مصـبـاح المنهـاج

الاجتهاد والتقليد

السيد محمد سعيد الحكيم

===============

( 1 )

مصباح المنهاج

===============

( 3 )

مصباح المنهاج

 

تأليف

السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم

الاجتهاد والتقليد

مؤسسة المنار

===============

( 4 )

الطبعة الاولى

 1415 ه‍ - 1994 م

 حقوق الطبع محفوظة

 اسم الكتاب مصباح المنهاج

اسم المؤلف السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم

صف واخراج مؤسسة المنار

الفلم والواح الحساسة حميد / قم المطبعة جاويد

الطبعة الاولى - 1415 ه‍

الكمية 1000 نسخة

الناشر المؤلف

السعر 500 تومان

===============

( 5 )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، خالق الخلائق أجمعين، والصلاة والسلام على أشرف النبيين، وسيد المرسلين، محمد صلى الله عليه وآله الغر الميامين. وبعد: فيقول العبد الفقير إلى الله جل شأنه (محسن) خلف العلامة المرحوم السيد (مهدي) الطباطبائي الحكيم قدس سره هذه رسالة وجيزة، في ما تعم به البلوى، من أحكام العبادات والمعاملات وغيرهما، سميتها: (منهاج الصالحين)، سائلا منه تعالى شأنه أن ينفع بها إخواننا المؤمنين، ويجعلها خير الزاد ليوم المعاد (يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم)، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه انيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. اللهم أنت ثقتي ورجائي، فاكفني ما أهمني وما لا يهمني، وما أنت أعلم به مني، من أمر ديني ودنياي وآخرتي. رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، برحمتك يا أرحم الراحمين، أنت حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بك، عليك توكلت وإليك أنيب.

===============

( 7 )

مقدمة في بعض مسائل التقليد مسألة 1: يجب على كل مكلف (1)، (1) لتنجز الاحكام الواقعية عليه بالعلم الاجمالي بثبوت أحكام في الشريعة، وبما دل على وجوب تعلم الاحكام، الكاشف عن منجزية احتمالها بنحو لا مجال معه للرجوع للاصول الترخيصية، وعلى ما فصل في مبحث توقف التمسك بالاصول الترخيصية على الفحص، ولا أقل من حصول الشك له في وجوب الفحص شرعا بالنحو المذكور، الموجب لتنجز احتماله أيضا. ولا مجال لدعوى حكم العقل حينئذ بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لاختصاصها بغير صورة التقصير في الفحص عن البيان المولوي، مع بيانه بالطرق المتعارفة، ومن ثم يجب النظر في معجز مدعي النبوة بلا إشكال. وإذا كانت الاحكام الواقعية منجزة في حقه، وجب الخروج عنها بالامتثال الحقيقي بالاحتياط، أو الجعلي بالتقليد على ما يأتي توضيحة. ثم إن الظاهر أن مراده قدس سره بالمكلف الجامع لشرائط التكليف العامة، لكن في أخذ البلوغ في موضوع الوجوب المذكور إشكال، بل يكفي احتماله الناشئ من اشتباه حده الشرعي، لتنجز احتمال التكليف معه، فإن العلم الاجمالي وإن لم يتم في حقه، إلا أن ما دل على وجوب تعلم الاحكام شامل له، كما لا يخفى. وكذا لو فرض الشك فيه بنحو الشبهة الموضوعية، وشك في الحكم الظاهري معه. هذا، والظاهر أنه يصح التقليد من الصبي في شرعية العبادات، وأحكام أعماله من حيثية الصحة والفساد، وترتب الآثار الوضعية، بل التكليفية

===============

( 8 )

لم يبلغ رتبة الاجتهاد (1) أن يكون في جميع عباداته ومعاملاته وسائر أفعاله وتروكه مقلدا (2). غير الالزامية، فإن رفع القلم عنه لا ينافي شكه في ذلك الموجب لدخوله في عموم أدلة التقليد في الاحكام المذكورة. وحينئذ يتجه ترتب أحكام التقليد من حيث جواز البقاء على تقليد الميت، فيجوز له بعد البلوغ البقاء على تقليد الميت الذي قلده وهو حي حين صباه، لخروجه عن المتيقن من الاجماع المدعى على عدم جواز تقليد الميت، الذي هو العمدة فيه، كما نبه على ذلك في الجملة بعض مشايخنا في بعض فتاواه، ويتضح مما يأتي في المسألتين الخامسة والسادسة إن شاء الله تعالى. (1) وهي ملكة الاستنباط، المتوقفة على تهيؤ مقدماته وتيسرها للمكلف. أما واجد الملكة المذكورة فلا يشرع في حقه التقليد، لقصور أدلته عنه، أما اللبية منها - كالاجماع - فظاهر بل عن شيخنا الاعظم قدس سره في رسالته في الاجتهاد والتقليد دعوى الاجماع على عدم جواز التقليد له. وأما اللفظية فلانصرافها عنه، لظهورها في إمضاء سيرة العقلاء على رجوع الجاهل للعالم، ولا عموم لها يقتضي مشروعية التقليد في غير موردها، كما يأتي قريبا، ومن الظاهر اختصاص السيرة بالجاهل الذي يتعذر عليه معرفة الحكم، ولا تشمل من تيسر له ذلك لحصول مقدماته. وأما الاحتياط له فالكلام فيه هو الكلام الاتى في الا حتياط للعامي. (2) اجتزاء العامي بالتقليد هو المعروف من مذهب الاصحاب، بل لا يظن فيه الخلاف بينهم، بل الظاهر أنه مما أطبق عليه المسلمون. والظاهر أن خلاف الاخباريين فيه لفظي، لان المحكي عنهم دعوى أن ما صدر من معاصري الائمة عليهم السلام واستمرت عليه سيرة السلف والخلف ليس من التقليد، بل هو نظير قبول الرواية المنقولة بالمعنى الذي لا إشكال في جوازه، وأنه لا يجوز تقليد من يجتهد في تحصيل الحكم برأيه، إذ يجب أخذ الحكم عن

===============

( 9 )

المعصومين عليهم السلام لا عن غيرهم. ونحن متفقون معهم في عدم جواز أخذ الحكم عن غير المعصومين عليهم السلام، وأن تقليد غيرهم إنما يجوز لاجل معرفة الحكم الصادر منهم عليهم السلام، لا مع إعمال رأيه من دون رجوع إليهم عليهم السلام فهم متفقون مع الاصوليين في جواز التقليد الشائع بين الشيعة وإن خالفو هم في تسميته وتفسيره. نعم، حكي عن الحلبيين وجوب الاجتهاد عينا، وهو غريب. وكيف كان، فقد يستدل على جواز التقليد في الاحكام المستنبطة من الادلة الشرعية بامور.. الاول: سيرة المتشرعة وإجماعهم العملي على الاجتزاء بأخذ الاحكام من المجتهدين الذين تيسر لهم استنباطها من أدلتها التفصيلية، لما هو المعلوم من أن غالب المسلمين لا يتيسر لهم ذلك، فلو لم يشرع في حقهم ذلك لزم الهرج والمرج، واختل نظام معادهم ومعاشهم. قال في التقريرات: (وبالجملة: فجواز تقليد العامي في الجملة معلوم بالضرورة للعامي وغيره، وليس علم العامي بوجوب الصلاة عليه في الجملة أوضح من علمه بوجوب التقليد من اتحاد طريقهما في حصول العلم، من مسيس الحاجة، وتوفر الدواعي عليه، واستقرار طريقة السلف المعاصرين للائمة عليهم السلام والخلف لتابعين لهم إلى يومنا هذا...). والظاهر أن السيرة المذكورة متفرعة ارتكازا عن سيرة العقلاء في جميع امورهم على الرجوع إلى أهل الخبرة، فكل من لا يتسنى له العلم بشئ يرجع إلى العالم به، ولولاه لاختل نظامهم، لتعذر العلم لهم بجميع ما يحتاجونه، فتكون سيرة المتشرعة كاشفة عن إمضاء الشارع الاقدس لسيرة العقلاء المذكورة. الثاني: قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) فإن التفقه عبارة عن تعلم الاحكام واستنباطها من أدلتها، وظاهر الانذار هو الانذار بما تفقهوا فيه، فيدخل

===============

( 10 )

فيه بيان الاحكام الالزامية المستتبعة للعقاب والفتوى بها، وحيث كان ظاهر جعل الحذر غاية لالنذار الواجب مطلوبيته، كان ظاهرا في حجية الفتوى بالاحكام الالزامية ويتم في غيرها بعدم الفصل. بل يفهم عدم الخصوصية بعد ظهورها في كون الحذر من الامور المترتبة طبعا على الانذار، لا من الامور التعبدية الصرفة، وذلك إنما يكون بلحاظ السيرة العقلائية المرتكز مضمونها في الاذهان، فيكون ظاهر الاية الشريفة إمضاء ها، والجري عليها، ومن الظاهر عدم خصوصية الاحكام الالزامية في السيرة المذكورة. وبذلك يندفع توهم أن الحذر كما يكون بقبول الخبر وحجيته، كذلك يكون بالعمل عليه احتياطا لمنجزيته للواقع المحتمل به، فغاية ما تدل عليه الاية، منجزية احتمال التكليف مع الفتوى به، وهو أعم من المطلوب، وهو حجيتها، وحيث لا موضوع لذلك في الفتوى بالاحكام غير الالزامية، كانت خارجة عن مدلولها. وجه الاندفاع: أن ذلك لا يناسب ظهور الاية في إمضاء أمر ارتكازي، لان الامر الارتكازي الذي جرت عليه سيرة العقلاء، هو حجية الفتوى وقبولها، لا وجوب الاحتياط معها، بل هو - لو تم -، محتاج إلى جعل شرعي تأسيسي لا يناسب مساق الاية الشريفة، مضافا إلى المفروغية ظاهرا عن الملازمة بين وجوب الحذر عقيب الفتوى وحجيتها، وذلك كاف في المطلوب لو فرض عدم نهوض الاية الشريفة بحسب مدلولها اللفظي بإثباته. نعم، قد يستشكل في الاستدلال بالاية الشريفة بعدم ثبوت الاطلاق لها بنحو يقتضي الحذر عقيب الانذار بنفسه، لظهور (لعل) في عدم الملازمة بين ما قبلها وما بعدها، فلعل المراد هو لزوم الحذر على تقدير حصول العلم من الانذار، بأن تعدد المنذرون، أو قامت القرينة على صدقهم، نظير قولك: (انصح زيدا لعله يقنع) و (أخبره لعله يصدقك). ولعله إليه يرجع ما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره (1) في الاشكال على الاستدلال


____________
(1) الشيخ مرتضى الانصاري قدس سره. (منه).

===============

( 11 )

بالاية في مبحث حجية خبر الواحد وفيه: أن (لعل) إنما تقتضي عدم الملازمة بين الحذر نفسه والانذار، وهو لا ينافي مطلوبية الحذر عقيب الانذار بمقتضى كونه غاية له، الظاهر في مطلوبيته بمجرده، نظير قولك: (أحسن لزيد لعله ينفعك) و (ادفع له عشرة دراهم لعله يستغني عن الطلب للناس)، فإنه ظاهر في كون الاحسان ودفع الدراهم كافيين في حسن النفع والاستغنا من زيد، بلا حاجة إلى أمر آخر، واحتمال دخله مدفوع بالاطلاق. ولابد أن يكون عدم ملازمة الحذر للانذار لتوقع عصيان الناس وتجاهلهم بحجية الفتوى، لا لعدم حجيتها بنفسها، فإنه خلاف ظاهر الاية جدا، خصوصا مع ما ذكرناه من ظهورها في الامضاء لا التأسيس. فالانصاف: أن الاستدلال بالاية قريب جدا، لظهورها في ما نحن فيه بدوا، وبلا كلفة، فلاحظ. الثالث: قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فإنه ظاهر في أن وظيفة الجاهل السؤال من العالم، والمنصرف إرادة السؤال للعمل، فيكشف عن حجية الجواب، كما يناسبه ظهور القضية في إمضاء سيرة العقلاء المشار إليها آنفا، لورود ها في مقام الاحتجاج على الكفار، وإبطال زعمهم في امتناع بعث البشر، فإن مقام الاحتجاج لا يناسب اللجوء إلى القضايا التعبدية المحضة، بل لابد من الركون للقضايا الارتكازية العامة، التي لا يتسنى للخصم إنكارها. لكن يشكل الاستدلال بها لامرين.. الاول: أنه لا يظهر منها كون السؤال لاجل العمل، لتكشف عرفا عن حجية الجواب، بل لعل الظاهر منها كون السؤال لاجل تحصيل العلم، لان ظاهرها الانكار عليهم، لامتناعهم من القبول والاذعان بجواز بعث الرسل من البشر، ومن الظاهر أن مثل هذا الامر مما يخص العلم به بالرجوع لعلماء أهل الكتاب، لكثرتهم، واتفاقهم، وتصديق المشركين لهم، واحترامهم في نفوسهم، مع عدم كونهم من

===============

( 12 )

أتباعه صلى الله عليه واله حتى يحتمل مجاراتهم له في الجواب، خصوصا مع ورود الاية في مقام يحتاج فيه إلى العلم، وهو اصول الدين، كما نبه له شيخنا الاعظم قدس سره. الثاني: أنه لابد من رفع اليد عن ظهور الاية، البدوي في إرادة مطلق العلماء من أهل الذكر، بالنصوص الكثيرة الظاهرة، بل الصريحة في اختصاص أهل الذكر بالائمة عليهم السلام وعدم شمولها لغيرهم بالنحو الذي ينفع في ما نحن فيه، كصحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليهم السلام قال: (إن من عندنا يزعمون أن قول الله عزوجل: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) انهم اليهود والنصارى. قال: إذا يدعوكم إلى دينهم. قال: قال بيده إلى صدره: نحن أهل الذكر، ونحن المسؤولون) ونحوه غيره (1). وقد تضمن بعضها أن النبي صلى الله عليه واله هو الذكر، والائمة عليهم السلام أهله، فلابد من رفع اليد عن قرينة السياق بذلك. ودعوى: أن ذلك من التفسير بالباطن الذي لا يمنع من حجية الظهور. مدفوعة: بأن التفسير بالباطن إنما لا ينافي حجية الظهور إذا لم يرد مورد الردع عنه، كما تضمنته النصوص المذكورة مع أن كون التفسير المذكور من التفسير بالباطن محل إشكال، ولعله لا يناسب مساق النصوص المذكورة. ومما ذكرنا يظهر اندفاع ما ذكره بعض مشايخنا (2) من أن ذلك من باب تطبيق الكلي على مصداقه، فلا ينافي عمومه لغيره، وقد ورد عنهم عليهم السلام: (انه لو ماتت الاية بموت من نزلت فيه لمات القرآن، وأن القرآن يجري مجرى الشمس والقمر). وجه الاندفاع: أن ظاهر النصوص المذكورة ليس محض تطبيق أهل الذكر عليهم عليهم السلام، ولا نزولها فيهم عليهم السلام، بل تخصيصها بهم علهم السلام، كما تقدم، فتكون كسائر الايات المختصة بهم، كآيات المودة، والولاية، والتطهير وغيرها، التي لا يلزم موتها، لانهم عليهم السلام باقون ما بقي القرآن مرجعا للناس، وحجة عليهم.


____________
(1) يراجع في النصوص المذكورة الكافي: ج 1، ص 211، والوسائل، باب: 7 من أبواب صفات القاضى. (2) السيد أبو القاسم الخوئى (دامت بركاته). (منه)

===============

( 13 )

ثم إنه قد يستدل بايات اخر، كاية الكتمان وغيرها، وهو ضعيف كما اوضح في مبحث حجية خبر الواحد، والعمدة في المقام آية النفر. الرابع: النصوص الكثيرة الواردة في فضل العلم، وتعليمه، والانتفاع به، والرجوع للعلماء والاخذ منهم (1)، فإن تعليم العلم، والانتفاع به، والرجوع للعالم، لا يراد بها خصوص ما أوجب القطع، بل الاشارة إلى ما هو المعروف عند العرف، من أخذ الفتوى من العالم، وقبول قوله، فالنصوص المذكورة بمجموعها ظاهرة في المفروغية عن جواز ذلك، إمضاء لمقتضى السيرة المشار إليها، إلا أنه لا إطلاق لها. نعم، قد يستفاد العموم من التوقيع الشريف: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله). ومثله ما عن الاحتجاج من قوله عليه السلام: (فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لامر مولاه، فللعوام أن يقلدوه) وما عن أبي الحسن عليهم السلام: (اعتمدا في دينكما على كل مسن في حبنا، كثير القدم في أمرنا). اللهم إلا أن يستشكل في الاول بقرب كون الرجوع للرواة لاخذ الرواية منهم، لا لاخذ الحكم الذي استنبطوه منها. مضافا إلى الاشكال في الجميع بضعف السند، خصوصا الاخيرين، وعدم وضوح الانجبار بعمل الاصحاب ومفرو غيتهم عن الحكم، لقرب احتمال اعتمادهم على الادلة الاخر، فلا مجال للتعويل عليها في استفادة العموم. الخامس: النصوص الكثيرة الواردة في إرجاع الائمة عليهم السلام إلى آحاد أصحابهم، كيونس، وزكريا بن آدم، والعمري، وابنه، وكذا ما تضمن حث بعضهم على الفتوى، أو تقريره عليها كأبان بن تغلب، ومعاذ بن مسلم النحوي (2) فإن جواز الافتاء في مقام العمل بالفتوى يلازم عرفا جواز العمل بها. والنصوص المذكورة وإن


____________
(1) يراجع في النصوص المذكورة الوسائل ج 18 ص 94 في أوائل أبواب كتاب القضاء. (2) يراجع في النصوص الوسائل، ج 18، باب 11، من ابواب صفات القاضى. .

===============

( 14 )

وردت في موارد خاصة، إلا أن فهم عدم الخصوصية لمواردها قريب، خصوصا بلحاظ ورود ها في مورد السيرة المشار إليها، فتكون ظاهرة في إمضائها. وفيه: أنه لا مجال للتعدي عن مورد النصوص، لما هو المعلوم من أن إرجاعهم عليهم السلام إنما يكون بلحاظ وثوقهم بدين الشخص وعلمه، لا بلحاظ ثبوت ذلك للمكلف نفسه حسبما يتوصل إليه، مع قطع النظر عن شهادتهم عليهم السلام فالتعدي إنما يتجه إلى كل من يسلم اعتمادهم عليه، وثقتهم به، لا إلى من يثق به المكلف الذي هو محل الكلام ومورد السيرة، فالنصوص ليست في مقام إمضاء سيرة العقلاء في رجوع الجاهل للعالم، بل في مقام بيان قضية تعبدية محضة، خاصة بموردها، أجنبية عما نحن فيه. ولذا تكون الشهادات المذكورة موجبة لتقدم الاشخاص المذكورين على غيرهم من المجتهدين في حق العوام، فلا يسوغ للعامي الرجوع لغيرهم مع إمكان الرجوع لهم، بل يكون بسببهم كالمجتهد الذي لا يسوغ له الرجوع لغيره، لانه من الحجج الخاصة المنصوبة له. بل لا يبعد رجحان فتواهم على ما يستنبطه المجتهد من الادلة، حتى في حق نفسه، لكشف الشهادات المذكورة عن كونهم أوصل منه، وإن خفي عليه الطريق الذي سلكوه، وليس اجتهادهم كاجتهاده بعد الشهادات المذكورة في حقهم، فتأمل. نعم، لا يبعد عدم جريان ما ذكرنا في ما ورد من تقرير معاذ بن مسلم النحوي على الجلوس للفتوى، لان جلوسه لم يكن بأمرالامام عليهم السلام حتى يحتمل دخل خصوصيته فيه، بل وقع ابتداء منه حسب ما يتعارف في ذلك العصر من كل أحد على مقتضى السيرة المستمرة، فلا يبعد ظهور تقريره في إمضاء السيرة المذكورة. هذا، وقد استدل بعض مشايخنا على جواز التقليد بالروايات الناهية عن الافتاء بغير علم، فإن مفهومها - ولو بقرينة الحكمة - يدل على جواز الافتاء عن علم، وجوازه يلازم جواز العمل به عرفا. ولا يخفى أنه لا حاجة للاستدلال بالمفهوم المذكور الذي هو من سنخ مفهوم

===============

( 15 )

القيد مع دلالة بعض النصوص على جواز الافتاء عن علم بالمنطوق. ولكن الاستدلال بها على جواز التقليد إنما يتم فيما إذا كان واردا في الفتوى لاجل العمل، وهو غير ظاهر من كثير من النصوص الناهية عن الفتوى بغير علم والمبيحة لها عن علم، لامكان كون وجه الحرمة لزوم الكذب في الدين الذي هو من أعظم المحرمات وإن لم يستتبع العمل، كما لو صدر ممن ليس أهلا للتقليد. نعم، ظاهر بعض النصوص إرادة الفتوى للعمل، مثل ما تضمن أن المفتي ضامن، وأن عليه وزر من عمل بفتواه، ومثله ما تقدم من أمر أبان بالجلوس للفتوى، وتقرير معاذ على ذلك، لما هو المعلوم من أن الجلوس للفتوى إنما يكون لعمل الناس بها، فيدل بالملازمة العرفية على جوازه وإمضاء السيرة على ذلك، لولا ما عرفت من احتمال خصوصية الشخص. وقد تحصل من جميع ما ذكرنا: أن العمدة في المقام هي سيرة المتشرعة، وآية النفر، والنصوص المشار إليها في الوجه الرابع، ونصوص الترخيص في الفتوى في مقام العمل، وأن الادلة المذكورة واردة مورد الامضاء لسيرة العقلاء والجري عليها، فلا تنهض بإثبات جواز التقليد في غير موردها، كما أشرنا إليه في أول المسألة. كما ظهر - أيضا - أن عموم الحجية تابع لعموم السيرة، ولا مجال لدعوى لزوم الاقتصار على خصوصية موارد الادلة المتضمنة للامضاء، فإن ذلك إنما يتم إذا لم يظهر من الادلة المفروغية عن السيرة، وعن نفوذها وإمضاء مضمونها أما بعد فرض ظهورها في ذلك فهي ظاهرة في عدم الخصوصية لمواردها، وإلا كان عدم التنبيه على الردع تغريرا، فإن المكلف بحسب طبعه يجري على حسب ارتكازاته، فمع ظهور حال الشارع في المفروغية عن لزوم ذلك عليه، فالخصوصية لتلك الموارد مما يغفل عنها، فيكون عدم التنبيه لدخلها تغريرا منه له. وعلى ذلك يكون مقتضى القاعدة الاولية الجري في التقليد على مقتضى السيرة ما لم يثبت الردع عنها، كما هو الحال في سائر السير المستفاد إمضاؤها من قبل الشارع، كسيرتهم في حجية الظواهر وخبر الواحد وغيرهما.

===============

( 16 )

[ أو محتاطا (1) إلا أن يحصل له العلم بالحكم، لضرورة أو غيرها، كما في بعض الواجبات، وكثير من المستحبات والمباحات. مسألة 2: عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل (2)، ] وإنما أطلنا الكلام في أدلة المسألة لاجل ذلك، وإلا فالحكم من الواضحات التي لا تحتاج إلى الاطالة في الاستدلال. ومما تقدم يظهر حال ما قد يستدل به على المنع من التقليد، فإنه مع كونه موهونا في نفسه، لا ينهض بمعارضة ما عرفت، ولا مجال لاطالة الكلام فيه، فراجعه في مظانه، وتأمل جيدا، والله سبحانه وتعالى العالم. (1) يأتي في المسألة الثالثة الوجه في مشروعية الاحتياط للعامي والمجتهد. (2) يعني: ظاهرا، لعدم إحراز مشروعيته لا وجدانا ولا تعبدا، فلا مجال للاجتزاء به بنظر العقل في الفراغ عن التكليف المعلوم أو المحتمل بعد فرض منجزية الاحتمال في حقه، كغيره ممن لم يتحقق منه الفحص المسوغ للرجوع للاصل. ونظيره في البطلان عمل واجد ملكة الاجتهاد إذا لم يستند إلى إعمال الملكة، وليس له الاجتزاء به إلا إذا طابق رأيه بعد إعمالها. نعم، إذا تعذر عليه الاجتهاد بعد ذلك، لتسافل حاله، لم يجتزئ بعمله المذكور إلا بمطابقته لرأي من يجب عليه تقليده فعلا، كما يظهر وجهه بأدنى تأمل. وأما احتمال عدم صحة العمل واقعا، بحيث لا يجدي العلم بمطابقته للواقع بعد ذلك، فضلا عن قيام الحجة على ذلك، فهو وإن كان ممكنا عقلا، بأن يكون قيام الحجة مأخوذا في موضوع الاحكام الواقعية لبا، بنحو نتيجة التقييد، إلا أن إطلا ق أدلة الاحكام المذكورة كاف في رفع اليد عن الاحتمال المذكور. نعم، قد يستشكل فيه في العبادات، بل هو الذي أصر عليه شيخنا الاعظم قدس سره مستظهرا عدم الخلاف فيه في خاتمة البراءة والاشتغال، لدعوى عدم

===============

( 17 )

[ لا يجوز له الاجتزاء به، إلا أن يعلم بمطابقته للواقع أو لفتوى من يجب عليه تقليده فعلا (1). ] تحقق التقرب في العمل مع الشك في كونه مأمورا به. ويندفع: بأن الظاهر كفاية احتمال الامر في تحقق المقربية المعتبرة في العبادة، كما يأتي في المسألة الثالثة. (1) يعني: حين الالتفات إلى حال عمله، لحجية فتواه في حقه حينئذ، فيجوز له التعويل عليها في إحراز صحة عمله، كما يعول عليها في سائر المسائل التي يبتلي بها حين تقليده له، وكذا لو كان مطابقا لاجتهاده بنفسه بعد حصول الملكة له. وأما لو كان مطابقا لفتوى من كان يجب عليه تقليده حين العمل، أشكل الاجتزاء به، فإن ما يأتي في المسألة السادسة عشرة من احتمال الاجتزاء مطلقا بمطابقة العمل لفتوى من يجب عليه تقليده حينه - لو تم - مختص بما إذا صدر العمل عن تقليد، ولا يعم المقام. نعم، لا يبعد الاكتفاء بمطابقة رأيه إذا كان أعلم من المجتهد الذي يجب تقليده فعلا، أو مساويا له، كما يكتفي به هناك، لان المسألتين من باب واحد في وجه التفصيل المذكور، وإن اختلفتا في بعض الجهات الاخر على ما يأتي التعرض له هناك إن شاء الله تعالى. ثم إنه لو شك في صحة عمله بجهله بكيفيته، بنحو الشبهة الموضوعية، لم يبعد البناء على الصحة، لقاعدة الفراغ والصحة المعول عليها. ودعوى اختصاصها بما إذا كان العامل ملتفتا للوجه الصحيح، وفي مقام الاتيان به، لا ما إذا كان غافلا عنه، كما في المقام. في غير محلها، كما حقق في محله، ولعله يأتي التعرض له في مباحث الوضوء إن شاء الله تعالى.

===============

( 18 )

[ مسألة 3: الاقوى جواز ترك التقليد والعمل بالاحتياط (1)، سواء اقتضى التكرار، كما إذا ترددت الصلاة بين القصر والتمام، أم لا، كما إذا احتمل وجوب الاقامة في الصلاة. ] (1) بل هو الاولى عقلا، لما فيه من تحصيل الواقع، ولذا لا إشكال في رجحانه مع تعذر الفحص، أو مع احتمال خطأ الطريق النافي للتكليف، الذي يعثر عليه بعد الفحص، كما اعترف به شيخنا الاعظم قدس سره في غير موضع من كلامه وغيره، وكذا في التوصليات - ومنها المحرمات - ولو مع التمكن من الفحص. نعم، ربما ينسب للمشهور المنع منه في العبادات مطلقا ولو لم يلزم التكرار، بل ربما ادعي عليه الاتفاق، كما قد يستظهر من دعوى السيد الرضي قدس سره الاجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها، وتقرير أخيه السيد المرتضى له على ذلك على ما حكي عنهما. وقد يستدل عليه مضافا إلى ذلك.. تارة: بمنافاته للعبادية المتقومة بقصد الامر الذي لا يمكن إلا مع الجزم بوجوده. واخرى: بمنافاته لقصد الوجه من الوجوب والاستحباب المعتبر في العبادة، كما عن المشهور بين المتأ خرين، بل حكي اتفاق المتكلمين عليه. وثالثة: بأن الاطاعة التفصيلية - مع القدرة عليها - مقدمة على الاطاعة الاجمالية والاحتمالية. ورابعة: بما دل على وجوب تعلم الاحكام. لكن الاجماع لم يثبت بنحو معتد به. وظاهر كلام السيدين (قدس سرهما) إرادة البطلان في ظرف مخالفة عمل الجاهل للواقع، في قبال المصوبة. ويكفي في العبادية وقوع العمل بوجه قربي، الذي يكفي فيه الاتيان به

===============

( 19 )

لاحتمال الامر، للشك في اعتبار ما زاد على ذلك، فيدفع بإطلاق الخطابات اللفظية فضلا عن المقامية، فإن اعتباره في الاطاعة لما كان على خلاف الطريقة العرفية لاكتفائهم فيها بتحقيق المأمور به بأي وجه اتفق كان السكوت عنه في أدلة الاحكام ظاهرا في عدم اعتباره. على أنه مقتضى الاصل الجاري في جميع ما يحتمل دخله في المأمور به والغرض، على ما حقق نظيره في مبحث التعبدي والتوصلي. ومنه يظهر عدم اعتبار قصد الوجه في العبادة، واتفاق المتكلمين عليه - لو تم - لا ينهض بإثباته، خصوصا مع ظهور كلمات بعضهم في توقف الثواب عليه، الذي هو أجنبي عما نحن فيه. بل قد يظهر منه أن ذكره لبيان عدم ترتب الثواب على الفعل في ظرف الاتيان به بدواع اخر لا دخل للمولى بها، فيرجع إلى اعتبار القربية في الثواب لا غير. وأما تقديم الاطاعة التفصيلية على الاجمالية والاحتمالية، فلا أصل له إن اريد بالاطاعة ما يساوق العبادية، وإن اريد بها ما يقابل المعصية فهو خلاف المقطوع به، إذ لا ريب في كفاية موافقة المأمور به كيف اتفق في التوصليات. نعم، مع تنجز التكليف لا مجال للاكتفاء بالاحتمالية في مقام الظاهر، بحيث لا يعلم معها الفراغ عنه حتى في التوصليات، وهو أجنبي عما نحن فيه مما فرض فيه كون الاطاعة الاحتمالية سببا للعلم بالفراغ عن التكليف على تقدير وجوده، وإنما كانت الاطاعة احتمالية لكون أصل التكليف احتماليا. وأما ما دل على وجوب تعلم الاحكام، فهو ظاهر في الوجوب المولوي الطريقي، محافظة على التكاليف الواقعية، أو الوجوب الارشادي لتنجز الاحكام قبل الفحص عقلا، فلا يمنع من موافقتها بالاحتياط. نعم، لو كان ظاهرا في تقييد المأمور به بلزوم قيام الحجة عليه كان ملزما بتحصيل الحجة بالاجتهاد أو التقليد، وعدم الاكتفاء بالاحتياط، وكذا لو كان ظاهرا في وجوب التعلم نفسيا، وكلاهما خلاف ظاهر الادلة المذكورة.

===============

( 20 )

ومما ذكرنا يظهر جواز الاحتياط في العبادات حتى لو لزم التكرار، وما يظهر من شيخنا الاعظم قدس سره من الاتفاق على المنع حينئذ - مع عدم ثبوته - لا ينهض حجة للمنع بعد عدم وضوح كونه إجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم عليه السلام ليمنع الخروج به عما عرفت من الاطلاقات اللفظية، والمقامية، والاصل. ومثله دعوى مجانبته لسيرة المتشرعة، لقرب كونها ناشئة من صعوبة الاحتياط بالتكرار، ولذا لو فرض صعوبة الفحص، لم يكن الاحتياط بالوجه المذكور بعيدا عن طريقتهم، ولا مستنكرا في مرتكزاتهم. وأما ما ذكره من أن من احتاط بالتكرار الكثير مع تمكنه من الفحص، عد لاعبا بأمر المولى، والفرق بين القليل والكثير لا يرجع إلى محصل. فإن أراد من اللعب ما يساوق الاستهانة بالامر فهو ممنوع، وإن أراد به ما يساوق عدم الغرض العقلائي في كيفية امتثاله فهو ليس محذورا، على أنه قد يكون له غرض فيه يخرجه عن ذلك، كصعوبة الفحص وأهمية إحراز الواقع الحقيقي. وبالجملة: الظاهر أنه لا محذور في الاحتياط مطلقا، ليخرج به عن القاعدة المقتضية لحسنه كما عرفت، كما أوضحناه في مباحث القطع من الاصول. ثم إنه كما يشرع الاحتياط في الحكم الواقعي، كذلك يشرع في موافقة الحجة عليه عند احتمالها، أو اشتباهها ولو أمكن الفحص المعين لها، فيجوز عند دوران التقليد بين شخصين مثلا، الاخذ بأحوط القولين، لما فيه من تحصيل الوظيفة العملية الظاهرية، وإن لم يحرز به الحكم الواقعي، لبعض الاحتمالات التي لا تكون منجزة في حق المكلف، لعين ما ذكرناه. فلاحظ. تنبيه: الادلة المتقدمة على التخيير بين التقليد أو الاجتهاد والاحتياط إنما تنفع المجتهد المستقل بالنظر في مقام الفتوى أو العمل. أما العامي فاللازم عليه الاقتصار على المتيقن في الخروج عن عهدة

===============

( 21 )

[ لكن معرفة موارد الاحتياط (1) متعذرة غالبا، أو متعسرة (2) على العوام. مسألة 4: التقليد هو العمل اعتمادا على فتوى المجتهد (3)، سواء التزم بذلك في نفسه المقلد أم لم يلتزم. ] التكاليف، فإن تمكن من تعيين الوظيفة بالرجوع للادلة المتقدمة كان مجتهدا في المسألة المذكورة، وإلا فلا مجال لاجتزائه بالاحتياط، لان كبرى الاجتزاء بالاحتياط وإن كانت عقلية غير قابلة للردع الشرعي، لرجوعها إلى الاجتزاء بالامتثال الواقعي، إلا أن مرجع المنع منه إلى دعوى تعذره، لدعوى أن المعتبر في المكلف به أمر لا يتأتى مع الاحتياط، وهو أمر لا يأباه العقل، فلا طريق للقطع بالامتثال معه إلا بالتقليد فيه، كالتقليد في سائر المسائل الفرعية. نعم، الاجتزاء بالتقليد محتاج إلى دليل أيضا، ويأتي في المسألة الخامسة عشرة الكلام في وجه اكتفاء العامي به إن شاء الله تعالى، فلاحظ. (1) بل قد يتعذر نفس الاحتياط أو يتعسر، كما في موارد الدوران بين محذورين، أو كثرة الاطراف، بنحو يتعذر أو يتعسر الجمع بينها، فاللازم مع عدم الاحتياط التام الفحص عن الواقع أو عن الوظيفة العملية تحصيلا للفراغ اليقيني عن التكليف الواقعي المنجز. (2) الظاهر أن مراده قدس سره من ذكر التعسر الارشاد إلى ترك الاحتياط، لا بيان انسداد بابه معه، لما هو المعلوم من جواز إيقاع المكلف نفسه في ما يوجب العسر. (3) المستفاد من بعض كلمات اللغويين، وبعض استعمالات أهل اللغة، أن التقليد عبارة عن جعل الشي. في عنق الغير، ومنه تقليد السيف، والتقليد في الحج، وقول الصديقة عليها السلام في خطبتها الصغيرة: (لا جرم والله لقد قلدتهم ربقتها) وما في حديث الخلافة: (فقلدها رسول الله صلى الله عليه اله عليا عليه السلام) ومنه سميت القلادة قلادة، ويشير إليه ما في القاموس: (قلد الماء في الحوض... جمعه فيه، والشئ على الشئ

===============

( 22 )

لواه، والحبل فتله، والحمى فلانا أخذته كل يوم... والحديد رققها ولواها على شئ). وقد اطلق في العرف على متابعة الغير ومجاراته في الشئ، ولعله بلحاظ أن التابع قد حمل المتبوع مسؤولية عمله، فكأنه جعله في عنقه، وألزمه به، نظير ما تضمن أن المفتي ضامن، كما ذكره غير واحد من مشايخنا. لكن الظاهر أن الجهة المذكورة وإن كانت هي المنشأ في إطلاق التقليد على ذلك، إلا أن الاستعمال بعد ذلك قد جرد منها، ولحظت فيه محض المتابعة والمحاكاة مع قطع النظر عن الخصوصية المذكورة، ولذا صح اطلاقه في ما لا مسؤولية فيه من الاعمال، وصح تعديته ب‍ (في) لا بنفسه، فيقال: قلده في عمله، ولا يقال: قلده عمله، كما يقال: قلده السيف. وعليه ظاهرا جرى استعمال التقليد فما تقدم عن تفسير العسكري عليه السلام كما يظهر بالتأمل في تمام فقرات الرواية. ومثله ما في رواية محمد بن عبيدة، قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: (يا محمد أنتم أشد تقليدا أم المرجئة؟) قال: قلت: قلدنا وقلدوا، فقال: (لم أسألك عن هذا)، فلم يكن عندي جواب أكثر من الجواب الاول، فقال أبو الحسن عليه السلام: (إن المرجئة نصبت رجلا لم تفرض طاعته وقلدوه، وإنكم نصبتم رجلا وفرضتم طاعته فلم تقلدوه، فهم أشد منكم تقليدا) (1). والظاهر أنه على ذلك جرى اصطلاحهم على التقليد في المقام، كما يظهرمن تعريفهم له تارة: بالاخذ بقول الغير. واخرى: بقبوله. وثالثة: بالعمل به. فإن الظاهر رجوع الجميع إلى معنى واحد - كما صرح به سيدنا المصنف قدس سره - وهو المتابعة في العمل المطابق لما عرفت من المعنى العرفي، فهو من عناوين العمل المنتزعة من صدوره بنحو المتابعة للغير، وليس المراد من الاخذ والقبول الا الاخذ والقبول في مقام العمل، لا ما يسبق عليه من الالتزام، كما يظهر من المحقق الخراساني. هذا، وفي الفصول: (واعلم أنه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه، لان العمل مسبوق بالعلم، فلا يكون سابقا عليه، ولئلا يلزم الدور في


____________
(1) الوسائل، ج 18، ص 90، باب 10 من أبواب صفات القاضى حديث 2.

===============

( 23 )

العبادات من حيث إن وقوعها يتوقف على قصد القربة، وهو يتوقف على العلم بكونها عبادة، فلو توقف العلم بكونها عبادة على وقوعها كان دورا. نعم، يعتبر العمل في لزوم حكم التقليد إن قلنا بجواز العدول، وإلا لزمه حكمه مطلقا. هذا، وقول العلامة في النهاية بأن: التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة معلومة. بيان لمعناه اللغوي، كما يظهر من ذيل كلامه). وظاهره كون التقليد سابقا على العمل، ولعله أراد به الالتزام بالمتابعة كما يظهر من السيد في العروة الوثقى، أو الالتزام بنفس مضمون الفتوى على أنه الحكم الظاهري له، كما يظهر من المحقق الخراساني قدس سره حيث فسر التقليد بالاخذ بقول الغير، وصرح بأنه سابق على العمل. وكيف كان، فهو لا يخلو عن إشكال لعدم مناسبته للمعنى اللغوي، ولا العرفي، ولم يتضح منهم الخروج عنهما باصطلاح خاص في معنى التقليد، لما عرفت من تعاريفهم له. وأما الاستدلال له بما تقدم في الفصول، فهو لا يخلو عن إشكال، لانه إن أراد به الاستدلال على أن ذلك معناه العرفي، فهو إنما يتجه لو كان التقليد بمعناه العرفي موضوعا للحجية، ومصححا للعمل. وهو غير ظاهر من الادلة، بل ظاهرها كون الفتوى بنفسها موضوعا لها ومصححة له، ولا مانع من كون التقليد كالعمل مترتبا على الفتوى بلحاظ حجيتها، بل هو كذلك ارتكازا، لما هو المرتكز من أنه لا يصح تقليد غير الحجة، لا أن الحجية تكون بالتقليد. وإن أراد به الاستدلال على أن ذلك معناه الاصطلاحي، ففيه: أنه لا معنى للاستدلال على تعيين المعنى الاصطلاحي بلزوم الدور ونحوه، إذ لا مشاحة في الاصطلاح، ولا طريق لمعرفته إلا استيعاب كلمات أهله. نعم، قولهم: عمل عن تقليد، ظاهر في تأخر العمل عن التقليد، فيناسب حمله على الالتزام، ولعله لذا ذهب المحقق الخراساني قدس سره لما سبق.

===============

( 24 )

[ مسألة 5: يشترط في المرجع في التقليد البلوغ (1)، ] لكن في صلوح ذلك للكشف عن خروج مصطلحهم عن المعنى العرفي الذي عرفته إشكال، لقرب أن يكون ذلك من الاستعمالات المستحدثة. هذا، والظاهر أنه لا ثمرة مهمة في تحقيق مفهوم التقليد، لعدم أخذه في أكثر أدلة المقام، وإنما اخذ في ما تقدم عن تفسير العسكري عليه السلام، وقد عرفت ضعف سنده، مع أن المنصرف منه كون التقليد من آثار حجية قول المجتهد، فيدل على حجيتها بنفسها، وذلك كاف في ترتب الاثار العملية عليها ولا أهمية للتقليد. نعم، ربما وقع في بعض كلماتهم في بيان معاقد بعض الاجماعات المدعاة في المقام. لكن لو تم الاحتجاج بها، أشكل حمل مرادهم على المعنى اللغوي، أو العرفي، أو الاصطلاحي، لعدم الجزم باتفاقهم على واحد منها، ولا بوضوح حدود كل من هذه المعاني لكل أحد حتى يعلم بمرادهم لو فرض العلم بجريهم على أحدها، فيتعين البناء على إجمال معقد الاجماع والاقتصار فيه على المتيقن، ولا يبقى أثر مهم لتحديد مفهوم التقليد، لا لغة ولا عرفا ولا اصطلاحا. وحينئذ فاللازم النظر في دليل كل حكم من أحكام التقليد بنفسه، وأنه يقتضي الالتزام أولا. ولا يخفى أن دليل مشروعية أصل التقليد ظاهر في حجية الفتوى بنفسها، من دون دخل للالتزام، وأما بقية أحكام التقليد وتفاصيله فلعله يأتي الكلام في دخل الالتزام فيها وعدمه عند الكلام في كل حكم بنفسه فانتظر. (1) تقدم عند الكلام في أدلة التقليد أن اللازم في المقام الرجوع إلى سيرة العقلاء ما لم يثبت الردع عنها، ومن الظاهر عدم أخذ البلوغ في موضوع الحجية عندهم، فلابد في اعتباره من دليل صالح للردع، وليس هو إلا الاجماع المدعى. قال شيخنا الاعظم قدس سره في رسالته في التقليد: (يعتبر في المجتهد امور: البلوغ، والعقل، والايمان، ولا إشكال في اعتبار هذه الثلاثة...) ثم شرع في ذكر الخلاف في

===============

( 25 )

اعتبار الحياة، وظاهره الاجماع على اعتبار البلوغ. لكن في الركون إليه إشكال، لعدم تحرير المسألة، وعدم الابتلاء بها في العصور المقاربة لعصور الائمة عليهم السلام بحيث يعلم أخذ المجمعين لحكمها خلفا عن سلف، متصلا بعصر المعصومين عليهم السلام ليكشف عن رأيهم. ولا مجال لاستكشافه بسيرة المتشرعة، بعد ما ذكرنا من عدم الابتلاء به، إذ لعل ذلك منشأ سيرتهم، لا لكونه من المستنكرات عندهم بما أنهم أهل دين، ليكشف ارتكاز الاستنكار عن كون ذلك من الواضحات الدينية المتسالم عليها المأخوذة عن أعلام الدين (صلوات الله عليهم). بل لو فرض بلوغ الصبي مرتبة عالية من العلم، والالتزام بالاعمال الدينية، والتورع والاحتياط، فالرجوع له مما تقبله مرتكزات المتشرعة جدا، ومع ذلك لا مجال للبناء على الشرط المذكور، والخروج به عن مقتضى سيرة العقلاء القريبة من المرتكزات المتشرعية. ولا يضر معه اشتمال بعض الاخبار على عنوان الرجل كمقبولة ابن حنظلة، فإنه - مع وروده في القضاء لا في الفتوى - لا يكفي في الردع عن مقتضى السيرة لعدم ظهوره في الحصر، كما سيأتي نظيره عند الكلام في اعتبار العقل. هذا، وأما الاستدلال عليه في كلامهم بما أشار إليه سيدنا المصنف قدس سره من كونه محجورا عن التصرف، ومرفوعا عنه القلم، ومولى عليه، وعمده خطأ، فهو ظاهر الوهن. ومثله ما في الفصول من الاستدلال له: بأن عدم قبول روايته يقتضي عدم قبول فتواه بطريق أولى. إذ المنع من قبول روايته أول الكلام، على أن الاولوية غير ثابتة عندهم، فقد منع السيد المرتضى قدس سره من قبول خبر الواحد، وأجاز قبول فتواه، وإن كانت الاولوية في نفسها قريبة جدا، لان الرواية لما كانت من مقدمات الفتوى، فعدم قبولها لا يناسب قبول الفتوى جدا.

===============

( 26 )

[ والعقل (1)، ] ومن ثم لم يبعد الاستدلال بأدلة التقليد على حجية خبر الواحد بمقتضى الاولوية المذكورة، فتأمل (1). ولذا قد يستدل على اعتبار البلوغ في المقام بما دل على عدم قبول شهادة الصبى ويشكل.. أولا: بالمنع من عدم قبول شهادته مطلقا، فقد قيل بقبولها مع بلوغه عشرا، وفي الجراح والقصاص، بل صريح بعض الروايات قبولها في القتل وفي الامر الدون، وتمام الكلام في كتاب الشهادات. وثانيا: بأن الاولوية بين عدم قبول الرواية وعدم حجية الفتوى إنما هي لان الرواية من مقدمات الفتوى، وذلك لا يجري في الشهادات الواردة في الموضوعات، إذ لا دخل لها بالفتوى، ومن ثم اعتبر فيها ما لا يعتبر في الفتوى والرواية، كالعدد، فالاستدلال المذكور قياس صرف. نعم، لو كانت العدالة متوقفة على البلوغ، كان دليل اعتبارها - لو تم - كافيا في اعتباره، لكن الظاهر عدم نهوض الادلة بإثبات اعتبار العدالة بالوجه المتوقف عليه، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. (1) لا إشكال في اعتباره لو توقف الرأي عليه، الذي هو موضوع الحجية، كما لا إشكال في عدم الاعتداد برأي المجنون لو فرض حصوله له، لخروجه عن الادلة المتقدمة التي عمدتها سيرة العقلاء. نعم، لو فرض طروء الجنون بعد انعقاد الرأي، وبيان الفتوى حين العقل،


____________
(1) الاولوية المذكورة انما تتم لو كانت الفتوى حجة في حق المجتهد. أما حيث كانت حجة في حق العامي الذى ينحصر طريق معرفته بالوظيفة الفعلية بالفتوى فهى لا تلازم حجية الرواية في حق المجتهد لا عقلا ولا عرفا. فلاحظ. (منه عفى عنه).

===============

( 27 )

فليس بناء العقلاء على مانعيته من التقليد، لما هو المرتكز عندهم من أن الرجوع للمفتي بملاك كاشفيته نوعا، ولا دخل لطروء الجنون في ذلك، كما في الرواية، ولذا لا أثر لذلك عندهم في سائر موارد الرجوع لاهل الخبرة من امور المعاش والمعاد. إلا أنه قد يرفع اليد عن مقتضى السيرة بالاجماع المدعى على اعتبار العقل، فقد قيل: إنه مما أجمع عليه الخلف والسلف. وظاهر شيخنا الاعظم قدس سره في ما تقدم عن رسالته في التقليد، أنه مما لا إشكال فيه بينهم. إذ حمله على خصوص ما يتوقف عليه انعقاد الرأي، أو على بيان عدم حجية الرأي المنعقد حال الجنون بعيد جدا، لعدم الموضوع في الاول، ووضوح حكم الثاني، فتأمل. لكن في الاعتماد على الاجماع المدعى في المقام إشكال، لعدم القطع معه بتحقق الردع الشرعي عن مقتضى السيرة، لقرب استنادهم إلى بعض الوجوه الاعتبارية التي لا تنهض بالحجية، وعدم وضوح كونه إجماعا تعبديا متصلا بعصر المعصومين عليهم السلام، مستندا لهم، ليكشف عن رأيهم. وأما ما ذكره بعض مشايخنا من أن المجنون لا يليق بزعامة المسلمين لسقوطه عن الانظار بطروء حالة الجنون والهرم ونحوهما عليه. فيندفع: بعدم توقف حجية الفتوى على الزعامة التي لا تليق بالمجنون، كما يأتي نظير ذلك في غير واحد من الشروط الاتية. نعم، الظاهر أن الجنون المطبق عندهم ليس أخف من الموت، فلو فرض تمامية الاجماع منهم على اعتبار الحياة في التقليد الابتدائي، فالمراد منها الحياة الملازمة لفعلية الرأي غير الحاصلة مع الجنون، فيكون الاجماع المذكور دليلا في المقام. كما أنه لو فرض تمامية الادلة على اعتبار العدالة في المجتهد حين الرجوع إليه، لا حين فتواه بالحكم فقط، كانت دليلا أيضا، لعدم كون المجنون موضوعا للعدالة، ويأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى. هذا، وقد يدعى أن أدلة التقليد الشرعية مختصة بصورة فعلية الرأي، ولا

===============

( 28 )

تشمل الرأي الزائل بالجنون، لان العناوين المأخوذة فيها من الانذار والفقاهة والنظر في الحلال والحرام وغيرها لا تصدق على المجنون حين جنونه، وإن صدقت عليه قبل ذلك. ويندفع بوجهين.. الاول: ان ظهور الادلة المذكورة في إمضاء سيرة العقلاء والمفروغية عن ذلك موجب لظهورها في حجية الرأي الصادر عن العالم وإن زال علمه بعد ذلك، فيكفي صدق العالم والفقيه حين انعقاد الرأي في جواز الرجوع إليه ولو بعد زوال فقهه وعلمه، كما هو مقتضى السيرة المذكورة، بقرينة ما عرفت من ارتكاز أن دخل العناوين المذكورة في الكاشفية إنما يقتضي اعتبارها حين صدور الفتوى، كما هو الحال في الرواية والشهادة والاقرار وغيرها مما اعتبر فيها شرعا أو عرفا عناوين خاصة كالوثوق والعقل وغيرهما، فإنه يكفي تحقق العناوين المذكورة حين صدورها، لا حين العمل بها. وبه يخرج عن ظاهر أخذ العناوين في موضوعات الاحكام المقتضي لاعتبارها حين ترتيب تلك الاحكام والعمل عليها. وأما ما ذكره بعض مشايخنا في الفرق بين أدلة الفتوى والرواية من أن ظاهر الاولى كون المرجع هو الفقيه لا رأيه، فلابد من صدق العنوان عليه حين الرجوع إليه، لا حين انعقاد الرأي له، وظاهر الثانية لزوم تصديق رواية الثقة فيكفي كونه ثقة حين الرواية. فمندفع.. أولا: بعدم الفرق بينهما، لما هو المرتكز عرفا من أن الرجوع له إنما هو لحجية رأيه، كالرجوع للراوي، فهو كناية عن ذلك، ولذا كان ظاهر الادلة في المقامين إمضاء بناء العقلاء على حجية الرواية والفتوى لا تأسيس حجة اخرى، وهي نفس المرجع في المقام. وثانيا: بأن ما ذكره في الرواية - لو تم - لا ينفع في الاكتفاء بتحقق العناوين

===============

( 29 )

المأخوذة في الراوي حين روايته، بل يلزم تحققها حين العمل بها وتصديقها، كما هو الحال في سائر العناوين المأخوذة في موضوعات الاحكام، فإذا قيل: أطع أمر جارك، وأجب التماس صديقك، كان الظاهر منه اعتبار تحقق الجوار والصداقة حين إطاعة الامر وإجابة الالتماس، لا حين صدورها، ولا مخرج عن ذلك في الرواية إلا ما عرفت من القرينة العرفية الجارية في الفتوى أيضا. الثاني: أنه لا إشكال في أنه لا ظهور للادلة المذكورة في حصر الحجية بمواردها، لتصلح للردع عن مقتضى السيرة في غير مواردها، فلو فرض قصورها في نفسها أمكن التمسك بالسيرة التي لم يثبت الردع عنها. فما ذكره بعض مشايخنا من كون الادلة المذكورة رادعة عن السيرة مما لم يتضح وجهه. نعم، لو فرض لزوم إحراز إمضاء السيرة في كل مورد بخصوصه كان لقصور الادلة المذكورة أثر مهم. لكن عرفت في آخر الكلام في أدلة التقليد أنه لا مجال لذلك، لان ظهور الادلة في المفروغية عن مقتضى السيرة يقتضي الرجوع إليها على عمومها ما لم يثبت الردع في خصوص المورد. فالعمدة في المنع عن التقليد في المقام ما عرفت من الاجماع الذي تقدم الكلام فيه. هذا كله في التقليد الابتدائي، وأما الاستمرار على تقليد من عرض له الجنون مع حدوث تقليده قبله، فالظاهر أنه يجري فيه الكلام الاتي في البقاء على تقليد الميت، لعدم الفرق بينهما في أدلة المنع والجواز. وأما المجنون الادواري فلا إشكال في دخوله في السيرة وفي أدلة الامضاء حين إفاقته، وأما حين جنونه فلا يبعد أنه كذلك، لان الجنون الموقت غالبا من سنخ المرض الذي لا ينافي صدق العالم والفقيه ونحوهما عرفا. ومن ثم فلا مجال للرجوع فيه للاجماع المتقدم، لعدم وضوح شموله له،

===============

( 30 )

[ والايمان (1)، ] فالبناء على جواز تقليده حدوثا وبقاء هو الانسب بالادلة. ولعله لذا حكي القول بذلك عن بعض متأخري المتأخرين، كصاحبي المفاتيح والاشارات. (1) قال سيدنا المصنف قدس سره: (حكي عليه إجماع السلف الصالح والخلف)، وتقدم من شيخنا الاعظم قدس سره ما ظاهره التسالم عليه بين الاصحاب. وحيث كان تقليد غير المؤمن موردا للابتلاء من الصدر الاول فالتسالم المذكور كاف في الدليل على اعتبار الايمان، إذ لو لم يعتبر لما خفي عليهم ولم يحصل التسالم المذكور، وبه يخرج عن مقتضى السيرة من عدم اعتبار ما زاد على الوثوق بالشخص. اللهم إلا أن يقال: الذي هو مورد الابتلاء في الصدر الاول هو غير المؤمن الجاري في استنباط الاحكام على اصول العامة وطريقتهم في الاستدلال، ولا إشكال في عدم جواز تقليده، لعدم كونه من أهل الخبرة في الاحكام المتنجزة على العامي، والذي هو محل الكلام هو الجاري في الاستنباط على طريقة الامامية، الموثوق به في بيان الاحكام على الوجه المذكور، وليس هو موردا للابتلاء من الصدر الاول، فالكلام فيه مجرد فرض لا صغرى له، ومن القريب خروجه عن معقد الاجماع المتقدم واختصاص الاجماع بالاول. على أنه لو فرض شموله له أشكل الاعتماد عليه لعدم وضوح اتصاله بعصر المعصومين عليهم السلام واستناده إليهم، كما تقدم نظيره. ومنه يظهر حال الاستدلال بما عن العسكري عليه السلام عن الصادق من قوله عليه السلام: (من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لامر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم...) (1) فإنه وأن


____________
(1) الوسائل ج 18 ص 94، 10 من أبواب صفات القاضى، حديث: 20.

===============

( 31 )

كان ظاهرا في المفروغية عن اختصاص التقليد بالشيعة، إلا أنه قد يكون مسببا عن عدم تصدي غيرهم للاستنباط من طريق أهل البيت عليهم السلام، ولا ينهض بالمنع من تقليد غيرهم لو فرض سلوكه في الاستنباط الطريق المذكور. هذا، وقد يستدل عليه باية النباء، إما لان المراد بالفاسق ما يقابل المؤمن - كما قد يشهد به كثير من الاستعمالات في الكتاب والسنة - أو لان المراد به ما يقابل العادل - كما لعله الانسب بالمعنى اللغوي، وهو المصطلح لهم - وهو أخص من المؤمن. ولا يضر انصراف النبأ فيه، للخبر عن حس، دون مثل الفتوى مما كان مبنيا على الحدس، لما عرفت في مسألة اعتبار البلوغ من الاولوية العرفية. ويشكل بانصرافها عما نحن فيه ممن يوثق بخبره من الفساق، بقرينة التعليل بخوف الندم الظاهر في المفروغية عن عدم صحة الاعتماد على الخبر، فلا يشمل من يصح الاعتماد على خبره عند العقلاء، بل يحمل على الغالب، ولا أقل من كونه مقتضى الجمع بينه وبين ما تضمن حجية خبر الثقة. وقد يستدل أيضا بما عن أبي الحسن عليه السلام في ما كتبه لعلي بن سويد: (لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك من الخائنين الذين خانوا الله ورسوله صلى الله عليه واله وخانوا أماناتهم، إنهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبد لوه...). وفيه: أن التعليل فيه ظاهر إما في بيان أن من ثبتت منه الخيانة لا ينبغي أن يرجع إليه، لعدم المؤمن من خيانته في ما رجع فيه إليه، فلا يشمل محل الكلام ممن فرض الوثوق به. أو في بيان أن ابتناء دينهم على الخيانة مانع من الرجوع إليهم فيه، لان بطلان أصل الدين مسقط للفروع المبتنية عليه، فيختص بما كان موردا للابتلاء مما كان فيه غير المؤمن جاريا في استنباطه على طرقهم المتفرعة على التحريف للكتاب والخيانة لله تعالى والرسول صلى الله عليه واله، ولا يشمل ما هو محل الكلام مما فرض جريانه

===============

( 32 )

على الطرق الحقة، ولا ظهور له في مانعية بطلان العقيدة والخيانة تعبدا لعدم مناسبته لكون التعليل ارتكازيا. وقد يستدل أيضا بما ورد في كتب بني فضال من قوله عليه السلام: (خذوا ما رووا وذروا ما رأوا)، لكن لا يبعد انصرافه إلى خصوص ما ابتنى من الاجتهادات والاراء على اصولهم الباطلة. بل من القريب جدا اختصاصه بما رأوه في أمر الامامة، لانه الذي يمتازون به من دون نظر فيه إلى الاحكام الفرعية، لعدم تعارف تحرير الفتاوى فيها في الكتب في تلك العصور، فالمراد به أن بطلان عقيدتهم وتركها لا يمنع من أخذ رواياتهم مع كونها حقا. ولا أقل من كونه واردا في قضية مجملة المورد، لا إطلاق لها. وقد يستدل أيضا بما عن أبي الحسن عليه السلام في ما كتبه لاحمد بن ما هوية وأخيه: (فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا، وكل كثير القدم في أمرنا، فإنهما كافوكما إن شاء الله تعالى). وبمقبولة ابن حنظلة: (ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا...). لكن الاول - مع ضعف سنده كأكثر أخبار المسألة - قد تضمن ما هو زائد على الايمان مما لا إشكال في عدم اعتباره، فلابد من حمله إما على الاستحباب - كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره - أو على خصوصية مورده. والثاني وارد في القضاء الذي هو من المناصب المجعولة التي لم يلحظ فيها محض الطريقية، ولذا لا يجوز الترافع لقضاة الجور حتى مع حكمهم بالحق، ولم يثبت ذلك في الفتوى. هذا وقد استدل في الفصول على اعتبار الايمان بأن الناس مأمورون بالتمسك بالعترة عليهم السلام، والتمسك بمن يتمسك بهم تمسك بهم، بخلاف من يتمسك بهم وبغيرهم، أو يقتصر في التمسك على بعضهم، فإنه ليس تمسكا بهم. وفيه: أن التمسك بهم عليهم السلام إن كان بمعنى الموالاة والمودة لهم، فهو وإن اقتضى - في الجملة - عدم مولاة من لم يتمسك ببعضهم، أو تمسك بأعدائهم، إلا أنه

===============

( 33 )

خارج عما نحن فيه، لان التمسك بالمعنى المذكور من الواجبات النفسية، لا الطريقية لتحصيل الاحكام الشرعية، فلا يناسب التقليد ولا يلازمه. وإن كان بمعنى الرجوع لهم عليهم السلام في معرفة أحكام الله تعالى، فهو يقتضي قبول ما بينوه من الاحكام، والعمل عليه. أما معرفة الاحكام التي بينوها، فلابد من سلوك الطرق المقررة لها شرعا، وهو لا ينافي حجية فتوى من لا يواليهم إذا جرى في الاستنباط على الاخذ منهم، كما لا ينافي عدم حجية فتوى من يواليهم إذا جرى فيه على غير طريقهم، بل مطلقا لبعض الموانع كفسقه، وإن كان يجب موالاته في الدين. والحاصل: أنه يصعب إقامة الدليل على عدم جواز تقليد غير المؤمن إذا فرض استنباطه للاحكام على الطرق المقررة عندنا. نعم، الطرق المذكورة لما لم تكن منضبطة، أشكل الوثوق بغير المؤمن في الاستنباط منها، لان كثيرا من القرائن والادلة مما لا يمكن حصولها لغير المؤمن، كإجماعات الخاصة، وشهرة الحكم بينهم، وهجرهم للاخبار، وعملهم بها، وتوثيقهم للرواة وجرحهم، وسيرة المتشرعة ومرتكزاتهم وغير ذلك مما يكون دخيلا في استنباط المجتهد المؤمن للحكم بسبب حسن ظنه بالمؤمنين واعتقاده بعلمائهم وعوامهم أنهم في مقام تلقي الاحكام وأخذها من ائمتهم عليهم السلام والاحتياط لها، وعدم التساهل فيها، وكل ذلك مما لا يتهياء للمخالف تحصيله، لعدم حسن ظنه بهم بالوجه المذكور. كما أن حسن الظن بهم من المؤمن بالنحو الدخيل في استنباط الحكم لا ينضبط بضابط حتى يمكن رجوع غيره إليه وإن لم يحصل له حسن الظن. وذلك مانع من الوثوق باستنباطه والاخذ بقوله، لعدم إحاطته بمقدمات الاستنباط المتيسرة للمؤمن، وهذا بخلاف الرواية المستندة للطرق الحسية المنضبطة. وهذا كاف في المسألة، ولاسيما مع كون الحكم من مرتكزات المتشرعة التي لا مجال للاغضاء عنها. لكن ذلك مختص بما إذا صدرت الفتوى منه في حال ضلاله، أما لو صدرت

===============

( 34 )

[ والذكورة (1). ] منه حين إيمانه، ثم عرضت له فتنه أخرجته عن الايمان، فيقصر ما سبق عن المنع من تقليده ابتداء واستدامة، وليس حينئذ إلا الاجماع الذي عرفت حاله. نعم، لو تم الدليل على اعتبار العدالة بالمعنى الذي هو أخص من الايمان كان دليلا في المقام، والله سبحانه العالم بحقائق الاحكام، وبه الاعتصام. (1) لا إشكال في عدم أخذ ذلك في موضوع سيرة العقلاء، فلابد في الخروج عنه من دليل صالح للردع. ومجرد انصراف إطلاقات أدلة التقليد الشرعية له لو تم لا يقتضيه. على أنه غير ظاهر الوجه بعد ارتكاز كون منشأ الارجاع محض الطريقية التي لا دخل للذكورة فيها ارتكازا. ومثله اختصاص مثل مقبولة ابن حنظلة به، على أنها واردة في القضاء ولا وجه للتعدي منه للفتوى، كما سبق في اعتبار الايمان. ومنه يظهر عدم صحة الاستدلال بما دل على عدم تولي المرأة للقضاء. ومثله ما دل على عدم إمامتها في الصلاة لجماعة الرجال، إذ لعله ناشئ عن نقصان عملها شرعا غير الملازم لنقصان اجتهادها في مقام الحجية والطريقية شرعا. على أنه لا يقتضي منع المرأة عن تقليد المرأة، كما تأتم بالمرأة. وأما ما ذكره بعض مشايخنا من أن خطورة منصب الافتاء لا تناسب الانوثة بنحو تكون المرأة قائمة بامور الرجال ومدبرة لشؤونهم. فهو كما ترى! لعدم ثبوت كون الافتاء من المناصب المجعولة، كمنصب القضاء، بل هو نظير الشهادة والرواية التي هي موضوع الحجية. ولو سلم، فليس هو من مناصب الادارة والولاية، كي لا يناسب الانوثة حسب سليقة الشارع المستفادة مما تضمن عدم فلاح من تدبر أمره امرأة، وأن كل رجل تدبر أمره امرأة فهو ملعون.

===============

( 35 )

[ والاجتهاد (1)، ] نعم، قد يستفاد عدم جواز تقليد المرأة مما تضمن النهي عن مشاورة النساء، وأنهن ناقصات العقول، وأن رأيهن إلى أفن، وأنهن عي وعورة، وتعليل قيام امرأتين في الشهادة مقام رجل واحد بنسيانها، وغير ذلك مما يظهر منه أن الشارع الاقدس لا يرى المرأة كالرجل من حيثية الرأي وإن كان ذلك قد يخفى على العرف، فإن صلوح ذلك للردع عن عموم السيرة المبنية على غفلة العرف عن هذه الجهة قريب جدا، ولعله كاف بضميمة مرتكزات المتشرعة، وما قيل من تسالم الاصحاب على الحكم. وإن كان ربما يناقش في المرتكزات باحتمال حدوثها بسبب تخيل ابتناء المرجعية في التقليد على إدارة المرجع لامور الناس، وأنها نحو من الولاية المتفرعة عن منصب الامامة التي لا تليق بغير الرجال، ولم يثبت استناد ذلك لادلة شرعية، وغاية ما يقتضيه الاصل في كثير من الموارد التي يتولاها المرجع فعلا مراجعته لاصالة عدم ترتب الاثر بدونها، لا لثبوت ولايته، ومثل ذلك لا يصلح دليلا رادعا عن عموم السيرة في الفتوى. كما قد يناقش في التسالم المدعى بعدم وضوح كونه إجماعا تعبديا متصلا بعصر المعصومين عليهم السلام كاشفا عن رأيهم، كما سبق في غير واحد من الشروط المتقدمة، ولعله لذا حكي عن بعض المحققين جواز تقليد الانثى والخنثى. لكن الانصاف أن الركون مع ما عرفت إلى عموم السيرة لا يخلو عن إشكال، فتأمل. (1) لا إشكال في اختصاص سيرة العقلاء بالمجتهد، ولا تعم المقلد، إذ لا رجحان للمقلد على غيره من العوام، بل هم مثله في الدخول في أدلة التقليد وتيسر الرجوع للمجتهد، فلا وجه لرجوعهم إليه ارتكازا. وأما الادلة اللفظية فهي وان اشتملت على عنوان العالم والفقيه، الذي لا يراد منه العلم الوجداني، بل ما يعم الاعتماد على الحجة، إلا أنها بين ما يختص بالمجتهد

===============

( 36 )

[ والعدالة (1)، ] الناظر في الادلة التفصيلية، مثل ما تضمن المقابلة بين عنوان العلماء والعوام، وما ينصرف إليه ولا يعم المقلد ولو بقرينة ورودها مورد الامضاء للسيرة، فالرجوع له في المقام نظير تقليد واجد الملكة لغيره حيث تقدم في المسألة الاولى قصور الادلة عنه. نعم، لو فرض قصور العامي عن تمييز المجتهد الذي ينبغي الرجوع له، أو عن معرفة فتاوى المجتهد، جاز له الرجوع لغيره في ذلك ممن له خبرة بذلك من المقلدين وغيرهم، لعموم سيرة العقلاء له حينئذ، والظاهر أن سيرة المتشرعة على ذلك أيضا، لما هو المعلوم من الابتلاء بمثل ذلك من الصدر الاول، فلو كان البناء فيه على خلاف ما ذكرنا لزم الهرج والمرج. هذا، والظاهر ان اللازم على المفتي حينئذ أن يفتي بما يراه وظيفة للمستفتي، لا بوظيفة نفسه فلو كان باقيا على تقليد الميت ليس له الفتوى برأي الميت إلا لمن يشرع في حقه تقليده، لا في حق غيره ممن يلزمه الرجوع للحي، بل يفتيه بما يطابق تقليده اللازم عليه، كما هو الحال في المجتهد بالاضافة إلى العامي لو فرض اختلافهما في الحجج المنصوبة لهما، كما لعله ظاهر. ثم إن الظاهر أن المقلد هنا لا يعتبر فيه إلا الخبرة والثقة عملا بمقتضى السيرة، دون بقية الشروط، لاختصاص أدلتها من الاجماع وغيره بتقليد العامي للمجتهد، ولا تشمل محل الكلام، كما يظهر بالتأمل فيها. هذا، ويأتي في المسألة الحادية والعشرين الكلام في جواز تقليد المتجزئ إن شاء الله تعالى. (1) الظاهر أن المعتبر عند العقلاء هو الوثوق بكون المفتي في مقام بيان ما يعتقده، لا في مقام تعمد الكذب، ولا خصوصية للعدالة عندهم، فلابد من دليل صالح للردع عن مقتضى السيرة المذكورة.

===============

( 37 )

ومجرد اعتبار العدالة في الشهادة وإمامة الجماعة لا يقتضي اعتبارها في المقام، لعدم وضوح مناط الحكم فيهما بنحو ينفع في تعميم الحكم لما نحن فيه. ومثله ما ذكره بعض مشايخنا من دعوى القطع بأن الشارع لا يرضى بأن يكون زمام امور الدين بيد الفاسق، لان منصب الافتاء منصب رفيع دون منصب الامامة على أن طبايع العقلاء قد جبلت على عدم القبول ممن يخالف قوله عمله، وهو الوجه في اعتبار العصمة في النبي والامام. لاندفاع الاول بعدم ثبوت كون الافتاء من المناصب المبتنية على تولي امور الدين وإدارتها، كما تقدم في تقليد المرأة. والثاني: بأن عدم قبولهم منه إنما هو بمعنى عدم حصول الثقة لهم بقوله، أو عدم تأثرهم به وعدم انصياعهم له، لان لتطبيق الانسان تعاليمه على نفسه أعظم الاثر في قبول الغير منه، وهو لا ينافي حجية قوله بنظرهم على الحكم الشرعي لو حصل لهم الوثوق بقوله. كيف وقد اعترف (دامت بركاته) بأن مقتضى سيرة العقلاء حجية فتوى الثقة، فلاحظ. نعم، قد يستدل على اعتبار العدالة في المفتي باية النبأ، بناء على ما عرفت في اعتبار الايمان من أن اختصاصها بالخبر الحسي لا يمنع من الاستدلال بها في الفتوى. وبالخبر المتقدم هناك أيضا عن تفسير العسكري عليه السلام. لكن عرفت هناك أن الاية لا تنهض إلا باعتبار الوثوق. ومثلها في ذلك الخبر المذكور، كما يشهد به التأمل في صدره وذيله، لظهوره في أن اعتبار الشرط المذكور ليس لمحض التعبد، بل لاجل ملازمته للوثوق بالشخص وأهليته للاستئمان على الاحكام، فلا ينافي قبول قول الفاسق الثقة المأمون. اللهم إلا أن يستفاد منه كون الشرط المذكور فيه معيارا شرعيا للوثوق بالشخص، وأن غيره لا ينبغي الوثوق به واستئمانه على الاحكام الشرعية وإن وثق به المكلف بحسب ظاهر حاله.

===============

( 38 )

نعم، مناسبة الحكم والموضوع المشار إليها في مبحث اعتبار العقل في المفتي يقتضي اعتبار الشرط المذكور حين صدور الفتوى، أما من طرأ له بعد صدور الفتوى ما يخرجه عن العدالة فلا تمنع من تقليده ابتداء، فضلا عن البقاء على تقليده. هذا، مع أن الخبر ضعيف السند، ولم يتضح انجباره بعمل الاصحاب، لعدم وضوح استنادهم له في الحكم المذكور. فالعمدة في المقام الاجماع المدعى الذي يبعد الخطأ فيه، وليس هو كالاجماع المدعى في الشروط المتقدمة، لاختلاف هذا الشرط عما قبله بأنه مورد للابتلاء الكثير من الصدر الاول، فمن البعيد جدا أن تكون فتوى الفاسق حجة كروايته إذا كان ثقة، ومع ذلك يخفى الحكم على الاصحاب، ويدعى الاجماع على اعتبار العدالة في الفتوى. هذا، مضافا إلى ما تقدم منا في وجه اعتبار الايمان، فإن مقدمات الاستنباط وأدلة الاحكام لما لم تكن منضبطة كان تمييز موارد الحجة عن غيرها محتاجا إلى مرتبة عالية من الورع، لتدخل العواطف والاعتبارات في ذلك كثيرا، فقد يجنح الباحث للحكم ويستوضح الادلة عليه بسبب ذلك، وقد يؤتى حظا من القدرة على الاستدلال واللحن بالحجة فيبرز أشبه بصور الدليل، ولا حاجز له عن ذلك كالخوف من الله تعالى والحذر من أليم عذابه، فإنهما من أقوى الدواعي إلى الاحتياط للاحكام، والتدبر في أدلتها وتمحيصها وعدم التسامح والتساهل فيها، ولا يؤمن الفاسق على ذلك وإن كان ثقة في نقله، بل لا بد من العدالة بمرتبة عالية لا ينالها الا الاوحدي. مع أن اكتفاء العوام بالموثوق معرض للاحكام للضياع، لسهولة حصول الوثوق للعامي بأدنى استئناس له بالشخص أو بتجربة يسيرة أو مظاهر كاذبة ونحوها مما لا يكلف القائم بها عناء ولا نصبا، وهو لا يناسب ما هو المعلوم من احتياط الشارع الاقدس للاحكام.

===============

( 39 )

[ والحياة، فلا يجوز تقليد الميت ابتداء (1)، ] ولعله لذا كان المرتكز عند المتشرعة لزوم حصول المفتي على ملكة عالية من العدالة تقرب من العصمة يحتاج إحرازها فيه إلى تجربة قاسية لا يقوى عليها إلا أقل القليل تبلغ بالشخص مرتبة القدسية في نفوس الناس تناسب استئمانه على الاحكام، كما أشير إليه في الخبر المتقدم عن تفسير العسكري عليه السلام. وبهذا امتازت الفرقة المحقة زادها الله عزة وشرفا من بين المسلمين، وعليه جرت سيرتهم خلفا عن سلف متصلا بعصر المعصومين عليهم السلام. وبالجملة: التأمل في ما ذكرنا يوجب اليقين باعتبار العدالة بمرتبة عالية في المفتي، خلافا لسيرة العقلاء في سائر موارد الرجوع إلى أهل الخبرة من الاكتفاء بالوثوق. والله سبحانه وتعالى ولي العصمة والسداد. نعم، هذا إنما يقتضي اعتبار العدالة حين الفتوى، أما من عرضت له فتنة بعد بيان فتواه أوجبت فسقه فلا يقتضي المنع عن تقليده ابتداء واستدامة، فلابد فيه من الرجوع للاجماع المتقدم بناء على ما هو الظاهر من شمول معقده لمحل الكلام. وهولا يخلو عن إشكال، لعدم وضوح الابتلاء بذلك في الصدر الاول، ليكشف عن اتصاله بعصر المعصومين عليهم السلام ويستكشف به رأيهم. وإن كان الاعتماد على السيرة مع ذلك في غاية الاشكال، ولا سيما مع منافاتها لمرتكزات المتشرعة التي يصعب التغاضي عنها في المقام هذا وقد يظهر ما ذكرنا من الجواهر حيث ذكر في مبحث اعتبار العدالة في إمامة الصلاة ان عدم عمل المستفتي بفتوى الفاسق لعدم وثوقه بما يخبر به من ظنه الجامع للشرائط وانه لو فرض اطلاعه على حصول الظن له بالوجه المعتبر شرعا جاز له الاخذ به وإن كان فاسقا، وهو مقتضى القاعدة لولا ما اشرنا إليه من المرتكزات، فتأمل، والله سبحانه وتعالى العالم بحقائق الاحكام. (1) كما هو المشهور المعروف بين الاصحاب، وفي الجواهر أنه مفروغ عنه

===============

( 40 )

بينهم، وقد ادعى الاجماع عليه غير واحد. وقد تعرض في التقريرات لنقل ما عن كثير منهم مما هو ظاهر أو صريح في دعوى الاجماع على عدم حجية رأي الميت كابن أبي جمهور الاحسائي، والمحقق الثاني في شرح الالفية، والشهيد الثاني في المسالك وفي رسالته في المسألة، والوحيد البهبهاني وغيرهم. وفي المعالم: (العمل بفتوى الموتى... بعيد عن الاعتبار غالبا، مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميت مع وجود المجتهد الحي، بل قد حكى الاجماع فيه صريحا بعض الاصحاب). ومن الظاهر أن سيرة العقلاء في رجوع الجاهل للعالم لا تمنع من ذلك لعدم دخل الحياة عندهم في ما هو المناط في الرجوع له، وهو كاشفية رأيه نوعا عن الواقع، فلابد في الخروج عن السيرة المذكورة من دليل صالح للردع. وقد استدل عليه - بعد الاجماع المدعى - بامور.. الاول: أن موضوع الحجية ليس إلا الرأي، وليس الاخذ بالفتوى لاجل كاشفيتها عنه، ولا رأي للميت. وفيه: - بعد تسليم زوال الرأي عن الميت - أن موضوع الحجية عند العقلاء هو الرأي بحدوثه، فإذا حدث الرأي كان حجة ولو بعد ارتفاعه بالموت أو النسيان للادلة أو نحوهما، كما هو الحال في الرواية والشهادة ونحوهما، ولا يعتبر عندهم في بقاء الحجية بقاء الرأي. نعم، لو عدل صاحبه عنه لانكشاف خطئه له ارتفعت حجيته بنظرهم، كعدول الشاهد عن شهادته وتكذيب الراوي لروايته، وهو أجنبي عن المقام مما عرفت فيه قيام السيرة على الحجية. وأما ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره من أنه لا شبهة في اعتبار بقاء الرأي في جواز التقليد شرعا، إذ لا إشكال في عدم جوازه فيما إذا زال الرأي بجنون أو هرم أو مرض أو تبدل في الرأي. فهو كما ترى، لانحصار الوجه في عدم جواز التقليد مع زوال الرأي بالجنون

===============

( 41 )

ونحوه بالاجماع المدعى المختص بمورده، ولو تم نظيره في المقام كان الاستدلال به لا بالوجه المذكور. وأما قياس المقام بعدول المجتهد عن رأيه فقد عرفت أنه في غير محله. وبالجملة: لابد من الدليل الذي يخرج به عن مقتضى السيرة من عدم توقف بقاء الحجية على بقاء الرأي. الثاني: ما أشرنا إليه في مبحث اعتبار العقل في المفتي من أن أخذ عناوين خاصة في أدلة التقليد الشرعية، كالعالم والفقيه ظاهر في لزوم حصولها حين الرجوع للمفتي والعمل بفتواه، ولا يكفي حصولها حين صدور الفتوى منه، ومن الظاهر عدم صدقها على الميت. ويظهر الجواب عنه مما تقدم، فراجع. الثالث: أنه لو جاز تقليد الميت لوجب لو كان أعلم، لما يأتي من مرجحية الاعلمية، فيلزم امتناع تقليد الاعلم من أهل العصر لو فرض وجود الاعلم منه في الاموات، وهو التزام شنيع، كما عن الشهيد في رسالته في المسألة. وفيه: أنه لا موجب لشناعته لو فرض إحراز أعلمية الميت، بل هو عين الدعوى. ومثله ما عن المحقق الثاني من تعسر الاطلاع على الاعلم في جميع العصور. إذ هو كتعسر الاطلاع على الاعلم في العصر الواحد في كثير من الازمنة، يلزم الرجوع معه إلى ما تقتضيه القاعدة التي يأتي التعرض لها في المسألة الثامنة، وهي تقتضي عدم حجية فتوى الميت لاشتباه الحجة باللاحجة حينئذ. ولو فرض الاجماع على التخيير في مثل ذلك كان المتيقن منه غير الميت. نعم، لو فرض وجوب الموافقة لاحوط الاقوال حينئذ كان اللازم الاحتياط بما يوافق قول الميت كغيره، فلاحظ. ومثلهما ما ذكره بعض مشايخنا من أن لازم ذلك الفحص عن الاعلم من بين الجميع، وهو ضروري البطلان في مذهب الامامية.

===============

( 42 )

لاندفاعه.. أولا: بأنه إن اريد أن ذلك ضروري المذهب فهو كما ترى، كيف وهو مما لا يلتفت إليه. وإن اريد أنه ضروري من سيرة المتشرعة فلعل سيرتهم مبنية في العصور المتأخرة والمتوسطة على شيوع القول بعدم جواز تقليد الميت وشهرته بين الاصحاب، وفي العصور الاولى المقاربة لعصر المعصومين عليهم السلام على غفلتهم على الاختلاف بين العلماء وعدم التفات العوام لذلك، كما قد يغفلون عنه في العصور المتأخرة أيضا، ويأتي أن تعين الفحص عن الاعلم مختص بصورة العلم بالاختلاف، ولعل هذا هو الوجه في عدم اهتمامهم بالفحص عن الاعلم حتى بين علماء العصر الواحد، ومع احتمال ذلك يقف الاستدلال بالسيرة. وثانيا: بأن عدم وجوب الفحص عن الاعلم من الاموات لا ينافي حجية فتوى الميت لو فرض العلم بكونه أعلم من الاحياء، إذ لعل عدم وجوب الفحص ناش من تعسر الاطلاع على الاعلم من الاموات، نظير تعسر الاطلاع على حال أهل العصر الواحد ممن سكن البلاد النائية، فإنه قد يقال بعدم وجوب الفحص عن حاله لاستلزامه الحرج نوعا بالنحو الذي يعلم بعدم ايقاع الشارع الناس فيه ولو بضميمة السيرة، وهذا لا ينافي وجوب تقليده لو فرض العلم بأعلميته وتيسر الاطلاع على فتواه. والذي ينبغي أن يقال: إن من كان من الاموات غير معلوم الفتوى لا أثر لاعلميته، لعدم حجية فتواه الواقعية التي لا يتيسر الاطلاع عليها، وما كان منهم معلوم الفتوى يتعسر بل يتعذر الاطلاع على حالهم حين صدور الفتوى منهم غالبا، لعدم الاحاطة بطريقتهم في الاستدلال وكيفية فهمهم للادلة، ليدرك بذلك مدى خبرتهم، فيجري فيه ما عرفت من القاعدة على تفصيل يأتي في المسألة الثامنة إن شاء الله تعالى. بل قد يعلم بأنهم دون المتأخرين نوعا، كما يشهد به التأمل في حال من تيسر الاطلاع على طريقتهم في الاستدلال من أهل الكتب الاستدلالية والمطالب العلمية

===============

( 43 )

المشهورة، إذ لا شك ظاهرا في أن المتأخرين أمتن منهم في الاستدلال وأقوى، لتطور العلم بالمدارسة والبحث. غاية الامر أنه يعلم في الجملة بتيسر بعض القرائن والادلة للمتقدمين غير المتيسرة للمتأخرين، لبعدهم عن عصور التشريع، إلا أن هذا أمر غير منضبط لا مجال لادراكه وتمييز حالهم فيه. نعم، لو فرض دوران الاعلم بين اشخاص محصورين من الاحياء والاموات يتيسر الاطلاع على حالهم وعلى فتاواهم فوجوب الفحص عن الاعلم منهم هو المتعين لو قيل بجواز تقليد الميت. وقيام السيرة على بطلان ذلك في غاية المنع. ثم إنه ربما يستدل على عدم جواز تقليد الميت ببعض الوجوه الاخر، وهي مشاركة في الضعف لما عرفت. فالعمدة ما عرفت من الاجماع المدعى في كلام من سبق، قال سيدنا المصنف قدس سره: (فإن الحاكين للاجماع وإن كانوا جماعة خاصة، لكن تلقي الاصحاب لنقلهم له بالقبول من دون تشكيك أو توقف من أحد وتسالمهم على العمل به يوجب صحة الاعتماد عليه، ولا سيما مع كون نقلة الاجماع المذكور من أعاظم علمائنا وأكابر فقهائنا، ولهم المقام الرفيع في الضبط والاتقان والتثبت، قدس الله تعالى أرواحهم ورفع منازل كرامتهم، وجزاهم عنا أفضل الجزاء). لكن مع ذلك ففي الاعتماد على دعوى الاجماع إشكال، لصدورها من المتأخرين مع عدم تحرير المسألة في العصور الاولى بنحو يكشف عن أخذها خلفا عن سلف متصلا بعصور المعصومين عليهم السلام وعدم وضوح نحو الابتلاء بها في تلك العصور حتى يعلم الحال من سيرة المتشرعة، إذ من القريب جدا قلة الابتلاء باراء الموتى، لعدم تعارف تحرير الفتاوى وضبطها، وإنما تصدر الفتاوى مشافهة بنحو لا يتيسر الاطلاع عليها بعد موت المفتي لغير من سأله غالبا إلى غير ذلك مما يمنع من الاطمئنان بل من الظن باستناد دعوى الاجماع في كلام المتأخرين إلى سيرة مطردة أو تسالم على الحكم بين العلماء بنحو يكشف عن رأي المعصوم عليه السلام. ولاسيما مع ظهور بعض كلماتهم في وجود الخلاف في المسألة، أو عدم

===============

( 44 )

تحقق الاجماع بوجه قاطع، إذ ليس المحكي عن الشهيد الثاني دعواه صريحا، بل عن المسالك دعوى عدم تحقق الخلاف له ممن يعتد بقوله، وعن رسالته في المسألة عدم العلم بمخالف ممن يعتبر قوله ويعتمد على فتواه. وهو ظاهر ما عن الشهيد الاول في الذكرى من نسبة الخلاف إلى البعض. وحمله على العامة - كما عن الشهيد الثاني - بعيد جدا، ولاسيما مع كونه المعروف بينهم بل ظاهر اقتصار المحقق الثاني في الجعفرية على نسبته للاكثر وجود الخلاف فيه وعدم جزمه باعتباره، قال في بيان ما يجب على المكلف: (والرجوع إلى المجتهد ولو بواسطة وإن تعددت إن كان مقلدا. واشترط الاكثر كونه حيا، ومع تعدده يرجع إلى الاعلم). بل تأليف الشهيد الثاني لرسالة في المسألة شاهد بوقوع الخلاف فيها، وخفاء الادلة عليها، وإلا فالمسائل المسلمة حكما الواضحة دليلا لا تحتاج إلى شدة الاهتمام. وأما تلقي الاصحاب لدعواهم بالقبول، فهو لا يكشف عن ثبوت الاجماع، لامكان استناده لحسن ظنهم بهم، أو لذهابهم إلى حجية الاجماع المنقول، لا لاطلاعهم على قرائن تشهد بصحة دعواهم. ولاسيما مع كون المتلقين له بالقبول هم متأخري المتأخرين الذين يبعدون عن عصر التشريع جدا. مع احتمال كون موافقتهم لهم ليس لاجل الاجماع، بل للوجوه الاخر المصرح بها في كلمات بعضهم. على أن ظاهر كلام السلطان في حاشية المعالم التردد في ثبوت الاجماع. وكيف يكون الاجماع بهذا الوضوح وقد خرج عليه مثل المحقق القمي قدس سره مدعيا أنه لا يوجب اليقين، بل لا يوجب الظن، لعدم تداول المسألة بين أصحاب الائمة عليهم السلام، وإنما هي من المسائل الحادثة، كما خرج الاخباريون عليه، فإن خروجهم وإن كان مبنيا على دعوى كون الفتوى من سنخ الرواية المنقولة بالمعنى التي تقبل وان كان الراوي ميتا، إلا ان موضوع كلامهم لما كان هو الواقع

===============

( 45 )

الخارجي للتقليد - وإن خالفوا في تفسيره - فلو كان عدم حجية قول الميت واضحا عند الشيعة متسالما عليه بينهم لما وسعهم البناء على حجيته. والمظنون أن الحكم قد ذكر في كلام الاصوليين من قدماء الاصحاب وخالفوا فيه العامة مستندين فيه إلى وجوه اخر غير الاجماع - تقدم بعضها - واشتهر بينهم من دون أن يبلغ مرتبة الاجماع، كما قد يشهد به قول المحقق الثاني في شرح الشرايع: (وقد صرح جمع من الاصوليين والفقهاء بإشتراط كون المجتهد حيا ليجوز العمل بفتواه، فلا يجوز العمل بقول المجتهد بعد موته وهو متجه ويدل عليه وجوه...) ثم لما جاء المتأخرون حسبوا أن ذلك إجماع صالح للاحتجاج في قبال من خالف المشهور، على ما هو المعلوم من طريقتهم في الاستدلال بالاجماع وتسامحهم فيه، ثم لما خالف الاخباريون بعد ذلك في الحكم وعرفوا بخروجهم على الاصحاب في كثير من الامور وتشنيعهم عليهم، ركن كثير من متأخري المتأخرين للاجماع المذكور - لحسن ظنهم بمدعي الاجماع أو لذهابهم إلى حجية نقله - وللوجوه الاخر التي يكثر الاعتماد على مثلها منهم. وكيف كان، فالاعتماد على دعوى الاجماع المتقدمة في غاية الاشكال، ولاسيما مع قرب مخالفته لسيرة المتشرعة في العصور الاولى يوم لم يكن التقليد مبنيا على العناية والاهتمام، بل تجري الناس فيه على مقتضى طبايعهم، إذ من البعيد جدا أن يكون تعلم الرجل لحكم من المجتهد ليعمل به ما دام حيا فإذا مات رجع إلى غيره وكرر السؤال منه عن نفس الحكم، أو أنه يبقى على عمله به لنفسه وغيره من أهله وأولاده ممن عملوا معه في حياة المجتهد دون من تجدد تكليفهم بعد موته لئلا يكون تقليدهم للميت ابتدائيا، بحيث يعمل أهل البيت الواحد على وجهين بعضهم على رأي الميت وبعضهم على رأي الحي، فإن هذا مبني على العناية والخروج عن الوضع الطبيعي الذي لو كان لظهر وكثر السؤال عنه والتنبيه عليه، وإن كان هذا قد لا يبلغ حد اليقين. والعمدة في المقام ما عرفت من سيرة العقلاء التي لم يتضح حتى الان ما

===============

( 46 )

يصلح للردع عنها، على أن الخروج عما عليه المعظم في مثل هذه المسألة التي لا دليل فيها إلا سيرة العقلاء صعب جدا. والله سبحانه وتعالى العالم ونساله أن يوفقنا لمعرفة أحكامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. هذا، وينبغي الكلام في مقتضى الاصل في المسألة ليرجع إليه لو فرض قصور الادلة الاجتهادية فيها عن إثبات الجواز، أو المنع. والكلام تارة: في الاصل الشرعي. واخرى: في الاصل العقلي. أما الاصل الشرعي، فمن الظاهر أنه لا مجال له بالاضافة إلى الاحكام التي أفتى بها الميت، لعدم تحقق ركني الاستصحاب فيها من اليقين بالثبوت والشك في البقاء. أما الاول فلعدم اليقين الحقيقي بثبوتها، لاحتمال خطأ الميت، ولا التعبدي، لعدم الحجية عليها، لانحصار طريقها بفتوى الميت، المفروض الشك في حجيتها. وأما الثاني فللعلم ببقائها على تقدير ثبوتها، ولا يحتمل ارتفاعها بموت المفتي، فلابد إما من إجرائه في الحكم الظاهري المترتب على الفتوى حين حياة المفتي، أو في الحكم الوضعي، وهو الحجية الثابتة للرأي. أما الاول فيشكل.. أولا: بأنه مبني على جعل الاحكام الظاهرية المماثلة لمؤديات الطرق، والتحقيق عدمه، وليس مفاد أدلة الطرق إلا جعل حجيتها، لان الحجية أمر اعتباري وحكم وضعي قابل للجعل، كالملكية، ولا يترتب عليها إلا صحة الاعتماد عقلاء على الحجة في البناء على ثبوت مؤداها عملا، وليس الحكم الظاهري إلا منتزعا من ذلك، دون أن يكون مجعولا ليمكن استصحابه، كما أوضحنا ذلك عند الكلام في مؤديات الطرق في مبحث قيام الطرق مقام القطع الموضوعي من الاصول. وثانيا: بأنه لا يتم في الاحكام الكلية التي لم يتم موضوعها في حياة المفتي، وإنما يفتي بها بنحو القضية الحقيقية، لرجوعها إلى قضية تعليقية، وقد حققنا في محله عدم جريان الاستصحاب التعليقي ذاتا، لا من جهة المعارضة بالاستصحاب

===============

( 47 )

التنجيزي، ليختص المنع بالاحكام الاقتضائية، كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره. نعم قد يتم في الاحكام التنجيزية الثابتة في حياته، سواء كان موضوعها جزئيا خارجيا، كنفوذ العقود الواقعة في حياته، ونجاسة الفقاع الموجود قبل وفاته، أم كليا كالاحكام التكليفية الفعلية، مثل حرمة شرب الفقاع، فإن موضوعها وهو شرب الفقاع كلي يتعلق الحكم التكليفي به، لا بأفراده بعد وجودها بل وجودها يكون مسقطا للحكم، لا شرطا في فعليته، كما لا يكون وجود الفقاع شرطا في فعليته. إن قلت: لا مجال للاستصحاب في الاحكام التكليفية، لان موضوعها لما كان كليا كان قابلا للتقييد بحياة المفتي، ومع احتمال تقييده لا يحرز الموضوع بعد الموت، فلا يقين بحرمة مطلق شرب الفقاع ليجدي استصحابها بعد الموت، بل المتيقن حرمة خصوص الشرب الواقع في حياة المفتي، ولا يجدي استصحابها بعد الموت. ومن ثم أشكل الاستصحاب في الاحكام التكليفية الواقعية، بخلاف الاحكام الوضعية التي يكون موضوعها غالبا أمورا جزئية خارجية لا تقبل التقييد ولا تتعدد بتعدد الخصوصيات الزمانية. قلت: ليس الحكم الظاهري إلا الحكم المماثل لمؤدى الحجة، وليس مؤداها إلا الحكم الواقعي، فموضوع الحكم الظاهري تابع لموضوع الحكم الواقعي الذي قامت عليه الحجة سعة وضيقا، وحيث لم يكن موضوع الحكم الواقعي مقيدا بحياة المفتي لم يكن الحكم الظاهري مقيدا بها. نعم، يمكن تقييد جعل الحكم الظاهري بحياة المفتي، بحيث يكون الموت غاية للحكم لا لموضوعه، وفي مثله يجري الاستصحاب، ولا يعارض باستصحاب عدم الجعل خلافا لبعض مشايخنا، كما تعرضنا لذلك في محله من الاصول. وهذا بخلاف الاحكام التكليفية الواقعية، فإنه لا طريق غالبا لاحراز إطلاق موضوعها مع الشك في بقائها. إن قلت: الحكم الظاهري لما كان متفرعا شرعا على رأي المفتي كان موضوعه

===============

( 48 )

الرأي، فمع الشك في أن المعتبر فيه شرعا الرأي مطلقا أو لابد من حياة المفتمعه لا يحرز الموضوع بعد الموت، فلا يجري الاستصحاب. قلت: الموضوع الذي يلزم إحرازه في الاستصحاب هو معروض الحكم الذي يحمل عليه في القضية الشرعية، ولا إشكال في عدم أخذ رأي المفتي ولا حياته في الموضوع بالمعنى المذكور، وموضوعيتهما إنما هي بمعنى كونهما علة في ثبوت الحكم الظاهري، فلا يتوقف الاستصحاب على إحرازهما. فلاحظ. ومما ذكرنا سابقا يظهر اختصاص الاستصحاب المذكور - لو تم - بالواجد لشرائط التكليف وحياة المفتي، دون غيره - كالصبي، فضلا عن المعدوم - لان فعلية الاحكام الظاهرية معلقة على الشرائط المذكورة، فيكون استصحابها قبل تماميتها تعليقيا. وأما الثاني - وهو استصحاب الحجية - فقد عرفت أنه لا مانع منه ذاتا، لان الحجية من الاحكام الوضعية المجعولة. إلا أنه قد يشكل بوجهين.. الاول: ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره من عدم بقاء الموضوع، لان موضوع الحجية هو الرأي، ولا رأي للميت عرفا، وإن فرض بقاء الرأي له حقيقة. وفيه: أن موضوع الحجية في الزمان اللاحق هو الرأي بحدوثه سابقا، لا ببقائه، كما تقدم في الدليل الاول للمنع. ومنه يظهر الاشكال في ما ذكره بعض المحققين قدس سره (1) من أنه بناء على أن الحجة على المكلف قطع المجتهد بالحكم الظاهري لا مجال للاستصحاب، للعلم بانكشاف الواقع له نفيا وإثباتا، ولا موضوع معه للحكم الظاهري ليتحقق له القطع به الذي هو موضوع الحجية في حق العامي. نعم، لو كان موضوع الحجية هو ظنونه وإدراكاته للحكم الواقعي كان الاستصحاب في محله لا مكان بقائها بعد الموت ولو بمرتبة أقوى.


____________
(1) المرحوم الشيخ محمد حسين الاصفهانى (قدس سره) في رسالة الاجتهاد والتقليد. (منه).

===============

( 49 )

إذ فيه - مع عدم شموله لما إذا افتى المجتهد بالحكم الواقعي قاطعا به بسبب نظره في الادلة -: أن ذلك إنما يتم لو كان موضوع الحجية هو الرأي بشرط بقائه، بخلاف ما لو كان الحجة هو الرأي بحدوثه فقط بلا حاجة للاستمرار، فإن تبدله بالعلم بالحكم الواقعي لا يمنع من استصحاب الحجية للرأي السابق لبقاء الموضوع. مع أن الرجوع للمجتهد إنما هو لتشخيص الاحكام الظاهرية الثابتة في حق العامي بمقتضى الادلة، لا لتشخيص الاحكام الظاهرية الثابتة في حق المجتهد نفسه، ولذا كان اللازم على المجتهد في مقام الفتوى النظر في الادلة التي يعم دليل حجيتها للعامي دون ما يكون حجة في حق نفسه فقط لو فرض الاختلاف بينهما، وحينئذ فانكشاف الحكم الواقعي للمجتهد بعد الموت لا ينافي حصول القطع له بالحكم الظاهري الثابت بمقتضى الادلة في حق العامي الذي لا يتيسر له العلم بالحكم الواقعي. فتأمل جيدا. الثاني: أن القدر المتيقن من حجية رأي المفتي حين حدوثه هو حجيته في الوقائع المقارنة لحياته، لا مطلقا بنحو يعم الوقائع المتأخرة عن موته، لعدم صحة انتزاع الحجية الا بلحاظ مقام العمل، فمع عدم الابتلاء بالواقعة لا يصح انتزاع الحجية بالاضافة إليها، وليست حجيته بنحو الاطلاق إلا بنحو القضية الحقيقية الراجعة إلى أن كل واقعة لو وقعت لكان رأيه حجة فيها، فليست حجيته المتيقنة في الوقائع المتأخرة إلا تعليقية، حيث إن كل واقعة كانت لو وقعت سابقا - حين حياة المفتي - لكان رأي المفتي حجة فيها، وقد سبق عدم جريان الاستصحاب في القضايا التعليقية غير الفعلية. وفيه: أن المرتكز عرفا كون الحجية من عوارض الحجة المستمرة لها في جميع الوقائع، وأن مصحح انتزاعها هو معرضية المكلف للابتلاء بمؤداها وصلوحه للخطاب به، لا أنها من الامور الانحلالية على حسب الوقائع الفعلية، بحيث تكون كل واقعة مقومة لها ومأخوذة قيدا فيها، ليكون المشكوك مباينا للمتيقن، فهي نظير الولاية لا يصح انتزاعها إلا بلحاظ التصرف في المولى عليه إلا أنه يكفي في صحة

===============

( 50 )

انتزاعها تعرض الشئ. للتصرف وصلوحه له، ولا يتوقف على فعلية الابتلاء بالتصرف. وبالجملة: الشك في المقام في استمرار الحجية المتيقنة للحجة، فيجري الاستصحاب لذلك، لا في حدوث حجية مباينة للحجية المتيقنة، ليمتنع جريانه. وإن كان ذلك محتاجا إلى التأمل. نعم، الظاهر اختصاص الاستصحاب المذكور - لو تم - بمن تمت له شرائط التكليف العامة في حياة المفتي، وكانت الفتوى متيقنة الحجية سابقا في حقه، دون غيره كالصبي ونحوه ممن لم يوضع عليه القلم إلا بعد موت المفتي، فضلا عمن كان معدوما في حياته، لوضوح عدم فعلية حجية الفتوى في حقهم، بل هي مشروطة بتمامية شروط التكليف، لعدم صحة انتزاع الحجية ارتكازا إلا مع كون من قامت عليه الحجة معرضا للتكليف وصالحا للخطاب ولا تنتزع مع فرض رفع القلم عن المكلف فتأمل جيدا. هذا كله في الاصل الشرعي. وأما الاصل العقلي، فلا إشكال في أن مقتضاه عدم حجية فتوى الميت، لاصالة عدم الحجية في كل ما شك في حجيته. لكن هذا إنما يقتضي جواز تقليد الحي إذا كان أعلم منه أو مساويا له، للقطع بحجيته تعيينا أو تخييرا، بناء على ما هو المعروف بينهم من التخيير مع التساوي، وأما لو كان الميت أعلم فاحتمال جواز تقليده مستلزم لاحتمال وجوبه، بناء على وجوب تقليد الاعلم مع الاختلاف، كما يأتي في المسالة السابعة، فلا يعلم حينئذ بجواز تقليد الحي المفضول، بل تتردد الحجة بينهما، ولا معين في البين، لكن أصر غير واحد على تعيين الحي المفضول حينئذ لوجوه.. الاول: ما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره - كما في التقريرات - من أن تعيين الحي مع التساوي - لما تقدم - مستلزم لتعيينه مع كونه مفضولا، لعدم القول بالفصل. وفيه: أن مجرد عدم القول بالفصل لا ينفع ما لم يرجع إلى الاجماع على عدم الفصل،

===============

( 51 )

وعلى التلازم بين الامرين، وهو غير ثابت في المقام. مع أنه إنما ينهض لو كان الدليل في المسألة اجتهاديا، ليكون حجة في لازم مؤداه، ولا ينفع مع الرجوع للاصل، لاختصاص موضوع الاصل بمورده، والتعدي منه للازم مبني على الاصل المثبت، الذي ثبت في محله عدم الاعتماد عليه، خصوصا مع كون الاصل عقليا لا يبتني على التعبد بالملزوم، كما في المقام. الثاني: ما ذكره بعض المحققين قدس سره من أن الاقتصار على الحي ليس لاقربيته للواقع، ليتخيل أن الميت الافضل أقرب، بل لعدم اليقين بالبراءة بتقليد الميت ولو كان أعلم. وفيه: أن الاقتصار على الحي المفضول لا يوجب اليقين بالبراءة أيضا، فلا وجه لترجيحه على الميت الافضل. الثالث: ما ذكره شيخنا الاستاذ (دامت بركاته) من أن احتمال اعتبار الحياة حاكم على اعتبار الاعلمية ومضيق لموضوعه عن شمول الميت، لان الشك في حجية قول الميت يوجب اليقين بعدم حجيته، لما تقدم من أن الشك بالحجية يوجب اليقين بعدمها، فينحصر اعتبار الاعلمية بخصوص الاحياء. وفيه: أنه لا وجه لحكومة احتمال اعتبار الحياة على اعتبار الاعلمية بعد كونهما في مرتبة واحدة، بل يتزاحمان، وكما يمكن حصر اعتبار الاعلمية بخصوص الاحياء، لاحتمال عدم جواز تقليد الميت، كذلك يمكن حصر اعتبار الحياة بخصوص المتساوين في الفضيلة، لعدم جواز تقليد المفضول. نعم، لو كان دليل اعتبار الحياة لفظيا كان حاكما على دليل الترجيح بالاعلمية، لظهور دليل الترجيح في المفروغية عن وجود مقتضي الحجية في أطراف الترجيح، وظاهر دليل اعتبار الحياة عدم وجود مقتضي الحجية في قول الميت، فيخرج عن موضوع الترجيح بالاعلمية، وينحصر الترجيح في غيره ممن هو واجد لمقتضي الحجية، وهذا لا يجري مع كون عدم تقليد الميت للاصل، لعدم احراز مقتضي الحجية فيه، لا لاحراز عدمه، فلاحظ.

===============

( 52 )

وبالجملة: لم يتحصل من كلماتهم ما يمكن الخروج به عما عرفت من الاصل المقتضي لتردد الحجة بين الميت الافضل والحي المفضول، فاللازم البناء إما على التساقط والرجوع للاصول العملية من الاحتياط أو غيره في مورد الخلاف أو على التخيير بين الميت والحي، بناء على المشهور من أنه المرجع عند الدوران بين شخصين وعدم المرجح لاحدهما. هذا كله مع غض النظر عما عرفت من الاصل الشرعي والاجماع، وسيرة العقلاء. وإلا فالاصل الشرعي - لو تم - وارد على الاصل العقلي المذكور، ملزم بتقليد الميت مع كونه أعلم حين حياته. وأما مع مساواته للحي فهو مبني على كون حجية رأي كل من المتساويين فعلية لا معلقة على اختياره، وإلا كان استصحاب حجيته تعليقيا ويأتي بعض الكلام في ذلك في المسألة السابعة. كما أن الاجماع - لو تم - يكون واردا على الاصل الشرعي المذكور، فضلا عن الاصل العقلي، فيلزم تقليد الحي مطلقا ولو كان مفضولا. وإن لم يتم الاجماع المذكور فمقتضى السيرة وجوب تقليد الاعلم حيا كان أو ميتا. وأما مع مساواة الحي للميت واختلافهما في الفتوى فالسيرة حيث كانت قاصرة عن شمول المتعارضين تعين البناء على التساقط، أو تعيين الحي لانه المتيقن بناء على عدم تكليف العامي بالاحتياط وجواز التقليد له حينئذ. فتأمل جيدا. تنبيهان.. الاول: ما ذكرناه هنا من السيرة والاجماع والاصل الشرعي والعقلي جار في الشروط المتقدمة على تفصيل يظهر بالتأمل فيها. وقد أشرنا إلى بعض ذلك فيما سبق، ولم نفصل الكلام في ذلك هناك اكتفاء بما نذكره هنا. الثاني: تقدم منا التشكيك في الدليل على بعض الشروط المتقدمة وأن مقتضى السيرة عدم اعتبارها وذلك لو تم إنما ينفع لو كان فاقدها حين صدور الفتوى

===============

( 53 )

منه أعلم من واجدها. أما لو كان واجدها أعلم فلا إشكال في أن مقتضى السيرة الرجوع له. وأما لو كانا متساويين فحيث كان الظاهر قصور السيرة في الرجوع لاهل الخبرة مع التساوي في العلم والاختلاف في الفتوى تعين الرجوع للاصل الشرعي لو تم موضوعه على التفصيل المتقدم، وإلا كان اللازم الرجوع لمقتضى الاصل العقلي، وهو مانع من الرجوع لفاقد الشروط، لعدم اليقين بحجيته، بل يتعين الرجوع للواجد، لانه المتيقن بناء على عدم وجوب الاحتياط على العامي عند اختلاف أهل الفتوى. بل يتعين حينئذ اعتبار كل ما احتمل أخذه شرعا في المفتي وإن لم تساعده الادلة، كطهارة المولد والحرية وغيرها. كما أن بعض ما يأتي في البقاء على تقليد الميت جار في الشروط المتقدمة أيضا، كما يظهر بالتأمل. فلاحظ والله سبحانه وتعالى العالم. تتميم.. تعرض غير واحد لشروط اخر أهملها سيدنا المصنف قدس سره لا بأس بالكلام فيها.. الاول: الحرية، فقد أشار السيد الطباطبائي قدس سره في العروة الوثقى إلى قول بعضهم بإعتبارها، بل قال سيدنا المصنف قدس سره: (فهو المحكي عن ثاني الشهيدين، بل قيل: إنه مشهور). لكن يدفعه عموم السيرة العقلائية الارتكازية والاطلاقات المتقدمة الظاهرة في إمضائها. قال سيدنا المصنف قدس سره: (وبعض الاستحسانات المقتضية لاعتبارها - مثل كونه مملوكا لا يقدر على شئ.، وكونه مولى عليه - لا تصلح للاعتماد عليها في الردع وتقيد المطلق). الثاني: طهارة المولد، فقد صرح به في الرياض، وذكره السيد

===============

( 54 )

الطباطبائي قدس سره في العروة الوثقى، وأمضاه جماعة من محشيها - منهم سيدنا المصنف قدس سره - بل عن الروضة الاجماع عليه. ومن الظاهر أن عموم السيرة الارتكازية والاطلاقات تدفعه. نعم، قد يخرج عنها.. تارة: بالاجماع المذكور، كما قد يظهر من سيدنا المصنف قدس سره. واخرى: بما ذكره بعض مشايخنا من أن التولد من الزنا منقصة، ولا يرضى الشارع بزعامة من له منقصة بوجه. لكن الاول لم يثبت بنحو معتد به في إثبات الحكم الشرعي، كما يظهر بملاحظة ما تقدم في أكثر الشروط السابقة. ولاسيما مع قرب استناده لبعض الاستحسانات أو قياسه على الشهادة والامامة في الصلاة. والثاني يشكل بعدم وضوح ترتب حجية الفتوى على الزعامة، كما تقدم عند الكلام في اعتبار العقل. هذا، وأما بناء على كفر ولد الزنا فما تقدم في اعتبار الايمان جار فيه. بل قد يقال: ان التأمل في ما ورد في ولد الزنا، وأنه لا ينجب، وما يظهر من مجموع النصوص الواردة في عدم قبول شهادته وإمامته في الصلاة يوجب الوثوق بأن المنع من شهادته وإمامته لعدم نجابته وعدم أهليته للتصديق والعدالة وإن كان ثقة في نفسه بحسب نظر الناس، وذلك صالح للردع عن عموم السيرة في المقام، لابتنائها على الثقة به. وإن شئت قلت: ملاحظة مجموع النصوص المذكورة والمرتكزات المتشرعية توجب الوثوق بأن جهة المنع من إمامته وشهادته لا تختص بهما، بل تعم المقام، كما تعم الرواية ونحوها مما يبتني على الثقة، فيكون الاجماع المدعى في المقام ارتكازيا صالحا للحجية، وإن كان الامر لا يخلو عن إشكال. الثالث: أن لا يكون مقبلا على الدنيا طالبا لها مكبا عليها مجدا في تحصيلها، فقد ذكر ذلك السيد الطباطبائي قدس سره في العروة الوثقى، مستشهدا بالخبر المتقدم عن

===============

( 55 )

الاحتجاج، المتضمن لقوله عليه السلام: (فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه) (1)، لظهوره في حصر مرجع التقليد بواجد الصفات المذكورة. وفيه - مع ضعف سنده - أن الظاهر رجوع الصفات المذكورة إلى أمر واحد وهو حفظ الدين المساوق للعدالة، كما نبه له غير واحد من محشي العروة الوثقى، وتقدم عند الكلام في اعتبار العدالة، ويناسبه ما في ذيله من قوله عليه السلام: (وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم، فإن من ركب من القبايح والفواحش مراكب علماء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا، وإنما كثر التخليط في ما يتحمل عنا أهل البيت لذلك، لان الفسقة... الخ). وإلا فلو اريد من صيانة النفس ومخالفة الهوى العموم لزم قادحية فعل المكروهات، بل المباحات لمجرد الهوى، لا خصوص الاقبال على الدنيا والاكباب عليها، كما ذكره قدس سره، ولا يظن منه ولا من غيره الالتزام به. نعم، لا يبعد أن يكون الاكباب بالوجه المذكور كثيرا ما يمنع من الوثوق بالعدالة، ككثير من الامور التي تكشف عن ضعف نفس الانسان وعدم مقاومته للمغريات، ويأتي في المسألة التاسعة عشرة إن شاء الله تعالى أنه لا يكفي في إحراز العدالة في مرجع التقليد حسن الظاهر الحاصل بمجرد عدم ظهور المعصية من الشخص بعد معاشرته، بل لابد من العلم العادي بها بسبب المخالطة ونحوها، أو قيام البينة عليها. فلاحظ. الرابع: الضبط بالمقدار المتعارف، فقد صرح بذلك بعض مشايخنا في بعض فتاواه. والظاهر أن مراده به ضبط الادلة في مقام الفتوى وعدم الاضطراب فيها والخروج عن مقتضاها زيادة في الغفلة. وهو بهذا المعنى مفروغ عن اعتباره بينهم ظاهرا، لقصور السيرة العقلائية عن غير الضابط، وقد ذكرنا غير مرة أن الاطلاقات الشرعية قاصرة عن غير موردها،


____________
(1) الوسائل ج 18، ص 94، باب: 10 من أبواب صفات القاضى، حديث 20.

===============

( 56 )

لورودها في مقام إمضائها. على أنه لا يبعد توقف صدق العناوين المأخوذة في الادلة الشرعية - كالفقيه والعالم وأهل الذكر وغيرها - على الضبط، ولا يكفي فيها عرفا الجزم بالحكم مع العجز عن ارجاعه لمدركه للاضطراب فيه. بل لا يبعد توقف الاجتهاد بحسب تعريفهم له على الضبط بالمقدار المتعارف، إذ مع عدمه لا يكون الاستنباط عن الادلة التفصيلية، بل هو من سنخ الجزاف. هذا في أصل تقليد غير الضابط، وأما مع فرض اختلافه مع الضابط فلا ريب في أعلمية الضابط، الموجبة لتقديمه، كما يأتي في المسألة السابعة إن شاء الله تعالى. الخامس: أن يكون طريقه في الاستنباط الادلة المتعارفة من الكتاب والسنة ونحوهما، دون مثل الرمل والجفر ونحوهما من الطرق غير المألوفة عند العقلاء، كما أشار إلى ذلك شيخنا الاعظم قدس سره في مباحث القطع وغيره. والعمدة فيه قصور السيرة المشار إليها، لعدم اعتماد العقلاء على الطرق المذكورة، فلا يرون من يعتمد عليها من أهل الخبرة، ولا يعدونه عالما يصح للجاهل الرجوع له، وإن كان معذورا لو فرض حصول القطع له. كما أنه لا يظن من أحد دعوى حجيتها شرعا، لتكون مؤدياتها وظائف شرعية ظاهرية يجب الرجوع لاهل الخبرة في تشخيصها، بل غاية ما يدعى حصول القطع للناظر فيها، وحجيته مختصة بمن حصل له. وأما ما ذكره بعض مشايخنا من قصور الادلة الشرعية عن شمول مثله، لظهورها في لزوم الرجوع إلى أهل الذكر والناظر في الحلال والحرام ممن أخذها عن أئمة الدين عليهم السلام بحيث يكون ناظرا فيها. ففيه: أولا: أنه لاريب في صدق الناظر في الحلال والحرام على الشخص المذكور، لاطلاقه من حيث طريق النظر. وأما ما يظهر من الادلة من اختصاصه بحديثهم عليهم السلام فلا بد من الخروج عنه وحمله على كون اعتباره لاجل كونه طريقا إلى معرفة حكمهم علهم السلام وأن المعيار هو

===============

( 57 )

[ مسألة 6: إذا قلد مجتهدا فمات، فإن كان أعلم من الحي وجب البقاء على تقليده (1)، ] معرفة حكمهم عليهم السلام بأي طريق كان، كيف ولاريب في جواز الاعتماد على الكتاب والاجماع ونحوهما مما يعرف به حكمهم عليهم السلام من دون نظر في حديثهم. بل لا ينبغي التأمل في جواز الاخذ ممن يعتمد على الطرق التي هي محل الكلام لو كان راجعا إلى دعوى حجيتها، لا إلى مجرد حصول القطع منها. وثانيا: أن الادلة الشرعية غير ظاهرة في الحصر بنحو يقتضي المنع من الرجوع لغير من تضمنته، كما تقدم في مسألة اعتبار العقل في المفتي، فهي لا تنهض بالمنع عن الرجوع لمن يعتمد الطرق المذكورة لو فرض عموم سيرة العقلاء له. فالعمدة ما ذكرنا من قصور السيرة المذكورة. (1) كما هو مقتضى ما عرفت من سيرة العقلاء على عدم دخل الحياة في حجية رأي المفتي، وما يأتي في المسألة السابعة من سيرتهم على تعيين الاعلم عند اختلاف المجتهدين، ولا مخرج عن ذلك إلا ما تقدم في التقليد الابتدائي من الوجوه التي عرفت أن عمدتها الاجماع المدعى. وقد استظهر شيخنا الاعظم قدس سره عدم الفرق فيه - كأكثر أدلة المسألة - بين التقليد الابتدائي والاستمراري. نعم، عرفت الاشكال في الاستدلال بالاجماع المذكور، وخصوصا في مسألة البقاء، حيث خرج عنه جمع من الاصحاب من المتأخرين عن نقلة الاجماع مما يظهر منه عدم ثبوت الاجماع عندهم على المنع فيها، بل ظاهر الجواهر شيوع الخلاف فيه فقد ذكر أن الاصحاب بين قائل بحرمة البقاء وقائل بوجوبه، وقائل بالتخيير، واختاره هو، وفي محكي كلام الصدر قرب عدم بطلان التقليد بموت المجتهد، ونسبه لبعض معاصريه، بل حكي في الجواهر التخيير عن ظاهر المحقق الثاني قدس سره في الجعفرية، مع أنه من أقدم نقلة الاجماع على المنع من تقليد الميت، وإن لم أتحقق ذلك منه، إذ لم أعثر فيها إلا على ما تقدم نقله الظاهر في التردد في أصل

===============

( 58 )

اعتبار الحياة، فراجع. ومن ثم ذكر غير واحد أن المتيقن من الاجماع هو التقليد الابتدائي. لكن يبعد حمل كلام نقلة الاجماع على خصوص الابتدائي ولاسيما مع شيوع الابتلاء بالتقليد الاستمراري، بل هو مما ياباه كلام بعضهم جدا. فالبناء على خروج من جوز البقاء على الاجماع المذكور ومخالفتهم له ولو لغفلتهم عنه أولى من ذلك، وأولى منه للبناء على الاجماع بنظرهم ليس بالغا مرتبة الدليلية والحجية في مقابل الادلة والاصول، بل يلزم الخروج عنه بها لو خالفته، وإنما وافقوه في التقليد الابتدائي لاجل ما استوضحوه من الوجوه، لا لحجيته تعبدا، كما تقدم منا تقريبه. فراجع. وكيف كان، فلا مجال للاعتماد على الاجماع المذكور خصوصا في المقام بعدما عرفت من شيوع الخلاف، فلا مخرج عما عرفت من السيرة المقتضية لوجوب البقاء في الفرض، مضافا إلى ما عرفت من استصحاب الحجية، بناء على ما تقدم الكلام فيه. بل لعله مقتضى سيرة المتشرعة من الصدر الاول، كما أشرنا إليه في التقليد الابتدائي، وقد ذكره سيدنا المصنف قدس سره هنا مع إنكاره لها هناك، وإن كان الفرق بين المقامين في غاية الاشكال، بل المنع، فراجع. ومنه يظهر الاشكال في إطلاق القول بالتخيير بين البقأ والعدول، كما تقدم من الجواهر اختياره وحكايته عن غيره. اللهم إلا أن يبتني على القول بعدم وجوب تقليد الاعلم عند الاختلاف، وجواز العدول من أحد المجتهدين إلى الاخر مطلقا، كما يظهر من الجواهر، فيتجه حينئذ، لكن المبنى المذكور ضعيف، كما يأتي إن شأ الله تعالى. وما ذكرناه في الاستدلال هو العمدة، دون ما ذكره بعض مشايخنا من حكم العقل بالتعيين عند دوران الامر بينه وبين التخيير، فإنه إنما يكون دليلا على وجوب البقاء على تقليد الاعلم فيما لو علم بجواز البقاء، كما لو كان الاعلم حيا، لا في مثل

===============

( 59 )

المقام مما احتمل فيه وجوب العدول، لاحتمال مانعية الموت مطلقا، ودلالة الاطلاقات على عدم مانعيته لا تنفع بعد قصور الاطلاقات عن صورة التعارض بين المجتهدين واختلافهم في الفتوى. ثم إنه سبق من بعض مشايخنا الاستدلال على عدم جواز تقليد الميت ابتداء بقصور الادلة الشرعية عنه، لانه قد اعتبر في المرجع عناوين خاصة، كالفقيه والعالم وأهل الذكر، وهي لا تصدق على الميت، ومع ذلك التزم بجواز البقاء على تقليده بدعوى: أن إطلاق الادلة المذكورة إنما يقتضى اعتبار العناوين المذكورة حين الرجوع للمجتهد، لا حين العمل بقوله، بل مقتضى إطلاقها حجية قوله بعد الرجوع له ولو في ما يتجدد من الوقائع بعد موته. ومن ثم قال: (يكفي في جواز البقاء على التقليد أو وجوبه تعلم الفتوى للعمل وكونه ذاكرا لها). وكأن اعتبار تذكره لها لانه لو نسيها يكون تعلمه لها رجوعا جديدا، فلا يجوز إذا كان المرجع ميتا لعدم صدق العناوين المذكورة عليه. وفيه: أولا: أنه لا إشكال في عدم أخذ عنوان الرجوع شرطا في حجية فتوى المفتي، بل تكون فتواه حجة ولو لم يرجع إليه، ولذا يكون المكلف مقصرا لو لم يرجع لواجد الشرائط، وليس الرجوع الا عنوانا منتزعا من متابعة المجتهد في العمل التي هي من آثار حجية فتواه المتفرعة عليها، ومثلها وجوب سؤاله والاخذ منه وتقليده وغير ذلك، مما اشتملت عليه الادلة الشرعية، فهي بأجمعها من آثار الحجية لا من شروطها. وحينئذ فإن استفيد من الادلة اعتبار العناوين المذكورة - من العالم والفقيه وغيرهما - حين صدور الفتوى - كما سبق تقريبه - تعين جواز الرجوع للميت ابتداء، وإن استفيد منها اعتبارها حين العمل بالفتوى تعين المنع من البقاء على تقليده. نعم، قد يقال: إن وجوب الرجوع وإن كان متفرعا على الحجية ثبوتا، إلا أنها متفرعة عليه إثباتا، لانها استفيدت من أدلته، وحينئذ فالمتيقن هو حدوث الحجية

===============

( 60 )

عند توجه الخطاب بالرجوع للمفتي، فلابد في إحراز حدوثها من صدق جميع ما اخذ في المرجع من العناوين، كالعالم والفقيه وغيرهما، فإذا احرزت الحجية تبعا لذلك كان مقتضى إطلاق الادلة ثبوتها بعد الرجوع حتى بالاضافة إلى الوقائع اللاحقة التي ينسلخ فيها المرجع عن الشرائط المعتبرة في حدوث الرجوع له. ولا مجال لاثبات حدوث الحجية لفتوى من لا تنطبق عليه الشرائط المعتبرة في المرجع فعلا، وإن كان واجدا لها قبل ذلك، لعدم شمول أدلة وجوب الرجوع له حينئذ، حتى يستفاد منها حجية فتواه. لكن هذا - لو تم وغض النظر عما تقدم في مبحث اعتبار العقل في المفتي من أن ظهور الادلة في إمضاء السيرة موجب لظهورها في حجية فتوى العالم وإن زال علمه بعد ذلك، كما في الرواية - لا يقتضي اعتبار فعلية الرجوع حين وجود العناوين المذكورة، بل فعلية التكليف بالرجوع تبعا لها، فمن وجب الرجوع له، لكونه واجدا لها كانت فتواه حجة مطلقا حتى بالاضافة إلى الوقائع اللاحقة بعد انسلاخه عنها، سواء رجع إليه المكلف، أم لم يرجع تقصيرا أو قصورا. وثانيا: أن إطلاق الادلة وإن كان يقتضي عدم الفرق بين الوقائع في حجية الفتوى، إلا أنه لا ينفع ما لم يكن لها إطلاق أحوإلي يقتضي بقأ الحجية واستمرارها بعد موت المفتي وانسلاخ العناوين المذكورة عنه، إذ لابد من إحراز الحجية حين العمل، ولا يكفي في الاجتزاء بالعمل ثبوت الحجية المطلقة قبله، ولا مجال لاحراز استمرار الحجية بالوجه المذكور من الادلة المذكورة. بل المتيقن منها ثبوت الحجية حين الخطاب بالرجوع إليه وسؤاله والاخذ منه المفروض أخذ العناوين الخاصة فيه. نعم، بناء على ما ذكرنا من أن المستفاد من الادلة المذكورة هو حجية الفتوى الصادرة من العالم فمقتضى الاطلاق بقاء حجيتها، لعدم انقلابها عما وقعت عليه وعدم انسلاخ العنوان المعتبر في حجيتها عنها، ولازمه جواز تقليد الميت مطلقا ولو ابتداء.

===============

( 61 )

إن قلت: يكفي في ذلك مثل آية سؤال أهل الذكر، فإن وجوب السؤال فيها مختص بالواقعة الاولى، إذ لا معنى لوجوبه بعد العلم بالفتوى، فلو كانت الحجية تابعة لوجوب السؤال حدوثا وبقاء لزم عدم حجية الفتوى حتى في الواقعة الاولي، لسقوط وجوب السؤال بتحقق السؤال قبل العمل، فلابد من أن يكون حدوث وجوب السؤال كاشفا عن حدوث الحجية وبقائها، وحينئذ فمقتضى الاطلاق بقاء الحجية واستمرارها لجميع الوقائع حتى المتجددة بعد موت المفتي. قلت: لما كان وجوب السؤال طريقيا لاجل العمل كان الظاهر منه الحجية بلحاظ ما هو محل الابتلاء من الوقائع التي يتنجز حكمها، ويجب السؤال لاجلها لا غير. فكل واقعة تقع مورد الابتلا يتحقق موضوع وجوب السؤال عن حكمها، فيستكشف منه حجية الجواب والفتوى فيها فقط، ولا إطلاق يقتضي بقاء الحجية واستمرارها في غير الواقعة التي هي محل الابتلاء ووجب طريقيا السؤال عنها. وعدم وجوب السؤال في الوقائع اللاحقة المتجددة في حياة المفتي مع العلم بالفتوى بسبب السؤال في الواقعة الاولى ليس لعدم تحقق موضوع وجوب السؤال في الوقائع المذكورة، ليمتنع استكشاف الحجية فيها - ويتعين استكشافه من وجوبه في الواقعة الاولى - بل لاجل عدم الفائدة في السؤال، نظير ما لو سبق منه تعلم الفتوى لا لاجل العمل - ولو لعدم كون المفتي أهلا للتقليد حينئذ - فإنه لو أراد الرجوع إليه بعد ذلك لا يجب سؤاله، إلا أن تحقق موضوع وجوب السؤال في حقه بسبب ابتلائه بالواقعة واحتياجه للفتوى لاجل العمل كاف في استكشاف الحجية حينئذ. وبعبارة اخرى: الحجية إنما تستكشف من تحقق موضوع وجوب السؤال وإن لم يجب فعلا بسبب عدم الفائدة فيه، لسبق العلم بالفتوى - ولو لا لاجل العمل - ومن الظاهر أن موضوعه ليس هو عدم العلم بالفتوى، بل عدم العلم بالواقع مع الحاجة للفتوى في مقام العمل، للابتلاء بالواقعة مع أهلية المفتي، ومن الظاهر أن الموضوع المذكور حاصل في كل واقعة متجددة في حياة المفتي، فيستكشف منه حجية الفتوى فيها لا غير، فإذا خرج المفتي عن الاهلية، لانسلاخ العنوان عنه بموت

===============

( 62 )

ونحوه ارتفع موضوع وجوب السؤال، فلا مجال لاستكشاف حجية الفتوى بالاضافة إلى الوقائع المتجددة بعد ذلك، فتأمل جيدا. وثالثا: أن ما ذكره في تحديد الرجوع - الذي جعله المعيار في المقام - غير ظاهر، فإن ظاهر ما اشتمل على عنوان الرجوع - مثل قوله عليه السلام: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم...) لو سلم كونه من أدلة المسألة - هو كون الرجوع بمعنى الاعتماد على الفتوى في مقام العمل، لا تعلم المسائل بالنحو المذكور في كلامه. مع أنه ظاهر في أن الرجوع أمر انحلالي بحسب الوقائع، فلكل واقعة رجوع مستقل، فلو فرض اعتبار الحياة في المرجع كان اللازم عدم جواز البقاء على تقليد الميت. نعم، قد يطلق الرجوع في عرف المتشرعة ويراد به الالتزام والبناء على متابعة المفتي، كما قد يطلق التقليد على ذلك - على ما تقدم في المسألة الرابعة - فيكون الرجوع في جميع المسائل واحدا مستمرا مع تعاقبها. لكنه - مع عدم ظهور الادلة في إرادته - لا يتوقف على تعلم المسائل ابتداء، فضلا عن تعلمها بعد نسيانها. وأما آية الذكر المتضمنة لعنوان السؤال فهي - مع عدم كونها من أدلة المسألة، كما تقدم، وقد يظهر من بعض مقرري درسه اعترافه به - لا تقتضي ما ذكره، لان الامر بالسؤال لما كان طريقيا لاجل العمل، كان مختصا بصورة الابتلاء بالمسألة، ولا تكليف قبله بالسؤال. والاجتزاء حين العمل بتعلم الفتوى قبل ذلك، لاجل الاستغناء به عن السؤال، لا لاجل وجوب السؤال قبل ذلك، ولذا يستغنى بالعلم لا لاجل العمل، بل صدفة - ولو مع عدم أهلية المفتي للتقليد - مع أنه لم يكتف به في صدق الرجوع المصحح للبقاء، وحينئذ يلزم التفصيل بين المسائل التي ابتلى بها ووجب عليه السؤال عن حكمها وغيرها. وأما آية النفر فهي تقتضي حجية الفتوى والانذار من الفقيه، من دون تعرض

===============

( 63 )

[ في ما عمل به من المسائل وفي ما لم يعمل (1)، ] للرجوع أو لتعلم المسائل أو غيرهما، فلو فرض كون صدق عنوان إنذار الفقيه كافيا في الحكم بالحجية ولو بالاضافة إلى الوقائع اللاحقة لزم حجية فتوى الفقيه في حق من كانت فتواه حجة عليه حين حياته، بحيث كان يجب عليه الحذر بانذاره وإن لم يرجع إليه ولا تعلم فتاواه. نعم، لابد من تخصيص ذلك بخصوص ما ابتلى به من المسائل، لان وجوب الحذر طريقي كوجوب السؤال، فلا يكون فعليا مع عدم الابتلاء بالمسألة، كما تقدم في آية الذكر. وبالجملة: ما ذكره في تحديد الرجوع الذي جعله المعيار في التفصيل غير ظاهر الوجه، كأصل التفصيل. (1) فإن التقليد وإن كان هو العمل بالفتوى، إلا أنه حيث سبق أن وجه المنع من التقليد الابتدائي ينحصر بالاجماع - لو تم - كان اللازم الاقتصار على المتيقن منه، وقد عرفت في المسألة الرابعة إجمال معقد الاجماع من هذه الجهة، فلا يكون حجة في صورة الالتزام من دون عمل، ويتعين الرجوع فيها إلى مقتضى سيرة العقلاء من حجية فتوى الميت حينئذ. وهو مقتضى الاستصحاب أيضا بناء على جريانه في المقام على ما تقدم. وأما سيرة المتشرعة فالمتيقن منها - لو تمت - صورة العلم بالمسألة، بل ربما قيل: إن المتيقن منها صورة العلم والعمل معا، وهو غير ظاهر كما يظهر بمراجعة ما تقدم في تقريرها مع ظهور كثرة تعلم المسائل لاجل العمل بها في وقت الابتلاء مع عدم فعلية الابتلاء بها. نعم، لا ريب في أنه لا يكفي في جريان حكم التقليد عندهم مجرد حجية رأي الميت في حال حياته تخييرا أو تعيينا - لكونه مساويا لغيره أو أعلم - فانه وإن كفت موافقته حال حياته من دون التزام، إلا أنه لو فرض عدم تقليده عصيانا أو اكتفاء

===============

( 64 )

بالاحتياط فتقليده بعد موته يكون تقليدا ابتدائيا داخلا في معقد الاجماع على المنع لو تم، لان التقليد عندهم أمر زائد على الحجية متقوم بالالتزام أو المتابعة في العمل. بل لا تكفي فيه الموافقة احتياطا في موافقة الحجة، لا بما هو حجة تجوز متابعته، فمن احتاط في عمله بين شخصين لانحصار الاعلم بهما لا يكون مقلدا لكل منهما، فلو مات أحدهما جاز تقليد الاخر، لانحصار الاعلم الحي به، بناء على الاجماع المدعى على عدم جواز تقليد الميت ابتداء، ويكون ذلك تقليدا ابتدائيا للحي لا بقاء على تقليده. وأما توهم: أن الاحتياط السابق كان تقليدا للاعلم منهما، فاحتمال كونه الميت موجب لاحتمال وجوب البقاء على تقليده وعدم جواز تقليد الحي، فيتعين البقاء على الاحتياط بينهما، كما كان حين حياتهما معا. فهو مدفوع بأن التقليد الذي هو محل كلامهم في المقام نحو من العلاقة بين المجتهد والعامي منتزعة من المتابعة أو الالتزام لا تقوم بعنوان الاعلم، بل بالشخص، وليس العنوان المذكور إلا تعليليا، كما أنه لا يكفي فيه محض الموافقة احتياطا، كما ذكرنا. ولذا لو انكشف أعلمية الميت في الفرض بعد موته لم يجز تقليده بناء على الاجماع المذكور، لكونه تقليدا ابتدائيا، لا استمراريا. نعم، لو فرض تقليد شخص معين كزيد واشتبه بين شخصين ثم مات أحدهما كان البقاء على الاحتياط بينهما متعينا، لما ذكر. كما يتجه ذلك أيضا لو فرض أخذ عنوان الاعلم في التقليد لمحض الحكاية عن الشخص بخصوصيته، لا لقيام التقليد به. لكن لا ملزم بذلك، بل يكفي موافقة كل منهما احتياطا من دون تقليد لكل منهما، لعدم الدليل على وجوب ما زاد على موافقة الحجة. وتوهم لزوم التقليد حينئذ محافظة على متابعة الاعلم منهما التي قد تفوت بموت أحدهما مع عدم سبق التقليد، بناء على ما ذكرنا. مدفوع بأن متابعة الاعلم لا تفوت بذلك، بل تكون غير واجبة أو غير جائزة

===============

( 65 )

[ وان كان الحي أعلم (1) وجب العدول إليه (2)، وإن تساويا في العلم تخير بين العدول ] لسقوطه عن الحجية شرعا بسبب موته، ولا محذور في ذلك، وإنما المحذور في تفويت متابعته مع حجيته ووجوب متابعته. هذا كله لو كان الفرق بين التقليد الابتدائي والاستمراري هو الاجماع، وأما لو كان هو جريان استصحاب الحجية في الثاني دون الاول اتجه حينئذ الاكتفاء بحجية فتوى الشخص حين حياته ولو مع عدم تقليده عصيانا، فضلا عما لو كان مع الاحتياط بين الشخصين. لكن - لو تم - الاستصحاب في نفسه لم يصلح للفرق مع عموم سيرة العقلاء المشار إليها، وليس هناك ما يصلح للخروج عن السيرة المذكورة إلا الاجماع المدعى، وهو لو تم فموضوعه التقليد بالمعنى المتقدم، ولا يكفي فيه مجرد الحجية، كما ذكرنا. (1) بأن تجددت أعلميته بعد موت المفتي الاول، وإلا وجب العدول إليه قبل موته، بناء على وجوب تقليد الاعلم. (2) لما تقدم من سيرة العقلاء على تعيين الاعلم عند الاختلاف. وبه يخرج عن مقتضى الاستصحاب المتقدم لو تم. ولا وجه لاطلاق التخيير بين البقاء والعدول، كما سبق من الجواهر. إلا أن يبتني على عدم تعيين الاعلم عند الاختلاف وجواز العدول من أحد المجتهدين للاخر مطلقا، كما تقدم في الصورة الاولى. وأما إطلاق وجوب البقاء - كما تقدم نقله في الجواهر - فلعله مبتن على عدم وجوب تقليد الاعلم وعدم جواز العدول من أحد المجتهدين للاخر مطلقا. ومنه يظهر أنه لا مجال لما ذكره بعض مشايخنا من الاستدلال على وجوب العدول بأنه مقتضى حكم العقل بالتعيين عند الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية.

===============

( 66 )

[ والبقاء (1)، والعدول أولى (2)، والاخذ بأحوط القولين أحوط استحبابا (3). ] فإنه إنما يتجه مع العلم بجواز العدول، لا في مثل المقام مما احتمل فيه وجوب البقاء مطلقا، بل المقام يكون مما يحتمل فيه تعيين كل من الطرفين بخصوصيته الذي يلزم فيه التساقط والرجوع للاصول، أو التخيير بناء على ما عرفت من الاجماع على جواز التقليد للعامي وعدم تكليفه بالرجوع للاصول. فالعمدة ما عرفت من السيرة على تعيين الاعلم. (1) أشرنا آنفا إلى قصور سيرة العقلاء عن صورة تساوي المجتهدين واختلافهما كما أن الاطلاقات لو تمت تقصر عن ذلك، لامتناع التعبد بالمتعارضين، وحينئذ فإن قيل بجريان الاستصحاب في المقام لعدم كونه تعليقيا على ما سبق الكلام فيه كان اللازم البقاء على تقليد الميت استصحابا لحجية فتواه، وعدم حجية فتوى الحي وإلا كان اللازم تساقط الفتويين والرجوع إلى الاصول من الاحتياط وغيره، لولا ما قيل من الاجماع على جواز التقليد للعامي وعدم تكليفه بالاحتياط وغيره، كما يأتي في المسألة السابعة. وحينئذ فإن قيل بجواز العدول حال الحياة جاز العدول بعد الموت بلا إشكال، وكذا لو قيل بعدمه - كما يأتي في المسألة الثالثة عشرة - لعدم المرجح لاحدهما، كي يكون هو المتيقن ويتعين على ما هو الاصل عند الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية، لان احتمال عدم جواز العدول مقابل باحتمال عدم جواز البقاء على تقليد الميت. هذا وحيث صرح قدس سره بعدم الرجوع للاستصحاب في المقام اتجه منه البناء على التخيير، كما انه حيث عرفت قوة احتمال الرجوع له كان البقاء لازما أو أولى. (2) كأنه لشهرة القول بوجوبه، لكن عرفت أن البقاء لازم أو أولى. (3) لا خصوصية للمقام في ذلك، فإنه إن بني على التشكيك في الاجماع

===============

( 67 )

[ مسألة 7: إذا اختلف المجتهدون في الفتوى وجب الرجوع إلى الاعلم (1). ] على جواز التقليد للعامي كان الاحتياط بالاخذ بأحوط القولين لزوميا، نظير ما يأتي منه في المسألة الثامنة. وإن قطع بمضمونه قطع بحجية قول من يختار قوله ولا يبقى وجه لحسن الاحتياط بالاخذ باحوط القولين إلا حسن الاحتياط عقلاء بلحاظ إصابة الواقع المحتمل، الذي يجري حتى لو كان الاحوط هو قول المفضول أو الفاسق أو غيرهما ممن يحتمل اصابة قوله للواقع مع القطع بعدم حجيته وحجية القول المخالف للاحتياط، بل يجري في مجرد الاحتمال وإن لم يفت أحد بمضمونه. تنبيه.. لو عدل من الميت إلى الحي، فإن كان العدول مشروعا - كما في صورة كون الحي أعلم، أو كونهما متساويين، بناء على ما تقدم من سيدنا المصنف قدس سره - فبناء على عدم جواز تقليد الميت ابتداء يتجه عدم جواز الرجوع للميت هنا، سواء كان الحي حافظا لشرط جواز تقليده - كما لو فرض مساواته للميت - أم فقده بعد وجوده - كما لو تسافل فصار الميت أعلم منه - لان ذلك من التقليد الابتدائي. وإن لم يكن العدول مشروعا - ولو كان عن عذر، كم لو تخيل خطأ أعلمية الحي - اتجه جواز الرجوع إليه، بل وجوبه، لخروجه عن المتيقن من الاجماع المدعى على عدم جواز تقليد الميت ابتداء، الذي عرفت أنه لو تم فهو عمدة الدليل على المسألة. (1) كما صرح به غير واحد من الاعاظم وحكي عن جماعة منهم، بل في التقريرات أنه المعروف بين أصحابنا، وعن النهاية أنه قول من وصل الينا كلامه من الاصوليين، وفي المعالم أن تعيين الارجح في العلم والعدالة هو قول من وصل إلينا

===============

( 68 )

كلامهم من الاصحاب. وعن المحقق الثاني دعوى الاجماع على تعيين الاعلم وقد يستظهر من كلام البهائي قدس سره، وعن ظاهر السيد قدس سره في الذريعة كونه من مسلمات الشيعة. ومع ذلك فقد ذكر في التقريرات أنه حدث لجماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني قدس سره قول بالتخيير بين الاعلم وغيره، ثم قال: (وصار إليه جملة من متأخري أصحابنا حتى صار في هذا الزمان قولا معتدا به). وهو الذي أصر عليه في الجواهر في كتاب القضاء، وجعله في الفصول أوضح، ويستفاد منهما ومن غيرهما الاستدلال له بوجوه.. الاول: إطلاق أدلة التقليد كتابا وسنة. قال سيدنا المصنف قدس سره: (بل حمل مثل آيتي النفر والسؤال على صورة تساوي النافرين والمسؤولين في الفضيلة حمل على فرد نادر). ويشكل بما ذكره غير واحد من امتناع شمول إطلاقات الحجية للمتعارضين، لاستلزامه التعبد الظاهري بالضدين أو النقيضين، وهو ممتنع بملاك امتناع جعلهما واقعا، فإن الاحكام لما كانت متقومة بنحو اقتضائها لعمل المكلف كانت متضادة في أنفسها، لان لكل منها نحو اقتضاء للفعل من قبل المولى لا يناسب اقتضاء الاخر له، فامتنع لاجل ذلك جعلها ثبوتا، وذلك جار في التعبد الظاهري بالحكمين المتضادين إثباتا، لان التعبد الظاهري بالحكم متقوم بنحو من الاقتضاء للفعل في مقام العمل يناسب اقتضاء الحكم الواقعي المتعبد به له، فإذا امتنع الجمع بين الحكمين الواقعيين امتنع التعبد بهما معا في مقام العمل ظاهرا. إن قلت: يمكن التعبد بالمتعارضين معا تخييرا، ومرجعه إما إلى تقييد حجية كل منهما باختيار المكلف له، فكل منهما لا يكون حجة في عرض حجية الاخر، ليلزم التعبد بالمتضادين أو المتناقضين، بل الحجية الفعلية مختصة بأحدهما لا غير، وإما إلى جعل كل منهما حجة للمكلف وجعل مجموعهما حجة عليه، فله العمل على كل منهما وليس له الخروج عنهما.

===============

( 69 )

وحينئذ فظاهر الاطلاقات وإن كان هو حجية كل فرد من أفراد الحجة تعيينا، بحيث لا يجوز مخالفته مطلقا، إلا أن امتناع ذلك في المتعارضين لا يستلزم خروجهما عن الاطلاقات رأسا، بل لما أمكن حجيتهما تخييرا - بأحد الوجهين المتقدمين - كان هو المتعين، اقتصارا في الخروج عن إطلاقات أدلة الحجية على المتيقن. لكن لا بنحو تكون الحجية التخييرية مستفادة من الاطلاقات، بل بنحو تكون الاطلاقات دالة على أصل الحجية فيهما، وتكون الخصوصية المذكورة مستفادة من الدليل الخارجي، وهو المانع العقلي من حجيتهما تعيينا، فيكون البناء على الحجية التخييرية فيهما مقتضى الجمع بين الاطلاقات والمانع المذكور. قلت: كما يمكن الجمع بين الاطلاقات والمانع المذكور بالحمل على الحجية التخييرية كذلك يمكن الجمع بوجوه اخر، كاخراج أحد المتعارضين رأسا عن الاطلاقات، وإبقاء الاخر تحتها ويكون حجة تعيينا، أو إخراج أحدهما في بعض الاحوال، والاخر في أحوال اخر، أو الرجوع للقرعة، أو غير ذلك مما يقتضي إعمال الاطلاقات في المتعارضين في الجملة وعدم إخراجهما عنها رأسا، ولا معين لاحدها ما لم يكن عرفيا، ولم يتضح بناء العرف على الحجية التخييرية في المتعارضين. على أن لزوم الاقتصار في الخروج عن الاطلاقات على المتيقن إنما هو لبناء العرف عليه، لكونه أقرب بنظرهم، وليس بناء العرف على ذلك في المتعارضين، بل الظاهر بناؤهم على خروج كلا المتعارضين عن الحجية الفعلية مع ثبوت الحجية الاقتضائية لكل منهما، الراجعة إلى حجية كل منهما لو لا المانع، فإن ذلك هو الاقرب عرفا من الوجوه الاخر، ومن ثم قيل: إن الاصل في المتعارضين التساقط. نعم، لا يبعد في خصوص المقام تنزيل الاطلاقات على الحجية الفعلية لخصوص فتوى الاعلم، بقرينة ورودها مورد الامضاء لسيرة العقلاء والمفروغية عنها، وحيث كان بناؤهم على تعيين الاعلم عند الاختلاف لزم تنزيل الاطلاقات على ذلك، فيكون تعيين الاعلم مع التفاضل مقتضى الاطلاقات بقرينة السيرة، لا

===============

( 70 )

مقتضى خصوص السيرة، فتأمل جيدا. ومن جميع ما ذكرنا يظهر اندفاع ما سبق في كلام سيدنا المصنف قدس سره من أن حمل مثل آيتي النفر والذكر على خصوص تساوي النافرين والمسؤولين في الفضيلة حمل على الفرد النادر، فانه إنما يستلزم عدم مرجحية الاعلمية إذا كان مفاد الايتين ونحوهما من المطلقات الحجية التخييرية. أما حيث كانت ظاهرة في الحجية التعيينية بحيث يكون الدليل على التخيير مع التساوي هو الاجماع - لو تم - لا المطلقات، فندرة التساوي لا أثر لها في المقام، لان صورة التساوي خارجة عن الاطلاقات، وليست الاطلاقات مختصة بها حينئذ. نعم، لو فرض ندرة الاتفاق في الفتوى كان حمل الاطلاقات على الحجية التعيينية مستلزما لحملها على الفرد النادر، إذ لا تصح الحجية التعيينية إلا مع الاتفاق في الفتوى، أو لخصوص فتوى الاعلم مع الاختلاف والتفاضل، فيتعين لاجل ذلك حمل الاطلاقات على الحجية التخييرية، فتكون دليلا على التخيير مع التفاضل أيضا. لكن من الظاهر عدم ندرة الاتفاق في الفتوى، خصوصا في عصر صدور الاطلاقات لمعاصرة المجتهدين لمصدر التشريع وسهولة مقدمات الاستنباط حينئذ وعدم ابتنائه على المقدمات الحدسية الخفية التي يكثر الاختلاف فيها، فلا مانع من حمل الاطلاقات على الحجية التعيينية، إذ لا محذور في إخراج فتوى غير الاعلم مع مخالفتها لفتوى الاعلم عن الاطلاقات رأسا، وكذا فتاوى المتساوين في الفضيلة مع اختلافهم بالبناء فيها على الحجية التخييرية أو التساقط على ما يأتي الكلام فيه. ثم إن الظاهر عدم الفرق في أصالة التساقط في المتعارضين بين القول بالطريقية والسببية، خلافا لما يظهر من شيخنا الاعظم قدس سره من أصالة التخيير على السببية. وكأنه لان وجوب متابعة الطريق على السببية إنما يكون لحدوث ملاك فيه

===============

( 71 )

يقتضي المتابعة مع قطع النظر عن الواقع، ولا مانع من اشتمال كلا المتزاحمين على الملاك المذكور، كما هو مقتضى إطلاق دليل الحجية. وتعذر متابعة كلا الطريقين وتحصيل ملاكهما لا يسوغ إهمالهما معا، بل يقتضي التخيير بينهما، كما هو الحال في جميع موارد التزاحم. وفيه: أن اشتمال الطريق على ملاك يقتضي المتابعة فرع حجيته، فمع فرض امتناع حجية المتعارضين معا لاستلزامها التعبد بالنقيضين أو الضدين، كما عرفت، وعدم المرجح لاحدهما، يتعين التساقط، ولا طريق معه لاحراز سببيتهما بالوجه المذكور، ليكون المقام من صغريات التزاحم. مع أن لازم ذلك اختصاص التخيير بما إذا امتنع الجمع بين مؤدى المتعارضين عملا - كالوجوب والحرمة، والاستحباب والكراهة - وفي غير ذلك حيث يمكن متابعة كلا الطريقين عملا، بموافقة الاحوط منهما يخرج عن باب التزاحم، ويجب استيفاء كلا الملاكين بذلك. نعم لو توقفت متابعة الطريق على الالتزام بمؤداه تعذرت متابعة كلا المتعارضين مطلقا، لامتناع الالتزام بمؤداهما مع العلم بكذب أحدهما وإن أمكن موافقتهما عملا. لكن لا دليل على ذلك، بل الظاهر كفاية الموافقة العملية للطريق ولو مع عدم الالتزام بمؤداه. ثم إنه لو سلم أن البناء على السببية يقتضي التخيير بين المتعارضين فلا مجال لذلك في المقام، لاحتمال الاهمية في فتوى الاعلم الذي هو - كالعلم بالاهمية - معين لمورده في باب التزاحم. وأما ما يظهر من بعض المحققين قدس سره من أن احتمال الاهمية لا يوجب اليقين بالتكليف الفعلي في مورده، لان احتمال مساواة الطرف الاخر له مساوقة لاحتمال كون ملاكه مانعا من فعلية التكليف في محتمل الاهمية ومع عدم اليقين بالتكليف الفعلي في محتمل الاهمية تجري البراءة منه. فهو مدفوع بأن عدم فعلية التكليف في أحد المتزاحمين بسبب المزاحم

===============

( 72 )

الاخر ليس لقصور في ملاكه، بل لكون المزاحم عذرا مسوغا لتفويته عقلا وشرعا بسبب مساواته له في الاهمية، فمع احتمال الاهمية في أحد الطرفين لا يعلم بكون الاخر عذرا مسوغا لتفويته، فلا مجال للتعويل عليه في تفويته، لانه لا يصح الاتكال الا على ما يعلم بكونه عذرا. ومن ثم قيل بوجوب الاحتياط مع الشك في القدرة، فإن التعذر كالمزاحمة من الاعذار التي لابد من احرازها عقلا. وبعبارة اخرى: التزاحم يقتضي تقييد كل من التكليفين المتساويين بعدم امتثال الاخر، ومع احتمال أهمية أحدهما بخصوصه لا يعلم تقييده، فيتعين البناء على اطلاقه، بخلاف الاخر، فانه يعلم تقييده على كل حال، كما نبه لذلك بعض مشايخنا، فتأمل. الثاني: مما استدل به لعدم تعيين الاعلم: سيرة الشيعة في عصر المعصومين عليهم السلام على الاخذ بفتاوى العلماء المعاصرين لهم من دون تقيد بخصوص الاعلم ولا فحص عنه مع العلم بتفاضلهم. وفيه - كما ذكره غير واحد - أن المتيقن من ذلك صورة عدم العلم بالاختلاف بينهم في الفتاوى التي يأخذونها منهم، ومحل الكلام صورة العلم بالاختلاف، وثبوت السيرة فيها غير معلوم، بل الظاهر عدمه كما يظهر من الاخبار المتضمنة للسؤال عن الحكم بعد اختلاف الاصحاب فيه، الظاهرة في المفروغية عن التوقف عن فتاواهم مع الاختلاف، وهي وان اختصت بصورة إمكان استعلام الحكم بالرجوع للامام عليه السلام إلا أنها كافية في منع السيرة المتصلة بعصر المعصومين عليهم السلام على الاخذ بفتوى المفضول مع مخالفتها لفتوى الافضل. ومنه يظهر حال الاستدلال، بما دل على جواز الرجوع لمعاصري الائمة عليهم السلام من علماء الشيعة مع كونهم عليهم السلام أعلم منهم لوضوح أن الرجوع لهم إنما كان مع عدم العلم بمخالفة فتاواهم لاحكام أئمتهم عليهم السلام. بل مبنى الرجوع لهم على أخذ أحكام الائمة عليهم السلام منهم، فالرجوع لهم في طول الرجوع للائمة عليهم السلام، ومقتضى حجية فتاواهم كون أحكامهم هي أحكام أئمتهم عليهم السلام، نظير أخذ فتاوى الاعلم من

===============

( 73 )

ناقليها، فهو خارج عما نحن فيه من الرجوع لغير الاعلم الذي يفتي في مقابل الاعلم. هذا مع ظهور لزوم الحرج النوعي من الاقتصار على أخذ الاحكام من الائمة عليهم السلام فلا يشبه محل الكلام مما يفرض فيه عدم الحرج في الاقتصار على الاخذ من الاعلم. فتأمل. الثالث: إرجاع الائمة عليهم السلام لاحاد أصحابهم، كالعمري وابنه وزكريا بن آدم وغيرهم، فإن إطلاق الارجاع للشخص يشمل ما لو كان غيره أعلم منه. ويظهر الجواب عنه مما سبق في أدلة التقليد من احتمال الخصوصية في الاشخاص المذكورين، وكون الارجاع لهم ليس بملاك الارجاع عموما لغيرهم. ولو سلم كون الارجاع لهم لاندراجهم في كبرى وجوب تقليد العالم فلا إطلاق له يشمل كون غيرهم أعلم منهم، لانه قضية خارجية، فلعلهم أعلم من يمكن الرجوع إليه في عصرهم. ولو سلم الاطلاق بالوجه المذكور كان كاطلاق الادلة العامة قاصرا عن شمول صورة الاختلاف في الفتوى، لاستحالة حجية المتعارضين، كما سبق. الرابع: ما في الجواهر من أنه لما كان مقتضى إطلاق الادلة في القضاء نفوذ قضاء المفضول في الواقعة الشخصية يلزمه حجية رأيه في الحكم الكلي، وأنه من الحق والقسط والعدل وما أنزل الله تعالى، فيجوز الرجوع إليه تقليدا أيضا. وفيه: أنه ملازمة بين نفوذ حكم المفضول وحجية رأيه فإن القضاء النافذ وإن كان هو القضاء بالحق والقسط والعدل وما أنزل الله تعالى، إلا أنه لا يراد بذلك تحقق هذه العناوين واقعا، بل بنظر الحاكم، وحصولها بنظره لا يستلزم الحجية في حق غيره. ولذا لا إشكال في نفوذ الحكم في حق المجتهد الاخر مع عدم حجية فتوى الحاكم في حقه. الخامس: لزوم العسر والحرج في الاقتصار على تقليد الاعلم، لصعوبة تشخيص الاعلم وصعوبة رجوع جميع المسلمين له مع اختلاف أماكنهم وتباعدها، فلا يتيسر لهم استفتاؤه، ولا يتيسر له إفتاء جميعهم.

===============

( 74 )

وفيه: أن ذلك على عمومه ممنوع، لامكان فرض تيسر معرفته ولو لبعضهم، كما يتيسر لهم معرفة رأيه، خصوصا في عصورنا التي سهلت فيها وسائل النشر والمواصلات، فلا حرج من رجوع من تيسر له معرفته إليه. قال سيدنا المصنف قدس سره: (نعم لو بني على وجوب الرجوع إلى الاعلم على نحو يجب الفحص عنه مهما احتمل وجوده كان ذلك موجبا للعسر غالبا، لكنه ليس كذلك). هذا، مع أن وجوب الرجوع للاعلم لما لم يكن تكليفا شرعيا نفسيا، بل حكما عقليا متفرعا عن اختصاص الحجية به لم تنهض قاعدة رفع الحرج برفعه. ولا مجال لاعمال القاعدة في منشئه، وهو اختصاص الحجية به، بنحو تقتضي ثبوت الحجية لغيره. لانها مختصة برفع الاحكام الحرجية، ولا تنهض بتشريع أحكام يرتفع بها الحرج. نعم، قد يكون اختصاص الحجية بفتوى الاعلم بسبب صعوبة الفحص عنه أو صعوبة معرفة رأيه موجبا لكون الاحكام الواقعية حرجية، لاستلزام امتثالها اليقيني ولو بالاحتياط التام للحرج، فيلزم الرجوع للظن مطلقا، أو في الجملة، إما لحكومة العقل بلزوم التنزل للامتثال الظني بعد سقوط الامتثال العلمي، أو لاستكشاف حجيته شرعا، على ما يذكر في دليل الانسداد مفصلا، وهذا غير حجية فتوى المفضول مطلقا. هذا، ولكن الظاهر عدم وصول النوبة لذلك، كيف ولا يتهياء للعامي سلوك الطريق المذكور، لابتنائه على التأمل والنظر الذي لا يتهيأ للعامي. مع تعذر تحصيل الظن له إلا بعد الرجوع للادلة والنظر فيها، والمفروض عدم تكليفه بذلك، ولذا لم يجب عليه الاجتهاد عينا، دفعا للهرج والمرج واختلال النظام وغير ذلك مما يعلم معه بعدم رضا الشارع الاقدس. بل المعلوم ابتناء الشريعة الغراء على التساهل والتسامح بالوجه الذي ينتظم به أمر المعاش والمعاد، ويجمع خير الدنيا والاخرة، ولهذا شرع أصل التقليد، وذلك

===============

( 75 )

كاشف عن أن كل ما يعتبر في التقليد لم يعتبر بنحو يستلزم الحرج نوعا، وعلى هذا جرت سيرة الشيعة في باب التقليد في جميع العصور. وهذا راجع إلى أن الاستدلال بلزوم الحرج ليس بلحاظ الرجوع إلى قاعدة رفع الحرج التي هي من القواعد الاجتهادية، ويكون المدار فيها على الحرج الشخصي، بل بلحاظ القطع بعدم جعل الشارع الاقدس لشروط التقليد بالنحو الذي يستلزم الحرج نوعا. وحينئذ فلا مجال لجعله مانعا عن تعيين الاعلم عند الاختلاف وبثبوت التخيير بينه وبين غيره مطلقا لما عرفت من عدم اطراد لزوم الحرج من تعيين الاعلم، ومن ثم كان المشهور وجوب تقليد الاعلم في الجملة وجرت على ذلك سيرة العامة في كثير من العصور تبعا لهم، ولم يظهر وقوعهم في الحرج بسبب ذلك. نعم، قد ينفع الوجه المذكور في بعض ما يتعلق بذلك من لزوم الفحص ومقداره وغير ذلك، فيجوز الاعتماد على الوجه المذكور فيها بالمقدار الذي يحصل به القطع بحكم الشارع الاقدس ولو بضميمة السيرة وإن كان مخالفا للقواعد، ولعله يأتي التنبيه لبعض ذلك. وقد تحصل من جميع ما تقدم: أن دليل الحرج في المقام ليس دليلا لفظيا يتمسك بعمومه، كسائر الظهورات الكلامية، بل هو دليل لبي يقتصر فيه على مورد اليقين بحكم الشارع الاقدس. هذا تمام ما استدل به على جواز تقليد المفضول مع التمكن من تقليد الافضل، وقد عرفت عدم نهوضه بإثبات ذلك، فلا مخرج عما يقتضي لزوم تقليد الاعلم من سيرة العقلاء القطعية الجارية في جميع موارد الرجوع إلى أهل الخبرة، وقد عرفت أنها قرينة عرفية على تنزيل الاطلاقات عليه عند التعارض. هذا، وقد يستدل في المقام بالاصل العقلي، لدوران الامر بين التعيين والتخيير الذي يلزم فيه البناء على مقتضى التعيين، لاصالة عدم الحجية في الطرف الاخر، وهو فتوى المفضول في المقام، كما اشرنا إليه في نظائر المقام، من دون فرق

===============

( 76 )

بين القول بوجوب التقليد من باب الطريقية والسببية بعد ما عرفت من عدم نهوض الاطلاقات بإثبات الحجية الفعلية لفتوى المفضول، على ما سبق توضيحه. ولا مجال للرجوع للبراءة من وجوب تقليد الاعلم ورفع العقاب على مخالفته، لوضوح أن وجوب الرجوع إليه عقلي طريقي لا يكون موردا للعقاب، وليس العقاب إلا على مخالفة التكليف الواقعي المحتمل في مورد فتوى الاعلم ولا مجال للرجوع للبراءة عنه، لتنجزه إما بالعلم الاجمالي الكبير الذي أوجب على العامي التعرض لامتثال الاحكام تقليدا أو احتياطا، وهو العلم باشتمال الشريعة على تكاليف فعلية، وإما بمقتضى ما دل على وجوب تعلم الاحكام المستلزم لتنجز احتمالها قبل الفحص على ما سبقت الاشارة إليه في المسألة الاولى. وحينئذ، فلابد من تحصيل المؤمن عن التكليف المذكور، إما بالاحتياط أو بقيام الحجة على عدمه، وحيث فرض الشك في حجية فتوى المفضول النافية له تعين العمل على فتوى الافضل. اللهم إلا أن يقال: إنما يتنجز احتمال التكليف في مورد فتوى الافضل به إذا كانت متابعة الافضل مقتضى الاصل في الواقعة، كما في موارد الشك في المحصل، أو استصحاب التكليف، أو كان هناك علم إجمالي في الواقعة، كما في موارد الدوران بين القصر والتمام. وأما العلم الاجمالي الكبير فهو منحل بتنجز التكليف في الموارد المذكورة وفي موارد الاتفاق بين الافضل والمفضول على ثبوت التكليف، لوفائها بالمقدار المعلوم بالاجمال، فيرجع في ما عدا ذلك من موارد الاختلاف - كما لو افتى الافضل بوجوب السورة والمفضول بعدمه - إلى أصل البراءة ما لم يعلم بقيام الحجة على التكليف، وحيث لا يعلم بحجية فتوى الافضل تعيينا، لاحتمال حجيتها تخييرا - إما بمعنى كونها حجة للمكلف لا عليه، أو بمعنى كون حجيتها مشروطة بالاختيار، على ما تقدم في أول المسألة - فلا تنهض برفع اليد عن مقتضى الاصل المذكور، ويجوز

===============

( 77 )

لاجله موافقة فتوى المفضول النافية للتكليف وإن لم يحرز حجيتها. وأما ما دل على وجوب الفحص عن الاحكام، فهو إنما يقتضي تنجزها قبل الفحص، أما بعد الفحص عنها وعدم العثور على ما يثبت التكليف فلا يمنع من الرجوع للاصول النافية، ولا يقتضي حجية فتوى الافضل تعيينا بنحو لا يجوز مخالفتها تبعا للاصل، فالمقام نظير رجوع المجتهد للاصول بعد الفحص في الادلة وتعارضها في حقه. وبالجملة: العلم بحجية فتوى الاعلم تعيينا أو تخييرا لا يكفي في لزوم متابعتها ما لم يفرض تنجز احتمال التكليف في مورد فتوى الافضل به بعلم إجمالي أو أصل، بحيث لابد من الاحتياط فيه أو الخروج عنه بحجة معلومة، أما مع عدم تنجزه فلا مانع من الرجوع للاصل النافي للتكليف وموافقة فتوى المفضول وإن لم تحرز حجيتها. هذا، مضافا إلى أن الاصل العقلي المذكور مبني على العلم بحجية فتوى الافضل، للعلم بجواز التقليد للعامي مطلقا وعدم تكليفه بالرجوع للاصول عند الاختلاف، وإلا فمقتضى الاصل في المتعارضين تساقطهما معا والرجوع للاصول من الاحتياط والبراءة وغيرهما. مع أن الاصل المذكور لا يطرد في جميع الموارد، بل قد يكون مورودا للاصل الشرعي كاستصحاب حجية فتوى المفضول فيما لو فرض انحصار الحجية سابقا بها، بناء على جريان الاستصحاب في المقام. كما قد يكون مقتضى الاصل العقلي التخيير، بأن احتمل تعيين المفضول أيضا، كما لو كان الافضل هو الميت ودار الامر بين البقاء على تقليده والعدول للحي المفضول، على ما تقدم التنبيه إليه في المسألة السابقة. ويأتي نظيره في المسألة الثالثة عشرة. والحاصل: أن الاصل العقلي المذكور لا ينهض بتعيين الاعلم مطلقا، والعمدة في ذلك هو سيرة العقلاء المشار إليها، التي لا يفرق فيها بين الموارد، والتي عرفت

===============

( 78 )

صلوحها للقرينية على صرف الاطلاق إليه عند الاختلاف، فيتعين العمل بها بالمقدار الذي لا يلزم منه الحرج نوعا من جهة عدم تيسر الفحص عنه أو من جهة عدم تيسر الاطلاع على فتواه على ما أشرنا إليه، ويأتي إن شاء الله تعالى في المسألة الاتية. ثم إنه وقع في كلام غير واحد الاستدلال على تعيين الاعلم بوجوه اخر غير ما سبق.. الاول: الاجماع المتقدمة دعواه صريحا وظاهرا عن غير واحد، لكن لا مجال للاعتماد عليه، لما عرفت في المسألة الخامسة من التشكيك في دعاوى الاجماع في هذه المسائل، ولاسيما وأن عمدة من حكي عنه دعوى الاجماع السيد المرتضى والمحقق الثاني (قدس سرهما)، وفي الجواهر: (لم نتحقق الاجماع على المحقق الثاني، وإجماع المرتضى مبني على مسألة تقليد المفضول في الامامة العظمى مع وجود الافضل، وهو غير ما نحن فيه. وظني - والله أعلم - اشتباه كثير من الناس في هذه المسألة بذلك). الثاني: ما تضمن ترجيح قضاء الافضل عند الاختلاف، كمقبولة ابن حنظلة وغيرها، حيث يتعدى به للمقام - كما في التقريرات - إما بالاجماع المركب، إذ لا قائل بالفصل بين تعيين الاعلم للقضاء وتعيينه للتقليد، أو بأن ظاهر المقبولة الترجيح في مورد الاختلاف بينهما في الحكم الشرعي الكلي الذي يرجع فيه للشارع، كما يشهد به بقية المرجحات المذكورة فيها التي هي من مرجحات الروايات المتعارضة في الاحكام الكلية، بل هو صريح قوله: (وكلاهما اختلفا في حديثكم). لكن عرفت الاشكال في الاعتماد على الاجماع البسيط، فضلا عن المركب في أمثال المقام. مع أن عدم الفصل - لو تم - إنما هو بين تعيين الاعلم للقضاء بنحو لا يجوز نصب غيره وتعيينه للتقليد، والذي هو مدلول الرواية هو ترجيح قضاء الاعلم عند تحكيم شخصين في واقعة واحدة واختلافهما في الحكم، وعدم الفصل بينه وبين تعيين الاعلم للتقليد غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم.

===============

( 79 )

وأما ظهور المقبولة في الترجيح عند الاختلاف في الحكم الكلي فهو وإن كان مسلما، إلا أنه لا يجدي بعد اختصاصها بالقضاء الذي يمتنع فيه الحكم بالتخيير، لعدم صلوحه لرفع الخصومة، فالتعدي منه للتقليد بلا شاهد. مع أنها إنما تقتضي ترجيح الاعلم من الحكمين، لا الاعلم من جميع الناس، الذي هو المدعى في المقام، كما نبه له بعض مشايخنا. بل إطلاقات أدلة النصب ظاهرة في عدم اختصاص المنصب بالاعلم، بل تعم غيره وإن خالف الاعلم في الفتوى. ومما ذكرنا يظهر حال الاستدلال بما عن أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى الاشتر: (اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك)، مع أنه وارد في تكليف إداري خاص، فلا يكشف عن الحكم الشرعي في القضاء فضلا عن التقليد. ولذا لا ينافي الاطلاقات المقتضية لنفوذ قضاء المفضول. الثالث: ما عن أمير المؤمنين عليه السلام - كما عن نهج البلاغة -. (أولى الناس بالانبياء أعلمهم بما جاؤوا به (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) (فإن المراد به وإن كان شخصه عليه السلام والائمة من ولده عليهم السلام، إلا أن الاستدلال به - كما ذكره شيخنا الاستاذ دامت بركاته - بلحاظ الكبرى الراجعة إلى أولوية الاعلم. وليس المراد من أولويته بالنبي صلى الله عليه واله قيامه مقامه في مناصبه، ليكون المراد به الامامة والخلافة العظمى، بل قيامه مقامه في أداء حكم الله تعالى لعباده وتبليغهم به، لانه المناسب لذكر الاعلمية في الاحكام، إذ الخلافة من حيث هي لا تناسب ذلك. وذلك في عصر الحضور مختص بالائمة عليهم السلام وفي عصر الغيبة ينتقل إلى علماء الامة، فالاعلم منهم هو الاولى ببيان الاحكام والفتوى بها. وفيه: أن إطلاق الاولوية بالنبي صلى الله عليه واله ظاهر في إرادة الخلافة العظمى، ولا مجال لانكار المناسبة بينها وبين الاعلمية بما جاء به النبي صلى الله عليه واله، ضرورة أن منصب الخلافة يبتني على حفظ الاحكام الشرعية ورعايتها وتنفيذها في الامة، وهو يناسب اعتبار العلم بها جدا، وعليه يبتني ما ذكره علماء الامامية من لزوم كون الامام أعلم

===============

( 80 )

الامة، فلا مجال بجعل ذكر الاعلمية قرينة على ارادة خصوص منصب الافتاء. ولاسيما مع ظهور ورود الحديث تعريضا بما فعله الغاصبون من إقصائه عليهم السلام عن منصب الخلافة، لا عن خصوص منصب الفتوى، بل اشتهر عنهم الرجوع له عليه السلام في الفتوى كثيرا. الرابع: ما عن الجواد عليه السلام في خطابه لعمه عبد الله بن موسى عليه السلام بعد أن استفتي في مجلسه فأخطأ في الفتوى: (يا عم أنه عظيم عند الله أن تقف غدا بين يديه، فيقول لك: لم تفتي عبادي بما لم تعلم وفي الامة من هو أعلم منك!). فقد ادعى شيخنا الاستاذ أيضا دلالة الحديث على أنه لا يجوز للانسان الفتوى مع وجود من هو أعلم منه لاجل عمل الناس بفتواه، فيدل على عدم حجية فتوى غير الاعلم في حقهم، وأن المراد من الفتوى بما لا يعلم الفتوى عن جهل مركب لابسيط، فلا ينافي حجية الفتوى في حق نفسه فله العمل بها والاخبار بمضمونها لا لاجل العمل، كما هو الحال في كل معتقد لخلاف الواقع. ويشكل بأ ن ظاهر الرواية عدم كون الانكار لاجل مجرد الفتوى من غير الاعلم، بل ذكر عدم العلم ظاهر في دخله في الاستنكار، وحيث أن الجهل المركب إذا استند إلى حجة معذرة لا يصلح للانكار، بل يرى صاحبه أنه لا أعلم منه في الواقعة، فلابد أن يحمل عدم العلم في كلام الامام عليه السلام على الجهل البسيط أو المركب غير المستند إلى الحجة المعذرة، فيخرج عما نحن فيه، فلابد أن يحمل اعتذار عبد الله على عدم اليقين بقول الرضا عليه السلام أو اليقين مع التقصير، وإن كان ذلك خلاف ظاهر الرواية أوجب إجمالها ومنع من الاستدلال بها. على أن المظنون أن شدة الانكار ليس لمحض الفتوي، بل لخصوصية في الواقعة، من حيث أن في تصدي عبد الله للفتوى في ذلك المجلس تجاهلا للامام عليه السلام وإيهاما بأن عبد الله هو الاولى بالمنصب منه عليه السلام كما قد يشهد به ما في دلائل الامامة للطبري. مع أن الموجود في اختصاص المفيد قدس سره خال عن قوله عليه السلام: (وفي الامة من

===============

( 81 )

هو أعلم منك). مضافا إلى الاشكال في الاستدلال بهذا الحديث وما قبله - مع ضعف السند - بأن الظاهر من الاعلم فيهما إما العالم في قبال الجاهل، نظير قوله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) (1)، أو الذي تكون معلوماته أكثر، وكلاهما غير مراد في ما نحن فيه، بل المدار في الاعلمية على شدة المهارة وقوة الملكة. مع أنهما لو كانا في ما نحن فيه لزم عدم جواز الفتوى من علماء الشيعة في عصر حضور الائمة عليهم السلام لانهم عليهم السلام أعلم منهم، فلابد أن يحملا على ما لو كانت فتوى غير الاعلم في قبال فتوى الاعلم ومع تجاهله، لا في طول فتواه ولبيانها، كما هو حال فتاوى علماء الشيعة بالاضافة لفتاوى الائمة عليهم السلام، وحيث إن الاعلم في جميع العصور هو الائمة عليهم السلام حاضرهم وغائبهم، فلا تدل الروايتان الا على عدم حجية فتوى من يفتي في قبالهم من دون رجوع إليهم، ولا نظر فيها لفتوى من يأخذ منهم ويحكي عنهم، فلا تدلان على تعيين الاعلم من بين هؤ لاء الذي هو محل الكلام. اللهم إلا أن يستفاد ذلك بتنقيح المناط، الذي هو مقتضى مناسبة الحكم والموضوع، وهو لا يخلو عن إشكال. وبالجملة: التأمل في الحديثين شاهد بأنهما أجنبيان عن محل الكلام جدا، وإن أصر شيخنا الاستاذ دامت بركاته على الاستدلال بهما، بنحو يظهر منه صلوحهما لتقييد الاطلاقات بعد البناء على أن مقتضاها التخيير. الخامس: أن فتوى الاعلم أقرب، فيجب اختيارها عند التعارض. واورد عليه تارة: بمنع وجوب الترجيح بالاقربية مع التعارض. واخرى: بمنع الاقربية، لامكان اعتضاد فتوى المفضول بالشهرة أو بفتوى الميت الاعلم وغيرهما. وأجاب في التقريرات عن الاول: بأنه ثابت بحكم العقل بعد كون اعتبار


____________
(1) سورة الانعام: 124.

===============

( 82 )

التقليد من باب التعبد على وجه الطريقة التي يكون الملحوظ فيها هو الكشف عن الواقع، لا من باب التعبد المحض في عرض الواقع. وعن الثاني بأن الاعلمية من المرجحات الداخلية المنضبطة التي يمكن رجوع العامي لها، بخلاف المرجحات الاخر المذكورة، فإنها مرجحات خارجية، لا مجال لرجوع العامي لها بالاجماع والضرورة، لعدم انضباطها، فيلزم تدين كل واحد من المقلدين بغير ما تدين به الاخر. وكلاهما كما ترى! للاشكال في الاول بأن اعتبار الامارة من باب الطريقية لا تستلزم كون المعيار فيها الاقربية بنظر المكلف أو العقلاء، بل كما يمكن أخذ قيود تعبدية كالحياة، كذلك يمكن إهمال ما يقتضي الاقربية من دون أن يستلزم الموضوعية الراجعة إلى كون الرجوع للامارة في قبال الواقع. وفي الثاني بأن المدار في عموم الترجيح وخصوصه على حال دليله، ولا يفرق في حكم العقل المدعى بين المرجحات الداخلية والخارجية، ومعه لا مسرح للاجماع والضرورة، إلا أن يكشفا عن بطلان دعوى حكم العقل. هذا تمام ما استدل به في المقام، وقد تحصل عدم نهوض الادلة بلزوم تقليد الاعلم بنحو يقتضي تقييد الادلة لو فرض أن مقتضى إطلاقها التخيير بينه وبين غيره. والعمدة ما عرفت من السيرة والاصل بعد ما تقدم من قصور الاطلاقات عن إفادة التخيير. تنبيهات: الاول: لا يخفى أن العلم لما كان هو انكشاف الواقع فهو لا يقبل التفاضل، فاطلاق الاعلمية عرفا لابد إما أن يكون بلحاظ كثرة المعلومات، فالاعلم هو العالم بمسائل أكثر. أو بلحاظ كثرة الاصابة للواقع أو بلحاظ قوة الدليل، فكلما كان الشخص أقوى دليلا على دعواه كان أعلم. وعلى الاولين تكون الاعلمية أمرا قائما بمجموع المسائل، وعلى الاخير تكون قائمة باحادها.

===============

( 83 )

ولا إشكال في عدم إرادة الاول في المقام، لان الملحوظ في سيرة العقلاء هو الاقربية للواقع في كل مسألة يرجع فيها، ولا دخل لكثرة المعلومات بذلك. ولا الثاني، لعدم تيسر الاطلاع عليه في كثير من موارد الرجوع إلى أهل الخبرة مما لا يظهر فيها آثار للواقع، ليعلم كمية موارد الاصابة بلحاظها، ومنها المقام. مع أن المرتكز عرفا أن وجه الترجيح بالاعلمية ليس هو الغلبة، بل قوة الدليل، كأصل الرجوع لاهل الخبرة، ولذا يرجع للاعلم قبل اختبار حاله ومعرفة كمية موارد إصابته. نعم، قد يستكشف ذلك بغلبة الاصابة لو أمكن الاطلاع عليها، لبعد كونها محض صدفة لا ترجع إلى قوة الدليل، لكنه أمر آخر غير كون المعيار في الاعلمية على كثرة الاصابة. وليس المراد في المقام إلا الامر الثالث، وهو المراد بقوة الملكة في ما سبق، وقوام ذلك متانة الشخص وجودة نظره وحسن فهمه للاخبار وغير ذلك مما يتضح لاهل الخبرة. وإليه يرجع ظاهرا ما ذكر غير واحد في المقام. قال سيدنا المصنف قدس سره: (المراد به الاعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية عقلية كانت أم شرعية، فلابد أن يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله). وبما ذكرنا يتضح أن الاعلمية قائمة بكل مسألة مسألة، فيمكن اختلاف الاشخاص في الاعلمية باختلاف آحاد المسائل أو أنواعها، لاختلاف المسائل في سنخ الادلة، فربما يكون الشخص ماهرا في الاستدلال في بعض المسائل دون بعض، نظير ما يذكر في التجزي، كما فرضه السيد الطباطبائي قدس سره في المسألة السابعة والاربعين من مسائل التقليد. واللازم حينئذ التبعيض في التقليد، لعموم سيرة العق