملا باطلاق الادلة وان كان هو مما لا ينبغي، لانه خلاف المتسالم عليه بين الاصحاب، ومخالف للمرتكز في أذهان المتشرعة، بل المرتكز عندهم قدح المعصية في هذا المنصب على نحو لا تجدي عندهم التوبة والندم، فالعدالة المعتبرة عندهم مرتبة عالية لا تزاحم ولا تغلب. والانصاف أنه يصعب جدا بقاء العدالة للمرجع العام في الفتوى - كما يتفق ذلك في كل عصر لواحد أو جماعة - إذا لم تكن بمرتبة قوية عالية ذات مراقبة ومحاسبة، فان ذلك مزلة الاقدام ومخطرة الرجال العظام. ومنه سبحانه نستمد الاعتصام. وأما اعتبار الرجولة: فهو أيضا كسابقه عند العقلاء. وليس عليه دليل ظاهر غير دعوى انصراف اطلاقات الادلة إلى الرجل واختصاص بعضها به. لكن لو سلم فليس بحيث يصلح رادعا عن بناء العقلاء. وكأنه لذلك أفتى بعض المحققين بجواز تقليد الانثى والخنثى. وأما اعتبار الحرية: فهو المحكي عن جماعة - منهم ثاني الشهيدين - بل قيل: انه مشهور. لكن مقتضى بناء العقلاء وغيره من المطلقات عدمه. وبعض الاستحسانات المقتضية لاعتبارها، مثل كونه مملوكا لا يقدر على شئ وكونه مولى عليه، لا تصلح للاعتماد عليها في الردع وتقييد المطلق. وأما كونه مجتهدا مطلقا: فاعتباره هو المعروف المدعى عليه الوفاق


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب صفات القاضي حديث: 20 (* 2) في كلام الماتن في هذه المسألة

===============

( 44 )

أو الاجماع فلا يصح تقليد المتجزئ. لكنه غير ظاهر الدليل. لعموم بناء العقلاء له. وكذا مشهورة أبي خديجة عن الصادق (ع): إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا (قضايانا خ ل) فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه (* 1). وسندها لا يخلو من اعتبار. وكونها في القضاء لا يمنع من الاستدلال بها في المقام، لان منصب القضاء منصب للفتوى ولا عكس، فما دل على عدم اعتبار شئ في القاضي يدل على عدم اعتباره في المفتي. ودعوى: أن ما يعلم من المعصوم ليس من الاجتهاد، ولم يكونوا يحتاجون في تلك الازمنة إلى الاجتهاد. كما ترى! ولا سيما وان ذلك يمنع من التمسك بالنصوص على نفوذ القضاء، لاشتراك الجميع في الاشكال المذكور. ومثلها في الاشكال دعوى معارضتها بمقبولة عمر بن حنظلة: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث.. (إلى أن قال): قال (ع) ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما.. " (* 2). لظهور قوله (ع): " حلالنا وحرامنا.. وأحكامنا " في العموم. وجه الاشكال: أن قوله (ع): " روى حديثنا " ليس المراد منه كل حديث لهم (ع) فان ذلك مقطوع بخلافه لتعذر ذلك، ولا سيما في زمان صدور الرواية، فيمتنع أخذه شرطا في القضاء، فيتعين أن يكون المراد أحاديثهم عليهم السلام في الجملة، فيكون المراد من قوله (ع): " ونظر في حلالنا وحرامنا " أنه نظر في الحلال والحرام اللذين تضمنتهما الاحاديث التي رواها، لا عموم الحلال والحرام، وكذلك المراد من احكامهم (ع)


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب صفات القاضي حديث: 5 (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 1 وقد تقدم قسم منه في مسألة: 12.

===============

( 45 )

يعني: الاحكام التي عرفها بعد النظر في الحلال والحرام اللذين تضمنتهما الاحاديث، فيتعين أن يكون المراد بعض الاحكام لا جميعها. مضافا إلى الاجماع على عدم اعتبار رواية جميع أحاديثهم ولا النظر في جميع حلالهم وحرامهم، حتى من القائلين باعتبار الاجتهاد المطلق لاجتزائهم بالنظر في الجملة. فيتعين حمل الحديث والحلال والحرام على الجنس الصادق على البعض وهكذا الحال في معرفة أحكامهم. وحمل المعرفة على الملكة - كما يدعيه القائلون باعتبار الاجتهاد المطلق - مع أنه خلاف ظاهر المعرفة - تفكيك بين فقرات الرواية، يأباه سياقها. فلاحظ وتأمل. ولو أغمضنا النظر عن ذلك كله فلا أقل من عدم صلاحية المقبولة لمعارضة رواية أبي خديجة، لامكان حملها على مالا ينافيها عرفا، فيتعين في مقام الجمع العرفي بينهما، ويكون العمل على ظاهر رواية أبي خديجة بلا مانع. نعم لو فرض ملازمة الافضلية للاجتهاد المطلق تعين تقليد المجتهد المطلق عند الدوران بينه وبين المتجزئ. لكن الفرض المذكور غير ظاهر مع أن الكلام في الشرطية مطلق ولو مع عدم وجود المجتهد المطلق. هذا كله بناء على إمكان التجزي في الاجتهاد - كما لعله المشهور والمنصور - لاختلاف مراتب الملكة قوة وضعفا، كاختلاف المسائل وضوحا وخفاء. أما بناء على امتناعه فلا ثمرة عملية للنزاع المذكور. وأما اعتبار الحياة: فقد تقدم الكلام فيه، وأن العمدة فيه الاجماع المفقود في الاستمراري منه على ما عرفت. وأما اعتبار الاعلمية: فقد تقدم الكلام فيه أيضا وأنه الذي يقتضيه الاصل وبناء العقلاء. وأما طهارة المولد: فهي داخلة في الايمان بناء على كفر المتولد من الزنا، أما بناء على خلافه فلا دليل على اعتبارها غير الاصل المحكوم ببناء

===============

( 46 )

[ (مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة اتيان الواجبات وترك المحرمات (1). ] العقلاء. نعم عن الروضة دعوى الاجماع عليه. وعليه فهو المعتمد. وأما اعتبار أن لا يكون مقبلا على الدنيا: فان أريد من الاقبال على الدنيا ما ينافي العدالة أغنى عن اعتباره اعتبارها، وان أريد غير ذلك فدليله غير ظاهر. ولذا لم أقف على من ذكره بخصوصه. وأما الخبر الذي ذكره المصنف (* 1) فقد عرفت أنه المروي عن تفسير العسكري (ع)، وقد ذكره شيخنا الاعظم (ره) في أدلة حجية الخبر. وقد عرفت الاشكال في سنده، وفي كونه فيما نحن فيه من التقليد في الفروع. وفي دلالته على اكثر من اعتبار الامانة والوثوق، كما يظهر ذلك من ملاحظة مجموع الفقرات، وان كان الجمود على الفقرة الاخيرة يقتضي ظهوره في اعتبار العدالة. فلاحظ وتأمل. والله سبحانه هو الموفق. (1) كما نسب إلى المشهور بين المتأخرين، بل إلى المشهور مطلقا، بل إلى العلماء، أو الفقهاء، أو المخالف والمؤالف. وعن ظاهر الحلي وغيره: أنها مجرد ترك المعاصي، أو خصوص الكبائر. وعن ظاهر المقنعة وغيرها: أنها الاجتناب عن المعاصي عن ملكة. ومقتضى الجمود على عبارة الاول أنه بحسب المورد أعم من وجه من الثاني، وأعم مطلقا من الثالث. إلا أن الاتفاق ظاهرا على ثبوت الفسق بارتكاب الكبيرة يقتضي أن يكون المراد من الاول الملكة الباعثة فعلا على الطاعات وترك المعاصي، فيكون أخص موردا من الثاني ومساويا للثالث. وهناك أقوال أخر - على تقدير ثبوتها - نادرة تأتي الاشارة إلى بعضها. وكيف كان فقد استدل على الاول بصحيح عبد الله بن أبي يعفور:


____________
(* 1) تقدمت الاشارة إلى مصدره قريبا.

===============

( 47 )

" قلت لابي عبد الله (ع): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال (ع): أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكف البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك. والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه.. " (* 1). وتقريب الاستدلال به: أن ظاهر السؤال فيه وان كان السؤال عن الطريق إلى العدالة بعد معرفة مفهومها، لكن يتعين حمله على السؤال عن مفهومها بقرينة ما في الجواب، فان الستر والعفاف المذكورين فيه من سنخ الملكات، وكف البطن وما بعده من سنخ الافعال، فلو كان ذلك طريقا إلى العدالة لزم كونها أمرا آخر وراء ما ذكر، وهو مما لم يقل به أحد، ولا يمكن الالتزام به، فيتعين لذلك حمل السؤال على السؤال عن مفهومها، لجهل السائل به الموجب للجهل بوجودها. ويشهد لذلك أيضا قوله (ع): والدلالة على.. فانه كالصريح في كونه واردا لبيان الطريق. فان كان المراد منه بيان الطريق إلى العدالة، فحمل الاول على بيان الطريق أيضا يلزم منه أن يكون المقصود جعل طريقين إلى العدالة، ولاجل أن الاول أخص يكون لغوا. وان كان المراد منه الطريق إلى الاول فيكون طريقا إلى الطريق فهو - مع بعده في نفسه - ينافيه قوله (ع) بعده: ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته " فانه ظاهر في كونه طريقا إلى العدالة لا طريقا إلى الطريق إليها. ويناسب ما ذكرنا جدا اختلاف التعبير، فانه عبر في الصدر بالمعرفة المشاكلة للتعبير في السؤال وفي الذيل بالدلالة المخالفة له، فيدل ذلك كله على أن المعرفة في السؤال وفي الصدر بمعنى معرفة المفهوم، وان الدلالة في الذيل بمعنى معرفة وجود


____________
(* 1) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 1.

===============

( 48 )

المفهوم. وبذلك تعرف أن قوله (ع): " ويعرف باجتناب. " متمم للتعريف الاول، لا طريق إليه. ولاسيما بملاحظة ما بينهما من الاشتراك، فان كف البطن.. راجع إلى اجتناب جملة من الكبائر. ولاجل ذلك أيضا يمتنع أن يكون طريقا إلى العدالة لو حمل الاول على بيان المفهوم. والمتحصل مما ذكرنا: أن الرواية الشريفة صدر الجواب فيها ظاهر في بيان مفهوم العدالة، وما بعده ظاهر في بيان الطريق إلى المصداق، فان حمل السؤال على السؤال عن المفهوم - بقرينة صدر الجواب، لما بينه وبين السؤال من المشاكلة في التعبير - كان بيان الطريق في الذيل تفضلا من الامام (ع)، وإن حمل على السؤال عن الطريق إلى المصداق كان ما في الصدر من بيان المفهوم تفضلا أو تمهيدا للجواب. ومن ذلك يظهر ضعف ما تقدم عن الحلي وغيره، بل صريح الكفاية أنه الاشهر، قال (ره): " والاقرب الاشهر في معنى العدالة أن لا يكون مرتكبا للكبائر ولا مصرا على الصغائر، ونحوه في النسبة إلى الاشهر ما في البحار ومال إليه شيخنا الاعظم (ره) في صلاة الجماعة، عملا بظاهر السؤال في كونه سؤالا عن الطريق إلى العدالة، فيكون الستر والعفاف المذكوران في الجواب طريقا إليها لانفسها. ولا ينافيه قوله (ع) في الجواب: " ويعرف باجتناب.. " لان المراد به الاجتناب الظاهر للناس عند معاشرته، فيختص بالمعاصي الظاهرة مثل قتل المسلم، واهانة المؤمنين وشتمهم ونحو ذلك، فيكون المقصود جعل الاجتناب عن هذه المعاصي طريقا إلى الاجتناب عن جميع المعاصي حتى الخفية، مثل الافطار في الخلوات ونكاح الحائض والسرقة عند الفرصة وبغض المؤمنين. وتوضيح الاشكال عليه: أن كف البطن وما عطف عليه راجع إلى الاجتناب عن جملة من الكبائر، فإذا كان الستر والعفاف طريقا إلى العدالة

===============

( 49 )

تعين أن يكون اجتناب المعاصي كذلك، فكيف يمكن أن تكون نفس الاجتناب؟! مضافا إلى أن حمل الاجتناب في قوله (ع): ويعرف باجتناب.. " على الاجتناب الظاهر للناس عند المعاشرة خلاف الظاهر، وخلاف ظاهر الكبائر في العموم للكبائر الخفية. مع أنه يلزم رجوعه إلى قوله (ع): " والدلالة على.. " لان المراد منه الاجتناب في الظاهر وظاهر الرواية مخالفة له، فان الدال غير المدلول عليه، وجعل المدلول عليه نفس العدالة لا الاجتناب - فيكون الطريق إلى العدالة كلا من الامرين - خلاف الظاهر جدا. مع أنه يلزم منه لغوية الثاني لكونه أخص. نعم يبقى الاشكال في الرواية من جهة الاقتصار فيها على الستر والعفاف وعدم التعرض فيها لبقية الملكات الباعثة على التقوى، ومن جهة عدم التعرض فيها لفعل الواجبات. لكن لا يبعد - ولو بقرينة النصوص الاخر التي تشير إلى بعضها - أن يكون المراد من الستر الاستحياء من فعل المعصية مطلقا، ومن العفاف التعفف عن عامة المعاصي. كما أنه لا يبعد أن يكون ترك ذكر الواجبات لان ترك الواجبات من الكبائر، كما في صحيح عبد العظيم (ره) (* 1) فيكون قد اكتفى عنه بذكر الكبائر. مع أن الاجماع على اعتبارها، وما يظهر من مثل رواية علقمة (* 2) الآتية، بل من ذيل الصحيح المذكور - فتأمل - كاف في إثبات اعتبارها فيها. ومثل الصحيح المذكور موثقة ابن أبي يعفور عن أخيه عن أبي جعفر (ع): تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كن مستورات من أهل البيوتات معروفات بالستر والعفاف مطيعات للازواج تاركات البذاء والتبرج


____________
(* 1) الوسائل باب: 46 من ابواب جهاد النفس حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 13.

===============

( 50 )

إلى الرجال في أنديتهم " (* 1). ويعضدهما في الدلالة على اعتبار الملكة كثير من النصوص، مثل ما دل على قبول شهادة الرجل لولده أو والده أو امرأته إذا كان خيرا (* 2)، وما دل على قبول شهادة المكاري والجمال والملاح إذا كانوا صلحاء (* 3)، وما دل على قبول شهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا (* 4)، وما ورد في تفسير قوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء): أنه ممن ترضون دينه وأمانته وصلاحه وعفته (* 5).. إلى غير ذلك. وحمل هذه النصوص على كون الملكات المذكورة ملازمة لموضوع الحكم لانفسه، خلاف الظاهر ولا موجب له. ومن ذلك كله يظهر لك أيضا ضعف القول بكونها حسن الظاهر - كما نسب إلى جماعة - أو الاسلام مع عدم ظهور الفسق، كما عن ابن الجنيد وكتاب الاشراف للمفيد، وان استدل لذلك بصحيح حريز: " إذا كان أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعا " (* 6) وما في صحيح ابن المغيرة: " كل من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته " (* 7)، ونحوه ما في غيره، ومرسل يونس: " إذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته، ولا يسأل عن باطنه " (* 8)، وما في رواية علقمة: " فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا


____________
(* 1) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 19 (* 2) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 34 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 29 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 22 (* 6) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 17 (* 7) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 5 (* 8) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 3.

===============

( 51 )

أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة وان كان في نفسه مذنبا " (* 1).. إلى غير ذلك. فانه مع إمكان المناقشة في دلالة بعضها يتعين حملها - بعد تقييد بعضها ببعض - على كون حسن الظاهر طريقا إلى العدالة شرعيا، جمعا بينها وبين ما تقدم. كما يشهد به أيضا ما في رواية أحمد بن عامر الطائي قال رسول الله صلى الله عليه وآله " من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته وظهرت عدالته " (* 2) ونحوها رواية ابن سنان (* 3)، فهذه النصوص واردة في مقام الاثبات لا في مقام الثبوت. فلاحظ وتأمل. والله سبحانه ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم إن ملكة العدالة من الستر والعفاف والصلاح ونحوها مما ذكر في النصوص ذات مراتب متفاوتة جدا تفاوت سائر الملكات بالقوة والضعف، يكفي في ثبوتها أدنى مراتبها، ولا ينافي وجودها ارتكاب المعصية ولو كانت كبيرة لجواز غلبة المزاحم من قوتي الشهوة والغضب عليها، كما لا ينافي وجود سائر الملكات - كملكتي الشجاعة والكرم - تخلف مقتضاها أحيانا، ولذا قيل: " إن الجواد قد يكبو والسيف فد ينبو ". وليس المراد منها خصوص المرتبة العالية التي لا يتخلف مقتضاها، ولا يغلبها المزاحم. فان ذلك خلاف اطلاق الادلة، ويستوجب ندرة وجودها جدا بل يمتنع إحراز وجود هذه المرتبة في اكثر الاعصار، فيلزم منه تعطيل الاحكام واختلال النظام، ولذا قال الصادق (ع) في رواية علقمة: " لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت الا شهادة الانبياء والاوصياء (ع)


____________
(* 1) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 13. (* 2) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 14 (* 3) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 15.

===============

( 52 )

لانهم المعصومون دون سائر الخلق " (* 1). وقد ورد في جملة من النصوص قبول شهادة المحدود بعد توبته (* 2)، وجملة منها واردة في خصوص القاذف بعد التوبة (* 3). وبالجملة: عدم اعتبار المرتبة العالية في ترتب أحكام العدالة مما لا ريب فيه إجماعا ونصا وسيرة. نعم لا يكفي أقل مراتب وجودها إذا كان بنحو لا يصدق الستر والعفاف والصلاح، ونحو ذلك من العناوين المذكورة في النصوص التي تقدم بعضها. لظهور النصوص المذكورة في اعتبار الاوصاف المذكورة في العدالة مفهوما - كما عرفت - بحيث لا تصدق مع فقدها وان كان للمكلف حالة تبعثه على فعل الطاعة، كما هو الحال في كثير من الفساق، فان التدين بالدين الاسلامي. واعتقاد المعاد، والثواب، والعقاب، والجزاء على الاعمال - ان خيرا فخير وان شرا فشر - يستوجب حدوث حالة مقتضية لفعل الطاعات، والانزجار عن المعاصي، لكنها فيهم مغلوبة للقوى المزاحمة، فكلما عرضت لهم المعصية وقعوا فيها، لقوة الشهوة أو الغضب فيهم على نحو تغلب تلك الحال الخاصة المقتضية للطاعة، ومع سكون القوة المزاحمة من الشهوة والغضب يحصل لهم حالة الندم مع الالتفات إلى تقصيرهم. لكن لما كان ذلك غالبيا لهم لا يصدق في حقهم الستر والعفاف والصلاح ونحو ذلك، بل يصدق خلافها. نعم لو كان ذلك - أعني الوقوع في المعصية - نادرا لقلة الابتلاء، أو لقصور الفاعل عن الفعل الحرام، أو لضعف الشهوة المزاحمة - لمرض أو هرم أو تشويش بال أو نحو ذلك - كفى ذلك في صدق الستر ونحوه


____________
(* 1) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 13 (* 2) الوسائل باب: 37 من كتاب الشهادات. (* 3) الوسائل باب: 36 من كتاب الشهادات.

===============

( 53 )

عرفا، وتحققت العدالة، وجاز ترتيب أحكامها، كما يوجد في كثير من النساء والفقراء، فان سترهم وعفافهم لا يكون لقوة الملكة الباعثة على التقوى، بل لفقد المزاحم. ومن ذلك تعرف أن العدالة في الملوك ونحوهم من أهل الحول والطول إنما تكون - غالبا - لقوة الحال الباعثة، وفي غيرهم من الضعفاء فد تكون لذلك، وقد تكون لعدم المزاحم للحال الباعثة على التقوى مع كونها ضعيفة جدا. والمتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): اعتبار الملكة في العدالة. (الثاني): عدم اعتبار كونها بمرتية لا يغلبها المزاحم بنحو يستوجب العصمة. (الثالث): أنه لا يكفي أدنى مراتبها إذا كان بنحو لا يصدق الستر والصلاح. (الرابع): أن من لوازم الملكة المذكورة حصول الندم بعد فعل المعصية والالتفات إلى ذلك، وان كانت الملكة بمرتبة دانية ضعيفة جدا، فإذا لم يحصل الندم بعد الالتفات إلى فعل المعصية كشف ذلك عن عدم الملكة كما يتفق ذلك نادرا من بعض الفساق المتمردين. هذا والمراد باجتناب المعاصي المعتبر في العدالة نصا وإجماعا - كما عرفت - أن لا يكون مطالبا بالمعصية حال الابتلاء ببعض آثار العدالة وأحكامها - كالايتمام والشهادة والولاية وغيرها - اما بأن لا يكون عاصيا أصلا، أو يكون عاصيا فيتوب. للاجماع والنصوص على عدم جواز ترتيب آثار العدالة على العصاة قبل التوبة وجواز ترتيبها بعدها (* 1). ويشهد به أيضا قوله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون الا الذين تابوا) (* 2) وبمضمونها جملة من النصوص أشرنا إلى بعضها آنفا،


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة الجماعة، وباب من باب: 30 إلى: 37، وباب: 41 من كتاب الشهادات. (* 2) النور: 54.

===============

( 54 )

[ وتعرف بحسن الظاهر الكاشف (1) عنها علما أو ظنا، وتثبت بشهادة العدلين وبالشياع المفيد للعلم. ] وهي مذكورة في بعض أبواب شهادات الوسائل فراجعها. مضافا إلى ما دل على قبول التوبة، وأنها ماحية للذنوب، من الآيات (* 1) والروايات (* 2). فلاحظ وتأمل. هذا وفي المقام مباحث شريفة، منها البحث عن اعتبار الاجتناب عن منافيات المروأة في العدالة، والبحث عن انقسام المعصية إلى كبيرة وصغيرة، والميزان الفارق بينهما، وطريق إثبات كون المعصية كبيرة، وغير ذلك. تركنا التعرض لها اعتمادا على التعرض لها عند تعرض المصنف (ره) في شرائط الامام من مباحث صلاة الجماعة. والله سبحانه ولي التوفيق. (1) إعلم أن الطريق إلى إثبات العدالة أمور: الاول: العلم الوجداني، سواء أحصل من حسن الظاهر، أم من الشياع، أم من غيرهما. ولا إشكال في كونه طريقا إليها، لكونه حجة بالذات في نظر العقل، كما هو محرر في محله. الثاني: البينة بلا إشكال ظاهر، وهو واضح بناء على عموم حجيتها، كما سيأتي تقريبه في مباحث المياه (* 3) إن شاء الله. أما بناء على عدمه فقد تستفاد حجيتها في المقام - مما في ذيل صحيح ابن أبي يعفور المتقدم (* 4) من قوله (ع): " فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالو ما رأينا منه إلا


____________
(* 1) وهي كثيرة يسهل الاطلاع عليها بالاستعانة بمعاجم الآيات. (* 2) الوسائل باب: 47، 82، 83، 85، 86، 89، 92، من ابواب جهاد النفس ويوجد في أبواب أخر أيضا (* 5) في مسألة: 6 من الفصل المتعرض لاحكام البشر (* 4) راجع أوائل شرح المسألة السابقة.

===============

( 55 )

خيرا " بضميمة الاجماع على عدم اعتبار اكثر من البينة، ومما في خبر جابر عن أبي جعفر (ع): " شهادة القابلة جائزة على أنه استهل أو برز ميتا إذا سئل عنها فعدلت (* 1)، وما في رواية علقمة: " فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر (* 2) - بالفحوى، أو بضميمة عدم الفصل بين الفسق والعدالة. هذا وفي اعتبار حصول الوثوق بصدقها، أو الظن به، أو عدم الظن بالخلاف، أو عدم اعتبار شئ من ذلك، وجوه مبنية على ثبوت إطلاق يعتمد عليه في اثبات الحجية وعدم انصرافه إلى شئ من ذلك، وعدمه. والظاهر عدم الفرق بين الشهادة الفعلية والقولية. الثالث: حسن الظاهر. ويشهد له كثير من النصوص المتقدم بعضها (* 3) مثل ما في صحيح ابن أبي يعفور من قوله (ع): " والدلالة على ذلك.. " وما في رواية علقمة، وما في رواية أحمد بن عامر الطائي وما في رواية ابن سنان، وغيرها. ومقتضى إطلاقها حجية حسن الظاهر وان لم يفد الظن بل وان كان الظن على خلافه. لكن يجب تقييدها بما في مرسل يونس من قول الصادق (ع): فإذا كان ظاهر الرجل ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه " (* 4). وارساله لا يقدح بعد كون المرسل من أصحاب الاجماع. ورواية المشايخ الثلاثة - قدس سرهم - له في كتبهم بأسانيد مختلفة، وفيهم جماعة من الاعاظم، كأحمد بن محمد ابن عيسى، وعلي بن ابراهيم وغيرهما، واعتماد المشهور عليه في بعض


____________
(* 1) الوسائل باب: 24 من كتاب الشهادات حديث: 39. (* 2) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 13. (* 3) في شرح المسألة السابقة (* 4) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 3.

===============

( 56 )

مضمونه، فان مجموع ذلك مما يستوجب الوثوق المدخل له تحت دليل الحجية. وأما التقييد بالظن - كما في المتن - فليس عليه دليل ظاهر. وأما خبر ابراهيم الكرخي " من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنوا به خيرا وأجيزوا شهادته " (* 1). فالامر فيه بالظن وان كان ظاهرا في لزوم ترتيب أثر الظن، لكنه لا يقتضي تقييد حجية الظاهر بالظن، وإنما يدل على حجية الظاهر كالظن، فهو باطلاقه من أدلة حجية الظاهر مطلقا كالظن، ولا يصلح لتقييد حجيته بالظن. ولا يبعد أن يكون المراد من كونه مأمونا كونه موجبا للامن فعلا، والحمل على الامن النوعي محتاج إلى قرينة مفقودة. الرابع: الوثوق بها وان لم يكن مستندا إلى ظاهر حسن. وقد يشهد له رواية أبي علي بن راشد: " لا تصل إلى خلف من تثق بدينه " (* 2) ونحوها رواية يزيد بن حماد (* 3). لكن مع أن المنصرف إليه من الدين الاصول لا الفروع، محمول على ذلك بقرينة السؤال. نعم رواها الشيخ (قده) بزيادة " وأمانته " ولا يجري فيها الاشكال المذكور. لكن التعدي عن الايتمام إلى سائر الاحكام لا يخلو من تأمل. وان كان هو الاقرب، ولاسيما بملاحظة مرسل يونس المتقدم، فان الارتكاز العقلائي يناسب كون الوجه في الحجية هو الامن لا الخصوصية في حسن الظاهر. فلاحظ. وعن بعض: حجية مطلق الظن. وكأنه لرواية ابراهيم الكرخي. وقريب منه مرسل الفقيه: من صلى الصلوات الخمس في جماعة فظنوا به كل خير (* 4). وفيه: أنه لو تم حمل الظن على ما هو محل الكلام


____________
(* 1) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 12. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة الجماعة حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة الجماعة حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة الجماعة حديث: 6.

===============

( 57 )

[ (مسألة 24): إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلد العدول إلى غيره (1). (مسألة 25): إذا قلد من لم يكن جامعا ومضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلد أصلا (2). ] يتعين تقييده بخبر ابن راشد بل ومرسل يونس بالاولوية، فيحمل على الظن الاطمئناني. وأما الشياع الموجب للعلم: فليس بحجة، وانما الحجة هو العلم لا غير كما تقدم في نظيره. والمتحصل مما ذكر: أن طرق العدالة ثلاثة: العلم، والبينة، والوثوق، سواء أحصل من حسن الظاهر أم من غيره. ومنه تعرف الاشكال فيما ذكره المصنف (قده) عبارة ومؤدى. والله سبحانه الهادي. (1) قال في الفصول: " ولو تسافل المجتهد عن الاجتهاد، أو صار مجنونا مطبقا، ففي الحاقه بالميت في الحكم السابق وجهان أظهرهما ذلك.. " ولكن الذي يظهر من بعض أدلة وجوب العدول عن الميت: أن وجوب العدول هنا من المسلمات. والذي تقتضيه القواعد ما ذكره في الفصول، وكذا في بقية موارد طرؤ فقد الشرائط، إذ أكثر ما قدم في جواز البقاء على تقليد الميت جار بعينه هنا. نعم لا يطرد بعضه في المقام، ولكن ذلك لا يهم بعد اطراد غيره. فما لم ينعقد إجماع معتبر على وجوب العدول ينبغي الرجوع إلى ما تقدم في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت (* 1)، فان المسألتين من باب واحد. (2) لبطلان التقليد بفقد شرطه.


____________
(* 1) راجع المسألة: 9.

===============

( 58 )

[ فحاله حال الجاهل القاصر أو (1) المقصر. (مسألة 26): إذا قلد من يحرم البقاء على تقليد الميت فمات، وقلد من يجوز البقاء، له أن يبقى على تقليد الاول في جميع المسائل الا مسألة حرمة البقاء (2). (مسألة 27): يجب على المكلف العلم بأجزاء العبادات وشرائطهما وموانعها ومقدماتها (3)، ولو لم يعلمها لكن علم أجمالا ان عمله واجد لجميع الاجزاء والشرائط وفاقد للموانع صح (4) وان لم يعلمها تفصيلا. (مسألة 28): يجب تعلم مسائل الشك والسهو بالمقدار الذي هو محل الابتلاء غالبا (5). نعم لو اطمأن من نفسه أنه لا يبتلي بالشك والسهو صح عمله (6) وان لم يحصل العلم بأحكامهما. ] (1) حرف العطف للتقسيم لا للترديد. (2) كما تقدم في المسألة الخامسة عشرة. (3) هذا الوجوب عقلي أو فطري، لتوقف العلم بالفراغ عليه، وهو واجب عقلا أو فطرة، كما تقدم في أول الكتاب. (4) لحصول العلم بالفراغ ولو إجمالا، وهو كاف في نظر العقل. نعم بناء على اعتبار التمييز في حصول الامتثال في العبادات وجب العلم التفصيلي باجزاء العبادة وشرائطها وموانعها. لكن التحقيق عدم اعتبار ذلك في العبادية عند العقلاء. مع أن الشك كاف في عدم الاعتبار بناء على التحقيق من الرجوع إلى البراءة في مثله. (5) هذا الوجوب كسابقه. (6) وكذا لو لم يطمئن فاتفق عدم الابتلاء بها، أو ابتلي بها فعمل

===============

( 59 )

[ (مسألة 29): كما يجب التقليد في الواجبات والمحرمات يجب في المستحبات، والمكروهات والمباحات (1). بل يجب تعلم حكم كل فعل يصدر منه سواء كان من العبادات أو المعاملات أو العاديات. ] على أحد الاحتمالات فاتفق كونه مطابقا للواقع أو للحجة. لما عرفت من الاجتزاء عقلا بالعمل المعلوم كونه مطابقا للواقع أو قامت الحجة على ذلك. وأما الاطمئنان بعدم الابتلاء فلا أثر له في الصحة، كما تقدم في المسألة السادسة عشرة. نعم له دخل في نفي العقاب، فلو احتمل الابتلاء فلما ابتلي بالواقعة احتمل التكليف بأحد الوجوه مثل حرمة قطع الفريضة، فانه لو قطعها حينئذ كان آثما في نظر العقل، لانه مقدم على مخالفة التكليف المحتمل المنجز على تقدير ثبوته. نعم مع الاطمئنان بعدم الابتلاء لو اتفق الابتلاء فعمل على أحد الوجوه في موارد الدوران بين المحذورين كان معذورا في نظر العقلاء، كما هو كذلك في سائر موارد الدوران بين المحذورين بعد الفحص واليأس. فحكم العمل قبل الفحص مع الاطمئنان بعدم الابتلاء حكم العمل بعد الفحص واليأس عن الدليل في عدم استحقاق العقاب. (1) لا يخفى أن الفتوى (تارة): تكون حجة للمكلف لا غير، كما لو كان مفادها حكما غير لزومي. كالاباحة أو الاستحباب أو الكراهة فانها حينئذ تكون حجة للعبد على نفي الحكم اللزومي كالحرمة والوجوب. (وأخرى): تكون حجة عليه لا غير، كما لو كان مفادها حكما لزوميا مع عدم احتمال حكم لزومي على خلافه، كما لو كان مفادها وجوب فعل مع عدم احتمال الحرمة أو بالعكس. (وثالثة): تكون حجة له وعليه كما لو كان مفادها حكما لزوميا مع احتمال حكم لزومي على خلافه، كما لو أفتي بالوجوب مع احتمال الحرمة، فان الفتوى تكون للمولى حجة على

===============

( 60 )

[ (مسألة 30): إذا علم أن الفعل الفلاني ليس حراما ولم يعلم أنه واجب أو مباح أو مستحب أو مكروه، يجوز له أن يأتي به لاحتمال كونه مطلوبا وبرجاء الثواب (1). وإذا علم أنه ليس بواجب، ولم يعلم أنه حرام أو مكروه أو مباح، له أن يتركه لاحتمال كونه مبغوضا. ] الوجوب، وللعبد حجة على نفي الحرمة. ولو أفتي بالحرمة مع احتمال الوجوب كان الامر بالعكس. وربما لا تكون الفتوى حجة للمكلف ولا عليه، كما لو أفتي بالاباحة مع العلم بانتفاء الوجوب والحرمة، فان مثل هذه الفتوى لا يصح اعتبار الحجية لها لا للمولى ولا للعبد. هذا كله بلحاظ العمل، وأما بلحاظ التشريع فيصح اعتبار الحجية لها على أن تكون حجة للعبد في جواز اعتقاد الاباحة، إذ لولاها كان اعتقاد الاباحة تشريعا محرما. وحينئذ نقول: يجب التقليد في جميع الاحكام - الزامية كانت أم غيرها - من حيث جواز الالتزام بها ونفى التشريع. وأما من حيث العمل فان لم تكن الفتوى حجة على العبد ولا له لم يجب التقليد، وان كانت حجة له - سواء أكانت حجة عليه أم لا - يجب التقليد، سواء اكان هو الالتزام أم العمل، اعتمادا على الفتوى، لتوقف الامن من العقاب عليه. وان كانت الفتوى حجة عليه لا غير لم يجب التقليد، إذ لا أثر له في الامن من العقاب، لكون المفروض عدم كون الفتوى حجة له. وان شئت قلت: إذا كان مفاد الفتوى مطابقا للاحتياط المطلق لا يجب التقليد لانه لغو. وان كان مفادها مخالفا للاحتياط المطلق أو للاحتياط من وجه يجب التقليد. وان لم يكن المورد من موارد الاحتياط لا يجب التقليد، لانه لغو أيضا. فلاحظ وتأمل. (1) الحكم المذكور مبني على جواز الامتثال الاجمالي مع التمكن من

===============

( 61 )

[ (مسألة 31): إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلد للبقاء على رأيه الاول (1). (مسألة 32): إذا عدل المجتهد عن الفتوى إلى التوقف والتردد يجب على المقلد الاحتياط أو العدل إلى الاعلم بعد ذلك المجتهد (2). (مسألة 33): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد أيهما شاء (3). ويجوز التبعيض في المسائل (4). ] الامتثال التفصيلي، فلو بني على عدم جوازه تعين تقييد الجواز في العبارة بصورة عدم التمكن من الاجتهاد أو التقليد. هذا إذا كان المورد من العبادات - كما هو ظاهر العبارة - وإلا فلا حاجة إلى التقييد. (1) هذا ينبغي أن يكون من الواضحات، لاختصاص أدلة جواز رجوع الجاهل إلى العالم بصورة عدم اعترافه بخطأ الواقع. (2) هذا نظير ما سبق، لاعتراف المفتي بالخطأ في الاستناد وان لم يعترف بخطأ الواقع لجهله بذلك. (3) إجماعا من القائلين بجواز التقليد، من دون فرق بين صورة الاتفاق في الفتوى والاختلاف، وموافقة فتوى أحدهما للاحتياط المطلق دون الآخر وغيرها. نعم مع الاتفاق في الفتوى قد عرفت أنه يجوز تقليدهما معا كما يجوز تقليد أحدهما بعينه (* 1). (4) قد عرفت أنه مع اختلاف المجتهدين في الفتوى تسقط إطلاقات أدلة الحجية عن المرجعية، وينحصر المرجع بالاجماع، فمشروعية التبعيض تتوقف على عموم الاجماع على التخيير بينهما لصورة التبعيض. لكن لم


____________
(* 1) راجع المسألة: 8.

===============

( 62 )

[ وإذا كان أحدهما أرجح من الآخر في العدالة أو الورع أو نحو ذلك، فالاولى بل الاحوط اختياره (1). (مسألة 34): إذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الاعلم، ثم وجد أعلم من ذلك المجتهد، فالاحوط العدول إلى ذلك الاعلم (2) وان قال الاول بعدم جوازه. ] يتضح عموم الاجماع ولم أقف عاجلا على من ادعاه، بل يظهر من بعض أدلة المانعين عن العدول في غير المسألة التي قد قلد فيها المنع عن التبعيض فراجع كلماتهم. ومثلها دعوى السيرة عليه في عصر المعصومين (ع). فالتبعيض إذا لا يخلو من إشكال. نعم بناء على كون التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين لا مانع من التبعيض لاطلاق أدلة الحجية. إذ قد أشرنا في أوائل الشرح (* 1) إلى أن اختلاف المجتهدين في الفتوى لا يوجب سقوط أدلة الحجية على هذا المبنى. فلاحظ. (1) لما عرفت آنفا (* 2) من نسبة القول بوجوب تقديم الاورع إلى جماعة، وأنه الذي تقتضيه أصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير في الحجية من دون ظهور دليل على خلافها. وبناء العقلاء على التخيير وعدم الترجيح بالاورعية غير ثابت، بل الظاهر عدم ثبوت بنائهم مع اختلاف الفتوى، كسائر اطلاقات أدلة الحجية، فانها جميعا لا تشمل صورة التعارض. (2) أقول: المسألة لها صورتان: الاولى: أن يقلد أحد المجتهدين المتساوين في الفضل في المسائل الفرعية غير مسألة جواز العدول إلى الاعلم، ثم بعد مدة يصير غيره أعلم منه، فإذا


____________
(* 1) راجع المسألة: 8. (* 2) راجع المسألة: 13.

===============

( 63 )

التفت المقلد إلى ذلك شك في جواز البقاء وحرمته، وحينئذ يمتنع أن يرجع في جواز البقاء إلى المجتهد الذي قد قلده، للشك في حجية فتواه فلابد أن يرجع إلى غيره. نظير ما لو مات المجتهد، فان الشك في حجية فتواه بعد الموت لا يرتفع بفتواه بجواز البقاء على تقليد الميت، فيتعين على المقلد بمقتضى حكم عقله الرجوع إلى الحي. وكذا في مسألتنا يتعين عليه الرجوع إلى الاعلم، ولا يلتفت إلى فتوى من قلده مهما كانت ولو كانت حرمة العدول، لامتناع رجوعه إليه في ذلك بعد كون مناط الشك في الحجية موجودا في مسألة جواز البقاء كسائر المسائل الفرعية. هذا حال المقلد في نفسه بملاحظة شكه. وأما حكمه بعد الرجوع إلى الاعلم في مسألة جواز البقاء وعدمه فهو وجوب العدول، لان بناء العقلاء على وجوب الرجوع إلى الاعلم لا فرق فيه بين الابتداء والاستدامة، وكما يجب الرجوع إليه في الابتداء يجب العدول إليه في الاستدامة. الصورة الثانية: أن يقلده في هذه المسألة بالخصوص ثم يصير غيره أعلم فان الرجوع إليه في هذه المسألة ممتنع، لانه من اثبات حجية الفتوى بالفتوى نفسها، ولاجل ذلك كان عدم جواز رجوع المقلد إليه فيها أوضح من الصورة السابقة لاختلاف الموضوع فيها، لان الرجوع إليه في المسألة الاصولية بلحاظ البقاء في المسألة الفرعية، وفي هذه الصورة يكون الرجوع إليه في المسألة الاصولية بلحاظ البقاء فيها نفسها، فيتعين عليه الرجوع فيها إلى غيره، ولا يلتفت إلى فتوى مرجعه الاول أصلا، وحكمه بعد الرجوع إلى الاعلم أيضا وجوب العدول في المسائل الفرعية، وأما المسألة الاصولية - أعنى: مسألة جواز البقاء وعدمه - فلا يمكن فيها البقاء والعدول لكون المفروض الرجوع فيها إلى غيره، فلو كانت فتوى غيره الاعلم وجوب البقاء فالمراد البقاء في المسائل الفرعية لا المسألة الاصولية، كما هو

===============

( 64 )

[ (مسألة 35): إذا قلد شخصا بتخيل أنه زيد فبان عمرا (1)، فان كانا متساويين في الفضيلة ولم يكن على وجه التقييد صح، والا فمشكل (2). ] واضح بالتأمل. هذا وكأن تعبير المصنف (ره) بقوله: " فالاحوط العدول "، مبني على عدم جزمه بوجوب تقليد الاعلم وأنه أحوط كما تقدم. لكن قد يشكل: بأن كونه أحوط يختص بالتقليد الابتدائي، وأما في مسألة العدول فليس العدول أحوط، لوجود القول بحرمة العدول، فالاحوط فيها الرجوع إلى أحوط القولين اللهم إلا أن يختص كلامه بصورة كون قول المعدول إليه أحوط، فيرجع إلى الاخذ بأحوط القولين. أو يختص بالصورة الاولى مع البناء على أن الرجوع في مسألة جواز العدول والبقاء من قبيل التقليد الابتدائي، لان تقليده الاول. كان في غيرها من المسائل الفرعية لكنهما معا خلاف ظاهر العبارة. (1) يشكل فرضه بناء على أن التقليد هو العمل وقد كان المجتهدان متفقين في الفتوى. نعم مع الاختلاف فيها، أو القول بأنه الالتزام، يكون الفرض ظاهرا. (2) بل الظاهر جريان حكم العمل بلا تقليد، لان فوات القيد يستلزم فوات المقيد. (ودعوى): أن الشخص الذي قلده جزئي حقيقي، والجزئي لا يقبل الاطلاق كي يقبل التقييد، فلابد أن يرجع القيد إلى الداعي، وحينئذ لا يقدح تخلفه لان الداعي إنما يؤثر بوجوده العلمي لا بوجوده الخارجي، والوجود العلمي غير منتف، بل المنتفى إنما هو الوجود الخارجي. (مندفعة): بأن ذلك يتم بالاضافة إلى العوارض الطارئة على نفس الوجود الخارجي، أما ما كان طارئا حقيقة على الصورة الذهنية - مثل الارادة والكراهة والايتمام والتقليد

===============

( 65 )

[ (مسألة 36): فتوى المجتهد تعلم بأحد أمور (الاول) أن يسمع منه شفاها (1). (الثاني): أن يخبر بها عدلان (2) (الثالث): إخبار عدل واحد (3). بل يكفي إخبار شخص موثق (4) يوجب قوله الاطمينان وان لم يكن عادلا (الرابع) الوجدان في رسالته، ولابد أن تكون مأمونة من الغلط (5). ] والبيع والطلاق ونحوها - فلا مانع من تقييد تلك الصورة في مقام الموضوعية لهذه الطوارئ، فالموضوع الخارجي إذا كان فاقدا لقيد الصورة لا يصح أن يكون موضوعا للطارئ ولو بالعناية والمجاز، فالشخص الذي لم يكن زيدا في فرض المسألة غير مقلد، لان التقليد إنما طرأ على المقيد بزيد، وكذا الحال في غيره. فان كان من يقلده بعد الالتفات هو الذي قلده اولا - لكونه أعلم، أو مساويا وقد اختاره - صح العمل، وان كان قد قلد غيره - إما لكونه أعلم أو مساويا فاختاره - تعين العمل على طبق فتواه من حيث صحة العمل الاول وفساده. (1) فيأخذ ولو بظاهر كلامه، الذي هو حجة بلا إشكال. (2) بناء على ثبوت عموم يقتضي حجية البينة بنحو يشمل المقام، كما ادعاه شيخنا الاعظم (ره) في رسالة الجماعة ونسب إلى المشهور في كلام غير واحد. ويأتى - إن شاء الله - في مبحث المياه (* 1) تقريبه. (3) لا يخفى ما في المقابلة وبينه وبين البينة. (4) بناء على عموم حجية خبر الثقة في الاحكام الكلية لمثل المقام، من جهة دلالة الخبر عن الفتوى بالالتزام على ثبوت الحكم الكلي، كما أشرنا إلى ذلك في المسألة العشرين. (5) بل يكفي أن تكون موردا لاصالة عدم الخطأ المعول عليها عند


____________
(* 1) في المسألة: 6 من الفصل المتعرض لاحكام البئر.

===============

( 66 )

[ (مسألة 37): إذا قلد من ليس له أهلية الفتوى ثم التفت وجب عليه العدول (1). وحال الاعمال السابقة حال عمل الجاهل غير المقلد. وكذا إذا قلد غير الاعلم وجب على الاحوط (2) العدول إلى الاعلم. وإذا قلد الاعلم ثم صار بعد ذلك غيره أعلم وجب العدول إلى الثاني، على الاحوط. (مسألة 38): ان كان الاعلم منحصرا في شخصين ولم يمكن التعيين، فان أمكن الاحتياط بين القولين فهو الاحوط (3)، والا كان مخيرا بينهما. ] العقلاء والظاهر أنه يكفي في جريانها عدم الظن بالغلط الناشئ من كثرته. هذا إذا كانت الرسالة بخط المجتهد، أما لو كانت بغير خطه اعتبر أن يكون الكاتب ثقة لان الكتابة نوع من الخبر عن الفتوى. (1) بل هو في الحقيقة تقليد ابتدائي لا عدول. وكذا الحال فيما بعده. (2) قد عرفت سابقا أنه الاقوى. وكذا ما بعده. مضافا إلى ما عرفت في المسألة الرابعة والثلاثين من أن كون العدول في الفرض أحوط غير ظاهر، لوجود القول بحرمة العدول حتى إلى الاعلم. (3) تقدم التعرض لهذا في المسألة الحادية والعشرين، وذكرنا هناك أن ظاهر الاصحاب الاتفاق على عدم وجوب الاحتياط على العامي، من دون فرق بين أن يتردد الاعلم بين اثنين أو عشرة - مثلا - وبين غيره من الفروض. ولا تبعد دعوى السيرة أيضا على ذلك، لندرة تساوي المجتهدين، وغلبة حصول التفاوت بينهم ولو يسيرا، وشيوع الجهل بالافضل وفقد أهل الخبرة في اكثر البلاد. وكون بنائهم على الاحتياط في مثل ذلك بعيد جدا.

===============

( 67 )

[ (مسألة 39): إذا شك في موت المجتهد، أو في تبدل رأيه، أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده، يجوز له البقاء (1) إلى أن يتبين الحال. (مسألة 40): إذا علم أنه كان في عباداته بلا تقليد مدة من الزمان، ولم يعلم مقداره، فان علم بكيفيتها وموافقتها للواقع، أو لفتوى المجتهد الذي يكون مكلفا بالرجوع إليه (2) فهو، والا فيقضي المقدار الذي يعلم معه بالبراءة على الاحوط وان كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقن (3). ] (1) للاستصحاب. (2) يعنى: بالرجوع إليه حين الالتفات إلى ذلك، لا حين العمل، كما تقدم في المسألة السادسة عشرة. لكن سيأتي في المسألة الثالثة والخمسين تفصيل في المسألة. فانتظر. (3) يعنى: المتيقن بطلانه، إما يقينا وجدانيا، لليقين بمخالفته للواقع، أو تنزيلا، لمخالفته لفتوى من يجب الرجوع إليه بذلك. ووجه عدم وجوب قضاء المشكوك أصالة الصحة، لاحتمال مصادفته للواقع، بناء على جريانها في مثل ذلك، وعدم اختصاصها بصورة عدم الشك على تقدير الالتفات، كما يشهد به خبر الحسين بن أبي العلاء (* 1). ولعله مورد لبناء العقلاء. وسيأتى التعرض لذلك في مباحث الوضوء (* 2) إن شاء الله. وان كان الظاهر من المصنف (ره) في جملة من الفروض الآتية هناك هو التأمل والاشكال في ذلك.


____________
(* 1) الوسائل باب: 41 من ابواب الوضوء حديث: 1. (* 2) راجع المسألة: 51 من فصل شرائط الوضوء. ويأتي أيضا في المسألة: 11 من فصل الماء المشكوك من مباحث المياه.

===============

( 68 )

[ (مسألة 41): إذا علم أن أعماله السابقة كانت مع التقليد، لكن لا يعلم أنها كانت عن تقليد صحيح (1) أم لا، بنى على الصحة. ] ويحتمل أن يكون الوجه في عدم وجوب القضاء: أنه بأمر جديد وموضوعه فوت الواجب، ولا يمكن إحرازه بالاصل. لكن يشكل: بأن مقتضى الجمع بين أدلة القضاء والاداء، أنه بالامر الاول، وأن وجوب الاداء في الوقت بنحو تعدد المطلوب، فيكفي في وجوب القضاء استصحاب التكليف. مع أن الظاهر من أدلة القضاء أن الفوت المأخوذ موضوعا مجرد ترك الواجب في وقته، وهو مما يمكن إثباته بالاصل. نعم مع العلم بالكيفية لو جهل انطباق الواجب على المأتي به، أشكل جريان أصالة عدم الواجب، لانه من قبيل الاصل الجاري في المفهوم المردد بين معلوم الوجود ومعلوم الانتفاء، المحقق في محله عدم جريانه. هذا لو كان الشك حادثا بعد العمل، أما إذا كان مقارنا، بأن كان المكلف ملتفتا حين العمل إلى عدم التقليد في عمله، فلا مجال لاصالة الصحة، لاختصاص أدلتها بصورة حدوث الشك بعد العمل. كما أنه لو كان الشك في القضاء ناشئا من الشك في التكليف بالاداء - كما لو كان عمره عشرين سنة، وشك في أن بلوغه كان في سن خمس عشرة أو أربع عشرة - فانه لا ريب في عدم وجوب القضاء، لاصالة البراءة. (1) صحة التقليد وفساده إنما يكونان مجرى للاصول الشرعية إذا كانا موردا لاثر عملي، ولا يتضح ذلك إلا في فروض عدول العامي عن المجتهد إلى غيره مع اختلافهما في الفتوى، بأن كان رأي الثاني بطلان العمل المطابق لفتوى الاول. فان قلنا بعدم لزوم التدارك بالقضاء إذا كان تقليده للاول صحيحا، كانت صحة التقليد موضوعا للاثر العملي، فيجرى الاصل لاثباتها

===============

( 69 )

[ (مسألة 42): إذا قلد مجتهدا، ثم شك في أنه جامع للشرائط أم لا وجب عليه الفحص (1). (مسألة 43): من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الافتاء (2). ] كما في سائر موارد الشك في الصحة. غاية الامر أن الصحة هنا إنما صارت موضوعا للاثر العملي بلحاظ كونها قيد موضوع الاثر، وهو صحة العمل المستوجبة للاجزاء، نظير صحة الوضوة المأخوذة قيدا في موضوع صحة الصلاة. وكذا الحال لو شك في كون عمله عن تقليد صحيح مع شكه في أصل التقليد، فان أصل الصحة في عمله كاف في الاجتزا به، وعدم الاحتياج إلى الاعادة أو القضاء. هذا وسيأتي في المسألة الثالثة والخمسين ماله نفع في المقام فانتظر. (1) إذ لا فرق بين الابتداء والبقاء، فكما يجب الفحص في التقليد الابتدائي - لعدم حجية مشكوك الحجية - كذلك في البقاء على التقليد. نعم لو علم باجتماع الشرائط فيه سابقا بنى على بقائها، للاستصحاب، كما تقدم. (2) كما صرح به جماعة من الاعيان، مرسلين له إرسال المسلمات، وظاهر المسالك وغيرها: أنه إجماعي. إما لانها منصب للنبي صلى الله عليه وآله والامام علي (ع) من بعده، فلا تجوز بغير إذنهما، ولا إذن مع فقد بعض الشرائط. لكن دليله غير ظاهر، إذ ما تقدم من أدلة الشرائط إنما يدل على اعتبارها في حجية الفتوى لا في جوازها تكليفا، ولا على كونها من المناصب المختصة بالمعصوم. وأما ما دل على حرمة القول على الله سبحان بغير علم (* 1) فانما يقتضي حرمة الفتوى


____________
(* 1) أما من الكتاب العزيز فكثير من الآيات. وأما من السنة فاحاديث كثيرة ارجع إلى بعضها في الوسائل باب: 4 من ابواب صفات القاضي.

===============

( 70 )

[ وكذا من ليس أهلا للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس (1). ] من غير المجتهد لا من المجتهد الفاقد لبقية الشرائط. بل يشكل اقتضاؤه الحرمة في غير المجتهد إذا كانت فتواه تطابق فتوى مرجعه في العمل لان حجية فتواه كافية في صدق العلم بالحكم، فالفتوى - اعتمادا عليها - قول على الله بعلم. نعم لو اعتمد على رأيه الناقص، كان تشريعا منه في حجية رأيه، فيكون به آثما، لا أنه قول بغير علم. وإما لانها إغواء واضلال، لان تكليف المفتى له لزوم العمل بغيرها. ولكنه يشكل (أولا): بأنه لا يتم ذلك مع موافقتها لفتوي الجامع للشرائط. (وثانيا): بأن المفتي إذا كان عالما بالحكم ولو من جهة قيام الحجة عنده عليه تكون الفتوى موافقة لما دل على وجوب الاعلام، وعدم الحجية لا ينافي ذلك. نظير ما لو اخبر غير الثقة عند المخبر بثبوت الحكم الواقعي المعلوم لديه، فانه اخبار عن الحكم الواقعي ولا يكون إضلالا ولا اغواء أصلا. ولا سيما إذا قال المفتي - بعد أن أفتي بوجوب شئ -: أن فتواي ليست بحجة، وليس عليك العمل بها، وانما عليك العمل بفتوى فلان. فالمتحصل إذا: أنه لا دليل على حرمة الفتوي ممن فقد بعض الشرائط إلا إذا صدق عليها أنها فتوى بغير علم. وان كان الذي يظهر منهم - قدس سرهم - التسالم على إطلاق الحرمة. فراجع كلماتهم. (1) بلا إشكال فيه، ولا خلاف ظاهر. وفي المسالك: أنه موضع وفاق بين أصحابنا. وقد صرحوا بكونه إجماعيا انتهى. ويقتضيه ظهور النصوص والفتاوى في كونه من المناصب المختصة بالامام، على نحو لا يجوز لغيره التصدي له إلا باذنه. ففي رواية إسحاق بن عمار أنه قال أمير المؤمنين (ع) لشريح: " يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي، أو وصي نبي،

===============

( 71 )

[ وحكمه ليس بنافذ. ولا يجوز الترافع إليه (1). ولا الشهادة عنده (2). والمال الذي يؤخذ بحكمه حرام وان كان الآخذ محقا (3). ] أو شقي " (* 1). ورواية سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع): " اتقوا الحكومة فان الحكومة إنما هي للامام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي " (* 2). (1) وفي المسالك: " إن ذلك كبيرة عندنا ". ويقتضيه ما دل على حرمة الاعانة على الاثم (* 3)، وما دل على حرمة الامر بالمنكر (* 4) وفي مقبولة ابن حنظلة الواردة في التحاكم إلى السلطان وإلى القضاة قال (ع): " من تحاكم إليهم في حق أو باطل " فانما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فانما يؤخذ سحتا وان كان حقا ثابتا له، لانه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله تعالى أن يكفر به.. " (* 5)، ونحوها غيرها. (2) بلا إشكال ظاهر، لانها معاونة على الاثم إذا كانت بقصد فصل الخصومة، وإلا ففي صدق المعاونة على الاثم إشكال، بل لا يبعد عدم الصدق. وحينئذ يشكل تحريمها، إلا من باب الامر بالمعروف، على تقدير اجتماع شرائطه. (3) كما هو المعروف والمدعى عليه الاجماع. ويقتضيه صريح ما تقدم


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب صفات القاضي حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب صفات القاضي حديث: 3. (* 3) قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) - المائدة: 2 ووردت به أحاديث كثيرة ارجع إلى بعضها في الوسائل باب: 80 من ابواب جهاد النفس، وباب: 71، 72 من ابواب مقدمات التجارة (* 4) الوسائل باب: 1 من ابواب الامر بالمعروف حديث: 11، 12، 14 (* 5) الوسائل باب: 1 من ابواب صفات القاضي حديث: 4.

===============

( 72 )

[ إلا إذا انحصر استنقاذ حقه بالترافع عنده (1). ] من مقبولة ابن حنظلة. واطلاقه يقتضي عدم الفرق بين الدين والعين، بل لعل ظاهر ما في صدرها من فرض التنازع في الدين أو الميراث ذلك، إذ حمل الميراث على ما كان دينا بعيد جدا. وعلى هذا فالتحريم المذكور من قبيل التحريم بالعنوان الثانوي، فيحرم التصرف فيه، كما يحرم التصرف في المغصوب. وحملها على مجرد العقاب في الاخذ - وان جاز التصرف في المأخوذ - خلاف الظاهر بلا موجب له. واستبعاد ذلك لا يجدي في رفع اليد عن ظاهر الدليل. نعم مورد الرواية المأخوذ بحكم السلطان والقضاة، فلا يعم المأخوذ بحكم غيرهم من فاقدي شرائط القضاء. اللهم إلال أن يستفاد العموم من التعليل بقوله (ع): " لانه أخذه بحكم الطاغوت.. " إذ الظاهر شمول الطاغوت لكل متصد للقضاء المحرم. فتأمل جيدا. هذا وقد يتوهم معارضة المقبولة بخبر ابن فضال في تفسير قوله تعالي: (ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام) (* 1) فكتب (ع) إليه بخطه: " الحكام القضاة " قال: ثم كتب تحته: هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي، فهو غير معذور في أخذ ذلك الذي حكم به إذا كان قد علم أنه ظالم " (* 2). ويدفعه - مع أن الخبر وارد في تفسير الآية الشريفة، لا في بيان موضوع الحرمة مطلقا، واعتبار الظلم في صدق الباطل لا ينافي عدم اعتباره في صدق الحرمة ولو بعنوان آخر: أنه لا يظهر منه أن المراد من القضاة قضاة الجور، فيمكن حمله على قضاة العدل ولو من جهة الجمع العرفي بينه وبين المقبولة. (1) فانه يجوز، كما عن جماعة منهم الشهيدان في الحواشي والمسالك.


____________
(* 1) البقرة: 188. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب صفات القاضي حديث: 9.

===============

( 73 )

[ (مسألة 44): يجب في المفتي والقاضي العدالة (1). وتثبت العدالة (2) بشهادة عدلين، وبالمعاشرة المفيدة للعلم ] وعن الاكثر المنع، بل عن الروضة الاجماع عليه. وكأنه لاطلاق النصوص. ولكن لو سلم - ولم تتم دعوى الانصراف عن صورة الانحصار - فمحكوم بحديث نفي الضرر (* 1). ومنه يظهر الاشكال في الاستدلال على المنع بأن الترافع إعانة على الاثم، فانه مسلم، لكن حديث نفي الضرر حاكم عليه. وكذلك الاستدلال على المنع بأن الترافع إليه أمر بالمنكر، وهو حرام، فان دليل تحريمه محكوم أيضا لعموم نفي الضرر، لحكومته على جميع أدلة التكاليف مهما كانت. ويؤيد الجواز ما ورد من الحلف كاذبا بالله تعالى لدفع الضرر المالي (* 2). ثم إن مقتضى عموم نفي الضرر عدم الفرق بين صورة فقد وجود الجامع للشرائط، وصورة تعسر الوصول إليه، وصورة عدم نفوذ قضائه مطلقا أو على خصوص المدعى عليه، وصورة عدم إمكان إثبات الحق عنده، لفقد مقدمات الحكم لمن له الحق. نعم تختص بصورة العلم بالحق وجدانا، أو تعبدا، لقيام حجة عليه من اقرار أو بينة أو غيرهما، ولا تشمل صورة الجهل بالحق، لعدم ثبوت الضرر المالي كي ينفي بدليل نفيه. (1) أما في الاول قلما تقدم (* 3). وأما في القاضي فللاجماع. (2) قد تقدم الكلام في طرق ثبوتها (* 4). كما تقدم منه - قدس سره -


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 16 من ابواب الخيار في كتاب البيع، وباب: 5 من كتاب الشفعة، وباب: 7، 12 من كتاب احياء الموات. (* 2) راجع الوسائل باب: 12، 42 من كتاب الايمان. (* 3) في المسألة: 22. (* 4) في المسألة: 23.

===============

( 74 )

[ بالملكة، أو الاطمئنان بها، وبالشياع المفيد للعلم. (مسألة 45): إذا مضت مدة من بلوغه وشك بعد ذلك في أن أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا، يجوز له البناء على الصحة في أعماله السابقة (1) وفي اللاحقة يجب عليه التصحيح فعلا (2). (مسألة 46): يجب على العامي أن يقلد الاعلم في مسألة وجوب تقليد الاعلم أو عدم وجوبه (3)، ولا يجوز أن يقلد غير الاعلم إذا أفتى بعدم وجوب التقليد الاعلم. بل لو أفتى الاعلم بعدم وجوب تقليد الاعلم يشكل جواز الاعتماد عليه (4). فالقدر المتيقن للعامي تقليد الاعلم في الفرعيات. ] الاكتفاء بحسن الظاهر المفيد للظن. وتقدم وجهه واشكاله. فراجع. (1) كما سبق في المسألة الواحدة والاربعين. (2) بالرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط. ولا يجوز له البناء على صحة الاعمال اللاحقة المطابقة للاعمال الماضية من جهة تلازمهما في الصحة، لان أصل الصحة - سواء قلنا أنه من الامارات أم من الاصول - لا يثبت اللوازم العقلية لقصور دليله عن ذلك. فالمقام نظير ما لو شك في الطهارة بعد الفراغ من الصلاة فان قاعدة الفراغ الجارية في الصلاة لا تثبت جواز الدخول في الصلاة الثانية بلا طهارة. (3) فان جواز تقليد الاعلم وان كان متيقنا لا يحتاج إلى التقليد. لكن وجوبه وعدمه، بحيث يجوز تقليد غير الاعلم مشكوك، فلابد فيه من التقليد. (4) هذا الاشكال غير ظاهر، لاطلاق دليل التقليد الشامل المسألة

===============

( 75 )

[ (مسألة 47): إذا كان مجتهدان أحدهما أعلم في احكام العبادات والآخر أعلم في المعاملات، فالاحوط تبعيض التقليد (1) كذا إذا كان أحدهما أعلم في بعض العبادات - مثلا - والآخر في البعض الآخر. (مسألة 48): إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه إعلام من تعلم منه. وكذا إذا اخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الاعلام (2). } المذكورة وعموم بناء العقلاء عليه. وإلا أشكل تقليد الحي في جواز البقاء على تقليد الميت - الذي قد سبق منه قدس سره الجزم به (* 1) مع أنه تقليد في حكم التقليد كمفروض المسألة. على أن وجوب تقليد الاعلم وعدمه، كجواز البقاء على تقليد الميت، من قبيل المسائل الفرعية، لعدم وقوعها في طريق استنباط الاحكام لتكون من المسائل الاصولية. (1) بل الاقوى، لما عرفت آنفا (* 2) من وجوب تقليد الاعلم ولو مع التبعيض، لعدم الفرق في بناء العقلاء عليه. (2) المستفاد من آية النفر الشريفة (* 3) وجوب الاعلام حيث يترتب عليه إحداث الداعي العقلي إلي العمل بالواقع الذي هو متعلق الاعلام لاختصاص الانذار بذلك، فإذا كان المكلف غافلا عن الحكم الكلي أو قاطعا بالخلاف، أو مترددا على نحو يكون جهله عذرا، وجب إعلامه، لما يترتب عليه من إحداث الداعي العقلي. وإذا كان جاهلا جهلا لا يعذر فيه لا يجب إعلامه. وكذا لو انحصر الاعلام بطريق الخبر الذي لا يكون


____________
(* 1) في المسألة: 15. (* 2) في المسألة: 12. (* 3) تقدم ذكرها في شرح المسألة الثامنة.

===============

( 76 )

حجة في نظر السامع فانه لا يجب لعدم ترتب الاثر المذكور. ولا تبعد استفادة ذلك أيضا مما تضمن أن الغرض من إرسال الرسل قطع اعذار المكلفين واقامة الحجة عليهم، مثل قوله تعالى: (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير) (* 1) (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (* 2) " فللله الحجة البالغة " (* 3) ونحوه. فتأمل. ثم إن الظاهر اختصاص هذا الصنف من الآيات بالحكم الالزامي، فإذا كان المجهول حكما غير الزامي لم يجب إعلامه. وأما آية الكتمان (* 4) فظاهرها وجوب الاظهار في مقام الاستعلام، سواء ترتب عليه الانذار أم لا، وسواء اكان الاستعلام بطريق السؤال - كما في المتردد إذا سأل عن الحكم - أم بمحض وجود الداعي إلى معرفة الحكم والعلم به وان كان غافلا عن ذلك، سواءا كان معتقدا لخلاف الواقع أم غافلا عنه، أم مترددا غافلا عن وجود من يجب سؤاله، أم غير ذلك من موارد وجود الرغبة النفسانية في معرفة الحكم، ولو لم تدفع إلى السؤال لوجود المانع. فيكون بين مفاد الآية الشريفة وما سبق العموم من وجه، ولعدم التنافي بين المفادين - لكونهما من قبيل المثبتين - يتعين العمل بهما معا. ولازم ذلك وجوب البيان مع السؤال وان لم يكن السائل معذورا في جهله. بل لعلها تقتضي وجوبه مع عدم اعتقاد السائل حجية الخبر، وقد عرفت عدم اقتضاء آية النفر وجوب الاعلام حينئذ.


____________
(* 1) المائدة: 19. (* 2) النساء: 165. (* 3) الانعام: 149 (* 4) وهي قوله تعالى: (ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) البقرة: 159.

===============

( 77 )

{ (مسألة 49): إذا اتفق في أثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له أن يبني على أحد الطرفين بقصد أن يسأل عن الحكم بعد الصلاة (1)، وانه إذا كان ما أتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته، فلو فعل ذلك، وكان ما فعله مطابقا للواقع، لا يجب عليه الاعادة. ] وكيف كان ففي فرض المسألة، كما يجب على الناقل أو المفتي خطأ إخبار الجاهل، كذلك يجب على غيره من المكلفين، لعموم الادلة الدالة على وجوب الاعلام. نعم بناء على حرمة التسبيب إلى فعل الحرام يتأكد وجوب الاعلام بالنسبة إلى الناقل والمفتي خطأ، لاستناد عمل العامي إلي فعلهما. لكنه يختص بصورة الفتوى بإباحة الواجب، أو الحرام، ولا يطرد في غيرهما. مع أن الاستناد إلى الفتوى إنما يقتضى حرمتها لو كانت عمدا، والمفروض خلافه، وترك الاعلام الذى هو محل الكلام غير مستند إليه العمل. وأما ما دل على أن من أفتى الناس بغير علم لحقه وزر من عمل بفتواه (* 1)، فهو وان دل على وجوب الاعلام فطرة وعقلا على خصوص المفتي تخفيفا للوزر، لكنه مختص بالفتوى بخلاف الواقع عمدا، فلا يشمل ما نحن فيه. وسيأتي في بعض مباحث النجاسات (* 2) التعرض إلى قاعدة حرمة التسبيب فانتظر. (1) قد عرفت في المسألة السادسة عشرة صحة الصلاة مع المطابقة للواقع، ولو لم يكن المصلي قاصدا للسؤال وللامتثال على الوجه الصحيح على تقدير الخطأ، حتى مع قصد الاقتصار على بعض المحتملات. نعم لابد


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب صفات القاضي حديث: 1 (* 2) في المسألة: 32 من فصل احكام النجاسات.

===============

( 78 )

[ (مسألة 50): يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد، أو عن الاعلم، أن يحتاط في أعماله (1). (مسألة 51): المأذون والوكيل، عن المجتهد في التصرف في الاوقاف أو في أموال القصر، ينعزل بموت المجتهد (2). بخلاف المنصوب من قبله، كما إذا نصبه متوليا للوقف أو قيما على القصر، فانه لا تبطل توليته وقيمومته على الاظهر (3). ] من الاتمام في الفرض برجاء الواقع، وإلا كان تشريعا محرما، فليحقه حكمه من البطلان في بعض صوره، حسبما حررناه في الاصول. (1) لعدم الامن من العقاب بدونه، ويكفي في الاحتياط الاخذ بأحوط القولين أو الاقوال. لكن في وجوب الاحتياط على العامي في صورة الفحص عن الاعلم تأمل، لاحتمال عموم دعوى الاتفاق على جواز التقليد للفرض، وان لم يحضرني عاجلا من ادعاه صريحا، فلابد من مراجعة كلماتهم. (2) لارتفاع الاذن بالموت، وبطلان الوكالة به إجماعا. (3) أقول: المجتهد الجاعل للولاية، (تارة): يجعلها عن نفسه للولي، بحيث تكون ولاية الولي من شؤون ولاية المجتهد الذي نصبه. (وأخرى): يجعلها عن الامام (ع) فتكون من شؤون ولاية الامام (ع) وان كان الجاعل لها المجتهد، بناء على أن له ولاية الجعل عنهم (ع). وما ذكره في المتن، يتم في الثانية لا في الاولى. وحينئذ فاللازم التفصيل بين الصورتين. إلا أن يقوم إجماع على خلافه، كما يظهر مما عن الايضاح من نفي الخلاف عن عدم انعزال الاولياء والقوام المجعولين من قبل المحتهدين

===============

( 79 )

ولذلك قال في الجواهر في كتاب القضاء بعدما حكى ما عن الايضاح: " إن تم إجماعا فذلك، وإلا كان المتجه ما ذكرنا (يعنى: الانعزال) نعم لو كان النصب وكيلا أو وليا عن الامام، وكان ذلك جائزا له، لم ينعزل قطعا ". نعم قد يستشكل في صحة الصورة الاولى: بأن النيابة عن المجتهد إنما تصح لو كانت الولاية ثابتة للمجتهد بما هو في مقابل الامام، أما إذا كانت ثابتة له بما هو نائب عن الامام، فلا يصح منه جعلها لغيره بعنوان كونه نائبا عنه، إذ ليس لذاته موضوعية في الاثر المذكور، فلا معنى للنيابة عنه فيه، إذ لا معنى للاستخلاف عن شخص فيما ليس له. ولكن يدفعه: أن نيابة الولي عن المجتهد على الاول ليس في نفس الولاية بل في نيابته عن الامام في الولاية، فالمقام نظير ما لو كان في ذمة زيد واجب فاستناب فيه عمرا، فلما اشتغلت ذمة عمرو بالواجب المستناب فيه مات فاستناب وارثه بكرا عنه، فبكر ينوب عن عمرو في النيابة عن زيد بالواجب، لا أنه ينوب عن زيد بالواجب. وهكذا لو استناب بكر شخصا ثالثا - كخالد - فانه ينوب عن بكر في النيابة عن عمرو في النيابة عن زيد بالواجب. فإذا لا مانع ثبوتا من جعل المجتهد الولاية لشخص على كل من النحوين. نعم قد يشكل إثباتا جعلها على النحو الثاني، كما تقدمت الاشارة إليه في عبارة الجواهر المتقدمة، من جهة عدم ظهور دليل عليه، فان العمدة في ولاية الفقيه ما دل على كونه حاكما وقاضيا، وثبوت ذلك للحكام والقضاة الذين كانوا في عصر صدور النصوص المتضمنة لذلك غير ظاهر، والمتيقن ثبوتها على النحو الاول، فإذا جعلها المجتهد على النحو الثاني فالمرجع أصالة عدم ترتب الاثر. يدفع ذلك أن المرتكز في أذهان المتشرعة ويستفاد

===============

( 80 )

[ (مسألة 52): إذا بقي على تقليد الميت من دون أن يقلد الحي في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد (1). ] من النصوص (* 1): أن منصب القضاء منصب نيابي، فجميع الوظائف التي يؤديها القاضي - من فصل خصومة ونصب قيم ونحو ذلك - يؤديه نيابة عن الامام، فمنصوبه منصوب الامام، ولا يقصد به كونه نائبا عن الامام أو عن المجتهد، ولازم ذلك البناء على عدم البطلان بالموت. مع أنه لو سلم كون منصوب المجتهد نائبا عنه فانعزاله بالموت غير ظاهر، لجواز كون نيابته من قبيل نيابة الوصي لا الوكيل الذي قام الاجماع على انعزاله بالموت. ثم لو بني على جواز الجعل لكل من النحوين، وأنه على التقدير الاول ينعزل بموت المجتهد، فشك في كيفية الجعل امتنع الاستصحاب، لتردد المجعول بين فردين معلوم الزوال ومعلوم البقاء، ولا أثر للجامع ليجري استصحابه. وأما استصحاب جواز التصرف فهو من الاستصحاب التعليقي المعارض بأصالة عدم ترتب الاثر، كما حقق في محله. (1) لان المراد من صحة التقليد كونه جاريا على الموازين العقلائية، وهذا المعنى مفقود في صورة الشك في جواز البقاء. وكذا في صورة الغفلة عن ذلك واعتقاده جواز البقاء، فانه وان كان معذورا في هذه الصورة عند العقل، لكنه لا يخرج عن كونه غير جار على الموازين العقلائية، لان جواز البقاء على تقليد الميت مشكوك، والغفلة عن ذلك لا تجعله صحيحا، كما لو غفل وقلد من لا يكون واجد للشرائط كالكافر والفاسق. كما أن كون رأي الحي جواز البقاء على تقليد الميت لا يجعله صحيحا، إذ لا يكون به جاريا على الموازين اللازمة في التقليد. نعم لو كان قد اجتهد في مسألة


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي.

===============

( 81 )

[ (مسألة 53): إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الاربع واكتفى بها، أو قلد من يكتفي في التيمم بضربة واحدة، ثم مات ذلك المجتهد فقلد من يقول بوجوب التعدد، لا يجب عليه اعادة الاعمال السابقة (1). ] جواز البقاء على تقليد الميت فأدى رأيه إلى ذلك كغيره من المجتهدين كان تقليده بذلك صحيحا. لان التقليد الصحيح لابد أن يكون من مباديه الاجتهاد لما عرفت آنفا من أن حجية التقليد لابد أن تنتهي إلى الاجتهاد، لئلا يلزم الدور أو التسلسل. وعلى هذا لا بأس باستثناء هذه الصورة من حكم المسألة لكن المنصرف من العبارة غيرها. (1) هذا إما مبني على اقتضاء موافقة الامر الظاهري للاجزاء. لكن المحقق في محله خلافه، لقصور أدلته عن إثبات ذلك، وإطلاق دليل الواقع محكم. أو على دعوى قيام الدليل عليه بالخصوص، وهو إما ظاهر الاجماع بل نسب إلى بعض دعوى صريح الاجماع بل الضرورة عليه. وفيه - مع أنه غير ثابت -: أن المحكي عن العلامة والعميدي (قدهما) دعوى الاجماع على خلافه. وإما لانه لولاه لم يبق وثوق بالفتوى. لكنه جار في كثير من موارد الاحكام الظاهرية التي يحتمل قيام أمارة في المستقبل على خلافها وإما لدعوى قيام السيرة عليه. نكنها؟ غير ثابتة أيضا. وإما لدعوى كونه مقتضى نفي العسر والحرج. لكنها غير مطردة في جميع فروض المسألة. وإما لان ما دل على جواز العدول أو وجوبه إنما دل عليه بالاضافة إلى الوقائع اللاحقة، إذ العمدة فيهما الاجماع أو أصالة التعيين في الحجية عند الدوران بينه وبين التخيير، وكلاهما لا يثبتان الحجية بالاضافة إلى الوقائع السابقة، لاهمال الاول فيقتصر فيه على القدر المتيقن، ولا سيما مع تصريح جماعة من الاعاظم بالرجوع في الوقائع السابقة إلى فتوى الاول وعدم وجوب

===============

( 82 )

التدارك بالاعادة أو القضاء. ولورود استصحاب الاحكام الظاهرية الثابتة بمقتضى فتوى الاول في الوقائع السابقة على أصالة التعيين، لانها أصل عقلي لا يجرى مع جريان الاصل الشرعي. وبالجملة: استصحاب الحجية لفتوى الميت بالاضافة إلى الوقائع السابقة لا يظهر له دافع. نعم لو كان دليل حجية فتوي الحي بعينها دليلا لفظيا أمكن التمسك باطلاقه بالاضافة إلى جميع الوقائع لاحقة وسابقة. لكنه غير ظاهر، كما عرفت في مسألة جواز تقليد الميت. وكذا الحال في جميع الموارد التي يكون فيها العدول إلى مجتهد مخالف في الفتوي للمرجع في الزمان السابق إذا كان دليله لبيا لا يمكن التمسك باطلاقه بالاضافة إلى الوقائع السابقة، فان القدر المتيقن في حجية فتوى اللاحق لما كان خصوص الوقائع اللاحقة كان المرجع في الوقائع السابقة استصحاب الحجية لفتوى السابق بلا مانع. فإذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط فعدل المقلد إلى غيره المخالف له في الفتوي اقتصر في العدول على الوقائع اللاخقة لا غير. نعم لو كان العدول لاجل أعلمية المعدول إليه فوجوب العدول إليه يقتضى تدارك الاعمال السابقة، لاطلاق دليل حجية فتوى الاعلم حتى بناء العقلاء الشامل للاعمال السابقة كاللاحقة. أما في غير ذلك من موارد العدول فالحكم فيه كما تقدم. وكذلك الحكم لو عدل المجتهد عن الفتوى بالطهارة إلى الفتوي بالنجاسة مثلا، فان المقلد يجب عليه العمل بالفتوى اللاحقة في الوقائع المتجددة اللاحقة، ولا يجب عليه التدارك بالاعادة أو القضاء بالاضافة إلى الوقائع السابقة لعين الوجه المتقدم. اللهم إلا أن يقال: اعتراف المفتي بخطئه في فتواه الاولى مانع من صحة الاعتماد عليها من أول الامر، لان حجيتها مشروطة بعدم الاعتراف بالخطأ ولو بعد حين، فالفتوى التي يعلم بلحوق الاعتراف بالخطأ فيها ليست موضوعا لدليل الحجية ولا مشمولة لعمومه.

===============

( 83 )

[ وكذا لو أوقع عقدا أو أيقاعا بتقليد مجتهد يحكم بالصحة ثم مات وقلد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة (1). نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني. وأما إذا قلد من يقول بطهارة شئ - كالغسالة - ثم مات وقلد من يقول بنجاسته، فالصلوات والاعمال السابقة محكومة ] نعم لو كان العدول لنسيان المستند من دون اعتراف منه بخطئه واحتمل صحته كان استصحاب الحكم الظاهرى الثابت سابقا في محله. فتأمل جيدا. وأما حكم المجتهد نفسه بالاضافة إلى أعماله السابقة على العدول إلى خلاف ما أفتى به أولا، فالظاهر وجوب التدارك عليه، لان الدليل الدال في نظره على مضمون الفتوى اللاحقة لا فرق فيه بين الوقائع السابقة واللاحقة فمقتضى وجوب العمل به لزوم التدارك بالاعادة أو القضاء. ودليل الفتوى الاولى بعد نسيانه أو اعتقاده الخطأ فيه لا يصلح لاثبات صحة الاعمال السابقة كما هو ظاهر. هذا ومقتضى ما ذكرنا في وجه عدم لزوم التدارك في مفروض مسألة المتن: أنه لو كان عمل العامي في مدة من عمره بلا تقليد غفلة أو عمدا، فالمدار في صحة أعماله مطابقتها لفتوى من يجب الرجوع إليه حال العمل، لا حال الالتفات أو الندم، لحجية الفتوى السابقة في حقه دون اللاحقة. نعم لو فرض اختلاف الفتوى حال العمل، فلاجل عدم حجية إحدى الفتويين بعينها قبل الاختيار، يكون المدار في صحة العمل مطابقته لما يختاره من الفتويين ولو بعد العمل. أما مع فرض اتفاق الفتاوى حال العمل، أو انفراد المجتهد المفتي، فالمدار في صحة العمل مطابقته للفتوى حينه لا غير وان حدث الاختلاف في الفتوى بعد ذلك. (1) لا فرق في جميع ما ذكرنا بين العبادات والمعاملات. والتفصيل بينهما

===============

( 84 )

[ بالصحة وان كانت مع استعمال ذلك الشئ. وأما نفس ذلك الشئ إذا كان باقيا فلا يحكم بعد ذلك بطهارته (1). وكذا في الحلية والحرمة، فإذا أفتى المجتهد الاول بجواز الذبح بغير الحديد مثلا، فذبح حيوانا كذلك فمات المجتهد وقلد من يقول بحرمته، فان باعه أو أكله حكم بصحته البيع واباحة الاكل، وأما إذا كان الحيوان المذبوح موجودا فلا يجوز بيعه ولا أكله، وهكذا. ] بوجوب التدارك في الثانية دون الاولى، بدعوى اختصاص الاجماع على عدم التدارك بها دون الثانية. ضعيف، لما عرفت من منع الاجماع، والمتعين العمل بما ذكرنا. والمتحصل منه أمور: (الاول): إذا عدل جوازا أو وجوبا لا يجب عليه تدارك الاعمال السابقة المخالفة لفتوى المعدول إليه إلا إذا كان أعلم. (الثاني): إذا عدل المجتهد عن فتواه إلى ما يخالفها عملا وجب على مقلديه تدارك الاعمال السابقة المخالفة للفتوى اللاحقة إذا كان يعترف بخطئه في الفتوى. (الثالث): ان حكم المجتهد نفسه لو عدل إلى ما يخالف فتواه وجب تدارك الاعمال السابقة المخالفة للمعدول إليها (الرابع) أن العامل بلا تقليد المدار في صحة عمله الموافقة للفتوى حين العمل، إلا إذا تعددت واختلفت فان المدار الموافقة للفتوى التى يختارها بعد ذلك (الخامس): أن الكلام في هذه الامور يطرد في العبادات والمعاملات على نسق واحد. (1) هذا غير ظاهر، فان طهارة الماء من آثار عدم انفعاله بملاقاة النجاسة في مقام التطهير، والملاقاة لما كانت سابقة كانت موردا لتقليد الاول لا الثاني. وكذا الحال في حلية لحم الحيوان المذبوح بغير الحديد،

===============

( 85 )

فانها من آثار تذكيته بغير الحديد، وهي واقعة سابقة يكون المرجع فيها فتوى الاول وتترتب عليها أحكامها، فلا فرق بين الزوجة المعقود عليها بالفارسية التي تبقى على الحلية بعد العدول إلى الثاني، لان حليتها من آثار صحة العقد بالفارسي الواقع في حال تقليد الاول، وبين المثالين المذكورين. وكذا لو قلد الاول في تطهير الثوب والبدن بالماء مرة، ثم بعد وقوع التطهير قلد الثاني، فان الطهارة في حال تقليد الثاني من آثار التطهير السابق، فهو واقعة سابقة يرجع فيها إلى تقليد الاول، وهكذا الحال في أمثال ذلك من الموارد. والمعيار: أن الاثر الثابت حال تقليد الثاني ان كان من آثار السبب الواقع في حال تقليد الاول فالعمل فيه على تقليد الاول، وان كان من آثار أمر حاصل حين تقليد الثاني فالعمل فيه عليه لا على تقليد الاول. مثلا لو كان عنده مسكر فافتى له الاول بطهارته فرتب عليه أحكام الطهارة ثم مات فقلد من يقول بنجاسته وجب عليه اجتنابه، لان الحكم المذكور من آثار ذاته الحاضرة، بخلاف حلية الزوجة المعقود عليها بالفارسية سابقا، أو اللحم المذبوح حيوانه بغير الحديد، أو الثوب الذي طهره سابقا بالماء مرة، أو الماء الملاقي للنجس في مقام التطهير أو نحو ذلك، فان الجميع يرجع فيها إلى فتوى الاول، لاستنادها إلى أمر سابق صحيح في نظر الاول وقد قلده فيه، ولا فرق في الواقعة السابقة بين سببية شئ وعدمها، واشتغال ذمة وفراغها وحصول امتثال وعدمه. فلاحظ وتأمل. (تنبيه): قد تقدم في المسألة الاحدى والاربعين أنه إذا شك في صحة التقليد بنى على الصحة، وذكرنا هناك أن جريان أصل الصحة مبني على اعتبار صحة التقليد في الاجزاء ظاهرا بعد العدول. وهذا المبنى لا يتم بناء على ما ذكرنا، لان حجية الفتوى الاولى بالاضافة إلى الاعمال السابقة

===============

( 86 )

[ (مسألة 54): الوكيل في عمل عن الغير - كاجراء عقد أو ايقاع أو إعطاء خمس أو زكاة أو كفارة أو نحو ذلك - يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكل لا تقليد نفسه (1) إذا كانا مختلفين. وكذلك الوصي في مثل ما لو كان وصيا في استيجار الصلاة عنه يجب أن يكون وفق فتوى مجتهد الميت. ] حتى بعد العدول لم يشترط فيها التقليد. وحينئذ لو شك في صحة التقليد السابق، فان رجع إلى الشك في حجية الفتوى التي يطابقها العمل وجب عليه الفحص عن ذلك ليحرز الاجتزاء به ظاهرا. ولا مجال لاجراء أصالة الصحة، لعدم كونها موضوعا لاثر عملي. وان رجع إلى الشك في صحة المقدمات التي اعتمد عليها عند التقليد - مثل صحة البينة القائمة على عدالة المجتهد أو اجتهاده أو نحو ذلك - فلا أثر للشك المذكور بعد أن أحرز بعد العدول شرائط الحجية (بالجملة): المدار في عدم وجوب التدارك حجية الفتوى السابقة التي كان العمل على طبقها، سواء أكان اعتمادا عليها أم لا وسواء أكان اعتماده على حسب الموازين أم لا. فلاحظ. (1) لا ينبغي التأمل في أن إطلاق الوكالة يقتضي ايكال تطبيق العمل الموكل عليه إلى نظر الوكيل، فإذا وكله على شراء فرس بدرهم، وكان نظر الوكيل أن المطابق لمفهوم شراء الفرس بالدرهم هو كذا، كان موضوعا للتوكيل ونافذا في نظره. نعم إذا اتفق التفات الموكل إلى الاختلاف في التطبيق فقد يشكل ذلك من جهة أن نظر الموكل مانع من عموم التوكيل لمورد الاختلاف. ويدفعه: أنه وان كان يمنع من عمومه بنظر الموكل تفصيلا، لكن لا يمنع من عمومه إجمالا، وهو كاف في جواز العمل. مثلا إذا وكله في أن يعقد له على امرأة، وكان الموكل يعتقد فساد العقد بالفارسية والوكيل يعتقد صحته، فان موضوع الوكالة وهو العقد الصحيح باطلاقه الاجمالي ينطبق على

===============

( 87 )

العقد بالفارسية وان كان لا ينطبق باطلاقه التفصيلي بنظر الموكل. نعم إذا كانت قرينة على تقييد الوكالة بالعمل بنظر الموكل، أو كان ما يصلح أن يكون قرينة على ذلك، لم يصح عمل الوكيل بنظره المخالف لنظر الموكل، وان لم يكن كذلك فاطلاق التوكيل يقتضي جواز عمل الوكيل بنظره، ومجرد التفات الموكل إلى الاختلاف غير كاف في تقييد إطلاق التوكل، ففي مقام الاثبات لا مانع من الاخذ بالاطلاق إذا تمت مقدمات الحكمة. وكذلك الكلام في الوصي إذ هو كالوكيل من هذه الجهة، فان الوصاية استنابة في التصرف بعد الممات، والوكالة استنابة في حال الحياة. وأما المتبرع عن الغير في عبادة - كصلاة وصوم - أو غير عبادة - كوفاء دين - فلا ينبغي التأمل في جواز عمله بنظره حتى مع التفات المتبرع عنه إلى خطأ المتبرع في التطبيق، ومنعه عن العمل، لان عمل المتبرع ليس منوطا بأمر المتبرع عنه، ولا باذنه، وإنما هو منوط بحصول الجهات المصححة للتبرع، فإذا علم بحصولها صح منه التبرع وان كان يخالفه المتبرع عنه ويحطؤه بنظره التفصيلي. وأما الاجير على عمل فيجوز أن يستأجر على العمل بنظره، كما يجوز؟ أن يستأجر على العمل بنظر المستأجر، وعلى العمل بنظر شخص ثالث وان كان نظرهما مخالفا لنظره، لانه يكفي في صحة الاجارة ترتب أثر عقلائي على العمل، وكل ذلك مما يترتب عليه أثر عقلائي ولو كان هو الفراغ الاحتياطي. نعم مع علم الاجير ببطلان العمل العبادي لا تصح الاجارة، لعدم القدرة على التقرب. أما إذا لم يكن العمل عبادة يكون الاجير قادرا على العمل حتى مع اعتقاد البطلان، وكذا لو كان عبادة مع احتمال كونه موضوعا للامر. حينئذ لا مانع من صحة الاجارة إذا كان يترتب عليه تفريغ ذمة المنوب عنه احتياطا ولو بنظر المستأجر. حتى لو كان الاجير

===============

( 88 )

[ (مسألة 55): إذا كان البائع مقلدا لمن يقول بصحة المعاطاة مثلا، أو للعقد بالفارسي، والمشتري مقلدا لمن يقول بالبطلان، لا يصح البيع بالنسبة إلى البائع أيضا، لانه متقوم بطرفين (1) فاللازم أن يكون صحيحا من الطرفين. وكذا في كل عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه، ومذهب الاخر صحته. ] يعتقد عدم ترتب الاثر المذكور عليه، فان أمان المستأجر من الخطر كاف في كونه أثرا مصححا للاجارة وأخذ الاجرة. هذا حال الاجارة في مقام الثبوت، أما في مقام الاثبات فان كانت فرينة على تقييد العمل بنظر شخص معين تعين العمل عليها، وإلا كان مقتضى اطلاق الاجارة العمل بنظر الاجير على نحو ما تقدم في الوكيل. ومن ذلك تعرف حكم الوصي عن الميت في الاستنابة عنه في صلاة أو صيام فانه إن كانت قرينة على تقييد الوصية بالعمل بنظر شخص معين فالعمل عليها، وإلا كان مقتضى اطلاقها الاستنابة في العمل المطابق لنظر الوصي. وكذلك الحال في الوكيل عن الحي في الاستنابة عنه في العبادات التي تجوز فيها النيابة عن الحي فان مقتضي اطلاق التوكيل أن يكون عمل الاجير صحيحا بنظره لا بنظر الاجير ولا بنظر الاصيل. ومن ذلك تعرف الاشكال في بعض الحواشي على المقام. (1) هذا غير ظاهر، فان وجود العقد وان كان متقوما بالطرفين، كما أن حكمه الواقعي في مقام الثبوت متقوم بهما أيضا، فلا يكون إلا صحيحا للمتعاقدين معا أو فاسدا كذلك، إلا أن حكمه الظاهري يمكن التفكيك فيه بين الطرفين فيكون صحيحا في حق أحدهما فاسدا في حق

===============

( 89 )

[ (مسألة 56): في المرافعات اختيار (1) تعيين الحاكم بيد المدعي، إلا إذا كان مختار المدعى عليه أعلم. بل مع وجود الاعلم وامكان الترافع إليه الاحوط الرجوع إليه مطلقا. ] الآخر، كما أنه يمكن اختلافه بالنظر فيكون صحيحا بنظر أحدهما فاسدا بنظر الآخر وتختلف الآثار بالنسبة اليهما. ولا مانع من مثل هذا التفكيك فان الماء الواحد يمكن أن يكون طاهرا في حق أحد المكلفين ونجسا في حق الآخر. نعم ربما يؤدي ذلك إلى النزاع والمخاصمة فيتعين الرجوع إلى الحاكم في حسمهما. (1) الكلام (تارة): في صورة تساوي الحكام في الفضيلة، (وأخرى): في صورة اختلافهم، وكل منهما إما يكون الخصمان فيها مدعيا ومنكرا أو متداعيين. ففي الاول من الاولى لا اشكال عندهم في كون الاختيار بيد المدعي وفي المستند: دعوى الاجماع عليه. وهو العمدة فيه، المعتضد بالاجماع على أنه لو رفع أحد الخصمين أمره إلى الحاكم فطلب الحاكم الخصم الآخر وجب عليه الاجابة، وهذا لا يطرد في المنكر، لانه لو رفع امره إلى الحاكم لا يسمع منه انكاره، وان طلب تخليصه من دعوى المدعي لا تجب على الحاكم اجابته. هذا وقد استدل على الحكم المذكور بأن المدعي له الحق. فان كان المقصود منه الاشارة إلى الاجماع المذكور فهو، وإلا توجه عليه الاشكال: بأن المراد من الحق ان كان الحق المدعى فهو غير ثابت، وان كان حق الدعوى فهو لا يوجب كون اختيار الحاكم له. وفي الثاني من الاولى لا يكون الاختيار لواحد معين منهما، بل إذا سبق احدهما إلى رفع امره إلى الحاكم فحكم له نفذ حكمه. ولو رفعا امرهما إلى حاكمين ينفذ حكم من سبق بالحكم. لدخوله تحت أدلة النفوذ بلا مانع.

===============

( 90 )

ولو اقترنا لم ينفذ أحدهما، لعدم المرجح، ونفوذهما معا ممتنع للتنافي. وفي كفاية سبق حضور أحدهما عند الحاكم في تعينه إشكال، والاظهر عدمه لعدم الدليل عليه. نعم وجوب طلب الحاكم لغير الحاضر ووجوب اجابته عليه يقتضي تقديم الحاكم الذي يسبق الحضور عنده بعد الطلب، لا تقديم الحاكم بمجرد الحضور عنده وان لم يطلب لعذر. وأما الصورة الثانية بقسميها: فالمشهور المدعى عليه الاجماع وجوب الرجوع إلى الاعلم، لما في مقبولة ابن حنظلة من قوله: " فان كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم. فقال (ع): الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما.. " (* 1). لكن موردها صورة اختلاف الحكمين، والتعدي عنه إلى غيرها محتاج إلى قرينة مفقودة. بل هو خلاف ظاهر اطلاق ما في صدر الرواية فالعمل عليه متعين. ولا سيما وأن البناء على الترجيح بذلك يستدعي الترجيح بغيره من المرجحات المذكورة في رتبة المرجح المذكور وفي غيرها من الرتب، وهو مما لم يلتزم به أحد. نعم إذا كانت الشبهة حكمية وكان الاعلم قد تعين تقليده على المتخاصمين وجب الترافع عنده، لما عرفت من وجوب تقليد الاعلم. أما إذا كانت الشبهة موضوعية، أو كان الخصمان مجتهدين، أو مقلدين لمن هو أعلم منه مع الاتفاق في الفتوي، جاز الترافع إلى غير الاعلم. وبالجملة: ما دام لم يلزم من رفع المدعي أمره إلى غير الاعلم مخالفة لفتوى الاعلم الحجة لا مانع من الرجوع إلى غير الاعلم ويجب على الخصم متابعته. بل بناء على ما يأتي - من حجية الحكم بنحو يجوز نقض الفتوى به، ومن وجوب سماع الدعوى غير الجازمة يجوز لمن يقلد الاعلم في عدم


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 1.

===============

( 91 )

[ (مسألة 57): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه (1) ] استحقاق الحبوة أن يدعي الاستحقاق عند من يرى استحقاقها فإذا حكم له بها جاز له أخذها وان كان مذهب مقلده عدم جواز أخذها، لان حكم الحاكم مقدم في الحجية على الفتوى. فلاحظ. (1) كما لعله المشهور، وفى الجواهر: " لما هو المعلوم بل حكى عليه الاجماع بعضهم من عدم جواز نقض الحكم الناشئ عن اجتهاد صحيح باجتهاد كذلك، وانما يجوز نقضه بالقطعي من اجماع أو سنة متواترة أو نحوهما ". وكأنه لما في مقبولة ابن حنظلة من قوله (ع): " فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله " (* 1). لكن أطلق جماعة جواز النقض عند ظهور الخطأ، ففي الشرائع: " كل حكم قضى به الاول وبان للثاني فيه الخطأ فانه ينقضه، وكذا لو حكم به ثم تبين الخطأ، فانه يبطل الاول ويستأنف الحكم بما علمه "، ونحوها ما في القواعد والارشاد. فيحتمل أن يكون مرادهم صورة العلم بوقوع الخطأ فيه، سواء أعلم بخطأ للواقع أم بخطأه في طريق الواقع وان احتمل موافقته للواقع. ولعله مقتضى اطلاق العبارة. وحملها بعضهم على ما إذا كان الحكم ناشئا عن اجتهاد غير صحيح. واحتمل في الجواهر حملها على ما إذا تراضى الخصمان بتجديد الدعوى عند حاكم آخر. لكن كلا من الحملين مشكل، فان الثاني خلاف اطلاق ما دل على حرمة رد الحكم ووجوب تنفيذه، الشامل لصورة تراضي الخصمين برده، وليس هو من حقوق المحكوم له، كي يكون منوطا برضاه وعدمه. والاول مبني على


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي الحديث: 1.

===============

( 92 )

أن الحكم الصادر عن اجتهاد صحيح حكم بحكمهم (ع) دون غيره، وهو غير ظاهر مع ثبوت الخطأ في الاستناد - كما إذا حكم اعتمادا على بينة غير عادلة مع اعتقاد عدالتها، أو على رواية اعتقد ظهورها في الحكم مع عدم ظهورها لدى الحاكم الآخر - أو ثبوت الخطأ في المستند - كما إذا اعتمد على ظاهر رواية لم يعثر على قرينة على خلافه وقد عثر عليها الحاكم الآخر، أو على بينة تزكي الشهود مع علم الحاكم الثاني بفسقهم ونحو ذلك - فان القضاء الصادر من الحاكم وان كان عن مبادئ مشروعة واجتهاد صحيح إلا أنه مخالف للواقع في نظر الحاكم الثاني، لقيام حجة عنده على الخلاف وحينئذ لا يكون حكما بحكمهم (ع). وبالجملة: الحكم الصادر من الحاكم الجامع لشرائط الحكم الصادر عن اجتهاد صحيح وان كان طريقا شرعا إلى الواقع لكل أحد، لكن كما يسقط عن الطريقية عند العلم بمخالفته للواقع، كذلك يسقط عن الطريقية عند العلم بوقوع الخطأ في طريقه وفي مباديه وقيام الحجة على خلافه، وان احتمل موافقته للواقع. وعلى هذا فاطلاق ما ذكره الجماعة من جواز نقض الحكم مع وقوع الخطأ فيه في محله. اللهم إلا أن يقال قوله (ع): " فإذا حكم بحكمنا " ولا يراد منه الحكم الواقعي الالهي، لان لازمه عدم وجوب تنفيذ الحكم مع الشك في كونه كذلك لعدم احراز قيد موضوعه. وكذا مع العلم، لان العلم حينئذ حجة، ولا معنى لجعل حجية الحجم حينئذ، بل المراد منه الحكم الواقعي بنظر الحاكم، فيكون النظر موضوعا لوجوب التنفيذ، فالمعنى أنه إذا حكم بما يراه حكمهم (ع) وجب قبوله وحرم رده. ومقتضى اطلاقه وجوب القبول ولو مع العلم بالخطأ في مباديه. نعم ينصرف عن الحكم الجاري على خلاف موازين الاستنباط عمدا أو سهوا أو نسيانا، ويبقى غيره داخلا في

===============

( 93 )

عموم الدليل وان علم فيه الخطأ في بعض المبادئ الذي يكثر وقوعه من المجتهدين، ولذا وقع الاختلاف بينهم في كثير من المسائل. نعم قد يشكل ذلك: بأن الارتكاز العقلائي في باب الحجية يساعد على اعتبار عدم العلم بالخطأ فيها، فمعه تنتفي الحجية. ويدفعه: أن حجية الحكم ليست من قبيل حجية الخبر عن حس أو حدس، بل فيه نحو من الموضوعية وشبه بها لانه منصب وولاية، فحكم الحاكم نظير حكم الوالي والامير واجب الاتباع ولو مع العلم بالخطأ ما دام يحتمل موافقته للواقع. وبالجملة: فرق واضح - في نظر العرف - بين جعل قول المجتهد: " حكمت بأن هذا نجس " حجة، وجعل قوله: " هذا نجس " حجة، فانه مع العلم بالخطأ في طريق الاول لا يسقط عن الحجية، وفي الثاني يسقط وان شئت قلت: مقتضى إطلاق ما دل على نفوذ الحكم نفوذه مطلقا على نحو الموضوعية. لذا صرح المصنف (ره) في قضائه (* 1) - تبعا لما في الجواهر - بوجوب تنفيذ الحكم وان كان مخالفا لدليل قطعي نظري كاجماع استنباطي وخبر محفوف بقرائن وامارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الاول. انتهى. وهذا لا يتم إلا على السببية المحضة والموضوعية للصرفة وإلا فلا معنى لجعل الطريقية في ظرف العلم بالخلاف أو الوفاق، فكيف يكون الحكم حجة مع القطع بخلافه؟. وان كان الالتزام بذلك صعبا جدا، لانه حكم بخلاف ما أنزل الله تعالى فكيف يحتمل وجوب قبوله وحرمة دره، ويكون الراد عليه الراد على الله تعالى، وأنه على حد الشرك بالله تعالى؟!. وفي صحيح هشام بن الحكم: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله. إنما أقتضي بينكم بالبينات والايمان، وبعضكم


____________
(* 1) راجع المسألة: 32 من الفصل الاول من كتاب القضاء.

===============

( 94 )

ألحن بحجته من بعض، فأيما اقتطعت له من مال أخيه شيئا فانما قطعت له به قطعة من النار " (* 1). فان هذا صريح في عدم موضوعية للحكم. ومورده وان كان الشبهات الموضوعية، لكن دليل وجوب القبول وحرمة الرد إذا حمل على الطريقية في الشبهات الموضوعية لابد أن يحمل عليها في الشبهات الحكمية، لعدم امكان التفكيك عرفا بين الموردين في الدليل الواحد، فيتعين حمل الدليل على الطريقية والحجية. ولاجل أنه يمتنع جعل الطريقية في ظرف العلم بالواقع يمتنع العمل بالدليل مع العلم بمخالفة الحكم للواقع. أما مع احتمال الموافقة للواقع فيجب العمل بدليل حجيته وان علم بوقوع الخطأ في طريقه، لما عرفت من أنه سنخ آخر في قبال سنخ الخبر والفتوى، ولم يثبت عند العقلاء قدح مثل هذا العلم بالخطأ في الحجية عندهم على نحو يكون كالقرينة المتصلة التي يسقط بها اطلاق المطلق، فالعمل بالاطلاق متعين. فان قلت: سلمنا عموم دليل الحجية لجميع صور احتمال الموافقة للواقع حتى مع العلم بالخطأ في الاستناد، أو المستند، أو قيام حجة على خلافه، لكن العموم المذكور المعارض بدليل حجية الحجة القائمة على الخلاف، فما الوجه في تقديم دليله على دليل تلك الحجة؟ قلت: مورد دليل حجيته - وهو مقبولة ابن حنظلة - صورة التنازع في الميراث، الظاهر في التنازع في الحكم الكلي على وجه الجزم، وهو إنما يكون مع الحجة، فلو بني على العمل بالحجة في مقابل الحكم لزم تخصيص المورد وهو غير جائز، فيتعين البناء على الاخذ بالحكم ورفع اليد عن الحجة. نعم مقتضى اطلاق مورد المقبولة العموم لصورة العلم بالخلاف. لكن يجب الخروج عن الاطلاق في الصورة المذكورة بقرينة امتناع جعل


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب كيفية الحكم من كتاب القضاء حديث: 1.

===============

( 95 )

[ ولو مجتهد آخر، إلا إذا تبين خطؤه (1). (مسألة 58): إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره، ثم تبدل رأي المجتهد في تلك المسألة، لا يجب على الناقل إعلام من سمع منه الفتوى الاولى، وان كان أحوط. بخلاف ما إذا تبين له خطؤه في النقل، فانه يجب عليه الاعلام (2) ] الحجية في صورة العلم بالخلاف. هذا والمتحصل مما ذكرنا: أن الحكم إذا كان معلوم المخالفة للواقع لا يجوز الاخذ به، ومتى كان محتمل الموافقة للواقع يجوز الاخذ به، بل يجب سواء أعلم بالخطأ في طريق ذلك الحكم في الاستناد أو المستند أم لا، وسواء أقامت حجة على خلافه أم لا. نعم إذا كان الخطأ ناشئا عن تقصير في الاجتهاد عمدا أو سهوا، بحيث كان جاريا على خلاف الموازين اللازمة في الاجتهاد، فلا يجوز العمل به، لانصراف دليل حجيته عن مثل ذلك. نعم يشكل ذلك بأن لازمه أن لو كان المختصمان عالمين بالواقع لا مجال لحكم الحاكم، مع قيام الاجماع على فصل الخصومة به. ويدفعه: أن الاجماع المذكور هو المستند لا المقبولة ونحوها، بل ما في ذيل المقبولة من الرجوع إلى المرجحات ظاهر في اختصاصها بصورة عدم العلم بالواقع. (1) بناء على ما عرفت منا لا يصح هذا الاستثناء، إلا إذا حمل على تبين خطأ المجتهد في مخالفة الواقع تبينا علميا. وبناء على ما ذكره المصنف (ره) - تبعا لصاحب الجواهر - لا يصح إلا إذا حمل على تبين الخطأ على نحو لا يكون الاجتهاد صحيحا. (2) الظاهر أن هذا التفصيل بين الفرضين مبني على حرمة التسبيب إلى الوقوع في الحرام، وكون الفرض الثاني منه دون الاول. وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثامنة والاربعين فراجع.

===============

( 96 )

[ (مسألة 59): إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا (1). وكذا البينتان. وإذا تعارض النقل مع السماع من المجتهد شفاها قدم السماع (2). وكذا إذا تعارض ما في الرسالة مع السماع (3). وفي تعارض النقل مع ما في الرسالة قدم ما في الرسالة (4) ] (1) لاصالة التساقط في المتعارضين. لكن عرفت فيما سبق تقريب عموم أدلة الترجيح والتخيير للمقام. فلاحظ المسألة العشرين. هذا مع العلم بعدم العدول، فلو احتمل وكان التاريخ مختلفا تعين العمل بالمتأخر. وكذا الكلام فيما يأتي من صور التعارض. (2) لان النقل طريق إلى السماع، فالعمل بالسماع يستوجب العلم بمخالفته للواقع. هذا مع وحدة التاريخ، وأما مع اختلافه وعدم احتمال العدول، فانه وان كان التعارض - بدوا - حاصلا بينهما. لكن العرف يقدم السماع على النقل. بل يمكن دعوى انصرف دليل الحجية عن مثله. (3) إذا لم تكن الرسالة بخط المجتهد كان الفرض راجعا إلى الفرض السابق، لان الكاتب للرسالة بمنزلة المخبر عن المجتهد، ولو بواسطة حكاية الكاتب عن خط المجتهد الحاكي عن قوله. وأما إذا كانت الرسالة بخط المجتهد فيشكل الترجيح، لان الخط حاك عن الفتوى، فيكون التعارض قائما بين خطه وقوله، وأصالة عدم الخطأ فيهما على حد واحد. نعم لو ثبت عند العقلاء ترجيح الاوثق منهما كان العمل عليه أيهما كان. وكذا في الفرض الآتي. (4) إن كانت الرسالة بخطه كان الفرض نظير تعارض السماع والنقل لان الخط بمنزلة القول. وان كانت بغير خطه كان من قبيل تعارض النقلين فيجري عليه حكمه.

===============

( 97 )

[ مع الامن من الغلط (1). (مسألة 60): إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها، ولم يكن الاعلم حاضرا فان أمكن تأخير الواقعة إلى السؤال وجب ذلك (2)، وإلا فان أمكن الاحتياط تعين (3)، وان لم يمكن يجوز الرجوع إلى مجتهد آخر الاعلم فالاعلم، وان لم يكن هناك مجتهد آخر، ولا رسالته، يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء (4)، إذا كان هناك من يقدر على تعيين ] (1) يعني: بالمقدار اللازم في جريان أصالة عدم الخطأ. ويحتمل أن يكون المراد الوثوق التام، ويكون هو الوجه في الترجيح على النقل، لعدم حصول ذلك فيه. (2) قد عرفت في اوائل المبحث أنه لا مانع من العمل بالاحتياط حتى مع التمكن من الامتثال التفصيلي، وعليه فلا يجب التأخير إلا حيث يتعذر الاحتياط. (3) هذا مبني على عدم عموم الاجماع على عدم لزوم الاحتياط على العامي مع امكان التقليد للمقام، وإلا جاز له الرجوع إلى غير الاعلم. وعلى عدم اطلاق يدل على حجية الفتوى، وإلا تعين العمل به بالنسبة إلى فتوى غير الاعلم مع عدم العلم بالمخالفة للاعلم تفصيلا أو اجمالا، كما أشرنا إلى ذلك في مبحث وجوب الفحص عن الاعلم. فراجع المسألة الثانية عشرة. فكأن موضوع كلام المصنف (ره) صورة العلم بالاختلاف، وأن الاجماع على جواز الرجوع إلى غير الاعلم مختص عنده بصورة تعذر الاحتياط. (4) كما تقتضيه مقدمات الانسداد الجارية في الواقعة الخاصة المقتضية للاخذ بالظن الاقوى فالاقوى، فلو بني على عدم تماميتها جاز عقلا الاخذ

===============

( 98 )

[ قول المشهور. وإذا عمل بقول المشهور، ثم تبين له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الاعادة أو القضاء (1)، وإذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع إلى أوثق الاموات، وان لم يمكن ذلك أيضا يعمل بظنه، وان لم يكن له ظن بأحد الطرفين يبني على أحدهما. وعلى التقادير بعد الاطلاع على فتوى المجتهد ان كان عمله مخالفا لفتواه فعليه الاعادة أو القضاء. (مسألة 61): إذا قلد مجتهدا ثم مات، فقلد غيره ثم مات، فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت أو جوازه، فهل يبقى على تقليد المجتهد الاول أو الثاني؟ الاظهر الثاني (2)، والاحوط مراعاة الاحتياط. ] بأحد المحتملات على التخيير. وكذا الحال في الرجوع إلى أوثق الاموات وما بعده. (1) بناء على أن مقدمات الانسداد الجارية في الواقعة إنما تقتضي حجية الظن بنحو الحكومة لا الكشف، وإلا جرى ما تقدم في المسألة الثالثة والخمسين، وكذا الحال في صورة الرجوع إلى غير الاعلم، فانه لو بني على حجية فتواه شرعا - ولو بتوسط مقدمات الانسداد بناء على الكشف - كان الحكم ما تقدم في مسألة المذكورة. أما بناء خلاف ذلك، فيتعين التدارك بالاعادة أو القضاء. (2) لان تقليد الاول قد انقطع بتقليد الثاني المفروض الصحة، فالرجوع إلى الاول بعد تقليد الثاني ليس من البقاء على التقليد، بل هو من التقليد الابتدائي، فان كان رأي الثالث وجوب البقاء تعين البقاء على تقليد الثاني وإذا كان رأيه جواز البقاء وجواز العدول تخير المكلف بين البقاء

===============

( 99 )

[ (مسألة 62): يكفي في تحقق التقليد أخذ الرسالة والالتزام بالعمل بما فيها (1)، وان لم يعلم ما فيها ولم يعمل فلو مات مجتهده يجوز له البقاء. وان كان الاحوط مع عدم العلم، بل مع عدم العمل ولو كان بعد العلم، عدم البقاء ] على تقليد الثاني والعدول إلى الثالث. هذا بناء على ما تقدم في المسألة الثالة والخمسين من عدم انتقاض التقليد الصحيح الواقع في زمان بتقليد مجتهد آخر في زمان لاحق، لعدم حجية رأي المجتهد اللاحق بالاضافة إلى الوقائع السابقة المطابقة لرأي المجتهد في ذلك الزمان. أما بناء على الانتقاض، فان كان رأي المجتهد الثالث وجوب البقاء على تقليد الميت، تعين على المكلف البقاء على تقليد الاول لان عدوله السابق إلى الثاني - بعد موت الاول - في غير محله في نظر المجتهد الثالث. وان كان رأيه جواز العدول وجواز البقاء جاز للمكلف البقاء على تقليد الثاني، والعدول إلى الثالث. وان كان رأيه وجوب العدول تعين العدول من الثاني إليه. وعلى هذا ما استظهره المصنف (ره) مبني على ما تقدم منه في المسألة الثالثة والخمسين. (1) قد عرفت أن أخذ الرسالة والالتزام، ونحوهما، مما لا يرتبط بالتقليد، بل ليس هو إلا العمل اعتمادا على فتوى المجتهد. كما لا ينبغي التأمل في كفاية ثبوت حجية الرأي آناما في جواز الاستصحاب الذي هو الوجه في وجوب البقاء وجوازه، ولا يتوقف على العمل، ولا على الالتزام. نعم بناء على ما ذكرنا من كون التقليد هو العمل برأي الغير فمع عدم العمل حال الحياة يكون العمل بعد الوفاة برأي المجتهد من قبيل التقليد الابتدائي للميت الذي حكي الاجماع على المنع عنه، وان كان الاستصحاب، وبناء العقلاء، يقتضيان عدم الفرق بين العمل وعدمه. ولكن عموم الاجماع لمثل

===============

( 100 )

[ والعدول إلى الحي. بل الاحوط استحبابا على وجه عدم البقاء مطلقا، ولو كان بعد العلم والعمل (1). (مسألة 63): في احتياطات الاعلم إذا لم يكن له فتوى يتخير المقلد بين العمل بها، وبين الرجوع إلى غيره (2) الاعلم فالاعلم. (مسألة 64): الاحتياط المذكور في الرسالة إما ] الفرض لا يخلو من تأمل. وأشكل منه ما لو تحقق الالتزام فقط بلا عمل فان وجود القول بجواز البقاء في مثله مانع عن انعقاد الاجماع على المنع عنه وان لم يتحقق التقليد. ومثله ما لو تحقق العمل بلا اعتماد على الفتوى، فانه وان لم يتحقق، لكن انعقاد الاجماع على المنع عن بقاء الحجية في مثله غير واضح، وان كان قريبا. فراجع وتأمل. كما أنك عرفت في المسألة الثالثة والخمسين: أن صحة الاعمال السابقة تتوقف على مطابقتها للفتوى الحجة حال العمل ولا تتوقف على الاعتماد على الفتوى حال العمل الذي هو من مقومات التقليد، فالصحة ليست موقوفة على تحقق التقليد، بل موقوفة على الحجية واقعا. فلاحظ. (1) كأن المراد بهذ الوجه احتمال عموم معاقد الاجماعات على عدم جواز تقليد الميت للحدوث والبقاء، وان كان يعارض هذا الاحتمال احتمال المنع، كما نسب إلى اكثر القائلين بجواز البقاء. فالعدول موافق للاحتياط في وجه مخالف له في وجه آخر. (2) هذا التخيير موقوف في العبادات على جواز الامتثال الاجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي، فلو قيل بعدمه تعين التقليد لغير الاعلم، ولا يجوز له العمل بالاحتياط مع التمكن من تقليد غيره الاعلم.

===============

( 101 )

[ استحبابي، وهو ما إذا كان مسبوقا أو ملحوقا بالفتوى، وإما وجوبي، وهو ما لم يكن معه فتوى، ويسمى بالاحتياط المطلق وفيه يتخير المقلد بين العمل به والرجوع إلى مجتهد آخر (1). وأما القسم الاول، فلا يجب العمل به، ولا يجوز الرجوع إلى الغير بل يتخير بين العمل بمقتضى الفتوى، وبين العمل به. (مسألة 65): في صورة تساوي المجتهدين يتخير بين تقليد أيهما شاء كما يجوز له التبعيض حتى في أحكام العمل الواحد (2)، حتى أنه لو كان - مثلا - فتوى أحدهما وجوب جلسة الاستراحة واستحباب التثليث في التسبيحات الاربع، وفتوى الاخر بالعكس، يجوز أن يقلد الاول في استحباب التثليث، والثاني في استحباب الجلسة. ] (1) قد عرفت أنه لا يتم على إطلاقه، بناء على عدم جواز الامتثال الاجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي. (2) قد عرفت في المسألة الثالثة والثلاثين الاشكال في جوار التبعيض ولا سيما في العمل الواحد، فقد يشكل بالخصوص بأن الصلاة الفاقدة لجلسة الاستراحة المقتصر فيها علي تسبيحة واحدة باطلة في نظر كل واحد منهما، فالاقتصار عليها في مقام الامتثال مخالفة لهما معا. وفيه: أنه - بعد البناء على جواز التبعيض في التقليد - لا تقدح مخالفة كل واحد من المجتهدين مستقلا، لعدم تقليد كل واحد منهما كذلك، بل لما كان التقليد لهما معا على نحو الانضمام فالقادح مخالفتهما كذلك وهي منتفية، لان الصلاة المذكورة موافقة لهما معا. فان قلت: كما أنها موافقة لهما كذلك مخالفة لهما. (قلت): هذا

===============

( 102 )

[ (مسألة 66): لا يخفى أن تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامي إذ لابد فيه من الاطلاع التام. ومع ذلك قد يتعارض الاحتياطان، فلابد من الترجيح. وقد لا يلتفت إلى اشكال المسألة حتى يحتاط. وقد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط. مثلا الاحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر، لكن إذا فرض انحصار الماء فيه الاحوط التوضؤ به، بل يجب ذلك بناء على كون الاحتياط الترك استحبابيا، والاحوط الجمع بين التوضؤ به التيمم. وأيضا الاحوط التثليث في التسبيحات الاربع، لكن إذا كان في ضيق الوقت ويلزم من التثليث وقوع بعض الصلاة خارج الوقت، فالاحوط ترك هذا الاحتياط، أو يلزم تركه. وكذا التيمم بالجص خلاف الاحتياط، لكن إذا لم يكن معه الا هذا فالاحوط التيمم به، وان كان عنده الطين - مثلا - فالاحوط الجمع، وهكذا. ] مسلم، لكن مخالفتهما في غير مورد التقليد لهما، أما في مورد التقليد لهما فهي موافقة لهما لا غير، كما يظهر من مقايسة المقام بالتبعيض في عملين كالصلاة والصيام. فان قلت: المجتهد المفتي بعدم وجوب جلسة الاستراحة إنما يفتي بذلك في الصلاة المشتملة على التسبيحات الثلاث، كما أن المفتي بالاقتصار على تسبيحة واحدة إنما يفتي بذلك فيما اشتمل على جلسة الاستراحة، فترك جلسة الاستراحة والاقتصار على تسبيحة واحدة ليس عملا بفتوي المجتهدين ولو على نحو الانضمام (قلت): الارتباط بين الاجزاء في الثبوت والسقوط لا يلازم الارتباط بينها في الفتوى، فان مرجع الفتويين إلى عدم جزئية الجلسة

===============

( 103 )

[ (مسألة 67): محل التقليد ومورده هو الاحكام الفرعية العملية، فلا يجري في الاصول الدين (1). ] وعدم جزئية ما زاد على التسبيحة الواحدة، وليس هو ارتباطيا. فالعمدة في الاشكال على جواز التقليد للمجتهدين في العمل الواحد هو إشكال التبعيض الذي تقدمت الاشارة إليه. (1) إجماعا ادعاه جماعة، بل ادعي اجماع المسلمين عليه. ويقتضيه في معرفة الله جل شأنه، وفي معرفة نبيه الكريم صلى الله عليه وآله: أن الوجه في وجوب المعرفة عقلا من مناط وجوب شكر المنعم، وفي وجوبها فطرة من مناط وجوب دفع الضرر المحتمل لا يحصل بالتقليد، لاحتمال الخطأ في الرأي فلا يحصل الامن من الخطر ولا الامن مما ينافي الشكر. وحجية الرأي تعبدا إنما توجب الامن من ذلك على تقدير المعرفة، فيمتنع أن تثبت بها ولو تعبدا. وأما باقي الاصول فعدم جواز التقليد فيها للاجماع المتقدم. وأما ما دل على وجوب العلم والمعرفة من الآيات، والروايات، فلا يقتضى ذلك، لان دليل حجية الرأي - لو تم - يوجب حصول المعرفة بها تعبدا تنزيلا. ولا يتوجه الاشكال المتقدم هنا، لان المعرفة فيما عدا الاصلين الاولين ليست شرطا في الحجية، وانما الشرط المعرفة بهما لا غير والمفروض حصولها، فإذا العمدة في عدم جواز التقليد هو الاجماع. فان قلت: تكفي في عدم جواز التقليد أصالة عدم الحجية. (قلت): لا مجال للاصل المذكور مع الدليل، وهو ما دل على حجية الرأي في الفروع كبناء العقلاء، وقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر) (* 1) وقوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) (* 2) ونحوهما من أدلة التقليد في


____________
(* 1) النحل: 43. (* 2) التوبة: 122.

===============

( 104 )

[ وفي مسائل أصول الفقه (1)، ولا في مبادئ الاستنباط من النحو والصرف ونحوهما (2). ] الفروع، فانها - لو تمت دلالتها على جوازه في الفروع - دلت على جوازه في الاصول بنحو واحد، فليس الموجب للخروج عن عموم الادلة إلا الاجماع المستفيض النقل. وتمام الكلام في هذا المقام موكول إلى محله، كالكلام في وجوب كون المعرفة عن النظر والدليل - كما هو المنسوب إلى جمع - وعدم وجوبه - كما نسب إلى آخرين - وحرمته - كما نسب إلى غيرهم - وان كان الاظهر الاول مع خوف الضلال بدون النظر، والاخير مع خوف الضلال به، والثاني مع الامن من الضلال على تقدير كل من النظر وعدمه فراجع وتأمل. (1) لخروجها عن محل الابتلاء للعوام المقلدين، فلو فرض كونها محلا للابتلاء - ولو بتوسط النذر ونحوه - لم يكن مانع من عموم أدلة التقليد لها. ولذا جزم المصنف - رحمه الله - في صدر المسألة السادسة والاربعين، بأنه يجب على العامي أن يقلد الاعلم في مسألة وجوب تقليد الاعلم وفى المسألة الخامسة عشرة بوجوب رجوع العامي إلى الحي الاعلم في جواز البقاء وعدمه، ويظهر منه - قدس سره - ومن غيره كونهما من المسائل الاصولية، وان كان التحقيق أنهما من المسائل الفرعية، لا من الاصولية، لعدم وقوعهما في طريق استنباط الاحكام كما أشرنا إلى ذلك آنفا. (2) هذا يتم في ما يقع في طريق استنباط الحكم الكلي، أما ما يقع في طريق تطبيق الحكم الكلي وتشخيص موضوع الامتثال - مثل كثير من مسائل النحو والصرف المحتاج إليها في تصحيح القراءة والذكر، والاذان، والاقامة وصيغ العقود، والايقاعات، مثل مسائل الادغام، والمد والوقف على الساكن والتحريك في الدرج، وغير ذلك من المسائل الموقوفة على نظر

===============

( 105 )

[ ولا في الموضوعات المستنبطة العرفية أو اللغوية (1)، ولا في الموضوعات الصرفة. فلو شك المقلد في مائع أنه خمر أو خل - مثلا - وقال المجتهد إنه خمر لا يجوز له تقليده. نعم من حيث أنه مخبر عادل يقبل قوله كما في اخبار العامي العادل، وهكذا. وأما الموضوعات المستنبطة الشرعية - كالصلاة والصوم ونحوهما - فيجري التقليد فيها كالاحكام العملية. ] لا يتمكن منه العامي مما سيتعرض له المصنف (ره) في مباحث القراءة - فلابد فيها من التقليد لعموم أدلته. نعم المسائل التي لا يحتاج إليها إلا في مقام استنباط الحكم الكلي لا مجال للتقليد فيها، لخروجها عن محل الابتلاء بالنسبة إلى العامي. (1) موضوعات الاحكام الشرعية قسمان: (الاول): ما يكون مفهومه شرعيا مخترعا للشارع الاقدس، سواء قلنا بالحقيقة الشرعية أم لا كالصلاة والصيام ونحوهما. (الثاني): ما لا يكون كذلك بأن كان عرفيا أو لغويا. وكل منهما إما أن يكون المفهوم بذاته وحدوده واضحا لا يحتاج إلى نظر واجتهاد، وإما أن يكون محتاجا إلى ذلك. فالاول من كل منهما لا يحتاج إلى تقليد لوضوحه لدى العامي كالمجتهد، فلا معنى لحجية رأي المجتهد فيه، والثاني من كل منهما محتاج إلى التقليد، لعموم أدلته، كالصلاة والصيام والصعيد، والغناء والاناء، والجذع والثني، ونحوها. والبناء على عدم جواز التقليد فيها يقتضي البناء على وجوب الاجتهاد أو الاحتياط فيها ولا يظن الالتزام به من أحد، فضلا عن المصنف (ره) فقد ادرج - كغيره - بيان مفهوم مثل هذه الموضوعات في هذه الرسالة وغيرها من رسائله المعدة للفتوى والعمل بها. فلاحظ.

===============

( 106 )

[ (مسألة 68): لا يعتبر الاعلمية في ما أمره راجع إلى المجتهد (1) إلا في التقليد. وأما الولاية على الايتام والمجانين والاوقاف التي لا متولي لها والوصايا التي لا وصي لها ونحو ذلك، فلا يعتبر فيها الاعلمية. نعم الاحوط في القاضي أن ] (1) الظاهر أن هذا مما لا إشكال فيه، لاطلاق مثل التوقيع الشريف: " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا " (* 1). وما دل على أن العلماء ورثة الانبياء (* 2)، وانهم كانبياء بني اسرائيل (* 3)، وانهم خلفاء النبي صلى الله عليه وآله (* 4)، ونحو ذلك. لكن قد تعرضنا في (نهج الفقاهة) (* 5) للمناقشة في تمامية ما ذكر لاثبات الولاية للفقيه، لقصور سند بعضها، ودلالة الآخر. وذكرنا هناك أن العمدة في إثبات الولاية ما دل على كون المجتهد قاضيا وحاكما الظاهر في ثبوت جميع ما هو من مناصب القضاة والحكام له. فحينئذ يشكل الحكم فيما لم يثبت كونه من مناصب القضاة والحكام، فان ثبوت ولاية المجتهد فيه إنما يكون من جهة العلم باذن الشارع في التصرف، أو عدم رضاه بتركه واهمال الواقعة. لكن الدليل المذكور لما كان لبيا تعين الاقتصار فيه على القدر المتيقن، وهو ولاية الاعلم عند التمكن منه، كالاقتصار على المتيقن وهو ولاية المجتهد عند التمكن منه. فالعمدة إذا في عدم اعتبار الاعلمية ظهور الاجماع عليه.


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 10. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب صفات القاضي حديث: 2. (* 3) مستدرك الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 30 (* 4) الوسائل باب: 11 من صفات القاضي حديث: 8. (* 5) راجع الصفحة: 299.

===============

( 107 )

{ يكون أعلم (1) من في ذلك البلد أو في غيره مما لا حرج في الترافع إليه. (مسألة 69): إذا تبدل رأي المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلدين أم لا؟ فيه تفصيل (2)، فان كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط، فالظاهر عدم الوجوب، وان كانت مخالفة فالاحوط الاعلام، بل لا يخلو عن قوة. (مسألة 70): لا يجوز للمقلد اجراء (3) أصالة البراءة، أو الطهارة أو الاستصحاب في الشبهات الحكمية. وأما في الشبهات الموضوعية فيجوز بعد أن قلد مجتهده في حجيتها. مثلا إذا شك في أن عرق الجنب من الحرام نجس أم لا ليس له إجراء أصل الطهارة، لكم في أن هذا الماء أو غيره لاقته النجاسة أم لا، يجوز له اجراؤها بعد أن قلد المجتهد في جواز الاجراء. (مسألة 71): المجتهد غير العادل، أو مجهول الحال لا يجوز تقليده (4) وان كان موثوقا به في فتواه. ولكن فتاواه معتبرة لعمل نفسه. وكذا لا ينفذ حكمه ولا تصرفاته في الامور ] (1) تقدم الكلام في هذا في المسألة السادسة والخمسين. (2) تقدم الكلام في هذا في المسألة الثامنة والاربعين وغيرها. (3) لان إجراءها مشروط بالفحص، رهو عاجز عنه، فاجراؤها بدونه مخالفة لدليل الشرطية. وهذا بخلاف الشبهات الموضوعية، فان إجراءها ليس مشروطا بالفحص، ولو فرض اشتراطه به فليس هو بعاجز عنه، فلا مانع من رجوعه إليها عند اجتماع الشرائط كالمجتهد. (4) يعنى: لا يجوز تقليده واقعا في الاول، لفقد الشرط، وظاهرا

===============

( 108 )

[ العامة، ولا ولاية في الاوقاف والوصايا وأموال القصر والغيب. (مسألة 72): الظن بكون فتوى المجتهد كذا لا يكفي في جواز العمل، الا إذا كان حاصلا من ظاهر لفظه شفاها، أو لفظ الناقل، أو من ألفاظه في رسالته. والحاصل: أن الظن ليس حجة (1) الا إذا كان حاصلا من ظواهر الالفاظ منه أو من الناقل. ] في الثاني، لعدم ثبوت حجية رأيه. وكذا الحال في باقي الاحكام. (1) لما دل على نفي حجيته من الادلة الشرعية والعقلية، من دون ثبوت مخصص. والله سبحانه ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين

===============

( 109 )

{ فصل في المياه الماء إما مطلق (1) أو مضاف، كالمعتصر من الاجسام أو الممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء. والمطلق أقسام (2): ] بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الطهارة الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الغر الميامين. واللعنة على أعدائهم أجمعين. (1) وعرف بما يصح إطلاق لفظ الماء عليه من غير إضافة. يعني: يصح بلا تجوز ولا عناية. وهذا بخلاف الماء المضاف كماء الرمان، وماء الورد، فان إطلاق لفظ الماء - مفردا بلا إضافة - عليه مجاز، والذي يكون إطلاقه عليه حقيقة، ماء الرمان، أو ماء الورد كما أن إطلاق ماء الورد على ماء الرمان مجاز، وكذا اطلاق ماء الرمان على ماء الورد. ومن هنا ظهر أن تقسيم الماء إلى المطلق والمضاف بلحاظ المسمى. كما ظهر أن مفهوم الماء جامع حقيقي بين أفراده، ومفهوم الماء المضاف جامع انتزاعي بين أفراده، فانها حقائق متباينة (2) الموجود في كلام جماعة تقسيمه إلى جار، ومحقون، وماء بئر وتقسيم المحقون إلى كثير وقليل. وكأن موضوع القسمة ماء الارض، ولذا

===============

( 110 )

[ الجاري، والنابع غير الجاري والبئر، والمطر، والكر، والقليل وكل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر من الحدث والخبث (1). ] لم يذكر في أقسامه ماء المطر. وعدم ذكر النابع في الاقسام إما لدخوله في الجاري - كما صرح به بعض، حيث عرفه بالنابع غير البئر - أو في البئر - كما هو ظاهر آخرين - بل عن المحقق البهبهاني: " أن النابع الراكد عند الفقهاء في حكم البئر " والامر سهل. (1) إجماعا مستفيض النقل، بل وضوحه أغنى عن الاستدلال عليه بالآيات الشريفة مثل قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (* 1) بناء على أن المراد من لفظ الطهور فيها إما المطهر بناء على أنه أحد معانيه - كما عن بعض - فيدل على طهارته في نفسه بالالتزام، أو الطاهر المطهر - كما عن جمع أنه أحد معانيه - أو ما يتطهر به كالسحور والفطور - كما هو أحد معانيه قطعا - فيدل أيضا بالالتزام على طهارته في نفسه. هذا ولكن من المحتمل ارادة المبالغة منه، فان (فعول) أيضا من صيغ المبالغة كالصبور والحسود، فان الطهارة ذات مراتب متفاوتة، ولذا صح التفضيل فيها بلفظ: (أطهر) ومع هذا الاحتمال يشكل الاستدلال. وأشكل منه الاستدلال به على المطهرية لغيره - حتى بناء على حمل الهيئة على المبالغة - بدعوى: أن المبالغة لا معنى لها إلا بلحاظ المطهرية لغيره. إذ فيه - - مضافا إلى ما عرفت -: أن هذا المعنى من المبالغة مجاز لا يجوز ارتكابه في الاستدلال. وإن كان الاقرب الحمل على المعنى الثالث، لعدم ثبوت المعنيين الاولين، ولكونه أقرب من الحمل على المبالغة، لخفاء وجهها. وأما قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) (* 2)


____________
(* 1) الفرقان: 48. (* 2) الانفال: 11.

===============

( 111 )

[ (مسألة 1): الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر (1)، لكنه غير مطهر، لا من الحدث (2). ] فدلالته على المطلوب سالمة عن الاشكال المتقدم، وإن كانت لا عموم فيها لوروده في واقعة خاصة، إلا أن يتمسك بالاجماع على عدم الفرق، كالاجماع على عدم الفرق بين ماء السماء وغيره. ثم إنه لا تخلو النصوص الشريفة من الدلالة على طهارته ومطهريته، ففي رواية السكوني عن النبي صلى الله عليه وآله: " الماء يطهر ولا يطهر " (. 1). وفي صحيح ابن فرقد عن أبي عبد الله (ع): " كان بنو اسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله تعالى عليكم باوسع ما بين السماء والارض، وجعل لكم الماء طهورا " (* 2)، وفي غيرهما: أنه تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا (* 3). ومورد الاخير الحدث، كما أن مورد ما قبله الخبث، بل هو ظاهر رواية السكوني بقرينة المقابلة بالنفي. كما أنه لا عموم في الجميع بالاضافة إلى ما يتطهر به فلابد من تتميم الدلالة بالاجماع المحقق في الجملة. (1) يعنى: مع طهارة أصله. ويكفي في ذلك الاستصحاب، وأصالة الطهارة. (2) كما هو المشهور، ويقتضيه الكتاب المجيد، مثل قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (* 4). والسنة التى هي بمضمونه وبغير مضمونه كما ستأتي في محلها إن شاء الله. وعن الصدوق: جواز


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 4) النساء: 43 والمائدة: 6.

===============

( 112 )

[ ولا من الخبث (1). ] الوضوء وغسل الجنابة بماء الورد، لخبر يونس عن أبى الحسن (ع) قال: " قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضأ به للصلاة. قال (ع): لا بأس بذلك " (* 1). لكن عن الشيخ أنه خبر شاذ أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره. انتهى. وكفى بهذا موهنا له ومانعا عن الاعتماد عليه. وعن الحسن جواز استعمال مطلق المضاف عند عدم الماء. ولم يظهر له مستند. (1) كما هو المشهور أيضا. ويقتضيه ظاهر كثير من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة مثل قوله (ع): " لا يجزئ من البول إلا الماء " (* 2) وقوله (ع) في تطهير الاناء من الولوغ: " اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء " (* 3) ونحوهما غيرهما وهو كثير. وقد تقدم صحيح ابن فرقد الظاهر - بقرينة الامتنان - في انحصار المطهر بالماء. وعن المفيد والسيد - قدهما - جواز رفع الخبث به. وعن الاول الاستدلال عليه بالرواية. وعن الثاني الاستدلال عليه بالاجماع. لكن الرواية مرسلة والاجماع معلوم العدم. وأما إطلاق الامر بالغسل والتطهير، فمقيد بالنصوص المشار إليها. مع قرب دعوى انصراف الاول إلى الغسل بالماء الارتكاز مطهريته عرفا وشرعا دون غيره من المايعات. كما لا تبعد دعوى اجمال الثاني، وحصوله بغير الماء يحتاح إلى دليل، ولو بني على اطلاقه كان مقتضاه الاكتفاء بزوال العين. وأما رواية غياث: " لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق " (* 4) فلعلها المشار إليها في كلام المفيد. لكنها مع أنها


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 30 من ابواب احكام الخلوة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 4 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 2.

===============

( 113 )

مهجورة - أخص من المدعى - لو كان البصاق من المضاف - وإلا كانت أجنبية عنه. مع أن ظاهر رواية غياث الاخرى: " لا يغسل بالبصاق شئ غير الدم " (* 1) مناف له فلا مجال لتتميمها بعدم القول بالفصل ونحوه. ثم إن المحكي عن السيد (ره) الاستدلال على ما ذكرنا: بأن الغرض ازالة عين النجاسة، وهو يحصل بالغسل بالمضاف. ومقتضى هذا الاستدلال عدم وجوب تطهير المتنجس بما لا تبقى عينه، وحصول الطهارة بمجرد زوال عين النجاسة بكل مزيل وان لم يكن مضافا، ولكنه - كما ترى - خلاف النصوص المتقدمة الآمرة بالغسل والتطهير، فضلا عن النصوص الظاهرة في تعيين الماء. وعن الكاشانى (ره) التفصيل بين الموارد التي ورد فيها ذلك فلابد من الماء وبين غيرها فيكفي زوال العين. وفيه: أن هذا خلاف استصحاب النجاسة من دون دليل عليه. مضافا إلى أنه خلاف ما ثبت إجماعا وارتكازا من عدم الفرق بين الموارد. وانكار سراية النجاسة إلى الجسم - ليسقط الاستصحاب - خلاف ظاهر النصوص الموافق للارتكاز العرفي من سراية أثر عين النجاسة إلى ملاقيها. فلاحظ ما ورد في المرق والعجين اللذين أصابهما قطرة من خمر أو نبيذ (* 2)، وقوله (ع): " ما يبل الميل ينجس حبا من الماء " (* 3). ويشير إلى ذلك ما في رواية عمر بن شمر الواردة في طعام ماتت فيه الفارة، قال (ع): " إنما استخففت بدينك حيث أن الله تعالى حرم الميتة من كل شئ " (* 4) وما ورد في التطهير من البول


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 5 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 2.

===============

( 114 )

[ ولو في حال الاضطرار (1)، وان لاقى نجسا تنجس (2) وان كان كثيرا بل وان كان مقدار ألف كر (3) فانه ينجس بمجرد ] من أن الغسلة الثانية لازالة الاثر (* 1)، وغير ذلك. فلاحظ. (1) لعدم الفرق بين الحالين فيما ذكرنا. وعن ابن أبي عقيل مطهرية المضاف حينئذ. ودليله غير ظاهر، كما تقدم في رفع الحدث. (2) إجماعا محكيا عن كتب الفاضلين والشهيدين، وغيرها، وعن السرائر: نفي الخلاف فيه. وقد تدل عليه الاخبار الواردة في نجاسة الزيت والسمن والمرق ونحوها بملاقاة النجاسة (* 2)، لانها وان لم تكن من المضاف، إلا أنها مثله في الميعان، الموجب لسراية النجاسة حسب الارتكاز العرفي، فالتعدي عنها إلى المضاف نظير التعدي منها إلى المايعات التي ليست من المضاف. بل قد عرفت أنه يظهر من رواية عمر بن شمر المتقدمة أن ذلك من أحكام النجاسة. (3) كما يقتضيه إطلاق معاقد الاجماعات والكلمات. لكنه لا يخلو من تأمل، لعدم السراية عرفا في مثله، نظير ما يأتي من عدم السراية إلى العالي الجاري إلى السافل. والنصوص الواردة في السمن والمرق ونحوهما غير شاملة لمثله. وثبوت الاجماع على السراية في الكثرة المفرطة غير ظاهر ومن هنا يسهل الامر في عيون النفط المستخرج في عصرنا، المعلوم غالبا مباشرة الكافر له بالرطوبة المسرية.


____________
(* 1) لم نعثر على ما تضمن ذلك في كتب الحديث. نعم روى في المعتبر صفحة: 121 عن الحسين بن أبي العلاء عن الصادق (ع) قال: " سألته.. عن الثوب يصيبه البول قال: إغسله مرتين الاول للازالة والثاني للانقاء " ورواه مرسلا في الذكرى صفحة: 15 (* 2) راجع الوسائل باب: 5 من ابواب الماء المضاف والمستعمل. وباب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 8.

===============

( 115 )

[ ملاقاة النجاسة ولو بمقدار رأش ابرة في أحد أطرافه فينجس كله. نعم إذا كان جاريا من العالي إلى السافل ولاقى سافله النجاسة لا ينجس العالي منه (1)، كما إذا صب الجلاب من ابريق على يد كافر، فلا ينجس ما في الابريق وان كان متصلا بما في يده. (مسألة 2): الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن اطلاقه (2). نعم لو مزج معه غيره وصعد - كماء الورد - يصير مضافا. (مسألة 3): المضاف المصعد مضاف (3). (مسألة 4): المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد، لاستحالته بخارا (4) ثم ماء. ] (1) كما هو المشهور، بل قيل: الظاهر أنه مذهب الكل عدا السيد في المناهل. لعدم ثبوت سراية النجاسة كلية في المايعات، وانما الثابت منها في غير مثل ذلك. والرجوع إلى العرف - الذي هو مقتضى الاطلاقات المقامية - يقتضي البناء على عدم السراية للنجاسة من السافل إلى العالي، فانه المطابق لمرتكزاتهم. ومثله الكلام في سراية النجاسة من العالي إلى السافل مع تدافع السافل عليه كما في الفوارة. أما مع عدم التدافع من أحدهما إلى الآخر فلا إشكال في السراية من كل منهما إلى الآخر. (2) لصدق الماء عليه عرفا، الذي هو المعيار في الاطلاق. (3) لما تقدم من الصدق العرفي. لكن في اطراده في جميع الموارد تأملا. (4) الموجبة لمغايرته له عرفا، على نحو لا يجري معه استصحاب الحكم لتعدد الموضوع. وهذا هو المدار في مطهرية الاستحالة، لجريان أصالة

===============

( 116 )

[ (مسألة 5): إذا شك في مايع أنه مضاف أو مطلق فان علم حالته السابقة أخذ بها (1). وإلا فلا يحكم عليه بالاطلاق، ولا بالاضافة (2). لكن لا يرفع الحدث والخبث (3) وينجس بملاقاة النجاسة إن كان قليلا، وإن كان بقدر الكر لا ينجس، لاحتمال كونه مطلقا، والاصل الطهارة (4). ] الطهارة حينئذ بلا معارض، كما سيأتي في محله إن شاء الله. فإذا انقلب البخار ماء كان المرجع في حكمه أصالة الطهارة أيضا، لا استصحابها، لتعدد الموضوع عرفا، كما في البخار. (1) للاستصحاب. هذا إذا كان الشك بنحو الشبهة الموضوعية، أما لو كان بنحو الشبهة المفهومية - للشك في حدود المفهوم وقيوده، على نحو يستوجب الشك في صدقه على الموارد - أشكل جريان الاستصحاب، لانه من الاستصحاب الجاري في المفهوم المردد: كالجاري في الفرد المردد وأما استصحاب الحكم السابق فلا مانع منه، مثل استصحاب كونه مطهرا من الحدث والخبث، إذا علم انه كان مطلقا، أو استصحاب انفعاله بالملاقاة إذا علم كونه مضافا كثيرا. لكنه من الاستصحاب التعليقي المعارض بالاستصحاب التنجيزي غالبا. فلو لم يكن معارضا أو بنينا على حكومة الاستصحاب التعليقي على الاستصحاب التنجيزي، أو كان الحكم السابق تنجيزيا، فلا بأس بجريانه. (2) إذ لا موجب للحكم بذلك من دليل أو أصل. (3) لاستصحاب بقائهما. (4) يعني: استصحابها. نعم ربما يكون بعض الوجوه الموجبة للنجاسة في فرض الملاقاة مع الشك في الكرية مقتضيا للحكم بالنجاسة في المقام فانتظر.

===============

( 117 )

[ (مسألة 6): المضاف النجس يطهر بالتصعيد - كما مر - وبالاستهلاك في الكر أو الجاري (1). ] (1) بتفرق أجرائه فيه على نحو لا يبقى له وجود محفوظ في نظر العرف يجري فيه الاستصحاب. نظير الاستحالة في الاعيان النجسة المطهرة للمستحيل بالمناط المذكور. وأما المطلق المستهلك فيه فالمرجع فيه دليل اعتصامه كرا كان أو جاريا، أو ماء بئر، بناء على اعتصامه. ويعضده بعض النصوص الواردة في طهارة الماء الذي وقع فيه بول أو دم أو خمر أو نحوها (* 1) بعد حملها على المعتصم. ولو انقلب المضاف مطلقا. بقي على نجاسته، للاستصحاب، إذ لا دليل على مطهرية الانقلاب كلية. وحينئذ يطهر بكل ما يطهر القليل النجس الآتي بيانه (* 2) إن شاء الله. وعن العلامة - رحمه الله - القول بطهر المضاف بمجرد الاتصال بالكثير لكن لا دليل عليه. وقول على (ع): " الماء يطهر ولا يطهر (* 3) لا عموم له لكل متنجس كما أشرنا إليه آنفا. مع أن العموم غير كاف في ذلك إذ لا إطلاق له في كيفية التطهير، وليس بناء العرف على كفاية مجرد الاتصال في مثل ذلك. وأما ما عن الشيخ (ره) من اعتبار عدم تغير المطلق المستهلك فيه المضاف بصفات المضاف، ومع التغير يتنجس المطلق. فغير ظاهر، إلا بناء على نجاسة المطلق المتغير بصفات المتنجس الملاقي له، وسيأتي الكلام فيه.


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 3، 7 وباب: 5 حديث: 6، وباب: 9 حديث: 14. (* 2) راجع المسألة: 2 وما بعدها من مسائل الفصل المتعرض فيه لماء البئر (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 7.

===============

( 118 )

[ (مسألة 7): إذا القي المضاف النجس في الكر، فخرج عن الاطلاق إلى الاضافة، تنجس إن صار مضافا قبل الاستهلاك. وان حصل الاستهلاك والاضافة دفعة لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه (1) لكنه مشكل. (مسألة 8): إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين، ففي سعة الوقت يجب عليه أن يصبر حتى يصفو ويصير الطين إلى الاسفل، ثم يتوضأ على الاحوط (2). وفي ضيق الوقت يتيمم، لصدق الوجدان مع السعة دون الضيق. } (1) إذ في حال وجود المضاف كان المطلق الملاقي له معتصما، وبعد انقلاب المطلق مضافا لا مضاف نجس كي ينجس بملاقاته. نعم قد تشكل صحة الفرض: بأن الاستهلاك يلازم صدق المطلق على الجميع، فكيف يكون الماء حينئذ مضافا، والاضافة والاطلاق ضدان يمتنع اجتماعهما في محل واحد؟! وفيه: ما عرفت من أن الاستهلاك عبارة اخرى عن ذهاب الموضوع بنحو يمتنع أن يجري استصحاب نجاسته، ولا ملازمة عقلا بين ذلك وبين صدق الماء المطلق على المستهلك فيه كي يلزم اجتماع الضدين. نعم في الغالب يكون انقلاب المطلق إلى المضاف ناشئا من علبة المضاف النجس عليه بنحو يمتنع صدق استهلاكه مع غلبته على المطلق. ولكن هذا المقدار لا يوجب امتناع الفرض. (2) بل الاقوى، بناء على أن المصحح للتيمم والمسقط لوجوب الطهارة المائية عدم القدرة عليها، لا مجرد عدم وجود الماء، كما سيأتي (* 1) إن شاء الله.


____________
(* 1) يأتي توضيخ ان المراد عدم القدرة على المأمور به حتى في آخر الوقت (منه قدس سره)

===============

( 119 )

[ (مسألة 9): الماء المطلق بأقسامه - حتى الجاري منه - ينجس إذا تغير بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة من الطعم، والرائحة، واللون (1). بشرط أن يكون بملاقاة النجاسة، فلا يتنجس إذا كان بالمجاورة (2)، كما إذا وقعت ميتة قريبا من الماء فصار جائفا. وأن يكون التغير بأوصاف النجاسة (3) ] (1) إجماعا محصلا ومنقولا كاد يكون متواتر، كما في الجواهر. ويدل عليه الاخبار الكثيرة. منها النبوي المتفق على روايته - كما عن السرائر - المتواتر عن الصادق (ع) عن آبائه - كما عن ابن أبي عقيل - الذي عمل به الامة وقبلوه - كما عن الذخيرة -: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ، إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه " (* 1) ونحوه غيره (* 2). ولا يقدح عدم ذكر اللون في جملة منها، فقد ذكر في بعضها الآخر، كمعتبر شهاب، وفيه: " قلت: وما التغير؟ قال: الصفرة " (* 3) ومعتبر العلاء بن الفضيل: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض يبال فيها. قال (ع): لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول " (* 4) وقريب منهما غيرهما. (2) لعله لا خلاف فيه بل مجمع عليه، كذا في الجواهر. لانه خارج عن مورد اكثر النصوص ومنصرف الباقي. (3) سيأتي بيان المراد منه في المسألة الحادية عشرة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق ففيها جملة أحاديث، ويوجد بعض الاحاديث في ابواب أخر متفرقة. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 11. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 7.

===============

( 120 )

[ دون أوصاف المتنجس (1). فلو وقع فيه دبس نجس فصار أحمر، أو أصفر لا ينجس إلا إذا صيره (2) مضافا. نعم لا يعتبر أن يكون بوقوع عين النجس فيه (3)، بل لو وقع فيه متنجس حامل لاوصاف النجس فغيره بوصف النجس ] (1) كما صرح به جماعة كثيرة، بل في الجواهر: " يمكن استنباط الاجماع عند التأمل عليه ". إذ مورد اكثر النصوص نجس العين كالميتة، والدم، والبول. وأما النبوي ونحوه فهو وان كان لفظه عاما للمتنجس، إلا أن منصرفه خصوص وصف نجس العين، إذ هو الذي يساعده الارتكاز العرفي من اختصاص النفرة بذلك لا غير عندهم، للفرق بين ظهور أثر النجس بالذات في الماء، وبين ظهور أثر الطاهر بالذات فيه، وان كان نجسا بالعرض، فان الاول يناسب البناء على نجاسة الماء دون الثاني، لان النفرة الذاتية في الاول تستوجب النفرة عن الاثر، بخلاف الثاني، لعدم النفرة الذاتية فيه، والنفرة العرضية زائلة بزوال موضوعها، لفرض الاستهلاك. فتأمل جيدا. (2) يعنى: مع بقاء الدبس بنحو يصح استصحاب نجاسته. أما لو صيره مضافا بعد الاستهلاك أو مقارنا له فقد تقدم أن للطهارة وجها وجيها. (3) كما صرح بذلك جماعة. وقد يشكل: بأن المعيار في التنجس ان كان ظهور أثر النجاسة في الماء - ولو لم تكن ملاقاة لها فالازم الاكتفاء بذلك ولو مع المجاورة، وان كان بشرط الملاقاة فالتغير بالمتنجس الحامل لصفات عين النجاسة لا يوجب النجاسة لعدم الملاقاة. نعم إذا كان المتنجس حاملا لاجزاء النجاسة - ولو كانت متفرقة فيه - كانت الملاقاة للنجاسة، لكنه ليس من محل الكلام، أو أنه ليس كذلك دائما. فان قلت: المتنجس إذا كان حاملا لاوصاف النجاسة فلابد أن يكون حاملا لاجزائها لامتناع انتقال العرض من محل إلى محل آخر، وحينئذ فالملاقي

===============

( 121 )

[ تنجس أيضا. وأن يكون التغير حسيا (1)، فالتقديري لا يضر، ] له ملاق لعين النجاسة حقيقة (قلت): هذا المقدار غير كاف في التنجس لان قوله صلى الله عليه وآله: " لا ينجسه شئ إلا ما غير.. ". قد عرفت أنه منصرف إلى المتغير بملاقاة النجاسة عرفا، وهو غير حاصل في جميع أفراد المتغير بالمتنجس وان كان حاصلا عقلا. اللهم إلا أن يبنى على عموم الموصول في النبوي ونحوه للنجس والمتنجس وعلى انصرافه إلى خصوص صورة الملاقاة وكون التغير بوصف النجس ذاتا لمساعدة الارتكاز العرفي عليه، كما أشرنا إلى ذلك آنفا. ويؤيده أن الغالب في التغير بالجيفة ونحوها سراية التغير مما حولها إلى ما يتصل به وهكذا. ومن هذا يظهر الاشكال فيها في الجواهر من اختصاص الحكم بالنجاسة بصورة استناد التغير إلى النجاسة التي تغير بها المتنجس دون غيرها من الصور وان كان التغير بصفة النجاسة. فانه مبني على اختصاص الموصول في النبوي ونحوه بالنجس دون المتنجس، ولكنه خلاف الاطلاق. فلاحظ. وقد يقرر الوجه في النجاسة: بأن المتغير بعين النجاسة إذا امتزج بالكثير فغيره، فاما أن يطهر المتنجس، وهو خلاف النص والاجماع على اعتبار زوال التغير في طهارة المتغير، أو يبقى كل على حكمه، وهو خلاف الاجماع على اتحاد الماء الواحد في الحكم، أو ينجس الطاهر، وهو المطلوب ويتم الحكم في غير الممتزج بالاجماع على عدم الفصل. (1) المراد بالحسي (تارة): ما يقابل الواقعي الذي لا يدركه الحس (وأخرى): الفعلي ما يقابل التقديري. واعتبار الحسي بالمعنى الاول مقتضى النصوص الدالة على الطهارة بملاقاة البول والدم وغيرهما إذا لم يتغير الماء، فانه لابد من وجود التغير واقعا لاختلاف اللونين. وأما اعتباره بالمعنى الثاني فهو المشهور بل لم ينسب الخلاف فيه إلا إلى العلامة في القواعد وغيرها

===============

( 122 )

[ فلو كان لون الماء أحمر أو أصفر، فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيره لو لم يكن كذلك لم ينجس، وكذا إذا صب فيه بول كثير لا لون له بحيث لو كان له لون غيره، وكذا لو كان ] وبعض من تأخر عنه. ويشكل: بأن التغير كغيره من العناوين المذكورة في القضايا الشرعية ظاهر في الوجود الفعلى، ولا سيما بملاحظة الارتكاز العرفي فلا يشمل التقدير الفرضي. ودعوى: كون التغير ملحوظا طريقا إلى كم النجاسة، لا موضوعا ليدور الحكم مداره. مندفعة أولا: بأنه خلاف الظاهر، كما عرفت. ثانيا: بأن لازمه عدم نجاسة المتغير إذا كان كم النجاسة قليلا ووصفها شديدا. وثالثا: بأن تحديد الكم المقتضى للتغير مجهول لا طريق إلى معرفته، ولازمه أنه مع الشك يرجع إلى استصحاب الطهارة ولو مع العلم بالتغير. اللهم إلا أن يدعى ان التغير طريق شرعي إلى حصول الكم المنجس، فتكون النصوص المتضمنة للنجاسة مع التغير واردة في مقام جعل الحكم الظاهري لا الواقعي ولكنه كما ترى. وعن البيان وجامع المقاصد الاكتفاء بالتقدير فيما لو كان عدم ظهور أثر النجاسة لوجود وصف في الماء، معللا: بأن التغير فيه حقيقي مستور، ووافقهما عليه جماعة من الاساطين، بل في الحدائق: نسبه إلى قطع المتأخرين من دون خلاف ظاهر معروف. وفيه ما لا يخفى، لا متناع اجتماع المثلين كالضدين، فإذا كان الماء متلونا بمثل لون النجاسة كيف يتلون بلونها؟ وأشكل من ذلك ما عن المحقق الخونساري من التفصيل في اعتبار التقدير بين الصفات العارضية، كما في المصبوغ بطاهر أحمر، فيعتبر فيه التقدير، وبين الصفات الاصلية، كما في المياه الكبريتية، فلا يعتبر فيه التقدير. فانه بلا فاصل ظاهر.

===============

( 123 )

[ جائفا فوقع فيه ميتة كانت تغيره لو لم يكن جائفا، وهكذا. ففي هذه الصور ما لم يخرج عن صدق الاطلاق (1) محكوم بالطهارة، على الاقوى. (مسألة 10): لو تغير الماء بما عدا الاوصاف المذكورة من أوصاف النجاسة، مثل الحرارة والبرودة، والرقة والغلظة، والخفة والثقل، لم ينجس ما لم يصر مضافا (2). (مسألة 11): لا يعتبر في تنجسه أن يكون التغير بوصف النجس (3) بعينه، فلو حدث فيه لون أو طعم أو ريح غير ما بالنجس - كما لو اصفر الماء مثلا بوقوع الدم - تنجس. وكذا لو حدث فيه بوقوع البول أو العذرة رائحة أخرى غير رائحتهما. فالمناط تغير أحد الاوصاف المذكورة بسبب النجاسة وان كان من غير سنخ وصف النجس (4). ] (1) يعنى: مع عدم استهلاك النجاسة، أما لو كان الخروج عن ذلك بعد الاستهلاك فالحكم الطهارة أيضا. (2) إجماعا محكيا عن غير واحد. ويقتضيه الحصر المستفاد من النبوي وغيره (3) يعنى: قبل الملاقاة. (4) محتملات التغير بدوا أربعة: (الاول): التغير بمثل وصف النجاسة (الثاني): التغير بسنخ وصفها قبل الملاقاة، مثل التغير بالصفرة من وقوع الدم الاحمر. (الثالث): التغير بوصف النجاسة في الجملة ولو كان وصفا لها بعد ملاقاة الماء، نظير الحناء التى وصفها الخضرة، فإذا لاقت الماء صار وصفها الحمرة، والزاج الذي وصفه البياض، فإذا لاقى الماء الذي فيه شئ من الدباغ صار وصفه السواد. (الرابع): التغير

===============

( 124 )

[ (مسألة 12): لا فرق بين زوال الوصف الاصلي للماء أو العرضي، فلو كان الماء أحمر أو أسود لعارض، فوقع فيه البول حتى صار أبيض، تنجس. وكذا إذا زال طعمه ] مطلقا ولو بوصف أجنبي عن وصف النجاسة مطلقا أو بزوال وصفه. هذا وقد يظهر من الجواهر أحد الاولين، للتبادر، أو لانه المتيقن ويرجع في غيره إلى استصحاب الطهارة. كما أن مقتضى الاطلاق في النبوي وغيره الاخير. اللهم إلا أن يناقش في الاطلاق: بأن الارتكاز العرفي يساعد على اعتبار ظهور وصف النجاسة في الماء لاختصاص الاستقذار العرفي بذلك وطروء وصف أجنبي أو زوال وصف الماء لا يوجب النفرة. ويعضده ظهور جملة من النصوص في ذلك، ففي صحيح شهاب الوارد في الجيفة تكون في الغير قال (ع): " إلا أن يغلب الماء الريح فينتن.. (إلى أن قال): قلت: فما التغير؟ قال (ع): الصفرة " (* 1). وفي موثق سماعة: " إذا كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضأ ولا يشرب " (* 2). وفي خبر العلاء: " لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول " (* 3). وفى صحيح ابن بزيع: " حتى يذهب الريح ويطيب طعمه " (* 4). فان ظاهر الجميع اعتبار التغير بوصف النجاسة في الجملة ولو كان ثبوته لها في حال الملاقاة للماء، كما عرفت في الاحتمال الثالث. وعلى هذا يكون هو المتعين. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره المصنف - رحمه الله - في المسألة اللاحقة بقوله: " لا فرق بين ". فلاحظ وتأمل.


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 11. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 7 (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 12.

===============

( 125 )

[ العرضي، أو ريحه العرضي. (مسألة 13): لو تغير طرف من الحوض - مثلا - تنجس، فان كان الباقي أقل من الكر تنجس الجميع (1)، وان كان بقدر الكر بقي على الطهارة وإذا زال تغير ذلك البعض طهر الجميع ولو لم يحصل الامتزاج، على الاقوى (2) ] (1) لانفعال الباقي بملاقاة المتغير. (2) كما نسب إلى الاكثر، وعن المحقق والشهيد الثانيين واكثر من تأخر عنهما التصريح به. بل قيل: " لم يعرف القول بالامتزاج من قبل المحقق في المعتبر ". وان كان ذلك لا يخلو عن نظر. لصحيح ابن بزيع عن الرضا (ع): " ماء البئر واسع لا يفسده شئ، إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لان له مادة " (* 1) ومحصل ما ينبغي أن يقال في تقريب الاستدلال: أن قوله (ع): " واسع " وان كان يحتمل أن يراد منه الكثير، لكن لما كان ذلك أمرا خارجيا عرفيا كان خلاف ظاهر البيان الوارد من الشارع. فيتعين أن يكون المراد منه أنه واسع الحكم. ولا سيما بملاحظة عدم المناسبة في التعبير عن الكثرة بالسعة وعليه فيكون قوله (ع): " لا يفسده شئ ". من قبيل التفصيل بعد الاجمال، فترجع الجملتان إلى مضمون واحد، ورجوع التعليل إليه محتمل وأما الاستثناء فلا معنى لرجوع التعليل إليه. أما قوله: " فينزح " فرجوع التعليل إليه وان كان ممكنا عقلا إلا أنه بعيد جدا، لخلوه عن المناسبة العرفية وأما قوله (ع): " حتى يذهب الريح.. ". فلما كان المستفاد منه أمرين أحدهما عرفي خارجي، وهو ترتب ذهاب الريح وطيب الطعم على النزح والثاني حصول الطهارة بذلك، كما هو مفاد حرف الانتهاء، لم يكن مانع


____________
(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 12.

===============

( 126 )

عقلي من رجوعه إلى كل منهما. لكن رجوعه إلى الاول يبعده أمور: (الاول): أنه أمر عرفي واضح التحقق، فيكون تعليله في لسان الشارع تعليلا على خلاف وظيفته وبيانا للواضح، (الثاني): أن ذهاب الريح لا يترتب على مجرد وجود المادة، وانما يترتب على ذلك منضما إلى تزايد الماء النقي، ونقص المتغير وغلبة الاول على الثاني، فلو رجع التعليل إليه لزم الاقتصار على بعض العلة في التعليل وهو خلاف الظاهر. (الثالث): أن المفاد المذكور ليس مدلولا عليه بالكلام ولا مما سيق لاجله، وانما هو متصيد. وهذا بخلاف المفاد الثاني كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما عن الشيخ البهائي (ره) في الحبل المتين من إجمال التعليل، لاحتمال رجوعه إلى ترتب ذهاب الريح وطيب الطعم على النزح، نظير قولك: لازم غريمك حتى يوفيك حقك فانه يكره ملازمتك. وعلى ما ذكرنا فالمتعين ارجاع التعليل إما إلى المفاد الثاني للفقرة الاخيرة وحده، أو مع الفقرة الاولى فيكون تعليلا لمجموع المفادين. والاول متيقن والاظهر الاخير. واحتمال ارجاعه إلى الفقرة الاولى فقط - فيكون تعليلا للدفع فقط - بعيد، لان الكلام السابق عليه مشتمل على الدفع والرفع معا وكون الرفع أقرب إليه، فيكون تعليل الدفع الذي هو أبعد إيهاما لخلاف المقصود، فهو خلاف الظاهر. بل عرفت أن رجوعه إلى الرفع الذي هو أقرب متيقن ورجوعه إليه والى الدفع الابعد أظهر، لان تخصيصه بأحدهما دون الآخر مع احتياج كل منهما إليه بلا مخصص، فهو خلاف الظاهر. وكون الثاني من متعلقات الاول - لو تم - فأولى أن يقتضي الرجوع اليهما معا لا إلى احدهما وحده. على أن تعلق الثاني بالاول من جهة عطفه عليه

===============

( 127 )

[ (مسألة 14): إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير، } بالفاء، والتعلق بالعطف لا يمنع من كون الثاني متيقنا في مرجعية التعليل. ثم إن مقتضى ظهور التعليل في العموم للمورد وغيره عدم الفرق بين ماء البئر وغيره، فيشمل المقام وان لم يصدق عرفا على مقدار الكر أنه مادة، لان الارتكاز العرفي يقتضي كون المراد من المادة مطلق المعتصم وان لم يسم بالمادة. ولو بني على الاقتصار في التعليل على خصوص ما يسمى بالمادة كان تعليلا تعبديا، وهو خلاف الظاهر. فان قلت: مورد التعليل صورة امتزاج ما في المادة بالماء المتغير على نحو يزول تغيره بتوسط النزح، لان الحكم المعلل مطهرية زوال التغير بتوسط النزح، وهو إنما يكون مع الامتزاج لا بدونه، فكيف يستفاد من التعليل مطهرية الاتصال مطلقا؟! قلت: خصوصية النزح ليست معتبرة. أولا: للاجماع على كفاية الامتزاج ولو لم يكن نزح. وثانيا: لاجل أن البناء على اعتبارها تعبدا يوجب حمل التعليل على التعبدي لعدم دخل النزح في الطهارة في مرتكز العرف، وانما الدخيل مجرد زوال التغير بأي سبب كان، فإذا بني لذلك على الغاء خصوصية النزح كان المدار على مجرد زوال التغير. وأما الامتزاج وغيره من الخصوصيات الموجودة في ماء البئر عند ذهاب تغيره فالغاؤها لازم، للاقتصار في التعليل على ذكر المادة فلو كانت خصوصية غيرها دخيلة في الطهارة عند زوال الريح كان اللازم ذكرها، فعدم التعرض لذلك دليل على عدم اعتباره. والمتحصل مما ذكرنا: أن ظاهر الصحيح الشريف رجوع التعليل إلى الدفع والرفع معا، فكما أن الاتصال بالمادة موجب لاعتصام للماء حدوثا كذلك يوجب ارتفاع النجاسة عند زوال التغير الموجب للنجاسة.

===============

( 128 )

[ ثم تغير بعد مدة، فان علم استناده إلى ذلك النجس تنجس، وإلا فلا (1). (مسألة 15): إذا وقعت الميتة خارج الماء ووقع جزء منها في الماء (2) وتغير بسبب المجموع من الداخل والخارج، تنجس (3)، بخلاف ما إذا كان تمامها خارج الماء. (مسألة 16): إذا شك في التغير وعدمه، أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة، أو كونه بالنجاسة أو بطاهر، لم يحكم بالنجاسة (4). (مسألة 17): إذا وقع في الماء دم وشئ طاهر أحمر فاحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسة (5). ] (1) للاصل. (2) يعنى: بعضها في الماء وبعضها في الارض. (3) كما استظهره شيخنا الاعظم (ره) (* 1) لاطلاق النصوص، مع أن الغالب الجيفة التي تكون في الماء بروز بعضها. والتفكيك بينه وبين فرض المسألة في الحكم بعيد عن المرتكز العرفي والبناء على الطهارة فيهما معا في صورة الاستناد إلى الداخل والخارج كما ترى. بل من المحتمل شمول الاطلاقات لصورة الاستناد إلى ما هو خارج فقط بلا مشاركة ما هو في الماء نعم لو كانت الجيفة في الخارج وبعضها اليسير في الماء كطرف رجلها وذنبها ونحوهما لم تبعد دعوى الانصراف عن مثله. (4) لاصالة عدم التغير، وعدم الملاقاة، وعدم التغير بالنجس. (5) بل ينبغى الحكم بها لو كان بعض مراتب الحمرة مستندا إلى الدم


____________
(* 1) المحقق الشيخ الانصاري.

===============

( 129 )

[ (مسألة 18): الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر (1). نعم الجاري والنابع ] وبعضها مستندا إلى الاحمر، لتحقق التغير بالنجاسة عرفا على سبيل الاستقلال نعم لو كان التغير بمرتبة ضعيفة، بحيث كان أثر الدم استقلالا غير محسوس لم يبعد ما في المتن، لظهور الادلة في الاستناد الاستقلالي. (1) إجماعا في القليل - كما قيل - وعلى المشهور في الكثير. وعن يحيى بن سعيد: القول بالطهارة فيه. لاصالة الطهارة. وللنصوص الدالة على إناطة النجاسة بالتغير وجودا وعدما. وللخبر: " إذا بلغ الماء قدر كر لم يحمل خبثا " (* 1). ولقول الرضا (ع) في صحيح ابن بزيع المتقدم: " حتى يذهب الريح ويطيب طعمه " (* 2) بناء على كون (حتى) تعليلية مع رجوع التعليل إلى الامر العرفي كما سبق احتماله في الحبل المتين. وفيه: أن أصل الطهارة محكوم باستصحاب النجاسة. والاشكال على الاستصحاب: بأن موضوع اليقين فيه المتغير وموضوع الشك غير المتغير، فيتعدد فيه الموضوع، ومع تعدد الموضوع لا يجري الاستصحاب. مندفع: بأن التغير وعدمه من قبيل الاحوال، التى لا يوجب اختلافها تعددا في الموضوع عرفا، كما حقق في محله. وأما النصوص: فظاهرها إناطة النجاسة حدوثا بالتغير وعدمه، لا ما يعم الحدوث والبقاء، كي تصلح حجة في المقام وأما الخبر: فسيأتي - إن شاء الله تعالى - في حكم المتمم كرا الاشكال فيه، لضعف سنده، وهجره عند المشهور، ومعارضته بما دل على انفعال


____________
(* 1) السرائر صفحة: 8. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 12.

===============

( 130 )

[ إذا زال تغيره بنفسه طهر، لاتصاله بالمادة. وكذا البعض من الحوض إذا كان الباقي بقدر الكر كما مر (1). ] الماء القليل (* 1). نعم لو جاز العمل به هناك تعين العمل به هنا، لان خروج الماء عنه حال التغير إنما يقتضي تقييد اطلاقه الاحوالي، لا تخصيص عمومه الافرادي، فإذا وجب الخروج عنه في حال تعين الرجوع إليه في غيره من الاحوال، لوجوب الرجوع إلى المطلق مع الشك في التقييد، فإذا شك في طهارته في حال زوال التغير كان اطلاقه الدال على الطهارة مرجعا رافعا للشك، فلا مجال لاستصحاب النجاسة. وأما صحيح ابن بزيع: فكون (حتى) فيه تعليلية غير ظاهر، وانما تتعين (حتى) لذلك إذا لم يمكن استمرار ما قبلها بدون ما بعدها، مثل: أسلم حتى تسلم، أما إذا أمكن استمراره كذلك فهي فيه للغاية. نعم ربما يكون مدخولها علة غائية وربما لا يكون، والحمل على واحد منهما بعينه يحتاج إلى قرينة، وهي مفقودة في المقام. وقد عرفت ضعف احتمال رجوع التعليل إلى الامر العرفي. (1) ومر وجهه في شرح المسألة الثالثة عشرة.


____________
(* 1) يأتي منه قدس سره في المسألة الرابعة عشرة من فصل الماء الراكد الاشكال بذلك تبعا لما هو المشهور بين الفقهاء. لكنه قدس سره دفع المعارضة واستشكل في الخبر بضعف الدلالة. فراجع.

===============

( 131 )

[ فصل الماء الجاري - وهو النابع (1) السائل على وجه الارض (2) فوقها أو تحتها، كالقنوات - لا ينجس بملاقاة النجس ما لم يتغير، سواء كان كرا أو أقل (3). ] فصل في حكم الماء الجارى (1) بلا خلاف فيه، كما عن جماعة. وفي جامع المقاصد: إن الجاري لا عن نبع من أقسام الراكد، يعتبر فيه الكرية اتفاقا ممن عدا ابن أبى عقيل انتهى. ويساعده المتفاهم العرفي، فان الاستعداد للجريان مقوم لمفهوم الجاري وما لا يكون له نبع فاقد لذلك الاستعداد. نعم الجاري لغة أعم من ذلك. (2) كما نص عليه جماعة. لكن في المسالك: أنه النابع غير البئر سواء جرى أم لا. انتهى. فان أراد أنه كذلك لغة أو عرفا فممنوع. وان أراد أنه كذلك اصطلاحا فغير ظاهر، لما عرفت من تصريح جمع بخلافه. (3) أما نجاسته مع التغير فمتفق عليها نصا وفتوى. وأما عدم نجاسته بالملاقاة - وان كان قليلا - فظاهر محكي عبارات جماعة انه اجماعي، بل عن حواشي التحرير نقل الاجماع عليه صريحا، وفي الجواهر: " يمكن للمتروي في كلمات الاصحاب تحصيل الاجماع على عدم اشتراط الكرية ". ويشهد له التعليل في صحيح ابن بزيع المتقدم (* 1)، على ما عرفت


____________
(* 1) راجع المسألة: 13 من الفصل الاول في المياه.

===============

( 132 )

من عمومه للمقام. وصحيح داود بن سرحان: " قلت لابي عبد الله (ع): ما تقول في ماء الحمام؟ قال (ع): بمنزلة الماء الجاري (* 1). لكن يشكل باجمال الحكم الملحوظ في التنزيل، إذ يحتمل أن لا يكون هو الاعتصام ولا قرينة في الكلام على تعيينه. وأما الاشكال: بأنه على خلاف المطلوب أدل، بناء على اشتراط بلوغ المادة ولو مع ما في الحياض كرا، لان مقتضى التنزيل مساواة الشيئين في الحكم. (فيدفعه): أن التنزيل إنما يقتضى ثبوت حكم ذي المنزلة لما جعل بمنزلته، أعني: حكم الجاري لماء الحمام، لا حكم ماء الحمام للجاري ولو سلم فغاية ما يقتضي ذلك اعتبار الكرية في مادة الجاري - ولو بضميمة الخارج عنها - ولا مضايقة في ذلك. لكن حينئذ يدل على عدم اعتبار الكرية في الماء الجاري كما ذهب إليه العلامة (ره) ومن تبعه. نعم من هنا يظهر أنه لو فرض ظهور الرواية في كون التنزيل بلحاظ الاعتصام لا حكم آخر مجهول فلا يظهر منها التنزيل في الاعتصام مطلقا، بل من الجائز أن يكون التنزيل بلحاظ الاعتصام في حال كون المادة كرا، وعدمه عند كونها دون الكر، فاعتصام الجاري مطلقا مما لا يمكن اثباته من الرواية بوجه. نعم لا يتوجه هذا الاشكال على رواية ابن أبي يعفور (* 2) المتضمنة أن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا، للتصريح فيها بكون الاعتصام هو الملحوظ في التنزيل. كما لا يتوجه عليها الاشكال بمنع عموم النهر للقليل إذ هو خلاف الاطلاق. كالاشكال بمنع اختصاص النهر بما له نبع، إذ هو لا يقدح في الاستدلال بها على حكم ذي النبع.


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 7.

===============

( 133 )

نعم تشكل هذه الرواية: بأن ظاهر قوله (ع): " يطهر بعضه بعضا " أن الاعتصام يكون لماء النهر بنفسه، لا بالمادة، وحيث عرفت الاتفاق على أن مالا مادة له بحكم المحقون يتعين له حمل الرواية على النهر المشتمل على الكر وتكون أجنبية عما نحن فيه (ودعوى): أن حملها على الكر يستوجب الغاء خصوصية النهرية. (يدفعها): أن ارتكاب ذلك أولى من التصرف في ظاهر قوله (ع): " يطهر.. " بحمله على التطهير بالمادة وأما الاشكال عليها: بأن مقتضى المماثلة المساواة من الطرفين.. إلى آخر ما تقدم في صحيح ابن سرحان. فقد عرفت ما فيه، وأنه لا مضايقة في الالتزام باعتبار الكرية في المادة في الجاري وغير ولو بضميمة ما في الحياض. بل لا يبعد اعتبار الكرية فيها مستقلة - وإن قيل: انه لا قائل به ظاهرا - لانصراف اطلاق المادة في التعليل إلى ما كانت كرا، بقرينة الارتكاز العرفي المتعين حمل التعليل عليه، فان البناء على الاخذ بالاطلاق يوجب كون التعليل تعبديا، إذ لا ارتكاز عرفي يساعد على كون المادة مطلقا عاصمة لغيرها. فلاحظ. ثم إن اعتبار الكرية في المادة مستقلة أو بضميمة ما في الحياض، أجنبي عن مذهب العلامة (ره)، فدعوى: أنه عين مذهب العلامة في الجاري غير ظاهرة. ومن ذلك تعرف وجوه النظر في كلمات شيخنا الاعظم (ره) في طهارته. فراجع. وأما صحيحة ابن مسلم في الثوب يصيبه البول: " فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة " (* 1) فالاستدلال بها يتوقف إما على اعتبار التعدد في غير المعتصم، أو على اعتبار ورود الماء في غير المعتصم مع ظهورها في ورود النجاسة على الماء: وكلا المبنيين غير ظاهر. نعم ورد في البول وجوب


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب النجاسات حديث: 1.

===============

( 134 )

[ وسواء كان بالفوران أو بنحو الرشح (1). ومثله كل نابع وان كان واقفا (2). (مسألة 1): الجاري على الارض من غير مادة نابعة ] التعدد. لكن لا مانع من تخصيصه بغير الجاري، عملا بالصحيح المذكور. ومن هذا كله يظهر لك: أن العمدة في اعتصام الجاري - وان كان قليلا - عموم التعليل في صحيح ابن بزيع وكفى به حجة على ذلك. وبه يظهر ضعف ما ذهب إليه العلامة (ره) في اكثر كتبه - وتبعه عليه الشهيد الثاني (ره) في المسالك، والروض، والروضة - من اعتبار الكرية فيه تمسكا بعموم ما دل على انفعال القليل، إذ هو مخصص بالتعليل المذكور حتما، لان ظهور التعليل في العموم أقوى من ظهور ذلك الدليل فيه. ولو سلم التساوي فلاجل أن بينهما عموم من وجه، يتعين الرجوع إلى عموم النبوي الدال على اعتصام الماء مطلقا ولو كان قليلا ما لم يتغير، أو إلى أصالة الطهارة. (1) لاطلاق المادة. وفي الحدائق عن والده (ره): عدم تطهير الآبار التي في بعض البلدان بالنزح بل بالقاء كر، لان ماءها يخرج رشحا. انتهى وفيه: أن ذلك لا يأبى شمول اطلاق المادة له. نعم بناء على ما عرفت من اتفاقهم على اعتبار النبع في الجاري قد يشكل صدقه إذا كانت المادة راشحة لخروج الرشح عن النبع. لكن الظاهر أن المراد من النبع ما هو أعلم من الرشح مقابل مالا مادة له. ولو سلم ذلك فلا يهم بعد ما عرفت من أن العمدة في دليل حكم الجاري مادل على عاصمية المادة، وهي أعم من الرشح بل قد قيل، إن الغالب في الآبار الرشح. (2) لما عرفت من عموم التعليل في صحيح ابن بزيع.

===============

( 135 )

[ أو راشحة إذا لم يكن كرا ينجس بالملاقاة (1). نعم إذا كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس أعلاه بملاقاة الاسفل للنجاسة (2)، وان كان قليلا. (مسألة 2): إذا شك في أن له مادة أم لا وكان قليلا، ينجس بالملاقاة (3). ] (1) لعدم شمول التعليل له. ونصوص الجاري، لو تمت دلالتها على اعتصامه فهي غير واضحة الشمول للفرض، كما عرفت. (2) كما تقدم في المسألة الاولى من الفصل السابق. نعم لو لم يكن الجريان بقوة ودفع تعين البناء على سراية النجاسة إلى العالي، لموافقته للمرتكز العرفي. (3) لان الجمع بين ما دل على انفعال القليل، وما دل على اعتصام ذي المادة يقتضي كون موضوع الانفعال القليل الذي ليس له مادة، فإذا أحرزت قلة الماء، وجرت أصالة عدم المادة، فقد أحرز موضوع الانفعال بعضه بالوجدان، وبعضه بالاصل، فيترتب حكمه. ثم إن الشك في وجود المادة (تارة): يكون في وجودها المقارن لوجود الماء. (وأخرى): في وجودها اللاحق بعد وجود الماء. وفي الصورة الثانية: إن علم بانتفائها قبل زمان الشك بني على استصحاب عدمها فيترتب الحكم بلا إشكال. وان علم بوجودها قبل زمان الشك بني على استصحاب وجودها، ويترتب حكمه وهو الاعتصام بلا إشكال أيضا. أما في الصورة الاولى: فأصالة العدم فيها من قبيل استصحاب العدم الازلي الثابت قبل وجود الموضوع، وهو محل كلام بين الاعلام، وإن كان الاظهر جريانه، لعموم الادلة بعد اجتماع أركانه من اليقين والشك (ودعوى): أن العدم الازلي مغاير للعدم اللاحق للوجود، لكون الاول

===============

( 136 )

عدما لعدم الموضوع، الثاني عدما لعدم المقتضي أو لوجود المانع، وليس عدم الموضوع دخيلا فيه، لفرض وجوده. (مندفعة): بأن هذا الاختلاف لا يستوجب اختلافهما ذاتا، وانما يستوجب اختلافهما منشأ وعلة، وذلك لا يمنع من إجراء الاستصحاب، ولا يوجب التعدد عرفا، كما يظهر من ملاحظة النظائر، فانه يجوز استصحاب ترك الاكل والشرب للصائم بعد الغروب، مع أن الترك إلى الغروب كان بداعي الامر الشرعي - وهو منتف بعد الغروب - والترك بعده لابد أن يكون بداع آخر. فان قلت: عدم العارض لما كان نقيضا لوجود العارض، ولابد من وحدة الرتبة بين النقيضين، ومن المعلوم أن وجود العارض متأخر رتبة عن وجود المعروض، فعدم العارض المأخوذ قيدا في الحكم لابد أن يكون متأخرا رتبة عن وجود الموضوع، والعدم الازلي ليس كذلك، لانه سابق على وجود الموضوع. قلت: السبق الزماني على وجود الموضوع لا ينافي التأخر الرتبي عنه فانه وجود المعدوض وعدمه نقيضان، وهما في رتبة واحدة، ووجود العارض وعدمه نقيضان وهما في رتبة واحدة أيضا، فعدم العارض لما كان بمنزلة المعلول لعدم المعروض كان متأخرا عنه رتبة، وهو عين تأخره عن وجود المعروض المتأخر زمانا، لكون وجود المعروض في رتبة عدمه فالمتأخر عن أحدهما متأخر عن الآخر، وتأخر وجود المعروض زمانا لا ينافي ذلك. وبالجملة: ثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له، ومقتضى الفرعية الانتفاء عند الانتفاء المعبر عنه بالسالبة بانتفاء الموضوع، فإذا وجد زيد بعد العدم صح أن يقال: لم يكن زيد موجودا - يعنى: قبل أن يوجد - كما يصح أن يقال: لم يكن زيد هاشميا، وبعد ما تبدل الاول بنقيضه وصح أن يقال: وجد زيد، فإذا شك في تبدل الثاني بنقيضه يبنى على بقائه،

===============

( 137 )

[ (مسألة 3): يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة (1) فلو كانت المادة من فوق تترشح وتتقاطر، فان كان دون الكر ينجس. نعم إذا لاقى محل الترشح للنجاسة لا ينجس. ] فيقال بعد ما وجد زيد: لم يكن هاشميا. بالاستصحاب، وقد عرفت أن السلب بانتفاء الموضوع عين السلب بانتفاء المحمول لا غيره، فلا مانع من استصحابه عند الشك فيه. ودعوى: أن التقابل بين عدم المحمول ووجوده المأخوذين في موضوع الحكم الشرعي - مثل القرشية واللاقرشية - تقابل العدم والملكة، لا تقابل النقيضين، وعدم العارض عند عدم المعروض يقابل وجود العارض عند وجود المعروض تقابل النقيضين، فلا يكون أحدهما عين الآخر، كي تكون القضية المتيقنة عين القضية المشكوكة كي يصح الاستصحاب. (لا مأخذ) لها ظاهر، فان المذكور في كلامهم أن نقيض الجزاء يثبت مع نقيض الشرط ففي قوله (ع): " لان له مادة " يكون المفهوم: (إذا لم يكن له مادة) الذي هو نقيض: كان له مادة. وكذلك مثل قوله: " إن كانت المرأة قرشية تحيض إلى الستين " يكون المفهوم: " إذا لم تكن المرأة قرشية لا تحيض إلى الستين " فشرط المفهوم نقيض شرط المنطوق. (وبالجملة): الوحدة بين العدمين - عرفا - لا مجال لانكارها، وهي كافية في صحة الاستصحاب ومن ذلك كله يظهر أن استصحاب العدم الازلي لاثبات القيد السلبي في محله. وقد أطال بعض الاعاظم من مشايخنا (* 1) في تقريب المنع من جريان الاصل المذكور، بترتيب مقدمات غير واضحة في نفسها، ولا في صلاحيتها لنفي الاستصحاب المبني على صدق الشك في البقاء عرفا وإن لم يصدق عقلا. (1) هذا مما لا ريب فيه، فانه منصرف الدليل، لمطابقته للمرتكز العرفي


____________
(* 1) الميرزا النائيني (قدس سره).

===============

( 138 )

[ (مسألة 4): يعتبر في المادة الدوام (1)، فلو اجتمع الماء من المطر أو غيره تحت الارض ويترشح إذا حفرت لا يلحقه حكم الجاري. ] (1) قال الشهيد (ره) في الدروس: " ولا يشترط فيه - أي في الجاري - الكرية على الاصح. نعم يشترط دوام النبع ". وظاهر العبارة غير مراد قطعا. فيحتمل أن يكون المراد الاحتراز عن العيون التي لا يتصل نبعها لضعف الاستعداد فيه فتنبع آنا وتقف آنا، كما عن المحقق الكركي احتماله. أو الاحتراز به عن العيون التي يقف نبعها لسد المادة. أو الاحتراز عن العيون التي يقف نبعها لوصول الماء إلى حد مساو لسطح النبع، فإذا نقص من الماء شئ نبعت حينئذ. أو الاحتراز عن العيون التي تنبع في الشتاء وتجف في الصيف، فلا يدوم في فصول السنة، كما عن كثير احتماله بل عن المحقق الكركي: أن اكثر المتأخرين عن الشهيد - رحمه الله - ممن لا تحصيل لهم فهموا هذا المعنى من كلامه. انتهى. والاظهر منها الاول كما أن الحكم بعدم الاعتصام في الثانية ظاهر، لعدم الاتصال. وفي الاخيرتين مشكل، لانه خلاف الاطلاق. وأما الاولى فان كان الآن الذي يكون فيه النبع مما يعتد به عرفا في صدق أن له مادة، كان الماء معتصما في ذلك الآن لا غيره. وإن كان لا يعتد به فلا اعتصام للماء حينئذ دائما. وأما الدوام في عبارة المتن فالمراد منه غير ظاهر. نعم في الجواهر: ان الثمد - وهو ما يتحقق تحت الرمل من ماء المطر كما عن الاصمعي وغيره - الاقوى الحاقه بالمحقون مطلقا، جرى أو لم يجر، للاستصحاب مع الظن أو القطع بعدم شمول ذي المادة له، لا أقل من الشك فيبقى على حكم المحقون من القليل أو الكثير. اللهم إلا أن يفرض كونه على وجه يصدق ذو المادة عليه. أو يقال: إنه مطلقا من ذي المادة

===============

( 139 )

{ (مسألة 5): لو انقطع الاتصال بالمادة - كما لو اجتمع الطين فمنع من النبع - كان حكمه حكم الراكد (1)، فان أزيل الطين لحقه حكم الجاري وان لم يخرج من المادة شئ، فاللازم مجرد الاتصال. (مسألة 6): الراكد المتصل بالجاري كالجاري (2)، فالحوض المتصل بالنهر بساقية يلحقه حكمه، وكذا أطراف النهر وان كان ماؤها واقفا. ] أو بحكمه ولو مع الشك، كما ستعرف. انتهى. وأشار بما ذكره أخيرا إلى ما ذكره بعد ذلك من أن عموم الادلة يقتضي اعتصام كل ماء، والخارج عنه القليل المعلوم عدم المادة له كالحياض والغدران ونحوهما. انتهى. وحاصل وجه الاشكال في اعتصام الثمد ونحوه التشكيك في شمول ذي المادة له. لكنه غير ظاهر، لصدق المادة فيه كغيره. وأما ما ذكره اخيرا من وجه الاعتصام، فهو على خلاف إطلاق أدلة انفعال القليل. واختصاصه بالمعلوم عدم المادة له غير ظاهر الوجه، بل إطلاقه شامل للمعلوم وجود المادة له. غاية الامر يجب الخروج عنه بما دل على الاعتصام بالمادة، فإذا شك في صدق المادة بنحو الشبهة الموضوعية يتعين الرجوع إلى الاصول، بناء على التحقيق من عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وكيف كان فالدوام في عبارة المصنف رحمه الله لا يخلو من إجمال. (1) لما عرفت من ظهور دليل الاعتصام بالمادة في اعتبار الاتصال بها، فإذا انقطع الاتصال لا يدخل المورد تحت ذلك الدليل، ويتعين الرجوع إلى عموم انفعال القليل. (2) لصدق أن له مادة.

===============

( 140 )

[ (مسألة 7): العيون التي تنبع في الشتاء - مثلا - وتنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها (1). (مسألة 8): إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة (2) وان كان قليلا (3) والطرف الآخر حكمه حكم الراكد (4) إن تغير تمام قطر ذلك البعض المتغير، وإلا فالمتنجس هو المقدار المتغير فقط، لاتصال ما عداه بالمادة ] (1) قد تقدم أن المحكي عن جماعة ممن تأخر عن الشهيد - رحمه الله - أنهم فهموا من اعتبار الدوام في النبع في اعتصام الجاري المذكور في عبارة الدروس الاحتراز عن العيون التي تنبع في الشتاء وتجف في الصيف. وعن المحقق الثاني إنكاره، وأنه لا شاهد له من الاخبار ولا يساعد عليه الاعتبار وأنه تخصيص لعموم الدليل بمجرد التشهي. وجعل من فهم ذلك من عبارته ممن لا تحصيل له. وأنه منزه عن أن يذهب إلى مثله، فانه تقييد لاطلاق النص بمجرد الاستحسان، وهو أفحش أغلاط الفقهاء. (2) لاتصاله بالمادة. (3) لما عرفت من عدم اعتبار الكرية في اعتصام المتصل بالمادة. بل عن بعض الحكم بعدم الانفعال مع القلة وإن اعتبرنا الكرية في الجاري لان جهة المنع في الجاري أعلى سطحا فلا تسري النجاسة إليه من المتغير السائل عنه. وفيه: أن العلو الموجب للجريان لا يمنع من سراية النجاسة إلى العالي. (4) يعني يعتصم إن كان كرا، لعموم اعتصام الكر. وينفعل إن كان قليلا، لعموم انفعال القليل واحتمال طهارته - عملا باطلاق ما دل

===============

( 141 )

[ فصل الراكد بلا مادة إن كان دون الكر ينجس بالملاقاة (1) من غير فرق بين النجاسات، حتى برأس إبرة. ] على اعتصام المتصل بالمادة - يندفع بانصراف الاطلاق إلى صورة اتصال الاثر، لا بنحو يكون منفصلا كالطفرة. فان ذلك خلاف المرتكز العرفي المنزل عليه التعليل. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما ذكره في الجواهر، فانه - بعد ما جزم بأن الحكم بالطهارة في غاية الضعف - قال " والمسألة لا تخلو من تأمل، لانه يمكن أن يقال: إن تغير بعض الجاري لا يخرج البعض الآخر عن هذا الاطلاق. وأيضا احتمال الدخول تحت الجاري معارض باحتمال الخروج، فيبقى أصل الطهارة سالما، فيحكم عليه بالطهارة ". إذ فيه: أن الانصراف موجب للخروج عن الاطلاق. وأن معارضة احتمال الدخول باحتمال الخروج مرجعها إلى إجمال دليل اعتصام الجاري، والمتعين الرجوع حينئذ إلى عموم انفعال القليل، لا أصالة الطهارة. فصل في الراكد بلا مادة (1) إجماعا صريحا وظاهرا، حكاه جماعة كثيرة من القدماء والمتأخرين ومتأخريهم، وبعضهم استثنى ابن أبى عقيل، وكأن اطلاق غيرهم لعدم اعتنائهم بخلافه. وعن صاحب المعالم والعلامة المجلسي والمحقق البهبهاني: ان الاخبار بذلك متواترة، وفي الرياض: " جمع منها بعض الاصحاب

===============

( 142 )

مائتي حديث " وعن العلامة الطباطبائي قدس سره - في أثناء تدريسه في الوافي - أنها تزيد على ثلاثمائة رواية. منها الطائفة المتضمنة قولهم (ع): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (* 1) الوارد بعضها ابتداء، وبعضها جوابا عن السؤال عن الماء الذي تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب، وتدخله الدجاجة وقد وطئت العذرة. والمناقشة فيها بعدم عموم الشئ في المفهوم، لان نقيض السلب الكلي هو الايجاب الجزئي لو سلمت، فلا تقدح في الاستدلال فيما نحن فيه، لان المقصود هو الايجاب الجزئي في مقابل مذهب ابن أبى عقيل من السلب الكلي. وما ورد في سؤر الكلب والخنزير، مثل صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الكلب يشرب من الاناء. قال (ع): اغسل الاناء (* 2) وصحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه موسى (ع) قال: " سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال (ع): يغسل سبع مرات " (* 3) وما ورد في الاناءين المشتبهين، كموثق سماعة عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو وليس يقدر على ماء غيره. قال (ع): يهريقهما جميعا ويتيمم " (* 4) ونحوه موثق عمار (* 5)، وموثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال (ع): " إذا أدخلت يدك في الاناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلا أن يكون أصابها. قذر بول أو جنابة، فان أدخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فاهرق


____________
(* 1) راجع أحاديث باب: 9 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 14.

===============

( 143 )

ذلك الماء " (* 1) ونحوه غيره مما ورد في الجنب وغيره.. إلى غير ذلك من النصوص الواردة في أبواب الماء المحقون، والجاري، والحمام، والبئر، ومباحث النجاسات، وغير ذلك. هذا ولم يعرف الخلاف في ذلك إلا من ابن أبي عقيل وتبعه عليه الكاشاني والفتوني. واستدل لهم بروايات هي ما بين مطلق قابل للتقييد بما سبق كالنبوي (* 2) ونحوه. أو ظاهر في الكثير، كالروايات الواردة في الغدير الواقع فيه جيفة، وأنه لا بأس به إذ غلب الماء ريح الجيفة (* 3) أو مجمل، مثل صحيح زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الحبل من شعر الخنزير يستقي به الماء من البئر أيتوضأ من ذلك الماء؟ قال (ع): لا بأس " (* 4) إذ لا يعلم أن السؤال كان لاجل تقاطر الماء من شعر الخنزير في ماء الدلو، أو من جهة الشك في التقاطر، أو من جهة انفعال ماء البئر، أو من جهة استعمال شعر الخنزير في الوضوء العبادي فعلى الاحتمالات الثلاثة الاخيرة يكون أجنبيا عما نحن فيه. وأما خبر محمد بن ميسر: " عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، ويريد أن يغتسل منه، وليس معه إناء يغرف به، ويداه قذرتان. قال (ع): يضع يده ويتوضأ ثم يغتسل. هذا مما قال الله


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من الماء المطلق حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9 وأكثر أحاديث هذا الباب يدل على اطلاق طهورية الماء (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 11، 13، وباب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 2.

===============

( 144 )

عزوجل: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (* 1) " (* 2) فغير ظاهر في القليل بمعنى ما لم يكن كرا، بل من الجائز أن يكون المراد منه مالا يمكن الاغتسال بنحو الارتماس فيه. ولاسيما بملاحظة الاستدلال بآية نفي الحرج فان اقتضاءه لاعتصام ما دون الكر خفي، بخلاف اقتضائه اعتصام مراتب الكر، فان لزوم الحرج من عدم اعتصامها ظاهر، كما لا يخفى مع أن ذكر الوضوء مع الغسل خلاف المذهب. نعم خبر زرارة عن أبي جعفر (ع): " قلت له: رواية من ماء سقطت فيها فارة أو جرذ أو صعوة ميتة. قال (ع): إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها ولا تتوضأ وصبها، وإذا كان غير متفسخ فاشرب منه توضأ واطرح الميتة إذا أخرجتها طرية. وكذلك الجرة وحب الماء والقربة وأشباه ذلك من أوعية الماء. وقال أبو جعفر (ع): إذا كان الماء اكثر من رواية لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ. إلا أن يجيئ له ريح تغلب على ريح الماء " (* 3) لا مجال للاشكال في دلالته على الاعتصام لكن التفصيل فيه بين التفسخ وعدمه مما لم يقل به أحد. وكذلك التفصيل بين الرواية وما زاد عليها. وحمل التفسخ على التغير يأباه ما في ذيله. كما أن حمل ما زاد على الرواية على الكر غريب، لانه خلاف المعهود من مقدار الرواية، ولا يناسبه التعبير المذكور، كما يظهر بأقل تأمل. ومثله في الدلالة خبر أبي مريم الانصاري: " كنت مع أبي عبد الله (ع) في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركي له فخرجت عليه قطعة عذرة يابسة فاكفأ رأسه وتوضأ بالباقي " (* 4) بناء على أن المراد


____________
(* 1) الحج: 78. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 9 8 (* 4) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 12.

===============

( 145 )

بالعذرة عذرة الانسان، كما هو الظاهر. لكن قال شيخنا الاعظم (ره): " إن أحدا لا يرضى أن يتوضأ الامام (ع) من هذا ". بل لا يرضى أحد أن يستعمل الامام (ع) هذا الماء في مطلق الانتفاع فضلا عن الوضوء. بل قد ورد الامر بالاراقة لمثله في جملة من النصوص (* 1)، فلا بد من توجيه الرواية قلنا بالنجاسة أو الطهارة. فلا يبعد إذا حمل العذرة فيه على الروث الطاهر، أو الحمل على خطأ الراوي في اعتقاده أنها عذرة. وليس ذلك بأبعد من حمل الفعل على إرادة بيان الجواز على تقدير القول بالطهارة. ومثلهما في الدلالة خبر علي بن جعفر (ع): " عن جنب أصابت يده جنابة فمسحها بخرقه ثم ادخل يده في غسله هل يجزؤه ان يغتسل من ذلك الماء؟ قال (ع): إن وجد ماء غيره فلا يجزؤه ان يغتسل، وان لم يجد غيره أجزأه " (* 2). لكن التفصيل المذكور فيه مما لم يقل به أحد. مع أن مورده المتنجس. ولو أغمض النظر عن هذه المناقشات في الروايات المذكورة لم يجز الاعتماد عليها - بعد إعراض جماهير الاصحاب عنها، وصيرورة الحكم بالانفعال من الواضحات المتسالم عليها عند الامامية - فضلا عن معارضتها لما عرفت ليلتزم بالجمع العرفي، بحمل نصوص الانفعال على الكراهة، أو اختلاف مراتب النجاسة والطهارة، فانه تأباه نصوص الانفعال باختلاف مواردها وأحكامها وألسنتها، كما لعله ظاهر بالتأمل فيها. وليس ورود مثل هذه النصوص الا كورود غيرها في كثير من المسائل المعلوم حكمها نصا وفتوى مما علم وقوع الخطأ فيه، إما في أصالة الجهة، أو في أصالة صحة النقل،


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 2، 4، 7، 10، 11، 14، وباب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 4، 5. (* 2) لم نعشر عليه في الوسائل، راجع قرب الاسناد المطبوع في ايران سنة 1370 ه‍ صفحة: 48.

===============

( 146 )

أو غير ذلك، ولو بني على إعمال قواعد التعارض في مثله لزم تأسيس فقه جديد. ومنه سبحانه نستمد التأييد وهو حسبنا ونعم الوكيل. هذا وقد فصل استاذنا الاعظم (قدس سره) (* 1) بين النجس والمتنجس فبنى على طهارة الماء بملاقاء الثاني. إذ لا إجماع على الانفعال بملاقاته، ولا خبر دل عليه، خصوصا أو عموما، منطوقا أو مفهوما، لاختصاص الاخبار الخاصة بعين النجاسة وانسباقها من الشئ في الاخبار العامة - كما ادعي في خبر: " خلق الله الماء.. " (* 2) - ولا أقل من أنه القدر المتيقن. ولو سلم شمول المنطوق له فلا عموم في المفهوم، فان الظاهر أن يكون مثل: " إذا كان قد كر.. " (* 3) لتعليق العموم لا لتعليق كل فرد من أفراد العام، فيكون مفهومه إيجابا جزئيا والمتيقن عين النجاسة. ولو سلم عدم ظهوره في تعليق العموم فلا ظهور له في تعليق أفراد العام، وعموم: " خلق الله.. " يكون مرجعا، مضافا إلى استصحاب الطهارة أو قاعدتها. أقول: أما نفي الاجماع، فهو خلاف إطلاق معاقد الاجماعات المدعاة على انفعال الماء القليل. وستأتي أيضا حكاية الاجماع على تنجيس المتنجس - مطلقا - من جماعة كثيرة. وفي المحكي في جملة من عباراتهم دعوى الضرورة عليه. وأما أنه لا خبر يدل عليه، ففيه: أنه ظاهر جملة من النصوص كصحيح شهاب عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في


____________
(* 1) المحقق الخراساني (ره). (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 1، 2، 5، 6.

===============

( 147 )

الاناء قبل أن يغسلها أنه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شئ " (* 1) وقوية أبي بصير عنه (ع): " سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه قال (ع): إن كانت يده قذرة فاهرقه وان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه. هذا مما قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) " (* 2) ونحوهما حسنة زرارة (* 3) وموثقة سماعة (* 4) وخبر علي بن جعفر (ع) (* 5). وفي صحيح البزنطي: " سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة. قال (ع): يكفئ الاناء " (* 6) نعم قد يعارضها موثق أبى بصير المتقدم في أخبار الانفعال، فان صدره وان كان موافقا لما سبق، إلا أن التقلييد في ذيله بقوله (ع): " وفيها شئ من ذلك " يقتضى اشتراط الانفعال بملاقاة عين النجاسة. وكذا خبر ابن جعفر المتقدم في أخبار الاعتصام. لكن لا يبعد أن يكون المراد من الاول: " وقد كان فيها " ولو بقرينة ظهور كون الذيل تصريحا بمفهوم الشرط السابق في الصدر، أو بقرينة ظهور الاجماع على الانفعال بالمتنجس وأما الثاني فلو لم يدل على النجاسة لم يدل على الطهارة أيضا، إذ التفصيل لا يقول به أحد كما عرفت. وأما أن الشرط في أخبار الكر لتعليق العموم. (ففيه): أنه لو سلم كونه مقتضى التركيب في نفسه، فالظاهر منه في المقام كونه لتعليق


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 11. (* 3) الوسائل باب: 26 من ابواب الجناية حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 9. (* 5) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 13. (* 6) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 7.

===============

( 148 )

[ من الدم الذي لا يدركه الطرف (1) ] الافراد، بقرينة وروده مورد بيان حكم النجاسات المختلفة من بول الدواب وولوغ الكلاب، واغتسال الجنب، ودخول الدجاجة، والحمامة، وقد وطئت العذرة، التي قصد السؤال عن انفعال الماء بها، وبأمثالها من النجاسات والمتنجسات التي من شأنها التنجيس وليس واردا في خصوص النفي في مقابل الاثبات في الجملة، ولا في خصوص الاعيان المذكورة، كما يظهر بالتأمل. وعلى هذا فلا مجال للرجوع إلى عموم: " خلق الله الماء.. "، ولا إلى استصحاب الطهارة، أو قاعدتها. (1) عن الشيخ في الاستبصار طهارة الماء القليل عند ملاقاة مالا يدركه الطرف من الدم، كرؤوس الابر، وعن غاية المراد نسبته إلى كثير من الناس. لصحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع): " عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال (ع): إن لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس وان كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه " (* 1). والطعن في سنده بأن فيه محمد بن أحمد العلوي المجهول غير ظاهر - لو سلم - فانه مروي في الكافي بطريق صحيح ليس فيه العلوي الموجود في طريق الشيخ. ومثله الطعن في دلالته بأن إصابة الاناء لا تقتضي إصابة الماء. فان الظاهر منه إصابة نفس الماء، كما قد يشهد به لسان الجواب. نعم مورده أخص من المدعى، ومعرض عنه عند المشهور، فيسقط بذلك عن الحجية. إلا أن يقال: إن ظاهره عدم الانفعال بما لا يكون مرئيا من أجزاء الدم، وهذا هو مقتضى الاصل إذ لا دليل على نجاسة الذرات الدموية التي لا يدركها الطرف، لعدم ثبوت كونها دما عرفا، نظير الاجزاء المائية


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 1.

===============

( 149 )

[ سواء كان مجتمعا أم متفرقا مع اتصالها بالسواقي (1). فلو كان هناك حفر متعددة فيها الماء واتصلت بالسواقي، ولم يكن المجموع كرا، إذا لاقى النجس واحدة منها تنجس الجميع، وان كان بقدر الكر لا ينجس، وان كان متفرقا على الوجه المذكور، فلو كان ما في كل حفرة دون الكر وكان المجموع كرا، ولاقى واحدة منها النجس، لم تنجس، لاتصالها بالبقية. (مسألة 1): لا فرق في تنجس القليل بين أن يكون واردا على النجاسة (2) أو موردا. ] المنتشرة في البخار. لا أقل من انصراف دليل النجاسة عنها، أو دليل انفعال الماء بملاقاة النجاسة. وعلى هذا فان كان هذا هو مراد الشيخ (ره) فلا بأس به. وفي المبسوط جزم بعدم انفعاله بما لا يمكن التحرز منه، مثل رؤوس الابر من الدم وغيره، لانه لا يمكن التحرز عنه. انتهى. فان أراد ما ذكرنا ففي محله أيضا. وان أراد غيره فهو خلاف إطلاقات الانفعال والتعليل الذي ذكره غير ظاهر صغري وكبري. (1) لا طلاق الادلة. خلافا للمحكي عن المعالم من اعتبار الاجتماع وكأنه لدعوى الانصراف. لكنه - على تقدير ثبوته - بدوي لا يرفع الاطلاق هذا مع تساوي السطوح، أما مع الاختلاف فسيأتي. (2) خلافا للسيد المرتضى (ره) في الناصريات، والحلي في السرائر بل جعله الصحيح المستمر على أصل المذهب وفتاوي الاصحاب. قال السيد (ره): " والوجه فيه: إنا لو حكمنا بنجاسة القليل الوارد على النجاسة لادى ذلك إلى أن الثوب لا يطهر إلا بايراد كر من الماء عليه، وذلك يشق، فدل على أن الماء الوارد على النجاسة لا يعتبر فيه القلة والكثرة

===============

( 150 )

[ (مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف ومائتا رطل بالعراقي (1) ] كما يعتبر في ما يرد عليه النجاسة ". لكنه ليس في الحقيقة تفصيلا بين الوارد والمورود، بل هو قول بطهارة خصوص المستعمل في التطهير، ولو كان مورودا، بناء على عدم اعتبار الورود فيه. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في حكم ماء الغسالة التعرض للوجه الذي ذكره. (1) على المشهور. لمرسلة ابن أبي عمير بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (ع): " الكر من الماء الذي لا ينجسه شئ الف ومائتا رطل " (* 1) بحمل الرطل فيها على العراقي، بقرينة صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " قال: والكر ستمائة رطل " (* 2) بحمل الرطل فيها على المكي - الذي هو ضعف العراقي - بقرينة المرسلة الاولى، حيث يدور الامر بين الجمع بينهما بذلك وبين طرح إحداهما، والاول متعين عرفا، فان الاخذ بالتعيين حيث يدور الامر بينه وبين الطرح أولى من الاخذ بالتخصيص حيث يدور الامر بينه وبينه، إذ التخصيص لا يخلو من ارتكاب خلاف الظاهر، بخلاف تعيين المشترك في أحد معانيه. فان قلت: كل واحدة من الروايتين ليس لها ظاهر حجة، كي يدور الامر بين طرحه وبين التعيين. (قلت): بلى كل واحدة منهما نص في أحد المعاني على البدل، وانما لا يكون لها ظاهر في واحد بعينه، فلو حملت المرسلة على غير الرطل العراقي كانت الصحيحة منافية لها على أي معنى حمل الرطل فيها، فيتعين حمل الرطل فيها على العرافي وكذا القول في الصحيحة فانها لو حملت على غير المكي لنافتها المرسلة على أي معنى حمل الرطل فيها، فيتعين حمل الرطل فيها على المكي. فيكون تعيين أحد المحتملات في كل


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المطلق حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المطلق حديث: 3.

===============

( 151 )

واحدة منهما لئلا يلزم طرح النص من الاخرى. هذا مضافا إلى ما قيل من دعوى الاجماع على عدم كون الكر ستمائة رطل بالعراقي والمدني، وهو قرينة على حمل رواية الستمائة على المكي، فتكون هي قرينة على حمل المرسلة على العراقي. بل لا حاجة إلى الحمل المذكور، لان الستمائة بعد حملها على المكي تكون ألفا ومائتين بالعراقي، وان بقيت المرسلة على اجمالها. نعم رواية ابن جعفر (ع) (10) الواردة في ألف رطل وقع فيها أوقية من بول، المتضمنة أنه لا يصلح شربه ولا الوضوء منه، بناء على ظهورها في الرطل المدني - بقرينة كونه مدنيا - تنافي حمل المرسلة على العراقي. وكأنه لذلك ذهب الصدوقان والمرتضى قدس سرهم - على ما حكي - إلى كون الكر ألفا ومائتين بالمدني. لكن هذه القرينة غير ظاهرة، إذ من المحتمل استعمال الرطل شائعا في المدينة في العراقي كما يستعمل في المدنى. بل قد يظهر من رواية الكلبي النسابة (* 2) أن الاستعمال في العراقي أشيع. فتأمل. وأشكل من ذلك دعوى تعين حمل المرسلة على الرطل العراقي، بقرينة أن ابن أبي عمير كوفي، ومشايخه من أهل الكوفة، وحمل الصحيحة على الرطل المكي، بقرينة أن ابن مسلم من أهل الطائف. وجه الاشكال (أولا): ما عرفت من احتمال استعمال الرطل شائعا في كل من المقادير الثلاثة (وثانيا): أنه لم يثبت وجوب حمل الكلام على عرف السامع في قبال عرف المتكلم. مع أن ابن مسلم من أهل الكوفة، كما يظهر بمراجعة ترجمته في كتب الرجال. وكون المراد من بعض أصحابنا في كلام ابن أبي عمير


____________
(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 16. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب الماء المضاف حديث: 2.

===============

( 152 )

[ وبالمساحة ثلاثة واربعون شبرا إلا ثمن شبر (1) ] بعض الكوفيين غير واضح. (1) على الاشهر أو المشهور. لموثق أبى بصير أو صحيحه: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال (ع): إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصفا (ونصف خ ل)، في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الارض، فذلك الكر من الماء " (* 1). والمناقشة في السند لا تهم بعد كون الحديث موثقا ولاسيما بعد اعتماد المشهور عليه. نعم تشكل دلالته بعدم التعرض فيه للبعد الثالث. ودعوى: حذفه من العمق لدلالة ما قبله عليه، غير ظاهرة. كدعوى أن قوله (ع) ثانيا: " ثلاثة أشبار " ليس بدلا من قوله: " مثله " بل هو معطوف على: " مثله " والتقدير: " وفي ثلاثة أشبار.. " فيكون بيانا لتقدير العمق. بل في الجواهر: أنه عثر على نسخة مقروءة على المجلسي الكبير مصححة هكذا: " في ثلاثة أشبار ونصف في عمقه ". إذ تشكل: بأن تقدير العاطف خلاف الاصل. والنسخة التي عثر عليها في الجواهر لا يعتمد عليها في قبال النسخ المعروفة حتى أن المجلسي الكبير (ره) صار في مقام توجيه الدلالة بجعل: " ثلاثة أشبار " الثانية خبرا ثانيا ل‍ " كان " لا بدلا من: " مثله "، على ما حكاه عنه ولده الاعظم (قده) في مرآة العقول: ولو كانت هذه النسخة صحيحة لما احتاج إلى هذا التوجيه الذي هو خلاف الظاهر كغيره من التوجيهات التى اعترف في مرآة العقول: بأن ارتكابها إنما يسوغ بعد البناء على كون المراد بيان تحديد الجهات الثلاث، إذ تحديد البعض واهمال الباقي لا معنى له. والحمل على القطر - المبني على فرض نادر الوقوع وهو الحوض المدور - بعيد غاية العبد، وأنه لولا


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب الماء المطلق حديث: 6.

===============

( 153 )

ذلك لكان من الاستدلال المبني على الاحتمال. انتهى. (أقول): بل هو من الاستدلال بخلاف الظاهر. وأما ندرة الشكل المدور في الماء فغير ظاهرة. ولاسيما بملاحظة أن المدور مقتضى طبع الماء فتأمل. مع أن تساوي خطوط السطح لا تختص بالمربع بل تكون في المسدس، والثمن، وغيرهما من الاشكال. فالحمل على المربع بخصوصه غير ظاهر، ولا قرينة عليه. ومقتضى إطلاق الكلام الحمل على المدور، فانه الذي تستوي فيه الخطوط من جميع النقاط بخلاف غيره من المضلعات، فان الخطوط فيه لا تستوي إذ هي بين الزوايا أطول منها بين الاضلاع. فاطلاق الاقتصار على بيان بعد واحد يقتضي الحمل على الاول. مع أن المدور ليس له - عرفا - إلا بعد واحد، لان تمايز أبعاده، بمجرد الفرض العقلي بخلاف المضلع، فان تمايز اضلاعه يستوجب تمايز ابعاده، سواء اتساوت - كالمربع والمسدس ونحوهما - أم اختلفت كالمستطيل. وهذه جهة اخرى تستوجب حمل الكلام على المدور دون غيره من الاشكال. (وبالجملة): تساوي الخطوط في المدور من جميع النقاط مع كونه عرفا له بعد واحد يستوجبان حمل الكلام غير المتعرض إلا لبعد واحد عليه دون غيره لفقد كل من الامرين المذكورين فيه، كما لعله ظاهر بالتأمل. وأما ما ذكره في الجواهر، من أن الحمل على المدور حمل على مالا يعرفه إلا الخواص من علماء الهيئة، فيمتنع. ففيه: أنه إنما يتم لو كان المقصود بيان نتيجة ضرب الابعاد بعضها ببعض، لكنه غير ظاهر، بل المراد ذكر علامة على الكر، وهي أن يكون قطره ثلاثة ونصفا وعمقه كذلك، وهو شئ يعرفه أجهل العوام. ولو كان المراد بيان حاصل ضرب الابعاد كان المناسب - بل المتعين - أن يقول (ع): " ثلاثة وأربعون شبرا إلا ثمن شبر " فانه أصرح، وأخصر، وأفيد.

===============

( 154 )

هذا وقد يستدل على المشهور أيضا برواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد الله (ع): " إذا كان الماء في الركي كرا لم ينحسه شئ. قلت: وكم الكر؟ قال (ع): ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها " (* 1) بناء على ما تقدم في تقريب الاول من الاكتفاء بذكر أحد البعدين عن ذكر الآخر، الذي عرفت ما فيه من أنه خلاف الظاهر. أو لان الطول إما مساو أو اكثر، والمتيقن الاول. وفيه: أن هذا لا يقتضي الظهور في الاقل. مع أن الطول لا يكون مساويا للعرض، واستعماله فيه مبني على المسامحة، فالعرض في الرواية الشريفة بمعنى السعة، نظير قوله تعالى: (وجنة عرضها كعرض السماء والارض) وقد عرفت أن اطلاق كون سعة السطح ثلاثة ونصفا منزل على المدور، ولاسيما في الرواية التي موردها الركية التي هي غالبا من المدور، كما قيل، وان كان لا يخلو من تأمل.. وعلى هذا يكون ظاهر الروايتين حصول الكر في ثلاثة وثلاثين شبرا وخمسة أثمان الشبر ونصف ثمنه، بمقتضى ما ذكر في معرفة مقدار المدور من أنه ينقص عن المربع بسبع ونصف سبع، فان التفاوت بين ما ذكرناه وما هو المشهور سبع ونصفه. لا ما ذكر في الجواهر من أن تنزيلها على المدور يقتضي كون


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 8 هكذا رواه في الوسائل القديمة، وهو كذلك في الكافي والتهذيب والوافي وزاد في الوسائل الحديثة ذكر الطول، فقال: " ثلاثة أشبار ونصف طولها في ثلاثة أشبار ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها ". ولعله تبع فيه الاستبصار المطبوع في النجف الاشرف أخيرا، فيكون دليلا صريحا للمشهور ولا يتم ما ذكره قدس سره في رد الاستدلال به. لكن في الوسائل في باب: 10 من ابواب الماء المطلق حديث: 5 قال بعد ذكر ذيل الحديث: " ذكر العرض يغني عن ذكر الطول لانه لابد أن يساويه أو يزيد عليه " وهو صريح في عدم اشتمال الحديث على بعد الطول.

===============

( 155 )

الكر اثنين وثلاثين شبرا وثمنا وربع ثمن. وكأنه لتوهم كون قطر الدائرة ثلث محيطها، مع أن المذكور في محله أن المحيط ثلاثة أمثال القطر وسبع فيكون محيط الدائرة التي يكون قطرها (ثمانية) خمسة وعشرين وسبعا، لا أربعة وعشرين. فإذا كان قطر سطح الماء المدور الشكل ثلاثة أشبار ونصفا، فضرب نصفه في نصف المحيط الذي هو أحد عشر شبرا، ثم ضرب الحاصل في العمق الذي هو ثلاثة ونصف، كان الحاصل ما ذكرنا - الذي ذكره الوحيد (ره) لا ما في الجواهر. هذا وفي المدارك استوجه العمل بصحيحة اسماعيل بن جابر: " قلت لابي عبد الله (ع): الماء الذي لا ينجسه شئ؟ قال (ع): ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " (* 1) مستظهرا من اعتبار الذراع والشبر في السعة اعتبارهما في كل من البعدين. ولم يتعرض لمقدار الذراع. فان كان شبرين - كما يظهر من بعض أخبار المواقيت (* 2)، ويساعده الاختبار - يكون الكر ستة وثلاثين شبرا حاصلة من ضرب ثلاثة في ثلاثة، والحاصل في أربعة العمق. وان كان الذراع قدمين - كما يظهر من جملة من أخبار ذلك الباب (* 3) - يكون الكر اثنين وخمسين شبرا تقريبا، لان القدم يزيد على الشبر بسدس تقريبا. هذا ولما عرفت ظهور مثل هذا التحديد في تحديد بعدين لا غير، وأنه منزل على الشكل المدور، تعرف أن مقتضاها كون الكر ثمانية وعشرين شبرا وسبعين بناع على أن الذراع شبران، وأربعين شبرا تقريبا، بناء على أنه قدمان.


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب مواقيت الصلاة حديث: 18. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب مواقيت الصلاة حديث: 3 وقد يستفاد من غيره من اخبار الباب وغيرها.

===============

( 156 )

والمحكي عن القميين وجماعة من المتأخرين - كالعلامة في المختلف، والشهيد الثاني في روض الجنان والروضة. والاردبيلي في مجمع البرهان، والسيد بحر العلوم في سياق أخبار القلتين في المصابيح (* 1) وغيرهم -: أنه سبعة وعشرون شبرا لرواية إسماعيل بن جابر: " سألت أبا عبد الله (ع) عن قدر الماء الذي لا ينحسه شئ. فقال (ع): كر. قلت: وكم الكر؟ قال (ع): ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار " (* 2). وقد وصفت هذه الرواية بالصحة في كلام جماعة، بل عن البهائي أنها موصوفة بالصحة من زمن العلامة - رحمه الله - إلى زماننا. انتهى. والظاهر أن الوجه في ذلك أن الشيخ (ره) رواها في الاستبصار وموضع من التهذيب. عن عبد الله بن سنان. لكن في الكافي رواها عن ابن سنان وقد استظهر غير واحد أنه محمد. وعن موضع من التهذيب، أنه رواها عن محمد بن سنان. ومن المستبعد كونهما معا روياها. ولاجل ذلك يشكل الحكم بصحة الرواية، كما يشكل انجبارها بعمل الجماعة بعد ظهور خطئهم في اعتقادهم صحة سندها. كما يشكل انجبارها بعمل القميين. لعدم ثبوته، فان مضمونها وان نسب إلى القميين في كلام جماعة - كالحلي والعلامة والشهيدين، وغيرهم - على ما حكي، لكنه في المنتهى خصه بابن بابويه، وفي الخلاف نسبة الاول إلى جميع القميين وأصحاب الحديث. فالعمدة: أن الظاهر جواز العمل باخبار محمد بن سنان لثبوت وثاقته. فلا ينبغى التوقف عن العمل بها من جهة السند. وأما الطعن في دلالتها، فيندفع بشيوع الاكتفاء بذكر البعدين عن


____________
(* 1) لكن السيد في مفتاح الكرامة بعد أن قال: " وهو (يعني تحديد الكر بسبعة وعشرين شبرا) مختار الاستاذ الشريف أيده الله تعالى حيث قال: والانصاف ترك الانصاف " قال: " لكن عدل عنه في الهداية " فراجع (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 7.

===============

( 157 )

ذكر البعد الثالث فيما لم ينص على بعد بعينه. وبذلك افترقت هذه الرواية عن السوابق للتنصيص فيها على العمق والعرض والسعة، بخلاف هذه الرواية. مع تأيدها أو اعتضادها بالمرسل عن المجالس والامالي: أنه ثلاثة طولا في ثلاثة عرضا في ثلاثة عمقا (* 1). وبالاجماع على عدم كون الكر أقل من سبعة وعشرين، فيمتنع حملها على المدور. واحتمال سقوط لفظ النصف منها، لا يعتد به. لانه خلاف الاصل كما أن إعراض المشهور عنها لا يصلح موهنا لها. لاحتمال أن يكون لبعض الوجوه المرجحة لغيرها عليها في نظرهم. نعم لو بني على إعمال قواعد التعارض بين النصوص لتعذر الجمع العرفي بينها، يتعين العمل بصحيحة اسماعيل بن جابر، المتضمنة للذراع والشبر - التي تقدم ظهورها في المستدير - لانها أصح الاخبار - كما قيل - لولا أن تسقط عن الحجية باعراض الاصحاب عنها، قال في المنتهى - بعد ذكر الصحيحة المذكورة -: " وتأولها الشيخ على احتمال بلوغ الارطال وهو حسن، لانه لم يعتبر أحد من أصحابنا هذا المقدار ". فيبقى التعارض بين خبر ابى بصير المتقدم في دليل المشهور، وبين رواية اسماعيل التي هي مستند ابن بابويه. ولا يبعد كون سند الاول أوثق فيترجح. وقد عرفت ظهوره في المدور. وأنه عليه يكون الكر أربعة وثلاثين شبرا إلا ثمنين ونصف ثمن. هذا بناء على تعذر الجمع العرفي بين النصوص، لورودها في مقام التقدير، الذي يمتنع فيه الاختلاف، للزوم وحدة القدر، فاختلافها فيه يستوجب التعارض. لكن هذا المبنى غير ظاهر في المقام، لتحقق الاختلاف بين نصوص الوزن ونصوص المساحة اختلافا واضحا. إذ المحكي عن الامين الاسترابادي:


____________
(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب الماء المطلق حديث: 2.

===============

( 158 )

أنه وزن ماء المدينة فكان يساوي ستة وثلاثين شبرا تقريبا، وظاهر مرآة العقول للمجلسي (ره): أن وزنه يساوي ثلاثة وثلاثين شبرا تقريبا، ووزن ماء النجف في هذه الازمنة جماعة فكان وزنه يساوي ثمانية وعشرين شبرا تقريبا، وبعض الافاضل منهم ذكر أنه يساوى سبعة وعشرين وشبرا. وهذا الاوزان لا توافق المشهور في المساحة. ومن العجيب أن المشهور ذهبوا إلى أن الرطل في التقدير بالوزن عراقي، وأن مساحة الكر ثلاثة واربعون إلا ثمنا، مع ما بينهما من التفاوت الظاهر. وأن الصدوقين ذهبا إلى أن الرطل مدني. وأن مساحة الكر سبعة وعشرون مع ما بينهما أيضا من التفاوت الظاهر. وقد كان الانسب للمشهور في المساحة الرطل المدني والانسب لمذهب القميين في المساحة الرطل العراقي، فجمع كل من المشهور وغيرهم بين المذهبين في تقديري الوزن والمساحة جمع بين المتنافيين. ولابد من علاج هذا التنافي كالتنافي بين نصوص التقديرين. والتنافي في الفتاوى أشكل وأبعد. والظاهر انحصار العلاج بجعل الاكثر عندهم علامة على وجود الاقل، نظير ما ذكرنا في تقدير حد الترخص بخفاء الجدران وخفاء الاذان، حيث اخترنا أن الحد خفاء الاذان، وأن خفاء الجدران علامة على تحقق الحد ولو قبله. فيكون مراد المشهور من تقدير الكر بالمساحة كونها علامة على وجود الكر، وان قدره الحقيقي هو الوزن لا غير، فيكونون قد تصرفوا باخبار المساحة بحملها على كونها علامة على وجود المقدر. كما أن مراد القائلين بالقول الآخر من تقديري الكر بالوزن كونه علامة على وجود الكر، وأن قدره الحقيقي ما كان بالمساحة فيكونون قد تصرفوا بأخبار الوزن بحملها على كونه علامة على وجود المقدر. فإذا كان بناء الاصحاب على التصرف في نصوص التقدير على كل

===============

( 159 )

حال، لم تكن نصوص التقدير بالمساحة في نفسها متعارضة، لامكان أن يكون كل واحد من تلك التحديدات المشتملة عليها علامة. ولا يقدح في ذلك اختلافها بالقلة والكثرة، بدعوى لغوية جعل الاكثر علامة في ظرف جعل الاقل. لان ذلك الاختلاف في نتيجة ضرب الابعاد، لا في نفس الاشكال المختلفة، وإلا فهي متباينة، والمجعول علامة ليس هو النتيجة. ويؤيد ذلك أنك لا تجد رواية من روايات الباب تعرضت لذكر النتيجة. بل الجميع تضمن التقدير بخصوص المساحة الخاصة، ولو كان المقصود التقدير بالنتيجة كان ذكرها هو المتعين، فانه أصرح وأخصر وأفيد كما عرفت. لكن لما كان تطبيق النتيجة من الامور الصعبة على اكثر الناس أهمل التعرض لها، فلم تجعل بيانا للمقدار ولا علامة على وجود المقدر أصلا. وانما ذكر في البيان الشكل الخاص لسهولة معرفته وترتب الفائدة على بيانه، والاشكال كلها متباينات، فلا مانع من أن يكون كل واحد منها علامة على وجود الكر المقدر حقيقة بالوزن، لا أنه تقدير للكر. وعلى هذا لا مانع من العمل بجميع نصوص المساحة بعد ما كان كل واحد منها جامعا لشرائط الحجية. نعم قد يشكل الامر في رواية اسماعيل التي هي معتمد القميين، من جهة أن المساحة المذكورة فيها، ربما تكون أقل من الوزن، فلا تكون علامة عليه. وحينئذ لا يبعد الالتزام بأن الوزن المذكور أيضا علامة، فيكون مقدار الكر الاصلي ما يساوي سبعة وعشرين شبرا، والوزن علامة عليه. كما تقدم في مذهب الصدوقين في التقديرين. ويؤيد ذلك أن المرتكز عند العرف أن الوزن الخاص لا يكون عاصما، وانما العاصم كثرة الماء وسعة وجوده، بحيث تكون الجهة العاصمة عندهم فيما يساوي السبعة والعشرين شبرا هو الكم الخاص، سواء كان وزنه ألفا ومائتي رطل أم

===============

( 160 )

ألفا وخمسائة رطل، وثقل الماء وخفته ليسا دخيلين في الاعتصام وعدمه. نعم لو ثبت أن بعض المياه الثقيلة وزنها المساوي لالف ومائتي رطل أقل من سبعة وعشرين شبرا، أشكل ما ذكرنا من كون الوزن علامة على بلوغ الاشبار المذكورة لتخلفه عنها. فلابد إما من الالتزام بكونها علامة عند الشك، فتكون امارة على قدر الاشبار المذكورة مع الجهل بوجوده لا مع العلم بعدم وجوده، بل العمل حينئذ يكون على العلم، لامتناع جعل الامارة بخلافه. وإما من الالتزام بأن الكرية العاصمة عبارة عن الجامع بين بلوغ الاشبار السبعة والعشرين، وبين بلوغ المقدار الخاص من الوزن. فالماء الواجد لاحدهما يكون كرا وان فقد الآخر. ولا يبعد البناء على الثاني، فان حمل الدليل عليه اولى من التصرف فيه بحمله على الحكم الظاهري، أو تقييد كل منهما بالآخر. والمتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن تقدير الاصحاب للكر بالوزن يغاير تقديره بالمساحة (الثاني): أن المقدار الواحد لا يقبل تقديرين فيتنافى الدليلان المشتملان على التقديرين (الثالث): أنه لابد من علاج هذا التنافي في الفتاوى، وأن الاظهر فيه حمل التقدير المساحتي المشهوري على العلامة والتقدير الوزني على الحد الحقيقي الاصلي والعكس يكون الحمل على مذهب الصدوقين. (الرابع): أن هذا التصرف بعينه جار في النصوص المتضمنة للمساحة التي هي اكثر من الوزن، وفي الوزن الذي هو اكثر من المساحة. لكن لو ثبت أن بين أقل المساحات وبين الوزن عموما من وجه. كمساحة السبعة والعشرين شبرا، فالمتعين كون القدر هو الجامع بين الوزن وبينه، فإذا حصل أحدهما حصل الكر، وان لم يحصل الآخر. ومما ذكرنا تعرف مواقع النظر في كثير من الكلمات في المقام. ومنه سبحانه نستمد الاعتصام، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

===============

( 161 )

[ فبالمن الشاهي (1) - وهو ألف ومائتان وثمانون مثقالا (2) - يصير أربعة وستين منا إلا عشرين مثقالا (3). ] (1) المشهور أن الرطل العراقي مائة وثلاثون درهما. وتدل عليه رواية ابراهيم بن محمد الهمداني في مكاتبة أبي الحسن صاحب العسكر (ع) إليه في الفطرة، أنها ستة أرطال برطل المدينة قال: " والرطل مائة وخمسة وتسعون درهما " (* 1). بضميمة رواية جعفر بن ابراهيم المذكور في مكاتبته إلى أبي الحسن (ع) وفيها: " الصاع ستة أرطال بالمدني وتسعة أرطال بالعراقي " (* 2). ورواية علي بن بلال في مكاتبته إلى الرجل في الرجل في الفطرة: " فكتب (ع) ستة أرطال من تمر بالمدني وذلك تسعة أرطال بالبغدادي " (* 3) وعن النهاية وفي المنتهى: أنه مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع. ولم يعرف له مستند. نعم يظهر من رواية المروزي (* 4) - المتضمنة كون المد مائتين وثمانين درهما - أنه مائة وأربعة عشرون درهما وأربعة اتساع. لكنه لم يحك العمل بها إلا من المقنع. فالعمل على المشهور. وعليه يكون الكر مائة وستة وخمسين الف درهم. ومقتضى ما ذكروه من أن العشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية، يكون الكر مائة الف وتسعة آلاف ومائتين مثقالا شرعيا. ومقتضى أن المثقال الشرعي ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي، يكون الكر واحدا وثمانين ألفا وتسعمائة مثقال صيرفي. (2) يعنى: صيرفيا. (3) لانه إذا ضرب عدد الامنان في عدد المثاقيل المذكورة، يكون


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب زكاة الفطرة حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب زكاة الفطرة حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب زكاة الفطرة حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 50 من ابواب الوضوء حديث: 3.

===============

( 162 )

[ (مسألة 3): الكر بحقة الاسلامبول - وهي مائتان وثمانون مثقالا - مائتا حقة واثنتان وتسعون حقة ونصف حقة. (مسألة 4): إذا كان الماء أقل من الكر ولو بنصف مثقال، يجري عليه حكم القليل (1). (مسألة 5): إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل (2) كالعكس. نعم لو كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل (3)، من غير فرق بين العلو التسنيمي والتسريحي. ] الحاصل زايد على مقدار الكر من المثاقيل الصيرفية بعشرين مثقالا. ومنه يعلم ما ذكر في المسألة الآتية. (1) إذ ظاهر أدلة التقدير بالوزن، أو المساحة، كونه تحقيقيا لا تقريبيا فلا مجال للمسامحة فيه حينئذ. (2) بلا إشكال. لاطلاق أدلة الانفعال، المنزل على المرتكز العرفي. (3) إجماعا، حكاه جماعة في روض الجنان، ومصابيح العلامة الطباطبائي (ره) ومقابيس المحقق التستري (ره)، والجواهر وغيرها - على ما حكي عن بعضهم - بل عن الاول: أن سراية النجاسة إلى العالي غير معقولة. وان كان فيه تأمل ظاهر ضرورة معقوليتها لو قام دليل عليها. ولعل المراد - كما قيل - انها غير مفهومة من الدليل الدال على انفعال القليل لعدم مساعدة الارتكاز العقلائي عليه في القذارات العرفية، كما أشرنا إليه آنفا. وهو واضح مع العلو التسنيمي والتسريحي الشبيه به، أما في غير ذلك فلا يخلو من تأمل. والرجوع إلى العموم مع الشك - كما استوضحه شيخنا الاعظم (ره) - غير واضح، لان دليل الانفعال إنما يدل على سراية

===============

( 163 )

[ (مسألة 6): إذا جمد بعض ماء الحوض والباقي لا يبلغ كرا، ينجس بالملاقاة ولا يعصمه ما جمد (1). بل إذا ذاب شيئا فشيئا ينجس أيضا. وكذا إذا كان هناك ثلج كثير فذاب منه أقل من الكر فانه ينجس بالملاقاة، ولا يعتصم بما بقي من الثلج. (مسألة 7): الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل (2) على الاحوط، ] النجاسة إلى جميع أجزاء الماء بتوسط الارتكاز العرفي، وإلا فنجاسة الماء بملاقاة النجاسة أعم من نجاسة الجزء الملاقي فقط - كما في الجامدات - ومن نجاسة الجميع بالسراية، وحمله على الثاني إنما كان بقرينة الارتكاز العرفي، فإذا كان الارتكاز مجملا كان الاحكم بالسراية بلا قرينة، فيرجع إلى عموم اعتصام الماء، أو استصحاب الطهارة. (1) لان السيلان معتبر في مفهوم الماء عرفا، فمع الجمود لا يصدق. لا أقل من انصراف مفهوم الماء عنه، فلا يدخل في اطلاق أدلة احكام الماء. ومنه يظهر ضعف ما عن المنتهى، من الحاق الجامد بالمائع، وعن حواشي الشهيد: أنه الاقوي، وما في القواعد وعن التحرير من التوقف فيه. (2) إما لانه يستفاد من النصوص أن الملاقاة مقتضية للانفعال والكرية مانعة عنه، فمع الشك في المانع يرجع إلى أصالة عدمه. وإما لان اناطة الرخصة - تكليفية كانت أو وضعية - بأمر وجودي، ويدل بالالتزام العرفي على اناطة الرخصة باحراز ذلك الامر، وانتفائها بعدم احرازه. وإما لان مقتضى العمومات انفعال الماء إلا الكر، فمع الشك في كرية الموجود يشك في مصداق الخاص، والعموم مرجع في الشبهات المصداقية. وإما لان

===============

( 164 )

أصالة عدم وجود الكر في المكان المعين كافية: في إثبات عدم كرية الماء الموجود، فيترتب حكمه وهو عدم الاعتصام. وإما لاصالة عدم الكرية الازلي، نظير أصالة عدم القرشية، لان الكرية وصف زائد على صرف وجود الماء، كوصف القرشية، وقد عرفت فيما سبق صحة جريان الاصل في العدم الازلي. لكن الاول: مبني على تمامية قاعدة الاقتضاء، والمحقق في محله عدمها والثاني: إن كان المراد منه أن إناطة الرخصة بالامر الوجودي مرجعها إلى إناطة الرخصة الواقعية بذلك الامر، واناطة الرخصة الظاهرية بالعلم بوجوده فيكون المجعول حكمين: واقعيا منوطا بوجود ذلك الامر الواقعي وظاهريا منوطا بالشك فيه. فذلك مما لا يقتضيه ظاهر الدليل أصلا، وليست إناطة الرخصة بأمر إلا كاناطة المنع بأمر، ليس المقصود منها إلا جعل حكم واقعي لموضوعه الواقعي. وإن كان المراد أن هناك قاعدة عقلائية ظاهرية، نظير جواز الرجوع إلى العام عند الشك في وجود الخاص. فهو أيضا غير ثابت. نعم إذا كان الاصل يقتضي انتفاء الامر المنوط به الجواز كان الاصل النافي له نافيا لحكمه وهو الجواز. ولكن هذا وجه آخر يأتي ويتوقف على جريان الاصل النافي للكرية. والثالث: يتوقف على أن مقتضى العموم انفعال الماء والخارج منه الكر. وهذا ليس بأولى من القول: بأن مقتضى العموم الاعتصام والخارج عنه القليل، كما يشهد به النبوي المشهور (* 1)، وجملة من النصوص المتقدمة في انفعال الماء القليل. مضافا إلى أن التحقيق، عدم مرجعية العام في الشبهات المصداقية. والرابع: يتوقف على القول بالاصل المثبت، لان موضوع الانفعال


____________
(* 1) وهو قوله صلى الله عليه وآله: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ.. " الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9.

===============

( 165 )

[ وان كان الاقوى عدم تنجسه بالملاقاة. نعم لا يجري عليه حكم الكر، فلا يطهر ما يحتاج تطهيره إلى القاء الكر عليه (2)، ولا يحكم بطهارة متنجس غسل فيه (2). ] الماء الذي ليس بكر الذي هو مفاد ليس الناقصة - لاعدم وجود الكر - الذي هو مفاد ليس التامة - واثبات الاول بالاصل الجاري لاثبات الثاني من العمل بالاصل المثبت. والخامس: يتوقف على أن الكرية من عوارض وجود الماء عرفا بنحو تصدق في الازل السالبة بانتفاء الموضوع، وليس كذلك، فانها نحو سعة في مرتبة الطبيعة، فلا يصح أن تشير إلى كر من الماء وتقول: هذا قبل وجوده ليس بكر كما لا يصح أن تقول: هؤلاء العشرة من الرجال قبل وجودهم ليسوا بعشرة، وهذا المثقال من الدقيق قبل وجوده ليس بمثقال. وليست الكرية منتزعة من صفات عارضة على وجود الماء. مثل الحمرة والصفرة ونحوهما. فليس المقام من موارد جريان الاصل في العدم الازلي، الذي عرفت فيما سبق صحة جريانه. (1) لان التطهير من أحكام الكر، فلا يترتب مع الشك في موضوعه بل يرجع إلى استصحاب النجاسة. نعم لو قام اجماع على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم الظاهري، وقد كان الماءان ممتزجين على نحو يصدق أنهما ماء واحد. أمكن القول بحصول الطهارة للملقى عليه، لانه بعد تعارض استصحاب الطهارة في مشكوك الكرية، واستصحاب النجاسة فيما ألقي عليه، يرجع إلى قاعدة الطهارة فيهما. لكن الاجماع غير ثابت، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في المتمم كرا بطاهر. (2) يعنى: إذا بنينا على الفرق بين الكر وغيره في شرائط التطهير من علو المطهر. والتعدد، والعصر، ونحوها، وقد فقد بعض تلك الشرائط

===============

( 166 )

[ وان علم حالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة (1). (مسألة 8): الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة ولم يعلم السابق من الملاقاة والكرية ان جهل تاريخهما أو علم تاريخ الكرية، حكم بطهارته (2) وان كان الاحوط ] عند التطهير بمشكوك الكرية. لا يحكم بالطهارة، للشك في حصولها، الموجب للرجوع إلى استصحاب النجاسة. (1) لاستصحابها. والاشكال في الاستصحاب بتعدد الموضوع، يندفع بأن الكثرة والقلة من قبيل الحالات المتبادلة على موضوع واحد عرفا، وهو كاف في صحة الاستصحاب. (2) أما في صورة الجهل بالتاريخين. فلاصالة الطهارة، التي هي المرجع بعد تعارض أصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية - المقتضية للطهارة - مع أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة، المقتضية للنجاسة. هذا على المشهور، من جريان الاصل ذاتا في مجهول التاريخ، إذا كان الاثر مترتبا على عدمه في زمان الآخر، وان كان يسقط للمعارضة. أما بناء على التحقيق من عدم جريانه ذاتا، لان الشك فيه ليس في امتداد المستصحب وعدمه بل في اتصال المستصحب بوجود الحادث الآخر، من جهة الشك في التقدم والتأخر، ودليل الاستصحاب قاصر عن اثبات هذه الجهة - كما سيجيئ في أواخر مباحت الوضوء - فالمرجع أصالة الطهارة ابتداء، بناء على أنها المرجع في ملاقاة النجاسة لمشكوك الكرية، كما تقدم في المسألة السابقة. وبعض الوجوه المتقدمة للحكم بالنجاسة جار هنا أيضا. وأما في صورة العلم بتاريخ الكرية والجهل بتاريخ الملاقاة، فلاصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية فانها تقتضي الطهارة.

===============

( 167 )

[ التجنب. وان علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته (1). وأما القليل المسبوق بالكرية الملاقي لها، فان جهل التاريخان أو علم تاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة (2)، مع الاحتياط المذكور. وان علم تاريخ القلة حكم بنجاسته. (مسألة 9): إذا وجد نجاسة في الكر، ولم يعلم أنها وقعت فيه قبل الكرية أو بعدها، يحكم بطهارته، إلا إذا علم ] (1) لاستصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة، فيثبت موضوع النجاسة وهو ملاقاة ما ليس بكر. ولا يعارضه استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية، لعدم الشك في الملاقاة بالنسبة إلى الازمنة التفصيلية، وبالنسبة إلى الزمان الاجمالي وان كانت الملاقاة مشكوكة، لكن الشك فيها ليس من الشك في البقاء، الذي هو قوام الاستصحاب، كما عرفت. (2) أما مع الجهل بتاريخهما فلما تقدم من أن المرجع أصالة الطهارة. وأما مع العلم بتاريخ الملاقاة، فلاستصحاب الكرية إلى زمان الملاقاء. وقد عرفت أنه لا مجال لمعارضته باصالة عدم الملاقاة إلى زمان القلة. مع أنه لو جرى لم يثبت الملاقاة في حال القلة، فلا يثبت النجاسة. ومنه يظهر أنه لو علم تاريخ القلة، فاصالة عدم الملاقاة إلى زمان القلة وان كان صحيحا في نفسه، لكنه لا يثبت النجاسة إلا إذا أثبت الملاقاة حال القلة، وذلك موقوف على القول بالاصل المثبت، لان ثبوت الملاقاة حال القلة من اللوازم العقلية لعدم الملاقاة إلى زمان القلة. وأصالة تأخر الحادث لا أصل لها، إلا بمعنى أصالة عدم وجود الحادث في زمان الشك في وجوده، لا بمعنى أصالة وجوده في الزمان اللاحق. ومنه يشكل ما في المتن من الحكم بالنجاسة في الفرض، فان مقتضى ما ذكرنا هو الطهارة.

===============

( 168 )

[ تاريخ الوقوع (1). (مسألة 10): إذا حدثت الكرية والملاقاة في آن واحد حكم بطهارته (2)، وان كان الاحوط الاجتناب. ] (1) هذا مثل ما قبله في الحكم، بل هو هو بتفاوت يسير لا يوجب فرقا في الحكم. (2) لاطلاق قولهم (ع): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (* 1) الشامل للملاقاة المقارنة واللاحقة. والتخصيص بالثانية فيه - مع أنه خلاف الاطلاق المؤيد بالارتكاز العقلائي في المانع، فانه يكفي عندهم في مانعية المانع عن أثر المقتضي مقارنته للمقتضي حدوثا، وليس سبق حدوث المانع دخيلا في مانعيته، كما هو ظاهر -: أنه لو حمل الدليل المذكور على الكرية السابقة على الملاقاة حدوثا لزم اعتبار (* 2) اللحوق في الملاقاة - يعني لم ينجسه شئ لو لاقاه بعد صيرورته كرا - وتقييد الجزاء بالملاقاة اللاحقة يستلزم تقييد المفهوم بها، لان حكم المفهوم نقيض حكم المنطوق، فإذا قيد الحكم في المنطوق بقيد تعين تقييد الحكم في المفهوم به، فيكون مفهوم القضية المذكورة: إذا لم يكن الماء قدر كر في زمان ينجسه الشئ الملاقي له بعد ذلك. فتكون صورة المقارنة خارجة عن كل من المنطوق والمفهوم، والمرجع فيها إما عموم طهارة الماء أو استصحاب الطهارة. فتأمل


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق تضمن ذلك عدة اخبار منها. (* 2) فان الملاقاة غير مصرح بها في الدليل، فضلا عن وصف كونها لاحقة للكرية، وانما تستفاد الملاقاة من انصراف الشئ في (الجزاء) إلى الملاقى، فاللحوق ان تمت استفادته من الدليل فهو ايضا للانصراف إلى الملاقي ملاقاة لاحقة، فيكون مفاد الشرطية: إذا كان الماء قدر كر في زمان لا ينجسه شئ لاقاه بعد ذلك. ومفهومها: إذا لم يكن قدر كر في زمان ينجسه شئ يلاقيه بعد ذلك. فتكون صورة التقارن خارجة عن المنطوق والمفهوم (منه قدس سره)

===============

( 169 )

[ (مسألة 11): إذا كان هناك ماءان أحدهما كر والآخر قليل، ولم يعلم أن أيهما كر، فوقعت نجاسة في أحدهما معينا أو غير معين لم يحكم بالنجاسة (1)، وان كان الاحوط في صورة التعين الاجتناب (2). (مسألة 12): إذا كان ماءان أحدهما المعين نجس، فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس أو الطاهر، لم يحكم بنجاسة الطاهر (3). (مسألة 13): إذا كان كر لم يعلم أنه مطلق أو مضاف، فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته (4). وإذا كان ] جيدا. نعم لو كان لسان الدليل هكذا: كل ماء ينفعل بملاقاة النجاسة إلا ما كان كرا قبل الملاقاة. كانت صورة المقارنة داخلة في المستثنى منه لكنه ليس كذلك. (1) للشك في ملاقاتها للقليل، والمرجع استصحاب الطهارة سواء أكانت الملاقاة لمعين أم لغير معين. هذا إذا كانت الحالة السابقة مجهولة. أما إذا كانا معلومي الكرية سابقا، فاستصحاب الكرية المقتضي للطهارة هو المرجع. كما أنه لو كانا معلومي القلة، فاستصحابها كاف في الحكم بالنجاسة. (2) تخصيص الاحتياط بهذه الصورة غير ظاهر الوجه، لان اكثر الوجوه المقتضية للحكم بالنجاسة، المتقدمة في المسألة السابعة - من قاعدة المقضى المانع، والتمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وغيرهما - جار في صورتي تعين الملاقي وعدمه. (3) لانحلال العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما المردد، بالعلم التفصيلي بنجاسة أحدهما المعين، فلا مانع من الرجوع إلى استصحاب الطهارة. (4) للشك فيها، من جهة احتمال الاطلاق، والمرجع استصحاب

===============

( 170 )

[ كران أحدهما مطلق والآخر مضاف، وعلم وقوع النجاسة في أحدهما، ولم يعلم على التعيين، يحكم بطهارتهما (1). (مسألة 14): القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس على الاقوى (2). ] الطهارة. نعم بعض الوجوه المتقدمة في المسألة السابعة للقول بالنجاسة مقتض له هنا أيضا. (1) أما مطلق فطهارته معلومة، لانه كر بالفرض. وأما المضاف فيحكم بطهارته ظاهرا، للشك في ملاقاته للنجاسة، فيرجع إلى استصحاب الطهارة. (2) كما هو المشهور، كما عن جماعة. وعن الوسيلة: الطهارة إن تمم بطاهر. ونسبه في المبسوط إلى بعض الاصحاب وقال: إنه قوي. أما إذا تمم بنجس ففي المبسوط: " لا شك أنه ينجس الكل ". لكن عن رسيات السيد والمراسم وجواهر القاضي وغيرها: الطهارة أيضا. وهو صريح السرائر. والعمدة من أدلتهم المرسل في المبسوط من قولهم (ع): " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجاسة " (* 1)، وفي السرائر: " قول الرسول صلى الله عليه وآله المجمع عليه عند المخالف والمؤالف: إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (* 2)، وأرسله السيد (ره) فيما عن المسائل الرسية، واستدل - مضافا إليه - بالاجماع على أن الماء المعلوم وقوع النجاسة فيه المشكوك سبقه على الكرية ولحوقه لها طاهر، فلولا بناؤهم على طهارة المتنجس ببلوغ الكرية لم يكن لذلك وجه. لكن الاجماع المذكور - على تقدير ثبوته وحجيته - إنما يثبت الطهارة فيما نحن فيه لو كان إجماعا على الطهارة واقعا في مورده، أما لو كان على


____________
(* 1) آخر صفحة 3 من المبسوط المطبوع في ايران. (* 2) صفحة: 8 سطر 14 من كتاب السرائر المطبوع في ايران.

===============

( 171 )

الطهارة ظاهرا فهو أجنبي عن المقام، لامكان أن يكون الوجه في مورده أصالة الطهارة، كما عرفته في المسألة الثامنة. أما المقام فلا مجال فيه لاصل الطهارة. أما في المتمم بنجس فواضح، لحكومة استصحاب النجاسة عليها وأما في المتمم بطاهر، فلان مقتضى عموم انفعال القليل نجاسة المقدار الطاهر المتمم للنجس كرا، لملاقاته لذلك النجس. وأدلة اعتصام الكر مختصة بالكر الملحوظ موضوعا للملاقاة، فلابد من ثبوت كريته في رتبة سابقة على الملاقاة، فلا يشمل ما نحن فيه. ومن ذلك يظهر أنه لا مجال في المقام للرجوع إلى عموم: " خلق الله الماء طهورا.. " (* 1). لانه مخصص بأدلة انفعال القليل. كما لا مجال لمعارضة استصحاب الطهارة في المقدار الطاهر لاستصحاب النجاسة في المقدار النجس - بناء على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم واقعا وظاهرا - والرجوع إلى قاعدة الطهارة. وذلك لان الرجوع إلى الاصل إنما يكون مع عدم الدليل، وقد عرفت الدليل على النجاسة. مع أن ذلك إنما يتم بعد امتزاج الماءين، لا قبله بمحض الاتصال، لعدم ثبوت وحدة حكم الماءين حينئذ، كما يظهر مما ذكروه في الجاري والكثير إذا تغير بعضهما حيث ذكروا اختصاص النجاسة بالمتغير لا غير، كما تضمن ذلك النص في الكثير أيضا. مع أن الاجماع على الوحدة في الحكم ظاهرا غير ثابت، والمتيقن الوحدة في الحكم واقعا. وأما المرسل فضعف سنده بالارسال، واعراض المشهور عنه، يمنعان عن العمل به. وعمل ابن ادريس به مبني على اعتقاده رواية المؤالف والمخالف له، وقد قال المحقق: " والذي رواه مرسلا السيد والشيخ وآحاد ممن جاء بعده والمرسل لا يعمل به، وكتب الحديث عن الائمة (ع) خالية عنه أصلا. وأما المخالفون فلم أعرف به عاملا سوى ما يحكى عن


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9.

===============

( 172 )

ابن حي، وهو زيدي منقطع المذهب. وما رأيت أعجب ممن يدعي إجماع المخالف والمؤالف فيما لا يوجد إلا نادرا ". وأما السيد (ره) فلم يظهر منه الاعتماد عليه لولا الاجماع الذي ادعاه. بل من المحتمل أن يكون ذلك الاجماع قرينة عنده على صحته وثبوته. وكذلك القاضي في جواهره، فانه وان رواه عنهم (ع)، لكنه استدل على الطهارة في المتمم بطاهر - الذي هو موضوع كلامه - بأن الطاهر لا ينجس بالملاقاة للنجس، لصيرورته كرا، وبضميمة الاجماع على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم يحكم بطهارة النجس. وأطال في النقض والابرام في اثبات ذلك. ومن الجائز أن يكون اعتماده عليه لذلك. مع أن اعتماد مثله غير كاف في حجية الخبر وأما الشيخ فانه وان ظهر من كلامه في المبسوط الميل إلى الطهارة، لكن ظاهر عبارة المبسوط أن النجاسة أقوى. فلاحظ كلامه. وبالجملة: وجود هذه الضمائم في كلمات الجماعة مانعة من الوثوق باعتمادهم على الخبر بحيث يخرج به عن القواعد. هذا مضافا إلى تأتي المناقشة في دلالته، لان قوله (ع): " لم يحمل خبثا " يحتمل - بدوا - أن يراد منه تشريع اعتصام الكر عن حدوث النجاسة، وانفعال ما دونه، فيكون مفاده منطوقا ومفهوما مفاد الرواية المشهورة: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (* 1). ويحتمل أن يراد منه الرفع، يعني: إذا بلغ الماء النجس كرا ارتفعت عنه النجاسة الثابتة له قبل البلوغ. ومفهومه - على هذا - دال على انحصار مطهرية الماء النجس بالبلوغ كرا، وبقاء النجاسة للماء بدون أن يبلغ كرا، فيكون حجة على بقاء نجاسته مهما شك في ارتفاعها لطروء أمر ما غير الكرية ولا مجال للرجوع إلى استصحابها إذ لا مجال للاستصحاب مع الدليل. وعلى هذا


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق تضمن ذلك عدة احاديث منها.

===============

( 173 )

المعنى تكون الرواية واردة في مقام تشريع البقاء والارتفاع، المترتب على تشريع الحدوث والعدم الذي هو مفاد الرواية المشهورة. وبالجملة: على هذا المعنى يكون قد صدر من الشارع المقدس تشريعان (أحدهما): تشريع الانفعال وعدمه منوطين بالقلة والكثرة، وهو مفاد الرواية المشهورة. (وثانيهما) تشريع بقاء الانفعال وارتفاعه منوطين بطروء الكرية وعدمه، وهذان التشريعان مترتبان، لترتب البقاء والارتفاع على الحدوث وتفرعهما عليه، فيكون كل من منطوق القضية الشرطية ومفهومها على المعنى الثاني متفرعا على مفهومها بالمعنى الاول. ولاجل ذلك يمتنع عرفا أن تكون الجملة المذكورة في مقام انشاء الحكمين المذكورين، بأن يراد من قوله (ع): " لم يحمل خبثا " أنه ان كان كرا لم ينفعل وإلا انفعل، وأنه إن كان كرا لم يبق فيه الانفعال، وإلا بقي. فحمل الرواية على إنشاء الحكمين معا متعذر. وحينئذ يدور الامر بين حملها على الاول - وهو الدفع - فتتحد مع الرواية المشهورة في المفاد، وبين حملها على الرفع فتخالفها فيه، وتكون متضمنة للتشريع الثاني. والاظهر الحمل على الاول، لان الحمل على الثاني يتوقف على تقييد الماء بالماء النجس قبل البلوغ كرا، والعبارة المناسبة له أن يقال: إذا بلغ الماء النجس كرا طهر، لامثل العبارة المذكورة. نعم لو كانت الجملة الشرطية المذكورة في الحديث خبرية، أمكن أن يراد منها المفادان معا. لكنه خلاف الظاهر. ومن ذلك يظهر عدم صلاحية الحديث المذكور لاثبات طهارة المتمم كرا بطاهر، فضلا عن المتمم بالنجس. كما يظهر أن التفصيل بينهما - كما عن الجماعة - اعتمادا على الحديث المذكور ضعيف، فانه لو تمت دلالته لم يكن فرق بين الفرضين، كما اختاره الحلي. اللهم إلا أن يكون الوجه في الفرق بينهما الاجماع على عدم

===============

( 174 )

الطهارة في النجس المتمم بنجس، كما يظهر من المبسوط، حيث نفى الشك في النجاسة فيه. لكن خلاف ابن ادريس قادح في جواز الاعتماد عليه. فتأمل. وأما معارضته - على تقدير تمامية دلالته - بما دل على انفعال القليل المقتضي للحكم بنجاسة الطاهر المتمم، المنافي للحكم بطهارته حين الملاقاة المقتضية للكرية، لامتناع الحكم بالطهارة والنجاسة لموضوع واحد في زمان واحد. ومجرد اختلاف مفاد الدليلين، من أجل أن أحدهما في مقام الدفع، والآخر في مقام الرفع، لا يجدي في رفع المنافاة المذكورة. (فيدفعها): أنه يمكن الجمع بين الدليلين بحمل الثاني على مجرد لاقتضاء دون الفعلية، فلا ينافي فعلية الطهارة، ويكون نظير الجمع بين دليلي العنوان الاولي والثانوي كما يظهر بالتأمل. والجمع بينهما بذلك أقرب من غيره من وجوه الجمع. وأشكل من ذلك معارضته بما تضمن النهي عن غسالة الحمام، كموثق ابن أبي يعفور عن الصادق (ع): " واياك أن تغتسل من غسالة الحمام، فقيها يجتمع غسالة اليهودي، والنصراني، والمجوسي، والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم، فان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وإن الناصب لنا - أهل البيت - لانجس منه " (* 1). إذ يدفعها قصور الدلالة على النجاسة مع بلوغ الكرية، لاجمال المراد من الغسالة، لان موردها من قبيل قضايا الاحوال، بقرينة ذكر اليهودي واخوته - ومن الجائز أن يكون مورد السؤال مالا يبلغ الكر. مع أن العمل بهذه الاخبار لا يخلو من اشكال، كما يأتي فلاحظ.


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المضاف حديث: 5.

===============

( 175 )

[ فصل ماء المطر حال تقاطره من السماء كالجاري (1)، فلا ينجس ما لم يتغير وان كان قليلا، سواء جرى من الميزاب، أو على وجه الارض، أم لا (2). ] فصل في الماء المطر (1) بذلك طفحت عباراتهم. بل استفاض نقل الاجماع عليه في الجملة صريحا وظاهرا. (2) كما هو المشهور. ويشهد له مرسلة الكاهلي عن أبي عبد الله (ع) في حديث: " قلت: يسيل علي من ماء المطر أرى فيه التغير وأرى فيه آثار القذر فتقطر القطرات علي وينتضح علي منه. والبيت يتوضأ على سطحه فيكف على ثيابنا، قال (ع): مابذا بأس لا تغسله. كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (* 1) وصحيح هشام بن سالم: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب فقال (ع): لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه " (* 2) فان الوكوف في الثاني وان كان ملازما للجريان غالبا، فلا يكون له اطلاق يشمل صورة عدم الجريان، إلا أن التعليل بقوله (ع): " ما أصابه.. " ظاهر في الاكتفاء بالمسمى إذا كان غالبا على النجاسة، والاخذ به لازم. وكذلك


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 1.

===============

( 176 )

السيلان في الاول، وان كان لا يعم صورة عدم الجريان. وقوله (ع): " كل شئ يراه.. " غير ظاهر في الاعتصام، لان المطهرية أعم منه ولذا يقال بنجاسة ماء الغسالة ولو طهر المحل بها ولذلك قد تشكل دلالته على المشهور. إلا أن قوله (ع): " كل شئ يراه.. " لما كان مسوقا مساق الكبرى الكلية للجواب بنفي البأس، دل على عموم نفي البأس لكل ما يسمى ماء المطر، وان لم يكن جاريا. هذا وقد ينسب إلى ابن حمزة اعتبار الجريان. والى التهذيب والمبسوط والجامع اشتراط الجريان من الميزاب. ولعل ذكر الميزاب في كلامهم من باب المثال، فيرجع إلى القول الاول. ويشهد له حينئذ صحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه موسى (ع): سألته عن البيت يبال على ظهره، ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر، أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال: إذا جرى فلا بأس به " (* 1) وخبره المروي عن قرب الاسناد: " سألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فيكف فيصيب الثياب، أيصلى فيها قبل أن تغسل؟ قال (ع): إذا جرى من ماء المطر فلا بأس " (* 2) ونحوه خبره - المروي عن كتابه - في المطر يجري في المكان فيه العذرة (* 3). وظاهرها اعتبار الجريان الفعلي: فيشكل الامر في المطر الواقع على الارض الرملية، وفي البحر، ونحوهما مما يمتنع فيه الجريان. وحملها على الجريان بالقوة - كما عن المحقق الاردبيلي - قدس سره - لا قرينة عليه. وأشكل منه ما تقدم عن ظاهر الشيخ وغيره من اعتبار الجريان من ميزاب، فانه تقييد للنصوص المذكورة بلا مقيد، ويلزمه القول بعدم اعتصام


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 9

===============

( 177 )

[ بل وان كان قطرات، بشرط صدق المطر عليه (1)، وإذا ] المطر الواقع في الصحاري والبحار، وهو كما ترى. ومن هنا يظهر الاشكال في هذه الفتاوى، كالاشكال في النصوص. ولا يبعد ما ذكره بعض مشايخنا (قده) من كون مراد الجماعة الحاق ماء المطر الجاري على وجه الارض، بماء المطر النازل من السماء، لدفع توهم اختصاص الحكم بماء المطر حال نزوله، وأنه بعد نزوله واستقراره في الارض يكون بحكم المحقون. وعبارة بعضهم لا تأبى ذلك. ففي الوسيلة - بعد أن ذكر أن الماء الجاري طاهر ومطهر - قال (ره): " وما يكون في حكم الجاري هو ماء الحمام.. (إلى أن قال): وحكم الماء الجاري من الشعب من ماء المطر كذلك ". وعن التهذيب والاستبصار: " ماء المطر إذا جرى من الميزاب فحكمه حكم الجاري ". وكيف كان فالنصوص المتقدمة المستدل بها على اعتبار الجريان في اعتصام ماء المطر يعارضها التعليل في صحيح هشام المتقدم، الظاهر في الاكتفاء باكثرية ماء المطر على المتنجس، الظاهر في غلبته عليه، كما هو اللازم في مطهرية الماء. لان المراد من البول الذي يكون المطر اكثر منه هو الاثر الموجود في السطح، ولعدم السنخية بينه وبين الماء يتعين حمل الاكثرية على الاغلبية، ولاجل ذلك يجب أن تحمل نصوص الجريان على أن اعتباره في موارد السؤال فيها، للمحافظة على الغلبة المذكورة، كما يساعده مواردها. (1) بأن يكون له نحو كثرة بها يتحقق صدق الاسم، وان كان الملاقي للنجس قطرات منه، فلو كان مجموع ما نزل من السماء قطرات يسيرة فلم يصدق عليها ماء المطر لم يترتب الحكم. وفي روض الجنان: " كان بعض من عاصرناه من السادة الفضلاء يكتفي في تطهير الماء النجس بوقوع قطرة واحدة عليه. وليس ببعيد، وان كان العمل على خلافه ". واشكاله

===============

( 178 )

[ اجتمع في مكان وغسل فيه النجس طهر وان كان قليلا (1). لكن مادام يتقاطر عليه من السماء (2). ] ظاهر، لمنع الصدق، أو عدم ثبوته. ولعل مراده الاكتفاء في التطهير بالقطرة من المطر النازل، لا الاكتفاء بها في صدق المطر. وعليه فهو في محله. والفرق بين المقامين واضح - كما في الجواهر - فلاحظ. (1) ولا يحتاج إلى وروده على النجس في حصول طهارته به، لاختصاص اعتبار الورود في التطهير بغير المعتصم، أما المعتصم فلا يعتبر فيه ذلك. هذا بناء على اعتبار الورود في التطهير بغير المعتصم، أما بناء على عدم اعتباره فلا فرق بين ماء المطر وغيره في الحكم المذكور في المتن. (2) أما اعتبار التقاطر من السماء - في الجملة - في الاعتصام فالظاهر أنه لا إشكال فيه، وفي كشف اللثام وظاهر غيره الاتفاق عليه. واما اعتبار كون التقاطر عليه، فهو ظاهر محكي مصابيح العلامة الطباطبائي (قده) بل في الجواهر أنه صريحه، وأنه لم يتعرض لذلك سوى العلامة المزبور، في الكتاب المذكور، وأما غيره فاطلق، بل هو نفسه في منظومته كذلك أيضا. ومال في الجواهر إلى الاكتفاء في اعتصام المجتمع في الارض بوجود التقاطر من السماء وان لم يكن عليه. وجعله ظاهر صحيح ابن الحكم (* 1) وصحيح ابن سالم (* 2)، ومرسل الكاهلي (* 3)، وغيرها. بل جعله ظاهر جميع ما ورد في ماء المطر، وأن ماء المطر كما يصدق على النازل حال نزوله، يصدق على المستقر في الارض، وان اعتصام الثاني لانه ماء مطر، لا لانه متصل بالنازل. نعم يشترط في ثبوت الحكم له - مضافا إلى وجود التقاطر -


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 5.

===============

( 179 )

أن يكون متهيئا للتقاطر عليه فلو وضع في خابية وترك في بيت مثلا لم يجر الحكم المذكور عليه. وفيه: أن ماء المطر (تارة): يراد منه النازل من السماء (وأخرى): يراد منه ما كان أصله كذلك وان كان فعلا في خابية أو مصنع أو نحوهما ولا ريب أن موضوع النصوص والفتاوى هو الاول، لا الثاني، فان جملة من نصوص انفعال القليل موردها الحياض والغدران التي أصلها من المطر، ولا يتوهم المعارضة بينها وبين نصوص الباب، لما عرفت أن موردها المعنى الاول، وكونه جاريا على السطح أو من ميزاب، أو نحو ذلك لا ينافي هذا المعنى، لان اتصاله بالنازل بتوالي القطرات عليه يوجب الوحدة العرفية بينهما، فالنازل من السماء قبل الجريان وبعده مع توالي القطرات عليه، إطلاق المطر، أو ماء المطر عليه في الحالين بمعنى واحد. وكذلك الكلام في أمثال المقام مثل ماء النهر وماء البئر، فانه أيضا يطلق (تارة): على ما كان في النهر أو في البئر، (وأخرى): على ما كان أصله منهما، فإذا قيل ماء النهر يطهر بعضه بعضا، وماء البئر واسع لا يفسده شئ، يكون ظاهرا في المعنى الاول، فإذا سئل عن ماء البئر الجاري على جوانبها، أو ماء النهر كذلك لا يحمل على المعنى الثاني، بل هو ظاهر في الاول، كما لا يخفى. هذا مضافا إلى أن الحمل على الثاني في المقام يقتضي عموم الحكم لصورة انقطاع التقاطر بالمرة، وصورة وضعه في خابية ونحوها، فاخراج الصورتين المذكورتين لا وجه له. اللهم إلا أن يكون من جهة الاجماع. ولكن الاجماع تعبدا على خروجهما غير واضح. وأما التمسك باستصحاب حكم الجاري، فيدفعه: أن عموم انفعال القليل حاكم عليه. مع أنه من الاستصحاب التعليقي، وهو وان كان معتضدا - بالنسبة إلى اعتصامه - باستصحاب الطهارة، لكنه معارض - بالنسبة إلى

===============

( 180 )

[ (مسألة 1): الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر، ونفذ في جميعه طهر، ولا يحتاج إلى العصر أو التعدد (1)، وإذا وصل إلى بعضه دون بعض طهر ما وصل إليه. هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة، والا فلا يطهر إلا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها (2). ] مطهريته لغيره - باستصحاب النجاسة، وان كان المرجع بعد التعارض قاعدة الطهارة، فتتحد النتيجة. فالعمدة في البناء على انفعاله بانقطاع التقاطر، عموم أدلة انفعال القليل التي مورد بعضها ماء المطر بعد انقطاع تقاطره، وبها يخرج عن نصوص الباب. (1) لاطلاق مرسلة الكاهلي المتقدمة (* 1). ومعارضتها بما دل على اعتبار العصر أو التعدد بالعموم من وجه، المقتضية للرجوع إلى استصحاب النجاسة. مندفعة: بأنه لو تم إطلاق دليلهما بنحو يشمل المقام، فرفع اليد عن اطلاق المرسلة وتقييدها بدليلهما يوجب الغاء خصوصية المطر، وذلك خلاف ظاهر الرواية جدا فيتعين العكس، أعني: تقييد دليلي العصر والتعدد والاخذ باطلاقها. مع أن العمدة في دليل اعتبار العصر هو ارتكاز العرف من جهة انفعال الماء المغسول به، ومع اعتصام الماء - كما في المقام - لا مجال له. وكذا في كل ماء معتصم. (2) لعل مقتضى صحيح ابن سالم المتقدم (* 2) الاكتفاء بغلبة المطر على عين النجاسة حتى يزيلها. بل لعل إطلاق رواية الكاهلي (* 3) دال على ذلك، فلا يحتاج إلى التقاطر بعد زوال عين النجاسة.


____________
(* 1) في اول هذا الفصل. (* 2) في اول هذا الفصل. (* 3) وهي مرسلة الكاهلي المتقدمة في اول هذا الفصل.

===============

( 181 )

[ (مسألة 2): الاناء المتروس بماء نجس - كالحب والشربة ونحوهما - إذا تقاطر عليه طهر ماؤه واناؤه (1) بالمقدار الذي فيه ماء. وكذا ظهره وأطرافه إن وصل إليه المطر حال التقاطر، ولا يعتبر فيه الامتزاج، بل ولا وصوله إلى تمام ] (1) ليس في نصوص الباب ما هو ظاهر في ذلك. ودعوى: صدق الرؤية الواردة في المرسلة بمجرد التقاطر، غير ظاهرة إلا بالاضافة إلى السطح الملاقي للقطرات لا غير. مع أنه لو تم ذلك هنا اقتضى طهارة المضاف بذلك أيضا، والظاهر عدم القول به من أحد، وان كان مقتضى ما عن العلامة (ره) في طهر المضاف باتصاله بالجاري، قوله به هنا أيضا، للاجماع على أنه بحكم الجاري، لكنه لم ينقل ذلك عنه هنا. اللهم إلا أن يدعى خروج المضاف عن القاعدة من جهة الاجماع. فالعمدة الاشكال الاول، وهو عدم ثبوت صدق الرؤية لتمام أجزاء الماء بمجرد التقاطر على سطحه. وما في الجواهر من أنه لا ينبغي الاصغاء إلى هذه الدعوى غير واضح. بل يشكل الحكم بالطهارة حتى مع الامتزاج، لان انفصال القطرات بعضها عن بعض موجب لانفعال كل قطرة بعد الاستقرار. ولا ينافي هذا ما تقدم من أن ماء المطر الجاري على الارض معتصم بنفسه ما دام التقاطر عليه، لاختصاص النصوص الدالة على ذلك (* 1) بغير الممتزج، ورواية الميزابين (* 2) محمولة - جزما - على صورة استهلاك البول في ماء المطر. (وبالجملة): لا دليل على أن القطرات الممتزجة بالماء النجس معتصمة ما دام التقاطر، ولا سيما مع استهلاكها فيه. فالعمدة إذا في طهارة الماء المتنجس بتقاطر المطر عليه الاجماعات


____________
(* 1) المتقدمة في اول هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 4.

===============

( 182 )

[ سطحه الظاهر، وان كان الاحوط ذلك (1). (مسألة 3): الارض النجسة تطهر بوصول المطر إليها بشرط أن يكون من السماء، ولو باعانة الريح. وأما لو وصل إليها بعد الوقوع على محل آخر، كما إذا ترشح بعد الوقوع ] المستفيضة على أنه بحكم الجاري، وقد عرفت آنفا طهارة الماء النجس بمجرد اتصاله بالجاري. هذا مضافا إلى الاجماع المحكي على طهارته بوقوع المطر عليه كما عن المفاتيح والروضة. ويمكن الاستدلال له بما في مرسلة الكاهلي، على ما في بعض نسخ الكافي. وفي نسخة الوافي (* 1) عن بعض المتبحرين (* 2) من مشايخنا المعاصرين (قده) تصحيحها هكذا: " يسيل على الماء المطر " بجر الماء ورفع المطر، على أن يكون الضمير في قول السائل: " أرى فيه " راجعا إلى الماء لا إلى المطر. وكأنه بقرينة قوله (ع) في الجواب: " كل شئ يراه.. " إذ لو كان راجعا إلى المطر كان المراد من الجواب أنه مطهر لنفس القذر، وهو ممتنع. والذي يشهد لهذا التصحيح أن مجرور: (على) لو كان ياء المتكلم لكان فرض السيلان عليه منافيا لفرض ورود القطرات عليه، كما لا يخفى. ثم إن الظاهر أنه لا كلام عندهم في طهارة الاناء بطهارة الماء، لان ملاقاته للماء المعتصم مطهرة له، ولو لاستفادته من عموم مرسلة الكاهلي الدالة بعمومها على أن ملاقاة المطر للاناء مطهرة له، فيتعدى منه إلى كل ماء معتصم. كما يأتي ذلك في محله إن شاء الله تعالى. ومنه يظهر الحكم في طهارة ظهره واطرافه. (1) لانه المتيقن من معافد الاجماع على مطهريته للماء واختاره في المستند.


____________
(* 1) الباب الرابع من ابواب أحكام المياه حديث: 3. (* 2) شيخ الشريعة الاصفهاني (ره)

===============

( 183 )

[ على مكان فوصل مكانا آخر، لا يطهر (1). نعم لو جرى على وجه الارض فوصل إلى مكان مسقف بالجريان إليه طهر (2) (مسألة 4): الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر (3)، وكذا إذا كان تحت السقف وكان هناك ثقبة ينزل منها على الحوض، بل وكذا لو أطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض، وكذا إذا جرى من ميزاب فوقع فيه. (مسألة 5): إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهرا (4) بل وكذا إذا وقع على ورق الشجر ثم وقع على الارض. نعم لو لاقى في الهواء شيئا - كورق الشجر أو نحوه - حال نزوله لا يضر، إذا لم يقع عليه ثم منه على الارض، فبمجرد المرور على الشئ لا يضر (5). ] (1) للشك في ذلك من دون دليل عليه. بل عموم انفعال القليل يقتضي انفعال الماء الواصل إليه. وقد عرفت أن هذا العموم مقدم على استصحاب الاعتصام الثابت له حال النزول. (2) لاطلاق نصوص الباب الواردة في ماء المطر الجاري. فلاحظ ما سبق (* 1). (3) يعلم الحكم المذكور مما سبق في المسألة الثانية. (4) لما تقدم في المسألة الثانية. ولا فرق بين السقف وورق الشجر وغيرهما من الوسائط. نعم لو كان يجزي من الواسطة إلى غيرها مع توالي التقاطر عليه كان معتصما ومطهرا. (5) لاطلاق الادلة.


____________
(* 1) في اول هذا الفصل.

===============

( 184 )

[ (مسألة 6): إذا تقاطر على عين النجس، فترشح منها على شئ آخر، لم ينجس (1)، إذا لم يكن معه عين النجاسة، ولم يكن متغيرا (2). (مسألة 7): إذا كان السطح نجسا فوقع عليه المطر ونفذ وتقاطر من السقف، لا تكون تلك القطرات نجسة وان كان عين النجاسة موجودة على السطح ووقع عليها. لكن بشرط أن يكون ذلك حال تقاطره من السماء. وأما إذا انقطع ثم تقاطر من السقف مع فرض مروره على عين النجس فيكون نجسا. وكذا الحال إذا جرى من الميزاب بعد وقوعه على السطح النجس. (مسألة 8): إذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهرا إذا كان التقاطر حال نزوله من السماء، سواء كان السطح أيضا نجسا أم طاهرا. (مسألة 9): التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه إذا وصل إلى أعماقه حتى صار طينا (3). ] (1) يعني: مادام متصلا بماء السماء بتوالي تقاطره عليه، كما هو مورد النصوص المتقدمة، فانه معتصم حينئذ. ولا يضر أن يكون معه عين النجاسة فانه لا ينجس بها، كما هو مورد مرسلة الكاهلي. (* 1) (2) إذ لا إشكال في نجاسته بذلك، كما يستفاد من صحيح ابن سالم (* 2) ومما ذكرنا هنا تعرف وجه الحكم في المسألة السابعة والثامنة. (3) يدل على ذلك اطلاق مادل على مطهريته. مضافا إلى المرسل


____________
(* 1) و (* 2) تقدم ذكرهما في أول هذا الفصل.

===============

( 185 )

[ (مسألة 10): الحصير النجس يطهر بالمطر، وكذا الفراش المفروش على الارض وإذا كانت الارض التي تحتها أيضا نجسة تطهر إذا وصل إليها (1). نعم إذا كان الحصير منفصلا عن الارض، يشكل طهارتها بنزول المطر عليه إذا تقاطر منه عليها، نظير ما مر من الاشكال (2) فيما وقع على ورق الشجر وتقاطر منه على الارض. (مسألة 11): الاناء النجس يطهر إذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه. نعم إذا كان نجسا بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير (3) لكن بعده إذا نزل عليه يطهر من غير حاجة إلى التعدد. ] عن أبي الحسن (ع) في طين المطر: " انه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام، إلا أن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر " (* 1). فتأمل. (1) يستفاد ذلك كله من مرسلة الكاهلي (* 2) وغيرها. (2) تقدم منه (قده) الجزم بالعدم. (3) لان قوله (ع): كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (* 3) ليس بأقوى مما دل على اعتبار التعفير، لقرب دعوى ظهوره في تميز ماء المطر عن سائر أفراد الماء، فلا يعتبر في مطهريته ما يعتبر في مطهرية غيره لا جعله مطهرا لما لا يطهره الماء، كالتراب، فاطلاق ما دل على اعتبار التعفير محكم. لا أقل من تساويهما في الظهور، فيرجع بعد المعارضة إلى استصحاب النجاسة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 6. (* 2) و (* 3) تقدم في أول هذا الفصل.

===============

( 186 )

[ فصل ماء الحمام بمنزلة الجاري (1)، بشرط اتصاله بالخزانة (2) فالحياض الصغار فيه إذا اتصلت بالخزانة لا تنجس بالملاقاة ] فصل في ماء الحمام (1) في الجواهر الاجماع محصلا ومنقولا عليه. ويشهد له صحيح داود ابن سرحان: " قلت لابي عبد الله (ع): ما تقول في ماء الحمام؟ قال (ع): هو بمنزلة الجاري " (* 1). وخبر ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع): " إن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (* 2). وقريب منهما غيرهما. (2) إجماعا كما في الجواهر. ويقتضيه الجمع بين ما تقدم وبين رواية بكر بن حبيب عن أبي جعفر (ع): " ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة " (* 3). وضعفها بجهالة بكر منجبر بعمل المشهور. بل في الحبل المتين: ان جمهور الاصحاب تلقوا روايته هذه بالقبول. انتهى. هذا مضافا إلى رواية صفوان عنه الذي هو من أصحاب الاجماع، وممن لا يروي إلا عن ثقة، كما عن الشيخ (ره) في العدة وأما ما في طهارة شيخنا الاعظم (ره) من أن الظاهر أنه بكر بن محمد بن حبيب - الذي ظاهر المحكي عن النجاشي وصريح الخلاصة: أنه من علماء الامامية، وحكى ابن داود عن الكشي


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 4.

===============

( 187 )

[ إذا كان ما في الخزانة وحده، أو مع ما في الحياض بقدر الكر (1)، من غير فرق بين تساوي سطحها مع الخزانة، ] أنه ثقة - فغير ظاهر، فان ذلك أبو عثمان المازني، المتوفي سنة ثمان واربعين ومائتين، وتمتنع روايته عن أبي جعفر (ع) الذي هو الباقر (ع)، بقرينة وقوع منصور في السند. فلاحظ. ثم إن الظاهر من الحمام في النصوص ما في الحياض الصغار، كما هو الظاهر من الاصحاب والمصرح به في كلام جماعة، ويكون تشبيهه بالجاري في النص والفتوى بملاحظة كونه ذا مادة جارية عليه. فيدل على اعتصامه ما تقدم من عموم اعتصام كل ماله مادة. وكأن الوجه في اهمال تقييد الماء بكونه دون الكر أن القضية لوحظ فيها الافراد الخارجية، وهي في عصر صدور النصوص كلها قليلة لا تبلغ الكر، لا قضية حقيقية ليلزم تقييد موضوعها بما دون الكر، لوضوح أن الماء البالغ كرا لا بأس به وان لم يكن له مادة إجماعا نصا وفتوى. (1) المنسوب إلى الاكثر، أو المشهور. اعتبار بلوغ المادة كرا. وعن جماعة: الاكتفاء ببلوغ المجموع كرا. وفي الحدائق: عدم اعتبار الكرية في المادة ولا في مجموع ما فيها وما في الحياض. ونسبه إلى جملة من المتأخرين ومتأخريهم، واختار أيضا في الكفاية، ونسبه إلى ظاهر كلام المحقق. وعن بعض التفصيل بين تساوي السطوح فيكفي بلوغ المجموع كرا، وبين اختلافها فلابد من بلوغ المادة كرا. وعن بعض التفصيل بين الرفع فالاول، وبين الدفع فالثاني. ومختصر الكلام في تحقيق هذه الاقوال: أنه (إن كانت) نصوص الباب من قبيل القضية الحقيقية، فمفادهما أن عنوان ماء الحمام كعنوان ماء المطر، دخيل في ثبوت الحكم المذكور فيهما، فمهما تحقق ماء الحمام كان بمنزلة

===============

( 188 )

الجاري إذا كانت له مادة. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون ما في المادة وذي المادة بالغا كرا وعدمه. ومقتضى وجوب العمل بهذا الاطلاق البناء على ما ذكره في الكفاية والحدائق وغيرهما من عدم اعتبار الكرية أصلا، لا في المادة، ولا في مجموع ما في المادة وذي المادة. (وإن كانت) من قبيل القضية الخارجية التي حكم فيها على الافراد الخارجية لا غير، لم يكن لها اطلاق يصلح أن يتمسك به لعدم اعتبار الكرية في المادة - فضلا عن مجموع ما في المادة والحياض - لان القضية الشرعية على هذا - من قبيل قضايا الاحوال المكتسبة ثوب الاجمال، ولا يجوز الخروج بها عن القواعد العامة إلا فيما يكون متيقن الدخول في مواردها، مثل الحوض الصغير الذي تجري عليه المادة، فانه لو لم يكن دليل على اعتصامه أمكن أن تكون هذه الروايات دليلا عليه، لانه متيقن دخوله في موردها. وعلى هذا الاحتمال تبتني بقية الاقوال. وحينئذ نقول: إن بني على تقوي السافل بالعالي اكتفي بكون المجموع كرا ولو مع اختلاف السطوح. وان بني على عدمه تعين التفصيل بين صورة تساوي السطوح، فيكفي كون المجموع كرا، وبين صورة اختلافها فلابد من كون المادة وحدها كرا. ولعل اطلاق المشهور اعتبار بلوغ المادة كرا مبني على كون محل كلامهم صورة اختلاف السطوح. ثم على القول بتقوي السافل بالعالي إن قلنا بأن المتمم كرا بطاهر طاهر، لم يفرق بين الدفع والرفع في كفاية كون المجموع كرا. وان لم نقل بطهارة المتمم بطاهر تعين التفصيل بين الدفع فيكفي فيه كون المجموع كرا، وبين الرفع فلا يكفي فيه ذلك، بل لابد من كون المادة وحدها كرا، كما اختاره المصنف (ره) في المتن. هذا ولا ينبغي التأمل في لزوم حمل القضية الشرعية في الروايات

===============

( 189 )

المذكورة على القضية الخارجية (أولا): من جهة أن خصوصية الحمام من قبيل خصوصية الدار والخان ونحوهما من الامكنة، مما لا يساعد العرف على دخلها في الحكم المذكور، والمنسبق إلى الذهن ملاحظتها مرآة للافراد الخارجية. (وثانيا): أن لازم أخذ العنوان المذكور موضوعا للحكم، هو انفعال ماء الحمام إذا لم يكن له مادة ولو كان كثيرا، وعدم انفعاله لو أخذ منه مقدار وجعل مادة، وذلك - مع أنه خلاف المرتكز العقلائي - مما لم يقل به أحد فإذا دار الامر بين حمل القضية على الحقيقية والتصرف فيها باخراج ذلك، وبين حملها على الخارجية، فالثاني أولى. (وثالثا): أنه يظهر منهم الاتفاق على أن المراد من ماء الحمام في النصوص هو ما في الحياض الصغار، ولا يظهر وجه لذلك إلا حمل القضية على الخارجية. فإذا حمل ماء الحمام على الحياض الصغار التي كانت متعارفة في زمن صدور الروايات، فلم لا تحمل المادة على المادة المتعارفة في ذلك الزمان أيضا؟!. وحينئذ لا يسوغ الاخذ باطلاق المادة الشامل لما دون الكر، لان الحمل على ذلك من قبيل الحمل على الفرد الخارجي الذي لا يقبل الاطلاق والتقييد بل عمومها لما دون الكر موقوف على وجود ذلك الفرد في ذلك الزمان وهو غير معلوم. وبالجملة: لا وجه للتفكيك بين ماء الحمام وبين المادة، بحمل الاول على الفرد الخارجي، وحمل الثاني على الكلي ثم يتمسك باطلاقه فاما أن يحملا معا على الفرد الخارجي أو معا على الكلي، كما لعله ظاهر بالتأمل. فما في الحدائق من الجمع بين تمسكه باطلاق المادة، وبين استظهاره أن المراد من ماء الحمام ما في الحياض الصغار بعد نسبة ذلك إلى الاصحاب كما تري. وأما تقوي السافل بالعالي، وعكسه، وعدمهما فقد اختلفت فيها كلمات الجماعة. ولعل أول من تعرض لذلك العلامة (ره) في التذكرة،

===============

( 190 )

قال: " لو وصل بين الغديرين بساقية اتحدا إن اعتدل الماء، وإلا في حق السافل، فلو نقص الاعلى عن كر انفعل بالملاقاة " وظاهره تقوي السافل بالعالي دون العكس، ومثله محكي كلام غيره. ومقتضى ما ذكره في القواعد وغيرها من اعتبار الكرية في مادة الحمام عدم تقوي السافل بالعالى. وظاهر محكي جامع المقاصد عدم تقوي كل منهما بالآخر. وصريح جماعة من المتأخرين التقوي من الطرفين. لاطلاق أدلة اعتصام الكر الشامل لمختلف السطوح ومتساويها. وقد يستشكل فيه (تارة): باختصاصها بالماء الواحد، ومع اختلاف السطوح يتعدد وجود الماء. وفيه: أن التعدد يتوقف على الانفصال وتخلل العدم وهو خلاف المفروض. (واخرى): باختصاص مورد تلك الادلة بالحياض والغدران ونحوهما مما يتساوى فيه السطوح. وفيه - مع أن بعضها لا مورد له معين -: أن المورد لا يخصص الوارد ولا يقيده. (وثالثة): بأن ما دل على اعتبار المادة في ماء الحمام - المنصرف اطلاقها بحكم الغلبة إلى الكر، يكون مقيدا لذلك الاطلاق حتى في غير الحمام، لالغاء خصوصية مورده عرفا. وفيه: أن الغلبة لا تصلح للانصراف المعتد به، وقد عرفت أن أدلة ماء الحمام مجملة لان مضمونها من قبيل القضية الخارجية. (ورابعة): من جهة انصرافه إلى خصوص متساوي السطوح، وفيه: أن الانصراف المذكور بدوي، لان منشأه أنس الذهن بذلك. (وخامسة): بأن الاعلى لا ينجس بنجاسة الاسفل اتفاقا فلا يطهر بطهارته. وفيه: أنه لا ملازمة بين الامرين ولذا لا إشكال في سراية النجاسة من الاعلى إلى الاسفل، مع أن المستشكل ممن لا يقول بتقوي الاعلى بالاسفل. وعمدة الفرق بين المقامين: أن أدلة السراية قاصرة عن شمول الاعلى عند نجاسة الاسفل، بخلاف أدلة اعتصام الكر فانها شاملة لمختلفي السطحين، ومتساويهما كما عرفت.

===============

( 191 )

نعم الذي ينبغي أن يقال: إنه لا ريب في أن المرتكز العرفي عدم تقوي كل من العالي والسافل بالآخر. وهذا الارتكاز موجب لانصراف المطلقات الدالة على اعتصام الكر إلى مستوي السطوح، فيكون موضوع الاعتصام مقيدا بذلك، ومقتضاه انتفاؤه بانتفائه. وليس هذا الانصراف ناشئا من أنس الذهن بالمقيد لسبب من الاسباب الخارجية، من غلبة أو محبة أو نحوهما - ليكون من الانصرافات البدوية التي لا يعول عليها في رفع اليد عن الاطلاق. بل هو ناشئ من المناسبات الارتكازية العرفية التي يعول عليها في تقييد المطلق، كما يظهر من ملاحظة النظاير التي يطول الكلام بذكرها فلاحظ. ولا فرق بين العلو التسنيمي والتسريحي الذي لا يلحق بالمساوي عرفا. هذا كله مع اختلاف السطوح وجريان الماء، فلو كان الماء ساكنا - كما لو عمل ظرف من نحاس على هيئة المنبر - فالظاهر أنه لا إشكال في تقوي كل من الاعلى والاسفل بالآخر. كما أنه مع تساوي السطوح، وضعف الاتصال كما لو وصل بين الغديرين بساقية ضعيفة جدا، فالتقوي حينئذ لا يخلو من إشكال، لانه خلاف الارتكاز العرفي. وكذا لو كان الماء في انبوب ضيق طوله فرسخ أو فرسخان، لعين ما ذكر من الاشكال. وأما ما عن المعالم من الاشكال في اعتصام الكر مع تساوي السطوح إذا لم يكن مجتمعا متقارب الاجزاء، فان رجع إلى ما ذكرنا ففي محله، وإلا فهو خلاف الاطلاق كما عرفت. هذا ولو كان العالي وحده كرا، فالمعروف تقوي السافل به، بل عن شارح الدروس الاتفاق عليه. لكن قد يظهر من بعض العبارات الاشكال فيه. نعم لا إشكال فيه في ماء الحمام، لانه المتيقن من النصوص، وقد عرفت أن احتمال الخصوصية فيه خلاف المرتكز العرفي، فالتعدي منه إلى

===============

( 192 )

[ أو عدمه، وإذا تنجس ما فيها يطهر بالاتصال بالخزانة (1)، بشرط كونها كرا، وان كانت أعلى وكان الاتصال بمثل (المزملة). ويجري هذا الحكم في غير الحمام أيضا، فإذا كان في المنبع الاعلى مقدار الكر أو أزيد، وكان تحته حوض صغير نجس، واتصل بالمنبع بمثل (المزملة) يطهر، وكذا لو غسل فيه شئ نجس، فانه يطهر مع الاتصال المذكور. ] غيره في محله. ويدل عليه صحيح ابن بزيع عن الرضا (ع) (* 1)، سواء أرجع التعليل إلى قوله (ع): " لا يفسده شئ " فيدل على ما نحن فيه بالصراحة، أم إلى قوله (ع): حتى يذهب الريح ويطيب.. " فيدل على ما نحن فيه بالفحوي، لان الدفع أهون من الرفع. (1) كما يستفاد من صحيح ابن بزيع (* 2) بناء على ما تقدم في مبحث الماء الجاري من رجوع التعليل فيه إلى الغاية، فيعم الحكم كل ماله مادة. ويستفاد أيضا من نصوص نفي البأس في ماء الحمام إذا كان له مادة، فان اطلاقها يشمل ما إذا تنجس الماء ثم وصل بالمادة. اللهم إلا أن يحتمل ان الحمامات في عصر صدور هذه النصوص ما كانت المادة تنقطع فيها عن الحياض وقد عرفت أن النصوص محمولة على الافراد الخارجية لا غير، ومع هذا الاحتمال - وان بعد - تكون النصوص مجملة. فالعمدة صحيح ابن بزيع. ومنه يستفاد حكم غير الحمام، لعموم التعليل وان كان مورده البئر. فلاحظ وتأمل.


____________
(* 1) و (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 6، 7.

===============

( 193 )

[ فصل ماء البئر النابع بمنزلة الجاري، لا ينجس إلا بالتغير (1)، ] فصل في ماء البئر (1) على المشهور بين المتأخرين، ونسب إلى العماني، والحسين بن الغضائري ومحمد بن جهم. للنصوص الدالة عليه، كصحيح ابن بزيع عن الرضا (ع): " ماء البئر واسع لا يفسده شئ، إلا أن يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه لان له مادة " (* 1). وصحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع) قال: " سألته عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة، أو زنبيل من سرقين أيصلح الوضوء منها؟ قال (ع): لا بأس " (* 2). وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): " قال سمعته يقول: لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر، إلا أن ينتن، فان أنتن غسل الثوب واعاد الصلاة، ونزحت البئر " (* 3) إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة وقد عقد لها في الوسائل بابا طويلا (* 4) وان كان بعضه لا يخلو من خدش في الدلالة، أو السند. والمشهور بين القدماء النجاسة بمجرد الملاقاة، بل عن الاقتصاد والغنية وغيرهما: الاجماع صريحا أو ظاهرا عليه وتبعهم عليه جماعة من المتأخرين


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 6، 7. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 10. (* 4) وهو الباب: 14 من ابواب الماء المطلق.

===============

( 194 )

لما دل على وجوب النزح بملاقاة النجاسة، الظاهر في كونه مطهرا لها، بل هو المصرح به في بعضها، كصحيح ابن يقطين عن أبي الحسن (ع): " سألته عن البئر تقع فيها الحمامة، والدجاجة، والفارة، أو الكلب أو الهرة فقال (ع): يجزؤك أن تنزح منها دلاء، فان ذلك يطهرها إن شاء الله تعالى " (* 1) وصحيح ابن بزيع: " عن البئر تكون في المنزل للوضوء فتقطر فيها قطرات من بول أو دم، أو يسقط فيها شئ من عذرة - كالعبرة ونحوها - ما الذي يطهرها حتي يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع (ع) بخطه في كتابي: ينزح منها دلاء " (* 2). وفيه: أنها لا تصلح لمعارضة ما عرفت، مما هو أقوى دلالة، فيجمع بينها بالحمل على الاستحباب. ولا سيما بملاحظة ما فيها من الاختلاف الكثير، وورود بعضها فيما ميتته طاهرة - كالوزغ والعقرب - الموجب ذلك لحمل كثير منها على الاستصحاب. ومما يؤيد ذلك أنها لو انفعلت مع كثرة مائها لزم دوران النجاسة مدار المادة وهو غريب كما قيل. نعم قد تشكل نصوص الطهارة من جهة إعراض القدماء عنها، وعدم اعتمادهم عليها. لكنه يندفع: بأنه لم يثبت كونه إعراضا موهنا لها، بل من الجائز أن يكون لبنائهم على عدم الجمع العرفي بينها وبين نصوص النجاسة، مع ترجح الثانية بموافقتها للاحتياط وكونها اكثر عددا. ومجرد احتمال كونه لاجل اطلاعهم على قرينة تنافي أصالة الظهور فيها، أو أصالة الجهة، لا يكفي في رفع اليد عنها - كما لا يخفى - فانه خلاف الاصل العقلائي المقتضي لنفي ذلك الاحتمال. هذا وأما صحيح ابن أبى يعفور عن أبى عبد الله (ع): " قال:


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب الماء المطلق حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 21.

===============

( 195 )

إذا أتيت البئر وأنت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا تغرف فيه فتيمم بالصعيد فان رب الماء الصعيد، ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم " (* 1) فغير ظاهر في النجاسة، لعدم التعرض فيه لنجاسة بدن الجنب، فلعل المراد من الافساد فيه القذارة العرفية. بل لو كان المراد به النجاسة، كان اللازم التعبير بأن لا يفسد الماء فلا يمكن الاغتسال به ويتنجس البدن به، لا بافساد الماء على أهله. فلاحظ. وأما ما ورد في تقارب البئر والبالوعة فلا يأبى الحمل على صورة التغير بالنجاسة، فلا يقوى على صرف ما تقدم فلاحظ. هذا ونسب إلى الشيخ (قده) القول بالطهارة ووجوب النزح تعبدا. وتبعه عليه في المنتهى والموجز وغيرهما. وكأنه للاخذ بظاهر الدليلين، فان الاصل في الامر أن يكون مولويا فيحمل الامر بالنزح عليه. أو لان المقام وان كان مقام الارشاد إلى النجاسة، فيكون الامر بالنزح ارشاديا إليها، لكنه حيث لا يمنع عنه مانع، واخبار الطهارة مانعة عنه. وفيه أن قرينية المقام على الارشاد إلى النجاسة إذا لم يمكن الاخذ بها من جهة نصوص الطهارة، يتعين حمل الامر بالنزح على الارشاد إلى مرتبة ضعيفة من النجاسة، لا تثبت لها أحكام النجاسة لاختصاص تلك الاحكام بالمرتبة القوية، فانه هو الذي يساعده الجمع العرفي، كما استقر عليه ديدنهم في أمثال المقام. فان الامر بحملة من المستحبات في الصلاة - مثل الاقامة والتكبير وغيرهما - ظاهر في الارشاد إلى الجزئية أو الشرطية لكن لما لم يمكن الاخذ به - لما دل على الصحة بدونه - حمل على الارشاد إلى خصوصية راجحة في الصلاة ولم تحمل على الوجوب المولوي. وعن البصروي: التفصيل في الانفعال بين الكر وغيره. وكأنه لموثق عمار قال: " سئل أبو عبد الله (ع) عن البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 22.

===============

( 196 )

أو رطبة. فقال (ع): لا بأس إذا كان فيها ماء كثير " (* 1) وخبر الحسن بن صالح المتقدم في تحديد الكر (* 2). ولقوله (ع) في صحيح ابن بزيع: " ماء البئر واسع " (* 3) بناء على ظهوره في أنه كثير. ولغلبة الكرية في البئر، الموجب ذلك لحمل نصوص الطهارة عليه عند الجمع بينها وبين عموم انفعال القليل، فيكون عموم انفعال القليل بلا معارض. أو لانه لا يمكن الاخذ بنصوص الانفعال إذا كان الماء كرا، لما تقدم من امتناع أن تكون المادة سببا للانفعال. وفيه: أنه لم يثبت للشارع الاقدس اصطلاح في الكثرة بمعنى الكرية كي يحمل في الموثق عليها، بل الظاهر من الكثرة الكثرة العرفية، واعتبارها في الموثق لاجل المنع من حصول التغير في الماء من وقوع الزنبيل من العذرة فيه فالكثرة معتبرة في مورد السؤال شرطا في عدم التغير الخارجي، لا شرطا مطلقا في عدم الانفعال شرعا والمراد بها كثرة خاصة تزيد على الكر بكثير وأما خبر الحسن - فمع ضعفه في نفسه - مهجور. وحمل السعة في الصحيح على الكثرة - مع أنه لا يجدي، كما عرفت - خلاف ظاهر. لا أقل من الاجمال ولو بملاحظة التعليل، المحتمل رجوعه إلى السعة أو إلى عدم الافساد إذ على كلا التقديرين لا يناسب حمل السعة على الكثرة، إذ لا دخل للمادة في الحكمين المذكورين، كما لعله ظاهر. وغلبة الكرية في ماء البئر ممنوع ولو سلم، فالجمع بين نصوص اعتصام البئر وانفعال الماء القليل يكون بحمل الثانية على غير ماء البئر، لظهور الاولى في خصوصية لماء البئر امتاز بها عن غيره، وإذا بني على التقيد بالكثير فلا خصوصية لماء البئر، وذلك


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 15. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 8 وتقدم في تحديد الكر بالمساحة. (* 3) الوسائل باب: 14 من أبواب الماء المطلق حديث: 1، 6، 7.

===============

( 197 )

[ سواء كان بقدر الكر أو أقل، وإذا تغير ثم زال تغيره من قبل نفسه طهر، لان له مادة (1). ونزح المقدرات في صورة عدم التغير مستحب (2). وأما إذا لم يكن له مادة نابعة فيعتبر في عدم تنجسه الكرية (3). وإن سمي بئرا، كالآبار التي يجتمع فيها ماء المطر ولا نبع لها. (مسألة 1): ماء البئر المتصل بالمادة إذا تنجس بالتغير فطهره بزواله ولو من قبل نفسه (4)، فضلا عن نزول المطر ] خلاف الظاهر. وصحيح ابن بزيع كالصريح في ذلك، بناء على أن المراد من قوله (ع) " واسع " أنه واسع الحكم - كما هو الظاهر - وأن التعليل بالمادة راجع إليه، كما تقدم في مبحث الماء الجاري. هذا وعن الجعفي اعتبار ذراعين في الابعاد الثلاثة في الاعتصام. وليس له دليل ظاهر. ويمكن أن يكون راجعا إلى ما قبله. ففيه حينئذ ما فيه. (1) اشارة إلى التعليل في صحيح ابن بزيع (* 1)، الظاهر رجوعه إلى جميع الاحكام السابقة عليه المناسبة له، كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا في مبحث الماء الجاري فراجع. (2) حملا لنصوص النزح على ذلك، لما عرفت. (3) لما تقدم من عموم انفعال القليل. ومجرد التسمية مجازا أو اصطلاحا لا يجدي بعد ما لم يكن مصداقا حقيقيا لموضوع الاحكام الخاصة. مع أنه لو فرض كون إطلاق البئر عليه حقيقيا، فالتعليل حاكم على اطلاقه ومانع من الاخذ به. (4) لما تقدم من أن الارتكاز العرفي مانع من اعتبار خصوصية النزح في الطهارة.


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 6، 7.

===============

( 198 )

[ عليه أو نزحه حتى يزول. ولا يعتبر خروح ماء من المادة في ذلك (1). (مسألة 2): الماء الراكد النجس كرا كان أو قليلا يطهر بالاتصال بكر طاهر (2)، أو بالجاري، أو النابع غير ] (1) لاطلاق التعليل. (2) للتعليل في الصحيح الذي يجب التعدي عن مورده إلى المقام. وتعضده أخبار ماء الحمام، بناء على أن نفي البأس فيها يعم حالتي الدفع والرفع، لكثرة الابتلاء بالحالين، وبعد الغاء خصوصية موردها عرفا يتعدى منه إلى كل ماله مادة فتأمل. وهذا هو العمدة في كفاية الاتصال بالمادة في التطهير. وما عن بعض الافاضل من الاستدلال له بالاصل غير ظاهر إذ الاصل يقتضي النجاسة. وكذا في الاشكال ما عن آخر من الاستدلال له بعموم مطهرية الماء، أو خصوص الماء المعتصم، من قوله صلى الله عليه وآله: " خلق الله الماء طهورا " (* 1)، وقوله (ع): " الماء يطهر ولا يطهر " (* 2)، وقوله (ع): " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (* 3) وقوله (ع): " ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (* 4)، وقوله (ع) مشيرا إلى غدير ماء: " إن هذا لا يصيب شيئا إلا طهره " (* 5). فان إطلاق الاول لو تم فلا إطلاق له في كيفية التطهير، وليس مجرد الاتصال كافيا عند العرف في حصول الطهارة لينزل الاطلاق عليه. ومن ذلك يظهر


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 7. (* 5) مستدرك الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 8.

===============

( 199 )

الاشكال في الثاني. مضافا إلى اهماله من حيث المتعلق. وحصول الرؤية لجميع أجزاء الماء بمجرد إصابته للسطح الظاهر ممنوع، كما يظهر ذلك من ملاحظة الجامدات التي يصيبها المطر، ضرورة عدم اصابته لجميع الاجزاء بمجرد اصابة بعضها، ولذا لا يطهر الجميع بمجرد إصابة المطر لبعضها. ومن ذلك يظهر الاشكال في الاخير. وروايات ماء الحمام ليست بذلك الوضوح في الدلالة على ذلك فالعمدة إذا في كفاية الاتصال بالمادة في التطهير ما ذكرنا. والمتحصل من النصوص: أن المعتصم نوعان: معتصم بنفسه، وهو الكر وماء المطر. ومعتصم بغيره، وهو المتصل بأحدهما. والمتصل بالاول هو ذو المادة الذي هو محل الكلام. فان كانت المادة أعلى فلابد أن يكون ما في المادة زايدا على الكر بالمقدار الخارج منها إلى القليل النازل إليه، بناء على ما عرفت آنفا من عدم تقوي العالي بالسافل. ولا فرق في المادة العاصمة بين الكر، ومادة الجاري ومادة البئر، والعيون الراكدة، والثمد، وغيرها مما يسمى مادة. فالاتصال بالمادة في جميع ذلك دافع للنجاسة ورافع لها. ولولا الصحيح واخبار ماء الحمام لوجب اعتبار الامتزاج في حصول التطهير للشك فيه بدونه، الموجب للرجوع إلى استصحاب النجاسة. ومع الامتزاج لا شك في الطهارة، للاجماع القطعي - كما قيل - وللقاعدة المجمع عليها، من أن الماء الواحد لا يختلف حكم أبعاضه، فانه لو بني على نجاسة المعتصم مع الامتزاج لزم مخالفة دليل اعتصامه فيتعين البناء على طهارة المتنجس. ومخالفة استصحاب النجاسة لاتهم، بعد دلالة دليل اعتصام المعتصم على طهارة المتنجس بالدلالة الالتزامية، كما لا يخفى. والمراد من الواحد في القاعدة ما يكون واحدا في الاشارة، فلا تمكن الاشارة إلى بعض منه دون بعض، ولا يحصل ذلك إلا بالامتزاج، فان الاتصال وان كان يحصل الوحدة

===============

( 200 )

[ الجاري، وان لم يحصل الامتزاج على الاقوى. وكذا بنزول المطر (1). (مسألة 3): لا فرق بين أنحاء الاتصال في حصول التطهير (2)، فيطهر بمجرده وان كان الكر المطهر - مثلا - أعلى والنجس أسفل. وعلى هذا فإذا ألقى الكر لا يلزم نزول ] في الوجود والفردية، لكنه لا يحصل الوحدة في الاشارة. هذا، ولاجل ما ذكرنا في وجه كفاية الاتصال في التطهير، يظهر خفاء الوجه في اعتبار علو المطهر، كما يستفاد من قولهم: " يطهر الماء النجس بالقاء كر عليه دفعة ". وأما اعتبار الدفعة، فيمكن أن يكون لاجل تحقيق الامتزاج المعتبر عندهم. ويحتمل أن يكون من جهة أن عدم الالقاء دفعة يوجب انقسام الماء إلى قسمين: عال وسافل، ولا يتقوى أحدهما بالآخر. ويحتمل أن يكون تعبديا للنص كما عن المحقق الثاني (ره) تعليله بذلك، وان لم يعثر على هذا النص، كما اعترف به جماعة. وكيفما كان فقد عرفت أن الماء إذا زاد على الكر بمقدار ما به يتحقق الاتصال بين الماء النجس والكر طهر النجس، ولو لم يلق تمام الكر، فضلا عن أن يكون دفعة. (1) العمدة في دليل هذا الاجماع على أن ماء المطر بمنزلة الجاري. بضميمة ما دل على أن الاتصال بالجاري مطر، لصدق ذي المادة على المتصل به. وأما الاستدلال بمثل: " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " فقد عرفت الاشكال فيه (* 1). (2) لصدق المادة في الجميع. نعم تقدم أنه بناء على عدم تقوي


____________
(* 1) في أول الكلام في هذه المسألة.

===============

( 201 )

[ جميعه، فلو اتصل ثم انقطع كفى. نعم إذا كان الكر الطاهر أسفل، والماء النجس يجري عليه من فوق لا يطهر الفوقاني بهذا الاتصال (1). (مسألة 4): الكوز المملوء من الماء النجس إذا غمس في الحوض يطهر (2)، ولا يلزم صب مائه وغسله. (مسألة 5): الماء المتغير إذا ألقي عليه الكر فزال تغيره به يطهر، ولا حاجة إلى القاء كر آخر بعد زواله (3)، لكن بشرط أن يبقى الكر الملقى على حاله (4) من اتصال أجزائه، وعدم تغيره، فلو تغير بعضه قبل زوال تغير النجس أو تفرق بحيث لم يبق مقدار الكر متصلا باقيا على حاله، تنجس ولم يكف في التطهير. والاولى ازالة التغير أولا ثم القاء الكر أو وصله به. ] العالي بالسافل إذا كان المطهر أعلى لابد من زيادته على الكر بمقدار النازل منه إلى المتنجس، لئلا ينقص عن الكر بنزول شئ منه فيخرج عن العاصمية. (1) لعدم صدق المادة، وعدم تحقق الامتزاج، وقد عرفت انحصار المطهر بهما. (2) يعنى: نفس الكوز، لتحقق انغساله بالكثير، وسيأتى أنه كاف في التطهير للاواني، وان قلنا باحتياجها إلى التعدد في القليل. (3) لتحقق الاتصال بالمادة، ولا وجه لاعتبار كون الاتصال بها بعد زوال التغير، فان مورد صحيح ابن بزيع (* 1) - الذي هو العمدة في دليل كفاية الاتصال في التطهير - صورة حصول الاتصال قبل زوال التغير. (4) تحقق هذا الشرط - غالبا - موقوف إما على زيادة الماء على


____________
(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 6، 7.

===============

( 202 )

[ (مسألة 6): تثبت نجاسة الماء - كغيره - بالعلم، وبالبينة (1)، ] الكر لتحصل الغلبة منه على المتغير، أو على كون التغير بمرتبة ضعيفة تذهب بمجرد اتصال الكر، وإلا فالاتصال يوجب تغير بعض أجزاء الكر الطاهر، فينجس الجميع، بعضه بالتغير، والباقي بالاتصال به، لانه قليل. (1) على المشهور. وفي الجواهر: " ينبغي القطع به، بل لا أجد فيه خلافا إلا ما يحكى عن القاضي وظاهر عبارة الكاتب والشيخ، ولا ريب في ضعفه ". لعموم مادل على حجية البينة. وخصوص خبر عبد الله ابن سليمان المروي عن الكافي والتهذيب عن الصادق (ع) في الجبن: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة " (* 1). لكن قد يستشكل في الرواية بضعف السند، واختصاصها بما فيه الميتة وأنها لا تدل على ثبوت النجاسة، وإنما تدل على ارتفاع الحل وثبوت الحرمة. وأما العموم فهو وان ادعاه جمع من الاعاظم، وفيهم شيخنا الاعظم (رحمه الله) في رسالة الجماعة، لكنه غير ظاهر. إذ دليله إن كان هو الاجماع المحكي عن النراقي والسيد الاصبهاني (قدهما) فهو ينافيه الخلاف في المقام ممن عرفت وغيرهم من متأخري المتأخرين، وكذا الخلاف في مقام آخر. وان كان قوله (ع): " فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم " (* 2) فالمراد من التصديق فيه التصديق النفسي ولو ببعض مراتبه، لا التعبدي بترتب آثار الواقع شرعا الذي هو محل الكلام. ويشهد بذلك ملاحظة مورده، فان العمل فيه ليس موضوعا لاثر شرعي. هذا مضافا إلى أنه لو تم اقتضى حجية خبر المسلم مطلقا من دون اعتبار العدد والعدالة فيه.


____________
(* 1) الوسائل باب: 60 من ابواب الاطعمة المباحة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 6 من كتاب الوديعة حديث: 1.

===============

( 203 )

ومثله قوله تعالى: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) (* 1) إذ المراد منه الايمان الصوري. وان كان آية النبأ (* 2)، فيتوقف الاستدلال بها على ثبوت المفهوم لها، وهو محل الاشكال. مع عدم اعتبار العدد فيها. وان كان ما ورد في جواز شهادة العبد، والمكاتب، والصبي، بعد البلوغ، والاعمى، والاصم ونحوهم. ففيه: أنه لا إطلاق له من حيث المورد، ولا تعرض فيه لاعتبار العدد والعدالة. وان كان بناء العقلاء على حجية خبر الثقة. ففيه: أن بين خبر الثقة وبين البينة عموما من وجه. وان كان الاستقراء. فثبوته وحجيته معا ممنوعان. وان كان رواية مسعدة بن صدقة: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه، فتدعه من قبل نفسك. وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة والمملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك. والاشياء كلها على هذا حتي يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " (* 3). فالبينة فيها إنما جعلت غاية للحل الذي هو المراد من اسم الاشارة، وكونها حجة على الحرمة لا يقتضي حجيتها على الموضوع، فضلا عن عموم الحجية لما لم يكن موردا للحل والحرمة من موضوعات سائر الاحكام. اللهم إلا أن يقال: المراد من قيام البينة بالحرمة أعم من كونها مدلولا مطابقيا وتضمنيا والتزاميا، فإذا شهدت بكون الثوب سرقة فقد


____________
(* 1) التوبة: 61. (* 2) الحجرات: 6. (* 3) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يكتسب به حديث: 4.

===============

( 204 )

قامت بحرمته، وكذا إذا شهدت بكون المرأة رضيعة فقد قامت بحرمتها. فليس المراد من قيام البينة بالحرمة شهادتها بها فحسب، بل أعم من ذلك. ومن شهادتها بموضوع خارجي تلزمه الحرمة، أو لازم لها، أو ملازم، مثل كون المائع خمرا أو بولا أو دما أو نحوها، وكذا أعم من شهادتها بعنوان اعتباري مثل اخوة امرأة، أو نجاسة مائع، أو حرية رجل، إذا كان بينه وبين الحرمة ملازمة، فان البينة في جميع ذلك قائمة بالحرمة، فلا يختص موردها بما إذا شهدت البينة بالحرمة لا غير. ثم إن البينة لما كانت من سنخ الامارات العرفية، كان الظاهر من ثبوت الحرمة عند قيامها بها كونها طريقا إلى مؤداها، لا تعبدا كما في موارد الاصول، فإذا شهدت البينة بكون الثوب سرقة، فثبوت الحرمة ظاهرا لثبوت موضوعها وقيام الامارة عليه. وعليه لا فرق بين الحرمة وغيرها من الاحكام المترتبة على السرقة، فكما تثبت الحرمة تثبت تلك الاحكام، لان طريقيتها بنظر العرف لا تختص بجهة دون جهة، فيحمل الدليل على اطلاق الحجية، ومقتضى ذلك حجية البينة مطلقا عند قيامها بالحرمة، فيترتب عليها جميع الاحكام والآثار. فلم يبق مورد خارج عن الرواية إلا مالا يترتب عليه أثر الحرمة أصلا، بحيث لا تدل عليه البينة أصلا ولو بالالتزام لكنه نادر. ولا يبعد التعدي إليه بعدم القول بالفصل أو لعدم التفكيك عرفا بينه وبين مورد الرواية بحيث تكون البينة حجة حيث يكون في موردها حكم الحرمة، ولا تكون حجة في غير ذلك. فلاحظ. والمتحصل: أن الرواية المذكورة صالحة لاثبات عموم الحجية بتوسط أمور: (الاول): أن المراد من قيام البينة بالحرمة كونها مدلولا للكلام ولو بالالتزام (الثاني): أن طريقية البينة عرفا تقتضي كون المفهوم من الدليل عموم الحجية (الثالث): امتناع التفكيك بين الموارد التى تكون

===============

( 205 )

[ وبالعدل الواحد (1)، ] الحرمة فيها مدلولا للكلام - ولو التزاميا ولو باللزوم غير البين - وبين غيرها من الموارد مما هو نادر إما لعدم القول بالفصل، أو لالغاء الخصوصية عرفا. ويعضد العموم المذكور الاجماع المدعى ممن عرفت على عموم الحجية. ولا ينافيه الخلاف في بعض الموارد، لانه لشبهة، كما يظهر ذلك من استدلال المخالف في المقام: بأن البينة ليست من العلم الذي جعل غاية للحل في قولهم (ع): " الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر " (* 1) ونحوه. وكذا المخالف في حجية البينة في الاجتهاد استدل: بأن الاجتهاد من الامور الحدسية التى لا تكون موردا للشهادة مع تيسر العلم. ولو كان الوجه في الخلاف عدم ثبوت العموم الدال على الحجية كان المناسب الاستدلال به أيضا، ولكان اللازم الخلاف في كل مورد لم يقم دليل بالخصوص على الحجية، وهو مما لا يحصى كثرة، مع أن الخلاف لم ينقل إلا في موارد خاصة هذا وبعين هذا التقريب يمكن إثبات عموم الحجية في إثبات النجاسة من رواية عبد الله بن سليمان المتقدمة في صدر المسألة، بناء على ظهورها في كون ذكر الميتة فيها من باب المثال. (1) كما عن ظاهر التذكرة، وقواه في الحدائق. لما دل على جواز الصلاة بأذان الثقة (* 2) وثبوت عزل الوكيل باخباره (* 3)، وكذا ثبوت الوصية بقوله (* 4)، وثبوت استبراء الامة إذا كان بائعا (* 5)، وغير ذلك


____________
(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 5. (* 2) راجع باب: 3 من ابواب الاذان والاقامة. (* 3) الوسائل باب: 2 من كتاب الوكالة حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 97 من كتاب الوصايا حديث: 1. (* 5) راجع باب: 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء.

===============

( 206 )

[ على إشكال لا يترك فيه الاحتياط، وبقول ذي اليد (1)، ] بل قيل: إن ثبوت حكم النجاسة به دون المتنجس متنافيان. (وفيه): أن الموارد المذكورة موضوعها خبر الثقة، وبينه وبين خبر العادل عموم من وجه. مع أن استفادة الكلية من الموارد المذكورة غير ظاهرة، ولا سيما عند الاخباريين. وأنه خلاف ظاهر الحصر في رواية مسعدة. وأما التنافي بين الحجية في اثبات الحكم دون موضوعه، فأوضح اشكالا كما لا يخفى. وأما آية النبأ فدلالتها على حجية خبر العادل محل إشكال مشهور ولو سلمت فيتعارض مفهومها مع الحصر في رواية مسعدة ورفع اليد عن المفهوم فيها أولى من تخصيص الرواية، لان عطف خبر العدل على البينة مستهجن، لان العدل جزء البينة، ولو كان خبره حجة تعين الاقتصار عليه دون البينة، كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر أن عموم حجية خبر الثقة في الاحكام والموضوعات، لو تم - من بناء العقلاء وغيره - فتخصيصه أولى من تخصيص الرواية. على أنها بالنسبة إلى بناء العقلاء رادعة واردة لا معارضة وكذا الكلام في خصوص رواية عبد الله بن سليمان في اثبات النجاسة، بناء على ما عرفت من استفادة عموم حجية البينة فيها فلاحظ وتأمل. ومن ذلك تعرف الوجه في قول المصنف: " على اشكال "، وان المتعين المنع من القبول. (1) على المشهور بين المتأخرين، وعن الحدائق: أن ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه. ويشهد له السيرة. وهي العمدة فيه. وأما الاستدلال عليه بما في خبر اسماعيل بن عيسى عن أبي الحسن (ع) إذ سأله عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل.. (إلى أن قال) (ع): " عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك " (* 1). فلا يخلو من اشكال، لعدم ظهور الامر بالسؤال في وجوب القبول،


____________
(* 1) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 7.

===============

( 207 )

مع أنه خال عن التقييد بذي اليد. ومثله الاشكال في الاستدلال بالنهي عن السؤال في صحيح البزنطي الوارد في شراء الفراء من السوق (* 1)، وفي رواية عمار الواردة في شراء الجبن من المسلم (* 2). وأضعف من ذلك الاستدلال بالنهي عن الاعلام في رواية ابن بكير الواردة فيمن أعار ثوبا لا يصلى فيه، حيث قال (ع): " لا يعلمه قلت: فان أعلمه قال (ع): يعيد " (* 3) إذ لا يظهر منه أن المراد من الاعلام مجرد الخبر ولو لم يعلم بمضمونه، ولا كون عدم الصلاة من جهة النجاسة. مع أنه مبني على وجوب إعادة الجاهل بالنجاسة، وهو خلاف التحقيق، كما يأتي إن شاء الله (* 4) وكأنه لذلك كان ما عن الذخيرة وشرح الدروس من عدم الوقوف له على دليل. نعم في صحيح معاوية بن عمار " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج (* 5) ويقول: قد طبخ على الثلث وأنا أعرفه أنه يشربه على النصف فاشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال (ع): لا تشربه. قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه أنه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف، يخبر أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه قال (ع): نعم (* 6) وظاهره حجية الخبر مع عدم ما يوجب اتهام المخبر. ولعله محمل صحيح


____________
(* 1) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 2) لم نعثر على رواية: عمار المشتملة على النهي: نعم اشتمل على ذلك رواية الثمالي (الوسائل باب: 33 من الاطعمة المحرمة) ورواية بكر بن حبيب (الوسائل باب: 60 من الاطعمة المباحة) (* 3) الوسائل باب: 47 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 4) في اول فصل الصلاة في النجس. (* 5) البختج: العصير المطبوخ (مجمع البحرين). (* 6) الوسائل باب: 7 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 4.

===============

( 208 )

[ وان لم يكن عادلا ولا تثبت بالظن المطلق (1) على الاقوى. ] معاوية بن وهب: " عن البختج، فقال: إذا كان حلوا يخضب الاناء وقال صاحبه: قد ذهب ثلثاه وبقي الثلث، فاشربه " (* 1)، فان عدم كونه يخضب الاناء أمارة على عدم ذهاب الثلثين. لكن في موثق عمار فيمن يأتي بالشراب ويقول: هو مطبوخ على الثلث " فقال (ع): إن كان مسلما ورعا مؤمنا فلا بأس أن يشرب " (* 2). وفي صحيح ابن جعفر (ع): " لا يصدق إلا أن يكون مسلما عارفا " (* 3). والمتعين حملهما على الاستحباب، لصراحة الصحيح الاول بعدم اعتبار الورع والايمان، والتفكيك بينهما وبين الاسلام بعيد. فلا يبعد كون المستفاد من هذه النصوص حجية قول ذي اليد إذا لم يكن ما يوجب اتهامه. ولكن موردها خصوص الاخبار بالتطهير. ومثلها في الدلالة على الحجية ما دل من المستفيضة على أن من أقر بعين في يده لغيره فهي له (* 4). وليس ذلك من باب حجية الاقرار، لاختصاص ذلك بما كان إقرارا على نفسه وهو نفي الملكية عن نفسه، لا ثبوت الملكية لغيره فان ذلك من باب حجية الخبر، كما لا يخفى. لكن موردها أيضا خصوص الاخبار بالملك. (1) كما هو المشهور المعروف، بل لا ينقل فيه خلاف إلا عن ظاهر النهاية وصريح الحلبي. لابتناء اكثر الاحكام على الظنون. وامتناع ترجيح المرجوح. ولما في بعض النصوص من الامر بغسل الثوب المأخوذ من يد


____________
(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب الاشربه المحرمة حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 7. (* 4) راجع باب: 16، 25، 26 من الوصايا.

===============

( 209 )

[ (مسألة 7): إذا أخبر ذو اليد بنجاسة، وقامت البينة على الطهارة، قدمت البينة (1). وإذا تعارض البينتان تساقطتا (2)، ] الكافر (* 1). ولما تضمن القاء السجاد (ع) الفراء إذا اراد الصلاة، لان أهل العراق يستحلون الميتة بالدباغ (* 2). والجميع كما تري. لمنع الاول إن أريد مطلق الظن - كما هو محل الكلام - كمنع الثاني إذا كان لحجة شرعية من أصل الطهارة أو استصحابها. ومعارضة الثالث بما دل على جواز الصلاة فيما يعمله الكافر (* 3)، وعدم وجوب غسله. والقاء السجاد الفراء أعلم من الوجوب. مع أن في لبسه دلالة على خلاف المطلوب. مع أنه لو بني على حجية الظن بالنجاسة لزم الهرج والمرج، إذ قل ما ينفك مورد عن الظن بالنجاسة ولو للسراية. (1) لقصور دليل حجية قول المالك عن صورة التعارض المذكور. مضافا إلى ما يستفاد مما دل على القضاء بالبينة في مقابل دعوى ذي اليد الملكية لنفسه أو لغيره. نعم إذا كان مستند البينة الاصل - بناء على جواز ذلك - قدم اخبار ذي اليد، لانه مقدم على الاصل، وإذا بطل مستند الشهادة امتنع قبولها. (2) لاصالة في المتعارضين. ودليل الترجيح مع وجود المرجح والتخيير مع عدمه، يختص بتعارض الاخبار الحاكية عن الحكم الكلي، ولا يعم البينات الحاكية عن الموضوع أو الحكم الجزئي.


____________
(* 1) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 61 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 73 من ابواب النجاسات حديث: 1.

===============

( 210 )

[ إذا كانت بينة الطهارة مستندة إلى العلم (1)، وان كانت مستندة إلى الاصل (2) تقدم بينة النجاسة. ] (1) يعنى: وكانت بينة النجاسة كذلك. أما لو كانت هذه مستندة إلى الاصل قدمت بينة الطهارة، لانها تقدم على الاصل الذي هو مستند بينة النجاسة فتسقط لبطلان مستندها. كما هو كذلك في عكس ذلك المفروض في المتن: بأن كانت بينة الطهارة مستندة إلى الاصل، وبينة النجاسة إلى العلم، فانه تقدم فيه بينة النجاسة، لانها تقدم على الاصل الذي هو مستند بينة الطهارة، فتبطل هي لبطلان مستندها. فالتساقط يختص بصورة لا تكون فيه إحدي البينتين رافعة لمستند الاخرى، فانه تبطل الاخرى لبطلان مستندها، فتبقى الاولى بلا معارض فتكون واردة على الاخرى لا معارضة بها إذ مع الخطأ في المستند تنتفي الحجية لقصور أدلة الحجية عن شمول ذلك من دون فرق بين حجية الخبر والفتوى والبينة وغيرها من الحجج، سواء أكانت حجة على الحكم الكلي أم الجزئي. نعم في حكم الحاكم نوع تفصيل أشرنا إليه آنفا في مسائل التقليد. (2) لا ينبغى التأمل في أن جواز الشهادة بشئ ليس من آثار ثبوته واقعا كي يكون الشك في ثبوته مستلزما للشك في جواز الشهادة به، فيبني على جوازها لاصالة البراءة. بل هو من آثار العلم بالثبوت، والظاهر أنه مما لا خلاف فيه في الجملة. ويشهد به جملة من النصوص مثل ما رواه المحقق في الشرائع عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله - وقد سئل عن الشهادة -: " هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أودع " (* 1) وفى خبر علي بن غياث: " لا تشهد بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك " (* 2)، ونحوهما غيرهما


____________
(* 1) الوسائل باب: 20 من كتاب الشهادات حديث: 3. (* 2) الوسائل باب 20 من كتاب الشهادات حديث؟: 1.

===============

( 211 )

والظاهر منها - ولو بقرينة مناسبة الحكم والموضوع - اعتبار العلم موضوعا على نحو الطريقية، لا الصفة الخاصة، لان الحمل عليه في أمثال المقام يحتاج إلى عناية خال عنها الكلام، بخلاف الحمل على الاول. مع أن البناء على الصفتية يوجب الاشكال في كثير من الموارد التي استقرت السيرة فيها على الشهادة اعتمادا على أمارة أو قاعدة أو اقرار أو نحو ذلك، مثل الشهادة بالنسب اعتمادا على قاعدة الفراش، والشهادة بالزوجية وبالملك اعتمادا على قاعدة الصحة في عقد النكاح وعقد البيع، وكذا الشهادة بالطلاق اعتمادا على قاعدة صحة الطلاق، وبالحرية اعتمادا على قاعدة العتق، والشهادة بالدين اعتمادا على الاقرار، أو قاعدة الصحة في عقد الضمان، وكذا الحال في أمثال ذلك مما هو كثير لا يحصى. ودعوى: أن الشهادة إنما هي بالسبب، وهو معلوم، والقاعدة إنما يجريها المشهود عنده. مندفعة: بأنها خلاف قوله (ع): " إنما اقضي بينكم بالبينات والايمان " (* 1) ويشير إلى ذلك الصحيح الآتي، فانه يدل على أن القاضي لا يستصحب، وإنما الذي يعمل بالاستصحاب هو الشاهد والقاضي إنما يعمل بشهادته. وبالجملة فالتأمل قاض: بأن سيرة المتشرعة على الشهادة اعتمادا على الامارة أو القاعدة التي هي بمنزلتها ولو بالاضافة إلى حيثية الشهادة - مثل قاعدة الصحة - مما لا مجال لانكارها. فلابد من التصرف في الحديثين المذكورين - لو تم ظهورهما في اعتبار العلم على نحو الصفتية - بحملهما على مالا ينافي ذلك، بأن يكون المراد منهما الردع عن الشهادة اعتمادا على الظن والحدس والتخمين. ويشهد بذلك ما ورد من جواز الشهادة بالملك اعتمادا على اليد، وهي


____________
(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب كيفية الحكم من كتاب القضاء حديث: 1.

===============

( 212 )

رواية حفص بن غياث عن أبي عبد الله (ع) قال له: " إذا رأيت شيئا في يد رجل يجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال (ع): نعم. قال الرجل: أشهد أنه في يده، ولا أشهد أنه له، فلعله لغيره. فقال أبو عبد الله (ع): افيحل الشراء منه؟ قال: نعم. فقال أبو عبد الله (ع): فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك، ثم تقول بعد الملك: هو لي. وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله اليك. ثم قال أبو عبد الله (ع): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق " (* 1)، فانها تدل على أن اليد لما كانت أمارة على الملك كانت بمنزلة العلم به فيترتب عليها أحكامه ومن تلك الاحكام جواز الشهادة به. وما رواه معاوية بن وهب قال: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يكون في داره، ثم يغيب عنها ثلاثين سنة، ويدع فيها عياله، ثم يأتينا هلاكه، ونحن لا ندري ما أحدث في داره. ولا ما أحدث له من الولد، إلا أنا لا نعلم أنه أحدث في داره شيئا، ولا حدث له ولد، ولا تقسم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتى يشهد شاهدا عدل أن هذه الدار دار فلان ابن فلان، مات وتركها ميراثا بين فلان وفلان، أو نشهد على هذا؟ قال (ع): نعم. قلت: الرجل يكون له العبد، والامة، فيقول أبق غلامي أو أبقت أمتي، فيؤخذ بالبلد فيكلفه القاضي البينة ان هذا غلام فلان، لم يبعه ولم يهبه، أفنشهد على هذا إذا كلفناه؟ ونحن لم نعلم أنه أحدث شيئا. فقال (ع): كلما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به " (* 2) وروي في الصحيح أيضا قال: " قلت له: إن ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان وتركها


____________
(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب كيفية الحكم من كتاب القضاء حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 17 من كتاب الشهادات حديث: 2.

===============

( 213 )

ميراثا، وأنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له. فقال: إشهد بما هو علمك. قلت: إن ابن أبي ليلى يحلفنا اليمين الغموس. فقال (ع): إحلف إنما هو على علمك " (* 1). وروي أيضا في الموثق: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يكون له العبد والامة قد عرف ذلك فيقول: أبق غلامي أو أمتي، فيكلفونه القضاة شاهدين بأن هذا غلامه أو أمته لم يبع ولم يهب أنشهد على هذا إذا كلفنا؟ قال (ع): نعم (* 2). وما في ذيل الاول محمول على بعض المحامل أو مطروح، لترجح غيره عليه. كما أن ما في الصحيح من جعله علما مبني على الادعاء، كما هو ظاهر دليل الاستصحاب. وكيف كان فالمراد من الاصل في عبارة المتن الاستصحاب، لا أصالة الطهارة، فانها لا تكون مستندا للشهادة بالطهارة الواقعية، لعدم كونها علما بها لا حقيقة ولا تنزيلا، والطهارة الظاهرية في حق الشاهد ليست موضوعا للحكم في حق المشهود عنده، بل هو إن كان شاكا كان موضوعا لها، لقيام الدليل الدال عليها عنده إن كان مجتهدا، أو لفتوي مجتهده إن كان مقلدا بلا توسط شهادة الشاهد. ثم إنه مما يتفرع على ذلك جواز الشهادة بالواقع اعتمادا على البينة إذا شهدت به، كما حكي عن الشيخ (ره). لكن المعروف بين الاصحاب عدم القبول ولعله لما ورد من عدم قبول شهادة الفرع إلا في موارد خاصة (* 3). لكن عدم القبول لا يقتضى عدم جواز الشهادة نفسها. فلاحظ.


____________
(* 1) الوسائل باب: 17 من كتاب الشهادات حديث: 1. (2) الوسائل باب: 17 من كتاب الشهادات حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 44، 45 من كتاب الشهادات.

===============

( 214 )

[ (مسألة 8): إذا شهد اثنان بأحد الامرين، وشهد أربعة بالآخر، يمكن - بل لا يبعد - تساقط الاثنين بالاثنين، وبقاء الآخرين (1). (مسألة 9): الكرية تثبت بالعلم، والبينة (2). وفي ثبوتها بقول صاحب اليد وجه، وان كان لا يخلو عن إشكال (3). ] (1) هذا غير ظاهر، فان دليل حجية البينة كدليل حجية الخبر نسبته إلى الواحد والكثير نسبة واحدة، وانطباقه على الجميع في رتبة واحدة فإذا امتنع انطباق الدليل على المتعارضين كان مقتضاه سقوط الطرفين عن الحجية، وما في المتن من التبعيض في أحد الطرفين يحتاج إلى معين مفقود. نعم لو كانت أبعاض أحد الطرفين مترتبة في انطباق الدليل، سقط ما يكون في الرتبة الاولى للمعارضة وانفرد المتأخر بالحجية، كما هو كذلك في الاصول المترتبة. لكن المقام ليس كذلك. نعم لو بني على الترجيح في البينات المتعارضة، كالترجيح في الاخبار المتعارضة، كان اللازم في الفرض ترجيح شهادة الاربعة على شهادة الاثنين، لا ما ذكر في المتن. وكذا ترجيح شهادة الثلاثة على شهادة الاثنين، لو فرض شهادة ثلاثة بأحد الامرين، وشهادة اثنين بالآخر. لكن الترجيح غير واضح، لعدم الدليل عليه. والترجيح بالاشهرية مختص بالخبرين المتعارضين، والترجيح بالاكثرية مختص ببعض صور تعارض البينتين عند القاضي في مقام المرافعة إليه، والتعدي إلى المقام محتاج إلى دليل مفقود. (2) لما تقدم من عموم حجية البينة. (3) كأنه لندرة الابتلاء بالسؤالا عن الكرية في عصر المعصومين (ع) فلم تحرز سيرة على قبول خبر ذي اليد فيه، أو لعدم دليل بالخصوص فيه. بخلاف السؤال عن النجاسة. فقد ورد فيه بعض النصوص، وادعي

===============

( 215 )

[ كما أن في إخبار العدل الواحد أيضا اشكالا (1). (مسألة 10): يحرم شرب الماء النجس (2)، إلا في الضرورة. ويجوز سقيه للحيوانات (3)، ] الاتفاق عليه. وفيه: أن العمدة في الدليل على القبول في النجاسة هو السيرة - لما عرفت من الاشكال في دلالة النصوص عليه، ولم يثبت إجماع معتبر على القبول - والسيرة العملية في المقام وان كانت غير ثابتة لندرة الابتلاء، لكن السيرة الارتكازية محققة، فانه لاريب عند المتشرعة في جواز الاعتماد على خبر ذي اليد في الكرية والنجاسة وغيرهما مما يتعلق بما في اليد، من دون فرق بين الجميع، والسيرة الارتكازية حجة كالعملية فلاحظ. (1) تقدم أن الاشكال قوي جدا. (2) إجماعا، نصا وفتوى، بل لعله من ضروريات الدين. نعم في حال الضرورة يجوز شربه بلا إشكال، لادلة نفي الضرر (* 1) والحرج (* 2) وغيرها. (3) يكفي فيه الاصل. وفي خبر أبي بصير عن الصادق (ع): " عن البهيمة البقرة وغيرها تسقى أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه أيكره ذلك؟ قال (ع) نعم يكره ذلك (* 3). وظاهره الجواز على كراهية.


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 17 من أبواب الخيار من كتاب البيع وباب: 5 من كتاب الشفعة وباب: 7 و 12 من كتاب احياء الموات. (* 2) مثل قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة: 185 وقوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) المائدة: 6. وقوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج: 78. وقد يدل عليه خبر عبد الاعلى مولى آل سام (الوسائل باب: 39 من ابواب الوضوء حديث: 5). (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 5.

===============

( 216 )

[ بل وللاطفال أيضا (1). ويجوز بيعه (2). ] (1) للاصل. وما ورد من تحريم سقي المسكر لهم (* 1) لا يمكن استفادة حكم المقام منه، لاحتمال خصوصية للمسكر. وما تضمن الامر باراقة الماء المتنجس (* 2)، الظاهر في عدم الانتفاع به، لا يقتضي المنع في المقام أيضا، بتوهم أنه لو جاز سقيه للاطفال لكان له منفعة معتد بها لكثرة الابتلاء بهم، بل ربما كانوا اكثر العيال. وذلك لان جواز سقيه لا يوجب كونه ذا منفعة معتد بها عرفا إذا كان يؤدي إلى نجاسة الطفل وثيابه غالبا، السارية إلى غيره، فان ذلك أمر مرغوب عنه. ولعله لذلك لم يذكر في بعض الروايا ت الآمرة باراقة المرق المتنجس، أو اطعامه اهل الكتاب، أو الكلب. وما يقال: من أن أدلة المنع عن شرب النجس لما كانت عامة للصبي كانت دالة على وجود المفسدة في شربه، وأدلة رفع القلم عن الصبي ليست مخصصة لها، بل نافية لمحض الاستحقاق برفع الالزام، - ولذا بنينا على شرعية عبادات الصبي لعموم أدلة الاحكام - فإذا كان شرب الصبي مشتملا على المفسدة كان سقيه إيقاعا له في المفسدة، فيحرم. (مندفع): بأن المفسدة التي يحرم إيقاع الصبي فيها من الولي وغيره لا تشمل مثل ذلك. (2) إذا كان له منفعة معتد بها. لعموم دليل صحة البيع (* 3)، ووجوب الوفاء بالعقود (* 4). وأما النبوي: " إذا حرم الله شيئا حرم


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 10 من ابواب الاشربة المحرمة. (* 2) راجع الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق. (* 3) مثل قوله تعالى: (واحل الله البيع وحرم الربا) - البقرة: 275 وقوله تعالى: (الآ أن تكون تجارة عن تراض) - النساء: 29. (* 4) مثل قوله تعالى: (اوفوا بالعقود) - المائدة: 1.

===============

( 217 )

[ مع الاعلام (1). ] ثمنه " (* 1) فظاهره التحريم المؤدي إلى سلب المنفعة المعتد بها لا مطلقا، وإلا لزم تخصيص الاكثر. (1) العمدة فيه قول الصادق (ع) في صحيح معاوية الوارد في بيع الزيت المتنجس: " ويبينه لمن اشتراه ليستصبح به " (* 2)، فانه لما لم يكن ترتب بين الاعلام والاستصباح، وإنما الترتب بين الاعلام وعدم اكل الزيت، بلحاظ أن الاعلام يستوجب حدوث الداعي إلى ترك الاكل لكن لاجل انحصار الفائدة بهما غالبا كان ترك الاكل ملازما للاستصباح، فالتعليل بالاستصباح يكون عرضيا والعلة الاصلية ترك الاكل. ويشير إلى ذلك أن الاستصباح ليس مأمورا به كي يمكن أن يترشح الامر الغيري إلى مقدمته، وهو الاعلام والتنبيه. هذا ولاجل حمل التعليل على التنبيه على أمر عرفي، لزم التعدي عن مورده إلى غيره وإلا كان تعبديا، وهو خلاف الاصل في التعليلات الشرعية فتكون العلة في وجوب الاعلام الفرار من الوقوع في الحرام، وهي حاصلة فيما نحن فيه وغيره. وعلى هذا فوجوب الاعلام مولوي، لا إرشادي إلى شرطيته للبيع. كما أنه لو علم عدم شربه للنجس لم يجب الاعلام. وكذا لو علم عدم تأثير الاعلام في احداث الداعي، بأن كان مقدما على شربه على كل حال. وقد يستدل على وجوب الاعلام: بأن تركه تسبيب إلى فعل الحرام، كمن قدم إلى غيره محرما، فانه فاعل للحرام، لان استناد الفعل إلى السبب أقوى، فنسبة الفعل إليه أولى. وفيه: (أولا): أن مجرد ترك الاعلام لا يكون من قبيل السبب إلا كان شرب النجس اعتمادا على فعل البائع


____________
(* 1) كتاب البيوع من كتاب الخلاف المسألة: 308، 310. (* 2) الوسائل باب. 43 من أبواب الاطعمة المحرمة ملحق حديث: 1.

===============

( 218 )

ليكون من قبيل من قدم إلى غيره محرما. أما لو كان اعتمادا على أصل الطهارة فلا تسبيب فيه أصلا، كما لو رأى نجسا في يد غيره يريد أكله، فان ترك إعلامه من قبيل ترك إحدات الداعي إلى ترك الحرام، لا من قبيل فعل السبب إلى الحرام. (وثانيا): أنه لا دليل على تحريم التسبيب كلية. ونسبة الفعل إلى السبب حقيقة ممنوعة، ومجازا غير مجدية، ولذا كان التحقيق ضمان المباشر للاكل فيما لو قدم إلى غيره طعاما، وأن رجوع الآكل عند الخسارة على من قدم الطعام له ليتدارك خسارته، لقاعدة الغرور لا لقاعدة: " من أتلف.. ". ولذا لم يعرف قائل منا برجوع المالك على من قدم الطعام لا غير، ولو كان هو أولى بنسبة الاتلاف كان هو المتعين في الرجوع عليه بالبدل. (وثالثا): أنه لو سلمت صحة النسبة في باب الضمان بالاتلاف أمكن الاشكال في صحة مقايسة المقام عليه، لان الاتلاف المأخوذ موضوعا للضمان مطلق الاتلاف الحاصل ولو بواسطة غير المتلف، بأن يكون غيره كالآلة في الاتلاف، بخلاف شرب النجس المأخوذ موضوعا للحرمة، فانه خصوص شرب المكلف نفسه، وادخاله إلى جوفه، وهو غير حاصل في الفرض. وكذا لو أدخل الماء النجس إلى جوف غيره قهرا. نعم يحرم ذلك من جهة التعدي على نفسه وبدنه، لا من جهة تحقق شرب النجس. (وبالجملة) التارك للاعلام لا يصدق عليه أنه شارب للنجس. نعم لو قام دليل على تحريم شرب النجس مطلقا ولو كان من غير من يقوم به الشرب، كان التحريم في المقام في محله. ثم إنه لو بني على وجوب الاعلام من هذا الوجه الاخير فهو مولوي أيضا، لا ارشادي إلى شرطية الاعلام للبيع، فلو باع بلا إعلام صح البيع وان أثم البائع بترك الاعلام المؤدي إلى الوقوع في النجس. لكن الذي يتراءى من عبارة المتن كون الاعلام شرطا في البيع، فلا يصح بدونه.

===============

( 219 )

[ فصل الماء المستعمل في الوضوء طاهر، مطهر من الحدث، والخبث (1). وكذا المستعمل في الاغسال المندوبة (2). وأما المستعمل في الحدث الاكبر فمع طهارة البدن لا إشكال في طهارته (3) ] ولعله لانه لولا الاعلام لكان قصد المشتري الانتفاع المحرم، فيكون أكل الثمن بازائه أكلا للمال بالباطل. وفيه - مع أن الجهل مانع من التحريم لحصول الرخصة معه -: أن قصد المشتري نفسه لا يكفي في صدق الاكل بالباطل بالنسبة إلى البائع مع عدم قصده ذلك، كما يخفى. فصل في الماء المستعمل (1) إجماعا، بل ادعي على الاول ضرورة المذهب. ويكفي فيه الاصل، وفي الثاني إطلاقات مطهرية الماء (* 1)، وبعض النصوص، كما سيأتي. نعم في المستدرك عن أبى حنيفة: " إنه نجس نجاسة مغلظة ". (2) إجماعا، كما في القواعد، وعن التذكرة، وظاهر غيرهما، وفي الحدائق: " نفي جملة من المتأخرين الخلاف فيها ". لاشتراكه مع ما قبله فيما ذكر دليلا على حكميه. (3) اتفاقا نصا (* 2) وفتوى، بل لعله ضروري. ويكفي فيه الاصل نعم ظاهر عبارة الوسيلة عدم رفع الخبث به، قد يستظهر منها القول


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق. (* 2) راجع الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف.

===============

( 220 )

[ ورفعه للخبث (1). والاقوى جواز استعماله في رفع الحدث أيضا (2). ] بنجاسته. وهو غريب. (1) إجماعا، كما عن غير واحد. للعمومات (* 1) ويقتضيه الاصل لكنه تعليقي. (2) كما هو الاشهر، بل نسب إلى مشهور المتأخرين، وحكي عن السيدين والعلامة والشهيدين وغيرهم. خلافا للمقنعة والمبسوط والصدوقين وابني حمزة والبراج، على ما حكي عنهم. لخبر ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): قال: لا بأس بأن تتوضأ بالماء المستعمل. فقال (وقال خ ل): الماء الذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابة، لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه. وأما الذي يتوضأ الرجل به، فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به " (* 2). لظهوره في عطف: " وأشباهه " على الضمير المجرور، فيدل على المنع من الوضوء بكل مستعمل في رفع الاكبر، جنابة كان أو غيرها. والطعن في السند باشتماله على أحمد بن هلال العبرتائي، الذى رجع عن التشيع إلى نصب - كما عن سعد بن عبد الله الاشعري - والملعون المذموم - كما عن الكشي - والغالي المتهم في دينه - كما عن الفهرست - والذي لا يعمل بما يختص بروايته - كما عن التهذيب - وروايته غير مقبولة - كما عن الخلاصة - (مدفوع): بأن اعتماد المشايخ الثلاثة وغيرهم على روايته كاف في جبر ضعفه ولا سيما بملاحظة أن الراوي عنه بواسطة الحسن ابن علي سعد بن عبد الله، وهو أحد الطاعنين عليه. وأن رواية أحمد للخبر


____________
(* 1) يعني. عمومات مطهرية الماء. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف حديث: 13.

===============

( 221 )

كانت عن الحسن بن محبوب، والظاهر أنها عن كتابه. وعن ابن الغضائري: أنه لم يتوقف في روايته عن ابن أبى عمير والحسن بن محبوب، لانه قد سمع كتابهما جل أصحاب الحديث واعتمدوه فيهما. وأما رواية الحسن بن علي فانما تصلح جابرا - كما قيل - لو كان هو ابن فضال كي تدخل في قول العسكري (ع): " خذوا مارووا " (* 1). ولكنه بعيد، بل قيل: " يكاد يقطع بخلافه "، لان ابن فضال أعلى طبقة من العبرتائي، ولانه لم تعرف رواية سعد عن ابن فضال بلا واسطة، بل يروي عنه بواسطتين. على أن الظاهر من قوله (ع): " خذوا مارووا " صحة رواياتهم، لا صحة رواية من يروون عنه. ومثل ذلك الطعن في الدلالة، الاحتمال كون المنع من جهة نجاسة بدن الجنب، كما هو الغالب، كما يظهر مما ورد في كيفية غسل الجنابة (* 2) وغيره. إذ فيه: أن ذلك خلاف ظاهر العبارة المذكورة في الخبر. ولا سيما بملاحظة العطف على ما يغسل به الثوب. ومثله المناقشة باحتمال ارادة إزالة الوسخ من غسل الثوب لا النجاسة، فيتعين حمل النهي على مطلق المرجوحية المجامعة للكراهة. إذ فيها: أنه إن بني على الجمود على ما تحت العبارة فالمراد مجرد غسل الثوب وان لم يكن عن وسخ، وان أريد الغسل المشروع فليس الا الغسل لازالة النجاسة. وقد يستدل على المنع بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع): " سألته عن ماء الحمام، فقال (ع): ادخله بازار، ولا تغتسل من ماء آخر، الا أن يكون فيه جنب أو يكثر أهله فلا يدري فيهم جنب أم لا " (* 3)


____________
(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 14. (* 2) راجع الوسائل باب: 26 من ابواب الجنابة. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 5.

===============

( 222 )

وفيه: (أولا): ما عرفت آنفا (* 1) من إجمال المورد، للجهل بكيفية تمايز ماء الحمام عن الماء الآخر، والجهل بما يكون وجها للمنع عن الاغتسال بماء الحمام عند ما يوجد الجنب فيه، وأنه من جهة اختلاط ماء غسله بماء الحمام أو غير ذلك. ولاسيما بملاحظة كثرة وجود الجنب فيه، وندرة حصول العلم بعدمه، فلو منع من الاغتسال مع احتمال الجنب لزم الهرج. ولعله لذلك يتعين حملها على ماء الخزانة المتعارف في زماننا، وحينئذ يتعين حملها على الكراهة، لعدم الخلاف في الجواز في الكثير إلا من شاذ، كما سيأتي (وثانيا): أنها معارضة بصحيحته الاخرى " قلت لابي عبد الله (ع): الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره اغتسل من مائه؟ قال (ع): نعم لا بأس أن يغتسل منه الجنب، ولقد اغتسلت فيه وجئت فغسلت رجلي، وما غسلتهما الا مما لزق بهما من التراب " (* 2). ومثله في الاشكال الاستدلال بصحيح ابن مسكان: " حدثني صاحب لى ثقة أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق فيريد أن يغتسل، وليس معه إناء، والماء في وهدة، فان هو اغتسل رجع غسله في الماء كيف يصنع؟ قال (ع): ينزح بكف بين يديه، وكفا من خلفه وكفا عن يمينه، وكفا عن شماله، ثم يغتسل " (* 3) بناء على ظهوره في كون محذور رجوع الغسل في الماء عدم صحة الغسل به. ولكنه غير ظاهر. مع أن نضح الاكف لا يمنع من رجوع الماء، فاطلاق الامر بالغسل بعد النضح يدل على جواز الغسل بالماء وان رجع إليه ماء الغسل، فيكون رادعا عما في ذهن السائل. فالرواية على الجواز أدل. ويؤيد ذلك


____________
(* 1) في اول فصل ماء الحمام. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب الماء المضاف حديث: 2.

===============

( 223 )

أنه ورد مثل هذا النضح في الوضوء من الماء القليل، لا من جهة منع رجوع الماء، بل تعبدا. ولعله من آداب الوضوء والغسل من الماء القليل. وأشكل من ذلك الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " وسئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب، ويغسل فيه الجنب قال (ع): إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (* 1). إذ ظاهرها نجاسة الماء باغتسال الجنب، ولا يقول به الخصم. فلتحمل على صورة تلوث بدنه بالمني. فالعمدة في المنع الخبر الاول. ويؤيده ما ورد من النهي عن الاغتسال بغسالة الحمام (* 2)، معللا: بأن فيها غسالة الجنب، وان كان قد يظهر من تلك الروايات أن المنع من جهة النجاسة لا من جهة الجنابة. نعم يظهر الجواز من صحيح ابن جعفر عن أخيه (ع) الوارد في الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاء؟ قال (ع) في ذيله -: " وان كان في مكان واحد " وهو قليل لا يكفيه لغسله، فلا عليه أن يغتسل ويرجع الماء فيه فان ذلك يجزؤه " (* 3) وهو في بدو النظر وان كان مختصا بصورة عدم وجدان غيره، لكن الظاهر منه بعد التأمل عموم الحكم، لان الماء الذي يغسل فيه بعض الاعضاء ويرجع إلى الساقية أو المستنقع، مما يكفي في تحصيل مسمى الغسل لجميع البدن، بأن يؤخذ قليلا قليلا، ويمسح به البدن بنحو يتحقق مسمى الغسل. ويؤيد ذلك قوله (ع) في صدره -: " فان خشي ان لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات " فالمراد من عدم كفايته عدم كفايته إذا اغتسل


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 2) راجع الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المضاف (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب الماء المضاف حديث: 1.

===============

( 224 )

[ وان كان الاحوط مع وجود غيره (1) التجنب عنه. وأما المستعمل في الاستنجاء، ولو من البول (2)، فمع الشروط ] به على نحو الصب على الاعضاء على ما هو المتعارف. وعلى هذا يكون قرينة على ارادة جواز الاغتسال به، ولو بعد رجوعه إلى الموضع في صحيح ابن مسكان السابق، كما عرفت. وبهما يرفع اليد عن ظاهر خبر ابن سنان المتقدم. فيحمل على ارادة صورة نجاسة بدن الجنب، كما هو الغالب. ويشير إليه ما ورد في كيفية غسل الجنابة (* 1)، وما ورد في اعتصام الكر (* 2) وغير ذلك. وهذا الجمع أقرب من الجمع بالحمل على الكراهة، أو على المنع عن اغتسال غير المغتسل لا عن اغتسال نفسه ثانيا، أو عن غير ذلك الغسل، أو إذا لم يقصد ذلك حين الاغتسال به اولا. فان هذه الخصوصيات وان اشتمل عليها صحيحا الرخصة، لكنها عرفا ملغية فلا يخص بها الدليل ويتعين في الجمع العرفي ما عرفت. ولذا يكون ما في المتن هو الاقوى. (1) لان فرض عدم وجود غيره متيقن من صحيح ابن جعفر (ع) وان كان هذا المقدار لا ينافي الاحتياط أيضا فيه، خروجا عن شبهة خلاف القائلين بالمنع مطلقا. نعم الاحتياط فيه بالجمع بين استعماله والتيمم. (2) كما صرح به جماعة، بل لا يعرف فيه خلاف، وفي جامع المقاصد نسبته إلى الاصحاب، وفي المدارك وعن الذخيرة: أنه مقتضى النص وكلام الاصحاب، ولعل هذا المقدار كاف في الحجية عليه. وأما اطلاق النص فلا يخلو من تأمل، لان الاستنجاء في الاصل غسل موضع النجو، وهو الغائط، كما قيل. اللهم إلا أن يكون تعميمهم الحكم شهادة بعموم معناه، ويساعده العرف اليوم. أو لان الدليل لما كان واردا في جواب السؤال عن


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 26 من ابواب الجنابة. (* 2) راجع الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق.

===============

( 225 )

[ الآتية طاهر (1)، ويرفع الخبث أيضا لكن لا يجوز استعماله في ] القضية الخارجية، وكان لا ينفك ماء الاستنجاء من الغائط عن ماء الاستنجاء من البول إلا نادرا جدا، فالدليل يكون ظاهرا في طهارتهما معا، كما لا يخفى. (1) كما نص عليه جماعة كثيرة، وفي بعض العبارات: أنه لا بأس به، وفي آخر: أنه لا ينجس الثوب، وفي ثالث: أنه معفو عنه. ولعل مراد الجميع الطهارة، كما قد يشهد به نقل الاجماع على كل واحد من التعبيرات الثلاثة الاول، فيكون الوجه في اختلاف التعبير اختلاف عبارات النصوص. وان كان الظاهر من النصوص المفاد الاول والثاني لا غير. فالمشتمل على المفاد الاول رواية العلل عن يونس عن رجل العنزار عن الاحول أنه قال لابي عبد الله (ع) في حديث: " الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به. فقال (ع): لا بأس. أو تدري لم صار لا بأس به؟ قال: قلت: لا والله. فقال (ع): إن الماء اكثر من القذر " (* 1). فان الظاهر من التعليل طهارة الماء. والمشتمل على المفاد الثاني بقية النصوص مثل صحيح عبد الكريم بن عتبة الهاشمي: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أينجس ذلك ثوبه؟ فقال (ع): لا " (* 2) ومصححة الاحول: " قلت لابي عبد الله (ع): أخرج من الخلا فاستنجى بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به، فقال (ع). لا بأس به " (* 3) ونحوه مصححته الاخرى (* 4)، فان الظاهر رجوع الضمير إلى الثوب لا إلى الماء.


____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب الماء المضاف حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 13 من ابواب الماء المضاف حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب الماء المضاف حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 13 من ابواب الماء المضاف حديث: 4.

===============

( 226 )

نعم قد يشكل الاعتماد على المرسل وان كان المرسل يونس الذي هو من أصحاب الاجماع، لعدم تحقق الاجماع على قبول روايتهم ولو مع الارسال ولذا كان الخلاف في قبول مراسيل ابن أبي عمير معروفا، مع أنه ممن لا يرسل إلا عن ثقة - كما قيل - فكيف بمراسيل يونس؟!. مع أن العنزار مجهول. مضافا إلى أن البناء على عدم التعدي عن مورد التعليل يستوجب البناء على إجماله، وعدم ارادة ظاهره. وأما بقية النصوص فدلالتها على طهارة الماء أو نفي البأس به غير ظاهرة، لعدم الملازمة، فعموم انفعال القليل - كعموم ما دل على تعدي نجاسة كل متنجس - المقتضي لنجاسة الماء محكم. اللهم إلا أن تستفاد الطهارة بالملازمة العرفية بين طهارة ملاقي الشئ وطهارته، كالملازمة بين نجاسة الملاقي ونجاسته. ولذا بني على نجاسة بعض الاعيان لدلالة الدليل على نجاسة ملاقيه، وعلى طهارة بعض الاعيان لدلالة الدليل على طهارة ملاقيه. ولهذه الدلالة الالتزامية اللفظية يخصص ما دل على انفعال القليل، كما يخصص ما دل على تنجيس النجيس. ومن ذلك تعرف الاشكال في كلام شيخنا الاعظم (ره) حيث ذكر أولا: أن البناء على نجاسة الماء يقتضي تخصيص قاعدة نجاسة ملاقي المتنجس والبناء على طهارته يقتضي تخصيص عموم انفعال الماء القليل، ولاجل أن الثاني أولى تعين البناء على الطهارة. ثم استشكل فيه: بأن قاعدة نجاسة ملاقي المتنجس ساقطة على كل حال، للعلم الاجمالي بتخصيصها إما بالنسبة إلى ملاقي الماء - بناء على نجاسته - أو بالنسبة إلى نفس الماء الملاقي البول أو الغائط، وبعد سقوطها عن الحجية للعلم الاجمالي المذكور، يبقي عموم انفعال الماء القليل بلا معارض، فيتعين الحكم بنجاسة الماء. ووجه الاشكال فيه (اولا): ما أشرنا إليه، من أن تخصيص عموم الانفعال ليس لتقديم قاعدة نجاسة ملاقي النجس عليه، بل للدلالة الالتزامية

===============

( 227 )

العرفية. (وثانيا): أن عموم انفعال الماء القليل في رتبة قاعدة نجاسة ملاقي النجس، فإذا فرض معارضة أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى ملاقي ماء الاستنجاء مع أصالة العموم فيها بالنسبة إلى ماء الاستنجاء، فهذه المعارضة بعينها حاصلة بين أصالة العموم في القاعدة في الاول، وأصالة العموم في عموم انفعال الماء القليل في الثاني، فالعلم الاجمالي يوجب سقوط العمومين معا عن الحجية. (وثالثا): أن المعارضة بين أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى الفردين غير ظاهرة، لسقوط أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى ملاقي ماء الاستنجاء جزما، للعلم الاجمالي بالتخصيص أو التخصص فتبقي أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى ماء الاستنجاء الملاقي للبول والغائط بلا معارض. وكذا عموم انفعال الماء القليل. بل لو فرض ملاقاة ماء الاستنجاء لماء آخر فلا معارضة في عموم انفعال الماء القليل بالنسبة إلى تطبيقه لان تطبيقه بالنسبة إلى الماء الثاني معلوم البطلان، أما للتخصيص أو للتخصص، على نحو ما عرفت في عموم نجاسة ملاقي النجس. ومثله في الاشكال ما ذكره الفقيه المقدس الهمداني (قده) في مصباحه من أن البناء على طهارة ماء الاستنجاء، وتخصيص عموم انفعال الماء القليل أهون من البناء على نجاسته، وتخصيص ما دل على عدم جواز استعمال الماء النجس في المأكول والمشروب والوضوء والصلاة وغيرها. انتهى. وجه الاشكال: أن العموم الثاني ساقط عن الحجية، إما بالتخصيص أو التخصص، فيبقى العموم الاول بحاله بلا معارض. ومن هنا يظهر أن المتعين إما القول بالطهارة، وإما القول بالنجاسة مع طهارة الملاقي. فان أريد من العفو في كلام بعض هذا المعنى فله وجه، ولو أريد منه كونه نجسا بحكم الطاهر مطلقا، أو في خصوص عدم وجوب الاجتناب عنه، مع ترتب بقية أحكام النجس عليه فغير ظاهر الوجه.

===============

( 228 )

[ رفع الحدث ولا في الوضوء والغسل المندوبين (1). وأما المستعمل في رفع الخبث غير الاستنجاء فلا يجوز استعماله في الوضوء والغسل (2). وفي طهارته ونجاسته خلاف (3). ] ثم إنه حيث كان الاظهر الطهارة فمقتضى الاطلاقات جواز رفع الحدث والخبث به. لكن يجب الخروج عنها بالاجماع المحكي عن المعتبر والمنتهى على عدم جواز رفع الحدث بما تزال به النجاسة مطلقا. وفي مفتاح الكرامة: " اعترف بهذا الاجماع جماعة كصاحب المدارك والمعالم والذخيرة وغيرهم " بل عن المعالم دعواه في خصوص المقام. ويقتضيه خبر ابن سنان المتقدم في المستعمل في رفع الحدث الاكبر، بناء على جواز التعدي من مورده إلى المقام، ولو بناء على نجاسة ماء الغسالة. فيبقى رفع الخبث به على مقتضى الاطلاقات السليمة عن المعارض. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في الحدائق، من جواز رفع الحدث به لعدم حجية الاجماع المنقول على المنع. فان الاجماع الذي يحكيه الفاضلان ويتلقاه الاعاظم بعدهما بالقبول، ليس من الاجماع المنقول. نعم ذكر في المدارك - في مبحث الغسالة - وجود القائل بكون ماء الغسالة باقيا على ما هو عليه من الطهورية. لكن هذا القائل غير معروف، كما في مفتاح الكرامة. نعم في الحدائق حكى ذلك عن المحقق الادبيلى (قده) فليلحظ كلامه. (1) للاجماع والخبر إذا كانا رافعين للحدث، وللخبر وحده إذا لم يكونا كذلك. فان اطلاق الخبر شامل للواجب والمندوب. فتأمل. (2) لما تقدم من الاجماع والخبر أيضا. فتأمل. (3) هذا الخلاف بعد البناء على نجاسة القليل بملاقاة النجاسة. أما بناء على الطهارة فلا مجال للقول بالنجاسة هنا. ومنه يظهر أن نسبة القول

===============

( 229 )

[ والاقوى أن ماء الغسلة المزيلة للعين نجس (1)، وفي الغسلة غير المزيلة الاحوط الاجتناب. ] بالطهارة في المقام إلى مثل العماني في غير محلها. وكذا نسبته إلى مثل السيد والحلي (قدهما)، فانهما قائلان بطهارة الوارد ولو على النجاسة العينية اللهم إلا أن يكون مفاد دليلهما الطهارة في المقام بالخصوص، كما تقدم. (1) كما هو المنسوب إلى المشهور بين المتأخرين، وأشهر الاقوال ولاسيما بين المتأخرين، بل لعله إجماع في خصوص المورد. لاطلاق ما دل على انفعال القليل بملاقاة النجاسة، مثل قولهم (ع): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1). والمناقشة فيه: بأنه من تعليق العموم - لو سلمت - لم تقدح في الاستدلال به على المقام، لان الكلام فيه بعد الفراغ عن انفعال الماء بتلك النجاسة. ويكفي في اثبات الانفعال حينئذ الاطلاق الاحوالي. على أنك عرفت في مبحث انفعال القليل ضعف المناقشة المذكورة، لوجود القرائن في نصوص المفهوم المذكور على ثبوت العموم الافرادي له. أما ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) في طهارته، من تقريب العموم: بأن السلب الكلي لما كان منحلا إلى السلب عن كل واحد من الافراد، فإذا كان مفاد الشرطية كون الشرط علة منحصرة، رجع ذلك إلى علية الشرط بالاضافة إلى كل واحد من الافراد، ولازمه انتفاء الحكم عن كل واحد منها عند انتفاء الشرط. نعم لو استفيد من المنطوق كون الشرط علة للحكم العام بوصف العموم. - وبعبارة أخرى: علة لعموم الحكم - كان المنفي في المفهوم هو ذلك الحكم بوصف العموم، فيكفي ثبوته لبعض الافراد. لكن العموم في السالبة الكلية ليس من قيود السلب ولا من قيود المسلوب


____________
(* 1) راجع الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق.

===============

( 230 )

انتهى. (فيشكل): بأن ذلك خلاف ما ذكروه في محله من أن نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية، وأن مفهوم القضية الشرطية قضية شرطية شرطها نقيض الشرط وجزاؤها نقيض الجزاء. إذ - على هذا - يكون مفهوم قولنا: " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " إذا لم يبلغ كرا ينجسه بعض الشئ. وما ذكره (قده) يبتني على تحليل القضية إلى قضايا شرطية متعددة بتعدد أفراد الشئ، وهو غير واضح. ومثله في الاشكال ما ذكره - ثانيا - بعد تسليم عدم دلالة المفهوم بمقتضى نفس التركيب على العموم، وحاصله: أن المراد من الشئ في الجزاء ليس كل شئ بل خصوص ما كان مقتضيا للتنجيس، فإذ فرض أن الشئ مقتضيا للتنجيس وأن الكرية مانعة، لزم عند انتفاء الكرية المانعة ثبوت الحكم المنفي لكل فرد من الشئ باقتضائه السليم من منع المانع. (وجه الاشكال): أنه إذا سلمنا كون الجزاء سالبة كلية، فمفاد القضية الشرطية ليس إلا انحصار علية السلب الكلي بالكرية فإذا انتفت انتفى، وقد عرفت أنه لا ملازمة بين انتفاء السلب الكلي والايجاب الكلي، بل اللازم له هو الايجاب الجزئي لا غير. فإذا العمدة في اثبات العموم الافرادي القرائن الخاصة التي اشتملت عليها النصوص كما أشرنا إليه آنفا (* 1). وقد عرفت أن استفادة نجاسة ماء الغسالة لا يتوقف عليه، بل على العموم الاحوالي، ولما لم يتعرض الشارع لكيفية التنجيس فلابد أن يكون ذلك اتكالا منه على ما عند العرف، ولا ريب أنهم لا يفرقون في تنجيس النجاسات بين الوارد والمورود، وبين ما يكون مستعملا في مقام التطهير وبشرايطه وبين غيره، فيكون مقتضى الاطلاق ذلك أيضا. ومما يدل على النجاسة رواية العيص بن القاسم المروية في الخلاف والمعتبر والمنتهى والذكرى: " سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت


____________
(* 1) في اوائل فصل الماء الراكد.

===============

( 231 )

فيه وضوء. فقال (ع): إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه، وان كان من وضوء الصلاة فلا بأس " (* 1). وحملها على الطشت الذي يكون فيه عين البول والقذر خلاف الاطلاق. كما أن الطعن في السند من جهة عدم كونها مروية في كتب الحديث، وانما رويت في كتب الفقهاء المذكورة مرسلة عن العيص من دون ذكر طريقهم إليه بل قيل: " من المقطوع به أن رواية المنتهى إنما كانت تبعا للخلاف " مع أن الرواية مضمرة. مندفع: بأن الظاهر من نسبة الرواية إلى العيص وجدانها في كتابه - كما ذكره شيخنا الاعظم (ره) وغيره - وطريق الشيخ إليه حسن، كما يظهر من الفهرست. وأما الاضمار فغير قادح، فانه ناشئ من تقطيع الاخبار وتبويبها، وإلا فليس من شأن العيص أن يودع في كتابه الموضوع للرواية عن المعصوم (ع) رواية عن غيره، ولا من شأن الشيخ (ره) ذلك أيضا. نعم ظهور رواية الشيخ وغيره في وجدانها في كتابه ليس على نحو يحصل الوثوق به، لتدخل الرواية في موضوع الحجية. وكأنه لذلك رماها في المعتبر بالضعف، وفي الذكرى بالقطع، لاحتمال أن يكون الشيخ رواها من غير كتابه. وقد يستدل أيضا بموثق عمار (* 2) الوارد في الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ وأنه يغسل ثلاث مرات في كل مرة يصب فيه الماء، فيحرك فيه، ثم يفرغ منه. ويشكل: بأن من الجائز أن يكون افراغه لاعتبار انفصال ماء الغسالة في التطهير في جميع الغسلات لا لاجل النجاسة. ومن الغريب استدلال المحقق في المعتبر على النجاسة


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف حديث: 14. ولم يذكرها بتمامها، وكذا في المعتبر والذكرى. نعم رواها بتمامها في الخلاف مع اختلاف في الالفاظ في مسألة: 135. (* 2) الوسائل باب: 53 من ابواب النجاسات حديث: 1.

===============

( 232 )

بخبر ابن سنان المتقدم في المستعمل في رفع الاكبر، فان عدم جواز الوضوء به لا يدل على النجاسة بوجه. ومما ذكرنا تعرف أن العمدة في القول بالنجاسة الاطلاق الاحوالي لعموم انفعال الماء القليل. والظاهر أنه لا إشكال في وجوب العمل به في الغسلة المزيلة بل في السرائر والمنتهى دعوى الاجماع عليه، ولعله ظاهر المعتبر أيضا. أما في غيرها من الغسلات فقد يشكل العمل به فيها، بدعوى انصرافه إلى النجاسات العينية، كما تقدم في مبحث انفعال القليل. وما تقدم من النصوص الدالة على تنجسه بالمتنجس فانما هو في موارد خاصة ليس منها المقام. فيكون المتعين الرجوع إلى الاصل المقتضي للطهارة. وكأنه لاحتمال هذا الانصراف قال المصنف (ره): " وفي الغسلة غير المزيلة الاحوط الاجتناب ". بل قد يستدل على الطهارة فيها: بأن البناء على النجاسة يستلزم تخصيص ما دل على عدم مطهرية النجس، وليس هو أولى من تخصيص ما دل على انفعال القليل وحيث لا مرجح يسقطان معا ويرجع إلى استصحاب الطهارة. وقد يرد بمنع هذه القاعدة، والمتيقن منها عدم مطهرية النجس قبل الاستعمال، لا ما صار نجسا به، لان النجاسة بالاستعمال من اللوازم التي يكون اشتراط عدمها موجبا لتعذر التطهير بالقليل. بل يمكن منع كون المتيقن ذلك، لان الماء يرد على بعض الموضع النجس ثم يسري منه إلى الباقي منه، فيكون تطهيره للباقي بعد انفعاله بملاقاة الاول، فيلزم مطهرية النجس قبل الاستعمال. بل يمكن أن يقال: إنه يلزم من القول بالنجاسة تخصيص ما دل على تنجيس المتنجس، فان الماء يسري من المحل النجس إلى المحل الطاهر المتصل به، فاما أن ينجسه فيلزم سراية النجاسة إلى تمام الجسم المتنجس بعضه، أولا فيلزم لمحذور من تخصيص قاعدة تنجيس المتنجس. بل يلزم من القول بالنجاسة في الغسلة الاخيرة تخصيص قاعدة ثالثة،

===============

( 233 )

وهي (إما) اختلاف حكم الماء الواحد لو كان المختلف طاهرا قبل انفصال ما ينفصل، لان الماء الوارد على المحل واحد بعضه نجس وهو المنفصل، وبعضه طاهر وهو المتخلف. (وإما) طهارة الماء بدون مطهر لو كان المتخلف يطهر بعد انفصال المنفصل. (ودعوى): أنه يطهر بالتبعية (فيها) - مع أن التبعية ليست من المطهرات - أنها ممنوعة، لان المحل يطهر بمجرد انفصال الماء عنه. والمتخلف يطهر بعد انفصال الماء عن العضو وان تأخر عن الانفصال عن المحل. مثلا إذا تنجس أعلى الكف فصب عليه الماء، وجرى عليه حتى انفصل من أطراف الاصابع، فهذا الانفصال من أعلى الكف متقدم على الانفصال من اطراف الاصابع، وطهارة المحل مقارنة للاول وطهارة المتخلف مقارنة للثاني. وعلى هذا نقول: يلزم في المقام إما تخصيص قاعدة انفعال القليل، أو تخصيص هذه القواعد الثلاث كلها، ولا ريب أن تخصيص واحدة أولى من تخصيص جملة. ولاسيما مع ورود التخصيص على الواحدة بمثل ماء الاستنجاء، وماء المطر، وذي المادة، ولم يثبت تخصيص غيرها. لا أقل من التساقط والرجوع إلى استصحاب الطهارة. ولكن قد عرفت الاشكال في هذه المعارضة، من جهة أن القواعد المذكورة - غير قاعدة انفعال القليل - مما يعلم إجمالا بسقوطها عن الحجية، إما للتخصيص أو للتخصص، بخلاف قاعدة انفعال القليل، فانها يشك في تخصيصها فيرجع فيها إلى أصالة عدم التخصيص بلا معارض. واستبعاد تخصيص هذه القواعد غير ظاهر، إذ هو الموافق للمرتكزات العرفية في القذارات العرفية، فان بناءهم على استقذار الماء وان لزم فيه المحاذير المذكورة. ثم إن هذه المعارضة على تقدير تماميتها، فانما تقتضي الطهارة في غير الغسلة المزيلة، أما هي فيمكن الالتزام بالعمل بجميع القواعد فيها بلا تخصيص.

===============

( 234 )

هذا وربما يستدل للطهارة بالتعليل المتقدم في ماء الاستنجاء (* 1). وفيه - مع ما عرفت من ضعف سند الرواية: أن الاخذ بظاهر التعليل يستوجب البناء على عدم انفعال الماء القليل. والكلام في المقام بعد البناء على انفعاله اللازم للبناء على اجمال التعليل، والاقتصار به على مورده. وقد يستدل أيضا بخبر عمر بن يزيد: قلت لابي عبد الله (ع): أغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة، فيقع في الاناء ما ينزو من الارض، فقال (ع): لا بأس به " (* 2). وفيه - مع ضعف السند، واحتمال كون السؤال من جهة احتمال إصابة القطرة الموضع الذي أصابه البول، لا صورة العلم بذلك. وظهور السؤال في نجاسة ماء الغسل من الجنابة، وحمله على ما يستعمل في تطهير القبل من المني يستوجب البناء على نجاسة ماء الغسالة -: أنه مختص بالقطرة غير المستقرة مع النجاسة، وكونها مما نحن فيه غير معلوم. مع أن التعدي إلى غيرها غير ظاهر. وقد يستدل بما ورد من تطهير النبي صلى الله عليه وآله المسجد من بول الاعرابي بالقاء ذنوب من الماء (* 3). وفيه: أنها رواية أبى هريرة لا يعول عليها. مع أنها في واقعة مجملة. وبما ورد في صحيح ابن مسلم (* 4) من غسل الثوب في المركن مرتين. وفيه: أنه لا تعرض فيه للطهارة. نعم بناء على نجاسة الغسالة لابد من الالتزام بعدم نجاسة الثوب بالماء المغسول به، وقد عرفت أنه لا ضير في الالتزام به.


____________
(* 1) تقدم في رواية العلل هناك، وهو التعليل بأن الماء اكثر من القذر. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف حديث: 7. (* 3) مستدرك الوسائل باب: 52 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب النجاسات حديث: 1.

===============

( 235 )

وبما ورد في صحيح الاحول: " قلت له: أستنجي ثم يقع ثوبي فيه وأنا جنب. فقال (ع): لا بأس به " (* 1) بناء على ظهوره في الاستنجاء من المني، أو أنه محتمل لذلك، فيكون ترك الاستفصال دليلا على العموم. وفيه: أن ظاهر الرواية الاستنجاء من البول والغائط في حال الحدث، ومن المحتمل أن يكون السائل توهم دخل خصوصية الحدث الخاص في اختلاف حكم الاستنجاء. مع أنه لو سلم ما ذكر فغاية ما تدل عليه الحاق الاستنجاء من المني بالاستنجاء من البول، لا طهارة ماء الغسالة كلية. وبمنع شمول الاطلاق الاحوالي للغسلة المطهرة، لان الماء فيها مزيل للنجاسة وغالب عليها، فلا يكون مغلوبا. وفيه: أن ذلك خلاف الارتكاز العرفي، فان المرتكز عند العرف أن الماء المزيل للقذارة كأنه يحمل القذارة وينقلها إلى نفسه فلاحظ. ومما ذكرنا تعرف الاشكال في استدلال السيد (ره) على عدم انفعال الماء الوارد: بأن البناء على نجاسة يؤدي إلى انحصار التطهير بالكر، الراجع إلى اعتبار طهارة ماء التطهير حتى بعد التطهير. إذ فيه: أنه لا دليل على ذلك عقلا ولا عرفا، وعموم انفعال الماء القليل قاض بخلافه. والمحصل: من جميع ما ذكرنا: أن الادلة المستدل بها على النجاسة مخدوشة، عدا عموم انفعال القليل. والادلة المستدل بها على الطهارة التي يخرج بها عن عموم الانفعال أيضا غير سالمة عن الاشكال. والمناقشة في العموم الافرادي قد عرفت ضعفها، كالمناقشة في العموم الاحوالي. نعم احتمال انصراف الشئ في روايات الكر إلى نجس العين قريب. لكنه خلاف إطلاق الشئ. فالعمل على الاطلاق متعين. ومن هنا يظهر أن القول بالنجاسة في جميع الغسلات أقرب إلى ظاهر الادلة الشرعية والاذواق


____________
(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب الماء المضاف حديث: 4.

===============

( 236 )

[ (مسألة 1): لا إشكال في القطرات التي تقع في الاناء عند الغسل (1) ولو قلنا بعدم جواز استعمال غسالة الحدث الاكبر. ] العرفية. وهو سبحانه ولي التوفيق. (1) كما نص عليه جماعة. وعن ظاهر المنتهى جريان الخلاف فيها. ولكنه غير واضح، للنصوص للكثيرة النافية للبأس فيه، مثل صحيح الفضيل عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل الجنب يغتسل فينتضح من الماء في الاناء. فقال (ع): لا بأس، ما جعل عليكم في الدين من حرج " (* 1) ونحوه غيره (* 2) والظاهر منه السؤال عن جواز الاغتسال مما في الاناء لا خصوص الطهارة. ولاسيما مع وضوح طهارة ماء الغسل، ومع عدم التنبيه على عدم جواز الاغتسال به مع كون الغالب في التقاطر كونه في أول الامر. ومن ذلك يظهر ضعف المناقشة في دلالة النصوص، من جهة احتمال كون الجهة المسؤول عنها الطهارة. نعم لا يبعد هذا الاحتمال في بعض نصوص الباب، كرواية عمر بن يزيد المتقدمة في ماء الغسالة. ثم إن مقتضى الجمود على مورد النصوص عدم التعدي إلى غير القطرات من إجزاء ماء الغسل. اللهم إلا أن يدعى قصور الاطلاق المانع عن شموله فان الاجزاء اليسيرة المنبثة في الماء لا يصدق الوضوء بها، كما ذكره شيخنا الاعظم (ره). بل احتمل (قده) الجواز مع تساويهما في المقدار. بدعوى ظهور دليل المنع في انحصار الغسل به. ولكنه يشكل بمنع ذلك، كما يظهر من ملاحظة نظائره من الاحكام، فانها شاملة لصورة الامتزاج جزما، بل لا فرق فيها بين اليسير والكثير، إذ لا اضمحلال للجزء اليسير، ولا استهلاك مع وحدة الجنس فكيف لا يشمله الاطلاق؟!. ولا سيما بملاحظة ما في


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 5. (* 2) راجع الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف والمستعمل

===============

( 237 )

[ (مسألة 2): يشترط في طهارة ماء الاستنجاء أمور: الاول: عدم تغيره في أحد الاوصاف الثلاثة (1). الثاني: عدم وصول نجاسة إليه من خارج (2). الثالث: عدم التعدي الفاحش على وجه لا يصدق معه الاستنجاء (3). الرابع: أن لا يخرج مع البول أو الغائط نجاسة أخرى مثل الدم (4). نعم الدم الذي يعد جزءا من البول أو الغائط لا بأس به (5). ] الصحيح السابق من تمسك الامام (ع) بآية نفي الحرج، الظاهر في وجود مقتضي المنع في القطرات كغيرها. (1) بلا خلاف ظاهر، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، ومنهم شيخنا الاعظم. ويقتضيه مادل على نجاسة المتغير، ولا تصلح لمعارضته نصوص المقام، لقرب انصرافها إلى حيثية الملاقاة لا مطلقا. ولو سلم إطلاقها فلا أقل من كون التصرف فيها بالحمل على ذلك أسهل من التصرف في عموم نجاسة المتغير. بل التعليل كالتصريح في الاختصاص بغير المتغير. لكن عرفت الاشكال في سنده. (2) لاهمال نصوص الطهارة بالاضافة إلى ذلك، فيتعين الرجوع إلى عموم الانفعال. (3) فلا يدخل في نصوص الباب، بل في عموم الانفعال. (4) كدم البواسير. لما سبق من إهمال نصوص الباب بالاضافة إلى هذه الجهة، فيتعين الرجوع إلى عموم الانفعال. (5) في خارجية الفرض اشكال، إذ البول والغائط مغايران مفهوما

===============

( 238 )

[ الخامس: أن لا يكون فيه الاجزاء من الغائط بحيث يتميز (1). أما إذا كان معه دود أو جزء غير منهضم من الغذاء، أو شئ آخر لا يصدق عليه الغائط فلا بأس به (2). (مسألة 3): لا يشترط في طهارة ماء الاستنجاء سبق الماء على اليد (3) وان كان أحوط. (مسألة 4): إذا سبق بيده بقصد الاستنجاء، ثم أعرض، ثم عاد لا بأس، إلا إذا عاد بعد مدة ينتفي معها ] للدم، فإذا خرج مع أحدهما، فان كان مستهلكا فلا موضوع له، وان لم يكن مستهلكا امتنع أن يكون جزءا، بل يكون ممازجا لاحدهما، وملاقاته موجبة لنجاسة ماء الاستنجاء، على ما عرفت (1) إذ لو كانت فيه فهي بمنزلة النجاسة الخارجية في إهمال النصوص بالاضافة إليها، لكونها متعرضة لحكم الماء من حيث الملاقاة في المحل لا غير، فلا تشمل الملاقاة في خارجه، والمرجع حينئذ عموم الانفعال. (2) كما نص عليه بعض. وفي الجواهر قوى النجاسة بعد أن ذكر أن فيه وجهين، وجزم بها شيخنا الاعظم، لان المتنجس كالنجس الاجنبي الذي عرفت نجاسة الماء به، لقصور أدلة الطهارة عن شموله. لكنه يشكل: بأن غلبة وجود ذلك مع كونه مغفولا عنه، لكون نجاسته بالتبع، وعدم التنبيه على حكمه في النصوص، يوجب ظهورها في عموم الحكم. نعم لو لاقاه بعد الانفصال عن المحل لم يبعد الحكم بالنجاسة، لقصور النصوص عن شمول ذلك. (3) لجريان العادة بسبق كل منهما، فترك الاستفصال يقتضي المساواة في الحكم.

===============

( 239 )

[ صدق التنجس بالاستنجاء (1)، فينتفي حينئذ حكمه. (مسألة 5): لا فرق في ماء الاستنجاء بين الغسلة الاولى والثانية في البول الذي يعتبر فيه التعدد (2). (مسألة 6): إذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي فمع الاعتياد كالطبيعي، ومع عدمه حكمه حكم سائر النجاسات (3) في وجوب الاحتياط من غسالته (4). (مسألة 7): إذا شك في ماء أنه غسالة الاستنجاء أو غسالة ساير النجاسات يحكم عليه بالطهارة (5)، وان كان الاحوط الاجتناب. ] (1) فانه موضوع نصوص الطهارة، فإذا انتفى انتفى حكمه. (2) للاطلاق. (3) لانصراف الادلة عنه، فيرجع فيه إلى عموم الانفعال. إلا أن يقال إن كان الموجب للانصراف الغلبة، فمع أن المحقق في محله أن الانصراف للغلبة بدوي لا يعتد به، أن لازمه النجاسة في غير الطبيعي ولو مع الاعتياد، وإن كان مجرد عدم الاعتياد مع قطع النظر عن الغلبة فغير ظاهر. فالاولى أن يقال: إن الاستنجاء يختص بغسل الموضع المعد لخروج النجو كان الاعداد أصليا أو عرضيا، فلو كان الموضع معدا لذلك كان غسله استنجاء سواء اكان متكررا خروجه ليكون عاديا أم لا، وإذا كان خروجه بلا اعداد بل بمحض الاتفاق، لم يكن غسله استنجاء. (4) يعنى: غير المزيلة. (5) لاستصحاب الطهارة. اللهم إلا ان يبنى على الرجوع إلى العام في الشبهة المصداقية. فيرجع حينئذ إلى عموم الانفعال. لكنه خلاف

===============

( 240 )

[ (مسألة 8): إذا اغتسل في الكر - كخزانة الحمام - أو استنجى فيه لا يصدق عليه غسالة الحدث الاكبر (1). ] التحقيق. أو على أن مقتضى الجمع بين العام والخاص كون موضوع حكم العام الفرد الذي ليس بخاص، فيكون موضوع الانفعال في المقام الماء الملاقي للنجاسة وليس ماء الاستنجاء، ولما كان مقتضى الاصل عدم كون الماء مستعملا في الاستنجاء مع العلم بملاقاته للنجاسة، فقد أحرز موضوع الانفعال بعضه بالوجدان وبعضه بالاصل. وليس هذا الاصل من قبيل الاصل الجاري في العدم الازلي، لان عدم الاستعمال في الاستنجاء عدم في حال وجود الماء - كما لا يخفى - فلا إشكال في صحة استصحابه. أو يبنى على أن إناطة الرخصة بالامر الوجودي يقتضي البناء على عدمها عند الشك في ثبوته. لكن عرفت الاشكال في هذه القاعدة. (1) قال في الحدائق: " يظهر الاختصاص بالقليل من كلمات جمع " وفي الجواهر: " الظاهر أن النزاع مخصوص في المستعمل إذا كان قليلا، أما لو كان كثيرا فلا ". وفي طهارة شيخنا الاعظم (ره): " لا ينبغي الاشكال في الجواز في الماء الكثير وان قلنا بالمنع في غيره، لاختصاص دليل المنع بما يغتسل به لا فيه. قال في المعتبر: ولو منع هنا لمنع ولو اغتسل في البحر ". اقول: الباء في قوله (ع) في رواية ابن سنان: " يغتسل به الرجل من الجنابة " (* 1) باء الاستعانة، وهي كما تصدق في القليل تصدق في الكثير ولو بني على انصرافها إلى ما يصب على المحل لزم دخول الكثير إذا كان الاغتسال به بنحو الصب، وخروج القليل الذي يرتمس فيه الجنب، ولم يقل به أحد وان اختلفوا في صدق الاستعمال بمجرد النية مطلقا، أو يتوقف على الخروج من الماء كذلك، أو يفصل بين نفسه وغيره على


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف حديث: 13.

===============

( 241 )

[ أو غسالة الاستنجاء (1) أو الخبث. (مسألة 9): إذا شك في وصول نجاسة من الخارج أو مع الغائط يبني على العدم (2). ] أقوال. فراجع. فالعمدة إذا في خروج الكثير - مضافا إلى الاجماع - صحيح صفوان الجمال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض التي ما بين مكة والمدينة تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، وتشرب منها الحمير، ويغتسل فيها الجنب، ويتوضأ منه. قال (ع): وكم قدر الماء؟ قال: إلى نصف الساق وإلى الركبة. فقال: توضأ منه " (* 1). وصحيح محمد ابن اسماعيل الوارد في الغدير الذي يستنجى فيه، أو يغتسل فيه الجنب. فقال (ع): " لا تتوضأ من مثل هذا إلا من ضرورة " (* 2)، بناء على الاجماع على عدم التفصيل في المنع بين الضرورة وغيرها. فيكون ذلك قرينة على الكراهة. وقد يستفاد أيضا مما ورد في الاغتسال في ماء الحمام. (1) لان العمدة في المنع عن طهوريته الاجماع وهو مفقود في الكثير وأما خبر ابن سنان، فقد تقدمت الاشارة إلى الاشكال في الاستدلال به على ذلك، بناء على طهارة ماء الاستنجاء ونجاسة الغسالة. ولو فرض ظهوره في مطلق ما يلاقي النجاسة وجب الخروج عنه بما ورد من جواز الوضوء من الماء الكثير الذي تكون فيه العذرة، أو البول. أو الجيفة، أو تلغ فيه الكلاب، أو نحو ذلك (* 3). ومنه يظهر أيضا عدم جريان حكم الغسالة على الكثير المغسول به الخبث. فلاحظ. (2) لاستصحاب العدم.


____________
(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 12. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 15. (* 3) راجع الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق.

===============

( 242 )

[ (مسألة 10): سلب الطهارة والطهورية عن الماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر أو الخبث استنجاء أو غيره، إنما يجري في الماء القليل دون الكر فما زاد، كخزانة الحمام ونحوها (1). (مسألة 11): المتخلف في الثوب بعد العصر من الماء طاهر (2)، فلو أخرج بعد ذلك لا يلحقه حكم الغسالة. وكذا ما يبقى في الاناء بعد إهراق ماء غسالته. (مسألة 12): تطهر اليد تبعا بعد التطهير، فلا حاجة إلى غسلها. وكذا الظرف الذي يغسل فيه الثوب ونحوه. (مسألة 13): لو أجرى الماء على المحل النجس زائدا على مقدار يكفي في طهارته، فالمقدار الزائد بعد حصول الطهارة طاهر (3)، وان عد تمامه غسلة واحدة ولو كان بمقدار ساعة. ولكن مراعاة الاحتياط أولى. (مسألة 14): غسالة ما يحتاج إلى تعدد الغسل كالبول - مثلا - إذا لاقت شيئا لا يعتبر فيها التعدد (4)، وان كان أحوط. ] (1) مضمون هذه المسألة متحد مع مضمون المسألة الثامنة. (2) يأتي الكلام في هذه المسألة ولا حقتها في مبحث الطهارة بالتبعية في مبحث المطهرات. (3) لان ظاهر الدليل كون الغسل المطهر بنحو صرف الوجود الصادق على الحدوث، فإذا تحقق طهر المحل، فما يلاقيه من الماء المنصب طاهر، لعدم ملاقاته للنجس. (4) قد اختلفوا في ملاقي الغسالة بناء على نجاستها، وأنه كالمحل بعدها

===============

( 243 )

[ (مسألة 15): غسالة الغسلة الاحتياطية استحبابا يستحب الاجتناب عنها (1). ] أو كالمحل قبلها، أو كالمحل قبل الغسل. وقد ذكروا وجوها لا تخلو من تأمل، لكونها مبنية على ظن وتخمين. وينبغي أن يكون مبنى هذا الخلاف وجود إطلاق يرجع إليه وعدمه، فعلى الاول يكتفى في تطهير الملاقي بالمرة ولو كانت من الغسلة الاولى فيما يجب فيه التعدد. وعلى الثاني يجب التعدد للاستصحاب حتى إذا كانت مما لا يجب فيه العدد، أو كانت من الغسلة الاخيرة. هذا ولا يحضرني إطلاق في خصوص ملاقي الغسالة يرجع إليه عدا رواية العيص المتقدمة (* 1)، وقد عرفت الاشكال في سندها. نعم يأتي في مبحث المطهرات - إن شاء الله تعالى - تقريب إطلاق مطهرية الماء من مثل النبوي: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ " وأنه كما يرجع إلى العرف في كيفية التنجيس يرجع إليهم في كيفية التطهير. ومن المعلوم أن الكيفية عند العرف هي الغسل مرة، ومقتضى ذلك الاكتفاء بالمرة في التطهير ما لم يقم دليل على التعدد، كما في البول والاواني بناء على وجوب التعدد فيها. وسيأتي - إن شاء الله - ماله نفع في المقام. (1) لاشتراك المناط وهو احتمال النجاسة مع كون الحجة على خلافه.


____________
(* 1) تقدمت في حكم ماء الغسالة.

===============

( 244 )

[ فصل الماء المشكوك نجاسته طاهر (1) إلا مع العلم بنجاسته سابقا (2). والمشكوك إطلاقه لا يجري عليه حكم المطلق (3)، إلا مع سبق إطلاقه (4). والمشكوك إباحته محكوم بالاباحة (5) ] فصل في الماء المشكوك (1) لقاعدة الطهارة الجارية في كل ما يحتمل أنه طاهر، المستفادة من موثق عمار عن أبي عبد الله (ع) - في حديث قال (ع): " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك " (* 1). وللقاعدة الجارية في خصوص الماء المشكوك التي يدل عليها ما رواه حماد بن عثمان عنه (ع): " الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر " (* 2). (2) لاستصحاب النجاسة المقدم على قاعدة الطهارة، كما حقق في الاصول. (3) إذ لا قاعدة تقتضي ذلك. فلابد من الرجوع إلى الاصول الجارية في أحكامهما والعمل بما يقتضيه الاصل في كل منهما. (4) فحينئذ يستصحب إطلاقه كسائر العوارض المشكوكة الارتفاع فيجري عليه حكم المطلق. (5) لقاعدة الاباحة المستفادة من خبري مسعدة بن صدقة، و عبد الله


____________
(* 1) الوسائل باب: 37 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب الماء المطلق حديث: 2.

===============

( 245 )

ابن سنان (* 1). نعم روى في الوسائل - في باب وجوب إيصاله حصة الامام من الخمس إليه - عن الكافي عن محمد بن الحسن، وعلي بن محمد جميعا عن سهل بن زياد، عن أحمد بن المثنى، عن محمد بن زيد الطبري، " كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبى الحسن الرضا (ع) يسأله الاذن في الخمس. فكتب (ع): بسم الله الرحمن الرحيم إن الله واسع كريم، ضمن على العمل الثواب، وعلى الضيق الهم. لا يحل مال إلا من وجه أحله الله.. " (* 2) ومقتضاه أصالة الحرمة في الاموال إلا مع العلم بوجود السبب المحلل، لانه مع الشك في السبب المحلل يرجع إلى أصالة عدمه. والامر في سهل سهل. لكن أحمد بن المثنى مهمل ومحمد بن زيد الطبري مجهول. ولاجل ذلك يشكل الاعتماد على الخبر، والخروج به عن قاعدة الحل وما اشتهر من أصالة الحرمة في الاموال لا يصلح جابرا له، لعدم ثبوته بنحو الكلية الشاملة لما لم يكن أصل موضوعي يقتضي الحرمة، من استصحاب ملكية الغير أو عدم إذن المالك في التصرف، أو نحو ذلك، كما لو شك في ثمر أنه شجرة أو ثمر شجر غيره، أو في ماء: أنه ماؤه المتولد في بئره، أو المتولد في بئر غيره، أو في حيوان: أنه متولد من حيوانه، أو من حيوان غيره، فان مقتضى أصالة الحل الحل في مثل ذلك، ولم يثبت ما يوجب الخروج عنها. ثم إنه بني على العمل بالخبر المذكور فذلك إذا لم يكن سابقا من المباحات الاصلية وقد احتمل بقاؤه عليها، وإلا جرى استصحاب عدم ملك غيره له، المقتضي لحليته بالحيازة. وكذا لو كان مملوكا سابقا لغير محترم المال واحتمل بقاؤه على ذلك، فانه يجري فيه استصحاب ملكيته،


____________
(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يكتسب به حديث: 4، 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب الانفال وما يختص بالامام حديث: 2.

===============

( 246 )

[ الا مع سبق ملكية الغير (1)، أو كونه في يد الغير المحتمل كونه له (2). (مسألة 1): إذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور - كاناء في عشرة - يجب الاجتناب عن الجميع (3)، وان اشتبه في غير المحصور - كواحد في ألف مثلا (4) - لا يجب الاجتناب عن شئ منه. ] السابقة، فيجوز تملكه والتصرف فيه بأي نحو. (1) فتستصحب الملكية، ولا يحل إلا بطيب نفس المالك، ولو شك فالاصل عدمه، كما عرفت. (2) فتكون اليد حجة على الملكية، فيجري عليه حكم معلوم ملكية الغير. (3) للعلم الاجمالي الذي تحقق في محله أنه حجة كالعلم التفصيلي. (4) الضابط في الفرق بين المحصور وغير المحصور يختلف باختلاف الوجه في عدم حجية العلم الاجمالي إذا كانت أطرافه غير محصورة. (ولاجل) أن المحقق في محله عدم الفرق في حجية العلم المردد متعلقه بين الكثير والقليل من حيث هما، وأن العبرة في سقوط العلم عن الحجية في الكثير وجود بعض الموانع عن تأثيره، ولو كان بين أفراد قليلة، من لزوم الحرج أو الضرر من الاحتياط، أو خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء (يكون) المدار في كون الشبهة غير محصورة كونها بالغة في الكثرة حدا يكون فيه أحد الموانع المذكورة. وان كان الاظهر اختصاصها عند الاصحاب بالكثرة مع خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء، وان اشتركت بقية الموانع معه في الحكم. فراجع كلماتهم. وبعض الاعاظم جعل ضابط غير المحصور أن تبلغ الاطراف حدا من

===============

( 247 )

[ (مسألة 2): لو اشتبه مضاف في محصور يجوز أن يكرر الوضوء أو الغسل إلى عدد يعلم استعمال مطلق في ضمنه فإذا كانا اثنين يتوضأ بهما، وان كانت ثلاثة أو أزيد يكفي التوضؤ باثنين إذا كان المضاف واحدا، وان كان المضاف اثنين في الثلاثة يجب استعمال الكل، وان كان اثنين في أربعة تكفي الثلاثة. والمعيار أن يزاد على عدد المضاف المعلوم بواحد. وان اشتبه في غير المحصور جاز استعمال كل منها، كما إذا كان المضاف واحدا في ألف. والمعيار أن لا يعد العلم الاجمالي علما، ويجعل المضاف المشتبه بحكم العدم (1) فلا يجري عليه حكم الشبهة البدوية أيضا. ولكن الاحتياط أولى. ] الكثرة لا يتمكن المكلف عادة من جميعها وان تمكن من كل واحد على البدل. وفيه - مع أنه خلاف المصطلح عليه ظاهرا -: أن الترخيص في مثل ذلك لا يخلو من خفاء، فان العجز عن المخالفة القطعية لا يوجب سقوط العلم بالتكليف عن المنجزية عند العقلاء. كيف؟! والاضطرار إلى المخالفة الاحتمالية - مع كونه منافيا لمقتضى العلم - لا يوجب سقوط العلم عن المنجزية كما لو اضطر إلى ارتكاب أحد اطراف الشبهة، فأولى أن لا يوجب العجز عن المخالفة القطعية ذلك، لعدم منافاته لمقتضى العلم. فمن علم بغصبية أحد المكانين في زمان قصير يجب عليه اجتنابهما معا، وان لم يمكنه التصرف فيهما معا في ذلك الزمان. (وبالجملة): العجز عن المخالفة القطعية لا ينافي مقتضى العلم، فلا يمنع من منجزيته. (1) كأنه لدعوى: أن كثرة الاطراف موجبة لبناء العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل واحد من الاطراف،

===============

( 248 )

[ (مسألة 3): إذا لم يكن عنده الا ماء مشكوك اطلاقه واضافته، ولم يتيقن أنه كان في السابق مطلقا، يتيمم للصلاة (1) ونحوها. والاولى الجمع بين التيمم والوضوء به. ] فكل طرف وان كان يحتمل كونه مضافا ومطلقا، إلا أن العقلاء لا يعتنون باحتمال كونه مضافا فيجوز استعماله في كل ما يجوز استعمال المطلق فيه، ومرجع ذلك إلى حجية الغلبة. إلا أنه شئ لا أصل له، ولا دليل عليه فالاحتياط في الفرض - عملا بقاعدة الاحتياط - متعين. فلو فرض إجماع على عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة، فانما هو بالنظر إلى العلم الاجمالي بالتكليف المتعلق بالمشتبه بين الاطراف، لا بالنظر إلى علم آخر، كالعلم بوجوب الوضوء بالماء، فان مقتضاه عقلا وجوب العلم بتحقق الوضوة بالماء، ولا يكفي الشك في ذلك، لانه شك في الفراغ يجب فيه الاحتياط كما لو كانت الشبهة بدوية ليست مقرونة بعلم إجمالي. (1) يعنى: ولا يحتاج إلى الوضوء، فان التردد في المائع بين كونه ماء مطلقا ومضافا وان كان يستلزم العلم الاجمالي بوجوب الوضوء أو التيمم إلا أن أصالة عدم وجدان الماء كافية في اثبات وجوب التيمم، فينحل بذلك العلم الاجمالي. فان قلت: إذا كان وجدان الماء شرطا في وجوب الوضوء، كما أن عدم الوجدان شرط في وجوب التيمم، يتم ما ذكر، لان الاصل المذكور كما يثبت وجوب التيمم، ينفي وجوب الوضوء. أما إذا كان وجوب الوضوء مطلقا غير مشروط بالوجدان - كما هو الظاهر حسبما يأتي في محله تحقيقه - فأصالة عدم الوجدان وان اقتضت مشروعية التيمم وسقوط العلم الاجمالي، الا أنه لما كان ملاك وجوب الوضوء مطلقا، فالشك في الوجدان يوجب الشك في القدرة على امتثال وجوب الوضوء فيحب، بناء على التحقيق من

===============

( 249 )

[ (مسألة 4): إذا علم إجمالا أن هذا الماء إما نجس أو مضاف، يجوز شربه (1)، ولكن لا يجوز التوضؤ به (2). وكذا إذا علم أنه إما مضاف أو مغصوب (3). وإذا علم أنه إما نجس أو مغصوب، فلا يجوز شربه أيضا (4) كما لا يجوز التوضؤء به (5). ] وجوب الاحتياط عند الشك في القدرة. قلت: أصالة عدم الوجدان إذا جرت وثبتت مشروعية التيمم لا موجب للاحتياط، لحصول الامن من جهة العلم بمشروعية البدل ظاهرا، فلا خوف كي يجب - عقلا وفطرة - تحصيل المؤمن، وهو احتياط. نعم قد يشكل اطلاق الاكتفاء بالتيمم: بأن أصالة عدم الوجدان إنما تجري مع اليقين بفقد الماء قبل الابتلاء بالمشكوك، فلو كان مسبوقا بوجود الماء المعلوم، ثم فقد ذلك، لا مجال لجريانها. بل قد يقال بجريان استصحاب وجود الماء. وان كان ذلك خلاف التحقيق، فانه من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، والاصل الجاري فيه استصحاب العدم. (1) لاصالة الطهارة. (2) للعلم التفصيلي بفساده، الناشئ من العلم الاجمالي بفوات الشرط اما الطهارة أو الاطلاق. (3) يعنى: يجوز شربه، لاصالة الاباحة، ولا يجوز الوضوء به، إذ لا أصل يقتضي الاطلاق، والشك فيه كاف في وجوب الاحتياط، لقاعدة الاشتغال. (4) للعلم بحرمته إما للنجاسة أو للغصبية. (5) للعلم إجمالا إما بفساد الوضوء به على تقدير النجاسة، أو بحرمة

===============

( 250 )

[ والقول بأنه يجوز التوضؤ به ضعيف (1) جدا. ] التصرف فيه على تقدير الغصبية، وكل منهما أثر شرعي. وجواز الوضوء بالماء النجس تكليفا - بمعنى: عدم ترتب العقاب عليه - لا ينافي كون الفساد أثرا شرعيا، لان مرجعه إلى بقاء الامر بالوضوء، فمرجع العلم الاجمالي المذكور إلى العلم بالامر بالوضوء بغيره، أو بالنهي عن التصرف فيه، وكلاهما شرعي، فيكون العلم منجزا للمعلوم، ولا مجال للرجوع إلى الاصل في الاطراف كاصالة الطهارة. ولذا نقول لا يجوز رفع الخبث به أيضا - بمعنى: عدم الحكم بطهارة ما يغسل به، بل مقتضى استصحاب النجاسة البناء على بقاء نجاسته. نعم لا يبعد جواز التصرف فيه، لان فساد الوضوء به مقتضى الاصل كاستصحاب بقاء الامر أو بقاء الحدث، فينحل بذلك العلم الاجمالي - بناء على التحقيق من أن الاصل المثبت للتكليف في أحد الاطراف مانع من تنجيز العلم لمتعلقه - فيرجع في الطرف الآخر إلى أصالة البراءة، بعد سقوط أصالة الحل وأصالة الطهارة بالمعارضة. نعم لو كان مقتضى الاصل الحرمة - كما لو كان الشك في إذن المالك أو في بقائه على ملك المالك - لم يجز التصرف به لا بالوضوء، ولا بالشرب ولا بغيرهما من أنواع التصرف. ولكن لو غسل به المتنجس يطهر، لعدم المانع من جريان أصالة الطهارة فيه بعد انحلال العلم الاجمالي بالاصل المانع من التصرف، لكونه مثبتا للتكليف. ومن هنا تعرف اختلاف الحكم باختلاف الفرض فلاحظ. (1) لضعف وجهه، وهو (إما) عدم منجزية العلم الاجمالي مع عدم اتحاد سنخ التكليف. لكن المحقق في محله خلافه. (واما) لان فساد الوضوء لا يوجب حكما تكليفيا. وقد عرفت إشكاله. (واما) لان عدم

===============

( 251 )

{ (مسألة 5): لو أريق أحد الاناءين المشتبهين من حيث النجاسة أو الغصبية لا يجوز التوضؤ بالآخر (1) وان ] الغصبية ليست من الشرائط الواقعية لصحة الوضوء، وإنما هو شرط علمي فالعلم الاجمالي به لا أثر له. (وفيه): أنه كذلك، إلا أنه بالنسبة إلى حرمة التصرف شرط واقعي، كما يقتضيه قولهم (ع): " لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيبة نفسه " (* 1) وقولهم (ع): " لا يجوز لاحد أن يتصرف في مال غيره إلا باذنه " (* 2) فيكون طرف المعلوم بالاجمال. (1) لانه لا يخرج عن كونه طرفا للمعلوم بالاجمال المنجز بالعلم الاجمالي الحاصل بين التدريجيين وهما الباقي بعد الاراقة، - والمراق قبل الاراقة. نظير وجوب صوم أحد اليومين. فانه بعد انتهاء اليوم الاول لا مجال للرجوع إلى الاصل في اليوم الثاني، لان العلم الاجمالي حين حدوثه لما كان متعلقا بالتكليف نجزه، وهذا التنجز باق ببقاء العلم، فإذا انقلب شكا - كما في موارد الشك الساري - بطل التنجز، وإذا بقي على حاله بقي التنجز بحاله، وبعد إراقة أحد الاطراف فاطراف الآخر وان لم يعلم بتعلق التكليف به، لكن يحتمل كونه موضوعا للتكليف المنجز، فيجب الاحتياط فيه، كما يجب الاحتياط فيه قبل اراقة صاحبه، لاطراد المناط في الحالين. هذا على التحقيق من أن العلم الاجمالي مانع من جريان الاصول في


____________
(* 1) هذا النص لم نعثر عليه في كتب الحديث وان اشتهر في كتب الفقهاء. نعم في الوسائل باب: 3 من ابواب مكان المصلي حديث: 1 " لا يحل دم امرء مسلم ولا ماله الا بطيبة نفسه " وحديث: 4: " ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه " (* 2) هذا النص - كسابقه لم نعثر عليه في كتب الحديث. نعم في الوسائل في التوقيع المروي عن الحجة (ع) باب: 3 من أبواب الانفال وما يختص بالامام من كتاب الخمس حديث: 6 -: ".. فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه "

===============

( 252 )

[ زال العلم الاجمالي (1). ولو أريق أحد المشتبهين من حيث الاضافة لا يكفي الوضوء بالآخر (2)، ] كل واحد من الاطراف مع قطع النظر عن معارضتها بحيث لو فرض عدم المعارضة لم تجر أيضا، للزوم التناقض ونقض الغرض. أما بناء على أن المانع هو المعارضة فيشكل وجوب الاجتناب عن الباقي، لعدم المعارضة بعد الاراقة، والمعارضة قبلها لا توجب سقوط الاصل في الفرد الباقي إلى الابد إذ لا دليل عليه، بل هو خلاف اطلاق أدلتها. ولعل ملاحظة المرتكز العقلائي في مثل هذا المورد من وجوب الاحتياط، وعدم جواز الرجوع إلى الاصل، مما يدل على ضعف المبنى المذكور. وتحقق المقام في الاصول. (1) لا يخفى أن العلم لم يزل باقيا، ولو زال لم يجب الاحتياط في الباقي لارتفاع المنجز للمعلوم بالاجمال المحتمل الانطباق على الباقي، فلا يحتمل كون الباقي موردا للتكليف المنجز، كى يجب فيه الاحتياط. فالمراد زوال العلم بالتكليف فعلا، لامتناع حصول هذا العلم مع احتمال كون المراق هو النجس، وزوال هذا العلم لا يقدح في وجوب الاحتياط، للوجه المتقدم. ولذا لو علم تفصيلا بوجوب الصلاة، فإذا شك بعد ذلك في الوجوب، فان كان من قبيل الشك الساري لا يجب الاحتياط، لعدم احتمال التكليف المنجز، لما عرفت من أن التنجز منوط بالعلم حدوثا وبقاء فإذا زال زال التنجز، وان كان من جهة الشك في الفراغ - بأن يكون الزائل العلم بالتكليف فعلا مع بقاء العلم بالتكليف سابقا - وجب الاحتياط، لقاعدة الاشتغال. (2) لان احتمال الاضافة كاف في المنع عن الوضوء به، والعلم الاجمالي باضافة أحدهما لا أثر له. نعم لو كان كل من الطرفين مستصحب الاطلاق كان وجوب الاحتياط في الباقي من أجل العلم الاجمالي، كما في الفرض الاول.

===============

( 253 )

[ بل الاحوط الجمع بينه وبين التيمم (1). (مسألة 6): ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة (2). لكن الاحوط الاجتناب. ] (1) يعنى: حيث لا يجد ماء سواه. للعلم الاجمالي بوجوب الوضوء بالباقي أو وجوب التيمم، وأصالة وجدان الماء وان كانت في نفسها صحيحة، لانها من قبيل الاستصحاب في القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي، إلا أنها لا تثبت كون الباقي ماء، فالوضوء به لا تحرز به الطهارة المعتبرة كما قبل اراقة صاحبه. وكذا الاشكال في احتمال الاقتصار على التيمم، بدعوى: صدق عدم الوجدان في هذه الحال