مصباح المنهاج

 

كتاب الطهارة

 

تاليف

السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم

 

الجزء الخامس

 

دار الهلال

 

 جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى

1426هـ ـ 2005 م

 

 

 

اسم الكتاب ....................... مصباح المنهاج

تأليف: ...............................  السيد الحكيم

المطبعة ....................................... فاضل

العدد................................. 2000 نسخة

الناشر .................................   دار الهلال

ISBN .........................964-827-43-9
 

الفصل السابع

في أحكام الحائض

 

(مسألة15): يحرم على الحائض جميع ما يشترط فيه الطهارة من العبادات(1)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

(1) إذ لا إشكال في أنها دائمة الحدث ولا تطهر، كما يقتضيه مقابلة الحيض بالطهر في الكتاب المجيد والسنة الشريفة المتجاوزة حد التواتر، والفتاوى الظاهرة في المفروغية عن ذلك. بل وضوح ذلك يغني عن تجشم الاستدلال عليه.

ومنه يظهر أنه يحرم عليها غير العبادات مما يحرم على المحدث، كمس القرآن الشريف، على التفصيل المتقدم في الوضوء. ولعل إهماله في كلام بعضهم للمفروغية عن مشاركتها للجنب في المحرمات، كما يأتي من بعضهم.

هذا، إذا أخذ في موضوع التحريم عنوان المحدث، أو تضمنت الأدلة مانعية الحدث الأصغر، حيث يلزمها مانعية الأكبر بالأولوية الارتكازية، أو لما تضمن أن أسباب الحدث الأكبر نواقض للوضوء، كما تقدم في مس القرآن الشريف. وفي غير ذلك لا إشكال فيما أخذ في موضوع تحريمه عنوان الحائض، كما تقدم في المكث في المسجد وقراءة العزائم.

وأما ما اختص دليله بالجنب، وهو مس اسم الله تعالى والطواف المستحب

ص 6

ـ بناء على تماميته في الجنب ـ فقد استدل على حرمته على الحائض..

تارة: بما في الجواهر من ظهور اتفاق الأصحاب على مشاركته الحائض للجنب في أحكامه، كما صرح به بعضهم، بل قد يظهر من الغنية دعوى الإجماع على أنه يحرم على الحائض كل ما يحرم على الجنب، وكان قد ذكر ـ في أحكام الجنب ـ أنه يحرم عليه مس اسمه تعالى وأسماء الأنبياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم.

وأخرى: بأن حدث الحيض أغلظ من حدث الجنابة، كما في المعتبر وغيره، فتثبت محرمات الجنب للحائض بالأولوية.

ويشكل الأول: بأنه لا مجال لتحصيل الاتفاق مع إهمال الحكم المذكور في الحيض وذكره في الجنابة في المبسوط والسرائر والمعتبر والشرايع والمنتهى والتذكرة والإرشاد والقواعد وغيرها، فإنه وإن أمكن أن يبتني على المفروغية عن مشاركة الحائض للجنب في المحرمات ـ كما تقدم احتماله في إهمال بعضهم مس الكتاب المجيد ـ إلا أنه لا مجال للقطع بالإجماع على المشاركة مع ذلك.

وأما الثاني فقد استدل عليه في الجواهر بمعتبرة سعيد بن يسار: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): المرأة ترى الدم وهي جنب أتغتسل من الجنابة أو غسل الجنابة والحيض واحد؟ فقال: قد أتاها ما هو أعظم من ذلك»(1). ويشكل بظهورها في إرادة الأشدية من حيثية عدم الفائدة في الغسل بسبب استمرار الحدث قهراً، لا من حيثية مرتبة الحدث، لينفع في المقام، وإلا لم يكن مناسباً للسؤال، إذ كون الحيض أعظم من حيثية مرتبة الحدث لا يقتضي عدم الغسل للجنابة لرفع حدثها. ولا أقل من الإجمال المانع من الاستدلال.

نعم، لا يبعد فهم عدم الخصوصية للجنابة من دليله، لمسانخة حدث الحيض لحدث الجنابة ارتكازاً، ولا سيما مع قيام الأدلة على اشتراكهما في أكثر الأحكام الثابتة من حيثية الحدث. وإن كان الأمر لا يخلو عن إشكال. ويأتي بعض الكلام في الطواف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل باب:22 من أبواب الحيض حديث:2.

 

ص 7

كالصلاة والصيام والطواف والاعتكاف(1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 في أحكام المستحاضة إن شاء الله تعالى.

(1) لا إشكال في حرمة العبادات المذكورة عليها، والنصوص به متواترة، ودعاوى الإجماع عليه مستفيضة، بل دعوى الضرورة عليه ـ كما عن شرح المفاتيح ـ غير مجازفة. وإنما الإشكال في أن حرمتها تشريعية فقط راجعة إلى اعتبار الطهارة فيها، فتبطل بدونها ـ كما تبطل بفقد سائر شروطها ـ ويكون الاتيان بها بدونها بنية المشروعية تشريعاً محرماً، أو هي مع ذلك ذاتية راجعة إلى حرمتها تكليفاً من غير جهة التشريع أيضاً، نظير حرمة الربا.

وكأن ذلك هو المراد من الترديد في كلام بعضهم بين الحرمة الذاتية والتشريعية، وإلا فثبوت الحرمة التشريعية مما لا ينبغي الإشكال فيه بالنظر لما سبق من عدم الريب في كونها دائمة الحدث، كما صرح به شيخنا الأعظم(قدس سره) في الصلاة.

وكيف كان، فقد يستدل على الحرمة الذاتية.. تارة: بأن موضوع الحرمة التشريعية التشريع الذي هو أمر قلبي، وظاهر الأدلة حرمة نفس الأفعال الخارجية.

وأخرى: بما تضمنته النصوص الكثيرة وجملة من معاقد الإجماعات المدعاة في المقام من التعبير بالحرمة الظاهرة في الذاتية، وكذا ما تضمن النهي عن العبادات والأمر بتركها.

ويندفع الأول: بأن المرتكزات المتشرعية، بل العقلائية، تقتضي حرمة الجري العملي على التشريع القلبي، بحيث يكون نفس العمل محرماً ثانوياً يصح توجيه النهي إليه، كما يناسبه ما ورد في البدعة وأنها في النار.

والثاني: بأن التعبير بالتحريم والنهي ونحوهما وإن كانت ظاهرة بدواً في الحرمة والذاتية، إلا أن شيوع استعمالها في مقام بيان عدم المشروعية لبيان شروط التكليف والمكلف به وموانعهما ونحوها مما يرجع لحدود التشريع مانع من التعويل على الظهور

ص 8

 المذكور فيما يمكن حمله على ذلك، كالمقام.

ومنه يظهر وجه آخر في دفع الوجه الأول، فإن ظهور الأدلة في حرمة نفس الأفعال الخارجية ـ دون الأمر القلبي ـ إنما يناسب حرمتها ذاتاً إذا كان المراد بها الحرمة التكليفية، لا الإرشاد لحدود التكليف. فلاحظ.

نعم، قد يستدل على الحرمة الذاتية بجملة من النصوص.

منها: ما ورد في الاستظهار من التعبير بالاحتياط في بعض نصوصه، كموثق فضيل وزرارة عن أحدهما(عليهما السلام): «قال: المستحاضة تكف عن الصلاة أيام أقرائها وتحتاط بيوم أو اثنين...»(1)، وقريب منه خبر الجعفي(2)، وموثقة البصري(3) الآتية.

واستشكل فيه سيدنا المصنف(قدس سره) بأن التحيض في أيام الاستظهار حيث لا يكون مطابقاً للاحتياط المطلق، لمخالفته لاحتمال وجوب العبادة وغيره، فلابد من حمله إما على الاحتياط بلحاظ أهمية حرمة العبادة حال الحيض من وجوبها حال الطهر، فيدل على الحرمة الذاتية، أو على الاحتياط بلحاظ بعض الأحكام، كحرمة الوطء ودخول المساجد وقراءة العزائم، من دون نظر للعبادة، ليدل على حرمتها الذاتية.

قال(قدس سره): «وليس الأول أولى من الثاني، بل الذي يظهر من موثقة البصري: «عن المستحاضة أيطؤها زوجها وهل تطوف بالبيت؟ قال: تقعد أيام أقرائها التي كانت تحيض فيه(4)، فإن كان قرؤها مستقيماً فلتأخذ به، وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين» هو الثاني. مع أن دعوى: كون الحرمة المحتملة أهم غريبة، لأن الظاهر أن ترك الصلاة من أعظم الكبائر. ويحتمل كون وجه التعبير بالاحتياط أنه الموافق للاستصحاب وقاعدة الإمكان... فتأمل».

لكنه يندفع بأنه لا ظهور للموثقة في الثاني، لأن السؤال فيها وإن كان عن الوطء والطواف المستلزم لدخول المسجد الشريف، إلا أنه لا ينافي عموم الاحتياط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) ، (3) الوسائل باب:1 من أبواب الاستحاضة حديث:12، 10، 8.

(4) الوسائل باب:1 من أبواب الاستحاضة حديث:8. لكن فيه: (تقعد قرءها الذي كانت تحيض فيه).

 

ص 9

 فيها لترك الصلاة أيضاً، بل هو الظاهر من التعبير فيها بالقعود المنصرف منه القعود عنها، والذي هو أظهر أحكام الحيض، فيكنى به عن ترتيب جميع أحكامه.

وأظهر منها خبر الجعفي المشار إليه، للتعبير فيه بالقعود من دون سؤال عن شيء من الأحكام، فضلاً عن موثق فضيل وزرارة المتقدم المصرح فيه بالكف عن الصلاة، حيث يقوى ظهوره في إرادة الاحتياط بالكف عنها، لا عن خصوص بقية المحرمات.

 

وأما استغرابه دعوى أهمية الحرمة المحتملة. فهو لو سلم لا أثر له، لأن الأهمية واحتمالها إنما يكونان معياراً في الترجيح عقلاً عند التزاحم بين التكليفين ثبوتاً، لا عند الدوران بين المحذورين إثباتاً، بل المرجع فيه التخيير، على ما حققناه في محله واعترف به(قدس سره) في احتمال الأهمية في أصوله، وإن أصر هنا على الترجيح بالأهمية.

ومن هنا لابد أن يكون الاحتياط ناقصاً بلحاظ أحد الاحتمالين، وإن لم يكن المحتمل أهم، لجهات لحظها الشارع الأقدس.

وأما ما ذكره أخيراً من احتمال كون التعبير بالاحتياط بلحاظ موافقة الاستظهار للاستصحاب وقاعدة الإمكان. فيدفعه أن مفاد الاستصحاب والقاعدة التعبد بالحيضية في تمام العشرة، المناسب لوجوب ترتيب أحكامها، وهو لا يناسب التخيير بين اليوم واليومين، فالمناسب ما ذكرنا من إرادة الاحتياط الناقص. فلاحظ.

نعم، قد يشكل الاستدلال بالنصوص المذكورة.. تارة: بأن الاحتياط إنما يقتضي ترك الأداء، وظاهر نصوص الاستظهار ترتيب أحكام الحيض مطلقاً من دون تدارك.

وأخرى: بأن الاتيان بالصلاة برجاء المطلوبية لا ينافي الاحتياط حتى بناء على الحرمة الذاتية، كما يأتي. فلابد من عدم حمل الاحتياط على المعنى المعروف بيننا، وهو احتياط المكلف في مقام العمل محافظة على الحكم الواقعي، بل على مجرد التوثق لاحتمال الحيض مع ترتيب جميع أحكامه، وإن كانت على خلاف الاحتياط بالمعنى المذكور، لعدم بناء الشارع الأقدس على تكليف المرأة بالاحتياط في أحكام الحيض، بل على التعبد لها بأحد الأمرين ـ من الحيض وعدمه ـ وترتيب جميع أحكامه

ص 10

 فلا تنهض بالاستدلال على الحرمة الذاتية.

لكن الانصاف أن التعبير عن التوثق لاحتمال الحيض بالاحتياط ظاهر في اهتمام الشارع الأقدس بترك الصلاة حال الحيض، الذي هو أظهر أحكامه، فيناسب حرمتها الذاتية، وإن كان الاحتياط ناقصاً أو من سنخ الحكمة في التعبد بجميع أحكام الحيض. فتأمل جيداً.

ومنها: قوله(عليه السلام) في صحيح خلف الوارد في اشتباه دم الحيض بدم العذرة: «فلتتق الله فإن كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر، وليمسك عنها بعلها، وإن كان من العذرة فلتتق الله ولتتوضأ ولتصل ويأتيها بعلها إن أحب ذلك، فقلت له: وكيف لهم أن يعلموا ما هو حتى يفعلوا ما ينبغي...». لظهوره في كون ترك الصلاة حال الحيض مقتضى التقوى.

لكن ذكر سيدنا المصنف(قدس سره) أن الأمر بالتقوى فيه إنما هو بمعنى وجوب الفحص، لا لحرمة الصلاة، ولذا قدمه على الشرطية الأولى. ويشهد به تأخير الأمر به عن الشرطية الثانية التي موضوعها الطهر الذي تكون الصلاة معه واجبة.

وفيه: أن ظاهر الأمر بالتقوى في الفقرتين وإن كان هو تنجز الواقع المجهول المستلزم لوجوب الفحص، ولذا سأل الراوي بعده عن طريق المعرفة، ليعمل بما ينبغي على الوجهين، إلا أن بيان مقتضى التقوى بالنهي عن الصلاة مع الحيض والأمر بها مع الطهر ظاهر في كون الأمر بالإمساك عن الصلاة تكليفياً تابعاً للحيض الواقعي، كالأمر بإمساك الزوج، لا تشريعياً تابعاً للعلم بالحيض، ولا مسوقاً لبيان مجرد عدم وجوب الصلاة مع الحيض، ولذا اشتملت الشرطية الثانية على ترخيص الزوج في الوطء، لا أمره به لبيان الترخيص، لأن ورود الأمر لبيان الترخيص لا يناسب سوقه لبيان مقتضى التقوى، كما لعله ظاهر.

ومنها: ما يظهر منه حرمة الصلاة حال الحدث مطلقاً وإن لم يكن من الحيض،كمعتبرة الفضل عن الرضا(عليه السلام): «قال: إذا حاضت المرأة فلا تصوم

ص 11

ولا تصلي، لأنها في حدّ نجاسة، فأحب الله أن لا يعبد إلا طاهراً. ولأنه لا صوم لمن لا صلاة له»(1). لظهوره في مبغوضية العبادة حال النجاسة التي يراد منها الحدث في المقام، وبعموم التعليل يتعدى لغير الحيض من أسباب الحدث.

وموثق مسعدة ابن صدقة: «أن قائلاً قال لجعفر بن محمد(عليه السلام): جعلت فداك إني أمر بقوم ناصبية وقد أقيمت لهم الصلاة، وأنا على غير وضوء، فإن لم أدخل معهم في الصلاة قالوا ما شاؤوا أن يقولوا، أفأصلي معهم ثم أتوضأ إذا انصرفت وأصلي؟ فقال جعفر بن محمد(عليه السلام): سبحان الله أفما يخاف من يصلي من غير وضوء أن تأخذه الأرض خسفاً؟!»(2) ، وصحيح صفوان عنه(عليه السلام) قال: «أقعد رجل من الأحبار في قبره فقيل له: إنا جالدوك مائة جلدة من عذاب الله عزوجل. فقال: لا أطيقها، فلم يزالوا به حتى انتهوا به إلى جلدة واحدة، فقال: لا أطيقها. فقالوا: ليس منها بدّ، فقال: فيما تجلدونيها؟ قالوا: نجلدك أنك صليت يوماً بغير وضوء ومررت على ضعيف فلم تنصره، فجلدوه جلدة من عذاب الله، فامتلأ قبره ناراً»(3).

لكن قال سيدنا المصنف(قدس سره): «ولعل الظاهر من رواية العلل كون المراد: أحب الله أن يعبد في حال الطهارة، لا أنه كره أن يعبد في غير حال الطهارة، وإلا لدل على عدم فائدة وخصوصية للطهارة، وهو بعيد، ولمثل هذا النحو من التعبير نظائر كثيرة... وأما رواية مسعدة فلا يظن إمكان الالتزام بها في موردها، فإن أدلة التقية مقدمة على غيرها من الأدلة مهما كان لموردها من الأهمية».

وكأن مراده بما ذكره في رواية العلل أن حملها على إرادة قيدية الطهارة في العبادة المحبوبة مستلزم لدخل الطهارة في المحبوبية، فتكون محبوبة بلحاظ فائدتها، أما حملها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل باب:39 من أبواب الحيض حديث:2. وقد رواه عن علل الشرايع وعيون أخبار الرضا(ع). لكن في الأول: (فإن قيل: فلم إذا حاضت المرأة لا تصوم ولا تصلي؟ قيل: لأنها في حدّ نجاسة فأحب الله أن لا تتعبد إلا طاهرة...):271 طبع النجف الأشرف. ونحوه في الثاني، إلا أنه قال: (فإن قال: فلم...) و: (فأحب الله أن لا تعبده إلا طاهراً...) ج2: 115 طبع النجف الأشرف. (منه عفي عنه).

(2) ، (3) الوسائل باب:2 من أبواب الوضوء حديث:1، 2.

 

ص 12

 على إرادة رفعها لمبغوضية العبادة فهو لا يقتضي محبوبيتها، ولا ترتب الفائدة عليها. لكن لم يتضح الوجه في استبعاد الثاني، إذ يكفي في فائدة الطهارة رفعها لمبغوضية العبادة المحبوبة ذاتاً. مع أن الرواية لم ترد للحث على الطهارة، لتناسب خصوصيتها في المحبوبية، بل لبيان امتناع العبادة بدونها، فلا وجه للخروج عن ظاهر التركيب من كون المحبوب ترك العبادة حال الحدث المستلزم لمبغوضيتها حاله.

ودعوى: عدم ظهور المحبوبية في الإلزام. مدفوعة بأن ذلك لو سلم في سائر الموارد لا مجال له في المقام، لأن الحكم المعلل إلزامي.

كما أن ما ذكره(قدس سره) من منافاة موثق مسعدة لأدلة التقية ممنوع، لعدم الإشعار فيه بتعذر الوضوء للصلاة معهم، فضلاً عن الظهور. ولعل سؤال السائل عن الصلاة معهم بدون الوضوء لأنها أسهل عليه، خصوصاً مع قرب عزمه على الإعادة على كل حال، الذي لا يبعد عمل كثير من الشيعة عليه بعد الصلاة مع المخالفين. ومن يظهر الإشكال فيما يظهر من الوسائل من حرمة الصلاة بدون الوضوء حتى مع التقية. فتأمل. على أنه يشكل رفع اليد عن الكبرى بمجرد منافاة تطبيقها للتقية.

وأما صحيح صفوان فلم يتعرض(قدس سره) للاستدلال به. فإن كان لأجل وروده في أهل شريعة أخرى، أشكل بظهور حال المعصومين(عليهم السلام) في أن نقلهم لثواب أهل الشرايع السابقة وعقابهم بداعي الترغيب والترهيب، لا لمحض بيان قضية خارجية لا يراد ترتب العمل عليها. على أنه قد يتمسك بأصالة عدم النسخ على كلام محرر في الاستصحاب.

ومن جميع ماتقدم يظهر وفاء النصوص بالحرمة الذاتية،فيتعين البناء عليها.

ثم إنه يتجه لأجل النصوص الأخيرة عموم الحرمة الذاتية لما إذا طهرت المرأة من الحيض ولم تغتسل، لعدم خروجها بذلك عن الحدث، الذي يستفاد من النصوص المذكورة أنه المعيار في الحرمة. ولا مجال معه لما في الجواهر من إمكان الفرق واختصاص الحرمة الذاتية بحال الحيض، بل هو الذي جزم به الفقيه الهمداني(قدس سره).

ص 13

 وكأنه مبني على إغفال هذه النصوص والنظر لخصوص ما ورد في الحائض، الذي لا إشكال في قصوره عن حال انقطاع الحيض وبقاء حدثه.

كما أن الظاهر اختصاص الحرمة الذاتية بالصلاة دون بقية العبادات المحرمة على الحائض، لأنها المنصرف من القعود في نصوص الاستظهار ومورد بقية النصوص.

نعم، قد تضمنت رواية الفضل إطلاق النهي عن العبادة. إلا أنه لا يبعد كون المراد بها خصوص الصلاة، ولذا احتيج لتعليل حرمة الصوم فيها بأنه لا صوم لمن لا صلاة له. واحتمال كونه تعليلاً ثانياً في الصوم مع عموم التعليل الأول له، لعموم العبادة لغير الصلاة، لو لم يكن خلاف الظاهر فلا أقل من عدم بلوغه مرتبة الظهور، حيث يمنع التعليل المذكور من انعقاد ظهور العبادة في العموم.

بل لا يبعد كون إطلاق العبادة على مطلق ما يعتبر فيه قصد القربة إنما شاع في ألسنة الفقهاء مع كون المراد بها في عصر صدور الروايات خصوص الصلاة وما يسانخها، كما يناسبه تطبيقها في بعض نصوص كراهة الاستعانة في الوضوء على الصلاة،دون الوضوء كقوله(عليه السلام): «أما سمعت الله عزوجل يقول: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) وها أنا ذا أتوضأ للصلاة وهي العبادة، فأكره أن يشرکني فيها أحد»(1) وغيره.

بقي الكلام في ثمرة الحرمة الذاتية.

وظاهر غير واحد أنها تظهر في تعذر الاحتياط لها لو شكت في الحيض، لدوران الأمر بين محذورين، بخلاف ما لو كانت تشريعية محضة، حيث يتيسر لها الاحتياط بالإتيان بالعبادة برجاء المطلوبية، لعدم التشريع معه، بل ذكر شيخنا الأعظم(قدس سره) أن ما ذكره جماعة، بل ادعي عليه الاتفاق من حسن الاحتياط للمضطربة مؤيد لكون الحرمة تشريعية محضة، ثم قال: «وتتبع كلمات الفقهاء يشرف الفقيه على القطع بما ذكرنا».

وفي الجواهر بعد تقريب كون الحرمة ذاتية قال: «وعليه بني ردّ ما يذكر في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل باب:47 من أبواب الوضوء حديث:1.

 

ص 14

بعض المقامات من الاحتياط لها بفعل العبادة بأنه معارض بمثله، لكون الترك بالنسبة إليها عزيمة». وقريب منه ما ذكره الفقيه الهمداني(قدس سره).

لكن من الظاهر أن الصلاة مثلاً لا تصدق على نفس الأفعال الخارجية بما هي هي، بل لابد فيه من قصد عنوان الصلاة بها. وحينئذٍ إن كان الإتيان بها برجاء المطلوبية راجعاً إلى الجزم بكونها صلاة مع احتمال الامتثال بها ـ نظير الكون في المسجد برجاء المطلوبية ـ اتجه تحريمها مع مصادفة الحيض بناء على الحرمة الذاتية، فيخالف الاحتياط، كما ذكر في تقريب الثمرة.

أما إذا كان راجعاً إلى قصد عنوان الصلاة بها معلقاً على عدم الحيض وعلى ثبوت الأمر بها، وأنها مع عدمهما ليست بصلاة ـ نظير الطلاق عند الشك في الزوجية ـ فلا وجه للتحريم مع مصادفة الحيض، حتى بناء على الحرمة الذاتية، لعدم تحقق موضوعها، وهو الصلاة. والظاهر إمكان الثاني، لأن عنوان الصلاة لما كان قصدياً كان قابلاً للتعليق، كعنوان الامتثال القابل للتعليق على وجود الأمر.

كما أن الظاهر ابتناء الاحتياط على ذلك في الصلاة وكثير من الأمور القصدية، كالصوم والوضوء، وليس هو كالاحتياط بقراءة القرآن برجاء المطلوبية، حيث يبتني غالباً على الجزم بكونها قراءة للقرآن مع اختصاص التعليق بالامتثال. وحينئذٍ لا تتم الثمرة المذكورة.

إن قلت: بعض أدلة الحرمة الذاتية تقتضي عموم الحرمة لحال الاحتياط، فإن نصوص الاستظهار حيث تضمنت أن الاحتياط بترك الصلاة مع الشك في الحيض دلت على مخالفة الصلاة للاحتياط ولو برجاء المطلوبية من جهة احتمال الحرمة، وإلا لكان الاحتياط بفعلها معه. وكذا صحيح خلف بن حماد، إذ لو تيسر لها الاحتياط بالصلاة لاحتمال كون الدم من العذرة ـ كما أفتى به فقهاء العامة ـ لم يكن الفحص لازماً، ولم يكن ترك الصلاة مع الحيض مقتضى التقوى، بل الحكم بحرمة الصلاة مع الحيض الواقعي قد يكون تعريضاً بالعامة وردعاً عما أفتوا به من الاحتياط لها بالصلاة برجاء عدم الحيض. بل قد يستفاد من موثقة مسعدة بن صدقة حرمة الإتيان لغير

 

ص 15

 المتوضئ حتى بصورة الصلاة من دون نية أصلاً، إذ لولا ذلك لكان المناسب التنبيه عليه، لتأدي التقية به.

قلت: ذكرنا آنفاً أنه لا يراد بالاحتياط في نصوص الاستظهار احتياط المكلف لإصابة الحكم الواقعي، بل التوثق لاحتمال الحيض مع التعبد بتمام أحكامه حتى ما خالف منها الاحتياط، لعدم بناء الشارع الأقدس على إرجاع المرأة للاحتياط. بل على التعبد بأحد الأمرين، فلا ينافي جواز الاحتياط لها لتحصيل الواقع المحتمل بالصلاة برجاء المطلوبية.

كما أن صحيح خلف لم يتضمن الأمر بالفحص، وإنما تضمن تنجز أحكام الواقع المردد بين الحيض والطهر، وهو يقتضي التخيير بين الاحتياط والفحص، في مقابل الاقتصار على إحدى الوظيفتين من دون فحص، لا تعين الفحص والمنع من الاحتياط.

نعم، لو أشير في السؤال لفتوى فقهاء العامة بالاحتياط لكان جواب الإمام(عليه السلام) ظاهراً في الردع عنه، وحيث لم يشر إليه فيه فلا مجال لاستفادة الردع عنه في مورد الحديث ـ كما أشرنا إليه في أواخر المسألة الأولى ـ فضلاً عن غيره من موارد الشك في الحيض.

وأما موثقة مسعدة فعدم التنبيه فيها للإتيان بصورة الصلاة من دون نية لا يدل على حرمته من دون وضوء، كيف ولا يظن بأحد الالتزام بذلك، بل لعله لخروجه عن مفروض كلام السائل، أو لكونه بنفسه مرجوحاً ولو مع الوضوء، كما يشهد به صحيح زرارة: «قلت لأبي جعفر(عليه السلام): رجل دخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة وأحدث إمامهم فأخذ بيد ذلك الرجل فقدمه، فصلى بهم، أتجزيهم صلاتهم بصلاته وهو لا ينويها صلاة؟ فقال: لا ينبغي للرجل أن يدخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة، بل ينبغي له أن ينويها [صلاة] وإن كان قد صلى، فإن له صلاة أخرى، وإلا فلا يدخل معهم. وقد تجزي عن القوم صلاتهم وإن لم ينوها»(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل باب:39 من أبواب صلاة الجماعة حديث:1.

 

ص 16

ومن هنا كان الظاهر عدم نهوض النصوص بحرمة الصلاة برجاء عدم الحيض إذا رجع إلى تعليق قصد الصلاة على عدم الحيض،بحيث لا تكون معه صلاة،بل صورة صلاة.

وأما ما سبق من الجواهر من ردهم ما يذكر في بعض المقامات من الاحتياط بفعل العبادة بأنه معارض بمثله. فلعل جملة مما ذكروا رد لرد الاستدلال بالاحتياط على لزوم الاقتصار على المتيقن في التحيض مع البناء فيما زاد عليه على الطهر، فيؤتى معه بالصلاة تعبداً بشرعيتها، لا برجاء مشروعيتها.

كما أن كون ترك الصلاة للحائض عزيمة إنما هو بمعنى عدم مشروعيتها لها في مقابل مشروعيتها من دون وجوب، كمشروعية الصوم للذين يطيقونه، فلا يدل على الحرمة الذاتية، فضلاً عن تعذر الاحتياط على تقديرها. ومن هنا لا مجال لتوجيه الثمرة بما سبق.

وقد ذكر سيدنا المصنف(قدس سره) وجهاً آخر للثمرة، وهو أنه بناء على الحرمة الذاتية تحرم العبادة على الحائض مطلقاً، سواء جيء بها بقصد الأمر أم بداعي أنها عبادة بالذات من دون قصده، أما على عدمها وتمحض الحرمة التشريعية فلا تحرم إلا إذا جيء بها بقصد الأمر المستلزم للتشريع. وقد دفعه(قدس سره) بأن الثمرة المذكورة موقوفة على القول بثبوت العبادة الذاتية، والتحقيق عدمه واختصاص منشأ انتزاع العبادية بالأمر بلحاظ كشفه عن ثبوت ملاك المحبوبية، وقصده مستلزم للتشريع مطلقاً على ما أوضحه(قدس سره) وأطال الكلام فيه. فراجع.

والذي ذكرناه في محله من مبحث التعبدي والتوصلي أن العبادة هي كون الشخص في منتهى الخضوع للمعبود، بحيث يكون فانياً فيه. ولذلك مظهران: ذاتي، وهو إطاعة أوامره ونواهيه على نحو الانقياد له، ومقربيتها ذاتية. وعرفي، وهو الإتيان بأمور تبانى العرف على كونها مظهراً للخضوع والفناء، كالركوع والسجود والتقديس ونحوها. وهو بطبعه يقتضي التقرب بلا حاجة إلى الأمر به ما لم يردع عنه

ص 17

ويحرم عليها جميع ما يحرم على الجنب مما تقدم(1).

(مسألة16): يحرم وطؤها في القبل عليها وعلى الفاعل(2)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 كسائر الأمور العرفية القابلة للردع. فإن كان مرجع الردع إلى مجرد عدم صلوحه لأن يعبد المولى به كان النهي وضعياً موجباً لانسلاخ عنوان العبادة عنه، وإن كان مرجعه إلى النهي عن أداء العبادة به من دون ردع عما عليه العرف من كونه مظهراً لها كان النهي تكليفياً.

وكيف كان، فالعبادة بالمعنى المذكور لا تحرم على الحائض لا تشريعاً ولا ذاتاً، وإنما المحرم خصوص الصلاة بما هي ماهية خاصة مخترعة للشارع وعباديتها ليست ذاتية، ولا عرفية، بل متقومة بالتعبد بأمرها، فمع إتيان الحائض بها بقصد أمرها تحرم مطلقاً، سواءً كانت الحرمة ذاتية أم تشريعية.

ومن هناكان الظاهرانحصار الثمرة في أنه مع الاتيان بالعبادة للبناء على عدم الحيض خطأ لاتكون محرمة واقعاً بناء على تمحض الحرمة في التشريعية، لعدم التشريع، وتكـون محرمة بناء على كونها ذاتية، فيستحق عليها العقاب لو كان البناء على عدم الحيض لتقصير في مقدماته ولو مع الغفلة حين العمل. فلاحظ.

(1) كما تقدم في أول الفصل، وتقدم الإشكال في مشاركتها للجنب في حرمة مس اسمه تعالى. كما تقدم في أحكام الجنب الإشكال في مشاركتها للجنب في لزوم التيمم للخروج من المسجد الحرام ومسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

(2) أما تحريمه على الفاعل فهو المدعى عليه الإجماع من جماعة كثيرة جداً، وجملة منهم ادعوا عليه إجماع العلماء، بل في المسالك والروض وكشف اللثام والجواهر وطهارة شيخنا الأعظم وعن جماعة أنه من ضروريات الدين التي يكفر مستحلها من دون شبهة.

ويقتضيه قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في

ص 18

المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فاتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين(1)، والنصوص الكثيرة المتجاوزة حد التواتر، والتي يظهر من جملة كثيرة منها المفروغية عن أصل الحكم، حيث وردت في فروعه، كتعيين وظيفة المستحاضة، وما يحل للزوج من الحائض وكفارة الوطء، وتعزيره وغير ذلك.

هذا، وقد صرح جملة من الأصحاب بعموم الحكم للزوج والسيد. وهو الذي يقتضيه إطلاق الآية الشريفة وجملة من النصوص، بل كثير منها صريح في الزوج وبعضها صريح في السيد، كحديث عبد الملك بن عمرو أو موثق عبد الكريم بن عمرو: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل أتى جاريته وهي طامث. قال: يستغفر ربه...»(2) ويأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى عند الكلام في وجوب الكفارة.

بل المناسبات الارتكازية تقضي بعدم خصوصية كل منهما وعموم الحكم حتى المزني بها كما صرح به بعضهم، فتتأكد الحرمة مع حيضها، كما لعله مقتضى إطلاق الآية الشريفة، حيث لا يبعد عدم صلوح قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) للمنع من انعقاد الإطلاق في الصدر بنحو يشمل من يحرم وطؤها، ولذا لا يظن من أحد دعوى منعه من شموله للمحلوف على ترك وطئها. ولو صلح لذلك كفى عموم التعليل بأنه أذى في استفادة العموم.

وأما تحريمه عليها بمعنى عدم جواز تمكينها فهو المصرح به في الغنية والمراسم والوسيلة وجامع المقاصد والروض وغيرها. وقد يظهر من تصريح جملة من الأصحاب بعدم ثبوت الكفارة عليها المفروغية عنه وربما كان ما في المقنعة من وجوب إعلام المرأة الرجل بحيضها يبتني على ذلك. ولعله لذا كان ظاهر الغنية دعوى الإجماع عليه، بل صريح الجواهر أنها كالرجل في الإجماع والضرورة.

وقد استدل عليه في جامع المقاصد بقوله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة :222.

(2) الوسائل باب:28من أبواب الحيض حديث:2.لكن الموجود في الطبعة الحديثةمضطرب السند.

 

ص 19

 والعدوان)(1).

ويشكل بأن التعاون على الشيء إنما يكون بالاشتراك فيه، كالتعاون على غلق الباب ورفع الحجر، بنحو لا يصلح نسبة الفعل إلى واحد بعينه، وهو غير حاصل في المقام، لأن الأدلة إنما تضمنت حرمة الوطء الذي هو فعل الزوج، وليس التمكين إلا مقدمة اعدادية له، فلا يصدق عليه إلا الإعانة، ولا دليل على عموم حرمتها.

نعم، لو استلزمت الاعانة التشجيع على الحرام حرمت، لفحوى ما دل على وجوب النهي عن المنكر. وكذا يحرم الإكراه عليه، وإن كان المكره معذوراً، على ما ذكرناه في محله. لكنه لا ينفع مع غفلة الزوج أو نحوها مما يكون معه معذوراً وغير مجبور. ولعله لذا حكي عن بعضهم احتمال جواز التمكين حينئذٍ، وفي المستند أن عموم حرمة التمكين غير معلوم بعد أن كان الدليل عليه حرمة الإعانة على الإثم.

ومن هنا استدل عليه سيدنا المصنف بخبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام): «سألته عن الرجل يطلق امرأته متى تبين منه؟ قال: حين يطلع الدم من الحيضة الثالثة تملك نفسها. قلت: فلها أن تتزوج في تلك الحال؟ قال: نعم، ولكن لا تمكن من نفسها حتى تطهر من الدم»(2). ودلالته وإن كان وافية إلا أن سنده محتمل للإرسال، حيث رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن بعض أصحابه أظنه محمد ابن عبد الله بن هلال أو علي بن الحكم عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم.

لكن لا يبعد ظهوره في أن المظنون هو كون الراوي محمد بن عبد الله والموهوم كونه علي بن الحكم مع الجزم برواية أحد الرجلين له، لا أن المظنون كون الراوي أحد الرجلين مع احتمال كونه شخصاً ثالثاً، ليكون مرسلاً. وحيث كان محمد بن عبد الله من رجال كامل الزيارة وعلي بن الحكم ثقة، كبقية رجال السند، كان الاعتماد عليه قريباً جداً.

مضافاً إلى تأيده بمعتبرة إسماعيل بن الفضل: «سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة: 2.

(2) الوسائل باب:16 من أبواب العدد من كتاب الطلاق حديث:1.

 

ص 20

بل قيل: انه من الكبائر(1). بل الأحوط وجوباً ترك إدخال بعض الحشفة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 رجل أتى أهله وهي حائض. قال: يستغفر الله ولا يعود. قلت: فعليه أدب؟ قال: نعم، خمسة وعشرون سوطاً ربع حد الزاني وهو صاغر، لأنه أتى سفاحاً»(1)، ونحوه خبر محمد بن مسلم(2)، لظهورهما في كون الحرمة من سنخ حرمة السفاح التي يشترك فيها الرجل والمرأة.

كماقـد يستفادمن قوله(عليه السلام) في صحيح خلف المتقدم:«فلتتق الله،فإن كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة وليمسك عنها بعلها...»(3)، حيث لا يبعد ظهوره في كون إمساك بعلها عنها مقتضى تقواها لله تعالى.

وكذا ما تضمن أن المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها، أو أنها تستظهر ثم يأتيها بعلها، لظهوره في أن حرمة وطء الزوج لها من أحكامها التي لأجلها يجب عليها طريقياً الرجوع للوظيفة الظاهرية في الحيض، لا من الأحكام المختصة بالزوج التي يجب عليه فقط الرجوع فيها للوظيفة الظاهرية، ولو كانت هي اختيارها.

ولعله بلحاظ ذلك أو نحوه قال سيدنا المصنف(قدس سره) بعد ذكر خبر محمد ابن مسلم الأول: «وربما يستفاد من غيره بعد سبر النصوص. ولا سيما بملاحظة مرتكزات المتشرعة من بنائهم على حرمته عليها ذاتاً، لا من باب المعاونة».

(1) كما في كشف اللثام. وهو الظاهر ممن حكم بكونه موجباً للفسق، كما في التذكرة وعن جماعة، بل نفى الريب فيه في المدارك، ونفى الإشكال فيه في الجواهر، لما تقدم في المسألة الثامنة والشعرين من مباحث التقليد من أن ظاهر الأصحاب ـ كما هو صريح جملة منهم ـ عدم قدح الصغائر في العدالة.

هذا، وقد تقدم في المسألة المذكورة أن المعيار في كون الذنب من الكبائر عده منها في النصوص، أو ورود الوعيد عليه بالنار في الكتاب المجيد والسنة الشريفة، أو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل كتاب الحدود والتعزيرات باب:13 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات حديث: 2، 1.

(3) الوسائل باب:2 من أبواب الحيض حديث:1.

 

ص 21

أيضاً(1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 كونه أكبر أو مساوياً لبعض أفراد أحد القسمين، والكل غير ثابت في المقام.

نعم، قد يستفاد من معتبرة إسماعيل بن الفضل المتقدمة وخبر محمد بن مسلم أنه من سنخ السفاح الذي هو من الكبائر.

لكنه يشكل: بأن مقتضى تحديد تعزيره بأنه ربع حد الزاني كون حرمته بمرتبة ضعيفة بالإضافة إلى السفاح وإن كانت من سنخها،ومن الظاهر أن مقتضى ما تضمن عدّ الزنا من الكبائر إرادة الزنا ذي الحرمـة التامة، لا مطلق ما كان مسانخاً له موضوعاً أو حكماً وإن لم يبلغ مرتبته. ولبعض ما ذكرنا تنظر فيه في المستند.

(1) ففي الجواهر أنه قد يظهر من كاشف الغطاء تعميم وجوب الكفارة لإدخال بعض الحشفة وقد استدل سيدنا المصنف(قدس سره) لعموم التحريم له بما تضمن النهي عن الإيقاب والأمر باتقاء موضع الدم والفرج والقبل ونحوها مما يشمل بإطلاقه إدخال بعض الحشفة. قال:«واعتبار التقاء الختانين في وجوب الغسل للجنابة لايوجب تقييد ماذكر».

لكن ما تضمن النهي عن الإيقاب هو صحيح عمر بن يزيد: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين إليتيها ولا يوقب»(1) ، وهو ظاهر في الإيقاب في الدبر، لظهوره في الاستثناء مما بين الإليتين، ولأنه المحتاج للبيان، أما الإيقاب في القبل فوضوح تحريمه لأنه المتيقن من جميع الأدلة يغني عن التنبيه له، كما لامناسبة لذكره بعد تحليل ما بين الإليتين.

ولزوم رفع اليد عنه لما دل على انحصار الحرمة بالقبل ـ لو تم ـ لا يكون بحمله على الإيقاب في القبل، بل بحمله على شدة الكراهة. على أنه لو حمل على الإيقاب في القبل فوضوح حرمته قرينة على عدم كون ذكره لبيان تحريمه ليكون له إطلاق يشمل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل باب:25 من أبواب الحيض حديث: 8.

 

ص 22

وأما وطؤها في الدبر فالأحوط وجوباً تركه(1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 إدخال بعض الحشفة، بل للتأكيد على اجتنابه مع المفروغية عن تحريمه، فلا يكون له إطلاق من هذه الجهة.

ومنه يظهرالحال فيما تضمن اتقاء موضع الدم أو القبل أو الفرج، كيف ولو كان له إطلاق لكان اللازم حرمة مسه من دون إدخال أصلاً، ولا يظن منهم البناء عليه أو فهمه من الأدلة. على أن ظاهر جملة مما تضمن ذلك إرادة الحرمة من حيثية الموضع من جسد المرأة من دون نظر لكيفية المباشرة، ليشمل بإطلاقه المس أو إدخال بعض الحشفة،كماينـاسبه وروده فيه جواباً عن السؤال عمايحل للرجل من الحائض،الظاهر في إرادة ما يحل من جسدها، لا من مباشرتها.

فيتجه الاقتصار في المباشرة على المتيقن وهو إدخال تمام الحشفة، لأنه المعهود منها عرفاً، بل شرعاً، لكونه سبب الجنابة التي هي أظهر آثار المباشرة، مؤيداً بظهور نصوص دية قطع الذكر في كون الحشفة هي المعيار في أدائه لوظيفته، لجعل قطعها معياراً في ثبوت الدية كاملة(1). فتأمل جيداً.

(1) كأنه لدعوى دخوله في إطلاق الاعتزال في الآية الشريفة، وإطلاق الفرج المستثنى مما للرجل من الحائض في جملة من النصوص الآتي بعضها. لكن سبق في مسألة الوطء في الدبر من مباحث الجنابة الإشكال في عموم الفرج للدبر، ولا سيما في المورد، لأن المناسب للحيض المنع عن موضعه لا غير.

بل في صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام): «في الرجل يأتي المرأة فيما دون الفرج وهي حائض. قال: لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع»(2). فإن السؤال فيه وإن كان عن إتيانها فيما دون الفرج، إلا أن قوله(عليه السلام):«إذا اجتنب ذلك الموضع» ظاهر في انحصار الحرمة بموضع واحد معهود، وليس هو إلا القبل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوسائل باب:1 من أبواب ديات الأعضاء.

(2) الوسائل باب:25 من أبواب الحيض حديث:6.

 

ص 23

وبه يخرج عن إطلاق الاعتزال في الآية الشريفة لو تم شموله للوطء في الدبر ولم ينصرف لخصوص الوطء في القبل، لمناسبة الحيض، وللتعليل بأنه أذى، ولا سيما مع معلومية عدم إرادة معناه الحقيقي المقابل لمطلق الاتصال والملامسة.

وأظهر منه في ذلك مرسل ابن بكير عنه(عليه السلام): «قال: إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضع الدم»(1)، وحديث عبدالملك بن عمرو:«سألت أبا عبد الله(عليه السلام)ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ فقال: كل شيء ما عدا القبل منها بعينه»(2). وإن أشكل الأول بالإرسال، والثاني بعدم النص على وثاقة عبدالملك، غاية ما ورد فيه أنه روى هو عن الصادق(عليه السلام) أنه يدعو له دعاء مهتم به(3)، وحجية الرواية فرع وثاقته.

فالعمدة في الجواز صحيح هشام بن سالم مؤيداً بالخبرين المذكورين. ولذا صرح بعضهم بالجواز، بل هو ظاهر جملة من الأصحاب، حيث خصوا التحريم بموضع الدم، وفي الجواهر: «على المشهور في الجملة شهرة كادت تكون إجماعاً»، بل ظاهر التبيان ومجمع البيان الإجماع على اختصاص التحريم بموضع الدم، وفي الجواهر أنه ادعى هنا الإجماع المركب على عدم الفصل بين الدبر وغيره مما بين السرة والركبة عدا القبل.

نعم، سبق ظهور صحيح عمر بن يزيد في النهي عن الوطء في الدبر. وحمله على الوطء في القبل بقرينة ما سبق بعيد. فلابد إما من حمله على الكراهة محافظة على ما تضمن انحصار الحرمة بالوطء في القبل، أو إبقائه على ظهوره في الحرمة مع حمل الحصر المذكور على الحصر الإضافي في قبال الاستمتاع بظاهر الجسد، لانصراف الأسئلة إليه بعد كون الوطء في الدبر أمراً مغفولاً عنه غير متعارف ولا معهود والأول أنسب بملاحظة المناسبة الارتكازية بين الحكم والموضوع وبالنظر لما سبق من الأصحاب. وإن كان الأمر غير خال عن الإشكال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل باب:25 من أبواب الحيض حديث: 5، 1.

(3) رجال الكشي:332 طبعة النجف الأشرف.

 

ص 24

ولا بأس بالاستمتاع بغير ذلك(1)، وإن كره بما تحت المئزر مما بين السرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) هذا في الجملة مما لا إشكال فيه، فلا يجب اعتزالها رأساً إجماعاً بيننا قد استفاضت دعواه في كلماتهم، بل في جملة منها أنه إجماعي بين المسلمين وأنه لا خلاف في جواز الاستمتاع بها فوق المئزر.

والنصوص به متظافرة قد تقدم بعضها ويأتي بعضها. ولأجل ذلك يلزم حمل الاعتزال في الآية الشريفة على الكناية عن تـرك الوطء في القبل أو مطلقاً، لا على المعنى الحقيقي، لاستلزامه تخصيص الأكثر. وأما حمل المحيض فيها على موضع الحيض ـ كما ذكره جماعة ـ فهو مخالف لظاهر الآية جداً، بل ظاهرها أنه مصدر ميمي بمعنى الحيض، لأنه الذي يسأل عنه ويجهل حكمه، والمناسب للوصف بالأذى، ولجعله ظرفاً للاعتزال،لا متعلقاً له.كما أن ما قد يظهر من المنتهى من التفكيك بين صدرها وذيلها،بحمل المحيض في الأول على الحيض والثاني على موضعه، بعيد جداً.

هذا، وفي صحيح عبد الرحمن أو موثقه: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل ما يحل له من الطامث؟ قال: لا شيء حتى تطهر»(1). لكنه لا ينهض في قبال ما سبق. وربما حمل على خصوص الوطء في القبل أو مطلقاً. وهو بعيد، لاستبعاد السؤال عنه بعد كون تحريمه متيقناً من الآية وغيرها، كما أنه لا يناسب التركيب اللفظي للكلام. ومثله حمله على التقية، لما سبق من دعوى اتفاق المسلمين على جواز الاستمتاع في الجملة. ومن هنا كان الأقرب حمله على الكراهة.

ومثله في ذلك موثق حجاج الخشاب: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الحائض والنفساء ما يحل لزوجها منها؟ قال: تلبس درعاً ثم تضطجع معه»(2)، فإن الدرع هو القميص على ما ذكره غير واحد من اللغويين. ولعله لذا أطلق في اللمعة كراهة الاستمتاع بغير القبل، وإن ذكر في الروضة أن المعروف من مذهب الأصحاب كراهة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل باب:24 من أبواب الحيض حديث:12.

(2) الوسائل باب:26 من أبواب الحيض حديث:3.

 

ص 25

والركبة(1)، بل الأحوط استحباباً الترك.

وإذا نقت من الدم جاز وطؤها وإن لم تغتسل(2)، ولا يجب غسل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ما بين السرة والركبة لا غير.

(1) ولا يحرم على المعروف من مذهب الأصحاب، ونسبه في المعتبر لجمهورهم، وفي التذكرة وجامع المقاصد والروض ومحكي المختلف وغيره إلى المشهور، وفي المنتهى إلى أكثر علمائنا،بل صريح الخلاف الإجماع عليه،كما هوظاهر ماسبق من التبيان ومجمع البيان. وعن المرتضى التحريم.

واستدل له بصحيح الحلبي: «أنه سأل أبا عبد الله(عليه السلام) عن الحائض وما يحل لزوجها منها. قال: تتزر بأزار إلى الركبتين وتخرج سرتها، ثم له ما فوق الأزار»(1)، وقريب منه موثق أبي بصير(2).

لكن لابد من حملهما على الكراهة، للنصوص المتضمنة انحصار التحريم بالقبل ـ وقد تقدمت ـ والمتضمنة انحصاره بالفرج، كموثق معاوية بن عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام): «سألته عن الحائض ما يحل لزوجها منها؟ قال: ما دون الفرج»(3)، وغيره(4)، وصحيح عمر بن يزيد المتقدم المصرح بتحليل ما بين الإليتين، ومعتبرة عمر بن حنظلة: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين الفخذين»(5)، ولذا كان المعروف بين الأصحاب الكراهة.

بل قرب في الحدائق حمل الموثقين على التقية، لأن العامة بين قائل بالحرمة وقائل بالكراهة. لكن لا مجال له بعد كون الكراهة مقتضى الجمع العرفي.

(2) كما هو المعروف من مذهب الأصحاب المدعى عليه الإجماع صريحاً في الانتصار والخلاف والغنية، وظاهراً في التبيان والسرائر ومجمع البيان وكشف اللثام ومحكي أحكام الراوندي، وعن شرح المفاتيح أنه لا قائل بالتحريم من الشيعة. لكن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل باب:26 من أبواب الحيض حديث:1، 2.

(3) ، (4) ، (5) الوسائل باب:25 من أبواب الحيض حديث:2، 3، 4، 9، 7.

 

ص 26

نسب للمشهور في التذكرة وجامع المقاصد ومحكي المختلف وغيره، وللأشهر في الروض ومحكي الذكرى، وللأكثر في المنتهى.

وقد نسبوا الخلاف للصدوق، وكأنه لقوله في الفقيه: «ولا يجوز مجامعة المرأة في حيضها، لأن الله عزوجل نهى عن ذلك فقال: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) يعني: بذلك الغسل من الحيض، ونحوه في المقنع والهداية. إلا أنه صرح بعد ذلك في الفقيه والمقنع بالاكتفاء بغسل الفرج مع شبق الزوج، وفي الهداية بالاكتفاء به مع استعجاله. وهو يناسب حمل التعميم لما بعد الطهر قبل الغسل على الكراهة، حيث يبعد جداً ارتفاع التحريم بالشبق والاستعجال.

فما في محكي المختلف من نسبة المنع له إلا أن تغلبه الشهوة فيأمرها بغسل فرجها ويطؤها، بعيد. وأشكل منه ما في كلام غيره من نسبة المنع إليه من دون تنبيه إلى الاستثناء، مع تصريحه به.

وكيف كان، فيدل على الجواز جملة من النصوص، كموثق علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام): «سألته عن الحائض ترى الطهر أيقع فيها [عليها.يب. بها.صا] زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا بأس، وبعد الغسل أحب إلي»(1)، وموثق عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله(عليه السلام) أو عن بعض أصحابنا عن علي بن يقطين عنه(عليه السلام)(2) «قال: إذا انقطع الدم ولم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء»(3)، ومرسل عبد الله بن المغيرة عن العبد الصالح(عليه السلام): «في المرأة إذا طهرت من الحيض ولم تمس الماء فلا يقع عليها زوجها حتى تغتسل، وإن فعل فلا بأس به. قال: تمس الماء أحب إلي»(4).

نعم، في موثق أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام): سألته عن المرأة كانت طامثاً فرأت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) الوسائل باب:27 من أبواب الحيض حديث:5.

(2) فقد رواه بالوجه الأول في الاستبصار، وبالثاني في التهذيب، فيكون مرسلاً. لكنه لا يخلو عن بعد، لأن عبدالله بن بكير أعلى من علي بن يقطين طبقة، فكيف يروي عنه بواسطة، ولا سيما مع ما ذكره النجاشي من أن أصحابنا ذكروا أنه لم يرو علي بن يقطين عن الصادق(ع) إلا حديثاً واحداً. (منه عفي عنه).

(3) ، (4) الوسائل باب:27 من أبواب الحيض حديث:3 ، 4.

 

ص 27

 الطهر أيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا حتى تغتسل. قال: وسألته عن امرأة حاضت في السفر ثم طهرت فلم تجد ماء يوماً أو اثنين أيحل لزوجها أن يجامعها قبل أن تغتسل؟ لا يصلح حتى تغتسل»(1)، وفي موثق سعيد بن يسار عنه(عليه السلام): «قلت له: المرأة تحرم عليها الصلاة ثم تطهر فتتوضأ من غير أن تغتسل، أفلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال: لا حتى تغتسل»(2)، وقريب منهما ما يدل على اعتبار التيمم عند عدم الماء وغيره مما يأتي.

لكن يتعين حملها على الكراهة التي يدل عليها بعض نصوص الجواز. وربما حملت على التقية، لموافقتها للمشهور بين العامة، بل لم ينقل القول بالجواز مطلقاً عنهم، وإنما حكي عن أبي حنيفة الجواز مع انقطاع الدم على أكثر الحيض. وهو وإن كان قريباً إلا أن مقتضى الجمع العرفي الأول. على أنه لا أثر له بعد ظهور بعض نصوص الجواز في الكراهة.

وأما الجمع بين الطائفتين بالتفصيل بين شبق الزوج وعدمه ـ كما سبق عن المختلف حكايته عن الصدوق ـ لصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام): «في المرأة ينقطع عنها الدم دم الحيض في آخر أيامها. قال: إذا أصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغسل فرجها ثم يمسها إن شاء قبل أن تغتسل»(3). فهو بعيد جداً، لما أشرنا إليه من بعد ارتفاع التحريم بالشبق، خصوصاً مع إمكان سد الحاجة بالتفخيذ ونحوه، فجعله دليلاً على الكراهة أنسب. ولا سيما مع إباء قوله(عليه السلام) في حديث ابن بكير: «إن شاء» عن الحمل المذكور. فلا مخرج عما ذكره الأصحاب.

هذا، وأما الآية الشريفة فعلى قراءة: «يطهرن» بالتشديد يتطابق الصدر والذيل في الدلالة على النهي عن الوطء قبل الغسل. ويتعين حمله على الكراهة، لما تقدم من النصوص. ويختص بالتحريم قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض). وهو المناسب للتعليل بالأذى المختص ارتكازاً بالحيض. ولا مانع من التفكيك بينه وبين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) ، (3) الوسائل باب:27 من أبواب الحيض حديث:6، 7، 1.

 

ص 28

ما بعده في الإلزام بعد أن كانا جملتين مختلفتي الموضوع.

وعلى قراءته بالتخفيف يكون مقتضى مفهوم الغاية في الصدر عدم النهي عن الوطء قبل الغسل، ومقتضى مفهوم الشرط في الذيل النهي عنه. وما في الروض من أن الطهر بالتخفيف حقيقة شرعية في الطهارات الثلاث، وهي مقدمة على الحقيقة اللغوية. كما ترى، لأن الذي يطلق على الطهارات الثلاث هو الطهارة، لا الطهر، وإطلاق الطهارة عليها تابع لاصطلاح فقهي، لا لوضع شرعي. كيف وقد شاع في النصوص التي هي متأخرة عن الآية كثيراً إطلاق الطهر على ما يقابل الحيض، تبعاً لمعناه اللغوي والعرفي. ومن هنا لابد من الجمع بين الصدر والذيل.

ومن البعيد جداً تنزيل أحدهما على الآخر بحمل الطهر في الصدر على الغسل، أو حمل التطهر في الذيل على انقطاع الدم، لعدم مألوفية كل منهما في الاستعمالات، ولظهور اختلاف هيئتهما في اختلاف معناهما.

ومن هنا ربما يجمع بينهما بأحد وجهين:

أولهما: إلغاء مفهوم الغاية في الصدر، كي لا ينافي الذيل. ويتعين حملهما على الكراهة، كما سبق في قراءة التشديد.

ثانيهما: حمل خصوص الذيل على بيان ارتفاع مطلق المرجوحية ولو كانت تنزيهية، لا خصوص الحرمة، مع المحافظة في الصدر على مفهوم الغاية وعلى ظهوره في الحرمة تأكيداً لقوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض).

واستقرب سيدنا المصنف(قدس سره) الأول. لكن يبعد جداً إلغاء مفهوم الغاية، ولا سيما بعد ظهور سوق الجملة تأكيداً لما قبلها ومطابقته لمقتضى التعليل بالأذى.

ومن هنا لا يبعد كون الأقرب الثاني. لو لم يكن هو الظاهر من الآية بنفسها مع قطع النظر عن النصوص المتقدمة، لما فيه من المحافظة على خصوصية الحيض في الحكم المناسبة لأخذه في موضوعه، ولجعل الغاية الطهر، ولتعليله بالأذى، ولتعليل الذيل بما يناسب ارتفاع الكراهة أو حدوث الرجحان لا مجرد ارتفاع الحرمة،

ص 29

وهو قوله تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين).

وأما ما يظهر من غير واحد من توجيه الآية بحمل التطهر في الذيل على غسل الفرج أو الوضوء. فهو إنما ينفع لو قيل بوجوب أحدهما قبل الوطء، أما لو بني على عدم وجوب أحدهما كان خروجاً عن الظاهر من غير فائدة. فلاحظ.

بقي شيء، وهو أنه لو تعذر الغسل ففي قيام التيمم مقامه في ارتفاع الحرمة أو الكراهة به ـ كما في الفقيه وفي الدروس وجامع المقاصد وعن الذكرى وظاهر المنتهى ـ أو عدم قيامه مقامه، بل ترتفع الحرمة أو الكراهة من غير تيمم ـ كما يظهر من محكي نهاية الأحكام ـ أو لا ترتفع بالتيمم، وجوه:

والأول مقتضى معتبرة أبي عبيدة الآتية ورواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله(عليه السلام): «سألته عن المرأة إذا تيممت من الحيض هل تحل لزوجها؟ قال: نعم»(1). وهو مقتضى إطلاق قوله(عليه السلام) في موثق عبدالرحمن أو صحيحه في المستحاضة: «وكل شيء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت»(2).

نعم، مقتضى موثق أبي بصير المتقدم الثالث. وقريب منه موثق عبدالرحمن أو صحيحه(3). لكن يتعين الجمع بين الطائفتين بحمل الثانية على الكراهة مع التيمم لو قيل بالحرمة بدونه،وعلى خفتها لوقيل بالكراهة بدونه،كما يناسبه التعبير فيه بقوله(عليه السلام): «لا يصلح». وهو المناسب أيضاً لكون التيمم بدلاً اضطرارياً. ومنه يظهر أن أضعف الوجوه الثاني. فلاحظ.

هذا، ولا مانع من إيقاع التيمم بداعي رفع كراهة الوطء أو حرمته، لأنه من الدواعي القربية الكافية في صحة الطهارات، على ما تقدم نظيره في المسألة السابعة والتسعين من فصل غايات الوضوء. فراجع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) الوسائل باب:21 من أبواب الحيض حديث:2.

(2) الوسائل باب:1 من أبواب الاستحاضة حديث:8.

(3) الوسائل باب:21 من أبواب الحيض حديث:3.

 

ص 30

فرجها قبل الوطء(1)، وإن كان أحوط.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) كما في ظاهر السرائر وصريح المعتبر والمنتهى وجامع المقاصد ومحكي الذكرى والبيان، كما هو الظاهر من كل من أهمل التعرض له، كما في الإرشاد واللمعة وغيرهما، وكذا من لم يتعرض لحكم الوطء قبل الغسل واقتصر على تحريم وطء الحائض، كما في المبسوط والاقتصاد والشرايع، ونسبه في الروض لأكثر القائلين بجواز الوطء قبل الغسل، وفي محكي شرح المفاتيح إلى المشهور.

خلافاً لظاهر الأمر به في كلام جملة من الأصحاب، كما في المقنعة والنهاية والغنية والمراسم والسرائر والقواعد وما تقدم من الصدوق، بل هو صريح بعضهم، بل في كشف اللثام أنه ظاهر الأكثر، وفي مفتاح الكرامة أنه ظاهر أكثر كتب الأصحاب.

ويستدل له بصحيح محمد بن مسلم المتقدم ومعتبرة أبي عبيدة: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المرأة الحائض ترى الطهر وهي في السفر وليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها وقد حضرت الصلاة. قال: إذا كان معها بقدر ما تغسل فرجها فتغسله ثم تتيمم وتصلي. قلت: فيأتيها زوجها في تلك الحالة؟ قال: نعم، إذا غسلت فرجها وتيممت فلا بأس»(1).

وقد استشكل سيدنا المصنف(قدس سره) في الصحيح بأنه إنما يكون ظاهراً في الوجوب لو كان من قبيل الأمر بالتبليغ، كي يكون الأمر شرعياً، وهو غير ظاهر، بل هو نظير أمر الولي الصبي بالعبادات. نعم، يدل على الرجحان، وهو أعم من الوجوب.

كما استشكل فيهما معاً بأن الحكم المشروط بغسل الفرج هو المشروط بشبق الزوج أو التيمم، وهو الجواز بلا كراهة أو مع خفتها، فلا يدل على ثبوت الحرمة بدون غسل الفرج، بل المتيقن الكراهة، فلا مخرج عما تقتضيه المطلقات من عدم وجوب غسل الفرج.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل باب:21 من أبواب الحيض حديث:1.

 

ص 31

لكن الأول إنما يتوجه على ما في المستند من دعوى وجوب غسل الفرج نفسياً، والظاهر عدم إرادته في المقام وإن نسبه لبعضهم في المستند، بل المراد هو الوجوب العقلي لتحليل الوطء، نظير وجوب الغسل لمس المصحف، ولا ريب في ظهور الصحيح فيه، لأن تعقيب الأمر بغسل الفرج بالترخيص في الوطء ظاهر في توقف الترخيص عليه.

نظير ما ورد في وطء الرجل جاريته التي زوجها من عبده، كصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام): «سمعته يقول: إذا زوج الرجل عبده أمته ثم اشتهاها قال له: اعتزلها، فإذا طمثت وطأها...»(1)، فإن أمر العبد باعتزالها وإن لم يكن من قبيل الأمر بالتبليغ إلا أنه ظاهر في توقف حل وطء المولى للجارية عليه.

وأما الثاني فيندفع: بأن ظاهر الصحيح كون الشبق رافعاً للكراهة أو مخففاً لها من حيثية عدم الغسل مع توقف الحل حينئذٍ على غسل الفرج، لا في أن الحل من دون كراهة موقوف على كل من الشبق وغسل الفرج، كي يكون مجملاً من حيثية ما يتوقف على غسل الفرج، وأنه أصل الحل أو ارتفاع الكراهة.

مثلاً إذا ورد: إن رآى الجنب مصحفاً ملقى على الأرض فليتوضأ ثم له رفعه قبل أن يغتسل، كان ظاهراً في توقف حل حمل الجنب للمصحف على الوضوء، وإن كان تعرض المصحف للإهانة رافعاً لكراهة حمل الجنب للمصحف.

على أن الإشكال المذكور لو تم مختص بالصحيح الظاهر في رافعية الشبق للكراهة، لما سبق من استبعاد رافعيته للحرمة، ولا مجال له في حديث أبي عبيدة، لظهوره في توقف الحل على كل من التيمم وغسل الفرج، وقيام الدليل الخارجي على عدم توقفه على التيمم، بل هو رافع للكراهة لا يوجب رفع اليد عن ظهوره في توقف الحل على غسل الفرج. فتأمل.

فالعمدة في وجه حمل الحديثين على الكراهة عدم التنبيه على غسل الفرج في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل باب:45 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث:2.

 

ص 32

(مسألة17): الأحوط وجوباً للزوج دون الزوجة(1) الكفارة عن الوطء(2) في أول الحيض بدينار،وفي وسطه بنصف دينار،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 النصوص الدالة على عدم وجوب الغسل مع شدة الحاجة للتنبيه عليه. وإن كان في بلوغ ذلك حدّ القرينية إشكال.

نعم، التعبير بعدم مس الماء في حديث عبد الله بن المغيرة صالح للقرينية، لولا الإشكال فيه بالإرسال. كما أن الظاهر من غسل الفرج هو تطهيره من نجاسة دم الحيض، ومن البعيد جداً اعتبار ذلك في حلّ الوطء، ولذا لا يظن بأحد البناء على وجوب تطهيره منه لو تنجس به بعد ذلك، والفرق بين النجاسة المتصلة بالحيض والنجاسة الطارئة بعد النقاء بعيد جداً. إلا أن في صلوح ذلك لرفع اليد عن ظاهر الأمر في الحديثين وحمله على الاستحباب إشكالاً. فلا يترك الاحتياط.

هذا، وفي التبيان حمل التطهر في الآية على الوضوء، وظاهره وجوبه قبل الوطء، بل ظاهره الإجماع عليه، وحيث كان مخالفاً لظاهر الآية كان حملها عليه والتكليف به محتاجاً إلى دليل، وهو مفقود. إلا أن يريد به غسل الفرج، لأنه المذكور في صدر كلامه، فيبتني على ما سبق.

ومثله ما يظهر من مجمع البيان وعن أحكام الراوندي من وجوب أحد الأمرين من الوضوء وغسل الفرج، بل يظهر من الأول أنه إجماعي. وكذا ما عن محكي الجامع من وجوبهما معاً.

(1) كما صرح به غير واحد وادعى في الروض الإجماع عليه. لاختصاص النصوص بالزوج.

(2) حيث ذهب إلى وجوبها في الفقيه والهداية والمقنع والمقنعة والتهذيب والاستبصار والتبيان والاقتصاد وطهارة المبسوط وإشارة السبق والوسيلة والمراسم والسرائر وعن مصباح المرتضى والجمل والعقود والجامع وظاهر كشف الرموز

ص 33

 والدروس والمسالك، وإن لم يتضح صدق النسبة للأخيرين، وجعله أحوط القولين في الشرايع، وأحوط الروايتين في النافع، كما جعل الوجوب احتياطياً في اللمعة.

وهو المشهور مطلقاً كما في الدروس والروض وكشف اللثام، وبين المتقدمين، كما في الحدائق، ومذهب الأكثر، كما في التذكرة وجامع المقاصد ومحكي الذكرى وشرح الجعفرية، بل في الانتصار والخلاف والغنية الإجماع عليه، وفي مفتاح الكرامة أنه قد يحصل اتفاق قدماء الأصحاب عليه.

لكن لا مجال له بعد حكاية الشيخ في نكاح المبسوط عن أصحابنا الخلاف وقول بعضهم بالاستحباب واختاره فيه وفي النهاية ـ في مبحث الحيض، وإن كان مقتضى إطلاقه في كتاب الكفارات الوجوب ـ ، وجرى عليه في المعتبر والتذكرة والمنتهى والإرشاد والقواعد والإيضاح وجامع المقاصد والروض والروضة والمدارك وكشف اللثام والوسائل ومحكي التحرير والمختلف والتلخيص وحاشية الإيضاح وحواشي الشهيد وفوائد الشرايع والجعفرية والموجز ومجمع البرهان وشرح المفاتيح وظاهر الذكرى والبيان وغيرها، وفي الحدائق أنه المشهور بين المتأخرين، وعن شرح المفاتيح نسبته لأكثرهم.

ومنشأ ذلك اختلاف الأخبار، فقد تضمن جملة منها ثبوت الكفارة، كرواية داود بن فرقد عن أبي عبد الله(عليه السلام): «في كفارة الطمث أنه يتصدق إذا كان في أوله بدينار، وفي وسطه نصف دينار، وفي آخره ربع دينار. قلت: فإن لم يكن عنده ما يكفر؟ قال: فليتصدق على مسكين واحد، وإلا استغفر الله ولا يعود، فإن الاستغفار توبة وكفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شيء من الكفارة»(1)، وقريب مما في صدره مرسل المقنع(2)، بل لعله هو منقولاً بالمعنى.

وصحيح محمد بن مسلم: «سألته عمن أتى امرأته وهي طامث. قال: يتصدق بدينار ويستغفر الله تعالى»(3)، وخبره: «سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة وهي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) ، (3) الوسائل باب:28 من أبواب الحيض حديث:1، 7، 3.

 

ص 34

 حائض قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار وفي استدباره نصف دينار...»(1)، وموثق أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: من أتى حائضاً فعليه نصف دينار يتصدق به»(2)، وموثق الحلبي عنه(عليه السلام): «في الرجل يقع على امرأته وهي حائض ما عليه؟ قال: يتصدق على مسكين بقدر شبعه»(3)، وصحيحه: «سئل أبو عبد الله(عليه السلام) عن رجل واقع امرأته وهي حائض. قال: إن واقعها في استقبال الدم فليستغفر الله وليتصدق على سبعة نفر من المؤمنين بقوت كل رجل منهم ليومه، ولا يعد، وإن كان واقعها في إدبار الدم في آخر أيامها قبل الغسل فلا شيء عليه»(4)، ومرسل علي ابن إبراهيم: «قال الصادق(عليه السلام): من أتى امرأته في الفرج في أول أيام حيضها فعليه أن يتصدق بدينار، وعليه ربع حدّ الزاني خمسة وعشرون جلدة، وإن أتاها في آخر أيام حيضها فعليه أن يتصدق بنصف دينار ويضرب اثنتي عشرة جلدة ونصفاً»(5).

كما تضمن بعضها نفي الكفارة، كصحيح العيص: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل واقع امرأته و هي طامث. قال: لا يلتمس فعل ذلك وقد نهى الله أن يقربها. قلت: فإن فعل أعليه كفارة؟ قال: لا أعلم فيه شيئاً، يستغفر الله»(6)، وموثق زرارة عن أحدهماH: «سألته عن الحائض يأتيها زوجها قال: ليس عليه شيء، يستغفر الله ولا يعود»(7)، وخبر ليث المرادي: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن وقوع الرجل على امرأته وهي طامث خطأ. قال: ليس عليه شيء، وقد عصى ربه»(8).

وقد جمع الشيخ (قدس سره) بين الطائفتين بحمل الأولى على العلم بكون المرأة حائضاً والثانية على الجهل بذلك بشهادة خبر ليث، بحمل الخطأ فيه على ذلك، مدعياً أن الحكم فيه بأنه قد عصى ربه والحث على الاستغفار في الصحيح والموثق لا ينافي ذلك، ولا يلزم بحملها على العمد، إذ يمكن أن يكون بلحاظ تفريطه في ترك السؤال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل باب:13 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات حديث:1.

(2) ، (3) الوسائل باب:28 من أبواب الحيض حديث:4 ، 5.

(4) الوسائل باب:22 من أبواب الكفارات حديث:2.

(5) الوسائل باب:28 من أبواب الحيض حديث:6.

(6) ، (7) ، (8) الوسائل باب:29 من أبواب الحيض حديث:1، 2، 3.

 

ص 35

ويشكل ما ذكره بأن الفحص عن الموضوع غير لازم، خصوصاً مع كون الحل مقتضى الاستصحاب، أما مع استصحاب الحيض فيجري حكم العمد.

نعم، يمكن حمل الحكم بالمعصية في الخبر على إرادة المعصية الواقعية. ولعله أقرب مما ذكره سيدنا المصنف(قدس سره) من حمل الخطأ فيه على الخطيئة. لكن تنزيل الصحيح والموثق على الخطأ بعيد جداً بعد كونه على خلاف الأصل، ولا سيما مع الأمر فيهما بالاستغفار، ومع قوله في الصحيح: «لا يلتمس فعل ذلك وقد...» الذي هو كالصريح في صلوح النهي للداعوية، ولا يكون إلا مع العمد، وقوله في الموثق: «ولا يعود» إذ لا معنى للنهي عن العود في الخطأ وأبعد منه تنزيلهما بقرينة الطائفة الأولى على نفي شيء غير الكفارة، أو على صورة عدم القدرة على الكفارة، بل هما لا يناسبان السؤال عن ثبوت الكفارة في الصحيح.

ومثله الإشكال في الصحيح والموثق بما في الجواهر من عدم مقاومتهما للإجماعات المتقدمة، ولا سيما مع إعراض من عرفت من الأصحاب عنهما. لاندفاعه بعدم حجية الإجماع المنقول في نفسه خصوصاً ما كان منقولاً في الكتب الثلاثة المتقدمة، لكثرة دعاواه فيها في مورد الخلاف، بل شيوعه. ولا سيما مع خروج الشيخ عليه الذي هو أحد نقلته واعترافه باختلاف الأصحاب الظاهر في سبق الخلاف عليه. كما لا مجال معه لدعوى الإعراض الموهن للخبرين مع اعتبار سنديهما.

وكذا الإشكال في الطائفة الأولى بأن ما عليه الفتوى منها وهي الرواية الأولى ضعيفة بالإرسال وغيره، لإمكان اندفاعه بانجبارها بعمل الأصحاب، ولا سيما مع ما في المنتهى من اتفاق الأصحاب على صحتها وإن ضعف سندها، وإنما خلافهم في حملها على الوجوب أو الاستحباب.