مصـبـاح المنهـاج

الاجتهاد والتقليد

السيد محمد سعيد الحكيم

===============

( 1 )

مصباح المنهاج

===============

( 3 )

مصباح المنهاج

 

تأليف

السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم

الاجتهاد والتقليد

مؤسسة المنار

===============

( 4 )

الطبعة الاولى

 1415 ه‍ - 1994 م

 حقوق الطبع محفوظة

 اسم الكتاب مصباح المنهاج

اسم المؤلف السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم

صف واخراج مؤسسة المنار

الفلم والواح الحساسة حميد / قم المطبعة جاويد

الطبعة الاولى - 1415 ه‍

الكمية 1000 نسخة

الناشر المؤلف

السعر 500 تومان

===============

( 5 )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، خالق الخلائق أجمعين، والصلاة والسلام على أشرف النبيين، وسيد المرسلين، محمد صلى الله عليه وآله الغر الميامين. وبعد: فيقول العبد الفقير إلى الله جل شأنه (محسن) خلف العلامة المرحوم السيد (مهدي) الطباطبائي الحكيم قدس سره هذه رسالة وجيزة، في ما تعم به البلوى، من أحكام العبادات والمعاملات وغيرهما، سميتها: (منهاج الصالحين)، سائلا منه تعالى شأنه أن ينفع بها إخواننا المؤمنين، ويجعلها خير الزاد ليوم المعاد (يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم)، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه انيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. اللهم أنت ثقتي ورجائي، فاكفني ما أهمني وما لا يهمني، وما أنت أعلم به مني، من أمر ديني ودنياي وآخرتي. رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، برحمتك يا أرحم الراحمين، أنت حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بك، عليك توكلت وإليك أنيب.

===============

( 7 )

مقدمة في بعض مسائل التقليد مسألة 1: يجب على كل مكلف (1)، (1) لتنجز الاحكام الواقعية عليه بالعلم الاجمالي بثبوت أحكام في الشريعة، وبما دل على وجوب تعلم الاحكام، الكاشف عن منجزية احتمالها بنحو لا مجال معه للرجوع للاصول الترخيصية، وعلى ما فصل في مبحث توقف التمسك بالاصول الترخيصية على الفحص، ولا أقل من حصول الشك له في وجوب الفحص شرعا بالنحو المذكور، الموجب لتنجز احتماله أيضا. ولا مجال لدعوى حكم العقل حينئذ بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لاختصاصها بغير صورة التقصير في الفحص عن البيان المولوي، مع بيانه بالطرق المتعارفة، ومن ثم يجب النظر في معجز مدعي النبوة بلا إشكال. وإذا كانت الاحكام الواقعية منجزة في حقه، وجب الخروج عنها بالامتثال الحقيقي بالاحتياط، أو الجعلي بالتقليد على ما يأتي توضيحة. ثم إن الظاهر أن مراده قدس سره بالمكلف الجامع لشرائط التكليف العامة، لكن في أخذ البلوغ في موضوع الوجوب المذكور إشكال، بل يكفي احتماله الناشئ من اشتباه حده الشرعي، لتنجز احتمال التكليف معه، فإن العلم الاجمالي وإن لم يتم في حقه، إلا أن ما دل على وجوب تعلم الاحكام شامل له، كما لا يخفى. وكذا لو فرض الشك فيه بنحو الشبهة الموضوعية، وشك في الحكم الظاهري معه. هذا، والظاهر أنه يصح التقليد من الصبي في شرعية العبادات، وأحكام أعماله من حيثية الصحة والفساد، وترتب الآثار الوضعية، بل التكليفية

===============

( 8 )

لم يبلغ رتبة الاجتهاد (1) أن يكون في جميع عباداته ومعاملاته وسائر أفعاله وتروكه مقلدا (2). غير الالزامية، فإن رفع القلم عنه لا ينافي شكه في ذلك الموجب لدخوله في عموم أدلة التقليد في الاحكام المذكورة. وحينئذ يتجه ترتب أحكام التقليد من حيث جواز البقاء على تقليد الميت، فيجوز له بعد البلوغ البقاء على تقليد الميت الذي قلده وهو حي حين صباه، لخروجه عن المتيقن من الاجماع المدعى على عدم جواز تقليد الميت، الذي هو العمدة فيه، كما نبه على ذلك في الجملة بعض مشايخنا في بعض فتاواه، ويتضح مما يأتي في المسألتين الخامسة والسادسة إن شاء الله تعالى. (1) وهي ملكة الاستنباط، المتوقفة على تهيؤ مقدماته وتيسرها للمكلف. أما واجد الملكة المذكورة فلا يشرع في حقه التقليد، لقصور أدلته عنه، أما اللبية منها - كالاجماع - فظاهر بل عن شيخنا الاعظم قدس سره في رسالته في الاجتهاد والتقليد دعوى الاجماع على عدم جواز التقليد له. وأما اللفظية فلانصرافها عنه، لظهورها في إمضاء سيرة العقلاء على رجوع الجاهل للعالم، ولا عموم لها يقتضي مشروعية التقليد في غير موردها، كما يأتي قريبا، ومن الظاهر اختصاص السيرة بالجاهل الذي يتعذر عليه معرفة الحكم، ولا تشمل من تيسر له ذلك لحصول مقدماته. وأما الاحتياط له فالكلام فيه هو الكلام الاتى في الا حتياط للعامي. (2) اجتزاء العامي بالتقليد هو المعروف من مذهب الاصحاب، بل لا يظن فيه الخلاف بينهم، بل الظاهر أنه مما أطبق عليه المسلمون. والظاهر أن خلاف الاخباريين فيه لفظي، لان المحكي عنهم دعوى أن ما صدر من معاصري الائمة عليهم السلام واستمرت عليه سيرة السلف والخلف ليس من التقليد، بل هو نظير قبول الرواية المنقولة بالمعنى الذي لا إشكال في جوازه، وأنه لا يجوز تقليد من يجتهد في تحصيل الحكم برأيه، إذ يجب أخذ الحكم عن

===============

( 9 )

المعصومين عليهم السلام لا عن غيرهم. ونحن متفقون معهم في عدم جواز أخذ الحكم عن غير المعصومين عليهم السلام، وأن تقليد غيرهم إنما يجوز لاجل معرفة الحكم الصادر منهم عليهم السلام، لا مع إعمال رأيه من دون رجوع إليهم عليهم السلام فهم متفقون مع الاصوليين في جواز التقليد الشائع بين الشيعة وإن خالفو هم في تسميته وتفسيره. نعم، حكي عن الحلبيين وجوب الاجتهاد عينا، وهو غريب. وكيف كان، فقد يستدل على جواز التقليد في الاحكام المستنبطة من الادلة الشرعية بامور.. الاول: سيرة المتشرعة وإجماعهم العملي على الاجتزاء بأخذ الاحكام من المجتهدين الذين تيسر لهم استنباطها من أدلتها التفصيلية، لما هو المعلوم من أن غالب المسلمين لا يتيسر لهم ذلك، فلو لم يشرع في حقهم ذلك لزم الهرج والمرج، واختل نظام معادهم ومعاشهم. قال في التقريرات: (وبالجملة: فجواز تقليد العامي في الجملة معلوم بالضرورة للعامي وغيره، وليس علم العامي بوجوب الصلاة عليه في الجملة أوضح من علمه بوجوب التقليد من اتحاد طريقهما في حصول العلم، من مسيس الحاجة، وتوفر الدواعي عليه، واستقرار طريقة السلف المعاصرين للائمة عليهم السلام والخلف لتابعين لهم إلى يومنا هذا...). والظاهر أن السيرة المذكورة متفرعة ارتكازا عن سيرة العقلاء في جميع امورهم على الرجوع إلى أهل الخبرة، فكل من لا يتسنى له العلم بشئ يرجع إلى العالم به، ولولاه لاختل نظامهم، لتعذر العلم لهم بجميع ما يحتاجونه، فتكون سيرة المتشرعة كاشفة عن إمضاء الشارع الاقدس لسيرة العقلاء المذكورة. الثاني: قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) فإن التفقه عبارة عن تعلم الاحكام واستنباطها من أدلتها، وظاهر الانذار هو الانذار بما تفقهوا فيه، فيدخل

===============

( 10 )

فيه بيان الاحكام الالزامية المستتبعة للعقاب والفتوى بها، وحيث كان ظاهر جعل الحذر غاية لالنذار الواجب مطلوبيته، كان ظاهرا في حجية الفتوى بالاحكام الالزامية ويتم في غيرها بعدم الفصل. بل يفهم عدم الخصوصية بعد ظهورها في كون الحذر من الامور المترتبة طبعا على الانذار، لا من الامور التعبدية الصرفة، وذلك إنما يكون بلحاظ السيرة العقلائية المرتكز مضمونها في الاذهان، فيكون ظاهر الاية الشريفة إمضاء ها، والجري عليها، ومن الظاهر عدم خصوصية الاحكام الالزامية في السيرة المذكورة. وبذلك يندفع توهم أن الحذر كما يكون بقبول الخبر وحجيته، كذلك يكون بالعمل عليه احتياطا لمنجزيته للواقع المحتمل به، فغاية ما تدل عليه الاية، منجزية احتمال التكليف مع الفتوى به، وهو أعم من المطلوب، وهو حجيتها، وحيث لا موضوع لذلك في الفتوى بالاحكام غير الالزامية، كانت خارجة عن مدلولها. وجه الاندفاع: أن ذلك لا يناسب ظهور الاية في إمضاء أمر ارتكازي، لان الامر الارتكازي الذي جرت عليه سيرة العقلاء، هو حجية الفتوى وقبولها، لا وجوب الاحتياط معها، بل هو - لو تم -، محتاج إلى جعل شرعي تأسيسي لا يناسب مساق الاية الشريفة، مضافا إلى المفروغية ظاهرا عن الملازمة بين وجوب الحذر عقيب الفتوى وحجيتها، وذلك كاف في المطلوب لو فرض عدم نهوض الاية الشريفة بحسب مدلولها اللفظي بإثباته. نعم، قد يستشكل في الاستدلال بالاية الشريفة بعدم ثبوت الاطلاق لها بنحو يقتضي الحذر عقيب الانذار بنفسه، لظهور (لعل) في عدم الملازمة بين ما قبلها وما بعدها، فلعل المراد هو لزوم الحذر على تقدير حصول العلم من الانذار، بأن تعدد المنذرون، أو قامت القرينة على صدقهم، نظير قولك: (انصح زيدا لعله يقنع) و (أخبره لعله يصدقك). ولعله إليه يرجع ما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره (1) في الاشكال على الاستدلال


____________
(1) الشيخ مرتضى الانصاري قدس سره. (منه).

===============

( 11 )

بالاية في مبحث حجية خبر الواحد وفيه: أن (لعل) إنما تقتضي عدم الملازمة بين الحذر نفسه والانذار، وهو لا ينافي مطلوبية الحذر عقيب الانذار بمقتضى كونه غاية له، الظاهر في مطلوبيته بمجرده، نظير قولك: (أحسن لزيد لعله ينفعك) و (ادفع له عشرة دراهم لعله يستغني عن الطلب للناس)، فإنه ظاهر في كون الاحسان ودفع الدراهم كافيين في حسن النفع والاستغنا من زيد، بلا حاجة إلى أمر آخر، واحتمال دخله مدفوع بالاطلاق. ولابد أن يكون عدم ملازمة الحذر للانذار لتوقع عصيان الناس وتجاهلهم بحجية الفتوى، لا لعدم حجيتها بنفسها، فإنه خلاف ظاهر الاية جدا، خصوصا مع ما ذكرناه من ظهورها في الامضاء لا التأسيس. فالانصاف: أن الاستدلال بالاية قريب جدا، لظهورها في ما نحن فيه بدوا، وبلا كلفة، فلاحظ. الثالث: قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فإنه ظاهر في أن وظيفة الجاهل السؤال من العالم، والمنصرف إرادة السؤال للعمل، فيكشف عن حجية الجواب، كما يناسبه ظهور القضية في إمضاء سيرة العقلاء المشار إليها آنفا، لورود ها في مقام الاحتجاج على الكفار، وإبطال زعمهم في امتناع بعث البشر، فإن مقام الاحتجاج لا يناسب اللجوء إلى القضايا التعبدية المحضة، بل لابد من الركون للقضايا الارتكازية العامة، التي لا يتسنى للخصم إنكارها. لكن يشكل الاستدلال بها لامرين.. الاول: أنه لا يظهر منها كون السؤال لاجل العمل، لتكشف عرفا عن حجية الجواب، بل لعل الظاهر منها كون السؤال لاجل تحصيل العلم، لان ظاهرها الانكار عليهم، لامتناعهم من القبول والاذعان بجواز بعث الرسل من البشر، ومن الظاهر أن مثل هذا الامر مما يخص العلم به بالرجوع لعلماء أهل الكتاب، لكثرتهم، واتفاقهم، وتصديق المشركين لهم، واحترامهم في نفوسهم، مع عدم كونهم من

===============

( 12 )

أتباعه صلى الله عليه واله حتى يحتمل مجاراتهم له في الجواب، خصوصا مع ورود الاية في مقام يحتاج فيه إلى العلم، وهو اصول الدين، كما نبه له شيخنا الاعظم قدس سره. الثاني: أنه لابد من رفع اليد عن ظهور الاية، البدوي في إرادة مطلق العلماء من أهل الذكر، بالنصوص الكثيرة الظاهرة، بل الصريحة في اختصاص أهل الذكر بالائمة عليهم السلام وعدم شمولها لغيرهم بالنحو الذي ينفع في ما نحن فيه، كصحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليهم السلام قال: (إن من عندنا يزعمون أن قول الله عزوجل: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) انهم اليهود والنصارى. قال: إذا يدعوكم إلى دينهم. قال: قال بيده إلى صدره: نحن أهل الذكر، ونحن المسؤولون) ونحوه غيره (1). وقد تضمن بعضها أن النبي صلى الله عليه واله هو الذكر، والائمة عليهم السلام أهله، فلابد من رفع اليد عن قرينة السياق بذلك. ودعوى: أن ذلك من التفسير بالباطن الذي لا يمنع من حجية الظهور. مدفوعة: بأن التفسير بالباطن إنما لا ينافي حجية الظهور إذا لم يرد مورد الردع عنه، كما تضمنته النصوص المذكورة مع أن كون التفسير المذكور من التفسير بالباطن محل إشكال، ولعله لا يناسب مساق النصوص المذكورة. ومما ذكرنا يظهر اندفاع ما ذكره بعض مشايخنا (2) من أن ذلك من باب تطبيق الكلي على مصداقه، فلا ينافي عمومه لغيره، وقد ورد عنهم عليهم السلام: (انه لو ماتت الاية بموت من نزلت فيه لمات القرآن، وأن القرآن يجري مجرى الشمس والقمر). وجه الاندفاع: أن ظاهر النصوص المذكورة ليس محض تطبيق أهل الذكر عليهم عليهم السلام، ولا نزولها فيهم عليهم السلام، بل تخصيصها بهم علهم السلام، كما تقدم، فتكون كسائر الايات المختصة بهم، كآيات المودة، والولاية، والتطهير وغيرها، التي لا يلزم موتها، لانهم عليهم السلام باقون ما بقي القرآن مرجعا للناس، وحجة عليهم.


____________
(1) يراجع في النصوص المذكورة الكافي: ج 1، ص 211، والوسائل، باب: 7 من أبواب صفات القاضى. (2) السيد أبو القاسم الخوئى (دامت بركاته). (منه)

===============

( 13 )

ثم إنه قد يستدل بايات اخر، كاية الكتمان وغيرها، وهو ضعيف كما اوضح في مبحث حجية خبر الواحد، والعمدة في المقام آية النفر. الرابع: النصوص الكثيرة الواردة في فضل العلم، وتعليمه، والانتفاع به، والرجوع للعلماء والاخذ منهم (1)، فإن تعليم العلم، والانتفاع به، والرجوع للعالم، لا يراد بها خصوص ما أوجب القطع، بل الاشارة إلى ما هو المعروف عند العرف، من أخذ الفتوى من العالم، وقبول قوله، فالنصوص المذكورة بمجموعها ظاهرة في المفروغية عن جواز ذلك، إمضاء لمقتضى السيرة المشار إليها، إلا أنه لا إطلاق لها. نعم، قد يستفاد العموم من التوقيع الشريف: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله). ومثله ما عن الاحتجاج من قوله عليه السلام: (فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لامر مولاه، فللعوام أن يقلدوه) وما عن أبي الحسن عليهم السلام: (اعتمدا في دينكما على كل مسن في حبنا، كثير القدم في أمرنا). اللهم إلا أن يستشكل في الاول بقرب كون الرجوع للرواة لاخذ الرواية منهم، لا لاخذ الحكم الذي استنبطوه منها. مضافا إلى الاشكال في الجميع بضعف السند، خصوصا الاخيرين، وعدم وضوح الانجبار بعمل الاصحاب ومفرو غيتهم عن الحكم، لقرب احتمال اعتمادهم على الادلة الاخر، فلا مجال للتعويل عليها في استفادة العموم. الخامس: النصوص الكثيرة الواردة في إرجاع الائمة عليهم السلام إلى آحاد أصحابهم، كيونس، وزكريا بن آدم، والعمري، وابنه، وكذا ما تضمن حث بعضهم على الفتوى، أو تقريره عليها كأبان بن تغلب، ومعاذ بن مسلم النحوي (2) فإن جواز الافتاء في مقام العمل بالفتوى يلازم عرفا جواز العمل بها. والنصوص المذكورة وإن


____________
(1) يراجع في النصوص المذكورة الوسائل ج 18 ص 94 في أوائل أبواب كتاب القضاء. (2) يراجع في النصوص الوسائل، ج 18، باب 11، من ابواب صفات القاضى. .

===============

( 14 )

وردت في موارد خاصة، إلا أن فهم عدم الخصوصية لمواردها قريب، خصوصا بلحاظ ورود ها في مورد السيرة المشار إليها، فتكون ظاهرة في إمضائها. وفيه: أنه لا مجال للتعدي عن مورد النصوص، لما هو المعلوم من أن إرجاعهم عليهم السلام إنما يكون بلحاظ وثوقهم بدين الشخص وعلمه، لا بلحاظ ثبوت ذلك للمكلف نفسه حسبما يتوصل إليه، مع قطع النظر عن شهادتهم عليهم السلام فالتعدي إنما يتجه إلى كل من يسلم اعتمادهم عليه، وثقتهم به، لا إلى من يثق به المكلف الذي هو محل الكلام ومورد السيرة، فالنصوص ليست في مقام إمضاء سيرة العقلاء في رجوع الجاهل للعالم، بل في مقام بيان قضية تعبدية محضة، خاصة بموردها، أجنبية عما نحن فيه. ولذا تكون الشهادات المذكورة موجبة لتقدم الاشخاص المذكورين على غيرهم من المجتهدين في حق العوام، فلا يسوغ للعامي الرجوع لغيرهم مع إمكان الرجوع لهم، بل يكون بسببهم كالمجتهد الذي لا يسوغ له الرجوع لغيره، لانه من الحجج الخاصة المنصوبة له. بل لا يبعد رجحان فتواهم على ما يستنبطه المجتهد من الادلة، حتى في حق نفسه، لكشف الشهادات المذكورة عن كونهم أوصل منه، وإن خفي عليه الطريق الذي سلكوه، وليس اجتهادهم كاجتهاده بعد الشهادات المذكورة في حقهم، فتأمل. نعم، لا يبعد عدم جريان ما ذكرنا في ما ورد من تقرير معاذ بن مسلم النحوي على الجلوس للفتوى، لان جلوسه لم يكن بأمرالامام عليهم السلام حتى يحتمل دخل خصوصيته فيه، بل وقع ابتداء منه حسب ما يتعارف في ذلك العصر من كل أحد على مقتضى السيرة المستمرة، فلا يبعد ظهور تقريره في إمضاء السيرة المذكورة. هذا، وقد استدل بعض مشايخنا على جواز التقليد بالروايات الناهية عن الافتاء بغير علم، فإن مفهومها - ولو بقرينة الحكمة - يدل على جواز الافتاء عن علم، وجوازه يلازم جواز العمل به عرفا. ولا يخفى أنه لا حاجة للاستدلال بالمفهوم المذكور الذي هو من سنخ مفهوم

===============

( 15 )

القيد مع دلالة بعض النصوص على جواز الافتاء عن علم بالمنطوق. ولكن الاستدلال بها على جواز التقليد إنما يتم فيما إذا كان واردا في الفتوى لاجل العمل، وهو غير ظاهر من كثير من النصوص الناهية عن الفتوى بغير علم والمبيحة لها عن علم، لامكان كون وجه الحرمة لزوم الكذب في الدين الذي هو من أعظم المحرمات وإن لم يستتبع العمل، كما لو صدر ممن ليس أهلا للتقليد. نعم، ظاهر بعض النصوص إرادة الفتوى للعمل، مثل ما تضمن أن المفتي ضامن، وأن عليه وزر من عمل بفتواه، ومثله ما تقدم من أمر أبان بالجلوس للفتوى، وتقرير معاذ على ذلك، لما هو المعلوم من أن الجلوس للفتوى إنما يكون لعمل الناس بها، فيدل بالملازمة العرفية على جوازه وإمضاء السيرة على ذلك، لولا ما عرفت من احتمال خصوصية الشخص. وقد تحصل من جميع ما ذكرنا: أن العمدة في المقام هي سيرة المتشرعة، وآية النفر، والنصوص المشار إليها في الوجه الرابع، ونصوص الترخيص في الفتوى في مقام العمل، وأن الادلة المذكورة واردة مورد الامضاء لسيرة العقلاء والجري عليها، فلا تنهض بإثبات جواز التقليد في غير موردها، كما أشرنا إليه في أول المسألة. كما ظهر - أيضا - أن عموم الحجية تابع لعموم السيرة، ولا مجال لدعوى لزوم الاقتصار على خصوصية موارد الادلة المتضمنة للامضاء، فإن ذلك إنما يتم إذا لم يظهر من الادلة المفروغية عن السيرة، وعن نفوذها وإمضاء مضمونها أما بعد فرض ظهورها في ذلك فهي ظاهرة في عدم الخصوصية لمواردها، وإلا كان عدم التنبيه على الردع تغريرا، فإن المكلف بحسب طبعه يجري على حسب ارتكازاته، فمع ظهور حال الشارع في المفروغية عن لزوم ذلك عليه، فالخصوصية لتلك الموارد مما يغفل عنها، فيكون عدم التنبيه لدخلها تغريرا منه له. وعلى ذلك يكون مقتضى القاعدة الاولية الجري في التقليد على مقتضى السيرة ما لم يثبت الردع عنها، كما هو الحال في سائر السير المستفاد إمضاؤها من قبل الشارع، كسيرتهم في حجية الظواهر وخبر الواحد وغيرهما.

===============

( 16 )

[ أو محتاطا (1) إلا أن يحصل له العلم بالحكم، لضرورة أو غيرها، كما في بعض الواجبات، وكثير من المستحبات والمباحات. مسألة 2: عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل (2)، ] وإنما أطلنا الكلام في أدلة المسألة لاجل ذلك، وإلا فالحكم من الواضحات التي لا تحتاج إلى الاطالة في الاستدلال. ومما تقدم يظهر حال ما قد يستدل به على المنع من التقليد، فإنه مع كونه موهونا في نفسه، لا ينهض بمعارضة ما عرفت، ولا مجال لاطالة الكلام فيه، فراجعه في مظانه، وتأمل جيدا، والله سبحانه وتعالى العالم. (1) يأتي في المسألة الثالثة الوجه في مشروعية الاحتياط للعامي والمجتهد. (2) يعني: ظاهرا، لعدم إحراز مشروعيته لا وجدانا ولا تعبدا، فلا مجال للاجتزاء به بنظر العقل في الفراغ عن التكليف المعلوم أو المحتمل بعد فرض منجزية الاحتمال في حقه، كغيره ممن لم يتحقق منه الفحص المسوغ للرجوع للاصل. ونظيره في البطلان عمل واجد ملكة الاجتهاد إذا لم يستند إلى إعمال الملكة، وليس له الاجتزاء به إلا إذا طابق رأيه بعد إعمالها. نعم، إذا تعذر عليه الاجتهاد بعد ذلك، لتسافل حاله، لم يجتزئ بعمله المذكور إلا بمطابقته لرأي من يجب عليه تقليده فعلا، كما يظهر وجهه بأدنى تأمل. وأما احتمال عدم صحة العمل واقعا، بحيث لا يجدي العلم بمطابقته للواقع بعد ذلك، فضلا عن قيام الحجة على ذلك، فهو وإن كان ممكنا عقلا، بأن يكون قيام الحجة مأخوذا في موضوع الاحكام الواقعية لبا، بنحو نتيجة التقييد، إلا أن إطلا ق أدلة الاحكام المذكورة كاف في رفع اليد عن الاحتمال المذكور. نعم، قد يستشكل فيه في العبادات، بل هو الذي أصر عليه شيخنا الاعظم قدس سره مستظهرا عدم الخلاف فيه في خاتمة البراءة والاشتغال، لدعوى عدم

===============

( 17 )

[ لا يجوز له الاجتزاء به، إلا أن يعلم بمطابقته للواقع أو لفتوى من يجب عليه تقليده فعلا (1). ] تحقق التقرب في العمل مع الشك في كونه مأمورا به. ويندفع: بأن الظاهر كفاية احتمال الامر في تحقق المقربية المعتبرة في العبادة، كما يأتي في المسألة الثالثة. (1) يعني: حين الالتفات إلى حال عمله، لحجية فتواه في حقه حينئذ، فيجوز له التعويل عليها في إحراز صحة عمله، كما يعول عليها في سائر المسائل التي يبتلي بها حين تقليده له، وكذا لو كان مطابقا لاجتهاده بنفسه بعد حصول الملكة له. وأما لو كان مطابقا لفتوى من كان يجب عليه تقليده حين العمل، أشكل الاجتزاء به، فإن ما يأتي في المسألة السادسة عشرة من احتمال الاجتزاء مطلقا بمطابقة العمل لفتوى من يجب عليه تقليده حينه - لو تم - مختص بما إذا صدر العمل عن تقليد، ولا يعم المقام. نعم، لا يبعد الاكتفاء بمطابقة رأيه إذا كان أعلم من المجتهد الذي يجب تقليده فعلا، أو مساويا له، كما يكتفي به هناك، لان المسألتين من باب واحد في وجه التفصيل المذكور، وإن اختلفتا في بعض الجهات الاخر على ما يأتي التعرض له هناك إن شاء الله تعالى. ثم إنه لو شك في صحة عمله بجهله بكيفيته، بنحو الشبهة الموضوعية، لم يبعد البناء على الصحة، لقاعدة الفراغ والصحة المعول عليها. ودعوى اختصاصها بما إذا كان العامل ملتفتا للوجه الصحيح، وفي مقام الاتيان به، لا ما إذا كان غافلا عنه، كما في المقام. في غير محلها، كما حقق في محله، ولعله يأتي التعرض له في مباحث الوضوء إن شاء الله تعالى.

===============

( 18 )

[ مسألة 3: الاقوى جواز ترك التقليد والعمل بالاحتياط (1)، سواء اقتضى التكرار، كما إذا ترددت الصلاة بين القصر والتمام، أم لا، كما إذا احتمل وجوب الاقامة في الصلاة. ] (1) بل هو الاولى عقلا، لما فيه من تحصيل الواقع، ولذا لا إشكال في رجحانه مع تعذر الفحص، أو مع احتمال خطأ الطريق النافي للتكليف، الذي يعثر عليه بعد الفحص، كما اعترف به شيخنا الاعظم قدس سره في غير موضع من كلامه وغيره، وكذا في التوصليات - ومنها المحرمات - ولو مع التمكن من الفحص. نعم، ربما ينسب للمشهور المنع منه في العبادات مطلقا ولو لم يلزم التكرار، بل ربما ادعي عليه الاتفاق، كما قد يستظهر من دعوى السيد الرضي قدس سره الاجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها، وتقرير أخيه السيد المرتضى له على ذلك على ما حكي عنهما. وقد يستدل عليه مضافا إلى ذلك.. تارة: بمنافاته للعبادية المتقومة بقصد الامر الذي لا يمكن إلا مع الجزم بوجوده. واخرى: بمنافاته لقصد الوجه من الوجوب والاستحباب المعتبر في العبادة، كما عن المشهور بين المتأ خرين، بل حكي اتفاق المتكلمين عليه. وثالثة: بأن الاطاعة التفصيلية - مع القدرة عليها - مقدمة على الاطاعة الاجمالية والاحتمالية. ورابعة: بما دل على وجوب تعلم الاحكام. لكن الاجماع لم يثبت بنحو معتد به. وظاهر كلام السيدين (قدس سرهما) إرادة البطلان في ظرف مخالفة عمل الجاهل للواقع، في قبال المصوبة. ويكفي في العبادية وقوع العمل بوجه قربي، الذي يكفي فيه الاتيان به

===============

( 19 )

لاحتمال الامر، للشك في اعتبار ما زاد على ذلك، فيدفع بإطلاق الخطابات اللفظية فضلا عن المقامية، فإن اعتباره في الاطاعة لما كان على خلاف الطريقة العرفية لاكتفائهم فيها بتحقيق المأمور به بأي وجه اتفق كان السكوت عنه في أدلة الاحكام ظاهرا في عدم اعتباره. على أنه مقتضى الاصل الجاري في جميع ما يحتمل دخله في المأمور به والغرض، على ما حقق نظيره في مبحث التعبدي والتوصلي. ومنه يظهر عدم اعتبار قصد الوجه في العبادة، واتفاق المتكلمين عليه - لو تم - لا ينهض بإثباته، خصوصا مع ظهور كلمات بعضهم في توقف الثواب عليه، الذي هو أجنبي عما نحن فيه. بل قد يظهر منه أن ذكره لبيان عدم ترتب الثواب على الفعل في ظرف الاتيان به بدواع اخر لا دخل للمولى بها، فيرجع إلى اعتبار القربية في الثواب لا غير. وأما تقديم الاطاعة التفصيلية على الاجمالية والاحتمالية، فلا أصل له إن اريد بالاطاعة ما يساوق العبادية، وإن اريد بها ما يقابل المعصية فهو خلاف المقطوع به، إذ لا ريب في كفاية موافقة المأمور به كيف اتفق في التوصليات. نعم، مع تنجز التكليف لا مجال للاكتفاء بالاحتمالية في مقام الظاهر، بحيث لا يعلم معها الفراغ عنه حتى في التوصليات، وهو أجنبي عما نحن فيه مما فرض فيه كون الاطاعة الاحتمالية سببا للعلم بالفراغ عن التكليف على تقدير وجوده، وإنما كانت الاطاعة احتمالية لكون أصل التكليف احتماليا. وأما ما دل على وجوب تعلم الاحكام، فهو ظاهر في الوجوب المولوي الطريقي، محافظة على التكاليف الواقعية، أو الوجوب الارشادي لتنجز الاحكام قبل الفحص عقلا، فلا يمنع من موافقتها بالاحتياط. نعم، لو كان ظاهرا في تقييد المأمور به بلزوم قيام الحجة عليه كان ملزما بتحصيل الحجة بالاجتهاد أو التقليد، وعدم الاكتفاء بالاحتياط، وكذا لو كان ظاهرا في وجوب التعلم نفسيا، وكلاهما خلاف ظاهر الادلة المذكورة.

===============

( 20 )

ومما ذكرنا يظهر جواز الاحتياط في العبادات حتى لو لزم التكرار، وما يظهر من شيخنا الاعظم قدس سره من الاتفاق على المنع حينئذ - مع عدم ثبوته - لا ينهض حجة للمنع بعد عدم وضوح كونه إجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم عليه السلام ليمنع الخروج به عما عرفت من الاطلاقات اللفظية، والمقامية، والاصل. ومثله دعوى مجانبته لسيرة المتشرعة، لقرب كونها ناشئة من صعوبة الاحتياط بالتكرار، ولذا لو فرض صعوبة الفحص، لم يكن الاحتياط بالوجه المذكور بعيدا عن طريقتهم، ولا مستنكرا في مرتكزاتهم. وأما ما ذكره من أن من احتاط بالتكرار الكثير مع تمكنه من الفحص، عد لاعبا بأمر المولى، والفرق بين القليل والكثير لا يرجع إلى محصل. فإن أراد من اللعب ما يساوق الاستهانة بالامر فهو ممنوع، وإن أراد به ما يساوق عدم الغرض العقلائي في كيفية امتثاله فهو ليس محذورا، على أنه قد يكون له غرض فيه يخرجه عن ذلك، كصعوبة الفحص وأهمية إحراز الواقع الحقيقي. وبالجملة: الظاهر أنه لا محذور في الاحتياط مطلقا، ليخرج به عن القاعدة المقتضية لحسنه كما عرفت، كما أوضحناه في مباحث القطع من الاصول. ثم إنه كما يشرع الاحتياط في الحكم الواقعي، كذلك يشرع في موافقة الحجة عليه عند احتمالها، أو اشتباهها ولو أمكن الفحص المعين لها، فيجوز عند دوران التقليد بين شخصين مثلا، الاخذ بأحوط القولين، لما فيه من تحصيل الوظيفة العملية الظاهرية، وإن لم يحرز به الحكم الواقعي، لبعض الاحتمالات التي لا تكون منجزة في حق المكلف، لعين ما ذكرناه. فلاحظ. تنبيه: الادلة المتقدمة على التخيير بين التقليد أو الاجتهاد والاحتياط إنما تنفع المجتهد المستقل بالنظر في مقام الفتوى أو العمل. أما العامي فاللازم عليه الاقتصار على المتيقن في الخروج عن عهدة

===============

( 21 )

[ لكن معرفة موارد الاحتياط (1) متعذرة غالبا، أو متعسرة (2) على العوام. مسألة 4: التقليد هو العمل اعتمادا على فتوى المجتهد (3)، سواء التزم بذلك في نفسه المقلد أم لم يلتزم. ] التكاليف، فإن تمكن من تعيين الوظيفة بالرجوع للادلة المتقدمة كان مجتهدا في المسألة المذكورة، وإلا فلا مجال لاجتزائه بالاحتياط، لان كبرى الاجتزاء بالاحتياط وإن كانت عقلية غير قابلة للردع الشرعي، لرجوعها إلى الاجتزاء بالامتثال الواقعي، إلا أن مرجع المنع منه إلى دعوى تعذره، لدعوى أن المعتبر في المكلف به أمر لا يتأتى مع الاحتياط، وهو أمر لا يأباه العقل، فلا طريق للقطع بالامتثال معه إلا بالتقليد فيه، كالتقليد في سائر المسائل الفرعية. نعم، الاجتزاء بالتقليد محتاج إلى دليل أيضا، ويأتي في المسألة الخامسة عشرة الكلام في وجه اكتفاء العامي به إن شاء الله تعالى، فلاحظ. (1) بل قد يتعذر نفس الاحتياط أو يتعسر، كما في موارد الدوران بين محذورين، أو كثرة الاطراف، بنحو يتعذر أو يتعسر الجمع بينها، فاللازم مع عدم الاحتياط التام الفحص عن الواقع أو عن الوظيفة العملية تحصيلا للفراغ اليقيني عن التكليف الواقعي المنجز. (2) الظاهر أن مراده قدس سره من ذكر التعسر الارشاد إلى ترك الاحتياط، لا بيان انسداد بابه معه، لما هو المعلوم من جواز إيقاع المكلف نفسه في ما يوجب العسر. (3) المستفاد من بعض كلمات اللغويين، وبعض استعمالات أهل اللغة، أن التقليد عبارة عن جعل الشي. في عنق الغير، ومنه تقليد السيف، والتقليد في الحج، وقول الصديقة عليها السلام في خطبتها الصغيرة: (لا جرم والله لقد قلدتهم ربقتها) وما في حديث الخلافة: (فقلدها رسول الله صلى الله عليه اله عليا عليه السلام) ومنه سميت القلادة قلادة، ويشير إليه ما في القاموس: (قلد الماء في الحوض... جمعه فيه، والشئ على الشئ

===============

( 22 )

لواه، والحبل فتله، والحمى فلانا أخذته كل يوم... والحديد رققها ولواها على شئ). وقد اطلق في العرف على متابعة الغير ومجاراته في الشئ، ولعله بلحاظ أن التابع قد حمل المتبوع مسؤولية عمله، فكأنه جعله في عنقه، وألزمه به، نظير ما تضمن أن المفتي ضامن، كما ذكره غير واحد من مشايخنا. لكن الظاهر أن الجهة المذكورة وإن كانت هي المنشأ في إطلاق التقليد على ذلك، إلا أن الاستعمال بعد ذلك قد جرد منها، ولحظت فيه محض المتابعة والمحاكاة مع قطع النظر عن الخصوصية المذكورة، ولذا صح اطلاقه في ما لا مسؤولية فيه من الاعمال، وصح تعديته ب‍ (في) لا بنفسه، فيقال: قلده في عمله، ولا يقال: قلده عمله، كما يقال: قلده السيف. وعليه ظاهرا جرى استعمال التقليد فما تقدم عن تفسير العسكري عليه السلام كما يظهر بالتأمل في تمام فقرات الرواية. ومثله ما في رواية محمد بن عبيدة، قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: (يا محمد أنتم أشد تقليدا أم المرجئة؟) قال: قلت: قلدنا وقلدوا، فقال: (لم أسألك عن هذا)، فلم يكن عندي جواب أكثر من الجواب الاول، فقال أبو الحسن عليه السلام: (إن المرجئة نصبت رجلا لم تفرض طاعته وقلدوه، وإنكم نصبتم رجلا وفرضتم طاعته فلم تقلدوه، فهم أشد منكم تقليدا) (1). والظاهر أنه على ذلك جرى اصطلاحهم على التقليد في المقام، كما يظهرمن تعريفهم له تارة: بالاخذ بقول الغير. واخرى: بقبوله. وثالثة: بالعمل به. فإن الظاهر رجوع الجميع إلى معنى واحد - كما صرح به سيدنا المصنف قدس سره - وهو المتابعة في العمل المطابق لما عرفت من المعنى العرفي، فهو من عناوين العمل المنتزعة من صدوره بنحو المتابعة للغير، وليس المراد من الاخذ والقبول الا الاخذ والقبول في مقام العمل، لا ما يسبق عليه من الالتزام، كما يظهر من المحقق الخراساني. هذا، وفي الفصول: (واعلم أنه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه، لان العمل مسبوق بالعلم، فلا يكون سابقا عليه، ولئلا يلزم الدور في


____________
(1) الوسائل، ج 18، ص 90، باب 10 من أبواب صفات القاضى حديث 2.

===============

( 23 )

العبادات من حيث إن وقوعها يتوقف على قصد القربة، وهو يتوقف على العلم بكونها عبادة، فلو توقف العلم بكونها عبادة على وقوعها كان دورا. نعم، يعتبر العمل في لزوم حكم التقليد إن قلنا بجواز العدول، وإلا لزمه حكمه مطلقا. هذا، وقول العلامة في النهاية بأن: التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة معلومة. بيان لمعناه اللغوي، كما يظهر من ذيل كلامه). وظاهره كون التقليد سابقا على العمل، ولعله أراد به الالتزام بالمتابعة كما يظهر من السيد في العروة الوثقى، أو الالتزام بنفس مضمون الفتوى على أنه الحكم الظاهري له، كما يظهر من المحقق الخراساني قدس سره حيث فسر التقليد بالاخذ بقول الغير، وصرح بأنه سابق على العمل. وكيف كان، فهو لا يخلو عن إشكال لعدم مناسبته للمعنى اللغوي، ولا العرفي، ولم يتضح منهم الخروج عنهما باصطلاح خاص في معنى التقليد، لما عرفت من تعاريفهم له. وأما الاستدلال له بما تقدم في الفصول، فهو لا يخلو عن إشكال، لانه إن أراد به الاستدلال على أن ذلك معناه العرفي، فهو إنما يتجه لو كان التقليد بمعناه العرفي موضوعا للحجية، ومصححا للعمل. وهو غير ظاهر من الادلة، بل ظاهرها كون الفتوى بنفسها موضوعا لها ومصححة له، ولا مانع من كون التقليد كالعمل مترتبا على الفتوى بلحاظ حجيتها، بل هو كذلك ارتكازا، لما هو المرتكز من أنه لا يصح تقليد غير الحجة، لا أن الحجية تكون بالتقليد. وإن أراد به الاستدلال على أن ذلك معناه الاصطلاحي، ففيه: أنه لا معنى للاستدلال على تعيين المعنى الاصطلاحي بلزوم الدور ونحوه، إذ لا مشاحة في الاصطلاح، ولا طريق لمعرفته إلا استيعاب كلمات أهله. نعم، قولهم: عمل عن تقليد، ظاهر في تأخر العمل عن التقليد، فيناسب حمله على الالتزام، ولعله لذا ذهب المحقق الخراساني قدس سره لما سبق.

===============

( 24 )

[ مسألة 5: يشترط في المرجع في التقليد البلوغ (1)، ] لكن في صلوح ذلك للكشف عن خروج مصطلحهم عن المعنى العرفي الذي عرفته إشكال، لقرب أن يكون ذلك من الاستعمالات المستحدثة. هذا، والظاهر أنه لا ثمرة مهمة في تحقيق مفهوم التقليد، لعدم أخذه في أكثر أدلة المقام، وإنما اخذ في ما تقدم عن تفسير العسكري عليه السلام، وقد عرفت ضعف سنده، مع أن المنصرف منه كون التقليد من آثار حجية قول المجتهد، فيدل على حجيتها بنفسها، وذلك كاف في ترتب الاثار العملية عليها ولا أهمية للتقليد. نعم، ربما وقع في بعض كلماتهم في بيان معاقد بعض الاجماعات المدعاة في المقام. لكن لو تم الاحتجاج بها، أشكل حمل مرادهم على المعنى اللغوي، أو العرفي، أو الاصطلاحي، لعدم الجزم باتفاقهم على واحد منها، ولا بوضوح حدود كل من هذه المعاني لكل أحد حتى يعلم بمرادهم لو فرض العلم بجريهم على أحدها، فيتعين البناء على إجمال معقد الاجماع والاقتصار فيه على المتيقن، ولا يبقى أثر مهم لتحديد مفهوم التقليد، لا لغة ولا عرفا ولا اصطلاحا. وحينئذ فاللازم النظر في دليل كل حكم من أحكام التقليد بنفسه، وأنه يقتضي الالتزام أولا. ولا يخفى أن دليل مشروعية أصل التقليد ظاهر في حجية الفتوى بنفسها، من دون دخل للالتزام، وأما بقية أحكام التقليد وتفاصيله فلعله يأتي الكلام في دخل الالتزام فيها وعدمه عند الكلام في كل حكم بنفسه فانتظر. (1) تقدم عند الكلام في أدلة التقليد أن اللازم في المقام الرجوع إلى سيرة العقلاء ما لم يثبت الردع عنها، ومن الظاهر عدم أخذ البلوغ في موضوع الحجية عندهم، فلابد في اعتباره من دليل صالح للردع، وليس هو إلا الاجماع المدعى. قال شيخنا الاعظم قدس سره في رسالته في التقليد: (يعتبر في المجتهد امور: البلوغ، والعقل، والايمان، ولا إشكال في اعتبار هذه الثلاثة...) ثم شرع في ذكر الخلاف في

===============

( 25 )

اعتبار الحياة، وظاهره الاجماع على اعتبار البلوغ. لكن في الركون إليه إشكال، لعدم تحرير المسألة، وعدم الابتلاء بها في العصور المقاربة لعصور الائمة عليهم السلام بحيث يعلم أخذ المجمعين لحكمها خلفا عن سلف، متصلا بعصر المعصومين عليهم السلام ليكشف عن رأيهم. ولا مجال لاستكشافه بسيرة المتشرعة، بعد ما ذكرنا من عدم الابتلاء به، إذ لعل ذلك منشأ سيرتهم، لا لكونه من المستنكرات عندهم بما أنهم أهل دين، ليكشف ارتكاز الاستنكار عن كون ذلك من الواضحات الدينية المتسالم عليها المأخوذة عن أعلام الدين (صلوات الله عليهم). بل لو فرض بلوغ الصبي مرتبة عالية من العلم، والالتزام بالاعمال الدينية، والتورع والاحتياط، فالرجوع له مما تقبله مرتكزات المتشرعة جدا، ومع ذلك لا مجال للبناء على الشرط المذكور، والخروج به عن مقتضى سيرة العقلاء القريبة من المرتكزات المتشرعية. ولا يضر معه اشتمال بعض الاخبار على عنوان الرجل كمقبولة ابن حنظلة، فإنه - مع وروده في القضاء لا في الفتوى - لا يكفي في الردع عن مقتضى السيرة لعدم ظهوره في الحصر، كما سيأتي نظيره عند الكلام في اعتبار العقل. هذا، وأما الاستدلال عليه في كلامهم بما أشار إليه سيدنا المصنف قدس سره من كونه محجورا عن التصرف، ومرفوعا عنه القلم، ومولى عليه، وعمده خطأ، فهو ظاهر الوهن. ومثله ما في الفصول من الاستدلال له: بأن عدم قبول روايته يقتضي عدم قبول فتواه بطريق أولى. إذ المنع من قبول روايته أول الكلام، على أن الاولوية غير ثابتة عندهم، فقد منع السيد المرتضى قدس سره من قبول خبر الواحد، وأجاز قبول فتواه، وإن كانت الاولوية في نفسها قريبة جدا، لان الرواية لما كانت من مقدمات الفتوى، فعدم قبولها لا يناسب قبول الفتوى جدا.

===============

( 26 )

[ والعقل (1)، ] ومن ثم لم يبعد الاستدلال بأدلة التقليد على حجية خبر الواحد بمقتضى الاولوية المذكورة، فتأمل (1). ولذا قد يستدل على اعتبار البلوغ في المقام بما دل على عدم قبول شهادة الصبى ويشكل.. أولا: بالمنع من عدم قبول شهادته مطلقا، فقد قيل بقبولها مع بلوغه عشرا، وفي الجراح والقصاص، بل صريح بعض الروايات قبولها في القتل وفي الامر الدون، وتمام الكلام في كتاب الشهادات. وثانيا: بأن الاولوية بين عدم قبول الرواية وعدم حجية الفتوى إنما هي لان الرواية من مقدمات الفتوى، وذلك لا يجري في الشهادات الواردة في الموضوعات، إذ لا دخل لها بالفتوى، ومن ثم اعتبر فيها ما لا يعتبر في الفتوى والرواية، كالعدد، فالاستدلال المذكور قياس صرف. نعم، لو كانت العدالة متوقفة على البلوغ، كان دليل اعتبارها - لو تم - كافيا في اعتباره، لكن الظاهر عدم نهوض الادلة بإثبات اعتبار العدالة بالوجه المتوقف عليه، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. (1) لا إشكال في اعتباره لو توقف الرأي عليه، الذي هو موضوع الحجية، كما لا إشكال في عدم الاعتداد برأي المجنون لو فرض حصوله له، لخروجه عن الادلة المتقدمة التي عمدتها سيرة العقلاء. نعم، لو فرض طروء الجنون بعد انعقاد الرأي، وبيان الفتوى حين العقل،


____________
(1) الاولوية المذكورة انما تتم لو كانت الفتوى حجة في حق المجتهد. أما حيث كانت حجة في حق العامي الذى ينحصر طريق معرفته بالوظيفة الفعلية بالفتوى فهى لا تلازم حجية الرواية في حق المجتهد لا عقلا ولا عرفا. فلاحظ. (منه عفى عنه).

===============

( 27 )

فليس بناء العقلاء على مانعيته من التقليد، لما هو المرتكز عندهم من أن الرجوع للمفتي بملاك كاشفيته نوعا، ولا دخل لطروء الجنون في ذلك، كما في الرواية، ولذا لا أثر لذلك عندهم في سائر موارد الرجوع لاهل الخبرة من امور المعاش والمعاد. إلا أنه قد يرفع اليد عن مقتضى السيرة بالاجماع المدعى على اعتبار العقل، فقد قيل: إنه مما أجمع عليه الخلف والسلف. وظاهر شيخنا الاعظم قدس سره في ما تقدم عن رسالته في التقليد، أنه مما لا إشكال فيه بينهم. إذ حمله على خصوص ما يتوقف عليه انعقاد الرأي، أو على بيان عدم حجية الرأي المنعقد حال الجنون بعيد جدا، لعدم الموضوع في الاول، ووضوح حكم الثاني، فتأمل. لكن في الاعتماد على الاجماع المدعى في المقام إشكال، لعدم القطع معه بتحقق الردع الشرعي عن مقتضى السيرة، لقرب استنادهم إلى بعض الوجوه الاعتبارية التي لا تنهض بالحجية، وعدم وضوح كونه إجماعا تعبديا متصلا بعصر المعصومين عليهم السلام، مستندا لهم، ليكشف عن رأيهم. وأما ما ذكره بعض مشايخنا من أن المجنون لا يليق بزعامة المسلمين لسقوطه عن الانظار بطروء حالة الجنون والهرم ونحوهما عليه. فيندفع: بعدم توقف حجية الفتوى على الزعامة التي لا تليق بالمجنون، كما يأتي نظير ذلك في غير واحد من الشروط الاتية. نعم، الظاهر أن الجنون المطبق عندهم ليس أخف من الموت، فلو فرض تمامية الاجماع منهم على اعتبار الحياة في التقليد الابتدائي، فالمراد منها الحياة الملازمة لفعلية الرأي غير الحاصلة مع الجنون، فيكون الاجماع المذكور دليلا في المقام. كما أنه لو فرض تمامية الادلة على اعتبار العدالة في المجتهد حين الرجوع إليه، لا حين فتواه بالحكم فقط، كانت دليلا أيضا، لعدم كون المجنون موضوعا للعدالة، ويأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى. هذا، وقد يدعى أن أدلة التقليد الشرعية مختصة بصورة فعلية الرأي، ولا

===============

( 28 )

تشمل الرأي الزائل بالجنون، لان العناوين المأخوذة فيها من الانذار والفقاهة والنظر في الحلال والحرام وغيرها لا تصدق على المجنون حين جنونه، وإن صدقت عليه قبل ذلك. ويندفع بوجهين.. الاول: ان ظهور الادلة المذكورة في إمضاء سيرة العقلاء والمفروغية عن ذلك موجب لظهورها في حجية الرأي الصادر عن العالم وإن زال علمه بعد ذلك، فيكفي صدق العالم والفقيه حين انعقاد الرأي في جواز الرجوع إليه ولو بعد زوال فقهه وعلمه، كما هو مقتضى السيرة المذكورة، بقرينة ما عرفت من ارتكاز أن دخل العناوين المذكورة في الكاشفية إنما يقتضي اعتبارها حين صدور الفتوى، كما هو الحال في الرواية والشهادة والاقرار وغيرها مما اعتبر فيها شرعا أو عرفا عناوين خاصة كالوثوق والعقل وغيرهما، فإنه يكفي تحقق العناوين المذكورة حين صدورها، لا حين العمل بها. وبه يخرج عن ظاهر أخذ العناوين في موضوعات الاحكام المقتضي لاعتبارها حين ترتيب تلك الاحكام والعمل عليها. وأما ما ذكره بعض مشايخنا في الفرق بين أدلة الفتوى والرواية من أن ظاهر الاولى كون المرجع هو الفقيه لا رأيه، فلابد من صدق العنوان عليه حين الرجوع إليه، لا حين انعقاد الرأي له، وظاهر الثانية لزوم تصديق رواية الثقة فيكفي كونه ثقة حين الرواية. فمندفع.. أولا: بعدم الفرق بينهما، لما هو المرتكز عرفا من أن الرجوع له إنما هو لحجية رأيه، كالرجوع للراوي، فهو كناية عن ذلك، ولذا كان ظاهر الادلة في المقامين إمضاء بناء العقلاء على حجية الرواية والفتوى لا تأسيس حجة اخرى، وهي نفس المرجع في المقام. وثانيا: بأن ما ذكره في الرواية - لو تم - لا ينفع في الاكتفاء بتحقق العناوين

===============

( 29 )

المأخوذة في الراوي حين روايته، بل يلزم تحققها حين العمل بها وتصديقها، كما هو الحال في سائر العناوين المأخوذة في موضوعات الاحكام، فإذا قيل: أطع أمر جارك، وأجب التماس صديقك، كان الظاهر منه اعتبار تحقق الجوار والصداقة حين إطاعة الامر وإجابة الالتماس، لا حين صدورها، ولا مخرج عن ذلك في الرواية إلا ما عرفت من القرينة العرفية الجارية في الفتوى أيضا. الثاني: أنه لا إشكال في أنه لا ظهور للادلة المذكورة في حصر الحجية بمواردها، لتصلح للردع عن مقتضى السيرة في غير مواردها، فلو فرض قصورها في نفسها أمكن التمسك بالسيرة التي لم يثبت الردع عنها. فما ذكره بعض مشايخنا من كون الادلة المذكورة رادعة عن السيرة مما لم يتضح وجهه. نعم، لو فرض لزوم إحراز إمضاء السيرة في كل مورد بخصوصه كان لقصور الادلة المذكورة أثر مهم. لكن عرفت في آخر الكلام في أدلة التقليد أنه لا مجال لذلك، لان ظهور الادلة في المفروغية عن مقتضى السيرة يقتضي الرجوع إليها على عمومها ما لم يثبت الردع في خصوص المورد. فالعمدة في المنع عن التقليد في المقام ما عرفت من الاجماع الذي تقدم الكلام فيه. هذا كله في التقليد الابتدائي، وأما الاستمرار على تقليد من عرض له الجنون مع حدوث تقليده قبله، فالظاهر أنه يجري فيه الكلام الاتي في البقاء على تقليد الميت، لعدم الفرق بينهما في أدلة المنع والجواز. وأما المجنون الادواري فلا إشكال في دخوله في السيرة وفي أدلة الامضاء حين إفاقته، وأما حين جنونه فلا يبعد أنه كذلك، لان الجنون الموقت غالبا من سنخ المرض الذي لا ينافي صدق العالم والفقيه ونحوهما عرفا. ومن ثم فلا مجال للرجوع فيه للاجماع المتقدم، لعدم وضوح شموله له،

===============

( 30 )

[ والايمان (1)، ] فالبناء على جواز تقليده حدوثا وبقاء هو الانسب بالادلة. ولعله لذا حكي القول بذلك عن بعض متأخري المتأخرين، كصاحبي المفاتيح والاشارات. (1) قال سيدنا المصنف قدس سره: (حكي عليه إجماع السلف الصالح والخلف)، وتقدم من شيخنا الاعظم قدس سره ما ظاهره التسالم عليه بين الاصحاب. وحيث كان تقليد غير المؤمن موردا للابتلاء من الصدر الاول فالتسالم المذكور كاف في الدليل على اعتبار الايمان، إذ لو لم يعتبر لما خفي عليهم ولم يحصل التسالم المذكور، وبه يخرج عن مقتضى السيرة من عدم اعتبار ما زاد على الوثوق بالشخص. اللهم إلا أن يقال: الذي هو مورد الابتلاء في الصدر الاول هو غير المؤمن الجاري في استنباط الاحكام على اصول العامة وطريقتهم في الاستدلال، ولا إشكال في عدم جواز تقليده، لعدم كونه من أهل الخبرة في الاحكام المتنجزة على العامي، والذي هو محل الكلام هو الجاري في الاستنباط على طريقة الامامية، الموثوق به في بيان الاحكام على الوجه المذكور، وليس هو موردا للابتلاء من الصدر الاول، فالكلام فيه مجرد فرض لا صغرى له، ومن القريب خروجه عن معقد الاجماع المتقدم واختصاص الاجماع بالاول. على أنه لو فرض شموله له أشكل الاعتماد عليه لعدم وضوح اتصاله بعصر المعصومين عليهم السلام واستناده إليهم، كما تقدم نظيره. ومنه يظهر حال الاستدلال بما عن العسكري عليه السلام عن الصادق من قوله عليه السلام: (من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لامر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم...) (1) فإنه وأن


____________
(1) الوسائل ج 18 ص 94، 10 من أبواب صفات القاضى، حديث: 20.

===============

( 31 )

كان ظاهرا في المفروغية عن اختصاص التقليد بالشيعة، إلا أنه قد يكون مسببا عن عدم تصدي غيرهم للاستنباط من طريق أهل البيت عليهم السلام، ولا ينهض بالمنع من تقليد غيرهم لو فرض سلوكه في الاستنباط الطريق المذكور. هذا، وقد يستدل عليه باية النباء، إما لان المراد بالفاسق ما يقابل المؤمن - كما قد يشهد به كثير من الاستعمالات في الكتاب والسنة - أو لان المراد به ما يقابل العادل - كما لعله الانسب بالمعنى اللغوي، وهو المصطلح لهم - وهو أخص من المؤمن. ولا يضر انصراف النبأ فيه، للخبر عن حس، دون مثل الفتوى مما كان مبنيا على الحدس، لما عرفت في مسألة اعتبار البلوغ من الاولوية العرفية. ويشكل بانصرافها عما نحن فيه ممن يوثق بخبره من الفساق، بقرينة التعليل بخوف الندم الظاهر في المفروغية عن عدم صحة الاعتماد على الخبر، فلا يشمل من يصح الاعتماد على خبره عند العقلاء، بل يحمل على الغالب، ولا أقل من كونه مقتضى الجمع بينه وبين ما تضمن حجية خبر الثقة. وقد يستدل أيضا بما عن أبي الحسن عليه السلام في ما كتبه لعلي بن سويد: (لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك من الخائنين الذين خانوا الله ورسوله صلى الله عليه واله وخانوا أماناتهم، إنهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبد لوه...). وفيه: أن التعليل فيه ظاهر إما في بيان أن من ثبتت منه الخيانة لا ينبغي أن يرجع إليه، لعدم المؤمن من خيانته في ما رجع فيه إليه، فلا يشمل محل الكلام ممن فرض الوثوق به. أو في بيان أن ابتناء دينهم على الخيانة مانع من الرجوع إليهم فيه، لان بطلان أصل الدين مسقط للفروع المبتنية عليه، فيختص بما كان موردا للابتلاء مما كان فيه غير المؤمن جاريا في استنباطه على طرقهم المتفرعة على التحريف للكتاب والخيانة لله تعالى والرسول صلى الله عليه واله، ولا يشمل ما هو محل الكلام مما فرض جريانه

===============

( 32 )

على الطرق الحقة، ولا ظهور له في مانعية بطلان العقيدة والخيانة تعبدا لعدم مناسبته لكون التعليل ارتكازيا. وقد يستدل أيضا بما ورد في كتب بني فضال من قوله عليه السلام: (خذوا ما رووا وذروا ما رأوا)، لكن لا يبعد انصرافه إلى خصوص ما ابتنى من الاجتهادات والاراء على اصولهم الباطلة. بل من القريب جدا اختصاصه بما رأوه في أمر الامامة، لانه الذي يمتازون به من دون نظر فيه إلى الاحكام الفرعية، لعدم تعارف تحرير الفتاوى فيها في الكتب في تلك العصور، فالمراد به أن بطلان عقيدتهم وتركها لا يمنع من أخذ رواياتهم مع كونها حقا. ولا أقل من كونه واردا في قضية مجملة المورد، لا إطلاق لها. وقد يستدل أيضا بما عن أبي الحسن عليه السلام في ما كتبه لاحمد بن ما هوية وأخيه: (فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا، وكل كثير القدم في أمرنا، فإنهما كافوكما إن شاء الله تعالى). وبمقبولة ابن حنظلة: (ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا...). لكن الاول - مع ضعف سنده كأكثر أخبار المسألة - قد تضمن ما هو زائد على الايمان مما لا إشكال في عدم اعتباره، فلابد من حمله إما على الاستحباب - كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره - أو على خصوصية مورده. والثاني وارد في القضاء الذي هو من المناصب المجعولة التي لم يلحظ فيها محض الطريقية، ولذا لا يجوز الترافع لقضاة الجور حتى مع حكمهم بالحق، ولم يثبت ذلك في الفتوى. هذا وقد استدل في الفصول على اعتبار الايمان بأن الناس مأمورون بالتمسك بالعترة عليهم السلام، والتمسك بمن يتمسك بهم تمسك بهم، بخلاف من يتمسك بهم وبغيرهم، أو يقتصر في التمسك على بعضهم، فإنه ليس تمسكا بهم. وفيه: أن التمسك بهم عليهم السلام إن كان بمعنى الموالاة والمودة لهم، فهو وإن اقتضى - في الجملة - عدم مولاة من لم يتمسك ببعضهم، أو تمسك بأعدائهم، إلا أنه

===============

( 33 )

خارج عما نحن فيه، لان التمسك بالمعنى المذكور من الواجبات النفسية، لا الطريقية لتحصيل الاحكام الشرعية، فلا يناسب التقليد ولا يلازمه. وإن كان بمعنى الرجوع لهم عليهم السلام في معرفة أحكام الله تعالى، فهو يقتضي قبول ما بينوه من الاحكام، والعمل عليه. أما معرفة الاحكام التي بينوها، فلابد من سلوك الطرق المقررة لها شرعا، وهو لا ينافي حجية فتوى من لا يواليهم إذا جرى في الاستنباط على الاخذ منهم، كما لا ينافي عدم حجية فتوى من يواليهم إذا جرى فيه على غير طريقهم، بل مطلقا لبعض الموانع كفسقه، وإن كان يجب موالاته في الدين. والحاصل: أنه يصعب إقامة الدليل على عدم جواز تقليد غير المؤمن إذا فرض استنباطه للاحكام على الطرق المقررة عندنا. نعم، الطرق المذكورة لما لم تكن منضبطة، أشكل الوثوق بغير المؤمن في الاستنباط منها، لان كثيرا من القرائن والادلة مما لا يمكن حصولها لغير المؤمن، كإجماعات الخاصة، وشهرة الحكم بينهم، وهجرهم للاخبار، وعملهم بها، وتوثيقهم للرواة وجرحهم، وسيرة المتشرعة ومرتكزاتهم وغير ذلك مما يكون دخيلا في استنباط المجتهد المؤمن للحكم بسبب حسن ظنه بالمؤمنين واعتقاده بعلمائهم وعوامهم أنهم في مقام تلقي الاحكام وأخذها من ائمتهم عليهم السلام والاحتياط لها، وعدم التساهل فيها، وكل ذلك مما لا يتهياء للمخالف تحصيله، لعدم حسن ظنه بهم بالوجه المذكور. كما أن حسن الظن بهم من المؤمن بالنحو الدخيل في استنباط الحكم لا ينضبط بضابط حتى يمكن رجوع غيره إليه وإن لم يحصل له حسن الظن. وذلك مانع من الوثوق باستنباطه والاخذ بقوله، لعدم إحاطته بمقدمات الاستنباط المتيسرة للمؤمن، وهذا بخلاف الرواية المستندة للطرق الحسية المنضبطة. وهذا كاف في المسألة، ولاسيما مع كون الحكم من مرتكزات المتشرعة التي لا مجال للاغضاء عنها. لكن ذلك مختص بما إذا صدرت الفتوى منه في حال ضلاله، أما لو صدرت

===============

( 34 )

[ والذكورة (1). ] منه حين إيمانه، ثم عرضت له فتنه أخرجته عن الايمان، فيقصر ما سبق عن المنع من تقليده ابتداء واستدامة، وليس حينئذ إلا الاجماع الذي عرفت حاله. نعم، لو تم الدليل على اعتبار العدالة بالمعنى الذي هو أخص من الايمان كان دليلا في المقام، والله سبحانه العالم بحقائق الاحكام، وبه الاعتصام. (1) لا إشكال في عدم أخذ ذلك في موضوع سيرة العقلاء، فلابد في الخروج عنه من دليل صالح للردع. ومجرد انصراف إطلاقات أدلة التقليد الشرعية له لو تم لا يقتضيه. على أنه غير ظاهر الوجه بعد ارتكاز كون منشأ الارجاع محض الطريقية التي لا دخل للذكورة فيها ارتكازا. ومثله اختصاص مثل مقبولة ابن حنظلة به، على أنها واردة في القضاء ولا وجه للتعدي منه للفتوى، كما سبق في اعتبار الايمان. ومنه يظهر عدم صحة الاستدلال بما دل على عدم تولي المرأة للقضاء. ومثله ما دل على عدم إمامتها في الصلاة لجماعة الرجال، إذ لعله ناشئ عن نقصان عملها شرعا غير الملازم لنقصان اجتهادها في مقام الحجية والطريقية شرعا. على أنه لا يقتضي منع المرأة عن تقليد المرأة، كما تأتم بالمرأة. وأما ما ذكره بعض مشايخنا من أن خطورة منصب الافتاء لا تناسب الانوثة بنحو تكون المرأة قائمة بامور الرجال ومدبرة لشؤونهم. فهو كما ترى! لعدم ثبوت كون الافتاء من المناصب المجعولة، كمنصب القضاء، بل هو نظير الشهادة والرواية التي هي موضوع الحجية. ولو سلم، فليس هو من مناصب الادارة والولاية، كي لا يناسب الانوثة حسب سليقة الشارع المستفادة مما تضمن عدم فلاح من تدبر أمره امرأة، وأن كل رجل تدبر أمره امرأة فهو ملعون.

===============

( 35 )

[ والاجتهاد (1)، ] نعم، قد يستفاد عدم جواز تقليد المرأة مما تضمن النهي عن مشاورة النساء، وأنهن ناقصات العقول، وأن رأيهن إلى أفن، وأنهن عي وعورة، وتعليل قيام امرأتين في الشهادة مقام رجل واحد بنسيانها، وغير ذلك مما يظهر منه أن الشارع الاقدس لا يرى المرأة كالرجل من حيثية الرأي وإن كان ذلك قد يخفى على العرف، فإن صلوح ذلك للردع عن عموم السيرة المبنية على غفلة العرف عن هذه الجهة قريب جدا، ولعله كاف بضميمة مرتكزات المتشرعة، وما قيل من تسالم الاصحاب على الحكم. وإن كان ربما يناقش في المرتكزات باحتمال حدوثها بسبب تخيل ابتناء المرجعية في التقليد على إدارة المرجع لامور الناس، وأنها نحو من الولاية المتفرعة عن منصب الامامة التي لا تليق بغير الرجال، ولم يثبت استناد ذلك لادلة شرعية، وغاية ما يقتضيه الاصل في كثير من الموارد التي يتولاها المرجع فعلا مراجعته لاصالة عدم ترتب الاثر بدونها، لا لثبوت ولايته، ومثل ذلك لا يصلح دليلا رادعا عن عموم السيرة في الفتوى. كما قد يناقش في التسالم المدعى بعدم وضوح كونه إجماعا تعبديا متصلا بعصر المعصومين عليهم السلام كاشفا عن رأيهم، كما سبق في غير واحد من الشروط المتقدمة، ولعله لذا حكي عن بعض المحققين جواز تقليد الانثى والخنثى. لكن الانصاف أن الركون مع ما عرفت إلى عموم السيرة لا يخلو عن إشكال، فتأمل. (1) لا إشكال في اختصاص سيرة العقلاء بالمجتهد، ولا تعم المقلد، إذ لا رجحان للمقلد على غيره من العوام، بل هم مثله في الدخول في أدلة التقليد وتيسر الرجوع للمجتهد، فلا وجه لرجوعهم إليه ارتكازا. وأما الادلة اللفظية فهي وان اشتملت على عنوان العالم والفقيه، الذي لا يراد منه العلم الوجداني، بل ما يعم الاعتماد على الحجة، إلا أنها بين ما يختص بالمجتهد

===============

( 36 )

[ والعدالة (1)، ] الناظر في الادلة التفصيلية، مثل ما تضمن المقابلة بين عنوان العلماء والعوام، وما ينصرف إليه ولا يعم المقلد ولو بقرينة ورودها مورد الامضاء للسيرة، فالرجوع له في المقام نظير تقليد واجد الملكة لغيره حيث تقدم في المسألة الاولى قصور الادلة عنه. نعم، لو فرض قصور العامي عن تمييز المجتهد الذي ينبغي الرجوع له، أو عن معرفة فتاوى المجتهد، جاز له الرجوع لغيره في ذلك ممن له خبرة بذلك من المقلدين وغيرهم، لعموم سيرة العقلاء له حينئذ، والظاهر أن سيرة المتشرعة على ذلك أيضا، لما هو المعلوم من الابتلاء بمثل ذلك من الصدر الاول، فلو كان البناء فيه على خلاف ما ذكرنا لزم الهرج والمرج. هذا، والظاهر ان اللازم على المفتي حينئذ أن يفتي بما يراه وظيفة للمستفتي، لا بوظيفة نفسه فلو كان باقيا على تقليد الميت ليس له الفتوى برأي الميت إلا لمن يشرع في حقه تقليده، لا في حق غيره ممن يلزمه الرجوع للحي، بل يفتيه بما يطابق تقليده اللازم عليه، كما هو الحال في المجتهد بالاضافة إلى العامي لو فرض اختلافهما في الحجج المنصوبة لهما، كما لعله ظاهر. ثم إن الظاهر أن المقلد هنا لا يعتبر فيه إلا الخبرة والثقة عملا بمقتضى السيرة، دون بقية الشروط، لاختصاص أدلتها من الاجماع وغيره بتقليد العامي للمجتهد، ولا تشمل محل الكلام، كما يظهر بالتأمل فيها. هذا، ويأتي في المسألة الحادية والعشرين الكلام في جواز تقليد المتجزئ إن شاء الله تعالى. (1) الظاهر أن المعتبر عند العقلاء هو الوثوق بكون المفتي في مقام بيان ما يعتقده، لا في مقام تعمد الكذب، ولا خصوصية للعدالة عندهم، فلابد من دليل صالح للردع عن مقتضى السيرة المذكورة.

===============

( 37 )

ومجرد اعتبار العدالة في الشهادة وإمامة الجماعة لا يقتضي اعتبارها في المقام، لعدم وضوح مناط الحكم فيهما بنحو ينفع في تعميم الحكم لما نحن فيه. ومثله ما ذكره بعض مشايخنا من دعوى القطع بأن الشارع لا يرضى بأن يكون زمام امور الدين بيد الفاسق، لان منصب الافتاء منصب رفيع دون منصب الامامة على أن طبايع العقلاء قد جبلت على عدم القبول ممن يخالف قوله عمله، وهو الوجه في اعتبار العصمة في النبي والامام. لاندفاع الاول بعدم ثبوت كون الافتاء من المناصب المبتنية على تولي امور الدين وإدارتها، كما تقدم في تقليد المرأة. والثاني: بأن عدم قبولهم منه إنما هو بمعنى عدم حصول الثقة لهم بقوله، أو عدم تأثرهم به وعدم انصياعهم له، لان لتطبيق الانسان تعاليمه على نفسه أعظم الاثر في قبول الغير منه، وهو لا ينافي حجية قوله بنظرهم على الحكم الشرعي لو حصل لهم الوثوق بقوله. كيف وقد اعترف (دامت بركاته) بأن مقتضى سيرة العقلاء حجية فتوى الثقة، فلاحظ. نعم، قد يستدل على اعتبار العدالة في المفتي باية النبأ، بناء على ما عرفت في اعتبار الايمان من أن اختصاصها بالخبر الحسي لا يمنع من الاستدلال بها في الفتوى. وبالخبر المتقدم هناك أيضا عن تفسير العسكري عليه السلام. لكن عرفت هناك أن الاية لا تنهض إلا باعتبار الوثوق. ومثلها في ذلك الخبر المذكور، كما يشهد به التأمل في صدره وذيله، لظهوره في أن اعتبار الشرط المذكور ليس لمحض التعبد، بل لاجل ملازمته للوثوق بالشخص وأهليته للاستئمان على الاحكام، فلا ينافي قبول قول الفاسق الثقة المأمون. اللهم إلا أن يستفاد منه كون الشرط المذكور فيه معيارا شرعيا للوثوق بالشخص، وأن غيره لا ينبغي الوثوق به واستئمانه على الاحكام الشرعية وإن وثق به المكلف بحسب ظاهر حاله.

===============

( 38 )

نعم، مناسبة الحكم والموضوع المشار إليها في مبحث اعتبار العقل في المفتي يقتضي اعتبار الشرط المذكور حين صدور الفتوى، أما من طرأ له بعد صدور الفتوى ما يخرجه عن العدالة فلا تمنع من تقليده ابتداء، فضلا عن البقاء على تقليده. هذا، مع أن الخبر ضعيف السند، ولم يتضح انجباره بعمل الاصحاب، لعدم وضوح استنادهم له في الحكم المذكور. فالعمدة في المقام الاجماع المدعى الذي يبعد الخطأ فيه، وليس هو كالاجماع المدعى في الشروط المتقدمة، لاختلاف هذا الشرط عما قبله بأنه مورد للابتلاء الكثير من الصدر الاول، فمن البعيد جدا أن تكون فتوى الفاسق حجة كروايته إذا كان ثقة، ومع ذلك يخفى الحكم على الاصحاب، ويدعى الاجماع على اعتبار العدالة في الفتوى. هذا، مضافا إلى ما تقدم منا في وجه اعتبار الايمان، فإن مقدمات الاستنباط وأدلة الاحكام لما لم تكن منضبطة كان تمييز موارد الحجة عن غيرها محتاجا إلى مرتبة عالية من الورع، لتدخل العواطف والاعتبارات في ذلك كثيرا، فقد يجنح الباحث للحكم ويستوضح الادلة عليه بسبب ذلك، وقد يؤتى حظا من القدرة على الاستدلال واللحن بالحجة فيبرز أشبه بصور الدليل، ولا حاجز له عن ذلك كالخوف من الله تعالى والحذر من أليم عذابه، فإنهما من أقوى الدواعي إلى الاحتياط للاحكام، والتدبر في أدلتها وتمحيصها وعدم التسامح والتساهل فيها، ولا يؤمن الفاسق على ذلك وإن كان ثقة في نقله، بل لا بد من العدالة بمرتبة عالية لا ينالها الا الاوحدي. مع أن اكتفاء العوام بالموثوق معرض للاحكام للضياع، لسهولة حصول الوثوق للعامي بأدنى استئناس له بالشخص أو بتجربة يسيرة أو مظاهر كاذبة ونحوها مما لا يكلف القائم بها عناء ولا نصبا، وهو لا يناسب ما هو المعلوم من احتياط الشارع الاقدس للاحكام.

===============

( 39 )

[ والحياة، فلا يجوز تقليد الميت ابتداء (1)، ] ولعله لذا كان المرتكز عند المتشرعة لزوم حصول المفتي على ملكة عالية من العدالة تقرب من العصمة يحتاج إحرازها فيه إلى تجربة قاسية لا يقوى عليها إلا أقل القليل تبلغ بالشخص مرتبة القدسية في نفوس الناس تناسب استئمانه على الاحكام، كما أشير إليه في الخبر المتقدم عن تفسير العسكري عليه السلام. وبهذا امتازت الفرقة المحقة زادها الله عزة وشرفا من بين المسلمين، وعليه جرت سيرتهم خلفا عن سلف متصلا بعصر المعصومين عليهم السلام. وبالجملة: التأمل في ما ذكرنا يوجب اليقين باعتبار العدالة بمرتبة عالية في المفتي، خلافا لسيرة العقلاء في سائر موارد الرجوع إلى أهل الخبرة من الاكتفاء بالوثوق. والله سبحانه وتعالى ولي العصمة والسداد. نعم، هذا إنما يقتضي اعتبار العدالة حين الفتوى، أما من عرضت له فتنة بعد بيان فتواه أوجبت فسقه فلا يقتضي المنع عن تقليده ابتداء واستدامة، فلابد فيه من الرجوع للاجماع المتقدم بناء على ما هو الظاهر من شمول معقده لمحل الكلام. وهولا يخلو عن إشكال، لعدم وضوح الابتلاء بذلك في الصدر الاول، ليكشف عن اتصاله بعصر المعصومين عليهم السلام ويستكشف به رأيهم. وإن كان الاعتماد على السيرة مع ذلك في غاية الاشكال، ولا سيما مع منافاتها لمرتكزات المتشرعة التي يصعب التغاضي عنها في المقام هذا وقد يظهر ما ذكرنا من الجواهر حيث ذكر في مبحث اعتبار العدالة في إمامة الصلاة ان عدم عمل المستفتي بفتوى الفاسق لعدم وثوقه بما يخبر به من ظنه الجامع للشرائط وانه لو فرض اطلاعه على حصول الظن له بالوجه المعتبر شرعا جاز له الاخذ به وإن كان فاسقا، وهو مقتضى القاعدة لولا ما اشرنا إليه من المرتكزات، فتأمل، والله سبحانه وتعالى العالم بحقائق الاحكام. (1) كما هو المشهور المعروف بين الاصحاب، وفي الجواهر أنه مفروغ عنه

===============

( 40 )

بينهم، وقد ادعى الاجماع عليه غير واحد. وقد تعرض في التقريرات لنقل ما عن كثير منهم مما هو ظاهر أو صريح في دعوى الاجماع على عدم حجية رأي الميت كابن أبي جمهور الاحسائي، والمحقق الثاني في شرح الالفية، والشهيد الثاني في المسالك وفي رسالته في المسألة، والوحيد البهبهاني وغيرهم. وفي المعالم: (العمل بفتوى الموتى... بعيد عن الاعتبار غالبا، مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميت مع وجود المجتهد الحي، بل قد حكى الاجماع فيه صريحا بعض الاصحاب). ومن الظاهر أن سيرة العقلاء في رجوع الجاهل للعالم لا تمنع من ذلك لعدم دخل الحياة عندهم في ما هو المناط في الرجوع له، وهو كاشفية رأيه نوعا عن الواقع، فلابد في الخروج عن السيرة المذكورة من دليل صالح للردع. وقد استدل عليه - بعد الاجماع المدعى - بامور.. الاول: أن موضوع الحجية ليس إلا الرأي، وليس الاخذ بالفتوى لاجل كاشفيتها عنه، ولا رأي للميت. وفيه: - بعد تسليم زوال الرأي عن الميت - أن موضوع الحجية عند العقلاء هو الرأي بحدوثه، فإذا حدث الرأي كان حجة ولو بعد ارتفاعه بالموت أو النسيان للادلة أو نحوهما، كما هو الحال في الرواية والشهادة ونحوهما، ولا يعتبر عندهم في بقاء الحجية بقاء الرأي. نعم، لو عدل صاحبه عنه لانكشاف خطئه له ارتفعت حجيته بنظرهم، كعدول الشاهد عن شهادته وتكذيب الراوي لروايته، وهو أجنبي عن المقام مما عرفت فيه قيام السيرة على الحجية. وأما ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره من أنه لا شبهة في اعتبار بقاء الرأي في جواز التقليد شرعا، إذ لا إشكال في عدم جوازه فيما إذا زال الرأي بجنون أو هرم أو مرض أو تبدل في الرأي. فهو كما ترى، لانحصار الوجه في عدم جواز التقليد مع زوال الرأي بالجنون

===============

( 41 )

ونحوه بالاجماع المدعى المختص بمورده، ولو تم نظيره في المقام كان الاستدلال به لا بالوجه المذكور. وأما قياس المقام بعدول المجتهد عن رأيه فقد عرفت أنه في غير محله. وبالجملة: لابد من الدليل الذي يخرج به عن مقتضى السيرة من عدم توقف بقاء الحجية على بقاء الرأي. الثاني: ما أشرنا إليه في مبحث اعتبار العقل في المفتي من أن أخذ عناوين خاصة في أدلة التقليد الشرعية، كالعالم والفقيه ظاهر في لزوم حصولها حين الرجوع للمفتي والعمل بفتواه، ولا يكفي حصولها حين صدور الفتوى منه، ومن الظاهر عدم صدقها على الميت. ويظهر الجواب عنه مما تقدم، فراجع. الثالث: أنه لو جاز تقليد الميت لوجب لو كان أعلم، لما يأتي من مرجحية الاعلمية، فيلزم امتناع تقليد الاعلم من أهل العصر لو فرض وجود الاعلم منه في الاموات، وهو التزام شنيع، كما عن الشهيد في رسالته في المسألة. وفيه: أنه لا موجب لشناعته لو فرض إحراز أعلمية الميت، بل هو عين الدعوى. ومثله ما عن المحقق الثاني من تعسر الاطلاع على الاعلم في جميع العصور. إذ هو كتعسر الاطلاع على الاعلم في العصر الواحد في كثير من الازمنة، يلزم الرجوع معه إلى ما تقتضيه القاعدة التي يأتي التعرض لها في المسألة الثامنة، وهي تقتضي عدم حجية فتوى الميت لاشتباه الحجة باللاحجة حينئذ. ولو فرض الاجماع على التخيير في مثل ذلك كان المتيقن منه غير الميت. نعم، لو فرض وجوب الموافقة لاحوط الاقوال حينئذ كان اللازم الاحتياط بما يوافق قول الميت كغيره، فلاحظ. ومثلهما ما ذكره بعض مشايخنا من أن لازم ذلك الفحص عن الاعلم من بين الجميع، وهو ضروري البطلان في مذهب الامامية.

===============

( 42 )

لاندفاعه.. أولا: بأنه إن اريد أن ذلك ضروري المذهب فهو كما ترى، كيف وهو مما لا يلتفت إليه. وإن اريد أنه ضروري من سيرة المتشرعة فلعل سيرتهم مبنية في العصور المتأخرة والمتوسطة على شيوع القول بعدم جواز تقليد الميت وشهرته بين الاصحاب، وفي العصور الاولى المقاربة لعصر المعصومين عليهم السلام على غفلتهم على الاختلاف بين العلماء وعدم التفات العوام لذلك، كما قد يغفلون عنه في العصور المتأخرة أيضا، ويأتي أن تعين الفحص عن الاعلم مختص بصورة العلم بالاختلاف، ولعل هذا هو الوجه في عدم اهتمامهم بالفحص عن الاعلم حتى بين علماء العصر الواحد، ومع احتمال ذلك يقف الاستدلال بالسيرة. وثانيا: بأن عدم وجوب الفحص عن الاعلم من الاموات لا ينافي حجية فتوى الميت لو فرض العلم بكونه أعلم من الاحياء، إذ لعل عدم وجوب الفحص ناش من تعسر الاطلاع على الاعلم من الاموات، نظير تعسر الاطلاع على حال أهل العصر الواحد ممن سكن البلاد النائية، فإنه قد يقال بعدم وجوب الفحص عن حاله لاستلزامه الحرج نوعا بالنحو الذي يعلم بعدم ايقاع الشارع الناس فيه ولو بضميمة السيرة، وهذا لا ينافي وجوب تقليده لو فرض العلم بأعلميته وتيسر الاطلاع على فتواه. والذي ينبغي أن يقال: إن من كان من الاموات غير معلوم الفتوى لا أثر لاعلميته، لعدم حجية فتواه الواقعية التي لا يتيسر الاطلاع عليها، وما كان منهم معلوم الفتوى يتعسر بل يتعذر الاطلاع على حالهم حين صدور الفتوى منهم غالبا، لعدم الاحاطة بطريقتهم في الاستدلال وكيفية فهمهم للادلة، ليدرك بذلك مدى خبرتهم، فيجري فيه ما عرفت من القاعدة على تفصيل يأتي في المسألة الثامنة إن شاء الله تعالى. بل قد يعلم بأنهم دون المتأخرين نوعا، كما يشهد به التأمل في حال من تيسر الاطلاع على طريقتهم في الاستدلال من أهل الكتب الاستدلالية والمطالب العلمية

===============

( 43 )

المشهورة، إذ لا شك ظاهرا في أن المتأخرين أمتن منهم في الاستدلال وأقوى، لتطور العلم بالمدارسة والبحث. غاية الامر أنه يعلم في الجملة بتيسر بعض القرائن والادلة للمتقدمين غير المتيسرة للمتأخرين، لبعدهم عن عصور التشريع، إلا أن هذا أمر غير منضبط لا مجال لادراكه وتمييز حالهم فيه. نعم، لو فرض دوران الاعلم بين اشخاص محصورين من الاحياء والاموات يتيسر الاطلاع على حالهم وعلى فتاواهم فوجوب الفحص عن الاعلم منهم هو المتعين لو قيل بجواز تقليد الميت. وقيام السيرة على بطلان ذلك في غاية المنع. ثم إنه ربما يستدل على عدم جواز تقليد الميت ببعض الوجوه الاخر، وهي مشاركة في الضعف لما عرفت. فالعمدة ما عرفت من الاجماع المدعى في كلام من سبق، قال سيدنا المصنف قدس سره: (فإن الحاكين للاجماع وإن كانوا جماعة خاصة، لكن تلقي الاصحاب لنقلهم له بالقبول من دون تشكيك أو توقف من أحد وتسالمهم على العمل به يوجب صحة الاعتماد عليه، ولا سيما مع كون نقلة الاجماع المذكور من أعاظم علمائنا وأكابر فقهائنا، ولهم المقام الرفيع في الضبط والاتقان والتثبت، قدس الله تعالى أرواحهم ورفع منازل كرامتهم، وجزاهم عنا أفضل الجزاء). لكن مع ذلك ففي الاعتماد على دعوى الاجماع إشكال، لصدورها من المتأخرين مع عدم تحرير المسألة في العصور الاولى بنحو يكشف عن أخذها خلفا عن سلف متصلا بعصور المعصومين عليهم السلام وعدم وضوح نحو الابتلاء بها في تلك العصور حتى يعلم الحال من سيرة المتشرعة، إذ من القريب جدا قلة الابتلاء باراء الموتى، لعدم تعارف تحرير الفتاوى وضبطها، وإنما تصدر الفتاوى مشافهة بنحو لا يتيسر الاطلاع عليها بعد موت المفتي لغير من سأله غالبا إلى غير ذلك مما يمنع من الاطمئنان بل من الظن باستناد دعوى الاجماع في كلام المتأخرين إلى سيرة مطردة أو تسالم على الحكم بين العلماء بنحو يكشف عن رأي المعصوم عليه السلام. ولاسيما مع ظهور بعض كلماتهم في وجود الخلاف في المسألة، أو عدم

===============

( 44 )

تحقق الاجماع بوجه قاطع، إذ ليس المحكي عن الشهيد الثاني دعواه صريحا، بل عن المسالك دعوى عدم تحقق الخلاف له ممن يعتد بقوله، وعن رسالته في المسألة عدم العلم بمخالف ممن يعتبر قوله ويعتمد على فتواه. وهو ظاهر ما عن الشهيد الاول في الذكرى من نسبة الخلاف إلى البعض. وحمله على العامة - كما عن الشهيد الثاني - بعيد جدا، ولاسيما مع كونه المعروف بينهم بل ظاهر اقتصار المحقق الثاني في الجعفرية على نسبته للاكثر وجود الخلاف فيه وعدم جزمه باعتباره، قال في بيان ما يجب على المكلف: (والرجوع إلى المجتهد ولو بواسطة وإن تعددت إن كان مقلدا. واشترط الاكثر كونه حيا، ومع تعدده يرجع إلى الاعلم). بل تأليف الشهيد الثاني لرسالة في المسألة شاهد بوقوع الخلاف فيها، وخفاء الادلة عليها، وإلا فالمسائل المسلمة حكما الواضحة دليلا لا تحتاج إلى شدة الاهتمام. وأما تلقي الاصحاب لدعواهم بالقبول، فهو لا يكشف عن ثبوت الاجماع، لامكان استناده لحسن ظنهم بهم، أو لذهابهم إلى حجية الاجماع المنقول، لا لاطلاعهم على قرائن تشهد بصحة دعواهم. ولاسيما مع كون المتلقين له بالقبول هم متأخري المتأخرين الذين يبعدون عن عصر التشريع جدا. مع احتمال كون موافقتهم لهم ليس لاجل الاجماع، بل للوجوه الاخر المصرح بها في كلمات بعضهم. على أن ظاهر كلام السلطان في حاشية المعالم التردد في ثبوت الاجماع. وكيف يكون الاجماع بهذا الوضوح وقد خرج عليه مثل المحقق القمي قدس سره مدعيا أنه لا يوجب اليقين، بل لا يوجب الظن، لعدم تداول المسألة بين أصحاب الائمة عليهم السلام، وإنما هي من المسائل الحادثة، كما خرج الاخباريون عليه، فإن خروجهم وإن كان مبنيا على دعوى كون الفتوى من سنخ الرواية المنقولة بالمعنى التي تقبل وان كان الراوي ميتا، إلا ان موضوع كلامهم لما كان هو الواقع

===============

( 45 )

الخارجي للتقليد - وإن خالفوا في تفسيره - فلو كان عدم حجية قول الميت واضحا عند الشيعة متسالما عليه بينهم لما وسعهم البناء على حجيته. والمظنون أن الحكم قد ذكر في كلام الاصوليين من قدماء الاصحاب وخالفوا فيه العامة مستندين فيه إلى وجوه اخر غير الاجماع - تقدم بعضها - واشتهر بينهم من دون أن يبلغ مرتبة الاجماع، كما قد يشهد به قول المحقق الثاني في شرح الشرايع: (وقد صرح جمع من الاصوليين والفقهاء بإشتراط كون المجتهد حيا ليجوز العمل بفتواه، فلا يجوز العمل بقول المجتهد بعد موته وهو متجه ويدل عليه وجوه...) ثم لما جاء المتأخرون حسبوا أن ذلك إجماع صالح للاحتجاج في قبال من خالف المشهور، على ما هو المعلوم من طريقتهم في الاستدلال بالاجماع وتسامحهم فيه، ثم لما خالف الاخباريون بعد ذلك في الحكم وعرفوا بخروجهم على الاصحاب في كثير من الامور وتشنيعهم عليهم، ركن كثير من متأخري المتأخرين للاجماع المذكور - لحسن ظنهم بمدعي الاجماع أو لذهابهم إلى حجية نقله - وللوجوه الاخر التي يكثر الاعتماد على مثلها منهم. وكيف كان، فالاعتماد على دعوى الاجماع المتقدمة في غاية الاشكال، ولاسيما مع قرب مخالفته لسيرة المتشرعة في العصور الاولى يوم لم يكن التقليد مبنيا على العناية والاهتمام، بل تجري الناس فيه على مقتضى طبايعهم، إذ من البعيد جدا أن يكون تعلم الرجل لحكم من المجتهد ليعمل به ما دام حيا فإذا مات رجع إلى غيره وكرر السؤال منه عن نفس الحكم، أو أنه يبقى على عمله به لنفسه وغيره من أهله وأولاده ممن عملوا معه في حياة المجتهد دون من تجدد تكليفهم بعد موته لئلا يكون تقليدهم للميت ابتدائيا، بحيث يعمل أهل البيت الواحد على وجهين بعضهم على رأي الميت وبعضهم على رأي الحي، فإن هذا مبني على العناية والخروج عن الوضع الطبيعي الذي لو كان لظهر وكثر السؤال عنه والتنبيه عليه، وإن كان هذا قد لا يبلغ حد اليقين. والعمدة في المقام ما عرفت من سيرة العقلاء التي لم يتضح حتى الان ما

===============

( 46 )

يصلح للردع عنها، على أن الخروج عما عليه المعظم في مثل هذه المسألة التي لا دليل فيها إلا سيرة العقلاء صعب جدا. والله سبحانه وتعالى العالم ونساله أن يوفقنا لمعرفة أحكامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. هذا، وينبغي الكلام في مقتضى الاصل في المسألة ليرجع إليه لو فرض قصور الادلة الاجتهادية فيها عن إثبات الجواز، أو المنع. والكلام تارة: في الاصل الشرعي. واخرى: في الاصل العقلي. أما الاصل الشرعي، فمن الظاهر أنه لا مجال له بالاضافة إلى الاحكام التي أفتى بها الميت، لعدم تحقق ركني الاستصحاب فيها من اليقين بالثبوت والشك في البقاء. أما الاول فلعدم اليقين الحقيقي بثبوتها، لاحتمال خطأ الميت، ولا التعبدي، لعدم الحجية عليها، لانحصار طريقها بفتوى الميت، المفروض الشك في حجيتها. وأما الثاني فللعلم ببقائها على تقدير ثبوتها، ولا يحتمل ارتفاعها بموت المفتي، فلابد إما من إجرائه في الحكم الظاهري المترتب على الفتوى حين حياة المفتي، أو في الحكم الوضعي، وهو الحجية الثابتة للرأي. أما الاول فيشكل.. أولا: بأنه مبني على جعل الاحكام الظاهرية المماثلة لمؤديات الطرق، والتحقيق عدمه، وليس مفاد أدلة الطرق إلا جعل حجيتها، لان الحجية أمر اعتباري وحكم وضعي قابل للجعل، كالملكية، ولا يترتب عليها إلا صحة الاعتماد عقلاء على الحجة في البناء على ثبوت مؤداها عملا، وليس الحكم الظاهري إلا منتزعا من ذلك، دون أن يكون مجعولا ليمكن استصحابه، كما أوضحنا ذلك عند الكلام في مؤديات الطرق في مبحث قيام الطرق مقام القطع الموضوعي من الاصول. وثانيا: بأنه لا يتم في الاحكام الكلية التي لم يتم موضوعها في حياة المفتي، وإنما يفتي بها بنحو القضية الحقيقية، لرجوعها إلى قضية تعليقية، وقد حققنا في محله عدم جريان الاستصحاب التعليقي ذاتا، لا من جهة المعارضة بالاستصحاب

===============

( 47 )

التنجيزي، ليختص المنع بالاحكام الاقتضائية، كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره. نعم قد يتم في الاحكام التنجيزية الثابتة في حياته، سواء كان موضوعها جزئيا خارجيا، كنفوذ العقود الواقعة في حياته، ونجاسة الفقاع الموجود قبل وفاته، أم كليا كالاحكام التكليفية الفعلية، مثل حرمة شرب الفقاع، فإن موضوعها وهو شرب الفقاع كلي يتعلق الحكم التكليفي به، لا بأفراده بعد وجودها بل وجودها يكون مسقطا للحكم، لا شرطا في فعليته، كما لا يكون وجود الفقاع شرطا في فعليته. إن قلت: لا مجال للاستصحاب في الاحكام التكليفية، لان موضوعها لما كان كليا كان قابلا للتقييد بحياة المفتي، ومع احتمال تقييده لا يحرز الموضوع بعد الموت، فلا يقين بحرمة مطلق شرب الفقاع ليجدي استصحابها بعد الموت، بل المتيقن حرمة خصوص الشرب الواقع في حياة المفتي، ولا يجدي استصحابها بعد الموت. ومن ثم أشكل الاستصحاب في الاحكام التكليفية الواقعية، بخلاف الاحكام الوضعية التي يكون موضوعها غالبا أمورا جزئية خارجية لا تقبل التقييد ولا تتعدد بتعدد الخصوصيات الزمانية. قلت: ليس الحكم الظاهري إلا الحكم المماثل لمؤدى الحجة، وليس مؤداها إلا الحكم الواقعي، فموضوع الحكم الظاهري تابع لموضوع الحكم الواقعي الذي قامت عليه الحجة سعة وضيقا، وحيث لم يكن موضوع الحكم الواقعي مقيدا بحياة المفتي لم يكن الحكم الظاهري مقيدا بها. نعم، يمكن تقييد جعل الحكم الظاهري بحياة المفتي، بحيث يكون الموت غاية للحكم لا لموضوعه، وفي مثله يجري الاستصحاب، ولا يعارض باستصحاب عدم الجعل خلافا لبعض مشايخنا، كما تعرضنا لذلك في محله من الاصول. وهذا بخلاف الاحكام التكليفية الواقعية، فإنه لا طريق غالبا لاحراز إطلاق موضوعها مع الشك في بقائها. إن قلت: الحكم الظاهري لما كان متفرعا شرعا على رأي المفتي كان موضوعه

===============

( 48 )

الرأي، فمع الشك في أن المعتبر فيه شرعا الرأي مطلقا أو لابد من حياة المفتمعه لا يحرز الموضوع بعد الموت، فلا يجري الاستصحاب. قلت: الموضوع الذي يلزم إحرازه في الاستصحاب هو معروض الحكم الذي يحمل عليه في القضية الشرعية، ولا إشكال في عدم أخذ رأي المفتي ولا حياته في الموضوع بالمعنى المذكور، وموضوعيتهما إنما هي بمعنى كونهما علة في ثبوت الحكم الظاهري، فلا يتوقف الاستصحاب على إحرازهما. فلاحظ. ومما ذكرنا سابقا يظهر اختصاص الاستصحاب المذكور - لو تم - بالواجد لشرائط التكليف وحياة المفتي، دون غيره - كالصبي، فضلا عن المعدوم - لان فعلية الاحكام الظاهرية معلقة على الشرائط المذكورة، فيكون استصحابها قبل تماميتها تعليقيا. وأما الثاني - وهو استصحاب الحجية - فقد عرفت أنه لا مانع منه ذاتا، لان الحجية من الاحكام الوضعية المجعولة. إلا أنه قد يشكل بوجهين.. الاول: ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره من عدم بقاء الموضوع، لان موضوع الحجية هو الرأي، ولا رأي للميت عرفا، وإن فرض بقاء الرأي له حقيقة. وفيه: أن موضوع الحجية في الزمان اللاحق هو الرأي بحدوثه سابقا، لا ببقائه، كما تقدم في الدليل الاول للمنع. ومنه يظهر الاشكال في ما ذكره بعض المحققين قدس سره (1) من أنه بناء على أن الحجة على المكلف قطع المجتهد بالحكم الظاهري لا مجال للاستصحاب، للعلم بانكشاف الواقع له نفيا وإثباتا، ولا موضوع معه للحكم الظاهري ليتحقق له القطع به الذي هو موضوع الحجية في حق العامي. نعم، لو كان موضوع الحجية هو ظنونه وإدراكاته للحكم الواقعي كان الاستصحاب في محله لا مكان بقائها بعد الموت ولو بمرتبة أقوى.


____________
(1) المرحوم الشيخ محمد حسين الاصفهانى (قدس سره) في رسالة الاجتهاد والتقليد. (منه).

===============

( 49 )

إذ فيه - مع عدم شموله لما إذا افتى المجتهد بالحكم الواقعي قاطعا به بسبب نظره في الادلة -: أن ذلك إنما يتم لو كان موضوع الحجية هو الرأي بشرط بقائه، بخلاف ما لو كان الحجة هو الرأي بحدوثه فقط بلا حاجة للاستمرار، فإن تبدله بالعلم بالحكم الواقعي لا يمنع من استصحاب الحجية للرأي السابق لبقاء الموضوع. مع أن الرجوع للمجتهد إنما هو لتشخيص الاحكام الظاهرية الثابتة في حق العامي بمقتضى الادلة، لا لتشخيص الاحكام الظاهرية الثابتة في حق المجتهد نفسه، ولذا كان اللازم على المجتهد في مقام الفتوى النظر في الادلة التي يعم دليل حجيتها للعامي دون ما يكون حجة في حق نفسه فقط لو فرض الاختلاف بينهما، وحينئذ فانكشاف الحكم الواقعي للمجتهد بعد الموت لا ينافي حصول القطع له بالحكم الظاهري الثابت بمقتضى الادلة في حق العامي الذي لا يتيسر له العلم بالحكم الواقعي. فتأمل جيدا. الثاني: أن القدر المتيقن من حجية رأي المفتي حين حدوثه هو حجيته في الوقائع المقارنة لحياته، لا مطلقا بنحو يعم الوقائع المتأخرة عن موته، لعدم صحة انتزاع الحجية الا بلحاظ مقام العمل، فمع عدم الابتلاء بالواقعة لا يصح انتزاع الحجية بالاضافة إليها، وليست حجيته بنحو الاطلاق إلا بنحو القضية الحقيقية الراجعة إلى أن كل واقعة لو وقعت لكان رأيه حجة فيها، فليست حجيته المتيقنة في الوقائع المتأخرة إلا تعليقية، حيث إن كل واقعة كانت لو وقعت سابقا - حين حياة المفتي - لكان رأي المفتي حجة فيها، وقد سبق عدم جريان الاستصحاب في القضايا التعليقية غير الفعلية. وفيه: أن المرتكز عرفا كون الحجية من عوارض الحجة المستمرة لها في جميع الوقائع، وأن مصحح انتزاعها هو معرضية المكلف للابتلاء بمؤداها وصلوحه للخطاب به، لا أنها من الامور الانحلالية على حسب الوقائع الفعلية، بحيث تكون كل واقعة مقومة لها ومأخوذة قيدا فيها، ليكون المشكوك مباينا للمتيقن، فهي نظير الولاية لا يصح انتزاعها إلا بلحاظ التصرف في المولى عليه إلا أنه يكفي في صحة

===============

( 50 )

انتزاعها تعرض الشئ. للتصرف وصلوحه له، ولا يتوقف على فعلية الابتلاء بالتصرف. وبالجملة: الشك في المقام في استمرار الحجية المتيقنة للحجة، فيجري الاستصحاب لذلك، لا في حدوث حجية مباينة للحجية المتيقنة، ليمتنع جريانه. وإن كان ذلك محتاجا إلى التأمل. نعم، الظاهر اختصاص الاستصحاب المذكور - لو تم - بمن تمت له شرائط التكليف العامة في حياة المفتي، وكانت الفتوى متيقنة الحجية سابقا في حقه، دون غيره كالصبي ونحوه ممن لم يوضع عليه القلم إلا بعد موت المفتي، فضلا عمن كان معدوما في حياته، لوضوح عدم فعلية حجية الفتوى في حقهم، بل هي مشروطة بتمامية شروط التكليف، لعدم صحة انتزاع الحجية ارتكازا إلا مع كون من قامت عليه الحجة معرضا للتكليف وصالحا للخطاب ولا تنتزع مع فرض رفع القلم عن المكلف فتأمل جيدا. هذا كله في الاصل الشرعي. وأما الاصل العقلي، فلا إشكال في أن مقتضاه عدم حجية فتوى الميت، لاصالة عدم الحجية في كل ما شك في حجيته. لكن هذا إنما يقتضي جواز تقليد الحي إذا كان أعلم منه أو مساويا له، للقطع بحجيته تعيينا أو تخييرا، بناء على ما هو المعروف بينهم من التخيير مع التساوي، وأما لو كان الميت أعلم فاحتمال جواز تقليده مستلزم لاحتمال وجوبه، بناء على وجوب تقليد الاعلم مع الاختلاف، كما يأتي في المسالة السابعة، فلا يعلم حينئذ بجواز تقليد الحي المفضول، بل تتردد الحجة بينهما، ولا معين في البين، لكن أصر غير واحد على تعيين الحي المفضول حينئذ لوجوه.. الاول: ما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره - كما في التقريرات - من أن تعيين الحي مع التساوي - لما تقدم - مستلزم لتعيينه مع كونه مفضولا، لعدم القول بالفصل. وفيه: أن مجرد عدم القول بالفصل لا ينفع ما لم يرجع إلى الاجماع على عدم الفصل،

===============

( 51 )

وعلى التلازم بين الامرين، وهو غير ثابت في المقام. مع أنه إنما ينهض لو كان الدليل في المسألة اجتهاديا، ليكون حجة في لازم مؤداه، ولا ينفع مع الرجوع للاصل، لاختصاص موضوع الاصل بمورده، والتعدي منه للازم مبني على الاصل المثبت، الذي ثبت في محله عدم الاعتماد عليه، خصوصا مع كون الاصل عقليا لا يبتني على التعبد بالملزوم، كما في المقام. الثاني: ما ذكره بعض المحققين قدس سره من أن الاقتصار على الحي ليس لاقربيته للواقع، ليتخيل أن الميت الافضل أقرب، بل لعدم اليقين بالبراءة بتقليد الميت ولو كان أعلم. وفيه: أن الاقتصار على الحي المفضول لا يوجب اليقين بالبراءة أيضا، فلا وجه لترجيحه على الميت الافضل. الثالث: ما ذكره شيخنا الاستاذ (دامت بركاته) من أن احتمال اعتبار الحياة حاكم على اعتبار الاعلمية ومضيق لموضوعه عن شمول الميت، لان الشك في حجية قول الميت يوجب اليقين بعدم حجيته، لما تقدم من أن الشك بالحجية يوجب اليقين بعدمها، فينحصر اعتبار الاعلمية بخصوص الاحياء. وفيه: أنه لا وجه لحكومة احتمال اعتبار الحياة على اعتبار الاعلمية بعد كونهما في مرتبة واحدة، بل يتزاحمان، وكما يمكن حصر اعتبار الاعلمية بخصوص الاحياء، لاحتمال عدم جواز تقليد الميت، كذلك يمكن حصر اعتبار الحياة بخصوص المتساوين في الفضيلة، لعدم جواز تقليد المفضول. نعم، لو كان دليل اعتبار الحياة لفظيا كان حاكما على دليل الترجيح بالاعلمية، لظهور دليل الترجيح في المفروغية عن وجود مقتضي الحجية في أطراف الترجيح، وظاهر دليل اعتبار الحياة عدم وجود مقتضي الحجية في قول الميت، فيخرج عن موضوع الترجيح بالاعلمية، وينحصر الترجيح في غيره ممن هو واجد لمقتضي الحجية، وهذا لا يجري مع كون عدم تقليد الميت للاصل، لعدم احراز مقتضي الحجية فيه، لا لاحراز عدمه، فلاحظ.

===============

( 52 )

وبالجملة: لم يتحصل من كلماتهم ما يمكن الخروج به عما عرفت من الاصل المقتضي لتردد الحجة بين الميت الافضل والحي المفضول، فاللازم البناء إما على التساقط والرجوع للاصول العملية من الاحتياط أو غيره في مورد الخلاف أو على التخيير بين الميت والحي، بناء على المشهور من أنه المرجع عند الدوران بين شخصين وعدم المرجح لاحدهما. هذا كله مع غض النظر عما عرفت من الاصل الشرعي والاجماع، وسيرة العقلاء. وإلا فالاصل الشرعي - لو تم - وارد على الاصل العقلي المذكور، ملزم بتقليد الميت مع كونه أعلم حين حياته. وأما مع مساواته للحي فهو مبني على كون حجية رأي كل من المتساويين فعلية لا معلقة على اختياره، وإلا كان استصحاب حجيته تعليقيا ويأتي بعض الكلام في ذلك في المسألة السابعة. كما أن الاجماع - لو تم - يكون واردا على الاصل الشرعي المذكور، فضلا عن الاصل العقلي، فيلزم تقليد الحي مطلقا ولو كان مفضولا. وإن لم يتم الاجماع المذكور فمقتضى السيرة وجوب تقليد الاعلم حيا كان أو ميتا. وأما مع مساواة الحي للميت واختلافهما في الفتوى فالسيرة حيث كانت قاصرة عن شمول المتعارضين تعين البناء على التساقط، أو تعيين الحي لانه المتيقن بناء على عدم تكليف العامي بالاحتياط وجواز التقليد له حينئذ. فتأمل جيدا. تنبيهان.. الاول: ما ذكرناه هنا من السيرة والاجماع والاصل الشرعي والعقلي جار في الشروط المتقدمة على تفصيل يظهر بالتأمل فيها. وقد أشرنا إلى بعض ذلك فيما سبق، ولم نفصل الكلام في ذلك هناك اكتفاء بما نذكره هنا. الثاني: تقدم منا التشكيك في الدليل على بعض الشروط المتقدمة وأن مقتضى السيرة عدم اعتبارها وذلك لو تم إنما ينفع لو كان فاقدها حين صدور الفتوى

===============

( 53 )

منه أعلم من واجدها. أما لو كان واجدها أعلم فلا إشكال في أن مقتضى السيرة الرجوع له. وأما لو كانا متساويين فحيث كان الظاهر قصور السيرة في الرجوع لاهل الخبرة مع التساوي في العلم والاختلاف في الفتوى تعين الرجوع للاصل الشرعي لو تم موضوعه على التفصيل المتقدم، وإلا كان اللازم الرجوع لمقتضى الاصل العقلي، وهو مانع من الرجوع لفاقد الشروط، لعدم اليقين بحجيته، بل يتعين الرجوع للواجد، لانه المتيقن بناء على عدم وجوب الاحتياط على العامي عند اختلاف أهل الفتوى. بل يتعين حينئذ اعتبار كل ما احتمل أخذه شرعا في المفتي وإن لم تساعده الادلة، كطهارة المولد والحرية وغيرها. كما أن بعض ما يأتي في البقاء على تقليد الميت جار في الشروط المتقدمة أيضا، كما يظهر بالتأمل. فلاحظ والله سبحانه وتعالى العالم. تتميم.. تعرض غير واحد لشروط اخر أهملها سيدنا المصنف قدس سره لا بأس بالكلام فيها.. الاول: الحرية، فقد أشار السيد الطباطبائي قدس سره في العروة الوثقى إلى قول بعضهم بإعتبارها، بل قال سيدنا المصنف قدس سره: (فهو المحكي عن ثاني الشهيدين، بل قيل: إنه مشهور). لكن يدفعه عموم السيرة العقلائية الارتكازية والاطلاقات المتقدمة الظاهرة في إمضائها. قال سيدنا المصنف قدس سره: (وبعض الاستحسانات المقتضية لاعتبارها - مثل كونه مملوكا لا يقدر على شئ.، وكونه مولى عليه - لا تصلح للاعتماد عليها في الردع وتقيد المطلق). الثاني: طهارة المولد، فقد صرح به في الرياض، وذكره السيد

===============

( 54 )

الطباطبائي قدس سره في العروة الوثقى، وأمضاه جماعة من محشيها - منهم سيدنا المصنف قدس سره - بل عن الروضة الاجماع عليه. ومن الظاهر أن عموم السيرة الارتكازية والاطلاقات تدفعه. نعم، قد يخرج عنها.. تارة: بالاجماع المذكور، كما قد يظهر من سيدنا المصنف قدس سره. واخرى: بما ذكره بعض مشايخنا من أن التولد من الزنا منقصة، ولا يرضى الشارع بزعامة من له منقصة بوجه. لكن الاول لم يثبت بنحو معتد به في إثبات الحكم الشرعي، كما يظهر بملاحظة ما تقدم في أكثر الشروط السابقة. ولاسيما مع قرب استناده لبعض الاستحسانات أو قياسه على الشهادة والامامة في الصلاة. والثاني يشكل بعدم وضوح ترتب حجية الفتوى على الزعامة، كما تقدم عند الكلام في اعتبار العقل. هذا، وأما بناء على كفر ولد الزنا فما تقدم في اعتبار الايمان جار فيه. بل قد يقال: ان التأمل في ما ورد في ولد الزنا، وأنه لا ينجب، وما يظهر من مجموع النصوص الواردة في عدم قبول شهادته وإمامته في الصلاة يوجب الوثوق بأن المنع من شهادته وإمامته لعدم نجابته وعدم أهليته للتصديق والعدالة وإن كان ثقة في نفسه بحسب نظر الناس، وذلك صالح للردع عن عموم السيرة في المقام، لابتنائها على الثقة به. وإن شئت قلت: ملاحظة مجموع النصوص المذكورة والمرتكزات المتشرعية توجب الوثوق بأن جهة المنع من إمامته وشهادته لا تختص بهما، بل تعم المقام، كما تعم الرواية ونحوها مما يبتني على الثقة، فيكون الاجماع المدعى في المقام ارتكازيا صالحا للحجية، وإن كان الامر لا يخلو عن إشكال. الثالث: أن لا يكون مقبلا على الدنيا طالبا لها مكبا عليها مجدا في تحصيلها، فقد ذكر ذلك السيد الطباطبائي قدس سره في العروة الوثقى، مستشهدا بالخبر المتقدم عن

===============

( 55 )

الاحتجاج، المتضمن لقوله عليه السلام: (فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه) (1)، لظهوره في حصر مرجع التقليد بواجد الصفات المذكورة. وفيه - مع ضعف سنده - أن الظاهر رجوع الصفات المذكورة إلى أمر واحد وهو حفظ الدين المساوق للعدالة، كما نبه له غير واحد من محشي العروة الوثقى، وتقدم عند الكلام في اعتبار العدالة، ويناسبه ما في ذيله من قوله عليه السلام: (وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم، فإن من ركب من القبايح والفواحش مراكب علماء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا، وإنما كثر التخليط في ما يتحمل عنا أهل البيت لذلك، لان الفسقة... الخ). وإلا فلو اريد من صيانة النفس ومخالفة الهوى العموم لزم قادحية فعل المكروهات، بل المباحات لمجرد الهوى، لا خصوص الاقبال على الدنيا والاكباب عليها، كما ذكره قدس سره، ولا يظن منه ولا من غيره الالتزام به. نعم، لا يبعد أن يكون الاكباب بالوجه المذكور كثيرا ما يمنع من الوثوق بالعدالة، ككثير من الامور التي تكشف عن ضعف نفس الانسان وعدم مقاومته للمغريات، ويأتي في المسألة التاسعة عشرة إن شاء الله تعالى أنه لا يكفي في إحراز العدالة في مرجع التقليد حسن الظاهر الحاصل بمجرد عدم ظهور المعصية من الشخص بعد معاشرته، بل لابد من العلم العادي بها بسبب المخالطة ونحوها، أو قيام البينة عليها. فلاحظ. الرابع: الضبط بالمقدار المتعارف، فقد صرح بذلك بعض مشايخنا في بعض فتاواه. والظاهر أن مراده به ضبط الادلة في مقام الفتوى وعدم الاضطراب فيها والخروج عن مقتضاها زيادة في الغفلة. وهو بهذا المعنى مفروغ عن اعتباره بينهم ظاهرا، لقصور السيرة العقلائية عن غير الضابط، وقد ذكرنا غير مرة أن الاطلاقات الشرعية قاصرة عن غير موردها،


____________
(1) الوسائل ج 18، ص 94، باب: 10 من أبواب صفات القاضى، حديث 20.

===============

( 56 )

لورودها في مقام إمضائها. على أنه لا يبعد توقف صدق العناوين المأخوذة في الادلة الشرعية - كالفقيه والعالم وأهل الذكر وغيرها - على الضبط، ولا يكفي فيها عرفا الجزم بالحكم مع العجز عن ارجاعه لمدركه للاضطراب فيه. بل لا يبعد توقف الاجتهاد بحسب تعريفهم له على الضبط بالمقدار المتعارف، إذ مع عدمه لا يكون الاستنباط عن الادلة التفصيلية، بل هو من سنخ الجزاف. هذا في أصل تقليد غير الضابط، وأما مع فرض اختلافه مع الضابط فلا ريب في أعلمية الضابط، الموجبة لتقديمه، كما يأتي في المسألة السابعة إن شاء الله تعالى. الخامس: أن يكون طريقه في الاستنباط الادلة المتعارفة من الكتاب والسنة ونحوهما، دون مثل الرمل والجفر ونحوهما من الطرق غير المألوفة عند العقلاء، كما أشار إلى ذلك شيخنا الاعظم قدس سره في مباحث القطع وغيره. والعمدة فيه قصور السيرة المشار إليها، لعدم اعتماد العقلاء على الطرق المذكورة، فلا يرون من يعتمد عليها من أهل الخبرة، ولا يعدونه عالما يصح للجاهل الرجوع له، وإن كان معذورا لو فرض حصول القطع له. كما أنه لا يظن من أحد دعوى حجيتها شرعا، لتكون مؤدياتها وظائف شرعية ظاهرية يجب الرجوع لاهل الخبرة في تشخيصها، بل غاية ما يدعى حصول القطع للناظر فيها، وحجيته مختصة بمن حصل له. وأما ما ذكره بعض مشايخنا من قصور الادلة الشرعية عن شمول مثله، لظهورها في لزوم الرجوع إلى أهل الذكر والناظر في الحلال والحرام ممن أخذها عن أئمة الدين عليهم السلام بحيث يكون ناظرا فيها. ففيه: أولا: أنه لاريب في صدق الناظر في الحلال والحرام على الشخص المذكور، لاطلاقه من حيث طريق النظر. وأما ما يظهر من الادلة من اختصاصه بحديثهم عليهم السلام فلا بد من الخروج عنه وحمله على كون اعتباره لاجل كونه طريقا إلى معرفة حكمهم علهم السلام وأن المعيار هو

===============

( 57 )

[ مسألة 6: إذا قلد مجتهدا فمات، فإن كان أعلم من الحي وجب البقاء على تقليده (1)، ] معرفة حكمهم عليهم السلام بأي طريق كان، كيف ولاريب في جواز الاعتماد على الكتاب والاجماع ونحوهما مما يعرف به حكمهم عليهم السلام من دون نظر في حديثهم. بل لا ينبغي التأمل في جواز الاخذ ممن يعتمد على الطرق التي هي محل الكلام لو كان راجعا إلى دعوى حجيتها، لا إلى مجرد حصول القطع منها. وثانيا: أن الادلة الشرعية غير ظاهرة في الحصر بنحو يقتضي المنع من الرجوع لغير من تضمنته، كما تقدم في مسألة اعتبار العقل في المفتي، فهي لا تنهض بالمنع عن الرجوع لمن يعتمد الطرق المذكورة لو فرض عموم سيرة العقلاء له. فالعمدة ما ذكرنا من قصور السيرة المذكورة. (1) كما هو مقتضى ما عرفت من سيرة العقلاء على عدم دخل الحياة في حجية رأي المفتي، وما يأتي في المسألة السابعة من سيرتهم على تعيين الاعلم عند اختلاف المجتهدين، ولا مخرج عن ذلك إلا ما تقدم في التقليد الابتدائي من الوجوه التي عرفت أن عمدتها الاجماع المدعى. وقد استظهر شيخنا الاعظم قدس سره عدم الفرق فيه - كأكثر أدلة المسألة - بين التقليد الابتدائي والاستمراري. نعم، عرفت الاشكال في الاستدلال بالاجماع المذكور، وخصوصا في مسألة البقاء، حيث خرج عنه جمع من الاصحاب من المتأخرين عن نقلة الاجماع مما يظهر منه عدم ثبوت الاجماع عندهم على المنع فيها، بل ظاهر الجواهر شيوع الخلاف فيه فقد ذكر أن الاصحاب بين قائل بحرمة البقاء وقائل بوجوبه، وقائل بالتخيير، واختاره هو، وفي محكي كلام الصدر قرب عدم بطلان التقليد بموت المجتهد، ونسبه لبعض معاصريه، بل حكي في الجواهر التخيير عن ظاهر المحقق الثاني قدس سره في الجعفرية، مع أنه من أقدم نقلة الاجماع على المنع من تقليد الميت، وإن لم أتحقق ذلك منه، إذ لم أعثر فيها إلا على ما تقدم نقله الظاهر في التردد في أصل

===============

( 58 )

اعتبار الحياة، فراجع. ومن ثم ذكر غير واحد أن المتيقن من الاجماع هو التقليد الابتدائي. لكن يبعد حمل كلام نقلة الاجماع على خصوص الابتدائي ولاسيما مع شيوع الابتلاء بالتقليد الاستمراري، بل هو مما ياباه كلام بعضهم جدا. فالبناء على خروج من جوز البقاء على الاجماع المذكور ومخالفتهم له ولو لغفلتهم عنه أولى من ذلك، وأولى منه للبناء على الاجماع بنظرهم ليس بالغا مرتبة الدليلية والحجية في مقابل الادلة والاصول، بل يلزم الخروج عنه بها لو خالفته، وإنما وافقوه في التقليد الابتدائي لاجل ما استوضحوه من الوجوه، لا لحجيته تعبدا، كما تقدم منا تقريبه. فراجع. وكيف كان، فلا مجال للاعتماد على الاجماع المذكور خصوصا في المقام بعدما عرفت من شيوع الخلاف، فلا مخرج عما عرفت من السيرة المقتضية لوجوب البقاء في الفرض، مضافا إلى ما عرفت من استصحاب الحجية، بناء على ما تقدم الكلام فيه. بل لعله مقتضى سيرة المتشرعة من الصدر الاول، كما أشرنا إليه في التقليد الابتدائي، وقد ذكره سيدنا المصنف قدس سره هنا مع إنكاره لها هناك، وإن كان الفرق بين المقامين في غاية الاشكال، بل المنع، فراجع. ومنه يظهر الاشكال في إطلاق القول بالتخيير بين البقأ والعدول، كما تقدم من الجواهر اختياره وحكايته عن غيره. اللهم إلا أن يبتني على القول بعدم وجوب تقليد الاعلم عند الاختلاف، وجواز العدول من أحد المجتهدين إلى الاخر مطلقا، كما يظهر من الجواهر، فيتجه حينئذ، لكن المبنى المذكور ضعيف، كما يأتي إن شأ الله تعالى. وما ذكرناه في الاستدلال هو العمدة، دون ما ذكره بعض مشايخنا من حكم العقل بالتعيين عند دوران الامر بينه وبين التخيير، فإنه إنما يكون دليلا على وجوب البقاء على تقليد الاعلم فيما لو علم بجواز البقاء، كما لو كان الاعلم حيا، لا في مثل

===============

( 59 )

المقام مما احتمل فيه وجوب العدول، لاحتمال مانعية الموت مطلقا، ودلالة الاطلاقات على عدم مانعيته لا تنفع بعد قصور الاطلاقات عن صورة التعارض بين المجتهدين واختلافهم في الفتوى. ثم إنه سبق من بعض مشايخنا الاستدلال على عدم جواز تقليد الميت ابتداء بقصور الادلة الشرعية عنه، لانه قد اعتبر في المرجع عناوين خاصة، كالفقيه والعالم وأهل الذكر، وهي لا تصدق على الميت، ومع ذلك التزم بجواز البقاء على تقليده بدعوى: أن إطلاق الادلة المذكورة إنما يقتضى اعتبار العناوين المذكورة حين الرجوع للمجتهد، لا حين العمل بقوله، بل مقتضى إطلاقها حجية قوله بعد الرجوع له ولو في ما يتجدد من الوقائع بعد موته. ومن ثم قال: (يكفي في جواز البقاء على التقليد أو وجوبه تعلم الفتوى للعمل وكونه ذاكرا لها). وكأن اعتبار تذكره لها لانه لو نسيها يكون تعلمه لها رجوعا جديدا، فلا يجوز إذا كان المرجع ميتا لعدم صدق العناوين المذكورة عليه. وفيه: أولا: أنه لا إشكال في عدم أخذ عنوان الرجوع شرطا في حجية فتوى المفتي، بل تكون فتواه حجة ولو لم يرجع إليه، ولذا يكون المكلف مقصرا لو لم يرجع لواجد الشرائط، وليس الرجوع الا عنوانا منتزعا من متابعة المجتهد في العمل التي هي من آثار حجية فتواه المتفرعة عليها، ومثلها وجوب سؤاله والاخذ منه وتقليده وغير ذلك، مما اشتملت عليه الادلة الشرعية، فهي بأجمعها من آثار الحجية لا من شروطها. وحينئذ فإن استفيد من الادلة اعتبار العناوين المذكورة - من العالم والفقيه وغيرهما - حين صدور الفتوى - كما سبق تقريبه - تعين جواز الرجوع للميت ابتداء، وإن استفيد منها اعتبارها حين العمل بالفتوى تعين المنع من البقاء على تقليده. نعم، قد يقال: إن وجوب الرجوع وإن كان متفرعا على الحجية ثبوتا، إلا أنها متفرعة عليه إثباتا، لانها استفيدت من أدلته، وحينئذ فالمتيقن هو حدوث الحجية

===============

( 60 )

عند توجه الخطاب بالرجوع للمفتي، فلابد في إحراز حدوثها من صدق جميع ما اخذ في المرجع من العناوين، كالعالم والفقيه وغيرهما، فإذا احرزت الحجية تبعا لذلك كان مقتضى إطلاق الادلة ثبوتها بعد الرجوع حتى بالاضافة إلى الوقائع اللاحقة التي ينسلخ فيها المرجع عن الشرائط المعتبرة في حدوث الرجوع له. ولا مجال لاثبات حدوث الحجية لفتوى من لا تنطبق عليه الشرائط المعتبرة في المرجع فعلا، وإن كان واجدا لها قبل ذلك، لعدم شمول أدلة وجوب الرجوع له حينئذ، حتى يستفاد منها حجية فتواه. لكن هذا - لو تم وغض النظر عما تقدم في مبحث اعتبار العقل في المفتي من أن ظهور الادلة في إمضاء السيرة موجب لظهورها في حجية فتوى العالم وإن زال علمه بعد ذلك، كما في الرواية - لا يقتضي اعتبار فعلية الرجوع حين وجود العناوين المذكورة، بل فعلية التكليف بالرجوع تبعا لها، فمن وجب الرجوع له، لكونه واجدا لها كانت فتواه حجة مطلقا حتى بالاضافة إلى الوقائع اللاحقة بعد انسلاخه عنها، سواء رجع إليه المكلف، أم لم يرجع تقصيرا أو قصورا. وثانيا: أن إطلاق الادلة وإن كان يقتضي عدم الفرق بين الوقائع في حجية الفتوى، إلا أنه لا ينفع ما لم يكن لها إطلاق أحوإلي يقتضي بقأ الحجية واستمرارها بعد موت المفتي وانسلاخ العناوين المذكورة عنه، إذ لابد من إحراز الحجية حين العمل، ولا يكفي في الاجتزاء بالعمل ثبوت الحجية المطلقة قبله، ولا مجال لاحراز استمرار الحجية بالوجه المذكور من الادلة المذكورة. بل المتيقن منها ثبوت الحجية حين الخطاب بالرجوع إليه وسؤاله والاخذ منه المفروض أخذ العناوين الخاصة فيه. نعم، بناء على ما ذكرنا من أن المستفاد من الادلة المذكورة هو حجية الفتوى الصادرة من العالم فمقتضى الاطلاق بقاء حجيتها، لعدم انقلابها عما وقعت عليه وعدم انسلاخ العنوان المعتبر في حجيتها عنها، ولازمه جواز تقليد الميت مطلقا ولو ابتداء.

===============

( 61 )

إن قلت: يكفي في ذلك مثل آية سؤال أهل الذكر، فإن وجوب السؤال فيها مختص بالواقعة الاولى، إذ لا معنى لوجوبه بعد العلم بالفتوى، فلو كانت الحجية تابعة لوجوب السؤال حدوثا وبقاء لزم عدم حجية الفتوى حتى في الواقعة الاولي، لسقوط وجوب السؤال بتحقق السؤال قبل العمل، فلابد من أن يكون حدوث وجوب السؤال كاشفا عن حدوث الحجية وبقائها، وحينئذ فمقتضى الاطلاق بقاء الحجية واستمرارها لجميع الوقائع حتى المتجددة بعد موت المفتي. قلت: لما كان وجوب السؤال طريقيا لاجل العمل كان الظاهر منه الحجية بلحاظ ما هو محل الابتلاء من الوقائع التي يتنجز حكمها، ويجب السؤال لاجلها لا غير. فكل واقعة تقع مورد الابتلا يتحقق موضوع وجوب السؤال عن حكمها، فيستكشف منه حجية الجواب والفتوى فيها فقط، ولا إطلاق يقتضي بقاء الحجية واستمرارها في غير الواقعة التي هي محل الابتلاء ووجب طريقيا السؤال عنها. وعدم وجوب السؤال في الوقائع اللاحقة المتجددة في حياة المفتي مع العلم بالفتوى بسبب السؤال في الواقعة الاولى ليس لعدم تحقق موضوع وجوب السؤال في الوقائع المذكورة، ليمتنع استكشاف الحجية فيها - ويتعين استكشافه من وجوبه في الواقعة الاولى - بل لاجل عدم الفائدة في السؤال، نظير ما لو سبق منه تعلم الفتوى لا لاجل العمل - ولو لعدم كون المفتي أهلا للتقليد حينئذ - فإنه لو أراد الرجوع إليه بعد ذلك لا يجب سؤاله، إلا أن تحقق موضوع وجوب السؤال في حقه بسبب ابتلائه بالواقعة واحتياجه للفتوى لاجل العمل كاف في استكشاف الحجية حينئذ. وبعبارة اخرى: الحجية إنما تستكشف من تحقق موضوع وجوب السؤال وإن لم يجب فعلا بسبب عدم الفائدة فيه، لسبق العلم بالفتوى - ولو لا لاجل العمل - ومن الظاهر أن موضوعه ليس هو عدم العلم بالفتوى، بل عدم العلم بالواقع مع الحاجة للفتوى في مقام العمل، للابتلاء بالواقعة مع أهلية المفتي، ومن الظاهر أن الموضوع المذكور حاصل في كل واقعة متجددة في حياة المفتي، فيستكشف منه حجية الفتوى فيها لا غير، فإذا خرج المفتي عن الاهلية، لانسلاخ العنوان عنه بموت

===============

( 62 )

ونحوه ارتفع موضوع وجوب السؤال، فلا مجال لاستكشاف حجية الفتوى بالاضافة إلى الوقائع المتجددة بعد ذلك، فتأمل جيدا. وثالثا: أن ما ذكره في تحديد الرجوع - الذي جعله المعيار في المقام - غير ظاهر، فإن ظاهر ما اشتمل على عنوان الرجوع - مثل قوله عليه السلام: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم...) لو سلم كونه من أدلة المسألة - هو كون الرجوع بمعنى الاعتماد على الفتوى في مقام العمل، لا تعلم المسائل بالنحو المذكور في كلامه. مع أنه ظاهر في أن الرجوع أمر انحلالي بحسب الوقائع، فلكل واقعة رجوع مستقل، فلو فرض اعتبار الحياة في المرجع كان اللازم عدم جواز البقاء على تقليد الميت. نعم، قد يطلق الرجوع في عرف المتشرعة ويراد به الالتزام والبناء على متابعة المفتي، كما قد يطلق التقليد على ذلك - على ما تقدم في المسألة الرابعة - فيكون الرجوع في جميع المسائل واحدا مستمرا مع تعاقبها. لكنه - مع عدم ظهور الادلة في إرادته - لا يتوقف على تعلم المسائل ابتداء، فضلا عن تعلمها بعد نسيانها. وأما آية الذكر المتضمنة لعنوان السؤال فهي - مع عدم كونها من أدلة المسألة، كما تقدم، وقد يظهر من بعض مقرري درسه اعترافه به - لا تقتضي ما ذكره، لان الامر بالسؤال لما كان طريقيا لاجل العمل، كان مختصا بصورة الابتلاء بالمسألة، ولا تكليف قبله بالسؤال. والاجتزاء حين العمل بتعلم الفتوى قبل ذلك، لاجل الاستغناء به عن السؤال، لا لاجل وجوب السؤال قبل ذلك، ولذا يستغنى بالعلم لا لاجل العمل، بل صدفة - ولو مع عدم أهلية المفتي للتقليد - مع أنه لم يكتف به في صدق الرجوع المصحح للبقاء، وحينئذ يلزم التفصيل بين المسائل التي ابتلى بها ووجب عليه السؤال عن حكمها وغيرها. وأما آية النفر فهي تقتضي حجية الفتوى والانذار من الفقيه، من دون تعرض

===============

( 63 )

[ في ما عمل به من المسائل وفي ما لم يعمل (1)، ] للرجوع أو لتعلم المسائل أو غيرهما، فلو فرض كون صدق عنوان إنذار الفقيه كافيا في الحكم بالحجية ولو بالاضافة إلى الوقائع اللاحقة لزم حجية فتوى الفقيه في حق من كانت فتواه حجة عليه حين حياته، بحيث كان يجب عليه الحذر بانذاره وإن لم يرجع إليه ولا تعلم فتاواه. نعم، لابد من تخصيص ذلك بخصوص ما ابتلى به من المسائل، لان وجوب الحذر طريقي كوجوب السؤال، فلا يكون فعليا مع عدم الابتلاء بالمسألة، كما تقدم في آية الذكر. وبالجملة: ما ذكره في تحديد الرجوع الذي جعله المعيار في التفصيل غير ظاهر الوجه، كأصل التفصيل. (1) فإن التقليد وإن كان هو العمل بالفتوى، إلا أنه حيث سبق أن وجه المنع من التقليد الابتدائي ينحصر بالاجماع - لو تم - كان اللازم الاقتصار على المتيقن منه، وقد عرفت في المسألة الرابعة إجمال معقد الاجماع من هذه الجهة، فلا يكون حجة في صورة الالتزام من دون عمل، ويتعين الرجوع فيها إلى مقتضى سيرة العقلاء من حجية فتوى الميت حينئذ. وهو مقتضى الاستصحاب أيضا بناء على جريانه في المقام على ما تقدم. وأما سيرة المتشرعة فالمتيقن منها - لو تمت - صورة العلم بالمسألة، بل ربما قيل: إن المتيقن منها صورة العلم والعمل معا، وهو غير ظاهر كما يظهر بمراجعة ما تقدم في تقريرها مع ظهور كثرة تعلم المسائل لاجل العمل بها في وقت الابتلاء مع عدم فعلية الابتلاء بها. نعم، لا ريب في أنه لا يكفي في جريان حكم التقليد عندهم مجرد حجية رأي الميت في حال حياته تخييرا أو تعيينا - لكونه مساويا لغيره أو أعلم - فانه وإن كفت موافقته حال حياته من دون التزام، إلا أنه لو فرض عدم تقليده عصيانا أو اكتفاء

===============

( 64 )

بالاحتياط فتقليده بعد موته يكون تقليدا ابتدائيا داخلا في معقد الاجماع على المنع لو تم، لان التقليد عندهم أمر زائد على الحجية متقوم بالالتزام أو المتابعة في العمل. بل لا تكفي فيه الموافقة احتياطا في موافقة الحجة، لا بما هو حجة تجوز متابعته، فمن احتاط في عمله بين شخصين لانحصار الاعلم بهما لا يكون مقلدا لكل منهما، فلو مات أحدهما جاز تقليد الاخر، لانحصار الاعلم الحي به، بناء على الاجماع المدعى على عدم جواز تقليد الميت ابتداء، ويكون ذلك تقليدا ابتدائيا للحي لا بقاء على تقليده. وأما توهم: أن الاحتياط السابق كان تقليدا للاعلم منهما، فاحتمال كونه الميت موجب لاحتمال وجوب البقاء على تقليده وعدم جواز تقليد الحي، فيتعين البقاء على الاحتياط بينهما، كما كان حين حياتهما معا. فهو مدفوع بأن التقليد الذي هو محل كلامهم في المقام نحو من العلاقة بين المجتهد والعامي منتزعة من المتابعة أو الالتزام لا تقوم بعنوان الاعلم، بل بالشخص، وليس العنوان المذكور إلا تعليليا، كما أنه لا يكفي فيه محض الموافقة احتياطا، كما ذكرنا. ولذا لو انكشف أعلمية الميت في الفرض بعد موته لم يجز تقليده بناء على الاجماع المذكور، لكونه تقليدا ابتدائيا، لا استمراريا. نعم، لو فرض تقليد شخص معين كزيد واشتبه بين شخصين ثم مات أحدهما كان البقاء على الاحتياط بينهما متعينا، لما ذكر. كما يتجه ذلك أيضا لو فرض أخذ عنوان الاعلم في التقليد لمحض الحكاية عن الشخص بخصوصيته، لا لقيام التقليد به. لكن لا ملزم بذلك، بل يكفي موافقة كل منهما احتياطا من دون تقليد لكل منهما، لعدم الدليل على وجوب ما زاد على موافقة الحجة. وتوهم لزوم التقليد حينئذ محافظة على متابعة الاعلم منهما التي قد تفوت بموت أحدهما مع عدم سبق التقليد، بناء على ما ذكرنا. مدفوع بأن متابعة الاعلم لا تفوت بذلك، بل تكون غير واجبة أو غير جائزة

===============

( 65 )

[ وان كان الحي أعلم (1) وجب العدول إليه (2)، وإن تساويا في العلم تخير بين العدول ] لسقوطه عن الحجية شرعا بسبب موته، ولا محذور في ذلك، وإنما المحذور في تفويت متابعته مع حجيته ووجوب متابعته. هذا كله لو كان الفرق بين التقليد الابتدائي والاستمراري هو الاجماع، وأما لو كان هو جريان استصحاب الحجية في الثاني دون الاول اتجه حينئذ الاكتفاء بحجية فتوى الشخص حين حياته ولو مع عدم تقليده عصيانا، فضلا عما لو كان مع الاحتياط بين الشخصين. لكن - لو تم - الاستصحاب في نفسه لم يصلح للفرق مع عموم سيرة العقلاء المشار إليها، وليس هناك ما يصلح للخروج عن السيرة المذكورة إلا الاجماع المدعى، وهو لو تم فموضوعه التقليد بالمعنى المتقدم، ولا يكفي فيه مجرد الحجية، كما ذكرنا. (1) بأن تجددت أعلميته بعد موت المفتي الاول، وإلا وجب العدول إليه قبل موته، بناء على وجوب تقليد الاعلم. (2) لما تقدم من سيرة العقلاء على تعيين الاعلم عند الاختلاف. وبه يخرج عن مقتضى الاستصحاب المتقدم لو تم. ولا وجه لاطلاق التخيير بين البقاء والعدول، كما سبق من الجواهر. إلا أن يبتني على عدم تعيين الاعلم عند الاختلاف وجواز العدول من أحد المجتهدين للاخر مطلقا، كما تقدم في الصورة الاولى. وأما إطلاق وجوب البقاء - كما تقدم نقله في الجواهر - فلعله مبتن على عدم وجوب تقليد الاعلم وعدم جواز العدول من أحد المجتهدين للاخر مطلقا. ومنه يظهر أنه لا مجال لما ذكره بعض مشايخنا من الاستدلال على وجوب العدول بأنه مقتضى حكم العقل بالتعيين عند الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية.

===============

( 66 )

[ والبقاء (1)، والعدول أولى (2)، والاخذ بأحوط القولين أحوط استحبابا (3). ] فإنه إنما يتجه مع العلم بجواز العدول، لا في مثل المقام مما احتمل فيه وجوب البقاء مطلقا، بل المقام يكون مما يحتمل فيه تعيين كل من الطرفين بخصوصيته الذي يلزم فيه التساقط والرجوع للاصول، أو التخيير بناء على ما عرفت من الاجماع على جواز التقليد للعامي وعدم تكليفه بالرجوع للاصول. فالعمدة ما عرفت من السيرة على تعيين الاعلم. (1) أشرنا آنفا إلى قصور سيرة العقلاء عن صورة تساوي المجتهدين واختلافهما كما أن الاطلاقات لو تمت تقصر عن ذلك، لامتناع التعبد بالمتعارضين، وحينئذ فإن قيل بجريان الاستصحاب في المقام لعدم كونه تعليقيا على ما سبق الكلام فيه كان اللازم البقاء على تقليد الميت استصحابا لحجية فتواه، وعدم حجية فتوى الحي وإلا كان اللازم تساقط الفتويين والرجوع إلى الاصول من الاحتياط وغيره، لولا ما قيل من الاجماع على جواز التقليد للعامي وعدم تكليفه بالاحتياط وغيره، كما يأتي في المسألة السابعة. وحينئذ فإن قيل بجواز العدول حال الحياة جاز العدول بعد الموت بلا إشكال، وكذا لو قيل بعدمه - كما يأتي في المسألة الثالثة عشرة - لعدم المرجح لاحدهما، كي يكون هو المتيقن ويتعين على ما هو الاصل عند الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية، لان احتمال عدم جواز العدول مقابل باحتمال عدم جواز البقاء على تقليد الميت. هذا وحيث صرح قدس سره بعدم الرجوع للاستصحاب في المقام اتجه منه البناء على التخيير، كما انه حيث عرفت قوة احتمال الرجوع له كان البقاء لازما أو أولى. (2) كأنه لشهرة القول بوجوبه، لكن عرفت أن البقاء لازم أو أولى. (3) لا خصوصية للمقام في ذلك، فإنه إن بني على التشكيك في الاجماع

===============

( 67 )

[ مسألة 7: إذا اختلف المجتهدون في الفتوى وجب الرجوع إلى الاعلم (1). ] على جواز التقليد للعامي كان الاحتياط بالاخذ بأحوط القولين لزوميا، نظير ما يأتي منه في المسألة الثامنة. وإن قطع بمضمونه قطع بحجية قول من يختار قوله ولا يبقى وجه لحسن الاحتياط بالاخذ باحوط القولين إلا حسن الاحتياط عقلاء بلحاظ إصابة الواقع المحتمل، الذي يجري حتى لو كان الاحوط هو قول المفضول أو الفاسق أو غيرهما ممن يحتمل اصابة قوله للواقع مع القطع بعدم حجيته وحجية القول المخالف للاحتياط، بل يجري في مجرد الاحتمال وإن لم يفت أحد بمضمونه. تنبيه.. لو عدل من الميت إلى الحي، فإن كان العدول مشروعا - كما في صورة كون الحي أعلم، أو كونهما متساويين، بناء على ما تقدم من سيدنا المصنف قدس سره - فبناء على عدم جواز تقليد الميت ابتداء يتجه عدم جواز الرجوع للميت هنا، سواء كان الحي حافظا لشرط جواز تقليده - كما لو فرض مساواته للميت - أم فقده بعد وجوده - كما لو تسافل فصار الميت أعلم منه - لان ذلك من التقليد الابتدائي. وإن لم يكن العدول مشروعا - ولو كان عن عذر، كم لو تخيل خطأ أعلمية الحي - اتجه جواز الرجوع إليه، بل وجوبه، لخروجه عن المتيقن من الاجماع المدعى على عدم جواز تقليد الميت ابتداء، الذي عرفت أنه لو تم فهو عمدة الدليل على المسألة. (1) كما صرح به غير واحد من الاعاظم وحكي عن جماعة منهم، بل في التقريرات أنه المعروف بين أصحابنا، وعن النهاية أنه قول من وصل الينا كلامه من الاصوليين، وفي المعالم أن تعيين الارجح في العلم والعدالة هو قول من وصل إلينا

===============

( 68 )

كلامهم من الاصحاب. وعن المحقق الثاني دعوى الاجماع على تعيين الاعلم وقد يستظهر من كلام البهائي قدس سره، وعن ظاهر السيد قدس سره في الذريعة كونه من مسلمات الشيعة. ومع ذلك فقد ذكر في التقريرات أنه حدث لجماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني قدس سره قول بالتخيير بين الاعلم وغيره، ثم قال: (وصار إليه جملة من متأخري أصحابنا حتى صار في هذا الزمان قولا معتدا به). وهو الذي أصر عليه في الجواهر في كتاب القضاء، وجعله في الفصول أوضح، ويستفاد منهما ومن غيرهما الاستدلال له بوجوه.. الاول: إطلاق أدلة التقليد كتابا وسنة. قال سيدنا المصنف قدس سره: (بل حمل مثل آيتي النفر والسؤال على صورة تساوي النافرين والمسؤولين في الفضيلة حمل على فرد نادر). ويشكل بما ذكره غير واحد من امتناع شمول إطلاقات الحجية للمتعارضين، لاستلزامه التعبد الظاهري بالضدين أو النقيضين، وهو ممتنع بملاك امتناع جعلهما واقعا، فإن الاحكام لما كانت متقومة بنحو اقتضائها لعمل المكلف كانت متضادة في أنفسها، لان لكل منها نحو اقتضاء للفعل من قبل المولى لا يناسب اقتضاء الاخر له، فامتنع لاجل ذلك جعلها ثبوتا، وذلك جار في التعبد الظاهري بالحكمين المتضادين إثباتا، لان التعبد الظاهري بالحكم متقوم بنحو من الاقتضاء للفعل في مقام العمل يناسب اقتضاء الحكم الواقعي المتعبد به له، فإذا امتنع الجمع بين الحكمين الواقعيين امتنع التعبد بهما معا في مقام العمل ظاهرا. إن قلت: يمكن التعبد بالمتعارضين معا تخييرا، ومرجعه إما إلى تقييد حجية كل منهما باختيار المكلف له، فكل منهما لا يكون حجة في عرض حجية الاخر، ليلزم التعبد بالمتضادين أو المتناقضين، بل الحجية الفعلية مختصة بأحدهما لا غير، وإما إلى جعل كل منهما حجة للمكلف وجعل مجموعهما حجة عليه، فله العمل على كل منهما وليس له الخروج عنهما.

===============

( 69 )

وحينئذ فظاهر الاطلاقات وإن كان هو حجية كل فرد من أفراد الحجة تعيينا، بحيث لا يجوز مخالفته مطلقا، إلا أن امتناع ذلك في المتعارضين لا يستلزم خروجهما عن الاطلاقات رأسا، بل لما أمكن حجيتهما تخييرا - بأحد الوجهين المتقدمين - كان هو المتعين، اقتصارا في الخروج عن إطلاقات أدلة الحجية على المتيقن. لكن لا بنحو تكون الحجية التخييرية مستفادة من الاطلاقات، بل بنحو تكون الاطلاقات دالة على أصل الحجية فيهما، وتكون الخصوصية المذكورة مستفادة من الدليل الخارجي، وهو المانع العقلي من حجيتهما تعيينا، فيكون البناء على الحجية التخييرية فيهما مقتضى الجمع بين الاطلاقات والمانع المذكور. قلت: كما يمكن الجمع بين الاطلاقات والمانع المذكور بالحمل على الحجية التخييرية كذلك يمكن الجمع بوجوه اخر، كاخراج أحد المتعارضين رأسا عن الاطلاقات، وإبقاء الاخر تحتها ويكون حجة تعيينا، أو إخراج أحدهما في بعض الاحوال، والاخر في أحوال اخر، أو الرجوع للقرعة، أو غير ذلك مما يقتضي إعمال الاطلاقات في المتعارضين في الجملة وعدم إخراجهما عنها رأسا، ولا معين لاحدها ما لم يكن عرفيا، ولم يتضح بناء العرف على الحجية التخييرية في المتعارضين. على أن لزوم الاقتصار في الخروج عن الاطلاقات على المتيقن إنما هو لبناء العرف عليه، لكونه أقرب بنظرهم، وليس بناء العرف على ذلك في المتعارضين، بل الظاهر بناؤهم على خروج كلا المتعارضين عن الحجية الفعلية مع ثبوت الحجية الاقتضائية لكل منهما، الراجعة إلى حجية كل منهما لو لا المانع، فإن ذلك هو الاقرب عرفا من الوجوه الاخر، ومن ثم قيل: إن الاصل في المتعارضين التساقط. نعم، لا يبعد في خصوص المقام تنزيل الاطلاقات على الحجية الفعلية لخصوص فتوى الاعلم، بقرينة ورودها مورد الامضاء لسيرة العقلاء والمفروغية عنها، وحيث كان بناؤهم على تعيين الاعلم عند الاختلاف لزم تنزيل الاطلاقات على ذلك، فيكون تعيين الاعلم مع التفاضل مقتضى الاطلاقات بقرينة السيرة، لا

===============

( 70 )

مقتضى خصوص السيرة، فتأمل جيدا. ومن جميع ما ذكرنا يظهر اندفاع ما سبق في كلام سيدنا المصنف قدس سره من أن حمل مثل آيتي النفر والذكر على خصوص تساوي النافرين والمسؤولين في الفضيلة حمل على الفرد النادر، فانه إنما يستلزم عدم مرجحية الاعلمية إذا كان مفاد الايتين ونحوهما من المطلقات الحجية التخييرية. أما حيث كانت ظاهرة في الحجية التعيينية بحيث يكون الدليل على التخيير مع التساوي هو الاجماع - لو تم - لا المطلقات، فندرة التساوي لا أثر لها في المقام، لان صورة التساوي خارجة عن الاطلاقات، وليست الاطلاقات مختصة بها حينئذ. نعم، لو فرض ندرة الاتفاق في الفتوى كان حمل الاطلاقات على الحجية التعيينية مستلزما لحملها على الفرد النادر، إذ لا تصح الحجية التعيينية إلا مع الاتفاق في الفتوى، أو لخصوص فتوى الاعلم مع الاختلاف والتفاضل، فيتعين لاجل ذلك حمل الاطلاقات على الحجية التخييرية، فتكون دليلا على التخيير مع التفاضل أيضا. لكن من الظاهر عدم ندرة الاتفاق في الفتوى، خصوصا في عصر صدور الاطلاقات لمعاصرة المجتهدين لمصدر التشريع وسهولة مقدمات الاستنباط حينئذ وعدم ابتنائه على المقدمات الحدسية الخفية التي يكثر الاختلاف فيها، فلا مانع من حمل الاطلاقات على الحجية التعيينية، إذ لا محذور في إخراج فتوى غير الاعلم مع مخالفتها لفتوى الاعلم عن الاطلاقات رأسا، وكذا فتاوى المتساوين في الفضيلة مع اختلافهم بالبناء فيها على الحجية التخييرية أو التساقط على ما يأتي الكلام فيه. ثم إن الظاهر عدم الفرق في أصالة التساقط في المتعارضين بين القول بالطريقية والسببية، خلافا لما يظهر من شيخنا الاعظم قدس سره من أصالة التخيير على السببية. وكأنه لان وجوب متابعة الطريق على السببية إنما يكون لحدوث ملاك فيه

===============

( 71 )

يقتضي المتابعة مع قطع النظر عن الواقع، ولا مانع من اشتمال كلا المتزاحمين على الملاك المذكور، كما هو مقتضى إطلاق دليل الحجية. وتعذر متابعة كلا الطريقين وتحصيل ملاكهما لا يسوغ إهمالهما معا، بل يقتضي التخيير بينهما، كما هو الحال في جميع موارد التزاحم. وفيه: أن اشتمال الطريق على ملاك يقتضي المتابعة فرع حجيته، فمع فرض امتناع حجية المتعارضين معا لاستلزامها التعبد بالنقيضين أو الضدين، كما عرفت، وعدم المرجح لاحدهما، يتعين التساقط، ولا طريق معه لاحراز سببيتهما بالوجه المذكور، ليكون المقام من صغريات التزاحم. مع أن لازم ذلك اختصاص التخيير بما إذا امتنع الجمع بين مؤدى المتعارضين عملا - كالوجوب والحرمة، والاستحباب والكراهة - وفي غير ذلك حيث يمكن متابعة كلا الطريقين عملا، بموافقة الاحوط منهما يخرج عن باب التزاحم، ويجب استيفاء كلا الملاكين بذلك. نعم لو توقفت متابعة الطريق على الالتزام بمؤداه تعذرت متابعة كلا المتعارضين مطلقا، لامتناع الالتزام بمؤداهما مع العلم بكذب أحدهما وإن أمكن موافقتهما عملا. لكن لا دليل على ذلك، بل الظاهر كفاية الموافقة العملية للطريق ولو مع عدم الالتزام بمؤداه. ثم إنه لو سلم أن البناء على السببية يقتضي التخيير بين المتعارضين فلا مجال لذلك في المقام، لاحتمال الاهمية في فتوى الاعلم الذي هو - كالعلم بالاهمية - معين لمورده في باب التزاحم. وأما ما يظهر من بعض المحققين قدس سره من أن احتمال الاهمية لا يوجب اليقين بالتكليف الفعلي في مورده، لان احتمال مساواة الطرف الاخر له مساوقة لاحتمال كون ملاكه مانعا من فعلية التكليف في محتمل الاهمية ومع عدم اليقين بالتكليف الفعلي في محتمل الاهمية تجري البراءة منه. فهو مدفوع بأن عدم فعلية التكليف في أحد المتزاحمين بسبب المزاحم

===============

( 72 )

الاخر ليس لقصور في ملاكه، بل لكون المزاحم عذرا مسوغا لتفويته عقلا وشرعا بسبب مساواته له في الاهمية، فمع احتمال الاهمية في أحد الطرفين لا يعلم بكون الاخر عذرا مسوغا لتفويته، فلا مجال للتعويل عليه في تفويته، لانه لا يصح الاتكال الا على ما يعلم بكونه عذرا. ومن ثم قيل بوجوب الاحتياط مع الشك في القدرة، فإن التعذر كالمزاحمة من الاعذار التي لابد من احرازها عقلا. وبعبارة اخرى: التزاحم يقتضي تقييد كل من التكليفين المتساويين بعدم امتثال الاخر، ومع احتمال أهمية أحدهما بخصوصه لا يعلم تقييده، فيتعين البناء على اطلاقه، بخلاف الاخر، فانه يعلم تقييده على كل حال، كما نبه لذلك بعض مشايخنا، فتأمل. الثاني: مما استدل به لعدم تعيين الاعلم: سيرة الشيعة في عصر المعصومين عليهم السلام على الاخذ بفتاوى العلماء المعاصرين لهم من دون تقيد بخصوص الاعلم ولا فحص عنه مع العلم بتفاضلهم. وفيه - كما ذكره غير واحد - أن المتيقن من ذلك صورة عدم العلم بالاختلاف بينهم في الفتاوى التي يأخذونها منهم، ومحل الكلام صورة العلم بالاختلاف، وثبوت السيرة فيها غير معلوم، بل الظاهر عدمه كما يظهر من الاخبار المتضمنة للسؤال عن الحكم بعد اختلاف الاصحاب فيه، الظاهرة في المفروغية عن التوقف عن فتاواهم مع الاختلاف، وهي وان اختصت بصورة إمكان استعلام الحكم بالرجوع للامام عليه السلام إلا أنها كافية في منع السيرة المتصلة بعصر المعصومين عليهم السلام على الاخذ بفتوى المفضول مع مخالفتها لفتوى الافضل. ومنه يظهر حال الاستدلال، بما دل على جواز الرجوع لمعاصري الائمة عليهم السلام من علماء الشيعة مع كونهم عليهم السلام أعلم منهم لوضوح أن الرجوع لهم إنما كان مع عدم العلم بمخالفة فتاواهم لاحكام أئمتهم عليهم السلام. بل مبنى الرجوع لهم على أخذ أحكام الائمة عليهم السلام منهم، فالرجوع لهم في طول الرجوع للائمة عليهم السلام، ومقتضى حجية فتاواهم كون أحكامهم هي أحكام أئمتهم عليهم السلام، نظير أخذ فتاوى الاعلم من

===============

( 73 )

ناقليها، فهو خارج عما نحن فيه من الرجوع لغير الاعلم الذي يفتي في مقابل الاعلم. هذا مع ظهور لزوم الحرج النوعي من الاقتصار على أخذ الاحكام من الائمة عليهم السلام فلا يشبه محل الكلام مما يفرض فيه عدم الحرج في الاقتصار على الاخذ من الاعلم. فتأمل. الثالث: إرجاع الائمة عليهم السلام لاحاد أصحابهم، كالعمري وابنه وزكريا بن آدم وغيرهم، فإن إطلاق الارجاع للشخص يشمل ما لو كان غيره أعلم منه. ويظهر الجواب عنه مما سبق في أدلة التقليد من احتمال الخصوصية في الاشخاص المذكورين، وكون الارجاع لهم ليس بملاك الارجاع عموما لغيرهم. ولو سلم كون الارجاع لهم لاندراجهم في كبرى وجوب تقليد العالم فلا إطلاق له يشمل كون غيرهم أعلم منهم، لانه قضية خارجية، فلعلهم أعلم من يمكن الرجوع إليه في عصرهم. ولو سلم الاطلاق بالوجه المذكور كان كاطلاق الادلة العامة قاصرا عن شمول صورة الاختلاف في الفتوى، لاستحالة حجية المتعارضين، كما سبق. الرابع: ما في الجواهر من أنه لما كان مقتضى إطلاق الادلة في القضاء نفوذ قضاء المفضول في الواقعة الشخصية يلزمه حجية رأيه في الحكم الكلي، وأنه من الحق والقسط والعدل وما أنزل الله تعالى، فيجوز الرجوع إليه تقليدا أيضا. وفيه: أنه ملازمة بين نفوذ حكم المفضول وحجية رأيه فإن القضاء النافذ وإن كان هو القضاء بالحق والقسط والعدل وما أنزل الله تعالى، إلا أنه لا يراد بذلك تحقق هذه العناوين واقعا، بل بنظر الحاكم، وحصولها بنظره لا يستلزم الحجية في حق غيره. ولذا لا إشكال في نفوذ الحكم في حق المجتهد الاخر مع عدم حجية فتوى الحاكم في حقه. الخامس: لزوم العسر والحرج في الاقتصار على تقليد الاعلم، لصعوبة تشخيص الاعلم وصعوبة رجوع جميع المسلمين له مع اختلاف أماكنهم وتباعدها، فلا يتيسر لهم استفتاؤه، ولا يتيسر له إفتاء جميعهم.

===============

( 74 )

وفيه: أن ذلك على عمومه ممنوع، لامكان فرض تيسر معرفته ولو لبعضهم، كما يتيسر لهم معرفة رأيه، خصوصا في عصورنا التي سهلت فيها وسائل النشر والمواصلات، فلا حرج من رجوع من تيسر له معرفته إليه. قال سيدنا المصنف قدس سره: (نعم لو بني على وجوب الرجوع إلى الاعلم على نحو يجب الفحص عنه مهما احتمل وجوده كان ذلك موجبا للعسر غالبا، لكنه ليس كذلك). هذا، مع أن وجوب الرجوع للاعلم لما لم يكن تكليفا شرعيا نفسيا، بل حكما عقليا متفرعا عن اختصاص الحجية به لم تنهض قاعدة رفع الحرج برفعه. ولا مجال لاعمال القاعدة في منشئه، وهو اختصاص الحجية به، بنحو تقتضي ثبوت الحجية لغيره. لانها مختصة برفع الاحكام الحرجية، ولا تنهض بتشريع أحكام يرتفع بها الحرج. نعم، قد يكون اختصاص الحجية بفتوى الاعلم بسبب صعوبة الفحص عنه أو صعوبة معرفة رأيه موجبا لكون الاحكام الواقعية حرجية، لاستلزام امتثالها اليقيني ولو بالاحتياط التام للحرج، فيلزم الرجوع للظن مطلقا، أو في الجملة، إما لحكومة العقل بلزوم التنزل للامتثال الظني بعد سقوط الامتثال العلمي، أو لاستكشاف حجيته شرعا، على ما يذكر في دليل الانسداد مفصلا، وهذا غير حجية فتوى المفضول مطلقا. هذا، ولكن الظاهر عدم وصول النوبة لذلك، كيف ولا يتهياء للعامي سلوك الطريق المذكور، لابتنائه على التأمل والنظر الذي لا يتهيأ للعامي. مع تعذر تحصيل الظن له إلا بعد الرجوع للادلة والنظر فيها، والمفروض عدم تكليفه بذلك، ولذا لم يجب عليه الاجتهاد عينا، دفعا للهرج والمرج واختلال النظام وغير ذلك مما يعلم معه بعدم رضا الشارع الاقدس. بل المعلوم ابتناء الشريعة الغراء على التساهل والتسامح بالوجه الذي ينتظم به أمر المعاش والمعاد، ويجمع خير الدنيا والاخرة، ولهذا شرع أصل التقليد، وذلك

===============

( 75 )

كاشف عن أن كل ما يعتبر في التقليد لم يعتبر بنحو يستلزم الحرج نوعا، وعلى هذا جرت سيرة الشيعة في باب التقليد في جميع العصور. وهذا راجع إلى أن الاستدلال بلزوم الحرج ليس بلحاظ الرجوع إلى قاعدة رفع الحرج التي هي من القواعد الاجتهادية، ويكون المدار فيها على الحرج الشخصي، بل بلحاظ القطع بعدم جعل الشارع الاقدس لشروط التقليد بالنحو الذي يستلزم الحرج نوعا. وحينئذ فلا مجال لجعله مانعا عن تعيين الاعلم عند الاختلاف وبثبوت التخيير بينه وبين غيره مطلقا لما عرفت من عدم اطراد لزوم الحرج من تعيين الاعلم، ومن ثم كان المشهور وجوب تقليد الاعلم في الجملة وجرت على ذلك سيرة العامة في كثير من العصور تبعا لهم، ولم يظهر وقوعهم في الحرج بسبب ذلك. نعم، قد ينفع الوجه المذكور في بعض ما يتعلق بذلك من لزوم الفحص ومقداره وغير ذلك، فيجوز الاعتماد على الوجه المذكور فيها بالمقدار الذي يحصل به القطع بحكم الشارع الاقدس ولو بضميمة السيرة وإن كان مخالفا للقواعد، ولعله يأتي التنبيه لبعض ذلك. وقد تحصل من جميع ما تقدم: أن دليل الحرج في المقام ليس دليلا لفظيا يتمسك بعمومه، كسائر الظهورات الكلامية، بل هو دليل لبي يقتصر فيه على مورد اليقين بحكم الشارع الاقدس. هذا تمام ما استدل به على جواز تقليد المفضول مع التمكن من تقليد الافضل، وقد عرفت عدم نهوضه بإثبات ذلك، فلا مخرج عما يقتضي لزوم تقليد الاعلم من سيرة العقلاء القطعية الجارية في جميع موارد الرجوع إلى أهل الخبرة، وقد عرفت أنها قرينة عرفية على تنزيل الاطلاقات عليه عند التعارض. هذا، وقد يستدل في المقام بالاصل العقلي، لدوران الامر بين التعيين والتخيير الذي يلزم فيه البناء على مقتضى التعيين، لاصالة عدم الحجية في الطرف الاخر، وهو فتوى المفضول في المقام، كما اشرنا إليه في نظائر المقام، من دون فرق

===============

( 76 )

بين القول بوجوب التقليد من باب الطريقية والسببية بعد ما عرفت من عدم نهوض الاطلاقات بإثبات الحجية الفعلية لفتوى المفضول، على ما سبق توضيحه. ولا مجال للرجوع للبراءة من وجوب تقليد الاعلم ورفع العقاب على مخالفته، لوضوح أن وجوب الرجوع إليه عقلي طريقي لا يكون موردا للعقاب، وليس العقاب إلا على مخالفة التكليف الواقعي المحتمل في مورد فتوى الاعلم ولا مجال للرجوع للبراءة عنه، لتنجزه إما بالعلم الاجمالي الكبير الذي أوجب على العامي التعرض لامتثال الاحكام تقليدا أو احتياطا، وهو العلم باشتمال الشريعة على تكاليف فعلية، وإما بمقتضى ما دل على وجوب تعلم الاحكام المستلزم لتنجز احتمالها قبل الفحص على ما سبقت الاشارة إليه في المسألة الاولى. وحينئذ، فلابد من تحصيل المؤمن عن التكليف المذكور، إما بالاحتياط أو بقيام الحجة على عدمه، وحيث فرض الشك في حجية فتوى المفضول النافية له تعين العمل على فتوى الافضل. اللهم إلا أن يقال: إنما يتنجز احتمال التكليف في مورد فتوى الافضل به إذا كانت متابعة الافضل مقتضى الاصل في الواقعة، كما في موارد الشك في المحصل، أو استصحاب التكليف، أو كان هناك علم إجمالي في الواقعة، كما في موارد الدوران بين القصر والتمام. وأما العلم الاجمالي الكبير فهو منحل بتنجز التكليف في الموارد المذكورة وفي موارد الاتفاق بين الافضل والمفضول على ثبوت التكليف، لوفائها بالمقدار المعلوم بالاجمال، فيرجع في ما عدا ذلك من موارد الاختلاف - كما لو افتى الافضل بوجوب السورة والمفضول بعدمه - إلى أصل البراءة ما لم يعلم بقيام الحجة على التكليف، وحيث لا يعلم بحجية فتوى الافضل تعيينا، لاحتمال حجيتها تخييرا - إما بمعنى كونها حجة للمكلف لا عليه، أو بمعنى كون حجيتها مشروطة بالاختيار، على ما تقدم في أول المسألة - فلا تنهض برفع اليد عن مقتضى الاصل المذكور، ويجوز

===============

( 77 )

لاجله موافقة فتوى المفضول النافية للتكليف وإن لم يحرز حجيتها. وأما ما دل على وجوب الفحص عن الاحكام، فهو إنما يقتضي تنجزها قبل الفحص، أما بعد الفحص عنها وعدم العثور على ما يثبت التكليف فلا يمنع من الرجوع للاصول النافية، ولا يقتضي حجية فتوى الافضل تعيينا بنحو لا يجوز مخالفتها تبعا للاصل، فالمقام نظير رجوع المجتهد للاصول بعد الفحص في الادلة وتعارضها في حقه. وبالجملة: العلم بحجية فتوى الاعلم تعيينا أو تخييرا لا يكفي في لزوم متابعتها ما لم يفرض تنجز احتمال التكليف في مورد فتوى الافضل به بعلم إجمالي أو أصل، بحيث لابد من الاحتياط فيه أو الخروج عنه بحجة معلومة، أما مع عدم تنجزه فلا مانع من الرجوع للاصل النافي للتكليف وموافقة فتوى المفضول وإن لم تحرز حجيتها. هذا، مضافا إلى أن الاصل العقلي المذكور مبني على العلم بحجية فتوى الافضل، للعلم بجواز التقليد للعامي مطلقا وعدم تكليفه بالرجوع للاصول عند الاختلاف، وإلا فمقتضى الاصل في المتعارضين تساقطهما معا والرجوع للاصول من الاحتياط والبراءة وغيرهما. مع أن الاصل المذكور لا يطرد في جميع الموارد، بل قد يكون مورودا للاصل الشرعي كاستصحاب حجية فتوى المفضول فيما لو فرض انحصار الحجية سابقا بها، بناء على جريان الاستصحاب في المقام. كما قد يكون مقتضى الاصل العقلي التخيير، بأن احتمل تعيين المفضول أيضا، كما لو كان الافضل هو الميت ودار الامر بين البقاء على تقليده والعدول للحي المفضول، على ما تقدم التنبيه إليه في المسألة السابقة. ويأتي نظيره في المسألة الثالثة عشرة. والحاصل: أن الاصل العقلي المذكور لا ينهض بتعيين الاعلم مطلقا، والعمدة في ذلك هو سيرة العقلاء المشار إليها، التي لا يفرق فيها بين الموارد، والتي عرفت

===============

( 78 )

صلوحها للقرينية على صرف الاطلاق إليه عند الاختلاف، فيتعين العمل بها بالمقدار الذي لا يلزم منه الحرج نوعا من جهة عدم تيسر الفحص عنه أو من جهة عدم تيسر الاطلاع على فتواه على ما أشرنا إليه، ويأتي إن شاء الله تعالى في المسألة الاتية. ثم إنه وقع في كلام غير واحد الاستدلال على تعيين الاعلم بوجوه اخر غير ما سبق.. الاول: الاجماع المتقدمة دعواه صريحا وظاهرا عن غير واحد، لكن لا مجال للاعتماد عليه، لما عرفت في المسألة الخامسة من التشكيك في دعاوى الاجماع في هذه المسائل، ولاسيما وأن عمدة من حكي عنه دعوى الاجماع السيد المرتضى والمحقق الثاني (قدس سرهما)، وفي الجواهر: (لم نتحقق الاجماع على المحقق الثاني، وإجماع المرتضى مبني على مسألة تقليد المفضول في الامامة العظمى مع وجود الافضل، وهو غير ما نحن فيه. وظني - والله أعلم - اشتباه كثير من الناس في هذه المسألة بذلك). الثاني: ما تضمن ترجيح قضاء الافضل عند الاختلاف، كمقبولة ابن حنظلة وغيرها، حيث يتعدى به للمقام - كما في التقريرات - إما بالاجماع المركب، إذ لا قائل بالفصل بين تعيين الاعلم للقضاء وتعيينه للتقليد، أو بأن ظاهر المقبولة الترجيح في مورد الاختلاف بينهما في الحكم الشرعي الكلي الذي يرجع فيه للشارع، كما يشهد به بقية المرجحات المذكورة فيها التي هي من مرجحات الروايات المتعارضة في الاحكام الكلية، بل هو صريح قوله: (وكلاهما اختلفا في حديثكم). لكن عرفت الاشكال في الاعتماد على الاجماع البسيط، فضلا عن المركب في أمثال المقام. مع أن عدم الفصل - لو تم - إنما هو بين تعيين الاعلم للقضاء بنحو لا يجوز نصب غيره وتعيينه للتقليد، والذي هو مدلول الرواية هو ترجيح قضاء الاعلم عند تحكيم شخصين في واقعة واحدة واختلافهما في الحكم، وعدم الفصل بينه وبين تعيين الاعلم للتقليد غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم.

===============

( 79 )

وأما ظهور المقبولة في الترجيح عند الاختلاف في الحكم الكلي فهو وإن كان مسلما، إلا أنه لا يجدي بعد اختصاصها بالقضاء الذي يمتنع فيه الحكم بالتخيير، لعدم صلوحه لرفع الخصومة، فالتعدي منه للتقليد بلا شاهد. مع أنها إنما تقتضي ترجيح الاعلم من الحكمين، لا الاعلم من جميع الناس، الذي هو المدعى في المقام، كما نبه له بعض مشايخنا. بل إطلاقات أدلة النصب ظاهرة في عدم اختصاص المنصب بالاعلم، بل تعم غيره وإن خالف الاعلم في الفتوى. ومما ذكرنا يظهر حال الاستدلال بما عن أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى الاشتر: (اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك)، مع أنه وارد في تكليف إداري خاص، فلا يكشف عن الحكم الشرعي في القضاء فضلا عن التقليد. ولذا لا ينافي الاطلاقات المقتضية لنفوذ قضاء المفضول. الثالث: ما عن أمير المؤمنين عليه السلام - كما عن نهج البلاغة -. (أولى الناس بالانبياء أعلمهم بما جاؤوا به (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) (فإن المراد به وإن كان شخصه عليه السلام والائمة من ولده عليهم السلام، إلا أن الاستدلال به - كما ذكره شيخنا الاستاذ دامت بركاته - بلحاظ الكبرى الراجعة إلى أولوية الاعلم. وليس المراد من أولويته بالنبي صلى الله عليه واله قيامه مقامه في مناصبه، ليكون المراد به الامامة والخلافة العظمى، بل قيامه مقامه في أداء حكم الله تعالى لعباده وتبليغهم به، لانه المناسب لذكر الاعلمية في الاحكام، إذ الخلافة من حيث هي لا تناسب ذلك. وذلك في عصر الحضور مختص بالائمة عليهم السلام وفي عصر الغيبة ينتقل إلى علماء الامة، فالاعلم منهم هو الاولى ببيان الاحكام والفتوى بها. وفيه: أن إطلاق الاولوية بالنبي صلى الله عليه واله ظاهر في إرادة الخلافة العظمى، ولا مجال لانكار المناسبة بينها وبين الاعلمية بما جاء به النبي صلى الله عليه واله، ضرورة أن منصب الخلافة يبتني على حفظ الاحكام الشرعية ورعايتها وتنفيذها في الامة، وهو يناسب اعتبار العلم بها جدا، وعليه يبتني ما ذكره علماء الامامية من لزوم كون الامام أعلم

===============

( 80 )

الامة، فلا مجال بجعل ذكر الاعلمية قرينة على ارادة خصوص منصب الافتاء. ولاسيما مع ظهور ورود الحديث تعريضا بما فعله الغاصبون من إقصائه عليهم السلام عن منصب الخلافة، لا عن خصوص منصب الفتوى، بل اشتهر عنهم الرجوع له عليه السلام في الفتوى كثيرا. الرابع: ما عن الجواد عليه السلام في خطابه لعمه عبد الله بن موسى عليه السلام بعد أن استفتي في مجلسه فأخطأ في الفتوى: (يا عم أنه عظيم عند الله أن تقف غدا بين يديه، فيقول لك: لم تفتي عبادي بما لم تعلم وفي الامة من هو أعلم منك!). فقد ادعى شيخنا الاستاذ أيضا دلالة الحديث على أنه لا يجوز للانسان الفتوى مع وجود من هو أعلم منه لاجل عمل الناس بفتواه، فيدل على عدم حجية فتوى غير الاعلم في حقهم، وأن المراد من الفتوى بما لا يعلم الفتوى عن جهل مركب لابسيط، فلا ينافي حجية الفتوى في حق نفسه فله العمل بها والاخبار بمضمونها لا لاجل العمل، كما هو الحال في كل معتقد لخلاف الواقع. ويشكل بأ ن ظاهر الرواية عدم كون الانكار لاجل مجرد الفتوى من غير الاعلم، بل ذكر عدم العلم ظاهر في دخله في الاستنكار، وحيث أن الجهل المركب إذا استند إلى حجة معذرة لا يصلح للانكار، بل يرى صاحبه أنه لا أعلم منه في الواقعة، فلابد أن يحمل عدم العلم في كلام الامام عليه السلام على الجهل البسيط أو المركب غير المستند إلى الحجة المعذرة، فيخرج عما نحن فيه، فلابد أن يحمل اعتذار عبد الله على عدم اليقين بقول الرضا عليه السلام أو اليقين مع التقصير، وإن كان ذلك خلاف ظاهر الرواية أوجب إجمالها ومنع من الاستدلال بها. على أن المظنون أن شدة الانكار ليس لمحض الفتوي، بل لخصوصية في الواقعة، من حيث أن في تصدي عبد الله للفتوى في ذلك المجلس تجاهلا للامام عليه السلام وإيهاما بأن عبد الله هو الاولى بالمنصب منه عليه السلام كما قد يشهد به ما في دلائل الامامة للطبري. مع أن الموجود في اختصاص المفيد قدس سره خال عن قوله عليه السلام: (وفي الامة من

===============

( 81 )

هو أعلم منك). مضافا إلى الاشكال في الاستدلال بهذا الحديث وما قبله - مع ضعف السند - بأن الظاهر من الاعلم فيهما إما العالم في قبال الجاهل، نظير قوله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) (1)، أو الذي تكون معلوماته أكثر، وكلاهما غير مراد في ما نحن فيه، بل المدار في الاعلمية على شدة المهارة وقوة الملكة. مع أنهما لو كانا في ما نحن فيه لزم عدم جواز الفتوى من علماء الشيعة في عصر حضور الائمة عليهم السلام لانهم عليهم السلام أعلم منهم، فلابد أن يحملا على ما لو كانت فتوى غير الاعلم في قبال فتوى الاعلم ومع تجاهله، لا في طول فتواه ولبيانها، كما هو حال فتاوى علماء الشيعة بالاضافة لفتاوى الائمة عليهم السلام، وحيث إن الاعلم في جميع العصور هو الائمة عليهم السلام حاضرهم وغائبهم، فلا تدل الروايتان الا على عدم حجية فتوى من يفتي في قبالهم من دون رجوع إليهم، ولا نظر فيها لفتوى من يأخذ منهم ويحكي عنهم، فلا تدلان على تعيين الاعلم من بين هؤ لاء الذي هو محل الكلام. اللهم إلا أن يستفاد ذلك بتنقيح المناط، الذي هو مقتضى مناسبة الحكم والموضوع، وهو لا يخلو عن إشكال. وبالجملة: التأمل في الحديثين شاهد بأنهما أجنبيان عن محل الكلام جدا، وإن أصر شيخنا الاستاذ دامت بركاته على الاستدلال بهما، بنحو يظهر منه صلوحهما لتقييد الاطلاقات بعد البناء على أن مقتضاها التخيير. الخامس: أن فتوى الاعلم أقرب، فيجب اختيارها عند التعارض. واورد عليه تارة: بمنع وجوب الترجيح بالاقربية مع التعارض. واخرى: بمنع الاقربية، لامكان اعتضاد فتوى المفضول بالشهرة أو بفتوى الميت الاعلم وغيرهما. وأجاب في التقريرات عن الاول: بأنه ثابت بحكم العقل بعد كون اعتبار


____________
(1) سورة الانعام: 124.

===============

( 82 )

التقليد من باب التعبد على وجه الطريقة التي يكون الملحوظ فيها هو الكشف عن الواقع، لا من باب التعبد المحض في عرض الواقع. وعن الثاني بأن الاعلمية من المرجحات الداخلية المنضبطة التي يمكن رجوع العامي لها، بخلاف المرجحات الاخر المذكورة، فإنها مرجحات خارجية، لا مجال لرجوع العامي لها بالاجماع والضرورة، لعدم انضباطها، فيلزم تدين كل واحد من المقلدين بغير ما تدين به الاخر. وكلاهما كما ترى! للاشكال في الاول بأن اعتبار الامارة من باب الطريقية لا تستلزم كون المعيار فيها الاقربية بنظر المكلف أو العقلاء، بل كما يمكن أخذ قيود تعبدية كالحياة، كذلك يمكن إهمال ما يقتضي الاقربية من دون أن يستلزم الموضوعية الراجعة إلى كون الرجوع للامارة في قبال الواقع. وفي الثاني بأن المدار في عموم الترجيح وخصوصه على حال دليله، ولا يفرق في حكم العقل المدعى بين المرجحات الداخلية والخارجية، ومعه لا مسرح للاجماع والضرورة، إلا أن يكشفا عن بطلان دعوى حكم العقل. هذا تمام ما استدل به في المقام، وقد تحصل عدم نهوض الادلة بلزوم تقليد الاعلم بنحو يقتضي تقييد الادلة لو فرض أن مقتضى إطلاقها التخيير بينه وبين غيره. والعمدة ما عرفت من السيرة والاصل بعد ما تقدم من قصور الاطلاقات عن إفادة التخيير. تنبيهات: الاول: لا يخفى أن العلم لما كان هو انكشاف الواقع فهو لا يقبل التفاضل، فاطلاق الاعلمية عرفا لابد إما أن يكون بلحاظ كثرة المعلومات، فالاعلم هو العالم بمسائل أكثر. أو بلحاظ كثرة الاصابة للواقع أو بلحاظ قوة الدليل، فكلما كان الشخص أقوى دليلا على دعواه كان أعلم. وعلى الاولين تكون الاعلمية أمرا قائما بمجموع المسائل، وعلى الاخير تكون قائمة باحادها.

===============

( 83 )

ولا إشكال في عدم إرادة الاول في المقام، لان الملحوظ في سيرة العقلاء هو الاقربية للواقع في كل مسألة يرجع فيها، ولا دخل لكثرة المعلومات بذلك. ولا الثاني، لعدم تيسر الاطلاع عليه في كثير من موارد الرجوع إلى أهل الخبرة مما لا يظهر فيها آثار للواقع، ليعلم كمية موارد الاصابة بلحاظها، ومنها المقام. مع أن المرتكز عرفا أن وجه الترجيح بالاعلمية ليس هو الغلبة، بل قوة الدليل، كأصل الرجوع لاهل الخبرة، ولذا يرجع للاعلم قبل اختبار حاله ومعرفة كمية موارد إصابته. نعم، قد يستكشف ذلك بغلبة الاصابة لو أمكن الاطلاع عليها، لبعد كونها محض صدفة لا ترجع إلى قوة الدليل، لكنه أمر آخر غير كون المعيار في الاعلمية على كثرة الاصابة. وليس المراد في المقام إلا الامر الثالث، وهو المراد بقوة الملكة في ما سبق، وقوام ذلك متانة الشخص وجودة نظره وحسن فهمه للاخبار وغير ذلك مما يتضح لاهل الخبرة. وإليه يرجع ظاهرا ما ذكر غير واحد في المقام. قال سيدنا المصنف قدس سره: (المراد به الاعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية عقلية كانت أم شرعية، فلابد أن يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله). وبما ذكرنا يتضح أن الاعلمية قائمة بكل مسألة مسألة، فيمكن اختلاف الاشخاص في الاعلمية باختلاف آحاد المسائل أو أنواعها، لاختلاف المسائل في سنخ الادلة، فربما يكون الشخص ماهرا في الاستدلال في بعض المسائل دون بعض، نظير ما يذكر في التجزي، كما فرضه السيد الطباطبائي قدس سره في المسألة السابعة والاربعين من مسائل التقليد. واللازم حينئذ التبعيض في التقليد، لعموم سيرة العقلاء على تعيين الاعلم عند الاختلاف، كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره وغيره. وبها يخرج عن احتمال عدم جواز التبعيض في التقليد، الذي يلزم مراعاته مع التساوي ووصول النوبة للتخيير، كما سيأتي.

===============

( 84 )

نعم، التمييز بين المجتهدين في كل مسألة مسألة مما يتعذر أو يتعسر غالبا، فيكفي في استكشاف ذلك الاطلاع على حال المجتهدين في نوع المسائل بالاطلاع على طرقهم في الاستدلال ومبانيهم العامة في مقدمات الاستنباط، والاكتفاء بذلك لانه المتيسر، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى من الاكتفاء في الفحص عن الاعلمية بالمقدار المتيسر. الثاني: الظاهر أن سيرة العقلاء على تقديم الاعلم في موارد إمكان الاحتياط مختصة بما إذا كانت الافضلية بمقدار معتد به، ولا يكفي فيه الافضلية بمرتبة ضعيفة، بل بناؤ هم حينئذ على الاحتياط. نعم، مع تعذر الاحتياط لا إشكال ظاهرا في الترجيح بأدنى تفاضل. لكنه ليس لحجية قول الاعلم وسقوط قول المفضول، بل للعمل بأقرب الاحتمالين مع تعذر الاحتياط، نظير ما يذكر في حجية الظن مع الانسداد. وحينئذ فالبناء على عموم تعيين الاعلم مبني على الاجماع المدعى على جواز التقليد للعامي الذي سيأتي الكلام فيه، فإنه إنما يقتضي التخيير مع التساوي، وأما مع التفاضل ولو بمرتبة ضعيفة فالمتيقن حجية الافضل، وإلا فلو قيل بالبناء على مقتضى الاصل في المتعارضين مع التساقط والرجوع للاصول لزم البناء على ذلك في المقام، بعد ما عرفت من قصور السيرة، فلاحظ، والله سبحانه وتعالى العالم. الثالث: لما كان الدليل على تقليد الاعلم منحصرا بالسيرة والاصل فهما مختصان بصورة الاختلاف بين الاعلم وغيره في الفتوى، أما مع الاتفاق في الفتوى فالجميع داخل في أدلة الحجية من السيرة والاطلاقات، والمتعين حينئذ التخيير في تقليد أي منهم، كما يجوز تقليد جميعهم في المسألة، بل يجوز الاكتفاء بموافقتهم احتياطا من دون متابعة واعتماد على كل منهم ولا التزام بقوله وإن لم يتحقق به التقليد الذي هو محل كلامهم، إذ لا يجب عقلا إلا موافقة الحجة في الخروج عن تبعة العقاب، ولا دليل على وجوب ما زاد على ذلك.

===============

( 85 )

[ التساوي في العلم يتخير (1) ] وأما إطلاق قولهم: لا يجوز تقليد المفضول، فهو - لو تم - ليس عقدا لاجماع واجب العمل، كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره. (1) بلا إشكال فيه بينهم، كما يظهر مما ذكروه في صورة التفاضل، وغيرها. وهو مبتن على ما أشرنا إليه غير مرة من الاجماع على جواز التقليد للعامي وعدم تكليفه بالرجوع للاصول، وبه يخرج عما عرفت من أصالة التساقط في المتعارضين بعد قصور الاطلاقات عن شمولهما وعدم نهوض سيرة العقلاء بالتخيير بينهما، بل بناؤ هم في سائر موارد الرجوع إلى أهل الخبرة على التوقف والتساقط مع الاختلاف. نعم، ناقش بعض مشايخنا في الاجماع بما أشرنا إليه في غير مقام من عدم ثبوت كونه إجماعا تعبديا، ولاسيما مع كون تحرير هذه المسائل مستحدثا. ومن ثم جزم بوجوب الاخذ بأحوط القولين حينئذ، لانه مقتضى الاصل الذي ادعاه هو وغيره لو فرض التساقط بالتعارض. لكن تقدم الاشكال في الاصل المذكور، بل يختلف الاصل باختلاف المسائل، من حيث وجود المنجز للتكليف من علم إجمالي أو أصل عقلي أو شرعي في خصوص الواقعة وعدمه. وحينئذ فمقتضى القاعدة التفصيل بين العامي الذي يتيسر له - ولو بالرجوع للغير - التمييز بين الموردين وغيره، فيعمل الاول على طبق الاصول المختلفة في الوقائع. وأما الثاني فإن لم يعلم وجود المنجز في الوقائع إجمالا - ولو بالرجوع للغير - كان له الرجوع للبراءة، وإلا كان عليه الاحتياط بين الاقوال في مورد الاختلاف، بل الاحتياط مطلقا بالاضافة إلى جميع محتملات الواقع ولو لم يطابق أحد الاقوال، بناء على ما هو الظاهر من عدم حجية المتعارضين في نفي الثالث. لكن الانصاف أن التمييز بين الموردين يعسر على العامي غالبا، بل يتعذر، خصوصا مع اختلاف العلماء في مفاد الاصول في الوقائع الشخصية.

===============

( 86 )

كما أن الاحتياط عسر عليه أيضا، فإن تعلم مسائل الخلاف وتمييز كيفية الاحتياط والترجيح بين جهاته عند التزاحم مما لا يتهيأ لعامة الناس، خصوصا لو فرض كثرة المجتهدين، وخصوصا مع أن البناء على التساقط مع التساوي للاصل يقتضي البناء عليه مع احتماله، كما يأتي في المسألة الاتية إن شاء الله تعالى، ولاسيما مع ما عرفت في التنبيه الثاني من اختصاص السيرة على ترجيح الاعلم بما إذا كان التفاضل بوجه معتد به، والالتفات إلى جميع ذلك ونحوه من لوازم البناء على التساقط يوجب القطع بعدم تشريع التقليد بالوجه المذكور المقتضي للتساقط مع التساوي، ولاسيما مع كثرة الابتلاء بالاختلاف بين العلماء من قديم العصور، فلو كان اللازم التساقط مع تعذر استكشاف الحق بالرجوع للامام عليه السلام والاحتياط بالوجه المذكور لكان من البعيد جدا خفاؤه، ولكان ذلك مانعا من حصول التسالم الذي عرفته على التخيير. فالانصاف أن الاجماع في المقام بعد الالتفات إلى لزوم الحرج نوعا من مخالفته، بل الهرج والمرج، مما يشرف بالفقيه على القطع بالتخيير، وأن التضييق بايجاب الاحتياط ليس من سليقة الشارع الاقدس. وإن كان اللازم الاقتصار على لزوم الحرج الفعلي بالوجه المعتد به، لانه المتيقن، ومن الله سبحانه نستمد الهداية والتوفيق. تنبيهان: الاول: مع وصول النوبة للتخيير فهل يجوز التبعيض في التقليد بحسب المسائل أو لا؟. جزم بالاول السيد الطباطبائي قدس سره حتى في أحكام العمل الواحد. وهو متجه لو كان التخيير مقتضى إطلاق الادلة، ولا يضر معه لزوم بطلان العمل الواحد بنظر كلا المجتهدين، لعدم حجية كل منهما إلا في ما قلده فيه، والمفروض عدم مخالفة كل منهما في ما قلده فيه، فعمله عن حجة معتبرة، فيصح له الاجتزاء به.

===============

( 87 )

نعم، لو لزم العلم ببطلان العمل وتحقق المخالفة تفصيلا أو إجمالا سقط كل منهما عن الحجية، وتعين حينئذ تقليد أحدهما أو الاحتياط. لكن عرفت عدم نهوض الاطلاقات باثبات التخيير، وأن المرجع فيه الاجماع ولزوم العسر، والمتيقن منه جواز تقليد أحدهما في جميع المسائل وعدم التبعيض حتى مع تعدد العمل، فضلا عما لو كان العمل واحدا، فيلزم الاقتصار عليه، للاصل. نعم، قد يدعى أن سيرة الشيعة في عصور الائمة عليهم السلام على التبعيض في التقليد، حيث لم يعهد منهم الالتزام بالرجوع لشخص واحد دون غيره، بل كانوا على مقتضى سيرة العقلاء في الرجوع إلى أهل الخبرة يرجعون لكل من تهيأ لهم سؤاله عند الابتلاء بالواقعة. لكنه يندفع باختصاص السيرة بصورة عدم العلم بالاختلاف، كما تقدم، ولا يشمل محل الكلام. هذا وأما كون التخيير استمراريا أو ابتدائيا فيأتي الكلام فيه في المسألة الثالثة عشرة إن شاء الله تعالى. الثاني: بناء على التخيير بين المجتهدين المتساويين في الفضيلة لو اختار زيدا - مثلا - بتخيل أنه عمرو، وعمل على رأيه، فهل يصح تقليده بنحو يترتب عليه ما يأتي في المسألة الثالثة عشرة من أنه لا يجوز العدول منه، أو لا بل يكون كمن لم يقلد في بقاء التخيير له؟ فصل السيد الطباطبائي قدس سره في العروة الوثقى بين ما إذا اخذت خصوصية عمرو داعيا للتقليد، وما إذا اخذت بنحو التقييد، فجزم بصحة التقليد لزيد في الاول، واستشكل في الثاني، وأقره على ذلك بعض المحشين، بل جزم سيدنا المصنف قدس سره ببطلان التقليد في الثاني. وجزم بعض الاعاظم قدس سره بالصحة مطلقا، وأنه لا أثر للتقييد في باب التقليد، ووافقه غير واحد ممن تأخر عنه. والظاهر أن مرجع النزاع إلى إمكان التقييد في التقليد وعدمه، وإلا فمع فرض

===============

( 88 )

التقييد لابد من الالتزام بعدم تحقق المقيد عند فقد قيده. والذي ينبغي أن يقال: إن كان التقليد هو الالتزام بقول الشخص، فهو من الامور الانشائية القصدية القابلة للتعليق والتقييد. وكون متعلق التقليد أمرا جزئيا - وهو الشخص الخاص - إنما يمنع من تقييده، لا من تقييد نفس التقليد وتعليقه، نظير التعليق في العقود والايقاعات المتعلقة بالاعيان الخارجية الجزئية، كالطلاق والبيع والوصية. وإن كان هو المتابعة - كما تقدم - فالظاهر عدم مقابليته للتقييد، لتقوم المتابعة بالعمل الذي هو من الامور الحقيقية غير القابلة له. إن قلت: المتابعة هي العمل اعتمادا على الحجة لا محض العمل المطابق لها، والاعتماد من الامور القصدية، فيقبل التقييد. قلت: الاعتماد على الحجة وإن كان امرا قصديا إلا أنه ليس أمرا إنشائيا، بل حقيقيا، كالمخاصمة والتنفر من الشخص، فهو لا يقبل الوجود التعليقي، بل إما أن يتحقق تبعا لعلته - التي هي من سنخ الداعي - أو لا يتحقق رأسا، وحيث كان الا عتقاد بترتب الداعي تمام العلة له وإن كان خطأ كان اللازم فعلية التقليد في المقام. نعم، لو فرض شك المكلف وتردده في الموضوع الداعي كان ذلك مانعا من فعلية الاعتماد والمتابعة المقومة للتقليد، ولم يتحقق الا محض الموافقة في العمل، التي تقدم في المسألة السادسة عدم كفايتها في تحقق التقليد الذي هو محل كلامهم. لكن التخيير بين المجتهدين لما كان على خلاف الاصل - كما تقدم ويأتي في المسألة الثالثة عشرة - فاللازم الاقتصار فيه على المتيقن، وهو غير صورة موافقة أحدهما عملا ومخالفة الاخر ولو لم يتحقق به التقليد بالمعنى المتقدم، فالتقليد المانع من التخيير لا يتقوم بالمتابعة، بل يكفي فيه محض الموافقة لاحد المجتهدين عملا والمخالفة للاخر. نعم، لو كانا متفقين في المسألة فمحض الموافقة فيها لهما لا تكفي في ارتفاع

===============

( 89 )

[ الا إذا كان أحدهما أعدل، فالاحوط وجوبا اختياره (1). ] التخيير بينهما، لعدم المرجح، وتعين حينئذ اعتبار المتابعة لخصوص أحدهما، والاعتماد عليه في مقام العمل دون الاخر. بل لا يبعد كفاية الالتزام بقول أحدهما ولو مع عدم العمل، وإن لم يكن تقليدا بالمعنى المتقدم، لخروج ذلك عن المتيقن من التخيير بين المجتهدين، الذي يلزم الاقتصار عليه بعد كون التخيير على خلاف الاصل، فلاحظ. (1) في التقريرات أن وجوب اختيار الاورع ظاهر المنقول عن النهاية، والتهذيب، والذكرى، والدروس، والجعفرية، والمقاصد العلية، والمسالك، والتمهيد، وشرح الزبدة، ونسبه بعض المحققين للمشهور، وظاهر سيدنا المصنف قدس سره في مستمسكه الجزم به. لاصالة التعيين مع الدوران بينه وبين التخيير بعد ما تقدم من قصور الاطلاقات عن إثبات التخيير، وأن العمدة فيه الاجما المقتصر فيه على المتيقن وليس منه الفرض. وأما ما ذكره بعض المحققين قدس سره من أن ملاك الحجية هو العلم، وليست العدالة إلا من شروطها، والتفاضل فيها لا يوجب أقوائية ملاك الحجية، فلا مجال لتقديم الاعدل من باب تقديم أقوى الحجتين. فهو - لو سلم - لا ينافي تقديم الاعدل من حيث كونه متيقن الحجية بعد فرض وصول النوبة للاصل.. نعم، لو بني على الرجوع لاصالة التساقط في المتعارضين اتجه عدم الترجيح بالاعدلية، لعدم اليقين بحجية الاعدل حينئذ، كما ذكره بعض مشايخنا. إلا أن يكون ترجيح الاعدل مقتضى سيرة العقلاء، كما لو كانت الاورعية موجبة للاحتياط في الفتوى والزيادة في بذل الجهد بنحو تستلزم الاعلمية، ولعله خارج عن كلام بعضهم. ثم أن التعبير بالاحتياط في كلامه قدس س سره ظاهر في عدم وضوح حال الادلة عنده،

===============

( 90 )

[ مسألة 8: إذا علم أن أحد الشخصين أعلم من الاخر فان لم يعلم الاختلاف بينهما تخير بينهما (1)، ] وهو لا يناسب ما عرفت منه ومنا من الجزم بالرجوع للاصل المقتضي لتعيين الاعدل، إلا أن يريد الفتوى بالاحتياط، لا الاحتياط في الفتوى الذي هو ظاهر الكلام، فلاحظ. (1) صرح غير واحد بأنه مع الجهل بالاختلاف يجوز الرجوع للمفضول، فضلا عن المساوي أو محتمل الافضلية، ولا يجب الفحص عن الاختلاف. وقد استدل له بوجوه.. الاول: ما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من إطلاقات أدلة الحجية. قال: (واحتمال الاختلاف بين الفتويين الموجب لسقوط الاطلاق عن الحجية لا يعتنى به في رفع اليد عن الاطلاق، كما في سائر موارد التخصيص اللبي). وقد أشار بذلك إلى ما بنى عليه قدس سره من جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لبيا، كما في المقام، لان سقوط الاطلاق عن شمول الفتويين المتعارضتين إنما هو لحكم العقل بإمتناع حجيتهما. لكن المبنى المذكور في غير محله، كما تعرضنا لذلك في مبحث العموم والخصوص. مع أن ذلك مختص عندهم بما إذا كان المخصص خفيا غير مانع من انعقاد ظهور العام في العموم، ولا يشمل ما لو كان جليا مانعا من انعقاد العموم، إذ يكون التمسك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف العام، لا من طرف الخاص، وهو غير جائز بلا كلام، كما نبه له شيخنا الاستاذ، فتأمل. الثاني: ما في التقريرات من أصالة عدم المعارض، ولعله إليه يرجع ما ذكره غير واحد من مشايخنا من استصحاب عدم المعارض بنحو العدم الازلي، بلحاظ حال ما قبل وجود الفتوى، إذ بالاستصحاب المذكور يحرز بقاء الفتوى تحت دليل الحجية وعدم خروجها بدليل التقييد.

===============

( 91 )

وفيه: أن الاصل إنما ينفع لو كان مجراه عنوانا قد تضمنه دليل الحكم، والتعارض لم يؤخذ بعنوانه في دليل تقييد إطلاق دليل الحجية، إذ ليس الدليل عليه إلا امتناع حجية كلا المتعارضين، ولا دخل لعنوان التعارض في الامتناع المذكور، بل هو قائم بذات المتعارضين، فدليل الحجية إنما يشمل الفرد في ظرف عدم ابتلائه بالمعارض بنحو نتيجة التقييد، ولا طريق لاحراز ذلك بالاستصحاب. وهذا هو الحال في كثير من موضوعات الاحكام المستفادة من الادلة اللبية. وإن كان قد يستفاد منها أخذ العنوان في الحكم، كما لو قام الاجماع على اعتبار الاسلام في المذكي، فيمكن حينئذ الرجوع للاصل في إحرازه، بخلاف المقام. ومنه يظهر حال ما ذكره بعض مشايخنا من استصحاب العدم النعتي الراجع إلى استصحاب عدم كون المجتهدين مختلفين بلحاظ حال ما قبل اجتهادهما. مضافا إلى أنه يبتني على أن موضوع الحجية هو المفتي، لا الفتوى، وقد تقدم في مبحث اعتبار العقل الاشكال في ذلك. إن قلت: لا مانع من استصحاب عدم المعارض بذاته لا بعنوانه، فإذا افتى المجتهد بالاباحة واحتمل فتوى غيره بالوجوب أمكن استصحاب عدم الفتوى بالوجوب بمفاد ليس التامة، لا الناقصة، ليكون من استصحاب العدم الازلي. ولعل ذلك هو المراد من أصالة عدم المعارض، التي تمسك بها في التقريرات، لا الوجه الاول. قلت: الكلام في الاصل المذكور هو الكلام في الاصل السابق، لان وجود المعارض بذاته بمفاد كان التامة ليس موضوعا لدليل التقييد أيضا، وقصور إطلاق دليل الحجية معه إنما هو بنتيجة التقييد، ولا مجال معه لجريان الاصل الموضوعي. الثالث: سيرة أصحاب الائمة عليهم السلام ومعاصريهم من الشيعة، التي تقدمت الاشارة إليها في ما استدل به على عدم اعتبار الاعلمية وعلى جواز التبعيض في التقليد. والتشكيك فيها من بعض المحققين قدس سره في غير محله، إذ لو كان مبناهم على

===============

( 92 )

الفحص لبان وظهر، لانه على خلاف سيرة العقلاء العامة في جميع موارد الرجوع لاهل الخبرة، بل في جميع موارد الطرق المعتبرة، فإن مبناهم على عدم الفحص عن المعارض لها، لاصالة عدمه. وعليها حمل بعض المحققين قدس سره ما سبق من التقريرات من أصالة عدم المعارض، وإن كان خلاف ظاهرها، بل ظاهرها إرادة الاستصحاب الشرعي. وكيف كان فلا إشكال في أن سيرة معاصري الائمة عليهم السلام والعقلاء على عدم الاعتناء باحتمال المعارض أو نحوه مما يرفع به اليد عن الدليل مع تمامية ملاك دليليته من دون فرق بين الشك في أصل وجود المعارض والشك في معارضة الموجود. وما ذكره بعض المحققين قدس سره من اختصاص سيرة العقلاء بالاول غير ظاهر. كما أن ما ذكره من عدم إحراز مقتضى الحجية في الفتوى الواصلة إلا بعد الفحص، لان بناء العقلاء على الرجوع للافضل من غير فحص ولغيره بعد الفحص عن عدم معارضته بفتوى الافضل غير ظاهر، بل الظاهر بناؤهم على تمامية مقتضي الحجية في الافضل وغيره، وأن تقديم الافضل على غيره عند التعارض لكونه أقوى الحجتين - كسائر موارد الترجيح بين الحجج - المانع من فعلية حجية أضعفهما، فلا يكون الفحص في المقام فحصا عما يتم به مقتضى الحجية في الفتوى الواصلة، كي يجب بلا إشكال، بل عما يمنع من فعلية حجيتها بعد تمامية مقتضي الحجية فيها فلا يجب، لما عرفت من سيرة العقلاء. نعم، لا تبعد دعوى: أن بناء العقلا على عدم الفحص عن المعارض مختص بما إذا لم يكن وجود المعارض متوقعا، لعدم ظهور الخلاف بين أهل الخبرة أو ندرته بسبب قرب مقدمات الاجتهاد من الحس وقلتها، حيث يندر الخلاف حينئذ، وأما مع توقع الخلاف بينهم، لظهوره في كثير من الموارد بسبب ابتناء الاجتهاد على مقدمات نظرية يكثر فيها الخطأ والاختلاف - كما في المقام - فليس بناؤهم على إهمال احتمال المعارض، بل على الفحص عنه، لاستفراغ الوسع في تحصيل الواقع،

===============

( 93 )

ويرون الاكتفاء بقول من وصلوا إليه تفريطا لا يكفي في مقام التعذير والاحتجاج. ولا مجال بعد ذلك للاستدلال على عدم وجوب الفحص عن المعارض بما تقدم من سيرة الشيعة في عصر المعصومين عليهم السلام، لوضوح أن الاجتهاد بينهم لما كان مبنيا على مقدمات قليلة قريبة من الحس كان احتمال الخطأ والاختلاف فيها بعيدا، بل مغفولا عنه، ولم يتضح منهم البناء على عدم الفحص لو كان الخلاف متوقعا وملتفتا إليه، فحالهم لا يشبه الحال في عصورنا. نعم، قد يشبهه في حق بعض العوام ممن يغفل عن الاختلاف، لتخيل وضوح الاحكام لاهلها تبعا لوضوح أدلتها، وفي مثله لا مانع من الالتزام بالحجية. ونظير هذا ما يذكر في مبحث العموم والخصوص من أن معرضية العام للتخصيص مانعة من العمل به قبل الفحص عن المخصص، على ما أشرنا إليه في شرح الكفاية، فراجع. هذا والذي ينبغي أن يقال: إن الفحص في المقام نظير الفحص عن المخصص قبل العمل بالعام، لاشتراكهما في الادلة، فإن عمدة أدلة وجوب الفحص عن المخصص امور ثلاثة.. الاول: معرضية العام للتخصيص، التي عرفت جريانها في ما نحن فيه. الثاني: العلم الاجمالي بوجود المعارضات والمخصصات ونحوها للادلة، وهو جار في المقام في حق كثير من العوام، خصوصا في عصورنا هذه، التي حرر فيها المجتهدون فتاواهم في رسائلهم العملية، بوجه أظهر كثرة الاختلاف بينهم، وأوجب العلم الاجمالي باختلافهم في ما هو محل ابتلاء المكلف غالبا. الثالث: ما دل على وجوب الفحص عن الاحكام، وتعلم الحلال والحرام، والذم على ترك السؤال من الايات والروايات، فإنه كما يقتضي في حق المجتهد وجوب النظر في الادلة وعدم الرجوع للاصول العملية، كذلك يقتضي وجوب النظر في المخصص والمعارض ونحوهما مما يرفع به اليد عن مقتضى الدليل الواصل، وعدم الرجوع للاصول اللفظية، على ما أوضحناه في شرح الكفاية.

===============

( 94 )

وأما في حق العامي فهو كما يقتضي وجوب الفحص عن الاحكام بالسؤال من المجتهدين - كما تقدمت الاشارة إليه في المسألة الاولى - كذلك يقتضي وجوب الفحص عن الفتاوى المعارضة، لاطلاق الادلة المذكورة وتحقق عناوينها بالاضافة إلى ذلك، مثل التفقه والتعلم ونحوهما، فهي ظاهرة في تنجز التكليف إذا كان عليه حجة واقعية يمكن الوصول إليها، فلا يجوز مخالفته إلا بعد الفحص وتعذر الوصول له بحجة معتبرة. نعم، لو لم يلتفت المكلف لاحتمال المخالفة أو كان غير معتد به عند العقلاء خرج عن أدلة وجوب التعلم، لاختصاصها بالاحتمالات المعتد بها عند العقلاء التي يعد مهملها مفرطا، على ما يذكر في مقدار الفحص الواجب، وعلى هذا تحمل سيرة أصحاب الائمة عليهم السلام ومعاصريهم، بخلاف الحال في عصورنا، كما ذكرناه آنفا. وأما ما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من أنه يعلم بانتفاء الحظر من قبل الفتوى غير الواصلة إما لموافقتها للفتوى الواصلة، أو لكونها معارضة لها، فتسقط عن الحجية، لاستحالة حجية المتعارضين، فلا يجب عقلا الفحص عنها. فيندفع: بأنه لا يتم مع احتمال أعلمية المفتي بها ومخالفته، لانها تكون الحجة الفعلية دون الفتوى الواصلة، فلا يجوز إهمالها. وأما مع العلم بالتساوي بين المجتهدين. فإن قلنا بالتخيير، حينئذ فلا إشكال في الاقتصار على الفتوى الواصلة ولو مع العلم بمخالفتها لفتوى الاخر، وكذا لو قلنا بالتساقط والرجوع للبراءة، وهو خارج عن محل كلامهم حينئذ. وإن قلنا بالتساقط ولزوم الاحتياط، فالفتوى غير الواصلة وإن لم تكن بنفسها موردا للحظر، إلا أنها إذا كانت مخالفة للفتوى الواصلة كان الموجب للاحتياط بعد تساقط الفتويين هو المنجز الذي يجب الفحص عن شموله للمورد وعدمه، فتأمل جيدا. ثم إن الفرق بين هذه الوجوه الثلاثة من وجوه..

===============

( 95 )

الاول: أن الوجه الاول يبتني على عدم جريان استصحاب عدم وجود المعارض، إذ مع جريانه يحرز دخول الفتوى الواصلة في أدلة الحجية بلا حاجة إلى إحراز بناء العقلاء على عدم المعارض. وأما الوجه الثاني فهو يقتضي سقوط الاستصحاب المذكور بالمعارضة لو فرض جريانه ذاتا. واما الوجه الثالث فهو يقتضي عدم جريان الاستصحاب المذكور، لتقييد دليله بما بعد الفحص، فكما لا يجوز الرجوع إلى استصحاب عدم التكليف، أو عدم الحجية، أو عدم قيام الحجة على التكليف قبل الفحص، كذلك لا يجوز الرجوع إلى استصحاب عدم المعارض قبله، لان أدلة وجوب الفحص مخصصة لادلة الاصول الترخيصية. الثاني: أن الوجه الاول يبتني على عدم إحراز دخول الفتوى الواصلة في دليل الحجية بعد فرض قصوره عن المتعارضين، والوجه الثاني يبتني على مانعية العلم الاجمالي من حجيتها الفعلية وإن فرض عموم دليل الحجية لها، والثالث يبتني على منجزية احتمال الحجية في الفتوى غير الواصلة المقتضي للفحص عنها، والمستلزم لعدم حجية الفتوى الواصلة قبله فعلا. الثالث: أن الوجه الثاني أخص من الوجهين الاخرين، لاختصاصه بما إذا تنجز المورد بدخوله في أطراف علم إجمالي منجز، دون ما لو خرج عنها. إما لخروج المسألة عن أطرافه بأن لم تكن مما تعم به البلوى، بل كان الابتلاء بها نادرا، كما قيل. أو لخروج المجتهد عنها، كما لو تجدد اجتهاده أو احتمال أعلميته بعد تنجز احتمال الخلاف بين غيره، بحيث لا يعلم إجمالا بحدوث الخلاف منه في غير الموارد التي هي محل الخلاف بين غيره. وهذا بخلاف الوجهين الاخرين، فانهما يقتضيان وجوب الفحص مطلقا. ولعل ما عن بعض الاعاظم قدس سره من اختصاص وجوب الفحص عن رأي الاعلم بالمسائل التي تعم بها البلوى مبني على النظر للوجه الثاني وإهمال غيره. فلاحظ.

===============

( 96 )

[ وإن علم الاختلاف، وجب الفحص عن الاعلم (1)، ] وقد تحصل من جميع ما ذكرنا: لزوم الفحص عن الفتوى المعارضة كلما احتمل عدم حجية الفتوى الواصلة معها، إما لكون صاحبها مفضولا، أو لكونه مساويا، بناء على أنه مع التساوي فالاصل التساقط ولزوم الاحتياط. نعم، لو علم بحجية الفتوى الواصلة على كل حال إما تعيينا أو تخييرا لم يجب الفحص بلا إشكال، والله سبحانه وتعالى العالم. تنبيه: لو علم بعد السؤال من أحد المجتهدين بعدم حصول الفتوى من غيره، لعدم التفاتهم للمسألة أو عدم نظرهم في أدلتها، إلا أنه يحتمل حدوث الفتوى المخالفة منهم لو فرض استفتاؤهم وتجدد النظر منهم فيها، فهل يجب الفحص عن فتواهم أو يجوز الاكتفاء بالفتوى الواصلة في مقام العمل قد يقال بعدم وجوب الفحص لعدم المعارض الفعلي للفتوى الواصلة فيعلم بحجيتها فعلا ولو كان صاحبها مفضولا. لكن لا يبعد البناء على وجوب الفحص حينئذ، لان المستفاد من أدلة وجوب الفحص عن الاحكام تنجزها بإمكان الوصول لها، ولو باستفتاء من لا رأي له فعلا، ولذا وجب الاجتهاد كفاية، ووجب على العامي التقليد في المسائل التي يندر الابتلاء بها ولو علم بعدم التفات المجتهدين لها واستنباطهم لحكمها، ولا يسوغ منه إهمالها لاجل ذلك، وقد عرفت أن أدلة وجوب الفحص كما تقتضي أصل السؤال تقتضي الفحص عن المعارض. (1) لعدم إحراز حجية كل منهما بدونه، لان المقام من موارد اشتباه الحجة باللاحجة. نعم، لو علم بسبق أعلمية أحدهما، فقد يدعى جريان استصحاب أعلميته لاحراز حجيته بلا حاجة إلى الفحص.

===============

( 97 )

[ ويحتاط وجوبا (1)، في مدة الفحص (2)، فإن عجز عن معرفة الاعلم، ] لكن تقدم أن ما دل على وجوب الفحص عن الاحكام ينجز احتمال التكليف ويمنع من الرجوع للاصول قبل الفحص. مضافا إلى أن دليل اعتبار الاعلمية لما كان هو سيرة العقلاء فلا مجال لاستصحابها حتى بعد الفحص، لعدم تعرض الدليل المذكور لاعتبار الاعلمية بعنوانها، كما تقدم نظيره في التمسك بأصالة عدم المعارض. اللهم، إلا أن يتمسك باستصحاب الحجية لرأيه بناء على تمامية شروط الاستصحاب فيه، على ما تقدم الكلام فيه في المسألة الخامسة. لكنه - لو تم - مختص بما إذا لم تتجدد له الفتوى بعد احتمال تجدد أعلمية غيره، فلاحظ. (1) لا يبعد كونه فتوى بالاحتياط، لا احتياطا في الفتوى، وهو يبتني على ما يأتي من الدليل. (2) بعد فرض العلم بأهلية أحد المجتهدين وجواز تقليده واقعا بعينه يكفي في الاحتياط موافقة الاحوط من قوليهما، ولا يعتبر الاحتياط بلحاظ تمام محتملات المسألة. وحينئذ فوجوب الاحتياط مبني على عدم عموم الاجماع على جواز التقليد للعامي وعدم تكليفه بالرجوع للاصول للمقام، وإن احتمله سيدنا المصنف قدس سره، لخروجه عن المتيقن. ولاسيما مع ما عرفت في المسألة السابقة من أن العمدة في ذلك لزوم الحرج، بل الحرج والمرج من الاحتياط، ولزومه في المقام غير ظاهر مع قصر مدة الفحص. نعم، لو طالت المدة، ولزم المحذور المذكور، لم يبعد البناء على جواز تقليد أحدهما تخييرا مع وجوب الفحص بالمقدار الممكن. ثم إنه تقدم منا في المسألة السابقة أن وجوب الاحتياط مع اختلاف

===============

( 98 )

[ فالاحوط وجوبا الاخذ بأحوط القولين (1) مع الامكان، ] المجتهدين مختص بمن يتعذر عليه تمييز مقتضى الاصول الجارية في كل واقعة بشخصها، ويجوز الرجوع لمقتضى الاصول المختلفة لمن يتمكن من تمييزها. ولا مجال لذلك في المقام، لعدم تساقط الفتويين بالمعارضة، للعلم بأعلمية أحد الشخصين الموجبة لحجيته تعيينا الملزمة بموافقته في زمان الفحص. نعم، لو طال زمان الفحص لم يبعد مجئ الكلام الاتي مع تعذر معرفة الاعلم. (1) كأنه لان وجوب تقليد الاعلم يقتضي كون المقام من موارد اشتباه الحجة باللاحجة الموجب للاحتياط بينهما. لكنه مختص بما إذا كان لكل منهما فتوى مطابقة للاحتياط ليست للاخر، للعلم الاجمالي بقيام الحجة على بعض الفتاوى المطابقة للاحتياط، الموجب لتنجز احتمال التكليف في جميعها. أما لو اختص أحدهما بالاحتياط في موارد الاختلاف، فينبغي الرجوع للاصل الجاري في الواقعة الشخصية لو تيسر للمكلف تمييزها، لما تقدم من أنها المرجع في مورد الاختلاف، لعدم المنجز للتكليف المحتمل في مورد الفتاوى المطابقة للاحتياط بعد احتمال كون صاحبها مفضولا. ثم إن توقف سيدنا المصنف قدس سره في جواز تقليد أحدهما تخييرا مبني على عدم استيضاح عموم الاجماع على جواز التقليد للعامي للمقام. وهو خلاف ما صرح به في مستمسكه في المسألة الحادية والعشرين والثامنة والثلاثين من مسائل التقليد. بل قال في المسألة الثامنة والثلاثين: (ولا تبعد دعوى السيرة أيضا على ذلك لندرة تساوي المجتهدين وغلبة حصول التفاوت بينهم ولو يسيرا، وشيوع الجهل بالافضل، وفقد أهل الخبرة في أكثر البلاد، وكون بنائهم على الاحتياط في مثل ذلك بعيد جدا).

===============

( 99 )

وأنكر ذلك بعض مشايخنا، بدعوى: أن المورد من الموارد النادرة، التي لا يمكن تحصيل السيرة فيها، إذ الغالب هو التمكن من تعيين الاعلم ولو بالامارات الشرعية، كما عليه عمل الناس في عصرنا وما سبقه من الاعصار. لكن الانصاف صعوبة الاطلاع بوجه معتبر على الاعلمية، خصوصا مع كثرة المجتهدين وتباعد أمكنتهم، وعدم ظهور أثر علمي لكثير منهم ليتسنى تمييز حاله به، ولا سيما مع كون الاعلمية من الامور الاجتهادية التي يصعب الاطلاع عليها ويكثر الاختلاف فيها. وليس عمل الناس في عصورنا مبنيا على التدقيق التام بالنحو المعتبر شرعا في سائر موضوعات الاحكام الشرعية، بل مبناهم على التمييز بين خصوص المتصدين أو المشهورين بالفتوى على تسامح كثير في التمييز. ولو بني على التدقيق في ذلك والتوقف مع تعذر التمييز الكافي لكثرت موارد الحاجة للاحتياط ولزم العسر والحرج، بل الهرج والمرج، فما ذكره سيدنا المصنف قدس سره في محله جدا. نعم، لا يحرز اتصال السيرة في عصورنا بعصور المعصومين عليهم السلام، للفوارق الكثيرة بين الاجتهاد في عصورنا وعصورهم، فلا يمكن الاحتجاج بالسيرة إلا بملاحظة ما ذكرنا من أن الاقتصار في ترك الاحتياط على خصوص صورة ثبوت الاعلمية بوجه شرعي معتبر، مستلزم لكثرة موارد الاحتياط الموجب للحرج غالبا، فإن ذلك بضميمة دعوى اتفاق الاصحاب والسيرة القائمة في عصورنا الكاشفين عن كون المرتكز عند المتشرعة عدم تضييق الشارع الاقدس عليهم في باب التقليد يوجب القطع العادي بعدم وجوب الاحتياط مع تعذر تمييز الاعلم بالوجه المعتبر، بل المرجع التخيير حينئذ. ويظهر من ذلك أيضا: أن الفحص الواجب عن الاعلم إنما هو بالمقدار المتعارف غير المستلزم للضيق والعسر. نعم، ينبغي الاقتصار في ترك الاحتياط والتخيير في التقليد على صورة لزوم

===============

( 100 )

[ ومع عدمه (1) يختار أحدهما، ] العسر المعتد به من الاحتياط، لانه المتيقن من مجموع الوجوه المتقدمة. وربما يحمل عليه عدم الامكان في المتن، على ما يأتي الكلام فيه. وقد تقدم في الاستدلال على عدم اعتبار الاعلمية بلزوم العسر، وفي الاستدلال على التخيير مع التساوي ما له نفع في المقام. ثم إنه لا يبعد ترجيح مظنون الاعلمية، كما جزم به السيد الطباطبائي قدس سره، لعدم القطع بالتخيير معه مع ما عرفت من تسامح المتشرعة في مقدار الفحص عن الاعلمية، فيكون مظنون الاعلمية متيقن الحجية، فيتعين اختياره للدوران بين التعيين والتخيير، كما أشار إليه سيدنا المصنف قدس سره، والله سبحانه العالم. (1) عرفت احتمال حمله على العسر، وهو وإن كان خلاف الظاهر بدوا، إلا أنه قد يتعين بلحاظ ظهور كلامه قدس سره في فرضه في تمام المسائل، إذ فرض تعذر الاحتياط في كل منها بعيد جدا، بل غير واقع، وفرض تعذره في تمام محل الابتلاء بنحو العموم المجموعي الذي يكفي فيه التعذر في بعض المسائل - كالجمع بين القصر والتمام مع ضيق الوقت - هو الغالب، الذي يندر أو لا يكون خلافه، فلا يناسب فرض الامكان في كلامه قدس سره، مع أن تعذر الاحتياط في المجموع لا يقتضي سقوطه مطلقا بناء على الرجوع للقواعد المقتضية له، فضلا عن تشريع التقليد، بل يقتضي التبعيض فيه بحسب المسائل، فيقتصر في تركه على مورد التعذر. وهذا بخلاف ما لو حمل على العسر، فانه قد يكون تعسر الاحتياط في المجموع ولو بلحاظ بعض لوازمه موجبا لسقوطه وتشريع التقليد، على ما تقدم الكلام فيه. اللهم إلا أن يدعى أن المتيقن من الدليل المتقدم لزوم التخيير مع تعذر الاحتياط في المجموع وعدم الاكتفاء بلزوم العسر منه، لكنه بعيد، بل الظاهر كفاية العسر، كما تقدم. ثم إنه لو فرض تعذر الاحتياط في المسألة الواحدة - كما في القصر والاتمام

===============

( 101 )

[ وكذا لو تردد بين كونهما متساويين وكون هذا المعين أعلم، وكون المعين الاخر أعلم (1) وإن علم أنهما إما متساويان أو أحدهما المعين أعلم، وجب تقليد المعين (2). مسألة 9: إذا قلد من ليس أهلا للفتوى وجب العدول عنه إلى من هو أهل لها (3)، وكذا إذا قلد غير الاعلم وجب العدول إلى الاعلم، وكذا لو قلد الاعلم ثم صار غيره أعلم (4). مسألة 10: إذا قلد مجتهدا ثم شك في أنه جامع للشرائط أولا وجب عليه الفحص (5) ] مع ضيق الوقت - فوجوب موافقة أحد محتملي الحجية يبتني على ما هو الظاهر من لزوم الموافقة الاحتمالية في أطراف العلم الاجمالي مع الاضطرار إلى المخالفة في بعض غير معين. وتمام الكلام في مبحث الاشتغال من الاصول. (1) لعدم كون أحدهما متيقن الحجية. (2) لانه متيقن الحجية. (3) لادلة وجوب التقليد بعد فرض عدم شمولها للتقليد الاول، وكذا الحال في ما بعده. (4) لعموم السيرة على تقليد الاعلم، التي يخرج بها عن استصحاب حجية رأي الاول - لو تم في نفسه - أو عن احتمال عدم جواز العدول عنه الموجب للتخيير، كما يأتي في المسألة الثالثة عشرة ان شاء الله تعالي. (5) لعدم كون التقليد بحدوثه موضوعا لاثر شرعي، كي تجري أصالة الصحة في التقليد بلحاظه. وحرمة العدول مع التقليد الصحيح للمفضول أو المساوي ليس من أحكام التقليد الشرعية، بل هو حكم عقلي منتزع من عدم حجية المعدول إليه أو

===============

( 102 )

[ فإن تبين أنه جامع للشرائط بقي على تقليده (1)، وان تبين أنه فاقد لها أو لم يتبين له شي، عدل إلى غيره (2)، ] عدم إحراز حجيته، وذلك لا يكفي في جريان أصالة الصحة في التقليد. مع أن أصالة الصحة بلحاظ الاثر المذكور لا تحرز حجية فتوى من قلده، ليمكن اجتزاء العقل بها في الاعمال السابقة، فضلا عن الاعمال اللاحقة. نعم، لو كانت الحجية من آثار التقليد جرت أصالة الصحة في ذلك. لكنه ليس كذلك، كما تقدم في المسألة السادسة. (1) ولا يجوز العدول منه حتى للمساوي، بناء على ما يأتي في المسألة الثالثة عشرة. (2) أما مع تبين فقده للشرائط فواضح، كما تقدم في المسألة السابقة. وأما مع عدم تبين شي، فقد يشكل بعدم اليقين بحجية العدول إليه، لاحتمال كون تقليد الاول في محله فلا يجوز العدول منه للثاني. لكن احتمال وجوب البقاء على تقليد مجهول الحال كاحتمال وجوب تقليده من أول الامر لا يعتنى به بعد الفحص، وذلك لاحراز دخول المعدول إليه في أدلة الحجية، فلا مجال لرفع اليد عنه بالاول بعد عدم إحراز أهليته ودخوله في الادلة المذكورة لما هو المعلوم من عدم الاعتناء باحتمال المعارض بعد الفحص. نعم، لو علم بأهلية الاول واحتمل كونه مفضولا فقد سبق أنه مع احتمال الافضلية من الطرفين يتعين التخيير، ومع احتمالها من طرف واحد يتعين تقليده، لانه متيقن الحجية. أما في المقام فمع احتمال الافضلية من الطرفين يتعين البقاء، لما يأتي من عدم جواز العدول بعد سبق اختيار أحد الطرفين، ومع احتمال الافضلية في الثاني فقط لا يتعين تقليده بل يتخير لاحتمال كون التقليد الاول في محله، فلا يجوز العدول عنه، فلا يكون الثاني متيقن الحجية، فتأمل.

===============

( 103 )

[ وأما أعماله السابقة فإن عرف كيفيتها رجع في الاجتزاء بها إلى المجتهد الجامع للشرائط (1)، وان لم يعرف كيفيتها بنى على الصحة (2). مسألة 11: إذا بقي على تقليد الميت غفلة، أو مساهلة، مندون أن يقلد الحي في ذلك، كان كمن عمل من غير تقليد (3)، وعليه الرجوع إلى الحي في ذلك (4). مسألة 12: إذا قلد من لم يكن جامعا للشرائط، والتفت بعد مدة، كان كمن عمل عن غير تقليد (5). ] (1) للزوم إحراز موافقة العمل للحجة حين الالتفات إلى حال العمل وترتيب الاثر عليه، وما يأتي في المسألة السادسة عشرة من الاجتزاء بتقليده السابق في بعض الصور مختص بما إذا أحرز كون التقليد السابق في محله، وهو غير محرز في المقام، فلا مجال للاعتماد عليه. (2) لقاعدة الفراغ والصحة، كما تقدم نظيره في المسألة الثانية، وتقدمت الاشارة لبعض المناقشات فيها ودفعها. (3) لعدم إحراز حجية رأيه وجواز تقليده. والادلة السابقة على جواز البقاء إنما تنفع المجتهد العالم بمقتضاها في مقام الفتوى للغير بجواز البقاء، أو في عمل نفسه لو فرض تيسر الاجتهاد له في خصوص هذه المسألة، دون العامي الصرف الذي لا يتيسر له العلم بمقتضاها، بل لابد له من تحصيل الحجة على جواز البقاء بالرجوع للغير وتقليده في هذه المسألة. (4) لانه متيقن الحجية في الجملة. ويأتي في المسألة الخامسة عشرة ما له نفع في المقام إن شاء الله تعالى. (5) لعدم حجية فتوى من قلده مع فقده للشرائط، فلا يصح الاعتماد عليها عقلا في الاجتزاء بالعمل.

===============

( 104 )

[ مسألة 13: لا يجوز العدول من الحي إلى الحي (1)، إلا إذا صار ] (1) قال سيدنا المصنف قدس سره: (إجماعا في الجملة حكاه غير واحد). وقيل إنه المحكي عن التهذيب وشرحه والذكرى وشيخنا الاعظم في رسالة الاجتهاد والتقليد. لكن عن محكي المحقق والشهيد الثانيين (قدس سرهما) في الجعفرية والمقاصد العلية التصريح بالجواز تبعا للمحكي عن النهاية والمحقق الاول واختاره بعض المحققين قدس سره. وكيف كان، فالكلام تارة: يكون مع كون من قلده أولا أفضل. واخرى: مع تساوي المجتهدين من أول الامر أو بعد ذلك. أما في الصورة الاولى فيقتضي المنع عن العدول - مضافا إلى الاصل العقلي الاتي - عموم سيرة العقلاء على تعيين الاعلم عند الاختلاف، وقد تقدم التعرض لها في المسألة السابعة. وأما في الصورة الثانية فالعمدة فيه أصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير بعد ما عرفت من قصور الاطلاقات عن شمول الفتاوى المتعارضة، وأن العمدة في جواز التقليد حينئذ الاجماع المقتصر فيه على المتيقن، وهو في المقام من قلده أولا. هذا، والمحكي عن شيخنا الاعظم قدس سره دعوى حكومة استصحاب التخيير على الاصل المذكور، لانه أصل شرعي يرفع موضوع الاصل العقلي. وهو - لو تم - يقتضي الورود لا الحكومة، كما لا يخفى. وقد استشكل في استصحاب التخيير بوجهين.. الاول: ما ذكره بعض مشايخنا من عدم إحراز بقاء الموضوع، إذ لو كان التخيير مستفادا من أدلة لفظية امكن دعوى أن موضوعه المكلف الذي تعارضت الفتاوى في حقه، وهو باق بعد اختيار إحدى الفتويين وحجيتها في حقه، أما حيث كان

===============

( 105 )

مستفادا من الادلة اللبية المجملة فربما يكون موضوعه خصوص من ليس عنده حجة فعلية، وهو مرتفع باختيار إحدى الفتويين وحجيتها فعلا في حق المكلف، فتأمل. ويندفع: بأن المراد بالموضوع إن كان هو ما يدور الحكم مداره مما اخذ فيه شرعا - كالاستطاعة المأخوذة في وجوب الحج - فجريان الاستصحاب لا يتوقف على العلم ببقائه، بل لو فرض العلم ببقائه علم ببقاء الحكم ولم يجر الاستصحاب. وإن كان هو معروض الحكم - كالماء المعروض للنجاسة، والمرأة المعروضة للزوجية - الذي هو المعيار في جريان الاستصحاب، فلا يفرق فيه بين كون الدليل على الحكم لفظيا وكونه لبيا، وليس المرجع فيه إلا العرف، على تفصيل يذكر في محله لا مجال لاطالة الكلام فيه. والحجية في المقام أمر اعتباري قائم بالحجة - كالفتوى - والمحتج - كالمولى - والمحتج عليه - كالعبد - والمحتج فيه - وهو الحكم - وكلها باقية في المقام. نعم، تقدم احتمال تقوم الحجية بخصوصيات الوقائع، بنحو يكون تعددها موجبا لتعدد الموضوع، ومن ثم احتمل كون استصحاب الحجية تعليقيا. لكنه - لو تم - لا يختص باستصحاب التخيير، بل يجري في استصحاب الحجية مطلقا، وهو خارج عن محل الكلام، فلاحظ. الثاني: أن الاستصحاب المذكور من الاستصحاب التعليقي، لرجوع الحجية التخييرية إلى حجية كل من الفتويين على تقدير اختيارها، ولا مجال للتعويل عليه، إما لعدم جريانه ذاتا - كما هو المختار - أو لمعارضته بالاستصحاب التنجيزي - وهو في المقام استصحاب الحجية التعيينية الفعلية للفتوى المختارة أولا، وعدم حجية غيرها - على ما فصل في محله. وهو مبني على أن الحجية التخييرية عبارة عن حجية كل واحدة من الفتويين على تقدير اختيارها لا مطلقا، أما لو قيل بأنها عبارة عن حجية كل منهما فعلا للمكلف، وحجيتهما معا عليه، - كما أشرنا إليه في أوائل المسألة السابعة -

===============

( 106 )

فهي ليست تعليقية. ولعله إلى هذا يرجع ما ذكره بعض المحققين قدس سره من لزوم الالتزام بكون كل من الفتويين مبرئة للذمة ومعذرة عن الواقع. وإلا فهو بظاهره مشكل، لان المعذرية والمنجزية من الاحكام العقلية غير المجعولة شرعا. وبالجملة: الحجية بالمعنى المذكور أمر تنجيزي لا مانع من استصحابه ذاتا، كما لا مجال لمعارضته باستصحاب الحجية التعيينية الفعلية للفتوى المختارة أولا، وعدم حجية غيرها، لان الحجية بالمعنى المذكور لا تصير تعيينية باختيارها، كما أشار إليه بعض المحققين قدس سره فلا مجال لاستصحاب الحجية التعيينية، كي يعارض استصحاب التخيير. نعم، تفسير الحجية التخييرية بذلك وإن كان ممكنا، بل قريبا، إلا أنه لم يثبت بوجه معتد به، ليمكن ترتيب الاثار عليه. ولاسيما أنها لم تؤخذ من الادلة اللفظية، لما سبق من ظهور الاطلاقات في الحجية التعيينية، وقصورها عن صورة التعارض، فلو فرض حملها في صورة التعارض والتساوي على الحجية التخييرية، بقرينة الاجماع المتقدم، فهي لا تنهض بشرح الحجية التخييرية في المقام، بل هي مجملة من هذه الجهة، والمتيقن من الاجماع حجية الفتوى التي اختارها أولا دون الاخرى. والحاصل: أنه لا مجال لاستصحاب الحجية التخييرية، لاحتمال كونها أمرا تعليقيا. مع أنه لا يتم مع سبق أعلمية من قلده أولا، ثم تجدد مساواة غيره له، لسبق حجيته التعيينية بلا إشكال فهي المستصحبة دون الحجية التخييرية. هذا، مضافا إلى ما عرفت في المسألة الخامسة من الاشكال في جريان استصحاب الحجية من أصله بالاضافة إلى الوقائع اللاحقة، لاحتمال كونه تعليقيا. فالانصاف: أنه لا مجال للخروج بالاستصحاب المذكور عن الاصل العقلي المتقدم المانع من العدول في هذه الصورة. نعم، عرفت في المسألة السابقة الاشكال في جريان الاصل المذكور مع إمكان الرجوع للاصول الترخيصية في موارد الاختلاف، لتحقق موضوعاتها وتمييز

===============

( 107 )

[ الثاني أعلم (1). ] مواردها، وحينئذ فإن جرى استصحاب الحجية التعيينية لمن قلده أولا - كما لو سبقت أعلميته وقلنا بجريان استصحاب الحجية - لم يجز العدول عنه، وإلا جاز الرجوع للاصول المذكورة وإن كان مقتضاها مخالفا لفتواه عملا. لكن التمكن من الرجوع للاصول المذكورة مانع من التخيير مع التساوي، بل يقتضي التساقط والرجوع للاصول الشخصية الجارية في الوقائع المختلفة وإن كانت إلزامية، ففرض التخيير ملازم لفرض تعذر الرجوع للاصول المذكورة، الموجب لتنجز احتمال التكليف في موارد الاختلاف المقتضي لجريان الاصل العقلي المتقدم، المانع من العدول. هذا، وقد ذكر في الجواهر أن المتيقن من الاجماع على عدم جواز العدول عن الحي هو ما عمل به من فتواه في الزمان الماضي، أما المتجدد من الزمان فهو مخير فيه بينه وبين غيره، كما كان مخيرا في ابتداء التقليد. وقد حمله سيدنا المصنف قدس سره على التفصيل بين آثار العمل الذي جرى فيه على تقليد الاول وغيرها، فيجوز العدول في الاخيرة دون الاولى، فلو قلد شخصا في العقد على امرأة بالفارسية وجب عليه ترتيب آثار الزوجية اعتمادا على فتواه وإن جاز له العدول إلى غيره في المسألة المذكورة، فلا يرتب آثار الزوجية على من يتجدد منه العقد عليها بالفارسية، فضلا عن غير المسألة المذكورة. وكأنه مبني على أن التخيير هو مقتضى إطلاقات أدلة التقليد، فيجب الاقتصار في الخروج عنها على المتيقن من الاجماع. وقد عرفت المنع من ذلك، وأنه لا دليل على التخيير الا الاجماع المقتصر فيه على المتيقن، وهو التخيير من أول الامر لا غير، فلاحظ. (1) فيجب العدول إليه، لعدم الفرق في السيرة على تعيين الاعلم من الاختلاف بين ابتداء التقليد واستدامته.

===============

( 108 )

[ مسألة 14: إذا تردد المجتهد في الفتوى (1)، أو عدل من الفتوى إلى التردد (2)، ] نعم، الاصل العقلي على تعيين الاعلم يقتضي وجوب العدول، لان احتمال تعيين الاعلم معارض باحتمال حرمة العدول، فيحتمل التعيين في كل من الطرفين، ولا متيقن في البين، وذلك يقتضي التخيير بناء على الاجماع على مشروعية التقليد للعامي. بل لو جرى استصحاب الحجية التعيينية لفتوى من قلده أولا كان اللازم البقاء. فالعمدة في المقام السيرة، كما تقدم في المسألة السابعة. ثم إنه لا إشكال بناء على ذلك في وجوب العدول مع العلم بأعلمية الثاني، وأما مع الشك فيه فإن كان احتمال الاعلمية في الطرفين حرم العدول، وإن اختص به الثاني جاز العدول وكان الحكم التخيير، كما تقدم نظيره في المسألة العاشرة، فتأمل. (1) بأن لم يستوضح الوظيفة الفعلية من الادلة، ومرجعه إلى عدم انعقاد الرأي له، فلا موضوع لتقليده. (2) بأن انكشف له الخطأ في استناده لما استند إليه في الفتوى السابقة، وإن لم يتضح له خطأ الفتوى نفسها لفرض تردده، وليس بناء العقلاء في مثله على حجية رأيه السابق، نظير ما لو عدل عن فتواه الاولى، لانكشاف الخطأ له فيها. وأما لو نسي المستند فإن كان تاركا للنظر في الادلة، لانشغاله أو تسافل حاله أو ضياع الادلة عليه فالكلام في تقليده هو الكلام في البقاء على تقليد الميت، كما تقدم نظيره في اعتبار العقل في المفتى، ولا يبعد أنه خارج عن مفروض كلام سيدنا المصنف قدس سره. وإن تجدد له النظر في الادلة ولم يتضح له منها الحكم مع نسيانه لمستند فتواه السابقة وذهوله عنه بحيث لا يرجع تردده إلى تخطئته لنفسه ولو إجمالا، فلا يبعد

===============

( 109 )

[ تخير المقلد بين الرجوع إلى غيره (1) ] بناء العقلاء على عدم ترتيب الاثر على الفتوى السابقة وإن لم يخطئ نفسه فيها. ولا أقل من الشك الموجب للتوقف بعد ما تقدم من عدم إطلاق للادلة الشرعية ينهض بإثبات الحجية في غير مورد السيرة. اللهم إلا أن يتمسك باستصحاب حجية الفتوى السابقة حينئذ. لكنه - لو تم في نفسه - إنما ينفع مع عدم فتوى لغير الشخص المذكور في الواقعة، وإلا كانت الفتوى المذكورة مشمولة لادلة الحجية وحاكمة على الاستصحاب المذكور. هذا كله إذا لم يكن تردد المجتهد لتسافل حاله، أما لو كان حين فتواه السابقة أعلم منه حين تردده فلا يبعد بناء العقلاء على حجية فتواه السابقة سواء رجع تردده إلى تخطئة نفسه أم لا، نظير ما تقدم في من يترك النظر في الادلة. (1) ممن له فتوى في المسألة، لشمول أدلة الحجية لها بعد فرض عدم معارضتها بفتوى الاول، ومجرد توقف الاول عن الفتوى وإن كان أعلم لا يوجب التوقف على فتوى غيره، لعدم تخطئته له، بل هو لا يستوضح مقتضى الادلة، والا فلو استوضحه لكان عليه الفتوى موافقا أو مخالفا له. نعم، قد يخطئه في الاستناد لبعض الادلة، ويكون تردده لعدم استيضاحه لحال الادلة الاخر. لكن هذا لا يمنع من دخول فتوى المفتي في أدلة الحجية، لعدم المعارض له في نفس الفتوى بالحكم الشرعي التي هي موضوع الحجية، وليس موضوعها الرأي في الادلة من دون أن يرجع إلى نفس الحكم الشرعي حتى تهم المعارضة فيه. اللهم إلا ان يدعى قصور سيرة العقلاء عن الفتوى المستندة إلى الدليل الذي يرى الاعلم عدم صحة الاستناد إليه، وإن لم يخطئ الاعلم الفتوى نفسها، وحينئذ يشكل دخولها في إطلاقات أدلة الحجية، لما تقدم من ورودها لامضاء السيرة.

===============

( 110 )

[ الاعلم فالاعلم (1)، والاحتياط (2) إن أمكن (3). ] نعم، تعذر تمييز العامي لذلك غالبا موجب لجواز تقليده للمفتي المفضول، لعدم إحرازه للمانع من حجيتها، فتأمل جيدا. (1) لعموم دليل اعتبار الاعلمية لاحاد المسائل. وأما مع التساوي أو اشتباه الاعلم فلا يبعد البناء على التخيير مع لزوم الحرج من الاحتياط لكثرة المسائل التي يتردد فيها المجتهد وتقع مورد ابتلاء المكلف، لما تقدم. (2) بناء على ما سبق من جواز ترك التقليد وسلوك طريق الاحتياط. (3) أما لو تعذر فيتعين التقليد لما سبق من تنجز الواقع في حق العامي قبل الفحص، فيلزم الخروج عنه ولو بمتابعة الحجة. ثم إنه لو فرض توقف جميع من يمكن الوصول إليه من المجتهدين عن الفتوى وترددهم في المسألة لزم رجوع العامي للاصل، ومقتضى إطلاق كلامهم أنه يقتضي الاحتياط حينئذ. لكن الظاهر أنه يختلف باختلاف المسائل من حيث اختلاف الاصول الجارية فيها، وقد يتيسر للعامي تمييز مقتضياتها، ولو بالرجوع للغير كالمجتهد الذي كان قد قلده، فيفتيه بمقتضى الاصل الجاري في حقه بعد تعذر الوصول للحجة عليه. وقد تقدم توضيح ذلك في المسألة السابعة. ودعوى: انه لا مجال للمجتهد بعد فرض توقفه عن الفتوى في إرجاع العامي لمقتضى الاصل الذي قد يكون ترخيصيا. مدفوعة: بأن توقف المجتهد عن الفتوى بلحاظ الادلة التفصيلية التي يتيسر له النظر فيها لا ينافي فتواه للعامي بمقتضى الاصل، بلحاظ عدم قيام الحجة في حق العامي الذي هو متيقن بعد فرض توقف جميع المجتهدين عن الفتوى له، فإنه يوجب اليقين بدخول العامي في موضوع الاصل الترخيصي أو الالزامي،

===============

( 111 )

[ مسألة 15: إذا قلد مجتهدا يجوز البقاء على تقليد الميت فمات ذلك المجتهد، لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة (1)، بل ] فتأمل جيدا. (1) كأنه لعدم يقين العامي بحجية رأي الميت، فلا مجال للرجوع إليه، بل لابد من الرجوع للحي المتيقن الحجية في ذلك، للزوم انتهاء الحجة للعلم، كما أشرنا إليه في المسألة الحادية عشرة. لكن هذا قد يتم مع أعلمية الحي، أما مع أعلمية الميت فلا وجه له، لعدم يقين العامي أيضا بحجية فتوى الحي، لاحتمال وجوب البقاء على تقليد الميت لكونه أعلم مع عدم مانعية الموت. وأما ما ذكره شيخنا الاستاذ دامت بركاته عند مذاكرته في المسألة، وحكي عن سيدنا المصنف قدس سره من قيام السيرة على سؤال الحي في ذلك. فهو - لو تم - ناشئ إما عن الغفلة عن رأي الميت والجهل به، لما هو المعلوم من غلبة عدم اطلاع العوا على آراء الاموات قبل تحرير الفتاوى في الرسائل العملية، خصوصا مسائل الاجتهاد والتقليد، أو عن اشتهار عدم الاعتداد برأي الميت في ذلك في العصور المتأخرة، لا عن ارتكاز اعتبار الحياة ومانعية الموت، كيف وقد تقدم عدم الاشكال ظاهرا في عموم مرجحية الاعلمية، وفي عدم دخل الحياة بحسب المرتكزات العقلائية الاولية، وأن خلاف ذلك محتاج لادلة تعبدية شرعية لا يدركها العوام بأنفسهم. ودعوى: امتناع حجية رأي الميت في البقاء على تقليده، لانه دورى، لرجوعه إلى توقف حجية رأي الميت على حجية رأيه. ممنوعة، لتعدد الموضوع، فان حجيته في مسألة البقاء غير حجيته في الاحكام الفرعية العملية الاخرى، فلا مانع من ابتناء الثانية على الاولى، ونظيره وجوب التقليد على العامي في مسألة وجوب التقليد.

===============

( 112 )

نعم، لابد من انتهاء الحجة إلى العلم، ومن ثم أشكل الحال في أصل مسألة وجوب التقليد، إذ لو فرض علم العامي بمشروعية التقليد لم يحتج إلى التقليد فيه، وإن فرض شكه فيه لم يصح منه تقليده فيه، لعدم انتهائه في اصل مشروعية التقليد إلى العلم. وأما ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره من أن التقليد في حق العامي لا يحتاج إلى تقليد، بل هو بديهي جبلي فطري مستغن عن الدليل، وإلا لزم سد باب الامتثال في حقه، لتعذر الرجوع عليه إلى الادلة الشرعية التفصيلية من الكتاب والسنة، وتعذر تقليده فيه لما عرفت. ففيه ما أورده شيخنا الاستاذ من أنه: يستلزم لغوية فحص المجتهد عن حكم هذه المسألة، لانه إن كان لعمل نفسه فهو غير مبتلى بالتقليد، وإن كان لعمل العامي، فهو لا يرجع إليه فيه، بل إلى جبلته وفطرته. مع أن وضوح دليل المسألة يستلزم كون تجشم تحصيل الادلة لها من الكتاب والسنة عبثا. فتأمل. بل يستلزم امتناع إنكاره وطلب الادلة الشرعية المانعة منه، مع أنه قد حكي عن بعض منعه، ولم يعرف عن أحد الانكار عليه بأنه مناف للبديهة التي لا مجال معها لاقامة البرهان. مضافا إلى ان بداهة مشروعية التقليد إن كانت مع تحديد التقليد المشروع سعة وضيقا، امتنع التقليد في الخصوصيات من حيث شروط التقليد والمقلد وغيرها، لامتناع تخصيص القضية البديهية بالدليل الشرعي. وإن كانت مع إهمالها وإجمالها لزم الاقتصار على المتيقن، ولا متيقن في مثل المقام، كما عرفت، فلاحظ. ومن ثم ذكر شيخنا الاستاذ أن ما هو البديهي الفطري هو التقليد في مسألة وجوب التقليد، فهو الذي لا يحتاج إلى الاستدلال ويدركه العامي بنفسه، وأما التقليد في الاحكام الفرعية فهو النظري المحتاج إلى الاستدلال، وهو الذي يختص المجتهد بمعرفته بعد النظر في الادلة من الكتاب والسنة وغيرهما، ويرجع العامي إليه فيه.

===============

( 113 )

لكنه يشكل بأن المسألتين من باب واحد، لاتحاد الملاك فيهما واتحاد أدلتهم، وعمدة الدليل الذي يدركه كل أحد هو المرتكزات العقلائية على رجوع الجاهل للعالم التي هي قابلة للامضاء والردع الشرعيين، كما لعله ظاهر. مضافا إلى ما عرفت من الوجه الاخير في الاشكال على ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره. فلعل الاولى أن يقال: لما كان الردع والامضاء مما يتعذر وصوله للعامي من غير طريق التقليد لعجزه التام قبح من الشارع الاقدس الردع عن التقليد في مسألة مشروعية التقليد في الاحكام الفرعية، ويقطع معه بإمضائه للتقليد في المسألة المذكورة وإن امكن ردعه عنه في الاحكام الفرعية بنحو يصل للعامي ولو من طريق التقليد. وبعبارة اخرى: الحجج الارتكازية العقلائية وإن كانت قابلة للامضاء والردع من قبل الشارع وغيره من الموالي، إلا أن العقل يحكم بحجيتها مع تعذر العلم بحالها من قبل المولى وعدم جواز إهمالها مع عدم وصول الردع من المولى والعلم بخروجه عن الطريقة العقلائية الارتكازية، لتمامية مقتضي الحجية فيها. فالفرق بين هذه الطرق والعلم أن العلم علة تامة في الحجية لا يقبل الردع والامضاء، بخلافها، والفرق بينها وبين الطرق التعبدية أن مقتضي الحجية في الطرق التعبدية مأخوذ من الشارع، فيحتاج إلى الاثبات، بخلاف هذه الطرق، فإن مقتضي الحجية فيها ثابت ارتكازا، ولا تحتاج إلا إلى الامضاء الذي يكفي فيه إثباتا عدم ثبوت الردع، للزوم العمل بالمقتضي ما لم يثبت المانع عقلا في مثل ذلك. وحينئذ إذا انحصر طريق الامضاء والردع عنها بالرجوع إليها كانت حجة في ذلك عقلا. ولذا لو فرض ورود ظهور كلامي مثلا رادع عن حجية الظواهر أو متضمن لامضائها كان حجة يلزم الرجوع إليه عقلا. وبهذا يظهر الفرق بين التقليد في مسألة وجوب التقليد، والتقليد في المسائل

===============

( 114 )

الفرعية، حيث إن تعذر وصول الردع عن الاول للعامي موجب للعلم بحجيته، وإمكان وصول الردع عن الثاني له، ولو بطريق التقليد موجب للشك في حجيته، الموجب للتقليد فيه على العامي والفحص عن دليله على المجتهد. وحينئذ إن التفت العامي وشك في مشروعية التقليد وجب عليه الرجوع للمجتهد فيه، فيفتيه بمقتضى ما يستظهره من أدلة الامضاء والردع، وإن غفل عن ذلك وقلد في الاحكام الفرعية جريا على مقتضى مرتكزاته، فإن كان المجتهد يرى جواز التقليد فهو، وإلا وجب عليه تنبيهه إلى الردع عنه شرعا، لوجوب تبليغ الاحكام والاعلام بها للغافل عنها. نعم، يجب على العامي الاخذ بالمتيقن في ذلك، فيراعي كل ما يحتمل أخذه في مرجع التقليد من الحياة والاعلمية والاورعية وغيرها، لاحتمال ثبوت الردع به، المنجز قبل الفحص. أما لو لم يتيسر له المتيقن، بأن فقد كل من المجتهدين ما يرى الاخر اعتباره، فمقتضى الاصل التساقط والرجوع للاصول، كما لو فرض انحصار الامر بشخصين: عبد طاهر المولد يرى اعتبار طهارة المولد دون الحرية، وحر غير طاهر المولد يرى اعتبار الحرية دون طهارة المولد، فمقتضى الاصل التساقط والرجوع للاصول. لكن تقدم أن تعذر تمييز مجاري الاصول على العامي يقتضي بدوا الاحتياط المستلزم للعسر بنحو يعلم بعدم رضا الشارع به، وهو كاشف عن التخيير شرعا بين المجتهدين. هذا في غير الاعلمية، أما فيها فحيث كانت هي من المرجحات الارتكازية العرفية التي يدرك العامي الترجيح بها بطبعه، كما يدرك لزوم التقليد تعين على العامي الترجيح بها ما لم يثبت الردع عن ذلك بالاتفاق من الكل. وعلى هذا فكلما اختلف الاعلم مع غيره في شرط من شروط التقليد لزم موافقة الاعلم، وإن كان فاقدا للشرط المذكور ولم يكن متيقنا من الحيثية المذكورة. وإن اختلف المتساويان تخير العامي بينهما بعد فرض تعذر الاحتياط أو تعسره

===============

( 115 )

في حقه. ومنه يظهر الاشكال في ما تقدم من الاستدلال لوجوب الرجوع للحي في ما نحن فيه بأنه المتيقن، فانه لا يتم مع أعلمية الميت، بل يلزم الترجيح بالاعلمية. وحينئذ فإذا فرض كون الميت أعلم وكان يرى وجوب البقاء على تقليد الميت وجب تقليده، ولا يجب تقليد الحي المفضول. وإن كان يرى جواز العدول عنه جاز العدول. نعم، لو كان الحي المفضول يرى حينئذ وجوب العدول كان العدول أحوط، لانه المتيقن. أما لو كان الميت الافضل يرى وجوب العدول والحي يرى وجوب البقاء وجب البقاء لعدم حجية فتوى الميت في ذلك، لسقوطها عن الحجية بعموم الردع المستفاد منها لها وعدم صلوح الحي لاثبات حجيتها. وتوضيح ذلك: أن فتوى الميت بوجوب العدول وإن كانت حجة في نفسها في المرتبة الاولى بمقتضى السيرة على وجوب الرجوع للاعلم وإن كان ميتا وعدم ثبوت الردع عنها في هذه المرتبة، إلا أنها لما كانت راجعة إلى مانعية الموت من التقليد مطلقا بنحو لا يصلح الميت لتشخيص الوظيفة الفعلية كانت شاملة لنفسها، لعموم المانعية لها، فتخرج عن الحجية بقاء، وتبقى فتاوى الميت - سواء كانت في الاحكام الفرعية أم في وجوب العدول - قاصرة عن تشخيص الوظيفة العملية بنفسها، ولا يصلح لتشخيصها إلا الحي، فإذا أفتى الحي بلزوم البقاء على تقليد الميت كانت فتواه المذكورة موجبة لحجية فتاوى الميت في الاحكام الفرعية، دون فتواه بوجوب العدول، إذ الفتوى المذكورة معارضة لفتوى الحي الحجة، فتكون فتوى الحي مكذبة لها وحجة على خطئها. ولا مجال لتوهم العكس بدعوى: أن حجية فتوى الميت بوجوب العدول تقتضي حجية فتوى الحي في الاحكام الفرعية، دون فتواه بوجوب البقاء، لمعارضتها بفتوى الميت بوجوب العدول المفروض حجيتها، وتكون فتوى الميت

===============

( 116 )

المذكورة مكذبة لها وحجة على خطئها. لاندفاعه بما أشرنا إليه من سقوط فتوى الميت عن الحجية في المرتبة الثانية، لشمول الردع الثابت بها لها، لرجوعها إلى عدم أهلية الميت لتشخيص الوظيفة الفعلية وانحصار بيانها بالحي، فهي لا تنهض بالمانعية من فتوى الحي بلزوم البقاء. نعم، لو اختصت فتوى الميت بمانعية الموت من التقليد في خصوص الاحكام الفرعية، دون مسألة العدول، كان الميت هو المرجع في تشخيص الوظيفة الفعلية بمقتضى عدم شمول الردع لفتواه المذكورة، بل تبقى الفتوى المذكورة حجة مانعة من حجية فتوى الحي بوجوب البقاء وموجبة لحجية فتاواه في خصوص الاحكام الفرعية. لكن لا وجه للاختصاص المذكور بعد عموم أدلة المنع لو تمت، بل هو خلاف المفروض. وبالجملة: فتوى الميت بوجوب العدول بعد شمولها لنفسها لا تقتضي عدم حجية فتاوى الميت في الاحكام الفرعية وحجية فتاوى الحي فيها، بل تمنع من صلوح فتاوى الميت للعمل بنفسها، فلا تنافي حجيتها بسبب الرجوع للحي الذي يكون هو المرجع في تشخيص الوظيفة الفعلية دون الميت. فتأمل جيدا. ومنه يظهر جواز البقاء لو فرض فتوى الميت بوجوب العدول وفتوى الحي المفضول بجوازه، إذ ليس الحجة إلا فتوى الحي في المسألة المذكورة. نعم، العدول حينئذ هو الاحوط، لانه المتيقن. وأما لو كان الميت مساويا للحي، فحيث لا مرجح ارتكازي بينهما تعين التفصيل، فان كان هناك متيقن تعين العمل عليه، بأن كان الميت يرى وجوب البقاء والحي يرى جوازه أو بالعكس، أو كان الميت يرى وجوب العدول والحي يرى جوازه أو بالعكس، فانه يجب البقاء في الصورتين الاوليين والعدول في الاخيرتين. وإن لم يكن هناك متيقن فان كان الميت يرى وجوب البقاء والحي يرى وجوب العدول تعين التخيير بينهما، بناء على مشروعية التقليد للعامي مطلقا وعدم

===============

( 117 )

تكليفه بالاحتياط. ودعوى: وجوب العدول للحي لاحتمال تعينه، إذ لا يحتمل اعتبار الموت في التقليد. مدفوعة: بأن العلم بعدم اعتبار الموت لا ينافي احتمال وجوب البقاء، لما تقدم آنفا من أن العدول خلاف الاصل العقلي في المقام، فلا متيقن في البين، والمتعين التخيير. وكذا لو كان الميت يرى وجوب العدول والحي يرى وجوب البقاء، لعدم المتيقن أيضا. هذا كله بناء على عدم جريان استصحاب الحجية، وإلا لم يبعد جريان الاستصحاب في حق العامي بعد اختلاف المجتهدين في تعيين وظيفته وعدم المرجح لاحدهما في حقه الموجب لجواز رجوعه للاصل في المسألة الاصولية لو فرض تشخيصه لمقتضاه أو اتفاق المجتهدين عليه. وحينئذ فإن جرى الاستصحاب في فتوى الميت بوجوب العدول أو جوازه واقتضى حجيتها كان حاكما على استصحاب حجية فتاواه في الاحكام الفرعية، وكان الحكم كما لو أفتى الاعلم بوجوب العدول أو جوازه من الرجوع للحي في تشخيص الوظيفة، ولو بالبقاء على فتاوى الميت في الاحكام الفرعية. وإن لم يجر الاستصحاب في المسألة المذكورة، لعدم الابتلاء بها سابقا أصلا أو لغير ذلك فلا حاكم على استصحاب حجية فتاوى الميت في الاحكام الفرعية، بل يلزم الرجوع إليه والبقاء على تقليده فيها إلا في مورد يعلم بجواز العدول، كما لو اتفق عليه الحي والميت معا، فلاحظ. تنبيهان: الاول: لو أفتى الميت القائل بوجوب البقاء بوجوب تقليد الحي في هذه المسألة وعدم الاكتفاء بقول الميت فيها ولو كان أعلم - كما هو الحال في سيدنا

===============

( 118 )

المصنف قدس سره - فلا يبعد الخروج بذلك عما عرفت منا من لزوم تقليده لو كان أعلم، لفتواه بعدم حجية فتواه المذكورة، الراجعة إلى فتواه بعدم صلوحه لتشخيص الوظيفة الفعلية، وأن فتواه المذكورة علمية صرفة لا تصلح للعمل، فهي نظير فتاوى الاعلم في الاحكام الفرعية لو فرض فتواه بوجوب العدول، حيث عرفت أن فتواه المذكورة تمنع من حجيتها بنفسها ما لم يحكم بحجيتها الحي الذي يكون هو المرجع في تشخيص الوظيفة الفعلية دون الميت. الثاني: مما ذكرنا يتضح الحال في جميع موارد تعارض المجتهدين في شروط التقليد، وأنه مع وجود المتيقن يجب اختياره، ومع عدمه فإن لم يكن الاحتياط واجبا على العامي يتعين التخيير، إلا في الاعلمية التي هي من المرجحات العقلائية، فيجب ترجيح الاعلم حينئذ. ومنه يظهر الوجه في ما ذكره السيد الطباطبائي قدس سره في المسألة الرابعة والثلاثين من مباحث التقليد من العروة الوثقى، من أنه إذا قلد المكلف من يقول بحرمة العدول حتى إلى الاعلم ثم وجد أعلم من ذلك المجتهد فالاحوط العدول إلى ذلك المجتهد وإن قال الاول بعدم جوازه. ولعل توقفه عن الفتوى بوجوب العدول إلى الاعلم وإلزامه بالاحتياط لتوقفه في أصل وجوب تقليد الاعلم، وإلا فلا معنى للاحتياط بالعدول مع احتمال عدم جوازه بمقتضى فتوى غير الاعلم. أما بناء على ما ذكرنا فمقتضى الاصل التخيير لولا ما يقتضي تقليد الاعلم وجوبا أو احتياطا. نعم، لابد في جواز العدول من فتوى الاعلم بوجوبه، وإلا فلو فرض عدم فتواه بذلك كان البقاء هو الواجب أو الاحوط، لانه المتيقن في مقام العمل، فتأمل في ما ذكرناه جيدا، والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. ومنه نستمد العون والتوفيق.

===============

( 119 )

[ يجب الرجوع فيها إلى الاعلم (1) من الاحياء. وإذا قلد مجتهدا فمات فقلد الحي القائل بجواز العدول إلى الحي أو بوجوبه، فعدل إليه (2) ثم مات فقلد من يقول بوجوب البقاء وجب عليه البقاء على تقليد الثاني لا الرجوع إلى الاول (3). ] (1) لعموم ما يقتضي تعيين الاعلم لاحاد المسائل، ومنها هذه المسألة. (2) بناء على جواز العدول حينئذ، ولو لكون الميت يرى جواز العدول ويتفق مع الحي في ذلك، أو لفتوى الميت بعدم جواز التعويل على فتاواه بعد الموت، كما تقدم منه قدس سره. (3) قال سيدنا المصنف قدس سره: (لان التقليد الاول قد انقطع بتقليد الثاني المفروض الصحة، فالرجوع إلى الاول بعد تقليد الثاني ليس من البقاء على التقليد، بل هو من التقليد الابتدائي... هذا بناء على عدم انتقاض التقليد الصحيح الواقع في زمان بتقليد مجتهد آخر في زمان لاحق، لعدم حجية رأي المجتهد اللاحق بالاضافة إلى الوقائع السابقة، أما بناء على الانتقاض فإن كان رأي المجتهد الثالث وجوب البقاء على تقليد الميت تعين على المكلف البقاء على تقليد الاول، لان عدوله السابق إلى الثاني بعد موت الاول في غير محله في نظر المجتهد الثالث. وإن كان رأيه جواز العدول وجواز البقاء جاز للمكلف البقاء على تقليد الثاني والعدول إلى الثالث...). وكلامه - كما ترى - صريح في ابتناء المسألة على عدم انتقاض التقليد الصحيح بتقليد مجتهد آخر في الزمان اللاحق الذي يأتي الكلام فيه في المسألة الاتية، وحيث يأتي منه قدس سره التوقف في ذلك مع كون الثاني أعلم، بل ظاهره في المستمسك الجزم به تعين عليه التفصيل المذكور هنا. ومنه يظهر الحال فيما لو عدل المجتهد من القول بوجوب العدول إلى القول بوجوب البقاء، فإنه يبتني على ما يأتي في المسألة الاتية أيضا.

===============

( 120 )

[ مسألة 16: إذا قلد المجتهد، وعمل على رأيه، ثم مات ذلك المجتهد، فعدل إلى المجتهد الحي، لم يجب عليه إعادة الاعمال الماضية وإن كانت على خلاف رأي الحي (1). نعم إذا كان المعدول إليه ] (1) لا يخفي أن سقوط الفتوى السابقة عن الحجية لا يختص بما ذكره قدس سره، بل له صور لا بأس بالتعرض لها ولاحكامها، إذ سقوط الفتوى السابقة.. تارة: يكون لظهور خطئها للمقلد، إما بالعلم أو بعد الرجوع للادلة التفصيلية، بأن أدى اجتهاده في المسألة إلى خلاف مقتضى تقليده السابق. واخرى: يكون لظهور خطأ الفتوى للمفتي نفسه، بأن عدل عن فتواه السابقة. وثالثة: يكون لعدول المقلد عن المفتي إلى غيره بأحد أسباب العدول التخييرية أو الالزامية، كالموت والجنون والفسق على الكلام فيها. ولا إشكال في الاجزاء في الجميع بناء على اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء، لان سقوط الامر الظاهري بسقوط الفتوى عن الحجية لا ينافي ثبوته سابقا المفروض اقتضاؤه للاجزاء. إلا أن ينكشف عدم صحة التعويل على فتوى المجتهد الاول من أول الامر، للتقصير في المقدمات الكاشف عن عدم ثبوت الامر الظاهري من أول الامر وإن تخيل وجوده، وهو خارج عن محل الكلام. هذا، وحيث كان التحقيق عدم اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء - كما هو المعروف من مذهب أصحابنا - فلا مجال للتعويل على هذا الوجه ولزم الرجوع للقواعد الاخر أو الادلة الخاصة، والقواعد تختلف باختلاف الصور المتقدمة. ففي الصورة الاولى: لا ينبغي الاشكال في عدم الاجزاء. أما مع العلم بخطأ الفتوى فظاهر. وأما مع الاجتهاد بعد النظر في الادلة فلوضوح عموم حجية الادلة للوقائع السابقة، فكما تمنع من التقليد في الوقائع اللاحقة يرفع بها اليد عن مقتضاه في الوقائع السابقة. ومنه يظهر عدم الاجزاء في الصورة الثانية، لوضوح أن الاجتهاد اللاحق لما

===============

( 121 )

كان يستند إلى أدلة تعم جميع الوقائع حتى السابقة لزم رفع اليد بها عن مقتضى الاجتهاد السابق فيها، لظهور خطئه، ومع ظهور الخطأ للمفتي نفسه لا يرى العقلاء جواز التعويل على فتواه. وكذا مع عدم ظهور الخطأ للمفتي، بأن كان عدوله لنسيان المستند، بناء على ما تقدم في المسألة الرابعة عشرة من عدم بناء العقلاء على التعويل على مقتضى الاجتهاد السابق، بل يلزم التعويل على الاجتهاد اللاحق، الذي يعم تبعا لادلته الوقائع السابقة. ومن جميع ذلك يظهر الوجه في عدم الاجزاء في حق المجتهد نفسه. كما يظهر الاشكال في ما في الفصول من دعوى عدم تحمل الواقعة لاجتهادين ولو في زمانين، لعدم الدليل عليه. إذ يكفي في الدليل عليه إطلاق أدلة الاجتهاد الثاني، الشاملة للوقائع السابقة، كما عرفت. وأما في الصورة الثالثة فلا يبعد البناء على عدم الاجزاء مع أعلمية المعدول إليه لعدم الفرق في بناء العقلاء على الرجوع للاعلم بين سبق الرجوع لغيره في الواقعة وعدمه، فيجب التدارك على طبق رأي الاعلم ولا يجتزاء برأي الاول في الوقائع السابقة، وإن كان تقليده فيها في محله، لانحصار الامر به في وقته. وبه يخرج عن استصحاب حجية رأي الاول في الوقائع السابقة الذي يجري ذاتا لولا بناء العقلاء المذكور الذي عرفت تنزيل أدلة الحجية الشرعية عليه. ودعوى: قصور أدلة الحجية عن الوقائع السابقة التي عمل فيها على طبق رأي الاول، لان ما تضمنته من وجوب الرجوع للمجتهد لما كان طريقيا كان مختصا بصورة الابتلاء بالواقعة والاحتياج للعمل، ولا يعم الوقائع السابقة التي عمل على طبق الحجة فيها. مدفوعة: بأن ترتب الاثر حين الرجوع للمجتهد الثاني بالاضافة إلى الوقائع السابقة ولو بمثل لزوم الاعادة أو القضاء كاف في تحقق الابتلاء الملزم بالرجوع

===============

( 122 )

للمجتهد والموجب لدخول الواقعة في إطلاق الادلة الشرعية، فكما يرجع للمجتهد اللاحق في كيفية قضاء الصلاة التي فاتته سابقا كذلك يرجع إليه في وجوب قضاء الصلاة التي أتى بها سابقا على طبق رأي المجتهد السابق المفضول. هذا وقد ذكر بعض المحققين قدس سره في تقريب الاجزاء أن حجية الفتوى بعنوان تنزيل نظر المجتهد منزلة نظر العامي ونيابة المجتهد في استفادة ما يرجع إلى المقلد، لا بعنوان الطريقية للواقع، والا لزم تخصيص النقض بصورة اضمحلال الحجة السابقة لاقوائية الحجة اللاحقة، كما إذا رجع إلى الاعلم، مع أن القائل بالنقض في صورة الرجوع لا يفرق بين الرجوع إلى الاعلم أو من الاعلم إلى غيره بسبب الموت أو عروض عارض، فيعلم منه أن حجية فتوى الثاني ليس لاضمحلال الحجة الاولى بقيام الثانية، بل لانتهاء أمد حجيتها مثلا، فتكون الفتويان المتعاقبتان بمنزلة الخبرين المتعادلين اللذين اخذ بأحدهما تارة وبالاخر اخرى، حيث لا موجب لتوهم النقض عند الاخذ بالثاني. وكأن الفرق بين اضمحلال الحجية وانتهاء أمدها أنه على الاول تسقط الفتوى عن الحجية رأسا لخروجها عن قابلية الكشف، فلا يصح الاعتماد عليها في الوقائع السابقة، أما على الثاني فلا تسقط عنها إلا في الوقائع اللاحقة مع بقائها عليها في الوقائع السابقة، فيصح الاعتماد عليها في عدم التدارك، ولا ينتقض التقليد السابق. نعم، يشكل ما ذكره قدس سره بأن كون حجية الفتوى بعنوان تنزيل نظر المجتهد منزلة نظر العامي - لو تم - لا ينافي ابتناء العدول على اضمحلال حجية الفتوى الاولى بأن يعم التنزيل في المعدول إليه النظر في الوقائع السابقة بنحو يقتضي تداركها. كما أن الطريقية لا تنافي ابتناء العدول على انتهاء أمد حجية الفتوى الاولى مع بقاء حجيتها بالاضافة إلى الوقائع السابقة، بل لا مجال لجعل حجية الفتوى بعنوان التنزيل في قبال حجيتها من باب الطريقية بل هو من وجوهها، لان نظر المجتهد لنفسه ليس الا طريقا للواقع، ولذا تقدم لزوم انتقاض آثار الاجتهاد السابق باللاحق في حق المجتهد نفسه وعدم ثبوت الاجزاء له، فتنزيل نظر المجتهد منزلة نظره لابد

===============

( 123 )

أن يكون لذلك أيضا، لانه في طوله. غاية الامر أن طريقية نظر المجتهد للعامي تارة: لكونه طريقا ابتدائيا كالبينة، واخرى: يكون بعناية تنزيل نظره منزلة نظر المجتهد. فالمدار - في كون العدول لانتهاء أمد الحجية وكونه لاضمحلالها - على مفاد دليله، فان اختص بالوقائع اللاحقة رجع للاول - نظير التخيير الاستمراري بين الخبرين المتعادلين لو تم - وان كان يعم السابقة رجع للثاني، وقد عرفت أن دليل العدول للاعلمية يقتضي الثاني. وأما ما أورده على الطريقية من لزوم تخصيص النقض بصورة أعلمية المعدول إليه فهو - مع عدم كونه محذورا - غير لازم، لامكان استفادة عموم وجوب العدول للوقائع السابقة في غير مورد الاعلمية من أدلته اللفظية واللبية، ومع عدمه يكون انتقاض التقليد في المورد المذكور خاليا عن الدليل، لا أنه يستكشف بذلك ابتناء جميع موارد العدول على انتهاء أمد الحجية دون اضمحلالها، حتى العدول الناشي من الاعلمية، ليخرج بذلك عما عرفت من ابتناء العدول للاعلمية على الاضمحلال. فلاحظ. وأما إذا لم يكن العدول للثاني لاعلميته، بل لامر تعبدي من موت ونحوه - بناء على لزوم العدول معه - فحيث لم يكن لدليله إطلاق يعم جميع الوقائع، بل كان دليله منحصرا بالاجماع ونحوه من الادلة اللبية كان المتعين فيه الاجزاء، لان المتيقن من الادلة المذكورة لحجية رأي المعدول إليه هو حجيته في الوقائع اللاحقة والسابقة التي لم يعمل فيها على طبق رأي المجتهد السابق، دون التي عمل بها على طبق رأيه، إذ لا إجماع فيها على حجيته كيف وقد اشتهر القول بالاجزاء فيها، بل ادعي عليه الاجماع حتى مع أعلمية الثاني، وكذا الحال في بقية أدلة العدول المدعاة، كما يظهر بالرجوع إليها. وحينئذ فالبناء على الاجزاء هو الاوفق بالقواعد. أما مع أعلمية (المعدول) عنه فظاهر، لعموم بناء العقلاء على حجية رأي الاعلم، فيقتصر في الخروج عنه على المتيقن، وهو الوقائع اللاحقة.

===============

( 124 )

وأما مع عدمها أو عدم ثبوتها فلاستصحاب حجية رأي المعدول عنه بالاضافة إلى الوقائع السابقة، الذي لا مجال للاشكال فيه بما تقدم من كونه تعليقيا، لفعلية الابتلاء بالوقائع المذكورة الموجب لفعلية حجيته فيها بلا إشكال، فتستصحب. هذا ولا يفرق في الاجزاء بين العبادات والمعاملات، وإن قيل ان العبادات هي المتيقن من الاجماع على الاجزاء. إذ الدليل على الاجزاء ليس هو الاجماع المذكور، بل القواعد التي لا مخرج عنها من إجماع أو غيره. نعم، بناء على أن أدلة العدول لفظية لها إطلاق يشمل الوقائع السابقة، يتجه البناء على بطلان حكم التقليد الاول وعدم الاجتزاء بالعمل الواقع على طبقه ما لم يوافق مقتضى التقليد الثاني، إلا بدليل خاص من إجماع أو نحوه. لكن عرفت عدم نهوض الادلة اللفظية بذلك. هذا كله بحسب القواعد، وأما بحسب الادلة الخاصة فقد استدل في الفصول للاجزاء.. تارة: بلزوم العسر والحرج، لعدم وقوف المجتهد غالبا على رأي واحد. واخرى: بأن حكمة تشريع الاجتهاد الوثوق في العمل على طبقه، ومع عدم الاجزاء ترتفع الحكمة المذكورة. ويندفع الاول - مع عدم اطراده ولو نوعا - بأنه لا يقتضي الاجزاء والحكم بصحة العمل ظاهرا، بل يقتضي عدم وجوب التدارك مع البناء على بطلان العمل، نظير ما لو عسر قضاء الصلوات الفائتة لكثرتها. فتأمل. مضافا إلى أنه لا يجري في حقوق الناس، لمنافاته للامتنان في حقهم. نعم، قد يكون لزوم الحرج نوعا كاشفا عن جعل التقليد بنحو يقتضي الاجزاء، كما سيأتي التعرض له عند الاستدلال بالسيرة إن شاء الله تعالى. وأما الثاني ففيه.. أولا: أنه منتقض بغير مورد من موارد عدم الاجزاء في خطأ الطرق الظاهرية

===============

( 125 )

كما في الامارات الجارية في الموضوعات، وفيما لو قطع المجتهد بخطأ اجتهاده الاول، حيث اعترف بعدم الاجزاء معه. ودعوى: عدم صحة النقض به لندرته وشذوذه، مدفوعة بكثرة حصول القطع بالخطأ في عصور الائمة عليهم السلام، لتيسر الطرق العلمية حينئذ، فلاحظ. وثانيا: أنه لا دليل على كون حكمة الاجتهاد وغيره من الطرق الظاهرية هو الوثوق بالوجه المذكور، بل لعل حكمته مجرد الوظيفة الظاهرية عند الابتلاء بالواقعة، فالوجه المذكور استحساني لا ينهض دليلا، كما اعترف به بعد ذلك. هذا وقد يستدل على الاجزاء في المقام. تارة. بالاجماع المدعى في كلام بعض ففي التقريرات عن بعض الافاضل في تعليقاته على المعالم أنه ظاهر المذهب، وعن المناهج نفي القول من أحد بعدم الاجزاء. وقال سيدنا المصنف قدس سره: (بل نسب إلى بعض دعوى صريح الاجماع بل الضرورة عليه). نعم، عن بعض الاعاظم أن المتيقن منه العبادات، وربما قيل: إن المتيقن منه الصلاة. واخرى بسيرة المتشرعة لابتلائهم بذلك كثيرا، خصوصا بناء على المشهور من عدم جواز البقاء على تقليد الميت، فلو كان بناؤهم على عدم الاجزاء للزم الهرج والمرج. لكن لا مجال للاستدلال بالاجماع في مثل هذه المسألة المستحدثة التحرير، ولاسيما مع إنكار مثل شيخنا الاعظم قدس سره له. هذا، مع إطلاق جماعة عدم الاجزاء في الامارات والطرق الظاهرية بعد انكشاف خطئها الشامل للمقام. قال في التقريرات في بيان القول بعدم الاجزاء: (وفاقا للنهاية والتهذيب والمختصر وشروحه وشرح المنهاج على ما حكاه سيد المفاتيح عنهم. بل وفي محكي النهاية الاجماع عليه، بل وادعى العميدي قدس سره الاتفاق على ذلك...).

===============

( 126 )

وأما السيرة فقد أنكرها غير واحد، وذكر بعض مشايخنا إنها - لو تمت - مستندة في أمثال عصرنا إلى فتوى المجتهدين، ولا يحرز اتصالها بعصر المعصومين عليهم السلام. أقول: لاريب في ابتناء معرفة الاحكام في عصور المعصومين عليهم السلام على الخطاء كثيرا، لاختلاف الروايات كثيرا من جهة التقية والخطأ أو الكذب، مع أن الروايات لم تكن منتشرة في أول الامر، وكان الاطلاع عليها تدريجيا وكان الائمة عليهم السلام في مقام إحداث الخلاف بين الشيعة محافظة عليهم، وكان أصحابهم وغيرهم من الشيعة في معرض الاطلاع على خطأ ما وصل إليهم إما بالسؤال منهم عليهم السلام أو بوصول أحاديث اخر على خلاف ما وصل إليهم، كما قد يشهد به سبر النصوص. فلو كان البناء مع ذلك على عدم الاجزاء بعد انكشاف الخلاف لوقع الهرج والمرج واضطرب نظامهم، ولكان المناسب منهم السؤال عن حكم الاعمال الماضية ولزوم تداركها، فإهمال ذلك ظاهر في مفروغيتهم عن الاجزاء. وهو المناسب لما هو المرتكز من سهولة الشريعة وعدم ابتنائها على الحرج والضيق وعدم إيقاعهم عليهم السلام لاوليائهم وشيعتهم إلا في ما يسعهم رأفة بهم ورحمة لهم. ودعوى: أن المتيقن من ذلك ما لو لم يكن الخطأ واقعا موجبا لبطلان العمل، كما في موارد حديث: (لا تعاد الصلاة...) ونحوها، ولم يعلم ابتلاؤهم بغير ذلك. ممنوعة جدا، لكثرة اختلاف الاخبار في غير الموارد المذكورة، كتحديد الكر والقصر والاتمام والوضوء والنجاسات والتذكية وغيرها مما يكون الاختلال به موجبا لبطلان العمل واقعا وترتب آثار البطلان من القضاء والضمان وغيرهما، فعدم اهتمامهم بتمييز الموارد المذكورة من غيرها شاهد بما ذكرنا من المفروغية عن الاجزاء. نعم، المتيقن من ذلك ما لو كان خفأ الحكم لعدم وصول الدليل عليه، لا

===============

( 127 )

لخطأ المكلف في فهم الدليل الواصل، وتبدل اجتهاده في ذلك، أو لنسيانه للدليل أو نحوه مما يعود للمكلف نفسه وإن كان معذورا، لعدم شيوع الابتلاء بذلك في تلك العصور، لقربهم من زمان الخطاب بالحكم الموجب لتيسر فهمهم له غالبا وعدم ضياعه عليهم. ولو فرض ابتلاؤهم به فلا يتضح بناؤهم على الاجزاء معه. ومنه يظهر عدم الاجزاء في المقام في حق المجتهد نفسه، لاستناد رأيه في عصورنا إلى انكشاف الخطأ له في فهم الادلة أو غفلته عن بعضها، لا لعدم تيسر الوصول إليها، بخلاف العامي، فإن عدم وصوله للواقع لعدم تيسر الوصول له غالبا، وليس ناشئا منه ارتكازا. نعم، لو كان ناشئا من خطئه في فهم كلام المجتهد أو غفلته عن تشخيص مراده أو نحوهما، فلا مجال للبناء على الاجزاء، لعدم وضوحه من السيرة المذكورة. كما أنه لا يفرق في الاجزاء في حق العامي بين انكشاف خطأ الفتوى له بإجتهاده أو قطعه، وعدول المجتهد الذي يرجع إليه عن فتواه، وعدوله من أحد المجتهدين للاخر، لعدم الفرق في الارتكاز الذي هو منشأ للسيرة بين الجميع بعد عدم استناد ضياع الواقع لامر راجع إليه. ثم إنه لا يبعد اختصاص السيرة بالعبادات ونحوها مما يقتضي بعض الاثار المترتبة على بطلان العمل التي هي من سنخ التدارك، كالقضاء والضمان ونحوهما، وأما ما لا يكون من سنخ التدارك، بل من سنخ الجري على مقتضى العمل السابق وترتيب آثار صحته فلا يتضح قيام السيرة عليه، فمن ذكى بغير الحديد مثلا لم يبعد توقفه عن أكل اللحم بعد انكشاف الخطأ له، وكذا من تزوج امرأة قام الدليل عنده على حليتها لم يبعد توقفه عن مباشرتها وترتيب آثار الزوجية عليها بعد انكشاف الخطأ، ونحو ذلك مما لا يكون من سنخ التدارك، لان المتيقن من السيرة خصوص ذلك. ولعله إليه يرجع ما قيل من اختصاص الاجماع بالعبادات، وإلا فلا يتضح وجه خصوصيتها. فاللازم الرجوع في غير ذلك إلى ما عرفت من القاعدة.

===============

( 128 )

بل لا يبعد قصور السيرة عن إثبات عدم وجوب الاعادة في الوقت، لانها ليست بنظر المتشرعة من سنخ التدارك وعدم وضوح ابتلائهم بانكشاف الحال في الوقت، وخروجه عن المتيقن من السيرة على الاجزاء. وبالجملة: يلزم الاقتصار في السيرة المذكورة على المتيقن والرجوع في غير موردها إلى ما عرفت من القاعدة. هذا وأما ما سبق عن غير واحد من عدم الاجزاء، بل الاجماع عليه في الجملة فلا يبعد حمله على إرادة بيان مقتضى الاصل في الاحكام الظاهرية، أو بيان عدم الاجزاء في حق المجتهد نفسه - كما هو صريح كلام العميدي - حيث عرفت عدم وضوح السيرة على الاجزاء في مثله. هذا كله في مقتضى السيرة الارتكازية، لكن في بلوغها حدا يصلح للحجية إشكال، وإن كان قريبا جدا، ولاسيما مع ما عرفت من دعوى الاجماع على الاجزاء، فأنها تتأيد بذلك جدا، خصوصا بملاحظة قرب ظهور بعض النصوص - الدالة على اختلاف الاحاديث وصدور بعضها تقية - في الاجزاء، ولو بإطلاقاتها المقامية. وإن كان ذلك محتاجا للتأمل، فإن تم، وإلا لزم البناء على ما عرفت من القاعدة. فلاحظ والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. تنبيه السيرة - لو تمت - تقتضي الاجزاء الواقعي، ولذا يثبت مع انكشاف الخطأ بالعلم، فهو نظير الاجزاء في موارد حديث: (لا تعاد...). أما القاعدة فهي إنما تقتضي الاجزاء الظاهري، الراجع إلى بقاء حجية فتوى المعدول عنه في الوقائع السابقة، المقتضية لصحة العمل ظاهرا، وحينئذ فقد يبتلي المكلف بالعلم الاجمالي، كما لو أفتاه الاول بالقصر، فعمل عليه، وأفتاه الثاني بالتمام، فإنه يعلم إجمالا إما ببطلان صلواته السابقة الملزم بقضائها أو بوجوب القصر عليه لاحقا، ولا مجال معه للرجوع في كل واقعة للحجة القائمة فيها، للعلم

===============

( 129 )

[ أعلم فالحكم لا يخلو عن إشكال (1). مسألة 17: يجب تعلم أجزاء العبادات الواجبة وشرائطها (2)، ويكفي أن يعلم إجمالا أن عباداته جامعة لما يعتبر فيها من الاجزاء والشرائط (3)، ولا يلزم العلم تفصيلا بذلك (4)، وإذا عرضت له في ] بكذب إحدى الحجتين مع لزوم المخالفة القطعية من العمل بهما المسقط لهما معا عن الحجية، فلا بد من التأمل لتحصيل طريق يتخلص به عن العلم الاجمالي المذكور، وإلا أشكل الحال كثيرا. وهذا بخلاف ما لو قلنا بالاجزاء الواقعي، كما لا يخفى. (1) نظرا للقاعدة المقتضية لعدم الاجزاء، ولما أشرنا إليه من قرب كون الاجزاء في الجملة مقتضى السيرة ومظنة الاجماع. (2) لما دل على وجوب التفقه في الدين وتعلم الاحكام من الايات والنصوص المستفيضة. وظاهرها إرادة الوجوب الطريقي لا النفسي، وهو يقتضي تنجز الاحكام بإمكان الوصول إليها وعدم معذرية الجهل شرعا، فيجب الفراغ عنها بالاحتياط أو التعلم. ومنه يظهر التخيير بينهما، لا تعيين التعلم. كما يظهر اختصاصه بما يقع مورد ابتلاء المكلف وعدم اختصاصه بالعبادات، بل يجري في جميع ما يبتلى به المكلف مما يحتمل كونه موردا للتكليف شرعا، بل يأتي وجوب التعلم مع احتمال الابتلاء بالمسألة إذا كان احتمالا عقلائيا. (3) إما واقعا، أو ظاهرا بمقتضى فتوى من يجب تقليده. (4) لعدم الدليل على وجوبه، إلا توهم كونه مقتضى إطلاق أدلة وجوب التعلم، وما عن السيدين الرضي والمرتضى (قدس سرهما) من الاجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها، لكن أدلة وجوب التفقه بعد حملها على الوجوب الطريقي لا تقتضي إلا وجوب تحصيل الواقع ولو مع عدم المعرفة التفصيلية.

===============

( 130 )

[ أثناء العبادة مسألة لا يعرف حكمها جاز له العمل (1)، ] نعم، لو حملت على الوجوب المقدمي اتجه بطلان العمل بدونها، لكنه خلاف ظاهر الادلة المذكورة. وإجماع السيدين أجنبي عما نحن فيه وارد في فرض مخالفة عمل الجاهل للواقع، كما تقدم في المسألة الثالثة، وتقدم الكلام في بقية ما يمكن الاستدلال به لوجوب المعرفة التفصيلية، مع الجواب عنه، فراجع. (1) ولا يجب ذلك في العبادة التي يجوز قطعها، بل يجوز القطع والسؤال ثم استئناف العبادة. وأما لو كانت العبادة مما لا يجوز قطعه، فإن أمكن الاحتياط وجب لتنجز احتمال التكليف قبل الفحص الموجب للامتثال اليقيني بموافقة الاحتياط. وإن تعذر - كما لعله مفروض كلامه قدس سره - فقد يدعى أن وجوب العمل بأحد المحتملات مبني على وجوب الموافقة الاحتمالية عند تعذر الموافقة القطعية للعلم الاجمالي، وإلا اتجه جواز القطع في ذلك أيضا، لكنه في غير محله.. أما أولا: فلان جواز المخالفة القطعية عند تعذر الموافقة القطعية - لو تم - إنما هو بالاضافة إلى أطراف العلم الاجمالي، لا بالاضافة إلى ما يعلم تفصيلا حرمته، فإذا علم إجمالا بحرمة أحد المائين واضطر إلى شرب الماء جاز له شربهما معا، لا شرب إنأ معلوم الحرمة تفصيلا، وفي المقام يقطع بحرمة قطع الصلاة - بفصل المنافي - تفصيلا، وليس المعلوم بالاجمال إلا حرمة ترك أحد الوجهين اللذين يعلم بتوقف صحة العمل على أحدهما. فتأمل. وأما ثانيا: فلان جواز المخالفة القطعية مع تعذر الموافقة القطعية إنما يتم في الشبهات الموضوعية التي لا يجب الفحص عنها، لعدم منجز للتكليف الواقعي حينئذ إلا العلم الاجمالي المفروض سقوطه، أما في الشبهات الحكمية التي يجب الفحص عنها فتعذر الموافقة القطعية بسبب عدم الفحص وإن أسقط الخطاب لا

===============

( 131 )

[ على بعض الاحتمالات (1)، ثم يسأل عنها بعد الفراغ، فإن تبينت له الصحة اجتزاء بالعمل، وإن تبين البطلان أعاده (2). مسألة 18: يجب تعلم مسائل الشك والسهو (3) التي هي في معرض الابتلاء (4)، ] يسقط العقاب، وحينئذ يجب بحكم العقل اختيار الموافقة الاحتمالية، لاحتمال عدم الوقوع في العقاب معها. نعم، يختص ذلك بصورة التقصير في الفحص، دون غيرها كما لو تعلم المسألة ثم نسيها، فإنه لا عقاب حينئذ، فلا منجز للواقع، فلاحظ. هذا كله بناء على ما هو الظاهر من عدم اعتبار الجزم بالنية، وإلا تعين الاستئناف، لتعذر الموافقة حتى الاحتمالية حينئذ. ويأتي في آخر الكلام في أحكام التقليد ما له نفع في المقام إن شاء الله تعالى. (1) لا يبعد لزوم ترجيح الاحتمال الاقوى، لانه أبعد عن خطر العقاب. (2) أما في ما يكون الاخلال به خطأ موجبا للاستئناف - كالاركان - فظاهر، وأما في غير ذلك - كما في موارد حديث: (لا تعاد الصلاة...) - فهو مبني على اختصاص ما دل على صحة العمل مع الاخلال بالامور المذكورة بصورة صدور الفعل عن جزم بالامتثال، ولا يشمل المتردد، كما لا يشمل العامد. وتمام الكلام في كل مورد في محله، كمباحث الخلل في الصلاة ونحوها. (3) لما تقدم في المسألة السابقة من أدلة وجوب تعلم الاحكام والتفقه في الدين. (4) سواء علم الابتلاء بها أم احتمله احتمالا عقلائيا، لاطلاق أدلة وجوب التعلم أو عمومها لهما معا، لانه لما كان طريقيا كان الغرض منه حفظ الواقع الذي يحتمل فوته بسبب ترك التعلم ولو في مورد احتمال الابتلاء وبه يخرج عن استصحاب عدم الابتلاء - لو فرض جريانه قي نفسه - على أنه لا يخلو عن إشكال،

===============

( 132 )

[ لئلا يقع في مخالفة الواقع (1). مسألة 19: تثبت عدالة المرجع في التقليد بامور: الاول: العلم الحاصل بالاختبار أو بغيره. الثاني: شهادة عادلين بها (2). ] لما عن بعض الاعاظم قدس سره من عدم كونه أثرا شرعيا ولا ذا أثر شرعي. وأما ما ذكره بعض مشايخنا من حكاية ترتب الاثر على نفس الاحراز بناء على أن المجعول في الاستصحاب هو الطريقية، إذ عدم وجوب التعلم في المقام من آثار إحراز عدم الابتلاء، للعلم معه بعدم الضرر الموجب للتعلم. فمندفع: بأن الظاهر توقف جريان الاصل والاحراز به على كون الامر المحرز للعمل وإن كان الاحراز شرطا في فعلية العمل وترتبه عليه، والابتلاء بنفسه لما لم يكن بنفسه موضوعا للعمل امتنع جريان العمل. مع أن ترتب القطع بعدم الضرر على إحراز عدم الابتلاء إنما هو لملازمته له خارجا لا شرعا، فلو جرى الاصل بلحاظ ذلك لزم حجية الاصل المثبت. على أنه لو جرى استصحاب عدم الابتلاء مع الشك فيه لجرى استصحاب عدم مخالفة التكليف الواقعي مع العلم بالابتلاء، إذ معه يعلم بعدم الضرر فلا يجب التعلم، فتأمل جيدا. (1) لما عرفت من أن وجوب التعلم طريقي ليس الغرض منه إلا تجنب مخالفة الواقع وليس نفسيا. ومنه يظهر الوجه في عدم وجوبه بالاضافة إلى ما يعلم عدم الابتلاء به. وكذا بالاضافة إلى الاحكام غير الالزامية التي لا ضرر في مخالفتها عملا. (2) بناء على عموم حجية البينة، كما هو المشهور الذي لا يبعد تسالم الاصحاب عليه، فإنه وإن حكي عن صريح القاضي وظاهر عبارتي الشيخ والكاتب

===============

( 133 )

عدم حجيتها في إثبات النجاسة، وربما يحكى عن بعض عدم حجيتها في باب الاجتهاد، إلا أن الظاهر أنه لخصوصية مانعة من العمل بالعموم لا للتوقف في ثبوت العموم، لتعليل الاول بأنها لا تفيد العلم فلا يخرج بها عما دل على أن كل شي طاهر حتى يعلم أنه قذر، وتعليل الثاني بأن الاجتهاد من الامور الحدسية التي لا تكون موردا للشهادة مع تيسر العلم. وكيف كان، فيكفي في حجيتها ما دل على حجية خبر الثقة الشامل للموضوعات، ومنه سيرة العقلاء الثابت إمضاؤها شرعا، وما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من أن بينه وبين البينة عموما من وجه. مدفوع: بأنه لا يراد بالعادل في البينة إلا خصوص الضابط، وهو أخص من الثقة. وأما احتمال خطئه فهو لا ينافي كونه ثقة في نفسه معولا على خبره عند العقلاء لاصالة عدم الخطأ المعول عليها عندهم. فالبينة أخص من خبر الثقة مطلقا، فما دل على حجيته يكون دليلا على حجيتها بلا إشكال، وإنما الاشكال في ثبوت الدليل عليها بالخصوص. وقد يستدل عليه بأمر يتضمن قبولها في القضاء بالاولوية، لانها في القضاء مبتلية بالمعارض، وهو الحجة المطابقة لقول المنكر، كاليد ونحوها، فتقديمها مع المعارض يقتضي حجيتها بدونه بالاولوية. وفيه: أن محل الكلام ليس هو حجيتها في خصوص مورد لا يرجع فيه إلى حجة على خلافها، بل ما يعم وجود حجة على خلافها، ولو كان هو أصالة عدم ثبوت الامر الذي قامت عليه، أو قول صاحب اليد أو نحو ذلك، كما في القضاء، ومعه لا تتم الاولوية المتقدمة. فالاولى حينئذ دعوى كون وجه التسرية تنقيح المناط، لا الاولوية. على أنه لا مجال له أيضا، لامكان خصوصية القضاء من حيثية الضرورة المقتضية لفصل الخصومة، التي لولا ها لاختل النظام، ووقع الهرج والمرج، فلا ملازمة بين حجية شي في القضاء، وحجيته في غيره، ومن ثم كان اليمين مما تفصل به الخصومة، ولا

===============

( 134 )

يعتبر في غيرها، كما نبه له بعض مشايخنا. اللهم إلا أن يقال: أهمية فصل الخصومة إنما تقتضي لزوم فصلها بحجة ولو كانت هي الاصل المطابق لقول المنكر، ولا تقتضي تعيين حجية البينة، بل لما كان القضاء مبنيا على فصل الخصومة بنحو ينفذ على كل أحد ولا يجوز معه تجديد الدعوى كان المناسب فيه شدة الاحتياط في الحجة، ولذا لم يكتف بالاصل أو اليد في حق المنكر حتى ضم إليه اليمين. وأما اعتبار اليمين المردودة على المدعي فهو نحو من الالزام للمنكر الذي رد اليمين، وهو أشبه بالصلح القهري الذي يختص بباب القضاء لاجل فصل الخصومة بعد سقوط حجة المنكر بالخصومة. فالانصاف: أن دعوى الاولوية في المقام قريبة جدا، لكن في بلوغ ذلك حدا يوجب العلم بالحكم ويصلح للاستدلال إشكال، بل منع، فالوجه المذكور لا يصلح إلا للتأييد. هذا، ولكن التشكيك في عموم حجية البينة، تارة: يكون من جهة احتمال اختصاصها بفصل الخصومة، فيفصل في حجيتها في الامر الواحد بين حالتي الخصومة وغيرها، فهي حجة في حق الحاكم في الحالة الاولى، وليست حجة في حق كل أحد في الحالة الثانية. واخرى: من جهة احتمال اختصاصها ببعض الامور المشهود عليها، دون بعض، لعدم الاطلاق فيها من حيثية الامر المشهود فيه. أما من الجهة الاولى فالظاهر أنه لا مجال لتخصيص إطلاق أدلة قبول الشهادة، ولاسيما مع جعل موضوع القبول في بعض النصوص عامة الناس، لا خصوص القاضي، كصحيح عبد الله بن أبي يعفور، قلت لابي عبد الله عليهم السلام: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: (أن تعرفوه بالست والعفاف... فإن ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين...). ومرسل يونس بن عبد الرحمن عنه عليه السلام، سألته عن البينة إذا اقيمت على الحق

===============

( 135 )

أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة؟ فقال: (خمسة أشياء يجب على الناس الاخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات والمناكح والذبايح والشهادات والانساب، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه). ورواية إبراهيم الكرخي عنه عليه السلام: (من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنوا به خيرا، وأجيزوا شهادته) (1). بل مع التصريح في بعض النصوص بالقبول في حق غير القاضي، كمصحح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: (لا تصلي خلف من يبغي على الاذان والصلاة بالناس أجرا، ولا تقبل شهادته) (2) وخبر عيسى بن عبد الله، سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شهادة ولد الزنا فقال: (لا تجوز إلا في الشئ اليسير إذا رأيت منه صلاحا) (3) ونحوها صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام، سألته عن السائل الذي يسأل بكفه هل تقبل شهادته؟ فقال: كان أبي لا يقبل شهادته إذا سأل بكفه) (4) ورواية جراح المدائني عن أبي عبد الله عليه السلام: (لا أقبل شهادة فاسق إلا على نفسه) (5) لما هو المعلوم من عدم تصديهما (عليهما السلام) لفصل الخصومة. وصحيح أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: (في امرأ ة شهد عندها شاهدان بأن زوجها مات فتزوجت...) (6) فإنه ظاهر في المفروغية عن قبول المرأة الشهادة المذكورة من دون حاجة إلى مراجعة الحاكم. وبالجملة: التأمل في النصوص المذكورة وغيرها شاهد بعدم خصوصية


____________
(1) الواسائل چ 1، ص 288 - 291، باب 41 من كتاب الشهادات، حديث 1، 3، 12. (2) الوسائل ج 18، ص 278، باب 32 من كتاب الشهادات، حديث 6. (3) الوسائل ج 18، ص 276، باب 31 من كتاب الشهادات، حديث 5 (4) الوسائل ج 18، ص 281، باب 35 من كتاب الشهادات، حديث 1. (5) الواسائل ج 18، ص 275، باب 30 من كتاب الشهادات، حديث 2. (6) الوسائل ج 18، ص 242، باب 13 من كتاب الشهادات، حديث 2.

===============

( 136 )

الخصومة عند القاضي في قبول الشهادة، بل على كل أحد أن يقبلها، وليس فائدة القضاء إلا فصل الخصومة التي يترتب عليها النفوذ في حق كل أحد وإن لم يسمع الشهادة. بل من البعيد جدا اختصاص القبول بصورة القضاء في مثل الطلاق وموت الزوج والهلال واستهلال المولود، ونحوها مما يكثر الابتلاء به من دون تشاح وتخاصم، فإنه لو توقف قبول الشهادة على رفع الامر للقاضي لوقع الهرج والمرج لما يستلزمه من كثرة مراجعة القضاة. والتفصيل بين الموارد من حيثية عموم القبول واختصاصه بالقضاء مما لا مجال له بعد إلغاء الخصوصية وعدم الفارق بينها عرفا، لارتكاز كون منشأ القبول الطريقية التي لا يفرق فيها بين الموارد، مع عدم الاشارة في النصوص الضابط في التفصيل الكاشف عن المفروغية عن عموم أدلة القبول وعدم الفرق فيها بين الخصومة وغيرها. ولاسيما مع عدم دخل الخصومة في الحجية ارتكازا، وأن رجوع القاضي للبينة، إنما هو للمفروغية عن حجيتها في نفسها ومن ثم سميت البينة بينة. ومنه يظهر أنه لا حاجة للتشبث في التعميم بالاولوية المتقدمة أو بتنقيح المناط مع ظهور الادلة بل صراحة بعضها في عدم خصوصية الخصومة في الحجية، بل هو مما ينبغي المفروغية عنه والقطع به بعد ما عرفت. وأما من الجهة الثانية فلا تنفع الاولوية المذكورة في التعميم، لعدم الاشكال في اختلاف الموارد في الملاك المقتضي لقبول الحجة عليها، ومن ثم اختلفت كثيرا في القيود المعتبرة في الشهادة، فلا مجال لتنقيح المناط، فضلا عن الاولوية. نعم، الظاهر استفادة التعميم من الجهة المذكورة مما تقدم بضميمة المفروغية عندهم - تبعا للادلة - على حجية البينة في القضاء والحقوق عدا ما استثني، لما هو الظاهر من إمكان ترتب التنازع في كل شي قابل لان يشهد عليه، لامكان ترتب حق أحد عليه، بنحو يصلح لان يكون موردا للنزاع وموضوعا للحكومة، فيترتب على النزاع في النجاسة النزاع في صحة البيع أو لزومه لو كان

===============

( 137 )

المبيع مما تسقطه النجاسة عن المالية أو تعيبه، ويترتب على النزاع في العدالة النزاع في نفوذ الحكم لو فرض حكومة من يدعي المحكوم عليه فسقه، إلى غير ذلك مما يمكن فرض النزاع فيه. وحينئذ مقتضى ما تقدم عموم الحجية في جميع ذلك في حق كل أحد. وأما احتمال أن ذلك لا يقتضي ترتيب جميع آثار المشهود عليه، حتى ما لا يكون من سنخ الحقوق، كصحة الصلاة، وجواز التقليد وغيرهما، لامكان التفكيك في الحجية بين آثار الشئ الواحد. فبعيد جدا عما هو المنساق من أدلة الحجية، تبعا للمرتكزات العرفية الحاكمة بأن حجية البينة مبنية على تصديقها وثبوت ما قامت عليه بها المقتضي لثبوت لوازمه فضلا عن آثاره، نظير قبول العقلاء خبر الثقة. ولعله لذا قال في الجواهر في مسألة قبول البينة على النجاسة وعدم الاقتصار فيها على العلم: (ينبغي القطع بقبول البينة في ذلك... لظهور تنزيلها منزلته في الشرع... كظهور استحقاق الرد أو الفسخ والمطالبة بالارش لو ثبت بالبينة نجاسة الدهن المبيع ونحوه... واحتمال عدم التلازم بين استحقاق الرد وثبوت النجاسة وجريان أحكامها لا يصغى إليه). هذا مع عدم الاشكال في عموم الحجية في الجملة لما لا يكون من الحقوق، كالهلال المقتضي للصوم أو الفطر، وموت الزوج والطلاق المقتضيين للعدة وصحة التزويج بعدها، والعتق المقتضي لبعض الاحكام التي لا دخل لها بالحقوق كجواز الجمع بين أربع حرائر، وعدم جواز الجمع بين أكثر من أمتين، وغير ذلك، مما يعلم من حال المسلمين ترتيب جميع آثاره بالبينة وعدم الاقتصار منها على ما يتعلق بحقوق الناس. ومن الظاهر أن قبول البينة فيها بنحو يثبت جميع الاثار لم يستفد من أدلة خاصة، بل هي بين ما لم يرد فيه دليل خاص أصلا، أو ورد فيه دليل خاص ظاهره المفروغية عن أصل قبول البينة، وإنما سيق لبيان بعض الخصوصيات، كوجوب

===============

( 138 )

الاشهاد في الطلاق، وعدم قبول شهادة النساء فيه وفي الهلال ونحوهما، وهو كاشف عن المفروغية عن عموم حجية البينة من حيث الموارد، وأنها تثبت جميع الاثار، وتكون هي المرجع لو لا الدليل الخاص. فلاحظ. وهو الظاهر أيضا من مثل رواية مسعدة بن صدقة الاتية، ورواية علقمة عن أبي عبد الله عليه السلام: (فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذ لك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر...) (1). وخبر عبد الله بن سليمان عنه عليه السلام في الجبن: (كل شي لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة) (2)، فإنها لم ترد لتشريع حجية البينة فكل شئ، أو في الفسق، أو في الميتة، بل لبيان عدم الاكتفاء بغيرها الظاهر في المفروغية عن حجيتها في نفسها، ويناسبه سوقها في الاوليين مساق العلم المفروغ عن حجيته. وهو المناسب للمرتكزات العرفية المشار إليها آنفا، لما هو المعلوم من ارتكاز عدم الخصوصية للموارد وعدم الفرق بين الاثار، مع عدم الاشارة في النصوص للضابط في التفصيل بينها، فلو لم يكن العموم مقتضى إطلاقاتها اللفظية، فلا أقل من كونه مقتضى إطلاقاتها المقامية. فتأمل. والانصاف: أن التأمل في ما ذكرنا وفي نصوص الشهادات والقضاء ونحوها موجب لوضوح الحكم.، ولاسيما مع دعوى الاجماع على العموم من غير واحد، بل ظهور التسالم عليه بينهم. وثبوت الخلاف في بعض الموارد لا ينافيه لو لم يؤيده، لظهور كلامهم في أن منشأه شبهة في خصوص المورد، مثل تعليل عدم قبول البينة في النجاسة في كلام من عرفت بأنها ليست من العلم الذي جعل غاية للطهارة في قولهم عليهم السلام: (الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر)، وتعليل عدم قبولها في الاجتهاد بأنه من الامور الحدسية التي لا تكون موردا للشهادة مع تيسر العلم، كما حكاه سيدنا المصنف قدس سره، فإن


____________
(1) الوسائل ج 18، ص 292، باب 41 من كتاب الشهادات، حديث 13. (2) الوسائل ج 17، ص 91، باب 61، من أبواب الا طعمة المباحة، حديث 2.

===============

( 139 )

الاستدلال بمثل ذلك ظاهر في المفروغية عن ثبوت عموم حجية البينة، وإلا كان الاولى إنكار العموم المذكور. بل تسميتها بالبينة مشعر بالمفروغية عن حجيتها، وأنها موجبة لوضوح الامر المشهود به شرعا. وهذا كاف في البناء على العموم الراجع إلى أن مقتضى القاعدة قبول البينة إلا بدليل مخرج عنها، فلا ينبغي التوقف فيه. ثم إنه قد استدل على عموم حجية البينة بأمرين.. الاول: رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام: (سمعته يقول: كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك. والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة) (1) والكلام فيها تارة من حيث السند، واخرى من حيث الدلالة. أما السند فقد يضعف، لعدم النص على توثيق مسعدة بن صدقة، فلا مجا للاعتماد على روايته، ولاسيما مع عد الكشي إياه بتريا، وعد الشيخ إياه في كتابه في أصحاب الباقر عليه السلام عاميا (2). لكن لا يبعد الاعتماد عليها مع علو متنها ورواية الكليني والشيخ لها وظهور قبولها بين الاصحاب، بل قبول روايات مسعدة، فعن المجلسي الاول: (الذي يظهر لي من أخباره التي في الكتب أنه ثقة، لان جميع ما يرويه في غاية المتانة موافقة لما يرويه الثقات من الاصحاب، ولذا عملت الطائفة بما رواه وأمثاله من العامة. بل لو تتبعت وجدت أخباره أسند وأمتن من أخبار مثل جميل بن دراج، وحريز بن عبد


____________
(1) الوسائل ج 12، ص 60، باب 4 من أبواب ما يكتسب به من التجارة، حديث 4. (2) بناء على اتحاد المذكور في كلامهما مع الراوى عن الصادق (عليه السلام)، كما لعله المعروف، وربما يحتمل تعدد هما وأن الثاني إمامى، بل من الحسان، وقد تعرض لذللك في تنقيح المقال، وربما عفى عنه). .

===============

( 140 )

الله)، وقريب منه عن غيره. هذا مع وقوع الرجل في أسانيد كتاب كامل الزيارة الذي صرح ابن قولويه قدس سره في أوله أنه لا يثبت فيه إلا ما رواه ثقات أصحابنا، ومن ثم اختار بعض مشايخنا وثاقته. ولعله لبعض ذلك عبر شيخنا الاعظم قدس سره عن الرواية بالموثقة. وبالجملة: سند الرواية لا يخلو عن اعتبار، فيتجه الاستدلال بها. وأما الدلالة فقد قربها سيدنا المصنف قدس سره بأنها وإن تضمنت حجية البينة إذا قامت على الحرمة، إلا أن المراد بذلك أعم من كون الحرمة مدلولا مطابقيا وكونها مدلولا التزاميا (1) من حيثية دلالتها على الموضوع الملازم لها، وحيث كانت البينة من سنخ الامارات العرفية كان الظاهر من ثبوت الحرمة بها كونها طريقا إلى مؤداها، لا تعبدا، كما في موارد الاصول، وحينئذ يترتب على مؤداها جميع أحكامه ولو كانت غير الحرمة، لعدم اختصاص طريقيتها بنظر العرف بجهة دون جهة، فلا يبقى مورد خارج عن الرواية إلا ما لو لم يترتب على ما قامت عليه البينة الحرمة أصلا، وهو - مع ندرته - قد يتعدى إليه بعدم القول بالفصل، أو لعدم التفكيك عرفا بينه وبين مورد الرواية. وبعين هذا التقريب يمكن إثبات عموم الحجية من رواية عبد الله بن


____________
(1) العمدة في وجه التعميم إطلاق الرواية، لصدق قيام البينة على الحرمة بذلك. ولاسيما مع كون الغالب في قيام البينة على الحكم قيامها على موضوعه، لانه المدرك أولا للشاهد، وهو المناسب للامثله المسوقة في الرواية. وأماما ذكره بعض أفاضل أهل العصر من أن المراد في الرواية ليس هو قيام البينه على الحرمة، ليحتاج في التعميم إلى ما تقدم، بل قيامها على المو ضوع ذى الحرمة، بقرينة استثنائه من لزوم البناء على عدم كون الثوب سرقة وغيره مما تضمنته الرواية من الموضوعات، فتدل الرواية ابتداء على حجية البينة في الموضوعات المؤدية الحرمة. فهو خلاف ظاهر الرواية، لان الامثلة المذكورة فيها قد سيقت ابيان موارد البناء على الحل وعدم الاعتناء باحتمال الحرمة الذى تضمنه صدر الرواية، فالاستثناء إنما هو من ذلك، لا من الامثلة المذكورة، وهو المراد من اسم الاشاره في قوله (عليه السلام): والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك...، وليس المراد بهما الموضوع. (منه عفى عنه).

===============

( 141 )

سليمان المتقدمة الواردة في الجبن، بناء على ظهورها في كون ذكر الميتة فيها من باب المثال. وقد استشكل بعض مشايخنا في دلالة الرواية بأن البينة قد استعملت في الكتاب العزيز والاخبار بمعناها اللغوي، وهو ما به البيان والحجة على الشئ، ولم يثبت استعمالها في شهادة العدلين، بل المعنى المذكور مصطلح حادث للعلماء، لعله كان ثابتا في الدور الاخير من زمانهم عليهم السلام وحينئذ لاتدل الروايتان على حجية البينة بالمعنى المذكور، بل لابد من ثبوته من الخارج. وفيه.. أولا: أن ملاحظة الاستعمالات الكثيرة في النصوص الواردة في القضاء والشهادات وغيرها شاهد بعدم استعمال البينة في المعنى اللغوي المذكور، بنحو يراد منه المعنى على عمومه، ويراد من اللام فيه - لو كان محلى بها - الجنس، بحيث يكون إطلاقه على المعنى المصطلح لمحض التطبيق كإطلاق الانسان على زيد، إذ هو لا يناسب توصيفها في غير واحد من النصوص بالعادلة، ولا نسبة الشهادة لها الظاهرة في كونها بلحاظ أداء الشهادة، ولا مقابلتها باليمين، مع أنه من الحجج أيضا، ومجرد اختصاص حجيته بالقضاء لا يصحح المقابلة، مع كون البينة حجة فيه أيضا وإن كانت أعم، بل لا يناسب ما ورد من عدم قبولها من المنكر عند التعارض، معللا بأنها شرعت على المدعي، لوضوح أن الذي لا يقبل من المنكر هو البينة الخاصة، لا مطلق البرهان ولو كان علميا، كما لا يناسب ما ورد من ضم اليمين إليها في الدعوى على الميت فإنه صريح في عدم حجيتها بنفسها، فلا مصحح لاطلاق البينة بالمعنى اللغوي عليها... إلى غير ذلك مما يظهر بسبر النصوص والتأمل فيها. فلا بد إما من حملها على المعنى اللغوي المذكور مع الالتزام بأن اللام فيها للعهد للفرد الخاص، وهي البينة المصطلحة أو التزام نقلها للمعنى المذكور مع كون اللام للمح المعنى اللغوي المنقول عنه، كما في سائر موارد النقل بالغلبة، كالصلاة والصوم والوضوء وغيرها.

===============

( 142 )

والثاني هو الاقرب بعد التأمل في النصوص، لان صدق المعنى اللغوي على المعنى المصطلح مبني على ملاحظة عناية الجعل والتنزيل، لان البينة لغة من البيان الملازم للعلم، فصدقها على الحجج غير العلمية - ومنها البينة المصطلحة - مبني على ملاحظة عناية جعلها بمنزلة العلم، ومن البعيد ابتناء تلك الاستعمالات الكثيرة على العناية المذكورة، خصوصا ما تضمن عدم ابتناء القضاء على العلم، بل على البينة (1)، فإنه كالصريح في عدم لحاظ تنزيل البينة منزلة العلم، بل هي أمر في قباله. بل لا ينبغي الاشكال في حصول النقل بأقل من هذه الاستعمالات، بل قبلها. ويناسبه خلوها في كثير من الاستعمالات عن اللام المحتملة للعهد، خصوصا في ما تضمن أنه لا طلاق إلا ببينة، فلو لم تكن منقولة لزم استعمال العام في الخاص. وبالجملة: التأمل في النصوص الكثيرة واستيعابها يورث القطع بتحقق النقل في زمن صدور الروايات وابتناء الاستعمال فيها عليه، لا على المعنى اللغوي. وثانيا: أنه لا مجال لذلك في خصوص رواية مسعدة، لمقابلتها فيها بالاستبانة اللازمة من قيام البينة بالمعنى اللغوي، لانهما متحدان اشتقاقا، كما لا يخفى. فالانصاف: أن الاستدلال بالرواية المذكورة قريب جدا. الثاني: ما استدل به بعض مشايخنا - بناء على ما تقدم منه من بقاء البينة على المعنى اللغوي - وحاصله: أنه لما دلت الادلة على ابتناء القضاء على البينة بالمعنى اللغوي وعلمنا من الخارج اعتماد الشارع على اخبار العادلين في مقام القضاء نستكشف من ذلك كونه بينة بالمعنى المذكور وحجة من قبل الشارع، كما نستكشف من ذلك عموم حجيته وعدم اختصاصها بالقضاء، لان اعتماد الشارع عليه في القضاء يكشف عن حجيته في مرتبة سابقة على القضاء، لا أنه صار حجة به. وفيه.. أولا: أن احتمال اختصاص حجيته بالقضاء لا يرجع إلى كون القضاء - الذي


____________
(1) راجع الباب الاول من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى من كتاب القضاء في الوسائل ج 18، ص 167، حديث 2.

===============

( 143 )

هو بمعنى حكم الحاكم وفصله للخصومة - سببا للحجية، ليرد بأن الظاهر ابتناء القضاء على الحجية وتوقفه عليها، لا العكس، بل بمعنى كون الخصومة عند القاضي سببا في حجية البينة في حق القاضي مصححة لحكمه في الواقعة، فهي حجة في رتبة سابقة على القضاء مختصة به، ولابد في إثبات عموم حجيتها لغير حال القضاء من طريق آخر. وثانيا: أن ذلك لا يقتضي إلا عدم دخل القضاء والحكومة في حجية البينة، ولا يقتضي عموم حجيتها من حيث الموارد، لامكان اختصاصها بالحقوق التي هي مورد الحكومة وإن لم ترفع للحاكم ولم يحتج فيها للقضاء، فلابد في تعميمها لجميع الموارد من دليل آخر، فتأمل جيدا. ثم إنه قد استدل شيخنا الاعظم قدس سره في رسالته في العدالة على حجية البينة في خصوص العدالة بما ورد من فعل النبي صلى الله عليه واله حيث كان يبعث رجلين من أصحابه لتزكية الشهود المجهولين، فيعمل بقولهما جرحا وتعديلا. وما دل على قبول تعديل القابلة، وهو خبر جابر عن أبي جعفر عليه السلام: (شهادة القابلة جائزة على أنه استهل أو برز ميتا، إذا سئل عنها فعدلت) (1) وفحوى ما دل على قبولها في الجرح، وهو خبر علقمة المتقدم. وزاد سيدنا المصنف قدس سره فاستدل بما في صحيح عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام: (فإذا سئل عنه في محلته وقبيلته قالوا: ما رأينا منه إلا خير مواظبا على الصلوات متعاهدا لاوقاتها في مصلاه) (2) بضميمة الاجماع على عدم اعتبار أكثر من البينة. ويشكل الاول بعدم العثور عليه، فإنه وإن ذكر في الوسائل ذلك في عنوان الباب السادس من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، إلا أنه لم يذكر إلا ما عن تفسير العسكري عليه السلام من أن النبي صلى الله عليه واله كان إذا جاءه شهود لا يعرفهم بعث رجلين


____________
(1) الوسائل ج 18، ص 266، باب 24 من كتاب الشهادات حديث 38. (2) الوسائل ج 18، ص 288، باب 41 من كتاب الشهادات، حديث 1. .

===============

( 144 )

من خيار أصحابه يسألان عنهما في قبيلتهما وسوقهما ومنزلهما، فان أثنوا خير جاءاه وأخبراه فبعث خلف القوم الذين أثنوا على الشهود، فسألهم عما جاء الرجلان، فإن صدقوهما قضى بشهادة الشاهدين وأنفذها. وهو كما ترى - مع أنه أجنبي عما نحن فيه، لعدم تزكية الرجلين للشهود، بل إخبارهما عن القوم بتزكيتهما - دال على عدم اكتفائه صلى الله عليه واله بشهادة الرجلين في الاخبار عن المزكين حتى يبعث إليهم فيسألهم بأنفسهم. هذا مع وهنه في نفسه بضعف السند، ومثله في ذلك الثاني. مع أنه لا دلالة فيه على الاكتفاء بشهادة العادلين، لامكان وجوب السؤال من أكثر حتى يحصل العلم أو الشياع الاطمئناني بالعدالة. ولا مجال لدعوى: أن إطلاق السؤال يقتضي الاكتفاء بسؤال الواحد فضلا عن الاثنين، لعدم إمكان البناء على الاطلاق المذكور بعد اليقين بعدم الاكتفاء بمطلق السؤال ولو من الطفل أو الفاسق، والتزام خروجهما بالتخصيص بعيد، بل ظاهر الحديث إرادة لزوم الفحص من وجوب السؤال، مع إيكال مقداره وتحديده إلى دليل آخر. ومثلها دعوى: أن الاستدلال به بضميمة الاجماع على عدم اعتبار أزيد من البينة، كما تقدمت من سيدنا المصنف قدس سره في الوجه الرابع، لاندفاعها بأن هذا رجوع للاستدلال بالاجماع على حجية البينة، كما لعله ظاهر. وأما الثالث فالفحوى المدعاة فيه وإن كانت قريبة، لان قبول البينة في الجرح مع ظهور الرواية في كون الاصل العدالة يقتضي قبولها في العدالة المطابقة للاصل بالاولوية العرفية الراجعة إلى مفهوم الموافقة، إلا أن ضعف سند الرواية، وصعوبة الالتزام بمضمونها من أصالة العدالة في من ولد على فطرة الاسلام كما سيأتي، مانع من الاعتماد عليها في ذلك. وأما الاستدلال بها بضميمة عدم الفصل بين الفسق والعدالة كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره، فهو - لو تم - راجع إلى دعوى حجيتها في إثبات عموم حجية البينة، إذ الظاهر عدم خصوصية الفسق والعدالة في عدم الفصل.

===============

( 145 )

بل عدم الفصل - لو تم - إنما هو بين جميع ما لا يكون موردا للقضاء، فالامر دائر بين اختصاص حجية البينة بما يكون موردا للقضاء وعمومها لكل شئ. فالدليل على حجيتها في بعض الموارد مما لا يكون موردا للقضاء - كالرواية المذكورة، ورواية عبد الله بن سليمان المتقدمة الواردة في الجبن - يكون دليلا على العموم، لكن عدم الفصل بالمقدار المذكور غير ظاهر بنحو يصلح للاستدلال في المقام. وأما الرابع فيظهر الاشكال فيه مما تقدم في الثاني من أنه رجوع إلى الاستدلال بالاجماع على حجية البينة في العدالة، وإلا فهو في نفسه ظاهر في شيوع ستره في محلته وقبيلته، لان الامر المسؤل عنه وهو مواظبته على الصلوات في جماعة مما يظهر ويشيع بنحو يكون السؤال عنه موجبا للعلم به ولا يختص به الشاهدان، كما لا يخفى. هذا، وأما الاجماع الذي قد يدعى في المقام فالظاهر أنه مبتن على الاجماع على عموم حجية البينة الذي تقدم الكلام فيه، ولا خصوصية للمقام فيه. ثم إنه لو تم شئ مما تقدم على حجية البينة في خصوص العدالة فالظاهر أنه مختص بالعدالة التي هي موضوع الاحكام الشرعية من قبول الشهادة وجواز الائتمام وغيرهما، دون جواز التقليد الذي تقدم أنه لا دليل على اعتبار العدالة فيه شرعا إلا من حيث ارتفاع الوثوق باجتهاد غير العادل الموجب لعدم دخوله في موضوع السيرة على التقليد، المؤيد بمرتكزات المتشرعة، وقد تقدم أنه يقتضي اعتبار ملكة العدالة بمرتبة عالية غير ما هو معتبر في سائر المقامات، فالاكتفاء بالبينة في العدالة بالمرتبة المذكورة محتاج إلى أدلة غير الادلة المتقدمة. نعم، بناء على ما عرفت من عموم حجية البينة يتجه قبولها في المقام إذا قامت على العدالة بالنحو المذكور، كما تعتبر في إثبات أصل الاجتهاد وغيره من شرائط التقليد، فلاحظ.

===============

( 146 )

تنبيه المستفاد من النصوص وكلمات الاصحاب أن البينة هي شهادة الرجلين العادلين، وأن حجية غيرها إما لتنزيلها منزلتها، أو حكم خاص ثابت بدليله، والامور المذكورة كثيرة قد تعرضت لها الادلة، كيمين المنكر، وشهادة رجل وامرأتين، وشهادة امرأتين مع يمين صاحب الحق. ولا ريب في اختصاص يمين المنكر بحقوق الناس في القضاء، أما في غيره فحجة المنكر من يد أو أصل أو غيرهما مغنية عن يمينه في إثبات حقه. بل لا يبعد اختصاص حجيته في القضاء بخصوص إثبات الحق دون لوازمه الخارجية الاتفاقية، لعدم إطلاق لدليل حجيته يقتضي إثبات اللوازم المذكورة، لان اليمين من الحجج الشرعية التعبدية، لا العرفية ليمكن دعوى بناء العقلاء على عموم حجيته، ومنه يظهر حال شهادة الواحد مع يمين صاحب الحق. وأما بقية الامور المذكورة فالمتيقن من دليلها حجيتها في الحقوق أو غيرها مما تعرضت له النصوص، فالتعدي لغير ذلك يحتاج إلى دليل مفقود ظاهرا. فراجع أدلتها في الباب الرابع عشر والخامس عشر من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، والباب الرابع والعشرين من كتاب الشهادات من الوسائل، فإنها بين ما ورد في موارد خاصة، وما ورد لتشريع أصل قبول الشهادة، ولا إطلاق له من حيث الموارد. نعم، لا يبعد عموم حجيتها لغير حال القضاء وفصل الخصومة كعموم حجية البينة، لعدم الفرق بينهما ارتكازا، وإن كان لابد من التأمل فيها بوجه لا يسعه المقام. هذا كله مع قطع النظر عن عموم سيرة العقلاء على قبول خبر الثقة، وإلا فيتجه البناء على عموم حجية الامور المذكورة في غير ما دل الدليل الخاص على الردع عنه، كشهادة النساء في الهلال والطلاق. وسيأتي الكلام في ذلك قريبا إن شاء الله تعالى.

===============

( 147 )

[ الثالث: حسن الظاهر (1). ] فلاحظ. والله سبحانه وتعالى ولي العصمة والسداد. (1) سيأتي إن شاء الله تعالى في المسألة الثامنة والعشرين الكلام في حقيقة العدالة وأنها من الامور الواقعية وليست هي عبارة عن حسن الظاهر، كما قد ينسب لبعضهم، وغاية ما يمكن دعواه كون حسن الظاهر طريقا إليها، وحينئذ يقع الكلام في الطرق الخاصة بالعدالة. وربما يقال: إن الاصل في المسلم العدالة ما لم يثبت فسقه، فلا تحتاج إلى طريق محرز لها عند الشك، وهو الظاهر من بعض مواضع الخلاف، قال: (إذا شهد عند الحاكم شاهدان يعرف إسلامهما ولا يعرف فيهما جرح حكم بشهادتهما ولا يقف على البحث، إلا أن يجرح المحكوم عليه فيهما، بأن يقول هما فاسقان فحينئذ يجب عليه البحث... دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم. وأيضا الاصل في الاسلام العدالة، والفسق طارئ عليه يحتاج إلى دليل. وأيضا نحن نعلم أنه ما كان البحث في أيام النبي صلى الله عليه واله ولا أيام الصحابة، ولا أيام التابعين، وإنما هو شي أحدثه شريك بن عبد الله القاضي، فلو كان شرطا أجمع أهل الامصار والاعصار على تركه). وقد اقتصر في كتاب الطلاق من النهاية على اعتبار الاسلام في الشاهدين. وعن محكي كلام المفيد في كتاب الاشراف: (يكفي في قبول الشهادة ظاهر الاسلام مع عدم ظهور ما يقدح في العدالة). وعن محكي كلام الكاتب: (كل المسلمين على العدالة إلى أن يظهر ما يزيلها). وفي المسالك بعد أن أطال في دليل القول المذكور قال: (فهذا القول وإن كان أمتن دليلا وأكثر رواية، وحال السلف يشهد به، وبدونه لا يكاد تنتظم الاحكام للحكام خصوصا في المدن الكبيرة والقاضي المنفذ من بعيد إليها، لكن المشهور الان بل المذهب خلافه).

===============

( 148 )

هذا، ويستدل للقول المذكور بامور.. الاول: الاصل الذي تقدم من الخلاف التمسك به. وفيه: أن العدالة أمر وجودي مخالف للاصل، سواء كانت من سنخ الملكات النفسية - كما هو الظاهر - أم أمرا منتزعا من عدم ارتكاب الذنوب، إذ لا يراد به - ظاهرا - مجرد عدم ارتكاب الذنب ولو لا عن داع نفسي، بل عدم ارتكابه اختيارا خوفا من العقاب، ومن الظاهر أن الامر المذكور مخالف للاصل، وإن كان الفسق مخالفا للاصل أيضا. وأما ما تضمن وجوب حمل المؤمن على الصحة، فهو لا يلازم البناء على عدالته، بنحو يترتب عليه أثرها، بل يراد به مجرد بقاء حرمته في نفسه وعرضه بنحو لا يجوز هتكه وغيبته وسوء الظن به واتهامه، ولا ينافي التوقف عن ترتيب آثار عدالته مع الشك فيها. نعم، قد يوجه الاصل - كما قد يظهر من المسالك - بأن العدالة ليست شرطا في قبول الشهادة ليجب إحرازها، بل الفسق مانع منه، فيكفي عدم إحرازه، لاصالة عدمه حينئذ. وفيه: أنه - مع مخالفته لظاهر أدلة الشهادة - خارج عما نحن فيه، لرجوعه إلى أن مقتضى الاصل قبول الشهادة وإن لم تحرز العدالة، ولا ينفع في محل الكلام من أن الاصل العدالة في المسلم حتى يترتب سائر أحكامها. هذا، مع أن ما يأتي من النصوص الظاهرة في اعتبار إحراز العدالة بحسن الظاهر أو نحوه مانع من الرجوع للاصل لو فرض اقتضاؤه العدالة، لانها تكون مخصصة لدليل الاصل المذكور، فلاحظ. الثاني: الاجماع المتقدمة دعواه من الخلاف. لكنه لا مجال للاعتماد عليه بعد عدم حكاية القول المذكور عن غير من تقدم، بل يظهر ممن تقدم خلافه في مواضع اخر، فقد صرح في الخلاف - بعد ما تقدم منه بقليل - بلزوم التفتيش عن الشاهدين: إذا كانا غريبين عن البلد ولا يعرفان بفسق ولا

===============

( 149 )

عدالة - بل في بعض النسخ ثبوت ذلك مطلقا - وإن كان لهما السيماء الحسنة والمنظر الجميل. وصرح - أيضا - بأنه مع تعارض الجرح والتعديل يتعين التوقف لتعارض الشهادتين، مع أن مقتضى ذلك الرجوع لاصالة العدالة لو تمت، فتأمل. وعن المبسوط أنه لو أقام المدعي بينة ولم يعرف الحاكم عدالتها فالتمس المدعي حبس المنكر ليعدلها جاز حبسه، لقيام البينة بحقه، والاصل فيها العدالة إلى أن يظهر غيرها، وظاهره المفروغية عن توقف الحكم بالبينة على تعديلها، وأنه لا ينافي أصالة العدالة. وعنه - أيضا -: (لا يجوز للحاكم أن يرتب شهودا يسمع شهادتهم دون غيرهم، بل يدع الناس وكل من شهد عنه، فإن عرفه وإلا سأل عنه على ما قلناه). وعن النهاية: (العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين وعليهم هو أن يكون ظاهره ظاهر الايمان ثم يعرف بالصلاح والعفاف...) إلى آخر كلامه وقد تضمن قريبا مما يأتي في صحيح ابن أبي يعفور. وعن المفيد في المقنعة: (العدل من كان معروفا بالدين والورع عن محارم الله تعالى). وعن الكاتب والمبسوط وغيرهما عبارات صريحة أو ظاهرة في اعتبار حسن الظاهر. ولاجل هذا لم يبعد كون مرادهم مما سبق من الاكتفاء بعدم ظهور الفسق إنما هو بعد معرفة الشاهد ومخالطة الناس له، بحيث يكون عدم ظهور فسقه ملازما لحسن ظاهره في الجملة، فمرجعه إلى عدم لزوم التفتيش عن عيوبه والتجسس عليه، الذي دل عليه صحيح ابن يعفور، لا أصالة العدالة في المسلم بنحو لا يحتاج إلى أمارة عليها من حسن الظاهر أو غيره. بل قد يدعى عدم ظهور ما تقدم من الخلاف في أكثر من ذلك، بناء على قراءة: (لا يعرف فيها جرح) بالبناء للمفعول، كما يناسبه رفع (جرح)، فيكون المراد عدم

===============

( 150 )

معرفته به من أحد لكونه مستورا بين الناس وإن احتمل تكتمه بالفسق، وهو ملازم لحسن الظاهر في الجملة. وكيف كان، فلا إشكال في اضطراب كلامهم في الجملة بنحو لا مجال معه للجزم بوجود القائل بهذا القول، فضلا عن قيام الاجماع عليه، وإلا فمن البعيد جدا انعقاد شهرة المتأخرين على خلاف الاجماع، كما تقدم من المسالك، حتى أنه لم يذهب إليه فيها مع اعترافه بأنه امتن دليلا. الثالث: السيرة العملية المتصلة بالنبي صلى الله عليه واله التي تقدمت حكايتها من الخلاف المؤيدة بما أشار إليه في المسالك من أنه لولا ذلك لتعطلت الاحكام، لصعوبة الاطلاع على حال الشهود، وبما أشار إليه في الجواهر من الحث على الجماعة المشعر بأنها متيسرة في كل وقت سفرا وحضرا. وفيه: أن المتيقن من ذلك عدم لزوم المداقة في البحث عن حال الرجل والتفتيش عن دخائله، بل الاكتفاء بحسن الظاهر المقارن للمخالطة والمعاشرة، وإلا فمن البعيد جدا البناء على أصالة العدالة مطلقا، لما يستلزمه من التفريط في الاحكام وتعرضها للخطأ الكثير بنحو يبعد رضا الشارع به في مثل القضاء المبني على حفظ الحقوق، كما أشار إليه في الجواهر. الرابع: النصوص، وعمدتها صحيح حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام، في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، فعدل منهم اثنان ولم يعدل الاخران، فقال: (إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور اجيزت شهادتهم جميعا، واقيم الحد على الذي شهدوا عليه، إنما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا وعلموا، وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم، إلا أن يكونوا معروفين بالفسق) (1). ورواية علقمة، قال الصادق عليه السلام، وقد قلت له: يابن رسول الله أخبرني عم تقبل شهادته ومن لا تقبل، فقال: (يا علقمة كل من كان على فطرة الاسلام جازت شهادته) قال: فقلت له: تقبل شهادة مقترف بالذنوب؟ فقال: (يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الانبياء والاوصياء عليهم السلام، لانهم

===============

( 151 )

المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنبا، ومن اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية الله داخل في ولاية الشيطان) (1). وقد يستدل أيضا بخبر سلمة بن كهيل، سمعت عليا عليه السلام يقول لشريح: (وأعلم أن المسلمين عدول بعضهم على بعض، إلا مجلود في حد لم يتب منه أو معروف بشهادة زور أو ظنين...) (2) وخبر العلا بن سيابة، سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شهادة من يلعب بالحمام؟ قال: (لا بأس، إذا كان لا يعرف بفسق) (3). وخبر عبد الرحيم القصير، سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (إذا كان الرجل لا تعرفه يؤم الناس فيقرأ القرآن فلا تقرأ واعتد بقرأته [ بصلاته ]) (4). ويشكل الاول بعدم ظهوره في حكم الشك في العدالة، بل لعله لبيان العدالة الواقعية المعتبرة في أداء الشهادة، فهو لبيان عدم رد شهادة بعض الاشخاص كالزوج والوالد والمملوك وغيرهم ممن تعرضت لهم النصوص. نعم، لابد من تقييده حينئذ بمن ترك بقية المحرمات، ولعله مستفاد من استثناء الظنين، حيث تضمن بعض النصوص أن الفاسق داخل فيه. ودعوى: أن استثناء المعروف بشهادة الزور ظاهر في كونه في مقام بيان طريق إحراز العدالة ظاهرا، وإلا كان المناسب استثناء شاهد الزور من دون تقييد بالمعروفية، ليست بأولى من دعوى: أن استثناء المجلود الذي لم يتب والظنين من دون تقييد بالمعروفية ظاهر في إرادة بيان العدالة الواقعية، فلا أقل من الاجمال المانع من الاستدلال.


____________
(1) و (1) الوسائل باب 81 ص 288، و 292، باب 41 من كتاب الشهادات، حديث 1، 13. (2) الوسائل ج 18، ص 155، باب 1 من أبواب آداب القاضى، حديث 1. (3) الوسائل ج 18، ص 291، باب 41 من كتاب الشهادات، حديث 6. (4) التهذيب ج 3 ص 275 حديث 118.

===============

( 152 )

ويشكل الثاني: بوروده في مقام بيان عدم مانعية اللعب بالحمام واقعا من قبول الشهادة، ولا إطلاق له يقتضي قبول شهادة كل من لا يعرف بفسق، بل لعل التنبيه على ذلك فيه من جهة كون اللعب بالحمام مما يزاوله سفلة الناس ممن يتعارف منهم الاعلان بالفسق، فأراد عليه السلام بيان عدم مانعية اللعب بالحمام في نفسه إلا من حيث ملازمته للمعروفية بالفسق غالبا، فلا ينافي اعتبار لزوم إحراز عدالته. ويشكل الثالث: بأنه - مع عدم ظهوره في عدم المعروفية من حيثية العدالة - ربما يكون الحكم فيه بجواز الائتمام لكون ائتمام الناس به أمارة على عدالته شرعا، كما أشار إليه غير واحد، وإلا فلا موجب لاعتبار ائتمامهم به، لو كان مبتنيا على أصالة العدالة في المسلم، على أنه قد دل غير واحد من النصوص على عدم جواز الائتمام بالمجهول، فلاحظ. فالعمدة من الدليل في المقام صحيح حريز وخبر علقمة، فإن ظهورهما في المدعى غير قابل للانكار. نعم، يلزم الخروج عنهما بما دل من النصوص الكثيرة على اعتبار حسن الظاهر ونحوه في جواز ترتيب آثار العدالة وعدم الاكتفاء في ذلك بظاهر الاسلام، كصحيح ابن أبي يعفور، قلت لابي عبد الله عليه السلام: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: (أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار، من شرب الخمر، والزنا، والربا، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وغير ذلك. والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علة، فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا: ما رأينا منه إلا خيرا مواظبا

===============

( 153 )

على الصلوات متعاهدا لاوقاتها في مصلاه، فإن ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين، وذلك أن الصلاة ستر وكفارة للذنوب. وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنه يصلي إذا كان لا يحضر مصلاه ويتعاهد جماعة المسلمين، وإنما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلي ممن لا يصلي، ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع. ولولا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح، لان من لا يصلي لا صلاح له بين المسلمين، فإن رسول الله صلى الله عليه واله هم بأن يحرق قوما في منازلهم، لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، وقد كان فيهم من يصلي في بيته، فلم يقبل منه ذلك. وكيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممن جرى الحكم من الله عزوجل، ومن رسوله صلى الله عليه واله فيه الحرق في جوف بيته بالنار؟! وقد كان يقول: لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين إلا من علة). ومرسلة يونس عنه عليه السلام، سألته عن البينة إذا اقيمت على الحق أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة من غير مسألة إذا لم يعرفهم؟ فقال: (خمسة أشياء يجب على الناس الاخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات، والمناكح، والذبايح، والشهادات، والانساب [ المواريث ]. فإذا كان ظاهر الرجل ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه). وصحيح عبد الله بن المغيرة عن الرضا عليه السلام، رجل طلق امرأته وأشهد شاهدين ناصبيين. قال: (كل من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته) (1) وصحيح البزنطي عنه عليه السلام: (من ولد على الفطرة اجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خير) (2) وصحيح محمد بن مسلم، سألت أبا جعفر عليه السلام عن الذمي والعبد يشهدان


____________
(1) راجع الروايات الثلاث في باب 41 من كتاب الشهادات من الوسائل ج 18، ص 288 حديث 1، 3، 5. (2) الوسائل ج 15، ص 282، باب 10 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، حديث 4.

===============

( 154 )

على شهادة ثم يسلم الذمي ويعتق العبد، أتجوز شهادتهما على ما كانا اشهدا عليه؟ قال: (نعم، إذا علم منهما بعد ذلك خير جازت شهادتهما) (1) وصحيحه الاخر عنه عليه السلام: (لو كان الامر إلينا لاجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير، مع يمين الخصم في حقوق الناس) (2) وخبر جابر المتقدم المتضمن قبول شهادة القابلة إذا سئل عنها فعدلت. وخبر عبد الكريم بن أبي يعفور عن أبي جعفر عليه السلام (قال: تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كن مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر والعفاف...) (3) بل بعض النصوص المتضمنة لذكر بعض الامارات على العدالة وإن لم تظهر في الحصر إلا أنها ظاهرة في احتياج العدالة إلى الاثبات، وانه لا يكتفى فيها بالاصل، كخبر إبراهيم بن زياد الكرخي عن الصادق عليه السلام: (من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنوا به خيرا وأجيزوا شهادته). وموثق سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، وواعدهم فلم يخلفهم كان ممن حرمت غيبته، وكملت مروته وظهر عدله، ووجبت اخوته) (4) وقريب منه خبر أحمد بن عامر الطائي وعبد الله بن سنان (5) فلابد بعد هذه النصوص من حمل صحيح حريز وخبر علقمة على إرادة عدم معروفية الشخص بالفسق بين من يختلط به ويعاشره، المستلزم لنحو من حسن الظاهر، لا مجرد عدم المعروفية به ولو لعدم الاختلاط، ويكون المراد من التعديل الذي يظهر من صحيح حريز عدم اعتباره هو التعديل المبني على التفتيش عن حال


____________
(1) الوسائل ج 18، ص 285، باب 39 من أبواب كتاب الشهادات، حديث 1. (2) الوسائل ج 18، ص 291، باب 41 من كتاب الشهادات، حديث 8 (3) الوسائل ج 18، ص 294، باب 41 من كتاب الشهادات، حديث 20. (4) الوسائل ج 18، ص 238، باب 11، من كتاب الشهادات، حديث 1. (5) الوسائل ج 18، ص 293، باب 41 من كتاب الشهادات، حديث 15، 16. .

===============

( 155 )

الشاهد والفحص عن دخائله وخفاياه الذي تقدم احتمال حمل كلام من تقدم عليه، فإن حملهما على ذلك بقرينة النصوص المذكورة هو مقتضى الجمع العرفي في المقام، كما ذكره في الجواهر. فتأمل جيدا. إذا عرفت هذا، فيقع الكلام في تحديد حسن الظاهر. والظاهر أنه يكفي فيه كون الرجل ساترا لنفسه لا يظهر عيبه لمن يخالطه ويعاشره، كما هو الظاهر من صحيح ابن أبي يعفور المتقدم وخبر أخيه ومرسلة يونس، ويقتضيه في الجملة صحيح حريز وخبر علقمة بعد حملهما على ما تقدم، ولا يبعد ظهور مرسلة يونس وصحيح ابن أبي يعفور في اعتبار كونه في مقام المحافظة على ستر نفسه فلا يتعرض لمواضع التهم ونحوها، فإنه وإن لم يظهر بذلك الفسق، إلا أنه لا يصدق الستر عرفا، كما لا يكون ظاهره مع ذلك مأمونا. كما أن الظاهر أن ستر العيوب بعد المخالطة ملازم لظهور الخير الذي تضمنه غير واحد من النصوص، لما يظهر بالمخالطة من القيام بالواجبات وتجنب كثير من المحرمات، وهو خير عظيم. وربما يقال بكفاية ظهور الخير الذي تضمنته النصوص المذكورة، ولو مع عدم المخالطة والمعاشرة، نعم لابد من كون الخير بنحو يوجب حسن الظاهر عرفا، نظير ما ذكر في موثق سماعة وخبر الكرخي، وإلا فالاكتفاء بأدنى الخير أخذا بإطلاق النصوص المذكورة بعيد جدا، إذ لا يخلو منه أحد. فتأمل. وبالجملة المستفاد من مجموع النصوص ما ذكره غير واحد من الاصحاب من اعتبار حسن الظاهر الذي هو من الامور الظاهرة عند المتشرعة، ويسهل عليهم تطبيقها. نعم، تضمن صحيح عبد الله بن أبي يعفور اعتبار إحراز مواظبة الرجل على الصلاة في مواقيتها في جماعة المسلمين، وهو مما يصعب تحقيقه خصوصا في عصورنا. لكن الظاهر أنه غير لازم، إذ لا دليل عليه الا الصحيح المذكور، وهو مضطرب

===============

( 156 )

الدلالة فيه، لظهور بعض فقراته في أن المعتبر واقعا هو التزام الرجل بالصلاة وعدم تضييعه لها، لانها ستر وكفارة للذنوب، وأن اعتبار الجماعة، لكشفها عن كونه مصليا لا لاعتبارها بنفسها، وظاهر بعض فقراته الاخر اعتبار الجماعة لموضوعيتها، وعدم الاعتداد بالصلاة مع تركها، بل هو مسقط لحرمة الشخص وعدم قبول شهادته ولا عدالته واقعا. ولاريب في أنه لا مجال للبناء على ذلك، لما هو المعلوم من عدم وجوب الجماعة وبقاء الحرمة لتاركها، فلابد من حمل ما تضمن التشديد في أمر الجماعة على ما لو كان تركها لشق عصا الطاعة لمن تجب طاعته، والخروج عن جماعة المسلمين وشق كلمتهم واتباع غير سبيل المؤمنين. نعم، ذلك خلاف ظاهر الصحيح، بل لا يناسب زمان صدوره، حيث كانت الجماعة المتيسرة غالبا هي جماعة المخالفين، التي لا يكون في التخلف عنها شئ مما ذكر، ويعلم من سيرة الائمة عليهم السلام وأصحابهم عدم الالتزام بها وإن كثر منهم الاتيان بها تقية. فلابد إما من تأويل الصحيح في ذلك أو حمله على التقية أو طرحه وإرجاع علمه لقائله عليه السلام. وإما البناء على توقف العدالة على المواظبة على الجماعة، وان لم تكن واجبة، كما قد يظهر من بعض عباراتهم، فهو - مع بعده في نفسه - مخالف لظاهر الصحيح، لظهوره في أن منشأ اعتبارها فيها وجوبها وعدم الاعتداد بالصلاة بدونها. فلابد من التوقف عن ذلك بعد ما عرفت من عدم إمكان الالتزام به واضطراب الصحيح في الدلالة عليه. نعم، لا يبعد كون الالتزام بالجماعة بالوجه المذكور نوعا من حسن الظاهر الذي يكفي في ترتيب أثر العدالة. كما يشهد به إطلاق الخير في غير واحد من النصوص المتقدمة، وخصوص خبر إبراهيم الكرخي. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.

===============

( 157 )

[ الموجب للوثوق بها (1)، ] (1) إما لما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره في رسالته في العدالة من انصراف أدلة طريقية حسن الظاهر إلى خصوص ما أوجب الوثوق بالعدالة. أو لما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من لزوم تقييدها بما في مرسلة يونس المتقدمة من قوله عليه السلام: (فإذا كان ظاهر الرجل ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه). ويندفع الاول: بأنه لا وجه للانصراف المذكور، ولاسيما مع ظهور بعض النصوص في الردع عن سوء الظن والامر بحسن الظن بالرجل مع حسن ظاهره، إذ لا حاجة إلى ذلك مع فرض حصول الوثوق من حسن الظاهر، لان البناء على مقتضى الوثوق والاذعان به هو الامر الطبيعي الذي لا يحتاج إلى بيان الشارع، فالنصوص المذكورة ظاهرة في عموم طريقية حسن الظاهر جدا. ويشكل الثاني: بالمنع من ظهور المرسلة في التقييد المذكور، حيث إنها لم تعتبر كون الظاهر مؤمنا، بل كون الظاهر نفسه مأمونا، وهو عبارة اخرى عن حسن الظاهر، ولاسيما مع اشتمالها على النهي عن السؤال عن الباطن الذي لا يحتاج إليه غالبا مع حصول الوثوق بالعدالة، لركون الانسان إلى وثوقه من غير حاجة إلى سؤال. هذا وقد اعتبر السيد الطباطبائي قدس سره في حجية حسن الظاهر إفادته الظن، ولم يتضح وجهه بعد ما عرفت من إطلاق النصوص ومنع انصرافها أو تقييدها. تنبيهات: الاول: حكى شيخنا الاعظم قدس سره عن بعض معاصريه حجية مطلق الظن بالعدالة. ويستفاد من كلماته الاستدلال عليه.. تارة: بانسداد باب العلم بالعدالة، وعدم جواز الرجوع في جميع موارد الجهل به إلى أصالة عدمها، وإلا لبطل أكثر الحقوق، بل ما قام للمسلمين سوق، فتعين الرجوع فيها للظن، كما هو الحال في جميع موارد الانسداد.

===============

( 158 )

واخرى: بخبر إبراهيم الكرخي المتقدم: (من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة فظنوا به خيرا وأجيزوا شهادته)، حيث أن الامر بالظن لا يعقل، لعدم كونه اختياريا، فيدل بدلالة الاقتضاء على الامر بترتيب أحكام ظن الخير، ومنها إجازة شهادته، فيدل على أن هذه الاحكام ثابتة لمطلق الظن، ومثله في ذلك ما عن الفقيه: (من صلى الخمس في جماعة فظنوا به كل خير) (1) ويندفع الاول تارة: بكفاية طريقية حسن الظاهر في رفع المحذور المذكور، واخرى: بأنه لا يقتضي حجية مطلق الظن لان نتيجة الانسداد مهملة لا كلية، فيجب الاقتصار على المتيقن منه وهو الظن الاطمئناني، كما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره. بل ينبغي الاقتصار على خصوص الظن المذكور مع حسن الظاهر. ويندفع الثاني بأن الظن وإن لم يكن اختياريا، إلا أن المراد من الامر به حمل النفس عليه بدفع ما ينافيه وتأكيد ما يقتضيه حتى يتسنى لها حسن الظن، كما في جميع موارد الامر بحسن الظن بالمؤمن وعدم اتهامه. نعم، تدل رواية الكرخي على أن المواظبة على الجماعة كما تكون سببا للامر بحسن الظن كذلك تكون سببا لقبول الشهادة، وهو راجع إلى كون المواظبة نحوا من حسن الظاهر المحرز للعدالة، كما تقدم، ويشهد بما ذكرنا عطف قبول الشهادة بالواو، لا بالفاء المقتضية للتفريع، فلاحظ. نعم، يظهر من شيخنا الاعظم قدس سره حجية الوثوق بالعدالة، وإن لم يستند إلى حسن الظاهر، وهو الذي صرح به سيدنا المصنف قدس سره مستدلا عليه بخبر أبي علي بن راشد، قلت لابي جعفر عليه السلام: إن مواليك قد اختلفوا، فاصلي خلفهم جميعا فقال: قال: (لا تصل إلا خلف من تثق بدينه). ورواه الشيخ قدس سره بزيادة قوله: (وأمانته) (2) فإن الزيادة المذكورة قرينة على عدم كون المراد الوثوق بالدين من حيث الاصول فقط - كما قد يناسبه السؤال - ليدل


____________
(1) الوسائل ج 5، ص 392، باب 11 من أبواب صلاة الجماعة، حديث 3. (2) الوسائل ج 5، ص 389، باب 10 من أبواب صلاة الجماعة، حديث 2.

===============

( 159 )

على اعتبار الايمان، بل ما يعم الفروع، فيدل على كفاية الوثوق بالعدالة. لكنه - مع ضعف سنده، وعدم وضوح انجباره بعمل الاصحاب، لاقتصارهم على حسن الظاهر واختصاصه بالائتمام ولا يشمل جميع أحكام العدالة، خصوصا جواز التقليد، حيث لم يثبت كونه من أحكام العدالة شرعا، على ما تقدم التعرض له في آخر الكلام في حجية البينة - ظاهر في اعتبار الوثوق بأمانة الرجل، وليست هي عين العدالة لان العدالة صفة يمكن معها صدور الذنب وعدم الامانة، وليست العدالة إلا طريقا شرعيا لاحراز ذلك، ومقتضى الجمع بينه وبين ما دل على اعتبار العدالة في الامام كون المراد بالوثوق ما يلازم العدالة ويكون مسببا عنها، فتأمل. وأما ما ذكره بعض مشايخنا في وجه الاكتفاء بالوثوق من أنه حجة عقلائية. فهو غير ظاهر، لان المتيقن من بناء العقلاء ترتيب الاثر على العلم العادي الذي لا يعتد باحتمال الخلاف معه، لانه بنظر العقلاء من سنخ الوساوس، وهو أخص من الوثوق إن لم يكن مباينا له. ثم إنه قد استقرب حجية الشياع الظني بالعدالة مستدلا عليه بما في صحيحة ابن أبي يعفور من قوله عليه السلام فيها: (أن تعرفوه بالستر والعفاف...) وقوله عليه السلام: (فإذا سئل عنه في محلته وقبيلته قالوا ما علمنا منه إلا خيرا مواظبا على الصلوات...) لدلالة الاول على أن معروفية الشخص عند الناس بهذه الامور أمارة على عدالته، وهو معنى الشياع عندهم، ودلالة الثاني على حجية جوابهم وإن لم يفد العلم، بل مقتضاهما حجيته، وإن لم يوجب الظن. ويشكل: بأن الاول - لو سلم كونه في مقام بيان الطريق على العدالة لا العدالة نفسها - ظاهر في لزوم كون تلك الامور معروفة للمكلف نفسه مع الناس لا مجرد معرفة الناس به، كما يناسبه الخطاب بقوله: (أن تعرفوه). وأما الثاني فهو - مع اختصاصه بما إذا كان الشايع بين الناس حسن ظاهره الحاصل من المواظبة على الجماعة، الذي هو أمارة على العدالة، ولا يعم ما إذا كان الشايع بينهم عدالته نفسها من دون شهادة منهم بحسن الظاهر المذكور -

===============

( 160 )

[ بل لا يبعد ثبوتها بخبر الثقة (1)، ] مختص بصورة العلم، لان الامر الذي يشهد به الناس - وهو المواظبة على الجماعة - لما كان من الامور الحسية الظاهرة فشياعه بين أهل المحلة يوجب العلم به. هذا، مع ما عرفت من الاشكال في الاستدلال بالفقرة المذكورة، لاضطراب الصحيحة في أمر الجماعة، مضافا إلى ما حكي عنه أخيرا من الاشكال في صحة سند الرواية، وإن كان الظاهر أنه في غير محله. وقد تحصل من جميع ذلك: أن الطريق على العدالة ينحصر بالعلم والبينة وحسن الظاهر، سواء أوجب الوثوق أو الظن أم لا. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. الثاني: ما تقدم من حجية حسن الظاهر على العدالة مختص بالعدالة التي هي موضوع الاحكام الشرعية المعهودة التي تعرضت لها الادلة، كقبول الشهادة وجواز الائتمام، دون العدالة المأخوذة في جواز التقليد، لما تقدم من عدم وضوح كونه من أحكام مطلق العدالة، بل هو من لوازم ثبوتها بمرتبة عالية. وحينئذ فلا دليل على كفاية حسن الظاهر في إحرازها، بل لا بد من إحرازها بالمخالطة ونحوها بنحو يعلم بوجودها علما عاديا، أو بقيام البينة عليها، بناء على عموم حجيتها، كما تقدم نظيره في آخر الكلام في حجية البينة. الثالث: العدالة إذا كانت من الملكات الثابتة فهي وإن كانت ملازمة للوثوق بالشخص، فيدخل خبره في خبر الثقة، إلا أن الاكتفاء في إحرازها بحسن الظاهر مطلقا ولو لم يوجب الوثوق يقتضي عدم ملازمتها له. ومن هنا قد يتجه ما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من أن النسبة بين البينة وخبر الثقة عموم من وجه، على ما تقدم منه في أوائل الكلام في حجية البينة، فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم. (1) هذا ظاهر بناء على شمول عموم حجية خبر الثقة للموضوعات، إما

===============

( 161 )

لاستفادته مما دل على جواز الصلاة بأذان الثقة (1)، والنهي عن قرب الزوجة إذا ادعى ثقة زوجيتها (2) وقبول قول البايع في استبراء الامة (3) وثبوت عزل الوكيل إذا بلغه العزل بخبر الثقة (4) بناء على التعدي عن مواردها، لالغاء خصوصيتها عرفا. أو من إطلاق قوله عليه السلام في صحيح حريز: (فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم) (6) بناء على ما هو الظاهر من حمله على التصديق الحقيقي بترتيب الاثر، لا الصوري، كما ذكرناه في مبحث حجية خبر الواحد من الاصول. أو من عموم بناء العقلاء على حجية خبر الثقة، واعتبار العدالة والعدد في الشهادة للدليل الخاص. ويشكل الاول: بعدم وضوح استفادة الكلية المذكورة من الموارد المذكورة، إذ لا وجه لالغاء خصوصيتها وليس هو أولى من إلغاء خصوصية الموارد التي لا تقبل فيها إلا البينة، ولاسيما مع أن ظاهر ما دل على الصلاة بالاذان أن وجهه أن المؤذن مؤتمن كالامام في صلاة الجماعة، واعتبار كونه ثقة - لو تم - لا يدل على أن ذلك هو العلة في الحكم، ليتعدى عنها ولو بفهم عدم الخصوصية. وأما النهي عن قرب الزوجة إذا ادعى ثقة زوجيتها، فلعله من باب الاحتياط الواجب أو المستحب، لا لثبوت الزوجية به بحيث يترتب جميع آثارها، كجواز تزويج اختها، بل يظهر من الاصحاب الاعراض عن الرواية المذكورة والعمل بما دل على توقف ثبوت الزوجية على البينة، كا صرح به في الجواهر.


____________
(1) الوسائل، ج 4، ص 618، باب 3 من أبواب الاذان والاقامة، حديث 1. (2) الوسائل، ج 14، ص 226 باب 23 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، حديث 2. (3) الوسائل، ج 13، ص 38، باب 11 من أبواب بيع الحيوان، حديث 2. (4) الوسائل، ج 13، ص 28 باب 2 من كتاب الوكالة، حديث 1. (5) الوسائل، ج 13، ص 482، باب 97، من كتاب الوصية، حديث 1. (6) الوسائل، ج 13، ص 230، باب 6 من أبواب الوديعة، حديث 1.

===============

( 162 )

وقبول قول البايع في استبراء الامة، لعله من جهة كونه صاحب يد، لا لكونه ثقة. فلم يبق إلا قبول قول الثقة في عزل الوكيل والوصية، ولا مجال لاستفادة العموم منها، ولاسيما مع كون توقف انعزال الوكيل على بلوغ العزل له على خلاف القواعد العامة، إذ مقتضى القاعدة كون بلوغ العزل محض طريق لا يتوقف عليه الانعزال واقعا. واحتمال كون مورد الرواية في قبول الوصية من موارد حصول العلم العادي بإرسال الموصي للثقة ويكون وجه السؤال تخيل خصوصية مشافهة الموصي في ذلك، فلاحظ الرواية المذكورة. وأما الثاني فهو - مع الاشكال في شموله للواحد، واختصاصه بالمؤمن وهو أعم من الثقة من وجه - مقيد برواية مسعدة بن صدقة الظاهرة في عدم كفاية ما دون البينة، فإن البينة أخص من خبر المؤمن. ومنه يظهر حال الثالث، فان الرواية تصلح للردع عن بناء العقلاء، لانه إن كانت البينة أخص من خبر الثقة كانت الرواية ظاهرة في عدم الاعتداد به، وإن كانت أعم من وجه فقد يدعى أنه لا مجال لحمل الرواية على الحصر الحقيقي، إذ لا إشكال في عدم صلوحها للردع عن مثل خبر صاحب اليد والاستصحاب وغيرهما ومنه خبر الثقة، بل هي للحصر الاضافي. لكنه يشكل: بأن حمل البينة في الرواية على خصوص ما إذا لم تشتمل على خبر الثقة بعيد جدا لندرة ذلك، فلابد من حملها على ما يعم صورة اشتمالها عليه فتدل على عدم كفايته وحده، فتصلح للردع عنه، بخلاف حملها على غير مورد الاستصحاب، وخبر صاحب اليد، فلاحظ. هذا، وأما الاستدلال على حجية خبر الثقة في الموضوعات بفحوى ما دل على حجيته في الاحكام الكلية، لاهمية الاحكام الكلية، إذ يترتب عليها كثير من الاحكام الجزئية.

===============

( 163 )

[ ويثبت اجتهاده وأعلميته - أيضا - بالعلم وبالبينة (1)، وبخبر الثقة ] فهو كما ترى! لاختلاف الموضوعات في طرق الاثبات كثيرا، فقد اعتبر في حقوق الله ما لم يعتبر في حقوق الناس، واعتبر في حقوق الناس طرق خاصة مع أن الاحكام الكلية مشتركة في الاكتفاء فيها بخبر الثقة، فالتعدي منها أشبه بالقياس لو لم يكن عينه. وأما بناء على عدم حجية خبر الثقة في الموضوعات فقد وجهه سيدنا المصنف قدس سره بعموم ما دل على حجيته في الاحكام الكلية، إذ المراد منه ما يؤدي إلى الحكم الكلي ولو بالالتزام، كما في المقام، فإن الاخبار عن عدالة المجتهد يؤد إلى ثبوت الحكم الشرعي الكلي في حق العامي بفتواه، فهو نظير الاخبار بكلام الامام المستلزم لثبوت الحكم الواقعي، وعلى هذا يبتني الاكتفاء في توثيق رجال السند بخبر الثقة. والذي ينبغي أن يقال: إن كان الدليل على حجية خبر الثقة في الاحكام الكلية هو الاجماع المدعى، أو سيرة المتشرعة، أو النصوص الواردة في العمل بالروايات، فهي قاصرة عن المقام، لاختصاصها بالحديث والرواية غير الشاملة للمقام ولا لتوثيق الرواة، بل يختص بنقل سنة المعصوم وما يلحق بها عرفا من شؤونها، كتعيين الراوي مورد كلام الامام. وإن كان هو عموم حجية خبر الثقة، ولو كان هو بناء العقلاء - كما هو الظاهر - اتجه البناء على حجيته في المقام، لان المتيقن من الدليل الرادع - وهو رواية مسعدة - الشبهة الموضوعية التي لا يترتب عليها إلا الحكم الجزئي، كاحتمال سرقة الثوب وحصول الرضاع دون ما يترتب عليه الحكم الكلي كالمقام، ومنه يظهر الاكتفاء به في نقل رأي المجتهد لمقلديه. (1) بناء على ما تقدم من عموم حجية البينة، وقد أشرنا آنفا إلى أن شبهة المانع عن حجيتها في المقام دعوى: أن الاجتهاد من الامور الحدسية التي لا تكون موردا

===============

( 164 )

[ في وجه (1). مسألة 20: من ليس أهلا للمرجعية في التقليد يحرم عليه الفتوى بقصد عمل غيره بها (2)، كما أن من ليس أهلا للقضاء يحرم ] للشهادة مع تيسر العلم. وتندفع: بأنه من الامور الحدسية القريبة من الحس الظاهرة لاهلها كالمحسوسات، لتوقف ظهورها لهم على مقدمات قريبة حسية فهو يحصل بمجرد الاطلاع على طريق الرجل في الاستدلال، كالعدالة التي تظهر بالمخالطة. هذا، وأما الاعلمية فهي كذلك، لو كانت بمرتبة عالية، أما لو كانت بمرتبة ضعيفة فهي من الامور الحدسية الخفية، فشمول أدلة الشهادة لها لا يخلو عن إشكال، فلا يبعد عدم جواز الاعتماد فيها على البينة مع التمكن من العلم بها بالمباشرة، ويختص جواز الرجوع فيها للغير بصورة تعذر ذلك، وهو يكون بملاك الرجوع إلى أهل الخبرة وبشروطه. (1) على ما تقدم الكلام فيه في طرق العدالة قريبا، نعم عرفت الاشكال في الرجوع للبينة في الاعلمية إذا كانت بمرتبة ضعيفة، وهو هنا أولى. (2) أطلق السيد الطباطبائي قدس سره حرمة الافتاء لغير الاهل، وقال سيدنا المصنف قدس سره: (كما صرح به جماعة، مرسلين له إرسال المسلمات، وظاهر المسالك وغيرها أنه إجماعي). وهو في محله لو كان المفتي غير مجتهد، لعدم الدليل عنده على الفتوى، فتدخل في الفتوى بغير علم التي تظافرت الادلة بحرمتها. وأما الفتوى اعتمادا على قول من يجب عليه تقليده فهو مبني على جواز الاخبار بالواقع اعتمادا على الحجة، وهو مشكل، والمتيقن جواز الاخبار بالحكم الظاهري المتفرع عن الحجة اعتمادا عليها، وذلك إنما يقتضي جواز الفتوى اعتمادا على تقليده بالحكم الفعلي المتفرع على التقليد، لا الحكم الفعلي الذي هو مفاد

===============

( 165 )

الادلة التفصيلية، لانه أمر واقعي لا علم له به، لا يصح من غير المجتهد. وأما لو كان مجتهدا فاقدا لبقية شرائط المرجع، كالعدالة أو الرجولة أو غيرهما فلا يتضح الوجه في حرمة الفتوى له بعد فرض استنادها للعلم، وأدلة الشروط المذكورة إنما تقتضي عدم حجية فتواه، وهو لا يستلزم حرمتها. وقد يستدل على التحريم تارة: بأن الفتوى من مناصب النبي صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام، فلا تجوز بغير إذنهم، ولا إذن مع عدم الشرائط. واخرى: بأن فتوى غير الاهل إغواء وإضلال وإغراء بالجهل. ويشكل الاول: بعدم ثبوت كون الفتوى من المناصب المختصة بالنبي صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام، وغاية ما ثبت حرمة الفتوى بغير علم. ويندفع الثاني: بأنه لا إضلال بالاضافة إلى الحكم الفرعي، لفرض اعتقاد المفتي صواب ما أفتى به، وأما بالاضافة إلى حجية الفتوى فالمفروض عدم تعرض المفتي لها. ومنه يظهر الاشكال في ما ذكره في الفصول من أن الافتاء للعامي في قوة بيان ثبوت الحكم في حقة. إذ فيه: أن ثبوت الحكم في حق العامي وغيره بلحاظ مؤدى الادلة التفصيلية الذي يخبر عنه المفتي - ولا يكون حجة بنفسه في حق العامي - معلوم للمفتي فلا إضلال بالاضافة إليه. وثبوته في حقه بلحاظ حجية فتوى المفتي في حقه غير محكي بالفتوى، بل هو متأخر عنها متفرع عليها. نعم، قد يدعى وجوب تنبيه المستفتي إلى عدم حجية الفتوى في حقه لو كان معتقدا حجيتها، لخطئه في الحكم الكلي، كاشتراط العدالة في المفتي، لوجوب تبليغ الاحكام. لكنه لا ينافي جواز فتواه له بالحكم الفرعي ولو مع علمه بعمله به، لتخطئته له في الشرط المذكور أو لتسامحه فيه. بل قد يدعى وجوب الافتاء عليه، لعموم وجوب بيان الاحكام وتبليغها. وإن كان لا يبعد اختصاص العموم المذكور بما إذا كان البيان حجة شرعا أو جزا من

===============

( 166 )

[ عليه القضاء (1)، ] الحجة، لاختصاص أكثر الادلة به، فإن آية النفر إنما تقتضي وجوب الانذار الذي يترتب عليه وجوب الحذر شرعا لا مطلقا، وكذا ما دل على أن الله لم يأخذ على الجهال أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموهم، لوضوح أن التعلم الواجب على الجاهل هو التعلم من واجد الشرائط، فهو الذي يجب عليه أن يعلم دون غيره. وأما بقية الادلة كاية الكتمان فلا يبعد انصرافها إلى ذلك، ولذا يبعد الالتزام بوجوب الابلاغ على المجتهد مع علمه بعدم عمل العامي بفتواه لعدم حجيتها في حقه. وإن كان لابد في استقصاء أدلة وجوب بيان الاحكام والتأمل فيها. وكيف كان، فلا دليل على حرمة الفتوى بقصد عمل الغير - كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره - فضلا عن الفتوى لا بالقصد المذكور. والاعتماد على ظهور الاجماع في مثل ذلك لا يخلو عن إشكال، بل منع، لعدم وضوح كونه إجماعا تعبديا صالحا للاستدلال. هذا، وظاهر الجواهر جواز الافتاء له لحجية فتواه واقعا في حق الجاهل، وان لم يجز للمستفتي العمل بفتواه لعدم وثوقه بما يخبر من ظنه الجامع للشرائط والا فلو فرض اطلاعه عليه جاز له الاخذ به وان كان فاسقا كما ذكر ذلك في مبحث اعتبار العدالة في إمام الجماعة. وفيه: ان عدم جواز عمل المستفتي بفتوى الفاسق مساوق لعدم حجيتها في حقه، فلاحظ. (1) قال سيدنا المصنف قدس سره: (بلا إشكال فيه ولا خلاف ظاهر، وفي المسالك أنه موضع وفاق بين أصحابنا، وقد صرحوا بكونه إجماعيا). ويقتضيه النصوص الظاهرة في أن القضاء من مناصب النبي صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام كرواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال أمير المؤمنين عليه السلام لشريح: يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه [ ما جلسه خ. ل ] إلا نبي أو وصي

===============

( 167 )

نبي أو شقي)، وصحيحة سليمان بن خالد عنه عليه السلام، قال: (اتقوا الحكومة، فإن الحكومة إنما هي للامام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي [ كنبي خ. ل ] أو وصي نبي). ومثلهما في ذلك مقبولة ابن حنظلة، ومرفوعة أبي خديجة الظاهرتان في احتياج تولي القضاء إلى نصب من الامام، فيظهر منهما كونه من مناصبه، فلا يجوز التصدي له إلا بإذنه، ومع فرض عدم نفوذ قضاء شخص يستكشف قصور الاذن عنه، فيكون في تصديه له غاصبا معتديا. بل يستفاد شدة الحرمة من غير واحد من النصوص الناهية عن الترافع إلى قضاة سلطان الجور من العامة، مع الاستشهاد فيها بقوله تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به)، فإن تطبيق عنوان الطاغوت ظاهر في شدة حرمة تصديهم للقضاء. وموردها وإن كان أخص من محل الكلام، إذ الفاقد للشرائط قد يكون مؤمنا، إلا أنه لا يبعد ظهورها في أن تطبيق عنوان الطاغوت بلحاظ عدم أهلية المتصدي، لكونه غاصبا للمنصب جائرا في تصديه له، فيسري في جميع موارد عدم الاهلية، إذ المنساق من الادلة المذكورة انحصار القضاء بقضاء الحق وقضاء الطاغوت. وأما احتمال كون تطبيق الطاغوت عليهم بلحاظ عدم ابتناء قضائهم على الطرق الشرعية، فبعيد، لعدم الاشكال ظاهرا في حرمة الترافع لهم، وإن جروا على الميزان الشرعي في القضاء، لاطلاق النصوص المذكورة. ومثله احتمال كون تطبيقه عليهم بلحاظ تبعيتهم للسلطان الجائر ونصبهم من قبله، إذ هو لا يناسب مورد الاية، لوضوح أن المتصدين للقضاء في قبال النبي صلى الله عليه واله لم يكونوا أهل سلطان، ولا أتباعا لسلطان، فلابد أن يكون تطبيق الطاغوت عليهم لكون قضائهم في قبال قضائه صلى الله عليه واله. وغاية ما دلت عليه النصوص تعميم الطاغوت لكل من يقضي من دون حق له في القضاء، وإن لم يكن في قبال قضاء النبي صلى الله عليه واله بل بدعوى متابعته، فلاحظ.

===============

( 168 )

[ ولا يجوز الترافع إليه (1)، ولا الشهادة عنده (2)، والمال المأخوذ بحكمه حرام وإن كان الاخذ محقا (3)، ] (1) وعن المسالك: أن ذلك كبيرة. وقد استدل لحرمته سيدنا المصنف قدس سره بما دل على حرمة الاعانة على الاثم، وهو غير ثابت، بل الثابت حرمة التعاون على الاثم الراجع إلى الاشتراك فيه، وليس منه المقام. نعم، قد يكون الترافع تأييدا للحرام وتشجيعا له عليه، فيدل على حرمته فحوى ما دل على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويدل عليه - أيضا - النصوص الناهية عن الترافع إلى قضاة الجور، بناء على عمومها لكل متصد بلا حق، كما تقدم. وتطبيق عنوان الطاغوت فيها يناسب كونه كبيرة، بل قد يشهد به ما دل على أن الركون للظالمين من الكبائر، ولو لانه مما أوعد الله عليه النار، بناء على أن ذلك معيار في كون الذنب كبيرة، إذ لا يبعد كون الترافع من أفراد الركون للظالم، فتأمل. (2) الوجه فيه ما تقدم من لزوم التشجيع على الحرام وتأييده. (3) قال سيدنا المصنف قدس سره: (كما هو المعروف والمدعى عليه الاجماع). ويدل عليه ما في مقبولة ابن حنظلة من قوله عليه السلام: (من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فانما يأخذ سحتا وإن كان حقه ثابتا، لانه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى: } يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به {)، بناء على التعدي عن موردها إلى كل من تصدى للقضاء من فاقدي الشرائط، على ما تقدم الكلام فيه. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الدين والعين المشاعة وغيرها، وحملها على ما عدا العين مطلقا أو خصوص المشاعة منها مما يأباه ظاهر التعليل جدا، لاباء التعليل المذكور عن التخصيص عرفا مع عدم الدليل عليه عدا استبعاد حرمة التصرف في الاعيان المملوكة الذي لا ينهض بتخصيص الاطلاق.

===============

( 169 )

وأما الاشكال في المقبولة بضعف السند، لعدم النص على توثيق عمر بن حنظلة، فلا مجال له بعد تلقي الاصحاب لها بالقبول، حتى اشتهرت بينهم بالمقبولة، ورواها المشايخ الثلاثة رضي الله عنهم، وفي طريقها صفوان مع علو متنها واشتمالها على أحكام كثيرة في القضاء والتعارض قد اعتمد عليها الاصحاب فيها. هذا، مع أن عمر بن حنظلة وإن لم ينص على توثيقه في كتب الرجال إلا أن القرائن تشهد بوثاقته ورفعة مقامه، منها كثرة رواياته عنهم:، وتلقي الاصحاب لها بالقبول وروايتهم لها في الاصول، ورواية جماعة من الاعيان عنه بعضهم من أصحاب الاجماع وهم: زرارة، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وصفوان بن يحيى. مضافا إلى بعض الروايات التي تشهد برفعة مقامة وإن كانت ضعيفة السند، فان التأمل في جميع ذلك مما يوجب الركون إلى رواياته، خصوصا هذه الرواية المحتفة بما عرفت، فإن ذلك يوجب الوثوق بصدورها، وهو كاف في الحجية. ومثل ذلك ما عن بعض مشايخنا من الاشكال في دلالتها بأن السحت هو الذي لا يحل كسبه، أو ما هو خبيث بالذات من المحرمات، ولا مجال لذلك في المقام، إذ لا إشكال في عدم خروج المال عن ملك صاحبه بحكم الجائر، فلا يكون من المكاسب المحرمة، كما أنه لا يكون خبيثا بالذات، بل غاية ما يمكن أنه حرام بالعرض، كالطعام الذي يفطر به في الصوم الواجب، وذلك لا يصحح إطلاق السحت عليه. إذ فيه: أن هذا - لو تم - لا يكون إشكالا في دلالة الرواية، بل هو إشكال عليها، فلابد من توجيهها إما بحملها على خصوص ما تقتضي القاعدة حرمته كالحق المشاع في العين الذي تكون قسمته بنظر القاضي الجائر المفروض عدم ولايته على ما يأتي الكلام فيه. أو بحمل إطلاق السحت فيها على التنزيل بلحاظ شدة الحرمة وإن كان المأخوذ مملوكا، ولاريب في أولوية الثاني، لاستلزام الاول الحمل على الفرد النادر

===============

( 170 )

مع إباء التعليل عن التخصيص به، ومناسبته للثاني جدا. هذا، مع أن ما ذكره في تفسير السحت غير ظاهر، فإن السحت قد اطلق على بعض المكاسب المكروهة كاجرة الحجام، مع أنها مملوكة، فلا مانع من إطلاقه في المقام مع كون المال المأخوذ مملوكا لاخذه. ولعله لان أصل السحت القطع، وإطلاقه على المال بلحاظ كونه قاطعا للدين والمروءة، كما يظهر من مفردات الراغب وغيره. نعم، يختص بما إذا كان منشؤه خصوصية في المال، كما في المقام، لا من جهة حرمة نفس التصرف كالافطار في شهر رمضان والاكل في السوق، فلاحظ. هذا، ولو غض النظر عن الاستدلال بالمقبولة، فمقتضى القاعدة عدم حرمة المأخوذ إذا كان الاخذ محقا، إذا كان حقه عينا شخصية مملوكة بتمامها، وكذا إذا كان حقا مشاعا في عين أو دينا مستحقا إذا كانت القسمة والوفاء بإعمال الخصم نظره بعد حكم الحاكم عليه، إذ لا مقتضي لعدم نفوذ نظره إلا إكراه الجائر له، وهو غير مسقط لتصرفه عن النفوذ، لقصور دليل رفع الاكراه عنه بعد فرض كونه ظالما، لان إعمال الدليل المذكور خلاف الامتنان في حق صاحب الحق، أما لو كانت بإعمال نظر الحاكم بحيث يكون هو المشخص للدين أو القاسم للعين المشتركة فلا مجال لحليته، لعدم ولاية الحاكم على ذلك. إلا أنه لا يبعد جواز أخذ المحق في الدين للمال من باب المقاصة، لفرض امتناع من عليه الدين من أدائه، بناء على عدم توقفها على مراجعة الحاكم الشرعي. نعم، لو كان الدين أو القسمة غير مستحقين، لعدم حلول أجل الدين ولزوم الضرر من القسمة - مثلا - فإنه لا يحل المال وإن كان بحكم قاضي العدل، لعدم تبدل الواقع بحكمه، وهو خارج عن مورد الرواية. بل لا يبعد عدم حليتهما حتى لو وقعا بنظر الخصم بعد حكم الحاكم إذا كان رضاه مبنيا على الحكم وانصياعا له، لرفع الاكراه في حقه. ومن جميع ما ذكرنا يظهر امتناع حمل الرواية على خصوص ما تقتضيه

===============

( 171 )

[ إلا إذا انحصر استنقاذ الحق (1)، ] القاعدة، فإنه مع كونه أمرا مغفولا عنه، حمل على الفرد النادر، فلاحظ. (1) كما عن الشهيد في الحواشي، وظاهر المختلف، وصرح به في المسالك وكشف اللثام والرياض ومفتاح الكرامة والجواهر وغيرها، مستدلين عليه برفع الحرج والضرر، وبأن الضرورات تبيح المحظورات. ويقتضيه - أيضا - انصراف النصوص المانعة إلى ما لو أمكن الترافع للحاكم الشرعي لرضى الخصم به، ولا يشمل ما لو تعذر لامتناع الخصم عنه، لان إرادة الترافع لحكام الجور لاجل ذلك لا تنافي الامر بالكفر بهم عرفا، ولا يكون الترافع لهم حينئذ تجاهلا للامر المذكور. مع ما في تحريم الترافع إليهم حينئذ من ضياع حقوق أهل الحق التي يبعد من الائمة عليهم السلام: إرادتها، بل يلزم الهرج والمرج المقتضي لكثرة السؤال عن حكم ذلك. هذا، مع النصوص الظاهرة في إقرار الترافع لحكام الجور وإقامة الشهادة عندهم، مثل ما تضمن النهي عن المقاصة بعد يمين المنكر عند الوالي (1) وما تضمن تنازل الامام الكاظم عليه السلام عن البغلة لمدعيها فرارا من اليمين وعدم تنازله عن سرجها لان له بينة (2)، مع وضوح توقف إقامتها على الرجوع للقاضي الجائر خصوصا في مورد الرواية. ومثله ما تضمن غرم الامام الباقر عليه السلام دفعا لليمين حين خاصمته المرأة إلى أمير المدينة (3). وما ورد من جواز تصحيح الشهادة بكل وجه ليجيزها القاضي إذا كانت


____________
(1) الوسائل ج 18، باب 10 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، حديث 2. (2) الوسائل ج 18، باب 24 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، حديث 1. (3) الوسائل ج 16، باب 3 من أبواب كتاب اليمين، حديث 1 .

===============

( 172 )

حقا (1) وما ورد من رد شريك لشهادة الشيعة، وقوله عليه السلام: (لا تذلوا أنفسكم) (2). وما تضمن جواز الحلف كاذبا لدفع ظلم قضاة الجور (3) إلى غير ذلك. بل هو مقطوع به من سيرة أصحاب الائمة عليهم السلام ومعاصريهم من الشيعة، بل صرحت بعض النصوص بجواز الترافع إليهم مع التقية (4)، مع حصول التقية بالتنازل عن الحق الرافع لموضوع الترافع، فإن التأمل في جميع ذلك شاهد بأن النهي عن الترافع لهم مختص بما إذا لم يمتنع الخصم من الترافع إلى الحاكم الحق. وهو الظاهر من صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال في رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى اأن يرافعه إلى هؤلاء: كان بمنزلة الذين قال الله عزوجل: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما انزل إليك وما انزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد امروا أن يكفروا به...) الاية فإنه ظاهر في اختصاص الحرمة بالذي يأبى الترافع لاهل الحق من الخصمين وأنه الذي تنطبق عليه الاية الشريفة دون الاخر، والمنساق منها عدم وجوب تنازل الاخر عن حقه فرارا من التحاكم إلى أهل الجور، وإلا كان اللازم التنبيه عليه للغفلة عنه بعد عدم تطبيق الاية في كلام الامام عليه السلام إلا على صاحبه الذي يمتاز عنه بخصوصية إباء الترافع لاهل الحق الذي هو من الخصوصيات الدخيلة في الحرمة ارتكازا. ومن جميع ما ذكرنا يظهر ضعف ما عن الحلبي من حرمة الترافع إليهم إذا كان الخصم غير مخالف. ومثله ما عن الكفاية من تعليل حرمة الترافع إليهم حتى مع الضرورة بأنه إعانة


____________
(1) الوسائل ج 18، باب 4 من أبواب كتاب الشهادات، حديث. (2) الوسائل ج 18، باب 53 من أبواب كتاب الشهادات، حديث. (3) الوسائل، ج 18، باب 43 من أبواب كتاب الايمان، حديث 1. (4) الوسائل ج 18، باب 1 من أبواب صفات القاضى، حديث 7.

===============

( 173 )

على الاثم. فإنه - لو تم - في نفسه وجب الخروج عنه بما عرفت. ومثله تعليله بأنه أمر بالمنكر. ثم إن انحصار استنقاذ الحق بالترافع لحكام الجور يكون.. تارة: لامتناع الخصم من الترافع لحاكم العدل. واخرى: للخوف من الرجوع له كما في موارد التقية. وثالثة: لعدم إمكان إثبات الحق عنده لفقد مقدمات الحكم لمن له الحق، كما لو فرض انحصار حجته على حقه بما هو حجة عند حاكم الجور دونه. ورابعة: لعدم وجوده أو تعذر الوصول إليه. والمتيقن من أدلة جواز الترافع لحكام الجور هو الصورتان الاوليان. وأما الثالثة فالظاهر عدم جواز الترافع لهم فيها، لاطلاق أدلة المنع، وقصور ما تقدم عن إثبات الجواز عدا الادلة العامة من دليل رفع الضرر والحرج ونحوهما. ويشكل التمسك بها في المقام، لابتناء تشريع القضاء على تعرض الحق للضياع، كما صرح به في النصوص، فلو كان ضياع الحق واقعا موجبا لقصور أدلته لاضطرب أمره ولم يصلح لفصل الخصومات وسد باب الفساد. ولذا لا إشكال ظاهرا في عدم جواز رد الحكم لصاحب الحق لو كان موجبا لضياع حقه، مع أن حرمة الترافع لحاكم الجور ونفوذ حكم حاكم العدل مسوقان في الادلة بمساق واحد، كما يظهر من مقبولة ابن حنظلة، ومن قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). بل حمل أدلة النهي عن الترافع لحكام الجور مع ما تضمنته من التشديد والتأكيد على خصوص من يحفظ حقه بالرجوع لحكام العدل كالمستهجن، لعدم الداعي للشخص المذكور في الترافع لحكام الجور، فلا يحتاج بيان الحكم في حقه للتأكيد والتشديد. واحتمال صرفه لخصوص ما لو كان ناشئا عن الرغبة في تأييد حكم الجور

===============

( 174 )

[ المعلوم (1) بالترافع إليه. مسألة 21: الظاهر أنه إذا كان المتجزي في الاجتهاد (2) قد عرف ] وإهمال حكم الحق، بعيد جدا، لظهور كون المخاطب بالنهي هم الشيعة الذين يبعد منهم تحقق الداعي المذكور. بل لا يظن من أحد الالتزام بأنه كان يجوز للمعاصرين للنبي صلى الله عليه واله والامام عليه السلام للاعراض عن التحاكم اليهما والرجوع لغيرهما من حكام الضلال تشبثا بتعذر إثبات الحق عندهما. والفرق بينهم عليهم السلام وبين المنصوب من قبلهم بلا فارق، خصوصا بعد اتحاد دليل حرمة الرجوع لحكام الجور وإهمال حكام العدل. وبالجملة: لا ينبغي التأمل في حرمة الرجوع لحكام الجور في الصورة المذكورة، وهو المطابق للمرتكزات جدا. ولا وجه لما صرح به سيدنا المصنف قدس سره وغيره من جواز الترافع لهم فيها. وأما الصورة الرابعة فالامر فيها لا يخلو عن إشكال، وإن كان الرجوع فيها لقاعدة نفي الضرر والحرج هو الانسب، ولاسيما مع قرب انصراف أدلة المنع عنه وورودها لبيان حرمة ترك حكم الحق لحكم الجور، فلا تنافي جواز استنقاذ الحق بحكم الجور مع تعذر الرجوع لحكم الحق، فتأمل جيدا. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. (1) إذ لو لم يكن معلوما لا يحرز الضرر المسوغ للترافع لهم، كما لا دليل على حجية حكمهم ليسوغ أخذ المال اعتمادا عليه. هذا، ولا يفرق بين العلم الوجداني بالحق وقيام طريق أو أمارة أو أصل معتبر عليه، كما صرح به غير واحد. (2) بناء على ما هو الظاهر من إمكان التجزي لضعف الملكة بنحو لا يتيسر استنباط بعض الاحكام، لابتنائها على مقدمات غير حاصلة له، على ما يذكر مفصلا في مبحث الاجتهاد والتقليد من الاصول.

===============

( 175 )

[ مقدارا معتدا به من الاحكام، جاز له القضاء بما علم (1)، وجاز له ] (1) كما صرح به في الجواهر، خلافا لما صرح به في المسالك والرياض ومفتاح الكرامة. وقد استدل على المنع تارة: بتوقف العلم ولو ببعض الاحكام على ملكة الاجتهاد المطلق الراجعة إلى الاطلاع على جميع مدارك الاحكام والقدرة على استنباطها، فالمتجزي الذي لم يطلع إلا على بعض المدارك لا يتسنى له العلم حتى ببعض الاحكام لو فرض الاكتفاء به بمقتضى رواية أبي خديجة الاتية. واخرى: بأن ظن المتجزي بالحكم بسبب النظر في أدلته غير مقطوع الاعتبار، فيدخل الحكم به في الحكم بغير العلم الذي تظافرت الادلة بحرمته، بخلاف ظن المجتهد المطلق، فإنه متيقن الاعتبار للاجماع وحكم العقل بالاكتفاء به. وثالثة: بما في مقبولة ابن حنظلة من قوله عليه السلام: (ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما...)، وما في رواية أبي خديجة - التي لا تخلو عن اعتبار - عنه عليه السلام: (اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا...) بدعوى ظهورهما في اعتبار معرفة جميع أحكامهم من حلالهم وحرامهم، لظهور الاضافة في العهد المقتضي للعموم. ويندفع الاول: بأنه راجع إلى امتناع التجزي، وهو خروج عن الفرض. والثاني: بأن المجتهد لا يحكم اعتمادا على ظنه بالحكم الواقعي، بل اعتمادا على علمه بالحكم الفعلي المتحصل من الادلة، وهو مما يشترك فيه المتجزي وغيره. ولو سلم كفى في الدليل على اعتباره إطلاق رواية أبي خديجة الاخرى الاتية. وأما الثالث: فيشكل بقصور الروايتين عن إفادة المطلوب.. أما أولا: فلانه لا يراد منهما العموم، لظهورهما في المعرفة الفعلية الحاصلة بعد النظر، لا الملكة، ومن الظاهر امتناع حصولها حتى للمجتهد المطلق، ولا أقل من الاجماع على عدم اعتبارها.

===============

( 176 )

ولاسيما مع ندرة ذلك في زمان صدور الروايتين لعدم ضبط الروايات، وعدم تيسر الاطلاع على جميعها لاغلب الرواة، فيتعين حملها على معرفة أحكامهم في الجملة، أو بالنحو الذي يحتاجه القضاء، أو يحمل على أن ذكر ذلك لاجل أنه به يحرز المتخاصمان علمه بالمسألة التي هي محل الابتلاء، وليس الشرط إلا علمه بالمسألة التي يرجع إليه فيها. ولا خصوصية لمعرفة الجميع أو الاكثر، لما هو المرتكز عرفا من أن اعتبار المعرفة لاجل التوصل للحكم، وهو يقتضي توقف الرجوع للشخص في كل مسألة على معرفته بحكمها وإن لم يعرف غيرها، وليس ذكر علمه بالاحكام إلا من حيث كاشفيته عادة عما هو الشرط، فتأمل جيدا. وأما ثانيا: فلان الامر بالرجوع للشخص المذكور في الروايتين إنما هو من حيثية نصبه منهم عليهم السلام للقضاء، وليس لوجوبه تعيينا، ليكون ظاهرهما عدم الاجتزاء بغيره، وحينئذ فهو لا ينافي جواز الرجوع للعالم ببعض الاحكام أيضا بعد استفادة نصبه من رواية أبي خديجة الاخرى: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق: (إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا [ قضائنا ] فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه). والظاهر اعتبار سند الرواية، لرواية الصدوق لها بسنده عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، وسنده إلى أحمد بن عائذ صحيح، ورواية الكليني والشيخ لها بطريق لا يخلو عن اعتبار، بل الظاهر صحته. وأما أبو خديجة نفسه، فالظاهر أنه صحيح أيضا. وأما دلالتها فهي كالصريحة في الاكتفاء بمعرفة الاحكام، وحمل قوله عليه السلام: (شيئا) على خصوص ملكة الاجتهاد المطلق مستهجن جدا، بل يقطع بعدم إرادته، لعدم الالتفات للملكة في عصر صدور الرواية. وكذا حمل (من) فيها على البيانية، فإن ظهورها في التبعيض لا يدفع. ومثله دعوى أن معرفة بعض الاحكام لا يصدق عليها المعرفة بشي من

===============

( 177 )

أحكامهم وعلومهم، إذ ليس هو بشي بالاضافة إلى كثرة أحكامهم وسعة علومهم، وإنما يصح ذلك بالاضافة إلى العالم بجميع الاحكام التي يمكن الاطلاع عليها. لاندفاعها: بأن ملاحظة ذلك مانع من صدق المعرفة بشي من علومهم حتى على المجتهد المطلق العالم بتمام ما يمكن الاطلاع عليه، إذ ليس هو من الاهمية بمكان بالاضافة إلى ما عندهم عليهم السلام. وبالجملة: لا ينبغي التأمل في دلالة الرواية على الاكتفاء بمعرفة بعض الاحكام، كما لا ينبغي التوقف عن العمل بها، لعدم منافاتها للروايتين المتقد متين، كما ذكره في الجواهر. ولو فرض التنافي بينها وبينهما بدوا فحملهما على ما لا ينافيها أقرب من حملها عليهما، لابائها عن ذلك جدا، كما لعله ظاهر. ثم إن ما ذكره سيدنا المصنف قدس سره في المتن من اعتبار كون المتجزي عارفا بمقدار معتد به غير ظاهر بعد فرض الرجوع لرواية أبي خديجة المتقدمة. بل لا يبعد أن يكتفى بتمكنه من العلم بالنظر في الادلة وإن لم يعلم شيئا من المسائل فعلا، لما أشرنا إليه من الارتكاز العرفي على ان اعتبار العلم إنما هو لاجل الحكم به، لا لخصوصيته تعبدا، وذلك يقتضي الاكتفاء بالقدرة على العلم من دون أن يعتبر فعليته. اللهم إلا أن يقال: هذا وإن كان قريبا في نفسه، إلا أنه لا مجال لاستظهاره من الادلة، لعدم صلوحه لصرفها عن ظاهرها في اعتبار المعرفة الفعلية، ولا أقل من عدم دلالتها على الاكتفاء بذلك المانع من البناء عليه في مثل المقام مما يحتاج فيه إلى دليل على النصب الذي هو خلاف الاصل. بل لا يبعد اعتبار كون المعرفة بالمقدار المعتد به، كما ذكره في المتن، لانه المتيقن من الرواية، إذ لا يبعد انصراف الشي فيها إلى خصوص المعتد به، كما يراد منه ذلك في إطلاقات العرف كثيرا، فإن احتمال ذلك كاف في عدم الجزم بإطلاق الرواية الموجب للاقتصار على المتيقن في مثل المقام مما يكون على خلاف الاصل.

===============

( 178 )

[ العمل بفتواه (1)، وكذا يجوز لغيره العمل بفتواه (2)، إلا مع وجود الاعلم منه (3)، ] بل قد يدعى توقف حصول ملكة الاستنباط والقدرة عليه على ممارسته والتعود عليه بمقدار معتد به، وإلا فمجرد معرفة المدارك لا تكفي في القدرة على الاستنباط، وإن كان ذلك خلاف الظاهر، فالعمدة ما ذكرنا، فتأمل جيدا، والله سبحانه وتعالى العالم. (1) بل يحرم عليه مخالفتها، لقيام الحجة عنده الموجب لعلمه بالوظيفة المستتبع للعمل عقلا وقصور أدلة التقليد عن شموله قبل فعلية النظر منه، لما تقدم في المسألة الاولى من قصورها عن شمول واجد الملكة القادر على المعرفة. ومنه يظهر الاكتفاء بمعرفة مسألة واحدة، ولا يعتبر معرفة مقدار معتد به من المسائل. (2) لاطلاق بعض أدلة التقليد كاية النفر، إذ ليس موضوعها الفقيه ليدعى عدم صدقه على العالم بقليل من المسائل، بل من تفقه في الدين، وهو حاصل بمعرفة مسألة واحدة، ولذا طبقت في النصوص على النفر لمعرفة الامام. بل لا يبعد كون ذلك هو المنسبق من جميع أدلة التقليد، حتى ما اخذ فيه مثل عنوان الفقيه الذي قيل انه لا يصدق على العالم بقليل من المسائل، فإنه المناسب لورودها مورد الامضاء لسيرة العقلاء، لما هو المرتكز عندهم من أن اعتبارها ليس لخصوصيتها، بل لاجل ملازمتها للعلم بالمسألة التي يرجع إليه فيها وإن كانت واحدة فالمدار عليه، على أنه يكفي سيرة العقلاء التي لا يفرق فيها بين كثرة المسائل المعلومة وقلتها. ومنه يظهر عدم اعتبار كون المعلوم مقدارا معتدا به. (2) بناء على لزوم تقليد الاعلم، كما تقدم.

===============

( 179 )

تنبيه: التجزي الذي هو محل كلامهم هو معرفة خصوص بعض المسائل بتمام أدلتها التفصيلية، وقد يكون التجزي في خصوص بعض أدلة المسألة حيث قد يتفق من بعض أهل العلم معرفة حال بعض الادلة التي يعتمد عليها المجتهد دون بعض، فيستطيع - مثلا - تشخيص ظهور الحديث دون سنده، أو تشخيص أن المسألة خالية عن الدليل وأنها مجرى الاصل، من دون تشخيص مفاد الاصل، أو بالعكس. وهذا وان كان خارجا عن محل كلامهم في التجزي، إلا أن الظاهر حجية نظره في عمل نفسه مثله، فيبتني عمله على التقليد في الجهات التي لا يقوى عليها وعلى رأيه في الجهات التي يقوى عليها وإن خالف رأي من يقلده. ولا مجال لدعوى حجية فتوى الفقيه عليه بعد تخطئته له في بعض مقدمات الاستنباط. كما لا مجال لدعوى عدم جواز تعويله على نظر المجتهد في الجهات التي لا يقوى عليها بعد كون حجية نظره مقتضى السيرة العقلائية الارتكازية المعول عليها في المقام. ولا يقدح في ذلك قصور أدلة التقليد الشرعية عنه من جهة ظهورها في جواز الرجوع للفقية في الحكم الشرعي، لا في بعض مقدمات استنباطه، لما أشرنا إليه غير مرة من عدم ظهور الادلة المذكورة في الحصر، بل في المفروغية عن إمضاء سيرة العقلاء الارتكازية التي تعم محل الكلام، كما ذكر. فالمقام نظير تعويل المجتهد على قول الرجاليين، بناء على كونه من باب الرجوع لاهل الخبرة، لا من باب الشهادة. ومنه يظهر جواز تعويل غيره من العوام عليه لو فرض أعلميته في الجهة التي يقوى عليها، لعموم السيرة المشار إليها. إلا أن فرض إدراك العامي لاعلميته غير واقع غالبا، بل دائما، لابتناء ذلك على وقائع شخصية لا يتيسر تمييز حال الشخص فيها

===============

( 180 )

[ وينفذ قضاؤه ولو مع وجود الاعلم (1). ] لغيره، خصوصا العوام. نعم، لا يبعد عدم جواز تصديه للقضاء، لخروجه عن عموم أدلته، لظهورها في لزوم كون الشخص مستقلا بمعرفة الحكم عن أدلته الشرعية التفصيلية، وإن كان الامر لا يخلو عن إشكال، فتأمل جيدا، والله سبحانه وتعالى العالم. (1) بناء على عدم اعتبار الاعلمية في القاضي، خلافا لما صرح به في القواعد من لزوم الترافع في حال الغيبة للافضل، وهو ظاهر ما في الشرايع من تعليل جواز نصب المفضول بانجبار خلله بنظر الامام. وفي مفتاح الكرامة: (ودليل هذا الحكم الاجماع الذي حكاه المرتضى في ظاهر الذريعة، والمحقق الثاني في صريح حواشي كتاب الجهاد من الشرايع... قلت: دعوى الاجماع يوهنها شهرة الخلاف في الفروع والاصول، كما صرح به في المسالك، وهو ظاهر التحرير... ونقله الشهيد عن الفخر، وظاهر المصنف قدس سره في نهاية الاصول عدم تحقق الاجماع). وقد تقدم في مسألة تقليد الاعلم من الجواهر المناقشة في الاجماع المحكي عن المرتضى والمحقق الثاني. وكيف كان، فقد يستدل على تعيين الاعلم للقضاء بغير واحد من النصوص المتضمنة لترجيحه عند اختلاف الحاكمين، مثل ما في مقبولة ابن حنظلة من قوله: قلت: فإن كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكون الناظرين في حقهما واختلف في ما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم [ حديثنا خ. ل ] فقال: (الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الاخر...).

===============

( 181 )

وقريب منها موثقة داود بن الحصين، ورواية موسى بن أكيل (1). ويندفع: بأن النصوص المذكورة - مع عدم دلالتها على نفوذ قضاء خصوص الاعلم من جميع المجتهدين، بل الاعلم من الحكمين وإن كان في المجتهدين أعلم منه - لا تصلح شاهدا في المقام، لان ترجيح الاعلم عند الاختلاف لا يستلزم تعيينه ابتداء، بل هو مستلزم لعدم تعينه، لظهور دليل الترجيح في نفوذ حكم المرجوح لولا معارضته بالارجح. ومنه يظهر أنه لا مجال للتعدي عن مورد النصوص لما نحن فيه بتنقيح المناط، كما ذكره في مفتاح الكرامة وجها، وإن لم يظهر منه التسليم به. ومن ثم لا مجال للخروج عن إطلاق روايتي أبي خديجة ومقبولة ابن حنظلة المتقدمة، المقتضي لعدم اعتبار الاعلمية. بل حمل الاطلاق المذكور على خصوص الاعلم حمل على الفرد النادر المحتاج إلى عناية خاصة فلا مجال له، كما لعله ظاهر. هذا، وقد يستدل على تعيين الاعلم بأدلة اخر تقدم التعرض لها في ذيل الكلام في وجوب تقليد الاعلم، وتقدم ما يمنع من الاستدلال بها في المقام، فراجع. نعم، قد يقال: بوجوب الرجوع للاعلم لو كانت الشبهة حكمية وكان المتنازعان غير مجتهدين، لوجوب تقليد الاعلم عليهما وعدم حجية فتوى غيره لهما. ودعوى: أن عدم حجية غير الاعلم عليهما في مقام الفتوى لا ينافي حجيته عليهما في مقام القضاء والحكم، عملا بإطلاق دليل النصب وحرمة الرد، الشامل لما لو كان الحكم على خلاف فتوى من يجب تقليده - وهو الاعلم - ولذا يحرم على المحكوم عليه الرد اعتمادا على فتوى مقلده. مدفوعة: بأنه لا إطلاق لطريقية حكم الحاكم يقتضي تقديمه على فتوى من يجب تقليده.


____________
(1) تراجع الروايات الثلاث في الوسائل ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضى، حديث 1 و 2 و 5. .

===============

( 182 )

بيان ذلك: أن عدم جواز رد حكم الحاكم تارة: يكون بمعنى نفوذه في مقام التخاصم بنحو تفصل به الخصومة، ويجب رفع اليد عن الحق للمحكوم له به. واخرى: يكون بمعنى حجيته شرعا وطريقيته بنحو يجوز ترتيب الاثر عليه وتحرم مخالفته ظاهرا. أما الاول فهو من الاحكام الواقعية المترتبة على الحكم الملازمة لمشروعية الترافع للحاكم ونصبه للحكم، وإلا لغى منصب القضاء، وهذا هو العمدة في الاستدلال عليه. وأما ما في مقبولة ابن حنظلة من قوله عليه السلام: (فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حدالشرك بالله) (1) فلا يبعد ظهوره في الثاني وهو حجية حكم الحاكم وترتب الاثر عليه ظاهرا، لا في فصل الخصومة به واقعا، كما يناسبه جعل الرد عليه ردا عليهم عليهم السلام بعد فرض كون حكمه بحكمهم، فإن ظاهره إرادة كونه حكما بالحكم الواقعي الصادر منهم، وهو راجع إلى المفروغية عن حجية الحكم وكشفه عن حكمهم الواقعي. وعليه فالتشديد في حرمة رد حكم الحاكم ليس لموضوعيته، بل من حيثية طريقيته وكشفه عن حكمهم الذي يكون رده من أشد المنكرات. نعم، لو تضمن حرمة الرد ابتداء أو بلسان التنزيل الواقعي لحكمه في الواقعة منزلة حكمهم فيها، كما لو قال: (فإذا حكم كان حكمه حكمنا والراد عليه راد علينا) كان ظاهرا في ما نحن فيه. ومنه يظهر اختصاصها بالشبهة الحكمية في نفس الحق، كما لو اختلفا في استحقاق الحبوة، فإن حكمهم: المنكشف بحكم المجتهد، والذي يجب على المحكوم عليه العمل عليه ويحرم عليه رده هو الحكم الكلي المنطبق على الواقعة. نعم، لو كان التعبير هكذا: (فإذا حكم كان حكمه حكمنا) كان ظاهرا في إرادة الحكم في الواقعة الشخصية، فيعم الحكم في الشبهة الموضوعية والحكمية، لكنه لا


____________
(1) الوسائل ج 18، باب 11 من أبواب صفات القاضى، حديث 1.

===============

( 183 )

يدل حينئذ على الحجية، كما تقدم. وما ذكرناه هو العمدة في اختصاص المقبولة بالشبهة الحكمية، لا ما قد يدعى من استفادته من فرض اختلاف الحاكمين بسبب اختلافهما في حديثهم عليهم السلام. إذ فيه أولا: أن اختلاف الحاكمين مع الشبهة الموضوعية قد يستند لاختلافهما في حديثهم عليهم السلام، كما لو اختلفا في طريق إثبات الحق، فرآى أحدهما ثبوت الحق بشاهد ويمين وخالف الاخر. وثانيا: أن ذلك إنما يقتضي اختصاص فرض الاختلاف في كلام السائل بالشبهة الحكمية، لا اختصاص جميع فقرات الرواية بها، فلاحظ. ثم إنه لا يفرق في فصل الحكم للخصومة واقعا بين ثبوت الحق واقعا على طبقه وعدم ثبوته، كما لا يضر فيه علم المحكوم عليه بثبوت حقه فضلا عن قيام الحجة الظاهرية عنده على ذلك، كشهادة يعتقد حجيتها أو فتوى مقلده الحجة عنده أو غيرهما. نعم، الحكم المذكور مختص بالمحكوم عليه، وأما المحكوم له فهو خارج عنه موضوعا، إذ لا يتصور في حقه ابقاء الخصومة حتى يحكم بحرمته عليه. هذا، وأما الكلام في أن الحكم المذكور هل يختص بالمخاصمة، أو يعم غيرها من ترتيب أثر الاستحقاق بنحو لا يجوز للمحكوم عليه استنقاذ حقه بطريق خفي مطلقا أو في خصوص صورة اليمين من المحكوم له، أو يجوز مطلقا وجوه موكولة إلى كتاب القضاء لا مجال لاطالة الكلام فيها هنا. نعم، لاريب في أن حكم الحاكم لا يوجب تبدل الواقع، فيترتب أثره في حق المحكوم له، فلو فرض عدم استحقاقه حرم عليه ترتيب أثر الاستحقاق، كما يشهد به صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان، وبعضكم ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل

===============

( 184 )

قطعت له من مال أخيه شيئا فإنما قطعت له به قطعة من النار) (1). وهذا لا ينافي قصور سلطنة من له الحق عليه في الجملة بنحو ليس له المطالبة به وغيره مما يترتب واقعا على الحكم ويرجع إلى حرمة رده، كما تقدم وأما الثاني فحيث كان من الاحكام الظاهرية اختص بصورة الشك ولا يعقل فرضه في صورة العلم، وحينئذ فان كان الشك من جهة الشبهة الحكمية فلا إشكال في حجية حكم الحاكم فيه في حق المحكوم له والمحكوم عليه ويكفي فيه ما دل على حجية قول المجتهد ولزوم العمل بفتواه، سواء تعلقت الفتوى بنفس الاستحقاق - كما لو كان يرى خروج الحبوة من الاصل - أم بطريق إثباته - كما لو كان يرى قبول شهادة رجل وامراتين - لاطلاق الادلة المذكورة، مضافا إلى مقبولة ابن حنظلة، بناء على ما تقدم من دلالتها على الحكم الظاهري المذكور. نعم، يتجه اختصاص حجية الحكم بمن تكون فتوى الحاكم حجة له وعليه، كمقلديه ومقلدي من يوافقه في الفتوى، دون غيرهم من المجتهدين أو العوام المقلدين لمن يخالفه في الفتوى، لظهور قصور أدلة حجية الفتوى عن إثبات حجية فتواه في حقهم. وكذا مقبولة ابن حنظلة، فإن إطلاقها وإن أوهم عموم الحجية، إلا أن حمله على خصوص من تكون الفتوى حجة في حقه هو المناسب للمرتكزات العرفية، الحاكمة بأن منشأ حجية فتواه واجديته للعناوين العامة، المقتضية لحجية الفتوى التي اشير إليها في الرواية من كونه عارفا بأحكامهم وفقيها فيها، فيلحقه ما يلحق أدلة الحجية من تخصيص الحجية في حق العوام، وعدم ثبوتها لغير الاعلم عند الاختلاف، كما تقدم. بل هو المناسب لظهورها في المفروغية عن حجية فتواه، لا في تشريع حجية فتواه، فإنه لا منشأ للمفروغية المذكورة إلا ملاحظة العمومات المذكورة. ولا أقل من كون ذلك هو مقتضى الجمع بين المقبولة وما دل على حجية الحجج في حق المجتهدين والعوام، فإن النسبة بين المقبولة والادلة المذكورة لما


____________
(1) الوسائل ج 18، باب 2 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، حديث 1. .

===============

( 185 )

كانت هي العموم من وجه، كان تقديم الادلة المذكورة عليها أولى من العكس، لان الادلة المذكورة عرفية ارتكازية، والا فمن الصعب عرفا الالتزام بحجية الحكم في حق المجتهد الذي يرى خطأه بحسب نظره في الادلة التي اعتمد عليها الحاكم، أو في حق العامي الذي قامت عنده الحجة على خطئه. وأما دعوى: أن ظهور المقبولة في خصوصية الحكم تقتضي تقديمه على أدلة الحجية الاخر، إذ لو قدمت عليه لغت خصوصيته. فمندفعة: بأن الخصوصية المناسبة للقضاء هي نفوذه وفصل الخصومة به، والمفروض عدم تعرض الرواية له، بل هي متعرضة لحجيته وكشفه عن حكمهم عليهم السلام، والمنساق منها أن منشأ ذلك كون الحاكم فقيها وعالما بأحكامهم عليهم السلام، وهو يقتضي عدم خصوصيته في الحجية، بل هو من صغريات كبرى وجوب الرجوع للفقهاء والعلماء، فيلحقه ما يلحقه من الشرائط والمرجحات، كما تقدم. وكأن الموجب لذلك هو الخلط بين فصل الخصومة بالحكم وحجيته، مع الغفلة عن اختلاف الحكمين سنخا وعدم التلازم بينهما خارجا. نعم، الظاهر أن الحكم كما تفصل به الخصومة يكون حجة للمحكوم له في إثبات حقه، نظير اليد، فيجوز للاجنبي ترتيب أثر ثبوت الحق للمحكوم له اعتمادا على الحكم فيشتري العين منه مثلا، إلا أنه لا يبعد ابتناء ذلك على أصالة الصحة في الحكم، فيختص بمن لم يثبت عنده خطؤه علما أو تعبدا لقيام الحجة، فلاحظ. ومما ذكرنا يظهر الحال فيما لو لم ينشأ الشك من الشبهة الحكمية، بل من الموضوع، كما لو لم يعلم المحكوم له بثبوت الحق له، ولم يكن له طريق إليه عدا شهادة شاهدين يعتقد فسقهما، فاعتقد الحاكم عدالتهما وحكم بثبوت الحق له، فإن الحكم المذكور وإن كان نافذا في حق المحكوم عليه، فليس له الاصرار على الخصومة، إلا أنه ليس حجة في حقه ولا في حق المحكوم له، لما عرفت من عدم التلازم بين الامرين، وعدم الدليل على الحجية، لوضوح اختصاص أدلة حجية فتوى

===============

( 186 )

[ مسألة 22: إذا شك في موت المجتهد، أو في تبدل رأيه، أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده يجوز البقاء على تقليده (1)، ] المجتهد بالشبهات الحكمية، وكذا مقبولة ابن حنظلة لما تقدم. نعم، يجري في حق غير المتخاصمين ما تقدم في الشبهة الحكمية من جواز ترتيب آثار ملكية المحكوم له مع عدم العلم بخطأ الحكم. وقد تحصل من جميع ما ذكرنا عدم جواز تعويل المحكوم له في الشبهة الحكمية على حكم الحاكم إذا لم يكن الحاكم هو الاعلم الذي يجب عليه تقليده. لكن هذا لا يقتضي عدم مشروعية قضاء غير الاعلم فيها، بنحو لا يجوز له التصدي له ولا يجوز الترافع إليه ولا ينفذ حكمه، بل ينفذ قضاؤه في حق المحكوم عليه مطلقا، وفي حق من له الحكم إذا كان موافقا لاجتهاده أو لاجتهاد من يجب عليه تقليده. وكذا لو كان النزاع من جهة الاختلاف في الموضوع إذا كان المحكوم له على بصيرة من ثبوت حقه، وإن كان الحاكم مخالفا لمن يجب تقليده في كيفية القضاء. بل لو قيل بجواز الرجوع للمفضول إذا لم يعلم مخالفته لرأي الافضل - كما تقدم من غير واحد - جاز الاعتماد على حكم المفضول حتى في الشبهة الحكمية إذا لم يعلم مخالفة الافضل فيها، فتأمل جيدا، والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. (1) عملا بالاستصحاب، بل ربما كان بعض الموارد المذكورة مجرى لقواعد عقلائية اخر، كأصالة السلامة في الاول، وأصالة عدم العدول في الثاني. ومنه يظهر أنه لا يهم الاشكال بعدم جريان الاستصحاب مع الشك في العدول، لعدم وضوح كون عدم العدول بعنوانه مأخوذا في حجية الفتوى، لعدم أخذه في أدلة لفظية، وعدم استفادة دخل عنوانه من دليله اللبي، وهو بناء العقلاء. نعم، قد يشكل الحال في الاعلمية، لعدم وضوح بناء العقلاء على بقائها مع الشك، مع الاشكال في استصحابها تعبدا، لما اشير إليه من عدم وضوح دخلها بعنوانها، إلا أن تستصحب بواقعها المعتبر الذي هو متيقن الحدوث مشكوك

===============

( 187 )

[ إلى أن يتبين الحال (1). مسألة 23: الوكيل في عمل يعمل بمقتضى تقليده (2)، لا تقليد ] البقاء، فتأمل. وأما العدالة فلا ينبغي الاشكال في جواز استصحابها لو كان الدليل عليها الاجماع، لظهور حال المجمعين في أخذ العدالة بعنوانها كأخذها في الشاهد. وأما لو كان الدليل عليها ما تقدم من عدم الوثوق بفتوى غير العادل فقد تقدم أنه إنما يقتضي اعتبارها حين الفتوى، لا اعتبار بقائها في جواز الاستمرار على التقليد، كي يحتاج إلى ما يحرز به البقاء من استصحاب أو غيره. هذا كله مع قطع النظر عن استصحاب حجية الفتوى، وأما بلحاظه فالامر أظهر. (1) قد يظهر منه عدم وجوب الفحص، وهو الذي صرح به بعض مشايخنا، مستدلا عليه بعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية. ويشكل برجوع الشبهة في المقام إلى الشبهة الحكمية، فيشملها ما دل على وجوب تعلم الاحكام، كما سبق التعرض له في المسألة الثامنة. ومن ثم يتجه البناء على وجوب الفحص بالمقدار المتعارف. (2) كأنه لما ذكره قدس سره من أن إطلاق الوكالة يقتضي إيكال تطبيق العمل الموكل فيه إلى نظر الوكيل، حتى مع فرض الالتفات إلى الاختلاف، لان الالتفات وإن كان يمنع من عموم الوكالة لمورد الاختلاف بنظر الموكل تفصيلا، إلا أنه لا يمنع من عمومه إجمالا، حيث أنه قد وكل في ما هو المشروع بعنوانه المنطبق بنظر الوكيل على ما يراه مشروعا. وفيه: أن الايكال إلى نظر الوكيل إنما يصح في إحراز الموضوع، أما في تشخيص الحكم الكلي فلا يصح إلا حيث يكون نظره حجة على الموكل شرعا أو موافقا لما هو الحجة.

===============

( 188 )

وحينئذ فظهور حال الموكل في توكيله في فعل ما هو المشروع حقيقة وفي إقدامه على الايكال المشروع يمنع من إطلاق الوكالة بنحو يرجع إلى نظر الوكيل من حيث الحكم الشرعي. هذا مع الغفلة عن الاختلاف، وأما مع التفات الموكل إليه فالامر أشكل، بل يمتنع حتى في الشبهة الموضوعية، لعلم الموكل حينئذ تفصيلا بعدم مشروعية الايكال، فيكون ذلك قرينة على صرف إطلاق الوكالة إلى خصوص ما يكون مشروعا بنظره، ليصح التوكيل فيه. ومن ذلك يظهر عدم الفرق بين الاجتهاد والتقليد، فكما يلزم مراعاة مقتضى تقليد الموكل يلزم مراعاة مقتضى اجتهاده. نعم، مع جهل الوكيل بالاختلاف يتعين الرجوع لاطلاق الوكالة المقتضي لا يكال التطبيق إلى نظر الوكيل حتى من حيث الحكم الشرعي، لعدم إحراز ما يوجب انصرافه وتقييده. كما أنه لو علم بعدم كون الموكل بصدد التوكيل في ما هو المشروع حقيقة، بل بصدد الاحتياط في فعل محتمل المشروعية كان مقتضى الاطلاق الرجوع إلى نظر الوكيل. وكذا لو علم بعدم كونه بصدد الاقتصار على الايكال المشروع فإن عدم مشروعية الايكال لا ينافي صحة الوكالة الراجعة إلى ثبوت الاذن المستفادة منها. لكن ذلك محتاج إلى قرينة خاصة لولاها لم يصلح الاطلاق لاثبات الاجتزاء بنظر الوكيل. وقد تحصل القرينة المذكورة فيما لو فرض التفات الموكل للاختلاف وغفلة الوكيل عنه حين الوكالة، فإن مقتضى الحكمة من الموكل أن يقيد الوكالة حينئذ لو كان غرضه مختصا بما يطابق نظره، فإهماله التقييد قد يكون ظاهرا في اجتزائه بنظر الوكيل، لاحد الوجهين المذكورين، فلاحظ. هذا، وأما ما ذكره بعض مشايخنا من أن التوكيل لما كان عبارة عن إيكال العمل للغير وكان مبنيا على تنزيل عمل الوكيل منزلة عمل الموكل، ولذا صح نسبة عمله له،

===============

( 189 )

[ الموكل، إلا إذا كان الاختلاف بينهما في التقليد قرينة على تخصيص الوكالة بما يوافق تقليد الموكل (1)، وكذلك الحكم في الوصي (2). ] فلابد فيه من مراعاة الصحة عند الموكل، وإلا لم يأت الوكيل بالعمل الموكول إليه. فهو إنما يقتضي اعتبار الصحة في حق الموكل بالاتيان بالعمل الذي كلف به، فلو كلف بالقصر وجب الاتيان به وإن كان تكليف الوكيل بالاتمام، كما هو الحال في المتبرع أيضا، وهذا لا ينافي إيكال تشخيص ما كلف به الموكل وما هو الصحيح في حقه إلى الوكيل. ثم إنه لو كان موضوع الوكالة عبادة توقفت صحة الوكالة ومراعاة نظر الموكل على احتمال الوكيل مشروعية الفعل الصحيح بنظر الموكل، أو تمكنه من الاتيان به بوجه يعتقد مشروعيته، كما لو كان مقتضى تقليد الوكيل الاتيان بثلاث تسبيحات ومقتضى تقليد الموكل الاجتزاء بواحدة، أما لو قطع بعدم مشروعيته ولم يتمكن من الاتيان به بوجه مشروع - كما لو قطع الوكيل بوجوب القصر وكان مقتضى تقليد الموكل الاتمام - تعين بطلان الوكالة، لعدم قدرة الوكيل على الاتيان بالعمل الموكل فيه. إلا أن يفرض التفات الموكل إلى ذلك فإنه قد يكون قرينة على إرادته التوكيل في ما يكون مشروعا بنظر الوكيل وإن لم يكن مشروعا بنظره، نظير ما تقدم. (1) عرفت منه قدس سره أن الاختلاف بنفسه لا يكون قرينة على ذلك، فلابد في قرينيته من انضمام أمر آخر له، وعرفت منا أنه قرينة عامة مقيدة للاطلاق، إلا مع المخرج عنها. (2) لانه كالوكيل يبتني سلطانه على إيكال الموصي العمل إليه، فيلحقه ما تقدم. ومثله في ذلك الاجير، لان عمله تابع لموضوع الاجارة الذي يعتبر في تعيينه نظر المؤجر وقصده. نعم، لابد من التفات الاجير إلى ذلك أيضا، للزوم اتفاق

===============

( 190 )

[ مسألة 24: المأذون والوكيل عن المجتهد في التصرف في الاوقاف أو في أموال القاصرين ينعزل بموت المجتهد (1)، بخلاف المنصوب من قبله وليا وقيما، فإنه لا ينعزل بموته على الاظهر (2). ] المتعاقدين على موضوع العقد. أما المتبرع فحيث لم يكن سلطانه تابعا لنظر المتبرع عنه ولا قصده، كان تشخيص ما هو المشروع موكولا إلى نظره حتى مع منع المتبرع عنه، من دون فرق بين التطوع بالتبرع ووجوبه، كما في قضاء الولي ما فات الميت من الصلاة. ومثله الولي، لان سلطنته على العمل مجعولة من الشارع الاقدس ابتداء، لا بتوسط نظر المولى عليه، كما لا يخفى. (1) لان سلطنته متفرعة على ولاية المجتهد - لو تمت - فلا موضوع لها مع انتهاء ولاية المجتهد بموته، لعدم قابليته لها، ولا مجال للرجوع لاستصحاب جواز التصرف بعد موت المجتهد، بلحاظ اليقين به قبل موته لاختصاص الجواز المتيقن بالتصرف الواقع حال حياة المجتهد الذي يحتمل ولايته عليه ولا يعم كل تصرف، فلا يجري الاستصحاب لتعدد الموضوع، مع أنه بالاضافة إلى الجواز الوضعي المتعلق بالتصرفات الاعتبارية الراجع إلى نفوذها من الاستصحاب التعليقي الذي لا يجري على التحقيق. ومن ثم قام الاجماع على سقوط الاذن والوكالة بموت الاذن والموكل في سائر الموارد. وأما التوكيل أو الاذن من المجتهد في حال الحياة في العمل بعد الوفاة - نظير الوصية - فهو وإن كان ممكنا، إلا أنه لا دليل على نفوذه شرعا من المجتهد، لعدم عموم أدلة ولاية المجتهد لمثل ذلك، كما سيظهر إن شاء الله تعالى. (2) الكلام في ذلك مبني..

===============

( 191 )

أولا: على إناطة التصرف في الامور المذكورة بنظر الولي، بحيث لا يباح لكل أحد التصرف بها حسبة من دون مراجعة الولي الاصلي وهو الامام، فضلا عن الحاكم الشرعي. وثانيا: على ثبوت ولاية الحاكم، فالمناسب الكلام في مقامات ثلاثة: المقام الاول: في كون التصرف في الامور المذكورة منوطا بنظر الولي، وظاهرهم التسالم على ذلك، كما يستفاد مما ذكروه في لزوم مراجعة الحاكم. ففي الشرايع بعد أن ذكر ولاية الاب والجد على الطفل قال: (فإن لم يكونا فللوصي، فإن لم يكن فللحاكم)، ومثله في القواعد، وظاهر المسالك المفروغية عن الحكم المذكور. وفي الجواهر: (بلا خلاف أجده في شي من ذلك، بل ولا إشكال). وفي مفتاح الكرامة: (وأما أنهما - يعني: الاب والجد - إن فقدا فالولاية للوصي لاحدهما، فإن فقد الوصي فالحاكم، فلا خلاف في ذلك ولاية وترتيبا، ولا في كون المراد بالحاكم حيث يطلق من يعم الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى. ويستفاد من بعض الاخبار ثبوت الولاية للحاكم مع فقد الوصي وللمؤمنين مع فقده). وهو الظاهر أيضا من بعض كلماتهم في الوقف الذي ليس له ناظر خاص، فراجع المسالك والجواهر وغيرهما. ويقتضيه - مضافا إلى ذلك - أصالة عدم نفوذ التصرف من غير الولي، للشك في سلطنة غيره الموجب للشك في ترتب الاثر على تصرفه، ولا مجال للرجوع إلى عموم النفوذ واللزوم في العقود، لانه مختص بالعقد الصادر ممن يكلف بالوفاء به الذي يكون العقد من شؤونه التي يلزم بها عرفا دون الاجنبي. وبالجملة: لا ينبغي الاشكال في أن الاصل عدم ترتب الاثر إلا بالرجوع لمن تثبت ولايته على التصرف. هذا، وقد يستشكل في الاصل المذكور في أموال الايتام بأن شيوع الابتلاء بها

===============

( 192 )

في جميع العصور لا يناسب خفاء حكمها بنحو يحتاج فيه للاصل، بل ينبغي ظهور حكمها ولو بضميمة سيرة المسلمين. ومن الظاهر أنه لو كان بناؤهم على التوقف على مراجعة الولي لظهر وشاع، ولتواترت الاخبار بطلب القيمومة أو الاذن من النبي صلى الله عليه واله وأمير المؤمنين عليه السلام، بل من جميع الائمة عليهم السلام، لان ذلك لما لم يحتج إلى الاعلان لم يكن منافيا للتقية التي كان عليها الائمة عليهم السلام، ولكان المناسب التنبيه على ذلك والحث عليه في الكتاب المجيد وسنة المعصومين عليهم السلام، مع خلوهما عنه. بل ما ورد مستفيضا في الكتاب المجيد والسنة الشريفة من التحذير عن التفريط في أموال اليتامى وأكلها والافساد فيها وخيانتها كالصريح في تولي الناس ذلك بأنفسهم من دون مراجعتهم عليهم السلام، إذ لو كان الواجب هو مراجعتهم عليهم السلام فإن كان مبنى الناس على العمل بذلك خفت الحاجة إلى التأكيد المذكور، لان الذ ينصبه النبي صلى الله عليه واله هو الامام هو الثقة المأمون الذي ليس من شأنه التفريط في أمانته وإن كان مبناهم على إهمال ذلك كان التنبيه إليه والتأكيد عليه أولى من التأكيد على حفظ مال اليتيم، كما لا يخفى. بل ظاهر قوله تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح) (1) أن حكم مال اليتيم عام، يبتلي به المفسد والمصلح وأن الرقيب فيه ليس إلا الله تعالى من دون واسطة بينه وبينهما. ويشهد بذلك أيضا صحيح عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: (لما نزلت: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) (2) أخرج كل من كان عنده يتيم وسألوا رسول الله صلى الله عليه واله في إخراجهم، فأنزل الله: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم


____________
(1) البقرة: 220. (2) النساء: 10.

===============

( 193 )

فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح) (1) وصحيح الكاهلي، قيل لابي عبد الله عليه السلام: إنا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام ومعه خادم لهم، فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم ويخدمنا خادمهم وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا وفيه من طعامهم، فما ترى في ذلك؟ فقال: (إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس، وإن كان فيه ضرر فلا. وقال عليه السلام: بل الانسان على نفسه بصيرة، فأنتم لا يخفى عليكم، وقد قال الله عزوجل: (والله يعلم المفسد من المصلح) (2) فإنه لو كان البناء على تولي ذلك من قبل الولي لم يكن وجه للتحرج الذي تضمنه الصحيح الاول، لان الاتفاق مع النبي صلى الله عليه واله رافع للحرمة والحرج، ولا للترديد في الثاني، بل ينبغي الجزم بالحل ظاهرا، لان الولي صاحب يد يمضي تصرفه في ما تحت يده. وهو الظاهر أيضا من صحيح ابن رئاب، سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن رجل بيني وبينه قرابة، مات وترك أولادا صغارا وترك مماليك له غلمانا وجواري ولم يوص، فما ترى في من يشتري منهم الجارية فيتخذها أم ولد، وما ترى في بيعهم؟ فقال: (إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم كان مأجورا. قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية، فيتخذها أم ولد؟ قال: لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيم لهم الناظر في ما يصلحهم، وليس لهم أن يرجعوا عما صنع القيم لهم الناظر في ما يصلحهم) (3) فإنه ظاهر في أن المعيار في جواز بيع القيم كونه ناظرا في ما يصلحهم، لا التولي من قبل الولي العام، وإلا كان ذكر ذلك أولى، لان تشخيصه أيسر من تشخيص كونه ناظرا في ما يصلحهم، بل معه لا يحتاج إلى تشخيص ذلك للزوم حمله على الصحة بعد كونه صاحب يد، ولاسيما مع قوله عليه السلام: (كامأجورا فيهم) الظاهر في حث كل أحد على ذلك.


____________
(1) السائل ج 12، باب 73 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1. (2) الوسائل ج 12، باب 71 من أبواب ما يكتسب به، جديث 1. (3) الوسائل ج 13، ص 474، باب: 8 من أبواب كتاب الوصايا، حديث 1.

===============

( 194 )

ومثله في ذلك غيره مما ظاهره الاكتفاء في القيم بالعدالة أو الثقة على ما يأتي التعرض له إن شاء الله تعالى. وبالجملة: التأمل في الايات والنصوص الكثيرة الواردة في أموال الايتام مع إهمالها لمراجعة النبي صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام يورث القطع بعدم إناطة التصرف فيه بنظر الولي العام فضلا عن المنصوب العام من قبله، بل هو منوط بما هو الخير والمصلحة لليتيم، مع جواز توليه لكل أحد، بل استحبابه لانه إحسان إليه. هذا، وأما الاجماع المتقدم فلا مجال للتعويل عليه، لان كثيرا من قدماء الاصحاب خصوصا المتصلين بعصر المعصومين: لم يحرروا فتاواهم استقلالا، ومعرفة رأيهم موقوفة على إيداعهم للروايات الدالة على الحكم في كتبهم، أو على قيام السيرة الكاشفة عن التسالم عليه، ولا مجال لشي من ذلك في المقام بعد ما عرفت من ظهور الروايات والسيرة في عدم توقف جواز التولي على النصب الخاص. بل ظاهر من يكتفي في بيان الفتوى بذكر الروايات كالمحدثين القدماء والمتأخرين خلاف ذلك، ولاجل ذلك فلا وثوق بالاجماع المذكور، ولاسيما في قبال ما عرفت. وأما النص المشار إليه في مفتاح الكرامة في ذيل كلامه المتقدم فلم نظفر به، إلا أن يكون مراده به ما يأتي في ولاية الحاكم. لكنه - لو تم - مختص بما يفرض احتياجه للولي، لا في مثل المقام مما عرفت وفاء الادلة بعدم احتياجه له. وأما ما ذكره سيدنا المصنف قدس سره في نهج الفقاهة من أن ما في رواية أبي خديجة من جعل الفقية قاضيا، يقتضي أن ما يكون من وظائف القضاة في عصر صدور الرواية - ومنه التصرف في مال الصغير ونصب القيم عليه - فهو من وظائف الفقيه، بحيث لو فرض هناك إطلاق يقتضي مشروعيته من كل أحد كانت الرواية مقيدة له بصورة إذن الفقيه فيه.

===============

( 195 )

ففيه: أن الرواية مسوقة لبيان الاستغناء عن قضاة الجور بنصب من يتولى وظيفتهم من أهل الحق بعد الفراغ عن الحاجة لمن يتولى القيام بالوظيفة المذكورة، لعدم مشروعيتها لكل أحد، ولا إطلاق لها يقتضي الرجوع للفقيه في جميع ما يتولاه القضاة بنحو تكشف عن مطابقة تشريعهم في احتياج التصرف المذكور للولي للواقع، لتكون مقيدة لاطلاق دليل مشروعيته لو كان، أو بنحو تكشف عن إمضاء تشريعهم المذكور والالزام به وإن لم يطابق الواقع، لتكون كالناسخة للاطلاق المذكور. وإلا فقد دلت بعض الروايات (1) على أن القضاة كانوا يتولون قسمة الميراث بين الورثة المعلومين بعد الاشهاد على عدم وجود غيرهم مما يظهر منه منعهم الورثة عن الاستقلال بالقسمة اعتمادا على الاصل ولعدم المنازع لهم، فهل يمكن الالتزام بوجوب مراجعة الحاكم في مثل ذلك خروجا عن عموم سلطنة الناس على أموالهم مع عدم المنازع لهم، فتأمل. وهل يمكن الالتزام بوجوب الرجوع للفقيه في مثل إنشاء المساجد خروجا عن إطلاق دليل مشروعيته لو ثبت إلزام سلاطين الجور بالرجوع فيه للقضاة! فالتحقيق: أنه لو فرض ثبوت الاطلاق المذكور كان مخرجا للتصرف عن موضوع للرواية، إذ يكون دليلا على عدم مشروعية تولي القضاة له، ليتولاه الفقيه بدلا عنهم ويحتاج إليه فيه. نعم، لو فرض تقييد الاطلاق المذكور بدليل آخر ملزم بالرجوع للولي العام بحيث يكون من وظائف القاضي لو نصبه لذلك فقد تكون الرواية دليلا على جواز الرجوع فيه للفقيه، ويأتي في أدلة ولاية الحاكم الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى. هذا، وقد يستدل على لزوم الرجوع في أموال الايتام للولي بأن إطلاق التصرف لكل أحد معرض لها للضياع، لتعرضها حينئذ لمن يأكلها ويفرط فيها من دون وازع ولا ضابط، وبأن ذلك قد يوجب التشاح في التولي عليها.


____________
(1) الوسائل ج 18، باب 17 من أبواب كتاب الشهادات.

===============

( 196 )

وفيه: - مع أن هذا استحسان لا يصلح للاستدلال - أن مجرد إرجاعها للولي لا يكفي في حفظها ما لم يدعم الولي بقوة قاهرة تلزم بالرجوع إليه، ومن الظاهر عدم بناء ولاة الحق على إعمال القوة في ذلك، فلو فرض ولايتهم فلا يراجعهم الا من له وازع ديني يمنعه من التفريط في أموال اليتيم وإن لم يرجع للولي. وأما التشاح فهو قد يرتفع بالاقراع ونحوه، بل قد يقال بالرجوع حينئذ للحاكم لاجل الخصومة التي هو المرجع فيها، فتأمل. بل لعل إناطة التصرف المذكور بالولي العام بسبب اضطراب أمر اليتيم كثيرا، لان من أهم ما له الدخل في حياة اليتيم روابطه العائلية والعاطفية بمن يتولى أمره، ومن الظاهر أنه لا يتيسر للولي العام الوثوق بجميع من يتولى شؤون الايتام من أرحامهم ومتعلقيهم، وعدم تيسر نقلهم لغيرهم ممن يوثق بهم من الاجانب، ولعل المفاسد المذكورة أهم من مفسدة تعرض مال اليتيم للتلف في بعض الموارد، خصوصا مع شدة التأكيد من الشارع الاقدس في لزوم مراعاة صلاح اليتيم ببيان العقاب الدنيوي والاخروي للمفرط فيه، فإن لهذا أشد الاثر في حفظ مال اليتيم من خطر من يتولاه، فلاحظ. وبالجملة: لا مجال للبناء على وجوب الرجوع في أموال الايتام للولي، بل ظاهر الادلة عدم الحاجة إليه، وجواز توليها لكل أحد بشرط الاصلاح، كما اشير إليه في الاية الشريفة وفي صحيح ابن رئاب. نعم، قد يدعى اعتبار كون المتولي ثقة أو عدلا، لموثق سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام، سألته عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك وعقد، كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: (إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس) (1). وصحيح إسماعيل بن سعد الاشعري عن الرضا عليه السلام، عن الرجل يموت بغير وصية وله ولد صغار وكبار أيحل شراء شي من خدمه ومتاعه من غير أن يتولى


____________
(1) الوسائل ج 13 ص 474، باب 8، من أبواب كتاب الوصايا، حديث 2. .

===============

( 197 )

القاضي بيع ذلك؟ فإن تولاه قاض قد تراضوا به ولم يستعمله الخليفة أيطيب الشراء منه أم لا؟ فقال: (إذا كان الاكابر من ولده معه في البيع فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك) (1). بناء على ما هو الظاهر من أن المراد بالقاضي الذي يتراضون به هو مطلق الشخص الذي يختار إشراكه والاستعانة به، لا القاضي الشرعي، ولو بقرينة اعتبار العدل الذي يراد به كون القاضي عادلا أو قيام العادل مع القاضي، إذ لا مجال لاحدهما مع فرض كون القاضي هو القاضي الشرعي. وفيه: أنه كما يمكن جعل الخبرين المذكورين مقيدين لاطلاق ما دل على جواز تولي كل أحد يصلح في مال اليتيم، كذلك يمكن حملهما على كون اعتبار العدالة والثقة لاجل القبول من الشخص وترتيب الاثر على تصرفه وإلزام اليتيم به ظاهرا، لعدم إحراز كون غير الثقة مصلحا، لا لعدم نفوذ تصرفه واقعا لو كان مصلحا. ولعل الثاني أقرب، لما هو المرتكز من مناسبة النفوذ الواقعي للاصلاح الواقعي، ومناسبة الثقة والعدالة لمقام الاحراز الظاهري، ولاسيما بملاحظة ما عرفت من ظهور حال المسلمين في تولي كل أحد للايتام من دون ردع من الشارع عن ذلك، وإنما ورد الحث على الاصلاح والنهي عن التعدي لا غير. لكن قد يشكل ذلك بملاحظة صحيح ابن بزيع، قال: مات رجل من أصحابنا ولم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصير عبد الحميد القيم بماله، وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن، إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي، لانهن فروج، قال: فذكرت ذلك لابي جعفر عليهم السلام وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا ولا يوصي إلى أحد ويخلف جواري فيقيم القاضي رجلا منا فيبيعهن؟ أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه، لانهن فروج، فما ترى في ذلك؟ فقال: (إذا


____________
(1) الوسائل ج 12، ص 269، باب 16 من أبواب عقد البيع وشروطه 1. .

===============

( 198 )

كان القيم به مثلك و [ أو خ. ل ] مثل عبد الحميد فلا بأس) (1) لظهوره في السؤال عن الحكم الواقعي للبيع الثابت في حق المتولي له، لا عن حكمه ظاهرا في حق غيره، فلو كان المعيار في جواز التصرف ونفوذه على الاصلاح لكان المناسب إناطة الحكم به في الجواب، لا بخصوص حال المتولي. ومن هنا فلا يبعد التفصيل بين التصرفات العامة التي هي من شؤون اليتيم كحفظ ماله والانفاق عليه منه ومداواته ونحو ذلك مما يناسب مخالطته وكفالته، وغيرها من التصرفات المهمة التي يقل الابتلاء بها، كقسمة ميراثه وبيع أمواله الزائدة على حاجته ونحوهما. فيجوز في القسم الاول تولي كل أحد، لخروجه عن هذه النصوص ودخوله في السيرة وعموم ما دل على استحباب الاصلاح له ومخالطته. أما القسم الثاني فلا يجوز توليه إلا للثقة العادل، عملا بهذه النصوص بعد تقييد مثل صحيح ابن رئاب بها. ولاسيما مع خروج موردها عن المتيقن من السيرة التي تقدمت الاشارة إليها، إذ لا يبعد بناء الناس في مثل هذه التصرفات على الاستعانة بالثقات المأمونين على الايتام. وفي كلا القسمين لا يناط التصرف بنظر الولي العام، فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. هذا كله في أموال الايتام، أما الاوقاف فإن عين لها الواقف وليا تعين بلا إشكال، وكذا لو انصرف إطلاقه إلى خصوص بعض الاشخاص، كالموقوف عليهم في الاوقاف الخاصة، وأما مع عدم ذلك أو مع تعذر الرجوع فيها للولي المجعول من الواقف فلا مخرج فيها عن مقتضى الاصل السابق المقتضي لعدم نفوذ تصرف غير الولي، لعدم وضوح حال السيرة بعد قلة الابتلاء بذلك لكون الغالب تعيين الواقف للمتولي، فلا يستكشف من سكوت النصوص عن الرجوع فيها للولي المفروغية عن عدم وجوب مراجعته.


____________
(1) الوسائل ج 12 ص 270، باب 16 من أبواب عقد البيع وشروطه، حديث 2.

===============

( 199 )

نعم، يختص الاصل المذكور بالتصرفات الاعتبارية التي يكون الاصل فيها عدم النفوذ. أما التصرفات الخارجية الراجعة إلى صلاح الوقف فمقتضى أصالة البراءة جوازها ولو مع عدم مراجعة الولي ولعل السيرة على ذلك في الجملة في الاوقاف العامة، فلاحظ. المقام الثاني: في ولاية الحاكم. ويظهر من الاصحاب في غير مقام المفروغية عن ولايته في ما يحتاج إلى ولي، بل قد ينسب لبعضهم دعوى ثبوت ولايته المطلقة. وتفصيل الكلام في ذلك: أن الولاية تارة: تكون بمعنى الاولوية المطلقة الثابتة للنبي صلى الله عليه واله والائمة عيهم السلام لالتي هي بمعنى ولايتهم على جميع التصرفات حتى ما يتعلق بما له ولي، وهي المستفادة من مثل قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وقوله صلى الله عليه واله في حديث الغدير: (ان الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه) (1) واخرى: تكون بمعنى السلطنة على تولي ما لا ولي له من الامور العامة التي يحتاج فيها إلى ولي، فيتوقف القيام بها على الرجوع له، ولعله المراد بما في المرسل: (السلطان ولي من لا ولي له). أما المعنى الاول فقد يستدل على ثبوته للفقيه بما ورد في شأن العلماء، مثل ما رواه الصدوق في كتاب ثواب الاعمال بسنده الصحيح عن الصادق عليه السلام عن آبائه: عن النبي صلى الله عليه واله في حديثه في فضل طلب العلم قال: (وإن العلماء ورثة الانبياء وإن الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منهم أخذ بحظ وافر). وحكي روايته عن الامالى، وبصائر الدرجات، والاختصاص بطرق مختلفة مع تفاوت في المتن يسير. والمرسل: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)، وقريب منه غيره.


____________
(1) كتاب الغدير ج 1، ص 11. .

===============

( 200 )

وما عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يارسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم) (1) وما عن الفقيه عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: (اللهم ارحم خلفائي، فقيل له: يارسول الله ومن خلفاؤك قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي). وروي عن المجالس، إلا أنه زاد: (ثم يعلمونها). وقريب منه ما عن العيون ومعاني الاخبار بأسانيد مختلفة، إلا أنه قال: (ويروون عني أحاديثي وسنتي فيعلمونها الناس من بعدي) (2) وما في نهج البلاغة: (إن أولى الناس بالانبياء أعلمهم بما جاؤوا به) (3) والجميع كما ترى! إذ الاول: صريح في إرث العلم، لا إرث المناصب. والثاني: - مع ضعف سنده - لا يخلو عن إجمال، للعلم بعدم عموم التشبيه لجميع الجهات، والمتيقن منه التشبيه في الثواب أو في تبليغ الاحكام اللذين هما أظهر خواص الانبياء. والثالث: ظاهر في الاستئمان على تبليغ الاحكام لا في جميع ما استؤ منوا عليه، بقرينة ما في ذيله من حذرهم على الدين، كما ذكره بعضهم. مع أن الاستدلال بهذه النصوص مبني على ثبوت الولاية بالمعنى المذكور لجميع الانبياء، وهو غير ظاهر، والمتيقن ثبوتها لنبينا صلى الله عليه واله أو لبعض الانبياء الخاصين لا لكل نبي. والرابع: ظاهر في خلافتهم في تبليغ الحديث والسنة وتعليمهما، لا في


____________
(1) روى نحوامنه عن دعائم الاسلام في مستدرك الوسائل حديث: 5 الباب 11 من أبواب صفات القاضى، وأيضا روى نحوه عن نوادر الراوندي حديث: 29 من نفس الباب. (2) الوسائل ج 18، باب 8 من أبواب صفات القاضى، حديث 5 و 50 و 53. (3) نهج البلاغة ص 581 (طبعة دار الاندلس) باب المختار من حكم أمير المؤمنين 7 رقم: 96. .

===============

( 201 )

المناصب العامة. والخامس: لو كان واردا لبيان الولاية فهو ظاهر في ولاية الاعلم لا مطلق العالم، وهو ظاهر في الاعلم الحقيقي، وهم الائمة عليهم السلام لا الاضافي ليشمل غيرهم. بل لعلهم (عليهم السلام) هم المعنيون بالحديث الاول والثاني لانهم العلماء الحقيقيون الذين أخذوا من الانبياء ما عندهم كما يناسبه ما في خبر أبي البختري عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال: العلماء ورثة الانبياء وذلك أن الانبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشي منها فقد أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) (1) والظاهر من نصوص كثيرة. هذا، مع أنه لو فرض صلوح النصوص المذكورة للدلالة على ولاية الفقيه فهي تقتضي ولايته في عرض الائمة عليهم السلام ولا يظن من أحد الالتزام بذلك، بل هو مناف لظاهر حديث الغدير جدا، وللواقع القائم حيث يعلم بعدم تصدي أحد لذلك غيرهم وعدم دعواه إلا لهم. وغاية ما يمكن دعواه ثبوت ولايته في طول ولايتهم عليهم السلام إما بمعنى نصبه من قبلهم، أو بمعنى اشتراط ولايته بتعذر الرجوع لهم، ولا إشعار بذلك في النصوص المتقدمة، وهو شاهد بعدم كونها بصدد إثبات الولاية. وبالجملة: لا مجال لاثبات الولاية للفقيه بالمعنى المذكور. ولاسيما مع عدم مناسبة هذا الامر الخطير لغير المعصومين عليهم السلام، حيث يؤمن الخطأ في حقهم، فلا يكون تسليطهم سببا لضياع النفوس والاعراض والاموال، خصوصا مع أنه لم يثبت منهم عليهم السلام إعمال الولاية بالمعنى المذكور وإن كانت ثابتة لهم، فإنه شاهد بشدتها بنحو لا يناسب ثبوتها لغيرهم. بل أدنى تأمل في أدلة الولاية يشهد بمساوقتها للامامة، فأدلة اعتبار العصمة في الامامة تكفي في اعتبارها في الولاية.


____________
(1) الوسائل ج 18، ص 53، باب 8 من أبواب صفات القاضى، حديث 2. .

===============

( 202 )

مضافا إلى أن مقتضى الادلة المذكورة عدا الاخير، ثبوتها لكل فقيه مهما كثروا، وهو أمر لم يلتزم به حتى مع العصمة.. وأما الاخير فيشكل بأن تشخيص الاعلم في غاية الاشكال، وما أكثر ما تتضارب الدعاوى فيه، ولا يمكن عادة جعل مثل هذا الحكم المهم بهذا النحو من الالتباس. وأما المعنى الثاني فقد استدل عليه بامور.. الاول: ما عن الحسين أو أمير المؤمنين عليهم السلام: (مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله والامناء على حلاله وحرامه)، وإنا لم نذكره في أدلة الولاية بالمعنى الاول لظهوره في حصر جريان الامور بالعلماء، فلا ينهض بإثبات ولايتهم في ما له ولي. وفيه: - مع ضعف سنده جدا، حيث حكي عن عوالي اللالى (1) روايته مرسلا في ضمن حديث طويل لا يخلو متنه عن ضعف واضطراب -: أنه لا يخلو عن إجمال، وقد يظهر منه إرادة الائمة عليهم السلام، حيث انه بعد أن تضمن النكير على الناس في تسامحهم في الدين وتركهم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: (وأنتم أعظم الناس مصيبة، لما غلبتم عليه من منازل العلماء ولو كنتم تسعون [ لو يسعون خ. ل ] ذلك [ وذلك خ. ل ] بأن مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله والامناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلا بتفرقكم عن الحق...). ولاسيما مع التعبير فيه بالعلماء بالله، لا بالدين. الثاني: التوقيع الشريف الوارد في جواب كتاب إسحاق بن يعقوب عن مسائل أشكلت عليه، وفيه: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) (2) وقد ادعى شيخنا الاعظم قدس سره ظهور الحوادث


____________
(1) الوسائل ج 18، باب 8 من أبواب صفات القاضى، حديث 2. (2) حكى أيضا روايته عن تحف العقول كما في مستدرك الوسائل ج، باب 11 من أبواب صفات القاضى، حديث 16.

===============

( 203 )

في الامور التي لابد من الرجوع فيها للرئيس، وذكر أنه لا مجال لحملها عل خصوص الرجوع في الاحكام الشرعية لامور.. الاول: ظهوره في إيكال نفس الحادثة لهم لينهوا أمرها مباشرة أو استنابة، لا إيكال حكمها. وفيه: أنه لم يتضمن إيكال نفس الحوادث لهم ليتولوها، بل تضمن الرجوع إليهم فيها، وهو ظاهر في كون الحادثة من شؤون المكلف التي يبتلي بها، والرجوع فيها للرواة فيها إنما هو لتعلقها بهم إما للزوم أخذ حكمها منهم، أو لزوم استئذانهم فيها أو غير ذلك، ولا معين للثاني. بل لا معنى لا يكال نفس الحوادث الواقعة لهم، لان الايكال إنما يكون في ما يراد إيقاعه، لا في ما يفرض وقوعه، فلابد من كون إيكال الحوادث الواقعة لهم بمعنى أخذ حكمها منهم، أو إيكال الفعل المترتب عليها لهم، ولا معين للثاني، بل لعل الاول أقرب لمناسبته ارتكازا للرواة. الثاني: أنه لا يناسب التعليل بأنهم حجة من قبله عليه السلام، الظاهر في كون الرجوع لهم في ما هو من شؤونه عليه السلام بتوسط جعله لهم، كما في الولاية، بخلاف تبليغ الاحكام فإن ملاك القبول منهم فيه وجوب الرجوع لهم شرعا، لا بتوسط جعله، فلو اريد لكان المناسب التعليل بأنهم حجة الله. وفيه: أن وجوب الرجوع للعلماء في الاحكام وإن كان حكما شرعيا غير موقوف ثبوتا على الارجاع لهم من قبل الامام عليه السلام إلا انه لما كان الواجب عليه عليه السلام هو حفظ الاحكام كان الارجاع للفقهاء قياما منه بواجبه في حفظها، وصح إطلاق كونهم حجة له عليه السلام بلحاظ ذلك، نظير ما ورد في حديث الغدير من أنه لما سألهم صلى الله عليه واله (هل بلغت؟) فقالوا: اللهم بلى، قال: (اللهم اشهد عليهم وكفى بك شهيدا). بل التعليل بالحجية يناسب مقام التبليغ والبيان لا الجعل والولاية. الثالث: أن وضوح الرجوع للعلماء في الاحكام لا يناسب خفاء الحال على

===============

( 204 )

مثل إسحاق حتى يذكرها في مسائل أشكلت عليه. وفيه: أن الرجوع للعلماء في الاحكام وإن كان واضحا في الجملة، إلا أنه ربما كان منشأ سؤاله ما هو المعلوم من تعرض العلماء للخطأ والاختلاف والجهل الذي ينجبر في عصر حضور الائمة عليهم السلام بالرجوع لهم، فأراد بالسؤال معرفة حكم عصر الغيبة وانقطاع مورد العلم الذي لم يبتل به الشيعة من قبل، لاحتمال خصوصية له تقتضي نصب طرق اخرى أضبط أو أوصل، على أن مجرد وضوح الحكم في الجملة، لا ينافي السؤال للاستظهار أو للاستزادة في التفاصيل أو غير ذلك. نعم، قد يدعى أن ظاهر قوله عليه السلام: (وأما الحوادث الواقعة) إرادة الحوادث الاتفاقية، لا القضايا الكلية، وظاهر تعيين المرجع لها خصوصيتها فيه، فيتعين الحمل على باب الولايات، حيث يكون إعمال نظر الولي في كل حادثة بخصوصيتها، بخلاف الفتوى، فان إعمال نظر الفقيه في كل حادثة راجع إلى إعماله في جميع مشابهاتها، لكون الاحكام الشرعية كلية لا دخل لخصوصيات الوقائع فيها. وفيه: أنه يكفي في تخصيص الوقائع الاتفاقية بالذكر هو اختصاصها بالابتلاء والعمل الموجب لاختصاصها بالحاجة إلى الرجوع في معرفة الحكم، فإضافة الرجوع إليها بلحاظ ذلك، لا بلحاظ اختصاص حجية نظر الفقيه بها، فلا ينهض ذلك بصرف التوقيع لما نحن فيه. وبالجملة: بعد أن كانت الحوادث المسؤول عنها غير معلومة، لعدم تعرض الرواية للسؤال فليس في الجواب قرينة تقتضي تعيين الجهة المسؤول عنها بالولاية، لو لم يكن ظاهرا في خصوص الارجاع في معرفة الحكم. كما أنه لا مجال للتمسك بعموم الحوادث مع إطلاق الجهات المقتضية للرجوع من حيث معرفة الاحكام الكلية والولاية في إيقاع التصرف وغيرها، لعدم الجامع عرفا بين الجهات المذكورة، فهو مجمل من هذه الجهة لا مطلق. ولعدم إحراز عموم الحوادث بعد احتمال كون اللام للعهد بلحاظ خصوص ما اريد في السؤال، فإن هذا كاف في المنع عن الظهور في العموم، على أنه من

===============

( 205 )

القريب جدا انصراف الرجوع في التوقيع للرجوع في معرفة الاحكام، لان ذلك هو المعهود الشايع بين الشيعة في الرجوع للائمة عليهم السلام ولم يظهر من الائمة عيهم السلام لا لتصدي لادارة الامور إعمال الولاية فيها بنحو يشيع ذلك ويلتفت إليه ويسأل عنه، حتى أنهم عليهم السلام حينما أعملوا ولايتهم في القضاء أعملوها بنصب الحاكم بنحو القضية الحقيقية مع إيكال تطبيقها للعامة نظير الاحكام الشرعية ولم يزاولوا نصب القضاة بأشخاصهم حسب تشخيصهم عليهم السلام ليظهر عنهم التصدي لاعمال الولاية، ولاسيما مع ما ذكرناه آنفا من مناسبة الحجية لبيان الاحكام دون الولاية. الثالث: مقبولة ابن حنظلة، حيث تضمنت جعل الفقيه حاكما، فقد ذكر شيخنا الاعظم قدس سره أنه ظاهر في كونه كسائر الحكام المنصوبين في زمان النبي صلى الله عليه واله والصحابة في إلزام الناس بإرجاع الامور العامة التي يرجع فيها للرئيس إليه والانتهاء فيها إلى نظره، بل المتبادر عرفا من نصب السلطان حاكما وجوب الرجوع في الامور العامة المطلوبة للسلطان إليه. وفيه: أنه لا قرينة على حمل الحاكم في المقبولة على الوالي الذي يوكل إليه جميع الامور العامة التي هي من شؤون السلطان مع شيوع إطلاقه على القاضي الحاكم في الخصومة، بل لعله مختص به، كما يظهر من بعض اللغويين. وقد يشهد به ابتناء القضاء على الحكم وابتناء الولاية على محض السلطنة وإن كانت مستتبعة لنفوذ الحكم، ومن هنا لا مجال لحمله على الوالي بقرينة العدول عن التعبير بالحكم إلى التعبير بالحاكم المناسب لاختلافهما معنى، إذ هو فرع ثبوت كون الحاكم بمعنى الوالي. على أنه قد يكون العدول لنكتة بيانية، لان التكرار لا يخلو عن قبح، أو لاجل التعدية بعلى الظاهرة في نحو من القهر والسيطرة للحاكم في مقام القضاء وفصل الخصومة. وأما دعوى: أن الحمل على القضاء لا يناسب سوقه لتعليل الامر بتحكيمه،

===============

( 206 )

لظهوره في التعليل بالكبرى الكلية المناسب لكون الحاكم أوسع سلطانا من الحكم. فهي مندفعة: بأنه يكفي في كبروية التعليل كونه مشيرا إلى كبرى نفوذ جعلهم عليهم السلام، فكأنه قال: فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، وكل ما جعلته فهو نافذ عليكم، نظير قول القائل: إذا أردت التصرف في أموالي فراجع أكبر ولدي، لانه وكيلي عليها. مع ما فيه من التنبيه على أن منصب القضاء تابع لهم ومختص بهم، وأن ثبوته للفقيه بتوسط جعلهم له، لا لكونه من المناصب الثابتة له شرعا ابتداء كالافتاء. وبالجملة: لا مجال لاستفادة عموم الولاية للفقيه من هذه الرواية ولا من غيرها مما استدل به في المقام. ثم إن شيخنا الاعظم قدس سره مع استدلاله بالنصوص المذكورة خص ولاية الحاكم بالتصرف الذي يكون مفروغا عن مشروعيته في الخارج، بحيث لو فرض عدم وجود الحاكم كان على الناس القيام به كفاية، قال: (وأما ما يشك في مشروعيته - كالحدود لغير الامام، وتزويج الصغيرة لغير الاب والجد، وولاية المعاملة على مال الغايب بالعقد عليه وفسخ العقد الخياري عنه، وغير ذلك - فلا يثبت من تلك الادلة مشروعيتها للفقيه، بل لابد للفقيه من استنباط مشروعيتها من دليل آخر. نعم، الولاية على هذه وغيرها ثابتة للامام عليه السلام بالادلة المتقدمة المختصة به، مثل آية أولى بالناس من أنفسهم). وما ذكره قدس سره إنما يتم لو كان الشك في مشروعية التصرف لعدم إحراز موضوعه شرعا، لما هو الظاهر من أن الادلة المتقدمة ليست في مقام تشريع التصرف، بل بصدد تشريع السلطنة عليه بعد الفراغ عن مشروعيته في نفسه. بل لا تنفع في ذلك الاولوية المختصة بالنبي صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام. أما لو كان الشك في المشروعية ناشئا من الشك في الولاية بعد الفراغ عن تمامية الموضوع - كما هو محل كلامه ظاهرا بقرينة الامثلة التي ذكرها - كفت الادلة المتقدمة في إثبات ولاية الحاكم عليه، بناء على ورودها لبيان ذلك، لدخوله في

===============

( 207 )

عموم مجاري الامور في الاول، وعموم الحوادث في الثاني، وكون مثل اقامة الحدود من شؤون الولاة المنصوبين فيدخل في الثالث. نعم، لا يبعد قصوره عن مثل تزويج الصغيرة مما هو من الشؤون الخاصة بالافراد، لكن يكفي فيه عموم الاولين، لما عرفت. بل على ما ذكره قدس سره لا أثر للنصوص المتقدمة في إثبات ولاية الحاكم، للزوم مراجعته في مثل ذلك مع قطع النظر عنها، لانه المتيقن بعد فرض عدم إطلاق يقتضي تولي كل أحد له وفرض لزوم وقوعه على كل حال، بحيث لو فرض عدم وجود الحاكم لزم على الناس القيام به. اللهم إلا أن يكون مراده قدس سره أن مقتضى النصوص المذكورة لزوم الرجوع إليه في مثل ذلك حتى لو فرض ثبوت إطلاق يقتضي جواز تولي كل أحد للتصرف المذكور، بدعوى كونها مقيدة للاطلاق المذكور. لكنه غير ظاهر، لظهور النصوص المتقدمة في خصوص التصرف الذي لا ولي له ويحتاج فيه إلى الولي، لانه الذي يرجع فيه للرئيس ويتولاه الولاة المنصوبون من قبل سلطان المسلمين، فمع فرض الاطلاق المقتضي لجواز تولي كل أحد للتصرف يخرج التصرف عن موضوع هذه النصوص، نظير ما تقدم منا في المقام الاول في مناقشة سيدنا المصنف قدس سره، فراجع. ثم إنه قد أشرنا في المقام الاول إلى ما يقال: من أن مقتضى ما تضمنته روايتا أبي خديجة من جعل الفقيه قاضيا توليه لجميع ما يتولاه القضاة، مثل أخذ الحق من المماطل، وحبسه، وبيع ماله، والتصرف في مال الصغير، ونصب القيم عليه، وغير ذلك مما ثبت كونه من وظائف القضاة في عصر صدور الروايتين، ومثلهما في ذلك مقبولة ابن حنظلة بناء على ما عرفت من أن المتيقن حمل الحاكم فيها على القاضي. وهو في محله لو ثبت كون تولي الامور المذكورة من وظائف القاضي شرعا، لكنه غير ثابت، لعدم تعرض الادلة لشرح مناصب القاضي، والمتيقن اختصاصه بفصل الخصومة.

===============

( 208 )

وتولي القضاة المنصوبين من قبل سلاطين العدل أو الجور لتلك الامور لعله مبني على إيكال ذلك إليهم من قبل السلاطين زائدا على نصبهم للقضاة، لا لكون توليها من لوازم القضاء شرعا. بل لعل الرجوع إليهم في بعض تلك الامور - كأخذ الحق من المماطل وحبسه - لتشخيص موضوع الاستحقاق التابع لفصل الخصومة مع كون المتولي لذلك والمنصوب له هيئة اخرى، كالشرطة التي وظيفتها تأديب المعتدين ومنعهم وحملهم على القيام بالحقوق الواجبة عليهم. وكيف كان فمجرد تولي القضاة لشي لا يوجب ظهور نصوص جعل الفقيه قاضيا في ولايته عليه، بل المتيقن منها توليه لفصل الخصومة الذي يتقوم به مفهوم القضاء. ودعوى: استفادة العموم من النصوص المتقدمة، لانه لو كان مختصا بذلك لكفى قوله عليه السلام: (اجعلوا بينكم رجلا قد عرف...) ولم يحتج لضم قوله: (فإني قد جعلته عليكم قاضيا) الذي هو مسوق مساق التعليل بالكبرى الكلية التي يكون المورد من صغرياتها، - كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره في نهج الفقاهة. مدفوعة: بأنه يكفي في حسن التعليل الاشارة إلى كبرى نفوذ جعله عليه السلام، كما تقدم نظيره في المقبولة. نعم، قد يقال: إن الغرض من نصب الحاكم للحكومة لما كان هو استغناء الشيعة عن مراجعة قضاة الجور كان المناسب جعل جميع مناصبهم التي يحتاج إليهم فيها له، ليتم الاستغناء عنهم، ولا يختص ذلك بفصل الخصومة. لكن ذلك لا يقتضي ظهور الرواية في التعميم، لعدم الاشارة فيها للعلة المذكورة بنحو يستفاد منه العموم، غاية الامر استفادته بتنقيح المناط، وهو لا يبلغ مرتبة القطع، ولاسيما مع احتمال كون بعض المناصب المذكورة محتاجا إلى كفاءة زائدة على العلم والعدالة المطلوبين في القضاء، كالولاية على الاموال والانفس، فإنها تناسب خبرة بما يصلحها مكتسبة بالتجارب أو غيرها.

===============

( 209 )

فالانصاف أنه لا مجال لاستفادة ولاية الحاكم على غير فصل الخصومة من الادلة المتقدمة. هذا، وأما ظهور تسالم الاصحاب على الحكم فلعله مبني على ما يأتي من الوجه الملزم بالرجوع إليه وإن لم تثبت ولايته بالخصوص، وظاهر بعض كلماتهم وإن كان هو ولايته بالخصوص، إلا أن في كفايتها في الكشف عن اتفاقهم، فضلا عن كشفها عن الحكم الشرعي إشكالا، بل منعا، خصوصا بملاحظة ما تقدم في المقام الاول في وجه التشكيك في الاجماع. ومن هنا كان اللازم الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة، وهي تختلف باختلاف الموارد. فإن كان هناك عموم أو إطلاق أو أصل يقتضي سلطان غير الحاكم على التصرف فلا موجب لمراجعة الحاكم، بل أشرنا إلى عدم نهوض الادلة المتقدمة بإثبات لزوم مراجعته في مثل ذلك لو فرض كونها بصدد إثبات ولايته. وإلا فإن علم من الشارع الاقدس الرضا بوقوع الفعل ولو لكونه مما يتوقف عليه رفع الفساد ونظم أمر المعاش والمعاد لزم مراجعة الحاكم فيه، لان المتيقن حينئذ سلطانه عليه، كما أشرنا إليه عند التعرض لكلام شيخنا الاعظم قدس سره فإن الادلة المتقدمة وإن لم تنهض بإثبات ولايته، إلا أنه لا دافع لاحتمالها، ولاسيما مع شهرة القول بها بين الاصحاب. أما لو لم يحرز رضا الشارع به أشكل تولي الحاكم له، لعدم الدليل على سلطانه عليه. ومن ذلك يظهر الحال في ما نحن فيه، إذ بناء على ما عرفت من ظهور الادلة في جواز تولي أمر اليتيم لكل أحد أو لخصوص العدل أو الثقة لا ملزم بالرجوع للحاكم فيه. وكذا الحال في التصرف الخارجي في الوقف الذي لا ناظر له، بناء على ما تقدم في المقام الاول من أن مقتضى الاصل جوازه لكل أحد.

===============

( 210 )

نعم، لاريب في كون مراجعة الحاكم في المقامين أحوط، خروجا عن احتمال ولايته، بل من الصعب جدا ترك الاحتياط المذكور بعد معروفية الحكم بين الاصحاب. كما أن مقتضى القاعدة لزوم مراجعته في التصرفات الاعتبارية في الوقف المذكور، لاصالة عدم ترتب الاثر مع عدمها، كما يظهر بمراجعة ما تقدم في آخر المقام الاول. تنبيهان: الاول: حيث كان الرجوع للحاكم بملاك كونه المتيقن لا لثبوت ولايته بأدلة خاصة لم يجز له الاستقلال ولا لغيره الاكتفاء بالرجوع إليه إذا احتمل ولاية غيره، بل يجب الجمع بين نظره ونظر كل من يحتمل ولايته، اقتصارا في ما خالف الاصل على المتيقن. الثاني: حيث كان منشأ احتمال ولاية الحاكم هو النصوص المتقدمة وشبهة الاجماع، فلا منشأ لاحتمال قيود زائدة فيه، كالاعلمية وغيرها. ولاسيما مع ظهور تسالمهم على عدم اعتبار شي زائد على ما يعتبر في القاضي، كما يظهر من المسالك والجواهر ومفتاح الكرامة في كلامه المتقدم في أول المسألة. نعم، لو فرض الشك في ذلك كان مقتضى الاصل المتقدم مراعاته. لكنه في غير محله ظاهرا، بل هو لو حصل من سنخ الوساوس التي لا ينبغي التعويل عليها، والله سبحانه وتعالى ولي العصمة والسداد. المقام الثالث: في انعزال منصوب المجتهد بموته وعدمه، وهو الذي عقدت له هذه المسألة، وكان البحث في المقامين الاولين مقدمة له. ولا يخفى أن الكلام في ذلك بعد الفراغ عن لزوم مراجعة الحاكم الشرعي في التصرف، خلافا لما تقدم في المقام الاول بتفصيل. وحينئذ فنقول: الوجه في مراجعة الحاكم الشرعي إن كان هو الأصل بالتقرير

===============

( 211 )

المتقدم فهو لا يقتضي ولاية الحاكم على نصب القيم بنحو تكون له الولاية استقلا لا، نظير نصب الواقف ناظرا للوقف حينه، ونصب الموصي للوصي. بل غاية ما يقتضيه لزوم مراجعته والاستئذان منه أو النيابة عنه في تولي أمر اليتيم بعد القطع بعدم لزوم توليه بنفسه، وهو يقتضي لزوم مراجعة غيره بعده، لسقوط نظره بعد موته الموجب لسقوط إذنه وانعزال وكيله، كما تقدم في أول المسألة. وكذا لو فرض ثبوت ولايته بالخصوص إذا كانت كولاية الاب والجد، إذ هي تقتضي توليه له مباشرة أو توكيلا من دون ولايته على نصب القيم عليه بنحو يكون القيم هو الولي استقلا لا الذي قد يستلزم سقوط ولاية الحاكم، لاختصاصها بما لا ولي له. نعم، لو نصب الحاكم القيم بالوجه المذكور، احتمل نفوذ نصبه له، فيلزم الجمع بين نظره ونظر الحاكم الذي نصبه أو غيره، لاحتمال ولاية كل منهما، فلا متيقن في البين، كما يظهر بملاحظة ما تقدم في التنبيه الاول في ذيل المقام الثاني. وأما لو استفيد من الادلة ولاية الحاكم على نصب القيم على أن يكون مستقلا في التصرف - الذي هو مفروض المتن على الظاهر - فيتجه البناء على عدم انعزاله بموت المجتهد، لان الولاية والقيمومة بالمعنى المذكور منصب مستقل عن الحاكم وإن كانت تابعة له حدوثا، فهي في طول ولاية الحاكم حدوثا لا بقاء، فلا وجه لاناطتها بحياة الحاكم. ومنه يظهر اندفاع ما في الجواهر من الاستدلال على الانعزال بأن ولاية المنصوب فرع ولاية من نصبه. ولا أقل من كون بقائها مقتضى الاستصحاب لانها من الاحكام الوضعية القابلة للبقاء، والتي يكون جواز التصرف وضعا وتكليفا من أحكامها المترتبة عليها. من دون فرق على هذا الوجه بين جعل الحاكم المنصب المذكور للقيم عن نفسه وجعله عن الامام عليه السلام لو فرض نيابته عنه عليه السلام في ذلك. إذ الفرق بين الصورتين كالفرق بين جعل الناظر على الوقف من قبل المالك

===============

( 212 )

[ مسألة 25: حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه (1)، ] وجعله من قبل وكيله لا دخل له بما نحن فيه. فما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من جعل ذلك هو المعيار في الانعزال وعدمه غير ظاهر. نعم، لو فرض رجوع القيمومة إلى صرف النيابة عن الولي من دون أن يكون القيم بنفسه وليا اتجه فيه التفصيل المذكور. ثم إن الادلة المتقدمة - لو تمت - مختلفة من حيث إفادة ولاية الحاكم على نصب القيم بالوجه المذكور فقوله عليه السلام: (مجاري الامور...) وقوله عليه السلام: (وأما الحوادث الواقعة...) ظاهران في جعل الولاية والسلطنة للحاكم على التصرف بعد الفراغ عن مشروعيته في نفسه، فلا ينهضان بإثبات مشروعية نصب القيم بالوجه المذكور، إلا أن تثبت مشروعيته بدليل آخر. كما أنهما لا ينهضان بإثبات وكالته عن الامام عليه السلام في التوكيل عنه الذي أشرنا إليه قريبا. أما المقبولة وروايتا أبي خديجة فبناء على ظهورها في جعل مناصب الحكام والقضاة يتجه استفادة ولايته على نصب القيم منها، لان الظاهر أن سيرة القضاة والحكام على ذلك، وعدم الاقتصار على التوكيل والاستنابة عنهم. ولذا كان الظاهر من سيرتهم عدم انعزال المنصوب بعزل من نصبه أو نقله عن محل عمله أو موته، لما في ذلك من اضطراب الامور وتكثير الاعمال على المنصوب الجديد. ولعله لذا حكي عن الايضاح نفي الخلاف في عدم الانعزال، فتأمل جيدا. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. (1) الظاهر أنه في الجملة من المسلمات، وانما الخلاف بينهم في، مستثنياته. وقد تقدم في المسألة الحادية والعشرين الاشارة إلى وجهه، وأن العمدة فيه أن من لوازم نصب القاضي فصل الخصومة بقضائه ونفوذ حكمه.

===============

( 213 )

[ حتى لمجتهد آخر (1)، ] وحينئذ قكل من جاز الترافع إليه لدخوله في أدلة النصب، ينفذ حكمه وتفصل به الخصومة. ومع عدم جواز تجديد الخصومة لا موضوع للنقض، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ومجرد خطأ الحكم واقعا أو بنظر أحد المتخاصمين، أو بنظر ثالث، لا يكفي في تجديد الخصومة مع عموم دليل النصب المقتضي لفصلها. ولاسيما مع ابتناء القضاء للتعرض للخطأ وتفويت الحق، لعدم العصمة، كما اشير إليه في النصوص. (1) من دون فرق بين كونه أحد الخصمين وعدمه، لاطلاق دليل النصب المقتضي لنفوذ الحكم، المانع من إبقاء الخصومة لو كان على خلاف اجتهاد أحد الخصمين. ولاسيما بملاحظة أنه لو بني على جواز تجديد الخصومة حينئذ لزم عدم الفاصل لها. بل لانفتح باب الشقاق بدعوى المخصوم مخالفة الحكم لاجتهاده وإن لم يخالفه واقعا. بل لو بني على جوازه تعين جوازه مع مخالفته لتقليد أحد الخصمين أيضا، لعدم الفرق بينهما بعد استناد كل منهما للحجة الثابتة في حقه. بل لجاز النقض مع علم الخصوم أو قيام الحجة عنده على خطأ الحكم من حيث الموضوع وان حقه ثابت وإن لم يستطع إثباته لعدم البينة مثلا، وهذا مما يوجب لغوية القضاء. وحينئذ فإذا لم يجز تجديد الدعوى من المتخاصمين لم يجز النقض من غيرهما وإن كان مجتهدا له أهلية القضاء، لان ولاية القاضي على الحكم في الحق ونفوذ حكمه فيه موقوف على قيام الخصومة فيه. بل لو فرض استمرار الخصوم على الخصومة عصيانا فلا إطلاق لدليل نصب القاضي يشمل نظره في مثل هذه الخصومة، لينفذ قضاؤه فيها على خلاف قضاء الاول بنحو يستلزم نقضه، بل مقتضى إطلاق دليل نفوذ قضاء الاول الردع عن التخاصم والتحاكم للثاني وعدم مشروعية حكمه بل يلزم المخصوم بمقتضى

===============

( 214 )

الحكم الاول ابتداء من دون نظر في خصومتهما، لما أشرنا إليه في المسألة الحادية والعشرين من كون حكم الحاكم من سنخ الحجة التي يلزم بها المخصوم شرعا. ولعله لذا ذكر في الجواهر أن المعلوم - بل حكى الاجماع عليه بعضهم - عدم جواز نقض الحكم الناشئ عن اجتهاد صحيح باجتهاد كذلك، وإنما يجوز نقضه بالقطعي من إجماع أو سنة متواترة أو نحوهما. نعم، قد يظهر من غير واحد خلاف ذلك، ففي الشرايع: (لو قضى الحاكم على غريم بضمان مال وأمر بحبسه، فعند حضور الحاكم الثاني ينظر، فإن كان الحكم موافقا للحق ألزم، وإلا أبطله، سواء كان مستند الحكم قطعيا أو اجتهاديا. وكذا كل حكم قضى به الاول وبان للثاني فيه الخطأ، فانه ينقضه. وكذا لو حكم هو ثم تبين الخطأ، فانه يبطل الاول، ويستأنف الحكم بما علمه حقا). وقريب منه ما عن الارشاد، وفي القواعد على اضطراب في كلامه قد يوجه بما يأتي. وربما يحمل ما في الشرايع.. تارة: على صورة الخروج في مقدمات الاجتهاد والحكم عما يجب على الحاكم من الفحص والنظر تقصيرا أو غفلة، كما قد يظهر من مفتاح الكرامة في توجيه جميع كلماتهم في المقام. واخرى: على ما لو لم يقض الاول في الخصومة، بل كان الحبس قبل الحكم، كما في المسالك. وثالثة: على مجرد عدم حجية حكم الاول في حق الثاني بنحو يرتب جميع آثاره من الحبس أو استيفاء الحق. ورابعة: على صورة تراضي الخصمين بالترافع للثاني. وقد احتمل هذين الاخيرين في الجواهر. لكن لا مجال لجميع ذلك، إذ الاول - مع أنه محتاج إلى عناية خاصة يبعد حمل الكلام عليها من غير تنبيه - لا يناسب فرض كون مستند الحكم اجتهاديا في كلامه، لظهوره في رجوع الاول إليه وإن كان مخطئا فيه بنظر الثاني، لا أنه لم يرجع

===============

( 215 )

إليه أصلا، مضافا إلى عدم مناسبته لفرض النقض الظاهر في نفوذ الحكم الاول في نفسه لو لا النقض. نعم، ربما يتوجه الحمل المذكور في كلام القواعد ويرفع به الاضطراب الواقع فيه في بدو النظر، فراجع. ومنه مما سبق يظهر وهن الثاني لعدم مناسبته للنقض، بل هو خلاف صريح فرض قضاء الحاكم غير مرة في كلامه. وأما الثالث فهو - مع عدم مناسبته للتعبير بالنقض الظاهر في إبطال الحكم الاول، لا مجرد عدم حجيته في حق الثاني - لا يناسب التعميم لكل حكم ظهر خطؤه، الشامل لما لو لم يكن له أثر في حق الثاني. وأما الرابع فهو محتاج إلى عناية خاصة يبعد جدا حمل الكلام عليها من دون تنبيه. فالانصاف: ظهور كلامه في جواز النقض بظهور خطأ الحكم لاستناده إلى ما لا ينبغي الاستناد إليه بنظر الثاني مطلقا، ولا مجال لحمله على شي مما تقدم. نعم، لا يبعد تمامية الاخيرين في أنفسهما في الجملة.. أما الاول فلما تقدم في المسألة الحادية والعشرين من عدم الدليل على حجية حكم الحاكم في حق من لا يجب عليه تقليده، ومجرد فصل الخصومة به لا يقتضيه، فلا مجال لترتيب الحاكم الثاني الاثر على الحكم الاول مع ظهور خطئه عنده، بل هو نظير اليد التي تسقط عن الحجية بظهور فساد منشئها. غاية الامر أنه يبني على الصحة مع الشك في صحة الحكم، ولا يجب الفحص عن حاله بعد فرض أهلية الحاكم. ولعله لذا حكم في القواعد بأنه لا يجب على الحاكم تتبع أحكام من سبقة، خلافا لما يظهر من كلام الشرايع المتقدم، فتأمل. اللهم إلا أن يقال: إن حبس الممتنع إنما هو من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا وجب على المخصوم تنفيد الحكم ولو لم يكن حقا اتجه جواز حبسه لذلك.

===============

( 216 )

وفيه: أن الكلام في ولاية القاضي الثاني على الحبس واستيفاء الحق ونحوهما من آثار منصب القضاء، لا على مجرد حمل المخصوم على تنفيذ الحكم من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا يختص به، فافهم. وأما الثاني فلان تراضيهما بالرجوع للثاني لا ينافي نفوذ الاول وقطعه للتخاصم شرعا، فيخرج الثاني عن باب القضاء، لعدم الخصومة، بل هو نظير الفتوى وارد لمحض بيان الوظيفة. كما أنه يجوز للثاني مخالفة الاول، لما اشرنا إليه من عدم حجية حكم الاول في حقه بنحو يمنعه من الرجوع للادلة والحكم بمؤداها. نعم، لا مجال للبناء على لزوم تنفيذه في حقهما، لمنافاته لنفوذ الاول، فإن رضي المخصوم الثاني بالجري على طبقه فهو، وإلا كان اللازم تنفيذ الحكم الاول. فما يظهر من الجواهر من لزوم تنفيذ الثاني غير ظاهر. اللهم إلا أن يدعى أن الحكم موجب لنحو من الحق للمحكوم له في استيفاء حقه، وهو قابل للاسقاط، فتراضيهما بالرجوع للثاني راجع إلى اسقاطه الحق المذكور ورجوع الخصومة، فينفذ حكم الثاني لا غير. وفيه: أن الظاهر أن نفوذ الحكم من الاحكام الشرعية، ومطالبة المحكوم له مبنية على سلطنته على حقه الثابت له بالحكم، وهما من الاحكام الشرعية غير القابلة للاسقاط، وليسا من الحقوق. وكيف كان، فما ذكره في الشرايع من جواز نقض الحكم ممن يرى خطأه، لا مجال له بعد ما عرفت. نعم، قد يفرق بين القاضي المنصوب بالخصوص والحاكم المنصوب عموما بأنه قد يكون لنصب القاضي الخاص إطلاق يقتضي جواز النظر في الخصومات التي حكم بها سلفه أو وجوبه، فيتبع. أما الحاكم المنصوب عموما بحسب الادلة المتقدمة فلا إطلاق لنصبه يقتضي نقض حكم غيره، بل مقتضى إطلاق دليل النصب نفوذ حكم الاول وفصل الخصومة

===============

( 217 )

[ الا إذا علم مخالفته للواقع (1)، ] به، بنحو لا يبقى موضوع لحكم الثاني كما ذكرنا. ولا يبعد كون نظرهم في هذه الفروع للمنصوب الخاص، فلا ينافي ما ذكرنا. ثم إن ما ذكرنا من عدم جواز نقض الحكم لا يشمل نقض الحاكم لحكم نفسه عند ظهور خطئه له، لانصراف دليل نفوذ الحكم عن الحكم الذي يظهر خطؤه للحاكم نفسه، فما تقدم من الشرايع من جواز نقضه، بل وجوبه في محله، بل هو في الحقيقة لا يحتاج إلى النقض، لسقوطه بمجرد ظهور الخطأ لصاحبه وإن لم يصدر منه أو من غيره حكم آخر على خلافه. لكن يظهر من القواعد عدم نقضه له مع ظهور مخالفته لدليل ظني إذا كان مستندا حين الحكم إلى دليل ولو كان ظنيا ايضا، وهو لا يخلو عن اشكال، لما عرفت. (1) ذكر قدس سره في وجهه أنه بعد ظهور الادلة في عدم تبدل الواقع بالحكم بنحو يكون معتبرا بنحو الموضوعية الصرفة وانه من سنخ الامارات المتبعة، فيمتنع اعتباره مع العلم بالخلاف، ويتعين حمل أدلة حرمة الرد على غير هذه الصورة. ولعله لذا صرح في القواعد بوجوب نقض الحكم إذا خالف دليلا قطعيا وإن خفي على الحاكم. لكن عدم تبدل الواقع بالحكم لا ينافي وجوب تنفيذه بمعنى إنهاء الخصومة به ورضوخ المحكوم عليه له وإن كان محقا، الذي يمكن ثبوته مع العلم بالخطأ، بل لا إشكال في ثبوته معه لو كان الخطأ في الموضوع، كما تقدم التعرض له هنا وفي المسألة الحادية والعشرين. ولعله لذا لم يستبعد في الجواهر وجوب تنفيذ الحكم وإن كان مخالفا لدليل قطعي نظري كاجماع استنباطي وخبر محفوف بقرائن وأمارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الاخر، وقد تقدم في المسألة الحادية والعشرين أن وجوب التنفيذ وحرمة الرد بالمعنى المذكور لا يلازم حجية الحكم، بل تكون

===============

( 218 )

[ أو كان صادرا عن تقصير في مقدماته (1). ] حجيته مشروطة بعدم ظهور الخطأ. نعم، لو كان نفوذ الحكم متقوما بحجيته، كما في الحكم بالهلال ابتداء من دون تعلق الخصومة به - بناء على نفوذ حكم الحاكم فيه - اتجه اختصاصه بما إذا لم يعلم بخطئه، لامتناع جعل الحجية مع العلم، كما ذكره قدس سره. بل لا يبعد البناء على عدم حجيته في حق من ثبت عنده خطأ المستند، كما لو علم بخطأ البينة في دعوى الرؤية، وإن احتمل وجود الهلال واقعا. وكذا مع ظهور الخطأ في الاستناد، كما لو اعتمد على الشياع الظني إذا لم يكن حجة عند المكلف، أو على شهادة الفاسق باعتقاد عدالته، وغير ذلك مما يرجع إلى الخطأ في الحكم الكلي أو الموضوع الخارجي. لخروج جميع ذلك عن المتيقن من حجية الحكم حينئذ، لانحصار الدليل عليه بالنصوص المتقدمة بناء على أن جعل الفقيه قاضيا يقتضي توليه جميع مناصب القضاة ومنها الحكم بالهلال. ولا إطلاق لها يقتضي حجية الحكم في حق كل أحد، والمتيقن من سيرتهم على الحجية ما عدا الصور المذكورة، وهذا بخلاف إطلاق جعله قاضيا في الخصومة، فانه ملازم لفصل الخصومة بحكمه، كما تقدم. ولا مجال للتمسك باطلاق قوله عليه السلام في مقبولة ابن حنظلة: (فإذا حكم بحكمنا...) فإنه وإن كان ظاهرا في الحجية، إلا أنه مختص بالقضاء في الخصومات، ومنزل على خصوص موارد الشبهات الحكمية التي لهم: فيها حكم، ومرجع الحجية فيه إلى حجية قول العالم في حق الجاهل، كما تقدم في المسألة الحادية والعشرين. نعم لا يبعد البناء على صحة الحكم عند الجهل بحاله، كما تقدم. هذا ومما تقدم في المسألة السابقة يظهر عدم كون الحكم في الهلال من وظائف الحاكم، فهو خارج عن محل الكلام. (1) كما لو قصر في الفحص عن الادلة، فإن الحكم مع التقصير المذكور موجب لفسق الحاكم الموجب لعدم أهليته للحكومة شرعا.

===============

( 219 )

[ مسألة 26: إذا نقل ناقل ما يخالف فتوى المجتهد وجب عليه إعلام من سمع منه ذلك (1)، ] وقد صرح قدس سره في كتاب الصوم بسقوط الحكم أيضا إذا فقد بعض الشرائط غفلة من الحاكم، كما لو حكم تعويلا على شهادة الفاسقين غفلة عن فسقهما أو عن اعتبار عدالة الشاهد، كما صرح في مباحث الاجتهاد بانصراف إطلاق نفوذ الحكم عن الحكم الجاري على خلاف موازين الاستنباط عمدا أو سهوا أو نسيانا. والعمدة في جميع ذلك: أن ما تضمنته نصوص النصب من اعتبار كون الحاكم ممن نظر في الحديث وعرف الحلال والحرام، ظاهر في اعتبار استناد الحكم إلى المعرفة الناشئة من الادلة الشرعية بالنحو المعتبر شرعا، فمع عدم استناد الحكم يكن للمعرفة أو عدم استناد المعرفة للادلة الشرعية بالنحو المعتبر شرعا لا تنهض الادلة باثبات نفوذ الحكم وإن كان ذلك ناشئا عن الغفلة من الحاكم، فإن الغفلة إنما تقتضي معذوريته، وهو لا ينافي خروجه عن أدلة النفود. هذا، وقد عرفت من مفتاح الكرامة حمل ما ذكروه من جواز النقض على خصوص ذلك. وهو إن توجه في بعض كلماتهم لا مجال له في جميعها، خصوصا كلام الشرايع المتقدم، فلاحظ. (1) هذا ظاهر بناء على عموم حرمة التسبيب للحرام، إما لان استناد الفعل إلى السبب أقوى، فنسبه الفعل إليه أولى. أو لما ذكره بعض مشايخنا من أن المرتكزات العرفية تقتضي حرمة التسبيب للحرام كما يحرم مباشرته، فإن بيان الحكم على خلاف الواقع سبب في وقوع الحرام من الجاهل، فيحرم. وأما ما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من أن الاستناد إلى الفتوى إنما يقتضي حرمتها لو كانت عمدا، والمفروض خلافه، وترك الاعلام الذي هو محل الكلام غير مستند إليه العمل.

===============

( 220 )

فيندفع: بأن المرتكز عرفا ليس هو حرمة التسبيب مولويا في مقابل عمل المباشر - نظير حرمة الكذب - بل تحمل المسبب مسؤلية العمل المستند إليه وصحة عقابه لاجله، وحينئذ فامتناع عقاب الغافل عقلا إنما يقتضي عدم مسؤليته بالعمل الواقع حال غفلته عن الخطأ، دون ما يقع بعد التفاته إذا كان قادرا على منعه بالاعلام، فيجب عقلا منعه لئلا يستند إليه بالتسبيب ويتحقق عنوان التسبيب بالاضافة إليه، فهو نظير من فعل ما يؤثر الحرام غفلة ثم التفت قبل تأثيره، فإنه يجب عليه رفعه قبل التأثير لئلا يستند إليه الفعل بالتسبيب. لكن يشكل ثبوت عموم حرمة التسبيب، لاندفاع الاول بأن مجرد دخل السبب لا يصحح نسبة الفعل للمسبب في ما هو محل الكلام مما كان المباشر مختارا في فعله، كيف ولا إشكال في صحة نسبته للمباشر وحرمة الفعل عليه واقعا وترتب آثار في حقه من الضمان ونحوه. واندفاع الثاني بالمنع من اقتضاء المرتكزات للحرمة إلا فيما إذا كان المباشر فاقدا للاختيار، بحيث يصح نسبة الفعل للمسبب. نعم، قد يحرم في غير ذلك من جهات اخر، كما لو علم من الشارع تحريم الفعل بحيث يجب على كل أحد منعه، كقتل المؤمن وتنجيس المسجد، لمنافاة التسبيب لوجوب المنع. وكذا لو كان المباشر ملتفتا للحرمة وكان التسبيب مبنيا على الاكراه على الحرام والترغيب فيه أو التشجيع عليه أو نحوها مما يبتني على حب المعصية والاغراء بها وترويجها، لما في ذلك من هتك لحرمة المولى وانتهاك للشرع الاقدس. بل حرمة ذلك أولى من حرمة الرضا بالمعصية وإقرارها ووجوب الانكار للمنكر باليد واللسان والقلب ولعله على هذا يبتني ما ورد من حرمة سقي الخمر وحملها وصنعها والشهادة على الربا وكتابته. أما مع عدم تنجز الحرمة في حق المباشر بحيث يكون التسبيب لذات الحرام لا من حيث كونه معصية فلا إشكال في حرمة الاكراه لكن بملاك الظلم والتعدي على المكره لا بملاك التسبيب للحرام، ولا يتضح وجه تحريم ما عدا ذلك،

===============

( 221 )

كالتشجيع والترغيب، فضلا عن مجرد التغرير والاشباه إذا لم يستلزم الكفر المحرم، كما لو أظهر أنه يغتسل بالماء المتنجس ليتخيل الغير أنه طاهر فيغتسل به، مع أنه لا يريد في الواقع إلا تبريد جسمه به. بل من البعيد جدا الالتزام بحرمة التسبيب في مثل إخبار العامي بفتوى مقلده مع علم المخبر أو قيام الدليل عنده على خطئها، وفي مثل الترغيب في بعض المستحبات ببيان كبرياتها وإن حرمت على خصوص شخص لجهله بكونه فاقدا لشرائطها بنحو الشبهة الموضوعية، بأن يبين فضل كنس المسجد لجماعة يعلم أن فيهم جنبا يجهل جنابته، فيكون بيانه سببا في دخوله للمسجد وغير ذلك. فالظاهر أن حرمة التسبيب بخصوصيته تحتاج إلى دليل خاص، مثل ما دل على عدم جواز بيع الدهن المتنجس إلا مع الاعلام بنجاسته، وما ورد في حرمة الاعانة على قتل المؤمن ولو بشطر كلمة وغير ذلك، ولا مجال للبناء على عموم الحرمة فيه. نعم، قد يستدل على حرمة التسبيب في خصوص المقام وهو التضليل والاشباه في بيان الاحكام الكلية بما تضمن أن المفتي ضامن، وأن على من أضل قوما وزرا مثل وزرهم، كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: (كان أبو عبد الله عليه السلام قاعدا في حلقة ربيعة الرأي، فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة، فأجابه، فلما سكت قال له الاعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يرد عليه شيئا، فأعاد المسألة عليه، فأجابه بمثل ذلك، فقال له الاعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: هو في عنقه، قال أو لم يقل، وكل مفت ضامن) (1)، فإن الضمان ظاهر في تحمل تبعة العمل ووزره. وصحيحة أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام: قال: (من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل به ولا ينقص اولئك من اجورهم شيئا، ومن علم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به، ولا ينقص اولئك من أوزارهم شيئا) (2)


____________
(1) الوسائل ج 18، ص 161، باب 7 من أبواب آداب القاضى، حديث 2. (2) الوسائل ج 11، ص 436، باب 16 من كتاب الامر باالمعروف والنهى عن المنكر، حديث 2. .

===============

( 222 )

ومرسل عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال أبو عبد الله عليه السلام: (لا يتكلم الرجل بكلمة حق يؤخذ بها إلا كان له مثل أجر من أخذ بها، ولا يتكلم بكلمة ضلال يؤخذ بها إلا كان عليه مثل وزر من أخذ بها) (1)، فإن خلاف الواقع ضلال وإن كان في الفروع، فتأمل. ويؤيد ذلك ما ورد في من سن سنة حسنة أو سيئة، أو دعا للحق أو الضلال، أو أفتى الناس بغير علم ونحو ذلك، فإن المستفاد من جميع ذلك أن هذا النحو من التسبيب يقتضي الاشتراك في إثم العمل وأجره، وهو المناسب للمرتكزات المتشرعية في المقام من اهتمام الشارع بحفظ الاحكام الكلية وتبليغها ونشرها وتنفيذها، ومن تحمل المفتي لمسؤولية العمل المترتب على فتواه، ولعله لذا سمي التقليد تقليدا، كما تقدم في المسألة الرابعة. ثم إن إطلاق النصوص المذكورة كما يعم ما إذا أفتى المجتهد غفلة عن مفاد الادلة، كذلك يعم ما إذا أخبر العامي عن رأي المجتهد الذي يجب تقليده، لاشتراكهما في بيان الوظيفة الفعلية للمكلف، والخطأ من كليهما معرض له للوقوع في خلاف الواقع الفعلي الثابت في حقه لو لا الجهل، وليست نسبة الناقل للمجتهد إلا كنسبة المجتهد للامام عليه السلام ونسبة الامام عليه السلام لله سبحانه وتعالى في نقل الاحكام. نعم، يشكل عمومه لما إذا كان الخطأ في بيان فتوى من لا يرى المخبر حجية فتواه في حق الجاهل وإن اعتقد الجاهل حجيتها غفلة عن حقيقة الحال أو لقيام الحجة عنده إذا كان المخبر يرى خطأ الحجة المذكورة مع كون الحكم الفعلي في حقه بنظر المخبر على طبق ما أخبره، إذ لا وزر لعمله بنظره حتى يتحمله ويكون ضامنا له وكذا لو لم يكن الخطأ معرضا للجاهل في مخالفة الواقع بأن علم بعدم استناده في مقام العمل إليه ولو لعدم كونه في مقام العمل أصلا. كما أنها لا تعم الخطأ في الموضوع، لعدم صدق المفتي على المخبر به، وانصراف الضلال عنه، فلا مجال للبناء على وجوب التنبيه على الخطأ في مثل ذلك.


____________
(1) المصدر السابق، ص 437، حديث 4.

===============

( 223 )

بل قد يدعى جواز تعمد الاشباه والتغرير بنحو لا يستلزم الكذب من تورية ونحوها. وإن كان قد يشكل بأنه نظير التدليس في الشهادة مما تأباه المرتكزات جدا، بل المسؤول من سنخ الامين، فتغريره مناف لامانته ارتكازا، والامر محتاج إلى تأمل. ثم إنه قد يستدل على وجوب التنبيه على الخطأ بما دل على وجوب تبليغ الاحكام، كآيتي النفر والكتمان، وغيرهما مما تضمن وجوب بذل العلم لاهله وحرمة كتمانه عنهم، وأن الله تعالى لم يأخذ على الجهال أن يطلبوا العلم حتى أخذ على العلماء أن يبذلوه. وحيث كان الاستدلال المذكور موقوفا على معرفة مقدار التبليغ الواجب كان المناسب الكلام في مفاد الادلة المذكورة، فنقول: المستفاد من آية النفر وجوب الانذار في كل مورد يكون حجة موجبا للحذر، سواء كان الجهل عذرا أم لا، ومجرد وجود الداعي الفعلي للحذر في الصورة الثانية في الجملة لا يوجب قصور الاية عن ايجاب الانذار، خلافا لما يظهر من سيدنا المصنف قدس سره. لان جعل الحذر غاية للانذار ليس لوجوبه من باب الاحتياط الناشئ عن الاحتمال، ليقصر عما إذا كان واجبا قبله، لفرض عدم كون الجهل عذرا، بل للكفاية عن حجية الانذار، التي لا تنافي سبق وجوب الحذر عقلا، لعدم كون الجهل عذرا، فهي تدل على وجوب الانذار في كل مورد يكون حجة. على أن عدم كون الجهل عذرا إنما يستلزم وجود الداعي العقلي مع الالتفات لا مع الغفلة وإن كانت عن تقصير، فإن الغفلة المذكورة وإن لم تمنع من العقاب عقلا، إلا أنها لا توجب حدوث الداعي العقلي الراجع إلى وجوب الحذر عقلا، لتوقفه على الالتفات، فلاحظ. ثم إن الفرق بين الوجهين يظهر فيما لو كان الجاهل مقصرا وخبر المنذر حجة عليه، وفيما لو كان الجاهل معذورا وخبر المنذر ليس حجة عليه إلا أنه مثير للاحتمال الموجب للفحص والاحتياط، فعلى ما ذكرنا يجب الانذار في الصورة الاولى دون الثانية، وينعكس الامر على ما ذكره قدس سره.

===============

( 224 )

وأما آية الكتمان فهي ظاهرة في وجوب البيان للجاهل مطلقا سواء كان جهله عذرا أم لا، سواء كان اخبار العالم حجة في حق الجاهل أم لا، بل كان يعمل عليه غفلة عن عدم حجيته، أو لكونه مثيرا للاحتمال المقتضي للاحتياط وإن لم يكن لازما. بل مقتضى إطلاقها وجوب البيان حتى مع العلم بعدم ترتب العمل إذا كان يترتب عليه بعض الفوائد المرغوبة للشارع، مثل عدم ضياع الحق، أو صيرورته موردا للاحتمال المستدعي للنظر والفحص، أو إقامة الحجة على من ليس في مقام التمرد ابتداء وإن علم بتسامحه عن الامتثال، لاستثقاله له بعد العلم. نعم، لو فرض كونه في مقام التمرد على الحق قبل الاعلام والاعراض عنه ابتداء - حيث لا يزيد البيان في إقامة الحجة عليه، لقيام الحجة عليه بتمرده - أو كان معتمدا في العمل على طريق آخر ولا يترتب على الاعلام إلا مجرد معرفة رأي المخبر أشكل شمول الاطلاق له، فإن مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية تقتضي كون تحريم الكتمان بلحاظ ما يترتب على البيان من الفوائد، لا لكونه مطلوبا تعبدا، ولا يبعد انصراف جميع أدلة المقام عنه، كما سيأتي. ثم إن ظاهر سيدنا المصنف قدس سره اختصاص الاية بما إذا كان الجاهل في مقام الاستعلام ومعرفة الواقع وإن لم يتحقق منه السؤال، لغفلته عنه، وكأنه لعدم تحقق الكتمان بمجرد عدم البيان، بل لابد معه من كون الكاتم في مقام الاخفاء والتستر بما عنده، وهو إنما يكون مع كون الجاهل في مقام الاستعلام والاهتمام بتحصيل الواقع، دونما لو لم يكن كذلك. لكن هذا - لو تم - اقتضى عدم وجوب البيان إذا لم يكن العالم في مقام الاخفاء والتستر وطمس اعلام الحق، بل كان عدم البيان لانشغاله، أو لاستثقال تفهيم الجاهل أو لنحو ذلك مما لا يرجع إلى الاهتمام بإخفاء الواقع وتضييعه. ولا يظن منه قدس سره الالتزام به. فالانصاف: أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي إلغاء خصوصية الكتمان فإن المنسبق عرفا أن تحريم الكتمان في الاية ليس لملازمته لمعاداة الحق والاهتمام بطمسه والرغبة في ضلال الناس، بل لملازمته لضياع الحق وانطماسه المنافي للغرض من بعث الرسل وبيان الاحكام في الكتب.

===============

( 225 )

كما يناسبه قوله تعالى: (من بعد ما بيناه للناس في الكتاب)، وقوله سبحانه: (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فاولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم)، لاشعار الاول بعلة الحكم، وظهور الثاني في توقف التوبة على التبيين المشعر أو الظاهر في كون المحرم مجرد عدم البيان، لا خصوصية الكتمان. ولعل ذكر الكتمان لمناسبته لمورد الاية، بناء على نزولها في علماء أهل الكتاب تنبيها لشدة جرمهم، لا بتناء عدم البيان منهم على الكتمان والاهتمام بإخفاء الحق. نعم، لا يبعد انصراف الاية وغيرها من أدلة المقام عما لو كان الجاهل في مقام الاعراض عن الواقع وعدم الاهتمام بمعرفة الحكم، كما تقدم ويأتي، ولا يكفي مجرد عدم كونه في مقام الاستعلام لغفلته ولو تقصيرا. ومما ذكرنا يظهر أن هذه الاية أعم من آية النفر مطلقا لا من وجه. كما أن الظاهر أنها أعم من بقية أدلة المقام التي أشرنا إليها، إلا أن ذلك لا يقتضي تخصيصها بها، لعدم التنافي بينها بعد اتفاقها معها في الاثبات. إذا عرفت هذا ظهر وجه الاستدلال بهذه الادلة على وجوب الاعلام بالخطأ في المقام، لاطلاق آية الكتمان. بل حيث يكون الجاهل في مقام العمل والاهتمام بالواقع فهو يدخل في المتيقن من الاية. كما أنه لو كان المخبر ثقة عند الجاهل كان قوله حجة في حقه، فيدخل في آية النفر. نعم، الادلة المذكورة كما تقتضي وجوب الاعلام من المخبر الاول، كذلك تقتضي وجوبه من غيره ممن يعلم الحكم، ومن ثم استدل بها سيدنا المصنف قدس سره في المقام. لكن ذكر بعض مشايخنا أنه لا مجال للاستدلال بالادلة المذكورة في المقام، لان المراد من وجوب التبليغ فيها بيان الاحكام بنحو يتمكن العامي من الوصول إليه حتى لا يندرس الدين، وذلك بمثل طبع الرسالة العملية والتهيؤ للافتاء، لا بايصال الحكم لكل فرد فرد من المكلفين بتحري أماكنهم وملاحقتهم بأشخاصهم، ليجب تنبيه الجاهل بخطأ البيان الواصل إليه سابقا في المقام، لعدم دلالة الادلة المذكورة على ذلك ولم يلتزم به الائمة عليهم السلام فضلا عن غيرهم، وإنما وجب على

===============

( 226 )

النبي صلى الله عليه واله بالمقدار الممكن دون بقية المكلفين. وفيه - مع عدم وضوح الفرق بين سيرة النبي صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام -: أن ظهور الادلة المتقدمة في وجوب البيان الفعلي للمكلفين مما لا ينبغي أن ينكر، ولا يتضح خروجه عن سيرة الائمة عليهم السلام، وما اكثر البيانات الابتدائية منهم عليهم السلام ولذا كان المعروف عندهم حجية تقرير المعصوم، مع أن التقرير لا يكون ظاهرا في مشروعية العمل المقرر إلا بضميمة وجوب البيان الفعلي للجاهل، ولا يكفي تمكنه من العلم بالاستفتاء، وإلا لم يكن إقرار العمل غير المشروع مع التمكن من الانكار منافيا لوظيفة الامام، ليكشف الاقرار عن مشروعية العمل، كما لعله ظاهر. نعم، لا إشكال في عدم ابتناء التبليغ على ملاحقة كل فرد في بيته والفحص عن علمه وجهله، لما في ذلك من الحرج الشديد على المبلغين واختلال نظام أمورهم، خصوصا مع ابتناء الناس على التقصير في الفحص والتسامح في التعلم. إلا أن المتيقن من ذلك ما إذا احتمل علم المكلف، أو عدم ابتلائه بالحكم، أو كونه في مقام التمرد وعدم الاهتمام بتحصيله والعمل به. وكذا لو فرض لزوم محذور من حرج ونحوه في التبليغ فلا إشكال في عدم وجوبه أيضا. كل ذلك للسيرة على عدم اهتمام أهل العلم بالتبليغ حينئذ الموجب لرفع اليد عن الادلة المتقدمة. بل لعلها منصرفة عن ذلك تنزيلا لها على المتعارف من وظيفة العلماء عرفا في سائر الموارد، لخروج ذلك عن وظيفتهم المذكورة. بل لعلها قاصرة عن اثبات وجوب التعليم مع احتمال علم المكلف، لانه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فتأمل. أما لو فرض العلم بجهل المكلف وابتلائه بالحكم وعدم إحراز التمرد منه عليه وعدم المحذور في البيان فلا وجه لعدم وجوب تبليغه بعد عموم الادلة المتقدمة وكونه من وظائفه عرفا وعدم المخرج عنها من سيرة أو غيرها. على أن ما ذكره من لزوم بيان الاحكام بنحو يتمكن العامي من الوصول لها لا ينافي وجوب التنبيه للخطأ في المقام، لان الجاهل بعد فرض اعتقاده للحكم على خلاف الواقع واعتماده فيه على التعليم الخاطئ يتعذر في حقه عرفا الوصول له من الطرق المتعارفة، كالرسالة العملية ونحوها، لعدم الداعي مع ذلك لننظر فيها،

===============

( 227 )

خصوصا إذا كان ما اعتمد عليه حجة في حقه، لعدم الداعي له حينئذ للرجوع للطرق المذكورة. إلا أن يكتفى بالتمكن العقلي، لامكان اطلاعه صدفة على الواقع بلا إشكال. لكن لا يظن من أحد الالتزام به، كيف ولازمه عدم وجوب الافتاء عند الاستفتاء، لامكان اطلاع العامي على الحكم من طريق آخر ولو صدفة. ثم إن المتيقن من أدلة المقام وجوب الاعلام مع استلزام الخطأ فوت التكليف الالزامي، وأما في غير ذلك - كما لو أفتى بالحرمة في مورد الاباحة، أو بالاباحة في مورد الاستحباب - فقد يدعى عدم وجوب الاعلام بالخطأ، لقصور الادلة المتقدمة عنه. وهو مسلم في آية النفر، لاختصاصها بالانذار الذي لا يجري في بيان الاحكام غير الالزامية التي لا تستلزم العقاب. وأما آية الكتمان فلا وجه لقصورها، لان الحكم غير الالزامي - إباحة كان أو غيرها - من الهدى الذي بينه الله في الكتاب. ودعوى: أن سبب الهداية هو الاحكام الالزامية فحسب - كما ذكره بعض مشايخنا - كما ترى، إذ ظاهر الهدى في المقام ما هو الحق من امور الدين التي بينها الله في الكتاب، وهو يعم جميع الاحكام. وكذا ما ذكره من أن عدم وجوب تعلم الاحكام المذكورة - لان وجوبه من الاحكام الطريقية مقدمة للامتثال غير اللازم في الاحكام غير الالزامية - ملازم لعدم وجوب تعليمها إذ لا منشأ للملازمة، ولا سيما بعد كون الغرض من التعليم حفظ الدين من الاندراس وتتميم الغرض من جعل الاحكام وتبيانها في الكتب، فلو جاز اخفاء الاحكام المذكورة لم يتحقق الغرض من جعلها وبيانها. نعم، لا إشكال في عدم عموم وجوب بيانها لسيرة العلماء على عدم الاهتمام بها كالاحكام الالزامية، إلا أن المتيقن من ذلك ما إذا لم يهتم الجاهل بتحصيلها، أما مع اهتمامه بها وطلبه لها - كما هو المفروض في المقام - فلا يبعد البناء على وجوب الاعلام، لعدم وضوح المخرج حينئذ عن عموم الاية. فتأمل. هذا، مع أنه لا يبعد أن يتمسك لوجوب الاعلام في المقام بما تضمن بأن

===============

( 228 )

[ وكذا إذا تبدل رأي المجتهد وجب عليه إعلام مقلديه (1). ] المفتي ضامن، لان العامل على طبق الحكم الالزامي للخطأ في اعتقاد ثبوته وإن لم يقع في محرم ذاتي، إلا انه يقع في محرم تشريعي، فإن التعبد بالفعل على خلاف حكمه الشرعي لا يبعد كونه مبغوضا للشارع وإن كان الفاعل معذورا. كما أنه لو كان الخطأ موجبا لفوت الحكم الاقتضائي غير الالزامي - كالاستحباب والكراهة - فالمكلف وإن لم يقع في محرم، إلا أنه لا يبعد حرمة التسبيب لذلك بالفتوى لما هو المرتكز من حرمة منع الخبر وان لم يكن واجبا، فما دل على ان المفتي ضامن يقتضي حرمة التسبيب بطريق الفتوي، وإن كان لابد من التأمل في جميع ذلك، والله سبحانه وتعالى العالم العاصم وهو ولي التوفيق. (1) لعدم الفرق بينه وبين ما تقدم في الادلة المتقدمة المقتضية لوجوب الاعلام بالخطأ، فإن العدول عن الفتوى راجع إلى انكشاف الخطأ للمفتي في فتواه الاولى. وما ذكره بعض مشايخنا من أن التسبيب يستند إلى الشارع، لاستناد حجية الفتوى السابقة إليه، لا يختص بالمقام، بل يجري في ما سبق أيضا، لعموم ما سبق لما إذا كان النقل حجة في حق الجاهل. إلا أنه لا ينافي صدق التسبيب في حق الناقل أيضا، من حيثية كون فتواه ونقله سببا في الوقوع في مخالفة الحكم الفعلي بنظر المخبر بعد انكشاف الخطأ وتبدل الرأي. مع دخوله في ما تضمن أن المفتي ضامن، وأن عليه وزر من تبعه، وفي أدلة وجوب الاعلام التي تقدم الاستدلال بها للمقام. هذا، وظاهر الجواهر وجوب الاعلام مع العدول لدليل قطعي، لانه حينئذ خلاف الحق والصواب، فيجب رفعه لئلا يقع الناس في غير الحق ولا يبقى الباطل معمولا به ومعتقدا لاحد، بخلاف ما إذا كان العدول لدليل ظني، لان المقلد العامل باستصحاب بقاء مقلده على فتواه معذور ولا إثم عليه، فلا أمر بالمعروف

===============

( 229 )

[ مسألة 27: إذا تعارض الناقلان في الفتوي، فمع اختلاف التاريخ واحتمال عدول المجتهد عن رأيه الاول يعمل بمتأخر التاريخ (1)، ] بالنسبة إليه. وفيه: أنه لو كان الوجه لوجوب الاعلام في القطعي كون الفتوى الاولى خلاف الحق والصواب، لجرى مع الظني، لعدم الفرق بين العلم الحقيقي وقيام الحجة في لزوم العمل وترتيب أثر الواقع. وإن كان الوجه في عدم وجوب الاعلام مع الظني كون المقلد معذورا، فلا أمر بالمعروف بالنسبة إليه، لجرى في القطعي، لان قطع المجتهد لا ينافي شك العامي واستصحابه وعذره. فالعمدة في وجوب الاعلام ما عرفت، وهو يجري في القطعي والظني بعد فرض حجيته، فلاحظ. (1) لعدم معارضة الاول له، ليسقط عن الحجية. ومن هنا يكون حاكما على استصحاب عدم عدوله وبقائه على فتواه التي نقلها الاسبق تاريخا. ومنه يظهر عدم الفرق بين كون الفتوى في الزمان السابق منقولة بخبر الثقة وكونها معلومة، إذا العلم بها لا ينافي العدول الذي اقتضاه خبر الثاني. اللهم إلا أن يقال: لا ينحصر الوجه في عدم العدول بالاستصحاب، بل لعله يشكل الاعتماد عليه فيه، كما سبق في المسألة الثانية والعشرين. بل هو مقتضى بناء العقلاء على عدم عدول صاحب الرأي عن رأيه، وحينئذ فيعارض أصالة عدم الخطأ والغفلة من الناقل الاخر أو من المجتهد في بيان الحكم له، لكونهما معا أصلين عقلائيين لا حكومة لاحدهما على الاخر. ودعوى: بناء العقلاء على ترجيح أصالة عدم الخطأ على أصالة عدم العدول، غير ظاهرة بوجه معتد به. نعم، لو فرض إخبار الناقل بالعدول فلا إشكال في رفع اليد عن أصالة عدمه،

===============

( 230 )

[ وفي غير ذلك يرجع إلى الاوثق منهما (1)، وإن تساويا في الوثاقة عمل بالاحتياط (2)، ] لانه من قبيل الدليل بالنسبة إلى الا صل. (1) يظهر منه قدس سره أن الوجه فيه عموم أدلة الترجيح بالاوثقية في الاخبار للمقام، لرجوع الاخبار فيه إلى الاخبار بالحكم الكلي، نظير ما تقدم منه في أواخر المسألة التاسعة عشرة من ثبوت العدالة بخبر الثقة. والذي ينبغي أن يقال: أن الترجيح بالاوثقية إن كان منشؤه أخبار الترجيح، فهي قاصرة عن شمول محل الكلام، لاختصاصها بالتعارض في الحديث والرواية ونحوها من العناوين المختصة بنقل سنة المعصوم وما هو من شؤونها كبيان موردها دون المقام، وإن كان منشؤه بناء العقلاء على ترجيح الاوثق عند التعارض كان شاملا لمحل الكلام بلا إشكال. هذا، والظاهر هو الثاني، كما تقدم نظيره في المسألة المذكورة. نعم، لابد من كون الاوثقية بمقدار معتد به، وإلا كان إعمال قواعد التعارض متعينا، كما تقدم نظيره في الاعلمية. ثم إن ظاهر غير واحد أنه مع العمل بمتأخر التاريخ أو بالاوثق فلا يحتاج للفحص حتى مع التمكن منه. لكن الظاهر اختصاص ذلك بتعذر الفحص، ويجب الفحص مع تيسره بالوجه المتعارف، لوجوب تعلم الاحكام المقتضي لوجوب الفحص عنها مع الاعتداد باحتمال خطأ الحجة، لوجوب استفراغ الوسع فيها. ولاسيما مع عدم وضوح بناء العقلاء على الترجيح المذكور مع التمكن من الفحص. فتأمل. (2) وليس له اختيار أحدهما، لاصالة التساقط مع التعارض الموجب لعدم الحجة في البين، ولا دليل على التخيير في المقام، إذ المتيقن من الاجماع ثبوته مع

===============

( 231 )

[ على الاحوط وجوبا (1)، حتى يتعين الحكم. مسألة 28: العدالة المعتبرة في مرجع التقليد (2)، عبارة عن الملكة (3)، ] اختلاف المجتهدين لا غير. (1) بل الاظهر مع القدرة على الفحص من المجتهد، لعدم جواز الرجوع للبراءة في حق العامي حينئذ، كما لا يجوز الرجوع لغير المقلد من المجتهدين مع احتمال المخالفة بناء على ما تقدم في المسألة الثامنة. وأما مع تعذره فلا يبعد جواز الرجوع لمجتهد آخر الاعلم فالاعلم. ومع تعذره يبتني الكلام في الرجوع للاحتياط أو البراءة على ما تقدم من الاصل عند اختلاف المجتهدين، وأنه هل يجوز الرجوع للاصول الترخيصية حينئذ. ولا يبعد جواز الرجوع للبراءة مع الشك في التكليف، لعدم المانع وهو العلم الاجمالي، لقلة مثل هذه المسألة فراجع ما تقدم في المسألة السابعة وغيرها، وتأمل جيدا. (2) الظاهر أنه قدس سره بصدد بيان العدالة التي هي موضوع الاحكام الشرعية من إمامة الجماعة وقبول الشهادة ونحوهما، ولا خصوصية عنده قدس سره لما يعتبر في مرجع التقليد، وهو الذي يقع الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وإن كان لا يبعد اختصاص مرجع التقليد بخصوصية يأتي التنبيه إليها إن شاء الله تعالى بعد الكلام في مفهوم العدالة. (3) كما نسب إلى العلماء، وعن مصابيح الظلام أنه المشهور بين الاصحاب، وعن مجمع البرهان أنه مشهور بين عامة العامة والخاصة. لكن في الجواهر: (ولعل المراد المتأخرون، وإلا فقد عرفت أن المتقدمين لم يأخذ أحد منهم ذلك في تعريفهم. بل في الكفاية وعن الذخيرة لم أعثر على هذا التعريف لغير العلامة).

===============

( 232 )

وكيف كان، فالمستفاد من كلماتهم تحديد العدالة.. تارة: بأنها ظاهر الاسلام مع عدم ظهور الفسق، كما عن ابن الجنيد والمفيد والشيخ في الخلاف وظاهر المبسوط، وعن شهادات السرائر تفسير العدالة في الدين بذلك ايضا. واخرى: بأنها حسن الظاهر، كما هو المحكي عن جماعة، بل عن محكي كاشف الغطاء في حاشية المعالم الاجماع على أن المراد بها ذلك في كل مقام اشترطت فيه، وعن شرح المفاتيح أنه لم يستحضر الخلاف فيه إلا من ابن الجنيد. وثالثة: بأنها الملكة الباعثة على اجتناب المعاصي الكبيرة أو مطلق المعاصي أو مع اجتناب منافيات المروءة، وهو المحكي عمن عرفت. ورابعة: بأنها اجتناب المعاصي عن ملكة، كما عن المفيد في المقنعة. وخامسة: بأنها اجتناب المعاصي من دون أخذ الملكة فيها، كما عن الحلي في باب الجماعة، واختاره بعض مشايخنا. ولا ينبغي الريب في بطلان الاولين، لما هو المعلوم من اجتماعهما مع ارتكاب المعصية واقعا الموجب للفسق بلا إشكال. فلو كانت العدالة ثبوتا تابعة لهما لزم اجتماع الفسق والعدالة، مع وضوح التضاد بينهما. ولعل مراد القائل بهما كونهما طريقا لاحراز العدالة شرعا، كما هو مقتضى الجمع بين أدلتهما وأدلة شرح العدالة. ولعل ذلك هو مقتضى الجمع بين كلماتهم في المقام، بل ظهور بعضها أو صراحته، فيكون القولان المذكوران أجنبيين عن محل الكلام راجعين إلى ما تقدم في المسألة التاسعة عشرة من الكلام في طرق إثبات العدالة. كما أن من الظاهر عدم الفرق بين الثالث والرابع عملا وتطابقهما موردا، وليس الفرق بينهما إلا مفهوميا لا ينبغي الاهتمام به في مثل المقام مما يتعلق بمقام العمل. وأما الفرق بين القول بالملكة والقول الخامس فقد يبدو عمليا من وجهين..

===============

( 233 )

الاول: أنه إن اريد بالملكة ما تقتضي الانبعاث لترك المعاصي وإن لم توجبه فعلا لوجود المزاحم من الشهوة والغضب كان القول الخامس أخص من هذه الجهة، وإن اريد بها ما يوجب فعلية الانبعاث لقوتها وعدم تأثير المزاحم مهما كان قويا كان القول الخامس أعم، ضرورة أن ترك المعاصي قد يكون لعدم المزاحم أو لضعفه بنحو لو فرض وجود المزاحم أو قوته لوقع المكلف في المعصية. الثاني: أن ترك المعاصي قد لا يكون مسببا عن الملكة الرادعة، بل لوجود الصوارف النفسية عن الحرام أو لعدم تهيئه. لكن يندفع الاول - بعد معلومية أن مراد القائلين بالملكة ما توجب فعلية الانبعاث، لا مجرد المقتضي له -: بأن من القريب أن لا يكون مراد القائلين بالملكة هي الباعثة لترك جميع المعاصي على كل حال، لمساوقتها للعصمة وعدم تحققها إلا للاوحدي، فكيف يمكن توهم إناطة الاحكام العملية الكثيرة بها، بل مرادهم بها هي الموجبة لغلبة ترك المعاصي ولو لعدم الابتلاء ببعض المحرمات أو لضعف المقتضي لها، بنحو تكون الملكة مؤثرة بالفعل غالبا ومقتضية للعزم على ترك المعاصي وإن كانت ضعيفة في نفسها مغلوبة عند قوة المزاحم. ويندفع الثاني: بأن من القريب جدا أن يكون مراد أهل القول الخامس هو اجتناب المعاصي من حيث كونها معاصي، بنحو يكون عنوان المعصية دخيلا في اجتنابها، وهو ملازم لوجود داع نفسي للترك خصوصا مع ابتلاء المكلف بالمعاصي وبالدواعي الشيطانية المقتضية للمعصية، فإن تجنب المعاصي حينئذ لا يكون الا مع قوة الدواعي الالهية النفسية المقتضية للطاعة. بل صرح بعض مشايخنا بأنه لا بد من استناد الترك للخوف من الله سبحانه وتعالى بنحو مستحكم في النفس، بحيث يكون ذلك طبيعة ثانية للمكلف، ومن القريب جدا أن يكون مراد القائلين بالملكة هو الداعي النفسي المذكور وليس أمرا وراء ذلك. وعليه فلا فرق بين القولين عملا، وإنما الفرق بينهما لفظي صرف أو مفهومي فقط، وهو مما لا ينبغي الاهتمام به في ما نحن فيه.

===============

( 234 )

وكأن منشأ شدة الخلاف بينهم في المقام واطالة النقض منهم والابرام - كما يظهر من الجواهر وغيره - هو تخيل أن مراد القائلين بالملكة هو لزوم قوتها بنحو يمتنع أو يعسر الوقوع في جميع المعاصي على كل حال، أو مرادهم لزوم إحرازها بالعلم بسبب المعاشرة والمخالطة الموجبة للاطلاع على الخفايا والبواطن، وتخيل أن مراد القائلين بترك المعاصي مجرد تركها ولو لا لداع إلهي، أو لداع إلهي ليس له بنحو من الاستحكام والثبوت، وتخيل أن مراد القائلين بحسن الظاهر أو بعدم ظهور الفسق كون ذلك هو مفهوم العدالة ثبوتا. فإن وضوح بطلان الامور المذكورة ومنافاتها للادلة وشدة الخلاف العملي بينها يوجب استهجان القول بها وشدة النكير على القائل. مع أن المظنون قويا تقارب مراد الكل ورجوعه إلى أمر واحد، وهو كون العدالة من الامور الواقعية الراجعة إلى غلبة ترك المعاصي بسبب الدواعي الالهية الكامنة في النفس التي لها نحو استحكام فيها، ويكفي إحرازها بالطرق الشرعية التي تقدم الكلام فيها في المسألة التاسعة عشرة. إذا عرفت هذا، فيكفي في الدليل على ما ذكرنا في مفهوم العدالة أدنى نظر وتأمل في المرتكزات والادلة، فإن مرجع ما ذكرنا إلى امور ثلاثة.. الاول: ترك المعاصي. الثاني: استناد الترك عند الابتلاء بالمعصية إلى الدواعي الالهية. الثالث: استحكام الدواعي المذكورة وغلبة تأثيرها. أما الاول فلان العدالة لغة الاستقامة والقصد وعدم الجور، وهي من الامور الاضافية المختلفة باختلاف الاعراف، فلا بد من حملها في كلام الشارع على الاستقامة بنظر الشارع، وذلك إنما يكون باتباعه وعدم الخروج عن الطريق الذي رسمه لعباده. وأما الثاني فلان من المرتكز أن العدالة ليست من الصفات المشتملة على الحسن الفعلي فقط، بل هي متضمنة مع ذلك للحسن الفاعلي بنحو تقتضي مدح

===============

( 235 )

الفاعل المتصف بها، وهو إنما يتم مع فرض كون الترك مستندا للدواعي الالهية المحبوبة للشارع والتي هي المنشأ لقبح الفعل وحسنه، وأما الترك المجرد عن ذلك فهو لا يقتضي الا الحسن الفعلي. وأما الثالث فلان العادل من الصفات المشبهة المبنية على الثبوت بحيث يكون كالطبيعة الثانوية لشخص، كالكريم والشجاع، لا من أسماء الفاعلين المتضمنة لحدوث المبداء ومجرد تحقق النسبة بينه وبين الذات. نعم لا يضر في الصدق الخروج عنه لطوارئ مانعة إذا كان الخروج على خلاف مقتضى الوضع الطبيعي للشخص وشذوذا عنه، على ما يأتي توضيحه. ويشهد بجميع ذلك - أيضا - ما تضمنته النصوص الكثيرة الواردة في الشهادات من اعتبار كون الشاهد خيرا مرضيا عفيفا صائنا صالحا مستورا ونحو ذلك (1). من العناوين التي تصدق بالنحو الذي ذكرنا. وأظهرها في ذلك صحيحة ابن أبي يعفور، قلت لابي عبد الله عليه السلام: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم فقال: ((أن تعرفبالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك. والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك...) (2). ودعوى: ظهورها في بيان طريق إحراز العدالة لا في شرح مفهومها، خلاف الظاهر جدا. وتوضيح ذلك: أن المعرف لغة وعرفا هو سبب المعرفة، وهو ما يوجب العلم الحقيقي بالمعرف، وباصطلاح المنطقين هو الحد والرسم، ولا يستعمل باصطلاح


____________
(1) تراجع النصوص المذكورة في الوسائل ج 18، كتاب الشهادات، باب 26، حديث 2 و 5، وباب 29، حيث 3، وباب 34، حديث 1، وباب 41، حديث 5 و 02 و 23 وغيرها، (2) الوسائل ج 18، ص 288، باب 41 من أبواب كتاب الشهادات 1.

===============

( 236 )

الاصوليين، إلا أنه قد يظهر من بعض الكلمات أن المراد به هو الطريق الموجب لثبوت الشئ تعبدا، وهو الحجة الظاهرية. وظاهر إطلاق المعرف في كلام العرف إرادة المعنى الاول، إلا أن ما يوجب معرفة الشئ والعلم به قد يكون هو العلم بلازمه الخارجي، كالعلم بالدخان الموجب للعلم بالنار، وقد يكون هو العلم بأجزائه وشروطه الخارجية لو كان مركبا خارجيا، كالعلم بالخل والسكر والمزج والغليان الموجب للعلم بالسكنجبين، وقد يكون هو العلم بمقوماته المفهومية أو لوازمها لو كان مفهوما منتزعا بسيطا والمعرف في الحقيقة في الجميع هو العلم بالامور المذكورة لا نفسها، وربما يطلق عليها نفسها تسامحا. نعم، في القسم الثالث قد تكون الامور المذكورة بنفسها معرفا منطقيا. فالمعرف المنطقي ليس من أفراد المعرف اللغوي، بل العلم به من أفراده. إذا عرفت هذا فنقول: ظاهر السؤال والجواب في الرواية إرادة المعرف اللغوي، وخصوصية المقام تشهد بكون ما تضمنه الجواب هو القسم الثالث من المعرف، لوضوح عدم كونها لوازم خارجية للعدالة مباينة لها، ولا أجزاء خارجية لها، لكون العدالة أمرا بسيطا، فتعين كون العدالة منتزعة من هذه الامور، حتى يكون العلم بهذه الامور سببا للعلم بها، وهو المناسب لبقية نصوص المقام الظاهرة في بيان ما هو المعتبر واقعا، لا في بيان ما يكون طريقا إليه شرعا أو لازمه خارجا. وأما حمل السؤال على إرادة المعرف الاصولي بالمعنى المتقدم، فهو بعيد عن ظاهر الرواية جدا، لعدم معهودية استعماله فيه عرفا. نعم، ظاهر قوله عليه السلام بعد ذلك: (والدلالة على ذلك كله...) إرادة المعرف بالمعنى المذكور، لظهوره في جعل الطريق في فرض احتمال وجود العيوب القادحة، كما لا يخفى. وبما ذكرنا يظهر الاشكال في ما ذكره غير واحد في المقام، ولا مجال لتفصيل الكلام فيه، فراجع وتأمل جيدا.

===============

( 237 )

[ المانعة غالبا (1)، ] ثم إن ظاهر الادلة المتقدمة تقوم العدالة بكل من الافعال الخارجية كاجتناب الكبائر، والامور النفسية التي هي من سنخ الملكات أو الدواعي المستحكمة، كالعفة والصلاح والتدين ونحوها مما لا يكفي فيه محض العمل، فليست العدالة عبارة عن الملكة والفعل أثرها، ولا هي عبارة عن الفعل والملكة سببها، بل هي عبارة عن مجموع الامرين. وإن كان تحقيق ذلك ليس مهما في محل الكلام بعد عدم كونه موردا للاثر، والله سبحانه وتعالى ولي العصمة والسداد. (1) مما تقدم تعرف الوجه في الاكتفاء بالغلبة، فإن عدم الوقوع في المعصية أصلا مساوق للعصمة ولا يحظى به إلا الاوحدي، فلا يمكن أن يناط به الاحكام التي يكثر الابتلاء بها كما لا يخفى وفي رواية علقمة: (لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الانبياء والاوصياء عليهم السلام لانهم المعصومون دون سائر الخلق) (1). ويشهد به أيضا ما تضمن قبول شهادة أهل المعاصي بعد التوبة (2) نعم، لا ريب في قادحية المعصية قبل التوبة، وفي كونها سببا للفسق، لما سيأتي في المسألة الاتية، فالمراد بالغلبة ليس غلبة تحقق الترك، بل كون الملكة مقتضية للترك غالبا، وإن كان لابد من تحقق الترك حين ترتيب الاثار. هذا ولابد من كون الغلبة بنحو يصدق معها العناوين المذكورة في النصوص من الستر والعفاف والصيانة ونحوها، بحيث يكون الترك هو مقتضى الوضع الطبيعي للمكلف والوقوع في المعصية خروجا عنه، أما لو لم يغلب الترك لم تصدق العناوين المذكورة.


____________
(1) الوسائل ج 18، 292 باب 41 من أبواب كتاب الشهادات، حديث 13. (2) راجع الوسائل ج 18، ص 282، باب 36 من أبواب كتاب الشهادات. .

===============

( 238 )

كما أن المراد بغلبة مانعية الملكة عن الوقوع في المعاصي هي غلبة عدم وقوع المعصية خارجا مع لزوم كون الملكة أو الرادع النفسي بنحو يقتضي الاجتناب دائما، بحيث يكون عدم تأثيره للمزاحم، لا لقصور اقتضائه، فلا تتحقق العدالة لو كان عدم تأثير لقصور فيه، بأن كان مختصا ببعض المعاصي، بحيث لا رادع عن غيرها ولا عزم من المكلف على تركه وإن تحقق منه الترك له اتفاقا، للاشكال في صدق العناوين المتقدمة عليه. إذ لما كان ترك جميع المعاصي مأخوذا في العدالة بنحو يقدح فيها تحقق بعضها قبل التوبة، والرادع النفسي أيضا مأخوذا فيها، فالظاهر لزوم كون الرادع بلحاظ الجميع لا بلحاظ البعض، لصعوبة التفكيك في اعتبار الرادع بين المعاصي. بل لا يصدق في مثل ذلك العفة والصيانة بعد فرض كون المراد بهما العفة والصيانة عن الجميع، فلاحظ. هذا، ومع فرض وجود الملكة أو الرادع المذكور بلحاظ جميع المعاصي يكفي استناد غلبة الترك لقلة الابتلاء بالمعصية أو ضعف الدواعي الشهوية أو الغضبية المزاحمة له، ولا يعتبر حينئذ قوة الملكة أو الرادع بنحو يغلب الترك لو فرض قوة المزاحم - وفاقا لما صرح به سيدنا المصنف قدس سره - لعدم الدليل على اعتبار ذلك بعد صدق العناوين المتقدمة من الستر والعفاف والصيانة وغيرها. نعم، من يكثر منه الابتلاء بالمعاصي، أو تقوى في نفسه الدواعي لها، لابد له من قوة الملكة أو الرادع في صدق العدالة، لتوقف غلبة الترك عليها. ثم إنه لا يبعد لزوم كون العدالة المعتبرة في مرجع التقليد بمرتبة عالية، بحيث يكون الرادع قويا في حقه جدا، لانحصار الدليل على اعتبارها بالمرتكزات المتشرعية، وما تقدم منا من عدم الوثوق باجتهاده بدونها، وكلاهما يقتضي اعتبار المرتبة العالية منها، كما أشرنا إليه في المسألة الخامسة، فراجع.

===============

( 239 )

[ عن الوقوع في المعاصي الكبيرة (1)، ] (1) قد اشتهر في ألسنة المتشرعة تقسيم المعاصي إلى صغائر وكبائر. وقد اختلف الاصحاب (رضي الله عنهم) في أن ذلك هل هو تقسيم إضافي، لاختلاف مراتب المعاصي في ما بينها، فكل معصية بالاضافة إلى ما دونها كبيرة، وبالاضافة إلى ما فوقها صغيرة، وإلا فكل معصية في نفسها كبيرة، لما فيها من الجرأة على الله تعالى وانتهاك حرمته، أو هو تقسيم حقيقي راجع إلى خصوصية في بعض المعاصي دون بعض، فالكبائر قسم خاص منها يشترك في مقدار من الاهمية، والصغائر قسم آخر دونها، وإن اختلفت أفراد كل من القسمين في مراتب الاهمية. وحكي الاول عن جمع من الاصحاب، كالمفيد والقاضي والشيخ في العدة والطبرسي والحلي وقد يظهر مما حكي عن الصدوق قدس سره، حيث قال: (الاخبار في الكبائر ليست مختلفة، لان كل ذنب بعد الشرك كبير بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، وكل كبير صغير بالنسبة إلى الشرك بالله)، بل في مجمع البيان وعن العدة والسرائر نسبته إلى أصحابنا. وذهب جماعة إلى الثاني، وهو المحكي عن الشيخ في المبسوط والعماد والمتأخرين قاطبة، وعن مجمع البرهان نسبته إلى العلماء تارة، وإلى اكثرهم اخري، وإلى المشهور ثالثة، وعن مصابيح الظلام أنه المشهور المعروف. وكيف كان فالظاهر الثاني، لمطابقته لظاهر الكتاب العزيز والسنة الشريفة قال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيأتكم وندخلكم مدخلا كريما) (1)، وقال سبحانه: (والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون) (2)، وقال عزوجل: (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم


____________
(1) سورة النساء: 34. (2) سورة الشورى: 37.

===============

( 240 )

إن ربك واسع المغفرة) (1) وأما السنة فهي مستفيضة بل متواترة، كما يظهر بملاحظة ما ورد في وجوب اجتناب الكبائر وتعيينها والتوبة منها. وقد عقد لها في الوسائل الباب الخامس والاربعين والسادس والاربعين والسابع والاربعين من أبواب جهاد النفس، وهي دالة بمجموعها بوجه لا يقبل التأويل على التقسيم المذكور، كما يظهر لمن راجعها. وهي لا تنافي ما دل على النهي عن تحقير الذنب والاستهانة به، وأن أشد الذنوب ما استهان به صاحبه، وأنه لا كبير مع الاستغفار، ولا صغير مع الاصرار، وأنه لا تنظروا إلى صغير الذنب، ولكن انظروا إلى ما اجترأتم، ونحو ذلك. فإن اشتراك الذنوب في الجرأة على الله تعالى المهمة في نفسها لا تنافي تفاوتها في أنفسها في الاهمية. كما أن تحقير الذنب قد يرجع إلى الاستهوان بما يصاحبه من الجرأة على الله تعالى الموجب للاستخفاف بحقه، وهو قد يكون أهم من الذنب. بل قد يوجب التسامح فيه والازدياد منه والاصرار عليه، وذلك محذور زائد على أصل المعصية. بل قد يكون في كثير من النصوص المذكورة شهادة على المدعى من انقسام الذنوب إلى الصغائر والكبائر، فراجع الباب الثالث والاربعين من أبواب جهاد النفس من الوسائل. وبالجملة: لا مجال لرفع اليد عن الادلة المتقدمة الظاهرة أو الصريحة في كون التقسيم المذكور حقيقيا لا إضافيا. وربما يكون مراد القائلين بأن جميع الذنوب كبائر استحقاق العقاب عليها في قبال قول المعتزلة بوجوب غفرانها بنحو لا يحسن المؤاخذة عليها، كما قد يظهر من مجمع البيان، حيث عد القولين المتقدمين متقاربين وجعل في قبالهما قول المعتزلة، كما نبه له في الجواهر، فراجع وتأمل. إذا عرفت هذا، فاعلم أن ظاهر الاصحاب أن المعتبر في العدالة اجتناب


____________
(1) سورة النجم 32.

===============

( 241 )

الخلاف في منافيات المروءة، بل يظهر من بعض كلماتهم المفروغية عن ذلك، بل في الجواهر دعوى ظهور اتفاق القائلين بانقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر على عدم قادحية الصغائر في العدالة، نعم قد يظهر من إطلاق بعضهم لزوم ترك القبائح قادحية الصغائر. وكيف كان، فقد يستدل عليه بأن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر، كما تقدم في الاية الشريفة، فهي كالكبيرة المكفرة بالتوبة، فكما أن التوبة ماحية للكبائر كذلك اجتناب الكبائر ماح للصغائر فلا أثر لها في نفي العدالة. وقد استشكل فيه سيدنا المصنف قدس سره تارة: بأن ذلك يقتضي عدم قدح الكبيرة مع تكفيرها ببعض الاعمال الصالحة أو باستغفار بعض المؤمنين. واخرى: بمنافاته لاطلاق قوله تعالى: (إلا الذين تابوا). وثالثة: بأنه يقتضي قدح الصغيرة إذا ارتكبها في حال عدم الابتلاء بالكبائر، بناء على أن المكفر للصغائر هو الكف عن الكبائر لا مجرد الترك ولو لعدم الابتلاء، كما لعله الظاهر أو المنصرف إليه من الايات والروايات، وهو كما ترى. لاندفاع الاول: بأنه إنما يتجه لو ثبت التكفير فعلا، وهو لا يخلو عن إشكال، والمتيقن كون الامور المذكورة في الادلة مكفرة اقتضاء، أو بشروط يصعب إحرازها. فتأمل. واندفاع الثاني: بأن الاية الكريمة قد وردت في غير مورد من الكتاب المجيد في مقام توقف سقوط العقاب الدنيوي أو الاخروي على التوبة، ولو تم عمومها للصغائر كان مقتضى الجمع بينه وبين الاية المتقدمة اختصاص ذلك بالكبائر وأن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر ولو مع عدم التوبة إذا لم تكن مع الاصرار. نعم، وردت في سورة النور لبيان توقف قبول الشهادة على التوبة. لكنها مختصة بالتوبة من القذف الذي هو من الكبائر. واندفاع الثالث بأن منصرف الادلة لزوم حصول الرادع النفسي مع الابتلاء ولو ببعض الكبائر كترك الصلاة، لا لزوم الابتلاء بجميع الكبائر، لوضوح ندرته.

===============

( 242 )

فالعمدة في الاشكال في الوجه المذكور: أن اعتبار التوبة من الكبائر ليس لكونها مسقطة للعقاب، بل لانها من لوازم الملكة أو الرادع النفسي المفروض في العدالة، وهو لا ينافي اعتبار الرادع المذكور أو الملكة بالاضافة إلى الصغائر وإن كانت مكفرة في أنفسها. هذا، وقد يستدل على عدم قادحية الصغائر بما تقدم في صحيحة ابن يعفور، فإن الاقتصار على ذكر اجتناب الكبائر فيها في مقام شرح العدالة ظاهر في عدم دخل اجتناب الصغائر فيها بمقتضى مفهوم الحصر المستفاد من مقام التحديد. ولا سيما مع كون القيد المذكور أدخل ارتكازا في الحكم، فإنه لو فرض دخل غيره أيضا كان الاقتصار عليه موجبا لايهام خلاف المراد، كما لعله يظهر بالتأمل. لكن قد يستشكل فيه بوجوه.. الاول: ما ذكره بعض مشايخنا من ضعف الرواية، لان في سند الصدوق لها أحمد بن محمد بن يحيى العطار، ولم تثبت وثاقته، وفي سند الشيخ لها محمد بن موسى الهمداني، وهو كذلك، لمعارضة توثيقه المستفاد من رواية ابن قولويه عنه في كامل الزيارة - بناء على ما أشرنا إليه آنفا من تصريحه بأنه لا يروي فيه إلا عن الثقات - بطعن ابن الوليد فيه بأنه كان يضع الحديث. وفيه: أن أحمد بن محمد بن يحيى العطار وإن لم ينص أحد من القدماء على توثيقه، إلا أنه لا ينبغي الاشكال في وثاقته بعد كونه من مشايخ الاجازة ورواية الاجلاء عنه، كالحسين بن الغضائري، والصدوق في الفقيه الذي صرح فيه بأنه لا يودع فيه إلا ما هو الحجة بينه وبين الله تعالى فإن احتمال اعتماده في توثيق بعض الرواة أو الوثوق بالرواية على بعض القرائن الاجتهادية الخفية وإن كان قريبا، إلا أنه من البعيد جدا منه الرواية في الكتاب المذكور بلا واسطة عمن يخفى عليه حاله، ولا يكون ثقة عنده. ولاسيما مع ما هو المعروف من تحرج الاصحاب في تلك العصور ولاسيما القميين عن الرواية عن الضعفاء، بل ظاهره في مقدمة الفقيه تجليل مشايخه

===============

( 243 )

وتعظيمهم. كما لا ينبغي احتمال اعتماده في توثيق مثل هؤلاء على قرائن خفية مع معاصرته لهم وأخذه عنهم. بل مقتضى إكثاره الرواية عن أحمد بن محمد المذكور مترضيا عليه كونه من الاجلاء بنظره المعروفين في عصره بالرفعة وسمو المقام. كما أن مقتضى ما ذكره النجاشي في ترجمة الحسين بن سعيد الاهوازي عن أحمد بن علي بن نوح السيرافي من أن ما عليه أصحابنا والمعول عليه من الطرق إليه جملة طرق هو فيها كون الرجل معتمدا عند السيرافي، بل عند الاصحاب. وبالجملة: التأمل في حال الرجل عند الاصحاب شاهد بكونه من الاعيان والاجلاء المستغنين عن التوثيق. على أن ذكر الشيخ قدس سره للرواية بطريق آخر - وإن لم يخل عن ضعف - شاهد بمعروفيتها بين الاصحاب، إذ هل يحتمل اتفاق مثل أحمد بن محمد المذكور مع محمد بن موسى الهمداني على اختلاق الرواية مع اختلافهما في الطبقة، فقد روى أحمد بن محمد عن محمد بن موسى بواسطتين، فليس اتفاقهما إلا شاهدا بمعروفية الرواية بين الاصحاب وأخذها من كتب مشهورة، وهو كاف في الوثوق بالرواية، بل الاطمئنان، بها، فتكون حجة، كما ذكرناه في الاصول. الثاني: ما ذكره هو أيضا من عدم ورود الرواية لشرح حقيقة العدالة، بل لبيان الطريق إليها، ولا مانع من كون اجتناب الصغائر دخيلا فيها ثبوتا غير دخيل في الطريق إليها عند الشك. ويظهر الجواب عنه مما تقدم في أول المسألة من ظهور صدر الرواية في شرح مفهوم العدالة. ومنه يظهر اندفاع ما ذكره من أن ما في ذيل الرواية من قوله عليه السلام: (والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه) شاهد باعتبار ترك الصغائر، لانها من العيوب كالكبائر. لما تقدم من أن الفقرة المذكورة ظاهرة في بيان حسن الظاهر الذي هو طريق للعدالة، لا في شرح حقيقتها، ولا مانع من كون ستر العيوب الذي يعم

===============

( 244 )

الصغائر معتبرا في حسن الظاهر الكاشف عن العدالة غير معتبر في العدالة ثبوتا. الثالث: ما أشار إليه سيدنا المصنف قدس سره في مبحث صلاة الجماعة من أن إطلاق الستر والعفاف في صدرها ظاهر في قادحية الصغائر. بل هو مقتضى إطلاق كف البطن والفرج واليد واللسان وما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من إجمال متعلق الكف غير ظاهر، لما هو المعروف من أن حذف المتعلق يقتضي العموم، فظاهره في المقام الكف عن كل محذور شرعي وإن كان صغيرا. وفيه: أن ظهور الفقرة الثانية في خصوصية الكبائر صالح لصرف الاطلاق المذكور. ودعوى: إمكان الجمع بينهما بحمل ذكر الكبائر على مزيد الاهتمام بها، لا لخصوصيتها. مدفوعة بأن مزيد الاهتمام إنما يقتضي تخصيصها بالذكر في مقام النهي عنها، لا في مقام التحديد بها - كما في المقام - إذ الفرق بين الشيئين في الاهمية تبعا للفرق بينهما في الملاك لا يقتضي الفرق بينهما في الدخل في الحد. فلو فرض دخل اجتناب الصغائر كان الاقتصار على اجتناب الكبائر موهما لخلاف المراد، ولا سيما بعد كونها أنسب بالمحدود ارتكازا. بل الانسب لاجل ذلك التنبيه على عموم الحد للصغائر، لدفع توهم انصراف الاطلاق للكبائر، كما قد يظهر بالتأمل. هذا وقد ذكره قدس سره أنه يظهر من غير واحد من النصوص منافاة ارتكاب مطلق الذنب للعدالة. فإن كان مراده بالنصوص المذكورة ما تقدم التنبيه عليه مما تضمن إطلاق العفة والستر والصيانة والتدين ونحوها، فليست هي إلا من قبيل المطلق الذي ينبغي رفع اليد عنه بالصحيح المتقدم. وإن كان مراده دلالة بعض النصوص على قادحية بعض الذنوب التي ثبت كونها من الصغائر، فتكون صريحة في خلاف الصحيح، فلم يتهياء لي العثور على مثل

===============

( 245 )

هذه النصوص، ولا يبعد عدم وجودها خصوصا مع عدم نهوض الادلة بتعيين الصغائر، فإن بعض نصوص الكبائر وإن كانت ظاهرة في الحصر، إلا أن اختلافها مانع من حملها عليه، كما سيأتي التنبيه له إن شاء الله تعالى. وحينئذ فلو فرض دلالة بعض النصوص على قادحية بعض المعاصي مما لم يثبت كونه من الكبائر كان مقتضى الجمع بينه وبين الصحيح كون المعصية المذكورة من الكبائر. ومن ثم ذكر شيخنا الاعظم قدس سره أن مما يثبت به كون الذنب من الكبائر أن يرد النص بعدم قبول شهادة مرتكبه. وبالجملة: الظاهر أن الصحيح واف بإثبات قول المشهور من عدم قادحية الصغائر في العدالة، فتأمل جيدا، والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. بقي الكلام في المروءة، ففي مفتاح الكرامة: (والمشهور - كما في الذخيرة والكفاية - اعتبار المروءة في عدالة الامام والشاهد، وفي الماحوزية نقل حكاية الاجماع على ذلك. واحتمل في مجمع البرهان الاجماع على اعتبارها في غير مستحق الزكاة والخمس، وتأمل في قدح المباحات التي تؤذن بخسة النفس في العدالة، وفي المفاتيح: أن المشهور قدح منافيات المروءة فيها... ولم تذكر في الشرائع والمختلف والارشاد والايضاح في موضع منه.... ولا في زكاة الدروس، ولا في كلام جماعة من القدماء). هذا وكأن المراد منها محافظة الانسان على ما يليق بشأنه في الامور العرفية واجتناب ما يعد عيبا عرفا. فعن الوسيلة: (المسلم الحر تقبل شهادته إذا كان عدلا في ثلاثة أشياء: الدين والمروءة والحكم. فالعدالة في الدين الاجتناب من الكبائر ومن الاصرار على الصغائر. وفي المروءة الاجتناب عما يسقط المروءة من ترك صيانة النفس وفقد المبالاة...). وفي مفتاح الكرامة: (ولهم في تفسيرها تعاريف متقاربة لا حاجة بنا إلى ذكرها). لكن عن الدروس: (المروءة مروءتان: مروءة في الحضر، وهي تلاوة القرآن،

===============

( 246 )

ولزوم المساجد، والمشي مع الاخوان في الحوائج، والنعمة ترى على الخادم فانه تسر الصديق وتكبت العدو. وأما في السفر فكثرة الزاد وطيبه وبذله لمن كان معك، وكتمانك على القوم أمرهم بعد مفارقتهم، وكثرة المزاح في غير ما يسخط الله). وقد تضمنت أحاديث كثيرة تفسير المروءة بذلك وما يقرب منه، فراجع كتاب الحج من الوسائل الباب التاسع والاربعين من أبواب آداب السفر. ولا يظن منهم الالتزام باعتبار ذلك في العدالة، لوضوح عدم تحققه الا لقليل من الناس. ولعله لذا قال في الجواهر: (والمروءة بهذا المعنى غير ما ذكره الاصحاب قطعا) والظاهر إرادة المعنى الذي ذكرناه. ولعله إليه يرجع ما في الروضة، حيث قال: (هي اتباع محاسن العادات واجتناب مساويها وما ينفر عنه من المباحات ويؤذن بخسة النفس ودنائة الهمة). إذا عرفت هذا، فقد يستدل على اعتبار المروءة.. تارة: بأنها مقتضى إطلاق ما تضمنته النصوص من اعتبار الستر والصيانه ونحوهما، بل ولكف البطن والفرج واليد واللسان الذي تضمنه صحيح ابن أبي يعفور، لان منافيات المروءة غالبا من شهوات الجوارح. واخرى: بقوله عليه السلام في الصحيح: (والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه). وثالثة: بأنها منافية للحياء، وقد تضمنت النصوص انه من الايمان، ولا إيمان لمن لا حياء له. وعن معاني الاخبار في تفسير بعض النصوص المذكورة: (يعنى: ان من لم يكفه الحياء عن القبيح في ما بينه وبين الناس فهو لا يكفه عن القبيح في ما بينه وبين ربه عزوجل، ومن لم يستح من الله عزوجل وجاهره بالقبيح فلا دين له). ورابعة: بقوله عليه السلام في مرفوع هشام بن الحكم: (لا دين لمن لا مروءة له، ولا مروءة لمن لا عقل له)، لكن الجميع كما ترى. لاندفاع الاول: بانصراف العناوين المذكورة إلى خصوص المحرمات الشرعية، لان العناوين المذكورة لما كانت من العناوين الاضافية، فهي في كلام

===============

( 247 )

الشارع تنزل على ما يلزم الكف عنه شرعا، وهو مقتضى ما تضمنته النصوص الاخر من اعتبار أن يكون الرجل دينا خيرا صالحا، ولاسيما مع ظهور بعض النصوص في عدم قادحية غير الذنوب، كخبر علقمة: (فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة). وبهذا قد يندفع الثاني، إذ قد يدعى انصراف العيوب إلى الشرعية فقط. مع أنه وارد في الطريق إلى العدالة، لا في شرح حقيقتها. ويندفع الثالث: بما هو المعلوم من عدم ملازمة الحياء من الله تعالى للحياء من الناس بحيث يلزم من عدم الحياء من الناس عدم الحياء من الله تعالى فلابد من حمل النصوص المذكورة على نحو من التلازم الظاهري، الراجع إلى عدم الوثوق بدين من لاحياء له، أو على أن الحياء من المستحبات فهو مما يتوقف عليه الايمان الكامل، كما يظهرمن الوسائل، حيث ساق النصوص المذكورة لبيان استحباب الحياء، والظاهر أنه متسالم عليه عند الكل. ويندفع الرابع: بأنه - مع ضعف سنده - ظاهر في وجوب المروءة، بل على أن تركها من الكبائر، فلابد من حمله على المروءة بمعنى يناسب ذلك، نظير ما تضمن تفسيرها بالشح بالدين وإصلاح المال والقيام بالحقوق أو ما تضمن تفسيرها بالعدل والاحسان، أو على الاستحباب لبيان توقف كمال الدين عليها. وبالجملة: لا مجال للخروج عما هو ظاهر النصوص من تقوم العدالة بالتزام الاحكام الشرعية، بل من البعيد جدا عدم اعتبار اجتناب الصغائر ولزوم اجتناب منافيات المروءة، كما ذكره بعض مشايخنا. نعم، لا يبعد البناء على توقف حسن الظاهر الذي هو طريق إلى العدالة عند الشك فيها على عدم ارتكاب منافيات المروءة الموجبة لعدم الوثوق بالدين، إما لملازمتها له غالبا، أو لكشفها عن ضعف النفس أمام الشهوات، بنحو يستبعد ضبطها عند الابتلاء بالمعاصي لعدم حسن الظاهر منها عند المتشرعة مع ذلك، بل هو مقتضى ما دل على اعتبار كون ظاهر الرجل مأمونا.

===============

( 248 )

[ وهي التي وعد الله - سبحانه - عليها النار (1)، ] ولعله مقتضى عموم ما تقدم في الصحيح من لزوم كونه ساترا لجميع عيوبه، إذ لا يبعد حمله على ما يعم العيوب العرفية فتأمل. وقد يشهد به ما تضمن لزوم الوفاء بالوعد في حسن الظاهر مثل قولهم عليهم السلام: (من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروء ته وظهرت عدالته...). وما تضمن عدم قبول شهادة السائل بكفه معللا بأنه إذا اعطي رضي وإذا منع سخط، وما تضمن عدم قبول شهادة سابق الحاج معللا بأنه قتل راحلته وأفنى زاده واتعب نفسه واستخف بصلاته، مع وضوح كون التعليل في الموردين غالبيا لا يوجب العلم بالمعصية، بل يرفع الوثوق باجتنابها لا غير. كما أنه لو فرض كون منافيات المروءة موجبة لهتك الانسان بنحو يحرم الاقدام عليه كانت قادحة في العدالة إن بلغت حد الكبيرة، وقادحة في حسن الظاهر إن كانت صغيرة، بناء على ما أشرنا إليه من قادحية الصغائر في حسن الظاهر، فراجع الوجه الثاني من وجوه المناقشة في صحيح ابن أبي يعفور عند الاستدلال به على عدم قادحية الصغائر في العدالة، والله سبحانه ولي العصمة والسداد. (1) اختلفوا في ضابط الكبائر وتعيينها اختلافا شديدا، فقيل: أنها كل ذنب توعد الله تعالى عليه بالعذاب في كتابه العزيز. وقيل: انها كل ما توعد عليه بالنار بخصوصه. وقيل: كل ذنب رتب عليه الشارع حدا وصرح فيه بالوعيد. وقيل: كل معصية تؤذن بقلة اكتراث فاعلها بالدين. وقيل: كل ما علمت حرمته بدليل قاطع. وقيل: كل ما ورد فيه الوعيد، الشديد في الكتاب أو السنة. لكن عن الكفاية، أن الاول هو المعروف بين الاصحاب، وعن الذخيرة أنه

===============

( 249 )

المشهور بينهم، بل لم يجد في كلامهم اختيار قول آخر. وعن مجمع البرهان نسبة الثاني إلى المشهور، وهما متقاربان، بل لا يبعد رجوعهما لقول واحد. وأما بقية الاقوال فلم تنسب لاحد من أصحابنا، بل في الجواهر بعد أن نقل حكايتها عن مفتاح الكرامة قال: (وكأنه لم يعثر عليها لاحد من المعروفين من أصحابنا، وإلا لنسبه إليه، وإن كان ظاهر قوله: (قيل) ينافيه، لقضائه بالاطلاع على القائل. لكن لعله اطلع عليه من العامة). وقد ذكر في مجمع البيان أن الثالث مروي عن سعيد بن جبير ومجاهد. هذا وقد ذكر في الجواهر أن من الاصحاب من أوكل أمر الكبائر إلى التعداد، فعن بعضهم أنها سبع وعن آخر أنها تسع، وعن ثالث أنها عشر، وعن رابع أنها إثنتى عشرة، وعن خامس أنها عشرون، وعن سادس أنها أربع وثلاثون... إلى آخر ما ذكره قدسره. وعن الدروس: (عدت سبعا وهي إلى السبعين أقرب). وقال في الروضة: (وهي ما توعد عليها بخصوصها في كتاب أو سنة، وهي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبعين، وسبعة)، وعن الروض أنها إلى السبعمائة أقرب. وعن المفاتيح: (اختلف الفقهاء في الكبائر اختلافا لا يرجى زواله. وكأن المصلحة في إبهامها اجتناب المعاصي كلها مخافة الوقوع فيها). وكأن منشأ الاختلاف المذكور إختلاف النصوص، ففي بعضها: أنها التي أوجب الله عليها النار، وفي آخر: أنها كل ما أوعد الله عليه النار. والاول وإن كان ظاهرا في إرادة ترتب النار حتما لا بمجرد الوعيد بها، إلا أنه يتعين حمله على إرادة الوعيد بها - كما فهمه المشهور ظاهرا - لانه أقرب إلى الجمع بينهما بملاحظة عدم الاطلاع على غير الوعيد غالبا. وتقتضيه أيضا النصوص الواردة في التوبة من الكبائر، وأن العذاب عليها موكول إلى مشيئة الله تعالى، وما تضمن أن الشفاعة لاهل الكبائر من الذنوب، فراجع

===============

( 250 )

الباب السابع والاربعين من ابواب جهاد النفس من الوسائل. كما أن النصوص أيضا قد اشتملت على تعديد الكبائر، إما ابتداء، أو بعد تفسيرها بما أوجب الله عليه النار أو أوعد عليه النار، أو مع جعل العنوان المذكور أحد أفراد الكبائر، أو مع جعل الكبائر المعدودة بعض افراد العنوان المذكور، وهي في العدد مختلفة أشد الاختلاف، ففي بعضها أنها خمس، وفي آخر انها سبع، وفي ثالث أنها تسع، وفي رابع أنها عشر، وأنهيت في بعضها إلى عشرين، وفي آخر إلى ثلاثين أو ما يزيد عليها، وهناك نصوص اخر بمضامين اخر لا تخلو عن اضطراب والنصوص المذكورة مختلفة في تعيين المعدود، فنصوص السبع مثلا لا تتفق في تعيينها، وكذا نصوص الخمس، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف. والجمع بين النصوص المذكورة بالغاء مفهوم الحصر فيها بعيد عن ظاهر بعضها. وإن كان لابد من الالتزام به، أو باختلاف مراتب الكبائر في الاهمية، وقد تشير إليه بعض النصوص، بل هو صريح بعضها. كما يمكن أن يكون متعمدا لمصالح هم عليهم السلام أعلم بها، لعل منها ما أشار إليه في المفاتيح في كلامه المتقدم. وكيف كان فلا مجال للخروج بنصوص التعداد بعد اضطرابها عن النصوص الاول المتضمنة لتفسير الكبائر بانها ما أوعد الله عليه النار، ولا سيما مع اتفاق كثير من نصوص التعداد في الضابط المذكور واعتضاده بما عرفت من معروفيته بين الاصحاب. وعلى هذا يكون الضابط في كون الذنب كبيرة أمرين: الاول: وروده في نصوص التعداد وإن خفي وجه الوعيد فيه علينا، لانهم عليهم السلام أعلم بذلك، فانه لا يراد بالوعيد في النصوص المتقدمة خصوص الوعيد المفهوم بالوجه الظاهر لنا، إذ لا أقل من كون ذلك مقتضى الجمع بين النصوص. الثاني: أن يرد الوعيد فيه بالنار بحسب ما تصل إليه أفهامنا، عملا بالضابط المتقدم، من دون فرق بين أن يكون الوعيد في الكتاب المجيد والسنة الشريفة،

===============

( 251 )

صريحا أو ضمنا، لاطلاق النصوص المتقدمة، ولاسيما مع ما في صحيح عبد العظيم من عد ترك الصلاة أو شيئا مما فرض الله من الكبائر، معللا بأن رسول الله صلى الله عليه واله قال: (من ترك الصلاة متعمدا فقد برى من ذمة الله وذمة رسوله)، وما تضمنه من تعليل كون بعض الذنوب كبائر بورود الذم عليها في الكتاب من غير تصريح بالنار، مثل التعبير بالكفر والخسران واللعن وغيرها، فراجع. هذا، وربما يذكر هنا ضابط ثالث، وهو أن يثبت كون بعض الذنوب أكبر من بعض الكبائر أو مساويا لها، لما هو المعلوم من أن كون الذنب كبيرة إنما هو بلحاظ أهميته في نفسه المستكشفة من الوعيد عليه، لا بمحض التعبد أو بلحاظ جهات اخر، ففرض كون الذنب أهم من بعض الكبائر أو مساويا لها مستلزم لكونه كبيرة، كما لا يخفى. وزاد في الجواهر إذا بقي عظمة الذنب في أنفس أهل الشرع وإن لم يعثر على غير النهي عنه، قال: (لان الظاهر من العظمة عندهم وعدم المسامحة فيهم وعدم نسبة التقوى لفاعله وغير ذلك مع عدم ما ينافيها من الادلة أن يكون ذلك مأخوذا عن صاحب دينهم. فتأمل). ولعله أشار بالتأمل إلى عدم اطراد ذلك، فلابد في الاكتفاء به من إحراز اتصاله بالمعصومين عليهم السلام وأخذه عنهم، كما نبه له سيدنا المصنف قدس سره. ومنه يظهر الاشكال في ما حكاه عن شيخه كاشف الغطاء من أن المعيار في الكبيرة مطلقا ذلك، فالكبيرة ما كان عندهم كبيرا، والصغيرة ما كان عندهم صغيرا. إذ فيه: أنه خروج عن ظاهر الادلة، بل صريحها، كما لا يخفى. نعم، قد يقال: إذا كان المكلف غافلا عن تعيين الكبائر من طريق الشارع أو جاهلا بها، وليس في ذهنه إلا ما ارتكز في أذهان المتشرعة من الكبائر، فالمعيار في عدالته هو اجتناب الذنوب المذكورة، لان المستفاد من أدلة العدالة لزوم كون التدين بمرتبة خاصة يكشف عنها ارتكاب الكبائر، ولا خصوصية لارتكابها تعبدا، ولذا لو كان جاهلا بحرمتها لا يخرج عن العدالة، وحينئذ فمع الجهل بالكبائر الواقعية يكون

===============

( 252 )

الكاشف عن المرتبة المذكورة ترك ما يعتقد المكلف كونه كبيرة، ولا يضر ارتكابه ما هو كبيرة واقعا إذا كان غافلا عن حاله معتقدا كونه من الصغائر. اللهم الا أن يكون مقصرا في الفحص عن الكبائر الشرعية، فإن تقصيره مانع من صدق التدين عليه شرعا بالمرتبة المذكورة. والحاصل: أن المعتبر في العدالة اجتناب ما يعتقد المكلف كونه من الكبائر، ولا يقدح ارتكاب ما هو كبيرة واقعا إذا كان جاهلا بحاله جهلا يعذر فيه، بحيث لا ينافي تدينه بالمرتبة المعتبرة في العدالة، فتأمل جيدا. هذا وقد أشرنا سابقا إلى ما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره من أن مما يدل على كون الذنب كبيرة قيام الدليل على عدم قبول الشهادة معه، لان ذلك مقتضى الجمع بين الدليل المذكور ودليل عدم قادحية الصغائر في العدالة. وأما احتمال أن يكون الذنب المذكور قادحا في الشهادة دون العدالة فالظاهر أنه لا مجال له وأن التلازم بينهما مفروغ منه في مثل ذلك. ومنه يظهر الاستدلال على كون الذنب كبيرة بما تضمن عدم جواز الصلاة خلف مرتكبه إذا لم يحتمل كونه شرطا زائدا على العدالة، والظاهر أن كلام شيخنا الاعظم قدس سره يعمه. بقي في المقام شئ، وهو أن الادلة وإن تعرضت للكبائر إلا أنها لا تنهض بحصرها، لسقوط ظهور النصوص في الحصر بعد اختلافها في العدد والمعدود، كما تقدم. كما أن الوعيد بالنار حيث يراد به ما يعم الوعيد به بوجه ضمني فهو قد يخفى. بل حيث كان المراد به ما يعم الوعيد في السنة فقد يحتمل صدور الوعيد به وضياعه. كما أن احتمال كون بعض الذنوب أهم من بعض الذنوب التي وصل إلينا الوعيد بها لا دافع له، ومن ثم أشكل إثبات عدم قادحية الذنب في العدالة بمجرد عدم ثبوت كونه كبيرة. وقد تمسك سيدنا المصنف قدس سره بأصالة عدم كون الذنب مما أوعد الله

===============

( 253 )

[ كالشرك بالله تعالى (1)، واليأس من روح الله تعالى (2)، ] تعالى عليه بالنار، لاحراز عدم كونه كبيرة مخلا بالعدالة. إذ لا إشكال في كون الوعيد من الامور الحادثة المسبوقة بالعدم. هذا، مع قرب دعوى كون المراد من اجتناب ما أوعد الله تعالى عليه بالنار في صحيح ابن أبي يعفور هو اجتناب ما ثبت الوعيد عليه، وإلا لزم إجمال مصداق العدالة دائما، وهو بعيد عن ظاهر جعل العنوان، لظهوره في تيسر الاطلاع عليه. ولاسيما مع ما أشرنا إليه من أن المراد مرتبة من التدين تلازم اجتناب الكبائر، فإنه يكفي في المرتبة المذكورة اجتناب ما ثبت كونه من الكبائر، بحيث يكون المكلف بحال لو ثبت كون الذنب كبيرة لاجتنبه، فتأمل، والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. (1) إذ - مضافا إلى شدة الوعيد عليه في الكتاب والسنة - قد تظافرت النصوص بعده من الكبائر، وفي صحيح عبد العظيم أنه أكبرها، وفي خبر عبد الرحمن بن كثير أنه أولها، وفي خبري أبي الصامت ومحمد بن مسلم عدة من السبع أو الثمان التي هي أكبر الكبائر، وعد بدله في صحيح عبيد بن زرارة الكفر بالله (1)، والظاهر أنه أعم. (2) فقد عد من الكبائر في صحيح عبد العظيم وغيره. وأما الوعيد عليه فلا مجال لاستفادته من الكتاب، إذ لم يرد فيه إلا ماحكا تعالى عن يعقوب عليه السلام بقوله: (يا بني اذهبو فتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (2)، وهولا يتضمن إلا ملازمة أن اليأس، مما لا ينبغي صدوره إلامن الكافرين، من حيث إن عدم


____________
(1) تراجع النصوص المذكورة وغيرها من نصوص المقام في باب 46 من أبواب جهاد النفس من الوسائل، ج 11، ص 252، وأن ذكرنا بعض النصو ص التى لا توجد هناك تشير إلى مصادرها في محلها. (2) سورة يوسف: 87.

===============

( 254 )

اعتقادهم به تعالى أو عدم ولايته لهم وعدم حبهم له ملازم ليأسهم من روحه، وهو لا يقتضي تحريمه في نفسه، فضلا عن كونه من الكبائر. نعم، لو كان التعبير بالكفر في مقام بيان أهمية حرمته، نظير ما تضمن أن تارك الصلاة كافر، كان ظاهرا في الوعيد. إلا أنه لا ظهور للاية بنفسها في ذلك، فاستفادة الوعيد منها إنما هو بضميمة استدلال الامام عليه السلام بها في صحيحة عبد العظيم، وهو رجوع إلى الاستدلال بالصحيحة المذكورة. هذا، وقد تضمن خبر الاعمش، وكتاب الرضا عليه السلام للمأمون المروي في العيون بطرق مختلفة لا يخلو بعضها عن اعتبار عد القنوط من رحمة الله تعالى من الكبائر مضافا إلى اليأس من روح الله، وقد يشكل الفرق بينهما من حيث أن القنوط هو الياس. لكن قد يفرق بينهما إما باحتمال تضمن القنوط سوء الظن بالله تعالى، بخلاف اليأس، فإنه قد ينشأ من سوء ظن المكلف بنفسه أو من جهة اخرى - كما أشار إليه في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: (وإن مسه الشر فيؤوس قنوط) (1) - أو بأن الروح أخص من الرحمة، لانه الفرج بعد الضيق والتنفيس بعد الشدة. ثم إن القنوط كاليأس لا مجال لاستفادة الوعيد عليه، إذ لم يرد فيه إلا ما حكاه تعالى عن إبراهيم عليه السلام مع الملائكة بقوله عزوجل: (قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الظالون) (2) ولا ظهور له إلا في خطأ القانط وضلاله بجهله برحمة الله تعالى، وهولا يدل على حرمة القنوط، فضلا عن كونه من الكبائر. هذا، ومقتضى إطلاق النصوص عموم الحكم لليأس والقنوط من الروح والرحمة الدنيويين والاخرويين. ومجرد كون مورد الايتين الدنيويين لا يقتضي اختصاصهما، فضلا عن اختصاص النصوص بهما، ولا أقل من فهم عدم


____________
(1) سورة فصلت: 49. (2) سورة الحجر: 55 و 56.

===============

( 255 )

[ والامن من مكر الله تعالى (1)، وعقوق الوالدين (2)، ] الخصوصية ارتكازا، ولاسيما مع تظافر الادلة برجاء الرحمة للمؤمن في الاخرة. (1) الكلام فيه كما في سابقه، ولا يبعد اختصاصه بالامن مع المعصية، فلو فرض الامن لتوهم عدم المعصية أو لاعتقاد غفرانها بالتوبة ونحوها أشكلت حرمته، فضلا عن كونه من الكبائر، لانصراف إطلاق النصوص عنه، لانصرافها إلى الامن الذي لا يناسب وعيد الله تعالى وقدرته، لا ما ينشأ عن اعتقاد عدم وعيده، ولاسيما مع قرب كونها مشيرة إلى النهي عنه في الكتاب في قوله تعالى: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) (1) بل هو صريح صحيح عبد العظيم، والاية الكريمة مختصة بالمكذبين الكافرين. وأما ما تضمن الحث على الخوف من الله تعالى، وأن المؤمن لا يخلو من الخوف والرجاء (2)، فهو لو دل على الوجوب لا يقتضي كون تركه كبيرة. هذا ولو فرض وجوب الخوف حينئذ كان راجعا إلى حرمة الاعتقاد بعدم الذنب أو الجزم بغفرانه بمثل التوبة، وأنها من سنخ المسقطات المرجوة لا القطعية، فلاحظ. (2) فقد عد من الكبائر في غير واحد من الصحاح وغيرها، بل في خبري أبي الصامت ومحمد بن مسلم عده من السبع أو الثمان التي هي أكبر الكبائر. وفي صحيح عمر بن يزيد: (أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن إمام لا بأس به في جميع اموره، غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه قال: لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا) (3). وأما قوله تعالى: (وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا) (4)، فهو لا يدل


____________
(1) سورة الاعراف: 11. (2) راجع الوسائل، ج 11، باب 13 و 14 من أبواب جهاد النفس. (3) الوسائل، چ 5، ص 392، باب 11 من أبواب صلاة الجماعة، جديث 1. (4) سورة مريم: 23.

===============

( 256 )

[ وهو الاساءة إليهما - (1)، ] في نفسه على أن العاق جبار شقي، بل يمكن أن يكون المر اد به نفي صفة الجبروتية والشقاء عن نفسه ابتداء. نعم، يمكن الاستدلال به بضميمة تعرض صحيحة عبد العظيم له، لكنه رجوع إلى الاستدلال بالصحيحة. (1) كما يظهر مما في القاموس من أنه ضد البر الذي هو الاحسان. ويشهد به خبر حديد بن حكيم عن أبي عبد الله عليه السلام: (أدنى العقوق (اف) ولو علم الله شيئا أهون منه لنهى عنه) (1). وخبر أبي البلاد عنه عليه السلام (لو يعلم الله شيئا أدنى من (اف) لنهى عنه، وهو أدنى العقوق، ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحد النظر إليهما) (2). ولا يخلو سند الاول عن اعتبار، إذ روي بطريق لا خدش فيه إلا من جهة محمد بن سنان الذي وقع الكلام فيه بينهم، والتحقيق وثاقته، كما ذكرناه في مبحث مساحة الكر. على أن رواية أحمد بن محمد بن عيسى عنه في الطريق المذكور - مع ما هو المعروف من تحرجه حتى أنه أخرج البرقي عن قم لروايته عن الضعفاء واعتماده على المراسيل - شاهد بصحة الحديث، ولاسيما مع روايته بطريق آخر وإن كان لا يخلو عن ضعف. كما أن الثاني لاخدش فيه إلا من جهة أبي البلاد نفسه حيث لم ينص أحد على توثيقه، وإن كانت بعض الروايات قد تشعر بنحو مدح له مدرج له في الحسان. في نفسه على أن العاق جبار شقي، بل يمكن أن يكون المراد به نفي صفة الجبروتية نعم، يشكل إطلاق القول المذكور مع ما تقدم في صحيح عمر بن يزيد


____________
(1) الوسائل، ج 15، ص 216، باب 104 من أبواب أحكام اولاد، حديث 1. (2) الوسائل، ج 15، ص 217، باب 104 من أبواب أحكام الاولاد، حديث 7. .

===============

( 257 )

[ وقتل النفس المحترمة (1)، ] لظهوره - كما اعترف به في الجملة سيدنا المصنف قدس سره في أوائل مبحث صلاة الجماعة - في أن العقوق مرتبة عالية من الاساءة لا تحصل بإسماع الكلام الغليظ الموجب للاغاظة. ولا يبعد كون ذكر القاطع فيها تفسيرا للعاق، وهو المناسب لما صرح به بعض اللغويين من أن أصل العق الشق والقطع. وكيف كان، فظاهر الصحيح أن العقوق الذي هو من الكبائر القادحة في العدالة مرتبة عالية من الاساءة، فلابد من حمل الخبرين المتقدمين على ضرب من المبالغة لشدة الكراهة أو الحرمة من دون أن يبلغ مرتبة الكبيرة. ولعل الاول أنسب بالسيرة، ويناسبه أيضا أن ترك الاساءة بالمقدار المذكور محتاج إلى ملكة عالية لا تتيسر الا للاوحدي فتأمل جيدا. هذا، وفي مجمع البحرين: (عق الولد أباه... إذا آذاه وعصاه وترك الاحسان إليه، وهو البر به). وقد يظهر منه أن العقوق نقيض البر لا ضده، ولا تساعده الاخبار المتقدمة بأجمعها، بل ولا المرتكزات العرفية. إلا أن يكون مراده ترك الاحسان في مورد يكون تركه إساءة، فيرجع إلى ما سبق من القاموس أو ترك الاحسان مع الاساءة والعصيان، فيرجع إلى القطيعة ويقارب مفاد الصحيح. (1) فقد تظافرت النصوص بعده من الكبائر، وفيها الصحيح والموثق، وفي خبري أبي الصامت ومحمد بن مسلم عده من السبع أو الثمان التي هي أكبر الكبائر. هذا وفي خبر عبيد بن زرارة - وفي طريقه الحسن بن محبوب الذي هو من أصحاب الاجماع -: (وقتل المؤمن متعمدا على دينه) وربما يحمل عليه ما في صحيح عبد العظيم، حيث استدل عليه السلام بقوله تعالى: (فجزاؤه جهنم خالدا فيها)، بناء على اختصاصها بالمتعمد الذي يقتل المؤمن على دينه، كما روي في

===============

( 258 )

[ وقذف المحصنة (1)، ] تفسير العياشي. لكن لا مجال للخروج بذلك عن إطلاق النصوص الاخر بعد ما تقدم من أن اختلاف النصوص في التعداد مانع من البناء على ظهورها في الحصر وأنها قد تحمل على اختلاف مراتب الاهمية، ولاسيما مع كون الخبر قد تضمن أن الكبائر خمس. هذا مضافا إلى شدة الوعيد على مطلق تعمد القتل في السنة الشريفة (1) بل في الكتاب المجيد كما يأتي في الاية المستدل بها في الزنا، وقد تقدم أنه كاففي كون الذنب كبيرة. (1) فقد عد من الكبائر في نصوص كثيرة وفي خبري أبي الصامت ومحمد بن مسلم عده من السبع أو الثمان التي هي أكبرها. هذا والنصوص المذكورة قد اختصت - تبعا للاية - بالمحصنة، وفي مجمع البيان: (والمحصنات هنا اللاتي أحصن فروجهن بالعفة) وهو الانسب بالمعنى اللغوي، بل المناسب لتوصيفه تعالى مريم عليها السلام بالاحصان. ولعل إطلاق الاحصان شرعا على التزويج من حيث كونه سببا للعفة، فهو نحو من المجاز لا مجال للحمل عليه مع إمكان الحمل على المعنى الحقيقي، ولم يثبت كونه حقيقة شرعية أو لغوية ليتعين الحمل عليه هنا، ويقتضيه التشديد في أمر القذف مطلقا في النصوص، ولا أقل من انطباق عناوين بعض الكبائر عليه، كالغيبة أو البهتان فلاحظ.


____________
(1) راجع الوسائل، ج، 11، باب 1 و 2 و 3 من أبواب جهاد النفس.

===============

( 259 )

[ وأكل مال اليتيم ظلما (1)، والفرار من الزحف (2)، وأكل الربا (3)، ] (1) لشدة الوعيد عليه في الكتاب والسنة (1)، قال تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) (2). وقد تظافرت النصوص بعده من الكبائر، وفيها الصحيح والموثق، وفي خبري أبي الصامت ومحمد بن مسلم عده من السبع أو الثمان التي هي أكبر الكبائر. (2) فقد ورد الوعيد عليه في الكتاب والسنة (3) قال تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) (4). وتظافرت النصوص بعده من الكبائر، وفيها الصحيح والموثق. وعد في خبري أبي الصامت ومحمد بن مسلم من السبع أو الثمان التي هي أكبرها. (3) فقد ورد الوعيد عليه بالنار في الكتاب، قال تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس... فمن جاء ه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فاولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (5)، وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله...) (6). وورد الوعيد عليه أيضا في السنة الشريفة، وفي غير واحد من النصوص أنه


____________
(1) راجع الوسائل، ج 12، ص 180، باب 70 من أبواب ما يكتسب به. (2) سورة النساء: 10. (3) راجع الوسائل، ج 11، ص 63، باب 27، من أبواب جهاد العدو. (4) سورة الانفال: 16. (5) سورة البقرة: 275. (6) سورة البقرة: 278 - 279.

===============

( 260 )

[ والزنا (1)، ] أشد من الزنا (1). محمد بن مسلم عده من الثمان التي هي أكبر الكبائر. هذا وفي صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام: (قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه فيه سواء) (2). ومقتضى إطلاق التسوية كونها كبيرة مثله، ولاسيما مع روايته في الفقيه مرسلا بقوله: (في الوزر سواء). (1) فقد ورد الوعيد عليه في الكتاب بقوله: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) (3). كما ورد الوعيد عليه في غير واحد من النصوص، مضافا إلى عده من الكبائر في صحيح عبد العظيم وكتاب الرضا عليه السلام للمأمون المروي في العيون وخبر الاعمش. هذا وفي الصحيح عن ابن أبي عمير عن محمد بن حكيم، قال: (قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: الكبائر تخرج من الايمان فقال: نعم، وما دون الكبائر، قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن). وهو يشعر بعدم كون الزنا والسرقة من الكبائر، لقرب كون الاستدلال بقول النبي صلى الله عليه واله هو لاثبات إخراج غير الكبائر من الايمان، لانه الاخفى الذي يكون الاستدلال عليه مغنيا عن الاستدلال على الاظهر، بخلاف العكس.


____________
(1) راجع الوسائل، ج 12، ص 242، باب 1 من أبواب الربامن كتاب البيع. (2) الوسائل، ج 12، ص 429، باب 4 من أبواب الربا، حديث 1. (3) سورة الفرقان: 68. .

===============

( 261 )

[ واللواط (1)، والسحر (2)، ] ومثله صحيح إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام: (وسألته عن قول الله عزوجل: (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش الا اللمم)؟ قال: الفواحش الزنا والسرقة...) لظهوره في أن الزنا والسرقة من الفواحش، فلا يكون من كبائر الاثم بضميمة إشعار الاية، وظهورها في مباينة الكبائر للفواحش. لكن لا مجال للخروج بهما عما عرفت، فلابد من حملهما على خلاف ما ذكرنا، أو حمل الكبائر في الاية والحديث على الكبائر الشديدة، فيدلان على عدم كونه منها، وهو المناسب لبعض النصوص. ففي خبر محمد بن مسلم بعد عد الثمان التي هي أكبر الكبائر: (فقلت له: الزنا والسرقة فقال: ليسا من ذلك). وفي خبر الاعمش بعد عد سبع من الكبائر: (وبعد ذلك الزنا والواط والسرقة...). (1) فقد تظافرت النصوص بالوعيد عليه بالنار، وفي بعضها أنه أشد حرمة من الزنا وفي بعضها انه الكفر (1). كما أنه عد من الكبائر في ما تقدم من خبر الاعمش، وفي كتاب الرضا عليه السلام للمأمون المروي في العيون بطرق مختلفة لا يخلو بعضها عن اعتبار كما تقدم، ويناسبه شدة التنكيل عليه في الدنيا بإهلاك قوم لوط وجعل عقوبته الرجم. (2) فقد ورد الوعيد عليه في الكتاب بقوله تعالى: (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الاخرة من خلاق) (2) وفي السنة أيضا (3)، بل التعبير عنه بالكفر في بعض النصوص، وفي قوله تعالى: (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) مناسب لذلك جدا. مضافا إلى عده من الكبائر في صحيح عبد العظيم،


____________
(1) راجع الوسائل، ج 14، باب 20 و 21 من أبواب النكاح المحرم. (2) سورة البقرة: 102. (3) راجع الوسائل، ج 12، ص 105، باب 25 من أبواب ما يكتسب به.

===============

( 262 )

[ واليمين الغموس الفاجرة (1) وهي الحلف بالله تعالى كذبا على وقوع أمر، أو على حق امر، أو منع حقه (2)، خاصة - كماقد يظهر من بعض ] ومرسل الكراجكي، وعد في خبر أبي هريرة من السبع الموبقات. (1) ففي صحيح عبد العظيم عدها من الكبائر مستدلا بقوله تعالى: (الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الاخرة) وتمامه: (ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) (1). كما قد عد منها في كتاب الرضا عليه السلام للمأمون المروي عن العيون، وخبر الاعمش، مضافا إلى الوعيد عليه في غير واحد من النصوص الاتية وغيرها. (2) ففي مرسل علي بن حديد، عن أبي عبد الله عليه السلام: (واليمين الغموس التي توجب النار الرجل يحلف على حق امر مسلم على حبس ماله) ونحوه مرسله الاخر (2) ومرسل حريز (3) عنه عليه السلام. وأما ما في مرسل الفقيه عنه عليه السلام: (وأما التي عقوبتها دخول النار فهو أن يحلف الرجل على مال امر مسلم أو على حقه ظلما فهو يمين غموس توجب النار ولا كفارة عليه في الدنيا) (4) فهو غير ظاهر في حصر اليمين الغموس. بذلك. فالعمدة المراسيل الاول، وضعف سندها قد يمنع من الاعتماد عليها إطلاق لتفسير اليمين الغموس ليرجع إليه، والمتيقن منها ما تمضنته المراسيل المذكورة. نعم، لا دليل على كون ما عدا المعنى المذكور من أقسام اليمين الكاذبة ليس


____________
(1) سورة آل عمران: 77. (2) الوسائل، ج 16، ص 127، باب 9 من أبواب كتاب الايمان، حديث 1 و 4 (3) الوسائل، ج 16، ص 121، باب 4 من أبواب كتاب الايمان، حديث 10. (4) الوسائل، ج 16، ص 119، باب 4 من أبواب كتاب الايمان، حديث 4. .

===============

( 263 )

من الكبائر، لما عرفت من عدم حجية نصوص التعداد في الحصر، ولاسيما مع إجمال بعض العناوين المعدودة كما في المقام. بل الاية الكريمة المستدل بها في صحيح عبد العظيم أعم من المعنى المذكور، لعمومها لكل يمين كاذبة يترتب عليها نفع. بل لما كان المستفاد من الصحيح أن موضوع الحرمة في الاية ليس هو الثمن المترتب على اليمين، بل اليمين التي يترتب عليها الثمن والنفع، فهي ظاهرة في حرمة مطلق اليمين الكاذبة ولو لم يترتب عليها نفع، لفهم عدم الخصوصية لترتب النفع في الحرمة، بل المرتكز أن موضوع الحرمة ذات اليمين وأن ذكر ترتب الثمن والنفع لانه الاكثر ابتلاء باعتبار غلبة داعويته، فهي مسوقة لبيان عدم صلوحه للداعوية إلى مثل هذا المحرم. بل المرتكز أن اليمين الكاذبة التي لا يترتب عليها نفع أولى بالحرمة. هذا مضافا إلى شدة الوعيد على مطلق اليمين الكاذبة في النصوص، ففي موثق يعقوب الاحمر: (قال أبو عبد الله عليه السلام: من حلف على يمين وهو يعلم أنه كاذب فقد بارز الله) (1). وفي خبر أبي سلام المتعبد: (أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول لسدير: يا سدير من حلف بالله كاذبا كفر، ومن حلف بالله صادقا أثم) (2). وقد ورد في غير واحد من النصوص أن اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع وتقطع النسل، فإنه كاشف عن أهمية الذنب بنحو يناسب كونه كبيرة. وبالجملة: التأمل في الايات الشريفة والنصوص الكثيرة ومرتكزات المتشرعة شاهد بكون اليمين الكاذبة من الكبائر المهمة، لما فيها من الاستهانة بالله تعالى والهتك لعظيم حرمته. هذا كله مع غض النظر عما يأتي من كون مطلق الكذب كبيرة، كما لا يخفى.


____________
(1) الوسائل، ج 16، ص 119، باب 1 من أبواب كتابالايمان، حديث 4. (2) الوسائل، چ 16، ص 119، باب 1 من أ بواب كتاب الايمان، حديث 4.

===============

( 264 )

[ النصوص - ومنع الزكاة المفروضة (1)، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة (2)، وشرب الخمر (3)، ] (1) لتشديد الوعيد عليه في السنة، كما يظهر بمراجعة أوائل أبواب كتاب الزكاة من الوسائل. وبه قد فسر في بعض النصوص قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) (1) وقوله سبحانه: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم) (2). وقد عد من الكبائر في صحيح عبد العظيم، وهو داخل في حبس الحقوق من غير عسر الذي عد من الكبائر في كتاب الرضا عليه السلام للمأمون المروي في العيون وخبر الاعمش. (2) إذ - مضافا إلى الوعيد عليهما بالنار والعذاب في النصوص (3) - قد عدامن الكبائر في صحيح عبد العظيم، وفي خبر الاعمش عدت شهادة الزور منها دون كتمان الشهادة. وكذا في كتاب الرضا عليه السلام للمأمون حسب ما هو الموجود في كتاب العيون المطبوع في النجف الاشرف، ولم يذكره عنه في الوسائل. (3) فقد عد من الكبائر في صحيح عبد العظيم وكتاب الرضا عليه السلام للمأمون المروي في العيون. مضافا إلى شدة الوعيد عليه في النصوص. كما أنه لا يبعد كون شرب جميع أنواع المسكر من الكبائر، لاجل الوعيد عليه في النصوص (4) أيضا.


____________
(1) سورة آل عمران: 180. (2) سورة التوبة: 34 و 35. (3) راجع الوسائل، ج 18، باب 2 و 9 من كتاب الشهدات. (4) راجع الوسائل، چ 17، ص 259، باب 15 من أبواب كتاب الاشربة المحرمة.

===============

( 265 )

[ وترك الصلاة متعمدا (1)، أو شيئا مما فرض الله (2)، ] (1) فقد عد من الكبائر في صحيح عبد العظيم، وفي صحيح عبيد بن زرارة بعد أن ذكر أن الكبائر سبع منها الكفر قال: (قلت: فأكل الدرهم من مال اليتيم ظلما أكبر أم ترك الصلاة؟ قال: (ترك الصلاة) قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر؟ قال: (أي شي أول ما قلت لك)؟ قلت: الكفر. قال: فإن تارك الصلاة كافر. يعنى: من غير علة). مضافا إلى مناسبته لشدة الحث عليها والوعيد على تركها في الكتاب المجيد والسنة الشريفة، وأنها عمود الدين وإحدى الفرائض الخمس التي بني عليها الاسلام وغير ذلك مما يشهد بأن تركها من أعظم الكبائر. (2) فقد عد في صحيح عبد العظيم من الكبائر معطوفا على ترك للصلاة، قال عليه السلام: (وترك الصلاة متعمدا أو شيئا مما فرض الله عزوجل، لان رسول الله صلى الله عليه واله قال: من ترك الصلاة متعمدا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله). والظاهر أنه ليس المراد مما فرض الله كل واجب، بل خصوص الفرائض التي بني عليها الاسلام أو نحوها من الامور المهمة، فإن المستفاد من بعض النصوص أن الفرائض إشارة إلى بعض الواجبات الخاصة المهمة لا كل واجب، ففي صحيح سليمان بن خالد: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن الفرائض التي افترض الله على العباد ما هي فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان والولاية، فمن أقامهن وسدد وقارب واجتنب كل مسكر دخل الجنة). وفي كتاب العسكري عليه السلام إلى اسحاق بن اسماعيل النيسابوري: (ان الله لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض عليكم لحاجة منه إليه، بل رحمة منه إليكم ليميز الخبيث من الطيب... ففرض عليكم الحج والعمرة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والولاية...).

===============

( 266 )

[ ونقض العهد (1)، وقطيعة الرحم (2)، ] وعن تفسير النعماني عن أمير المؤمنين عليه السلام: (وأما ما فرضه الله عزوجل من الفرائض في كتابه فدعائم الاسلام، وهي خمس، وعلى هذه الفرائض بني الاسلام... أولها الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، ثم الولاية، وهي خاتمتها والحافظة لجميع الفرائض والسنن...) (1). فإن ظاهر النصوص المتقدمة وغيرها أن الفرائض ليست هي جميع الواجبات، بل قسم منها له أهمية خاصة، والمتيقن منها الخمس التي بني عليها الاسلام، وإن كان لابد من سبر النصوص والتأمل فيها. (1) فقد عد من الكبائر في صحيح عبد العظيم مشيرا إلى الاستدلال عليه وعلى قطيعة الرحم بقوله تعالى: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) (2). ويقتضيه أيضا شدة الوعيد عليه في الكتاب المجيد، كما في الاية المذكورة، والاية المتقدمة في نقض اليمين، وفي قوله تعالى: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك هم الخاسرون) (3). وقد يستفاد من غيرها أيضا. (2) فقد تقدم أنها عدت في صحيح عبد العظيم من الكبائر مع نقض العهد. ويقتضيه أيضا الوعيد عليها في الكتاب المجيد في الايتين المتقدمتين، لان قطع الرحم داخل في قطع ما أمر الله به أن يوصل، وفي قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم اولئك الذين لعنهم الله


____________
(1) الوسائل، ج 1، ص 9 و 13، باب 1 من أبواب مقدمة العبادات، حديث 7 و 21 و 35. (2) سورة الرعد: 35. (3) سورة البقرة: 37. .

===============

( 267 )

[ بمعنى: ترك الاحسان إليه من كل وجه في مقام يتعارف فيه ذلك (1). والتعرب بعد الهجرة (2)، إلى البلاد التي ينقص بها الدين (3)، ] فأصمهم وأعمى أبصارهم) (1) فتأمل. ويقتضيه - أيضا - الوعيد عليها في النصوص الموجودة في الابواب المتفرقة من الوسائل (2) وغيرها. (1) لان هذا هو المتبادر عرفا منها، إذ لا تصدق القطيعة مع عدم تعارف الاحسان، ولا مع تعارفه والاقتصار على بعض المتعارف، لصدق الصلة حينئذ ففي صحيح البزنطي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: صل رحمك ولو بشربة من ماء، وأفضل ما توصل به الرحم كف الاذى عنها). وفي خبر أبي بصير: (صلوا أرحامكم ولو بالتسليم). وفي صحيح اسحاق بن عمار: (فصلوا أرحامكم وبروا باخوانكم، ولو بحسن السلام ورد الجواب) (3). (2) فقد تظافرت النصوص - وفيها الصحيح والموثق - بعده من الكبائر، وفي خبر محمد بن مسلم عد من الثمان التي هي أكبر الكبائر. وفي خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال: والتعرب والشرك واحد). (3) لا يخفى أن التعرب مصدر صيرورة مأخوذ من الاعرابي، فهو بمعنى جعل الانسان نفسه أعرابيا، والمستفاد من بعض النصوص أن الاعرابي كناية عمن لم يتفقه في الدين. ففي صحيح محمد بن مسلم: (وكان أبو جعفر عليه السلام يقول: تفقهوا وإلا


____________
(1) سورة محمد (ص): 22. (2) راجع الوسائل، ج 11، ص 275، باب 94 من أبواب جهاد النفس، حديث 19 و 20، وباب 86 من أبواب أحكام الاولاد، حديث: 80 وباب 95 منها، حديث 7 وغيرها. (3) راجع النصوص المذكورة في الوسائل، ج 15، باب 19 من أبواب النفقات من كتاب النكاح. .

===============

( 268 )

فأنتم أعراب) (1). وفي خبر علي بن أبي حمزة: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: تفقهوا في الدين، فانه من لم يتفقه في الدين فهو أعرابي...). وفي خبر مفضل بن عمر: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا أعرابا...) (2). ولعل هذا هو المنسبق من إطلاق الاعرابي، لما هو المرتكز من جهل الاعراب بسبب انعزالهم، وعليه فالتعرب المعدود في الكبائر هو الهجرة للبلاد التي ينقص بها الفقه في الدين الذي يحتاج إليه المكلف. ويؤيده أو يشهد به صحيح حماد عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال: لا يصلح للاعرابي أن ينكح المهاجرة فيخرج بها من أرض الهجرة فيتعرب بها، إلا أن يكون قد عرف السنة والحجة) (3). وخبر محمد بن سنان في ما كتب إليه الرضا عليه السلام في جواب مسائله: (وحرم الله التعرب بعد الهجرة للرجوع عن الدين وترك المؤازرة للانبياء والحجج عليهم السلام وما في ذلك من الفساد وإبطال حق كل ذي حق لا لعلة سكنى البدو. وكذلك لو عرف الرجل الدين كاملا لم يجز له مساكنة اهل الجهل والخوف عليه لانه لا يؤمن ان يقع منه ترك العلم والدخول مع أهل الجهل والتمادي في ذلك) (4). نعم، المعنى الذي ذكره قدس سره من الكبائر أيضا إذا أدى إلى الوقوع في بعض الكبائر، لانه لما كان مسببا عن اختيار المكلف للهجرة كان مؤاخذا به حتى لو فرض سلب الاختيار حينه، لان ما ينتهي إلى الاختيار لا ينافي الاختيار، فلاحظ.


____________
(1) اصول الكافي، ج 1، ص 31، باب 1 من أبواب كتاب فضل العلم، حديث 6 و 7. (2) الوسائل، ج 14، ص 435، باب 14 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه من كتاب النكاح، حديث 2. (3) الوسائل، ج 11، ص 76، باب 36 من أبواب جهاد العدو، حديث 3. (4) الوسائل، ج 18، ص 500، باب 10 من أبواب حد السرقة، حديث 3. .

===============

( 269 )

[ والسرقة (1)، وإنكار ما أنزل الله تعالى (2)، والكذب على الله أو على رسوله صلى الله عليه واله، أو على الاوصياء عليهم السلام (3)، ] (1) فقد عدت من الكبائر في رواية الاعمش وكتاب الرضا عليه السلام للمأمون المروي في العيون بطرق متعددة لا يخلو بعضها عن اعتبار. ويقتضيه ما في خبر سماعة الذي هو كالموثق: (قال أبو عبد الله عليه السلام: اتى أمير المؤمنين عليه السلام برجال قد سرقوا، فقطع أيديهم ثم قال: إن الذي بان من أجسادكم قد وصل إلى النار، فإن تتوبوا تجترونها، وإن لم تتوبوا تجتركم) (1). ويناسبه شدة التنكيل عليه بالحد، وما تضمن أنه لا يسرق السارق وهو مؤمن (2) ونحو ذلك مما يظهر بسبر النصوص. وقد تقدم في الزنا ما له دخل في المقام (2) فقد عد من أكبر الكبائر في خبر أبي الصامت، وفي خبر عبد الرحمن بن كثير قد عد من الكبائر إنكار حقهم عليهم السلام. ومن الظاهر انصرافه إلى الانكار من غير حجة رافعة للعذر، ولا إشكال في كونه من أهم الذنوب التي لا يحتاج كونها كبيرة إلى اثبات، فقد استفاض الوعيد في الكتاب على تكذيب ما أنزل الله تعالى كما في قوله تعالى: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاء ه أليس في جهنم مثوى للكافرين) (3) وغيره مما هو كثير جدا، بل قد يؤدي ذلك إلى الكفر. وقد ورد التشديد في النهي عن رد الاخبار بسبب غرابة مضامينها، معللا بانه يخشى أن تكون قد وردت منهم عليه السلام، فيكون ردها ردا عليهم فلاحظ. (3) فإنه مضافا إلى ما يأتي في مطلق الكذب - قد عد من الكبائر في خبر


____________
(1) الوسائل، ج 81، ص 500، باب 11 من أبواب حد السرقة، حديث 3. (2) الوسائل، ج 18، ص 502، باب 11 من أبواب حد السرقة. (3) سورة الزمر: 33.

===============

( 270 )

[ بل مطلق الكذب (1)، ] أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الاوصياء عليه السلام من الكبائر). نعم، في بعض طرق الحديث اسقط قوله عليه السلام: (وعلى الاوصياء). مضافا إلى الوعيد الشديد الوارد في الكتاب المجيد على الكذب على الله تعالى كقوله سبحانه: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاء ه أليس في جهنم مثوى للكافرين) (1) وغيره مما هو كثير جدا. ومثله ما ورد في الكذب على النبي صلى الله عليه واله كالنبوي المستفيض المشهور بين الفريقين: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (2). وفي خبر أبي النعمان: قال أبو جعفر عليه السلام: (يا أبا النعمان لا تكذب علينا كذبة فتسلب الحنيفية) (3). وفي خبر عمر بن عطية عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث أنه قال لرجل من أهل الشام: (يا أخا أهل الشام إسمع حديثنا ولا تكذب علينا، فإنه من كذب علينا في شئ فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه واله ومن كذب على رسول الله صلى الله عليه واله فقد كذب على الله، ومن كذب على الله عذبه الله عزوجل) (4). (1) فقد عد من الكبائر في خبر الاعمش وكتاب الرضا عليه السلام للمأمون المروي في العيون بطرق متعددة لا يخلو بعضها عن اعتبار، كما تقدم. وفي المرسل عنه صلى الله عليه واله: (ألا أخبركم بأكبر الكبائر: الاشراك بالله وعقوق الوالدين وقول الوزر [ أي الكذب ]).


____________
(1) سورة العنكبوت: 98. (2) ا لوسائل، ج 8، ص 576، باب 139 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 5. (3) الوسائل، ج 8، ص 575، باب 139 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 1. (4) الوسائل، ج 8، ص 575، باب 139 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 4. .

===============

( 271 )

وفي الصحيح أو الموثق بعثمان بن عيسى عن أبي جعفر عليه السلام: (ان الله عزوجل جعل للشر أقفالا، وجعل مفاتيح تلك الاقفال الشراب، والكذب شر من الشراب) (1) فان كونه شرا من الشراب الذي هو من الكبائر، ومفتاح اقفال الشر مستلزم لكونه كبيرة، بل من أهم الكبائر. ودعوى: أنه لابد من حمله على كونه شرا من الشراب من حيث النتائج البعيدة ولو بسبب التعود عليه لا بنحو يكون كل كذب شرا من الشراب، بحيث يكون أهم ملاكا، إذ من البعيد جدا الالتزام بذلك، بحيث لو دار الامر بين الكذبة في الامور العادية والشراب، لوجب اختيار الشراب في مقام التزاحم، كما ذكره بعض مشايخنا. مدفوعة: بقرب سقوط حرمة الكذب في فرض التزاحم، لدخوله في الكذب للمصلحة والضرورة الذي هو مستثنى من الكذب المحرم، فاختياره حينئذ إنما يكون لفقده لملاك الحرمة، لا لكون ملاك الحرام منه أخف من ملاك الشراب، فان اختيار الاهم ملاكا في مقام التزاحم إنما هو مع عموم ملاك كل منهما لحال التزاحم، أما مع سقوط ملاك أحدهما فاللازم اختياره وإن كان في نفسه أهم ملاكا. وحينئذ فلا مخرج عن ظاهر الرواية. ودعوى: مخالفته لمرتكزات المتشرعة في أهمية الشراب من كثير من أفراد الكذب. مدفوعة: بعدم وضوح منشأ المرتكزات المذكورة، إذ لعلها ناشئة من العادة وكثرة المقارفة للذنب والابتلاء به الموجبة للغفلة عن أهميته، كما هو الحال في كثير من الذنوب العظام، كالغيبة. ومن هنا يظهر تمامية دلالة المرسل عن النبي صلى الله عليه واله: (ان المؤمن إذا كذب بغير عذر لعنه سبعون ألف ملك وخرج من قلبه نتن حتى يبلغ العرش وكتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنية أهونها كما يزني مع امه).


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 572، باب 138 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 3.

===============

( 272 )

ومرسل الفقيه عنه صلى الله عليه واله: (أربى الربا الكذب) (1). نعم، ضعف سند هما مانع من الاستدلال بهما، وإنما ينهضان للتأييد، كمرسل ابن أبي ليلى عن أبي جعفر عليه السلام: (إن الكذب هو خراب الايمان) (2). ومرسل الفقيه عن أمير المؤمنين عليه السلام: (وجانبوا الكذب، فانه يجانب الايمان ألا وإن الكاذب على شفا مخزاة وهلكة) (3). وما في خبر أبي ذر (رض) عن النبي صلى الله عليه واله في وصيته له: (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له ويل له) (4). وخبر عيسى بن حسان: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوما إلا كذبا في ثلاث...) (5). هذا وأما ما تضمن الوعيد للكذاب أو الذي إذا حدث كذب فهو مختص ب يستمر على الكذب، ولا يقتضى كون كل كذب كبيرة. ثم إنه قد يظهر من شيخنا الاعظم قدس سره المناقشة في عموم كون الكذب المحرم كبيرة بدعوى منافاة بعض النصوص له. وغاية ما يمكن الاستدلال به على ذلك ما دل على عد الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام من الكبائر، وهي رواية أبي خديجة المتقدمة، بدعوى ظهورها في اختصاص الكبيرة بذلك. وقريب منها في ذلك ما عن الحارث الاعور عن علي عليه السلام: (ان الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال أحدكم يكذب حتى يقال: كذب وفجر) (6) وغيره مما يشعر بان مجرد الكذب ليس فجورا.


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 574، باب 138 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 12. (2) الوسائل، ج 8 ص 572، باب 138 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 4. (3) الوسائل، ج 8، ص 574، باب 138 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 13. (4) الوسائل، ج 8، ص 577، باب 140 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 4. (5) الوسائل، ج 8، ص 579، 141 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 5. (6) الوسائل، ج 8، ص 577، باب 140 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 3.

===============

( 273 )

ومرسلة سيف بن عميرة عن أبي جعفر عليه السلام: (قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول لولده: اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير) (1). فقد ذكر قدس سره أنه يستفاد منه أن عظم الذنب باعتبار ما يترتب عليه من المفاسد. وصحيح ابن الحجاج: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الكذاب هو الذي يكذب في الشئ قال: لا ما من أحد إلا يكون ذلك منه، ولكن المطبوع على الكذب) (2). فقد ذكر قدس سره أنه يدل على أن الكذب من اللمم الذي يصدر من كل أحد. ومثله في ذلك موثق أبي بصير: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الكذبة تفطر الصائم، قلت: وأينا لا يكون ذلك منه! قال: ليس حيث ذهبت، إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة صلوات الله عليه وعليهم). والجميع كما ترى! لاندفاع الاول: بما تقدم غير مرة من لزوم البناء على عدم ورود نصوص التعداد للحصر، ولاسيما في مثل المقام مما لم يكن في نفسه ظاهرا في الحصر وشرح الكبائر، بل مجرد كون الذنب منها، وغاية الامر حمله على اختلاف مراتب الكبائر. والثاني: بأن عدم كون بعض أفراد الكذب فجورا لا ينافي كونه كبيرة. نعم، قد يشعر باختصاص الكذب الذي هو فجور بكونه يهدي إلى النار وأن غيره لا يهدي إليها. لكنه - مع ضعف الاشعار المذكور جدا - لا ينافي الوعيد بالنار على مطلق الكذب، فان التعبير بالاهداء مرتبة شديدة من الوعيد فاختصاصه ببعض الافراد لا ينافي عموم أصل الوعيد لجميعها. والثالث: بانه إنما يدل على اختلاف أفراد الكذب في الكبر والصغر، وهو لا ينافي كون الجميع كبيرة.


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 576، باب 140، من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 1. (2) الوسائل، ج 8، ص 573، باب 138 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، حديث 9. .

===============

( 274 )

[ وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله (1)، والقمار (2)، ] والاخيرين بأن مجرد كثرة وقوع الكذب من الناس لا يستلزم كونه صغيرة، كيف وقد ورد أن المؤمن إذا قارف أربعين كبيرة في يومه وليلته فاستغفر منها بالوجه المأثور غفرت له. نعم، لو كانا في مقام تهوين أمر الكذب الصادر من الناس كثيرا فقد يظهر منها عدم كونه من الكبائر. لكنهما ليسا كذلك، بل الاول ظاهر في عدم صدق عنوان الكذاب - الذي هو من أمثلة المبالغة المشعرة بنحو من ثبوت الصفة - على غير المطبوع، والثاني ظاهر في مجرد عدم مفطرية مطلق الكذب، وذلك لا ينافي كون الكذب مطلقا من الكبائر، فلا مجال للخروج بشئ من ذلك عما عرفت. (1) فقد عد جميع ذلك من الكبائر في خبر الاعمش وكتاب الرضا عليه السلام للمأمون المروي في العيون الذي تقدم اعتبار سنده. (2) ففي خبر الاعمش وكتاب الرضا عليه السلام للمأمون قد عد من الكبائر الميسر، وفسر في الثاني بالقمار، كما فسر به في غير واحد من النصوص (1). وعلى ذلك جرى في مجمع البيان وتفسير القرطين. ولا مجال مع ذلك للتوقف فيه، كما يظهر من القاموس، حيث فسره بنوع من القمار أو بالنرد أو بكل قمار. وعن مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (بيع الشطرنج حرام، وأكل ثمنه سحت، واتخاذها كفر، واللعب بها شرك، والسلام على اللاهي بها معصية وكبيرة موبقة... واللاهي بها والنا ظرإليها في حال ما يلهى بها والسلام على اللاهي بها في حالته تلك في الاثم سواء، ومن جلس على اللعب بها فقد تبوأ مقعده من النار، وكان عيشه ذلك حسرة عليه في


____________
(1) راجع النصوص المذكودة في الوسائل، ج 12، باب 35 و 102 و 104 من أبواب ما يكتسب به.

===============

( 275 )

[ وأكل السحت (1)، كثمن العذرات (2)، ] القيامة...) (1). نعم هو مختص بالشطرنج وتعميمه لغيره من أنواع القمار مشكل. (1) فقد عد من الكبائر في كتاب الرضا عليه السلام وخبر الاعمش. هذا والذي يظهر من كلمات بعض اللغويين أن السحت هو المال الذي يحرم بوجه مؤكد، لا كل مال محرم، لانه مأخوذ من الاسحات الذي هو القطع، فكأن إطلاقه على المال بلحاظ كونه قاطعا للدين أو المروءة، كما تقدم في المسألة العشرين، وهو الظاهر من النصوص أيضا، لان التعداد فيها ظاهر في خصوصية المعدود ولو كان السحت هو كل مال محرم لكان ذكره في مقام الشرح هو الانسب. ومن هنا لزم الرجوع إلى النصوص في معرفة أفراد ه، إذ لا مجال لاحراز شدة الحرمة بدونها. نعم، لا مجال لاستفادة الحصر منها وإن كان هو ظاهر بعضها، لمنافاته للنصوص الاخر الكاشفة عن كون المراد بتلك النصوص مجرد التطبيق لا الحصر فلاحظ. (2) كما يشهد به رواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال: ثمن العذرة من السحت) (2). وضعف سندها منجبر بعمل الاصحاب، حيث حكي عن المشهور تحريم بيع العذرة، بل عن الخلاف الاجماع على تحريم بيع السرجين النجس. لكن لم يتضح اعتمادهم على الرواية المذكورة، إذ لعلهم ذهبوا لذلك لدعوى عموم مانعية النجاسة من البيع وإن لم يثبت عندنا، فانجبار الرواية بذلك لا يخلو عن اشكال. هذا، وفي رواية محمد بن مضارب عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال: لا بأس ببيع العذرة)، وفي رواية سماعة: (سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر، فقال: إننى


____________
(1) الوسائل، ج 12، ص 241، باب 103 من أبواب ما يكتسب به، حديث 4. (2) الوسائل، ج 12، ص 126، باب 40 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1. .

===============

( 276 )

[ والميتة (1)، ] رجل أبيع العذرة، فما تقول قال: (حرام بيعها وثمنها. وقال: لا بأس ببيع العذرة) (1). والظاهر أن الصدر والذيل كلامان في واقعتين. فهما بمنزلة الروايتين المتعارضتين، لا كلام واحد، ليكون مجملا. وحمل خبري الجواز على عذرة البهائم وخبري المنع على عذرة الانسان - كما عن الشيخ قدس سره - بلا شاهد. فمن القريب جدا الجمع بينها بالحمل على الكراهة ولاسيما مع اعتضاده بما دل على جواز بيع ما فيه وجه من وجوه الصلاح، بناء على ما هو الظاهر من جواز الانتفاع بالعذرة بمثل التسميد. على أنه لو فرض استحكام التعارض بينها كان الترجيح لرواية الجواز لاعتبار سند رواية محمد بن مضارب بعد كونه من رواة كامل الزيارة ورواية جمع من الاجلاء عنه بعضهم من أصحاب الاجماع. نعم، لو ثبت هجر الاصحاب للرواية وإعراضهم عنها أوجب وهنها، إلا أنه غير ثابت، لامكان استناد من ذهب إلى ذلك للعموم المتقدم بنحو لا يمكن الخروج عنه بهذه الرواية بنظرهم بعد معارضتها بما عرفت. فسقوط الرواية عن الحجية بذلك مشكل. ولاسيما مع اعتضادها بعموم الصحة والنفوذ في العقود، بناء على ما هو الظاهر من عدم ثبوت عموم مانعية النجاسة من البيع، وتمام الكلام في كتاب البيع. (1) فقد عد من السحت في رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال: السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغي والرشوة في الحكم وأجر الكاهن). وكذا في مرسل الصدوق وما في وصية النبي صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام (2). والعمدة الاولى لانها قد رويت عن السكوني بطريقين لا يخلو كل منهما عن


____________
(1) الوسائل، ج 12، ص 126، باب 40 من أبواب ما يكتسب به، حديث 3. (2) الوسائل، ج 12، ص 126، باب 40 من أبواب ما يكتسب به، حديث 2. .

===============

( 277 )

[ والخمر، والمسكر (1)، وأجر الزانية (2)، وثمن الكلب الذي لا يصطاد (3)، والرشوة على الحكم (4) ولو بالحق (5)، ] قرب، ولا أقل من تأييد كل منهما للاخر، بحيث يوثق بصدور الرواية عن السكوني الذي لا ينبغي التوقف في روايته. (1) ففي صحيح عمار بن مروان: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الغلول، فقال: (كل شي غل من الامام فهو سحت، وأكل مال اليتيم وشبهه سحت. والسحت أنواع كثيرة، منها أجور الفواجر وثمن الخمر والنبيذ والمسكر والربا بعد البينة. فاما الرشا في الحكم فان ذلك الكفر بالله العظيم وبرسوله صلى الله عليه واله). والنصوص بعد ثمن الخمر كثيرة (1) تقدم بعضها، وفي صحيح عمار الاخر الاتي إضافة للنبيذ المسكر. (2) فقد تقدم في صحيح عمار بن مروان عد اجور الفواجر من السحت، كما تقدم في رواية السكوني عد مهر البغي منه، والنصوص بذلك كثيرة. (3) فقد تظافرت به النصوص (2) واطلق في بعضها الكلب، فيلزم حمله على خصوص ما لا يصطاد، لما دل على جواز بيع ما يصطاد. (4) فقد عدت من السحت في غير واحد من النصوص (3) وفي بعضها أنها الكفر بالله العظيم، كما في صحيح عمار بن مروان المتقدم وغيره. (5) للاطلاق، لما هو الظاهر من صدق الرشوة حينئذ وعمومها له عرفا، وهو مقتضى إطلاق كلام بعض اللغويين. وفي مجمع البحرين بعد ذكر المعنى الشامل لذلك قال: (والرشوة قلما تستعمل إلا في ما يتوصل به إلى إبطال حق أو تمشية باطل) وهو - مع عدم وضوحه - لا يمنع من التمسك بالاطلاق.


____________
(1) الوسائل، ج 12، ص 14 - 16، باب 5 من أبواب ما يكتسب به، حديث 5 و 8 و 9. (2) تراجع النصوص المذكورة في الوسائل، ج 12، باب 5 من أبواب ما يكتسب به. (3) راجع النصوص المذكورة في الوسائل، ج 12، باب 5 من أبواب ما يكتسب به. ،

===============

( 278 )

[ وأجر الكاهن (1)، وما أصيب من أعمال الولاة الظلمة (2)، وثمن الجارية المغنية (3)، وثمن الشطرنچ (4)، ] (1) فقد عد من السحت في رواية السكوني المتقدمة ومرسل الصدوق ووصية النبي صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام. (2) ففي صحيح عمار بن مروان: (قال أبو عبد الله عليه السلام: كل شئ غل من الامام فهو سحت، والسحت أنواع كثيرة، منها ما اصيب من أعمال الولاة الظلمة. ومنها أجور القضاة واجور الفواجر وثمن الخمر والنبيذ المسكر والربا بعد البينة، فأما الرشا يا عمار في الاحكام فان ذلك الكفر بالله العظيم...) (1). (3) ففي خبر إبراهيم بن أبي البلاد الذي لا يخلو عن اعتبار: (أن ثمن الكلب والمغنية سحت). (2) وفي المرسل عنه: (وتعليمهن كفر والاستماع منهن نفاق وثمنهن سحت). (3) وفي معتبرة الوشا عن الرضا عليه السلام: (قد تكون للرجل الجارية تلهيه وما ثمنها إلا ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت، والسحت في النار) (4). نعم، في خبر عبد الله بن الحسن الدنيوري عن أبي الحسن عليه السلام: (قلت: جعلت فداك فأشتري المغنية أو الجارية تحسن أن تغني اريد بها الرزق لا ذلك، قال: اشتر وبع) (5). لكنه مع ضعف سنده لا ينهض في قبال تلك النصوص وغيرها مما تضمن حرمة ثمنها (4) كما في رواية البزنطي المروية عن مستطرفات السرائر المتقدمة عند الكلام في القمار، والظاهر أن المراد به ثمن آلات الشطرنج، لا ما يراهن عليه. هذا، وقد تقدم في صحيحي عمار عد الغلول من الامام من السحت، وكذا


____________
(1) راجع النصوص المذكورة في الوسائل، ج 12، ص 64، باب 5 من أبواب ما يكتسب به. حديث 12. (2) الوسائل، ج 12، ص 87، باب 16 من أبواب ما يكتسب به. حديث 4. (3) و (4) الوسائل، ج 12، ص 87 - 88، باب 16 من ابواب ما يكتسب به، حديث 4 و 5 و 6. (5) الوسائل، ج 12، ص 86، باب 16، من أبواب ما يكتسب به، حديث 1.

===============

( 279 )

[ فإن جميع ذلك من السحت، ومن الكبائر البخس في المكيال والميزان (1)، ] الربا بعد البينة، وفي الثاني منهما عد اجور القضاة منه. وتقدم في المسألة العشرين تضمن مقبولة ابن حنظلة أن ما يؤخذ بحكم قضاة الجور سحت وإن كان الاخذ محقا. وربما يوجد في النصوص إطلاق السحت على امور اخر لا مجال لاستقصائها. كما أن في المقام مباحث متعلقة بالامور المعدودة من حيثية العموم والخصوص وغيرهما لا يسع المقام التعرض لها، وليس غرضنا هنا إلا الاشارة إلى وجه كونها سحتا مع إيكال تلك الخصوصيات لمحل آخر، كمباحث المكاسب المحرمة وغيرها. كما أن الامر في غير واحد من الكبائر كذلك. (1) فقد عد من الكبائر في خبر الاعمش وكتاب الرضا عليه السلام للمأمون. ويقتضيه قوله تعالى: (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن اولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم...) فان ظهورها في الوعيد بالنار ضمنا مما لا ينبغي أن ينكر. وفي خبر محمد بن سالم: (وأنزل في الكيل: (ويل للمطففين) ولم يجعل الويل لاحد حتى يسميه كافرا، قال الله تعالى: (فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) (1). وفي مرسل الفقيه: قال رسول الله صلى الله عليه واله: (التاجر فاجر، والفاجر في النار، إلا من أخذ الحق وأعطى الحق) (2).


____________
(1) الوسائل، ج 1، ص 23، باب 2 من أبواب مقدمة العبادا، حديث 14. (2) الوسائل، ج 12، ص 285، باب 2 من أبواب آداب التجارة، حديث 5. .

===============

( 280 )

[ ومعون الظالمين (1)، والركون إليهم (2)، ] مضافا إلى ما ورد في مطلق الظلم من النصوص الكثيرة (1). (1) فقد عدت من الكبائر في كتاب الرضا عليه السلام للمأمون. ويقتضيه فحوى ما في خبر الاعمش من عد ترك معاونة المظلومين منها. ويستفاد الوعيد عليه صريحا وضمنا من غير واحد من النصوص (2). ومقتضى إطلاق غير واحد منها عدم الفرق بين السلطان الجائر وغيره من الظلمة، وهو المناسب للمرتكزات. نعم، لا ينبغي الاشكال في انصرافها للاعانة له في ظلمه، على ما يذكر مفصلا في مباحث المكاسب المحرمة. (2) فقد عد من الكبائر في كتاب الرضا عليه السلام للمأمون وخبر الاعمش. وهو مقتضى الوعيد عليه في قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) (3). قال في مجمع البيان: (الركون إلى الشئ هو السكون إليه بالمحبة له والانصات إليه. ونقيضه النفور عنه... وقيل: إن الركون إلى الظالمين المنهي عنه هو الدخول معهم في ظلمهم وإظهار الرضا بفعلهم أو إظهار موالاتهم... وقريب منه ما روي عنهم عليه السلام: ان الركون المودة والنصيحة والطاعة). هذا، والركون قد يراد منه الركون النفسي الراجع إلى المحبة والمودة، وحسن الظن، والعذر، وقد يراد منه الركون الخارجي بالمخالطة والاعانة والتأييد ونحوها. والاية قابلة للامرين، وإن لم يبعد انصراف الاطلاق عرفا للاول، وهو


____________
(1) الوسائل، ج 11، ص 338، باب 77 من أبا وأب جهاد النفس. (2) الوسائل، ج 11، ص 421، باب 11 من أبواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، وج 12، ص 127 - 132، باب 42 و 43 من ابواب ما يكتسب به. (3) سورة هود: 113. .

===============

( 281 )

[ والولاية لهم (1)، وحبس الحقوق من غير عسر (2)، ] الانسب بما ذكره في صدر كلامه. وما في القاموس من أن الركون الميل والسكون، وظاهر الرواية المشار إليها في ذيل كلامه إرادة الثاني، وربما تحمل على كونه مظهرا للاول وكاشفا عنه. وكيف كان فلا يبعد كون كلا الامرين كبيرة. كما يشهد بالاول ما تضمن أن الراضي بعمل قوم يحشر معهم ويكون شريكهم في الاثم، وما تضمن أن المر مع من أحب وانه لا يجوز عذر الظالم (1) ونحو ذلك مما يؤيد بالمرتكزات، فتأمل. ويشهد بالثاني ما تضمن الوعيد على إعانة الظالمين والولاية لهم ومدحهم ونحوها من النصوص الكثيرة (2)، فراجع. (1) فقد ورد الوعيد على ذلك ونحوه من العناوين التي تعمه في غير واحد من النصوص المتقدمة إليها الاشارة. وقد عرفت احتمال دخوله في الركون الذي تضمنته الاية. (2) فقد عد من الكبائر في كتاب الرضا عليه السلام للمأمون وخبر الاعمش. وفي صحيح عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام: (وما من رجل يمنع حقا في ماله إلا طوقه الله به حية من نار يوم القيامة) (3) وفي خبر يونس بن ظبيان: (قال أبو عبد الله عليه السلام: يا يونس من حبس حق المؤمن أقامه الله عزوجل يوم القيامة خمسمائة عام على رجليه حتى يسيل عرقه أو دمه [ من عرقه أودية ]، وينادي مناد من عند الله: هذا الظالم الذي حبس عن


____________
(1) راجع النصوص الدالة على ذلك في الكبائر في الوسائل، ج 11، باب 3 و 5 و 18 و 27 من أبواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر. (2) راجع الوسائل، ج 12، ص 127، باب 24 من أبواب ما يكتسب به، وج 11، ص 502، وباب 38 من ابواب الامر بامعروف والنهى عن المنكر. (3) الوسائل، ج 6، ص 25، باب 6 من أبواب ما يجب فيه الزكاة حديث 1. .

===============

( 282 )

[ والكبر (1)، ] حقه، قال: فيوبخ أربعين يوما ثم يؤمر به إلى النار) (1). وفي حديث المناهى: (ومن مطل [ يبطل خ ل ] على ذي حق حقه وهو يقدر على أداء حقه فعليه كل يوم خطيئة عشار) (2). مضافا إلى ما ورد في مطلق الظلم مما أشرنا إليه في البخس. (1) فقد عد من الكبائر في كتاب الرضا عليه السلام للمأمون، وفي خبر الاعمش عد منها استعمال التكبر والتجبر وقد تظافرت النصوص بالوعيد على المتكبر والمتجبر. وقد يظهر من القاموس ترادفهما، حيث فسر كلا منهما بالاخر، وقد يظهر من بعض النصوص أيضا، ففي صحيح الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه السلام: (سمعته يقول: الكبر قد يكون في شرار الناس من كل جنس، والكبر رداء الله، فمن نازع الله رداء لم يزده إلا سفالا. إن رسول الله صلى الله عليه واله مر في بعض طرق المدينة وسوداء تلقط السرقين، فقيل لها: تنحي عن طريق رسول الله صلى الله عليه واله فقالت: إن الطريق لمعرض، فهم بها بعض القوم أن يتناولها، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: دعوها، فإنها جبارة). ويؤيده تقارب النصوص الواردة فيهما من حيث آثارهما الوضعية وعقابهما الاخروي، ووحدة الحد المذكور لهما في النصوص، وهو أن يغمص الناس ويسفه الحق. نعم، قد يظهر تباينهما من مرسل الكافي: (ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لمذلة يجدها في نفسه). وربما يكون التجبر أخص، لقرب ان يكون متضمنا نحوا من القهر للغير ومحاولة إخضاعه، بخلاف التكبر فانه قد يكون بالتعاظم والترفع المجرد، وإن كان إثبات ذلك محتاجا إلى الدليل.


____________
(1) الوسائل، ج 11، ص 508، باب 39 من أبواب الامر بامعروف والنهى عن المنكر، حديث 2. (2) الوسائل، ج 13، ص 89، باب 8 من أبواب الدين، حديث 2.

===============

( 283 )

[ والاسراف والتبذير (1)، ] ثم إن غير واحد من النصوص قد تضمن تحديد الكبر والتجبر المحرم بغمص الناس وتسفيه الحق، بل في بعضها إنما الكبر إنكار الحق. لكن في بعضها أن تسفيه الحق وغمص الناس أعظم الكبر، وهو ظاهر في عدم توقف الكبر على ذلك. ويؤيده أو يدل عليه ما سبق في صحيح الحسين بن أبي العلاء، وما في مرفوع محمد بن خالد البرقى: (ويل لمن يختال في الارض يعاند جبار السماوات والارض). ومرسل ابن فضال عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من مشى في الارض اختيالا لعنته الارض ومن تحتها ومن فوقها). وغيرها مما يظهر منه النهي الشديد والوعيد على التكبر الذي هو عبارة عن التعاظم والبناء على رفعة النفس الذي يظهر بالاختيال في المشي وإسبال الازار ونحوهما. بل من البعيد جدا حمل النصوص الكثيرة الواردة في التكبر والتجبر على خصوص ما قارن تسفيه الحق أو إنكاره، ولاسيما ما تضمن أن الكبر رداء الله تعالى فمن نازع الله شيئا من ذلك أكبه الله في النار، وما تضمن مقابلة التكبر بالتواضع. اللهم إلا أن يحمل تسفيه الحق وغمص الناس على ما قارن التكبر بالمعنى العرفي المذكور، لاستلزام البناء على رفعة النفس تجاهل ضعة الانسان وضعفه الذي هو من الحق، وتحقير الاخرين بالبناء على كونهم دونه. وكيف كان، فلا يبعد البناء على اختلاف مراتب الحرمة. وإن كان ينبغي التأمل في النصوص جيدا. (1) فقد عدا من الكبائر في كتاب الرضا عليه السلام للمأمون وخبر الاعمش قد يستفاد الوعيد على التبذير من قوله تعالى: (ولا تبذر تبذيرا * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا) (1)


____________
(1) سورة بنى اسرائيل: 26 و 27 .

===============

( 284 )

[ والاستخفاف بالحج (1)، ] وقد تداول بين بعض أهل العلم أن التبذير إنفاق ما لا يحتاج إليه، والاسراف صرف أكثر مما يحتاج إليه. ولم يتضح منشؤوه، بل قد يظهر من القاموس ومجمع البيان أن التبذير أخص، حيث يختص بما يكون على سبيل الافساد، بخلاف الاسراف، حيث أنه مطلق ما زاد على الاعتدال في الانفاق والقصد فيه. وهذا هو المتبادر من معنى الاسراف عرفا والذي يستفاد من النصوص (1) أيضا، حيث جعلته طرفا كالتقتير وجعلت ما بينهما هو القصد. إلا أن في الالتزام بحرمته على إطلاقه فضلا عن كونه من الكبائر إشكالا، فإن التقيد بالوسط محتاج إلى عناية، إذ يصعب تشخيصه، فضلا عن الالتزام به والمحافظة عليه. ومن ثم لا يبعد كون المحرم هو الاسراف الموجب للاضرار بالمال وإفساده من دون غرض عقلائي الذي لا يبعد كونه معنى التبذير. ولا يبعد جواز الاسراف في الانفاق مع وجود الغرض العقلائي، بحيث لا يكون إفسادا للمال، وخصوصا في الخير، ومن ثم كان ظاهر النصوص وغيرها استحباب الاقتصاد لا وجوبه. كيف وقد عرف منهم عليه السلام الكرم الباذخ، الذي يعتبر من الصفات الحميدة. ولاسيما أنه ليس في نصوص النهي عن الاسراف ظهور معتد به في التحريم، والعمدة ما تضمن عده من الكبائر، ولا يبعد عدم إرادة إطلاقه لما عرفت، وأن المراد عده من الكبائر بعد الفراغ عن حرمته، فيقتصر على المتيقن الحرمة، فتأمل. (1) فقد عد من الكبائر في كتاب الرضا عليه السلام وخبر الاعمش. هذا مع أنه إن اريد به الاستخفاف النفسي فحيث كان راجعا إلى الاستخفاف بالدين فلا يحتاج كونه كبيرة إلى إثبات، بل قد يكون كفرا.


____________
(1) الوسائل، ج 15، باب 25 و 29 من أبواب النفقات،

===============

( 285 )

[ والمحاربة لاولياء الله تعالى (1)، والاشتغال بالملاهي (2)، ] وإن كان المراد به الاستخفاف العملي بالتهاون به بتركه أو تسويفه فيكفي في كونه كبيرة ما تضمن أهمية الحج وكونه أحد الفرائض التي بني عليها الاسلام. وقد يقتضيه ما ورد من الوعيد على تركه وتسويفه، فراجع أوائل أبواب الحج من الوسائل. (1) فقد عدت من الكبائر في كتاب الرضا عليه السلام وخبر الاعمش، والامر فيها أظهر من ذلك، إذ محاربتهم إن كانت من حيث موالاتهم له تعالى كانت حربا له سبحانه حقيقة، واستلزمت النفاق أو الكفر. وإن كانت مبنية على ملاحظة اشخاصهم كانت منافية لحق المؤمن، ولما ورد في حرمة إيذائه وإهانته وخذلانه وإذلاله واحتقاره والاستخفاف به وغيرها (1) بل هي أولى بالحرمة من ذلك. (2) فقد عد من الكبائر في كتاب الرضا عليه السلام للمأمون المروي في العيون، وفي خبر الاعمش قال بعد عد الكبائر: (والملاهي التي تصد عن ذكر الله عزوجل مكروهة، كالغناء وضرب الاوتار، والاصرار على صغائر الذنوب) وظاهره أنه كلام مستأنف غير وارد في تعداد الكبائر، وربما يكون المراد فيه بالكراهة الحرمة التي تجتمع مع الكبيرة، كما يناسبه ذكر الاصرار على الصغائر بعد ذلك. وعلى كل حال فهو لا يخلو من إجمال، ولا يصلح للاستدلال. هذا، ويمكن الاستدلال على كون الامور المذكورة من الكبائر بما تضمن من النصوص (2) تطبيق النفاق على الغناء، وأنه المراد بقوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا اولئك لهم


____________
(1) راجع النصوص المتضمنة لذلك في الوسائل، ج 8، باب 122 و 145 و 146 و 147 و 148 من أبواب العشرة. (2) راجع النصوص المذكورة في الوسائل، ج 12، باب 99 و 100 من ابواب ما يكتسب به.

===============

( 286 )

[ كالغناء (1)، ] عذاب مهين) (1) بل في خبر محمد بن مسلم الذي في طريقه ابن أبي عمير عن أبي جعفر عليه السلام: (سمعته يقول: الغناء مما وعد الله عليه النار، وتلا هذه الاية: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث...) (2) وكذا ما تضمن أن ضرب العيدان ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء الخضرة، ونحو ذلك مما يظهر منه شدة حرمة الامور المذكورة بنحو يناسب كونه كبيرة. (1) في كونه من الملاهي المذكورة في كتاب الرضا عليه السلام إشكال، لما يظهر من القاموس من أن الملاهي جمع الملهاة التي هي آلة اللهو، كالطنبور والعيدان والبرابط وغيرها، ولا تشمل الغناء الذي يلهي من دون آلة. نعم، لا مجال لذلك في خبر الاعمش، للتمثيل فيه بالغناء صريحا. لكن عرفت الاشكال في دلالته على كون الاشتغال بالملاهي كبيرة. اللهم إلا أن يستفاد عموم الملاهي للغناء في كتاب الرضا عليه السلام بقرينة خبر الاعمش، أو يستفاد حكم نفس الغناء بالتبعية العرفية، لانه من سنخها ومما يقصد معها. وكلا الامرين مشكل. فالاولى الاستدلال على كون الغناء من الكبائر بما تقدم. هذا ولا يبعد كون استماع الغناء كبيرة أيضا، كما قد يستفاد من موثقة مسعدة بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام فيمن يستمع للغناء في الكنيف، حيث قال الرجل له عليه السلام: (لا جرم اني لا أعود إن شاء الله، واني استغفر الله، فقال له: قم فاغتسل وصل مابدا لك، فانك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك. احمد الله وسله التوبة من كل ما يكره، فانه لا يكره إلا كل قبيح، والقبيح د عه


____________
(1) سورة لقمان: 6. (2) الوسائل، ج 12، ص 126، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6.

===============

( 287 )

[ بقصد التلهى (1) - وهو الصوت المشتمل على الترجيع (2)، ] لاهله) (1). وما في خبري إبراهيم بن أبي البلاد والطاطري (2) من أن الاستماع للجواري المغنيات نفاق، وما في خبر عنبسة (3) من أن استماع اللهو والغناء ينبت النفاق، ونحو ذلك مما يظهر بسبر النصوص (4)، التي قد يستفاد منها أيضا ذلك في استماع غير الغناء من الملاهي، بل لا يبعد كون المراد من الاشتغال بالملاهي ما يعم الاستماع إليها، فتأمل. (1) ظاهره عدم أخذ قصد التلهي في مفهوم الغناء، بل في حكمه. ويأتى الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى. (2) اختلفت عباراتهم في تعريف الغناء. قال في الجواهر: (ففي جملة من كتب الاصحاب أنه مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، بل ربما قيل: انه المشهور، وفي القاموس: غناء ككساء من الصوت ما طرب به، وفي شهادات القواعد وبعض كتب اللغة: ترجيع الصوت ومده، وعن الشافعي: أنه تحسين الصوت وترقيقه، وفي محكي النهاية: أن كل من رفع صوتا ووالاه فصوته عند العرب غناء، وعن السرائر والايضاح: انه الصوت المطرب، وعن بعض: انه مد الصوت، وعن المصباح المنير أنه الصوت، إلى غير ذلك من كلمات أهل اللغة التي يقطع الماهر بملاحظتها بكون المراد منها بيان أن الغناء من هذا الجنس، نحو قولهم: سعدانة بنت، ضرورة عدم خلو غالب الاصوات - في قراءة القرآن والادعية والخطب والشعر في جميع الاعصار والامصار من العلماء وغيرهم - من تحسين ومد وترجيع في


____________
(1) الوسائل، ج 2، ص 759، باب 81 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 1. (2) الوسائل، ج 12، ص 126، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، حديث 6. (3) الوسائل، ج 12، ص 235، باب 101 من أبواب ما يكتسب به، حديث 1. (4) راجع النصوص المذكورة في الوسائل، ج 12، ص 236، من أبواب ما يكتسب به.

===============

( 288 )

الجملة، كما لا يخفى على من له أدنى معرفة وانصاف). وما ذكره متين في الجملة، إلا أن حمل جميع التعاريف على كون المقصود بها التعريف اللفظي لا الحقيقي غير ظاهر. بل لعل المقصود ببعضها - خصوصا تعاريف الفقهاء - هو التعريف الحقيقي، بل هو الظاهر من تعريف النهاية، غاية الامر أنه غير تام في نفسه. وأشكل من ذلك ما يظهر منه من كون جميع التعاريف المذكورة من باب التعريف بالاعم، الراجع إلى توقف الغناء على ما أخذ فيها من العناوين، مع أنه لا ينبغي الريب في عدم توقفه على بعضها كترقيق الصوت ورفعه، بل تحسينه إن اريد به ما يساوق ترقيقه مما يرجع إلى جمال الصوت في نفسه، لوضوح تحقق الغناء من قبيح الصوت لغلظ ونحوه. وما في مفتاح الكرامة من عدم حصول الغناء مع الجفاء والخشونة والغلظ في الصوت، غير ظاهر أصلا. نعم، لو اريد من التحسين ما يحصل بنظم المجموعات الصوتية وتنسيقها - كما قد يظهر من الجواهر - فالكلام فيه يظهر مما يأتي في الترجيع. إذا عرفت هذا، فاللازم النظر في ما قد يقال بتوقف الغناء عليه، وهي امور.. الاول: الترجيع فان ظاهر المتن - كغير واحد من التعاريف المتقدمة - أخذه في مفهوم الغناء. والكلام فيه موقوف على تحديد معناه، ففي القاموس: (والترجيع في الاذان ترديد الشهادتين جهرا بعد إخفائهما، وترديد الصوت في الحلق)، وفي مفردات الراغب: (والترجيع ترديد الصوت باللحن في القراءة وفي الغناء)، وفي مجمع البحرين: (ترجيع الصوت ترديده في الحلق، كقراءة أصحاب الالحان). وهذه الكلمات - كما ترى - ظاهرة في أن الترجيع عبارة عن مد الصوت في الحلق بتقطيعه والعود فيه وترديده في الحلق، وهو إنما يكون في حروف العلة والحركات المماثلة لها التي بها يكون المد في الحروف الاخر. والظاهر أن الغناء لا يتوقف على ذلك، بل هو موقوف على إيقاع الاصوات

===============

( 289 )

بانتظام خاص وتناسق بين مجموعاتها، إما بالترجيع فيها بالمعنى المتقدم، أبالمد من دون ترجيع، أو بتقارب الحروف أو تباعدها عند اخراجها والنطق بها، فالترجيع بالمعنى المتقدم قد يستعان به في حفظ النظم والنسق الذي يتوقف عليه الغناء، لا أنه مقوم له. ولعل مراد من أخذ الترجيع في تعريف الغناء هو النظم والنسق المذكور بلحاظ أن المتكلم يرجع إليه ويحافظ عليه في تمام الكلام. بل في مفتاح الكرامة: (الترجيع تقارب ضروب حركات الصوت والنفس) ولعله راجع إلى ما ذكرنا. ومنه يظهر الحال في المد الذي يظهر من غير واحد من التعاريف المتقدمة أخذه في الغناء، فان الظاهر عدم توقفه عليه، وإن كان قد يستعان به فيه، كما سبق. كما أن الموالاة التي تقدم ذكرها عن النهاية إنما تعتبر حيث يتوقف عليها النظم المذكور. اللهم إلا أن يكون مراده الاشارة إلى معنى لغوي مهجور عند العرف، وإن كان هو بعيدا أيضا. الثاني: الطرب، ويظهر أخذه من بعض التعاريف المتقدمة، والكلام فيه موقوف على معرفة المراد منه أيضا. قال في القاموس: (الطرب محركة: الفرح، والحزن ضده. أو خفة تلحقك تسرك أو تحزنك، وتخصيصه بالفرح وهم). وفي مجمع البحرين: (الطرب بالتحريك خفة تعتري الانسان لشدة حزن أو سرور). ومثله ما عن الصحاح، وقريب منه ما عن الاساس للزمخشري من أنه خفة لسرور أوهم. والظاهر أنه هو المراد لهم هنا، لا مطلق الحزن أو السرور الذي ذكره في القاموس أولا. قال شيخنا الاعظم قدس سره: (وهذا القيد هو المدخل للصوت في أفراد اللهو، وهو الذي أراده الشاعر بقوله: * أطربا وأنت قنسري * أي شيخ كبير، وإلا فمجرد السرور أو الحزن لا يبعد عن الشيخ).

===============

( 290 )

وحينئذ فما في كلام غير واحد من أخذ الاطراب أو التطريب في مفهوم الغناء لابد أن يراد به كونه سببا لحصول الطرب بالمعنى المتقدم. وأما ما في مفتاح الكرامة من أن المراد بالتطريب والاطراب في تعريف الغناء صفة في الصوت، وهي مجرد تحسينه والمد والترجيع فيه، لما عن الصحاح من أن: التطريب في الصوت مده وتحسينه، وعن المصباح من أن: طرب في صوته بمعنى رجعه ومده. فلا مجال له، لظهور كلماتهم في اختصاص مادة الطرب بالمعنى المتقدم، فلابد من تنزيل ما تقدم من الصحاح والمصباح عن كون تفسير الاطراب في الصوت بالتحسين والمد والترجيع بلحاظ كونها سببا له وملزومة لحصوله، لا لشرح المفهوم الحقيقي، كما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره. إذا عرفت هذا فلا ينبغي الاشكال في عدم اعتبار فعلية الطرب في صدق الغناء، إذ لا إشكال في عدم ترتبه على كثير من أفراد الغناء، لقبح الصوت، أو لانشغال بال السامع، أو لغلظ طبعه، إلى غير ذلك، كما نبه لذلك غير واحد. وكأن هذا هو الذي دعى الشهيد في المسالك إلى العدول عن تعريف المشهور، حيث استحسن ما عن بعضهم من رده إلى العرف، فما سمي فيه غناء يحرم وإن لم يطرب، وردد بينهما في الروضة والرياض، بل عن الاخير: (والحق في الغناء أنه الصوت اللهوي، لا الصوت المشتمل على الترجيع، ولا الصوت المطرب، ولا المركب منهما، كما عليه العرف). ومن ثم ذكر شيخنا الاعظم أن المتعين حمل أخذ الطرب في تعريف الاكثر للغناء على أن الغناء هو ما يقتضي الطرب ويعرض له بحسب نوع الترجيع، وإن لم يطرب شخصه لمانع من غلظة الصوت ومج الاسماع له. وما ذكره قدس سره قريب جدا لما فيه من الجمع بين تعريف المشهور والمعنى العرفي. الثالث: اللهو، ويظهر من غير واحد أخذه إما في مفهوم الغناء - كما تقدم مما عن الرياض، ويظهر من شيخنا الاعظم قدس سره - أو في حكمه - كما يظهر من سيدنا

===============

( 291 )

المصنف قدس سره وغيره - قال شيخنا الاعظم قدس سره: (فالغناء إن كان مساويا للصوت اللهوي والباطل - كما هو الاقوى وسيجئ - فهو، وإلا وجب تقييده بما كان من هذا العنوان. كما أنه لو كان أخص وجب التعدي عنه إلى مطلق الصوت الخارج على وجه اللهو). وظاهر ما تقدم من شيخنا الاعظم قدس سره في الطرب أن المراد من اللهو ما يساوق الطرب، فيكون اعتباره راجعا إلى ترتبه على الغناء نوعا، ويبتني على ما سبق. أما في كلامه هذا فظاهره اعتبار فعلية اللهو، وهو الظاهر من سيدنا المصنف قدس سره، لكن بمعنى اعتبار فعلية قصده، فما لم يقصد به التلهي لا يحرم وإن كان من النوع الذي من شأنه أن يطرب. كما أن الظاهر أن مراده بقصد التلهي قصد الانشغال بالغناء والتلذذ به وإن علم بعدم حصول الطرب بالمعنى المتقدم، لكفاية ذلك في صدق التلهي عرفا وحمله على ما يساوق الطرب بعيد عن ظاهره كما لا مجال لاستفادة أخذه من الادلة. إذا عرفت هذا، فاعتبار قصد اللهو بالمعنى المذكور في التحريم ظاهر لو ثبت أخذه في مفهوم الغناء، أما لو ثبت عموم الغناء لغيره من الصوت المرجع فيه الذي من شأنه الاطراب فقد يشكل التخصيص المذكور، لعدم الدليل عليه عدا دعوى استفادته من النصوص المتضمنة لتفسير لهو الحديث به، والنصوص المتضمنة لتطبيق عنوان الباطل عليه، بدعوى: اختصاص الباطل بذلك. ويندفع الاول: بأن مجرد تطبيق ذلك على الغناء لا يقتضي التقييد، إذ لا مانع من كون التطبيق تعبديا بلحاظ جهات خاصة خفية، وهذا بخلاف التعليل، لظهوره في إيكال استنباط الحكم من العلة إلى فهم السامع، فهو ظاهر في إرادة المعنى العرفي للعلة الذي يدركه السامع بنفسه. وأما الثاني: فالتطبيق فيه وإن كان عرفيا، لا يكاله في خبري يونس والريان بن الصلت (1) إلى السائل، إلا أنه موقوف على القطع بعدم صدق الباطل على ما لا يكون بقصد اللهو، ولا يكفي الشك، إذ معه يكون النص المذكور مجملا غير صالح لتقييد


____________
(1) الوسائل، ج 12، ص 227، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، حديث 13 و 14.

===============

( 292 )

الاطلاقات. أما مع فرض القطع بعدم صدق الباطل عليه، فيكون النص المذكور صالحا للتقييد. ولا طريق للقطع بذلك وإن كان قريبا جدا. فالعمدة في الاختصاص قوة احتمال توقف مفهوم الغناء عرفا على صدور الصوت بداعي اللهو والطرب. ولا أقل من قرب انصراف إطلاقه إلى ذلك بنحو لا مجال للتمسك به في غيره، لما هو المرتكز من مناسبة الغناء لذلك وكونه المقصود منه، وبه يكون منشأ للاستنكار عرفا، فمن القريب جدا أن يكون النهي عنه شرعا تنبيها على المرتكز المذكور وتأكيدا له، وهو مختص بذلك. وقد يشهد به ما تضمن أنه يورث النفاق، فان ما يناسبه هو ذلك لا مطلق الصوت المرجع به فتأمل. وذلك إن لم يوجب ظهور الادلة في خصوصه فلا أقل من إجمالها الموجب للاقتصار فيها على المتيقن، والرجوع في غيره إلى أصالة البراءة. هذا، وأما ما تقدم من شيخنا الاعظم قدس سره من أنه لو فرض كون الغناء أخص وجب التعدي عنه إلى مطلق الصوت الخارج على وجه اللهو، فلا يتضح وجهه بعد عدم كون العنوان المذكور موردا للنهي في الادلة الشرعية، وإنما اشتملت على الغناء. وأما إطلاق الذم للهو الحديث في الاية الشريفة فظاهره في نفسه إرادة الحديث الملهي الذي يقصد به الاضلال عن سبيل الله، ولا يقتضي الحرمة مع عدم القصد المذكور، وتفسيره بالغناء تعبدي، فلا مجال للتعدي منه إلى غيره مما هو محل الكلام. كما أن ما يستفاد من نصوص تطبيق الباطل على الغناء من النهي عن كل باطل لا ظهور له في التحريم، بل في مجرد التنفير، ولعل ذكره ليستجن به عن بيان حرمة الغناء ولو من جهة التقية، كما قد يشعر به خبرا يونس والريان بن الصلت. اللهم إلا أن يستفاد التعميم بتنقيح المناط، فتأمل. ويهون الامر أن ما ذكره فرض لا واقع له.

===============

( 293 )

[ على ما يتعارف عند أهل الفسوق (1) - والرقص (2)، ] ثم إنه لاجل ما سبق لا يبعد اختصاص حرمة سماع الغناء بالسماع المبني على قصد التلهي بالمعنى المتقدم، دون ما لو قصد به أمر آخر، كمعرفة مضمون الكلام الذي يتغنى به ونحوه مما لا يرجع إلى التلذذ والتلهي به من حيث كيفيته الغنائية، فإن ظهور كون المقصود نوعا من الغناء وسماعه هو الطرب موجب لانصراف إطلاقه لذلك، كما قد يناسبه ما تضمنته بعض النصوص من أنه ينبت النفاق. كما أنه لا يبعد حرمة السماع المبني على ذلك وان لم يصدر الصوت بداعي ذلك. والمتحصل من جميع ما ذكرنا: أن الغناء المحرم هو الصوت المقتضي نوعا من حيث إيقاعه ونظمه ونسقه للطرب مع قصد اللهو به. والظاهر أن تشخيص ذلك ميسور للعرف، ولذا يدركون ما يناسبه من آلات الطرب ومسبباته من الرقص والمزامير والاوتار ونحوها من الالات الموسيقية. ثم إن الكلام في مستثنيات حرمة الغناء موكول إلى مباحث المكاسب المحرمة، والله سبحانه الموفق. (1) الظاهر أنه لا دخل في الحرمة للتعارف عند أهل الفسوق، لعدم الدليل عليه، بل المقصود به محض الاشارة إلى النوع الخاص من الطرائق الغنائية. (2) قال في القاموس: (رقص الرقاص: لعب، والال: اضطرب، والخمر: غلت. والرقص والرقص والرقصان محركتين: الخبب، ولا يكون الرقص إلا للاعب وللابل، ولما سواه القفز والنقز) وهو كما ترى ظاهر في أن الرقص مطلق الاضطراب والقفز عن الانسان، بنحو يصدق على نحو من المشي، وهو الخبب. ولكن الظاهر اختصاصه عرفا باللعب المبني على ذلك مع نحو من الانتظام، بل لا يبعد اختصاصه بما يقصد به الطرب والتهييج، دون ما يكون مبنيا على نحو من الجفاف والخشونة، كالهوسات المعروفة في عصورنا.

===============

( 294 )

ولعل هذا هو مراد سيدنا المصنف قدس سره، كما قد يناسبه جعله من الملاهي في سياق الغناء وضرب الاوتار. وإلا فدعوى: حرمة مطلق اللعب المبني على الاضطراب بالجسد مع الانتظام، بعيدة جدا، كما لا مجال لاثباتها، لقصور إطلاق الملاهي عن شمول غير ما ذكرناه قطعا. إذا عرفت هذا، فقد يدعى حرمة المعنى المذكور، بل كونه كبيرة، لدخوله - كالغناء - في الملاهي المعدودة من الكبائر. لكن يشكل دخوله في الملاهي المذكورة في كتاب الرضا عليه السلام، كما يشكل الاستدلال على كونه من الكبائر بخبر الاعمش، لما تقدم في الغناء. واستفادة حكمه من الجمع بين الخبرين، أو بالتبعية العرفية لا تخلو عن إشكال، كما تقدم في الغناء أيضا، خصوصا في الرقص الذي لم يحرز انتشاره في عصور الائمة عليهم السلام. وقد تستفاد حرمته، بل كونه كبيرة، مما ورد في الغناء والات اللهو بتنقيح المناط، أو بفهم عدم الخصوصية، بدعوى: أن المستفاد من مجموعها تحريم الجري على الايقاع الموسيقي والنظم الخاص الذي يقصد به الاطراب والتهيج، من دون فرق بين الصوت بالالة أو الحلق والحركة الجسدية، خصوصا بملاحظة خبر سماعة: (قال أبو عبد الله عليه السلام: لما مات آدم شمت به ابليس وقابيل، فاجتمعا في الارض، فجعل ابليس المعازف والملاهي شماتة بآدم عليه السلام، فكلما كان في الارض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذلك) (1) فإنه مشعر باملاك التحريم التلذذ الحاصل بالرقص أيضا. لكن في بلوغ ذلك حدا يصلح لاثبات حكم شرعي إشكال. وأما خبر سماعة فلا إشعار فيه بان الملاك التلذذ، بل ذكر التلذذ للاشارة إلى النوع الخاص من الالات وإن كانت مستحدثة.


____________
(1) الوسائل، ج 12، ص 233، باب 100 من أبواب ما يكتسب به، حديث 5.

===============

( 295 )

[ وضرب الاوتار ونحوها مما يتعاطاه أهل الفسوق (1)، والاصرار على الذنوب الصغائر (2)، ] نعم، قد تستفاد حرمته دون كونه كبيرة من خبر الاعمش، لدخوله في الملاهي، بقرينة ذكر الغناء الذي هو غير مرتبط بالالة كالرقص، ولا إشكال في أن المراد من الكراهة فيه الحرمة. اللهم إلا أن يقال: لا إشكال في عدم كون المراد بالملاهي مطلق ما يلهي، لعدم الاشكال في جواز التلهي بقراءة الكتب والتنزه ونحوهما، بل خصوص النوع الخاص من الملهيات، والمتيقن منه إرادة الاصوات الملهية، ولا طريق لاثبات عمومه لمثل الرقص الذي هو من سنخ الحركات والافعال وإن كان منتظما، ولاسيما مع عدم إحراز معهوديته وانتشاره في عصور الائمة عليهم السلام. وبالجملة: يصعب إثبات حرمة الرقص بعنوانه مع قطع النظر عما قد يقارنه - من استعمال آلات الطرب، أو الغناء، أو تهيج شهوة من يحرم تهيج شهوته - بنحو يحرم حتى رقص المراءة لزوجها. هذا، ولو فرض ثبوت حرمته فالظاهر حرمة النظر إليه المبني على التلهي والتلذذ به، لعدم الفرق بينهما في الالحاق بالملاهي، فلاحظ، والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. (1) من آلات الطرب وإن كانت مستحدثة، لدخول جميع ذلك في الاشتغال بالملاهي المعدود من الكبائر في رواية العيون، وقد تقدم في الغناء ما ينفع في المقام. هذا، ولا يبعد حرمة التلهي بالنقر ونحوه من الاصوات المنتظمة وإن لم تكن بالالات الخاصة، بل باليد مثلا، لان المرتكز عرفا عدم الخصوصية للالات وأن حرمتها من جهة التسبيب بها للايقاع المنتظم الملهي. (2) فقد عد منها في خبر الاعمش، وفي كتاب الرضا عليه السلام للمأمون المروي

===============

( 296 )

في العيون عد منها الاصرار على الذنوب. ويقتضيه ما في صحيح ابن أبي عمير عن الكاظم عليه السلام في حديث طويل: (قال النبي صلى الله عليه واله: لا كبير مع الاستغفار، ولا صغير مع الاصرار) (1) ومثله في حديث المناهي (2) وفي خبر عبد الله بن سنان: (لا صغيرة مع الاصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار) (3) ويناسبه عده في موثق السكوني (4) من علامات الشقاء. إنما الاشكال في معنى الاصرار، فقد اختلفت فيه كلمات الفقهاء كثيرا، فعن البرهان أن المشهور حصوله بالمرة الواحدة مع العزم على العود، وبتكرر فعل الصغيرة في الغالب. وعن ظاهر التحرير والارشاد وشهادات القواعد عدم كون الثاني منها. وعن آخر أنه الاصرار على نوع واحد، وعن ثالث أنه الاكثار ولو من أنواع شتى، وعن رابع أنه التكرار بنحو يشعر بقلة المبالاة بالدين، وعن خامس أنه عدم التوبة. وعن الشهيدين والمقداد والاردبيلي وجماعة من المتأخرين أنه قسمان فعلي وحكمي، فالاول هو الدوام على نوع واحد من الصغائر بلا توبة، أو الاكثار من جنسها بلا توبة، والثاني هو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ منها. كما اختلفت فيه كلمات اللغويين أيضا، ففي القاموس ولسان العرب أنه العزم، وعن الجوهري: (أصررت على الشئ إذا أقمت ودمت عليه). وعن ابن الاثير: (أصر على الشئ يصر إصرارا إذا لزمه وداومه وثبت عليه) وقال: (أصر على الامر لزمه). لكن تفسيره بالاقامة والمداومة بعيد عن المرتكز عرفا من معناه، ولذا يصدق على ما لم يقع بعد بلحاظ تعلق العزم به، وإنكار صدقه حينئذ حقيقة، وأنه مجاز أو


____________
(1) الوسائل، ج 11، ص 266، باب 47 من أبواب جهاد النفس، حديث 11. (2) الوسائل، ج 11، ص 246، باب 43 من أبواب جهاد النفس، حديث 8. (3) الوسائل، ج 11، ص 268، باب 48 من أبواب جهاد النفس، حديث 3. (4) الوسائل، ج 11، ص 268، باب 48 من أبواب جهاد النفس، حديث 2.

===============

( 297 )

منزل على الاصرار على العزم الذي هو بمعنى البقاء عليه - كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره - في غير محله. كما أن الظاهر أنه ليس مطلق العزم، بل لابد من قوته بنحو لا تؤثر فيه المثبطات. وإليه أشار في مفردات الراغب بقوله: (كل عزم شددت عليه). كما يشهد به بعض مشتقاته، وما ذكره من أن أصله من الصر، وهو الشد. وكأن تفسيره في كلام من تقدم بالمداومة والثبات والاقامة بلحاظ ملازمتها للمعنى المذكور ولو غالبا. وبالجملة: المرتكز عرفا في معنى الاصرار هو العزم المشدد المؤكد. نعم، ظاهر نصوص المقام إرادة الفعل مع الاصرار لا مجرد الاصرار. فان وضوح كون الذنب هو نفس الفعل وهو المنقسم إلى الصغيرة والكبيرة موجب لحمل نصوص المقام عليه، فهي مسوقة لبيان أن اقتراف الصغائر مع الاصرار ملحق لها بالكبائر، لا أن الاصرار بنفسه كبيرة وإن لم يتحقق معه الفعل. كما أن المرتكز أن أهمية الاصرار ليس من حيث شدة التعلق بالذنب وتأكد إرادته لقوة المقتضيات والدوافع الخارجية له، إذ ليس المصر على الذنب لاهمية غرضه فيه أشد جرما ارتكازا من فاعله لا عن إصرار لضعف غرضه فيه، بل لعل الثاني أشد جرما ارتكازا، بل بلحاظ ملازمته لضعف المانع والرادع الديني، وهو الحكم الشرعي المستتبع للعقاب. ومن الظاهر أنه لا يراد ضعفه عن تأثير المنع فعلا، لوضوح تحقق ذلك في كل ذنب من كل أحد، فلا بد أن يراد بضعفه قصوره عن مقام المنع وعدم صلوحه للمزاحمة والرادعية لاستهوان الذنب وعدم الاقرار بالجرم معه وعدم التخوف من العقاب بسببه، ولو من جهة كثرة التعود عليه، فالاصرار كناية عن ذلك، الذي ينشأ منه عدم الاستغفار، وقد يقارن البناء على التكرار والاقامة على الذنب، في قبال من يصدر منه الذنب وقد تجلى له جرمه وخروجه عما ينبغي له فهو خائف من ربه مقر

===============

( 298 )

بذنبه شاعر بالالم النفسي منه. ولا يبعد استفادة ما ذكرنا من النصوص المتقدمة المتضمنة لمقابلة الاصرار بالاستغفار، وهو الظاهر من مقابلته بالاقرار في خبر معاوية بن عمار: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنه والله ما خرج عبد من ذنب بإصرار، وما خرج عبد من ذنب إلا بإقرار) (1). وما في خبر جابر عن أبي جعفر عليه السلام: في قول الله عزوجل (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) قال: (الاصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله ولا يحدث نفسه بالتوبة، فذلك الاصرار) (2) فانه لا يبعد كون المراد بذلك الكناية عن الاقامة على الذنب لتجاهل التبعة والتغاضي عن الحرمة، لان عدم التحدث مع النفس بالتوبة ملازم لذلك، أما مجرد عدم الاستغفار فلا يلازمه، بل قد يكون للذهول عن الذنب أو لاعتقاد وجود المحبط له - ولو كان هو اجتناب الكبائر - ومثل ذلك خارج عن الاصرار بالمعنى الذي ذكرنا. بل يظهر من صحيح ابن أبي عمير عن الكاظم عليه السلام أن الندم المخرج عن الاصرار ما يلازم العلم بالعقاب الذي هو من مقومات الايمان وأن المصر هو غير المؤمن، لقوله عليه السلام فيه: (ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنه سيعاقب عليها إلا ندم على ما ارتكب، ومتى ندم كان تائبا مستحقا للشفاعة، ومتى لم يندم عليها كان مصرا، والمصر لا يغفر له، لانه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب، ولو كان مؤمنا بالعقوبة لندم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله: (كفى بالندم توبة). وقال: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن) (3). لكن الالتزام بهذا في غاية الاشكال، لما عرفت من ظهور النصوص السابقة في أن الاصرار مقابل الاقرار بالذنب، لا مقابل الايمان بحرمته، فتأمل.


____________
(1) الوسائل، ج 11، ص 743، باب 28 من أبواب جهاد النفس، حديث 3. (2) الوسائل، ج 11، ص 268، باب 48 من أبواب جهاد النفس، حديث 4. (3) الوسائل، ج 11، ص 265، باب 47 من أبواب جهاد النفس، حديث 10، وبعضعه في الهامش.

===============

( 299 )

[ والغيبة (1)، ] وكيف كان فعلى ما ذكرنا لا يصدق الاصرار بتكرر الذنب وكثرة وقوعه إذا كان لتجدد الدواعي مع الاقرار به بعد كل مرة. بل لا يبعد عدم صدقه مع العلم بتكرر الذنب، بل العزم عليه بسبب قوة الداعي واستمراره مع الاستياء في كل مرة والاقرار بالذنب والاساءة والتخوف منه. نعم، لو خلا المذنب عن ذلك ومات قلبه ولو بسبب التعود وكثرة المقارفة صدق الاصرار بالمعنى المذكور فتأمل جيدا، والله سبحانه وتعالى العالم. (1) قال شيخنا الاعظم قدس سره بعد ذكر أخبار تحريم الغيبة: (ظاهر هذه الاخبار كون الغيبة من الكبائر، كما ذكره جماعة). ويقتضيه الوعيد عليها بالعذاب في غير واحد من النصوص، مثل ما في وصية أمير المؤمنين عليه السلام لنوف: (اجتنب الغيبة، فانها ادام كلاب النار) (1) وما عن رسول الله صلى الله عليه واله: (من مشى في عيب أخيه وكشف عورته كان أول خطوة خطاها وضعها في جهنم) (2) إلى غير ذلك مما يدل تصريحا أو تلويحا بالعذاب، وقد تعرض لقسم منها صاحب الوسائل (3) وشيخنا الاعظم (4) (قدس سرهما). ويقتضيه أيضا ما في الصحيح عن ابن أبي عمير عن محمد بن حمران عن الصادق عليه السلام: (من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال الله عزوجل: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 600، باب 152 من أبواب أحكام العشرة، حديث 16. (2) الوسائل، ج 8، ص 602، باب 152 من أبواب أحكام العشرة، حديث 21. (3) راجع الوسائل، ج 8، باب 152 من أبواب أحكام العشرة. (4) في المسألة الرابعة عشرة مما يحرم الكسب به لانه عمل محرم: ص: 40، طبع تبريز.

===============

( 300 )

أليم) (1) وقريب منه ما عن أمير المؤمنين عليه السلام (2). وفي رواية محمد بن فضيل عن الكاظم عليه السلام: (ولا تذيعن عليه شيئا تشينه وتهدم به مروته فتكون من الذين قال الله: (ان الذين يحبون...) (3). مضافا إلى ما قد يظهر من نصوص تحريمها من أنها من سنخ الظلم والاعتداء، فيشملها ما تضمن الوعيد على الظلم وأنه الظلمات في الاخرة (4)، فتأمل. هذا وقد أشار شيخنا الاعظم قدس سره إلى الاستدلال على كون الغيبة من الكبائر. تارة: بارجاعها إلى الخيانة التي عدت منها في روايتي العيون والاعمش، وورد الوعيد عليها بالعذاب في غير واحد من الاخبار (5). قال قدس سره: (فأي خيانة أعظم من التفكه بلحم الاخ على غفلة منه وعدم شعور!). واخرى: بما تضمن من النصوص أنها أشد من بعض الكبائر. ويندفع الاول: بأن الخيانة متفرعة عرفا على الاستئمان الذي هو مبني على الالزام والالتزام من الطرفين ولو بقرينة الحال، فلابد في صدقها في المقام من فرض استئمان ذي العيب أخاه على سره، ومعه لا يبعد حرمة الاذاعة ولو مع عدم صدق الغيبة، لعدم كون الامر المستور عيبا، لتظافر النصوص (6) به، أما مع عدم تحقق الاستئمان - كما لو اطلع على العيب صدفة أو قهرا - فلا تصدق الخيانة ومجرد كون الغيبة تعديا في حق الاخ لا يوجب صدق الخيانة، كما لا تكون السرقة خيانة للمال مع عدم الاستئمان. ودعوى: صدق الخيانة بلحاظ عهد الله على المؤمنين أن يحفظ بعضهم بعضا. مدفوعة: بأن ذلك خلاف الظاهر من نصوص المقام، وإلا لصدقت الخيانة


____________
(1) الوسائل، ج 8، باب 152 من أبواب أحكام العشرة، حديث 2. (2) ذكره شيخنا الاعظم في المكاسب المحرمة. (3) الوسائل، ج 8، ص 609، باب 157 من أبواب أحكام العشرة، 4. (4) راجع الوسائل، ج 11، باب 77 من أبواب جهاد النفس. (5) راجع الوسائل، ج 13، ص 218 و 221، باب 1 و 2 من كتاب الوديعة. (6) راجع الوسائل، ج 8، ص 459 و 608، باب 71 و 157 من أبواب أحكام العشرة.

===============

( 301 )

على جميع المعاصي. ويشكل الثاني بان بعض النصوص وإن تضمن أنها أشد من الزنا، كالنبوي: (ألا اخبركم بالذي هو أشد من الزنا وقع الرجل في عرض أخيه) (1) وهو ظاهر في الاشدية من حيثية الذنب والمعصية المستلزم لكونه من الكبائر بعد فرض كون الزنا منها - كما تقدم عند الكلام في ضابط الكبيرة - إلا أنه لا بد من رفع اليد عنه بما تضمن شرح وجه الاشدية. ففي وصية النبي صلى الله عليه واله لابي ذر رضى الله عنه: (إياك يا أبا ذر إياك والغيبة، فان الغيبة أشد من الزنا. قلت: ولم ذاك يارسول الله صلى الله عليه واله قال: إن الرجل يزني فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه، والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها) (2). وقريب منه مرفوع أسباطبن محمد، وخبر جابر (3)، فان النصوص المذكورة صارفة لظهور النبوي المتقدم، فلاحظ. نعم، قد تدل هذه النصوص ونحوها على عدم كون الذنب من الصغائر التي تغفر باجتناب الكبائر فتدل على كونه من الكبائر، بناء على ما هو الظاهر من عدم وجود قسم ثالث غير الصغائر والكبائر فتأمل. كما قد يستدل في المقام بما عن النبي صلى الله عليه واله: (أنه خطب يوما فذكر الربا وعظم شأنه، فقال: ان الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم من ستة وثلاثين زنية، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم) (4) فانه حيث لم يكن إطلاق الربا عليه حقيقيا كان ظاهره أنه أشد من الربا الذي تقدم أنه من الكبائر. فالعمدة ما تقدم، وبه يظهر وهن ما نسبه شيخنا الاعظم قدس سره إلى بعض معاصريه من الوسوسة في كون الغيبة من الكبائر.


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 610، باب 152 من أبواب أحكام العشرة، حديث 19. (2) الوسائل، ج 8، ص 589، باب 152 من أبواب أحكام العشرة، حديث 9. (3) الوسائل، ج 8، ص 601، باب 152 من أبواب أحكام العشرة، حديث 18 وملحقه. (4) مستدرك الوسائل، ج 9، ص 119، باب 132 من أحكام العشرة، حديث 25.

===============

( 302 )

[ وهي أن يذكر المؤمن (1)، ] (1) لا ريب في عدم أخذ الايمان في مفهوم الغيبة، لانها من المفاهيم العرفية، فلا تؤخذ فيها مثل هذه العناوين التي هي شرعية صرفة. نعم، لا ينبغي الريب في اختصاص حرمتها بالمؤمن، كما صرح به غير واحد. كما يناسبه ما يظهر من كثير من أدلتها من كون حرمتها متفرعة على اخوة المغتاب - بالفتح - ومن الظاهر ان المراد بها الاخوة الدينية المختصة بالمؤمنين. وكذا ما يظهر من غير واحد من أدلتها من كون حرمتها متفرعة على احترام المقول فيه ومن شؤون ولايته وحفظ حقه، ومن الظاهر أنه لا احترام ولا ولاية ولا حق لغير المؤمن، بل هو في حيز الاعداء. بل ما ورد من لعن المخالفين وسبهم والبراءة منهم يقتضي جواز غيبتهم بالاولوية العرفية. ومنه يظهر ضعف ما عن محكي المقدس الاردبيلي وظاهر صاحب الكفاية من أن الظاهر عموم الادلة للمخالفين. إذ فيه: أن بعض الادلة وإن اشتملت على عنوان المسلم إلا أن الحكم في أكثرها بالاخوة مانع من عمومه لغير المؤمن، وبعضها وإن خلا عن ذلك إلا أنها منزلة عليه لما عرفت. هذا، ولا يبعد عموم الحرمة للمميز غير البالغ، لصدق المؤمن عليه وثبوت الحرمة له. بل وكذا غير المميز من أطفال المؤمنين، لالحاقهم بآبائهم في الحرمة والولاية، ولصدق الاخ، كما يشهد به قوله تعالى: (وإن تخالطوهم فاخوانكم في الدين) (1). وأما ما في خبر غير واحد من النصوص (2) من عدم ثبوت الحد بقذف غير


____________
(1) البقرة: 22. (2) راجع الوسائل، ج 81، ص 934، باب 5 من أبواب حدالقذف.

===============

( 303 )

[ بعيب (1)، ] البالغ فهو لا ينافي الحرمة تكليفا. نعم، يختلف الطفل عن الكبير في أن كثيرا من الامور التي هي من العيوب في حق الكبير لا تكون عيوبا في حقه لتوقعها منه، فلا يكون ذكره بها غيبة له، فلاحظ. (1) لا ريب في أخذ العيب في مفهوم الغيبة، كما صرح به غير واحد، وهو منصرف إطلاق غيرهم، ويقتضيه المرتكز العرفي في معناها. وإليه يشير تشبيهها في الكتاب والسنة واستعمالات العرف بأكل اللحم من حيث أن النيل من العرض نحو من الاعتداء على صاحبه كأكل لحمه، ويناسبه ما في غير واحد من النصوص من جعلها من صغريات قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة....). وإليه يشير أيضا ما تقدم في رواية محمد بن فضيل والنبوي المتضمن للتعبير بالوقع في العرض، إلى غير ذلك. ولذا كان المنصرف مما تضمن تفسيرها بذكر ما ستره الله هو الستر الراجع للصيانة المقابل للافتضاح والهتك الذي يختص عرفا بخصوص كشف العيوب، لا مطلق الاخفاء المقابل للظهور الصادق في غير العيوب مما قد يهتم بكتمانه لبعض الاغراض، كالتواضع والتخلص من بعض المشاكل. كما أن إطلاق ما في وصية النبي صلى الله عليه اله لابي ذر رضى الله عنه من تفسيرها بذكر الاخ بما يكره ينصرف إلى الكراهة من حيث العيب لا من جهات اخر. وبالجملة: وضوح أخذ العيب في مفهوم الغيبة موجب لانصراف إطلاقات الادلة وكلمات بعض الاصحاب إليه. وأما ما عن ابن الاعرابي: (غاب إذا اغتاب. وغاب إذا ذكر الانسان بخير أو شر، والغيبة فعلة منه تكون حسنة أو قبيحة) فلا مجال للتعويل عليه. إلا أن يكون مراده

===============

( 304 )

[ في غيبته (1)، ] الاشارة إلى المعنى بحسب أصل الوضع والاشتقاق وإن كان مهجورا عند العرف. على أنه لو سلم عدم أخذ العيب في مفهوم الغيبة فلا ريب في اختصاص حكمها به، كما هو ظاهر. ثم إن الظاهر أن المعيار في العيب المأخوذ في المقام ما يكون نقصا في كرامة المقول فيه وتوهينا له ونيلا من عرضه وذما له، كما يشير إليه التعبير في النصوص بالوقع في العرض وما يشينه ويهدم مروء ته ونحو ذلك مما يظهر بسبر النصوص، لا ما يكون عيبا من بعض الجهات الاخرى، كوصف الحمال بضعف المزاج، ووصف الخادم بعدم الانصياع للمخدوم، ووصف المدرس بعدم توضيح المطلب، ونحو ذلك مما لا يرجع إلى الكرامة والعزة والمراوءة، ولا يستلزم الوهن والانتقاص عرفا، هذا كله بناء على أن المعيار في الغيبة ذكر العيب. أما بناء على أن المعيار فيها الاعابة، فالمعيار قصد المتكلم، ويأتي الكلام في ذلك بعد الكلام في مفهوم الغيبة ان شاء الله تعالى. (1) كما هو مقتضى مادة الغيبة، وهو الظاهر من غير واحد من النصوص وكلمات اللغويين، بل صرح به بعضهم. وكأنه هو النكتة في تشبيهها بأكل لحم الميت، بتشبيه غفلة المغتاب اللازمة من غيبته منزلة موته، كما أشار إليه غير واحد. وأما ما يظهر من بعض مشايخنا من أن الغيبة هي أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه وإن كان حاضرا. فغريب جدا. إلا أن يريد عموم الحرمة لذلك وإن خرج عن الغيبة موضوعا، فله وجه يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. قال في جامع المقاصد: (ولو قال ذلك فيه بحضوره فتحريمه أغلظ وإن كان ظاهرهم أنه ليس غيبة).

===============

( 305 )

[ سواء أكان بقصد الانتقاص أم لم يكن (1)، ] (1) كما هو مقتضى إطلاق كلام غير واحد من الاصحاب، بل هو كالصريح مما عن الشهيد قدس سره حيث عد من الغيبة ذكر بعض الاشخاص بالصفات المعروف بها، كالاعمش والاعور. وهو ظاهر غير واحد من اللغويين، فعن النهاية: أن الغيبة أن يذكر الانسان في غيبته بسوء مما يكون فيه. وعن الصحاح: (الغيبة أن يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه، فان كان صدقا سمي غيبة، وان كان كذبا سمي بهتانا)، وعن المصباح: (اغتابه اغتيابا إذا ذكره بما يكرهه من العيوب وهو حق، والاسم الغيبة) إلى غير ذلك من كلماتهم. وقد يشهد به غير واحد من النصوص المتضمنة لتفسيرها بذكر الاخ بما هو فيه، أو بما يكره، أو بما ستره الله عليه، فان إطلاقها يشمل ما لو كان الذكر لا بقصد الاعابة. لكن الاعتماد على إطلاق تعاريف اللغويين لا يخلو عن إشكال مع ما هو المعلوم من تسامحهم في مقام التحديد، وقرب كون منشأ إهمالهم للتقييد بقصد الانتقاص انصرافهم إليه ارتكازا بنحو يغفل عن التقييد به. ولاسيما مع ظهور كلام بعضهم في أخذ القيد المذكور، ففي القاموس: (غابه: عابه وذكره بما فيه من السوء). وفي لسان العرب: (اغتاب الرجل اغتيابا إذا وقع فيه). ونحوه في مجمع البحرين، ثم ذكر عبارة في تعريف الغيبة عين عبارة الصحاح المتقدمة، فإن ذكر الاعابة في القاموس والوقع في اللسان والمجمع ظاهر في اعتبار قصد الانتقاص. وأما ما تضمن غيرها من النصوص تفسيرها بذكر الاخ بما هو فيه، فلاريب في عدم ارادة إطلاقه لشموله لغير العيوب، فلابد من صرفه إلى ما يناسب الغيبة من الاعابة، أو ذكر العيب، ولا طريق لتعيين أحد الامرين، فهو سوق لبيان الفرق بين

===============

( 306 )

الغيبة والبهتان، لا لتحديد الغيبة من جميع الجهات. وأما ما تضمن تفسيرها بذكر الانسان بما يكره أو بما ستره الله عليه فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وحينئذ فمن القريب جدا اختصاص الغيبة عرفا بما إذا كان ذكر العيب بقصد الانتقاص، كما هو ظاهر بعض وصريح آخر. ففي جامع المقاصد: (وضابط الغيبة كل فعل يقصد به هتك عرض المؤمن والتفكه به وإضحاك الناس منه)، وعن الشهيد الثاني في كشف الريبة: (ان الغيبة ذكر الانسان في غيبته بما يكره نسبته إليه مما يعد نقصا في العرف بقصد الانتقاص والذم)، وهو المصرح به في الجواهر أيضا. ويناسبه التعبير عنها بأكل اللحم وتشبيهها به، فإن الظاهر أن المراد به الاشتغال بعيب الناس وانتقاصهم، كما يظهر من مقابلته بالمدح في مثل رواية الزهري عن أبي جعفر عليه السلام: (بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهدا ويأكله غائبا) (1). ويظهر أيضا من خبر دعائم الاسلام عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عما يرويه الناس عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال: (إن الله يبغض أهل اللحميين). قال جعفر بن محمد عليه السلام: (... إنما ذلك من اللحم الذي قال الله عزوجل: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا). يعنى: بالغيبة والوقيعة) (2). ويناسبه أيضا مقابلة الغيبة نفسها بالمدح في بعض الروايات كرواية حفص بن غياث عن الصادق عن آبائه عن علي عليه السلام: (قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من مدح أخاه في وجهه واغتابه من ورائه فقد انقطع ما بينهما من العصمة) (3). وكذا قول الشاعر:


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 582، باب 132 من أبواب أحكام العشرة، حديث 2. (2) مستدرك الوسائل ج 9، ص 126، باب 132 من أبواب أحكام العشرة، حديث 55. (3) الوسائل، ج 8، ص 581، باب 143 من أبواب أحكام العشرة، حديث 1.

===============

( 307 )

* وان اغتيب فأنت الهامز اللمزة * فان الهامز هو الطاعن والعائب، بل ما ذكره غير واحد من تفسير الهمزة واللمزة بالمغتاب شاهد بأن المنظور في الغيبة الاعابة، لا محض ذكر العيب، لان الهمز واللمز الايقاع في عرض الانسان وعيبه. وكذا ما ورد من الامر بنصرة المغتاب، والرد عنه، فان ذلك يناسب كون الغيبة نحوا من الهجوم عليه والانتقاص منه، والا فمجرد ذكر العيب في غير مقام النتقاص لا موضوع معه للرد الا بتكذيبه، ومن البعيد جدا اختصاص الرد به، خصوصا مع ابتناء الغيبة على كون الامر المقول حقا، والا كانت بهتانا. بل الظاهر أن المراد به ما يعم توجيه ما نسب له بحمله على ما لا يوجب النقص أو على ما يقلل من شأنه. وبالجملة: التأمل في ما ذكرنا شاهد بأن المعيار في الغيبة ليس على ذكر العيب، بل على الاعابة والانتقاص، ومن هنا لا يبعد صدقها على الاعابة بما لا يكون عيبا في الواقع، كالقصر ونحوه، كما اشير إليه في خبر عائشة الاتي، فلاحظ. هذا وفي كلام غير واحد من اللغويين ممن تقدم وغيرهم أن الغيبة هي ذكر الرجل بما يكرهه، ولعله هو المشهور عند الفقهاء، بل ذكر شيخنا الاعظم قدس سره عن بعض مقاربي عصره: أن الاجماع والاخبار متطابقان على أن حقيقة الغيبة أن يذكر الغير بما يكره لو سمعه. وظاهر غير واحد من اللغويين أنه ماخوذ من الاخبار، وهو المصرح به في جامع المقاصد وغيره. وكأنهم يريدون ما في وصية النبي صلى الله عليه واله الابى ذر رضى الله عنه: (قلت: يا رسول الله وما الغيبة قال: ذكرك أخاك بما يكره) (1). وقريب منه النبوي الاخر الذي رواه العامة (2). وفيه - مع ضعف السند - أنه ظاهر في إرادة ما يكره ذكره به ونسبته إليه، ولازمه صدق الغيبة بذكر ما يكره نسبته إليه لا من جهة العيب أو الاعابة، بل من جهة اخرى، كالتواضع أو الحذر من ترتب بعض المشاكل عليه كوصف الانسان بانه ذو


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 604، باب 154 من أبواب أحكام العشرة، حديث 2. (2) الوسائل، ج 8، ص 602، باب 152 من أبواب أحكام العشرة، حديث 22.

===============

( 308 )

جاه المستلزم لابتلائه بحوائج الناس. بل لازمه عدم صدقها بذكر العيب الذي لا يكره صاحبه نسبته إليه، لعدم اعتقاده بكونه عيبا، لقصوره عن الاحاطة بالمناسبات العرفية. وحينئذ فلا يبعد كون ذكر الكراهة لبيان أدنى مراتب الغيبة، فان الانسان يكره لنفسه أقل وهن يصيبه، ويغفل عن ذلك بالاضافة إلى غيره، فالتنبيه على الكراهة ليس لاخذها في مفهوم الغيبة، وإناطتها بها، بل لكونها طريقا لتشخيص مصداقها، من حيث ملازمتها لما هو المقوم لها من الاعابة - كما ذكرنا - أو العيب - كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره - فهي للكناية عن أحد الامرين. ومنه يظهر أنه لا مجال لما تقدم من الاستدلال بهذه النصوص على عدم أخذ قصد الاعابة في مفهوم الغيبة. أما بعض مشايخنا فقد ذهب إلى أن الغيبة المحرمة هي أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه من العيوب، ويظهر منه أن ذلك مطابق لمفهومها العرفي، مؤيد بما في كلام غير واحد من اللغويين من أن الغيبة أن تتكلم خلف إنسان مستور بسوء، أو بما يغمه لو سمعه. وقد سبقه إلى ذلك شيخنا الاعظم قدس سره مستدلا عليه بغير واحد من النصوص، كرواية عبد الرحمن بن سيابة: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه، وأما الامر الظاهر مثل الحدة والعجلة فلا. والبهتان أن تقول فيه ما ليس فيه) (1). وقريب منها خبر عبد الله بن سنان المروي عن تفسير العياشي (2). ورواية أبان عن رجل لا نعلمه إلا يحيى الازرق: (قال لي أبو الحسن عليه السلام: من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 604، باب 154 من أبواب أحكام العشرة، حديث 3. (2) الوسائل، ج 8، ص 602، باب 152 من أبواب أحكام العشرة، حديث 22.

===============

( 309 )

الناس اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته) (1). وقد يشهد به أيضا رواية داود بن سرحان: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الغيبة. قال: (هو أن تقول لاخيك في دينه ما لم يفعل وتثبت عليه امرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد) (2). وفيه: أنه لا ينبغي التأمل في عدم تقوم الغيبة عرفا بكشف السر وهتك الستر، لما أشرنا إليه آنفا من تشبيهها بأكل اللحم ومقابلتها بالمدح والتعبير عنها الهمز واللمز، فان ذلك يناسب حملها على الاعابة، كما تقدم - لا على كشف السر، وكذا ما ورد من الامر بنصر المغتاب - بالفتح - فانه لا موضوع للنصر مع كشف السر. مضافا إلى ما ورد في نزول الاية من أن رجلين بعثا سلمان عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه واله ليأتي لهما بطعام، فبعثه إلى اسامة بن زيد، وكان خازن رسول الله صلى الله عليه واله على رحله فقال: ما عندي شئ، فعاد اليهما، فقالا: بخل اسامة. وقالا لسلمان: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان عند اسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه واله فقال لهما رسول الله صلى الله عليه واله: (مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما) قالا: يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما. قال: (ظللتم تأكلون لحم سلمان واسامة)، فنزلت الاية (3). وعن عائشة: (دخلت علينا امراءة فلما ولت أومأت بيدي، أي: قصيرة، فقال صلى الله عليه واله: (اغتبتيها) (4). فإن جميع ذلك شاهد بعدم تقوم الغيبة بهتك الستر وكشف السر. وأما كلام اللغويين المتقدم فهو لم يتضمن أخذ الستر في العيب المقول، ليكون شاهدا له، بل أخذه في الشخص المقول فيه، ليخرج المتجاهر، فلابد أن ينزل


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 604، باب 154 من أبواب أحكام العشرة، حديث 3. (2) الوسائل، ج 8، ص 604، باب 154 من أبواب أحكام العشرة، حديث 1. (3) راجع البيان في تفسير آية الغيبة من سورة الحجرات. (4) عن الدر المنثور، ج 6، ص 94.

===============

( 310 )

على بيان شرط حرمة الغيبة، لا لتحديد مفهومها فهو مبني على الخلط بين القيود المأخوذة في مفهوم الموضوع والقيود المأخوذة في حكمه، الذي قد يصدر من اللغويين كثيرا بسبب الاهتمام بالحكم، نظير ما في مجمع البيان من اعتبار عدم الحكمة في ذكر العيب، وفي مفردات الراغب من اعتبار عدم الاحواج إليه. وأما النصوص فهي ظاهرة في ما ذكر، إلا أنه حيث لا مجال لحملها على بيان المعنى العرفي لما تقدم، ولا نقل الغيبة شرعا من المعنى العرفي المتقدم إلى المعنى المذكور، لظهور كثير من أدلة حرمة الغيبة في تحريمها بالمعنى العرفي المتقدم، تعين توجيهها بما يناسب المعنى المتقدم، بحملها على مجرد التطبيق وأن ذلك من أفراد الغيبة المحرمة، في قبال الامر الظاهر، لا على التحديد الحقيقي، كما يناسبه رواية عبد الرحمن بن سيابة الاخرى عن الصادق عليه السلام: قال: (ان من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه، وإن من البهتان أن تقول في أخيك ما ليس فيه) (1). وقد يشهد بما ذكرنا إهمال الاصحاب لتحديد الغيبة بذلك مع كون هذه النصوص نصب أعينهم. إن قلت: لازم ذلك أن لا يكون من الغيبة بيان العيب المستور لا بداعي الانتقاص، لما سبق من أخذ قصد الانتقاص في مفهوم الغيبة. وكذا ذكر الامر الظاهر وإن كان بقصد الانتقاص، للتصريح في النصوص المتقدمة بالفرق بين الامر الظاهر والمستور، فإذا فرض اختصاص الامر المستور بصورة قصد الانتقاص كان الامر الظاهر مثله، فيلزم أن لا يكون غيبة، بل لا يكون محرما، لان النصوص المتقدمة وإن دلت بالمطابقة على نفي كونه من الغيبة، إلا أن الظاهر منها نفي الغيبة لبيان الجواز وعدم الحرمة لا لمحض تحديد الغيبة مفهوما. قلت: أما بيان الامر المستور لا بقصد الانتقاص فلا مانع من الالتزام بخروجه عن الغيبة. وذلك لا ينافي حرمته من جهة كونه هتك ستر المؤمن وإذاعة لسره وكشف عورته حيث دلت النصوص على حرمة ذلك، كصحيح عبد الله بن سنان:


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 600، باب 152 من أبواب أحكام العشرة، 14.

===============

( 311 )

(قلت له: عورة المؤمن على المؤمن حرام قال: (نعم، قلت: يعني سفلته قال: ليس حيث تذهب، إنما هو إذاعة سره) (1). وحسن منصور بن حازم أو صحيحه: قال أبو عبد الله عليه السلام: (قال رسول الله صلى الله عليه واله من أذاع فاحشة كان كمبتديها، ومن عيرمؤمنا بشئ لا يموت حتى يركبه) (2)، وغيرهما. وكذا ما ورد في وجوب كتم غاسل الميت ما يرى منه (3). ولعله مقتضى إطلاق قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة...) كما يناسبه إطلاق خبر محمد بن فضيل المتقدم في وجه كون الغيبة من الكبائر، لشمول قوله عليه السلام فيه: (ولا تذيعن عليه شيئا تشينه به وتهدم مروء ته) لمالو لم يكن بقصد الاعابة والانتقاص، وكذا خبر محمد بن حمران المتقدم هناك أيضا. وأما بيان الامر الظاهر بقصد الانتقاص فلا يبعد البناء على كونه غيبة عرفا، وأن النصوص المتقدمة مسوقة لنفي حرمته وعدم شمول حكم الغيبة له شرعا. ولاجلها لا مانع من الالتزام بجوازه خروجا عن إطلاق حرمة الغيبة، لان النصوص المذكورة لا تخلو بمجموعها عن اعتبار، لاعتضاد بعضها ببعض، بل رواية ابن سيابة لا تخلو عن اعتبار في نفسها، لان طريقها إليه صحيح أو حسن، والراوي عنه يونس بن عبد الرحمن الذي هو من أصحاب الاجماع، وابن سيابة وإن لم ينص على توثيقه إلا أن بعض القرائن قد تشهد باعتباره، بل لما كان من رجال كامل الزيارة، فالبناء على صحة حديثه قريب جدا. ومنه يظهر لزوم الخروج بالنصوص المذكورة عما دل بإطلاقه على حرمة إعابة المؤمن لا بعنوان الغيبة، كخبر محمد بن حمران المتقدم في وجه كون الغيبة من الكبائر، وخبر زيد عن أبي عبد الله عليه السلام: (في الحديث: (عورة المؤمن على المؤمن حرام. قال: ما هو أن ينكشف فترى منه شيئا، إنما هو أن تروي عليه أو


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 608، باب 157 من أبواب أحكام العشرة، حديث 1. (2) المصدر السابق: حديث: 6. (3) راجع الوسائل، باب: 6 من أبواب غسل الميت.

===============

( 312 )

تعيبه) (1). نعم، ذكر الامر الظاهر في مقام الانتقاص.. تارة: يكون لبيان نقصه بالمقدار الذي يقتضيه كونه عيبا. واخرى: يكون لاسقاطه من أعين الناس بوجه يزيد على مقتضى كونه عيبا، إما بتبشيع العيب وشدة استهجانه اكثر مما يقتضيه في نفسه، أو من باب الاستشهاد على الشي بشواهده وآثاره. وثالثة: بابدائه بصورة العيب مع عدم كونه عيبا في الواقع. فان هذه الصور كلها وإن كانت من الاعابة بالامر الظاهر، إلا أن المتيقن من النصوص المتقدمة هو الصورة الاولى، لانها التي يقتضيها ذكر العيب في نفسه في مقام الاعابة، أما الصورتان الاخريان فهما يتضمنان الاعابة بما يزيد على ذلك، والنصوص المتقدمة منصرفة عنهما، فيتعين الرجوع فيهما لاطلاق حرمة غيبة المؤمن وعيبه. وأما ما يظهر من شيخنا الاعظم قدس سر ه من المفروغية عن عدم الفرق بين الظاهر والخفي مع الانتقاص، فلم يتضح مأخذه. والمتيقن من ارتكاز حرمة الانتقاص انما هو في الصورتين الاخريين، لا الصورة الاولى. ولاسيما مع كون الاعابة فيها لا توجب وهنا في القول فيه، بل هي راجعة إلى انتقاص العيب نفسه، فلا فرق بين أن يقال: العجلة من عيوب الانسان، وان يقال: لا عيب في زيد الا أنه عجول مثلا، مع فرض علم المخاطب بكونه عجولا، فالاعتداء فيها على المقول فيه خفي جدا، فتأمل. على أنه لا يبعد كون الجواز فيها مقتضى السيرة حتى بين المتد ينين، لان التقيد فيها محتاج إلى عناية، لكثرة الحاجة إلى الاستشهاد بآثار العيوب والتنبيه إليها، مع عدم وضوح استنكار مثل ذلك حتى يرتدع عنه المتد ينون، بخلاف الصورتين الاخريين. وبالجملة: لا مجال للبناء على حرمة الصورة المذكورة في الامر الظاهر بعد


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 609، باب 157 من أبواب أحكام العشرة، حديث 3.

===============

( 313 )

ظهور النصوص المتقدمة في جوازها. بل مقتضى ما ذكرنا من ظهور اختصاص الغيبة بالاعابة يكون ذلك متيقنا منها. نعم لو فرض كون الانتقاص والاعابة في الصورة الاولى لمحض حب ذلك والرغبة في تتبع عيوب المؤمن لا لداع آخر - كالردع عن طريقته أو الاقتصاص منه أو نحو ذلك - لم يبعد حرمته، لا من جهة محض الاعابة، بل لان الرغبة المذكورة تنافي موالاة المؤمن وأخوته، كما قد يشير إلى ذلك بعض ما ورد في تحريم إحصاء عثرات المؤمن وعوراته (1). وقد تحصل من جميع ما ذكرنا: أن الغيبة متقومة بالاعابة والانتقاص، ولا دخل فيها لكراهة المقول فيه، ولا لستر الامر المقول. وهي بجميع أقسامها محرمة الا الانتقاص بالعيب الظاهر بالمقدار الذي يقتضيه العيب فقط، فان مقتضى النصوص المتقدمة جوازه. بقي في المقام امور.. الاول: أن الاعابة والانتقاص مبنيان على محض الادعاء والقصد، فكلما ذكره المتكلم في مقام النيل من شخص كان إعابة له وانتقاصا وان لم يكن في الواقع أو عند الناس عيبا، كالقصر والطول. بل قد تكون الاعابة ببعض الخصوصيات المكتنفة بالكلام الزائدة على مجرد ذكر الامر الذي يطعن به، كبيانه بوجه مستبشع أو تشبيهه ببعض الامور المستنكرة ونحوهما مما لا يدخل تحت ضابط. والفرق بين الغيبة والسب مع اشتراكهما في الاعابة أن السب متمحض في الطعن والانتقاص، أما الغيبة فالانتقاص فيها يكون بتوسط نسبة شئ مع إبرازه بوجه منقص للشخص. الثاني: لو فرض العلم بظاهر النصوص المتقدمة وغض النظر عما ذكرنا في مفهوم الغيبة من عدم اختصاصها بالامر المستور أمكن الرجوع في حرمة الاعابة


____________
(1) راجع الوسائل، ج 8، باب 150 من أبواب أحكام العشرة.

===============

( 314 )

بالامر الظاهر بأحد الوجهين المتقدمين إلى عموم حرمة الاعابة المستفاد من النصوص المتقدمة، بل هو المطابق للمرتكزات المتشرعية المناسبة لما هو المعلوم من احترام المؤمن واهتمام الشارع بكرامته، ولزم الاقتصار في الجواز على الصورة المتقدمة المستفادة من النصوص المتقدمة. الثالث: ظاهر ما تقدم في النصوص أن المراد من الامر الظاهر ما يقابل المستور فلا ينافي جهل المخاطب به بشخصه إذا كان شايعا عند غيره بحيث لا يعد اطلاعه عليه هتكا لستر صاحبه. كما أنه لو فرض كون الامر مستورا عند الناس، إلا أن المخاطب يعلم به، فلا مانع من ذكره أمامه، لان المنسبق من النصوص أن المعيار في التحريم على هتك الستر الذي لا يصدق حينئذ. الرابع: ظاهر غير واحد من الفقهاء واللغويين توقف الغيبة على كون الامر المقول حقا ثابتا في الشخص، فلو كان باطلا خرج عنها ودخل في البهتان، وقد يستظهر من النصوص الكثيرة المفرقة بينهما. لكن لا يبعد ورود النصوص لبيان أن ذكر العيب في الشخص مع عدم وجوده فيه موجب لما هو أهم من الغيبة وهو البهتان، لا أنه خارج عن الغيبة، فهي لبيان عموم حرمة الغيبة لاخف فرديها ولاسيما مع اشتمال بعضها على تفسير الغيبة أولا بمطلق ذكر العيب ففي النبوى: (هل تدرون ما الغيبة فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال: إن كان ما تقول فقد اغتبته. وإن لم يكن فقد بهته) (1). بل لا يبعد عموم الغيبة لذلك عرفا، كما يشهد به بعض النصوص مثل ما تقدم من نزول الاية، في غيبة سلمان واسامة، ورواية داود بن سرحان المتقدمة، ورواية علقمة: (من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنة أبدا، وما اغتاب مؤمنا بما ليس فيه فقد انقطعت العصمة بينهما وكان المغتاب في النار خالدا فيها وبئس * (هام) * (1) كشف الريبة: ص 19 / طبع النجف سنة 1382.

===============

( 315 )

[ وسواء أكان العيب في بدنه أم في نسبه، أم في خلقه أم في فعله أم في قوله أم في دينه أم في دنياه أم في غير ذلك مما يكون عيبا فيه (1)، ] المصير) (1) وعن المصباح: (اغتابه اغتيابا إذا ذكره بما يكرهه من العيوب وهو حق. والاسم الغيبه، فان كان باطلا فهو الغيبة في بهت) وقد يشعر بذلك كلام الصحاح المتقدم. نعم، لا تصدق إذا كان البهتان لا بداعي الانتقاص، بل بداع آخر كما في شهادة الزور، فبين الغيبة والبهتان عموم من وجه. (1) كما صرح به في الجواهر، وحكي عن غير واحد. والوجه فيه عدم خصوصية شئ من الاقسام المذكورة للعيب في تعاريف الغيبة المتقدمة. وفي بعض المراسيل عن الصادق عليه السلام: (ووجوه الغيبة تقع بذكر عيب في الخلق والخلق والعقل والفعل والمعاملة والمذهب والجهل وأشباهه) (2) وفي مرسل مجمع البيان وخبر عائشة المتقدمين ما يشهد بعمومها للعيوب البدنية والخلقية والدنيوية. لكن في رواية داود بن سرحان المتقدمة ما يقتضي اختصاصها بالعيب في الدين. ودعوى: أنها لا تصلح لتقييد الاطلاقات الواردة في شرح الغيبة، لعدم منافاتها لها. مدفوعة: بأن ورود كل من المطلق والمقيد في مقام التحديد والشرح موجب للتنافي بينهما وإن كانا متفقين في الاثبات، لامتناع كون كل منهما حدا تاما. ومن ثم فلا يبعد لزوم حمل المطلق على المقيد، لان حمل المطلق على


____________
(1) الوسائل، ج 8، ص 601، باب 152 من أبواب أحكام العشرة، حديث 20. (2) مستدرك الوسائل، باب 132 من أبواب أحكام العشرة، حديث 19. .

===============

( 316 )

إهمال البيان من جهة المقيد أو الاعتماد في بيان القيد على القرينة الخارجية أقرب عرفا من الغاء خصوصية القيد في المقيد. نعم، هذا كله موقوف على ورود المطلق والمقيد معا في مقام الشرح والتحديد الحقيقي، وقد عرفت الاشكال في ورود النصوص في المقام لشرح الغيبة من جميع الجهات، بل ما تضمن أنها ذكر الانسان بما فيه وارد لتحديد ها في مقابل البهتان، وما تضمن أنها ذكره بما يكره وارد لجعل الطريق لتشخيص مصداقها، وما تضمن أنها ذكر الاخ بما ستره الله تعالى عليه وارد لمحض التطبيق وبيان المصداق، ومنه هذه الرواية، وحينئذ فلا مجال للاستدلال بها في المقام على التقييد بعد عموم الغيبة عرفا لجميع العيوب. خصوصا مع معارضتها برواية عبد الرحمن بن سيابة المتضمنة للتفصيل بين الامر الظاهر والمستور مع التمثيل للظاهر بالحدة والعجلة، فانه كالصريح في أن المستور مثله يعم ما يكون من سنخهما من العيوب غير الدينية. هذا مضافا إلى هجر رواية داود عند الاصحاب، مع عدم خلوها عن ضعف السند واضطراب الدلالة، لظهور صدرها في أن الغيبة ذكر الاخ بما ليس فيه وذيلها في أنها ذكره بما هو فيه مما ستره الله عليه، فتأمل. وبالجملة: لا مجال للخروج بالرواية عن إطلاقات حرمة الغيبة. ثم إنه لو فرض حكومة الرواية على الاطلاقات المذكورة فهي لا تنهض بإثبات جواز الاعابة بالعيوب غير الدينية، لانها ليست مسوقة لنفي الغيبة عن العيوب المذكورة، لتكون ظاهرة في الكناية عن عدم الحرمة - كما تقدم في العيوب الظاهرة - بل لتحديد الغيبة لا غير، وخروج ذلك عن الغيبة لا ينافي حرمته بعنوان كونه إعابة وتوهينا للمؤمن، الذي تظافرت الادلة بحرمته. ثم إنه بناء على أن المعيار في الغيبة هي الاعابة فقد سبق الكلام في تحديد ها. وأما بناء على أن المعيار فيها ذكر العيب فقد سبق انصراف العيوب المذكورة في تعريف الغيبة إلى ما يكون موهنا للانسان ونقصا فيه بما هو إنسان ذو كرامة، وهو

===============

( 317 )

[ ومكروها لديه (1)، ] لا يجري في كثير من العيوب البدنية كالعور والعمش، والدنيوية، كالفقر في المال والذرية، في حق كثير من الاشخاص، بل قد لا يصدق العيب في بعضها وإن كانت منافية للكمال أو الاعتدال، وحينئذ فلا يكون ذكرها غيبة، ولا يحرم إلا في ما كان في مقام الانتقاص والاعابة، لحرمة الاعابة وإن لم تكن غيبة، كما تقدم. وكذا لو كان ذكرها موجبا للاهانة، لخصوصية الزمان أو المكان أو غيرهما لتظافر النصوص (1) والمرتكزات بحرمة إهانة المؤمن. وكذا لو كانت من الامور المستورة لما تقدم من حرمة كشف سر المؤمن وهتك ستره. وأما كراهة صاحبها لذكرها فقد عرفت أنها ليست معيارا في صدق الغيبة. كما لا دليل على كونها موجبة للحرمة مع قطع النظر عن الغيبة، لعدم الدليل على وجوب إطاعته وتجنب ما يكره. وما دل على حرمة إيذاء المؤمن (2) لا ينفع في المقام، لان الايذاء إنما هو بابلاغه وإعلامه بالامر المكروه له، لا بمجرد حصوله. مع أنه لا مجال للا لتزام باطلاقه، فلا يبعد اختصاصه بما يكون تعديا عليه وهضما لحقه. أو يكون المقصود منه محض الايذاء حبا فيه من دون غرض آخر، لمنافاته لموالاته حينئذ، فلا يحرم ما يؤذيه إذا لم يكن تعديا عليه وكان للفاعل غرض عقلائي غير الايذاء، إذ لا يظن الالتزام بالحرمة حينئذ من أحد. ومما ذكرنا يظهر الحال في ذكر الانسان بالالقاب المشعرة بالذم لا بقصد الذم والانتقاص، بل لمحض التعريف، فانه لا دليل على حرمتها بعد خروجها عن الغيبة. إلا أن تستلزم إهانة المقول فيه أو كشف ستره. (1) الظاهر أنه يشير بذلك لما تضمن أخذ الكراهة في الغيبة. وقد عرفت عدم


____________
(1) راجع الوسائل، باب 146 من أبواب أحكام العشرة. (2) راجع الوسائل، باب 145 من أبواب أحكام العشرة.

===============

( 318 )

[ كما لا فرق في الذكر بين أن يكون بالقول (1)، أم بالفعل الحاكي عن وجود العيب (2). والظاهر اختصاصها بصورة وجود سامع يقصد افهامه وإعلامه (3)، ] كونه معيارا فيها. كما عرفت أن ظاهر النص المذكور كراهة ذكر العيب، لا كراهة وجوده، كما قد يظهر من المتن. (1) من دون فرق بين القول بأنحائه مما يتضمن الاخبار بالعيب أو التعريض به أو الاشارة إليه، كما صرح به في جامع المقاصد، وعن الشهيد في قواعده أنه قسم الغيبة إلى ظاهرة وخفية وأخفى، وعد من الثاني الاشارة والتعريض، ومن الثالث أن يذم نفسه بترك طرائق لينبه على عورات غيره، ويظهر الكلام في وجه التعميم المذكور مما سيأتي. (2) كما صرح به في جامع المقاصد وغيره. ومن ثم قال في جامع المقاصد: (وضابط الغيبة كل فعل يقصد به هتك عرض المؤمن والتفكه به أو إضحاك الناس منه). لكن تعميم الغيبة لجميع ذلك لا يخلو عن اشكال أو منع، لعدم مساعدة أكثر الاخبار ولا كلام اللغويين عليه. كما لا يتضح كونه المفهوم العرفي منها. نعم، في خبر عائشة المتقدم ما يشهد به في الجملة. والذي يهون الامر أن المستفاد من الادلة عموم الحرمة للجميع وإن لم يكن غيبة، لما يستفاد من كثير من النصوص من أن حرمة الغيبة بلحاظ منافاتها لحرمة المؤمن، ومن الظاهر عدم خصوصية القول في منافاة الحرمة المذكورة. بل بناء على ما عرفت منا من أن المعيار في الغيبة الاعابة، فلا يبعد عمومها لجميع ذلك، فتأمل. (3) قال شيخنا الاعظم قدس سره: (هل يعتبر في الغيبة حضور مخاطب عند المغتاب، أو يكفي ذكره عند نفسه ظاهر الاكثر الدخول، كما صرح به بعض

===============

( 319 )

[ كما ان الظاهر انه لابد من تعيين المغتاب (1)، ] المعاصرين. نعم، ربما يستثنى من حكمها عند من استثنى ما لو علم اثنان صفة شخص فيذكر [ فيذكره (ظ) ] أحدهما بحضرة الاخر). وكأن نسبة ذلك لظاهر الاكثر ناشئة من إطلاقهم في تعريف الغيبة إنها ذكر الانسان بما يكرهه، بدعوى: عمومه للذكر من دون مخاطب. لكنه منصرف إلى خصوص الذكر المبني على الاعلام، لا مجرد ترديده باللسان، ولو لمناسبة الحكم والموضع التي لاجلها صرحوا بالتعميم لغير الذكر باللسان. ولاسيما مع أن الظاهر دخل الذكر في الكراهة، وهو إنما يكون مع وجود مخاطب، لما فيه من التوهين أو نحوه، أما مع عدمه فلا خصوصية للذكر في الكراهة، وإنما المكروه بناء القائل على ثبوت السوء في المقول فيه وان لم يذكره. فالانصاف أن استظهار ذلك منهم ومن اللغويين في غير محله. ومنه يظهر حال ما تضمن من النصوص تفسير الغيبة بذلك أو بذكر الشخص بما فيه لو فرض الرجوع إليها في المقام. وأظهر في عدم الشمول ما تضمن تفسيرها بذكر الاخ بما ستره الله عليه. وبالجملة: البناء على خروج ذلك عن مفهوم الغيبة قريب جدا. ولا أقل من الشك الذي يرجع معه للبراءة. ولو فرض عمومه له فلا ينبغي الاشكال في انصراف إطلاقات النهي عنه، لظهورها في أن منشأه ما تتضمنه الغيبة من النيل من عرض المؤمن وتوهينه، الذي هو الوجه الظاهر في تشبيهها بأكل اللحم، فلاحظ. (1) كما صرح به في الجواهر. ويعرف وجهه مما تقدم في سابقه، فان ظاهر ذكر الشخص المأخوذ في تعريف الغيبة هو ذكره بنحو يميزه ويعرفه حتى يلزم توهينه بشخصه. وعن النبي صلى الله عليه واله: (أنه إذا كره من أحد شيئا قال: ما بال أقوام يفعلون

===============

( 320 )

[ فلو قال: واحد من أهل البلد جبان لا يكون غيبة، وكذا لو قال: أحد أولاد زيد جبان (1)، نعم قد يحرم ذلك من جهة لزوم الاهانة والانتقاص (2)، لا من جهة الغيبة، ويجب عند وقوع الغيبة التوبة (3)، والندم، ] كذاو كذاو لا يعين) (1). (1) لعين ما تقدم، وانحصار أطراف الشبهة لا يوجب الدخول في التعريف. ومثله ما لو كان الذم لكثيرين في غير محصور، كما لو ذكر جماعة - كالعرب والعجم - بوصف بنحو يراد به اتصاف اكثرهم به. وما قد يظهر مما عن كاشف الغطاء في شرحه على القواعد من دخول جميع ذلك في الغيبة، حيث عده من مستثنياتها غير ظاهر. (2) يعنى: بالاضافة إلى جميع اطراف الشبهة. واما لو لزم الاهانة والانتقاص بالاضافة إلى ما يتعلق بهم وينسبون إليه - كزيد في المثال - صدقت الغيبة بالاضافة إليه بلا إشكال. (3) لما دل على الامر بالتوبة من الذنوب من النصوص الكثيرة. والمتيقن وجوبها فطريا بملاك لزوم دفع الضرر المحتمل، بلحاظ ما رتبه الله تعالى عليها من غفران الذنب وسقوط العقاب (2) أو عقلا بملاك لزوم شكر المنعم، لتعرض تاركه لزوال النعمة. ولا مجال للالتزام بوجوبها مولويا، للزوم العصيان بتركها، فيجب التوبة منه، ويلزم العصيان بتركها... وهكذا يتسلسل، فيكون عدم التوبة من الذنب الواحد سلسلة ذنوب لا تنتهي، كما أوضحه سيدنا المصنف قدس سره في مباحث أحكام الاموات.


____________
(1) عن مسند أبى داود ج 2، ص 55. (2) راجع الوسائل، باب 186 من أبواب جهاد النفس

===============

( 321 )

اللهم إلا أن يقال: ذلك إنما يقتضي عدم شمول عمومات وجوب التوبة للذنوب الحاصلة بسببه وفي طوله، واختصاصه بالذنوب العرضية التي هي موضو التوبة، ولا يلزم بحمل العموم المذكور على الارشاد. فالعمدة عدم ظهور النصوص المذكورة وغيرها من الادلة الشرعية في التكليف المولوي، بل في الارشاد بلحاظ ما ذكرنا، فلاحظها. ومنه يظهر عدم اختصاص الامر بالتوبة، بل يجري في غيرها مما تضمنت الادلة ترتب الاثر المذكور - وهو سقوط العقاب - عليه، كالاستغفار والندم والاعتراف بالذنب وباستحقاق العقاب عليه (1) وفعل الحسنات التي هي تمحو السيئات وغير ذلك. وكأن التوبة أظهرها في الاثر المذكور. بل لعلها أولى منها في شكر المنعم، لتضمنها الرجوع إليه الذي هو أظهر في الانقياد والخضوع، فتأمل. وأما ما ذكره شيخنا الاستاذ دامت بركاته من احتمال وجوب التوبة شرعا، لان التمرد على المولى محرم بنفسه شرعا، فيجب تركه بالتوبة من الذنوب والرجوع عنها. ففيه: أن التمرد إن كان هو مخالفة أحكام المولى فهو مساوق للمعصية التي لا إشكال في عدم حرمتها شرعا مولويا. مع أن انطباقه على ترك التوبة موقوف على وجوبها الذي هو محل الكلام. وإن كان هو الاصرار على الخروج عن حضيرته تعالى والمعاندة له والمحادة معه فحرمته - لو تمت - لا تقتضي وجوب التوبة من الذنب، لعدم ملازمة تركه للتوبة. ثم إنه لا مجال لتوهم عدم الحاجة إلى التوبة بدعوى: ظهور الادلة الاتية في أن الماحي للغيبة أمر آخر، كالا ستحلال من المغتاب أو الاستغفار له. لاندفاعها: بأن أكثر النصوص المذكورة ظاهر في مجرد احتياج الغيبة لذلك، لامتيازها عن سائر الذنوب بانها ظلم للغير، لا في الاكتفاء به فيها، فلا ينافي الاحتياج للتوبة ونحوها من ماحيات الذنوب بلحاظ كونها معصية له


____________
(1) راجع النصوص الدالة على ذلك في الوسائل في أبواب جهاد النفس، باب: 82 إلى باب: 98.

===============

( 322 )

[ والاحوط وجوبا الا الاستحلال من الشخص المغتاب (1) إذا لم يترتب ] تعالى وتمردا عليه. وأما ما قد يظهر منه الاكتفاء بذلك - كروايتي السكوني وحفص بن عمر الاتيتين - فلا يبعد انصرافه إلى النادم على الذنب المقر به، الذي هو في مقام الخروج عنه، وذلك ملازم لتوبته منه، كما هو الحال في جميع ما ورد في بيان الكفارات. بل لا يبعد انصرافه - ولو بمناسبة الحكم والموضوع - إلى علاج حق المظلو بهذه الكفارة، لا من جميع الجهات، فلا ينافي احتياجه إلى ما يسقط التبعة مجهة عصيانه تعالى والتمرد عليه من التوبة ونحوها، كما هو الحال في سائر أنواع الظلم، حيث تحتاج إلى التوبة بلحاظ حقه تعالى، والى التخلص من تبعة المظلوم. ولا أقل من كون هذا مقتضى الجمع بين هذه النصوص وما تضمن انه لا كبير مع الاستغفار أو الاقرار ولا صغير مع الاصرار ونحوه، فانه أقرب عرفا من تخصيص تلك النصوص بهذه. وبالجملة: المستفاد من مجموع النصوص أن التوبة والندم ونحوهما موجبة للخلاص من تبعة الذنب مع الله تعالى، وأداء الحقوق لاهلها أو تعويضهم منها أو الاستحلال منهم موجبة للخلاص من تبعة التعدي معهم لا غير، ولا تغني عن تبعة الذنب معه تعالى. هذا مضافا إلى ما يأتي في تقرير الاصل، فانه ينفع في المقام. (1) إن كان المدعى في المقام وجوب ذلك شرعا، بحيث يكون محرما يستحق لاجله العقاب مع قطع النظر عن عقاب الغيبة، نظير عقاب ترك كفارة الافطار، فمن الظاهر عدم نهوض الادلة به، لانها لو تمت ظاهرة في الارشاد إلى ذلك للتخلص به من تبعة عقاب الغيبة، المقتضى لوجوبه فطريا بملاك وجوب دفع الضرر الواقعي أو المحتمل. كما أن عدم الوجوب المولوي هو مقتضى أصالة البراءة، كما لعله ظاهر وإن كان المدعى وجوب ذلك عقلا بملاك دفع الضرر، فهو مقتضى الاصل، بل مقتضاه

===============

( 323 )

وجوب الاتيان بكل ما يحتمل توقف سقوط العقاب عليه. وأما بالنظر إلى الادلة، فقد يدعى أن مقتضى أدلة مسقطية التوبة، كونها ماحية للذنوب، وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، عدم الاحتياج في المقام لغير التوبة. لكن الادلة المذكورة - مع قرب انصرافها بمناسبة الحكم والموضوع إلى إسقاط الذنب من حيثية حقه تعالى، لا من جميع الجهات حتى بالاضافة إلى المعتدى عليه - مخصصة بما تضمن عدم كفاية التوبة في الخروج عن تبعة ظلم العباد، كصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: (قال: ما من أحد يظلم مظلمة إلا أخذه الله بها في نفسه وماله، فاما الظلم الذي بينه وبين الله تعالى فإذا تاب غفر له) (1) وخبر سعد بن طريف عن أبي جعفر عليه السلام: (قال: الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله، وظلم لا يغفره الله، وظلم لا يدعه الله. فاما الظلم الذي لا يغفره فالشرك، وأما الظلم الذي يغفره، فظلم الرجل نفسه في ما بينه وبين الله، وأما الظلم الذي لا يدعه فالمداينة بين العباد) (2) وخبر السكوني بل موثقه عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه واله: من ظلم أحدا وفاته [ ففاته خ. ل ] فليستغفر الله له فانه كفارة له) (3) وظاهر غير واحد من نصوص المقام كون الغيبة ظلما وتعديا على المغتاب وانتهاكا لحرمته، ولذا صح تشبيهها باكل لحمه، وليست من ظلم الانسان في ما بينه وبين ربه الذي تقدم أنه يغفر بالتوبة. نعم، قد يستظهر عدم كونها ظلما من عطفها على الظلم في غير واحد من النصوص، كخبر الحرث بن المغيرة: قال أبو عبد الله عليه السلام: (المسلم أخو المسلم هو عينه ومرآته ودليله لا يخونه ولا يخدعه ولا يظلمه ولا يكذبه ولا يغتابه) (4) وغيره.


____________
(1) الوسائل، ج 11، ص 338، باب 77 من أبواب جهاد النفس، حديث 3. (2) الوسائل، ج 11، ص 342، باب 78 من أبواب جهاد النفس، حديث 3. (3) المصدر السابق: حديث: 5