مصباح المنهاج
كتاب الطهارة
تاليف
السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم
الجزء الخامس
دار الهلال
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1426هـ ـ 2005 م
اسم الكتاب ....................... مصباح المنهاج
تأليف: ............................... السيد الحكيم
المطبعة ....................................... فاضل
العدد................................. 2000 نسخة
الناشر ................................. دار الهلال
ISBN .........................964-827-43-9
الفصل السابع
في أحكام الحائض
(مسألة15): يحرم على الحائض جميع ما يشترط فيه الطهارة من العبادات(1)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
(1) إذ لا إشكال في أنها دائمة الحدث ولا تطهر، كما يقتضيه مقابلة الحيض بالطهر في الكتاب المجيد والسنة الشريفة المتجاوزة حد التواتر، والفتاوى الظاهرة في المفروغية عن ذلك. بل وضوح ذلك يغني عن تجشم الاستدلال عليه.
ومنه يظهر أنه يحرم عليها غير العبادات مما يحرم على المحدث، كمس القرآن الشريف، على التفصيل المتقدم في الوضوء. ولعل إهماله في كلام بعضهم للمفروغية عن مشاركتها للجنب في المحرمات، كما يأتي من بعضهم.
هذا، إذا أخذ في موضوع التحريم عنوان المحدث، أو تضمنت الأدلة مانعية الحدث الأصغر، حيث يلزمها مانعية الأكبر بالأولوية الارتكازية، أو لما تضمن أن أسباب الحدث الأكبر نواقض للوضوء، كما تقدم في مس القرآن الشريف. وفي غير ذلك لا إشكال فيما أخذ في موضوع تحريمه عنوان الحائض، كما تقدم في المكث في المسجد وقراءة العزائم.
وأما ما اختص دليله بالجنب، وهو مس اسم الله تعالى والطواف المستحب
ص 6
ـ بناء على تماميته في الجنب ـ فقد استدل على حرمته على الحائض..
تارة: بما في الجواهر من ظهور اتفاق الأصحاب على مشاركته الحائض للجنب في أحكامه، كما صرح به بعضهم، بل قد يظهر من الغنية دعوى الإجماع على أنه يحرم على الحائض كل ما يحرم على الجنب، وكان قد ذكر ـ في أحكام الجنب ـ أنه يحرم عليه مس اسمه تعالى وأسماء الأنبياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم.
وأخرى: بأن حدث الحيض أغلظ من حدث الجنابة، كما في المعتبر وغيره، فتثبت محرمات الجنب للحائض بالأولوية.
ويشكل الأول: بأنه لا مجال لتحصيل الاتفاق مع إهمال الحكم المذكور في الحيض وذكره في الجنابة في المبسوط والسرائر والمعتبر والشرايع والمنتهى والتذكرة والإرشاد والقواعد وغيرها، فإنه وإن أمكن أن يبتني على المفروغية عن مشاركة الحائض للجنب في المحرمات ـ كما تقدم احتماله في إهمال بعضهم مس الكتاب المجيد ـ إلا أنه لا مجال للقطع بالإجماع على المشاركة مع ذلك.
وأما الثاني فقد استدل عليه في الجواهر بمعتبرة سعيد بن يسار: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): المرأة ترى الدم وهي جنب أتغتسل من الجنابة أو غسل الجنابة والحيض واحد؟ فقال: قد أتاها ما هو أعظم من ذلك»(1). ويشكل بظهورها في إرادة الأشدية من حيثية عدم الفائدة في الغسل بسبب استمرار الحدث قهراً، لا من حيثية مرتبة الحدث، لينفع في المقام، وإلا لم يكن مناسباً للسؤال، إذ كون الحيض أعظم من حيثية مرتبة الحدث لا يقتضي عدم الغسل للجنابة لرفع حدثها. ولا أقل من الإجمال المانع من الاستدلال.
نعم، لا يبعد فهم عدم الخصوصية للجنابة من دليله، لمسانخة حدث الحيض لحدث الجنابة ارتكازاً، ولا سيما مع قيام الأدلة على اشتراكهما في أكثر الأحكام الثابتة من حيثية الحدث. وإن كان الأمر لا يخلو عن إشكال. ويأتي بعض الكلام في الطواف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:22 من أبواب الحيض حديث:2.
ص 7
كالصلاة والصيام والطواف والاعتكاف(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في أحكام المستحاضة إن شاء الله تعالى.
(1) لا إشكال في حرمة العبادات المذكورة عليها، والنصوص به متواترة، ودعاوى الإجماع عليه مستفيضة، بل دعوى الضرورة عليه ـ كما عن شرح المفاتيح ـ غير مجازفة. وإنما الإشكال في أن حرمتها تشريعية فقط راجعة إلى اعتبار الطهارة فيها، فتبطل بدونها ـ كما تبطل بفقد سائر شروطها ـ ويكون الاتيان بها بدونها بنية المشروعية تشريعاً محرماً، أو هي مع ذلك ذاتية راجعة إلى حرمتها تكليفاً من غير جهة التشريع أيضاً، نظير حرمة الربا.
وكأن ذلك هو المراد من الترديد في كلام بعضهم بين الحرمة الذاتية والتشريعية، وإلا فثبوت الحرمة التشريعية مما لا ينبغي الإشكال فيه بالنظر لما سبق من عدم الريب في كونها دائمة الحدث، كما صرح به شيخنا الأعظم(قدس سره) في الصلاة.
وكيف كان، فقد يستدل على الحرمة الذاتية.. تارة: بأن موضوع الحرمة التشريعية التشريع الذي هو أمر قلبي، وظاهر الأدلة حرمة نفس الأفعال الخارجية.
وأخرى: بما تضمنته النصوص الكثيرة وجملة من معاقد الإجماعات المدعاة في المقام من التعبير بالحرمة الظاهرة في الذاتية، وكذا ما تضمن النهي عن العبادات والأمر بتركها.
ويندفع الأول: بأن المرتكزات المتشرعية، بل العقلائية، تقتضي حرمة الجري العملي على التشريع القلبي، بحيث يكون نفس العمل محرماً ثانوياً يصح توجيه النهي إليه، كما يناسبه ما ورد في البدعة وأنها في النار.
والثاني: بأن التعبير بالتحريم والنهي ونحوهما وإن كانت ظاهرة بدواً في الحرمة والذاتية، إلا أن شيوع استعمالها في مقام بيان عدم المشروعية لبيان شروط التكليف والمكلف به وموانعهما ونحوها مما يرجع لحدود التشريع مانع من التعويل على الظهور
ص 8
المذكور فيما يمكن حمله على ذلك، كالمقام.
ومنه يظهر وجه آخر في دفع الوجه الأول، فإن ظهور الأدلة في حرمة نفس الأفعال الخارجية ـ دون الأمر القلبي ـ إنما يناسب حرمتها ذاتاً إذا كان المراد بها الحرمة التكليفية، لا الإرشاد لحدود التكليف. فلاحظ.
نعم، قد يستدل على الحرمة الذاتية بجملة من النصوص.
منها: ما ورد في الاستظهار من التعبير بالاحتياط في بعض نصوصه، كموثق فضيل وزرارة عن أحدهما(عليهما السلام): «قال: المستحاضة تكف عن الصلاة أيام أقرائها وتحتاط بيوم أو اثنين...»(1)، وقريب منه خبر الجعفي(2)، وموثقة البصري(3) الآتية.
واستشكل فيه سيدنا المصنف(قدس سره) بأن التحيض في أيام الاستظهار حيث لا يكون مطابقاً للاحتياط المطلق، لمخالفته لاحتمال وجوب العبادة وغيره، فلابد من حمله إما على الاحتياط بلحاظ أهمية حرمة العبادة حال الحيض من وجوبها حال الطهر، فيدل على الحرمة الذاتية، أو على الاحتياط بلحاظ بعض الأحكام، كحرمة الوطء ودخول المساجد وقراءة العزائم، من دون نظر للعبادة، ليدل على حرمتها الذاتية.
قال(قدس سره): «وليس الأول أولى من الثاني، بل الذي يظهر من موثقة البصري: «عن المستحاضة أيطؤها زوجها وهل تطوف بالبيت؟ قال: تقعد أيام أقرائها التي كانت تحيض فيه(4)، فإن كان قرؤها مستقيماً فلتأخذ به، وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين» هو الثاني. مع أن دعوى: كون الحرمة المحتملة أهم غريبة، لأن الظاهر أن ترك الصلاة من أعظم الكبائر. ويحتمل كون وجه التعبير بالاحتياط أنه الموافق للاستصحاب وقاعدة الإمكان... فتأمل».
لكنه يندفع بأنه لا ظهور للموثقة في الثاني، لأن السؤال فيها وإن كان عن الوطء والطواف المستلزم لدخول المسجد الشريف، إلا أنه لا ينافي عموم الاحتياط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) ، (3) الوسائل باب:1 من أبواب الاستحاضة حديث:12، 10، 8.
(4) الوسائل باب:1 من أبواب الاستحاضة حديث:8. لكن فيه: (تقعد قرءها الذي كانت تحيض فيه).
ص 9
فيها لترك الصلاة أيضاً، بل هو الظاهر من التعبير فيها بالقعود المنصرف منه القعود عنها، والذي هو أظهر أحكام الحيض، فيكنى به عن ترتيب جميع أحكامه.
وأظهر منها خبر الجعفي المشار إليه، للتعبير فيه بالقعود من دون سؤال عن شيء من الأحكام، فضلاً عن موثق فضيل وزرارة المتقدم المصرح فيه بالكف عن الصلاة، حيث يقوى ظهوره في إرادة الاحتياط بالكف عنها، لا عن خصوص بقية المحرمات.
وأما استغرابه دعوى أهمية الحرمة المحتملة. فهو لو سلم لا أثر له، لأن الأهمية واحتمالها إنما يكونان معياراً في الترجيح عقلاً عند التزاحم بين التكليفين ثبوتاً، لا عند الدوران بين المحذورين إثباتاً، بل المرجع فيه التخيير، على ما حققناه في محله واعترف به(قدس سره) في احتمال الأهمية في أصوله، وإن أصر هنا على الترجيح بالأهمية.
ومن هنا لابد أن يكون الاحتياط ناقصاً بلحاظ أحد الاحتمالين، وإن لم يكن المحتمل أهم، لجهات لحظها الشارع الأقدس.
وأما ما ذكره أخيراً من احتمال كون التعبير بالاحتياط بلحاظ موافقة الاستظهار للاستصحاب وقاعدة الإمكان. فيدفعه أن مفاد الاستصحاب والقاعدة التعبد بالحيضية في تمام العشرة، المناسب لوجوب ترتيب أحكامها، وهو لا يناسب التخيير بين اليوم واليومين، فالمناسب ما ذكرنا من إرادة الاحتياط الناقص. فلاحظ.
نعم، قد يشكل الاستدلال بالنصوص المذكورة.. تارة: بأن الاحتياط إنما يقتضي ترك الأداء، وظاهر نصوص الاستظهار ترتيب أحكام الحيض مطلقاً من دون تدارك.
وأخرى: بأن الاتيان بالصلاة برجاء المطلوبية لا ينافي الاحتياط حتى بناء على الحرمة الذاتية، كما يأتي. فلابد من عدم حمل الاحتياط على المعنى المعروف بيننا، وهو احتياط المكلف في مقام العمل محافظة على الحكم الواقعي، بل على مجرد التوثق لاحتمال الحيض مع ترتيب جميع أحكامه، وإن كانت على خلاف الاحتياط بالمعنى المذكور، لعدم بناء الشارع الأقدس على تكليف المرأة بالاحتياط في أحكام الحيض، بل على التعبد لها بأحد الأمرين ـ من الحيض وعدمه ـ وترتيب جميع أحكامه
ص 10
فلا تنهض بالاستدلال على الحرمة الذاتية.
لكن الانصاف أن التعبير عن التوثق لاحتمال الحيض بالاحتياط ظاهر في اهتمام الشارع الأقدس بترك الصلاة حال الحيض، الذي هو أظهر أحكامه، فيناسب حرمتها الذاتية، وإن كان الاحتياط ناقصاً أو من سنخ الحكمة في التعبد بجميع أحكام الحيض. فتأمل جيداً.
ومنها: قوله(عليه السلام) في صحيح خلف الوارد في اشتباه دم الحيض بدم العذرة: «فلتتق الله فإن كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر، وليمسك عنها بعلها، وإن كان من العذرة فلتتق الله ولتتوضأ ولتصل ويأتيها بعلها إن أحب ذلك، فقلت له: وكيف لهم أن يعلموا ما هو حتى يفعلوا ما ينبغي...». لظهوره في كون ترك الصلاة حال الحيض مقتضى التقوى.
لكن ذكر سيدنا المصنف(قدس سره) أن الأمر بالتقوى فيه إنما هو بمعنى وجوب الفحص، لا لحرمة الصلاة، ولذا قدمه على الشرطية الأولى. ويشهد به تأخير الأمر به عن الشرطية الثانية التي موضوعها الطهر الذي تكون الصلاة معه واجبة.
وفيه: أن ظاهر الأمر بالتقوى في الفقرتين وإن كان هو تنجز الواقع المجهول المستلزم لوجوب الفحص، ولذا سأل الراوي بعده عن طريق المعرفة، ليعمل بما ينبغي على الوجهين، إلا أن بيان مقتضى التقوى بالنهي عن الصلاة مع الحيض والأمر بها مع الطهر ظاهر في كون الأمر بالإمساك عن الصلاة تكليفياً تابعاً للحيض الواقعي، كالأمر بإمساك الزوج، لا تشريعياً تابعاً للعلم بالحيض، ولا مسوقاً لبيان مجرد عدم وجوب الصلاة مع الحيض، ولذا اشتملت الشرطية الثانية على ترخيص الزوج في الوطء، لا أمره به لبيان الترخيص، لأن ورود الأمر لبيان الترخيص لا يناسب سوقه لبيان مقتضى التقوى، كما لعله ظاهر.
ومنها: ما يظهر منه حرمة الصلاة حال الحدث مطلقاً وإن لم يكن من الحيض،كمعتبرة الفضل عن الرضا(عليه السلام): «قال: إذا حاضت المرأة فلا تصوم
ص 11
ولا تصلي، لأنها في حدّ نجاسة، فأحب الله أن لا يعبد إلا طاهراً. ولأنه لا صوم لمن لا صلاة له»(1). لظهوره في مبغوضية العبادة حال النجاسة التي يراد منها الحدث في المقام، وبعموم التعليل يتعدى لغير الحيض من أسباب الحدث.
وموثق مسعدة ابن صدقة: «أن قائلاً قال لجعفر بن محمد(عليه السلام): جعلت فداك إني أمر بقوم ناصبية وقد أقيمت لهم الصلاة، وأنا على غير وضوء، فإن لم أدخل معهم في الصلاة قالوا ما شاؤوا أن يقولوا، أفأصلي معهم ثم أتوضأ إذا انصرفت وأصلي؟ فقال جعفر بن محمد(عليه السلام): سبحان الله أفما يخاف من يصلي من غير وضوء أن تأخذه الأرض خسفاً؟!»(2) ، وصحيح صفوان عنه(عليه السلام) قال: «أقعد رجل من الأحبار في قبره فقيل له: إنا جالدوك مائة جلدة من عذاب الله عزوجل. فقال: لا أطيقها، فلم يزالوا به حتى انتهوا به إلى جلدة واحدة، فقال: لا أطيقها. فقالوا: ليس منها بدّ، فقال: فيما تجلدونيها؟ قالوا: نجلدك أنك صليت يوماً بغير وضوء ومررت على ضعيف فلم تنصره، فجلدوه جلدة من عذاب الله، فامتلأ قبره ناراً»(3).
لكن قال سيدنا المصنف(قدس سره): «ولعل الظاهر من رواية العلل كون المراد: أحب الله أن يعبد في حال الطهارة، لا أنه كره أن يعبد في غير حال الطهارة، وإلا لدل على عدم فائدة وخصوصية للطهارة، وهو بعيد، ولمثل هذا النحو من التعبير نظائر كثيرة... وأما رواية مسعدة فلا يظن إمكان الالتزام بها في موردها، فإن أدلة التقية مقدمة على غيرها من الأدلة مهما كان لموردها من الأهمية».
وكأن مراده بما ذكره في رواية العلل أن حملها على إرادة قيدية الطهارة في العبادة المحبوبة مستلزم لدخل الطهارة في المحبوبية، فتكون محبوبة بلحاظ فائدتها، أما حملها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:39 من أبواب الحيض حديث:2. وقد رواه عن علل الشرايع وعيون أخبار الرضا(ع). لكن في الأول: (فإن قيل: فلم إذا حاضت المرأة لا تصوم ولا تصلي؟ قيل: لأنها في حدّ نجاسة فأحب الله أن لا تتعبد إلا طاهرة...):271 طبع النجف الأشرف. ونحوه في الثاني، إلا أنه قال: (فإن قال: فلم...) و: (فأحب الله أن لا تعبده إلا طاهراً...) ج2: 115 طبع النجف الأشرف. (منه عفي عنه).
(2) ، (3) الوسائل باب:2 من أبواب الوضوء حديث:1، 2.
ص 12
على إرادة رفعها لمبغوضية العبادة فهو لا يقتضي محبوبيتها، ولا ترتب الفائدة عليها. لكن لم يتضح الوجه في استبعاد الثاني، إذ يكفي في فائدة الطهارة رفعها لمبغوضية العبادة المحبوبة ذاتاً. مع أن الرواية لم ترد للحث على الطهارة، لتناسب خصوصيتها في المحبوبية، بل لبيان امتناع العبادة بدونها، فلا وجه للخروج عن ظاهر التركيب من كون المحبوب ترك العبادة حال الحدث المستلزم لمبغوضيتها حاله.
ودعوى: عدم ظهور المحبوبية في الإلزام. مدفوعة بأن ذلك لو سلم في سائر الموارد لا مجال له في المقام، لأن الحكم المعلل إلزامي.
كما أن ما ذكره(قدس سره) من منافاة موثق مسعدة لأدلة التقية ممنوع، لعدم الإشعار فيه بتعذر الوضوء للصلاة معهم، فضلاً عن الظهور. ولعل سؤال السائل عن الصلاة معهم بدون الوضوء لأنها أسهل عليه، خصوصاً مع قرب عزمه على الإعادة على كل حال، الذي لا يبعد عمل كثير من الشيعة عليه بعد الصلاة مع المخالفين. ومن يظهر الإشكال فيما يظهر من الوسائل من حرمة الصلاة بدون الوضوء حتى مع التقية. فتأمل. على أنه يشكل رفع اليد عن الكبرى بمجرد منافاة تطبيقها للتقية.
وأما صحيح صفوان فلم يتعرض(قدس سره) للاستدلال به. فإن كان لأجل وروده في أهل شريعة أخرى، أشكل بظهور حال المعصومين(عليهم السلام) في أن نقلهم لثواب أهل الشرايع السابقة وعقابهم بداعي الترغيب والترهيب، لا لمحض بيان قضية خارجية لا يراد ترتب العمل عليها. على أنه قد يتمسك بأصالة عدم النسخ على كلام محرر في الاستصحاب.
ومن جميع ماتقدم يظهر وفاء النصوص بالحرمة الذاتية،فيتعين البناء عليها.
ثم إنه يتجه لأجل النصوص الأخيرة عموم الحرمة الذاتية لما إذا طهرت المرأة من الحيض ولم تغتسل، لعدم خروجها بذلك عن الحدث، الذي يستفاد من النصوص المذكورة أنه المعيار في الحرمة. ولا مجال معه لما في الجواهر من إمكان الفرق واختصاص الحرمة الذاتية بحال الحيض، بل هو الذي جزم به الفقيه الهمداني(قدس سره).
ص 13
وكأنه مبني على إغفال هذه النصوص والنظر لخصوص ما ورد في الحائض، الذي لا إشكال في قصوره عن حال انقطاع الحيض وبقاء حدثه.
كما أن الظاهر اختصاص الحرمة الذاتية بالصلاة دون بقية العبادات المحرمة على الحائض، لأنها المنصرف من القعود في نصوص الاستظهار ومورد بقية النصوص.
نعم، قد تضمنت رواية الفضل إطلاق النهي عن العبادة. إلا أنه لا يبعد كون المراد بها خصوص الصلاة، ولذا احتيج لتعليل حرمة الصوم فيها بأنه لا صوم لمن لا صلاة له. واحتمال كونه تعليلاً ثانياً في الصوم مع عموم التعليل الأول له، لعموم العبادة لغير الصلاة، لو لم يكن خلاف الظاهر فلا أقل من عدم بلوغه مرتبة الظهور، حيث يمنع التعليل المذكور من انعقاد ظهور العبادة في العموم.
بل لا يبعد كون إطلاق العبادة على مطلق ما يعتبر فيه قصد القربة إنما شاع في ألسنة الفقهاء مع كون المراد بها في عصر صدور الروايات خصوص الصلاة وما يسانخها، كما يناسبه تطبيقها في بعض نصوص كراهة الاستعانة في الوضوء على الصلاة،دون الوضوء كقوله(عليه السلام): «أما سمعت الله عزوجل يقول: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) وها أنا ذا أتوضأ للصلاة وهي العبادة، فأكره أن يشرکني فيها أحد»(1) وغيره.
بقي الكلام في ثمرة الحرمة الذاتية.
وظاهر غير واحد أنها تظهر في تعذر الاحتياط لها لو شكت في الحيض، لدوران الأمر بين محذورين، بخلاف ما لو كانت تشريعية محضة، حيث يتيسر لها الاحتياط بالإتيان بالعبادة برجاء المطلوبية، لعدم التشريع معه، بل ذكر شيخنا الأعظم(قدس سره) أن ما ذكره جماعة، بل ادعي عليه الاتفاق من حسن الاحتياط للمضطربة مؤيد لكون الحرمة تشريعية محضة، ثم قال: «وتتبع كلمات الفقهاء يشرف الفقيه على القطع بما ذكرنا».
وفي الجواهر بعد تقريب كون الحرمة ذاتية قال: «وعليه بني ردّ ما يذكر في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:47 من أبواب الوضوء حديث:1.
ص 14
بعض المقامات من الاحتياط لها بفعل العبادة بأنه معارض بمثله، لكون الترك بالنسبة إليها عزيمة». وقريب منه ما ذكره الفقيه الهمداني(قدس سره).
لكن من الظاهر أن الصلاة مثلاً لا تصدق على نفس الأفعال الخارجية بما هي هي، بل لابد فيه من قصد عنوان الصلاة بها. وحينئذٍ إن كان الإتيان بها برجاء المطلوبية راجعاً إلى الجزم بكونها صلاة مع احتمال الامتثال بها ـ نظير الكون في المسجد برجاء المطلوبية ـ اتجه تحريمها مع مصادفة الحيض بناء على الحرمة الذاتية، فيخالف الاحتياط، كما ذكر في تقريب الثمرة.
أما إذا كان راجعاً إلى قصد عنوان الصلاة بها معلقاً على عدم الحيض وعلى ثبوت الأمر بها، وأنها مع عدمهما ليست بصلاة ـ نظير الطلاق عند الشك في الزوجية ـ فلا وجه للتحريم مع مصادفة الحيض، حتى بناء على الحرمة الذاتية، لعدم تحقق موضوعها، وهو الصلاة. والظاهر إمكان الثاني، لأن عنوان الصلاة لما كان قصدياً كان قابلاً للتعليق، كعنوان الامتثال القابل للتعليق على وجود الأمر.
كما أن الظاهر ابتناء الاحتياط على ذلك في الصلاة وكثير من الأمور القصدية، كالصوم والوضوء، وليس هو كالاحتياط بقراءة القرآن برجاء المطلوبية، حيث يبتني غالباً على الجزم بكونها قراءة للقرآن مع اختصاص التعليق بالامتثال. وحينئذٍ لا تتم الثمرة المذكورة.
إن قلت: بعض أدلة الحرمة الذاتية تقتضي عموم الحرمة لحال الاحتياط، فإن نصوص الاستظهار حيث تضمنت أن الاحتياط بترك الصلاة مع الشك في الحيض دلت على مخالفة الصلاة للاحتياط ولو برجاء المطلوبية من جهة احتمال الحرمة، وإلا لكان الاحتياط بفعلها معه. وكذا صحيح خلف بن حماد، إذ لو تيسر لها الاحتياط بالصلاة لاحتمال كون الدم من العذرة ـ كما أفتى به فقهاء العامة ـ لم يكن الفحص لازماً، ولم يكن ترك الصلاة مع الحيض مقتضى التقوى، بل الحكم بحرمة الصلاة مع الحيض الواقعي قد يكون تعريضاً بالعامة وردعاً عما أفتوا به من الاحتياط لها بالصلاة برجاء عدم الحيض. بل قد يستفاد من موثقة مسعدة بن صدقة حرمة الإتيان لغير
ص 15
المتوضئ حتى بصورة الصلاة من دون نية أصلاً، إذ لولا ذلك لكان المناسب التنبيه عليه، لتأدي التقية به.
قلت: ذكرنا آنفاً أنه لا يراد بالاحتياط في نصوص الاستظهار احتياط المكلف لإصابة الحكم الواقعي، بل التوثق لاحتمال الحيض مع التعبد بتمام أحكامه حتى ما خالف منها الاحتياط، لعدم بناء الشارع الأقدس على إرجاع المرأة للاحتياط. بل على التعبد بأحد الأمرين، فلا ينافي جواز الاحتياط لها لتحصيل الواقع المحتمل بالصلاة برجاء المطلوبية.
كما أن صحيح خلف لم يتضمن الأمر بالفحص، وإنما تضمن تنجز أحكام الواقع المردد بين الحيض والطهر، وهو يقتضي التخيير بين الاحتياط والفحص، في مقابل الاقتصار على إحدى الوظيفتين من دون فحص، لا تعين الفحص والمنع من الاحتياط.
نعم، لو أشير في السؤال لفتوى فقهاء العامة بالاحتياط لكان جواب الإمام(عليه السلام) ظاهراً في الردع عنه، وحيث لم يشر إليه فيه فلا مجال لاستفادة الردع عنه في مورد الحديث ـ كما أشرنا إليه في أواخر المسألة الأولى ـ فضلاً عن غيره من موارد الشك في الحيض.
وأما موثقة مسعدة فعدم التنبيه فيها للإتيان بصورة الصلاة من دون نية لا يدل على حرمته من دون وضوء، كيف ولا يظن بأحد الالتزام بذلك، بل لعله لخروجه عن مفروض كلام السائل، أو لكونه بنفسه مرجوحاً ولو مع الوضوء، كما يشهد به صحيح زرارة: «قلت لأبي جعفر(عليه السلام): رجل دخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة وأحدث إمامهم فأخذ بيد ذلك الرجل فقدمه، فصلى بهم، أتجزيهم صلاتهم بصلاته وهو لا ينويها صلاة؟ فقال: لا ينبغي للرجل أن يدخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة، بل ينبغي له أن ينويها [صلاة] وإن كان قد صلى، فإن له صلاة أخرى، وإلا فلا يدخل معهم. وقد تجزي عن القوم صلاتهم وإن لم ينوها»(1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:39 من أبواب صلاة الجماعة حديث:1.
ص 16
ومن هنا كان الظاهر عدم نهوض النصوص بحرمة الصلاة برجاء عدم الحيض إذا رجع إلى تعليق قصد الصلاة على عدم الحيض،بحيث لا تكون معه صلاة،بل صورة صلاة.
وأما ما سبق من الجواهر من ردهم ما يذكر في بعض المقامات من الاحتياط بفعل العبادة بأنه معارض بمثله. فلعل جملة مما ذكروا رد لرد الاستدلال بالاحتياط على لزوم الاقتصار على المتيقن في التحيض مع البناء فيما زاد عليه على الطهر، فيؤتى معه بالصلاة تعبداً بشرعيتها، لا برجاء مشروعيتها.
كما أن كون ترك الصلاة للحائض عزيمة إنما هو بمعنى عدم مشروعيتها لها في مقابل مشروعيتها من دون وجوب، كمشروعية الصوم للذين يطيقونه، فلا يدل على الحرمة الذاتية، فضلاً عن تعذر الاحتياط على تقديرها. ومن هنا لا مجال لتوجيه الثمرة بما سبق.
وقد ذكر سيدنا المصنف(قدس سره) وجهاً آخر للثمرة، وهو أنه بناء على الحرمة الذاتية تحرم العبادة على الحائض مطلقاً، سواء جيء بها بقصد الأمر أم بداعي أنها عبادة بالذات من دون قصده، أما على عدمها وتمحض الحرمة التشريعية فلا تحرم إلا إذا جيء بها بقصد الأمر المستلزم للتشريع. وقد دفعه(قدس سره) بأن الثمرة المذكورة موقوفة على القول بثبوت العبادة الذاتية، والتحقيق عدمه واختصاص منشأ انتزاع العبادية بالأمر بلحاظ كشفه عن ثبوت ملاك المحبوبية، وقصده مستلزم للتشريع مطلقاً على ما أوضحه(قدس سره) وأطال الكلام فيه. فراجع.
والذي ذكرناه في محله من مبحث التعبدي والتوصلي أن العبادة هي كون الشخص في منتهى الخضوع للمعبود، بحيث يكون فانياً فيه. ولذلك مظهران: ذاتي، وهو إطاعة أوامره ونواهيه على نحو الانقياد له، ومقربيتها ذاتية. وعرفي، وهو الإتيان بأمور تبانى العرف على كونها مظهراً للخضوع والفناء، كالركوع والسجود والتقديس ونحوها. وهو بطبعه يقتضي التقرب بلا حاجة إلى الأمر به ما لم يردع عنه
ص 17
ويحرم عليها جميع ما يحرم على الجنب مما تقدم(1).
(مسألة16): يحرم وطؤها في القبل عليها وعلى الفاعل(2)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كسائر الأمور العرفية القابلة للردع. فإن كان مرجع الردع إلى مجرد عدم صلوحه لأن يعبد المولى به كان النهي وضعياً موجباً لانسلاخ عنوان العبادة عنه، وإن كان مرجعه إلى النهي عن أداء العبادة به من دون ردع عما عليه العرف من كونه مظهراً لها كان النهي تكليفياً.
وكيف كان، فالعبادة بالمعنى المذكور لا تحرم على الحائض لا تشريعاً ولا ذاتاً، وإنما المحرم خصوص الصلاة بما هي ماهية خاصة مخترعة للشارع وعباديتها ليست ذاتية، ولا عرفية، بل متقومة بالتعبد بأمرها، فمع إتيان الحائض بها بقصد أمرها تحرم مطلقاً، سواءً كانت الحرمة ذاتية أم تشريعية.
ومن هناكان الظاهرانحصار الثمرة في أنه مع الاتيان بالعبادة للبناء على عدم الحيض خطأ لاتكون محرمة واقعاً بناء على تمحض الحرمة في التشريعية، لعدم التشريع، وتكـون محرمة بناء على كونها ذاتية، فيستحق عليها العقاب لو كان البناء على عدم الحيض لتقصير في مقدماته ولو مع الغفلة حين العمل. فلاحظ.
(1) كما تقدم في أول الفصل، وتقدم الإشكال في مشاركتها للجنب في حرمة مس اسمه تعالى. كما تقدم في أحكام الجنب الإشكال في مشاركتها للجنب في لزوم التيمم للخروج من المسجد الحرام ومسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
(2) أما تحريمه على الفاعل فهو المدعى عليه الإجماع من جماعة كثيرة جداً، وجملة منهم ادعوا عليه إجماع العلماء، بل في المسالك والروض وكشف اللثام والجواهر وطهارة شيخنا الأعظم وعن جماعة أنه من ضروريات الدين التي يكفر مستحلها من دون شبهة.
ويقتضيه قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في
ص 18
المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فاتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾(1)، والنصوص الكثيرة المتجاوزة حد التواتر، والتي يظهر من جملة كثيرة منها المفروغية عن أصل الحكم، حيث وردت في فروعه، كتعيين وظيفة المستحاضة، وما يحل للزوج من الحائض وكفارة الوطء، وتعزيره وغير ذلك.
هذا، وقد صرح جملة من الأصحاب بعموم الحكم للزوج والسيد. وهو الذي يقتضيه إطلاق الآية الشريفة وجملة من النصوص، بل كثير منها صريح في الزوج وبعضها صريح في السيد، كحديث عبد الملك بن عمرو أو موثق عبد الكريم بن عمرو: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل أتى جاريته وهي طامث. قال: يستغفر ربه...»(2) ويأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى عند الكلام في وجوب الكفارة.
بل المناسبات الارتكازية تقضي بعدم خصوصية كل منهما وعموم الحكم حتى المزني بها كما صرح به بعضهم، فتتأكد الحرمة مع حيضها، كما لعله مقتضى إطلاق الآية الشريفة، حيث لا يبعد عدم صلوح قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) للمنع من انعقاد الإطلاق في الصدر بنحو يشمل من يحرم وطؤها، ولذا لا يظن من أحد دعوى منعه من شموله للمحلوف على ترك وطئها. ولو صلح لذلك كفى عموم التعليل بأنه أذى في استفادة العموم.
وأما تحريمه عليها بمعنى عدم جواز تمكينها فهو المصرح به في الغنية والمراسم والوسيلة وجامع المقاصد والروض وغيرها. وقد يظهر من تصريح جملة من الأصحاب بعدم ثبوت الكفارة عليها المفروغية عنه وربما كان ما في المقنعة من وجوب إعلام المرأة الرجل بحيضها يبتني على ذلك. ولعله لذا كان ظاهر الغنية دعوى الإجماع عليه، بل صريح الجواهر أنها كالرجل في الإجماع والضرورة.
وقد استدل عليه في جامع المقاصد بقوله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة :222.
(2) الوسائل باب:28من أبواب الحيض حديث:2.لكن الموجود في الطبعة الحديثةمضطرب السند.
ص 19
والعدوان)(1).
ويشكل بأن التعاون على الشيء إنما يكون بالاشتراك فيه، كالتعاون على غلق الباب ورفع الحجر، بنحو لا يصلح نسبة الفعل إلى واحد بعينه، وهو غير حاصل في المقام، لأن الأدلة إنما تضمنت حرمة الوطء الذي هو فعل الزوج، وليس التمكين إلا مقدمة اعدادية له، فلا يصدق عليه إلا الإعانة، ولا دليل على عموم حرمتها.
نعم، لو استلزمت الاعانة التشجيع على الحرام حرمت، لفحوى ما دل على وجوب النهي عن المنكر. وكذا يحرم الإكراه عليه، وإن كان المكره معذوراً، على ما ذكرناه في محله. لكنه لا ينفع مع غفلة الزوج أو نحوها مما يكون معه معذوراً وغير مجبور. ولعله لذا حكي عن بعضهم احتمال جواز التمكين حينئذٍ، وفي المستند أن عموم حرمة التمكين غير معلوم بعد أن كان الدليل عليه حرمة الإعانة على الإثم.
ومن هنا استدل عليه سيدنا المصنف بخبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام): «سألته عن الرجل يطلق امرأته متى تبين منه؟ قال: حين يطلع الدم من الحيضة الثالثة تملك نفسها. قلت: فلها أن تتزوج في تلك الحال؟ قال: نعم، ولكن لا تمكن من نفسها حتى تطهر من الدم»(2). ودلالته وإن كان وافية إلا أن سنده محتمل للإرسال، حيث رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن بعض أصحابه أظنه محمد ابن عبد الله بن هلال أو علي بن الحكم عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم.
لكن لا يبعد ظهوره في أن المظنون هو كون الراوي محمد بن عبد الله والموهوم كونه علي بن الحكم مع الجزم برواية أحد الرجلين له، لا أن المظنون كون الراوي أحد الرجلين مع احتمال كونه شخصاً ثالثاً، ليكون مرسلاً. وحيث كان محمد بن عبد الله من رجال كامل الزيارة وعلي بن الحكم ثقة، كبقية رجال السند، كان الاعتماد عليه قريباً جداً.
مضافاً إلى تأيده بمعتبرة إسماعيل بن الفضل: «سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المائدة: 2.
(2) الوسائل باب:16 من أبواب العدد من كتاب الطلاق حديث:1.
ص 20
بل قيل: انه من الكبائر(1). بل الأحوط وجوباً ترك إدخال بعض الحشفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رجل أتى أهله وهي حائض. قال: يستغفر الله ولا يعود. قلت: فعليه أدب؟ قال: نعم، خمسة وعشرون سوطاً ربع حد الزاني وهو صاغر، لأنه أتى سفاحاً»(1)، ونحوه خبر محمد بن مسلم(2)، لظهورهما في كون الحرمة من سنخ حرمة السفاح التي يشترك فيها الرجل والمرأة.
كماقـد يستفادمن قوله(عليه السلام) في صحيح خلف المتقدم:«فلتتق الله،فإن كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة وليمسك عنها بعلها...»(3)، حيث لا يبعد ظهوره في كون إمساك بعلها عنها مقتضى تقواها لله تعالى.
وكذا ما تضمن أن المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها، أو أنها تستظهر ثم يأتيها بعلها، لظهوره في أن حرمة وطء الزوج لها من أحكامها التي لأجلها يجب عليها طريقياً الرجوع للوظيفة الظاهرية في الحيض، لا من الأحكام المختصة بالزوج التي يجب عليه فقط الرجوع فيها للوظيفة الظاهرية، ولو كانت هي اختيارها.
ولعله بلحاظ ذلك أو نحوه قال سيدنا المصنف(قدس سره) بعد ذكر خبر محمد ابن مسلم الأول: «وربما يستفاد من غيره بعد سبر النصوص. ولا سيما بملاحظة مرتكزات المتشرعة من بنائهم على حرمته عليها ذاتاً، لا من باب المعاونة».
(1) كما في كشف اللثام. وهو الظاهر ممن حكم بكونه موجباً للفسق، كما في التذكرة وعن جماعة، بل نفى الريب فيه في المدارك، ونفى الإشكال فيه في الجواهر، لما تقدم في المسألة الثامنة والشعرين من مباحث التقليد من أن ظاهر الأصحاب ـ كما هو صريح جملة منهم ـ عدم قدح الصغائر في العدالة.
هذا، وقد تقدم في المسألة المذكورة أن المعيار في كون الذنب من الكبائر عده منها في النصوص، أو ورود الوعيد عليه بالنار في الكتاب المجيد والسنة الشريفة، أو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل كتاب الحدود والتعزيرات باب:13 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات حديث: 2، 1.
(3) الوسائل باب:2 من أبواب الحيض حديث:1.
ص 21
أيضاً(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كونه أكبر أو مساوياً لبعض أفراد أحد القسمين، والكل غير ثابت في المقام.
نعم، قد يستفاد من معتبرة إسماعيل بن الفضل المتقدمة وخبر محمد بن مسلم أنه من سنخ السفاح الذي هو من الكبائر.
لكنه يشكل: بأن مقتضى تحديد تعزيره بأنه ربع حد الزاني كون حرمته بمرتبة ضعيفة بالإضافة إلى السفاح وإن كانت من سنخها،ومن الظاهر أن مقتضى ما تضمن عدّ الزنا من الكبائر إرادة الزنا ذي الحرمـة التامة، لا مطلق ما كان مسانخاً له موضوعاً أو حكماً وإن لم يبلغ مرتبته. ولبعض ما ذكرنا تنظر فيه في المستند.
(1) ففي الجواهر أنه قد يظهر من كاشف الغطاء تعميم وجوب الكفارة لإدخال بعض الحشفة وقد استدل سيدنا المصنف(قدس سره) لعموم التحريم له بما تضمن النهي عن الإيقاب والأمر باتقاء موضع الدم والفرج والقبل ونحوها مما يشمل بإطلاقه إدخال بعض الحشفة. قال:«واعتبار التقاء الختانين في وجوب الغسل للجنابة لايوجب تقييد ماذكر».
لكن ما تضمن النهي عن الإيقاب هو صحيح عمر بن يزيد: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين إليتيها ولا يوقب»(1) ، وهو ظاهر في الإيقاب في الدبر، لظهوره في الاستثناء مما بين الإليتين، ولأنه المحتاج للبيان، أما الإيقاب في القبل فوضوح تحريمه لأنه المتيقن من جميع الأدلة يغني عن التنبيه له، كما لامناسبة لذكره بعد تحليل ما بين الإليتين.
ولزوم رفع اليد عنه لما دل على انحصار الحرمة بالقبل ـ لو تم ـ لا يكون بحمله على الإيقاب في القبل، بل بحمله على شدة الكراهة. على أنه لو حمل على الإيقاب في القبل فوضوح حرمته قرينة على عدم كون ذكره لبيان تحريمه ليكون له إطلاق يشمل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:25 من أبواب الحيض حديث: 8.
ص 22
وأما وطؤها في الدبر فالأحوط وجوباً تركه(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إدخال بعض الحشفة، بل للتأكيد على اجتنابه مع المفروغية عن تحريمه، فلا يكون له إطلاق من هذه الجهة.
ومنه يظهرالحال فيما تضمن اتقاء موضع الدم أو القبل أو الفرج، كيف ولو كان له إطلاق لكان اللازم حرمة مسه من دون إدخال أصلاً، ولا يظن منهم البناء عليه أو فهمه من الأدلة. على أن ظاهر جملة مما تضمن ذلك إرادة الحرمة من حيثية الموضع من جسد المرأة من دون نظر لكيفية المباشرة، ليشمل بإطلاقه المس أو إدخال بعض الحشفة،كماينـاسبه وروده فيه جواباً عن السؤال عمايحل للرجل من الحائض،الظاهر في إرادة ما يحل من جسدها، لا من مباشرتها.
فيتجه الاقتصار في المباشرة على المتيقن وهو إدخال تمام الحشفة، لأنه المعهود منها عرفاً، بل شرعاً، لكونه سبب الجنابة التي هي أظهر آثار المباشرة، مؤيداً بظهور نصوص دية قطع الذكر في كون الحشفة هي المعيار في أدائه لوظيفته، لجعل قطعها معياراً في ثبوت الدية كاملة(1). فتأمل جيداً.
(1) كأنه لدعوى دخوله في إطلاق الاعتزال في الآية الشريفة، وإطلاق الفرج المستثنى مما للرجل من الحائض في جملة من النصوص الآتي بعضها. لكن سبق في مسألة الوطء في الدبر من مباحث الجنابة الإشكال في عموم الفرج للدبر، ولا سيما في المورد، لأن المناسب للحيض المنع عن موضعه لا غير.
بل في صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام): «في الرجل يأتي المرأة فيما دون الفرج وهي حائض. قال: لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع»(2). فإن السؤال فيه وإن كان عن إتيانها فيما دون الفرج، إلا أن قوله(عليه السلام):«إذا اجتنب ذلك الموضع» ظاهر في انحصار الحرمة بموضع واحد معهود، وليس هو إلا القبل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الوسائل باب:1 من أبواب ديات الأعضاء.
(2) الوسائل باب:25 من أبواب الحيض حديث:6.
ص 23
وبه يخرج عن إطلاق الاعتزال في الآية الشريفة لو تم شموله للوطء في الدبر ولم ينصرف لخصوص الوطء في القبل، لمناسبة الحيض، وللتعليل بأنه أذى، ولا سيما مع معلومية عدم إرادة معناه الحقيقي المقابل لمطلق الاتصال والملامسة.
وأظهر منه في ذلك مرسل ابن بكير عنه(عليه السلام): «قال: إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضع الدم»(1)، وحديث عبدالملك بن عمرو:«سألت أبا عبد الله(عليه السلام)ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ فقال: كل شيء ما عدا القبل منها بعينه»(2). وإن أشكل الأول بالإرسال، والثاني بعدم النص على وثاقة عبدالملك، غاية ما ورد فيه أنه روى هو عن الصادق(عليه السلام) أنه يدعو له دعاء مهتم به(3)، وحجية الرواية فرع وثاقته.
فالعمدة في الجواز صحيح هشام بن سالم مؤيداً بالخبرين المذكورين. ولذا صرح بعضهم بالجواز، بل هو ظاهر جملة من الأصحاب، حيث خصوا التحريم بموضع الدم، وفي الجواهر: «على المشهور في الجملة شهرة كادت تكون إجماعاً»، بل ظاهر التبيان ومجمع البيان الإجماع على اختصاص التحريم بموضع الدم، وفي الجواهر أنه ادعى هنا الإجماع المركب على عدم الفصل بين الدبر وغيره مما بين السرة والركبة عدا القبل.
نعم، سبق ظهور صحيح عمر بن يزيد في النهي عن الوطء في الدبر. وحمله على الوطء في القبل بقرينة ما سبق بعيد. فلابد إما من حمله على الكراهة محافظة على ما تضمن انحصار الحرمة بالوطء في القبل، أو إبقائه على ظهوره في الحرمة مع حمل الحصر المذكور على الحصر الإضافي في قبال الاستمتاع بظاهر الجسد، لانصراف الأسئلة إليه بعد كون الوطء في الدبر أمراً مغفولاً عنه غير متعارف ولا معهود والأول أنسب بملاحظة المناسبة الارتكازية بين الحكم والموضوع وبالنظر لما سبق من الأصحاب. وإن كان الأمر غير خال عن الإشكال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب:25 من أبواب الحيض حديث: 5، 1.
(3) رجال الكشي:332 طبعة النجف الأشرف.
ص 24
ولا بأس بالاستمتاع بغير ذلك(1)، وإن كره بما تحت المئزر مما بين السرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا في الجملة مما لا إشكال فيه، فلا يجب اعتزالها رأساً إجماعاً بيننا قد استفاضت دعواه في كلماتهم، بل في جملة منها أنه إجماعي بين المسلمين وأنه لا خلاف في جواز الاستمتاع بها فوق المئزر.
والنصوص به متظافرة قد تقدم بعضها ويأتي بعضها. ولأجل ذلك يلزم حمل الاعتزال في الآية الشريفة على الكناية عن تـرك الوطء في القبل أو مطلقاً، لا على المعنى الحقيقي، لاستلزامه تخصيص الأكثر. وأما حمل المحيض فيها على موضع الحيض ـ كما ذكره جماعة ـ فهو مخالف لظاهر الآية جداً، بل ظاهرها أنه مصدر ميمي بمعنى الحيض، لأنه الذي يسأل عنه ويجهل حكمه، والمناسب للوصف بالأذى، ولجعله ظرفاً للاعتزال،لا متعلقاً له.كما أن ما قد يظهر من المنتهى من التفكيك بين صدرها وذيلها،بحمل المحيض في الأول على الحيض والثاني على موضعه، بعيد جداً.
هذا، وفي صحيح عبد الرحمن أو موثقه: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل ما يحل له من الطامث؟ قال: لا شيء حتى تطهر»(1). لكنه لا ينهض في قبال ما سبق. وربما حمل على خصوص الوطء في القبل أو مطلقاً. وهو بعيد، لاستبعاد السؤال عنه بعد كون تحريمه متيقناً من الآية وغيرها، كما أنه لا يناسب التركيب اللفظي للكلام. ومثله حمله على التقية، لما سبق من دعوى اتفاق المسلمين على جواز الاستمتاع في الجملة. ومن هنا كان الأقرب حمله على الكراهة.
ومثله في ذلك موثق حجاج الخشاب: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الحائض والنفساء ما يحل لزوجها منها؟ قال: تلبس درعاً ثم تضطجع معه»(2)، فإن الدرع هو القميص على ما ذكره غير واحد من اللغويين. ولعله لذا أطلق في اللمعة كراهة الاستمتاع بغير القبل، وإن ذكر في الروضة أن المعروف من مذهب الأصحاب كراهة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:24 من أبواب الحيض حديث:12.
(2) الوسائل باب:26 من أبواب الحيض حديث:3.
ص 25
والركبة(1)، بل الأحوط استحباباً الترك.
وإذا نقت من الدم جاز وطؤها وإن لم تغتسل(2)، ولا يجب غسل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما بين السرة والركبة لا غير.
(1) ولا يحرم على المعروف من مذهب الأصحاب، ونسبه في المعتبر لجمهورهم، وفي التذكرة وجامع المقاصد والروض ومحكي المختلف وغيره إلى المشهور، وفي المنتهى إلى أكثر علمائنا،بل صريح الخلاف الإجماع عليه،كما هوظاهر ماسبق من التبيان ومجمع البيان. وعن المرتضى التحريم.
واستدل له بصحيح الحلبي: «أنه سأل أبا عبد الله(عليه السلام) عن الحائض وما يحل لزوجها منها. قال: تتزر بأزار إلى الركبتين وتخرج سرتها، ثم له ما فوق الأزار»(1)، وقريب منه موثق أبي بصير(2).
لكن لابد من حملهما على الكراهة، للنصوص المتضمنة انحصار التحريم بالقبل ـ وقد تقدمت ـ والمتضمنة انحصاره بالفرج، كموثق معاوية بن عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام): «سألته عن الحائض ما يحل لزوجها منها؟ قال: ما دون الفرج»(3)، وغيره(4)، وصحيح عمر بن يزيد المتقدم المصرح بتحليل ما بين الإليتين، ومعتبرة عمر بن حنظلة: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين الفخذين»(5)، ولذا كان المعروف بين الأصحاب الكراهة.
بل قرب في الحدائق حمل الموثقين على التقية، لأن العامة بين قائل بالحرمة وقائل بالكراهة. لكن لا مجال له بعد كون الكراهة مقتضى الجمع العرفي.
(2) كما هو المعروف من مذهب الأصحاب المدعى عليه الإجماع صريحاً في الانتصار والخلاف والغنية، وظاهراً في التبيان والسرائر ومجمع البيان وكشف اللثام ومحكي أحكام الراوندي، وعن شرح المفاتيح أنه لا قائل بالتحريم من الشيعة. لكن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب:26 من أبواب الحيض حديث:1، 2.
(3) ، (4) ، (5) الوسائل باب:25 من أبواب الحيض حديث:2، 3، 4، 9، 7.
ص 26
نسب للمشهور في التذكرة وجامع المقاصد ومحكي المختلف وغيره، وللأشهر في الروض ومحكي الذكرى، وللأكثر في المنتهى.
وقد نسبوا الخلاف للصدوق، وكأنه لقوله في الفقيه: «ولا يجوز مجامعة المرأة في حيضها، لأن الله عزوجل نهى عن ذلك فقال: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) يعني: بذلك الغسل من الحيض، ونحوه في المقنع والهداية. إلا أنه صرح بعد ذلك في الفقيه والمقنع بالاكتفاء بغسل الفرج مع شبق الزوج، وفي الهداية بالاكتفاء به مع استعجاله. وهو يناسب حمل التعميم لما بعد الطهر قبل الغسل على الكراهة، حيث يبعد جداً ارتفاع التحريم بالشبق والاستعجال.
فما في محكي المختلف من نسبة المنع له إلا أن تغلبه الشهوة فيأمرها بغسل فرجها ويطؤها، بعيد. وأشكل منه ما في كلام غيره من نسبة المنع إليه من دون تنبيه إلى الاستثناء، مع تصريحه به.
وكيف كان، فيدل على الجواز جملة من النصوص، كموثق علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام): «سألته عن الحائض ترى الطهر أيقع فيها [عليها.يب. بها.صا] زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا بأس، وبعد الغسل أحب إلي»(1)، وموثق عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله(عليه السلام) أو عن بعض أصحابنا عن علي بن يقطين عنه(عليه السلام)(2) «قال: إذا انقطع الدم ولم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء»(3)، ومرسل عبد الله بن المغيرة عن العبد الصالح(عليه السلام): «في المرأة إذا طهرت من الحيض ولم تمس الماء فلا يقع عليها زوجها حتى تغتسل، وإن فعل فلا بأس به. قال: تمس الماء أحب إلي»(4).
نعم، في موثق أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام): سألته عن المرأة كانت طامثاً فرأت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:27 من أبواب الحيض حديث:5.
(2) فقد رواه بالوجه الأول في الاستبصار، وبالثاني في التهذيب، فيكون مرسلاً. لكنه لا يخلو عن بعد، لأن عبدالله بن بكير أعلى من علي بن يقطين طبقة، فكيف يروي عنه بواسطة، ولا سيما مع ما ذكره النجاشي من أن أصحابنا ذكروا أنه لم يرو علي بن يقطين عن الصادق(ع) إلا حديثاً واحداً. (منه عفي عنه).
(3) ، (4) الوسائل باب:27 من أبواب الحيض حديث:3 ، 4.
ص 27
الطهر أيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا حتى تغتسل. قال: وسألته عن امرأة حاضت في السفر ثم طهرت فلم تجد ماء يوماً أو اثنين أيحل لزوجها أن يجامعها قبل أن تغتسل؟ لا يصلح حتى تغتسل»(1)، وفي موثق سعيد بن يسار عنه(عليه السلام): «قلت له: المرأة تحرم عليها الصلاة ثم تطهر فتتوضأ من غير أن تغتسل، أفلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال: لا حتى تغتسل»(2)، وقريب منهما ما يدل على اعتبار التيمم عند عدم الماء وغيره مما يأتي.
لكن يتعين حملها على الكراهة التي يدل عليها بعض نصوص الجواز. وربما حملت على التقية، لموافقتها للمشهور بين العامة، بل لم ينقل القول بالجواز مطلقاً عنهم، وإنما حكي عن أبي حنيفة الجواز مع انقطاع الدم على أكثر الحيض. وهو وإن كان قريباً إلا أن مقتضى الجمع العرفي الأول. على أنه لا أثر له بعد ظهور بعض نصوص الجواز في الكراهة.
وأما الجمع بين الطائفتين بالتفصيل بين شبق الزوج وعدمه ـ كما سبق عن المختلف حكايته عن الصدوق ـ لصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام): «في المرأة ينقطع عنها الدم دم الحيض في آخر أيامها. قال: إذا أصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغسل فرجها ثم يمسها إن شاء قبل أن تغتسل»(3). فهو بعيد جداً، لما أشرنا إليه من بعد ارتفاع التحريم بالشبق، خصوصاً مع إمكان سد الحاجة بالتفخيذ ونحوه، فجعله دليلاً على الكراهة أنسب. ولا سيما مع إباء قوله(عليه السلام) في حديث ابن بكير: «إن شاء» عن الحمل المذكور. فلا مخرج عما ذكره الأصحاب.
هذا، وأما الآية الشريفة فعلى قراءة: «يطهرن» بالتشديد يتطابق الصدر والذيل في الدلالة على النهي عن الوطء قبل الغسل. ويتعين حمله على الكراهة، لما تقدم من النصوص. ويختص بالتحريم قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض). وهو المناسب للتعليل بالأذى المختص ارتكازاً بالحيض. ولا مانع من التفكيك بينه وبين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) ، (3) الوسائل باب:27 من أبواب الحيض حديث:6، 7، 1.
ص 28
ما بعده في الإلزام بعد أن كانا جملتين مختلفتي الموضوع.
وعلى قراءته بالتخفيف يكون مقتضى مفهوم الغاية في الصدر عدم النهي عن الوطء قبل الغسل، ومقتضى مفهوم الشرط في الذيل النهي عنه. وما في الروض من أن الطهر بالتخفيف حقيقة شرعية في الطهارات الثلاث، وهي مقدمة على الحقيقة اللغوية. كما ترى، لأن الذي يطلق على الطهارات الثلاث هو الطهارة، لا الطهر، وإطلاق الطهارة عليها تابع لاصطلاح فقهي، لا لوضع شرعي. كيف وقد شاع في النصوص التي هي متأخرة عن الآية كثيراً إطلاق الطهر على ما يقابل الحيض، تبعاً لمعناه اللغوي والعرفي. ومن هنا لابد من الجمع بين الصدر والذيل.
ومن البعيد جداً تنزيل أحدهما على الآخر بحمل الطهر في الصدر على الغسل، أو حمل التطهر في الذيل على انقطاع الدم، لعدم مألوفية كل منهما في الاستعمالات، ولظهور اختلاف هيئتهما في اختلاف معناهما.
ومن هنا ربما يجمع بينهما بأحد وجهين:
أولهما: إلغاء مفهوم الغاية في الصدر، كي لا ينافي الذيل. ويتعين حملهما على الكراهة، كما سبق في قراءة التشديد.
ثانيهما: حمل خصوص الذيل على بيان ارتفاع مطلق المرجوحية ولو كانت تنزيهية، لا خصوص الحرمة، مع المحافظة في الصدر على مفهوم الغاية وعلى ظهوره في الحرمة تأكيداً لقوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض).
واستقرب سيدنا المصنف(قدس سره) الأول. لكن يبعد جداً إلغاء مفهوم الغاية، ولا سيما بعد ظهور سوق الجملة تأكيداً لما قبلها ومطابقته لمقتضى التعليل بالأذى.
ومن هنا لا يبعد كون الأقرب الثاني. لو لم يكن هو الظاهر من الآية بنفسها مع قطع النظر عن النصوص المتقدمة، لما فيه من المحافظة على خصوصية الحيض في الحكم المناسبة لأخذه في موضوعه، ولجعل الغاية الطهر، ولتعليله بالأذى، ولتعليل الذيل بما يناسب ارتفاع الكراهة أو حدوث الرجحان لا مجرد ارتفاع الحرمة،
ص 29
وهو قوله تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين).
وأما ما يظهر من غير واحد من توجيه الآية بحمل التطهر في الذيل على غسل الفرج أو الوضوء. فهو إنما ينفع لو قيل بوجوب أحدهما قبل الوطء، أما لو بني على عدم وجوب أحدهما كان خروجاً عن الظاهر من غير فائدة. فلاحظ.
بقي شيء، وهو أنه لو تعذر الغسل ففي قيام التيمم مقامه في ارتفاع الحرمة أو الكراهة به ـ كما في الفقيه وفي الدروس وجامع المقاصد وعن الذكرى وظاهر المنتهى ـ أو عدم قيامه مقامه، بل ترتفع الحرمة أو الكراهة من غير تيمم ـ كما يظهر من محكي نهاية الأحكام ـ أو لا ترتفع بالتيمم، وجوه:
والأول مقتضى معتبرة أبي عبيدة الآتية ورواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله(عليه السلام): «سألته عن المرأة إذا تيممت من الحيض هل تحل لزوجها؟ قال: نعم»(1). وهو مقتضى إطلاق قوله(عليه السلام) في موثق عبدالرحمن أو صحيحه في المستحاضة: «وكل شيء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت»(2).
نعم، مقتضى موثق أبي بصير المتقدم الثالث. وقريب منه موثق عبدالرحمن أو صحيحه(3). لكن يتعين الجمع بين الطائفتين بحمل الثانية على الكراهة مع التيمم لو قيل بالحرمة بدونه،وعلى خفتها لوقيل بالكراهة بدونه،كما يناسبه التعبير فيه بقوله(عليه السلام): «لا يصلح». وهو المناسب أيضاً لكون التيمم بدلاً اضطرارياً. ومنه يظهر أن أضعف الوجوه الثاني. فلاحظ.
هذا، ولا مانع من إيقاع التيمم بداعي رفع كراهة الوطء أو حرمته، لأنه من الدواعي القربية الكافية في صحة الطهارات، على ما تقدم نظيره في المسألة السابعة والتسعين من فصل غايات الوضوء. فراجع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:21 من أبواب الحيض حديث:2.
(2) الوسائل باب:1 من أبواب الاستحاضة حديث:8.
(3) الوسائل باب:21 من أبواب الحيض حديث:3.
ص 30
فرجها قبل الوطء(1)، وإن كان أحوط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما في ظاهر السرائر وصريح المعتبر والمنتهى وجامع المقاصد ومحكي الذكرى والبيان، كما هو الظاهر من كل من أهمل التعرض له، كما في الإرشاد واللمعة وغيرهما، وكذا من لم يتعرض لحكم الوطء قبل الغسل واقتصر على تحريم وطء الحائض، كما في المبسوط والاقتصاد والشرايع، ونسبه في الروض لأكثر القائلين بجواز الوطء قبل الغسل، وفي محكي شرح المفاتيح إلى المشهور.
خلافاً لظاهر الأمر به في كلام جملة من الأصحاب، كما في المقنعة والنهاية والغنية والمراسم والسرائر والقواعد وما تقدم من الصدوق، بل هو صريح بعضهم، بل في كشف اللثام أنه ظاهر الأكثر، وفي مفتاح الكرامة أنه ظاهر أكثر كتب الأصحاب.
ويستدل له بصحيح محمد بن مسلم المتقدم ومعتبرة أبي عبيدة: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المرأة الحائض ترى الطهر وهي في السفر وليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها وقد حضرت الصلاة. قال: إذا كان معها بقدر ما تغسل فرجها فتغسله ثم تتيمم وتصلي. قلت: فيأتيها زوجها في تلك الحالة؟ قال: نعم، إذا غسلت فرجها وتيممت فلا بأس»(1).
وقد استشكل سيدنا المصنف(قدس سره) في الصحيح بأنه إنما يكون ظاهراً في الوجوب لو كان من قبيل الأمر بالتبليغ، كي يكون الأمر شرعياً، وهو غير ظاهر، بل هو نظير أمر الولي الصبي بالعبادات. نعم، يدل على الرجحان، وهو أعم من الوجوب.
كما استشكل فيهما معاً بأن الحكم المشروط بغسل الفرج هو المشروط بشبق الزوج أو التيمم، وهو الجواز بلا كراهة أو مع خفتها، فلا يدل على ثبوت الحرمة بدون غسل الفرج، بل المتيقن الكراهة، فلا مخرج عما تقتضيه المطلقات من عدم وجوب غسل الفرج.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:21 من أبواب الحيض حديث:1.
ص 31
لكن الأول إنما يتوجه على ما في المستند من دعوى وجوب غسل الفرج نفسياً، والظاهر عدم إرادته في المقام وإن نسبه لبعضهم في المستند، بل المراد هو الوجوب العقلي لتحليل الوطء، نظير وجوب الغسل لمس المصحف، ولا ريب في ظهور الصحيح فيه، لأن تعقيب الأمر بغسل الفرج بالترخيص في الوطء ظاهر في توقف الترخيص عليه.
نظير ما ورد في وطء الرجل جاريته التي زوجها من عبده، كصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام): «سمعته يقول: إذا زوج الرجل عبده أمته ثم اشتهاها قال له: اعتزلها، فإذا طمثت وطأها...»(1)، فإن أمر العبد باعتزالها وإن لم يكن من قبيل الأمر بالتبليغ إلا أنه ظاهر في توقف حل وطء المولى للجارية عليه.
وأما الثاني فيندفع: بأن ظاهر الصحيح كون الشبق رافعاً للكراهة أو مخففاً لها من حيثية عدم الغسل مع توقف الحل حينئذٍ على غسل الفرج، لا في أن الحل من دون كراهة موقوف على كل من الشبق وغسل الفرج، كي يكون مجملاً من حيثية ما يتوقف على غسل الفرج، وأنه أصل الحل أو ارتفاع الكراهة.
مثلاً إذا ورد: إن رآى الجنب مصحفاً ملقى على الأرض فليتوضأ ثم له رفعه قبل أن يغتسل، كان ظاهراً في توقف حل حمل الجنب للمصحف على الوضوء، وإن كان تعرض المصحف للإهانة رافعاً لكراهة حمل الجنب للمصحف.
على أن الإشكال المذكور لو تم مختص بالصحيح الظاهر في رافعية الشبق للكراهة، لما سبق من استبعاد رافعيته للحرمة، ولا مجال له في حديث أبي عبيدة، لظهوره في توقف الحل على كل من التيمم وغسل الفرج، وقيام الدليل الخارجي على عدم توقفه على التيمم، بل هو رافع للكراهة لا يوجب رفع اليد عن ظهوره في توقف الحل على غسل الفرج. فتأمل.
فالعمدة في وجه حمل الحديثين على الكراهة عدم التنبيه على غسل الفرج في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:45 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث:2.
ص 32
(مسألة17): الأحوط وجوباً للزوج دون الزوجة(1) الكفارة عن الوطء(2) في أول الحيض بدينار،وفي وسطه بنصف دينار،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النصوص الدالة على عدم وجوب الغسل مع شدة الحاجة للتنبيه عليه. وإن كان في بلوغ ذلك حدّ القرينية إشكال.
نعم، التعبير بعدم مس الماء في حديث عبد الله بن المغيرة صالح للقرينية، لولا الإشكال فيه بالإرسال. كما أن الظاهر من غسل الفرج هو تطهيره من نجاسة دم الحيض، ومن البعيد جداً اعتبار ذلك في حلّ الوطء، ولذا لا يظن بأحد البناء على وجوب تطهيره منه لو تنجس به بعد ذلك، والفرق بين النجاسة المتصلة بالحيض والنجاسة الطارئة بعد النقاء بعيد جداً. إلا أن في صلوح ذلك لرفع اليد عن ظاهر الأمر في الحديثين وحمله على الاستحباب إشكالاً. فلا يترك الاحتياط.
هذا، وفي التبيان حمل التطهر في الآية على الوضوء، وظاهره وجوبه قبل الوطء، بل ظاهره الإجماع عليه، وحيث كان مخالفاً لظاهر الآية كان حملها عليه والتكليف به محتاجاً إلى دليل، وهو مفقود. إلا أن يريد به غسل الفرج، لأنه المذكور في صدر كلامه، فيبتني على ما سبق.
ومثله ما يظهر من مجمع البيان وعن أحكام الراوندي من وجوب أحد الأمرين من الوضوء وغسل الفرج، بل يظهر من الأول أنه إجماعي. وكذا ما عن محكي الجامع من وجوبهما معاً.
(1) كما صرح به غير واحد وادعى في الروض الإجماع عليه. لاختصاص النصوص بالزوج.
(2) حيث ذهب إلى وجوبها في الفقيه والهداية والمقنع والمقنعة والتهذيب والاستبصار والتبيان والاقتصاد وطهارة المبسوط وإشارة السبق والوسيلة والمراسم والسرائر وعن مصباح المرتضى والجمل والعقود والجامع وظاهر كشف الرموز
ص 33
والدروس والمسالك، وإن لم يتضح صدق النسبة للأخيرين، وجعله أحوط القولين في الشرايع، وأحوط الروايتين في النافع، كما جعل الوجوب احتياطياً في اللمعة.
وهو المشهور مطلقاً كما في الدروس والروض وكشف اللثام، وبين المتقدمين، كما في الحدائق، ومذهب الأكثر، كما في التذكرة وجامع المقاصد ومحكي الذكرى وشرح الجعفرية، بل في الانتصار والخلاف والغنية الإجماع عليه، وفي مفتاح الكرامة أنه قد يحصل اتفاق قدماء الأصحاب عليه.
لكن لا مجال له بعد حكاية الشيخ في نكاح المبسوط عن أصحابنا الخلاف وقول بعضهم بالاستحباب واختاره فيه وفي النهاية ـ في مبحث الحيض، وإن كان مقتضى إطلاقه في كتاب الكفارات الوجوب ـ ، وجرى عليه في المعتبر والتذكرة والمنتهى والإرشاد والقواعد والإيضاح وجامع المقاصد والروض والروضة والمدارك وكشف اللثام والوسائل ومحكي التحرير والمختلف والتلخيص وحاشية الإيضاح وحواشي الشهيد وفوائد الشرايع والجعفرية والموجز ومجمع البرهان وشرح المفاتيح وظاهر الذكرى والبيان وغيرها، وفي الحدائق أنه المشهور بين المتأخرين، وعن شرح المفاتيح نسبته لأكثرهم.
ومنشأ ذلك اختلاف الأخبار، فقد تضمن جملة منها ثبوت الكفارة، كرواية داود بن فرقد عن أبي عبد الله(عليه السلام): «في كفارة الطمث أنه يتصدق إذا كان في أوله بدينار، وفي وسطه نصف دينار، وفي آخره ربع دينار. قلت: فإن لم يكن عنده ما يكفر؟ قال: فليتصدق على مسكين واحد، وإلا استغفر الله ولا يعود، فإن الاستغفار توبة وكفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شيء من الكفارة»(1)، وقريب مما في صدره مرسل المقنع(2)، بل لعله هو منقولاً بالمعنى.
وصحيح محمد بن مسلم: «سألته عمن أتى امرأته وهي طامث. قال: يتصدق بدينار ويستغفر الله تعالى»(3)، وخبره: «سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة وهي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) ، (3) الوسائل باب:28 من أبواب الحيض حديث:1، 7، 3.
ص 34
حائض قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار وفي استدباره نصف دينار...»(1)، وموثق أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: من أتى حائضاً فعليه نصف دينار يتصدق به»(2)، وموثق الحلبي عنه(عليه السلام): «في الرجل يقع على امرأته وهي حائض ما عليه؟ قال: يتصدق على مسكين بقدر شبعه»(3)، وصحيحه: «سئل أبو عبد الله(عليه السلام) عن رجل واقع امرأته وهي حائض. قال: إن واقعها في استقبال الدم فليستغفر الله وليتصدق على سبعة نفر من المؤمنين بقوت كل رجل منهم ليومه، ولا يعد، وإن كان واقعها في إدبار الدم في آخر أيامها قبل الغسل فلا شيء عليه»(4)، ومرسل علي ابن إبراهيم: «قال الصادق(عليه السلام): من أتى امرأته في الفرج في أول أيام حيضها فعليه أن يتصدق بدينار، وعليه ربع حدّ الزاني خمسة وعشرون جلدة، وإن أتاها في آخر أيام حيضها فعليه أن يتصدق بنصف دينار ويضرب اثنتي عشرة جلدة ونصفاً»(5).
كما تضمن بعضها نفي الكفارة، كصحيح العيص: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل واقع امرأته و هي طامث. قال: لا يلتمس فعل ذلك وقد نهى الله أن يقربها. قلت: فإن فعل أعليه كفارة؟ قال: لا أعلم فيه شيئاً، يستغفر الله»(6)، وموثق زرارة عن أحدهماH: «سألته عن الحائض يأتيها زوجها قال: ليس عليه شيء، يستغفر الله ولا يعود»(7)، وخبر ليث المرادي: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن وقوع الرجل على امرأته وهي طامث خطأ. قال: ليس عليه شيء، وقد عصى ربه»(8).
وقد جمع الشيخ (قدس سره) بين الطائفتين بحمل الأولى على العلم بكون المرأة حائضاً والثانية على الجهل بذلك بشهادة خبر ليث، بحمل الخطأ فيه على ذلك، مدعياً أن الحكم فيه بأنه قد عصى ربه والحث على الاستغفار في الصحيح والموثق لا ينافي ذلك، ولا يلزم بحملها على العمد، إذ يمكن أن يكون بلحاظ تفريطه في ترك السؤال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:13 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات حديث:1.
(2) ، (3) الوسائل باب:28 من أبواب الحيض حديث:4 ، 5.
(4) الوسائل باب:22 من أبواب الكفارات حديث:2.
(5) الوسائل باب:28 من أبواب الحيض حديث:6.
(6) ، (7) ، (8) الوسائل باب:29 من أبواب الحيض حديث:1، 2، 3.
ص 35
ويشكل ما ذكره بأن الفحص عن الموضوع غير لازم، خصوصاً مع كون الحل مقتضى الاستصحاب، أما مع استصحاب الحيض فيجري حكم العمد.
نعم، يمكن حمل الحكم بالمعصية في الخبر على إرادة المعصية الواقعية. ولعله أقرب مما ذكره سيدنا المصنف(قدس سره) من حمل الخطأ فيه على الخطيئة. لكن تنزيل الصحيح والموثق على الخطأ بعيد جداً بعد كونه على خلاف الأصل، ولا سيما مع الأمر فيهما بالاستغفار، ومع قوله في الصحيح: «لا يلتمس فعل ذلك وقد...» الذي هو كالصريح في صلوح النهي للداعوية، ولا يكون إلا مع العمد، وقوله في الموثق: «ولا يعود» إذ لا معنى للنهي عن العود في الخطأ وأبعد منه تنزيلهما بقرينة الطائفة الأولى على نفي شيء غير الكفارة، أو على صورة عدم القدرة على الكفارة، بل هما لا يناسبان السؤال عن ثبوت الكفارة في الصحيح.
ومثله الإشكال في الصحيح والموثق بما في الجواهر من عدم مقاومتهما للإجماعات المتقدمة، ولا سيما مع إعراض من عرفت من الأصحاب عنهما. لاندفاعه بعدم حجية الإجماع المنقول في نفسه خصوصاً ما كان منقولاً في الكتب الثلاثة المتقدمة، لكثرة دعاواه فيها في مورد الخلاف، بل شيوعه. ولا سيما مع خروج الشيخ عليه الذي هو أحد نقلته واعترافه باختلاف الأصحاب الظاهر في سبق الخلاف عليه. كما لا مجال معه لدعوى الإعراض الموهن للخبرين مع اعتبار سنديهما.
وكذا الإشكال في الطائفة الأولى بأن ما عليه الفتوى منها وهي الرواية الأولى ضعيفة بالإرسال وغيره، لإمكان اندفاعه بانجبارها بعمل الأصحاب، ولا سيما مع ما في المنتهى من اتفاق الأصحاب على صحتها وإن ضعف سندها، وإنما خلافهم في حملها على الوجوب أو الاستحباب.
ودعوى: أنه يحتمل كون ذكر جماعة منهم لذلك لبنائهم على الاستحباب الذي يتسامح في أدلته، وإنما لم ينبهوا لذلك لتعودهم على الاقتصار على ذكر مضامين النصوص.
مدفوعة: بمخالفة ذلك لظاهر جملة منهم وصريح آخرين، ولأن شيوع
ص 36
التحديد المذكور بينهم دون بقية التحديدات المذكورة في النصوص المعتبرة قد يوجب الوثوق باطلاعهم على ما يوجب اعتبارها. فتأمل. ويأتي بقية الكلام في ذلك عند الكلام في مقدار الكفارة.
ومن هنا كان الأقرب الجمع بين الطائفتين بحمل الأولى على الاستحباب، كما يناسبه شدة الاختلاف بينها في مقدار الكفارة، بنحو يصعب الجمع العرفي بتنزيلها على التفصيل الذي تضمنه الأول منها، بل يتعذر في بعضها. ولاسيما مع عدم ظهور الخـبر المذكور في الوجوب، لوروده لبيان مقدار الكفارة مع المفروغية عن مشروعيتها، من دون أن يتضمن الأمر بها.
ولا وجه معه لحمل إحدى الطائفتين على التقية، لأنه فرع استحكام التعارض، بل لا مجال له بعد اختلاف العامة، فقد حكى في التذكرة القول بالوجوب عن الحسن البصري وعطاء الخراساني وأحمد والشافعي في القديم، والقول بالاستحباب عن سفيان الثوري وأصحاب الرأي ومالك والشافعي في الجديد.
ومنه يظهر أنه لو فرض استحكام التعارض كان المتعين التساقط والرجوع للبراءة، لا ترجيح نصوص الوجوب،بدعوى مخالفتها للعامة.كما لامجال لدعوى ترجيحهابالشهرة لأنها أكثر،لأنها ليست بالنحو الكافي في الترجيح، ولا سيما مع الاختلاف بينها في المقدار اختلافاً يصعب أو يتعذر معه الجمع. فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم.
هذا، وفي طهارة المبسوط: «وهل الكفارة واجبة أو مندوب إليها؟ فيه روايتان، إحداهما ـ وهي الأظهر ـ أنها على الوجوب، والثانية: أنها على الاستحباب».
وظاهره دلالة بعض الروايات على الاستحباب، ولم أعثر على ذلك عدا ما عن دعائم الإسلام: «وروينا عنهم(عليهم السلام): أن من أتى حائضاً فقد أتى ما لا يحل له. وعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه من خطيئته، وإن تصدق بصدقة مع ذلك فقد أحسن»(1)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل باب:24 من أبواب أحكام الحيض حديث:1.
ص 37
وفي آخره بربع دينار(1). والأحوط وجوباً أيضاً دفع الدينار نفسه مع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بناء على أن الذيل من تتمة الرواية لا من المؤلف. وربما يحمل ما في المبسوط على أن الاستحباب مقتضى الجمع بين النصوص كما ذكرنا، لا أنه مقتضى رواية خاصة دالة على الرجحان من دون إلزام.
(1) كما جرى عليه جمهور الأصحاب في بيان مقدار الكفارة سواء قيل بوجوبها أم باستحبابها، وادعى جملة منهم الشهرة على ذلك، وهو معقد الإجماعات المتقدمة المدعات على الوجوب، وعن المهذب البارع دعوى الإجماع عليه أيضاً، وذكر في المعتبر اتفاق الأصحاب على اختصاص رواية داود بن فرقد بالمصلحة الراجحة إما وجوباً أو استحباباً، وقال: «فنحن بالتحقيق عاملون بالإجماع، لا بالرواية، لأنه لولا أحد الأمرين يلزم خروجها عن الإرادة، وهو منفي بالاتفاق».
نعم، يظهر التردد فيه من الصدوق، كما اعترف به في الجملة في المعتبر وغيره، فإنه وإن اقتصر في نكاح المقنع والهداية على ذلك، إلا أنه في الفقيه بعد أن ذكره قال: «وروي أنه إذا جامعها وهي حائض تصدق على مسكين بقدر شبعه»، بل في طهارة المقنع قال: «وإذا وقع الرجل على امرأة وهي حايض فإن عليه أن يتصدق على مسكين بقدر شبعه. وروي: إن جامعها في أول الحيض...» ثم ذكر مضمون رواية دواد بن فرقد. كما قد يظهر من اقتصار الكليني في نوادر الكفارات على صحيح الحلبي فتواه بمضمونه.
وكيف كان، فالوجه فيما في المتن رواية داود بن فرقد مع تنزيل غيرها عليها، فينزل صحيح محمد بن مسلم على أول الحيض، وموثق أبي بصير على وسطه، وموثق الحلبي على تعذر التصدق بالدينار وأبعاضه، حيث تضمنت رواية داود الاكتفاء حينئذٍ بالصدقة على مسكين واحد.
وأما ما في التهذيب من حمل الموثق على ما إذا كانت قيمته ما يبلغ الكفارة، فغريب.
ص 38
الإمكان(1)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن لا يخفى بُعد التنزيلات الأول أيضاً كتعذر التنزيل في صحيح الحلبي وخبر محمد بن مسلم ومرسل علي بن إبراهيم. وهذا ما يؤيد ما سبق من كون الحكم استحبابياً. بل قد يقوى معه احتمال كون ذكر غير واحد من القدماء لمضمون رواية داود ليس لبنائهم على وجوبه، بل لاستحبابه، ولم ينبهوا على ذلك كما لم ينبهوا في كثير من المستحبات التي اثبتوها بلسان نصوصها التي قد تظهر بدواً في الوجوب، وإنما رجحوا رواية داود لأنها أقرب للاعتبار، لأن مبناهم على التسامح في المستحبات.
ومن هنا كان المناسب العمل بجميع النصـوص والجمع بينـها بالحـمل علـى اختلاف مراتب الفضل أو التخيير، قال في محكي مجمع الفائدة والبرهان: «أن الظاهر من التكفير مطلق التكفير، مثل شبع شخص وعشرة، كما هو في بعض الروايات، ويكون المذكور مستحباً في مستحب».
(1) كما جزم به في جامع المقاصد والمسالك والمدارك، وهو ظاهر الروضة وعن غيرها. جموداً على مفاد النص.
ويشكل: بأن إطلاق التكليف بالعناوين النقدية كالدينار والدرهم والتومان والليرة وغيرها ينصرف إلى إرادة المالية المحفوظة في النقد المسكوك المتداول في مورد تداول النقد المكلف به، لأنها الغرض النوعي من النقود المضروبة، بنحو يكون سبباً لإلغاء خصوصياتها عرفاً، فإذا كلف في زماننا بالدينار العراقي اجتزأ بدفع ما يساويه من نقد العراق، كنصفي دينار، ونصف وربعين، وعشرين درهماً وغيرها، لا من باب التبديل، بل لفهمها من الإطلاق. ويناسبه وروده في النص في سياق نصف الدينار وربعه مع أن الظاهر عدم ضربهما في عصر الصدور. وحملهما على التصدق بالكسر المشاع بعيد جداً، بل المفهوم ما ذكرنا.
وعليه لا يلزم الجمود على الدينار، ولا التعدي لمطلق النقد، فضلاً عن كل ما يساويه في القيمة ولو من غير النقد. وكأن هذا هو مراد جملة ممن وصف الدينار بما
ص 39
وإلا دفع القيمة(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون قيمته عشرة دراهم جياد، حيث وصفه بذلك جماعة كثيرة كالشيخين والعلامة وغيرهم، بل في جامع المقاصد أنه المعروف من مذهب الأصحاب، فلا يبعد أن يكون مراد جملة منهم جواز دفع الدراهم، لأنها بقدره في البلاد الإسلامية التي يتعارف فيها استعمال الدينار، كما احتمله منهم في كشف اللثام ونسبه صريحاً للجامع، لا أن مرادهم تقييد الدينار بها بحيث لا يجب دفعه بتمامه لو زادت قيمته عليها، ولا يجزي لو نقصت قيمته عنها، فإنه بعيد جداً، ولا أن مرادهم مجرد تعريفه بذلك، لبيان وجوب كون الدينار ذهباً خالصاً بوزن مثقال، لأن التصريح بذلك أخصر وأفيد.
ومنه يظهر أنه لا مجال لما ذكره جماعة كثيرة من إطلاق عدم إجزاء دفع القيمة، ولا لما ذكره سيدنا المصنف(قدس سره) وسبقه إليه في المنتهى ومحكي التحرير ونهاية الأحكام من الاكتفاء بالذهب غير المسكوك. قال(قدس سره): «إذا كانت قرينة السياق مانعة من حمل الدينار على خصوص المسكوك يدور الأمر بين حمله على القيمة وحمله على المقدار من الذهب، والثاني أولى، لأنه أقرب إلى الحقيقة وإلى الاحتفاظ بخصوصية الذهب، فيكون هو المتعين».
وفيه: أن الأقربية للحقيقة والاحتفاظ بخصوصية الذهب لا تصلح قرينة في المقام مالم ترجع للأقربية ذهناً،وهي ممنوعة بعدما ذكرنا. وأضعف منه ما في المنتهى من تناول الاسم للذهب المضروب وغيره. لأن اختصاصه بالمضروب من الواضحات، والتعدي لما ذكرنا للخصوصية التي أشرنا إليها آنفاً، لا لعموم الاسم له.
(1) قال سيدنا المصنف(قدس سره) بعد أن جزم بعد إجزاء القيمة اختياراً: «ثم إنه لو تعذر الدينار فلا كلام في الاجتزاء بالقيمة، والعمدة فيه الإجماع المذكور. ولولاه أشكل الحكم، لأن قاعدة الميسور على تقدير تماميتها كلية فاقتضاؤها وجوب القيمة غير واضح، لعدم صدق الميسور على القيمة».
وما ذكره(قدس سره) في محله، لأن قيمة الشيء ارتكازاً بدل عنه لا ميسور منه. على أن
ص 40
وقت الدفع(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القاعدة غير تامة، كما أشرنا إليه غير مرة.
هذا، وفي جامع المقاصد: «ومع تعارض القيمة والتبر يحتمل التخيير، وترجيح التبر لقربه من المنصوص».
وفيه ـ مع ما سبق من الإشكال في الترجيح بالقرب من المنصوص ـ : أن التبر وإن كان أقرب من حيثية الماهية والحقيقة، إلا أن القيمة أقرب من حيثية المالية، التي هي أنسب ارتكازاً بالملاحظة في أمثال المقام مما يكون التكليف فيه بالمال، بل حيث كان أصل التعدي عن الدينار مع تعذره من جهة الإجماع فالظاهر من حال المجمعين تعين القيمة، وإنما ذهب من ذهب للاكتفاء بالذهب لتخيل كونه في عرض الدينار، كما سبق. فتأمل.
نعم، يقع الكلام في الاجتزاء بكل ما يساوي الدينار في المالية أو بخصوص النقد، قد ينسب لظاهر كلماتهم الأول. لكنه لا يخلو عن إشكال، لانصراف القيمة إلى النقد دون غيره بل هو مساوٍ للمضمون في القيمة، لا قيمة له. ولا أقل من لزوم الاقتصار على المتيقن. اللهم إلا أن يدعى أن المرجع البراءة، بناء على ما يأتي من احتمال التكليف بالقيمة مع التعذر، لا بالدينار والقيمة مسقطة له. فتأمل.
هذا، وبناء على ماسبق منا يتجه التخيير بين الدينار الذهب المضروب والدراهم، ومع تعذرهما ـ كمافي عصورنا ـ ينتقل للقيمة بالنقد، والمتيقن الاقتصار على نقد البلاد التي تدفع بها الكفارة أو تجب فيها ـ على ما يأتي نظيره في وقت القيمة ـ أما نقد غيرها فهو فيها كسائر أفراد العروض الأخرى، فيجري فيه ما سبق فيها.
(1) لأنه وقت الانتقال إليها، بناء على ما هو الظاهر من إمكان انشغال الذمة وضعاً ـ الذي هو بمعنى الضمان ـ بالمتعذر، بلحاظ إمكان تفريغها ببدله. إلا أن يدعى أن مرجع الأمر بالكفارة ليس إلى انشغال الذمة بها وضعاً، بل إلى وجوب أو استحباب دفعها تكليفاً، وحيث يمتنع التكليف بالمتعذر يتعين الانتقال للقيمة المستلزم لوجوب قيمة
ص 41
نعم لا شيء على الساهي، والناسي(1)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) وقت التعذر لو كان متأخراً عن التكليف وقيمة وقت التكليف لو كان متأخراً عن التعذر.
هذا، وحيث كان الدينار الشرعي مساوياً للمثقال الشرعي الذي سبق تحديده في مبحث الكر كان اللازم مراعاة قيمته، والمعيار فيها على قيمة الذهب المقدر بذلك. ولا مجال لملاحظة قيمة بعض الدنانير الأثرية ـ التي هي عالية جداً ـ لأن نسبة القيمة إليها ليس بلحاظ كونها ديناراً، بل بلحاظ قدمها وأثريتها، والظاهر خروج ذلك عن مقام التقدير في الماليات. بل لا يبعد عدم وجوب دفعها مع التمكن منها، لانصراف الدينار إلى ما يتعامل به. فتأمل جيداً. والله سبحانه وتعالى العالم.
(1) فقد صرح بعدم وجوبها مع النسيان في التذكرة والمنتهى والمسالك، وهو مقتضى التقييد بالعلم والعمد في المبسوط والشرايع والدروس، بل الظاهر عدم الإشكال فيه بينهم وإن قصرت عنه بعض عباراتهم. لانصراف إطلاق الكفارة إلى كونها عقوبة على الذنب أو مسقطة له كالتوبة، فيقصر عما لو لم يكن الفاعل مسؤلاً به لعذر من نسيان أو نحوه، ولعله إليه يرجع استدلال بعضهم بحديث رفع النسيان، لأن المرفوع به ما هو من سنخ المسؤولية وشؤونها، كالعقاب ونحوه، دون غيره من الآثار.
ولاينافي ذلك ثبوت الكفارة في قتل الخطأ والصيد خطأ في الإحرام،لأن قيام الدليل الخاص على شيء لا ينافي انصراف الإطلاق عنه. بل لعل السقوط مقتضى إطلاق الخطأ في خبر ليث المتقدم بناء على ما سبق في الاستدلال به. مضافاً إلى اختصاص أكثر نصوص المقام بصورة تحقق المعصية، للأمر فيها بالاستغفار، وتضمنها أنه توبة وكفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شيء من الكفارة، لوضوح أن الاستغفار والتوبة من شؤون الذنب الذي يسأل به.
بل رواية داود بن فرقد التي هي دليل الأصحاب في المقام، واردة في مقام بيان مقدار الكفارة بعد الفراغ عن مشروعيتها، لا في مقام تشريعها، ليكون لها إطلاق يقتضي تشريعها مع السهو والنسيان. فلاحظ.
ص 42
والصبي(1)، والمجنون(2)، والجاهل بالموضوع(3)، بل بالحكم(4) إذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما في المنتهى والتذكرة، بل في الأول دعوى الإجماع عليه. والظاهر عدم الإشكال فيه بينهم. لما سبق في السهو والنسيان. مضافاً إلى حديث رفع القلم، حيث يخرج به عن عموم وجوب الكفارة لو تم، بناء على ما أشرنا إليه في تعيين وقت القيمة من أن وجوبها تكليفي لا وضعي، بل وإن كان وضعياً بناء على ما هو الظاهر من عموم حديث رفع القلم للوضعي إذا كان من سنخ المسؤولية وشؤونها، كنفوذ العقد. ووجوبها عليه بعد البلوغ يحتاج إلى دليل، لظهور نصوصها في وجوبها بمجرد الوطء من دون فصل.
(2) الكلام فيه هو الكلام في الصبي.
(3) وهو كون المرأة حائضاً، كما صرح به في المقنعة والتهذيب والاستبصار والخلاف والتذكرة والمنتهى وظاهر المسالك، وهو مقتضى التقييد بالعمد ممن سبق، وبالعلم بحالها في الروض وكشف اللثام، بل لعله لا إشكال فيه بينهم، بل ظاهر الخلاف نفي الخلاف فيه. والوجه فيه ما سبق في الساهي والناسي.
(4) وهو حرمة وطء الحائض، فقد أطلق سقوط الكفارة مع الجهل بذلك في الخلاف والتذكرة والمنتهى. وهو مقتضى التقييد بالعلم ممن سبق، كما هو المحكي عن الجامع والتحرير ونهاية الأحكام والمختلف الذكرى، وظاهر الخلاف نفي الخلاف فيه، وعن الهادي أنه إجماعي.
ويقتضيه ما سبق في الساهي والناسي من انصراف إطلاق الكفارة إلى صورة المسؤولية بالذنب والمؤاخذة عليه، مؤيداً باختصاص جملة من نصوصها بذلك، لاشتمالها على الاستغفار والتوبة. لكنه يختص بما إذا كان الجهل عذراً، كما قيده به في المتن، دون ما لو كان عن تقصير.
إلا أن يتمسك لإطلاق سقوط الكفارة مع الجهل بالإجماع المتقدم، وبما سبق التنبيه عليه من عدم الإطلاق في رواية داود التي هي دليل الأصحاب في المقام، حيث
ص 43
كان عن عذر. ولو وطأ السيد أمته في الحيض فالأحوط وجوباً أن يتصدق بثلاثة أمداد(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يلزم الاقتصار معه على المتيقن. ولا يهم إطلاق غيرها بعد عدم العمل به وصعوبة تنزيله على مفادها أو تعذره، كما سبق فتأمل.
وأما مع الجهل بثبوت الكفارة والعلم بالتحريم فظاهرهم ثبوت الكفارة، وهو قريب جداً، لمناسبته لما عرفت من كون الكفارة من شؤون المسؤولية بالذنب. ولا يهم معه ما ذكرناه من عدم الإطلاق في رواية داود بعد الإشارة فيها للجهة المذكورة التي لا دخل فيها ارتكازاً للعلم بثبوت الكفارة،وليس هوكالعلم بحرمة الوطء، حيث يكون الجهل بها موجباً لتخفيف الذنب وإن كان عن تقصير، فلا يبعد سقوط الكفارة به. فافهم.
هذا، وفي مفتاح الكرامة: «وأما التفصيل بالمضطر وغيره والشاب وغير ـ كما قاله الراوندي ـ فلا عبرة به. وهو في محله. إلا أن يراد بالاضطرار ما يرفع الحرمة، فيتجه سقوط الكفارة لما سبق.
(1) كما في المقنع والهداية والفقيه والمقنعة والانتصار والسرائر والوسيلة ومحكي كشف الالتباس، ونفى في السرائر الخلاف فيه، وادعى في الانتصار أنه إجماعي، وصريحه كمحكي كشف الالتباس الوجوب، كما هو ظاهر غيرهما، بل في كشف اللثام أنه ظاهر أكثر من ذكره.
وصرح بالاستحباب في المعتبر والمنتهى، كما لعله الظاهر ممن صرح باستحباب التكفير بوطء الزوجة بالدينار ونصفه وربعه، كما في النهاية والقواعد ومحكي نهاية الأحكام والتحرير والبيان، بل عدم الوجوب كالصريح من جامع المقاصد والروض. وقد يظهر من إطلاق جملة منهم مشاركة الأمة للزوجة في التكفير بالدينار ونصفه وربعه، بل هو كالصريح من الشيخ في التهذيبين، حيث حمل ما تضمن التصدق على عشرة مساكين في الأمة على ما إذا كان في آخر الحيض، فيحسن توزيع الربع دينار عليهم.
وما ذكره سيدنا المصنف(قدس سره) من قيام الإجماع على انتفاء الكفارة بذلك في
ص 44
الأمة غير ظاهر، كيف وفي حاشية المدارك نسبته للمشهور.
هذا، وقد استدل في الانتصار لوجوب الأمداد الثلاثة بعد الإجماع بإطلاق ما تضمن الأمر بفعل الخير والطاعة، الذي لا يمنع من الاستدلال به الخروج عنه في بعض الموارد. لكن لا مجال لدعوى الإجماع بعد ما سبق. وعموم الأمر بفعل الخير لما كان استغراقياً ـ كما هو مبنى الاستدلال ـ فلا مجال لحمله على الوجوب المولوي لاستلزامه تخصيص الأكثر المستهجن، بل يحمل على الاستحباب. أو الإرشاد الذي هو المتعين في أوامر الطاعة.
نعم، في الرضوي: «وإن جامعت أمتك وهي حائض فعليك أن تتصدق بثلاثة أمداد من الطعام»(1). بل من البعيد جداً فتوى الأصحاب بمثل هذا الحكم التعبدي من دون رواية به.
لكن ضعف الرضوي وعدم العثور على الرواية والنظر في لسانها مانع من الاستدلال بهما. واحتمال اعتمادهم على الرضوي بعيد جداً، لعدم ظهوره إلا في العصور المتأخرة. بل ذكرنا في بعض مواضع هذا الشرح إلى أن بعضه أشبه بكلام الفقهاء منه بكلام الأئمة(عليهم السلام) وإن كانت موافقة الصدوق له في كثير من الموارد والخصوصيات التي قد ينفردان بها قد تكشف عن اطلاعه واعتماده عليه، أو أخذهما من مشرب واحد.
وقد يستدل لمشاركة الأمة للزوجة في الدينار ونصفه وربعه بإطلاق بعض ما سبق في الزوجة وبعضه وإن كان مختصاً بالزوجة إلا أن خصوصيتها ملغية عرفاً، لقضاء المناسبات الارتكازية بأن الكفارة لحيثية حرمة الوطء. ويشكل بأن عمدة الدليل على التفصيل المذكور هو رواية داود بن فرقد، التي سبق أنها واردة لتحديد الكفارة بعد الفراغ عن مشروعيتها، فلا إطلاق لها يقتضي مشورعيتها بوطء غير الزوجة فضلاً عن وجوبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل باب:23 من أبواب أحكام الحيض حديث:1
ص 45
نعم، لو علم بثبوت الكفارة في الأمة كان مقتضى إطلاق الرواية المذكورة أنها بالمقدار الذي تضمنته، لكن لا طريق للعلم بذلك. وأما الاستدلال عليه بإطلاق قوله(عليه السلام) في موثق أبي بصير السابق: «من أتى حائضاً فعليه نصف دينار يتصدق به»، كما هو مقتضى إطلاق خبر محمد بن مسلم المتقدم المتضمن للتفصيل في الدينار ونصفه بين استقبال الحيض واستدباره. فهو لا يخلو عن إشكال، لصعوبة تنزيل الموثق على مفاد الرواية، وامتناع تنزيل الخبر عليه، كما سبق، فمبنى الاستدلال بالرواية على طرحهما، ومعه كيف يستدل بإطلاقهما في المقام.
وأما إلغاء خصوصية الزوجة فهو يحتاج إلى لطف قريحة،خصوصاً مع ظهور القول بالفرق بينها وبين الأمة.
هذا كله مع أن النصوص النافية للكفارة وإن اختصت بالزوجة إلا أنها تصلح لرفع اليد عن ظهور نصوص الكفارة في الوجوب حتى في الأمة ـ لو تم شمول إطلاقها لها ـ لأن حملها على خصوص الأمة بعيد جداً، وعلى التفصيل بينها وبين الزوجة في الوجوب والاستحباب متعذر عرفاً.
ولا سيما مع
ما رواه الشيخ بطريق معتبر في الاستبصـار عن عبد الكريم بن عمرو الموثق، وفي
التهذيب عن عبد الملك بن عمرو الذي لا يخلو عن مدح: «سألت أبا عبد الله(عليه
السلام)
عن رجل أتى جاريته وهي طامث. قال: يستغفر الله ربه. قال
عبد الكريم [عبدالملك]: فإن الناس يقولون: عليه نصف دينار أو دينار. فقال أبو عبد
الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:28 من أبواب الحيض حديث:2.
ص 46
من الحنطة أو الشعير(1) على ثلاثة مساكين(2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا، وقد استظهر منه سيدنا المصنف(قدس سره) كون الصدقة بعشرة أمداد. وكأنه لبعد إرادة الإطلاق المستلزم للاكتفاء بمسمى الصدقة، وصلوح معهودية الصدقة على المسكين بمد في كثير من الموارد للقرينية على إرادته هنا.
(1) لم يتضح الوجه في الاقتصار عليهما مع إطلاق الطعام في الفتوى والرضوي ومعقد الإجماع ونفي الخلاف في الانتصار والسرائر.
(2) كما في المقنعة والنهاية وعن المهذب والجامع، وهو داخل في معقد الإجماع المدعى في الانتصار، ومعقد عدم الخلاف المدعى في السرائر. وينحصر الدليل عليه بذلك،وإلا فالرضوي خال عنه. ودعوى: أن ذلك هو المنسبق من إطلاقه، غير ظاهرة.
بقي في المقام أمور..
الأول: الظاهر عدم الفرق في الأمة بين القنة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة التي لم يتحرر منها شيء، كما صرح به بعضهم، وهو مقتضى إطلاق غيره. لإطلاق الرضوي ومعقد الإجماع المتقدم. بل يجري ذلك في المزوجة إذا وطأها مالكها، كما صرح به في الروض. اللهم إلا أن يكون الدليل هو الإجماع دون الرضوي، حيث تخرج عن المتيقن منه، لأنها بحكم الأجنبية، وليست كأحد الأقسام المتقدمة، فيتعين ابتناء حكمها على ما يأتي في غير الزوجة والأمة.
وكذا الحال في المبعضة بناء على حرمة وطء مالك البعض لها مطلقاً، وفي المشتركة وإن قيل بجواز وطئها لأحد الشركاء بتحليل الباقي ـ كما تضمنته بعض النصوص(1) ـ لخروجهما عن عنوان الزوجة والأمة معاً. وأما لو قيل بجواز وطء المبعضة بالمهاياة في يومه وبالتمتع في يومها ـ كما تضمنه النص المذكور أيضاً ـ فلا ينبغي التأمل في لحوق حكم وطء المتمتع بها مع وطئها في يومها بالتمتع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:41 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث:1.
ص 47
وأما وطؤها بالمهاياة في يومه فقد يدعى جريان حكم الأمة فيه، لأنه وإن لم يصدق عليها الأمة إلا أن ظاهر النص الدال على جواز الوطء كونه من باب وطء المملوكة، فيجري عليه حكمه.
لكنه يشكل بأن التصدق بثلاثة أمداد ليس من أحكام وطء المملوكة، بل هو حكم من وطأ أمته، الذي لا يصدق في المقام. بل لو فرض صدقه فحيث يحتمل انحصار الدليل عليه بالإجماع الذي يخرج المقام عن المتيقن منه، كان المتعين التوقف عن إجرائه فيه، والرجوع فيه لحكم وطء غير الزوجة والأمة، نظير ما تقدم في الزوجة إذا وطأها مالكها. وكذا الحال في المحللة، لأن وطأها وإن أمكن أن يكون من باب وطء مالك اليمين بنحو من التعمل، إلا أنه ليس وطأً لأمته. فما عن ظاهر كشف الغطاء من عموم حكم الأمة لها غير ظاهر.
الثاني: الظاهر عدم الفرق في الزوجة بين الحرة والأمة والدائمة والمنقطعة، كما هو مقتضى إطلاق الأصحاب وصرح به غير واحد، بل لعله لا إشكال فيه بينهم، لأن الظاهر دخول الزوجة بأقسامها في المتيقن من رواية داود بن فرقد، وإن لم يكن لها إطلاق من هذه الجهة، كما تقدم. ولا سيما مع دخولها في إطلاق بقية نصوص الكفارة وإن لم يعول عليها في تحديدها. فتأمل.
الثالث: لو لم تكن الموطوءة زوجة ولا أمة ـ كالمزني بها والموطوءة شبهة ـ فلا إشكال في عدم وجوب التكفير بثلاثة أمداد، لاختصاصه بوطء الأمة، وهل يجب بالدينار ونصفه وربعه، كما في المنتهى والحدائق ومحكي الذكرى وغيرها، أو لا كما قواه بعض الأعاظم(قدس سره)؟
وجهان مبنيان على ما تقدم عند الكلام في حكم الأمة من استفادة العموم لغير الزوجة من نصوص التكفير المذكور وعدمها. وأما الاستدلال لوجوب التكفير لو لم يتم العموم بالأولوية في المزني بها، لتأكد الحرمة فيها، فلا يخلو عن إشكال، خصوصاً مع ما في الروض وغيره من احتمال كون الكفارة مسقطة للذنب، فلا يتعدى للأقوى،
ص 48
لأنه بتفاحشه قد لا يقبل التكفير، كما مثل له في الحدائق بالصيد ثانياً.
ومثله ما في الجواهر من التوقف في وجوب الكفارة حتى لو تم الإطلاق في النصوص، بدعوى: الشك في شموله لنحو المقام. وكأن مراده انصراف الإطلاق عنه. لكنه بدوي لا يعتد به.
الرابع: الظاهر عدم الإشكال في جواز دفع كفارة وطء الزوجة لمسكين واحد، وبه صرح جماعة، وفي الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه». لإطلاق النصوص.
لكن في العروة الوثقى بعد الفتوى بذلك: «الأحوط صرفها على ستة أو سبعة مساكين» وعن نجاة العباد الاحتياط بالسبعة أو بالعشرة. وذكر سيدنا المصنف(قدس سره) أن وجه الاحتياط بالسبعة صحيح الحلبي المتقدم في نصوص الكفارة، ثم قال: «لكن ينبغي حينئذٍ أن يكون مقدار ما يكفي لكل منهم قوت يومه، كما قيد به فيه».
وهو موقوف على أن مفاد الصحيح جواز دفع قيمة القوت، لا عينه، أوعلى أنه يجوز دفع عين القوت بدل الدينار في الكفارة، والثاني ممنوع، كما تقدم، والأول مشكل. مع أن الصحيح مختص باستقبال الحيض. وأما الاحتياط بالستة فقد ذكر سيدنا المصنف(قدس سره) أنه غير ظاهر الوجه.
وأما الاحتياط بالعشرة فقد وجهه(قدس سره) بالنص المتقدم في الأمة. لكنه ـ مع اختصاصه بالأمة ـ قد تقدم احتمال ظهوره في التصدق على كل مسكين بمد، فيشكل الاحتياط المذكور بنظير ما تقدم في صحيح الحلبي.
نعم، أشرنا آنفاً إلى أن الشيخ(قدس سره) في التهذيبين حمل النص المذكور على ما إذا كان الوطء في آخر الحيض وكان ربع الدينار مساوياً لمقدار الصدقة على عشرة مساكين. ولو تم وجب توزيع ربع الدينار عليهم. لكن ظاهره في التهذيب حمل التوزيع فيه على الاستحباب. ولم يتضح وجهه، لأن ما سبق منا في وجه عدم حمل النص المذكور على الوجوب إنما يرجع إلى عدم وجوب التصدق الذي تضمنه ـ والمفروض في كلامه وجوبه ـ ولا ينافي لزوم التوزيع في الصدقة التي تضمنها ـ مستحبة كانت أو واجبة ـ كما هو
ص 49
ظاهر النص. فالعمدة أن أصل الحمل المذكور في كلامه ليس عرفياً، بل هو بعيد جداً. بل لما كان وارداً في الأمة كان اللازم الاقتصار على مورده، والعمل بإطلاق الصدقة فيه، أو حمله على الصدقة على كل مسكين بمدّ، لما سبق.
الخامس: قال في العروة الوثقى: «وجوب الكفارة في الوطء في دبر الحائض غير معلوم. لكنه أحوط». وقال سيدنا المصنف(قدس سره): «لابتنائها على حرمة وطئها في الدبر، وقد تقدم منه الإشكال فيه».
ولا ينبغي التأمل في عدم وجوب الكفارة بناء على جواز وطء الحائض في الدبر، حيث تقدم أن منصرف الكفارة كونها من شؤون الذنب، ولا سيما مع اشتمال بعض نصوص الكفارة على التوبة والاستغفار. وأما بناء على حرمته فقد يستشكل في وجوب الكفارة به، ولعله المراد في العروة الوثقى، لدعوى: انصراف إطلاق النصوص عنه، بل قد خص في مرسل علي بن إبراهيم بالإتيان في الفرج، وسبق عدم الإطلاق في رواية داود بن فرقد التي هي دليل الأصحاب في المقام. فتأمل.
هذا، وأما إدخال بعض الحشفة فالظاهر ابتناء ثبوت الكفارة به على حرمته.
السادس: حكى في الجواهر عن ظاهر كشف الغطاء تعميم وجوب الكفارة لما إذا كانت المرأة ميتة، وبه أفتى في العروة الوثقى وأقره غير واحد من محشيها. ويظهر من الجواهر دعوى انصراف الإطلاق عن الميتة. لكن التحقيق قصوره عنها، لعدم صدق الحائض عليها، وإنما يحرم وطؤها لبينونتها بالموت كما لو لم تكن حائضاً.
وأما ما ذكره سيدنا المصنف(قدس سره) من استصحاب حرمة الوطء إلى حال الموت، لبقاء الموضوع عرفاً، فإذا ثبتت الحرمة ثبتت الكفارة، لأنها تابعة لها. فيشكل ـ مضافاً إلى المنع من بقاء الموضوع في المقام وغيره من موارد استصحاب الأحكام التكليفية، على ما ذكرناه غير مرة في هذا الشرح ـ بأنه لاشك في حرمة الوطء وإن تبدل الموضوع، لما ذكرناه من بينونتها بالموت.
ولا مجال لاستصحاب خصوصية الحرمة من حيثية الحيض، لعدم الأثر لها،
ص 50
لأن وجوب الكفارة ليس من آثار حرمة الوطء شرعاً، بحيث تكون مأخوذة في موضوعه، بل هما متلازمان في الجملة خارجاً.
نعم، قد يتمسك بالاستصحاب التعليقي لوجوب الكفارة بالوطء، فيقال: كانت لو وطئت لوجبت الكفارة فهي كما كانت. لكن التحقيق عدم جريان الاستصحاب التعليقي، كما أشرنا إليه في غير موضع من هذا الشرح. ولسيدنا المصنف(قدس سره) تتمة لهذا الكلام لا مجال للتعرض لها.
هذا، وأما الاستدلال بما تضمن أن حرمة الميت كحرمة الحي، فلا يخلو عن إشكال، لعدم كون التكفير من شؤن احترام المرأة الموطوءة. فراجع ما تقدم في سببية وطء الميتة للجنابة في المسألة الخامسة من فصل سبب الجنابة. مضافاً إلى أنه إنما يقتضي اشتراكهما في الحكم مع اشتراكهما في علته، دون ما إذا اختص الحي بها، كما في المقام، لما ذكرنا من عدم صدق الحائض على الميتة.
السابع: الظاهر أن المعيار في الأول والوسط والآخر على الحيض الذي يقع فيه الوطء، فتختلف باختلاف مقداره وإن خالف العادة، كما صرح به في كشف اللثام والمستند والجواهر، وهو ظاهر المقنعة والمعتبر والحدائق وغيرها، بل ظاهر كل من أطلق أول الحيض ووسطه وآخره. والوجه فيه ظهور رواية داود التي هي دليل التفصيل في أن مرجع الضمائر في أوله ووسطه وآخره هو الطمث المذكور في صدرها، لا عادته، وحيث لا يراد به كلي الطمث، لعدم تحديد أوله ووسطه وآخره بسبب اختلاف أفراده، ولأن الوطء لا يقع فيه، تعين حمله على الفرد الخاص منه.
خلافاً لما في التذكرة والمنتهى والقواعد وجامع المقاصد والروض والمسالك والمدارك من أن المعيار على أيام عادة المرأة، وزاد عليه في الروضة ما في حكمها من التمييز والروايات.
ولازمه أن الحيض الذي يقع فيه الوطء قد يخلو عن الآخر، بل عن الوسط أيضاً، كما لو كانت عادتها عشرة أيام وكان حيضها الذي وطئت فيه ستة أو ثلاثة. بل
ص 51
قد يتجاوز الآخر فلا تجب الكفارة بالوطء في زمن التجاوز، كما لو زاد حيضها على عادتها ووطئت في الزائد.
بل يشكل حينئذٍ حال المبتدئة والمضطربة التي لم تنعقد لها عادة، حيث لازم القول المذكور عدم الكفارة بوطئها. ولا يظن بهم الالتزام باللوازم المذكورة.
نعم، يتجه الرجوع للعادة لو كانت مرجعاً في تعيين الحيض، كما في مستمرة الدم، كما يتجه الرجوع لغيرها مما يكون مرجعاً فيه، مما تقدم من الروضة وغيره. لكن كلامهم لا يختص بمستمرة الدم. ومن ثم كان في غاية الإشكال.
ومن هنا قد ينزل على القول الأول المختار، بأن يكون مفروض كلامهم صورة مطابقة الحيض الذي يقع فيه الوطء للعادة، ويكون ذكرهم للعادة لأنها مقتضى الأصل في النساء، أو بأن يكون مرادهم من العادة الحيض.
وحمل كلامهم على ذلك وإن لم يناسب الجمود على عباراتهم، إلا أنه يناسب استدلال بعضهم لهذا القول بما سبق منا في تقريب دلالة الرواية على المختار، وعدم تنبيههم للازم الذي ذكرناه أولاً مع ذكرهم لنظيره في بيان القولين الآخرين، وعدم إشارة الأكثر للخلاف المذكور بين هذين القولين، وإنما اقتصروا على قول واحد نسبوه للمشهور في قبال قولين آخرين:
الأول: ما عن الراوندي من أن المعيار فيها على أكثر الحيض دون عادة المرأة.
الثاني: ما في المراسم من أن الوسط ما بين الخمسة والسبعة. ولازمهما أن الحيض قد يخلو عن الآخر، بل والوسط أيضاً، نظير ما تقدم.
هذا، ويظهر الإشكال مما تقدم من ظهور النص في كون موضوع التقسيم هو الحيض الذي يقع فيه الوطء، حيث لا مجال لملاحظته في أكثر الحيض، كما يشكل الثاني ـ مضافاً إلى نظير ذلك ـ بأن تعيين الوسط بذلك لا يتم حتى لو كان موضوع التقسيم أمراً غير الحيض الذي يقع فيه الوطء.
نعم، ذكر في كشف اللثام أنه موافق لرواية حنان بن سدير: «قلت: لأي علة
ص 52
أعطيت النفساء ثمانية عشر يوماً ولم تعط أقل منها ولا أكثر؟ قال: لأن الحيض أقله ثلاثة أيام وأوسطه خمسة أيام وأكثره عشرة أيام، فأعطيت أقل الحيض وأوسطه وأكثره»(1)، ولما تضمن التحيض بسبعة أيام.
وكأن مراده بالأخير مرسلة يونس الطويلة المتضمنة تحيض مستمرة الدم مع عدم العادة والتمييز بالسبعة. لكنها ـ كما ترى ـ لا تدل على أن السبعة منتهى الوسط، بل ولا الوسط، كما لا تدل رواية حنان على أن الخمسة أول الوسط. على أن ظاهر الأوسط في رواية حنان ما يقابل الأقل والأكثر، لا ما يقابل الأول والآخر، كما هو المراد به في المقام. فلاحظ.
الثامن: الظاهر تعدد الكفارة بتعدد الوطء، من دون فرق بين تخلل التكفير وعدمه، ولا بين كون الوطء المتعدد في أزمنة تختلف فيها الكفارة وكونه في أزمنة لا تختلف فيها، بأن يكون في ثلث واحد. وبه صرح في الدروس وجامع المقاصد والروض والمسالك ومحكي البيان وفوائد الشرايع.
لأصالة عدم التداخل الراجعة إلى ظهور دليل السببية في كون كل فرد سبباً لتكليف مستقل، المستلزم لكون ما يجب بكل فرد مبايناً لما يجب بالآخر، لا محض الطبيعة المتحقق بالفرد الواحد. إذ الاكتفاء به إن كان لتأثير الفرد الأول لا غير فهو مخالف لإطلاق السبب، وإن كان لاشتراك الأفراد في تأثير تكليف واحد، بأن يستند للأول أصل وجوده وللباقي تأكده، فهو خلاف ظهور دليل الشرطية في كون الأثر هو التكليف المستقل، لا التأكد في التكليف الواحد.
وإن كان للاجتزاء بالواحد ومع تعدد التكليف لصدق المكلف به في كل منهما ـ وهو الطبيعة ـ عليه.
ففيه: أنه يمتنع تعدد التكليف مع وحدة المكلف به، وهو محض الطبيعة الصادقة بالفرد الواحد، لأن التكليف كسائر الإضافات التي يتوقف تعددها على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الوسائل باب:10 من أبواب الحيض حديث:7 وهامشه في الطبعة الحديثة.
ص 53
تعدد أطرافها، بل لابد مع تعدده من تعدد المكلف به، بأن يكون المكلف به في كل منها فرد من الطبيعة مباين للفرد المكلف به في الآخر.
وبهذا يخرج عن إطلاق الواجب المقتضي للاجتزاء بصرف الطبيعة ولو مع تعدد السبب، حيث لا ينعقد مع الظهور المذكور لدليل السببية. كما يخرج به عن أصالة البراءة، لحكومته عليها. ومنه يظهر ضعف ما ذكره جماعة من الأصحاب من الحكم بعدم التكرر مطلقاً أو في الجملة، لأصالة البراءة، ولا سيما مع الاعتراف بأن مقتضى العموم التكرار، كما في طهارة المبسوط.
ودعوى: أن مقتضى الإطلاق كون السبب هو الطبيعة الصادقة على الواحد والمتعدد، ففي ظرف التعدد ليس السبب إلا واحداً يقتضي مسبباً واحداً، لا متعدداً كي يلزم تعدد المسبب. ولذا لا يجب تعدد الكفارة مع تعدد الأكل في نهار شهر رمضان.
مدفوعة: بأنه لا مجال لذلك في الأفراد التدريجية، لأن الطبيعة حيث كانت تصدق على الفرد الأول فالمسبب الواحد يستند إليه، وحينئذٍ فالفرد الثاني إن لم يكن سبباً فهو خلاف إطلاق السببية، لانطباق الطبيعة عليه، وإن كان سبباً فحيث يمتنع استناد المسبب السابق عليه إليه، لامتناع تقدم المعلول على علته والحكم على موضوعه فلابد أن يكون أثره تأكيد المسبب الأول أو فرداً آخر مستقلاً مبايناً له، وقد سبق ان الثاني هو ظاهر دليل السببية دون الأول.
نعم، قد يتجه ذلك في الأفراد الدفعية ـ التي تمتنع في المقام، وإن كانت المناسبات الارتكازية تشهد غالباً بكون كل منها سبباً مستقلاً. بل لعله مقتضى الإطلاق أيضاً لأن صدق الطبيعة على المجموع في ظرف التعدد لا ينافي صدقها على كل واحد أيضاً، وتعدد السبب وإن لم يلزم بلحاظ الأول، إلا أنه يلزم بلحاظ الثاني، فيتعين العمل عليه. إلا أن يراد من السبب الوجود الذي يخرق به العدم، حيث لا يصدق مع التدرج إلا على الأول، وبدونه إلا على المجموع.
لكنه مخالف لإطلاق السبب الظاهر في إرادة الطبيعة منه، التي تصدق على كل
ص 54
فرد. ولا سيما مع ارتكاز تبعية الكفارة للحرمة والمعصية، ولا إشكال في تعدد الحرمة تبعاً لتعدد الأفراد. كيف ولازم التداخل عدم تعدد الكفارة مع تعدد المرأة أو تعدد الحيض. ولا يظن التزام أحد به.
وإنما لا تتعدد الكفارة بتعدد الأكل في نهار شهر رمضان لأن المستفاد من دليلها كون سببها الإفطار غير القابل للتعدد في النهار الواحد والمستند للفرد الأول، لا الأكل بنفسه الذي هو قابل للتعدد. ولذا تتعدد مع تعدد الإفطار لتعدد اليوم ولو مع اتحاد جنس المفطر، ولا تتعدد مع وحدة الإفطار لوحدة اليوم ولو مع اختلاف الجنس المفطر. وتعددها مع تعدد الجماع في اليوم الواحد لو تم للنصوص الخاصة. ومنه يظهر أنه لا مجال لجعل كفارة المقام وكفارة الأكل في نهار شهر رمضان من باب واحد في عدم التكرار، كما يظهر من السرائر، أو في التكرار، كما يظهر من الروض.
هذا، وفي جملة من كتب العلامة والمدارك ومحكي الذكرى والموجز وكشف الالتباس والتنقيح الاقتصار في لزوم الكفارة على ما إذا كان الوطء اللاحق بعد التكفير عن السابق، أو كان الوطء المتعدد في أزمنة تختلف فيها الكفارة، واقتصر في نكاح المبسوط على الأول، وفي الشرايع والمعتبر على الثاني. لكن استبعد شيخنا الأعظم(قدس سره) الخلاف في لزوم التكرار في الفرض الأول.
ولعله لذا احتمل في كشف اللثام كون مراد السرائر من إطلاق عدم التكرار ما إذا لم يتخلل التكفير، وإن كان ذلك غير مناسب لقياس المقام بالتكفير للأكل في نهار شهر رمضان.
وكيف كان، فالوجه في لزوم التكرار مع تخلل التكفير إطلاق دليل السببية بعد ما سبق من أن السبب هو الطبيعة لا خصوص الوجود الذي يخرق به العدم، والذي يختص بالفرد الأول.
ولعل الفرق بينه وبين صورة عدم التكفير أنه في صورة عدم التكفير إنما يجتزأ بالواحد لدعوى أنه يكفي في تأثير السبب اللاحق تأكيده للتكليف السابق الذي لم
ص 55
يسقط بالامتثال بعد من دون أن يوجب تكليفاً مستقلاً، أو دعوى: أن تعدد التكليف يمكن مع وحدة المكلف به ـ وهو الطبيعة الصادقة بالفرد الواحد ـ ولا يتوقف على تعدده. وإن سبق بطلان الثانية ومخالفة الأولى لظاهر دليل السببية.
وأما الوجه في تعدد الكفارة مع كون الوطء المتعدد في أزمنة تختلف فيها الكفارة فهو ما ذكره غير واحد من أنه مع اختلاف سبب التكليف باختلاف قيوده واختلاف المكلف به باختلاف قدره فمقتضى إطلاق دليل السببية في كل منها تأثير كل سبب لمسببه.
وهو إنما يتم بناء على كون وجه التداخل مع كون الأزمنة لا تختلف فيها الكفارة حمل إطلاق السبب على الطبيعة الصادقة على الفرد الواحد والأفراد المتعددة، أو على الوجود الأول الذي يخرق به العدم، حيث لا مجال لهما مع كون الأزمنة تختلف فيها الكفارة، لأن الطبيعة المقيدة بأحد الأزمنة تختص بأفرادها ولا يخرق عدمها غيرهما.
أما لو كان وجه التداخل مع كون الأزمنة لا تختلف فيها الكفارة دعوى: أنه يكفي في تأثير السبب اللاحق تأكيده للتكليف السابق، أو دعوى: أنه يمكن تعدد التكليف مع وحدة المكلف به، وهو الطبيعة الصادقة بالفرد الواحد، فيتعين التداخل مع كون الأزمنة تختلف فيها الكفارة أيضاً بالاجتزاء بالأكثر، لأنه حيث كان متضمناً للأقل فسبب التكليف بالأقل المتأخر حدوثاً يقتضي تأكد وجوبه الثابت في ضمن وجوب الأكثر سابقاً، أو وجوباً آخر متعلقاً بصرف وجوده ولو في ضمن الأكثر الذي يمتثل به التكليف السابق.
ومنه يظهر أن الجمع في عدم التداخل بين كلتا الصورتين لا يناسب تخصيصه بهما، بل لابد إما من تخصيص عدم التداخل بإحداهما أو تعميم عدم التداخل لغيرهما، لتنافي دليلي التفصيلين. فتأمل جيداً.
ثم إنه بناء على ما ذكرنا من عدم التداخل مع تكرار الوطء ففي المسالك والروض أنه يصدق التكرار بالإدخال بعد النزع وإن كان في وقت واحد، وظاهر
ص 56
الجواهر أنه لابد فيه من صدق التعدد عرفاً. وكأنه لإخراج الفرض المذكور. ولعله لغفلة العرف عن التعدد في مثل ذلك، لكثرة الابتلاء به مع قصد الوطء الواحد، حتى كأنه من شؤونه وحالاته، فلو كان كافياً في لزوم تعدد الكفارة لناسب التنبيه عليه في النصوص، فعدم التنبيه عليه فيها يوجب انصرافها عنه، وليس هو كصورة تعدد المجلس ونحوها مما يغفل عن التعدد فيها، كي يستغنى عن التنبيه.
ولا سيما مع أن الوطء والإدخال ونحوهما لم تؤخذ في موضوع الكفارة في النصوص، وإنما هي بين ما لم يتعرض فيه لتحديد موضوعه ـ كرواية داود بن فرقد ـ وما تضمن أخذ عنوان إتيان المرأة ومواقعتها والوقوع عليها، ويشكل صدق المتعدد فيها في الفرض.
كما لا ينبغي الإشكال في عدم تعدد الكفارة باستمرار الإدخال وإن طال، بل وإن حدث في وقت وبقي لآخر تختلف فيه الكفارة، إذ المعيار في تعدد السبب على تعدد الحدوث. خلافاً لما في الذكرى ويأتي منه نظيره في النفساء.
التاسع: الظاهر عدم الإشكال في أن الحيض لو فجأ في أثناء الإدخال لزوم التخلص ويحرم الاستمرار فيه، كما صرح به غير واحد. للأمر بالاعتزال في الآية الشريفة وبعض النصوص(1)، وإطلاق تحديد ما يحل للرجل من الحائض في جملة من النصوص بأنه ما عدا الفرج(2)، وقضاء المناسبات الارتكازية بعدم الفرق بين الحدوث والبقاء، ولا سيما مع التعليل في الآية بالأذى.
وقد صرح في المنتهى بوجوب الكفارة لو تعمد في الاستمرار، كما صرح به في العروة الوثقى وأقره على ذلك جملة من محشيها، وقد يظهر من الروض، حيث قال بعد بيان حرمة الوطء: «ولو اتفق الحيض في أثناء الوطء وجب التخلص منه في الحال، فإن استدام فكالمبتدئ».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:24 من أبواب الحيض حديث:2.
(2) راجع الوسائل باب:25 من أبواب الحيض.
ص 57
واستدل له سيدنا المصنف(قدس سره) بإطلاق الدليل. وهو لا يخلو عن إشكال، لتحديد موضوع الكفارة في النصوص بإتيان المرأة ومواقعتها والوقوع عليها، وهي قاصرة أو منصرفة عن الاستمرار.
ودعوى: أنه يكفي في التعميم ظهور تفرع الكفارة على الحرمة الثابتة في الفرض. مدفوعة بأنه لا مجال للبناء على ذلك كلية، حيث لا إشكال في حرمة الاستمرار في الوطء الحادث بعد الحيض من دون أن يوجب تعدد الكفارة، كما سبق. فتأمل جيداً.
العاشر: ذكر في العروة الوثقى أنه لو خرج حيضها من غير الفرج حرم وطؤها في الفرج، ولا يجب اجتناب موضع الدم، وأقره على ذلك جملة من محشيها، وقال سيدنا المصنف(قدس سره): «لما عرفت من النصوص الدالة على حلية ما عدا القبل فإطلاقها محكم. وموضع الدم في مرسل ابن بكير(1) يراد به الفرج، فهو مرآة إليه، لا عنوان لموضوع الحكم. فالتوقف فيه ـ كما في نجاة العباد ـ تورع عن الفتوى، وإلا فهو ضعيف». وما ذكره قريب حتى لو فرض عدم وضوح حمل موضع الدم في المرسل على الفرج، لأن ضعف سنده مانع من الخروج به عن ظاهر الأدلة الأخر من الكتاب والسنة المستفيضة.
هذا، وقد صرح فيها كحواشيها المذكورة أيضاً بوجوب الكفارة بالوطء في الفرج حينئذٍ. واستدل له سيدنا المصنف(قدس سره) بأن الكفارة تابعة للحرمة وجوداً وعدماً. وهو لا يخلو عن إشكال. والأولى الاستدلال بإطلاق إتيان المرأة ومواقعتها والوقوع عليها في نصوص الكفارة. فلاحظ.
الحادي عشر: صرح في العروة الوثقى بعدم سقوط الكفارة بالعجز عنها، بل متى تيسرت وجبت، وأقره على ذلك جملة من محشيها، ومال إليه في الجواهر. وقال سيدنا المصنف(قدس سره): «كما هو ظاهر كلماتهم، حيث أطلقوا وجوبها بالوطء. لكن في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:25 من أبواب الحيض حديث:5.
ص 58
ذيل رواية داود: أنها يكفي عنها الصدقة على مسكين، ومع العجز عنه يسقط، ويكفي حينئذٍ الاستغفار. إلا أنه لضعفه وعدم الجابر له لا مجال للاعتماد عليه».
ويشكل بأن اعتمادهم عليها في مقدار الكفارة ـ بناء على وجوبها ـ يكفي في جبرها من جهة السند.
نعم، لو ثبت إعراضهم عنها في هذا الحكم كان موهناً لها من جهة الدلالة أو الجهة. لكنه غير ثابت، لقرب أن يكون عدم تعرض جملة من الأصحاب لذلك لعدم اهتمامهم بفروع المسألة التي أهملوا جملة منها، أو لاكتفائهم بما يذكرونه في باب الكفارات.
ولا سيما مع تصريح العلامة في المنتهى بالسقوط مع العجز سواءً قيل بالوجوب أم بالاستحباب، ومع تصريح الشيخ في النهاية بعد ذكر استحباب الكفارة بأن من لم يتمكن فليس عليه شيء وليستغفر الله ولا يعود، وذكره لرواية داود في باب الكفارات من التهذيب بنحو قد يظهر منه التعويل عليها، وجعله لها في الاستبصار شاهداً على حمل موثق الحلبي المتقدم ـ المتضمن الصدقة على مسكين بقدر شبعه ـ على صورة تعذر الكفارة، وإن حمله في التهذيب على تعذر ما إذا كان بقدر الكفارة، الذي هو بعيد جداً. ولعله لذا عمل بها في المقام في جامع المقاصد.
على أن الدليل لا يختص برواية داود، بل يدل أيضاً على بدلية الاستغفار صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه من صوم أو عتق أو صدقة في يمين أو نذر أو قتل أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة فالاستغفار له كفارة ما خلا يمين الظهار، فإنه إذا لم يجد ما يكفر به حرم [حرمت] عليه أن يجامعها وفرق بينهما إلا أن ترضى المرأة أن يكون معها ولا يجامعها»(1).
معتضداً بموثق زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام): «سألته عن شيء من كفارة اليمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:6 من أبواب الكفارات حديث:1.
ص 59
فقال: يصوم ثلاثة أيام. قلت: إن ضعف عن الصوم وعجز؟ قال: يتصدق على عشرة مساكين. قلت: إن عجز عن ذلك؟ قال: يستغفر الله ولا يعد، فإنه أفضل الكفارة وأقصاه وأدناه(*)، فليستغفر الله ويظهر توبة وندامة»(1)، لظهور ذيله في عموم بدلية الاستغفار، وإن اختص مورده بكفارة اليمين.
ومؤيداً بخبر علي ابن جعفر: «سألته عن رجل نكح امرأته وهو صائم في رمضان ما عليه؟ قال: عليه القضاء وعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد فليستغفر الله»(2).
وفي المسالك بعد ذكر مراتب الكفارة: «وأما الاستغفار بعد العجز عن جميع ذلك فهو بدل مشهور بين الأصحاب ومختص بهم، ولا يختص عندهم بكفارة، بل يجزي في جميع الكفارات عند العجز عن خصالها إلا الظهار، فقد تقدم الخلاف فيه» وادعى في المدارك في كفارة الصوم أنه مقطوع به في كلام الأصحاب، بل ظاهرهم أنه موضع وفاق، واستظهر سيدنا المصنف(قدس سره) فيها عدم الخلاف فيه، مستدلين بصحيح أبي بصير المتضمن للعموم وغيره.
هذا، ومقتضى إطلاق بدلية الاستغفار في النصوص عدم وجوب الكفارة مع تجدد القدرة بعده، كما هو الحال في بقية أبدال الكفارة الاضطرارية التي تضمنتها النصوص المتقدمة وغيرها، كما يظهر من جامع المقاصد، ويظهر من الجواهر الميل إليه.
ودعوى: أنه بتجدد القدرة ينكشف عدم تحقق موضوع البدلية، لاختصاصها بالعجز المستمر، كما هو مقتضى كون البدلية اضطرارية.
مدفوعة بأنه ـ مع توقفه على عدم وجوب المبادرة للكفارة في الجملة، إذ لو قيل بوجوبها يصدق الاضطرار بالعجز غير المستمر ـ مخالف لظاهر الأدلة جداً للغفلة عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لا يبعد كون المراد بكونه أقصى تأخره عن سائر مراتب الكفارة وبكونه أدنى أنه ايسر أفراد الكفارة وأسهلها.(منه عفي عنه)
(1) الوسائل باب:12 من أبواب الكفارات حديث:6.
(2) الوسائل باب:8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث:9.
ص 60
وجوب التدارك بعد فعل البدل، فعدم التنبيه فيها له ظاهر في الإجزاء، بل الالتزام بخروج العجز غير المستمر عن موضوع الاستثناء لكفارة الظهار في صحيح أبي بصير لعدم تحقق موضوع البدلية معه مما لا يظن بأحد التزامه.
مضافاً إلى ما نبه له سيدنا المصنف(قدس سره) من ندرة العجز المستمر عن الصدقة بالقليل التي هي الكفارة في كثير من الموارد منها الصدقة على مسكين واحد في المقام عند تعذر الدينار ونصفه وربعه، فيبعد اختصاص النصوص به.
لكن في صحيح إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: الظهار إذا عجز صاحبه عن الكفارة فليستغفر ربه وينوي أن لا يعود قبل أن يواقع ثم ليواقع، وقد أجزأ ذلك عنه من الكفارة، فإذا وجد السبيل إلى ما يكفر يوماً من الأيام فليكفر...»(1). ومورده وإن كان الظهار إلا أنه احتمل في الدروس والمسالك تعميمه لغيره من الكفارات، بل هو الذي قربه سيدنا المصنف(قدس سره) قال: «كما يساعده الارتكاز العرفي، ولا سيما مع البناء على وجوبه [يعني الاستغفار] مع فعل الكفارة، كما يظهر من بعض نصوص قصة الأعرابي الذي واقع أهله في شهر رمضان(2). وعلى هذا فالمسقط للكفارة عدم الوجدان لا فعل الاستغفار لأنه بدل. فلاحظ».
وهو كما ترى، إذ لا مجال للتعدي عن الظهار بعد التصريح في صحيح أبي بصير باستثنائه من عموم البدلية فإنه وإن كان معارضاً بصحيح إسحاق وقد يجمع بينهما بالكراهة في الظهار، أو يكون مستثنى من بدلية الاستغفار وحده، فلا ينافي بدليته فيه بضميمة نية عدم العود للظهار، إلا أنه كاف في قوة احتمال خصوصية الظهار في وجوب التدارك بعد القدرة المانع من التعدي لغيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:6 من أبواب الكفارات حديث:4.
(2) وهو صحيح جميل بن دراج عن أبي عبدالله(ع): (أنه سئل عن رجل أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً، فقال: إن رجلاً أتى النبي(ص) فقال: هلكت يا رسول الله، فقال: وما لك؟ قال: النار يا رسول الله. قال: ومالك؟ قال: وقعت على أهلي. قال: تصدق واستغفر [ربك]...). الوسائل باب:8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث:2. (منه عفي عنه)
ص 61
ومناسبته للارتكاز العرفي غير ظاهرة بنحو معتد به، ولا سيما مع سوقه في مساق الابدال الاضطرارية في موثق زرارة ورواية داود بن فرقد. وما ورد في قصة الأعرابي ظاهر في الاستغفار لتكفير الذنب دفعاً للهكلة والنار التي فزع منها السائل، لا الاستغفار الواجب بدلاً عن الكفارة التي تضمنتها نصوص المقام. وما في ذيل كلامه من عدم مسقطية الاستغفار وعدم بدليته، وإنما المسقط عدم الوجدان ما دام باقياً، خروج عن مفاد النصوص الذي هو كالصريح منها. فالبناء على عدم وجوب الكفارة بتجدد القدرة عليها في المقام وغيره قريب جداً.
نعم، حيث تضمنت رواية داود بدلية الاستغفار بعد العجز عن الصدقة على مسكين واحد فاللازم البناء على ذلك بعد فرض حجيتها بعمل الأصحاب بها في مقدار الكفارة الواجبة. فلاحظ.
هذا، ولو بني على سقوط الكفارة بالعجز ففي الجواهر أن المعيار فيه على العجز عند تعلق الكفارة، لا العجز المتجدد، لمكان شغل الذمة به سابقاً وهو الذي استظهره في جامع المقاصد بدواً معللاً بذلك. وعليه جرى بعض المعاصرين(قدس سره) في فتواه. ويشكل بأن شغل الذمة به سابقاً لا يمنع من البناء على سقوطه لإطلاق النصوص المتقدمة ولذا احتمل في جامع المقاصد العموم بعد الاستظهار المتقدم.
نعم، لو غض النظر عنها فقد يدعى أن مقتضى الأصل عدم السقوط مع تجدد العجز، لاستصحاب انشغال الذمة بها تكليفاً أو وضعاً، بخلاف ما لو كان العجز من أول الأمر، حيث يكون مقتضى الأصل براءة الذمة بعد تجدد القدرة، للشك في حدوث الانشغال.
لكنه يندفع بأن مقتضى إطلاق دليل السببية ثبوت الكفارة بتحقق السبب حتى مع سبق العجز حينه، إما لكونها من سنخ الدين الذي يمكن انشغال الذمة به مع العجز عن وفائه أو لكونها من سنخ التكليف الذي ينكشف بتجدد القدرة قابلية المكلف له من أول الأمر بنحو الواجب المعلق، فيدخل تحت الإطلاق لما هو
ص 62
المعلوم من أن العجز الموقت لا يمنع من دخول المكلف تحت إطلاق التكليف، وإلا لخرج عن الإطلاق بالعجز من غير جهة المال، كتعذر الوصول للمسكين ونحوه، ولا يظن منهم البناء عليه في المقام وغيره. بل لامتنع لأجل ذلك الاستصحاب مع العجز الطارئ بعد انشغال الذمة بالكفارة، للعلم بسقوطه حينه، فيستصحب عدمه بعد تجدد القدرة، فلا يتجه التفصيل، وليس بناؤهم على ذلك في غير المقام.
ثم إن عدم الوجدان في النصوص وغيرها وإن كان ظاهراً في العجز من جهة المال، لا من بقية الجهات ـ كعدم وجدان الفقير أو تعذر الوصول إليه ـ كما يناسبه اختصاص التعبير بذلك في الكفارات المالية والتعبير في غيرها بعدم الاستطاعة أو بالعجز، إلا أن ظاهر التعبير بالعجز عن الكفارة في صحيح أبي بصير وبعدم وجدان السبيل إلى شيء من الكفارة في رواية داود إرادة مطلق التعذر، ولا يبعد العمل على ذلك وإلغاء خصوصية العجز المالي في موارد التعبير بعدم الوجدان.
وأما معيار عدم الوجدان المالي فقد تضمنه صحيح إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم(عليه السلام): «سألته عن كفارة اليمين في قوله: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام» ما حدّ من لم يجد؟ وإن الرجل ليسأل في كفه وهو يجد. فقال: إذا لم يكن عنده فضل عن قوت عياله فهو ممن لا يجد»(1)، والظاهر أن المراد به الفضل عن قوت العيال بلحاظ السنة، لأن ذلك هو المنصرف، ولا سيما بلحاظ ما ورد في مستحق الزكاة وغيره، وإلا فلو أريد به مطلق الفضل عنه ولو بلحاظ اليوم أو ما دونه صدق الوجدان في حق من يسأل بكفه كثيراً، وهو الذي يظهر من السائل المفروغية عن عدم الاكتفاء به ومن الإمام(عليه السلام) إقراره عليه.
وهو وإن كان مختصاً بكفارة اليمين إلا أن التعدي لسائر موارد اعتبار عدم الوجدان في الكفارات قريب جداً. والأمر محتاج إلى مزيد تتبع وتأمل في النصوص وكلمات الأصحاب. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:13 من أبواب الكفارات حديث:1.
ص 63
الثاني عشر: المدار في مقدار الكفارة واقعاً على الموضوع الواقعي من حيثية المرأة وأنها زوجة أو أمة، وحيثية زمان الحيض من الأول والوسط والآخر، لا على ما اعتقده الرجل حين الوطء، كما صرح بذلك في الجملة في الجواهر ومحكي كشف الغطاء وغيرهما، عملاً بظاهر النص والفتوى. ولم يتضح تبعية مقدار الكفارة لشدة المعصية والتمرد، كي يحتمل إناطته بعلم العاصي بأهميتها، وليس هو كأصل الكفارة المتفرعة ارتكازاً على التمرد والمعصية، ولذا تسقط بدونهما للجهل وغيره على ما سبق.
كما أن الظاهر أن من وطأ باعتقاد الحيض خطأ فلا كفارة عليه، كما هو ظاهر الأصحاب وصريح العروة الوثقى وأقره جملة من محشيها. لأن مناسبة الكفارة للمعصية والتمرد إنما تكون قرينة على اختصاص موضوعها ـ وهو الوطء في الحيض ـ بهما، لا على أنهما تمام الموضوع، بحيث يكفي فيها التجري من دون حرمة واقعية، فإنه محتاج إلى مؤنة دليل، وليس البناء عليه في غير المقام من موارد الكفارات وغيرها.
الثالث عشر: قال في المنتهى في فروع مسألة كفارة وطء الحائض: «الثاني عشر: يجب الامتناع من الوطء وقت الاشتباه، كما في حالة استمرار الدم، لأن اجتناب حالة الحيض واجب، والوطء حالة الطهر مباح، فيحتاط بتغليب الحرام، لأن الباب باب الفروج»، وقريب منه ما في الذكرى في المتحيرة.
ولا يخفى أن حرمة الوطء مع الاشتباه إنما تتجه إذا كانت مقتضى أمارة معتبرة ـ كما في أيام العادة ـ أو أصل معتبر ـ كما في وقت الاستظهار ـ أو علم إجمالي منجز في حق الرجل، وفي غير ذلك تكون السعة مقتضى الأمارة ـ كالعادة التي هي أمارة الطهر بعد أيامها ـ أو الأصل الاحرازي ـ كاستصحاب الطهر ـ أو غير الاحرازي، كأصل البراءة.
ودعوى: انقلاب الأصل في الفروج ـ لو تمت ـ مختصة بما إذا كان احتمال الحرمة من جهة الشك في الزوجية أو ملك اليمين، دون مثل الشك في الحيض أو اليمين على ترك الوطء أو نحوهما من الطوارئ. على أن ذلك ليس بنحو يمنع من الرجوع لمقتضى الأمارة أو الأصل الإحرازي أو التعبدي المقتضي للسعة، بل يختص بالمنع من الرجوع للأصل العملي المحض، كالبراءة.
ص 64
هذا، وأما مستمرة الدم فحيث شرعت لها وظائف خاصة جاز الاقتصار في حرمة الوطء على مقتضاها لها وللزوج، لظهور تشريعها في تحديد الحيض بها ظاهراً بلحاظ جميع الأحكام، بل بعض نصوص الرجوع للعادة صريح في جواز وطئها بعد مضيها مطلقاً أو بعد الاستظهار، ولا وجه مع ذلك لوجوب الاحتياط. وقد تقدم من التذكرة في التحيض بالعدد ومن المنتهى فيه وفي الناسية ما يناسب ذلك. فراجع.
ثم إنه لو تم وجوب الاحتياط فالظاهر عدم وجوب الكفارة بمخالفته إذا لم يعلم إجمالاً بتحقق سببها، للشك في التكليف بها من دون منجز، نظير ما يذكر في ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة.
نعم، لو انكشف تحقق سببها بعد ذلك انكشف وجوبها، ولا يسقطها الجهل بالحيض بعد أن لم يكن معذراً، نظير ما تقدم في الجهل بالحكم عن تقصير.
الرابع عشر: قال في الجواهر: «لا إشكال عندهم، بل لا خلاف في قبول قول المرأة في الحيض إن لم تكن متهمة، بل أطلق بعضهم وجوب القبول من غير تقييد، كما أنه صرح آخر بذلك حتى مع ظن الزوج الكذب»، ونفى الخلاف فيه مع التهمة في الرياض. ويقتضيه صحيح زرارة: «سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: العدة والحيض إلى النساء»(1)، ونحوه صحيحه الآخر، وزاد فيه: «إذا ادعت صدقت»(2)، وصحيح ميسر: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد، فأقول لها: ألك زوج؟ فتقول: لا فأتزوجها؟ قال: نعم، هي المصدقة على نفسها»(3) حيث لا يبعد عموم التعليل فيه للحيض ونحوه.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن)(4) بدعوى: إنه لولا وجوب القبول للغي تحريم الكتمان. فهو لا يخلو عن إشكال، إذ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب:47 من أبواب الحيض حديث:2، 1.
(3) الوسائل باب:25 من أبواب النكاح وأولياء العقد حديث:2.
(4) البقرة: 228.
ص 65
لو تمت الملازمة فالظاهر مما خلق الله في أرحامهن خصوص الحمل، كما فسر به في مرسلة العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: يعني: لا يحل لها أن تكتم الحمل إذا طلقت وهي حبلى والزوج لا يعلم بالحمل، فلا يحل لها أن تكتم حملها»(1).
نعم، في مجمع البيان: «وقيل أراد الحيض والحبل... وهو المروي عن الصادق(عليه السلام) قال: قد فوض الله إلى النساء ثلاثة أشياء الحيض والطهر والحمل»(2). إلا أن إرساله مانع من الاعتماد عليه.
ومثله في الإشكال الاستدلال بخبر محمد بن عبد الله الأشعري: «قلت للرضا(عليه السلام): الرجل يتزوج بالمرأة فيقع في قلبه أن لها زوجاً، فقال: وما عليه؟ أرأيت لو سألها البينة كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج؟!»(3)، بدعوى: أن مقتضى عموم التعليل قبول قولها في كل ما لا يتيسر إقامة البينة فيه، ومنه الحيض.
لاندفاعه بعدم وضوح سوق الذيل للتعليل الذي يدور الحكم مداره، لعدم مناسبة التركيب اللفظي له، بل لمجرد رفع الوحشة من الحكم وتقريبه للذهن ببيان الحاجة له وفائدته. ولو سلم فليس هو تعليلاً لحجية قولها، بل لعدم الحاجة للبينة، ولعله لاستصحاب عدم كونها ذات زوج، فلا ينفع فيما نحن فيه. فالعمدة ما تقدم.
مضافاً إلى سيرة العقلاء الارتكازية على تصديق الإنسان في شوؤن نفسه بملاك تصديقه على ما تحت يده. ولعله إليه يشير ما تقدم في صحيح ميسر.
هذا، وفي التذكرة وظاهر التهذيب والاستبصار والمدارك تخصيص قبول قول المرأة في الحيض بما إذا لم تكن متهمة. وكأنه لاختصاص ما تضمن قبول قول صاحب اليد بذلك، كما تقدم، ولموثق السكوني عن جعفر عن أبيه H: «ان أمير المؤمنين(عليه السلام) قال في امرأة ادعت أنها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض. فقال: كلفوا نسوة من بطانتها أن حيضها كان فيما مضى على ما ادعت، فإن شهدن صدقت، وإلا فهي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير العياشي ج1: 115. والوسائل باب:9 من أبواب العدد حديث:11.
(2) الوسائل باب:24 من أبواب العدد حديث:2.
(3) الوسائل باب:10 من أبواب المتعة حديث:5.
ص 66
كاذبة»(1)، حيث جمع الشيخ بينه وبين بعض ما سبق بحمله على صورة التهمة.
وفي صحيح حماد عن أبي عبد الله(عليه السلام): «في رجل طلق امرأته ثلاثاً فبانت منه، فإراد مراجعتها فقال لها: إني أريد مراجعتك فتزوجي زوجاً غيري. فقالت له: قد تزوجت زوجاً غيرك وحللت لك نفسي أيصدق قولها ويراجعها؟ وكيف يصنع؟ قال: إن كانت المرأة ثقة صدقت في قولها»(2)، فإن مقتضى مفهومه عدم حجية قولها لو لم تكن ثقة.
لكن قصور ما دل على حجية قول صاحب اليد عن صورة التهمة لا يقتضي الاختصاص بعد إطلاق النصوص. والموثق مختص بالدعوى الخارجة عن المتعارف، كما في المستند، بل الظاهر أن دعوى الثلاث حيض في الشهر الواحد للتوصل إلى دعوى الخروج عن العدة، فالبناء على تعميمه لمطلق الدعوى الخارجة عن المتعارف، فضلاً عن بقية موارد التهمة، لا يخلو عن إشكال، بل منع.
والصحيح مختص بمورده. مع أن مقتضاه اعتبار كون المرأة ثقة، لا مجرد كونها غير متهمة، والظاهر عدم بنائهم على ذلك. ولذا اختار عموم الحجية للصورة المذكورة في المستند، وهو مقتضى ما في العروة الوثقى وأقره جملة من محشيها من الاقتصار في عدم تصديقها على العلم بالكذب.
هذا، وقد تنظر في الروض في حجية دعواها الحيض مع ظن الكذب، رداً لما في الذكرى ومحكي نهاية الأحكام من وجوب الاجتناب معه. فإن كان مراده الظن المصاحب للتهمة ـ كما هو مورد تنظر جامع المقاصد ـ جرى فيه ما سبق لعدم وضوح خصوصية الظن من بين صور التهمة وان كان مراده مطلق الظن كان أشكل، لأن الظاهر عدم كفايته في الخروج حتى عن قول صاحب اليد.
نعم، يظهر من الذكرى أن وجوب الاجتناب مع ظن الكذب ليس لحجية قولها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:47 من أبواب الحيض حديث:3.
(2) الوسائل باب:11 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه حديث:1.
ص 67
بل للاحتياط، قال: «لأنه إقدام على ما لا يؤمن قبحه. ونبه عليه قول الصادق(عليه السلام): من أتى الطامث خطأ عصى الله». ويظهر حاله مما تقدم في الفرع السابق. وكأن مراده بالحديث خبر ليث المتقدم في أدلة الكفارة. لكنه سبق أنه محمول على المعصية الواقعية، أو على أن المراد بالخطأ الخطيئة، وإلا فحمل الخطأ على التردد واشتباه الحال لم يعهد في الاستعمالات، ولا تشهد به قرينة.
ثم إن الظاهر عدم الإشكال في قبول قولها في الطهر لو كان مقتضى الاستصحاب الحيض، لأن إطلاق القبول في الحيض ظاهر في القبول في وجوده وعدمه ولو بضميمة عدم خصوصية الوجود عرفاً، بل هو مقتضى عموم التعليل في صحيح ميسر وماسبق من سيرة العقلاء.
نعم، في عموم القبول لصورة التهمة أو ظن الكذب ما تقدم. ومن بنى هناك العمل بقولها للاحتياط يلزمه هنا عدم العمل به لذلك.
ومما ذكرنا يعلم قبول قولها في زمان الوطء بالإضافة إلى الحيض وأنه في أي ثلث منه، كما قربه في العروة الوثقى وأقره جملة من محشيها، لأن الجمود على صحيحي زرارة إن لم يناسب التعميم أمكن البناء عليه بضميمة ماسبق.بل لما كان مرجع ذلك إلى تعيينها لزماني حدوث الحيض وارتفاعه رجع إلى قبول قولها في الحيض والطهر،
نعم، لو لم يرجع لذلك بل تمحض في تعيين زمان الوطء فلا دليل على قبول قولها فيه، كما لو علم بأن الحيض في تمام الاسبوع الأول من الشهر وتردد الوطء بين الثاني والرابع منه، لقصور جميع ما سبق عنه حتى سيرة العقلاء، لعدم كون الوطء من شؤنها فقط، بل مشتركاً بينها وبين الزوج الذي يختص بحكمه. فلابد في التعيين من طريق آخر وبدونه يكون مقتضى الأصل الاقتصار على الأقل. فلاحظ.
الأمر الخامس عشر: صرح جملة من الأصحاب بمشاركة النفساء للحائض في حكم الكفارة. وكأنه لعموم الاشتراك بينهما في الأحكام، المدعى في كلماتهم، على ما يأتي الكلام فيه في محله إن شاء الله تعالى.
ص 68
(مسألة 18): لا يصح طلاق الحائض(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد فرع على ذلك في الذكرى أنه حيث قد يقصر زمان النفاس فقد يستوعب الوطء الواحد زمانين أو ثلاثة تختلف بحسبها الكفارة، فتتعدد الكفارة، وهو المحكي عن جماعة بناء على تعدد الكفارة بتعدد الوطء. وتردد فيه في الروض ومحكي البيان، بل ظاهر جامع المقاصد وغيره المنع منه، لعدم صدق التعدد عرفاً، وهو محله، لكن كان المناسب لهم منع صدق التعدد حقيقة أيضاً. وقد سبق نظيره في آخر الفرع الثامن.
(1) بلا إشكال فيه بيننا، وقد استفاضت دعوى الإجماع عليه من أصحابنا(رضي الله عنهم). وتقتضيه النصوص الكثيرة، كصحيح الحلبي: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): الرجل يطلق امرأته وهي حائض. قال: الطلاق على غير السنة باطل»(1).
هذا، وفي المعتبر والتذكرة والمنتهى ومحكي التحرير إجماع علماء الإسلام على تحريمه وأن الخلاف بيننا وبينهم في وقوعه.
وقد استدل للتحريم في المنتهى بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن...)(2)، لإجمـاع المفسرين على أن المراد به الطلاق في غير الحيض.
ويشكل بأن الأمر المذكور لما لم يكن للوجوب فكما يمكن أن يكون لبيان الطلاق الجائز يمكن أن يكون لبيان الطلاق الصحيح الذي يترتب عليه الأثر، بل لعل الثاني أظهر في الماهيات ذات الأجزاء والشرائط القابلة للاتصاف بالصحة والفساد.
ومثله الاستدلال بما تضمن مخالفة الطلاق حال الحيض للسنة، لأن السنة قابلة للوجهين أيضاً، ولا سيما مع مقابلته بالبدعة الظاهرة في حرمة ما خالف السنة تشريعاً.
وأما الإجماع ففي نهوضه بإثبات الحرمة التكليفية إشكال، لقرب كون منشئه المفروغية عن عدم مشروعية الطلاق المذكور بالنحو القابل للوجهين والمردد بينهما. ومن هنا يشكل إثبات الحرمة التكليفية الذاتية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:8 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه حديث:3.
(2) الطلاق:1.
ص 69
و ظهارها(1) إذا كانت مدخولاً بها(2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعم، لا ريب في الحرمة التشريعية، وقد سبق في مسألة حرمة العبادة على الحائض الكلام في الثمرة بينهما.
(1) بلا إشكال أيضاً، بل في الجواهر أنه لا خلاف فيه بيننا، بل إجماعنا بقسميه عليه. ويقتضيه جملة من النصوص، كصحيح زرارة: «سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن الظهار. فقال: هو من كل ذي محرم...قلت فكيف يكون؟ قال: يقول الرجل لامرأته وهي طاهر من غير جماع: أنت عليّ كظهر أمي...»(1).
(2) ولا يعتبر في طلاق غير المدخول بها عدم الحيض بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، كذا في الجواهر.
ويقتضيه النصوص الكثيرة المتضمنة عدها من الخمس اللاتي يطلقن على كل حال، كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: لا بأس بطلاق خمس على كل حال: الغائب زوجها، والتي لم تحض، والتي لم يدخل بها زوجها، والحبلى، والتي قد يئست من المحيض»(2).
والنسبة بينها وبين ما دل على مانعية الحيض وإن كانت هي العموم من وجه، إذ كما يمكن في الحائض أن تكون مدخولاً بها يمكن في غير المدخول بها أن لا تكون حائضاً، فيتنافيان في الحائض غير المدخول بها، إلا أن هذه النصوص حاكمة على أدلة شروط المطلقة وموانعها حكومة عرفية، لظهورها في النظر إلى تلك الشروط والموانع وإلغائها في الخمس المذكورات.
بل لو حملت هذه النصوص على خصوص صورة تحقق جميع الشروط وارتفاع جميع الموانع لزم إلغاء خصوصية الخمس المذكورات، ولو حملت على صورة تحقق بعضها كان بلا مرجح عرفي، لأن ألسنة أدلتها بنحو واحد، فيتعين العمل بعموم هذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:2 من كتاب الظهار حديث:2.
(2) الوسائل باب:25 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه حديث:3.
ص 70
ولو دبراً(1)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2النصوص وتقديمه على أدلة الشروط والموانع المذكورة.
وأما الظهار فظاهر المتن وقوعه حال الحيض مع عدم الدخول، بنحو عبارته عبر في العروة الوثقى. وهو لا يناسب ما يأتي في كتاب الظهار من اعتبار الدخول في صحته، كما عن الصدوق وجماعة من المتأخرين.
ولو بني على عدم اعتباره وجواز ظهار غير المدخول
بها ـ كما عن جماعة ـ فلم أعثر على من صرح بعدم مانعية الحيض من ظهارها خروجاً عن
إطلاق مانعيته منه في النص والفتوى. كما لم أعثر على ما يدل عليه عدا مرسل ابن فضال
عن أبي عبد الله
اللهم إلا أن يكون قرينة عرفية على تنزيل إطلاق ما تضمن اشتراطه ببعض شروط الطلاق ـ كالطهر ـ على أنه على نحو اشتراطها في الطلاق. فتأمل.
نعم، إرساله مانع من التعويل عليه في الخروج عن إطلاق اعتبار الطهر في الظهار إلا أن يستفاد مما يأتي منهم في الغائب المفروغية عن مفاده ولو بنحو يكفي في انجباره.هذا وقد يكون المراد من المتن إلحاق الظهار بالـطلاق في مانعية الحيض منه، دون الاستثناء، كما قد يظهر من سيدنا المصنف(قدس سره) أنه فهمه من عبارة العروة الوثقى، حيث لم يشر للاستدلال عليه في الظهار. فلاحظ.
(1) لصدق الدخول بذلك، فتخرج عن مورد النص والفتوى باستثناء غير المدخول بها. ولا مجال لقياسه على ما سبق في الغسل من قصور الأدلة عن إثبات وجوبه بالوطء في الدبر،لاختلاف ألسنة الأدلة في المقامين، وعدم ثبوت التلازم بينهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:2 من كتاب الظهار حديث:3.
ص 71
وكان زوجها حاضراً(1) وفي حكمه(2)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فيصح طلاق الغائب عنها زوجها وإن كانت حائضاً. للنصوص الكثيرة، كخبر أبي بصير: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): الرجل يطلق امرأته وهو غائب، فيعلم أنه يوم طلقها كانت طامثاً. قال: يجوز»(1) وغيره مما تضمن عدها من الخمس اللاتي يطلقن على كل حال(2)، وقد تقدم بعضها، وما تضمن حدّ الغيبة(3) وغيرها.
نعم، اختلفوا في حدّ الغيبة بما لا مجال لإطالة الكلام فيه هنا، بل يوكل إلى محله من كتاب الطلاق.
وأما ظهار من غاب عنها زوجها ففي الشرايع وظاهر النافع والقواعد واللمعة أنه يقع مع الحيض، وفي الجواهر بعد ذكر جملة أحكام هو منها: «بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بيننا، بل إجماعنا بقسميه عليه». وكأنه لاستفادتهم من دليل شرطية الطهر في الظهار أنه على نحو شرطيته في الطلاق ولو بضميمة مرسل ابن فضال، على ما تقدم بيانه منا في غير المدخول بها.
(2) كما في الإرشاد في الطلاق، وفي الرياض في الظهار. ولعل مرادهما ما في الروضة والجواهر والعروة الوثقى، وهو ما إذا تيسر للغائب الاطلاع على حالها.
قال سيدنا المصنف(قدس سره): «لاختصاص أدلة استثناء الغائب بمن لا يتمكن من العلم، ولو بملاحظة صحيح ابن الحجاج الآتي، فيرجع في المتمكن منه إلى عموم ما دل على اعتبار الطهر». لكن لم يتضح الوجه في اختصاص أدلة استثناء الغائب بمن لا يتمكن من العلم بعد عدم الإشارة إليه في نصوصه، بل قد لا يناسب تحديد مدة الغيبة في بعضها. وغاية ما يدعى هو انصرافها لمن لا يعلم فعلاً وإن كان متمكناً من العلم، لمناسبة الغيبة له جداً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:26 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه حديث:6.
(2) راجع الوسائل باب:25 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
(3) راجع الوسائل باب:26 من أبو بمقدمات الطلاق وشرائطه.
ص 72
إلا أن تكون حاملاً(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعم، لا يبعد كون غلبة تعذر العلم على الغائب خصوصاً في تلك العصور، حكمة في رفع الشرط المذكور لا أنه علة يدور مدارها.
وأما صحيح ابن الحجاج فهو ما رواه عن أبي الحسن(عليه السلام): «عن رجل تزوج امرأة سراً من أهلها [أهله. فقيه] وهي في منزل أهلها [أهله. فقيه] وقد أراد أن يطلقها وليس يصل إليها فيعلم طمثها إذا طمثت ولا يعلم بطهرها إذا طهرت. قال: فقال: هذا مثل الغائب عن أهله يطلق بالأهلة والشهور...»(1)، ومن الظاهر أن تنزيل الحاضر الذي يتعذر عليه معرفة حال زوجته منزلة الغائب لا يدل على التعذر في حق الغائب أيضاً. بل قد يكون على خلافه أدل، لظهوره في خصوصية الغائب في الحكم ـ كما هو ظاهر جميع نصوص المقام ـ وأن ثبوته في الحاضر الذي يتعذر عليه العلم لتنزيله منزلته، لا أن موضوع الحكم مطلق من يتعذر عليه العلم من دون خصوصية للغائب.
ومن هنا كان ما ذكره(قدس سره) في غاية الإشكال. ولعله لما ذكرنا حمل في الروض حضور الزوج على كونه عند الزوجة، لا ما يقابل السفر، وحمل ما في حكم الحضور على قربه منها، بحيث يمكنه استعلام حالها. وإن كان الحمل المذكور مخالف لظاهر كلماتهم جداً.
نعم، حمل في المسالك من بحكم الحاضر على الغائب دون المدة المسوغة للطلاق. وهو قريب في نفسه لولا ما عرفت من بعضهم من إرادة المعنى الأول.
وكيف كان، فقد كان الأولى لسيدنا المصنف(قدس سره) التنبيه على ما نبه له في النهاية والشرايع وغيرهما من إلحاق الحاضر الذي يتعذر عليه العلم بالغائب، عملاً بصحيح ابن الحجاج.
هذا، وأما إلحاق الظهار بالطلاق في ذلك فهو يبتني على ما تقدم في الغائب.
(1) بناء على ما سبق من اجتماع الحيض مع الحمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب: 28 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه حديث:1.
ص 73
فلا بأس به حينئذٍ(1). وإذا طلقها على أنها حائض فبانت طاهرة صح، وإن عكس فسد(2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أما في الطلاق فهو بلا إشكال ظاهر وقد تظافرت به كلماتهم، وفي الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه». ويقتضيه النصوص الكثيرة التي عدتها من الخمس اللاتي يطلقن على كل حال(1)، وقد تقدم بعضها.
وأما في الظهار فهو المصرح به في الروضة وكشف اللثام. والعمدة فيه ما سبق في ظهار الغائب عنها زوجها من ابتنائه على استفادتهم من دليل شرطية الطهر في الظهار أنه على نحو شرطيته في الطلاق. ولعله لذا قال في الروضة مستدركاً على إطلاق اللمعة مانعية الحيض: «وكان عليه أن ينبه عليه. ولعله أهمله لظهور أن هذه شرائط الطلاق».
(2) عملاً بإطلاق الدليل الظاهر في أن المدار على الواقع، لا على اعتقاد المطلق. وكذا الحال في الظهار.
بقي في المقام أمران:
الأول: تقدم في الفرع الثالث عشر من فروع كفارة الوطء إلزام بعضهم بالاحتياط مع اشتباه الحيض ولو كان لاستمرار الدم. وقد ذكرنا أنه مع وجود الوظيفة الشرعية لتعيين الحيض بأمارة أو أصل يجب الرجوع إليها في التعيين، فيبني على حيضية ما تقتضي حيضيته وطهرية ما تقتضي طهريته، لظهور دليل جعلها في أنه لتحديد الحيض ظاهراً بلحاظ جميع الأحكام.
وقد يدعى أن لازم ذلك فيما إذا كانت الوظيفة مبنية على التخيير بين الأقل والأكثر ـ كالتحيض بالعدد والاستظهار، بناء على المختار فيهما ـ عدم التعبد بكل من الحيض والطهر قبل الاختيار، فلا يترتب حكم أحدهما على العمل الصادر حينئذٍ كالوطء والطلاق، بل يكون مراعى بالاختيار، فإذا اختارت أحد الأمرين ترتب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الوسائل باب:25 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه.
ص 74
حكمه من أول الأمر، ولو لم تختر تسامحاً أو لتعذر الاختيار لها ـ بجنون أو موت أو نحوهما ـ فحيث لا يحرز موضوع أحد الحكمين يلزم الرجوع في نفس الحكمين للأصل، كأصالة البراءة من وجوب الكفارة، وأصالة عدم ترتب الأثر على الطلاق.
لكن ذلك لو تم يقتضي جواز الرجوع للأصل في نفس الحكمين من أول الأمر أيضاً، فيبنى على جواز الوطء المستلزم لعدم وجوب الكفارة، وعلى عدم ترتب الأثر على الطلاق. غايته أنه يرفع اليد عن مقتضاه باختيار ما يخالفه، فإن اختارت الطهر يبنى على صحة الطلاق من أول الأمر، وإن اختارت الحيض يبنى على حرمة الوطء حين وقوعه، وإن لم يعاقب عليه، لعدم المنجز لحرمته حينئذٍ، كما لا كفارة عليه لذلك.
مع أنه مبني على عدم جريان استصحاب الحيض قبل الاختيار، لظهور أدلة الوظيفة في الردع عنه، وإلا كان اللازم التعبد بحكم الحيض مع عدم اختيار الأقل، فإذا تعقبه اختيار الطهر ثبت حكمه ظاهراً وكان رافعاً لحكم استصحاب الحيض.
وحينئذٍ ففي مشروعية الاختيار لها بلحاظ الزمان السابق عليه بحيث يشرع لمستمرة الدم مثلاً في اليوم التاسع اختيار التحيض بالسبعة، ليكون موجباً لانقلاب الحكم عما اقتضاه إشكال، وإن كان هو مقتضى الإطلاق. كيف ولازمه جواز العدول عما اختارته أولاً، لأنه مقتضى الإطلاق أيضاً. فتأمل جيداً.
وكيف كان، فقد سبق جريان استصحاب الحيض في مورد الاستظهار والتحيض بالعدد، غايته أنه يجوز رفع اليد عنه باختيار الطهر في مورد التخيير. فراجع التنبيه الرابع من تنبيهات الكلام في وجوب الاستظهار، والكلام في القول الثاني من الأقوال المخالفة للمختار في التحيض بالعدد.
الأمر الثاني: لا يخفى أن ما كان من الأحكام المتقدمة قد أخذ في أدلته عنوان الحائض فالأصل فيه الاقتصار على حالة الحكم بالحيضية، لخروج الدم أو لتخلل النقاء بين الدميين ـ بناء على إلحاقه بالحيض ـ ولا يترتب مع الحكم بعدمها وإن بقي الحدث، لعدم الغسل. ولا مخرج عن ذلك في الطلاق والظهار، بل ظاهر المسالك
ص 75
أنه اتفاقي. كما أنه الذي دلت عليه النصوص الخاصة في حرمة الوطء ـ على ما سبق ـ ويتفرع عليه الكفارة، لما سبق من اختصاصها بالوطء المحرم. ومن هنا كان العمل في الأحكام المذكورة على ذلك.
كما أنه لا إشكال في توقف صحة الصلاة والطواف الواجب على الغسل، لأخذ الطهارة شرطاً فيهما.وأما الصوم ففيه خلاف منشؤه بعض النصوص الخاصة(1) يوكل إلى محله من كتاب الصوم.
وأما الحرمة الذاتية ـ التي سبق منا البناء عليها في الصلاة ـ فنصوصها الواردة في الحائض وإن اختصت بحال الحيض، إلا أنه تقدم ظهور بعض النصوص في الحرمة مع مطلق الحدث، فيتعين لأجله البناء على أن غايتها الغسل. وكذا حرمة مس القرآن الشريف، لاعتبار الطهارة من الحدث الأصغر في جوازه فضلاً عن الأكبر. ومثله مس اسمه تعالى، لأن الاستدلال المتقدم على حرمته ـ لو تم ـ يناسب كون المعيار فيها الحدث، كالجنب.
وأما تحريم دخول المساجد ـ على التفصيل المتقدم في الجنب ـ وقراءة العزائم فظاهر المسالك عدم الخلاف في إناطته بالحدث، دون خصوصية حالة الحيض. وكأنه لأن المستفاد من سوق الحائض مساق الجنب في نصوصه أن المعيار فيه الحدث، كما هو المناسب لارتكاز ابتنائه على احترام المساجد والعزائم باجتناب المحدث لها.
بل هو الظاهر مما في صحيح زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام): «قلنا له: الحائض والجنب يدخلان المسجد أم لا؟قـال:الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين، إن الله تبارك وتعالى يقول: ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا...»(2)، فإن الاكتفاء في الاستدلال على حكم الحائض والجنب معاً بالآية الشريفة الواردة في الجنب ظاهر في المفروغية عن كون موضوع الحكم هو الجهة المشتركة بينهما، وهي الحدث. ويؤيده ما في مرفوع أبي حمزة(3) من أمر من يفجؤها الحيض في المسجدين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك حديث:1.
(2) ، (3) الوسائل باب:15 من أبواب الجنابة حديث:10، 3.
ص 76
(مسألة19): يجب الغسل من حدث الحيض لكل مشروط بالطهارة من الحدث الأكبر(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشريفين بالتيمم والخروج، لوضوح أن التيمم إنما يوجب تخفيف الحدث، ولا دخل بحالة الحيض مع قطع النظر عنه.
ومن هنا كانت إناطة الجواز بالغسل قريبة جداً. وما عن بعضهم من تقوية عدم وجوب الغسل في غير محله ظاهراً، ولا سيما في دخول المساجد. فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.
(1) كما هو مقتضى الشرطية لو أريد بالوجوب ما يساق اللابدية. ولو أريد منه الوجوب الغيري ـ بناء على ثبوت الأمر الغيري ـ كان مشروطاً بوجوب المشروط، إذ مع استحبابه يكون مستحباً غيرياً. كما أنه لو لم يكن شرطاً في صحة العمل، بل كان العمل محرماً بدونه ـ كمس الكتاب الشريف ـ أو مكروهاً فلا مجال للبناء على وجوب الغسل أو استحبابه غيرياً بسببه.
نعم، لو وجب الفعل المذكور أو اضطر إليه كان الغسل لازماً أو راجحاً عقلاً، محافظة على غرض الشارع من دون أمر شرعي به. وهو الحال أيضاً لو وجب المشروط بالغسل أو استحب نفسياً، بناء على ما هو الظاهر من عدم الأمر الغيري المولوي بالمقدمة. وقد تقدم منا في المسألة السابعة والتسعين من مباحث الوضوء أنه كمايكفي في التقرب المعتبر في الطهارات قصدإحدى الغايات الواجبة أو المستحبة المشروطة بها كذلك يكفي قصد استباحة ما يحرم أو يكره بدونها، سواءً وجب أم لا. فراجع.
هذا، والظاهر عدم وجوب غسل الحيض نفسياً، كما هو الحال في سائر الأغسال، وهو المعروف بين الأصحاب الظاهر من جملة من كلماتهم المفروغية عنه، بل في جامع المقاصد: «لا خلاف في أن غير الجنابة لا يجب لنفسه» وادعى في الروض الإجماع على أن وجوبه غيري. لكن في المنتهى أن للنظر فيه مجالاً، لإطلاق الأمر به، وفي المدارك: أن قوته ظاهرة. ويظهر ضعفه مما تقدم في أول الفصل السابع من مباحث الوضوء.
ص 77
ويستحب للكون على الطهارة(1). وهو كغسل الجنابة في الكيفية(2)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الظاهر عدم الإشكال فيه، لاستفادته مما تضمن استحباب الوضوء للكون على الطهارة بالأولوية العرفية، أو لأن أسباب الحدث الأكبر نواقض للوضوء. مضافاً إلى عموم ما تضمن الأمر بالطهارة الذي تقدم التعرض له عند الاستدلال على استحباب الوضوء للكون على الطهارة في الفصل السابع والمسألة المائة من مباحث الوضوء.
هذا، وأما استحبابه لنفسه مع قطع النظر عن الكون على الطهارة فلا طريق لإثباته، لأن ما تضمن الأمر به لما كان ظاهراً أو صريحاً في الوجوب فهو محمول على الأمر به غيرياً أو إرشاداً لمقدميته للواجب أو لبيان شرطيته. ولورود ما ظاهره استحبابه فهو منصرف للأمر به لأجل ترتب الطهارة عليه، نظير ما تقدم في الوضوء للكون على الطهارة. فراجع.
(2) الظاهر عدم الإشكال فيه، حيث صرح به جماعة كثيرة، ويظهر من غير واحد المفروغية عنه، وفي المدارك: «هذا مذهب العلماء كافة»، وقال سيدنا المصنف(قدس سره): «وعن كثير دعوى الإجماع عليه صريحاً وظاهراً».
ويقتضيه موثق الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: غسل الجنابة والحيض واحد. وسألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الحائض عليها غسل مثل غسل الجنب؟ قال: نعم»(1)، وموثق أبي بصير عنه(عليه السلام): «سألته أعليها غسل مثل غسل الجنب؟ قال: نعم. يعني الحائض»(2)، فإن مقتضى إطلاق المماثلة المساواة في الكيفية.
وأما تضمن أن غسل الجنابة والحيض واحد ـ كصدر موثق الحلبي وموثقه الآخر(3) وغيرهما ـ فهو كما يحتمل إرادة الوحدة في الكيفية يحتمل إرادة الوحدة في العدد لبيان تداخل الغسلين. بل لعل الثاني أظهر، ولا سيما مع ورود المضمون المذكور في صحيح عبد الله بن سنان عنه(عليه السلام): «سألته عن المرأة تحيض وهي جنب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب:1 من أبواب الجنابة حديث:6 ، 7.
(3) الوسائل باب:23 من أبواب الحيض حديث:1.
ص 78
هل عليها غسل الجنابة؟ قال: غسل الجنابة والحيض واحد»(1).
نعم، التداخل مناسب لاتحاد الكيفية، بل عدم التعرض في نصوصه لكيفية الغسل المجزي عن الغسلين أو الأغسال ظاهر في المفروغية عن اتحاد الأغسال في الكيفية. ولعله لذا استدل بعضهم بالنصوص المذكورة وبجميع نصوص التداخل.
نعم، لا مجال لما يظهر من الوسائل من الاستدلال بمعتبرة الفضل بن شاذان عن الرضا(عليه السلام): «قال: وغسل الجنابة فريضة وغسل الحيض مثله»(2).
لاندفاعه: بأن المتيقن منه إرادة المماثلة في كونه فريضة، لا ما يعم الكيفية أو يختص بها.
وأضعف منه الاستدلال بموثق عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام): «سألته عن التيمم عن الوضوء ومن الجنابة ومن الحيض للنساء سواء؟ فقال: نعم»(3). لوضوح ان اتحاد كيفية التيمم الذي هو بدل عن هذه الأغسال لا يستلزم اتحاد كيفيتها. فالعمدة ما سبق.
هذا، وأما قول العلامة في المنتهى: «يجب في الغسل الترتيب. وهو مذهب علمائنا أجمع». فالظاهر عدم منافاته لما تقدم، وأن مراده وجوب الغسل مع كون الغسل تدريجياً لا بنحو يمنع من الارتماس الثابت في غسل الجنابة بلا إشكال، كما هو مقتضى استدلاله بما تضمن أن غسل الجنابة والحيض واحد بدعوى: أن الوحدة تقتضي اعتبار شرائط غسل الجنابة، وتصريحه بعد ذلك باتحاد الغسلين في الأحكام، جرياً على مقتضى الوحدة التي تضمنتها النصوص.
نعم، في النهاية: «وتستعمل في غسل الحيض تسعة أرطال من الماء، وإن زادت على ذلك كان أفضل، وإن كان دون التسعة أرطال أو كان مثل الدهن في حال الضرورة لم يكن به بأس، وأجزأها عن الغسل».
وقد يستفاد منه إن إجزاء ما دون التسعة مختص بحال الضرورة، فيخالف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:43 من أبواب الجنابة حديث:9.
(2) ، (3) الوسائل باب:23 من أبواب الحيض حديث:4 ، 2.
ص 79
غسل الجنابة. لكنه غير ظاهر، لقرب كون الضرورة قيداً لخصوص ما يكون بمثل الدهن ـ كما ذكره في غسل الجنابة أيضاً ـ لأنه المناسب لتخصيصه بالذكر من بين ما يكون دون التسعة أرطال. على أن الظاهر أن التقييد بالضرورة ليس لعدم الاجتزاء بالمقدار المذكور اختياراً، بل لأنه لا ينبغي اختياره مع إمكان الإسباغ بالتسعة أرطال، كما يناسبه مقابلته بين الضرورة والإسباغ في غسل الجنابة، حيث قال: «وأقل ما يجزيه من الماء للغسل ما يكون كالدهن للبدن، وهذا يكون عند الضرورة. والإسباغ يكون بتسعة أرطال من ماء، وإن استعمل أكثر من ذلك جاز». وغاية ما يستفاد منه الفرق بين غسل الجنابة وغسل الحيض باستحباب الزيادة على التسعة أرطال في الثاني دون الأول، حيث نص على جواز الزيادة فيه دون أفضليتها. لكن هذا لا ينافي ما تضمن أن غسل الحيض مثل غسل الجنابة، لأن ذلك إنما يقتضي استحباب إيقاع غسل الحيض بالصاع كغسل الجنابة، ولا ينافي أفضلية إيقاعه بالأكثر.
وكيف كان، فيدل على الاستحباب المذكور رواية محمد بن الفضيل: «سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن الحائض كم يكفيها من الماء؟ قال: فرق»(1)، حيث حكي عن أبي عبيدة أن الفرق ثلاثة أصوع بلا خلاف. بل قد يدل عليه ما تضمن إيقاعه بتسعة أرطال بحملها على الرطل المدني، فتكون صاعاً ونصفاً، لا على العراقي لتكون صاعاً كغسل الجنابة. وقد تقدم تفصيل الكلام في ذلك في مستحبات غسل الجنابة.
بقي شيء، وهو أنه قال في جامع المقاصد: «ولو تخلل الحدث في أثنائه فقولان مبنيان على الخلاف في غسل الجنابة. ويمكن الجزم بعدم الإعادة هنا، كما قطع به المصنف في التذكرة وجزم به في النهاية».
ولا يخفى أن بناء الخلاف هنا على الخلاف في غسل الجنابة ـ مع عدم مناسبته لما حكاه عن التذكرة ونهاية الأحكام من عدم الانتقاض هنا مع اختيار انتقاض غسل الجنابة فيهما ـ لا يتضح وجهه بعد الفرق بين الغسلين بالإجماع على إجزاء غسل الجنابة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:2 من أبواب الحيض حديث:3.
ص 80
عن الوضوء والخلاف في إجزاء غسل الحيض عنه.
بل اللازم النظر في وجه الانتقاض في غسل الجنابة. فإن كان هو عموم قوله تعالى: (وإن كنتم جنباً فاطهروا)(1)، بالتقريب المتقدم هناك، فمن الظاهر اختصاصه بغسل الجنابة، ولا يعم غيره حتى لو قيل بإجزائه عن الوضوء.
وإن كان هو رواية عرض المجالس للصدوق(2) المتقدمة هناك فلا يبعد البناء على التعميم، لأن المخاطب فيها وإن كان هو الرجل الذي لا يبتلي بأغسال الدماء، إلا أن إطلاق الغسل فيها شامل لغير غسل الجنابة مما يجب على الرجل، وهو غسل مس الميت، الذي هو كغسل الحيض في الخلاف المذكور.
وإن كان هو دعوى ملازمة ذلك لإجزائه عن الوضوء، كان اللازم البناء على ذلك في غسل الحيض، لو قيل بإجزائه عنه أيضاً، وإن قيل بعدم إجزائه عنه فإن بني على أن الغسل ينفرد برفع الحدث الأكبر والوضوء ينفرد برفع الحدث الأصغر لزم البناء على عدم انتقاض غسل الحيض بالحدث الأصغر، لعدم دخله به، وإن بني على اشتراكهما في رفع الحدثين بمجموعهما كان غسل الحيض كغسل الجنابة في الجهة الموجبة للانتقاض، لأنه يكون مؤثراً في رفع الحدث الأصغر في الجملة، كما يكون الحدث المتخلل له ناقضاً له في الجملة.
وما حكاه في جامع المقاصد عن الذكرى من تعليل عدم الانتقاض بالاشتراك المذكور، في غير محله جداً ـ كما نبه له في جامع المقاصد ـ أولاً: لما ذكرنا من أنه بالانتقاض أنسب.
وثانياً: لأن الاشتراك المذكور بعيد في نفسه، على ما أوضحناه في مبحث تداخل الأغسال من المسألة الثالثة والسبعين من مباحث الوضوء. فراجع.
لكن لا يبعد كون مراد الذكرى التعليل بأن الوضوء هو الدخيل في رفع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المائدة:6.
(2) الوسائل باب:39 من أبواب الجنابة حديث:4.
ص 81
من الارتماس والترتيب(1). نعم المشهور أنه لا يجزي عن الوضوء كغيره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحدث الأصغر فلا موجب لبطلان الغسل به. قال: «لو تخلل الحدث الغسل المكمل بالوضوء أمكن [القول.ظ] بالمساواة في طرد الخلاف وأولوية الاجتزاء بالوضوء هنا، لأن له مدخلاً في إكمال الرفع أو الاستباحة. وبه قطع الفاضل في النهاية مع حكمه بالإعادة في غسل الجنابة» حيث لا يبعد رجوع الضمير في قوله: «لأن له مدخلاً» إلى الوضوء دون الغسل.
هذا، وربما يدعى أن مقتضى ما دل على أن غسل الحيض كغسل الجنابة مشاركته له في الانتقاض بتخلل الحدث الأصغر لو قيل به فيه. وبه يوجه ما تقدم من جامع المقاصدمن بناء الحكم هنا على الخلاف هناك.لكنه يشكل بأن منصرف المماثلةخصوص الكيفية دون سائر الأحكام.
اللهم إلا أن يقال: انتقاض الغسل بالحدث الأصغر المتخلل بين أجزائه ليس من أحكامه اللاحقة له في فرض وجوده وترتب الأثر عليه نظير إجزائه عن الوضوء، بل هو راجع إلى اعتبار عدم تخلل الحدث الأصغر في ترتب الأثر عليه، فهو نظير الموالاة لو قيل باعتبارها راجع إلى الكيفية المعتبرة في التأثير، فيشمل إطلاق المماثلة.
نعم، لو كان انتقاضه تابعاً لرافعيته للحدث الأصغر فلا موضوع للانتقاض في غسل الحيض بناء على عدم دخله في رفعه وانفراد الوضوء برفعه، ويلزم رفع اليد عن إطلاق المماثلة في ذلك.
ولعل ذلك هو مراد سيدنا المصنف(قدس سره) وإن كانت عبارته لا تفي به.
(1) بناء على وجوب الترتيب في غسل الجنابة غير الارتماسي. أما بناء على عدمه فالمتعين عدم وجوبه في غسل الحيض، لإطلاق أدلة المماثلة المتقدمة، ولخصوص بعض النصوص الواردة في غسل المرأة الذي كان غسل الحيض من أظهر أفراده، وقد تقدمت عند الكلام في وجوب الترتيب. وما سبق من المنتهى من دعوى الإجماع على وجوب الترتيب في غسل الحيض ليس بنحو يصلح لرفع اليد عما ذكرنا.
ص 82
من الأغسال عدا غسل الجنابة(1). وهو غالباً أحوط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا سيما مع قرب ابتنائه على دعوى الإجماع عليه في غسل الجنابة، والمفروض عدم التعويل عليها.
(1) فقد صرح بعدم إجزائها عن الوضوء جمهور الأصحاب، كالصدوق والشيخين وبني زهرة وحمزة وإدريس وسلار والفاضلين والشهيدين والكركي وغيرهم، ونسبه في المعتبر وكشف اللثام للأكثر، وفي الروض والمدارك والمفاتيح والحدائق ومحكي المختلف للمشهور، وفي السرائر للمحققين المحصلين الأكثرين من أصحابنا، وعن الذكرى أنه المشهور شهرة كادت تكون إجماعاً، وعدّه الصدوق في الأمالي من دين الإمامية.
خلافاً لما حكاه في المبسوط والسرائر عن بعض أصحابنا، وهو المحكي عن المرتضى وابن الجنيد، وقد يستفاد من الكليني حيث ذكر الطائفتين من النصوص بضميمة ما ذكره في ديباجة الكافي من أنه مع تعارض النصوص فالتخيير عند عدم المرجح، وجرى على ذلك جماعة من متأخري المتأخرين، كأصحاب المدارك والمفاتيح والوسائل والحدائق وحكي عن جماعة غيرهم.
وقد يستدل على الأول بأمور:
الأول: الإجماع المستفاد مما تقدم من الأمالي مؤيداً بالشهرة المذكورة، قال في الجواهر: «وفيها من لا يعمل إلا بالقطعيات وما هو كمتون الأخبار، كالنهاية والفقيه والهداية. وهو المنقول عن والد الصدوق أيضاً. مع أنه علله في الفقيه والهداية مما [بما.ظ] ينبئ عن ذلك، حيث قال في الأول:... لأن الغسل سنة، والوضوء فرض، ولا تجزئ سنة عن فرض. ونحوه في الهداية، كالمنقول عن فقه مولانا الرضا(عليه السلام) مع زيادة تأكيد لعدم الإجزاء».
لكن كلام الأمالي غير ظاهر في الإجماع، بل ملاحظة تمامه تشهد بأن مراده بيان ما هو من دين الإمامية بنظره الشريف، وما في صدر كلامه من ذكر الإقرار في بيان الدين
ص 83
الظاهر في كون المقر به ضرورياً من دينهم لابد من حمله على خصوص أصول الدين أو مع الفرائض التي صدر بها الكلام، دون خصوصياتها وفروعها التي فرعها بعد ذلك والتي لا ريب في عدم توقف الدين على الإقرار بها، وعدم بلوغها مرتبة الضرورة.
وأما الشهرة فهي لا تصلح لتأييد الإجماع مع الاطلاع على الخلاف. واشتمالها على من لا يعمل إلا بالقطعيات ـ لو تم ـ ومن يفتي بمتون الأخبار إنما يكشف عن وجود نص في المسألة، وليس هو مورداً للإشكال، لا عن كون الحكم إجماعياً قطعياً. وكذا ما أشير إليه في الفقيه والهداية من أنه لا تجزي سنة عن فريضة لو أريد به الإشارة إلى مضمون نص لا مجرد قضية اجتهادية.
على أنه لا يناسب ما تقدم من التداخل في جميع الأغسال التي فيها السنة. بل لو تم فالاستدلال به لا يناسب ما في الأمالي والهداية من أن غسل الحيض فريضة كغسل الجنابة، الذي هو مقتضى ذكره في الكتاب المجيد في آية اعتزال النساء في المحيض، وما في معتبرة الفضل بن شاذان(1) المتقدمة في كيفية غسل الحيض.
نعم، قد لا يناسب ذلك ما في خبر سعد بن أبي خلف: «سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: الغسل في أربعة عشر موطناً واحد فريضة والباقي سنة»(2). إلا أن يكون عدم شرحه للأغسال المذكورة مانعاً من دلالته على عدم كون غسل الحيض فريضة.
وكيف كان، فلا مجال في المقام لدعوى الإجماع، بحيث يكون الحكم قطعياً، بل هو تابع للاستفادة النظرية والاجتهاد في مفاد النصوص، ولذا جعله في موضع من المبسوط الأظهر من الروايات الأحوط، مع الاعتراف فيه وفي غيره بالخلاف فيه.
الثاني: إطلاق ما دل على سببية أسباب الحدث الأصغر للوضوء بضميمة عدم الفصل بين ما لو قارن سبب الغسل أحدها وما لو لم يقارنه.
وفيه: أنه ليس بأولى من الاستدلال على إجزاء الغسل عن الوضوء بظهور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:23 من أبواب الحيض حديث:4.
(2) الوسائل باب:1 من أبواب الجنابة حديث:11.
ص 84
نصوص أغسال الأحداث الكبرى في كونها رافعة لتلك الأحداث بتمامها وموجبة للطهارة التامة منها من دون حاجة للوضوء، إذ بضميمة عدم الفصل المذكور يستفاد عدم الحاجة للوضوء فيما لو حصل سبب الحدث الأصغر.
بل الثاني هو الأولى، لأن المستفاد من مجموع الأدلة ـ ولو بضميمة عدم الفصل المذكور ـ أن أسباب الحدث الأكبر نواقض للوضوء،أو حيث كانت النواقض تتداخل في الرافع، فإجزاء الغسل عن الوضوء ـ كما هو ظاهر نصوص أغسال الأحداث الكبرى بالبيان المتقدم ـ ليس لعدم كون سبب الحدث الأصغر موجباً للوضوء، لينافي إطلاق دليل سببيته له، بل لقيام الغسل مقام الوضوء في رافعيته للحدث المسبب عنه. فلاحظ.
الثالث: النصوص الخاصة، ففي صحيح ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة»(1) وفي صحيحه الآخر عن حماد أو غيره عنه(عليه السلام): «في كل غسل وضوء إلا الجنابة»(2) ويعضدهما خبر علي بن يقطين عن أبي الحسن الأول(عليه السلام): «قال: إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ [ثم.يب] واغتسل»(3).
ولا يقدح في الأولين الإرسال بعد كون المرسل لهما ابن عمير ـ على ما تقدم في مبحث تحديد الكر بالوزن ـ ولا سيما مع ظهور اعتماد الأصحاب عليهما. بل عن المختلف والذكرى رواية الثاني عن حماد بعينه، فيكون من الصحيح المصطلح، وإن كان الظاهر أنه وهم منهما، لما ذكره غير واحد من أن الموجود في كتب الأخبار ما تقدم، كما هو الحال فيما في التهذيب. فالعمدة ما ذكرنا.
لكنها معارضة بجملة من النصوص كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام): «قال: الغسل يجزي عن الوضوء، وأي وضوء أطهر من الغسل؟!»(4). ولا مجال لحمل اللام فيه على العهد فيراد منه غسل الجنابة، لعدم تقدمه في الكلام.
كما لامجال لما في المنتهى من عدم دلالة اللام على الاستغراق. لأنها لو لم تدل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) ، (3) الوسائل باب:35 من أبواب الجنابة حديث:1، 2، 3.
(4) الوسائل باب:33 من أبواب الجنابة حديث:1.
ص 85
عليه وضعاً فهي تدل عليه إطلاقاً بعد عدم العهد. ولا سيما مع مناسبة التعليل فيه للعموم، لأن ارتكازيته تقتضي عدم الفرق فيه بين الأغسال.
ومنه يظهر الاستدلال بصحيح حكم بن حكيم: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن غسل الجنابة... قلت: إن الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلاة، فضحك وقال: وأي وضوء أنقى من الغسل وأبلغ؟!»(1).
وأصرح منهما في العموم موثق عمار: «سئل أبو عبد الله(عليه السلام) عن الرجل إذا اغتسل من جنابته أو يوم جمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده؟ فقال: لا ليس عليه قبل ولا بعد، قد أجزأه الغسل، والمرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل ولا بعد، قد أجزأها الغسل»(2)، وفي مرسل حماد عنه(عليه السلام): «في الرجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك أيجزيه من الوضوء؟ فقال أبو عبد الله(عليه السلام): وأي وضوء أطهر من الغسل؟!»(3)، وفي مكاتبة الهمداني إلى أبي الحسن الثالث(عليه السلام) يسأله عن الوضوء للصلاة في غسل الجمعة «فكتب: لا وضوء للصلاة في غسل يوم الجمعة ولا غيره»(4)، وفي مرسلة الكليني: «وروي أنه ليس شيء من الغسل فيه وضوء إلا غسل يوم الجمعة، فإن قبله وضوء»(5).
ويدل على ذلك أيضاً نصوص الأغسال من الأحداث، لما أشرنا إليه في الوجه الثاني من ظهورها في إزالتها لتمام آثار أسبابها، ولا سيما مع تعقيبها بالصلاة في مثل قوله(عليه السلام) في صحيحة الصحاف: «فإن انقطع الدم عنها قبل ذلك فلتغتسل ولتصل»(6)، وفي مرسلة يونس الطويلة: «وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي... وإذا رأيت الطهر ولو ساعة من نهار فاغتسلي وصلي...»(7)، وفي مرسلته الأخرى: «وإن انقطع الدم بعد ما رأته يوماً أو يومين اغتسلت وصلت... فإذا حاضت المرأة وكان حيضها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:34 من أبواب الجنابة حديث:4.
(2) ، (3) ، (4) ، (5) الوسائل باب:33 من أبواب الجنابة حديث:3 ، 4 ، 2، 7.
(6) الوسائل باب:30 من أبواب الحيض حديث:3.
(7) الوسائل باب:3 من أبواب الحيض حديث:4.
ص 86
خمسة أيام ثم انقطع الدم اغتسلت وصلت»(1)، وغيرها.
وأظهر منها جملة من نصوص المستحاضة المتضمنة لذكر الوضوء في بعض الفروض والاقتصار على الغسل في مورد الحاجة إليه، لأن إهمال الوضوء مع الغسل مع ذكره منفرداً كالصريح في عدم الحاجة له مع الغسل في إزالة أثر السبب الموجب له. غاية الأمر أن هذه الطائفة لا تنهض ببيان الاكتفاء بالغسل في فرض تحقق سبب الحدث الأصغر، لعدم النظر فيها إليه، فلابد من تتميمه بعدم الفصل، كما تقدم في الوجه الثاني.
نعم، قد لا يحتاج للمتمم المذكور في معتبرة أبي عبيدة: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المرأة الحائض ترى الطهر وهي في السفر وليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها وقد حضرت الصلاة. قال: إذا كان معها بقدر ما تغسل فرجها فتغسله ثم تتيمم وتصلي...»(2)، لوضوح عدم انفكاك الحائض في مدة حيضها عن سبب الحدث الأصغر فعدم التعرض فيه للوضوء مع وجدان ما يكفي له من الماء ولتكرار التيمم مع فقده كالصريح في كفاية التيمم الواحد لرفع أثري الحيض وسبب الحدث الأصغر معاً. وربما ظهر بسبر النصوص ألسنة أخر تناسب ذلك. وبما ذكرنا يتضح أنه لا مجال لطعن هذه النصوص بضعف السند، لاعتبار سند كثير منها.
نعم، ردها في الجواهر بإعراض الأصحاب عنها، فإن النصوص كلما كثرت وصحت وصرحت وكانت بمرآى من الأصحاب ومسمع كان إعراضهم عنها أدعى لطرحها وعدم الركون إليها.
لكن لم يتضح كون بناء المشهور على وجوب الوضوء لإعراضهم عن هذه النصوص وهجرها باطلاعهم على خلل مانع من الاعتماد عليها، بل لعله للجمع بينها وبين النصوص الأول بما يقتضي ذلك أو لترجيح تلك النصوص عليها بموافقتها للاحتياط أو بغير ذلك، كما هو مقتضى تعرض القدماء والمتأخرين للخلاف ولوجه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:12 من أبواب الحيض حديث:2.
(2) الوسائل باب:21 من أبواب الحيض حديث:1.
ص 87
الترجيح أو الجمع بين النصوص من دون إشارة إلى ما يوهن هذه النصوص في نفسها من شذوذ أو نحوه.
وهو المناسب لما تقدم من المبسوط من أن عدم الإجزاء هو الأظهر من الروايات والأحوط، ومن السرائر من نسبته للمحققين المحصلين المشعر بكونه مقتضى التحقيق والتحصيل بنظره لا مقتضى المفروغية والتسالم. ومن هنا لا مجال لدعوى وهن هذه النصوص بالهجر، بل لابد من النظر في وجه الجمع بينها وبين النصوص السابقة.
وقد حاول غير واحد ممن ذهب لعدم إجزاء الغسل عن الوضوء حمل هذه النصوص على ما لا ينافي ذلك، إما لأنه خير من الطرح، أو لأنه مقتضى الجمع العرفي ولو بقصر النظر على بعضها دون بعض. فحملها في التهذيب والاستبصار على ما إذا اجتمعت هذه الأغسال مع غسل الجنابة.
لكنه ـ كما ترى ـ بعيد جداً مخالف لما هو كالمقطوع به منها من خصوصية هذه الأغسال في الإجزاء، ولا سيما بملاحظة التعليل المتقدم في جملة منها وغيره مما يظهر بالتأمل فيها.
وأضعف منه ما في المنتهى من إمكان حملها على بيان كمال الأغسال المذكورة فيما شرعت له من دون حاجة للوضوء، وإنما يحتاج للوضوء لأجل الصلاة، فبغسل الحيض مثلاً يرتفع حدثه وتبقى المرأة كغيرها من المكلفين إذا أرادت الصلاة يجب عليها الوضوء. لاندفاعه بأنه تكلف لا مجال لحمل النصوص عليه، لعدم مناسبته للتعليل ولا لظهور ترتب الصلاة على الغسل في جملة منها ولا لظهور رافعية الغسل لتمام الحدث الحاصل بأسباب الحدث الأكبر، كما تقدم. على أنه أشبه بالجمع التبرعي.
وأما ما في المعتبر من حملها على خصوص غسل الجنابة، فهو مخالف لصريح بعضها وللتعليل في آخر. وما في الجواهر من تأييده بظهور بعض النصوص في أنه هو الذي وقع الخلاف فيه بيننا وبين العامة. كما ترى لعدم صلوح ذلك للتأييد بعد عدم ظهور تلك النصوص في انحصار الخلاف بيننا وبينهم فيه، وعدم القرينة على
ص 88
اختصاص الإجزاء عن الوضوء بمورد الخلاف المذكور.
نعم، قد يتوجه جعل نصوص عدم الإجزاء قرينة على حمل الطائفة الأخيرة من نصوص الإجزاء ـ وهي نصوص الأغسال الظاهرة في رافعيتها لتمام أثر الحدث ـ على مجرد لزوم الغسل وإن لم يكن رافعاً لتمام أثر سببه. وإن كان ذلك قد لا يناسب كثرة النصوص المذكورة،حيث يبعد جداً إهمال التنبيه على الوضوء فيها لو كان واجباً. بل لعله لا يمكن في معتبرة أبي عبيدة المتقدمة.
ولعله لضعف هذه التوجيهات وغيرها مما أجيب به عن هذه النصوص اعتمد عليها من ذهب إلى إجزاء الغسل عن الوضوء وهو في محله بعد حجيتها في نفسها وقوة دلالتها. ولا سيما مع ظهور تعليل الإمام(عليه السلام) الحكم في اهتمامه بإثبات مضمونه ودفع الشبه عنه، بنحو قد يكشف عن خلل إجمالي في النصوص الظاهرة في وجوب الوضوء.
وقد ذكر غير واحد أن تلك النصوص محمولة على الاستحباب جمعاً مع نصوص الإجزاء، كما هو المتبع في أمثال المقام مما تضمن بعض أدلته تشريع الفعل بنحو يظهر في وجوبه مع تصريح بعضها بعدم وجوبه، بل لعله في المقام أظهر، وبوجه أبعد عن التنافي بين النصوص.
وتوضيح ذلك أن تشريع الوضوء مع الغسل..
تارة: لكونه مستقلاً بأثره في قبال الغسل، بحيث لو كان واجباً لكان هو الرافع للحدث الأصغر، وإن كان مستحباً لزم معه تأكد الطهارة كما يلزم مع الوضوء التجديدي .
وأخرى: لكونه من شؤون الغسل ولواحقه، بحيث لو كان واجباً لكان شرطاً فيه، ولو كان مستحباً كان من آدابه الموجبة لكماله، كالمضمضة والاستنشاق، مع انفراد الغسل بالتأثير، وإن كان الظاهر المفروغية عن أن تشريعه بهذا الوجه يكون بنحو الاستحباب، وأن وجوبه يبتني على الوجه الأول.
هذا، والظاهر أن الثاني هو الأنسب بمجموع الأدلة، أما نصوص الإجزاء
ص 89
فلأنها ظاهرة في قيام الغسل بأثره المعهود وهو رفع الحدث الأصغر بنحو يغني عنه فيه، ولا تنافي مشروعيته على أنه من آدابه الموجبة لكماله.
وأما نصوص مشروعية الوضوء فلأن رواية ابن أبي عمير الثانية قد تضمنت مشروعية الوضوء في الغسل، لا معه، وهو يناسب كونه من لواحقه المعدودة كالجزء منه، كما هو المناسب لما في روايته الأولى ـ وهو المنصرف من خبر ابن يقطين ـ من الأمر به قبله ولما تضمنته جملة من أن الوضوء بعد الغسل بدعة، كموثق سليمان بن خالد أو صحيحه عن أبي جعفر(عليه السلام): «قال: الوضوء بعد الغسل بدعة»(1) وغيره، فإنه لو كان مستقلاً بأثره ـ واجباً أو مستحباً ـ لم يظهر وجه تقديمه، بل قد يكون الأنسب تأخيره، لما هو المتعارف من إزالة الأقوى قبل الأضعف، ولأن تقديم الوضوء معرض له للانتقاض قبل ترتب غايته من الصلاة وغيرها، ولا سيما مع كثرة إيقاع الغسل قبل الوقت، فتقديمه يناسب كونه من شؤون الغسل كسائر مقدماته، التي لا موضوع لها بعده، بل تكون بدعة، كما لا موضوع لها مع الانتقال للتيمم بدلاً عن الغسل.
نعم، قد ينافي الوجه المذكور صحيح حكيم المتقدم، لتضمنه استنكار ما يقوله الناس من لزوم الوضوء قبل غسل الجنابة وتعليله بما يناسب الإجزاء، لا عدم كونه من مقدمات الغسل، ومكاتبة الهمداني النافية للوضوء في جميع الأغسال، لا معها، وكذا مرسلة الكليني المثبتة له قبل غسل الجمعة والنافية له في غيره، لا معه، ومرسلة محمد بن أحمد: «ان الوضوء قبل الغسل وبعده بدعة»(2).
اللهم إلا أن يدفع ما ذكره في الصحيح بأنه عدم مناسبة لزوم كون الوضوء قبل الغسل لكونه واجباً في قباله لا ينافي جري العامة على ذلك، فاحتيج لردعهم بالتعليل المناسب للإجزاء.
وفي المكاتبة بأن حرف الجر وإن كان مناسباً لكون الوضوء من آداب الغسل لا في قباله، إلا أن قوله: «للصلاة» ظاهر في بيان غاية الوضوء لا نوعه، وهو يناسب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:33 من أبواب الجنابة حديث:9.
(2) الوسائل باب:32 من أبواب الجنابة حديث:5.
ص 90
نفي شرطيته للصلاة في قبال الغسل، لا نفي مشروعيته لتكميله.
كما أن مرسلة الكليني ـ مع أنها قد تضمنت التفصيل بوجه لا قائل به ـ لا يبعد كونها منقولة بالمعنى، وقد غفل فيها عن الفرق بين مفاد (في) ومفاد (مع). وأما مرسلة محمد بن أحمد فمن القريب كون الواو فيها عاطفة بين جملتين، لا بين الظرفين، فهي لا تدل على عدم مشروعية الوضوء لا قبل الغسل ولا بعده، بل على مشروعيته قبله وعدم مشروعيته بعده، فتناسب الجمع المذكور.
على أن ضعف المكاتبة والمرسلتين مانع من التعويل عليها في الخروج عما ذكرناه إذا اقتضاه الجمع بين النصوص.
وبالجملة: لا ينبغي التأمل في أن مقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين هو البناء على الاستحباب بأحد الوجهين المتقدمين، وإن كان الثاني هو الأظهر بالنظر لمجموع النصوص.
وبذلك لا تصل النوبة للترجيح بين الطائفتين، ليكون مع نصوص الإجزاء بسبب مخالفتها للعامة، لما في الحدائق من أن الظاهر أنه لا خلاف بينهم في وجوب الوضوء. على أنه لو سلم استحكام التعارض ووصول النوبة للترجيح فلم يتضح تحقق المرجح المذكور، لأن ظاهر المنقول عنهم عدم الفرق بين غسل الجنابة وغيره في حكم الوضوء وأن غسل الحيض مشارك له فيه، فتكون نصوص التفصيل مخالفة لهم أيضاً.
ومثله ترجيح نصوص الإجزاء بالشهرة بسبب كثرة عددها. للإشكال في كفاية ذلك في الترجيح، بل الظاهر الاقتصار فيه على ترجيح المشهور على الشاذ النادر، ولم يتضح كون نصوص وجوب الوضوء من الشاذ النادر.
ونظير ذلك في الضعف دعوى: أن الترجيح لنصوص وجوب الوضوء، إما لشهرة مضمونها بين الأصحاب، بل كاد يكون إجماعاً ـ كما عن الذكرى ـ أو لموافقتها للكتاب، لأن مقتضى إطلاق آية الوضوء وجوبه بحصول سببه ولو مع حصول سبب غسل غير الجنابة أيضاً.
ص 91
لاندفاعها بعدم كون الشهرة الفتوائية من المرجحات، وعدم ثبوت الإطلاق في الآية الشريفة بعد معلومية عدم كون الموضوع هو القيام إلى الصلاة، بل ذكره فيها مبني على المفروغية عن تحقق الموضوع، وهو الحدث الأصغر من دون إطلاق له يشمل فرض مقارنته للحدث الأكبر.
بل بناء على أن المراد القيام من النوم فمقتضى التفصيل فيها بين صورتي الجنابة وعدمها بلزوم الغسل في الأولى والوضوء في الثانية كون المفروض مع عدم الجنابة انفراد حدث النوم وعدم مصاحبته لما يوجب الغسل، فيقصر عن المقام.
وبعبارة أخرى: لما كان ظاهر الآية الشريفة بيان تمام الوظيفة في صورتي القيام من النوم كانت قاصرة عن صورة اجتماع غير الجنابة من الأحداث الكبرى مع النوم. ولا مجال لدعوى: أن خروجه عن إطلاقها إنما هو في انحصار الوظيفة بالوضوء، لا في أصل وجوبه ولو مع الغسل. لبعد التفكيك المذكور، ولا سيما مع ذكر الغسل في الجنب، حيث يبعد إهماله في غير الجنب لو كان الإطلاق شاملاً لمورد لزومه. فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم.
بقي في المقام أمر، وهو أنه هل يجب تقديم الوضوء على الغسل أو يجوز تأخيره عنه؟
وجهان صرح بالأول في الغنية، كما هو ظاهر الفقيه والهداية والمقنعة والنهاية والمراسم وما عن الصدوق الأول والحلبيين والوحيد في شرح المفاتيح، وعن الذكرى أنه الأشهر. وصرح بالثاني في النهاية وموضع من المبسوط والوسيلة والسرائر وجملة من كتب الفاضلين والشهيدين وجامع المقاصد وغيرها، وقد يظهر من إطلاق بعضهم وفي الحدائق أنه المشهور، كما قد يظهر من المعتبر نسبته للأكثر، بل في السرائر بعد أن حكى عن بعض كتب أصحابنا ما ظاهره وجوب التقديم: «فإن أراد يجب تقديم الوضوء على الغسل فغير صحيح بغير خلاف».
نعم، صرح باستحباب تقديمه في النهاية واللمعة. ولعله إليه يرجع ما في
ص 92
موضع آخر من المبسوط من قوله: «ويلزمها تقديم الوضوء، ليسوغ لها استباحة الصلاة... فإن لم تتوض قبله فلابد منه بعده»، وإلا فمن البعيد إرادته الوجوب التكليفي، بل هو لا يناسب جعل غايته تسويغ الصلاة، ولا معنى لإرادة الوجوب الشرطي مع الصحة لو خولف.
وكيف كان، فيشهد بالأول رواية ابن أبي عمير الأولى، من دون فرق بين مباينتها للثانية ـ كما هو مقتضى الأصل ـ واتحادهما مع الاختلاف بينهما في المعنى، لأن الفرق بينهما عرفاً ليس بنحو التباين ليسقطا معاً عن الحجية، بل بالإجمال والتفصيل، ومعه يكون العمل على التفصيل الذي تضمنته الأولى.
ولا سيما مع قرب إشعار التعبير بـ«في» في الثانية في كون الوضوء من شؤون الغسل المناسبة لتقديمه ومع اعتضاده بخبر ابن يقطين، لأن ظاهر الأمر بشيء عند إرادة آخر تقديمه عليه. هذا لو كان العطف فيه بالواو ولو كان بـ(ثم) فالأمر أظهر.
مضافاً إلى ما تضمن أن الوضوء بعد الغسل بدعة.ودعوى: أنه معارض بإطلاق ما تضمن وجوب الوضوء مع غسل غير الجنابة المقتضي لجواز تأخيره عن الغسل، وكما يمكن حمل الإطلاق المذكور على الوضوء قبل الغسل لأجل هذه النصوص يمكن حمل هذه النصوص على غسل الجنابة لأجل الإطلاق المذكور، وبعد تساقطهما يكون المرجع إطلاق ما تضمن سببية أسباب كل من الحدث الأكبر والأصغر للغسل والوضوء المقتضي لعدم الترتيب بينهما عند الاجتماع، ويبنى على ذلك في صورة انفراد سبب الحدث الأكبر، لعدم الفصل المشار إليه آنفاً.
مدفوعة ـ بعد تسليم حجية عدم الفصل في المقام ـ ..أولاً: بانحصار دليل الإطلاق المذكور برواية ابن أبي عمير، وهي إن بني على مباينتها للأولى لزم تقييدها بها وإن بني على اتحادهما وأنهما رواية مضطربة سقطتا معاً عن الحجية، وعلى كلا الحالين لا يبقى إطلاق ينهض بمعارضة إطلاق ما تضمن بدعية الوضوء.
وثانياً: بأنه لا ينبغي التأمل في تقديم ما تضمن بدعية الوضوء على الإطلاق
ص 93
المذكور، لأن الأول أقوى في العموم لغسل غير الجنابة الذي هو الأكثر من الثاني في العموم من حيثية محل الوضوء، فيحمل الثاني على أصل تشريع الوضوء من دون نظر لمحله، ولا سيما بناء على عدم مشروعية الوضوء مع غسل الجنابة حتى قبله، حيث يلزم من حمل ما تضمن بدعية الوضوء على غسل الجنابة إلغاء خصوصية البعدية في البدعية.
ودعوى: أن بناء المشهور على جواز تأخير الوضوء، بل نفي الخلاف فيه في السرائر مانع من التعويل على ما دل على المنع منه وعلى وجوب التقديم وملزم بحمله على بيان مجرد لزوم الوضوء مع الغسل أو أفضلية التقديم.
مدفوعة بأن الشهرة المتقدمة ليست بحد يخرج بها عن ظاهر النصوص، بل عن صريح نصوص بدعية الوضوء بعد الغسل. وحملها على البدعية مع قصد وجوب التأخير لا مطلقاً تكلف لا مجال له، ولا سيما مع ظهور الخلاف ممن تقدم. ومع قرب أن يكون منشأ ذهاب المشهور لذلك بناؤهم على استقلال الوضوء بأثره في قبال الغسل، بضميمة ما أشرنا إليه آنفاً من استبعاد خصوصية التقديم مع ذلك، مع أن الاستبعاد المذكور لو تم لا يكون قرينة على رفع اليد عن دلالة النصوص على لزوم التقديم، بل على ما ذكرناه من كون الوضوء من مقدمات الغسل من دون أن يستقل بالأثر، ويكون ملزماً بالبناء على استحباب الوضوء.
وأما الاستدلال على جواز التأخير بالرضوي: «وإذا اغتسلت لغير جنابة فابدأ بالوضوء ثم اغتسل، ولا يجزيك الغسل عن الوضوء، فإن اغتسلت ونسيت الوضوء فتوضأ وأعد الصلاة»(1) بضميمة ما في الجواهر من القطع بعدم خصوصية النسيان. فلا مجال له بعد ما تكرر من عدم بلوغه مرتبة الحجية. ومجرد موافقة المشهور له ـ لو تم ـ لا يكفي في جبره مع عدم ظهور اعتمادهم عليه، كما تكرر في نظائر المقام. وبالجملة: بناؤهم على جواز تأخير الوضوء لا يناسب اعتمادهم على النصوص المتقدمة في أصل وجوبه، وهو كاشف عن اضطرابهم في مفاد نصوص المقام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل باب:25 من أبواب أحكام الجنابة حديث:1.
ص 94
ثم إن ظاهر النصوص كون تقديم الوضوء شرطاً في ترتب الأثر، فلا يصح الغسل بدونه، وهو ظاهر من تقدم عدا الوحيد فحكم بوجوبه تكليفاً مع عدم الشرطية. ولعله لما في الرياض عن بعض مشايخه من نفي الخلاف في عدم الشرطية ولذا جعله المتعين في الرياض على القول بالوجوب. ولم يتضح وجهه بعد ظهور النص والفتوى في الشرطية.
نعم، إنما يظهر أثر الفرق في تقديم الغسل نسياناً، وإلا فمع تقديمه عمداً يبطل على القول بوجوب تقديم الوضوء تكليفاً، لتعذر التقرب به، لكونه مفوتاً للواجب، فلا وجه لما في الرياض من أنه لو أثم بالتأخير عمداً ـ على القول بالوجوب ـ صح غسله ووجب عليه الوضوء.
هذا، وبناء على جواز تأخير الوضوء فقد اقتصر أكثر من قال بذلك على التخيير بينه وبين التقديم منهم العلامة في القواعد، وفي جامع المقاصد: «وقد يفهم من عبارة المصنف عدم جواز تخلل الوضوء الغسل. وليس بمراد». وكأنه لأن دليل جواز تأخير الوضوء لما كان هو الإطلاق فهو يقتضي جواز إيقاعه في أثنائه ـ كما يقتضي جواز إيقاع الغسل في أثناء الوضوء، وإيقاع بعض كل منهما في أثناء الآخر ـ ومعه لا وجه للمنع منه.
بل قال سيدنا المصنف(قدس سره): «بل لعله أولى من التأخير، لسلامته من شبهة البدعة. بل لعله أولى من التقديم أيضاً، لمخالفته لمرسل نوادر الحكمة والوضوء قبل الغسل وبعده بدعة»(1).
لكن ما ذكره أخيراً مبني على كون العطف في المرسل بين الظرفين، وقد تقدم في ذيل الكلام في الجمع بين النصوص قرب أن يكون بين جملتين. مضافاً إلى أنه لو تم فالمستفاد منه عدم مشروعية الوضوء مع الغسل مطلقاً، لا في خصوص تقديمه وتأخيره. بل حمل دليل مشروعية الوضوء مع الغسل على الإتيان بأحدهما في أثناء الآخر مقطوع بعدمه. على أن لا ريب في أن مراعاة لزوم التقديم للنصوص المتقدمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:33 من أبواب الجنابة حديث:5.
ص 95
(مسألة20): يجب عليها قضاء ما فاتها من الصوم في رمضان(1) دون غيره(2)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولى من مراعاة عدم جوازه للمرسل المذكور.
ثم إنه تقدم في مبحث تداخل الأغسال وعدم وجوب الوضوء لو كان في أحدها جنابة أن لزوم الوضوء لو تم ليس بنحو يتوقف عليه ترتب الأثر على الغسل،فلو انفرد الغسل ـ بناء على جواز تأخير الوضوء عنه ـ كان رافعاً للحدث الأكبر، وجاز ترتيب آثار الطهارة منه، كالمكث في المسجد وغيره، وبه صرح بعضهم. فراجع وتأمل جيداً والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.
(1) بلا إشكال، ففي صحيح زرارة: «سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن قضاء الحائض الصلاة ثم تقضي الصيام. قال: ليس عليها أن تقضي الصلاة، وعليها أن تقضي صوم شهر رمضان...»(1).
وهو المتيقن من معقد الإجماع على وجوب قضاء الصوم المدعى في السرائر والتذكرة والروض والمدارك وكشف اللثام ومحكي نهاية الأحكام والذكرى، وظاهر الأولين أنه إجماعي بين المسلمين، كصريح المعتبر والمنتهى مستثنياً فيه الخوارج. وفي الجواهر: «إجماعاً محصلاً ومنقولاً مستفيضاً... بل كاد يكون ضرورياً».
والنصوص به مستفيضة، بل قيل: انها متواترة(2)، ويأتي بعضها، وظاهر جملة منها كجملة من كلماتهم المفروغية عنه.
(3) يعني: من أفراد الصوم الموقت كصوم من نام عن صلاة العشاء لو قيل بوجوبه. ولا يخفى أن مقتضى إطلاق معقد الإجماعات المتقدمة عدم الفرق بين صوم رمضان وغيره، كما هو مقتضى إطلاق غير واحد من النصوص كصحيح الحسن [الحسين. خ ل] بن راشد: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): الحائض تقضي الصلاة؟ قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:41 من أبواب الحيض حديث:2.
(2) راجع الوسائل باب: 41 من أبواب الحيض.
ص 96
(4) لا، قلت: تقضي الصوم؟ قال: نعم. قلت: من أين جاء هذا؟ قال: إن أول من قاس إبليس...»(1).
والانصراف إلى صوم رمضان بدوي لا يعتد به في رفع اليد عن الإطلاق. كاختصاص بعض النصوص ـ كالصحيح المتقدم ـ بصوم شهر رمضان، لعدم منافاته للإطلاق بعد كونهما مثبتين.
كما لا ينافيه ما تضمن تعليل الفرق بين الصوم والصلاة بأن الصوم إنما هو في السنة شهر، والصلاة في كل يوم وليلة(2). لأن التعليل وإن اختص بصوم رمضان، إلا أن ظاهر النص كونه حكمة لا علة يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً.
على أن الظاهر إلغاء خصوصية الشهر في التعليل، وأن المعيار فيه عدم استمرار الصوم في مقابل الصلاة التي تجب كل يوم، لأنه الأنسب بارتكازية التعليل وبما في معتبرة الفضل بن شاذان من تعليل الفرق بين الصلاة والصوم بقوله(عليه السلام): «ومنها: أنه ليس من وقت يجيء إلا تجب عليها فيه صلاة جديدة في يومها وليلتها، وليس الصوم كذلك، لأنه ليس كلما حدث عليها يوم وجب الصوم، وكلما حدث وقت الصلاة وجبت عليها الصلاة»(3). مضافاً إلى عموم التعليل الآتي الذي تضمنته أيضاً.
نعم، الظاهر عدم ورود الإطلاق لبيان خصوصية الحيض في وجوب قضاء الصوم الذي يترك بسببه، ليكون مقتضاه وجوب قضاء الصوم وإن لم يثبت من دليل آخر أن من شأنه أن يقضى، بل لبيان عدم خصوصيته في سقوط قضاء الصوم الذي يترك بسببه، كما هو الحال في مسقطيته لقضاء الصلاة.
ومن هنا لا ينهض ببيان لزوم قضاء الصوم الذي لم يثبت أن من شأنه أن يقضى، بل لابد في لزوم قضاء الصوم الذي يترك في الحيض من أن يثبت من الخارج أن من شأنه أن يقضى، وإن لم يكن صوم شهر رمضان.ولا يسعنا استقصاء مفاد أدلة أقسام الصوم الواجب والمستحب من هذه الجهة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) ، (3) الوسائل باب:41 من أبواب الحيض حديث:3، 12، 8.
ص 97
حتى المنذور في وقت معين على الأقوى(1). ولا يجب عليها قضاء الصلاة اليومية(2)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أما مع ضيق الوقت فلأن الحيض يكشف عن بطلان النذر، للعجز عن المنذور. وأما مع سعته ـ كما لو نذرت صوم ثلاثة أيام من العشرة الأولى من الشهر، فلم تبادر للصوم حتى حاضت فيها ـ فلما ذكرناه آنفاً من عدم نهوض إطلاق وجوب قضاء الصوم على الحائض بوجوبه فيما لم يثبت أن من شأنه أن يقضى.
نعم، لو ثبت أن من شأن صوم النذر المعين أن يقضى مع العجز عن أدائه في الوقت أو بدونه يتجه قضاؤه لو فات بسبب الحيض. والنصوص مختلفة في ذلك، والكلام فيه موكول لكتابي الصوم والنذر. ومنه يظهر أن المنذور في وقت معين ليس أولى بوجوب القضاء من غيره من أفراد الصوم الموقت غير رمضان، كما قد يظهر من المتن.
(2) فإنها المتيقن مما دل على عدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض من الإجماعات المدعاة والنصوص المتقدمة، فإنه يشارك وجوب قضاء الصوم فيها.
هذا، وفي جامع المقاصد: «عدم وجوب قضاء الصلاة الموقتة موضع وفاق بين العلماء، وبه تواترت الأخبار».
لكن معاقد الإجماعات والنصوص لم يؤخذ فيها عنوان التوقيت، وإنما يتعين أخذه لتوقف صدق القضاء عليه، مع ما هو المعلوم من أن الحيض لا يسقط ما انشغلت به الذمة، كقضاء الصلاة الفائتة قبل الحيض. كما أن التعميم لكل صلاة موقتة مبني على التمسك بإطلاق معقد الإجماع والنصوص المذكورة.
والانصراف إلى اليومية بسبب أنس الذهن بها بدوي لا يعتد به في رفع اليد عن الإطلاق. كتعليل الفرق بين الصوم والصلاة بأن الصلاة تجب كل يوم ووقت بخلاف الصوم. لما سبق من أنه ظاهر في بيان الحكمة لا العلة التي يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً.
على أنه قد يكون المراد بالتعليل أن وجوب الصلاة عليها كل يوم أو وقت علة
ص 98
وكذلك المنذورة في وقت معين(1). ويجب عليها قضاء صلاة الآيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لعدم وجوب قضاء كل ما يفوتها من الصلوات، لا خصوص ما يكون من سنخ ما يجب عليها وهو اليومية، فيعمم المقام، كالتعليل في معتبرة الفضل بأن الصلاة فيها عناء وتعب واشتغال بالأركان، بخلاف الصوم(1).
(1) وفي جامع المقاصد لعل الأقرب وجوب القضاء فيه. ولا يبعد كون مراده ـ كالمتن ـ ما إذا استغرق الحيض الوقت. وحينئذٍ يكفي في وجه عدم وجوب القضاء عدم انعقاد النذر بسبب العجز عن المنذور من دون حاجة إلى أدلة المقام. ولو كان هناك عموم بالقضاء في ذلك كان مقتضى إطلاق أدلة المقام نفي القضاء مع الحيض.
ودعوى: أن بين إطلاق القضاء في ذلك لو تم وإطلاق عدم قضاء الحائض الصلاة عموماً من وجه.
مدفوعة: بأن ظهور الثاني في خصوصية الحيض في نفي القضاء أقوى من ظهور الأول في خصوصية النذر في وجوب القضاء. ولو سلم عدم الترجيح فبعد تساقط الإطلاقين فمقتضى الأصل البراءة من وجوب القضاء.
ومنه يظهر عدم وجوب القضاء لو لم يستغرق الحيض الوقت، كما لو نذرت صلاة ركعتين يوم الجمعة فلم تبادر لهما حتى حاضت فيه. فإنه حتى لو فرض ورود إطلاق يقتضي وجوب القضاء في ذلك، إلا أن مقتضى إطلاق عدم وجوب قضاء الحائض الصلاة عدم وجوب القضاء فيه.
اللهم إلا أن يقال: إطلاق عدم قضاء الحائض الصلاة مختص ـ كما سيأتي ـ بما إذا انحصر سبب الفوت بالحيض، ولا يشمل ما لو كان هناك سبب آخر مع إمكان الأداء قبل طروء الحيض أو بعده ومن هنا يتعين قصور الإطلاق المذكور عن مفروض الكلام، بل يتعين فيه الرجوع لإطلاق وجوب القضاء لو تم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:41 من أبواب الحيض حديث:8.
ص 99
وصلاة الطواف ونحوها من الصلوات غير الموقتة(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لما سبق من عدم صدق القضاء حينئذٍ، فيجب أداؤها بمقتضى إطلاق أدلتها، كما صرح به في ركعتي الطواف في القواعد والدروس وجامع المقاصد ومحكي كشف الالتباس، وعن البيان أن ركعتي الطواف تابعة للطواف. ويقتضيه صحيح زرارة أو موثقه: «سألته عن امرأة طافت بالبيت فحاضت قبل أن تصلي الركعتين. فقال: ليس عليها إذا طهرت إلا الركعتين»(1) وقريب منه حديث أبي المصباح(2).
نعم، صرح في جامع المقاصد بعدم وجوب قضاء صلاة الآيات، بناء منه على انها موقتة، ثم قال: «والظاهر أن الزلزلة لا يجب تداركها، كغيرها، لأنها موقتة» وتحقيق المبنى المذكور موكول إلى محله من مبحث صلاة الآيات.
بقي في المقام أمر أهمله سيدنا المصنف هنا وأشار إليه في مبحث قضاء الصلوات، وهو حكم الصلاة التي تحيض المرأة أو تطهر في أثناء وقتها. والأنسب التعرض له هنا.
وينبغي تقديم الكلام فيما تقتضيه القواعد العامة قبل النظر في مقتضى الأدلة الخاصة، فنقول بعد الاستعانة بالله تعالى:
الظاهر اختصاص ما دل على قضاء الحائض الصلاة بما إذا انحصر سبب الفوت بالحيض، دون ما إذا شاركه سبب آخر كتأخير الصلاة عن أول الوقت أو غيره، لأن المستفاد منه ابتناء الحكم على الإرفاق بالحائض لعجزها عن الأداء، دون ما إذا لم تعجز عنه من حيثية الحيض وإن عجزت عنه من حيثية أخرى.
وذلك لو لم يكن هو الظاهر من النصوص بدواً فلا أقل من استفادته منها بضميمة ما تضمن وجوب القضاء والأداء مع طروء الحيض أو الطهر في أثناء الوقت، حيث يبعد جداً ابتناؤها على تقييد دليل سقوط القضاء، بل الظاهر عدم منافاتها له، لكون المراد به ما ذكرنا، ولذا تقدم منا ذلك في المنذورة مع سعة الوقت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب:88 من أبواب الطواف حديث:1، 2.
ص 100
وعدم استغراق الحيض له. وعليه يكون المعيار في سقوط القضاء كون الحيض بنحو يمنع من التكليف بالأداء، فلو لم يمنع منه لم يسقط القضاء، وإن لم يكلف بالأداء للعجز من جهة أخرى غير الحيض، لعدم مسقطية العجز المذكور.
إذا عرفت هذا، فالظاهر أنه يكفي في عدم مانعية الحيض من التكليف بالأداء أن يتأخر حدوثه عن أول الوقت بقدر أداء الصلاة، أو يرتفع قبل خروج الوقت بقدر أدائها مع الطهارة الحدثية والخبثية التي لابد منها بسببه وما يستلزمه الغسل من التستر للصلاة، دون بقية الشروط، لإمكان تهيئتها حال الحيض، كما يمكن تهيئة جميع الشروط حتى الطهارة في الفرض الاول قبل الوقت.
ولذا لا ينبغي الإشكال في أنها لو علمت بالحال وجب عليها تهيئة الشروط المذكورة بالنحو الذي تتمكن معه من فعل الصلاة، على ما هو المقرر في جميع المقدمات المفوتة. فتعذر الصلاة لعدم حصول الشروط المذكورة بسبب غفلتها أو لتعذر تهيئتها لا يكون مستنداً للحيض، بل لسبب آخر لا يسقط القضاء.
وأما ما في كشف اللثام من خصوصية الطهارة في ذلك، لأن لطهارة لكل صلاة موقتة بوقتها ـ كما عن الشهيد أيضاً ـ ولأن الصلاة لا تصح بدون الطهارة على حال، وتصح بدون غيرها من الشروط عند الاضطرار. قال: «نعم، لو أوجبنا التيمم لضيق الوقت عن الطهارة المائية أمكن هنا اعتبار مقدار التيمم والصلاة». فهو غير ظاهر، لاندفاع الأول بعدم وضوح خصوصية الطهارة في ذلك، بل إن بني على عدم وجوب تهيئة المقدمات المفوتة قبل الوقت لم يفرق بين الطهارة وغيرها، وإن بني على وجوبه ـ كما هو الظاهر ـ جرى في الطهارة أيضاً.
ولا ينافيه ما تضمن الأمر بها بدخول الوقت، لأن الظاهر كونه مقدمياً، فيلحقه حكم سائر المقدمات. ولعله يأتي في بعض مسائل التيمم ما ينفع في ذلك.
وأما الثاني فلازمه وجوب المبادرة لفاقد الشرط لو علم بضيق الوقت، في المقام وغيره، كما لو بلغ الصبي وقد بقي من الوقت ما لا يسع تحصيل الشروط الاختيارية،
ص 101
ولا يخلو عن إشكال، لأن المتيقن من دليل بدلية الأبدال الاضطرارية ما إذا تم ملاك المبدل الاختياري، فبدلية البدل الاضطراري تختص بمقام الأداء، دون مقام تعلق الملاك، فلابد في البدلية من عدم كون التعذر رافعاً لملاك المبدل الاختياري، كتعذر الطهارة الخبثية لعدم الماء، أما التعذر من جهة الحيض فلم يتضح بقاء ملاك التكليف معه، إذ لا إشكال ظاهراً في عدم وجوب منع الحيض أو تقليله مع عدم الضرر مع وضوح وجوب المحافظة على القدرة على التكليف التام الملاك.
نعم، بناء على ما ذكرنا من وجوب تهيئة الشروط قبل الوقت لا يكون ضيق الوقت عن الشروط الصالحة لأن تهيأ قبله منافياً للقدرة على الواجب الاختياري، ولا مانعاً من تمامية ملاكه، فيتجه الانتقال مع التفريط فيها للبدل الاضطراري.
وكيف كان، فالظاهر الاكتفاء بسعة الوقت للصلاة التامة بنفسها دون شروطها من غير فرق بين الطهارة وغيرها. وحيث ظهر ما تقتضيه القواعد العامة يقع الكلام فيما ذكره الأصحاب وفي نصوص المقام وهو في مسألتين:
المسألة الأولى: إذا طرأ الحيض في أثناء الوقت فقد أطلق في النهاية والوسيلة وجوب القضاء على من لم تصل فيه.
وقد يستدل له بصحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس ولم تصل الظهر هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: نعم»(1)، وموثق يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال في امرأة دخل عليها وقت الصلاة وهي طاهر فأخرت الصلاة حتى حاضت. قال: تقضي إذا طهرت»(2).
لكن مقتضى الجمود عليهما وإن كان هو الاكتفاء في وجوب القضاء بمجرد عدم المبادرة للصلاة ولو مع عدم إدراكها بتمامها، إلا أن منصرفهما ما إذا أمكن تحصيل الصلاة بالمبادرة إليها لسعة الوقت.
ولعل ذلك هو مراد النهاية والوسيلة، ولا سيما مع الحكم فيهما بعدم وجوب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب:48 من أبواب الحيض حديث:5 ، 4.
ص 102
القضاء لو طهرت في أثناء الوقت فتأهبت للغسل وخرج الوقت، إذ لو كان لحدوث الحيض خصوصية في وجوب القضاء على خلاف الطهر منه كان المناسب التأكيد عليها بعد أن لم تكن ارتكازية. بل الإنصاف أن ذكر التأخير في الموثق موجب لانصرافه إلى ما لو كان عدم الصلاة في الوقت مع القدرة عليها لحصول شروطها أو لسعة الوقت لتحصيلها، ولا يشمل ما لو ضاق الوقت عنها لعدم حصول شروطها.
نعم، لما لم يكن ظاهراً في انحصار وجوب القضاء بذلك، خصوصاً مع وقوع التعبير به في كلام السائل، فلا مجال للخروج به عما سبق من القاعدة المعتضد بإطلاق الصحيح من الاكتفاء بمضي وقت أداء الصلاة لا غير، كما احتمله في محكي نهاية الأحكام. ولعله لذا اكتفى في الخلاف والمعتبر بإدراك أربع ركعات بعد الظهر في وجوب قضاء صلاته. وقد يحمل عليه ما تقدم من النهاية والوسيلة، كما قد يحمل عليه إطلاق التمكن من أداء الصلاة في المبسوط واللمعة وعن غيرهما.
وقد يحمل على ما إذا وسعها مع الطهارة، كما اعتبره في الشرايع والتذكرة والمنتهى والقواعد والدروس والمدارك ومحكي التحرير وغيرها. كما ربما يحمل على ما إذا وسعها مع جميع شروطها المفقودة، لدعوى: توقف التمكن منها على ذلك مع المنع من خصوصية الطهارة لما سبق. ولذا اعتبر ذلك في جامع المقاصد والمسالك والروض ومحكي الذكرى والموجز وفوائد الشرايع وكشف الالتباس وغيرها. بل قد يظهر من جامع المقاصد تنزيل كلام من اقتصر على الطهارة على أنه خرج مخرج المثال، وإن مراد الكل تمام الشروط وكيف كان، فيظهر ضعفه مما تقدم.
نعم، لو كانت الشروط حاصلة في أول الوقت فقد صرح غير واحد منهم بالاكتفاء بقدر الصلاة وحدها. ولا ينبغي التأمل فيه، لفعلية القدرة عليها، وإن كان قد يظهر مما عن نهاية الأحكام من أن ذلك هو الأقرب نوع تردد فيه.
هذا، والمعروف بين الأصحاب عدم وجوب القضاء لو لم يسع الوقت الصلاة بتمامها، كما نسبه إليهم في المدارك، بل ادعى في الخلاف الإجماع عليه. لكن ذهب
ص 103
المرتضى في جملة إلى وجوب القضاء لو اتسع الوقت لأكثرها، وهو المحكي عن الإسكافي، وقد يناسبه ما في الفقية والمقنع من التعبير بمضمون حديث أبي الورد الآتي. وقد يستدل له بموثق سماعة: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن امرأة صلت من الظهر ركعتين ثم أنها طمثت وهي جالسة. فقال: تقوم من مكانها [مسجدها] ولا تقضي الركعتين»(1)، والصحيح عن أبي الورد: «سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن المرأة التي تكون في صلاة الظهر وقد صلت ركعتين ثم ترى الدم. قال: تقوم من مسجدها ولا تقضي الركعتين، وإن كانت رأت الدم وهي في صلاة المغرب وقد صلت ركعتين فلتقم من مسجدها، فإذا تطهرت فلتقض الركعة التي فاتتها من المغرب»(2)، بحملهما على ما إذا صلت في أول الوقت.
ويشكل: بأنه لا قرينة على الحمل المذكور، بل هو بعيد في نفسه بعد كون الفرض المذكور كالنادر. وأبعد منه ما في الاستبصار والمختلف من الجواب بحمل حديث أبي الورد على ما إذا فرطت في المغرب دون الظهر. قال في المختلف: «وإنما يتم قضاء الركعة بقضاء الباقي، ويكون إطلاق الركعة على الصلاة مجازاً». فإنه كما ترى تكلف مخالف للمقطوع به من الحديث.
ومن هنا كان الظاهر شمولهما لما إذا اتسع الوقت وأنهما واردان لبيان التفصيل في صحة الصلاة وعدم بطلانها بطروء القاطع لها في الأثناء، الذي تضمنته بعض النصوص فيمن نسي ركعة أو ركعتين(3).
نعم، قد يظهر من الحكم فيهما بعدم قضاء الركعتين من دون تنبيه إلى استئناف الصلاة المفروغية عن عدم وجوبه وحيث عرفت قوة عمومهما لما إذا وسع الوقت تمام الصلاة كانا مخالفين لما تقدم منا ومن الأصحاب.
ولعل فتوى الصدوق لأنس ذهنه بعدم بطلان الصلاة بطروّ القاطع في الأثناء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب:48 من أبواب الحيض حديث:6 ، 3.
(3) راجع الوسائل باب:3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.
ص 104
حيث يظهر منه في الفقيه البناء على ذلك في السهو، ولبنائه على عدم وجوب القضاء ولومع سعة الوقت، حيث أطلق في المقنع أن المرأة إذا طمثت بعد ما تزول الشمس ولم تصل الظهر فليس عليها قضاء تلك الصلاة، حيث يستفاد من مجموع كلامه أنه لا قضاء عليها إن لم تصل أصلاً أو صلت ركعتين من الظهر، لأنها بسبب بطلانهما بحكم من لم تصل، بخلاف ما لو صلت ركعتين من المغرب فإنهما لما لم يبطلا بالحيض لايكون وجوب إتمام الصلاة بالركعة منافياً لعدم وجوب القضاء على من لم تصل.
نعم، لا يبعد أن يكون مراده من إطلاق عدم وجوب القضاء في فرض عدم صلاتها ما إذا حاضت قبل خروج وقت الظهر الفضيلي لموثق الفضل بن يونس عن أبي الحسن الأول(عليه السلام): قال في ذيله: «وإذا رأت المرأة الدم بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة إقدام فلتمسك عن الصلاة، فإذا طهرت من الدم فلتقض صلاة الظهر، لأن وقت الظهر دخل عليها وهي طاهر وخرج عنها وقت الظهر وهي طاهر، فضيعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها»(1)، وصحيح أبي عبيدة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال في ذيله: «وإذا طهرت في وقت فأخرت الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى ثم رأت دماً كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها»(2).
لظهورهما في أن المعيار في القضاء على تضييع الصلاة في تمام وقتها، وصراحة الأول في أن المراد به الوقت الفضيلي، بل لعله ظاهر الثاني أيضاً، فيصلحان قرينة على حمل حديثي سماعة وأبي الورد على الصلاة في أثناء الوقت المذكور. ولأجل ذلك كله يحمل إطلاق حديثي ابن الحجاج ويونس على الحيض بعد خروج الوقت الفضيلي ـ كما هو غير بعيد عن التعبير بالتأخير في الثاني ـ أو على أصل مشروعية القضاء وإن لم يكن واجباً. وبهذا يجمع بين جميع نصوص المسألة بوجه عرفي قريب، كما يخرج عن مقتضى القاعدة المتقدمة.
لكن يشكل التعويل على النصوص المذكورة بعد ظهور إعراض الأصحاب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب:48 من أبواب الحيض حديث:1، 2.
ص 105
عنها، لشدة وضوح وجوب القضاء مع القدرة على الصلاة، كما في كشف اللثام حتى استظهر الإجماع عليه، ونسبه في المدارك للأصحاب بل ظاهر التذكرة وصريح شيخنا الأعظم(قدس سره) الإجماع عليه. ولا سيما بعد اشتمال حديث أبي الورد على جواز تفريق الصلاة الذي يصعب البناء عليه جداً وعدم صراحة الأخيرين في سقوط القضاء مع الحيض قبل خروج الوقت الفضيلي، كعدم صراحة كلام الصدوق في العمل بها، فلا تنهض برفع اليد عما سبق من القاعدة وإطلاق حديثي ابن الحجاج ويونس.
اللهم إلا أن يقال: لا يقدح عدم صراحة النصوص المذكورة بعد قوة ظهورها. واشتمال حديث أبي الورد على التفريق في المغرب لو لم يمكن الالتزام به غير ضائر بعد كون الاستدلال بصدره، وكفاية بقية النصوص في المطلوب. كما أن عدم صراحة كلام الصدوق بالعمل بالنصوص على الوجه المذكور لا يهم بعد كفاية ظهورهأو إشعاره فيه في عدم إحراز تسالم الأصحاب على بطلانه، ولا سيما مع ظهور حال الكليني في البناء عليه، حيث اقتصر في باب المرأة تحيض بعد الوقت على أحاديث أبي الورد والفضل وأبي عبيدة ولم يذكر حديثي ابن الحجاج ويونس.
مضافاً إلى مناسبة الحكم للإرفاق بالمرأة بعد صعوبة الصلاة في أول الوقت الحقيقي وصعوبة تحديد ما يسع الصلاة منه، وعدم كون المرأة مضيعة للصلاة بالتأخير، خصوصاً بالإضافة إلى الصلاة الثانية التي لم يدخل وقتها الفضيلي لو فرض تأخر الحيض بمقدار يسع الصلاتين، فإن عدم وجوب قضائها مناسب لاستحباب تأخيرها جداً، ولما يظهر من جملة من نصوص المسألة الآتية من أن المدار فيها على الوقت الفضيلي، ومنها صدر موثق الفضل الذي يظهر من قوله(عليه السلام) فيه في مقام تقريب الحكم: «وما طرح الله عنها من الصلاة وهي في الدم أكثر» الاهتمام برفع استبعاد الحكم لمخالفته للقاعدة.
كما أن من القريب أن يكون منشأ إعراض من سبق عن ذلك شدة استحكام مفاد القاعدة في أذهانهم ومطابقته للاحتياط. ومن هنا يصعب طرح هذه النصوص جداً. فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم.
ص 106
بقي في المقام أمور..
الأول: بناء على اعتبار سعة الوقت للطهارة في وجوب القضاء فقد صرح في كشف اللثام بأنه لو كان ضيق الوقت مسوغاً للتيمم كفى سعة الوقت له. ويظهر الإشكال فيه مما سبق في بيان مقتضى القاعدة من أن مشروعية الإبدال الاضطرارية فرع تمامية ملاك المبدل الاختياري، ولا مجال له في المقام.
وأما ما في الجواهر وطهارة شيخنا الأعظم(قدس سره) من أن الظاهر الإجماع على خلافه. فلا مجال له بعد خلو كلام جمع عن ذكر الطهارة، وعدم ظهور كلامهم في أنها لو كانت معتبرة لكان المعتبر منها المائية بنحو يستفاد منه الإجماع على عدم الفصل. على أنه لا تعويل على الإجماع في هذه المسألة ونحوها مما يظهر منهم استفادة حكمه من القاعدة والنصوص. فالعمدة في الإشكال فيه ما ذكرنا.
ومنه يظهر الإشكال فيما في جامع المقاصد من البناء على الاكتفاء بسعة الوقت للتيمم ممن وظيفتها التيمم لمرض أو نحوه. إذ فيه أن التيمم حيث لا يشرع إلا في ظرف تمامية ملاك الطهارة المائية فلا مجال له في المقام بعد كون الحيض موجباً لتعذر الطهارة المائية في حقها. كما يتضح بذلك أن المعيار في مقدار الصلاة على الصلاة الاختيارية التامة، دون الاضطرارية. إلا أن تزيد عليها في الوقت فيلزم مراعاة وقتها، إذ مع النقص عنه تتعذر الصلاة بسبب الحيض، فيسقط القضاء.
الثاني: بناء على ما هو المعروف من وجوب القضاء مع سعة الوقت للصلاة وحدها أو مع شروطها فالمعيار في الصلاة على أقل المجزي، كما في التذكرة وجامع المقاصد ومحكي نهاية الأحكام والذكرى وغيرها. إذ مع سعة الوقت لها لا يكون الحيض موجباً لتعذر الصلاة فيجب قضاؤها، بمقتضى ما سبق من القاعدة وإطلاق حديثي ابن الحجاج ويونس. وعليه يكفي سعة الوقت للقصر في موارد التخيير بينه وبين التمام، كما ذكره غير واحد.
الثالث: ربما يظهر مما في مبحث الحيض من التذكرة من إناطة القضاء بالقدرة
ص 107
على الصلاة مع الطهارة وسعة الوقت لها اعتبار القدرة على الصلاة من غير جهة الوقت أيضاً، فلو تعذرت لحبس ونحوه لم يجب القضاء. ويشكل بأن التعذر المذكور لما لم يكن من جهة الحيض فلا دليل على سقوط القضاء معه.
ومن هنا لا يبعد كون مراده بالقدرة ما يساوق سعة الوقت لا أمراً آخر في قباله، ويبتني جمعه معه على التأكيد، ولذا اقتصر على سعة الوقت في مبحث المواقيت.
الرابع: لو علمت المرأة بأن الحيض يفجؤها لزمها التعجيل بالصلاة أداء، لتضيق وقتها. كما أنه بناء على ما ذكرنا من أن المدار على سعة الوقت للصلاة وحدها فلو علمت قبل الوقت بضيقه عما زاد عليها وجب عليها تحصيل الشروط قبل الوقت، على ما سبق. فلو لم تحصلها كانت آثمة ولزمها الانتقال للصلاة الاضطرارية، لأن العجز عن الاختيارية حينئذٍ لا يستند إلى الحيض، ليكون مانعاً من تمامية ملاكها، كما تقدم.
ولو احتملت مفاجأة الحيض فالظاهر لزوم الاحتياط عليها بتعجيل الصلاة، للزوم إحراز الامتثال وفراغ الذمة، حيث لا يفرق فيه ارتكازاً بين احتمال حصول الامتثال سابقاً واحتمال تجدده لاحقاً. وإنما لا يجب التعجيل إذا كان احتمال العجز منافياً لأصالة السلامة، دون مثل المقام، لعدم كون الحيض مرضاً. وأولى بذلك ما لو ظهرت أمارات العجز، حيث لا يعول معها حتى على أصالة السلامة، كما تقدم في مبحث الفور والتراخي.
نعم، لو لم يكن لاحتمال العجز مثير عرفي لم يبعد البناء على عدم وجوب المبادرة، للسيرة. فتأمل جيداً.
هذا كله بناء على وجوب القضاء بمجرد سعة الوقت للصلاة وحدها أو مع شروطها، أما بناء على عدم وجوبه إلا بمضي الوقت الفضيلي فحيث كان مقتضى القاعدة وجوب الأداء، ومع عدمه فالقضاء فدلالة نصوص المقام على عدم وجوب القضاء مع عدم الأداء لا يستلزم عدم وجوب الأداء، بل يمكن وجوبه واقعاً وإن لم يجب القضاء بفوته إرفاقاً بالمرأة. فيتعين البناء على ذلك، عملاً بالقاعدة.
ص 108
بل التعبير بالتضييع والتفريط في حديثي الفضل وأبي عبيدة ظاهر في المفروغية عن وجوب الأداء. كما لعله المناسب للأمر بقضاء الركعة من المغرب في حديث أبي الورد، فإنه وإن أمكن أن يكون وجوب إتمام المغرب لمجرد الشروع فيها وإن لم يكن واجباً إلا أن الأنسب تفرعه على وجوبها بعد اختصاص السقوط بقضاء الصلاة التامة.
بل قد يدعى انصراف نصوص سقوط القضاء إلى صورة عدم التفريط بالأداء، لعدم المنجز لوجوب المبادرة، وقصورها عن صورة تنجزه للعلم بتعجيل الحيض أو مثير لاحتماله، بل يرجع فيها للقاعدة المقتضية لوجوب الاحتياط فتأمل جيداً.
الخامس: قال في العروة الوثقى: «إذا شكت في سعة الوقت وعدمها وجبت المبادرة» وأقره على ذلك جملة من المحشين. وقد يوجه بوجوب الاحتياط مع الشك في القدرة. ويشكل بأنه يقصر عما لوكان التعذر رافعاً للملاك كما في المقام، لما سبق من رافعية الحيض له.
وأما الاستدلال باستصحاب عدم الحيض بناء على جريان الاستصحاب في الأمر الاستقبالي، فهو مختص بما إذا كان الشك في مقدار الوقت، دون ما إذا علم مقداره وشك في كفايته للصلاة، لاختصاص الاستصحاب بالشك في الامتداد والاستمرار، على ما أوضحناه في مبحث مجهولي التاريخ. وقد نبه لما ذكرنا سيدنا المصنف(قدس سره).
السادس: ذكر في مبحث المواقيت من القواعد استحباب القضاء لو قصر الوقت عن الطهارة والصلاة التامة، وذكر في كشف اللثام أنه لم يجده في غيره. وما في مفتاح الكرامة من نسبته لجامع المقاصد في غير محله، إذ لم يذكره إلا في شرح مراد العلامة.
وكيف كان، فقد يوجه بإطلاق حديثي ابن الحجاج ويونس بعد حملهما على أصل مشروعية القضاء دون خصوص الوجوب، جمعاً بين الأدلة.
ويشكل بأن ذلك قد يتجه لو بني على العمل بما تضمن عدم القضاء مع الحيض بعد خروج الوقت الفضيلي، كما تقدم احتماله، أمابناء على عدم العمل به، فإن بني على عموم الحديثين لما إذا لم يسع الوقت الصلاة لزم البناء على ظاهرهما، وهو الوجوب،
ص 109
والخروج به عن القاعدة، كما ذهب إليه في الجملة المرتضى والإسكافي، وإن بني على انصرافهما إلى ما تقتضيه القاعدة من سعة الوقت للصلاة لم يبق وجه للاستحباب.
إلا أن يبتني على قاعدة التسامح في أدلة السنن بناء على شمولها لفتوى الفقيه، أو يريد الاحتياط الاستحبابي خروجاً عن شبهة الخلاف. لكن لازمه الاقتصار فيه على مورد الخلاف، وهو ما إذا وسع الوقت أكثر الصلاة.
المسألة الثانية: إذا طهرت من الحيض أثناء الوقت فالكلام يقع في أمور.
الأول: إذا لم يسع الوقت الطهارة وركعة من الصلاة لم يجب عليها الأداء، فضلاً عن القضاء، كما صرح به غير واحد، بل ظاهر التذكرة والمنتهى وجامع المقاصد وكشف اللثام الإجماع عليه. ويقتضه ـ مضافاً إلى النصوص الآتية ـ القاعدة التي سبق ذكرها.
وظاهر المعتبر الميل إلى وجوب القضاء إذا أدركت من الوقت بقدر الغسل والشروع في الصلاة وإن لم تتم ركعة. والظاهر أنه لا يبتني على اكتفائه في إدراك الوقت بما دون الركعة، حيث صرح باعتبار الركعة في مبحث المواقيت، فلا وجه لرده بما يظهر من الخلاف والمختلف من الإجماع على عدم وجوب الأداء مع عدم إدراك الركعة، بل هو مبني ـ كما يظهر من كلامه ـ على استفادته من خصوص نصوص المقام.
وكأنه لإطلاق جملة منها، كموثق عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر، وإن طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء»(1)، وخبر منصور بن حازم عنه(عليه السلام): «إذا طهرت الحائض قبل العصر صلت الظهر والعصر، فإن طهرت في آخر وقت العصر صلت العصر»(2) وغيرهما.
لكن مقتضى إطلاقها الاكتفاء بإدراك شيء من الوقت وإن لم يكف مقدار الغسل، ولا وجه لحملها على خصوص ما يكفي الغسل والشروع في الصلاة إلا أدلة المواقيت والنصوص الآتية وغيرها مما سنشير إليه، وهي تقتضي لزوم إدراك الركعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب:49 من أبواب الحيض حديث: 10، 6.
ص 110
نعم، فصل في النهاية في وجوب القضاء بين التواني عن الغسل وعدمه ثم ذكر أن قضاء الظهرين يجب إذا طهرت قبل وقت العصر ويستحب إذا طهرت بعده، وأن قضاء العشائين يجب إذا طهرت قبل نصف الليل ويستحب بعده، ثم قال: «ويلزمها قضاء الفجر إذا طهرت قبل طلوع الشمس على كل حال».
وقد يدعى ابتناء ما ذكره في صلاة الفجر على العمل بإطلاق النصوص السابقة. لكن لا يبعد كون مراده عدم التفصيل في قضاء الفجر بالوجوب والاستحباب ـ على نحو ما ذكره في بقية الصلوات ـ وأنه ليس إلا واجباً وإن كان مشروطاً بما إذا وسع الوقت الطهارة، على ما ذكره في صدر كلامه. وإلا فالنصوص المذكورة واردة في الظهرين والعشائين، دون صلاة الفجر، فلا وجه للعمل بإطلاقها في خصوص صلاة الفجر.
مع أنها لا تنهض بالإطلاق المذكور، لظهورها في إرادة المبادرة للصلاة أداء، لإدراك وقتها ـ وإن كان اضطرارياً ـ فتكون محكومة لأدلة الأوقات، ومنها ما تضمن توقف إدراكه على إدراك الركعة، ومحمولة على ما إذا وسع الوقت الطهارة مع ذلك، لامتناع التكليف بالصلاة مع العجز عنها، وللنصوص الآتية.
وإن غض النظر عن ذلك وادعي ظهورها في بيان الأمر بالصلوات المذكورة فيها مطلقاً وإن كان قضاء لعدم إدراك وقتها، من دون نظر إلى وقت الإتيان بها لزم الخروج عن إطلاقها بما تضمن عدم وجوب القضاء لولم يسع الوقت الغسل، كصحيح عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: أيما امرأة طهرت وهي قادرة على أن تغتسل وقت صلاة ففرطت فيها حتى يدخل وقت صلاة أخرى كان عليها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:49 من أبواب الحيض حديث: 1.
ص 111
قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، وإن رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت صلاة ودخل وقت صلاة أخرى فليس عليها قضاء وتصلي الصلاة التي دخل وقتها»(1)، وصحيح أبي عبيدة عنه(عليه السلام): «قال: إذا رأت المرأة الطهر وقد دخل عليها وقت الصلاة ثم أخرت الغسل حتى يدخل وقت صلاة أخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها...»(1)، وقد تقدم تمامه في المسألة الأولى، وموثق الحلبي عنه(عليه السلام): «في المرأة تقوم في وقت الصلاة فلا تقضي طهرها حتى تفوتها الصلاة ويخرج الوقت أتقضي الصلاة التي فاتتها؟ قال: إن كانت توانت قضتها وإن كانت دائبة في غسلها فلا تقضي» (2).
فلابد من حمل تلك النصوص على بيان الصلاة التي تقضى من دون نظر لشروط القضاء، أو على صورة إدراك الغسل. كما أنه حيث كان التعجيل بالغسل لأداء الصلاة في وقتها، وكان صدق التفريط مع التواني فيه لتفويت الصلاة الأدائية، كان الظاهر منها إرادة سعة الوقت للغسل الذي تحصل معه الصلاة الأدائية، إما لوقوعها بتمامها في الوقت، أو لوقوع ركعة منها فيه، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
ومنه يظهر ضعف ما عن نهاية الأحكام من احتمال عدم اعتبار وقت للطهارة، بناء على عدم اختصاصها بوقت. فإنه ـ مع منافاته للنصوص السابقة ـ لا يناسب القاعدة المتقدمة، لوضوح أن تعذر الطهارة قبل الطهر من الحيض يستلزم كون تعذر الصلاة بعده لضيق الوقت عن الطهارة مستنداً للحيض، وقد سبق أنها تقتضي سقوط القضاء حينئذٍ.
ثم أن مقتضى إطلاق قوله(عليه السلام) في صحيح عبيد: «فقامت في تهيئة ذلك» اعتبار سعة الوقت لمقدمات الغسل أيضاً. كما أن مقتضى إطلاق قوله(عليه السلام) في موثق الحلبي: «إن كانت توانت...» أن المدار في الغسل على المتعارف الذي لا يصدق معه التواني عرفاً، لا على المبادرة الحقيقية الدقية وبذلك يخرج عن مقتضى القاعدة المتقدمة من الاقتصار في عدم وجوب القضاء على ضيق الوقت عن مطلق الغسل، ولو بالمبادرة الحقيقية الممكنة، دون مقدماته التي يمكن عادة تهيئتها قبل الطهر من الحيض.
كما أنه يستفاد من النصوص تبعاً اعتبار سعة الوقت لما لابد منه بين الاغتسال والصلاة من لبس ثيابها والانتقال لمصلاها ونحوهما بالوجه المتعارف، لظهورها في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)، (2) الوسائل باب: 49 من أبواب الحيض حديث: 4، 8.
ص 112
الجري على المتعارف، فلو لم يعتبر لزم التنبيه عليه.
بل قد يستفاد منها ومن ذكر التفريط في صحيح عبيد لزوم سعة الوقت لجميع الشروط من دون خصوصية للطهارة. وقد يجعل ذلك هو الوجه لاعتباره في الدروس وجامع المقاصد والروض والروضة والمسالك والمدارك ومحكي الموجز وفوائد الشرايع وكشف الالتباس، بل احتمل في مفتاح الكرامة كون اقتصار جملة من الأصحاب على الطهارة جار مجرى المثال للتنبيه على اعتبار إدراك جميع الشروط أو محمول على الغالب من حصولها.
لكنه لا يخلو عن إشكال، لأن الظاهر من النصوص إرادة تهيئة الغسل والتفريط به والتواني فيه، لا تهيئة الصلاة، ليعم جميع شروطها. ولم يظهر ممن بنى على التعميم لبقية الشروط استفادته منها، بل صرح بعضهم بأنه مقتضى القاعدة، لدعوى امتناع التكليف بما لا يطاق. ويظهر اندفاعه مما سبق من لزوم تهيئة المقدمات المفوتة قبل الوقت.
بل منع سيدنا المصنف(قدس سره) من كون المقام من صغريات المقدمات المفوتة، لفرض دخول الوقت قبل الطهر فيجب تهيئة المقدمات لفعلية وجوب ذيها بعد فرض تحقق الطهر، واحتمال كون الطهر كالوقت شرطاً للوجوب بعيد. لكن لم يتضح الوجه في استبعاده بعد ما سبق منا واعترف به من رافعية الحيض للملاك، لملازمة ذلك لكون الطهر شرطاً للوجوب، كما لا يخفى. فالعمدة ما ذكرنا.
هذا، والظاهر وجوب القضاء لو وسع الوقت الغسل، إلا أنه لا يمكن السعي للغسل، لقصور النصوص عنه، وحيث لا يستند تعذر الصلاة حينئذٍ للحيض وحده كان مقتضى القاعدة المتقدمة وجوب القضاء، ويأتي الكلام في وجوب التيمم حينئذٍ إن شاء الله تعالى.
الثاني: إذا وسع الوقت الطهارة والصلاة التامة وجب أداؤها بلا إشكال ظاهر، وهو المتيقن من معاقد إجماعاتهم ومن النصوص الآتية، ويظهر مما يأتي في
ص 113
إدراك الركعة المفروغية عنه، وإنما الكلام في أن المعيار في ذلك على الوقت الاختياري أو الاضطراري أو الفضيلي.
فقد ذكر في التهذيب والاستبصار والمبسوط أن المرأة إذا طهرت بعد زوال الشمس قبل أن يمضي منه أربعة أقدام وجب عليها قضاء الظهرين معاً، وإن طهرت بعد ذلك إلى مغيب الشمس وجب عليها قضاء العصر واستحب لها قضاء الظهر.
والظاهر أن ما تقدم من النهاية من استحباب قضاء الصلاتين إذا طهرت في وقت العصر راجع إلى ذلك، ولا ينافي وجوب قضاء العصر. وقد زاد على ذلك في الاستبصار والمبسوط والنهاية استحباب قضاء العشائين لو طهرت بعد نصف الليل.
ويناسبه ما عن الإصباح والمهذب من استحباب قضاء الظهرين إذا أدركت خمس ركعات قبل مغيب الشمس والعشائين إذا أدركت أربعاً قبل الفجر. ولم يفصل في المبسوط في قضاء صلاة الفجر، بل أطلق وجوبه لو طهرت قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة، بل تقدم من النهاية التصريح بالتعميم. فراجع.
وكيف كان، فيدل على عدم وجوب قضاء الظهر لو لم تدرك من وقتها الفضيلي ما يسعها مع الطهارة موثق يونس بن الفضل: «سألت أبا الحسن الأول(عليه السلام) قلت: المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة؟ قال: إذا رأت الطهر بعدما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلا تصلي إلا العصر، لأن وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم وخرج عنها الوقت وهي في الدم، فلم يجب عليها أن تصلي الظهر، وما طرح الله عنها من الصلاة وهي في الدم أكثر...»(1)، وقد تقدم تمامه في المسألة الأولى.
وموثق محمد بن مسلم عن أحدهماH: «قلت: المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتى يدخل وقت العصر. قال: تصلي العصر وحدها، فإن ضيعت فعليها صلاتان...»(2)، وما في ذيل موثق الحلبي المتقدم: «وعن أبيه قال: كانت المرأة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب: 49 من أبواب الحيض حديث:2، 5.
ص 114
من أهلي [أهله. يب] تطهر من حيضها فتغتسل حتى يقول القائل: قد كادت الشمس تصفر بقدر أنك لو رأيت إنساناً يصلي العصر تلك الساعة قلت: قد أفرط. فكان يأمرها أن تصلي العصر»(1)، وصحيح معمر(*): « سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن الحائض تطهر عند العصر تصلي الأولى؟ قال: لا، إنما تصلي الصلاة التي تطهر عندها»(2).
وبهذه النصوص ترفع اليد عن ظاهر ما تضمن قضاء الظهرين مع الطهر قبل مغيب الشمس، كموثق عبد الله بن سنان المتقدم في الأمر الأول وغيره، فتحمل على التفصيل المذكور الذي قد يناسبه خبر منصور بن حازم المتقدم، أو على الاستحباب، كما لعله الأظهر.
وأما حمل الثلاثة الأخيرة على الوقت المختص بالعصر وجوباً، وهو مقدار أربع ركعات قبل مغيب الشمس، كما يظهر من بعضهم. فهو بعيد جداً، بل لا يناسب ما في موثق ابن مسلم من فرض الطهر عند الظهر، والتعبير بدخول وقت العصر، لا بتضيقه، وما في موثق الحلبي من فرض الطهر عند قرب الشمس من الاصفرار، وما في صحيح معمر من السؤال عن صلاة الأولى الظاهر في المفروغية عن سعة الوقت للصلاتين. فلا وجه لتكلف الحمل المذكور. ولا سيما مع كفاية موثق الفضل، لصراحته في المطلوب.
ومثله دعوى: ابتناء هذه النصوص على اختصاص الظهر بالوقت المذكور وجوباً، الذي قد يظهر من بعض النصوص، وحيث يلزم رفع اليد عنه بنصوص اشتراك الصلاتين في الوقت الذي هو المعروف بين الأصحاب، فلا مجال للعمل بها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:49 من أبواب الحيض حديث: 9.
(*) رواه عن (معمر بن يحيى) الثقة في التهذيب بسنده عن محمد بن يحيى، وفي الاستبصار بسنده عن الكليني، وهو الموجود في بعض نسخ الكافي وفي بعض نسخه الأخرى: (معمر بن عمر) المجهول، وهو الموجود في الوسائل، وحيث تسقط نسختا الكافي بالمعارضة، ومثلها رواية الاستبصار، لأنها بمنزلتها قد تضمنت النقل عن الكليني، تبقى نسخة التهذيب حجة لعدم المعارض، ويكون الحديث صحيحاً. (منه عفي عنه).
(2) الوسائل باب:49 من أبواب الحيض حديث:3.
ص 115
في قضاء الصلاة في المقام.
لاندفاعها: بعدم وضوح الملازمة بين الأمرين. ولا سيما مع التفكيك بينهما عند العامة، حيث كان المعروف بينهم اختصاص كل صلاة بوقتها، والمشهور عندهم وجوب قضاء الصلاتين في المقام، فتكون نصوص المقام مخالفة للمشهور بينهم، ونصوص الاختصاص موافقة لهم، ومع ظهور قوله(عليه السلام) في موثق الفضل: «وما طرح الله عنها من الصلاة وهي في الدم أكثر» في كونه(عليه السلام) بصدد رفع استبعاد الحكم المذكور، المناسب لابتنائه على مخالفة القاعدة، ولو كان مبتنياً على اختصاص الظهر بالوقت الأول لم يكن مخالفاً للقاعدة.
ومن هنا يشكل طرح هذه النصوص مع قوة دلالتها وكثرتها واعتبار أسانيدها وعدم ظهور الإعراض الموهن لها بعد عمل من عرفت بها، معتضداً بظهور حال الكليني(قدس سره) في الاعتماد عليها، حيث اقتصر في الباب المناسب على حديثي الفضل بن يونس ومعمر اللذين هما من نصوص المقام، وعلى حديثي أبي عبيدة وعبيد بن زرارة المتقدمين في الأمر الأول، واللذين يسهل حملهما على ما يناسب نصوص المقام، ولم يذكر شيئاً من نصوص قضاء الصلاتين معاً التي تقدمت في الأمر الأول. كما هو ظاهر حال الصدوق في الفقيه والمقنع حيث أفتى بمضمون صحيح معمر.
ولا سيما مع قرب كون منشأ ذهاب المشهور إلى وجوب قضاء الصلاتين استحكام القاعدة في مرتكزاتهم، خصوصاً مع موافقتها للاحتياط، واعتضادها بنصوص قضاء الصلاتين المرجحة بنظرهم على النصوص المتقدمة، لموافقتها للقاعدة، ولتخيل ابتناء النصوص المتقدمة على اختصاص كل صلاة بوقتها الفضيلي الذي هو خلاف المعروف من مذهب الإمامية، وحيث ظهر عدم تمامية ذلك لم يتجه الإعراض عن هذه النصوص.
هذا، ولو تم ذلك فالظاهر أنه يكفي في عدم وجوب صلاة الظهر الفراغ من الغسل من دون توان بعد مضي الأربعة أقدام وإن سبق الطهر من الدم على ذلك،
ص 116
للتصريح بذلك في موثق محمد بن مسلم المؤيد أو المعتضد بما سبق فيمن طهرت في وقت صلاة فانشغلت بغسلها حتى خرج وقتها. وبه ترفع اليد عن عموم المفهوم في موثق الفضل المقتضي لوجوبها حينئذٍ.
ثم إن هذه النصوص مختصة بالظهر، ولم أعثر على ما يقتضي التعميم لغيرها من الصلوات لو طهرت المرأة بعد خروج وقتها الفضيلي، ومقتضى القاعدة وجوب قضائها، كإطلاق النصوص المتقدمة، وظاهر موثق الحلبي المتضمن الأمر بصلاة العصر قرب اصفرار الشمس، والذي هو وقت المفرط فيها، والذي لا يكون إلا بعد خروج الوقت الفضيلي لها.
ودعوى: أن النصوص المتقدمة في الظهر قرينة على حمل الوقت في صحيح عبيد وصدر موثق الحلبي المتقدمين على الوقت الفضيلي، فيكون مقتضى إطلاقهما العموم في عدم القضاء مع الطهر بعده لغير الظهر.
مدفوعة بأن ذلك ليس بأولى من إبقاء الصحيح والموثق على ظهورهما في وقت الوجوب وتقييدهما بالنصوص المتقدمة في الظهر.
نعم، قد يستفاد من تعليل عدم قضاء الظهر في موثق الفضل بن يونس بأن وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم وخرج عنها الوقت وهي في الدم عدم خصوصية وقت الظهر الفضيلي في ذلك، لأنه الأنسب بارتكازية التعليل، كما قد يشعر بذلك أيضاً صحيح معمر، لأن السؤال فيه وإن اختص بصلاة الظهر، إلا أن عدم الاكتفاء في جوابه بنفي القضاء فيها حتى أضيف إليه قوله: «إنما تصلي الصلاة التي تطهر عندها» مشعر بعدم اختصاص الحكم عندها، بل يعم غيرها.
لكنه لا يخلو عن إشكال، لإمكان اختلاف نحو التوقيت بالوقت الفضيلي باختلاف الصلوات ويكون لصلاة الظهر خصوصية في كيفية التوقيت به تصحح نسبة الوقت إليها، دون غيرها.
مع أنه لو تم معارض بذيل موثق الحلبي، لقوة ظهوره في وجوب العصر في
ص 117
الوقت المذكور، لعدم اختصاص الاستحباب بها، وبظهور جملة من النصوص مما تقدم وغيره في وجوب صلاة العشائين مع الطهر بعد نصف الليل الذي لا يناسب استحباب قضائهما مع الطهر بعد خروج وقتهما الفضيلي. وجعل ما تقدم قرينة على حمل جميع ذلك على الاستحباب صعب جداً. ولا سيما مع عدم ظهور قائل به، لظهور حال الشيخ وغيره في الاختصاص بالظهر. ولا أقل من التوقف والرجوع للقاعدة في وجوب القضاء. فتأمل جيداً.
هذا، وظاهر فتواهم بوجوب أو استحباب صلاة الظهرين إذا طهرت وفرغت من غسلها في وقت العصر إرادتهم تقديم الظهر. وهو الذي يقتضيه ظاهر النصوص، لأن المفروغية عن وجوب الترتيب بين الصلاتين تقتضي انصرافها إليه حتى لو كان الأمر بالظهر استحبابياً.
لكن في صحيح أبي همام عن أبي الحسن(عليه السلام): «في الحائض إذا اغتسلت في وقت العصر تصلي العصر ثم تصلي الظهر»(1). وقد حمله في الاستبصار على من فرطت في الظهر حتى ضاق وقت العصر. وعن المنتقى أنه استحسنه، واحتمل الحمل على التقية.
ومن الظاهر بعد الحمل المذكور، لأن ظاهر الاغتسال في وقت العصر سعة الوقت لا تضيقه، بل فرض التفريط في الظهر لا شاهد له في النص، بل عدم التنبيه عليه والاقتصار على بيان الغسل وقت العصر ظاهر في عدمه. وأما الحمل على التقية فهو لا يناسب المنقول عن العامة في المقام من تقديم الظهر.
ومن هنا يشكل العمل بالصحيح، لأنه إن ابتنى على المشهور من وجوب الصلاتين مع إمكان أدائهما قبل مغيب الشمس فالظاهر عدم الإشكال في وجوب تقديم الظهر عندهم كما هو ظاهر النصوص المتقدمة الآمرة بالصلاتين. وإن ابتنى على ما سبق من استحباب قضاء الظهر مع الطهر في وقت لا يسع أداءها قبل مضي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:49 من أبواب الحيض حديث:14.
ص 118
أربعة أقدام، فوجوب تأخيرها ـ كما هو ظاهر الصحيح ـ لا يخلو عن غرابة.
بل لا يمكن البناء عليه بعد ظهور بناء الأصحاب على تقديم الظهر، حيث يبعد جداً خطؤهم في هذه المسألة التي يشيع الابتلاء بها بنحو تكون فتواهم على خلاف المجزي. وأما حمله على استحباب تأخير الظهر فهو إنما يناسب المبنى المذكور في فرض ضيق وقت العصر الفضيلي، ولا شاهد بحمله على ذلك. فهو غريب المضمون يرد علمه إلى قائله(عليه السلام).
بقي الكلام في صلاة العشائين مع الطهر قبل الفجر. ولا يخفى أن ظاهر جملة من النصوص وجوبهما كموثق عبد الله بن سنان المتقدم في الأمر الأول. فما تقدم من الشيخ وغيره من البناء على استحبابهما إن أريد به استحباب كل منهما، فالوجه فيه إن كان هو ما تقدم في الظهر، لدعوى استفادة العموم لغيرها، فمن الظاهر أنه لو تم فمقتضاه الاستحباب بخروج وقتهما الفضيلي، مع أنه صرح في النهاية بوجوبهما إذا طهرت قبل نصف الليل.
وإن كان هو أدلة توقيت العشائين بما قبل ذلك ـ كنصف الليل ـ لدعوى: أن مقتضاه عدم وجوب القضاء مع استيعاب الدم الوقت. ففيه ـ مع أن أدلة التوقيت بذلك معارضة بنصوص تقتضي امتداد الوقت للفجر، ولو لذوي الأعذار، وتمام الكلام في ذلك في مبحث المواقيت ـ أن التوقيت لا يمنع من وجوب القضاء مع استيعاب الدم الوقت، لا في الحيض ولا في غيره.
غاية الأمر أن مقتضى الأصل البراءة من وجوب القضاء، بل هو في الحيض مقتضى إطلاق ما تضمن عدم قضاء الحائض الصلاة، ومن الظاهر أنهما لا ينهضان برفع اليد عن ظهور النصوص المتقدمة في الوجوب، بل هي تنهض بتقييد الإطلاق المذكور، وبالحكومة على أصالة البراءة.
وأشكل من ذلك ما لو أريد به استحباب الجمع بينهما مع وجوب العشاء الراجع لاستحباب المغرب فقط ـ نظير ما تقدم في الظهرين ـ كما يناسبه ما ذكره في
ص 119
المبسوط في مبحث المواقيت من أن من لحق من ذوي الأعذار مقدار ركعة أو أربع ركعات قبل الفجر وجب عليه صلاة العشاء، ثم قال: «وإذا لحق ما يصلي خمس ركعات صلى المغرب أيضاً معها استحباباً، وإنما يلزمه وجوباً إذا لحق قبل نصف الليل بمقدار ما يصلي فيه أربع ركعات، وقبل أن يمضي مقدار ما يصلي ثلاث ركعات من المغرب».
وجه الإشكال: عدم ظهور وجه الفرق بين العشائين مع اشتراكهما في خروج الوقت الفضيلي والأدائي الاختياري، وفي نصوص المقام وغيرها مما تضمن وجوبهما على من نسي أو نام وذكر أو انتبه قبل الفجر(1)، وعدم فوت صلاة الليل حتى يطلع الفجر(2).
ومن هنا كان اللازم البناء على وجوب الصلاتين معاً على من طهرت في الليل بنحو تدركهما فيه. ولعله لذا قال في الخلاف في مسائل الأوقات: «مسألة14: إذا أدرك بمقدار ما يصلي فيه خمس ركعات قبل المغرب لزمته الصلاتان بلا خلاف، وإن لحق أقل من ذلك لم يلزمه الظهر عندنا. وكذلك القول في المغرب والعشاء الآخرة قبل طلوع الفجر».
نعم، في كونهما أدائيتين أو قضائيتين كلام محله مبحث المواقيت. وربما يأتي هناك ما ينفع في المقام. فلاحظ.
الثالث: ذكرنا عند الكلام في مفاد القاعدة أن مقتضاها عدم الاجتزاء في وجوب الصلاة بإدراك مقدار من الوقت يسع الواجب الاضطراري. والظاهر عدم الإشكال فيه بالإضافة إلى الطهارة هنا، وإن سبق من كشف اللثام الاجتزاء بإدراك التيمم في المسألة الأولى، وسبق منا توجيهه على المختار من الاكتفاء في تلك المسألة بإدراك مقدار الصلاة دون شروطها، للفرق بين المسألتين بالنصوص المتقدمة في هذه المسألة، الصريحة في عدم وجوب الصلاة إذا خرج وقتها للانشغال بالغسل من دون توان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:62 من أبواب المواقيت حديث:3، 4.
(2) الوسائل باب:10 من أبواب المواقيت حديث:9.
ص 120
وبأن القاعدة تقتضي اعتبار سعة الوقت للغسل كما سبق، بخلاف تلك المسألة.
وما في العروة الوثقى من الاحتياط الاستحبابي بالتيمم في المقام ضعيف. ولأجل القاعدة المذكورة يتجه عدم الاكتفاء بمقدار التيمم حتى لمن وظيفته التيمم من غير جهة ضيق الوقت، خلافاً لما يظهر من العروة الوثقى هنا. ويتضح وجهه بملاحظة ما ذكرناه رداً لما سبق من جامع المقاصد في تلك المسألة. فتأمل.
كما أن مساق كلماتهم في المقام إرادة مقدار الواجب الاختياري من سائر الجهات، لأن ذلك هو المنساق من النصوص المتقدمة، لظهورها في إرادة الصلاة المعهودة، بسبب عدم التنبيه فيها على إرادة ما دونها مع كونه مغفولاً عنه. بل لعله أولى مما أشرنا إليه في الأمر الأول من ظهورها في لزوم سعة الوقت بالإضافة إلى بعض الشروط التي يتعارف صرف الوقت لها بين الغسل والصلاة.
هذا، وقد صرح جمهور الأصحاب بالاجتزاء في إدراك الوقت في المقام بإدراك ركعة، بل ادعى الإجماع عليه في الخلاف والمدارك، ونفى الخلاف فيه في التذكرة. بل ظاهر جملة من عباراتهم في باب المواقيت المفروغية عن أن المقام من صغريات كبرى إدراك الوقت بإدراك ركعة التي ادعى الإجماع عليها في كلماتهم، ووردت بها بعض النصوص.
وأما ما في باب أحكام السهو من الفقيه من أن من فاته الظهران ثم ذكر وقد بقي من الوقت قدر ما يصلي إحداهما بدأ بالعصر، وإن بقي منه قدر ما يصلي ست ركعات بدأ بالظهر، حيث قد يظهر منه لزوم إدراك ركعتين. فهو ـ مع خلوه عن الدليل ـ خلاف في الكبرى المذكورة من دون خصوصية للمقام.
نعم، عن السرائر: أنها إذا طهرت قبل غروب الشمس في وقت متسع لفعل الطهارة والصلاتين وجب عليها أداؤهما، وفي الوسيلة: أنها إذا طهرت وتوانت في الاغتسال والصلاة وجب عليها القضاء. وإن لم يمكنها ذلك لم يجب. واستظهر بعضهم منهما اعتبار إدراك تمام الصلاة في الوقت، وعدم الاجتزاء بإدراك الركعة.
ص 121
ولا يخلو عن إشكال، لأنهما بصدد بيان وجوب الصلاة مع اتساع الوقت لها وإمكانها فيه، لا بصدد تحديد الاتساع المحقق للإمكان، بل هو موكول للكلام في الأوقات.
وكيف كان، فقد استدلوا على ذلك بما تسالموا عليه ظاهراً تبعاً للنصوص(1) من أن من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت. وكأنه لدعوى: حكومته على ما تضمن عدم قضاء الحائض الصلاة بعد تنزيله ـ كما سبق ـ على الصلاة التي تتعذر في وقتها بسبب الحيض، لأنه يحكم بتوسيع الوقت لما يساوي الركعة، فلا تتعذر الصلاة بسبب الحيض في الفرض، ليسقط قضاؤها.
لكنه إنما يتم لو عم التنزيل المذكور حال الاختيار، حيث يستلزم تمامية ملاك الوقت بإدراك الركعة فتجب بعد عدم مانعية الحيض منها. أما إذا كان اضطرارياً ـ كما لعله ظاهرهم ـ فيشكل بما تقدم من أن المتيقن من أدلة الأبدال الاضطرارية بدليتها في مقام الأداء والامتثال، دون مقام الجعل والملاك، وحيث كان الحيض رافعاً لملاك الصلاة المتعذرة في وقتها بسببه، فلا تنهض أدلة التنزيل المذكور بإثبات قيام الصلاة المدرك بها ركعة من الوقت مقام الصلاة التي تتم في الوقت في واجديتها للملاك، ليجب أداؤها، فضلاً عن قضائها.
وتحقيق أن التنزيل المذكور اختياري أو اضطراري موكول لمبحث الأوقات، كتحديد منتهى الركعة، وكالكلام في كون الصلاة أدائية أو قضائية، وغير ذلك مما لا مجال لإطالة الكلام فيه هنا، لعدم خصوصية الحيض فيه، ولأن الكلام فيه إنما يتجه بعد تحقيق الكبرى المذكورة.
هذا، ويظهر مما تقدم من فروع المسألة الأولى جريان بعضها في هذه المسألة، فلا ينبغي إطالة الكلام فيها هنا. وإنما نقتصر على الكلام فيما في التذكرة والمنتهى ومحكي نهاية الأحكام من استحباب القضاء لو طهرت قبل خروج الوقت بمقدار لا يسع الركعة، وحكاه في مفتاح الكرامة عن التهذيب والاستبصار والنهاية، ولم أجد فيها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الوسائل باب:30 من أبواب المواقيت.
ص 122
(مسألة 21): الظاهر أنها تصح طهارتها من الحدث الأكبر غير الحيض، فإذا كانت جنباً واغتسلت عن الجنابة صح(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلا ما تقدم من استحباب قضاء الظهر لو طهرت قبل مغيب الشمس والعشائين إذا طهرت قبل طلوع الفجر.
والظاهر أنه يختص بإمكان إدراك إداء الصلاة قبل مغيب الشمس أوطلوع الفجر،كحكمه بوجوب صلاة العصرإذا طهرت قبل مغيب الشمس.
وكيف كان، فقد استدل له في مفتاح الكرامة بإطلاق ماتضمن الأمر بصلاة الظهرين إذاطهرت قبل مغيب الشمس والعشائين قبل طلوع الفجـر، كموثق عبد الله بن سنان وغيره مما تقدم في الأمر الأول.
ويشكل بأنه إن بني على اختصاص النصوص المذكورة ـ انصرافاً أو بقرينة خارجية ـ بصورة إدراك الصلاة في الوقت فلا مجال لاستفادة استحباب القضاء منها مع عدم الإدراك، وإن بني على عمومها لصورة عدم الإدراك لزم البناء على وجوب القضاء، خروجاً عن مقتضى القاعدة المتقدمة، لا استحبابه.
ودعوى: أنه إنما يبنى على عدم الوجوب مع عدم الإدراك للنصوص النافية للقضاء لو انشغلت بالغسل من دون توان حتى خرج الوقت. مدفوعة بأن تلك النصوص كما تصلح للقرينية على حمل هذه النصوص على الاستحباب في صورة عدم الإدراك تصلح للقرينية على حملها على صورة الإدراك، بل لعل الثاني أقرب.
(1) كما هو ظاهر التهذيب والاستبصار. لموثق عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام): «سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل أن تغتسل. قال: إن شاءت ان تغتسل فعلت، وإن لم تفعل فليس عليها شيء، فإذا طهرت اغتسلت غسلاً واحداً للحيض والجنابة»(1). مضافاً إلى إطلاق أدلة الأغسال المقتضية لرافعيتها لأحداثها مطلقاً وإن اجتمعت مع غيرها من دون أن يرتفع بالغسل ـ كما في المقام ـ ولذا كان ظاهرهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:43 من أبواب الجنابة حديث:7.
ص 123
المفروغية عنه مع عدم تداخل الأغسال الذي قال به بعضهم في بعض الموارد. ومنه يظهر عموم المشروعية لغسل غير الجنابة.
بل يظهر من التهذيب والاستبصار قوة احتمال استحباب غسل الجنابة لها، لموثق سماعة عن أبي عبد الله وأبي الحسنH: «قالا: في الرجل يجامع المرأة فتحيض قبل أن تغتسل من الجنابة. قال: غسل الجنابة عليها واجب»(1)، بدعوى: أنه بعد تعذر حمله على الوجوب للنصوص الكثيرة الدالة على الاجتزاء بغسل واحد(2) يحمل على الاستحباب.
نعم، احتمل أيضاً حمله على بيان كيفية الغسل الواجب عليها وأنه كغسل الجنابة، أو على إجزاء غسل الجنابة بعد الطهر من الحيض عن غسله. كما يحتمل حمله على بقاء حدث الجنابة وعدم اندكاكه بالحيض، وأن زواله مشروط بالغسل وإن لم يستحب التعجيل به.
لكن الحمل على الاستحباب أقرب، خصوصاً من الحملين الأولين. ولا سيما مع اعتضاده بإطلاق الأمر بالطهارة، الذي يقرب ارتكازاً حمله على استحباب الطهارة من كل حدث بنحو الانحلال، لا خصوص الطهارة من جميع الأحداث بنحو المجموعية. ولذا لا يظن منهم التوقف في ذلك في غير الحائض مع عدم تداخل الأغسال الذي قال به بعضهم في بعض الموارد، فيتعين البناء عليه في الحائض بعد ثبوت مشروعية غسل الجنابة لها، لما تقدم، ومن هنا كان الاستحباب قريباً جداً.
هذا، وقد صرح في التذكرة ومحكي المنتهى والتحرير بأنه لا يصح لها الغسل للجنابة قبل انقطاع الدم، وقد يرجع إليه ما في المبسوط والسرائر من أنها لا يصح منها الغسل والوضوء على وجه يرفعان الحدث، وما في النافع والمعتبر من أنه لا يرتفع لها حدث، مدعياً عليه في الثاني الإجماع، بل قد يرجع إليه ما في الشرايع والقواعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:43 من أبواب الجنابة حديث:8.
(2) راجع الوسائل باب:43 من أبواب الجنابة وغيرها.
ص 124
من أنها لو تطهرت لم يرتفع حدثها، وفي المدارك أنه مجمع عليه بين الأصحاب، وفي الدروس أنه لا يرتفع حدثها بوضوء ولا غسل، بل نسبه في الجواهر إلى ظاهر جملة من الأصحاب ظهوراً يكاد يكون كالصريح من بعضهم، بل استظهر الاتفاق عليه. بل عن المنتهى دعوى الإجماع صريحاً عليه.
لكنه لا يخلو عن إشكال، لقرب كون مراد جمع منهم استمرار حدثها باستمرار الحيض وأنها لا تخلو عنه بالغسل أو الوضوء، من دون نظر إلى غير حدث الحيض. ولعله الظاهر مما تقدم من الشرايع والقواعد والدروس، بل قد يحمل عليه بعض ما تقدم من غيرها.
ومن هنا لا مجال للاستدلال بالاجماع المدعي في كلام من تقدم من قرب ابتناء دعواه على ارادة ذلك ومن هنا لا مجال للتعويل عليه بعد ما سبق من التهذيب والاستبصار. ومثله الاستدلال عليه بما في المعتبر من أن الطهارة ضد الحيض، فلا تتحقق مع وجوده. لوضوح أنه إنما يكون وجهاً لاستمرار حدثها حال الحيض، لا لعدم ارتفاع غير حدث الحيض عنها.
نعم، قد يستدل عليه بصحيح الكاهلي عن أبي عبد الله(عليه السلام): «سألته عن المرأة يجامعها زوجها فتحيض وهي في المغتسل تغتسل أو لا تغتسل؟ قال: قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل»(1). لكن يقرب وروده لبيان دفع توهم وجوب غسل الجنابة، بل ذلك هو المناسب للتعليل. ولا أقل من حمله على ذلك بقرينة ما سبق.
وأضعف منه الاستدلال بحديث سعيد بن يسار: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): المرأة ترى الدم وهي جنب أتغتسل عن الجنابة أوغسل الجنابة والحيض واحد؟ فقال: قد أتاها ما هو أعظم من ذلك»(2).
لوضوح أنه لم يتضمن النهي عن الغسل، والتعليل فيه إنما ينهض ببيان عدم وجوب التعجيل به. ومثله الاستدلال بصحيح عبد الله بن سنان عنه(عليه السلام): «سألته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب:22 من أبواب الحيض حديث: 1، 2.
ص 125
عن المرأة تحيض وهي جنب هل عليها غسل الجنابة؟ قال: غسل الجنابة والحيض واحد»(1)، وفي موثق أبي بصير: «تجعله غسلاً واحداً»(2).
لاندفاعه باحتمال كون المقصود بهما بيان تداخل الغسلين بعد الطهر من الحيض، للمفروغية عن عدم وجوب التعجيل به قبله، من دون أن يتضمنا الردع عن التعجيل به، كما هو ظاهر موثق حجاج الخشاب: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام): عن رجل وقع على امرأته فطمثت بعد ما فرغ أتجعله غسلاً واحداً إذا طهرت أو تغتسل مرتين؟ قال: تجعله غسلاً واحداً عند طهرها»(3).
وبالجملة: هذه النصوص بين ما هو ظاهر أو محمول على عدم وجوب التعجيل بغسل الجنابة، وما هو ظاهراً او محتمل لبيان التداخل في فرض تأخيره إلى الطهر من الحيض،فلا مجال للخروج بها عن إطلاقات الأغسال، فضلاً عن موثقي عمار وسماعة.
وأضعف من ذلك الاستدلال بصحيح محمد بن مسلم: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الحائض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله. قال: أما الطهر فلا، ولكنها توضأ في وقت الصلاة ثم تستقبل القبلة وتذكر الله»(4).
لاندفاعه بأنه إن ابتنى على دعوى ظهوره في عدم مشروعية الغسل لها. فهو مختص ـ لو تم ـ بغسل الجمعة، ولا مجال للتعدي لغيره، خصوصاً مع صراحة ما يأتي في مشروعية غسل الإحرام لها.
وإن ابتنى على ظهوره في عدم مطهرية الغسل لها فالظاهر منه عدم مطهريته لها من حدث الحيض، لا من مطلق الحدث، ليدل في نفسه على عدم مشروعية غسل الجنابة لها، فضلاً عن أن يرفع به اليد عن الموثقين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) ، (3) الوسائل باب:43 من أبواب الجنابة حديث:9، 5، 6.
(4) الوسائل باب:22 من أبواب الحيض حديث:3.
ص 126
وتصح منها الأغسال المندوبة حينئذٍ(1)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما صرح به في السرائر والمعتبر وغيرهما، وقد يستفاد مما تقدم من المبسوط من تقييد الغسل الممنوع منه بما إذا كان على وجه يرفع الحدث، بل في الجواهر أنه لا ينبغي الإشكال فيه. لإطلاقات أدلتها.
معتضدة بخصوص النصوص المتضمنة الأمر بغسلها للإحرام، كصحيح معاوية بن عمار: «سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الحائض تحرم وهي حائض. قال: نعم. تغتسل وتحتشي وتصنع كما تصنع المحرمة ولا تصلي»(1) وغيره.فما قد يظهر من المبسوط من عدم مشروعية غسل الإحرام لها، حيث ذكر بدله وضوء الصلاة ـ وهو المحكي عن ظاهر الخلاف ـ في غير محله. وأشكل منه ما في الاقتصاد من أنها تؤخر الصلاة والغسل.
نعم، قد يستفاد من صحيح محمد بن مسلم المتقدم عدم مشروعية غسل الجمعة لها. وحمله على مجرد عدم مطهرية الغسل لها مع مشروعيته في نفسه بعيد. كحمله على أن الوضوء لا يوجب لها الطهارة ـ كما احتمله سيدنا المصنف(قدس سره) ـ لأن خصوصية يوم الجمعة في السؤال تناسب كون المراد بالطهر غسله، دون الوضوء الذي لا يختص به، كما هو المناسب للأمر بعد ذلك بالوضوء.
نعم، قد يحمل على بيان أن وظيفة الغسل المستحب لا تؤدى أو لا تتوقف على غسله، بل على الوضوء، من دون أن ينافي استحباب الغسل في نفسه.
هذا، ولو تمت دلالته على عدم مشروعيه غسل الجمعة لها فلا مجال للتعدي منه لغيره من الأغسال المندوبة والخروج به فيها عما عرفت من الإطلاق. ولا سيما مع ورود نصوص مشروعية غسل الإحرام لها.
نعم، يشكل التمسك بإطلاق أدلة الأغسال المستحبة لبعض الغايات ـ كدخول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:48 من أبواب الإحرام حديث:4.
ص 127
وكذلك الوضوء(1)،
(مسألة22): يستحب لها(2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مكة ـ بناء على انتقاضها بالحدث الأصغر أو الأكبر، لنظير ما يأتي في الوضوء.
(1) حيث لا إشكال في مشروعيته لها للذكر المستحب، كما سيأتي. وأما مشروعيته لها في سائر موارد استحبابه لغيرها ـ كالوضوء للنوم ونحوه ـ فلا يخلو عن إشكال، لظهور أدلته في استحبابه بلحاظ ترتب الطهارة من الحدث الأصغر عليه، ولذا لا يكفي لو انتقض، ولا مجال لذلك في الحائض، لاستمرار حدثها وناقضيته للوضوء.
ومجرد مشروعيته لتخفيف الحدث عند أداء وظيفة الذكر ـ كما يأتي ـ لا يستلزم مشروعيته في الموارد المذكورة لتخفيفه بعد قصور أدلة مشروعيته فيها عن ذلك.
نعم، في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: تتوضأ المرأة الحائض إذا أرادت أن تأكل، وإذا كان وقت الصلاة توضأت واستقبلت القبلة وهللت وكبرت وتلت القرآن وذكرت الله عزوجل»(1). وظاهره استحباب الوضوء للأكل. وحمله على غسل اليدين، كما تقدم في الوضوء المستحب لكل أحد قبل الأكل وبعده ـ في ذيل الكلام في نواقض الوضوء ـ لا يناسب السياق، فلا يبعد البناء على خصوصيتها في استحباب الوضوء لها قبل الأكل.
(2) هذا الحكم في الجملة من متفردات أصحابنا، كما عن الذكرى. وذكر ذلك في الخلاف والروض أيضاً بعد التصريح بأنه استحبابي، مدعياً عليه في الخلاف إجماع أصحابنا.
لكن نسب القول بالاستحباب للأكثر في كشف اللثام وللمشهور في المختلف وجامع المقاصد والحدائق وغيرها. ونسب القول بالوجوب لرسالة علي بن بابويه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:40 من أبواب الحيض حديث:5.
ص 128
وبه عبر ولده في الفقيه، وفي الهداية في بيان أحكام الحيض: «قال الصادق(عليه السلام): يجب على المرأة إذا حاضت أن تتوضأ عند كل صلاة وتجلس مستقبلة القبلة وتذكر الله مقدار صلاتها كل يوم»(1)، كما قد ينسب للكليني، حيث جعل نصوص المسألة في باب ما يجب على الحائض في أوقات الصلاة، وتحتمله عبارة النهاية، حيث قال: «فإذا حاضت المرأة فيجب عليها أن تعتزل الصلاة وتفطر الصوم، وتتوضأ عند كل صلاة وتحتشي...»، وإن أمكن حمله على الاستئناف، وإليه مال في الحدائق وعن الأردبيلي أنه قواه.
كل ذلك لظاهر النصوص، كصحيح معاوية المتقدم وصحيح زرارة عن أبي جعفر [أبي عبد الله.خ ل](عليه السلام): «قال: إذا كانت المرأة طامثاً فلا تحل لها الصلاة، وعليها أن تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله عزوجل وتسبحه وتهلله وتحمده كمقدار صلاتها ثم تفرغ لحاجتها»(2)، وغيره، خصوصاً مرسل الهداية المتقدم ونحوه الرضوي(3): «ويجب عليها عند حضور كل صلاة أن تتوضأ وضوءالصلاة وتجلس مستقبل القبلة وتذكر الله بمقدارصلاتهاكل يوم».
لكن في المدارك: أن مقتضى الجمع بين النصوص البناء على الاستحباب، لما في صحيح زيد الشحام: «سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: ينبغي للحائض أن تتوضأ عند وقت كل صلاة ثم تستقبل القبلة وتذكر الله مقدار ما كانت تصلي(4) بدعوى: ظهور: «لا ينبغي» في الاستحباب، وهو الظاهر من جامع المقاصد.
لكنه كما ترى، فإنه لو تم فظهور النصوص المتقدمة في الوجوب أقوى منه وتنزيله عليها أقرب عرفاً.
فالعمدة في البناء على الاستحباب أن عموم الابتلاء بالحكم مانع من خفائه لو كان وجوبياً. ولا سيما مع اعتضاده بصحيح الحلبي عنه(عليه السلام): «قال: وكن نساء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل باب:29 من أبواب أحكام الحيض حديث:1.
(2) الوسائل باب:40 من أبواب الحيض حديث:2.
(3) مستدرك الوسائل باب:29 من أبواب أحكام الحيض حديث:2.
(4) الوسائل باب:40 من أبواب الحيض حديث:3.
ص 129
التحشي(1) والوضوء(2) وقت كل صلاة واجبة(3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النبي5 لا يقضين الصلاة إذا حضن، ولكن يتحشين حين يدخل وقت الصلاة ويتوضين ثم يجلسن قريباً من المسجد فيذكرن الله عزوجل»(1)، وبما عن دعائم الإسلام عن أبي جعفر(عليه السلام) أنه قال: «إنا نأمر نساءنا الحيض أن يتوضأن عند وقت كل صلاة فيسبغن الوضوء ويحتشين بخرق ثم يستقبلن القبلة من غير أن يفرضن صلاة فيسبحن ويكبرن ويهللن ولا يقربن مسجداً ولا يقرأن قرآناً...»(2).
لظهورهما في أن ذلك مما يؤمر به خواص النساء وليس حكماً عاماً شايعاً بين المسلمين. ولابـد مـع ذلـك من حمل النصوص المتقدمة على الاستحباب. بل لا يبعد لأجله كونه مراد الصدوقين والكليني من الوجوب، لشيوع ذلك في كلام القدماء.
(1) كما تقدم من النهاية. ويقتضيه صحيح الحلبي وخبر الدعائم المتقدمان.
(2) لم يذكره في الدروس مقدمة للذكر المستحب. ولم يتضح الوجه فيه بعد ظهور النصوص والفتاوى في عدم تأدي الوظيفة بدونه. ومثله ما يظهر من الوسيلة من استحباب كل من الأمرين من دون ارتباطية بينهما.
(3) كما في العروة الوثقى وقد يستفاد من إطلاق أو عموم كلام الأصحاب، ومنه معقد إجماع الخلاف.
ويقتضيه عموم صحيح زرارة المتقدم وإطلاق غيره. وإن كان من القريب انصرافها إلى اليومية الموقتة بالخصوصيات الزمانية من أجزاء اليوم والليل، لانصراف التعبير بالوقت وبدخوله في النصوص إليها، دون خصوصية الحوادث، كالكسوف والخسوف ونحوهما. وأما العموم للصلوات المستحبة فلا يظن احتماله من أحد.
هذا، ولا يبعد كون المراد من وقت الصلاة هوالوقت الفضيلي، لتعارف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:40 من أبواب الحيض حديث: 1.
(2) مستدرك الوسائل باب:29 من أبواب أحكام الحيض حديث:3.
ص 130
والجلوس(1) في مكان طاهر(2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصلاة فيه في عصر صدور النصوص. ولظهور نسبته لكل صلاة في عدم اشتراك صلاتين في وقت واحد.
نعم، لا يبعد كون خصوصيته فضيلية في هذه الوظيفة، كما في الصلاة التي هي بدل عنها، فلو لم تأت بها في الوقت الفضيلي شرعت في غيره من الوقت الأدائي. لكن لا بنحو يقتضي جمع الصلاتين بوضوء واحد، لخروجه عن المتيقن من العفو عن الحدث المستمر بسبب الحيض بعد ظهور النصوص في اختصاص كل صلاة بوضوئها. كما لا يبعد لأجل ذلك لزوم تعقيب الصلاة بالوضوء بالنحو المتعارف وعدم الفصل بينهما.
(1) كما صرح به جمهور الأصحاب، ومنه معقد إجماع الخلاف، ولعله المراد من إطلاق المعتبر والمنتهى ومحكي تخليص التلخيص، حيث نسب في الأولين ذلك للشيخ الذي صرح بالجلوس، كما أشير فيهما للخلاف في تعيين المصلىّ مكاناً للجلوس، واستدل في الثاني بصحيحي زرارة والشحام مع تضمن الأول له.
وكيف كان، فحيث ذكر في بعض النصوص وأهمل في بعضها كان مقتضي الجمع بينها البناء على أفضلية الجلوس، لأن ذلك هو مقتضى الجمع بين المطلق والمقيد في المستحبات. وأما حمل ما تضمن الجلوس على مجرد الاجتزاء به لأنه الأسهل فبعيد.
(2) كما تضمنه صحيح زرارة، ويجمع بينه وبين إطلاق غيره بالحمل على الأفضلية. بل قد يدعى أن توظيف هذا الذكر بدل الصلاة يناسب كونه مثلها في اعتبار تجنب النجاسة الخبثية، ومرجعه إلى لزوم عدم نجاسة المكان بنجاسة متعديه، فيكون ذلك هو المراد من النصوص المطلقة، وعليه ينزل اعتبار طهارة المكان في الصحيح. لكنه لا يخلو عن إشكال.
هذا، وقد قيد بالجلوس في المصلى في النهاية والمبسوط والخلاف والوسيلة والنافع والتذكرة والقواعد والإرشاد والدروس واللمعة ومحكي الجامع والإصباح
ص 131
مستقبلة القبلة(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمهذب ونهاية الأحكام والتحرير والبيان، بل هو داخل في معقد الإجماع المدعى في الخلاف، وإليه يرجع ما في السرائر والمراسم من الجلوس في محرابها.
نعم، في الروض والروضة أنه يختص بما إذا كان لها مكان معدّ للصلاة، وإلا فحيث شاءت. وقد يظهر من الروض أن ذلك من قيد بالمصلى، وفي المقنعة: أنها تجلس ناحية من مصلاها. لكن لم يتضح الوجه في جميع ذلك بعد خلو النصوص عنه، ولذا اختار عدم التقييد بذلك في المعتبر والمنتهى وفاقاً لإطلاق جماعة.
اللهم إلا أن يستفاد مما في صحيح الحلبي المتقدم من أنهن يجلسن قريباً من المسجد كون المطلوب الأولي هو الجلوس في المصلى، وأن تعذر ذلك إذا كان المصلى مسجداً أوجب التنزل للمكان القريب منه، لأنه كالميسور منه.
وأما ما احتمله سيدنا المصنف(قدس سره) من كون المراد بالمسجد فيه المصلى، فيناسب ما تقدم من المقنعة ـ بناء على ان المراد به القرب من المصلى لا مكان منه ـ فهو بعيد جداً لأن خفاء الوجه في امتناعها من الجلوس في المصلى يؤكد ظهوره في المسجد المعهود المفروغ عن حرمة الجلوس فيه. ومن ثم كان ما ذكرناه أقرب. مع اعتضاده ما في الخلاف من دعوى إجماع الفرقة وأخبارهم. وإن كان في نهوض ذلك بالاستدلال إشكال. على أنه لو تم فهو لا ينهض بتقييد إطلاق بقية النصوص، لما سبق من الجمع بين المطلق والمقيد في المستحبات يقتضي اختلاف مرتبة الفضل.
(1) كما في الفقيه والمسالك وظاهر الروض وعن الإصباح والنفلية. وقد يحمل عليه إطلاق غيرهم، لاستدلالهم ببعض النصوص الذي تضمنته، ولا سيما من اعتبر الجلوس في المصلى، لظهور حاله في إرادة التشبه بحال الصلاة.
وكيف كان، فيقتضيه صحاح محمد بن مسلم ومعاوية بن عمار وزيد الشحام ومرسل الهداية وخبر الدعائم والرضوي. وقد ينزل عليه إطلاق غيرها، حيث لا يبعد كون الجمع بينها بالتقييد لمناسبته لإرادة التشبه بحال الصلاة أقرب من الجمع
ص 132
ذاكرة لله تعالى(1). والأولى لها اختيار التسبيحات الأربع(2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باختلاف مراتب الفضل. فتأمل.
(1) كذا أطلق جملة من الأصحاب. وهو معقد الشهرة في المختلف وجامع المقاصد وكشف اللثام والحدائق، والإجماع في الخلاف. ويقتضيه إطلاق صحيحي محمد بن مسلم وزيد الشحام ومرسل الهداية والرضوي وظاهر صحيح الحلبي. وأما ذكر التهليل في صحيحي معاوية بن عمار وزرارة والتكبير في الأول والتسبيح والتحميد في الثاني. فلا يبعد ظهوره في عدم خصوصيتها، بل مجرد كونها من أفراد الذكر لذكره معها فيهما.ولعل ذلك هو المراد من الاقتصار عليها في خبر الدعائم.
كما أنه لا يبعد ذلك في تلاوة القرآن التي تضمنها صحيح معاوية بن عمار، إذ من البعيد جداً إهمالها في النصوص الأخر لو كان لها خصوصية في الاستحباب، خصوصاً صحيح الحلبي المتضمن ما تفعله نساء النبي5 حيث يبعد جداً تركهن لها مع أوليتها أو إهماله(عليه السلام) لبيانها مع فعلهن لها.
نعم، الظاهر أن الصحيح المذكور صالح لتقييد ما تضمن كراهة قراءة الحائض القرآن بغير المورد، لأنه أقرب من حمله على مجرد بيان تأدي الوظيفة بها مع كراهتها. ولا ينهض خبر الدعائم بمعارضته. كما لا يخفى. وإن كان مجموع ذلك صالحاً للبناء على أولوية الذكر منها.
هذا، وفي المقنعة: «فتحمد الله وتكبره وتهلله وتسبحه» واقتصر في المراسم على التسبيح، وعن النفلية أنها تجلس مسبحة بالأربع مستغفرة مصلية على النبي5. وكأن مرادهم مجرد التمثيل بما هو من أفراد الذكر من دون خصوصية للمذكورات، كما يناسبه ما عن البيان: «وليكن الذكر تسبيحاً وتهليلاً وتحميداً وشبهه». وإلا كان ما ذكروه خالياً عن الوجه.
(2) كما في العروة الوثقى. وكأنه لاشتمالها على ما تضمنته النصوص مع خصوصية الترتيب الخاص المشروع، كما أشار إليه سيدنا المصنف(قدس سره). وأما عدم
ص 133
تضمنه تلاوة القرآن فهو لا ينافي ذلك بعد ما سبق من أن الظاهر كون الذكر أولى منها.
نعم، عن القطب الراوندي في لب اللباب: «وفي الخبر: إذا استغفرت الحائض وقت الصلاة سبعين مرة كتب الله لها ألف ركعة وغفر لها سبعين ذنباً ورفع لها سبعين درجة وأعطاها سبعين نوراً، وكتب لها بكل عرق في جسدها حجة وعمرة»(1). والأولى أداء الوظيفة بما يشتمل على ذلك.
هذا، وقد صرح الأصحاب بكون الذكر بقدر الصلاة، كما تضمنه صحيحا زرارة وزيد الشحام ومرسل الهداية والرضوي، وهو المنصرف من إطلاق غيرها، لمناسبته لبدلية هذه الوظيفة عن الصلاة، حيث يبعد معه الاكتفاء بصرف الوجود جداً. ولا أقل من كونه موجباً لأولوية الجمع بالتقييد من الجمع باختلاف مراتب الفضل. فلاحظ.
بقي في المقام أمور..
الأول: قال في التذكرة: «ولا يرفع هذا الوضوء حدثاً ولا يبيح ما شرطه الطهارة» ونحوه عن التحرير ونهاية الأحكام وقريب منه في المنتهى.
ويشكل بأن إطلاق الوضوء ينصرف إلى الطبيعة المعهودة المطهرة. ومجرد استمرار حدثها ـ ولذا لا يباح به ما شرطه الطهارة ـ لا ينافيه، لإمكان تخفيف الحدث به وحصول مرتبة من الطهارة، كما في وضوء المسلوس. وهو المناسب لكون غايته الذكر المشروع بدلاً عن الصلاة.
وأشكل من ذلك ما رتبه عليه في المنتهى من أنها لو توضأت بتخيل أنها حائض فبانت طاهراً لم يترتب عليه الطهارة، لأنها لم تنو طهارة فلم يقع.
إذ فيه: أنه يبتني ـ مع ذلك ـ على اعتبار نية الطهارة في صحة الوضوء، وقد تقدم في مبحث نية الوضوء أنه لا يعتبر فيه إلا نيته والتقرب به، وهما حاصلان في المقام.
نعم، لو لم يكن المشروع في حق الحائض وضوءاً، بل شبيهاً بالوضوء تعين عدم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل باب:29 من أبواب أحكام الحيض حديث:4.
ص 134
الاجتزاء به بعد فرض عدم نية الوضوء به. لكن لا مجال لتنزيل نصوص المقام عليه.
ومما ذكرنا يظهر أنه لابد في أداء الذكر الموظف به من عدم تخلل أحد نواقض الوضوء بينهما، لإطلاق دليل ناقضيتها. وما في التذكرة من الإشكال فيه في غير محله. بل لو فرض عدم كونه وضوءاً حقيقة لم يبعد ظهور نصوصه في ترتب أحكام الوضوء عليه، ومنها الانتقاض بالنواقض المذكورة.
وعلى ما ذكرنا يبتني ما أشرنا إليه آنفاً من قرب لزوم تعقيب الوضوء بالذكر وعدم الفصل المعتد به بينهما لأن ارتكاز كون الغرض منه تخفيف الحدث، وتجدد الحدث باستمرار الحيض المقتضي لانتقاضه يوجب انصراف إطلاق النصوص للتعجيل اقتصاراً في الحدث على ما لابد منه، كما يذكر في المسلوس والمستحاضة.
الثاني: قال في المنتهى: «لو فقدت الماء هل تتيمم أم لا؟ الوجه: لا، لأنها طهارة اضطرارية ولا ضرورة هنا. ولعدم تناول النص له»، وجرى على ذلك في المقام في جامع المقاصد وكشف اللثام والمدارك ومحكي التحرير.
ويشكل: بأن التيمم وإن كان طهارة اضطرارية إلا أن المعيار في الاضطرار المسوغ له ليس على وجوب الطهارة، بل على مشروعيتها مع تعذر المائية منها، وهما حاصلان في المقام.
وأما عدم تناول النص له فإن أريد به نصوص المقام فهو غير ضائر بعد كونها محكومة لأدلة بدلية التيمم. وإن أريد به نصوص بدلية التيمم فلا وجه لقصورها مع إطلاق ما تضمن أنه أحد الطهورين، وأنه يكفيك الصعيد عشر سنين(1)، فإن إطلاقهما شامل للمقام بناء على ما سبق من طهورية الوضوء في المقام بلحاظ تخفيفه الحدث. بل إطلاق الثاني شامل له حتى لو لم يكن طهوراً. فلاحظ.
ولعله لذا استشكل في محكي نهاية الأحكام في عدم بدلية التيمم في المقام، بل ظاهر المدارك وجود قول ببدليته. ولعله لما في جامع المقاصد، حيث قال في بيان التيمم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الوسائل باب:23 من أبواب التيمم.
ص 135
المندوب: «لا إشكال في استحبابه إذا كان المبدل رافعاً أو مبيحاً، إنما الإشكال فيما سوى ذلك. والحق أن ما ورد به النص أو ذكره من يوثق به من الأصحاب ـ كالتيمم بدلاً من وضوء الحائض للذكر يصار إليه، وما عداه فعلى المنع إلا أن يثبت بدليل».
لكن ظاهره أن استحبابه ليس لإطلاق الأدلة، بل لذكر من يوثق به من الأصحاب به له. كما أن ظاهر الروض احتمال استحبابه لأولوية بدليته عن غير الرافع منه عن الرافع. وهما معاً كما ترى لا ينهضان بإثبات المشروعية.
نعم، ظاهرهما المفروغية عن البدلية عن الرافع، وقد عرفت أن الوضوء في المقام رافع بلحاظ تخفيفه من الحدث. بل ظاهر جامع المقاصد ذلك في المبيح أيضاً، والوضوء في المقام مبيح، لتوقف الدخول في الذكر الموظف عليه.
وكيف كان، فالظاهر بدلية التيمم في المقام، كما قواه في الجواهر.
الثالث: ذكر في المنتهى أن الغسل لا يقوم مقام الوضوء في أداء الوظيفة المذكورة، لعدم تناول النص له. وهو ظاهر لو أريد به عدم تشريع الغسل بدلاً عن الوضوء في المقام.
أما لو أريد به عدم إجزاء الأغسال المشروعة في حق الحائض ـ على ما تقدم في المسألة السابقة ـ عن هذا الوضوء. فهو لا يتجه في غسل الجنابة، بل ولا في غيره من الأغسال الواجبة والمستحبة ـ بناء على ما تقدم من إجزائها عن الوضوء ـ لشمول إطلاق دليل إجزائها عن الوضوء لهذا الوضوء، بناء على ما سبق من مطهريته في الجملة .
وما في الجواهر من المنع عن ذلك، لظهور أن مراد القائل بإجزاء الغسل عن الوضوء إجزاءه عن الوضوء الرافع للحدث. غير ظاهر لو أريد به خصوص الموجب للطهارة التامة من كل حدث، بل الظاهر عمومه لما يوجب الطهارة في الجملة ولو بتخفيف الحدث، لإطلاق دليل الإجزاء.
نعم، بناء على ما يظهر منه من عدم مطهرية الوضوء في المقام أصلاً يتجه عدم
ص 136
(مسألة23): يكره لها الخضاب(1) بالحناء أو غيرها(2)، وحمل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إجزاء الغسل عنه، لظهور دليل الإجزاء في الإجزاء من حيثية المطهرية ولا أقل من كونه المتيقن منه. وأولى بذلك ما لو لم يكن وضوءاً حقيقة، بل شبيهاً بالوضوء. لكن سبق ضعف المبنى المذكور، فالمتجه الإجزاء. غاية الأمر أنه يختص بصلاة واحدة، كالوضوء المجزي عنه.
الرابع: هل يجزي الوضوء المذكور للحائض إذا كانت محدثة بالأكبر غير الحيض، كالجنابة ونحوها، أو لابد من الغسل عنه لها؟
وجهان، قد يدعى قصور إطلاق النصوص المتقدمة عن إثبات عدم الحاجة للغسل، لورودها لبيان وظيفة الحائض من حيثية حيضها، لامن حيثية أخرى،كالجنابة ونحوها.لكن لايبعد استفادة العموم تبعاً بسبب عدم التنبيه فيها على الغسل بعد تعرض الحائض للأحداث الأخرى، خصوصاً الجنابة، مع الغفلة عن لزوم رفعها مقدمة لأداء هذه الوظيفة بسبب مسانختها للحيض الذي يتعذر رفعه، ولا سيما مع التأكيد في نصوص حيض المرأة الجنب على عدم الحاجة للتعجيل بغسل الجنابة مع ظهور اهتمام الشارع بهذه الوظيفة.
على أنه لو فرض عدم الإطلاق أمكن الإتيان بالذكر بدونه بداعي الأمر به المعلوم على ما هو عليه من التردد بين التقييد بالغسل وعدمه، نظير التقرب بالأقل في موارد دوران المكلف به بين الأقل والأكثر الارتباطيين، على ما ذكرناه في خاتمة البراءة والاشتغال من الأصول.
(1) كما صرح به الأصحاب، بل في المعتبر والمنتهى وظاهر المعتبر الإجماع عليه. ويظهر الوجه فيه مما تقدم في مكروهات الجنب.
(2) كما هو مقتضى إطلاق النص والفتوى. واقتصر في المراسم على الخضاب بالحناء. وقد تقدم في مكروهات الجنب الكلام فيه وفيما في المقنعة من الاقتصار على خضاب الأيدي والأرجل.
ص 137
المصحف ولمس هامشه وما بين سطوره وتعليقه(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لما في خبر إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن(عليه السلام): «قال: المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنباً ولا تمس خطه ولا تعلقه، إن الله تعالى يقول: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾»(1) المحمول على الكراهة بقرينة غيره مما تقدم في مبحث ما يحرم على الجنب. وتقدم ضعف ما نسب للمرتضى من القول بالحرمة. كما يظهر مما تقدم هناك الكلام في كراهة قراءة القرآن لها، لمشاركتها للجنب في كثير من النصوص.
نعم، ما تضمن المنع مما زاد على سبع آيات أو سبعين أية مختص بالجنب. فراجع.
هذا، وقد وقع الكلام بين الأصحاب في جواز سجود التلاوة ووجوبه على الحائض، ولم يتعرض له سيدنا المصنف(قدس سره) هنا اكتفاء بما يأتي منه في ذيل مباحث السجود من كتاب الصلاة من التعرض لأحكام سجود التلاوة. ونسأله تعالى أن يوفقنا لبحث تلك الأحكام، إنه ولي الأمور، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقد انتهى الكلام في مبحث الحيض ليلة السبت غرة ربيع الثاني في السنة الواحدة بعد الألف والأربعمائة للهجرة. كما انتهى تبييضه ضحى الأحد الثاني من الشهر المذكور. والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:12 من أبواب الوضوء حديث:3.
ص 138
ص 139
المقصد الثالث
في الاستحاضة
(مسألة24): دم الاستحاضة(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقدم الكلام في معنى المستحاضة عند الاستدلال على المختار في وجه الجمع بين نصوص الاستظهار ونصوص الاقتصار على العادة في المسألة التاسعة من مبحث الحيض، وذكرنا هناك أن موضوع الأحكام هي التي يخرج دمها من غير المحيض، وهو المستفاد من جملة من النصوص، كقوله(عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار: «ان دم الاستحاضة والحيض ليس يخرجان من مكان واحد»(1)، وفي مرسلة يونس الطويلة: «فقال لها النبي5: ليس ذلك بحيض ، إنما هو عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي. وكانت تغتسل في وقت كل صلاة...»(2) وغيرهما.
نعم، لابد من عدم كونه دم نفاس أيضاً، وإنما لم ينبه له لوضوحه. ومنه يظهر أن ذكر الصفات في النصوص والفتاوى ليس لكونها موضوع الأحكام، بل لبيان حال الدم الموضوع لها، أو للأمارية عليه عند الشك، وسيأتي بعض الكلام فيه إن شاء الله تعالى. كما ظهر تباين دميي الحيض والاستحاضة ذاتاً، لا أنهما دم واحد يختلف حكمه باختلاف الأحوال و الأوقات.
وأما استبعاد تباين الدميين ذاتاً مع اتصالهما ـ كما في مستمرة الدم ـ فهو لا ينهض برفع اليد عن ظاهر النصوص والفتاوى أوصريحهما.على أنه يمكن دفعه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل باب:3 من أبواب الحيض حديث:1 ، 4.
ص 140
في الغالب(1) أصفر بارد رقيق يخرج بلا لذع وحرقة، عكس دم الحيض(2)، وربما كان بصفاته(3). ولا حدّ لكثيره ولا لقليله(4)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باحتمال خروج دم الاستحاضة مع دم الحيض مختلطاً به، لأن الاستحاضة من سنخ المرض الذي يمكن حصوله حال الحيض، غايته أنه لا أثر لها معه، وإنما يترتب عليها الأثر بعد انتهاء أمد الحيض، فيتمحض الدم بدمها.
(1) كما صرح بذلك جماعة كثيرة، وفي الجواهر أنه مراد من تركه. لما يأتي.
(2) تقدم في المسألة الخامسة من مبحث الحيض الكلام في صفات دم الحيض الغالبية، وحيث كانت مسوقة في النص والفتوى في مقابل صفات دم الاستحاضة يعلم منها صفات دم الاستحاضة وحكم تعارض الصفتين.
لكن تحقيق ذلك إنما يهم في مورد حجية الصفات، وقد سبق اختصاصه بمستمرة الدم الفاقدة للعادة، وأما في غيرها فمع جريان قاعدة الإمكان في حقها يبني على حيضية الدم وإن فقد صفات الحيض وكان بصفة الاستحاضة، وبدونه يبني على عدم حيضيته وإن كان بصفات الحيض.
وحينئذٍ فالبناء على كونه استحاضة موقوف على انحصار الدم بهما وأن كل ما لم يكن حيضاً فهو استحاضة واقعاً أو ظاهراً. ويأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
(3) بلا إشكال وبه صرح جماعة، بل ادعي الإجماع عليه في جملة من الموارد. ويشهد به ما تضمن تحديد الحيض بحدوده الواقعية، لدلالته على عدم حيضية الفاقد لها وإن كان بصفة الحيض، فيكون استحاضة بناء على التلازم بينهما على ما أشرنا إليه ويأتي. وكذا ما تضمن كون ما زاد على العادة مطلقاً أو بعد الاستظهار استحاضة من دون نظر للصفات، وما ورد في التحيض بالعدد، وما يأتي إن شاء الله تعالى من جريان أحكام المستحاضة مع استمرار دم النفساء.
(4) بلا إشكال ظاهر. لإطلاق أدلة أحكام الاستحاضة، بل بعض نصوصها
ص 141
ولا للطهر المتخلل بين أفراده(1). ويتحقق قبل البلوغ وبعده وبعد اليأس(2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صريح في قصور الأمد كمرسل داود فيمن ترى الدم يوماً وتطهر يوماً(1)، وبعضها صريح في طويله، كجملة من نصوص مستمرة الدم.
(1) قطعاً، لإطلاق أدلة أحكام الطهر والاستحاضة، فمقتضى الأولى جريان أحكام الطهر على النقاء، والثانية جريان أحكام الاستحاضة على الدم، من دون فرق فيهما بين طول أمد الطهر وقصره. مضافاً إلى ما تضمنته جملة من النصوص من تعليق الحكم بالاستحاضة أو بأحكامها على رؤية الدم، حيث يدل بمفهومه على ثبوته بدونه ومنها مرسل داود فيمن ترى الدم يوماً وتطهر يوماً الذي أشرنا إليه آنفاً.
(2) كما في الشرايع والنافع وجامع المقاصد والروض وكشف اللثام ومحكي نهاية الأحكام والتحرير وغيرها، ونبه في القواعد والإرشاد واللمعة على ما يكون بعد اليأس دون ما يكون قبل البلوغ، وفي جامع المقاصد أنه ينبغي التنبيه عليه لأنه أخفى مما بعد اليأس. وظاهره المفروغية عن إرادتهم له، وإن قصر بيانهم، وهو غير بعيد عنهم، بل لا يبعد عن جميع الأصحاب إرادة الأمرين وإن لم يذكرها جملة منهم معاً، لأن اهتماهم بتحديد الحيض بالسن دون دم الاستحاضة ظاهر في عدم بنائهم على أنه من حدوده.
نعم، قد يستفاد خلاف جملة منهم فيه من تعرضهم للمستحاضة في مستمرة الدم وتقسيمهم لها إلى المبتدئة والمضطربة والمعتادة، حيث قد يظهر في اختصاصها بمن يكون من شأنها الحيض.
لكن الظاهر أن موضوع التقسيم في كلماتهم المستحاضة ببعض معانيها. وهي التي يستمر بها الدم بعد الحيض أو خصوص التي لا ينقطع دمها، وهي التي تعرضت لها بعض النصوص المشهورة، كمرسلة يونس الطويلة، دون التي هي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:6 من أبواب الحبض حديث:1.
ص 142
موضوع الأحكام، إذ لا إشكال بعد النظر في النصوص والفتاوى في أن موضوعها المستحاضة بالمعنى الذي تقدم منا آنفاً، وهي مطلق ذات الدم الخاص المباين لدميي الحيض والنفاس وإن لم تكن مستمرة الدم.
قال في محكي نهاية الأحكام: «الاستحاضة قد يعبر بها عن كل دم تراه المرأة غير دمي الحيض والنفاس خارج من الفرج مما ليس بعذرة ولا قرح، سواء اتصل بالحيض كالمجاوز لأكثر الحيض أو لم يكن، كالذي تراه المرأة قبل التسع، فإنه وإن لم توجب الأحكام عليها في الحال، لكن فيما بعد يجب الغسل أو الوضوء على التفصيل، أو توجب الأحكام على الغير، فيجب النزح وغسل الثوب من قليله. وقد يعبر بها عن الدم المتصل بدم الحيض وحده. وبهذا المعنى ينقسم المستحاضة إلى معتادة ومبتدأة، وأيضاً إلى مميزة وغيرها، ويسمى ما عدا ذلك دم فساد. لكن الأحكام المذكورة في جميع ذلك لا تختلف». وقريب منه في الروض، بل جعل المعنى الذي ذكرناه هو المشهور في إطلاقاتهم.
وكيف كان، فبعد أن كان المستفاد من النصوص مباينة دم الاستحاضة للحيض، وأن دم الاستحاضة موجب للحدث فلا ينبغي التأمل في عدم دخل السن في سببيته للحدث، لعدم خصوصية عرفاً في ذلك، كسائر الأحداث التابعة لأسبابها من دون خصوصية للسن، وبذلك يستغنى عن تكلف تحصيل الإطلاق من هذه الجهة، لأن إلغاء الخصوصية عرفاً من القرائن التي يستفاد بمعونتها العموم.
وإنما الإشكال في إحراز كون الدم الخارج قبل البلوغ أو بعد اليأس دم استحاضة واقعاً أو ظاهراً، ليترتب حكمه، وهو موقوف على تحديد دم الاستحاضة مفهوماً ومصداقاً، وإن الدم هل ينحصر بين الحيض أو النفاس والاستحاضة، بحيث يكفي في إثبات كونه استحاضة واقعاً أو ظاهراً عدم كونه حيضاً ولا نفاساً أولاً.
فنقول: أشرنا آنفاً إلى أن دم الاستحاضة التي هي موضوع الأحكام هو الدم الخارج من غير مخرج الحيض والنفاس. وحينئذٍ فالانحصار..
ص 143
تارة: يكون واقعياً مفهومياً، لتقوم الاستحاضة التي هي موضوع الأحكام بخروج الدم من دون حيض أو نفاس.
وأخرى: يكون واقعياً خارجياً، بأن تكون عبارة عن خروج دم خاص مباين لدم الحيض والنفاس، من دون أن يؤخذ في مفهومه عدمهما، كما لم يؤخذ في مفهومهما عدمه، غاية الأمر أن دم المرأة لا يخرج عن الدماء الثلاثة .
وثالثة: يكون ظاهرياً شرعياً، بمعنى أن الدم لا يحكم عليه شرعاً بأنه حيض أو نفاس أو حكم معه بعدمهما يحكم معه ظاهراً بالاستحاضة، فيترتب عليه أحكامها، وإن أمكن ثبوتاً كونه دماً رابعاً واحتمل ذلك.
وعلى الأول يكفي البناء على الاستحاضة التعبد بعدم الحيض والنفاس باستصحاب أو غيره، حيث يتعبد بسببه بالاستحاضة فتترتب أحكامها. ولا يعارضه أصالة عدم الاستحاضة، لأنه مسببي بالإضافة إليه.
وكذا على الثالث، لأن التعبد بعدم الحيض والنفاس تعبد بموضوع الحكم الظاهري بالاستحاضة وإن لم تحرز حدودها المفهومية، نظير استصحاب عدالة الشاهد بالنجاسة بالإضافة إلى الحكم بها.
أما على الثاني فلا مجال للبناء على الاستحاضة إلا مع إحراز عدم الحيض والنفاس بالوجدان أو بقاعدة تنهض بإثبات اللوازم الخارجية لمؤداها، دون مثل الاستصحاب.
نعم، حيث كان مقتضى استصحاب عدم الحيض والنفاس ثبوت أحكام الطاهر، ولا يعارضه استصحاب عدم الاستحاضة في ذلك، لعدم تبعية ارتفاع أحكام الطاهر لعدم الاستحاضة شرعاً، بل للحيض والنفاس الملازمين له خارجاً، فاللازم البناء على ثبوت الأحكام المذكورة، ومنها وجوب الصوم والصلاة. غايته أن مقتضى استصحاب عدم الاستحاضة صحتهما بدون القيام بوظيفتها، وحيث يعلم بكذب ذلك وبطلانهما حينئذٍ إما لثبوت الحيض أوالنفاس أو لثبوت الاستحاضة،
ص 144
يتعين سقوط الأصل المذكور.
وقد تقدم توضيح ذلك عند الكلام في اعتبار التوالي في أقل الحيض. فراجع. ومنه يظهر حال ما ذكره سيدنا المصنف(قدس سره) من أنه بناء على الوجه المذكور فأصالة عدم كون الدم حيضاً لا تثبت كونه استحاضة، بل هي معارضة بأصالة عدم الاستحاضة. فإن عدم إثبات أصالة عدم كون الدم حيضاً لكونه استحاضة وإن كان تاماً، إلا أن معارضتها بأصالة عدم كونه استحاضة غير تامة، لسقوط الثانية بالعلم بكذب مؤداها، كما ذكرنا. وعليه لا أثر عملي للفرق بين الوجهين الأولين.
كما أنهما يشتركان في أنه يتعين البناء على الاستحاضة في ظرف ثبوت عدم حيضية الدم، فتترتب أحكامها مطلقاً من دون نظر للسن، لما سبق من عدم خصوصيته في سببيتها للحدث عرفاً، أما على الثالث فهو تابع لعموم دليل التعبد الظاهري بالاستحاضة عند عدم الحيض، إذلا استبعاد في اختصاص التعبد المذكور ببعض الأحوال، لاختصاص منشئه من غلبة أو نحوها به.
ومنه يظهر الإشكال فيما ذكره سيدنا المصنف(قدس سره) حيث بنى على الوجه الثاني مستدلاً عليه بالنصوص، ثم قال: «نعم، النصوص جميعها موردها البالغة غير اليائسة،فتعميم الحكم لدم غيرها غير ظاهر».
إذ فيه: أنه مع فرض الانحصار فتعذر الحيض والنفاس في اليائسة والصغيرة مستلزم لكون الدم استحاضة. اللهم إلا أن يبنتني على احتمال اختصاص الانحصار بالبالغة غير اليائسة، وأن هناك دم آخر تبتلى به الانثى قبل بلوغها ثم ينقطع عنها بالبلوغ ويعود إليها باليأس. لكنه كما ترى بعيد جداً، بل لا يعتد به عرفاً بنحو يمنع من فهم عموم الانحصار من الأدلة. فلاحظ.
إذا عرفت هذا، فقد صرح الأصحاب(رضي الله عنهم) بالانحصار المشار إليه في الجملة بنحو يظهر في المفروغية عنه. قال في القواعد: «وكل ما ليس بحيض ولا قرح ولا جرح فهو استحاضة، وإن كان مع اليأس»، وتستفاد هذه الكلية من جملة من الكتب
ص 145
كالشرايع والنافع والإرشاد وجامع المقاصد والروض وكشف اللثام وما تقدم عن نهاية الأحكام ومحكي التحرير والبيان والكفاية وغيرها، مع التنبيه في بعضها إلى استثناء النفاس، وفي آخر إلى أن عدم استثنائه لمعلوميته أو لإلحاقه بدم الحيض، وفي جملة منها التنبيه إلى التعميم لما قبل البلوغ، كما تقدم، وعن شرح المفاتيح نسبة هذه الكلية للفقهاء، بل في الجواهر أنه يظهر منه دعوى الإجماع على انتفاء دم آخر غير الدماء المذكورة.
وهو غير بعيد، بلحاظ أن اهتمامهم بتحديد مصاديق دم الحيض والنفاس والعذرة والقرحة وذكر الضوابط لها في مقام العمل وعدم اهتمامهم بذلك في دم الاستحاضة واقتصارهم على الحكم بها في موارد عدم الحيض والنفاس ظاهر في مفروغيتهم عن عمومها لكل دم يباين الدماء المذكورة، وأنه ليس هناك دم لا يحكم بأحكامها ليتوقف عن الحكم بالاستحاضة عند انتفاء الحيض والنفاس والقرح والجرح.
ويمكن استفادة هذه الكلية بعد النظر في النصوص الحاكمة بالاستحاضة أو بأحكامها مع خروج الدم بمجرد عدم كونه حيضاً أو نفاساً، كنصوص الاستظهار، ومستمرة الدم، ومن يتقطع عليها الدم، والنفساء، ومن ترى الدم قبل مضي أقل الطهر، والحامل التي لا يحكم على دمها بالحيضية، وهي كثيرة لا مجال لاستقصائها، وقد تقدم جملة منها في محالها المناسبة، كما ذكر وأشار إلى جملة منها سيدنا المصنف(قدس سره) هنا. فلتلحظ في الأبواب المناسبة من الوسائل.
وهذه النصوص وإن اختص أكثرها أو كلها بموارد خاصة إلا أن إلغاء خصوصية تلك الموارد عرفاً قريبة جداً بعد كثرتها والمفروغية عن التعدي عنها في الجملة، حيث يستفاد منها العموم لكل مورد يخرج فيه الدم الذي ليس بحيض ولا نفاس.
ولما كانت ظاهرة في أن الحكم على المرأة بأنها مستحاضة ذات وظائف خاصة واقعي بسبب الدم الخاص الموجب للحدث، ولا ظاهري بسبب الشك في نوعه، كان لازم ذلك انحصار الدم بالحيض والنفاس والاستحاضة، وحيث سبق أن احتمال
ص 146
اختصاص الانحصار المذكور بحال دون حال غير عرفي كان المتحصل منها انحصار دماء الأنثى بالدماء المذكورة كما فهمه الأصحاب وجروا عليه.
بل التصدي في النصوص لتحديد الحيض والنفاس وجعل الظوابط لهما دون الاستحاضة شاهد المفروغية عن ذلك ووضوحه عند المتشرعة حتى لا يحتاج إلى بيان. بل لا يبعد كونه كذلك عند العرف لأن الظاهر متابعة المتشرعة لهم في المعنى إذا لم يتصد الشارع الأقدس لشرحه وتحديده. وبذلك يظهر أنه لا مجال لابتناء الانحصار المذكور على الوجه الثالث، بل يتردد بين الوجهين الأولين.
هذا، وقد يقرب الوجه الثاني بما ذكره غير واحد من اللغويين من أن دم الاستحاضة يخرج من عرق العاذل، إذ مقتضاه أنه دم مخصوص في قبال دم الحيض لم يؤخذ عدم أحدهما في مفهوم الآخر.
لكنه يندفع بأن ظهور النصوص المتقدمة في انحصار دم المرأة بالحيض أو النفاس والاستحاضة لا يناسب ذلك، حيث يبعد جداً عدم خروج الدم غير الطبيعي للمرأة والذي هو من سنخ المرض لها إلا من عرق واحد مع تعرضها كسائر الناس لشتى أنواع المرض ونحوه من أسباب خروج الدم.
بل هو لا يناسب قوله(عليه السلام) في مرسلة يونس الطويلة: «وكذلك أفتى أبي(عليه السلام) وسئل عن المستحاضة فقال: إنما ذلك عرق عابر [غابر. عايذ] أو ركضة من شيطان»(1)، وفي مرسلته القصيرة: «فذلك اليوم واليومان الذي رأته لم يكن من الحيض، إنما كان من علة إما من قرحة في جوفها وإما من الجوف»(2)، بناء على كون الدم المذكور في الثانية استحاضة، لدلالتها على عدم اختصاص الاستحاضة بعرق خاص.
ولعله لذا أطلق بعض اللغويين أن المستحاضة هي التي يخرج دمها من غير عرق الحيض. بل لا يبعد رجوع التعريف الأول إليه، لما هو المعلوم من عدم تيسر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل باب:5 من أبواب الحيض حديث:1.
(2) الوسائل باب:12 من أبواب الحيض حديث:2.
ص 147
إدارك العرق الخاص، فضلاً عن خروج الدم منه في تلك العصور، خصوصاً للعامة، وإنما المدرك لهم خروج الدم عن الوضع الطبيعي ومباينته للحيض، فلولا عموم الاستحاضة عندهم لكل دم خارج من الرحم غير الحيض والنفاس لم يتيسر لهم تشخيصها، وسهولة تشخيصها عليهم شاهد بعموم مفهومها، وإنما نسبوها للعرق الخاص من باب الحدس والتخمين.
لكن عموم دم الاستحاضة لا يكفي في إثبات الوجه الأول، لإمكان أن يراد بها كل دم خارج عن طبيعة المرأة من أي منبع يخرج، فيقابل الحيض والنفاس من دون أن يؤخذ عدمهما في مفهومه، وأخذ عدمهما في مفهومها كأخذ عدمها في مفهومها يبتني على عناية تحتاج إلى دليل.
نعم، لو كان لسان أدلة أحكام الاستحاضة ثبوتها في كل دم، وكان خروج دم الحيض والنفاس عنها بلسان التخصيص اتجه أخذ عدمهما في موضوع أحكام الاستحاضة، بنحو يكفي في ترتيبها إحراز عدمهما بالأصل، بناء على ما هو التحقيق من أن أصالة عدم عنوان الخاص تكفي في إثبات حكم العام. إلا أن من الظاهر عدم كون الأدلة بهذا اللسان، بل هي واردة على عنوان الاستحاضة.
ومن هنا لا طريق لإثبات الوجه الأول، بل يتردد الأمر بينه وبين الثاني. لكن يهون الأمر عدم الفرق بين الوجهين عملاً، كما سبق.