مصباح المنهاج، طهارة

السيد محمد سعيد الحكيم ج 3

===============

( 3 )

مصباح المنهاج كتاب الطهارة تأليف السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم الجزء الثالث مؤسسة المنار

===============

( 4 )

الطبعة الاولى 1417 ه‍ - 1996 م حقوق الطبع محفوظة اسم الكتاب: مصباح المنهاج - كتاب الطهارة / ج 3 اسم المؤلف: السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم الفلم والالواح الحساسة: بيان المطبعة: ياران الكمية: 1000 نسخة السعر: 800 تومان الناشر: مكتب سماحة آية الله العظمى السيد الحكيم

===============

( 5 )

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا (محمد) وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين

===============

( 7 )

الفصل الرابع في أحكا م الخلل [ مسألة 75: من تيقن الحدث (1) وشك في الطهارة تطهر (2)، وكذا لو ظن الطهارة (3) ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين (1) وكذا لو أحرزه بأمارة أو أصل، لما هو المتسالم عليه ظاهرا من جريان استصحاب مؤدى الأمارة والأصل. وأوضح وجهه في محله. (2) إجماعا، كما في المعتبر والمنتهى وكشف اللثام وغيرها، بل في المدارك: أنه إجماعي بين المسلمين، ويقتضيه عموم أدلة الاستصحاب، ولولاه لكان اللازم الرجوع في كل حكم من أحكام الطهارة والحدث للأصل الجاري فيه. ففيما إذا كانت الطهارة شرطا في المكلف به أو الحدث مانعا منه، كالصلاة، يكون مقتضى أصالة الاشتغال فيه لزوم إحراز الطهارة أو عدم الحدث، لعدم إحراز الفراغ عنه بدون ذلك. وفيما. إذا كان الحدث شرطا في التكليف، كحرمة مس الكتاب، يكون مقتضى أصالة البراءة عدم الاعتناء باحتمال التكليف مع احتمال الحدث، فلا ملزم بالطهارة. (3) كما صرح به غير واحد، لعموم أدلة الاستصحاب، لظهور أن المراد

===============

( 8 )

[ ظنا غير معتبر شرعا (1)، ولو تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على الطهارة (2) ] بالشك فيها ما يقابل اليقين، لمقابلته به فيها، وورود بعضها في مورد الظن بانتقاض الخالة السابقة، ولأنه معناه لغة وعرفا، كما صرح به جماعة من اللغويين وتشهد به الاستعمالات الكثيرة. وتخصيصه بتساوي الطرفين اصطلاح متأخر على الظاهر. مضافا إلى اشتمالها على حصر الناقض لليقين باليقين. وتفصيل ذلك في الأصول. ومنه يظهر ضعف ما عن بعض المتأخرين من الاشكال في ذلك بأن الحكم بعدم نقض اليقين بالشك دال بالمفهوم على جواز نقضه بالظن، وهو الذي قد يظهر من الشيخ قدس سره في النهاية، حيث ذكر أن من شك في الوضوء والطهارة وتساوت ظنونه وجب عليه الطهارة، إذ قد يظهر في عدم وجوبها لو كان احتمال وجود ها أرجح. فيتعين حمل ما ذكره بعد ذلك من وجوب الطهارة على من شك فيها بعد اليقين بالحدث على غير صورة الظن بها. اللهم إلا أن يكون مراده من العمل بظن الطهارة ما إذا لم يسبق باليقين بالحدث، وإن كان الفرض المذكور بعيدا أو ممتنعا عادة، فيخرج عما نحن فيه، وإن كان في غير محله أيضا، لعدم الدليل على حجية الظن. (1) أما لو كان معتبرا فيلزم رفع اليد عن الاستصحاب به بلا إشكال ظاهر، وإنما الاشكال في وجهه، وإن كان الظاهر أنه يبتني على وروده عليه بنحو من أنحاء الورود، على ما ذكرناه في محله. (2) إجماعا، كما في الخلاف والمعتبر والمنتهى وغيرها. ويقتضيه - مضافا إلى عمومات الاستصحاب - النصوص الكثيرة، كصحيح

===============

( 9 )

[ وإن ظن الحدث (1) ظنا غير معتبر شرعا ]. زرارة الوارد فيمن شك في النوم، وفيه: " قلت: فإن حرك على جنبه شئ ولم يعلم به؟ قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك أمر بين... " (1). وموثق بكير: " قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إذا استيقنت أنك قد أحدثت فتوضأ، وإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت " (2). وصحيح عبد الرحمن: " أنه قال للصادق عليه السلام: أجد الريح في بطني حتى أظن أنها قد خرجت، فقال: ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت أو تجد الريح " (3)، وغيرها. وأما ما في خبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: " سألته عن رجل يكون على وضوء، فيشك على وضوء هو أم لا. قال: إذا ذكر وهو في صلاته انصرف فتوضأ وأعادها، وأن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك " (4)، فلا مجال للخروج به عما سبق، بل لابد من طرحه، أو حمله على الشك الساري، وأما حمله على الاستحباب فهو لا يناسب النصوص السابقة، ولا سيما موثق بكير. نعم، يخرج عن ذلك ما لو استند الشك لخروج البلل المشتبه قبل الاستبراء، كما تقدم في الفصل الرابع من أحكام الخلوة. (1) كما صرح به غير واحد، خلافا لابن حمزة في الوسيلة، فأوجب الطهارة مع ظن الحدث. وللبهائي في الحبل المتين، حيث ذكر أن المدار في العمل باستصحاب الطهارة على الظن ببقائها، وربما يكون مراده ذلك في استصحاب الخدث أيضا،


____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7. (3) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5. (4) الوسائل باب: 44 من أبواب الوضوء حديث: 2.

===============

( 10 )

[ مسألة 76: إذا تيقن الحدث والطهارة وشك في المتقدم والمتأخر، فإن علم تأريخ الطهارة لم يلتفت وبنى على الطهارة (1) ]. لظهور كلامه في أن منشأ ذلك ابتناء حجية الاستصحاب على إفادته الظن. وكيف كان، فلا مجال لذلك بالنظر لما تقدم من عموم أدلة الاستصحاب للظن بانتقاض الحالة السابقة، فضلا عن عدم الظن ببقائها، بل النصوص المتقدمة وغيرها صريحة في عدم الاعتداد بظن الحدث في قبال استصحاب الطهارة - الذي هو مورد كلامهما - ولذا حكي الرجوع لاستصحاب الطهارة فيه عمن تقدم منه الاشكال في الرجوع لاستصحاب الحدث مع ظن الطهارة. (1) كما يظهر من شيخنا الاعظم قدس سره في أصوله وبعض من تأخر عنه، لاستصحاب الطهارة غير المعارض باستصحاب الحدث، للجهل بتأريخه، على ما أوضحناه في مبحث الاستصحاب من الاصول بما لا مجال لاطالة الكلام فيه هنا. خلافا لظاهر المشهرر - كما قيل - حيث أطلقوا وجوب الطهارة مع الجهل بالمتقدم من الحدث والطهارة، من دون تفصيل بين العلم بتأريخ أحدهما وعدمه، للوجه الآتي. لكن لا يبعد انصراف كلامهم لصورة الجهل بتأرخهما معا ودخول صورة العلم بتأريخ الطهارة في فرض الشك في طروء الحدث، الذي تقدم منهم البناء فيه على الطهارة، لان فرض الجهل بتقدم كل منهما منصرف لفرض الجهل بتاربخهما معا، أما مع فرض العلم بتأربخ أحدهما فالأنسب التعبير بالجهل بتقدم الآخر وتأخره لا غير، لكن ظاهر الجواهر إرادتهم بالاطلاق المذكور ما يعم ذلك. وقد يستدل عليه بإطلاق ما تضمن وجوب الوضوء عند اليقين بالحدث من النصوص المتقدمة وغيرها، المعتضدة بإطلاق الرضوي: " وإن كنت على يقين من الوضوء والحدث ولا تدري أيهما أسبق فتوضأ " (1).


____________
(1) مستدرك الوسائل باب: 38 من أبواب الوضوء حديث: 1.

===============

( 11 )

وبإطلاق وجوب الوضوء لغاياته، خرج منه من علم بتطهره، وبقي الباقي. وبإطلاق سببية الاحداث للوضوء، حيث يجب بمقتضاه الوضوء عقيب الحدث المتيقن، والمفروض عدم إحراز الوضوء عقيبه. ويندفع الاول: بأن النصوص المذكررة غير مسوقة لبيان وجوب الوضوء تعبدا، كوجوب الكفارة بأسبابها، لتشمل ما نحن فيه، بل لاجل رافعيته للحدث وسببيته للطهارة. كما أنها ليست واردة لبيان وجوب الوضوء ظاهرا بمجرد اليقين بسبق الحدث وإلغاء احتمال ارتفاعه، لانها مسوقة للتعبد ببقاء الطهارة عند الشك دون العكس، بل هي واردة مورد المفروغية عن رفع الوضوء للحدث المتيقن، فلا تنهض بإثبات وجوب الوضوء في فرض احتمال ارتفاع الحدث وفعلية الطهارة، فضلا عما لو أحرز عدم الحدث بالاستصحاب، كما ذكرنا، ولاسيما مع تضمن بعض النصوص المذكورة الاشارة إلى كبرى الاستصحاب. والرضوي - مع عدم صلوحه للاستدلال - منصرف لصحورة الجهل بالتأريخين معا، لما تقدم في وجه انصراف إطلاق الاصحاب، ولا سيما مع التعرض في صدره وذيله لتطبيق كبرى الاستصحاب عند الشك في الحدث واليقين بالوضوء، بنحو يظهر منه عدم الخروج عنها في الفقرة المذكورة. فراجع. والثاني: بأن الخارج عن العموم هو المتطهر واقعا، لا من علم بالطهارة، فالتمسك به مع الشك فيها من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف الخاص، الذي لا يصح على المشهور المنصور. بل لما كان مرجع أدلة وجوب الوضوء للغايات هو اعتبار الطهارة فيها لكونه سببا لها، كان موضوعه المحدث، فالتمسك به مع الشك فيه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف العام، الذي لا يصح بلا كلام. مع أن مقتضى استصحاب الطهارة عدم تحقق موضوع الوضوء. ومنه يظهر الجواب عن الثالث، فإنه إذا كان وجوب الوضوء عقيب الاسباب

===============

( 12 )

[ وإن علم تأريخ الحدث، أو جهل تأريخهما جميعا تطهر (1) ]. لاجل رفعه للحدث المسبب عنها، كان استصحاب الطهارة محرزا لعدم موضوع الوضوء كي تجري قاعدة الاشتغال به. هذا، وعن بعغر متأخري المتأخرين منهم السيد الطباطبائي في منظومته أنه مع العلم بتاريخ أحد الحادثين يحكم بتأخر المجهول منهما طهارة كان أو حدثا. وفيه: أن الاصل إنما يقتضي عدم تحقق المجهول إلى حين تحقق المعلوم، ولا يحرز عنوان تأخره عنه، فلا مخرج عما ذكرنا. (1) أما مع العلم بتأريخ الحدث، فلاستصحابه غير المعارض باستصحاب الطهارة، للجهل بتأريخها، كما سبق في نظيره. وأما مع الجهل بالتأريخين، فهو المتيقن من إطلاقهم وجوب الطهارة مع الجهل بالمتقدم منها ومن الحدث، كما في المقنع والمقنعة والتهذيب والنهاية والمبسوط وإشارة السبق والمراسم والوسيلة والشرائع والمنتهى واللمعة، وعن المهذب والسرائر والذكرى وغيرها، بل في المنتهى والروضة وعن جماعة أنه المشهور، وفي كشف اللثام وعن التذكرة نسبته إلى أكثر علمائنا، وعن الذكرى نسبته للاصحاب، وفي جامع المقاصد نسبته لمتقدميهم. لقاعدة الاشتغال بعد عدم الرجوع للاستصحاب، إما لعدم جريانه ذاتا في مجهولي التاريخ - كما عرفت - أو لسقوطه فيهما بالمعارضة، كما عن المشهرر، وإن لم يتضح حال النسبة، لعدم تعرض كثير منهم للاستصحاب، وإنما عللوا بلزوم إحراز الطهارة. نعم، أشرنا آنفا إلى أن قاعدة الاشتغال إنما تجري في مورد تكون الطهارة أو عدم الحدث قيدا في المكلف به، كما هو مقتضى. ما ذكره غير واحد من لزوم إحراز الصلاة عن طهارة، وأما لو كان الحدث قيدا في

===============

( 13 )

التكليف - كحرمة مس المصحف - فمقتضى الاصل البراءة من التكليف، ولا ملزم بالطهارة. هذا، وفي المعتبر وجامع المقاصد وعن حاشية الشرائع اختصاص ذلك بما إذا لم يعلم الحال المتقدم عليهما، وإلا أخذ بضده، بدعوى رجوعه لليقين بذلك الضد والشك في انتقاضه، للعلم بانتقاض الحال السابق بثبوت الضد، فيستصحب، ولا يعارض باستصحاب الحال السابق، للعلم بانتقاضه، ولا باستصحاب مثله للشك في ثبوته، لاحتمال كون ما علم من سبب المجانس للحال السابق واردا عليه قبل انتقاضه. وفيه - بعد تسليم جريان الاستصحاب في مجهول التأريخ -: أنه لا دخل لخصوصية الاتحاد مع الحال السابق والمماثلة له في موضوع الاثر، ليتعذر استصحاب السنخ بسبب عدم تمامية ركني الاستصحاب في كل منما، بل موضوعه سنخ الحال - من الطهارة أو الحدث - من حيث هو، فلا مانع من استصحابه من حين حدوث سببه المعلوم، للعلم بوجوده والشك في انتقاضه، فيعارض استصحاب الضد. وتمام الكلام فيه في مبحث الاستصحاب من الاصول. وعن العلامة قدس سره استصحاب نفس الحالة السابقة على الحالتين المعلومتين، وهو بظاهره ظاهر الضعف، إذ لا معنى لاستصحابها مع العلم بانتقاضها. لكن ظاهر ما ذكره في غير واحد من كتبه هو فرض كون الحدث ناقضا لطهارة، والطهارة رافعة لحدث، فيخرج عن الشك - الذي هو محل الكلام - إلى القطع بثبوت مثل الحالة السابقة، فلا استصحاب، كما حكي عن بعض تصريحاته. إلا أن يفرض احتمال طروء الناقض للحالة الأخيرة منهما، كما قد يظهر من محكي المختلف. لكن لا مجال حينئذ لعده من استصحاب الحالة السابقة على الحالتين

===============

( 14 )

[ مسألة 77: إذا شك في الطهارة بعد الصلاة أو غيرها مما يعتبر فيه الطهارة بنى على صحة العمل (1)، وتطهر لما يأتي (2). ] المعلومتين، بل هو من استصحاب مثلها الحادث بعد نقضها، ويدخل في المسألة السابقة المفروض فيها الشك في الطهارة بعد يقين الحدث، أو في الحدث بعد يقين الطهارة، التي عرفت عدم الاشكالى في جريان الاستصحاب فيها. (1) لقاعدة عدم الاعتناء بالشك الذي مضى محله، المعول عليها عند الاصحاب، والتي يرجع إليها - على الظاهر - كل من قاعدتي الفراغ والتجاوز المذكورتين في كلام بعضهم. ويشهد بها النصوص الكثيرة العامة والخاصة، ففي موثق محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " كلما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو " (1). وفي صحيحه: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة. قال: يمض (يمض. يب) على صلاته ولا يعيد، (2)، ونحوه خبر علي ابن جعفر المتقدم، بناء على حمله على الشك الساري. (2) لاستصحاب الحدث، أو قاعدة الاشتغال به - لو فرض عدم جريان الاستصحاب للجهل بألتاربخ أو نحوه - بعد عدم جريان القاعدة المتقدمة بالاضافة لما يأتي، لعدم مضيه. ودعوى: أنه بناء على ما لعله الظاهر من كون القاعدة تعبدية بل إحرازية فجريانها في الصلاة السابقة يقتضي التعبد بالطهارة وإحرازها، ومع إحرازها يتعين جواز الدخول في بقية الغايات. مدفوعة: بأن كونها إحرازية إنما يقتضي إحراز الطهارة بالاضافة للجهة التي يصدق مضي محل الشك بلحاظها، وهي صحة العمل المشروط بها المفروض


____________
(1) الوسائل باب: 23 من أبواب نالخلل الواقع تنفى الصلاة حديث: 3 (2) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حدبث: 5.

===============

( 15 )

[ من دون فرق بين تقدم منشأ الشك على العمل، بحيث لو التفت إليه قبل العمل لشك (1)، وغيره، وإن كان الاحوط استحبابا في الاول الاعادة. ] مضيه، لا مطلقا ومن جميع الجهات، ليمكن إجراز تمام الطهارة، ومنها جواز الدخول فيما يأتي، بضميمة الملازمة الشرعية بين وجود الطهارة وبقائها، على ما يذكر مفصلا عند الكلام في القاعدة المذكورة. ومما ذكرنا يظهر أنه لا ينفع في جواز الدخول في الغايات اللاحقة دعوى: أن الصلاة ونحوها مترتبة على الوضوء، فبالدخول فيها يحرز الوضوء الذي هو شرط في الصلاة الآتية ونحوها، إذ لو تمت الدعوى المذكورة فالترتب بين الصلاة والوضوء - مثلا - إنما هو بلحاظ شرطيته فيها، لا لانه مشرع قبلها ذاتا - نظير تشريع صلاة الظهر قبل العصر - والشرطية المذكورة إنما تقتضي كون الدخول في الصلاة محرزا للوضوء لها من حيثية شرطيته فيها، لا مطلقا، لينفع في الدخول في غيرها. على أن الدعوى المذكورة غير تامة في نفسها، لان الترتب بين الوضوء والصلاة ليس شرعيا، بل عقليا، بلحاظ أخذ الطهارة المسببة عن الوضوء شرطا في الصلاة، كما هو مقتضى الجمع بين ما تضمن الامر به وما تضمن شرطية الطهارة. (1) فيكون عدم الشك للغفلة عن منشئه، لا لعدم تحقق منشئه بحيث يحتمل القصد لتتميم العمل والتحفظ من جهة الشك حين الانشغال به. والظاهر أنه قدس سره أشار بذلك للقول بعدم جريان القاعدة في فرض الغفلة عن منشأ الشك، بحيث لو حصل المشكوك لكان حصوله اتفاقيا، لا بمقضى القصد الارتكازي التابع لكون المكلف في مقام الامتثال، كما لو فرض غفلة المكلف عن اعتبار الطهارة في الصلاة، واحتمل بعد الصلاة حصول الطهارة حينها اتفاقا وبلا قصد. وقد يوجه بابتناء القاعدة على الجري على ظهور حال الممتثل في

===============

( 16 )

[ مسألة 78: إذا شك في الطهارة في أثناء الصلاة مثلا قطعها وتطهر (1)، ] المحافظة على تمام ما هو الدخيل في الامتثال، وهو لا يتم في فرض الغفلة. مضافا للتعليل في بعض النصوص بأنه حين العمل أذكر منه حين يشك (1)، وبأنه حين الفراغ أقرب إلى الحق منه بعد ذلك (2). لكن لا طريق لاحراز ابتناء القاعدة على ملاحظة الظهور المذكرر، ليتعين تنزيل عموم أدلتها عليه على مورده، بل قد يبتني على مصلحة التسهيل والارفاق بالمكلفين، لأن الاعتناء بالشكوك المتجددة التي مضى محلها منشا للضيق والحرج، إذ البعد عن الشئ موجب لكثرة الشك فيه. كما لا مجال لتخصيص العموم المذكور بالتعليل المشار إليه، لعدم ظهور دليله في التعليل بالعلة المنحصرة التي يدور الحكم مدارها وجودا وعدما، فلا مخرج عن العموم. ولا سيما بملاحظة صحيح الحسين بن أبي العلاء: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخاتم إذا اغتسلت. قال: حوله من مكانه. وقال في الوضوء: تدره، فإن نسيت فلا آمرك أن تعيد الصلاة " (3)، لوضوح أن وصول الماء لما تحت الخاتم مع نسيان إدارته اتفاقي لا يستند لقصد المتوضئ الارتكازي. وقد فصلنا الكلام في ذلك عند الكلام في القاعدة، في خاتمة الاستصحاب من الاصول. (1) يظهر وجهه مما تقدم، من أن جريان القاعدة مع الشك في الشرط بلحاظ مضيه تبعا للمشروط إنما يقتضي إحرازه من حيثية المشروط الذي مضى،


____________
(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 7. (2) الوسائل باب: 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 3. (3) الوسائل باب: 41 من أبواب الوضوء حديث: 2.

===============

( 17 )

[ واستأنف الصلاة (1). مسألة 79: لو تيقن الاخلال بغسل عضو أو مسحه أتى به (2) ] لا مطلقا بلحاظ جميع الآثار، فلا محرز للطهارة بالاضافة لبقية أجزاء الصلاة، بل مقتضى استصحاب الحدث أو قاعده الاشتغال بالطهارة لزوم إحراز الطهارة لها. نعم، بناء على أن الشرطية تقتضي الترتب بين الوضوء وتمام الصلاة، فالدخول في الصلاة يحرز الوضوء لها بتمامها، المتتضي لجواز إكمالها، نظير ما لو شك في الاذان والاقاقة بعد الدخول في الصلاة. لكن عرفت عدم تمامية ذلك، وأن الشرط في تمام الصلاة هو الطهارة حينها، والترتب بينها وبين الوضوء عقلي لا شرعي. (1) هذا ظاهر، بناء على ما هو المعروف - على الظاهر - من أن الشرط في تمام الصلاة هو استمرار الطهارة من أولها لآخرها، حتى في الأكوان المتخللة بين الاجزاء، المستلزم لكون الحدث قاطعا لها، لعدم المحرز للطهارة حال الشك، لعدم مضيه، ويعضده خبر علي بن جعفر المتقدم في المسألة الخامسة والسبعين، بناء على حمله على الشك الساري. نعم، لو فرض اليقين بالطهارة في الحال - المذكور، لتجديد الطهارة في أثناء الصلاة قبل تحقق الشك المذكور، اتجه عدم الاستئناف، لمضي محل الشك. وكذا بناء على أن المعتبر هو الطهارة في خصوص حال الانشغال بالاجزاء دون الأكوان المتخللة بينها، إذ يكفي حينئذ الطهارة لما يأتي. نعم، لا مجال للتقرب بالطهارة بلحاظ الامر بالاتمام، إما لتحقق الطهارة سابقا، أو لعدم مشروعية الاتمام، لبطلان ما مضى، بمقتضى الارتباطية، بل لابد من التقرب بلحاظ أمر آخر، كالكون على الطهارة. (2) إجماعا محصلا ومنقولا، كذا في الجواهر. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاقات الوضوء - غير واحد من النصوص، ففي

===============

( 18 )

[ وبما بعد ه، مراعيا للترتيب (1)، والموالاة (2)، ] صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " إن تيقنت أنك لم تتم وضوءك، فأعد على ما تركت يقينا حتى تأتي على الوضوء " (1)، ونحوه غيره. (1) وهو مذهب أهل البيت، كما عن الذكرى، وإجماعي، كما عن شرح المفاتيح، وعن التذكرة نفي الخلاف فيه. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاقات الترتيب، المعتضدة بما تضمن وجوب تداركه عند عكسه - غير واحد من النصوص الواردة في ناسي بعض الاعضاء، ففي موثق زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: وإن نسي شيئا من الوضوء المفروض، فعليه أن يبدأ بما نسي ويعيد ما بقي، لتمام الوضوء " (2)، ونحوه غيره. نعم، تقدم عند الكلام فيمن عكس الترتيب بعض النصوص الموهمة لخلاف ذلك، والجواب عنها - كما تقدم هناك أيضا عن ابن الجنيد - سقوط الترتيب لو كان المتروك دون الدرهم، وتقدم ضعفه. (2) وهو مذهب أهل البيت، كما عن الذكرى، وإجماعي، كما عن شرح المفاتيح. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق بعض أدلة الموالاة - صحيح حكم بن حكيم: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن نسي من الوضوء الذراع والرأس. قال: يعيد الوضوء، إن الوضوء يتبع بعضه بعضا " (3) بعد تنزيل الاتباع على ما يساوق عدم الجفاف، كما سبق عند الكلام في الموالاة. وعليه ينزل موثق سماعة عنه عليه السلام: " قال: من نسي مسح رأسه أو قدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله تعالى في القرآن " كان عليه إعادة الوضوء


____________
(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 35 من أبواب لموضوء حديث: 4. (3) الوسائل باب: 33 من أبواب الوضوء حديث: 6.

===============

( 19 )

[ وغير هما من الشرائط (1)، وكذا لو شك في فعل من أفعال الوضوء قبل الفراغ منه (2)، ] والصلاة " (1)، كما هو المناسب لفرض إعادة الوضوء فيه. نعم، المعيار في الموالاة في سائر الاعضاء على جفاف تمام أعضاء الوضوء. أما في نسيان المسح فيكفي فيها بقاء البلل في مسترسل اللحية الخارج عن الحد، مع عدم وجوب غسل باطنها في الحد فضلا عن خارجه، كما تقدم. (1) لعموم أدلتها الشامل لحال النسيان. (2) كما هو المصرح به في جملة من كتب الاصحاب القدماء منهم والمتأخرين، كالهداية والغقيه والمقنعة والنهاية والمبسوط والتهذيب والغنية والمراسم وإشارة السبق والوسيلة والمعتبر والشرائع والنافع والمنتهى والقواعد والارشاد واللمعتين والروض، وظاهر الكليني في الكافي، وعن المهذ ب والسرائر والجامع والكافي لابي الصلاح والدروس والذكرى وغيرها. ونسبه في الرياض لظاهر الاصحاب، واستظهر في الحدائق عدم الخلاف فيه، وفي كشف اللثام الاجماع عليه، بل جزم بالاول في المدارك والمفاتيح ومحكي الذخيرة، وبالثاني في المستند ومحكي شرحي الدروس والمفاتيح، بل في الاخير حكاية دعواه عن جماعة، وفي مصباح الفقيه دعوى استفاضة نقله. نعم، قال الصدوق في المقنع: " وإن شككت بعدما صليت فلم تدر توضأت أم لا، فلا تعد الوضوء ولا الصلاة. ومتى شككت في شئ وأنت في حال أخرى فامض ولا تلتفت إلى الشك ". إطلاق ذيله ينافي ذلك، وإن لم يبعد تنزيله على الشك بعد الانتقال من الوضوء، تأكيدا لما في الصدر، ولا سيما بعدما عرفت منه ومن غيره.


____________
(1) الوسائل باب: 35 من أبراب الوضوء حديث: 5.

===============

( 20 )

ويدل على ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا، فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى الله مادمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها، فشككت في بعض ما سمى الله مما أوجب الله عليك فيه وضوء، لا شئ عليك فيه " (1). وبه ترفع اليد عن عموم قاعدة عدم الاعتناء بالشك الذي مضى محله، حيث تقتضي عدم الاعتناء بالشك في الشئ بعد الدخول فيما يترتب عليه مما يتحقق معه مضي محله، الذي هو مفاد قاعدة التجاوز عندهم. ومن ثم قيل بعدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء للصحيح المذكور. وأما دعوى: قصور العموم المذكور عن الشك في أثناء العمل، وأن ما دل عليه مختص بأجزاء الصلاة فلا يحتاج للصحيح المذكور، كما ذكره الفقيه الهمداني وبعض الاعاظم، ويناسبه استدلال بعض الاصحاب في المقام بأصالة عدم الاتيان بالمشكوك وعدم الخروج عن يقين الحدث إلا بيقين، لظهوره في موافقة الصحيح للقواعد. فهي ممنوعة، لعموم أدلة القاعدة، على ما ذكرنا عند الكلام فيها. فالعمدة في الخروج عنها هو الصحيح المذكور. لكن قد ينافيه موثق ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ، إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " (2)، لظهور ضمير " غيره " في الرجوع ل‍ " شئ " - الذي هو البعض، بمفتضى ظهور " من " في التبعيض - لانه المتبوع دون الوضوء، وإن كان أقرب، لان جهة المتبوعية والتابعية أولى بالملاحظة عرفا من جهة القرب والبعد، كما ذكره


____________
(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 2.

===============

( 21 )

سيدنا المصنف قدس سره. بل لا ينبغي التأمل فيه بملاحظة الذيل الظاهر في اعتبار عدم التجاوز عن نفس المشكوك - كما تضمنته أدلة القاعدة الاخر - فإن مقتضى المقابلة كون فرض الدخول في الغير - في الصدر - لكونه المحقق للتجاوز عن المشكوك وهو إنما يكون مع رجوع الضمير للشئ لا للوضوء. وأما ما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره من أن المقابلة بالذيل تعين رجوع الضمير للوضوء، حيث تضمن فرض المكلف في شئ لم يجزه، لظهوره في فرض الشئ ذا أجزاء، قد انشغل به المكلف ولم يفرغ منه. وحمله على كونه في محل الشئ لا فيه نفسه مخالف للظاهر، فيكشف عن أن المراد في الصدر من الدخول في الغير هو فرض الفراغ عن الشئ، الذي ينطبق على الوضوء، لا على الجزء المشكوك فيه منه. ففيه: أن حمل الذيل على ما ذكره قدس سره مستلزم للاستغناء عن قوله عليه السلام: " لم تجزه " وحمله على التأكيد لجملة الشرط، لا التقييد للشئ "، ومساق الكلام آب عن ذلك جدا. فلابد من حمل فرض المكلف في الشئ على كونه فيه من حيثية كونه شاكا، لكونه متعلقا لشكه، فكأنه قال: إذا كنت شاكا في شئ لم تجزه، في مقابل ما فرض في الصدر من كون الشك في الشئ بعد التجاوز عنه والدخول في غيره. وتضمين الشرطية للشك ليس غريبا بعد تكراره في الكلام والتصريح به في الشرطية الاولى، إذ هو يشبه لازم ما ذكره من حذف متعلق الشك في الذيل والاعتماد على الصدر في بيانه، وأنه جزء الامر الذي انشغل به، بل سوق الذيل لقلب ظهور الصدر محتاج إلى عناية خاصة لا يناسبها البيان المذكور، الظاهر في تقرير الصدر وتأكيده. وبالجملة: لا يصلح الذيل للخروج به عن ظاهر الصدر الذي ذكرناه. ومنه يظهر ضعف الاستدلال بالموثق على المدعى في المقام، كما يظهر

===============

( 22 )

من بعضهم. ولذا قد يدعى أن مقتضى الجمع بينه وبين الصحيح حمل الصحيح على الاستحباب، أو تخصيصه بالموثق، بحمله على عدم الدخول في الجزء اللاحق. لكن من الظاهر أن الاستحباب في المقام طريقي، بلحاظ حسن الاحتياط، وهو مما لا يناسبه صدر الصحيح وذيله، بل لا يناسبه الموثق، حيث قد تضمن ضرب القاعدة العامة التي تعرضت لها النصوص الكثيرة الظاهرة في الردع عن الاحتياط. وأبعد منه تخصيص الصحيح بالموثق، لقوة ظهوره في العموم، ولا سيما بملاحظة ذيله المصرح فيه بمفهوم الصدر، لقوة ظهور هما في دوران الالتفات للشك وعدمه مدار الانشغال بالوضوء وعدمه. على أنه ليس بأولى من تخصيص الموثق بالصحيح، بحمله على صورة الفراغ عن الوضوء، بل الثاني أولى، لانه محض تخصيص في عنوان الدخول في الغير، أما تخصيص الصحيح فهو راجع لالغاء خصوصية عنوان الانشغال بالوضوء والفراغ منه في الصدر والذيل. وإن كان الظاهر أنه لا مجال له أيضا، لصعوبة تنزيل الموثق عليه جدا، فليس هو جمعا عرفيا. فلعل الاولى تنزيل الموثق على الشك في الوضوء بعد الفراغ منه، لا بإرجاع الضمير للوضوء، فإنه بعيد أيضا، لما تقدم، بل بحمل التبعيض في قوله عليه السلام: " من الوضوء " على التبعيض بلحاظ الوحدة النوعية، الذي يكون البعض فيه فردا من الكلي - والذي إليه ترجع " من " البيانية عندهم - لا بلحاظ الوحدة الاعتبارية، الذي يكون البعض فيه جزءا من الكل، فيراد من " الشئ " فرد من الوضوء، لا بعض منه، ويكون المراد من الصدر عدم الالتفات للشك في الوضوء بعد الفراغ منه، الذي هو مفاد ذيل الصحيح من دون أن ينافي صدره. نعم، مقتضى عموم مفهوم الحصر في ذيل الموثق هو عدم الاعتناء بالشك

===============

( 23 )

في جزء الوضوء مع التجاوز عنه والدخول في الجزء المترتب عليه، فيسهل تخصيصه بالصحيح كما خصص به جميع عمومات القاعدة، أو يحمل الشئ في الذيل على الفرد من الوضوء، لا على ما يعم جزءه. ولا ريب في أن الجمع المذكور أقرب من غيره، لكن في كونه جمعا عرفيا إشكال، وإن لم يكن بعيدا. وكيف كان، فلا ينبغي التأمل في العمل بالصحيح، لانه أقوى دلالة من الموثق، لعدم تأتي مثل هذا الاحتمال فيه. مضافا إلى أنه أشهر رواية بين الاصحاب وأقوى سندا، مع تسالم الاصحاب على العمل به، حيث يبعد جدا خفاء الحال في مثل هذه المسألة مما يكثر الابتلاء به. بقي في المقام امور.. الاول: أنه لا ينبغي التأمل في عموم وجوب الاعتناء بالشك قبل الفراغ من الوضوء لما إذا شك في غسل بعض العضو، وإن تجاوزه بالدخول في الجزء المتأخر عنه منه أو في العضو اللاحق، بل ظاهر شيخنا الاعظم قدس سره الاجماع على عدم الفصل بين الشك في تمام العضو وبعضه، لعموم قوله عليه السلام في الصحيح: " فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى الله "، ولا ملزم بحمله على خصوص الاعضاء التامة، فإن بعض العضو وإن لم يسمه الله تعالى، إلا أنه مما سماه. فتأمل. على أن عدم غسل أو مسح ما سمى الله تعالى يصدق بعدم غسل بعضه أو مسحه، فيجب الاعادة عليه، ويكتفى بإتمامه، للقطع معه بغسله. أو مسحه، لوضوح أن وجوب الاعادة طريقي لاحراز ذلك. الثاني: هل يلحق الشك في الشرط - كالموالاة والترتيب وإطلاق الماء - بالشك في الجزء في وجوب الاعتناء به إذا كان قبل الفراغ من الوضو، أو لا، بل لا يعتنى به بعد مضي محله، للفراغ من غسل العضو الذى هو مورد الشك؟

===============

( 24 )

والاول هو مقتضى إطلاق الشك في الوضوء أو في واجباته، كما في النهاية والوسيلة وإشارة السبق والغنية والمراسم، بل هو كالظاهر فيه مما في المبسوط واللمعة، لتضمنهما عطف الشك في شئ منه عليه. بل هو صريح المقنعة والتهذيب، لاقتصاره في المقنعة على الشك في مخالفة الترتيب، واستدلاله عليه في التهذيب بالنصوص، وبه صرح جملة من المتأخرين. كما أن مقتضى الاقتصار في كلام جماعة على الشك في شئ من الوضوء هو الثاني، وهو المناسب، لعموم قاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله، المقتصر في الخروج عنها على مورد الصحيح، وهو الشك في الجزء من الغسل أو المسح. فلابد في التعميم للشرط إما من حمل الغسل والمسح في الصحيح على خصوص المشروع منهما، وهو الواجد للشرائط المعتبرة، أو التعدي عن مورد النص، لالغاء خصوصيته عرفا، أو لتنقيح المناط. ويشكل الاول بأنه مخالف للاطلاق. وانصرافه لخصوص المشروع عند الاشارة للحكم الواقعي، لا يستلزم انصرافه إليه في مقام بيان الحكم الظاهري، إذ لا مانع من تخصيص الحكم الظاهري بالشك في جهة دون أخرى. ولا سيما في مثل المقام، حيث قد تكون أهمية الجزء موجبة لتخصيص الاحتياط به. ومنه يظهر ضعف الثاني. ومثله الاستدلل بإطلاق مفهوم موثق ابن أبي يعفور، بناء على حمله على الشك في الوضوء بعد الفراغ منه، بدعوى: أن مقتضاه الاعتناء بالشك فيه قبل الفراغ منه، ولو للشك في الشرط. لاندفاعه: بأنه لم يتضح أن حمله على ذلك مقتضى الجمع العرفي، ليكون حجة فيه، كما ذكرناه آنفا. مع أنه إن أريد مفهوم الشرطية، فهي مسوقة لتحقيق الموضوع، ولا مفهوم

===============

( 25 )

لها، وإن أريد مفهوم القيد، بدعوى أن مقتضى التقييد بالدخول في الغير الاعتناء بالشك مع الانشغال بالوضوء، فليس هو بحجة، ولا سيما بملاحظة تعقيبه بالذيل الظاهر في عموم عدم الاعتناء بالشك بعد التجاوز. وأما ما يظهر من بعض مشايخنا من الاعتناء بالشك في الشروط المستفادة من الآية الشريفة - كاطلاق الماه - دون غيرها، فلم يتضح وجهه، لان الصحيح ظاهر في اعتبار تسمية الله تعالى للعضو لا للغسل والمسح، فإن بني على إطلاق الغسل والمسح لزم عدم الاعتناء بالشك في الشرط مطلقا، وإن بني على انصرافه للمشروع منهما لزم الاعتناء به كذلك. على أن الصحيح لم يتضمن التقييد بخصوص ما سمى الله تعالى في الكتاب، بل يعم ما استفيدت تسميته له من غيره، إذ ليس المراد من تسميته حينئذ ذكر اسمه، بل إيجابه. ومثله ما يظهر من الجواهر من التعدي لجميع أفعال الوضبو، كالنية والترتيب والموالاة، وإن أمكن إحرازها بالاصل، لانها وإن كانت خارجة عن مدلول الصحيح، إلا أن الاعتناء بالشك فيها مقتضى الاصل، وإطلاق معاقد الاجماعات. بل يقرب التعدي للشك في الصحة والفساد، لرجوعه حقيقة للشك في. تحقق الفعل، بخلاف الشروط الخارجة عن الوضوء، كطهارة الماء والاعضاء، للاشكال فيه.. تارة: بأن الترتيب والموالاة - بل النية - ليست من أفعال الوضوء، كما يظهر من النصوص المحددة له بالغسل والمسح. وأخرى: بأنه مع فرض قصور الصحيح لا مجال للاعتماد على معاقد الاجماعات، مع قرب إرادتهم الغسل والمسح منه، فإن حجية الاجماع - لو تم - بملاك حجية القطع، لا حجية الظهور. كما لا مجال للاعتماد على الاصل، بالنظر لقاعدة عدم الاعتناء بالشك الذي مضى محله، الشاملة للمورد، ولا سيما فيما أمكن إحرازه بالاصل، كالموالاة

===============

( 26 )

بمعغى عدم الجفاف. وثالثة: بأن التعدي للشك في الصحة والفساد إن تم بلحاظ رجوعه للشك في تحقق الفعل حقيقة لم يناسب التوقف في الشروط الخارجة، وإلا كان اللازم بيان الفارق بين الشروط المذكورة وغيرها. ومن جميع ذلك ظهر أن الاختصاص بالشك في الغسل والمسح هو الاوفق بعموم قاعدة عدم الاعتناء بالشك الذي مضى محله، وإن لم يخل عن الاشكال. بل لا ينبغي الاشكال في عدم جريان القاعدة مع الشك في المباشرة، لعموم الصحيح له، بمقتضى ظاهر قوله عليه السلام: " لم تغسله أو تمسحه "، بل لا يبعد ذلك أيضا مع الشك في النية، بمعنى القصد للعمل الوضوئي، إذ لا يبعد انصراف الصحيح لذلك. كما لا إشكال في عدم الاعتناء بالشك إذا أمكن إحراز الشرط بالاصل، كطهارة الماء والاعضاء في بعض الموارد، ومنه الموالاة بمعنى عدم الجفات، حيث تقدم جواز البناء عليه مطلقا ولو قبل مضي المحل. الثالث: حكم في المقنعة والمراسم بوجوب الالتفات للشك في الحدث قبل الفراغ من الوضوء، ولم أعثر عاجلا على من تعرض له غيرهما، عدا إطلاق بعضهم الشك في الوضوء قبل الفراغ منه، الذي لا يبعد انصرافه عن ذلك. نعم، ظاهر التهذيب الجري على ذلك واستدلاله عليه بالنصوص، لكن لم يتضح وجهه بعد قصور الصحيح عنه، وجريان استصحاب عدمه، حيث يتعين معه عدم الالتفات للشك قبل المضي عن محله، فضلا عما بعده. الرابع: لو شك في غسل اليسرى قبل تمام المسح، فغسلها ومسح بها، ثم انكشف غسلها قبل ذلك، فقد يستشكل في صحة الوضوء، لانكشاف المسح بغير ماء الوضوء. ولا مجال لاستفادة العفو عن ذلك من الصحيح، لا بإطلاقه، لوروده لبيان الوظيفة الظاهرية فلا ينافي البطلان واقعا، ولا تبعا، لقلة الابتلاء بانكشاف الخلاف وعدم وضوح الغفلة عن البطلان معه، فلا يكشف عدم التنبيه عليه على عدمه.

===============

( 27 )

[ أما لو شك بعد الفراغ لم يلتفت (1)، ويحصل الفراغ ببنائه على نفسه فارغا (2) ]. لكن الاشكال المذكور مختص بما إذا كان المسح بماء الغسلة الثالثة، لعدم مشروعيتها، أما لو كان بماء الغسلة الثانية فالمتعين الصحة. ومجرد الخطا في تشخيص حالها، لعدم العلم بكونها ثانية، لا يقدح في مشروعيتها، إلا أن يرجع إلى التقييد الذي هو بعيد في نفسه. وكذا الحال لو قطع بعدم غسل اليسرى فغسلها، ثم انكشف أنه قد غسلها. (1) كما صرح به - في الجملة - من تقدم التعرض له في حكم الشك قبل الفراغ، وادعى الاجماع عليه في المعتبر والمنتهى والروضة والمدارك وكشف اللثام، وإن اختلفوا في تحديد موضوع ذلك، على ما يأتي. ويقتضيه - مضافا إلى قاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله - غير واحد من النصوص، كصحيح زرارة المتقدم، وموثق ابن أبي يعفور، بناء على حمله على ما تقدم، بل حتى على المعنى الظاهر فيه بدوا في الجملة، ولو بالاولوية، وموثق بكير أو صحيحه: " قلت له: الرجل يشك بعدما يتوضأ. قال: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك، (1)، وخبر محمد بن مسلم: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كلما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه، ولا إعادة عليك فيه " (2). (2) اختلفت عباراتهم في تحديد موضوع عدم الاعتناء بالشك، فقد ذكر في جملة منها القيام عن الوضوء أو الانتقال عن مكانه، خصوصا عبارات القدماء منهم، كما في الهداية والفقيه والمقنعة والمراسم والوسيلة والغنية وغيرها، وعن الذكرى: " ولو أطال القعود، فالظاهر التحاقه بالقيام ".


____________
(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 7. (2) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 6،

===============

( 28 )

وعن بعضهم اعتبار الدخول في حال آخر غير الوضوء، ولعله إليه يرجع كلام الاولين، وأن ذكرهم للقيام لانه الفرد الظاهر المتعارف للانتقال لحال آخر، وإلا فمن البعيد الجمود عليه. بل عن شرح المفاتيح أن فساد اشتراط القيام ضروري من الدين، وكأن مراده أنه ضروري من الفقه، بلحاظ استلزام اشتراطه عدم جريان القاعدة في حق المريض ونحوه ممن لا يقوم عن مكانه دإن طال الزمان، بل عدم جريانها فيمن يتوضأ قائما ونحوه مما لا يظن بأحد التزامه، ولعله لذا اعتبر في محكي الدروس الانتقال عن المحل ولو تقديرا. واقتصر جملة منهم على الفراغ من الوضوء والانصراف عنه أو عن حاله، في مقابل الانشغال به، كما في المبسوط والمعتبر والشرائع والمنتهى والقواعد وجامع المقاصد والمسالك واللمعتين، وعن المهذب والجامع والارشاد وغيرها، وفي الحدائق: " الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين ". بل عن رياض المسائل تنزيل مراد القدماء عليه، بإجراء ما سبق منهم مجرى الغالب، من دون أن يريدوا التقييد به. ولعله لذا نسبه الاردبيلي في محكي شرح الارشاد لظاهر الاصحاب، بل ظاهر الروضة وصريح المدارك دعوى الاجماع عليه. ويقتضيه - مضافا إلى عموم القاعدة المتقدمة - إطلاق خبري بكير ومحمد ابن مسلم. نعم، قد ينافيه قوله عليه السلام في صحيح زرارة: " فإذا قمت من الوضوء وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها "، وقوله عليه السلام في موثق ابن أبي يعفور: " وقد دخلت في غيره ". ويشكل الاستدلال بالصحيح بملاحظة صدره، الظاهر في أن المعيار في الالتفات للشك هو كون المكلف في حال الوضوء، الملزم بإلغاء خصوصية، القيام في الذيل وجعله كناية عن الفراغ، لغلبة تحقفه حينه، لقوة ظهور: " مادام " في

===============

( 29 )

المفهوم، ولا سيما مع سبق ذكر القعود على الوضوء، الذي هو مسوق لتحقيق الموضوع، فيغني عن - قوله: " مادمت " لو لم يكن مسوقا للمفهوم. بل لو فرضن تساوي الصدر والذيل في مرتبة الظهور بدوا، لم يبعد تحكيم الصدر لو أمكن الجمع بينهما، لان سبقه يوجب مأنوسية الذهن به، فيحتاج رفع اليد عنه لما هو الاقوى منه، ليكون قرينة عرفا يرفع به اليد عنه. وهو لا ينافي ما اشتهر من عدم استحكام ظهور الكلام إلا بعد الفراغ منه، إذ لا يبعد رجوعه لارتفاع ظهوره البدوي بما يشتمل عليه من قرائن هي أقوى منه، أو من معارضات يتعذر الجمع بينها وبينه. فتأمل. هذا، مع أن الظاهر كون عطف الفراغ على القيام تفسيريا، لسوق القيام للكناية عنه، كما سيق القعود على الوضوء للكناية عن الانشغال به، مع إلغاء خصوصيته، وإلا كان من عطف العام على الخاص، الذي لا يخلو عن حزازة. ومما سبق يظهر لزوم حمل قوله عليه السلام: " وقد صرت في حال أخرى... " على تأكيد الفراغ أيضا، فيراد منه مطلق الانتقال عن حال الوضوء - كما هو ظاهره في نفسه - لا الانشغال بأمر آخر، ليكون قيدا زائدا عليه، وإلا نافى مفهوم الصدر. وعليه ينزل ما في تتمة الصحيح الوارد في الشك في غسل الجنابة من قوله عليه السلام: " فإن دخله الشك وقد دخل في صلاته (حال أخرى. كافي) فليمض في صلاته ولا شئ عليه " (1)، لصلوح ما سبق لشرح المراد منه. وأما الموثق، فقد سبق أنه لا مفهوم له، لا بلحاظ الشرطية، ولا بلحاظ القيد. بل بملاحظة الحصر في ذيله، للشك الذي يعتنى به بما لم يجزه، يتعين حمل الدخول في الغير على الكناية عن الفراغ الذي يتحقق به جواز الوضوء.


____________
(1) الوسائل باب: 41 من أبواب الجنابة حديث: 2.

===============

( 30 )

ثم إنه لو فرض قصور جميع ما ذكرنا فلا أقل من إجمال الصحيح والموثق الملزم بالرجوع للاطلاقات المقتضية بالاكتفاء بالفراغ في الوضوء، كما يكتفى به في جريان القاعدة في سائر الموارد. إذا عرفت هذا، فقد وقع الكلام بينهم في معيار الفراغ المعتبر في المقام بعد تعذر حمله على الفراغ الحقيقي عن العمل المشروع المطلوب من المكلف، إذ لا يجتمع فرضه مع فرض الشك في تمامية العمل. وقد ذكرنا عند الكلام في القاعدة أن المراد به هو الفراغ الحقيقي عن عمل المكلف الذي انشغل به، وهو العمل الخارجي المأتي به بعنوانه الخاص من غسل أو وضوء أو صلاة أو نحوها، فإن ذلك هو موضوع الشك في الصحة، وقد أضيف المضي والفراغ في النصوص إليه، لا إلى كلي العمل المشروع. كما أن الكلي لا يتصف بالصحة والفساد، بل بالوجود والعدم، فلابد من صدق الفراغ عن العمل المذكور حقيقة بالمعنى المقابل للانشغال به أو لقطعه. فليس التسامح إلا في صدق العنوان على العمل المأتي به بلحاظ قصده منه، بناء على الصحيح، وهو تسامح شائع، وأما بناء على الاعم فلاتسامح حتى في ذلك. والفراغ بالمعنى المذكور يجتمع مع احتمال نقص العمل، بل مع العلم به، كما لا يخفى. وأما جعل المعيار الفراغ البنائي - كما في المتن، وصرح به غير واحد - أو فعل الجزء الاخير، أو الانشغال بفعل آخر - خصوصا ما يتوقف على تمامية العمل - أو تعذر التدارك - لفوت الموالاة المعتبرة أو فعل المنافي في مثل. الصلاة أو نحوهما - وغير ذلك مما تعرضوا له في المقام، فلا مجال له، لخروجه عن ظاهر المضي والفراغ اللذين تضمنتهما النصوص، إلا أن تستلزم الفراغ بالمعنى الذي ذكرناه، فيكون المدار عليه لا عليها، وقد فصلنا الكلام في ذلك عند الكلام في القاعد ة.

===============

( 31 )

[ مسألة 80: إذا شك بعد الوضوء في حاجبية شئ - كالخاتم ونحو ه - لم يلتفت (1)، وكذا إذا شك في كون الحاجب سابقا على الوضوء أو متأخرا عنه (2). وإن كان الاحوط استحبابا الاعادة فيهما (3) بعد رفع مشكوك الحاجبية في الفرض الاول. مسألة 81: إذا كان مأمورا بالوضوء من جهة الشك فيه بعد الحدث إذا نسي شكه (4) وصلى، فلا إشكال في بطلان صلاته بحسب ] (1) لقاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله، من دون فرق في ذلك بين التفات له حين الوضوء والاهتمام بإيصال الماء تحته، وتجدد الشك بعد الفراغ في وصوله، والغفلة. عنه حينه، لما سبق في المسألة السابعة والسبعين من عدم اختصاص القاعدة بالالتفات. (2) للقاعدة المتقدمة، واستصحاب عدم الوضوء إلى حين وجود الحاجب عند الجهل بتأريخ الوضوء والعلم بتأريخ الحاجب - مع كونه من الاصل المثبت، كاستصحاب عدم الحاجب إلى حين الوضوء في عكس ذلك - لا ينهض برفع اليد عن القاعدة، لتقديمها على الاستصحاب. (3) الظاهر أن مراده صورة الغفلة، لما تقدم من شبهة اختصاص القاعدة بالالتفات. (4) لما كان الشك من الامور الوجدانية، فلا يجتمع فرض وجوده مع نسيانه، فإما أن يكون مراده صورة الغفلة عنه والذهول عن حكمه مع بقاء نفس الشك، أو الغفلة عن المشكوك المستلزم لنسيان الشك السابق المتعلق به وعدم فعلية الشك. أما على الاول، فبطلان الصلاة - ظاهرا - مقتضى الاصل بعد قصور القاعدة المتقدمة عنه، لاختصاصها بالشك الحادث بعد مضي محله. وأما على الثاني، فلما ذكرناه في محله من قصور القاعدة عن الشك

===============

( 32 )

[ الظاهر، فتجب عليه الاعادة إن تذكر في الوقت، والقضاء إن تذكر بعده (1). ] المسبوق بمثله، لوجوه لا يسمح المقام التعرض لها، لطولها، وإن كان للتأمل فيها مجال، فليلحظ. نعم، لابد من فرض استناد العمل لمحض الغفلة مع العلم بعدم صدور الوضوء بعد حدوث الشك المذكور، وإلا لم يعتن بالشك وجرت القاعدة، لمباينة الشك الحاصل بعد الفراغ للشك الحاصل قبله موضوعا. بل لا يزيد سبق الشك بالحدث عن سبق اليقين به، مع جريان القاعدة في الثاني، لو فرض احتمال صدور الوضوء بعده قبل الصلاة. (1) لما هو الظاهر من أن مقتضى الجمع بين دليلي الاداء والقضاء كون خصوصية الوقت مأخوذة بنحو تعدد المطلوب، وأن المكلف به أمران: أصل الواجب، وخصوصية كونه في الوقت، فمع خروج الوقت في المقام يعلم بسقوط الثاني بالتعذر أو الامتثال، ويشك في سقوط الاول بالامتثال، فيتعين إحراز الفراغ عنه بالقضاء. وليس القضاء مباينا للاداء، كي يرجع الشك في المقام للشك في حدوث التكليف بالقضاء مع سقوط الاداء. وهو لا ينافي ما اشتهر من أن القضاء بأمر جديد، لرجوعه إلى ظهور الامر بالموقت بدوا، في كون الوقت قيدا مقوما للواجب يسقط بتعذره، فلا يمتنع رفع اليد عن الظهور المذكرر بعد فرض ورود الامر بالقضاء، ويحمل على تعدد المطلوب، جمعا بين الدليلين. وكذا الحال بناء على أن القضاء مباين للاداء، لما هو الظاهر من أن موضوعه مجرد عدم الاتيان بالواجب في وقته، حيث يمكن إحرازه بالاستصحاب في المقام بعد فرض عدم إحراز صحة ما وقع، لقصور القاعدة المذكورة عنه.

===============

( 33 )

[ مسألة 82: إذا كان متوضئا وتوضأ للتجديد وصلى، ثم تيقن بطلان أحد الوضوءين ولم يعلم أيهما، لا إشكال في صحة صلاته (1)، ] نعم، لو كان موضوعه الفوت - الذي هو أمر وجودي ينتزع من عدم الاتيان بالواجب في محله - تعين عدم وجوبه في المقام، لعدم إحراز موضوعه باستصحاب الحدث، أو عدم الاتيان بالواجب، إلا بناء على الاصل المثبت. لكن لازمه عدم وجوب القضاء لو شك في صحة الفريضة قبل خروج الوقت، ولم يحرز صحتها، حيث يكون مقتضى قاعدة الاشتغال أو استصحاب عدم الاتيان بالواجب هو وجوب الاعادة، دون القضاء، لو لم يعد حتى خرج الوقت، ومن البعيد التزام أحد بذلك. وأما ما دل على عدم الاعتناء بالشك في الصلاة إذا كان بعد خروج الوقت، وهو صحيح زرارة والفضيل عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنك لم تصلها، أو في وقت فوتها أنك لم تصلها صليتها، وإن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد (فقد. في) دخل حائل، فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن، فإن استيقنت فعليك أن تصليها في أي حالة كنت " (1)، فهو ظاهر في فرض الشك في أصل الاتيان بالفريضة، ولا يعم صورة العلم بوجودها والشك في صحتها، بل لابد من ملاحظة مقتضى الاصل حينئذ، وقد عرفت اختلافه باختلاف المباني. (1) كما في المبسوط والوسيلة، وعن ابن سعيد والقاضي. وصريح الاول هو الصحة الواقعية، للعلم بصحة إحدى الطهارتين، وهو متجه، بناء على ما سبق في المسالة الواحدة والسبعين من صحة الوضوء المنوي به التجديد جهلا بالحدث، وإن لم يناسب ما ذكره هو وغيره من اعتبار نية الرفع أو الاستباحة، كما سبق.


____________
8 (1) الوسائل باب: 60 من أبواب مواقيت الصلاة حديث: 1.

===============

( 34 )

[ ولا تجب عليه إعادة الوضوء للصلوات الآتية أيضا، إذا لم يكن قصد الوضوء التجديدي على نحو التقييد (1). ] أما بناء على بطلان الوضوء المذكور، فلا مجال لدعوى الصحة الواقعية، لاحتمال نقص الوضوء الاول، المستلزم لبطلان الثاني أيضا، فتبطل الصلاة لعدم الطهارة. ومن هنا بنى في المعتبر والشرائع والمنتهى وجامع المقاصد وغيرها صحة الصلاة في المقام وبطلانها على القول بالاكتفاء بنية القربة، أو اعتبار ما زاد عليها من نية الوجوب أو الندب، أو الرفع أو الاستباحة. بل ظاهرهم بطلان الصلاة ظاهرا على الثاني، لحكمهم بوجوب إعادتها حينئذ، لعدم إحراز الطهارة لها، عدا ما في المنتهى من تقريب إحراز الطهارة ظاهرا، كما سيأتي. لكن عدم إحراز الطهارة إنما يمنع من الدخول في الصلاة، أو البناء على صحتها قبل الفراغ منها، ولا يمنع من البناء على صحتها لو التفت المكلف بعد الفراغ منها - كما هو محل كلامهم ظاهرا - لعموم قاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله، كما هو الحال لو شك في أصل الوضوء، على ما تقدم في المسالة السابعة والسبعين. ومن ثم كان ما في المتن من نفي الاشكال في صحة الصلاة في محله. هذا، ولو فرض احتمال عدم نية التجديد في الثاني فالامر أظهر. (1) لما تقدم منه في المسألة الواحدة والسبعين من صحة الوضوء المنوي به التجديد جهلا بالحدث، فيقطع حينئذ بالطهارة. وتقدم منا تفصيل الكلام في ذلك. هذا، ولو فرض عدم صحة الوضوء المذكور - لنيته بنحو التقييد أو لغير ذلك - فقد قوى في المنتهى إحراز الطهارة ظاهرا، لعموم ما دل على عدم

===============

( 35 )

[ مسألة 83: إذا توضأ وضوءين وصلى بعدهما، ثم علم بحدوث حدث بعد أحدهما، يجب الوضوء للصلاة الآتية، لان الوضوء الاول معلوم الانتقاض، والثاني مشكوك في انتقاضه، للشك في تأخره و تقدمه على الحدث (1)، وأما الصلاة فيبنى على صحتها، لقاعدة الفراغ (2). ] الاعتناء بالشك بعد الفراغ من الوضوء بالاضافة للوضوء الاول، وحكاه في الذكرى عن ابن طاووس وقال: " وهو متجه، إلا أن يقال: اليقين حاصل بالترك وإن كان شاكا في موضوعه، بخلاف الشك بعد الفراغ، فإنه لا يقين فيه بوجه "، وقريب منه في المدارك. وفيه: أن اليقين بالنقص إجمالا ملازم للشك فيه بالاضافة للوضوء الاول، الذي هو موضوع القاعدة فيه، غاية ما يدعى مانعية العلم الاجمالي من الرجوع للقاعدة فيه. لكن لا مجال له، لعدم منجزية العلم الاجمالي المذكور، لعدم الاثر له بالاضافة للوضوء التجديدي، للقطع ببطلانه حينئذ، إما لنقصه، أو لبطلان الوضوء الاول. (1) لكن مقضى ما تقدم في المسألة السادسة والسبعين البناء على بقاء الطهارة لو علم تأربخ الوضوء الثاني وجهل تأريخ الحدث. نعم، لو نوى بالوضوء الثاني التجديد وقيل ببطلان الوضوء المنوي به التجديد جهلا بالحدث يعلم ببطلان الوضوء الثاني، للحدث قبله أو بعده، ثم إنه قد صرح قدس سره في مستمسكه بأن محل الكلام صورة الجهل بالتأربخين. ولم يتضح وجهه. (2) الظاهر من محل كلامهم فرض وقوع الصلاة بعد الحدث، فإن كان الحدث بعد الوضوء الثاني فالصلاة باطلة، وإن كان قبله بعد الوضوء الاول فهي

===============

( 36 )

[ وإذا كان في محل الفرض قد صلى بعد كل وضوء صلاة أعاد الوضوء، لما تقدم، وأعاد الصلاتين إن كانتا مختلفتين في العدد (1)، ] صحيحة، لصحة الوضوء الثاني، ومقتضى قاعدة الفراغ صحتها. لكن أشرنا إلى أنه لا يتم لو كان المنوي بالثاني التجديد وقيل ببطلان الوضوء المنوي به التجديد جهلا بالحدث، للعلم ببطلان الوضوء الثاني بالحدث قبله أو بعده، المستلزم للعلم ببطلان الصلاة. (1) بلا خلاف أجده فيه، بل هو مجمع عليه. كذا في الجواهر. للعلم الاجمالي بفساد إحدى الصلاتين الموجب للاحتياط بإعادتهما معا، والمانع من الرجوع لاستصحاب الطهارة، أو قاعدة الفراغ في كل من الصلاتين. هذا، وقد تقدم أنه مع العلم بتأريخ الوضوء الثاني والجهل بتأريخ الحدث يستصحب الوضوء. ولا مجال لذلك في المقام، للعلم الاجمالي ببطلان الصلاة الاولى أو الثانية مع وضوئها، فيتنجزان معا. وهذا بخلاف ما سبق، حيث لا علم إجمالي فيه، لا بالاضافة للصلاة، لوجدتها، ولا بالاضافة للطهارة، للعلم ببطلان الوضوء الاول، فالشك في الثاني بدوي يكون مجرى للاستصحاب، بل الظاهر أن وجوب إعادة الصلاتين مختص بهذه الصورة. وأما في صورة الجهل بالتأرخين، أو العلم بتأريخ الحدث دون الوضوء، فحيث لا يجري استصحاب الطهارة في الصلاة الثانية يكون المعارض لاستصحاب الطهارة في الاولى هو قاعدة الفراغ في الثانية، وبعد تساقطهما تجري قاعدة الفراغ في الاولى، وأصالة عدم الاتيان بالثانية، فلا يجب إلا إعادة الثانية، كما جزم به بعض مشايخنا في جميع فروض المسألة، بناء منه على معارضة الاستصحابين مع الجهل بالمتقدم والمتأخر مطلقا، فلا يجري الاستصحاب في الثانية مطلقا.

===============

( 37 )

نعم، استدل عليه باستصحاب الطهارة في الاولى بلا معارض، وقد عرفت معارضته بقاعدة الفراغ في الثانية، وأن الوجه في صحة الاولى هو قاعدة الفراغ بلا معارض. ثم إن شيخنا الاعظم قدس سره قال: " ومقتضى إطلاقهم عدم الفرق بين اتفاقهما في الاداء والقضاء واختلافهما، وإن كان ربما يتخيل مع الاختلاف الاقتصار على إعادة الثانية، لاصالة بقاء الامر به، وقاعدة عدم التفات إلى الشك في الاولى بعد خروج وقتها ". وقد يستفاد من عدم تصديه لرد التخيل المذكور اقتصاره في رده على إطلاق معقد الاجماع، وهو كما ترى! لعدم بلوغ الاجماع مرتبة الاستدلال بعد قرب ابتنائه على ملاحظة العلم الاجمالي. فالعمدة في اندفاع وجه التخيل المذكور: أن قاعدة عدم الالتفات للشك في الصلاة بعد خروج وقتها مختصة بالشك في أصل وجود الفريضة، ولا تشمل مثل المقام من موارد الشك في صحتها، كما ذكره غير واحد، لقصور دليلها - وهو صحيح زرارة والفضيل - عنه، كما تقدم في المسألة الواحدة والثمانين. وأما ما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من أن القاعدة المذكورة لو جرت مع الشك في الصحة لكانت في رتبة قاعدة الفراغ، فتسقط معها بالمعارضة لقاعدة الفراغ الجارية في الادائية. فهو موقوف على أن يكون مفاد القاعدة لو جرت في المقام هو التعبد بصحة الموجود كمفاد قاعدة الفراغ، لكنه - مع استلزامه لغوية أخذ خروج الوقت في موضوع التعبد المذكور، لكفاية الفراغ فيه - لا يناسب دليلها، لظهوره في التعبد بوجود الصلاة وبراءة الذمة منها مطلقا، فتكون قاعدة الفراغ حاكمة عليها ومقدمة عليها رتبة، لان منشأ الشك في وجود الصحيح في المقام هو الثك في صحة الموجود، فبعد سقوط قاعدة الفراغ في الصلاتين معا تجري هذه القاعدة في القضائية، وأصالة عدم الاتيان بالواجب في الادائية، كما ذكره المفصل.

===============

( 38 )

[ وإلا كفى إعادة صلاة واحدة بقصد ما في الذمة (1)، جهرا إن كانتا ] وهو لا ينافي ما اخترناه في محله من رجوع هذه القاعدة وقاعدتي الفراغ والتجاوز لقاعدة واحدة وأن اختلافها في التطبيق " إذ لا مانع من تقدم أحد تطبيقي القاعدة الواحدة على الآخر وحكومته عليه، كما في حكومة أحد الاستصحابين على الآخر. هذا، وقد يستدل للتفصيل المذكور أيضا بأن القضاء تكليف جديد، والاصل البراءة منه، بخلاف الاداء، حيث تجري فيه قاعدة الاشتغال. ويظهر ضعفه مما تقدم في المسألة الواحدة والثمانين أيضا. (1) كما في المعتبر والشرائع والمنتهى والقواعد وغيرها، على اختلاف الفروع التي ذكروها، المتشابهة في فرض العلم ببطلان صلاة مرددة بين متفقتين في العدد. ونسبه في جامع المقاصد لاكثر الاصحاب، وفي المدارك لمعظمهم، وفي الجواهر: " كما هو الاشهر، بل عليه عامة من تأخر ". لمطابقته للقاعدة الاولية المقتضية للاجتزاء بتحصيل الواجب. والتردد في عنوان المأتي به مع قصده إجمالا غير قادح، للاصل، بل الاطلاق، بل هو أولى عندهم من التردد في الامتثال بكل طرف، الحاصل مع التكرار. مضافا إلى موثق علي بن أسباط، أو صحيحه، عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: من نسي من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين وثلاثا وأربعا " (1). ونحوه مرفوع الحسين بن سعيد، وزاد: " فإن كانت الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلى أربعا، وإن كانت المغرب أو الغداة فقد صلى " (2).


____________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب قضاء الصلوات حديث: 1. (2) الوسائل باب: 11 من أبواب قضاء الصلوات حديث: 2.

===============

( 39 )

[ جهريتين، وإخفاتا إن كانتا إخفاتيتين، ومخيرا بين الجهر والاخفات إن كانتا مختلفتين (1)، والاحوط استحبابا في هذه الصورة الاخيرة إعادة كلتا الصلاتين. ] ولا يضر الارسال فيهما بعد انجبار هما بعمل الاصحاب بهما في موردهما، ولا سيما مع إرسال الاول عن غير واحد، الظاهر في اشتهار الرواية. كما لا يضر اختصاصهما بالناسي، لالغاء خصوصيته عرفا، ولا سيما مع عموم التعليل في الثاني. ومنه يظهر ضعف ما في المبسوط، وعن القاضي وأبي الصلاح وابني إدريس وسعيد من وجوب التكرار حتى مع الاتفاق في العدد، وهو مقتضى إطلاق الغنية وجوب ذلك عند تردد الفائتة. (1) كما هو ظاهر إطلاق الاصحاب، بل هو المصرح به في كلام جملة منهم في مسألة تردد الفائتة بين الخمس. والعمدة فيه الخبران المتقدمان، بناء على نهوضهما بالاستدلال في المقام، كما تقدم، إذ لا يجتمع الاكتفاء برباعية واحدة، مع اعتبارهما، وحيث كان ترجيح أحدهما بلا مرجح، كان مقتضى إطلاقهما التخيير بينهما. ولو لا هما كان مقتضى إطلاق دليل الجهر والاخفات وجوب الاحتياط بالتكرار، أو إعادة القراءة في صلاة واحدة، لعدم قدح قراءة القرآن في الصلاة. وأما ما عن الوحيد قدس سره في المصابيح من أن الاخلال بهما مع الجهل بنوع الفائتة لما لم يكن عمديا بل لانه لا يدري، فلا يكون مبطلا. ففيه: أن الدليل على عدم قدح الاخلال غير العمدي منحصر بصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه وأخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه. فقال: أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة، فإن فعل

===============

( 40 )

[ مسألة 84: إذا تيقن بعد الفراغ من الوضوء أنه ترك جزءا منه، ولا يدري أنه الجزء الواجب أو المستحب، فالظاهر الحكم بصحة وضوئه (1). ] ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته " (1) وصحيحه الآخر المتضمن لنفس السؤال وللجواب بقوله عليه السلام: " أي ذلك فعل ناسيا أو ساهيا فلاشئ عليه " (2). وظاهر الثاني تبعية الصحة للنسيان والسهو خير الصادقين في المقام قطعا. وأما الاول، فالظاهر من التعمد فيه ما يعم المقام، وظاهر قوله عليه السلام: " لا يدري " هو الجهل المركب بالحكم الراجع للخطأ في تشخيصه، لا ما يعم الجهل البسيط الراجع للتردد في الحكم، لان المنصرف هو استناد المخالفة لعدم الدراية، كاستنادها للسهو والنسيان، والتردد لا يقتضى المخالفة، بل يقتضى التوقف والاحتياط، بخلاف الخطأ في تشخيص الحكم، ولذا لا إشكال ظاهرا عندهم في عدم الاكتفاء بمطابقة أحد الاحتمالين في الناسي المتردد. ولا أقل من الاجمال الملزم بالرجوع للاطلاق، المقتضي للاحتياط، كما تقدم. (1) لقاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله، حيث تحرز صحة الوضوء وتحقق الجزء الواجب، ولا تعارض بمثلها في الجزء المستحب، لعدم الاثر للاخلال به، لعدم الموضوع له في فرض صحة الوضوء، فلا يقبل التدارك. بل لو فرض قبوله للتدارك، فحيث لم يكن تداركه إلزاميا لم يصلح العلم الاجمالي للتنجيز الالزامي، ليمنع من الرجوع للقاعدة المذكورة بالاضافة للواجب.


____________
(1) الوسائل باب: 26 من أبواب القراءة في الصلاة حديث 1. (2) الوسائل باب: 26 هن أبواب القراءة في الصلاة حديث: 2.

===============

( 41 )

[ مسألة 85: إذا علم بعد الفراغ من الوضوء أنه مسح على الحائل، أو مسح في موضع الغسل (1)، أو غسل في موضع المسح، ولكن شك في أنه هل كان هناك مسوغ لذلك من جبيرة أو ضرورة أو تقية، أو لا، بل كان على غير الوجه الشرعي، فالظاهر صحة وضوئه (2)، وإن كان الاحوط استحبابا الاعادة. مسألة 86: إذا تيقن أنه دخل في الوضوء وأتى ببعض أفعاله، ولكن شك في أنه أتمه على الوجه الصحيح أو لا، بل عدل عنه اختيارا أو اضطرارا، فالظاهر عدم صحة وضوئه (3). ] ومن ثم ذكرنا في مباحث العلم الاجمالي أن العلم بثبوت أحد حكمين إلزامي وغيره لا يمنع من جريان الاصل الترخيصي بالاضافة للحكم الالزامي. ومنه في المقام ما لو توضأ وصلى الفريضة ثم أحدث وتوضأ للكون على الطهارة، ثم علم ببطلان أحد الوضوءين. (1) فقد تقدم منه قدس سره في الجبائر وجوب مسح البشرة لو أمكن وتعذر الغسل، ولا يكتفى بمسح الجبيرة. (2) لعموم قاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله، لما ذكرناه عند الكلام فيها من عمومها لصورة العلم بصورة العمل. (3) علله قدس سره بعدم إحراز الفراغ البنائي، حيث تقدم منه في المسألة التاسعة والسبعين أنه المعيار في الفراغ، الذي هو موضوع القاعدة. لكنه - لو تم المعيار المذكور - غير مطرد، إذ قد يعلم المكلف بسبق الفراغ البنائي منه، كما لو تجدد احتمال القطع بعد اليقين بالاكمال بنحو الشك الساري. فالعمدة في المقام عدم إحراز الفراغ الحقيقي عن العمل الخارجي المأتي

===============

( 42 )

[ مسألة 87: إذا شك بعد الوضوء في وجود الحاجب، أو علم بوجوده تبله ولكن شك بعده في أنه أزاله أو وصل الماء تحته (1)، بنى على صحة وضوئه (2). وإذا علم بوجود الحاجب وعلم زمان حدوثه، وشك في أن الوضوء كان قبل حدوثه أو بعده بنى على الصحة (3). ] به بعنوان الوضوء، الذي تقدم أنه الشرط في جريان القاعدة فيه. ولعله إليه يرجع ما في العروة الوثقى من أنه يعتبر في جريان القاعدة كونه بانيا على إكمال العمل، وإلا فلو أربد به بناؤه على ذلك حين الشروع في العمل فهو حاصل في المقام، وإن أريد استمراره على البناء المذكور في تمامه فهو عين المدعى. (1) هذا لا يناسب فرض كونه حاجبا، بل يناسب الشك في حاجبية الموجود. نعم، لو كان المراد إيصال الماء تحته بعناية كان من سنخ الشك في إزالة الحاجب، بل من أفراده. (2) لقاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله، المقدمة على استصحاب بقاء الحاجب في فرض سبق العلم بوجوده لو جرى في نفسه. على أنه غير جار، لعدم ترتب الاثر عليه إلا بلحاظ لازمه الخارجي، وهو عدم وصول الماء للبشرة. نعم، بناء على اختصاص القاعدة بصورة الالتفات لمنشأ الشك حين العمل، يتعين تقييد البناء على الصحة به في جميع فروض المسألة. إلا أن يبنى على جربان أصالة عدم الحاجب في نفسها، فيتعين لاجلها البناء على الصحة مع الشك في وجوده ولو مع عدم الالتفات، لكن تقدم في المسألة السادسة المنع من جريانها. (3) للقاعدة المذكورة، واستصحاب عدم الوضوء إلى حين وجود

===============

( 43 )

[ مسألة 88: إذا كانت أعضاء وضوئه أو بعضها نجسا، فتوضأ وشك بعده في أنه طهرها أم لا، بنى على بقاء النجاسة (1)، فيجب غسله لما يأتي من الاعمال، وأما الوضوء فمحكوم الصحة (2). وكذا لو كان الماء الذي توضأ منه نجسا، ثم شك بعد الوضوء في أنه طهره قبله أم لا، فإنه يحكم بصحة وضوئه وبقاء الماء نجسا، فيجب عليه تطهير ما لاقاه من ثوبه وبدنه (3). ] الحاجب - مع كونه من الاصل المثبت - لا يمنع من جريانها، لتقدمها على الاستصحاب. (1) لاستصحابها. (2) لقاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله، وهي لا تنافي البناء على بقاء النجاسة بلحاظ الاعمال اللاحقة، لما سبق في المسألة السابعة والسبعين من أنها إنما تحرز المشكوك من الجهة التي يصدق المضي بالاضافة إليها، لا مطلقا ومن جميع الجهات. والعلم الاجمالي بكذب أحد التعبدين لا يمنع من جريانهما بعد عدم لزوم المخالفة العملية منهما، على ما حقق في محله من الاصول. (3) لما تقدم. وأظهر من ذلك لزوم البناء على نجاسة الماء الباقي بعد الوضوء، إذ غاية ما تحرزه القاعدة هو طهارة الماء الذي توضأ به، لانها الشرط في صحة الوضوء، دون طهارة تمام الماء الذي توضأ منه. والتلازم بينهما لا ينفع، بناء على التحقيق في القاعدة ونحوها من عدم حجيتها في لازم مؤداها.

===============

( 44 )

ختام في كثير الشك: استثنى في جامع المقاصد ومحكي السرائر وشرح الدروس من وجوب الاعتناء بالشك صورة كثرة الشك، وقربه في المدارك وحاشيتها والحدائق والمستند والرياض ومحكي نهاية الاحكام والذكرى، ويظهر من كشف اللثام وغيره الميل إليه، وهو المحكي عن جماعة من متأخري المتأخرين، بل في الجواهر: " لا أجد فيه خلافا ". وكأن مراده عدم العثور على مصرح بالخلاف، كما عن اللوامع، وإلا فالخلاف مقتضى إطلاق جماعة من القدماء والمتأخرين، حيث لم يستثنوا الصورة المذكورة من إطلاقهم وجوب الاعتناء بالشك. ثم إن من تعرض لذلك وإن استثناه من وجوب الاعتناء بالشك في الوضوء قبل الفراغ منه إلا أن مقتضى أدلتهم العموم لغيره من موارد الاعتناء بالشك في الوضوء، كالشك فيه بعد اليقين بالحدث، ولذا جعلنا البحث في ذلك ختاما لمباحث الخلل فيه، ولم نخصه بتلك المسألة. بل مقتضى الادلة المذكورة العموم لجميع موارد الاعتناه بالشك ولو في غير الوضوء من الطهارة الحدئية والخبثية والصلاة وغيرها. فالذي ينبغي أن يقال في تحرير محل الكلام: إنه لا إشكال ظاهرا - نصا وفتوى - في أن كثرة الشك مانعة من الاعتناء به في أفعال الصلاة، وإنما الاشكال في عموم ذلك لغيرها من موارد الاعتناء بالشك، كما هو مقتضى أدلة القائلين بذلك هنا، فيلزم النظر فيها، وهي أمور.. الاول: دعوى انصراف أدلة أحكام الشك عن صورة كثرة الشك بالنحو الخارج عن المتعارف.

===============

( 45 )

وفيه.. أولا: أن ذلك إنما يتم في الاحكام المخالفة للقاعدة، كوجوب الاعتناء بالشك بعد مضي محله قبل الفراغ من الوضوء، دون ماكان منها موافقا لها، كوجوب الاعتناء بالشك قبل مضي محله، فانه مقتضى قاعدة الاشتغال العقلية، التي لا معنى لدعوى الانصراف فيها. إلا أن يدعى قصورها عن الشك المذكور، لكنه ممنوع في غير الوسواس. وثانيا: أن الانصراف عن غير المتعارف بدوي لا يعتد به في رفع اليد عن الاطلاق، ولذا لا إشكال ظاهرا في عموم إطلاق أدلة عدم الاعتناء بالشك في سائر موارده لصورة كثرة الشك. وأشكل من ذلك دعوى: أن الاعتناء بالشك لما كان موجها لمخاطب خاص، فلا عموم له لصورة كثرة الشك، لعدم إحراز ابتلاء الشخص المذكور به. لاندفاعها بأن الخطاب المذكور لم يرد في قصة خارجية خاصة، بل بلسان القضية الشرطية، التي تعم صورة كثرة الشك. الثاني: لزوم العسر والحرج، فإنه يقتضي التنزل من الموافقة القطعية للمرافقة الاحتمالية، بناء على ما هو الظاهر من إمكان اكتفاء الشارع بالموافقة الاحتمالية مع بقاء التكليف، فيرتفع به موضوع قاعدة الاشتغال العقلية، وأن رفع موضوعها لا ينحصر برفع التكليف المستلزم لجواز ترك الامتثال رأسا، المعلوم عدمه في المقام، أو بالتعبد بالامتثال بمثل قاعدة الفراغ، الذي لا تنهض به قاعدة نفي الحرج، لتمحضها في الرفع، وعدم نهوضها بتشريع الاحكام المانعة من لزوم الحرج. وفيه: أن لزوم الحرج من الموافقة القطعية لكثير الشك غير مطرد، ولزومه نوعا لا يكفي في جريانها، لظهور دليلها في الحرج الشخصي. مع أن اللازم الاقتصار في التنزل عن الموافقة القطعية على المرتبة التي يلزم من الزيادة عليها الحرج، لا إلغاه الشك مطلقا حتى بالاضافة للمرتبة التي لا يلزم منها الحرج، كما هو المقصود في المقام.

===============

( 46 )

الثالث: أنه لا يأمن دوام عروض الشك. وفيه - مع أن ذلك مختص بالشك الذي يستند عرفا للشيطان -: أن المحذور المذكور ليس من الاهمية بنحو يحرز معه تنزل الشارع عن الموافقة القطعية مع القطع به، فضلا عن احتماله وعدم الامن منه، ولا سيما مع أهمية موضوع الشك كالصلاة. اللهم إلا أن يراد بذلك الاشارة لما تضمنته النصوص الآتية، فيجري فيه ما يأتي فيها. الرابع: النصوص الواردة في الصلاة: كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنه يوشك أن يدعك، إنما هو من الشيطان " (1). وصحيح زرارة وأبي بصير: " قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته، حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه، قال: يعيد، قلنا: فإنه يكثر ذلك عليه كلما إعاد شك، قال: يمضي في شكه، ثم قال: لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك. قال زرارة: ثم قال: إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم " (2). وخبر علي بن أبى حمزة عن رجل صالح (العبد الصالح. فقيه) عليه السلام: " سألته عن الرجل يشك فلا يدري واحدة صلى أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا، تلتبس عليه صلاته. قال: كل ذا؟ قلت: نعم. قال: فليمض في صلاته، ويتعوذ بالله من الشيطان فإنه يوشك أن يذهب عنه " (3)، وغيرها. فإنها وإن وردت في الصلاة إلا أنه قد يستدل بها في الوضوء، بناء على ما هو


____________
(1) الوسائل باب: 16 من أبواب الخل الواقع في الصلاة حديث: 1. (2) الوسائل باب: 16 من أبواب الخلل في الصلاة حديث: 2. (3) الوسائل باب: 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديت: 4.

===============

( 47 )

الظاهر من عمومها للشروط - كما هو مقتضى إطلاق الاول، بل ذيل الثاني - أو لاستفادة حكمه منها تبعا، بسبب ظهور شرطيته فيها وتبعيته لها عند المتشرعة. وفيه: أن عمومها للشروط إنما هو بمعنى عدم قطع الصلاة لاجل الشك في الشرط في فرض الدخول فيها لاعتقاد تحققه، فيكون المقام مستثنى مما تقدم في المسألة الثامنة والسبعين، لا جواز الدخول فيها مع الشك فيه، فضلا عن الدخول في غيرها مما يشترط به. ومجرد شرطيته في الصلاة وتبعيته لها، لا يقتضي استفادة حكمه من أدلتها تبعا، ولا سيما مع ثبوت اختلافهما في بعض الاحكام، كجريان قاعدة التجاوز فيها دونه. نعم، قد أشير في كلماتهم إلى الاستدلال بعموم التعليل فيها بأنه من الشيطان، وأنه بإهماله يوشك أن يدعه، لظهوره في أن كثرة الشك من الشيطان وأنه يوشك أن يدعه بإهماله، وأنه يلزم إهماله لاجل ذلك ولو في غير مورد النصوص، كالشك في أفعال الوضوء. بل لو تم لجرى في جميع موارد كثرة الشك، كما ذكرنا. لكنه يشكل بأن المستفاد من النصوص أمران.. الاول. أن كثرة الشك في الصلاة من الشيطان، وإليه يرجع التعليل بأنه يوشك أن يدعه بإهماله. الثاني: أنه ينبغي إهمال الشك الذي هو من الشيطان، لئلا يطمع، لانه معتاد لماعود. ومقتضى الثاني إهمال كل شك يكون من الشيطان. ولا إشكال في ذلك، كما هو مفاد صحيح عبد الله بن سنان: " ذكرت لابي عبد الله عليه السلام رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة، وقلت: هو رجل عاقل. فقال أبو عبد الله عليه السلام: وأي عقل له وهو يطيع الشيطان! فقلت: وكيف يطيع الشيطان فقال:

===============

( 48 )

سله هذا الذي يأتيه من أي شئ هو؟ فإنه يقول لك: من عمل الشيطان " (1). ولذا أجمعوا ظاهرا على إهمال شك الوسواسي. وإنما الاشكال في أن كثرة الشك موجبة لاهماله مطلقا ولو لم يحرز استناده للشيطان - كما هو محل الكلام - ولا تفي به النصوص المذكورة. ومجرد ظهورها في كون كثرة الشك في الصلاة من الشيطان لا يستلزم كون كثرة الشك في جميع الموارد منه، لامكان مزية للصلاة في ذلك، بلحاظ أهميتها الموجبة لاهتمامه بإفسادها ونقضها، ولا سيما لو كان قطع الصلاة مرجوحا ذاتا حتى مع الشك، وأن جوازه حينئذ للمزاحم. اللهم إلا أن يقال: لو كان لكثرة الشك سبب غير الشيطان لجرى في الصلاة أيضا، فإن أهميتها وخصوصيتها لا تمنع من تحقق السبب المذكور فيها. فما تضمنته النصوص من أن كثرة الشك فيها من الشيطان إن كان بنحو القضية الحقيقية دل على ذلك في غيرها أيضا، وإن كان بنحو القضية الغالبية أو الادعائية، بلحاظ دخل الشيطان في بعض مقدمات كثرة الشك، فتستند إليه ولو بالواسطة دل على كفاية ذلك في إهمال الشك، ويجري في غير الصلاة بمقتضى عموم التعليل. نعم، لو كان إسناد كثرة الشك للشيطان تعبديا ظاهريا أمكن اختصاصه بمورده، لكن ظاهر النصوص كونه حقيقيا حكاية عن قضية واقعية لا خصوصية للمورد فيها. ولا سيما مع ما في موثق أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: لا سهو على من أقر على نفسه بسهو " (2)، لقرب كون المراد به الاقرار بسبب كثرة السهو، وإلا فكل ساه لا يرتب حكم السهو حتى يعلم من نفسه بالسهو ويقربه عليها، ومقتضى إطلاقه رفع حكم السهو في جميع موارد كثرته.


____________
(1) الوسائل باب: 10 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 1. (2) الوسائل باب: 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 8.

===============

( 49 )

لكن في بلوغ ذلك حدا يصلح معه للاستدلال إشكال، لتوقف استفادة العموم من تلك النصوص على إلغاء خصوصية الصلاة عرفا، بحيث تكون النصوص ظاهرة فيه، أو القطع بعدم خصوصيتها، ليتعدى عنها بتنقيح المناط، والاول محتاج إلى لطف قريحة، والثاني حجة على مدعيه. والموثق لا يخلو عن إجمال، لان المعنى المذكور وإن كان قريبا، إلا أنه لا شاهد له من الكلام. فيشكل التعدي عن الصلاة، ولا سيما مع أن مقتضى ذلك التعدي لجميع موارد كثرة الشك، ولا يظهر منهم البناء عليه، لعدم تصديهم لاستثنائه في غير أفعال الصلاة والوضوء. نعم، لا ينبغي التأمل في عموم عدم الاعتناء بالشك الذي يحرز أنه من الشيطان، والذي هو عبارة عن شك الوسواسي أو من مبادئه، لانه المتيقن من النصوص المتقدمة ومنها صحيح ابن سنان. وإن كان قد ينافيه مرسل الواسطي عن أبي عبد الله عليه السلام: " قلت: جعلت فداك، أغسل وجهي ثم يشككني الشيطان أني لم أغسل ذراعي ويدي. قال: إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد " (1)، لظهوره في عدم إهمال الشك الذي يكون من الشيطان مطلقا، بل لابد من الرجوع للامارة المذكورة على حصول المشكوك. لكن ضعف سنده، وعدم ظهور الجابر له مانع من الاعتماد عليه. وقد حمل على التنبيه لما يرفع الوسواس خارجا، بدعوى: أن وجدان برد الماء موجب لارتفاع الشك في غسل الذراع وظهور كونه من سنخ الوسواس. وربما يحمل على التنبيه لما يظهر حال الثك من كونه من الشيطان أو عدمه، إذ الشك مع وجدان برد الماء شيطاني غير طبيعي، ومع عدمه طبيعي غير شيطاني، أو التنبيه لما يرفع الشك.


____________
(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 4.

===============

( 50 )

كما ربما يحمل إسناد الشك في كلام السائل للشيطان على ابتنائه على أن الشيطان سبب في كل شك، لاشغاله ذهن الانسان بما ينسيه حاله، لا على إرادة نوع الشك الخاص المنسوب للشيطان عرفا، والذي هو مورد النصوص المتقدمة، ويكون التنبيه لوجدان برد الماء منه عليه السلام لانه موجب لليقين بغسل اليد في فرض عدم غسلها لغير الوضوء، كما هو المنصرف من الحديث، ولو فرض بقاء الشك معه كان من سنخ الوسواس الذي ينبغي إهماله. ثم إنه بعد ما تقدم لا حاجة للكلام في معيار كثرة الشك وفروعها، بل يوكل لمحله من مبحث خلل الصلاة، لانه مورد الحاجة لذلك. والله سبحانه وتعالى ولي العصمة والسداد، وله الحمد على نعمائه، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وآله الطيبين الطاهرين.

===============

( 51 )

الفصل الخامس في نواقض الوضوء [ يحصل الحد ث (1) تأمور.. ] (1) مراده به الامر المسبب عن النواقض المذكورة المرتفع بالوضوء، ولاجله صار الوضوء سببا للطهارة، لوضوح أن الطهارة إنما تصدق بلحاظ ارتفاع نحو من القذر. وبهذا تكون الطهارة مقابلة للحدث تقابل العدم والملكة، كما هو الحال في الطهارة من الحدث الاكبر ومن الخبث بالاضافة إليهما، كما صرح به شيخنا الاعظم قدس سره. وأما ما في الجواهر من أن التقابل بينهما تقابل التضاد، فمن لم يبتل بسبب كل منهما لا يحكم عليه باحدهما، وعليه رتب الفرق العملي بين شرطية الطهارة ومانعية الحدث. فهو لا يناسب معنى الطهارة عرفا، ولا قرينة على نقلها عن المعنى العرفي في المقام، وليس اختلات الشارع والعرف فيها ناشئا عن اختلاف مفهومها، بل اختلات مصاديقها، لانها من المعاني الاضافية، كما سبق في ذيل الد ليل الاول من أدلة مطهرية الماء المطلق. وهو لا ينافي عدم الحكم بالطهارة على من لم يبتل بأسباب الحدث المعهودة، كما لعله مقتضى قولهم عليهم السلام: " لا صلاة إلا بطهور " (1)، لامكان الحكم


____________
(1) راجع الوسائل باب: 1 من أبواب الوضوء.

===============

( 52 )

[ الاول والثاني: خروج البول والغائط (1)، ] عليه بالحدث حين وجوده وإن لم يطرأ سببه المعهود. ومن هنا كان الظاهر رجوع شرطية الطهارة لمانعية الحدث، كما ههو المناسب لمرتكزات المتشرعة وعمل الفقهاء. ثم إن في كون الحدث حقائق متعددة بتعدد الاسباب أو حقيقة واحدة مستندة لكل منها قابلة للتأكد، أو لا، كلام تقدم في مبحث النية في ذيل الكلام في وجوب نية الرفع والاستباحة. هذا، وظاهر غير واحد من الاصحاب إطلاق الحدث على نفس الاسباب، وهي النواقض المذكورة، ولعله الانسب بالمعنى الاشتقاقي والاطلاق العرفي. بل هو الظاهر من صحيح إسحاق بن عبد الله الاشعري عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: لا ينقض الوضوء إلا حدث، والنوم حدث " (1). وخبر الكناني عنه عليه السلام: " سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة، فقال: إن كان لا يحفظ حدثا منه إن كان، فعليه الوضوء وإعادة الصلاة. " (2). وفي المدارك أنه مشترك لفظي بين المعنيين. والامر سهل. (1) بإجماع المسلمين، كما في التهذيب والمعتبر والمدارك، وفي المنتهى أنه لا يعرف فيه خلافا بين أهل العلم، وعن غير واحد دعوى الاجماع عليه. ويقتضيه - مضافا إلى ذلك، وإلى الكتاب المجيد في الغائط - النصوص المستفيضة (3)، بل لعلها متواترة معنى. وظاهرهم - كالمتن - أنه يكفي خروجهما، ولا يعتبر إخراجهما بالنحو الذي يصحح نسبتهما للمكلف، وبه صرح في الجواهر، وظاهر غيره المفروغية عنه.


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب الوضوء حديث: 4. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب الوضوء حديث: 6. (3) راجع الوسائل باب: 1، 2 من أبواب نواقض الوضوه وغيرهما.

===============

( 53 )

[ سواء أكان من الموضع المعتاد بالاصل (1)، ] ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق نسبة الخروج للبول والغائط في النصوص - ما تضمن الانتقاض بخروج حب القرع متلطخا بالعذرة (1)، وبخروج البلل المشتبه قبل الاستبراء (2)، وما ورد في المسلوس والمبطون (3). وبه يخرج عما قد يوهمه التعبير بالحدث، بل قد يظهر من خبر الكناني المتقدم صدق الحدث بذلك. كما أن ظاهرهم أن المراد من الخروج هو المتعارف المبني على التحرك عن المخرج والانتقال منه، لا مجرد الظهور لانفراج المخرج أو بروزه للخارج لعارض، كما قربه في جامع المقاصد والروض والمدارك وكشف اللثام والجواهر ومحكي الذكرى، ومال إليه في الرياض، لانه الظاهر من الخروج في النص، ولا أقل من كونه المتيقن منه ومما تضمن ناقضية البول والغائط، فيرجع في غيره لاستصحاب الطهارة. فما في المنتهى وعن التحرير والتذكرة من الاشكال فيه، بل في المستند الجزم بالنقض، في غير محله. فتأمل. (1) الظاهر أن المراد به الموضع الطبيعي لخروجهما في نوع الانسان، وهو القبل في البول والدبر في الغائط. والظاهر أنه المراد من الموضع المعتاد في المعتبر والشرائع والمنتهى والقواعد والارشاد والروضة، كما حمله عليه في جامع المقاصد والمسالك والروض والمدارك، فذكر الاعتياد بلحاظ النوع، لا بلحاظ الشخص. وكيف كان، فتحقق الحدث بما يخرج منهما مع فعلية الاعتياد للشخص هو


____________
(1) راجع الوسائل باب: 5 من أبواب نواقض الوضوء. (2) راجع الوسائل باب: 13 من أبواب نواقض الوضوء. (3) راجع الوسائل باب: 19 من أبواب نواقض الوضوء.

===============

( 54 )

المتيفن من النص والفتوى، ومع عدمه - كما في الخروج منهما في المرة الاولى، أو لاعتياد الخروج من غيرهما لشذوذ خلقي - هو مقتضى إطلاق الانتقاض بخروج البول والغائط في المقنع والمقنعة والناصريات والنهاية والمبسوط وإشارة السبق والغنية والوسيلة واللمعة، أو بما يخرج من الطرفين في الهداية، بل هو مقتضى إطلاق الانتقاض بخروجهما من الموضع المعتاد في كلام من عرفت، بناء على حمله على ما تقدم. وبه صرح في المسالك والروض والرياض، ونفى الخلاف فيه في الحدائق، بل عن محكي شرح الدروس دعوى الاجماع عليه. ويقتضيه إطلاق صحيح زرارة: " قلت لابي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام: ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الاسفلين - من الذكر والدبر - من الغائط والبول، أو مني، أو ريح، والنوم حتى يذهب العقل " (1)، ونحوه غيره مما تضمن ناقضية ما يخرج من الطرفين وناقضية البول والغائط. والانصراف لصورة الاعتياد في المخرج - لو تم - بدوي لا يعتد به في رفع اليد عن الاطلاق. لكن في الجواهر: " لعل قوله في خبر أبي بصير: " إنما الوضوء من طرفيك اللذين أنعم بهما عليك " (2)، يرشد إلى اعتياد الخروج "، وكأنه لان إنعامه تعالى بهما إنما هو بلحاظ كونهما طريقين معدين لخروج البول والغائط، فمن لم يكونا له كذلك محروم من نعمتهما، وإن كانا عنده وتحقق الخروج منهما على خلاف العادة، فلا يكون الخارج منهما خارجا من الطرفين اللذين أنعم الله بهما عليه. وفيه - مع أنه لو تم كون الانعام بإعداد هما للخروج لا بنفس الخروج منهما، فهو لا ينهض بإثبات اعتبار اعتياد الخروج منهما كي لا يحصل الحدث بالخروج منهما في المرة الاولى، بل اعتبار إعدادهما للخروج، فلا يحصل مع اعتياد عدم


____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2، ويأتي في تحقيق حكم الخارج من غير السبيلين الكلام في متن الحديث. (2) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5.

===============

( 55 )

[ أم بالعارض (1)، أم كان من غيره، على الاحوط وجوبا. ] الخروج منهما لشذوذ خلقي -: أن الظاهر كون ذكر الانعام فيهما لمحض الاشارة للجارحتين المخصوصتين، لا لتوقف الحكم عليه، غايته أنه يكشف عن فرض الانعام بهما في حق المخاطب، فلا عموم للحديث في حق غيره ممن لا يتحقق في حقه الانعام، فيرجع فيه لاطلاق بقية النصوص، ولا يصلح الحديث لتقييدها. وإنما يتم ما ذكره لو كان بيان ذلك بلسان الشرط مثلا، كما لو قيل: إنما الوضوء من طرفيك إن أنعم الله بهما عليك. هذا، وقد صرح في الشرائع والمعتبر والمنتهى وغيرها بعموم الحكم لما إذا كان المخرج المعهود في غير موضه الطبيعي، ونفى في الجواهر وجدان الخلاف فيه، بل في المنتهى والمدارك وعن التحرير دعوى الاجماع عليه. ويقتضيه إطلاق النصوص المتقدمة، ولا ينافيه وصف الطرفين في بعضها بالاسفلين، لظهوره في الاشارة للجارحتين المعهودتين من دون دخل له في الحكم، نظير ما تقدم. على أن كونهما في غير موضهما الطبيعي قد يجتمع مع كونهما أسفلين. فما في الحدائق من الاشكال فيه، حملا للاطلاق على المتعارف مع عدم حجية الاجماع، ضعيف. (1) اختلنت كلمات الاصحاب (رضوان الله عليهم) في البول والغائط الخارجين من غير السبيلين على أقوال.. الاول: النقض مطلقا، كما عن ابن إدريس والتذكرة، ويقتضيه إطلاق الحكم بناقضية البول والغائط ممن تقدم، وقواه في الجواهر وطهارة شيخنا الاعظم قدس سره. وقد استدل له بإطلاق الآية الشريفة، وبعض النصوص المتضمنة لناقضية البول والغائط، كصحيح زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: لا يوجب الوضوء إلا من

===============

( 56 )

غائط أو بول.. " (1)، مع حمل التقييد بالخروج من الطرفين في النصوص الاخر على الغالب. وما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره من أن مراعاة الغلبة في المقيدات توجب مراعاتها في المطلقات فتقصر عن غير الغالب - وهو الخارج من غير السبيلين - فلا دليل على ناقضيته. كما ترى! لعدم التلازم بين الامرين، بل بينهما كمال التنافي، غاية الامر أنه لابد من النظر في وجه حمل القيد على الغلبة مع أن الاصل فيه الاحتراز، وهو أمر آخر يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وأما حمل الحصر على كونه بالاضافة إلى ما يفتي العامة بناقضيته، كما هو الظاهر من صحيح أبى بصير أو موثقه عن أبي عبد الله عليه السلام: " سألته عن الرعاف (القئ خ. ل)، والحجامة، وكل دم سائل، فقال: ليس في هذا وضوء، إنما الوضوء من طرفيك اللذين أنعم الله بهما عليك " (2)، لا بالاضافة إلى فاقد القيد المذكور. فهو لا يتم ما لم يحمل القيد على الغالب، لوضوح أن الحصر بالمقيد في مقابلهم يقتضي الاختصاص به، لا العموم للمطلق، فلا وجه لجعله وجها في مقابله، كما في الجواهر وغيره. - وأشكل منه ما أشار إليه من عدم حجية مفهوم القيد، لاختصاص ذلك بما إذا لم يقع القيد في مقام التحديد - كما في صحيح زرارة السابق - أو في حيز أدوات الحصر - كما في غير واحد من نصوص المقام - وإلا كان من مفهوم التحديد والحصر، اللذين لا إشكال في حجيتهما. الثاني: التفصيل بين ما يخرج من دون المعدة، فينقض، وما يخرج من فوقها، فلا ينقض، كما في المبسوط، والخلاف، وجواهر القاضي، والمذكور فيها وإن كان هو التفصيل في البول والغائط معا، إلا أن دليله مختص بالغائط، فقد


____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5.

===============

( 57 )

استدل على النقض في الاول بالاطلاقات المتقدمة، وعلى عدمه في الثاني بأن ما يخرج مما فوق المعدة لا يسمى غائطا. ومنه يظهر أن هذا التفصيل لا ينافي القول الاول، بل هو تفصيل في تحقق صغراه. وقد أستشكل فيه في المعتبر وغيره بأن المراد بالغائط في المقام الفضلة الخاصة، وهي الثفل، ولا خصوصية للمخرج في صدقه، بل لو فرض رجوعه إلى ما فوق المعدة وخروجه عن طريق الفم أو غيره لصدق عليه الغائط. وقد وجه البهائي قدس سره في الحبل المتين المراد من التفصيل المذكور بما قد يدفع الاشكال عنه، حيث حمله على التفصيل بين ما يخرج بعد انحدار الطعام من المعدة للامعاء وهضمها له وما يخرج قبل ذلك، حيث لا يتضح صدق الغائط عليه حينئذ، بل هو يشبه القئ، فالمراد مما يخرج دون المعدة الاول، ومما يخرج من فوقها الثاني. وما ذكره قدس سره وإن لم يناسب مفاد كلام المفصلين، إلا أنه قريب، بلحاظ قرب كون المراد الخروج الانحداري، لانه المنصرف، دون الرجوعي. نعم، قد يشكل صدق الغائط بمجرد هضم المعدة للطعام ودفعه للامعاء، بل لا يبعد احتياجه لمقدار من المرور في الامعاء وامتصاصها منه في الجملة، والمدار على الصدق العرفي، كما نبه له شيخنا الاستاذ قدس سره. الثالث: التفصيل بين الاعتياد وعدمه، كما في الشرائع والقواعد، وعن الدروس والبيان. وقد يوجه - بناء على الرجوع للمطلقات - بانصرافها عن غير المعتاد، وبناء على تقييدها بنصوص السبيلين بدخوله في إطلاقها، لصيرورته مخرجا عرفا - كما في جامع المقاصد - أو بمساواته للسبيلين، إما لكونه مما أنعم الله به - كما في المعتبر - أو لاستبعاد عدم الانتقاض بما يخرج منه. لكن انصراف المطلقات عن غير المعتاد غير ظاهر، كما تقدم في صورة

===============

( 58 )

الخروج من المخرج الطبيعي. على أن المنشأ للانصراف - لو تم - ليس هو الاعتياد، بل الغلبة، وهو يقتضي قصور الاطلاق عن الخارج من غير السبيلين، ولو مع الاعتياد، لكونه الفرد النادر من المطلق. نعم، لو كان الانصراف للتغوط والتبول، لم يبعد كونهما منوطين بالاعتياد في غير السبيلين، إلا أنه تقدم عدم كونهما معيارا في الناقضية. وشمول إطلاقات السبيلين له ممنوع جدا، لان الظاهر منهما خصوص القبل والدبر، كما هو المصرح به في صحيح زرارة المتقدم، لاكل ما يصدق عليه المخرج. وكذا صدق الانعام به، لظهور نسبة الانعام له تعالى في إرادة ما يكون بحسب أصل الخلقة، لا بسبب طارئ مستند للعبد. مع أن الانعام قد أخذ في النص وصفا للطرفين المقصود بهما خصوص السبيلين، وليس هو تمام الموضوع للحكم. مضافا إلى أن تحكيم النصوص المقيدة للاطلاقات يقتضي العمل بأخصها، وهو ما تضمن التقييد بالذكر والدبر. فلاحظ. وأما استبعاد عدم الانتقاض به، فهو لا يبلغ مرتبة الحجية في الممقام. الرابع: التفصيل بين انسداد المخرج الطبيعي وعدمه، فينقض في الاول، ولو في المرة الاولى قبل تحقق الاعتياد، دون الثاني، كما في الروضة والرياض، وعن الجعفرية. وقد استدل عليه بما سبق من أنه يصير مخرجا منعما به، وغيره مما يظهر ضعفه بما تقدم. كما قد يستدل عليه بالاجماع المدعى في المنتهى والمدارك. ويشكل بعدم ظهور كلامهما في دعوى الاجماع في المقام، قال في المنتهى: " لو اتفق المخرج في غير المعتاد خلقة انتقضت الطهارة بخروج الحدث

===============

( 59 )

منه إجماعا، لانه مما أنعم به، وكذا لو انسد المعتاد وانفتح غيره "، والمتيقن منه إلحاقه بما سبقه في الحكم - كما هو صريح المدارك - لا في الاجماع، مع عدم وضوح حجية دعوى الاجماع المذكورة. وقد استدل بعض مشايخنا على عدم الانتقاض مع انفتاح المخرجين وعدم اعتياد الخروج من غيرهما بنصوص التقييد بالسبيلين، كصحيح زرارة المتقدم، وعلى الانتقاض مع انسدادهما بإطلاقات الانتقاض بخروج البول والغائط، لاختصاص نصوص التقييد المذكورة بغير المورد، لان الخطاب في صحيحة زرارة شخصي قد وجه إلى زرارة وكان سليم المخرج، والتعدي منه بالقطع بعدم خصوصية المورد إنما يصح لكل من كان سليم المخرج، دون غيره ممن انسد مخرجه، بل المرجع فيه الاطلاقات. وفيه: أن زرارة كما كان سليم المخرج لم يكن له طريق آخر يخرج منه الخبثان، فلو كان الخطاب شخصيا لم يتجه التعدي منه لمن له الطريق الذي يخرج منه الخبثان باعتياد وبدونه، لعدم القطع بعدم دخل الخصوصية المذكورة، وإن لم يكن شخصيا، لالغاء خصوصية المورد عرفا - كما هو الظاهر، حيث يفهم منه بيان موضوع الحكم في حق كل أحد - كان صالحا للاستدلال على التقييد في حق من انسد مخرجه أيضا. هذا، وقد اعتبر في المستند الاعتياد في النقض مع الانسداد، وحكاه عن نهاية الاحكام. لكن في كشف اللثام: " قيل: ولا شبهة في عدم اعتباره مع انسداد الطبيعي ". الخامس: التفصيل بالنقض مع انسداد المخرج الطبيعي مطلقا ولو في المرة الاولى قبل تحقق الاعتياد، ومع عدمه بشرط الاعتياد، وعدمه مع عدم الامرين من الانسداد والاعتياد، كما هو صريح المعتبر والمنتهى وجامع المقاصد والروض، وظاهر المدارك وعن الدلائل ومجمع الفائدة، وظاهر الحدائق أنه المشهور، وظاهر الرياض أنه الاشهر.

===============

( 60 )

ويظهر وجهه مما تقدم في القولين السابقين. السادس: عدم الانتقاض مطلقا، كما مال إليه في الحدائق، وهو مقتضى الجمود على ما تقدم من الصدوق في الهداية من الاقتصار على ما يخرج من الطرفين. بل قد يظهر من الاقتصار على ما يخرج من المعتاد في النافع والارشاد، بناء على ما تقدم من ظهوره في المعتاد النوعي، إذ لو أربد به الاعتياد الشخصي لزم عدم ناقضية ما يخرج من الموضع الطبيعي من دون اعتياد. ويستدل له بقصور الاطلاقات عنه، إما لانصرافها للفرد المتعارف، أو لتقييدها بنصوص الخروج من السبيلين، الذي هو العمدة في المقام، لما تقدم غير مرة من عدم التعويل على مثل هذه الانصرافات. هذا ما عثرنا عليه من أقوال الاصحاب، وقد ظهر مما سبق ضعف التفصيلات الاربعة في المقام، فلابد من النظر في القول الاول والاخير بالنقض مطلقا وعدمه كذلك. ومدار الكلام فيهما على أن نصوص السبيلين واردة مورد الغالب، أو مقيدة للاطلاقات. وقد أصر غير واحد على الاول، وقربه شيخنا الاعظم قدس سره بأن الصلة ليست مناطا للحكم، لان الموصول ليس للعموم، للزوم تخصيص الاكثر، فإن كثيرا مما يخرج من الطرفين ليس ناقضا، بل المراد به المعهود، وهو البول والغائط والريح، فتكون الصلة معرفة لذلك المعهود ومفسرة له، بلحاظ غلبة اتصافه بها، من دون دخل لها في الحكم. واستشهد لذلك سيدنا المصنف قدس سره بما في صحيح زرارة من عطف البول بالواو، وعطف المني والريح بأو، مع خروجها باجمعها من السبيلين، حيث لا نكتة لذلك إلا كون البول والغائط تفسيرا للموصول، لارادة العهد به، وما بعدهما معطوفا عليه، ولو كانا قيدا للموصول - لدخل عنوانه في موضوع الحكم - لشاركهما ما بعدهما في ذلك، وناسب العطف بوجه واحد.

===============

( 61 )

ويشكل: بأن ظاهر الكلام كون الصلة مناطا للحكم، ولزوم تخصيص الاكثر بالنحو المستهجن ممنوع، لان الفرد الشائع الكثير الوقوع المأنوس به الذهن هو الامور الثلاثة المذكورة، فلا يستهجن عدم إرادة غيرها وإن كان أكثر عددا منها، ولاسيما مع قرب ورود التخصيص بالسبيلين لدفع توهم ناقضية مثل القئ والرعاف، كما تقدم في حديث أبي بصير، فيضعف إطلاق عقد الايجاب فيه. وأما صحيح زرارة، فما تقدم فيه مبني على روايته بالوجه المذكور، كما في الوسائل، وهو مخالف لما في الكافي والتهذيب والفقيه والحدائق والوافي من عطف البول على الغائط ب‍ " أو " مع تنكيرهما، كما هو المناسب لعطف النوم بالواو مع تعريفه، حيث يكون هو المعطوف على الموصول وما قبله من تتمة صلته. بل حمل الموصول على الاشارة لخصوص البول والغائط دون الريح بعيد جدا غير مناسب لبقية النصوص المقتصر فيها على ذكر ما يخرج من الطرفين، حيث لم تتعرض للريح، فلولا دخوله فيما يخرج من الطرفين لكان المناسب التعرض له، كما تعرض له ما تضمن البول والغائط بعنوانيهما. فلا مجال للاستشهاد بالصحيح على معرفية الصلة وعدم دخلها في موضوع الحكم. فلم يبق إلا استبعاد دخلها في الحكم، لدعوى أن المناسبات الارتكازية تقتضي بأن المدار على نفس الخبثين من دون خصوصية للمخرج، ولا سيما مع بعد عدم الانتقاض بالخارج من المعتاد غير السبيلين، خصوصا مع انسدادهما، لبعد انحصار الناقض للشخص المذكور بالنوم. بل يظهر من غير واحد المفروغية عن الانتقاض حينئذ. فإن ذلك بمجموعه لو لم يكن قرينة على صرف القيد للغالب، فلا أقل من كونه موجبا لاجماله، فيلزم الرجوع لاطلاق ما تضمن ناقضية البول والغائط مما تقدم في حجة القول الاول. لكن في بلوغ ذلك حدا صالحا للخروج عن ظهور القيد في الاحتراز إشكال.

===============

( 62 )

والمناسبات الارتكازية غير ظاهرة في مثل هذه الامور التعبدية المحضة. ولا سيما مع صعوبة الالتزام بذلك في الريح، لعدم صدق عنوانه المذكور في النصوص مع خروجه من غير المخرج الطبيعي غالبا، كما يأتي إن شاء الله تعالى. واستبعاد انحصار الناقض بالنوم في حق الشخص المذكور غير بالغ مرتبة الحجية بنفسه، ولا صالح للقرينية على الكلام عرفا، بنحو يوجب التوقف عن ظهوره الاولي. نعم، لو فرض ثبوت النقض في حق الشخص المذكور بإجماع أو نحوه، لم يبعد التعدي عنه لجميع موارد الخروج من غير السبيلين، ولو مع عدم الاعتياد، لقرب كشفه عرفا عن عدم دخل المخرج في الناقضية، وأن ذكره لمحض الغلبة، لما هو المرتكز عرفا حينئذ من اشتراك الكل في سبب واحد، وهو البول والغائط. وبعبارة أخرى: لا يبعد كون إلغاء خصوصية السبيلين حينئذ مطلقا أقرب عرفا من قصر خصوصيتهما على غير الشخص المذكور. لكن لا طريق لاثبات النقض في حق الشخص المذكور، لما تقدم في القول الرابع من عدم ثبوت الاجماع، فلا مخرج عن ظهور القيد في الاحتراز، كما لا تصل النوبة لدعوى الاجمال الملزم بالرجوع لاطلاق أدلة ناقضية البول والغائط. على أنه لم يتضح تمامية الاطلاق للادلة المذكورة، وإن جرينا على ذلك في عرض حجة القول الاول. أما الآية الشريفة، فلان المجئ من الغائط فيها كناية عن قضاء الحاجة بالتخلي بالنحو المعهود، فالتعميم لمطلق خروج الغائط من الموضع الطبيعي ولو مع عدم صدق التخلي - فضلا عن خروجه من غيره - مبني على إلغاء الخصوصية عرفا، أو القطع بعدمها، وهما في محل المنع، وليس استفادة العموم لكل ما يخرج من الموضع الطبيعي وإن لم يصدق التخلي إلا بضميمة الادلة الأخر العامة أو الخاصة التي تقدم التعرض لها في أول الفصل.

===============

( 63 )

وأما النصوص المتضمنة للبول والغائط بعنوانيهما، فلوضوح أن نسبة النقض للعين - بعد تعذر حمله على استناده لمحض وجودها، للقطع بعدم ناقضيتهما قبل خروجهما - ينصرف لخصوص المتعلق الظاهر المعهود لها، والمتيقن منه الخروج بالنحو الطبيعي المعهود الذي يكون بالتخلي، كما تقدم في الآية. وما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره من أن الظاهر في مثل ذلك الخروج من دون خصوصية للمخرج، لم يتضح بنحو معتد به، بل يبعد جدا فهم بعض أفراده من الاطلاق. وليس هذا من باب انصراف المطلق بسبب الغلبة - الذي تكرر منا منعه - بل هو راجع إلى منع الغلبة من انعقاد الاطلاق، وخروج الفرد غير المعهود عن المتيقن منه. هذا، وقد يستدل للتعميم بما في العلل وعيون الاخبار، بسند لا يخلو عن اعتبار، عن الرضا عليه السلام: " إنما وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة ومن النوم دون سائر الاشياء، لان الطرفين هما طريق. النجاسة، وليس للانسان طريق يصيبه النجاسة من نفسه إلا منهما، فأمروا بالطهارة عندما تصيبهم تلك النجاسة من أنفسهم " (1)، بدعوى: أن مقتضى عموم التعليل لكل طريق في البدن تصيبه النجاسة منه. وهو كما ترى! لظهور أن مثل هذه التعليلات ليست موضوعا للحكم بنحو يدور مدارها وجودا وعدما، بل هي من سنخ الحكمة غير المطردة ولا المنعكسة. كيف. والتعليل المذكور لا يناسب ناقضية الريح؟! بل مقتضاه عدم ناقضية البول والغائط لو لم يستلزم خروجهما نجاسة البدن، وناقضية خروج الدم من مثل البواسير ونحوها مما يخرج من طريق في البدن.


____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7.

===============

( 64 )

وقد تحصل من جميع ما تقدم: أن الأدلة لا تنهض بالتعدي إلى ما يخرج من غير الموضع الطبيعي. غاية ما في الامر استبعاد عدم الانتقاض مع تعود الخروج منه، ولا سيما مع انحصار الطريق به لانسداد الموضع الطبيعي، كاستبعاد التعميم لمطلق الخروج منه ولو نادرا بسبب طعنة أو نحوها.. وجعل المدار على التعود أو الانحصار للا تنهض به الادلة، كجعل المدار على ما يصدق معه عرفا قضاء الحاجة من تبول أو تغوط، بل هو لا يناسب ما تضمن ناقضية خروج الحب ملطخا بالعذرة ونحوه مما تقدم في أول الفصل. وكأن هذا الاستبعاد هو الذي أوجب هذه التفصيلات التي عرفت عدم نهوض الادلة بها. فالظاهر أن ذلك فرد مسكوت عنه غير منظور إليه في إطلاق الادلة وفتاوى قدماء الاصحاب، لعدم شيوع الابتلاء به، كما هو الحال في كثير من الفروع في أبواب الفقه، لى إلا فمن البعيد فهم حكمه من هذه البيانات بنحو يستغنى عن التنبيه عليه لو كان موردا للابتلاء، فلم يبق إلا الاحتياط في الفتوى والعمل، فإنه أسلم عاقبة. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. ومنه نستمد العون والتوفيق. ثم إنه لو بني على النقض، فالمعيار هو الخروج عن حد البدن، فلو وضعت في المثانة - مثلا - أنبوبة (صوندة) لخروج البول ولها من طرفها الخارج سداد، كفى في النقض خروجه عن حد البدن وإن بقي في الانبوبة ولم يخرج عن السداد، فلو استمر خروجه لها يلحقه حكهم السلس وإن انحبس بالسداد. نعم، لو رجع من الانبوبة للداخل ثم خرج لم يتحقق به النقض، لان المنصرف من دليل النقض هو الخروج الاول المتعقب لتكون الخبث في البدن، دون الخروج المتعقب لدخول الخبث من الخارج، فلا يكون ناقضا حتى لو خرج من المخرج الطبيعي. فلاحظ.

===============

( 65 )

[ والبلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء بحكم البول ظاهرا (1). الثالث: خروج الريح من الدبر (2)، ] (1) كما تقدم في الفصل الرابع من مبحث أحكام الخلوة. (2) بإجماع المسلمين، كما في التهذيب والمعتبر والمدارك، وفي المنتهى أنه لا يعرف فيه خلافا بين أهل العلم، وعن غير واحد دعوى الاجماع عليه. ويقتضيه النصوص (1) المستفيضة، بل لعلها متواترة معنى. وقد تقدم ومقتضى إطلاقها - ككلام الاصحاب - عدم اعتبار الاعتياد في الخروج من الدبر، كما تقدم في البول والغائط، خلافا لما قد يظهر من المراسم، حيث قال: " والريح الخارجة من الدبر على وجه معتاد ". إلا أن يكون الاعتياد في كلامه وصفا للريح لبيان نوعها، لا قيدا في ناقضيتها، فيوافق ما في المتن. كما أن مقتضى إطلاق معاقد الاجماعات وأكثر النصوص عدم اعتبار سماع الصوت أو ظهور الريح في النقض. نعم، في صحيح زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: لا يوجب الوضوء إلا من غائط، أو بول، أو ضرطة تسمع صوتها، أو فسوة تجد ريحها " (2)، وفي موثق سماعة: " سألته عما ينقض الوضوء، فقال: الحدث تسمع صوته، أو تجد ريحه.. " (3)، ونحوهما غيرهما. وبمضمون الموثق عبر في المقنع. وفي المدارك: " ومقتضى الرواية أن الريح لا يكون ناقضا إلا مع أحد الوصفين ".


____________
(1) راجع الوسائل باب: 1، 2، 3 من أبواب نواقض الوضوء. (2) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (3) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4.

===============

( 66 )

[ أو من غيره، إذا كان من شأ نه أن يخرج من الدبر (1)، ] وقد حمل غير واحد النصوص المذكورة على صورة الشك، كما هو المناسب لما في صحيح معاوية بن عمار: " قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الشيطان ينفخ في دبر الانسان حتى يخيل إليه أنه قد خرج منه ريح، فلا ينقض الوضوء إلا ريح تسمعها أو تجد ريحها " (1). وفي صحيح عبد الرحمن: " أنه قال للصادق عليه السلام: أجد الريح في بطني حتى أظن أنها قد خرجت. فقال: ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت أو تجد الريح، ثم قال: إن إبليس يجلس بين إليتي الرجل فيحدث ليشككه " (2). لظهورهما في ناقضية الريح بنفسها، ولذا يكون تخيلها سببا للشك في الانتقاض، وليس اعتبار أحد الوصفين إلا لليقين بخروجها، بل هو صريح خبر علي ابن جعفر عن أخيه عليه السلام: " وسألته عن رجل يكون في الصلاة فيعلم أن ريحا قد خرجت، فلا يجد ريحها ولا يسمع صوتها. قال: يعيد الوضوء والصلاة، ولا يعتد بشئ مما صلى إذا علم ذلك يقينا " (3). ومن ثم كان ظامر الاصحاب المفروغية عن عدم اعتبارهما في الناقضية واقعا، لعدم تنبيههم عليه، بل في الرياض أنه لا ريب فيه. ولذا لم يبعد حمل ما تقدم من المقنع على صورة الشك، ولا سيما مع إطلاقه ناقضية الريح في صدر كلامه. كما أنه احتمل في الجواهر عدم إرادة الخلاف مما سبق من المدارك. (1) ظاهر غير واحد من الاصحاب أن الكلام هنا هو الكلام فيما سبق، حيث حرروا الكلام في الاحداث الثلاثة.


____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3. (2) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5. (3) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9.

===============

( 67 )

[ ولا عبرة بما يخرج من القبل (1) ولو مع الاعتياد. ] نعم، اقتصر في المبسوط والخلاف وجواهر القاضي ومحكي السرائر والتذكرة والمختلف في فرض الخروج من غير السبيلين على الغائط والبول، وهو مقتضى ما تقدم من المراسم من تقييد الريح بالخارجة من الدبر، وما عن السرائر من أن الريح غير الخارجة من الدبر على وجه متيقن - كالخارجة من فرج المرأة أو مسام البدن - ليست ناقضة، وإن أمكن تنزيله على ما ليس من شأنه الخروج من الدبر، كما تقدم في كلام المراسم. ولعله لذا قال في محكي شرح المفاتيح: " ادعى المعتبرون للاعتياد الاجماع على أن الجشأ لا ينقض. وما ندري ما يقولون في الجشأ المنتن إذا اعتيد خروج الغائط من الفم مع أنسداد المخرج الطبيعي ". وكيف كان، فقد أشرنا إلى أن العمدة في التعميم حمل التقييد بالسبيلين على الغالب، وأنه لا يخلو عن إشكال. وهو في المقام أشكل، لان صحيح زرارة المتقدم قد تضمن عنوان الضرطة والفسوة، وصدقهما يختص بالخروج من السبيلين، وحمله على ما من شأنه أن يسمى بهما محتاج إلى قرينة. واستبعاد عدم الانتقاض مع الاعتياد أو الانحصار هنا أضعف منه هناك بالنظر للمزتكزات. وكأن مراد سيدنا المصنف قدس سره من إطلاق الحكم هنا الجري فيه على ما سبق من الاحتياط في الفتوى، وإلا فالجزم هنا بعموم النقض لا يناسب التوقف فيه هناك جدا بعد ما ذكرنا. (1) كما في المنتهى وجامع المقاصد والروض والمدارك، وعن الشهيد والذخيرة والسرائر، وهو مقتضى ما تقدم من المراسم، لعدم صدق العنوانين المذكورين في صحيح زرارة المتقدم عليه. ولاجله ضعف ما في المعتبر وعن التذكرة وشرح الموجز من أن الريح

===============

( 68 )

[ الرابع: النوم (1) ] الخارج من قبل المرأة ينقض لان له منفذا للجوف، وزاد عليه في محكي التذكرة ريبح الادر، المفسر بذي الفتق، بل عن بعضهم إطلاق ناقضية ما يخرج من الذكر. إذ لا دليل عليه إلا إطلاق ما تضمن ناقضية الريح وما خرج من السبيلين، الذي لو لم ينصرف لخصوص ما يخرج من الدبر - كما يناسبه ما تضمن تشكيك الشيطان - لوجب الخروج عنه بالصحيح المذكور. (1) كما هو المعروف بين الاصحاب المدعى عليه الاجماع في الانتصار، والناصريات، والخلاف، وكشف اللثام، ومحكي السرائر، والتذكرة، وشرح الموجز، ونسبه في المعتبر والمنتهى إلى علمائنا، وفي محكي الكفاية إلى الاصحاب، وعده الصدوق في أماليه من دين الامامية، وادعى في التهذيب إجماع المسلمين عليه. وفي الجواهر: " الاخبار به متواترة، كالاجماعات المنقولة البالغة إلى حد يمكن دعوى تحصيل الاجماع من نقلتها ". ولاجله لابد أن يحصل حصر الصدوق في المقنع والهداية النواقض في الثلاثة المتقدمة على كونه بالاضافة إلى غيرها مما يقول به العامة لا بالاضافة إلى ما يعم النوم، كما يناسبه اقتصاره فيما نص على عدم ناقضيته على القئ والقلس والحجامة والمذي والوذي ونحوها، إذ لو كان يرى عدم ناقضية النوم لكان أولى من غيره بأن ينبه عليه، بسبب معروفية ناقضيته بين الامامية، ولا سيما مع نصريحه في المقنع بأن من استيقظ من نومه فلا بأس بأن يدخل يده في الماء قبل أن يغسلها، إلا أن يكون قد بال، فإن ذلك مما تعرضت له - في الجملة - النصوص (1) والفتاوى في الوضوء بنحو يظهر منه المفروغية عن ناقضية النوم، وكذا تصريحه في الفقيه بناقضية النوم.


____________
(1) راجع الوسائل باب: 27 و 28 من أبواب الوضوء، وهي قد تضمت الحكم على خلاف ما في المقنع.

===============

( 69 )

وعلى ذلك أيضا يحمل ما عن رسالة والده من عدم عذ النوم من النواقض، ومن ثم نبه في كشف اللثام على عدم قدح ذلك في الاجماع، كما ذكر أن خلافه لو تم لا يقدح فيه. وكيف كان، فيقتضيه - مضافا إلى ذلك - الكتاب المجبد، بناء على أن المراد من القيام إلى الصلاة فيه هو القيام من النوم، كما ادعى إجماع المفسرين عليه في الانتصار، والناصريات، والمنتهى، ومحكي التبيان، ونسبه لهم في الخلاف. ويشهد به موثق ابن بكير: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة) ما يعني بذلك؟ قال: إذا قمتم من النوم. قلت: ينقض النوم الوضوء؟ فقال: نعم، إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت " (1). مضافا إلى النصوص (2) المستفيضة أو المتواترة معنى المتضمنة لناقضيته، وقد تقدم ويأتي بعضها. وأما الحصر في غير واحد من النصوص بالثلاثة المتقدمة، فهو بالاضافة إلى بقية ما يخرج من السبيلين وغيرهما مما يخرج من الانسان، كما تشير إليه بعضها، ويقتضيه الجمع بينها وبين نصوص المقام. ثم إن ظاهر النصوص والفتاوى ناقضية النوم بنفسه، في قبال بقية النواقض، بل هو كالصريح منها، ومن ثم جزم به بعضهم. وفي الحدائق أنه قد يفهم من بعض كلماتهم كون ناقضيته باعتبار احتمال حصول الناقض حينه. وربما يستشهد له برواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام: " سألته عن الرجل يخفق في الصلاة. فقال: إن كان لا يحفظ حدثا منه إن كان فعليه الوضوء وإعادة الصلاة، وإن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا إعادة " (3).


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7. (2) راجع الوسائل باب: 1، 2، 3، 4 من أبواب نواقض الوضوء. (3) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 6.

===============

( 70 )

وما في العلل والعيون - بسند لا يخلو عن اعتبار - عن الرضا عليه السلام: " قال: وأما النوم، فإن النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شئ منه واسترخى فكان أغلب الاشياء عليه فيما يخرج منه الريح، فوجب عليه الوضوء لهذه العلة " (1). لكن ظاهر الثاني أن العلة هو التعرض للحدث مع النوم، وهو أمر أدركه الشارع ملاكا أو حكمة للحكم بناقضية النوم بنفسه واقعا مطلقا، وليست العلة هي احتمال الحدث بنحو يكون هو الموضوع للنقض الظاهري، ويناط تشخيصه بالمكلف، كي لا يحكم بالنقض مع اليقين بعدم الحدث. وأما الاول، فظاهر ذيله وإن كان هو ناقضية الحدث الذي قد يصاحب النوم - لا النوم بنفسه - إلا أن ظاهر صدره كون موضوع النالقضية واقعا هو كون المكلفط بحيث لا يحفظ الحدث لو كان، وإن لم يكن حدث أصلا. وتنزيل الصدر على الذيل وإن كان هو الاظهر من الحديث، بجعل ناقضية الحالة المذكورة ظاهرية، بلحاظ استلزامها الشك في مصاحبة الحدث لها، إلا أنه قد يتعين - بلحاظ بقية نصوص المقام - تنزيل الذيل على الصدر، بحمل اليقين في الذيل على إرادة الالتفات حين الخفق، المستلزم لعدم تحقق النوم، في مقابل ما فرض في الصدر من فقد القرة الماسكة، المستلزم لفقد الالتفات، فيكون الحديث واردا لتحديد النوم الناقض، لان مفروض السؤال هو الخفق الذي هو أعم منه، لا لبيان عدم ناقضية النوم بنفسه في فرض وجوده. وإلا فلا مجال للخروج به عن نصوص المقام الكثيرة الظاهرة أو الصريحة في ناقضية النوم بنفسه كسائر النواقض، خصوصا صحيح إسحاق بن عبد الله الاشعري عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: لا ينقض الوضوء إلا حدث، والنوم حدث " (2).


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 13. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4.

===============

( 71 )

[ الغالب على العقل (1)، ويعرف بغلبته على السمع والبصر. ] (1) كما في المقنعة، والتهذيب، والمراسم وعن غيرها، وإليه يرجع ما في الناصريات من أنه الغالب على العقل والتمييز، وما في الغنية وعن جمل السيد من أنه ما يفقد معه التحصيل. بل الظاهر أنه يرجع إليه ما في الروض والروضة والمسالك وعن الببان من أنه الغالب على مطلق الاحساس، وحدد بما يغلب على السمع والبصر في المبسوط والنهاية والخلاف والوسيلة والمعتبر والشرائع والنافع والمنتهى والارشاد واللمعة، ونسب للاكثر. والظاهر رجوعه للاول مع كون منشأ الاختلاف بينهما اختلاف عبارات النصوص، أو نظر من ذكر الاول لحقيقة النوم، ومن ذكر الثاني لطريق معرفته، كما جرى عليه في المتن، وهو المستفاد من مجموع النصوص، بعد النظر في مفهوم النوم عرفا. وتوضيح ذلك: أن النصوص وإن اختلفت في بيان النوم الناقض، وأنه ما ذهب بالعقل - كما في صحيح عبد الله بن المغيرة ومحمد بن عبد الله (1) - أو خالط القلب - كما في حديث الاربعمائة (2) - أو ما غلب على السمع - كما في صحيح معمر بن خلاد (3) وموثق بكير المتقدم (4) - أوما غلب عليه وعلى البصر - كما في مرسل سعد (5) - أو ما غلب عليهما وعلى العقل - كما في صحيح زرارة (6) - إلا أن الاقرب عرفا في الجمع بينها تلازم الامور المذكورة خارجا وعدم الفرق بينها


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء، حديث: 6. (3) الوسائل باب: 4 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (4) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7. (5) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 8. (6) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1.

===============

( 72 )

عملا، لما فيه من المحافظة على ظهور كل منها في كفاية تحقق موضوعه في صدق النوم الناقض، وإنما يحتاج لتقييد بعض الادلة ببعض ورفع اليد عن الظهور المذكور مع العلم بعدم تلازم موضوعاتها. ويناسب ما ذكرنا قوله عليه السلام في صحيح زرارة المتقدم: " والنوم حتى يذهب العقل. وكل النوم يكره إلا أن تكون تسمع الصوت " (1)، لعدم ظهوره في تقييد إحدى الفقرتين بالاخرى، ولا يصح التحديد في مقام العمل بحدين إلا مع تطابقهما موردا. وحينئذ، فحيث كان النوم عرفا حالة مقابلة للالتفات، ويلزمها عدم قيام الحواس بوظائفها، كان ذلك قرينة على حمل ما تضمن التحديد بذهاب العقل على الاشارة لحقيقته، وحمل ما تضمن التحديد بتعطل الحاستين على بيان لازمه الخارجي الذي يصلح لان يكون علامة له. كما أن المستفاد من النصوص المعتبرة سندا هو كفاية كل من ذهاب العقل وذهاب السمع - الذي عرفت رجوعه إليه لتلازمهما - دون ذهاب البصر، بل لا حاجة لضمه لذهاب السمع - وإن تضمنه المرسل وكلام الاصحاب - بل من القريب كونه أعم منه، كما قد يستفاد من قوله عليه السلام في صحيح زرارة: " قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن، فإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء " (2)، لان التنبيه فيه على نوم العين مع عدم نوم القلب والاذن، دون العكس مشعر أو ظاهر في ذلك. ولعل الجمع بينهما في المرسل وكلام من عرفت للتنبيه لما أشير إليه في الصحيح من عدم الاكتفاء بنوم العين، لا لبيان عدم الاكتفاء بذهاب السمع أيضا. ولعله لاجل ما ذكرنا كان ظاهر الاصحاب عدم الفرق عملا بين التحديدين المذكورين في كلماتهم، وإلا لزم إهمال كلتا الطائفتين لنصوص الطائفة الأخرى بلا


____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1.

===============

( 73 )

وجه، ولذا لم ينبه أكثرهم على الخلاف من هذه الجهة، بل وقع كل من التحديدين في معاقد بعض الاجماعات السابقة، حتى أنه أدعي الاجماع على كل منهما من شخص واحد، فقد ادعى الشيخ قدس سره الاجماع في التهذيب على الاول، وفي الخلاف على الثاني. بل هو كالصريح من المحقق في المعتبر، حيث جعل الموضوع في صدر كلامه النوم الغالب على الحاستين، ثم ذكر في بعض الفروع أن نقض النوم مشروط بذهاب العقل. وأما ما ذكره المحقق والشهيد الثانيان ونسب لجمع من الاصحاب من أن ذكرهم إبطال السمع والبصر لانهما أعم الحواس إدراكا، فإذا بطل إحساسهما فقد بطل إحساس غيرهما، ولذا ذكر الشهيد الثاني أن المدار على إبطال الاحساس مطلقا، فهو لا يخلو عن خفاء، ولذا تنظرفيه في المدارك. إلا أن يرجع إلى ما ذكرنا من أن المعيار الغلبة على العقل المستلزم لبطلان الحاستين. ثم إن المراد بذهاب العقل هو ذهاب الادراك بالوجه المعهود الذى تبتني عليه المسؤولية بنظر العقلاء، لا مطلق الادراك، وإلا فهو قد يصاحب النوم. كما أن المراد بإبطال الحاستين، هو إبطالهما بالوجه المصاحب للاحساس المذكور، الذي عبر عنه في الناصريات بالتمييز، وفي الغنية بالتحصيل، إذ قد لا يوجب النوم تعطيلهما مطلقا، بل يتأثر النائم بهما تأثرا يشبه الغريزى، ولا يبتني على التحصيل بالوجه المعهود. هذا، وظاهر النصوص المتقدمة تقييد ناقضية النوم باحد الامور المذكورة، مع كونه أعم منها موردا، إلا أنه يتعين حملها على تحديد نفس النوم، مع كونه ناقضا مطلقا، وأنه عبارة عن المرتبة التامة، وأن ما نقص عنها من مبادئه، لا منه حقيقة، لعدم صدقه عرفا عليه، وللنصوص الظاهرة في أن مسمى النوم ناقض. ولا سيما صحيح زيد الشحام: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخفقة

===============

( 74 )

[ من غير فرق بين أن يكون قائما وقاعدا ومضطجعا (1). والخفقتين. فقال: ما أدري ما الخفقة والخفقتين، إن الله تعالى يقول: (بل الانسان على نفسه بصيرة)، إن عليا عليه السلام كان يقول: من وجد طعم النوم فقد وجب عليه الوضوء " (1). وقريب منه صحيح ابن الحجاج الآتي. (1) كما هو معقد الاجماع المتقدم من الانتصار والناصريات والمنتهى ومحكي شرح الموجز، وعن الاكثر التصريح به. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق نصوص ناقضيته وعموم بعضها - صحيح عبد الرحمن بن الحجاج، المطابق لصحيح زيد الشحام المتقدم، إلا أنه حكي فيه عن علي عليه السلام أنه كان يقول: " من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا، فقد وجب عليه الوضوء، (2). ودعوى: معارضته بصحيح زيد لعدم تضمنه الزيادة المذكورة، ولا سيما مع قرب اتحادهما، لان الذي روي صحيح زيد عنه هو عبد الرحمن بن الحجاج، فليس في المقام إلا صحيح واحد مضطرب السند والمتن. مدفوعة: بأن الاختلاف بالزيادة إنما يوجب التعارض إذا كانت موجبة لتبدل المعنى، دون ما إذا أوجبت زيادته أو توضيحه - كما في المقام - لامكان كون عدم اشتمال أحد النقلين عليها لعدم تعلق الغرض بها. واتحادهما - مع مخالفته للاصل، لعد م كون القرينة المذكورة قطعية - لا يضر مع صحة كلا السندين. ومثله في ذلك صحيح عبد الحميد بن عواض عن أبي عبد الله عليه السلام: " سمعته يقول: من نام وهو راكع أو ساجد أو ماش، على أي الحالات،


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 8. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9.

===============

( 75 )

فعليه الوضوء " (1). وربما ينسب للصدوق الخلاف في عموم ناقضية النوم، لانه أورد في الفقيه موثق سماعة: " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخفق رأسه وهو في الصلاة قائما أو راكعا. قال: ليس عليه وضوء " (2)، وقال: " وسئل موسى بن جعفر عليهما السلام عن الرجل يرقد وهو قاعد هل عليه وضوء؟ فقال: لا وضوء عليه مادام قاعدا إن لم ينفرج " (3). لما ذكره في أول الكتاب من أنه لا يودع فيه إلاما يفتي به ويكون حجة بينه وبين ربه. وما عن غير واحد من عدوله عن ذلك، غير ظاهر المأخذ. واشتمال الكتاب على بعض النصوص المعلوم عدم حجيتها - كما ما يرويه عن العامة - لعله لاجل التأييد بها، أو لاشتمالها على السنن. ولا ينافي فتواه بمضمون الخبرين ذكره لبعض مطلقات ناقضية النوم في صدر كلامه، لقرب إرادة تقييدها بهما. وكيف كان، فلا مجال للتعويل على الخبرين.. أما الموثق، فهو وإن اعتضد بخبر الكاهلي: " سألت العبد الصالح عن الرجل يخفق وهو جالس في الصلاة، قال: لا بأس بالخفقة ما لم يضع جبهته عن الارض أو يعتمد على شئ " (4). إلا أن الخفق لا يلازم النوم، كما يظهر من صحيحي ابن الحجاج وزيد الشحام وخبر الكناني المتقدمة، - فإنه: تحريك الرأس عند النعاس، كما في مجمع البحرين، والقاموس، وغيرهما. على أن خصوصية الصلاة في عدم انتقاض الوضوء ملغية عرفا، لبعد دخلها


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 12. (3) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 11. (4) مستدرك الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5.

===============

( 76 )

جدا، ولاسيما مع ما في بعض النصوص من عدم الترخيص به للصلاة (1)، وغاية ما يستفاد منه خصوصية القيام والركوع، فيعارض بصحيح ابن الحجاج وخبر عبد الحميد المتقدمين. وأما المرسل، فهو وإن اعتضد بخبر بكر الحضرمي: " سألت أبا عبد الله عليه السلام هل ينام الرجل وهو جالس؟ فقال: كان أبي يقول: إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع فليس عليه وضوء، وإذا نام مضطجعا فعليه الوضوء " (2). إلا أنهما - مع ضعف سندهما وظهور إعراض الاصحاب عنهما - معارضان بصحيحي ابن الحجاج وعبد الحميد المتقدمين، وصحيح معمر الآتي الوارد فيمن أغفى وهو قاعد (3)، وصحيح عبد الله بن المغيرة ومحمد بن عبد الله الوارد في نوم الرجل على دابته (4). فلابد من رفع اليد عنهما، لمخالفتهما لعمومات ناقضية النوم، وموافقتهما لبعض العامة، الملزمة بحملهما على التقية، أو يحملان على غلبة كون الاجتماع وعدم الانفراج مستلزما لاحتمال عدم تحقق النوم - كما حمله عليه الشيخ، ولعله مراد الصدوق - فلا ينافي عموم وجوب الوضوء لو علم بتحققه ولو مع عدم الانفراج. ومثلهما رواية عمران بن حمران: " أنه سمع عبدا صالحا عليه السلام يقول: من نام وهو جالس لا يتعمد النوم فلا وضوء عليه، (5). لوضوح أنه لا مجال لحمل النصوص المتضمنة نقض النوم حال الجلوس على خصوص صورة التعمد، لغلبة عدم تعمده حينه، فيتعين تقديم تلك النصوص عليها، ولا سيما مع ضعف سندها وظهور إعراض الاصحاب عن مضمونها.


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 10. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 15. (3) الوسائل باب: 4 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (4) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (5) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 14.

===============

( 77 )

وأما صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام: " في الرجل هل ينتض وضوؤه إذا نام وهو جالس؟ قال: إن كان يوم الجمعة في المسجد فلا وضوء عليه، وذلك أنه في حال ضرورة " (1)، فلا مجال للتعويل عليه، بعد ظهور إعراض الاصحاب عنه. مع أن التعليل فيه بالضرورة لا يناسب عدم انتقاض وضوئه، بل عدم تكليفه بالوضوء. ومن القريب أن يكون تطبيق الضرورة عليه بلحاظ منع الزحام له من الخروج مع رجحان صلاة الجمعة ولو ببعض مراتبها، المناسب لتشرح التيمم، كما تضمنه موثق السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام: " أنه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة، فاحدث أو ذكر أنه على غير وضوء ولا يستطيع الخروج عن المسجد من كثرة الناس. قال: يتيمم ويصلي معهم، ويعيد إذا انصرف " (2)، ونحوه موثق سماعة (3)، المحمو لان على الاستحباب، ومن ثم حمله الشيخ على ذلك. وأما حمله على إجزاء الصلاة للتقية - كما عن المنتقى - لما ذكره بعض مشايخنا من أن الخروج وترك صلاة الجمعة معهم رأسا من دون بيان العذر مخالف للتقية بعد وجوبها عندهم، كما أن بيان العذر مخالف للتقية أيضا، لان مذهب كثير منهم عدم الانتقاض بالنوم بالوجه المذكور، فهو كما لو توضأ بالمسح على الخفين. فيشكل بعدم التنبيه في الصحيح على التقية بالوجه المذكور. والضرورة أعم منها. كما لا دليل من غيره على الاجزاء حينئذ، لان المتيقن من دليل الاجزاء في التقية هو الاتيان بالعمل على طبق مذهيهم، لا تركه رأسا، كما تقدم في محله. ومن الظاهر أن الصلاة بدون وضوء ليس مذهبا لهم، والخلاف في انتقاض الوضوء ليس خلافا في كيفية أدائه بل في وجوده وعدمه.


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواتض الوضوء حديث: 16. (2) الوسائل باب: 15 من أبواب التيمم حديث: 1. (3) الوسائل باب: 15 من أبواب التيمم حديث: 2.

===============

( 78 )

[ ومثله كل ما غلب على العقل (1) ] كما أنه لم يفرض في مورد الصحيح التفاتهم لجهة الخلاف ومتابعتهم فيما يقولون، لعدم فرض تنبيههم على تحقق النوم بالوجه المذكور. ولا سيما مع امكان الاعتذار بحدث آخر مجمع على ناقضيته - كالريح - فلو فرض تحقق موضوع التقية في المقام فهو في الصلاة معهم من دون وضوء، لمحذور في بيان عدمه، وهو لا يقتضي الاسجزاء، كما تقدم. (1) كما هو المعروف بينهم، على اختلاف عباراتهم، حيث جعل بعضهم العنوان المذكور في قبال النوم، وجعل آخر النوم من صغرياته، واستغنى ثالث بذكره عن النوم، وعطف رابع على النوم بعض أفراده، كالمرض المانع عن الذكر، والسكر والاغماء والجنون. إلى غير ذلك مما يستفاد منه عدم اختصاص الناقضية بالنوم وعمومها لكل ما غلب العقل. وعن الكفابة نسبته للاصحاب، وفي المدارك وعن الدلائل دعوى الاجماع عليه، وعن الخصال أنه من دين الامامية، وفي التهذيب دعوى إجماع المسلمين عليه، وفي المنتهى: " لا نعرف فيه خلافا بين أهل العلم "، وفي البحار: " أكثر الاصحاب نقلوا الاجماع على كونها ناقضة ". وقد استدل عليه الشيخ وغيره بصحيح معمر بن خلاد: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع، والوضوء يشتد عليه وهو قاعد مستند بالوسائد، فربما أغفى وهو قاعد على تلك الحال. قال: يتوضأ. قلت له: إن الوضوء يشتد عليه لحال علته، فقال: إذا خفي عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء " (1)، بدعوى: أن مقتضى إطلاق الذيل فيه وجوب الوضوء بكل ما يخفى معه الصوت. وفيه - كما أشار إليه غير واحد -: أنه ظاهر في تحديد الاغفاء الناقض الذي


____________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1.

===============

( 79 )

هو النوم. ولا ظهور له في عموم الانتقاض مع خفاء الصوت ولو مع النوم - إما لناقضيته بنفسه أو لملازمته لما هو الناقض - كي يدعى أن المورد لا يخصص الوارد، لعدم الابتداء ببيان ناقضيته، بل سيق لتأكيد ناقضية الاغفاء وتحديده. وأضعف منه ما عن بعض متأخري المتأخرين من حمل الاغفاء فيه على الاغماء، لظهور " ربما " في التكثير، لانه الاكثر فيها - كما في مغني اللبيب - بل عن الشيخ الرضي أنه صار لها كالمعنى الحقيقي، والتقليل كالمعنى المجازي المحتاج للقرينة، والذي يكثر في حال المرض هو الاغماء لا النوم. وأما الاشكال في الاستدلال المذكور بأنه لا يطرد في السكر والجنون، لعدم خفاء الصوت فيهما. فهو مندفع، بأن المراد بخفاء الصوت ليس هو خفاءه رأسا، كيف وهو لا يخفى حتى في النوم، بل خفاؤه بالوجه المصاحب للاحساس المبني على المسؤولية بنظر العقلاء، الذي عبر عنه في كلماتهم بالتحصيل والتمييز - كما تقدم في النوم - وهو حاصل فيهما ببعض مراتبهما، الذي هو المتيقن من كلماتهم في المقام، بقرينة سياقيه مساق النوم فيها. على أنه إذا تم ناقضية بعض أفراد فقد العقل أمكن التعدي لغيره بعدم الفصل. فتأمل. ونظير الاستدلال المذكور في الضعف، الاستدلال بما تضمن تعليق ناقضية النوم بذهاب العقل، بدعوي: أنه يدل على مناط الحكم. لاندفاعه: بأنه ظاهر في تحديد النوم الناقض بما يذهب العقل، لا في عموم ناقضية ما يذهبه. وكذا الاستدلال بعموم التعليل في خبر العلل والعيون المتقدم في أول الكلام في ناقضية النوم. لاندفاعه: بأنه لا ظهور له في التعليل بما هو موضوع الحكم، بل في حكمة تشريعه، ولذا لا يظن من أحد البناء على عمرم الحكم لما يوجب الاسترخاء بنحو

===============

( 80 )

لا يحفظ من الريح مع بقاء العقل، على أنه لم يتضح ملازمة ذهاب العقل للاسترخاء بالوجه المذكور. ومنه يظهر ضعف ما ذكره غير واحد من أنه إذا وجب الوضوء مع النوم الذي يجوز معه الحدث فمع الاغماء والسكر أولى. إذ لو اريد الاولوية القطعية بلحاظ فهم علة الحكم، فهي - مع توقفها على أولوية مورد التعدي من النوم في احتمال الحدث - موقوفة على كون علة ناقضية النوم مجرد احتمال الحدث، وهو ممنوع، فإنه لو كانت ناقضية النوم طريقية لاجل احتمال الحدث - وغض النظر مما تقدم من منع ذلك - فهي لخصوصية في النوم، لا للانتقاض بمجرد ذلك الاحتمال، كي يتعدى عن النوم، إذ لاربب في عدم الانتقاض به مع بقاء العقل. وأشكل من ذلك ما لو اريد الاولوية العرفية الموجبة لظهور الكلام في العموم، الذي هو المعيار في مفهوم الموافقة - كما يظهر مما في المعتبر من الاستدلال بالمفهوم لا بالقياس - لانها موقوفة على كون العلة المشتركة من الظهور بحيث تكون من القرائن المحيطة بالكلام الموجبة لظهوره في التعدي المورد الاولوية. ونحو ذلك ما عن الاسترابادي من الاستدلال بتنقيح المناط. نعم، في خبر الدعائم عن الصادق عليه السلام: " إن المرء إذا توضأ صلى بوضوئه ذلك ما شاء من الصلوات ما لم يحدث، أو ينم، أو يجامع، أو يغمى (يغم. ظ) عليه " (1). لكنه - مع اختصاصه بالاغماء - ضعيف السند غير منجبر بعمل الاصحاب، لعدم اعتمادهم عليه في الحكم المذكور، حيث لم يتعرضوا له، ومجرد موافقته الهم لا يكفي في انجباره. فلم ييق في المقام إلا الاجماع الذي صرح غير واحد من المتأخرين بأنه


____________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب نواقض الوضوء، حديث: 1

===============

( 81 )

العمدة في المقام، لاستفاضة نقله. بل قال الفقيه الهمداني: " قلما يوجد في الاحكام الشرعية مورد يمكن استكشاف قول الامام عليه السلام أو وجود دليل معتبر من اتفاق الاصحاب مثل المقام، كما أنه قلما يمكن الاطلاع على الاجماع لكثرة ناقليه واعتضاد نقلهم بعدم الخلاف كما فيما نحن فيه. فاتفاق كلمة الاصحاب هو العمدة في المقام ". لكن في بلوغ دعوى الاجماع حدا يصلح لاثبات الحكم المذكور إشكال، إذ لا أهمية لنقله في كلمات المتأخرين - كصاحب المدارك - لما هو المعلوم من تعسر اطلاعهم عليه من طريق الحس، بل تعذره، ولا وثوق بحدسهم بعد خلو عبارات بعض الاصحاب عنه، بل ظهور حصرهم الناقض فيما عداه في الخلاف، كما هو الظاهر من حال أهل الاخبار الذين يظهر منهم الفتوى بمضمونها، ومنهم الطبقة الاولى المتصلة بعصور المعصومين عليهم السلام، الذين لم يتعودوا الفتارى، حيث ذكروا في المقام النصوص المتضمنة للحصر المذكور. ومن هنا لزم حمل نسبة الحكم للاصحاب في الكفاية على شيوعه بين أهل الفتوى منهم، لا الاجماع المصطلح. كما لا مجال للتعويل على ما تقدم من المنتهى، حيث يتعين حمله على عدم العثور على مصرح بالخلاف، وهو أعم من الاجماع. وما تقدم من البحار من نسبة دعوى الاجماع إلى أكثر الاصحاب وإن كان يزيد على دعوى الاستفاضة - كما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره - إلا أنه يوثق - بل يعلم - بعدم إرادة ظاهره، لقلة المدعين للاجماع منهم - كما سبق - واطلاعه على دعاوى كثيرة قد خفيت على غيره مقطوع بعدمه، كيف وظاهر آخر كلامه التشكيك في حصول الاجماع، حيث قال: " فالعمدة الاجماع إن ثبت ". وما تقدم عن الخصال لم نتحققه، حيث لم يعهد من الصدوق فيه التعرض لشرح دين الامامية، وإنما تعرض لذلك في الامالي، ومن المعلوم بسبر ما ذكره إرادته في كثير منه ما هو من دينهم بنظره الشريف، لا ما هو المجمع عليه بينهم.

===============

( 82 )

[ من جنون أو إغماء أو سكر (1) أو غير ذلك. ] على أنه صرح فيه بانحصار النواقض بما يخرج من الطرفين والنوم إذا ذهب بالعقل. فلم يبق إلا دعوى إجماع المسلمين من الشيخ في التهذيب، وهي وإن لم تخل عن الاهمية، ولا سيما مع اعتضادها بجري من تأخر عنه عليها، إلا أن في كشفها عن تسالم قدماء الاصحاب على الحكم بنحو يكشف عن رأي المعصومين عليهم السلام إشكال، لقرب ابتنائها على ملاحظة كلام المدونين للفتاوى كالمفيد والمرتضى وابن الجنيد، مع استنادهم - كالمتأخرين - لما سبق من الاستدلالات. وما ذكره الفقيه الهمداني من أن تلك الاستدلالات لتطبيق الدليل على المدعى - مع استغنائه عنه لوضوحه - لا لاستفادة المدعى من تلك الادلة، بحيث لو لاها لافتوا بخلافه، غير ظاهر، بل لا يناسبه كلام بعضهم. ولا مجال مع ذلك لاحراز موافقة الطبقة الاولى من الاصحاب الذين عرفت ظهور حالهم في متابعة النصوص الظاهرة في الحصر بما يخرج من الطرفين والنوم، لقوة ظهورها في خصوصية النوم وعدم كون ذكره لانه من أفراد العنوان المذكور، وإلا كان المناسب التنبيه فيها له أو لبقية أفراده وعدم إغفال ذلك، لانه مورد الحاجة. ومن هنا لا مجال للوثوق بالحكم، فضلا عن القطع به. ولذا كان ظاهر الوسائل والحدائق، بل البحار التوقف في الحكم، وبه يشعر ما في المفاتيح وعن الكفاية. فلاحظ. (1) فإن هذه الامور قد ذكرت في كلمات بعضهم بالخصوص، والظاهر أن المراد منها ما يكون بمرتبة يخرج به الانسان عن المسؤولية بالنحو المعهود عند العقلاء، وإن بقي الادراك ببعض مراتبه معها، كما تقدم في النوم. وما دون ذلك من مراتبها خارج عن المتيقن من كلماتهم، بل يشكل صدق عناوينها عليه، فيتعين البناء على عدم ناقضيته، كما هو الحال في غيرها من أفراد

===============

( 83 )

[ الخامس:، الاستحاضة، على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى (1). ] العنوان المذكور في المتن. (1) في الفصل الثالث من مباحث الاغسال. هذا، وقد صرح جملة من الاصحاب بانتقاض الوضوء بطروء أحد أسباب الغسل، والظاهر أنه ليس موردا للاشكال بينهم، وإنما أهمله بعضهم هنا لانه بصدد بيان ما يوجب الوضوء وحده، والاتكال في غيره على ما يذكر في الاغسال. وإنما الاشكال في أن إجزاء الغسل عن الوضوء في الجميع، أو يختص بالجنابة. فالاشكال في إيجابها للوضوء، لا في ناقضيتها له. وليس مرجع النزاع. في إجزاء الغسل عن الوضوء فيها إلى النزاع في توقف ارتفاع الحدث الاكبر المسبب عنها على الوضوء، مع عدم إيجابها الحدث الاصغر. ولذا لا يختص إجزاء غسلها عن الوضوء - على القول به - بما إذا لم يصاحبه سبب الحدث الاصغر. ولا إلى النزاع في رافعية غسلها للحدث الاصغر لو تحقق سببه من دون أن تكون هي مسببة له. ولذا لا يختص عدم إجزاء غسلها عن الوضوء - على القول به - بما إذا صاحبه سبب الحدث الاصغر. وكيف كان، فيقتضيه في الجنابة: ما تقدم في صحيح زرارة (1) من جعل المني من جملة نواقض الوضوء، وفي الجميع: ما يظهر من نصوص كل من إجزاء الغسل عن الوضوء وعدمه من المفروغية عن تحقق موضوع الوضوء. وكذا ما تضمن مشروعية الوضوء للجنب والحائض بلحاظ بعض الغايات، مع ما هو المرتكز عند المتشرعة من أن موضرع الوضوء هو الحدث الاصغر لا الاكبر.


____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2.

===============

( 84 )

[ مسألة 89: إذا شك في طروء أحد النواقض بنى على العدم (1)، وكذا إذا شك في أن الخارج بول أو مذي (2)، فإنه يبني على عدم كونه بولا (3)، إلا أن يكون قبل الاستبراء، فيحكم بأنه بول (4)، فإن كان متوضئا انتقض وضوؤه. مسألة 90: إذا خرج ماء الاحتقان ولم يكن معه شئ من الغائط، لم ينتقض الوضوه (5)، ] وقد تقدم في مبحث تداخل الاغسال عند الكلام في الاجتزاء بالغسل عن الوضوء مع وجود الجنابة ما له نفع في المقام. (1) لاستصحاب عدمه، المستغنى به عن استصحاب الطهارة، الذي تقدم جريانه، في المسألة الخامسة والسبعين في أوائل أحكام الخلل. (2) وكذا لو تردد بين البول وغير المذي، أو بين الغائط وغيره من الدود ونحوه مما ليس بناقض. (3) هذا مبني على استصحاب العدم الازلي، الذي كل يشكل في خصوص المقام بأن البولية ليست من طوارئ الوجود عرفا، بل من الامور الذاتية، فلا يقين بسلبها عن المشكوك حتى بلحاظ حال ما قبل وجوده. فالاولى التمسك باستصحاب عدم خروج البول، لانه يكفي في البناء على عدم انتقاض الطهارة وإن لم يحرز حال الخارج، ولو غض النظر عنه أمكن الرجوع لاستصحاب الطهارة بناء على ما هو التحقيق من جريان الاستصحاب مع الشك في رافعية الموجود. وأما الخارج فيتعين الرجوع فيه لاصالة الطهارة، بعدما ذكرنا من عدم جريان استصحاب عدم كونه بولا. (4) كما تقدم في الفصل الرابع من مبحث أحكام الخلوة. (5) فقد صرحوا بأن الخارج من السبيلين غير البول والغائط والريح والمني

===============

( 85 )

[ وكذا لو شك في خروج شئ من الغائط معه (1). مسألة 91: لا ينتقض الوضوء بخروج المذي (2)، ] - كالدود والحص والحقنة وغيرها - لا ينقض الوضوء، وقد ادعى الاجماع على ذلك في الخلاف والغنية وظاهر المنتهى وعن الدلائل. ويقتضيه النصوص الكثيرة المتضمنة حصر النواقض مما يخرج من السبيلين بالامور المذكورة المتقدم بعضها، وخصوص النصوص الواردة في ذلك، كموثق عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: " سئل عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع؟ قال: إن كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شئ ولم ينقض وضوءه، وإن خرج متلطخا بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء " (1)، وغيره من النصوص الكثيرة. وأما ما رواه الشيخ عن فضيل عنه عليه السلام: " قال في الرجل يخرج منه مثل حب القرع. قال: عليه الوضوء ". فلا مجال للتعويل عليه بعد رواية الكليني له هكذا: " ليس عليه وضوء ". ومن ذلك يظهر ضعف ما عن ابن الجنيد من نقض الحقنة إذا خرجت، ويأتي الكلام في بعض صغريات ذلك إن شاء الله تعالى، منا ومن المتن. (1) لاستصحاب عدم خروجه المستغنى به عن استصحاب الطهارة، نظير ما تقدم في المسألة السابقة. (2) كما هو المعروف بين الاصحاب (رضي الله عنهم) المدعى عليه الاجماع في الخلات والغنية والمنتهى وعن التذكرة ونهاية الاحكام. ويقتضيه - مضافا إلى أخبار الحصر المشار إليها في المسألة السابقة - النصوص الكثيرة النافية لناقضيته بالخصوص، التي ذكر منها في الوسائل ما يزيد على خمس عشرة رواية كثير منها معتبر السند:


____________
(1) الوسائل باب: 5 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5.

===============

( 86 )

منها: صحيح بريد: " سألت أحدهما عليهما السلام عن المذي. فقال: لا ينقض الوضوء ولا يغسل منه ثوب ولا جسد، إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق " (1). خلافا لما عن ابن الجنيد من النقض به إذا كان بشهوة. وعن بعض المتأخرين الاستدلال له بأنه مقتضى الجمع بين النصوص المذكورة وما تضمن عموم ناقضيته، كصحيح ابن بزيع: " سألت الرضا عليه السلام عن المذي فأمرني بالوضوء منه، ثم أعدت عليه في سنة أخرى فأمرني بالوضوء منه، وقال: إن عليا عليه السلام أمر المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستحيى أن يسأله، فقال: فيه الوضوء " (2)، وصحيح يعقوب بن يقطين: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يمذي وهو في الصلاة من شهوة أو من غير شهوة. قال: المذي منه الوضوء، (3)، وما تضمن التفصيل المذكور، كصحيح علي بن يقطين: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن المذي أينقض الوضوء؟ قال: إن كان من شهوة نقض " (4). ومثله صحيح الكاهلي (5) وخبر أبي بصير (6). وفيه: أنه لا مجال لذلك بعد ظهور إعراض الاصحاب عن هذه النصوص، ولاسيما مع كثرة الابتلاء بهذه المسألة، حيث يمتنع عادة خفاء حكمها عليهم. ومجرد موافقة ابن الجنيد لها - في الجملة - لا يمنع من وهنها بذلك. وأما ما ذكره الشيخ في التهذيب بعد ذكره لصحيح ابن بزيع من أنه لو صح لكان محمولا على المذي الذي يخرج عن شهوة ويخرج عن المعهود من كثرته، فليس هو خلافا منه في المقام، ولا عملا منه بالخبر المذكور، لعدم جزمه بصحته، بل سبق منه أنه خبر ضعيف شاذ، بل اعتباره الكثرة خروج عن مفاد النصوص المذكورة.


____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 17. (3) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 16. (4) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 11. (5) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضو، حدبث: 12. (6) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 10.

===============

( 87 )

على أنه لا مجال للجمع المذكور مع إباء بعض نصوص الناقضية عن الاختصاص بصورة الخروج بشهوة، كصحيح يعقوب بن يقطين المتقدم، وصراحة بعض نصوص عدم الناقضية في صورة الخروج بشهوة، كصحيح عمر بن يزيد: " اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة ولبست أثوابي وتطيبت فمرت بي وصيفة ففخذت لها فأمذيت أنا وأمنت هي، فدخلني من ذلك ضيق، فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك، فقال: ليس عليك وضوء ولا عليها غسل " (1)، وصحيح ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عنه عليه السلام: " قال: ليس في المذي من الشهوة ولا من الانعاظ ولا من القبلة ولا من مس الفرج ولا من المضاجعة وضوء.. " (2). ولا يقدح الارسال من ابن أبي عمير، كما تقدم غير مرة، ولا سيما مع ظهور الارسال عن غير واحد في اشتهار الحديث. بل يظهر مما يأتي أن الغالب خروج المذي عن شهوة، فلا مجال لحمل النصوص الكثيرة المتضمنة لعدم ناقضيته على خصوص صورة عدم الشهوة. فلابد من إهمال نصوص الناقضية المطلقة والمقيدة، إما لما تقدم من سقوطها عن الحجية بإعراض الاصحاب، أو لترجيح نصوص عدم الناقضية عليها بأنها أشهر رواية، وموافقة لعمومات الحصر المشار إليها، ومخالفة لمذهب العامة المدعى عليه إجماعهم. وأما ما ذكره بعض مشايخنا من ترجيحها بموافقة الكتاب، لان مقتضى إطلاق الآية الكريمة جواز الدخول في الصلاة بعد الوضوء والغسل وإن خرج المذي، فهو لا يخلو عن إشكال، إذ الظاهر ورود الآية لبيان إيجاب النوم والجنابة للوضوء والغسل، لا لبيان أمد بقائهما وعدم انتقاضهما بغيرهما، لينفغ فيما نحن فيه. نعم، قد تحصل نصوص الناقضية على الاستحباب إما مطلقا، كما حكاه في


____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 13. (2) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء، حديث: 2.

===============

( 88 )

[ أو الودي (1)، ] الحدائق عن جملة من متأخري المتأخرين، لما تضمنه صحيح ابن بزيع بطريق آخر صحيح أيضا من قوله: " قلت: وإن لم أتوضأ؟ قال: لا بأس (1)، أو إذا كان عن شهوة، كما احتمله في الاستبصار، جمعا بين ذلك ونصوص التفصيل. لكن قد يشكل الحمل على الاستحباب باختلاف النصوص فهي جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمقداد، ففي صحيح إسحاق بن عمار أنه قال: " ليس بشئ " (2). بل ذكر الشيخ أن ذلك هو المعروف من هذه القصة، ولا سيما مع إباء لسان بعض نصوص عدم الناقضية عن استحباب الوضوء، لشدة التأكيد فيها على عدم الحاجة للوضوء بتشبيهه بالبزاق ونحوه. فإن ذلك موجب للريب في نصوص الناقضية ومقرب لحملها على التقية جدا. وكيف كان، فلا ينبغي التأمل في عدم وجوب الوضوء به، وليس هو موردا للشك وحسن الاحتياط، كما يظهر من الحدائق، بل في المدارك بعد تقريب عدم الناقضية: " والاحتياط هنا مما لا ينبغي تركه، لان المسألة موضع تردد ". (1) كما نص عليه غير واحد، وادعي الاجماع عليه في الحدائق، والخلاف على إحدى النسختين. ويقتضيه - مضافا إلى ما تقدم في المسألة السابقة من الاجماع ونصوص الحصر - صحيح زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: إن سال من ذكرك شئ، من مذي أو ودي وأنت في الصلاة فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء وإن بلغ عقبيك، فإنما ذلك بمنزلة النخامة، وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل والبواسير وليس بشئ، فلا تغسله من


____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9. (2) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوصوء حديث: 7.

===============

( 89 )

ثوبك إلا أن تقذره " (1). ومرسل حريز عنه عليه السلام: " قال: الودي لا ينقض الوضوء، إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق " (2). ومرسل ابن رباط الآتي بناء على استفادة حكمه منه بقرينة السياق. نعم، في صحيح عبد الله بن سنان عنه عليه السلام: " قال: ثلاث يخرجن من الاحليل، وهن: المني وفيه الغسل، والودي فمنه الوضوء، لانه يخرج من دريرة البول. قال: والمذي ليس فيه وضوء، إنما هو بمنزلة ما يخرج من الانف " (3). وقد حمله الشيخ والعلامة بقرينة التعليل على من ترك الاستبراء، لانه لا يخرج إلا ومعه شئ من البول، واستجوده في الحدائق. وكأن وجهه: أن دريرة البول سيلانه، ولا معنى للخروج منه، فإما أن يراد بالخروج منها الخروج من محلها - وهو الاحليل - أو الخروج معها مصاحبا لها كأنه منها، وحيث لم يكن الاول مناسبا للتعليل، لاستراك الامور الثلاثة فيه - كما تضمنه صدر الحديث - تعين الثاني، ويكون المراد به بيان الحال الغالب له لا الدائم، بقرينة ما تضمن عدم النقض بخروجه. وأما ما في الجواهر وغيره من أن عدم الاستبراء إنما يوجب البناء على ناقضية البلل المشتبه، دون ما يعلم بأنه غير بول وإن خرجت معه أجزاء بولية، لاستهلاكها بحيث لا تسمى بولا، بل يمكن دعوى طهارته، لخروجه عن المسمى


____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 15. ثم ان الاستدلال بالصحيح والمرسل مبني على رواية الودي فيهما بالدال المهملة، كما في الكافي والتهذيب، وعليه جرى في الوسائل، وغير واحد من كتب الفقهاء. اما روايته فيهما بالذال المعجمة كما في الاستبصار فيخرج عما نحن فيه وينفع فيما يأتي، لكن يوهنه انه ذكره في الجواب عن صحيح ابن سنان الآتى الوارد في الودي بالمهملة فيكشف عن وقوع التصحيف فيه. (3) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 14.

===============

( 90 )

[ أو الوذي (1) ] وعدم تنجسه في الباطن. ففيه: أن مقتضى إطلاق نصوص الاستبراء شمول الناقضية للصورة المذكورة، كما تقدم في آخر فصل كيفية الاستبراء، وتقدم اختصاص عدم النقض بصورة الخلوص عن البول، وهي لا تناسب التعليل المذكور. نعم، لا يكفي ما سبق في حمل الصحيح على ما ذكره الشيخ، ولا أقل من إجماله، فلا يخرج به عما سبق. على أنه يكفي في وهنه في نفسه إعراض الاصحاب عنه، بل لا أقل من ترجيح معارضه عليه بأنه أشهر رواية، وموافق لعموم نصوص الحصر وغيرها، ومخالف للعامة. ثم إنه يظهر مما تقدم أنه لا مجال لاثبات استحباب الوضوء منه لاجل الصحيح المذكور، وإن حكي عن بعضهم. (1) كما نص عليه غير واحد، وادعي الاجماع عليه في الغنية والمنتهى والحدائق والخلاف على إحدى النسختين. ويقتضيه - مضافا إلى ما تقدم في المسالة السابقة من الاجماع ونصوص الحصر، وإلى عموم ذيل صحيح زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم المتقدم - مرسل ابن رباط عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: يخرج من الاحليل المني والوذي والمذي والودي. فأما المني فهو الذي تسترخي له العظام ويفتر منه الجسد، وفيه الغسل. وأما المذي يخرج من شهوة، ولا شئ فيه. وأما الوذي فهو الدي يخرج بعد البول. وأما الوذي فهو الذي يخرج من الادواء، ولا شئ فيه " (1).


____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 6.

===============

( 91 )

[ والاول (1) ما يخرج بعد الملاعبة (2)، ] تنبيه تقارب الودي والوذي في الرسم أوجب التشويش في عبارات الاصحاب، فقد يذكرون أحد الامرين ويستدلون عليه بالنص الوارد في الآخر، وقد ينسب لاحدهم ذكر أحدهما أو دعوى الاجماع فيه مع أنه قد ذكر الآخر، وما جرينا عليه في نقل كلماتهم ومتون النصوص هو الذي تيسر لنا الاطلاع عليه من النسخ المطبوعة. والامر سهل بعد اشتراك الامرين في وضوح عدم الناقضية ولو بسبب تسالم الاصحاب. (1) وهو المذي قال في مجمع البحرين: " وفيه لغات: سكون الذال، وكسرها مع التثقيل، والكسر مع التخفيف. وأشهر لغاته فتح فسكون، ثم كسر ذال وشدة ياء. وعن الاموي: المذي والودي والمني مشددات ". وقريب منه في الحدائق، وذكر اللغات الثلاث في القاموس، واقتصر على الاوليين في الجمهرة ولسان العرب، كما اقتصر على الاولى في الصحاح ونقل عن الاموي ما تقدم من مجمع البحرين، ونقل في لسان العرب عن الاصمعي وعلي بن حمزة الاقتصار على الثانية. (2) كما في النهاية، وفي أدب الكاتب والصحاح ولسان العرب والقاموس ومجمع البحرين: أنه ما يخرج عند الملاعبة والتقبيل. وقريب منه عن غيرها. وهو المذكور في كلام غير واحد من الاصحاب. ومرجع الجميع ما تقدم في مرسل ابن رباط. ويشير إليه ما تضمنه صحيحا إسحاق بن عمار وابن بزيع من استحياء أمير المؤمنين عليه السلام من سؤال النبي صلى الله عليه وآله عنه. لكن مقتضى صحيحي ابني يقطين المتقدمين وصحيح الكاهلي وخبر أبي بصير المشار إليهما آنفا عدم اختصاصه بالشهوة، كما تناسبه فرض خروجه أثناء

===============

( 92 )

[ والثاني (1) ما يخرج بعد خروج البول (2)، والثالث (3) ما يخرج بعد خروج المني (4). ] الصلاة في صحيح زيد وزرارة ومحمد بن مسلم المتقدم. فيتعين حمل ما تقدم على المعهود الشائع من حاله، ويكون التعرض في هذه النصوص للصورة النادرة، لتعلق الحكم الشرعي بها. ومن الغريب ما في الحدائق من الاشكال في مفاد هذه النصوص لاجل ما تقدم. (1) وهو الودي. قال في مجمع البحرين: " بسكون الدال، وكسرها وتشديد الياء، وهو - على ما قيل - أصح وأفصح من السكون ". وقريب منه في الحدائق. وذكر اللغتين في الصحاح ومختاره والنهاية، وفي لسان العرب حاكيا لهما عن ابن سيده. واقتصر في الجمهرة ومفردات الراغب على الاولى منهما. (2) كما في الجمهرة وأدب الكاتب والنهاية والصحاح ومختاره والقاموس ومجمع البحرين. وذكره غير واحد من الاصحاب. وتقدم في مرسل ابن رباط، ويناسبه ما تقدم في صحيح ابن سنان: لكن عن ابن الانباري تقييده بما إذا كان قد جامع قبل ذلك أو نظر. وعممه في مفردات الراغب. قال: " وكني بالودي عن ماء الفحل عند الملاعبة وبعد البول. فيقال فيه: أودى نحو أمذى وأمنى ". وقد يناسبه ما يأتي من الجمهرة في الوذي. (3) وهو الوذي. قال في مجمع البحرين: " بالذال المعجمة الساكنة والياء المخفقة " وعن الاموي: بتشديد الياء: ماء يخرج عقيب إنزال المني، وفي الحديث: هو ما يخرج من الادواء. وذكر الوذي مفقود في كثير من كتب اللغة ". وحكى في لسان العرب عن ابن الاعرابي فيه كلتا اللغتين. (4) كما ذكره الصدوق في الفقيه، وفي الحدائق أنه صرح به جملة من الاصحاب، وفي الجواهر: " لم يحضرني من كتب اللغة ما أتحقق به ذلك، بل عن

===============

( 93 )

شارح الدروس: أنه لم يقف فيما يحضره من كتب اللغة على شئ مناسب له ". لكن تقدم من مجمع البحرين ما يشهد به. وعن ابن الاعرابي تفسيره بالمني، وفي الجمهرة: " ووذي الحمار وغيره وذيا إذا سال منيه... وهو مثل ودى بالدال. وودى أكثر وأعلى ". نعم، ينافيهما ما في مرسل ابن رباط من أنه الذي يخرج من الادواء، وظاهره المرض. وقد يناسبه ما في كلام غير واحد من اللغويين من أن الوذية العيب والعلة والداء والجراح، بل عن ابن الاعرابي: الوذي هي الخدوش. وفي الحدائق: " ونقل بعض مشايخنا عن بعض نسخ الاستبصار " الاوداج " بدل " الادواء " قال: وكأنه اريد بها العروق مطلقا، وإن كان الودج اسما لعرق في العنق ". فالامر فيه لا يخلو عن إشكال، وإن لم يكن مهما، بعدما سبق من عدم نقض ما يخرج من السبيلين غير الامور الاربعة المتقدمة. بقي في المقام امور قال بعض أصحابنا بنا قضيتها: الاول: خروج الدم من أحد السبيلين إذا احتمل مصاحبته لشئ من النواقض، فقد حكي عن ابن الجنيد ناقضيته، وكأن مراده النقفى به ظاهرا. وهو مخالف لعموم أدلة الاستصحاب. واحتمال النقض به واقعا - مع منافاته للاستصحاب أيضا - مناف لعموم الحصر المتقدم، ولاطلاق ما تضمن عدم الوضوء بخروج الدم مما يأتي الكلام فيه. وأما ما تضمن الوضوء بخروج الدم (1)، فهو يقتضي النقض به وإن علم بخلوصه عن النواقض، مع أن المحكي عنه البناء على عدم النقض به. الثاني: مس الرجل باطن دبره أو باطن إحليله أو فتحه إحليله، فقد حكم الصدوق في الفقيه بإعادة الوضوء بهاء وإلى الاولين يرجع ما عن ابن الجنيد من النقض بمس ما انضم عليه الثقبتان.


____________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 12.

===============

( 94 )

ويشهد له موثق عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: " سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره. قال: ينقض وضوءه، وإن مس باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء، وإن كان في الصلاة قطع الصلاة، ويتوضأ ويعيد الصلاة، وإن فتح إحليله أعاد الوضوء وأعاد الصلاة " (1). لكن إعراض الاصحاب عنه مسقط له عن الحجية، خصوصا في مثل هذا الحكم الذي يشيع الابتلاء به، فيمتنع عادة خفاؤه على جمهور الاصحاب. وأما. معارضته بعموم الحصر المشار إليه، وبما تضمن عدم النقض بمس الفرج (2)، فهو كما ترى! لانه أخص منهما. نعم، لا يبعد قوة ظهور صحيحي زرارة المتضمنين للحصر بما يخرج من السبيلين والنوم في عدم نقض ما عداها، لان عدم السنخية بين ما يخرج من السبيلين والنوم موجب لقوة ظهورهما في الاستيعاب والحصر ردعا عما عليه العامة من النقض بغيرها، فيصعب رفع اليد عنهما بمثل هذه الرواية. فتأمل. مضافا إلى ما في صحيح معاوية بن عمار: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث بذكره في الصلاة المكتوبة فقال: لا بأس به " (3). وفي موثق سماعة: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يمس ذكره أو فرجه أو أسفل من ذلك وهو قائم يصلي، يعيد وضوءه؟ فقال: لا بأس بذلك، إنما هو من جسده " (4). فإن العبث بالذكر ومسه حال القيام مبني على نحو من الترسل وعدم التقيد، فكثيرا ما يستلزم فتح الاحليل، فعدم التنبيه على ذلك ظاهر جدا في عدم قدحه، فيصعب رفع اليد عن ذلك بالموثق المذكور.


____________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 10. (2) راجع الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء وغيرها. (3) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديت: 7. (4) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 8.

===============

( 95 )

بل مثل هذا الحكم المخالف للقاعدة الارتكازية ولنصوص الحصر المشهورة، والبعيد عن الاذواق والارتكازيات، والمستلزم لكثير من الضيق والكلفة، لا يجتزأ في بيانه بخبر واحد، بل لو كان ثابتا لكثر السؤال عنه وكثرت النصوص في بيانه. هذا، وفي حمل الموثق على الاستحباب أو التقية وجهان، أولهما مناسب لطريقتهم في سائر الموارد من حمل الاوامر على الاستحباب إذا تعذر حملها على الوجوب، لانه نحو من الجمع العرفي المقدم على التصرف في الجهة. إلا أن ظاهر الاصحاب (رضي الله عنهم) في نواقض الوضوء الخروج عن ذلك، لعدم تصدي متقدميهم من أهل الفتوى لبيان ما يستحب منه الوضوء، كما تعرضوا لما يستحب له الوضوء ولما يستحب منه وله الغسل. حيث يظهر منهم عدم قبول هذه النصوص للحمل على ذلك بنحو يصلح لان يعمل عليه ويفتى به، وإنما ذكره الشيخ احتمالا في مقام الجمع بين الاخبار وتوجيه اختلافها، على ما هي طريقته، وجرى عليه بعض المتأخرين تبعا للقاعدة المشار إليها. ويناسب عدم الاستحباب ورود النصوص المذكورة في موارد أقوال العامة بالنقض. كما يناسبه في خصوص المقام قوة ظهور الموثق في الوجوب وصعوبة حمله على الاستحباب، حيث تضمن قطع الصلاة مؤكدا على ذلك في فروض المسألة. بل إشعار التعليل في موثق سماعة بأنه من جسده في عدم المقتضي للوضوء حتى استحبابا. فلاحظ. الثالث: مس ظاهر فرج الغير إذا كان محرما بشهوة، ومس باطنه مطلقا. فعن ابن الجنيد النقض به - على اضطراب في النقل عنه، كما قيل - ولم يتضح وجه التفصيل المذكور.

===============

( 96 )

نعم، في موثق أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: إذا قبل الرجل مرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء " (1). لكنه - مع عدم مطابقته للدعوى، وظهور إعراض الاصحاب عنه - معارض بما تضمن عدم النقض بمس الفرج، كمرسل ابن أبي عمير المتقدم في المذي، وصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: ليس في القبلة ولا المباشرة (الملامسة خ ل) ولا مس الفرج وضوء " (2) وخبر عبد الرحمن بن أبى عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام: " سألته عن رجل مس فرج امرأته. قال: ليس عليه شئ، وإن شاء غسل يده، والقبلة لا تتوضأ منها) (3). ودعوى: أن مقتضى المجمع بين الموثق والاولين حملهما على مس الانسان فرج نفسه، والثالث ضعيف السند فلا ينهض بمعارضة الموثق. مدفوعة: بأن سياق الاولين يأبى الحمل على خصوص مس الانسان فرج نفسه، بل مس فرج المرأة كالمتيقن منهما، فحمل الموثق لاجله على الاستحباب أو التقية أقرب. ومما تقدم يظهر أن الثاني أنسب بالمقام، ولا سيما مع ما تضمنه خبر عبد الرحمن من التنبيه على غسل اليد، حبث يظهر منه عدم المقتضي لغيره. الرابع: القبلة بشهوة، فقد حكي عن ابن الجنيد ناقضيتها مطلقا، أو إذا كانت لمحرم. ولا وجه له إلا موثق أبي بصير المتقدم وهو يناسب الاطلاق. لكنه - مع وهنه بإعراض الاصحاب - معارض بمرسل إبن أبي عمير وصحيح زرارة وخبر عبد الرحمن المتقدمة، ومثلها في ذلك صحيح الحلبي (4).


____________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9. (2) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3. (3) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 6. (4) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديت: 5.

===============

( 97 )

ودعوى الجمع بينها وبينه بحملها على القبلة بغير شهوة، كما ترى، لندرة ذلك وإباء سياق المرسل عنه جدا. ومما تقدم يظهر حال حمله على الاستحباب. الخامس: القهقهة في الصلاة متعمدا لنظر أو سماع ما أضحكه، فقد حكي عن ابن الجنيد ناقضيتها فيما حكي عنه. ويقتضيه موثق سماعة: " سألته عما ينقض الوضوء، قال: الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه، والقرقرة في البطن إلا شيئا تصبر عليه، والضحك في الصلاة والقئ " (1). لكنه - مع إعراض الاصحاب عنه، وكونه أعم من المدعى - معارض بصحيح زرارة وموثق سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة " (2). وحمله على القهقهة في غير الصلاة يأباه سياقه جدا، لظهوره في أنها لو وقعت في أثناء الصلاة نقضتها دون الوضوء. وصحيح ابن أبي عمير عن رهط سمعوه يقول: " إن التبسم في الصلاة لا ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء، إنما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة " (3) وغيرهما. ومما تقدم يظهر الحال في حمله على الاستحباب. ثم إنه تقدم في أول فصل الاستنجاء من الصدوق وجوب إعادة الوضوء لمن توضأ قبل الاستنجاء. وهو راجع لكون نجاسة الموضع من سنخ الناقض، لمانعيتها من صحة الوضوء، كالحدث حال خروجه. وتقدم الكلام في ذلك. هذا، وقد تضمنت كثير من النصوص النقض ببعض الامور التي لا يعرف منا


____________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب ما ينقض الوضوء حديث: 11. (2) الوسائل باب: 6 من أبواب ما ينقض الوضوء حديث: 4. (3) الوسائل باب: 6 من أبواب ما ينقض الوضوء حديث: 10.

===============

( 98 )

قائل بناقضيتها، ينبغي التعرض لها، لاحتمال استحباب الوضوء منها: منها: القئ، فقد تقدم في موثق سماعة النقض به، ومثله صحيح أبي عبيدة عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: الرعاف والقئ والتخليل يسيل الدم إذا استكرهت شيئا ينقض الوضوء، وإن لم تستكرهه لم ينقض الوضوء " (1). وقد يظهر من الاخير الاختصاص بصورة التعمد بجعل الاستكراه كناية عنه، فيكون شاهد جمع بين الموثق والنصوص الكثيرة المتضمنة عدم النقض بالقئ (2). لكن - مع عدم خلو الصحيح عن الاجمال - لا مجال لذلك بلحاظ موثق روح بن عبد الرحيم أو صحيحه: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القئ. قال: ليس فيه وضوء وإن تقيأت متعمدا " (3). هذا، وقد تقدم الاشكال في الحمل على الاستحباب، ويزيد هنا بما يأتي في خبر أبي هلال هن استنكار السؤال عن الوضوء ونسبة القول به للمغيرة بن سعيد. ومنها: الرعاف، بل مطلق خروج الدم. ففي خبر عبيد بن زرارة: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصابه دم سائل. قال: يتوضأ ويعيد. قال: وإن لم يكن سائلا توضأ وبنى. قال: ويصنع ذلك بين الصفا والمروة " (4). وتقدم في صحيح أبي عبيدة ما يشهد به، وصحيح الحسن الوشا: " سمعته يقول: رأيت أبي صلوات الله عليه وقد رعف - بعدما توضأ - دما سائلا فتوضأ " (5). لكنها معارضة بالنصوص الكثيرة الواردة في الرعاف والحجامة وغيرها (6).


____________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 12. (2) راجع الوسائل باب: 6 من أبواب نواقض الوضوء. (3) الوسائل باب: 6 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 8. (4) الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 12. (5) الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 13. (6) راجع الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء.

===============

( 99 )

وقد عرفت بعد الجمع في هذه الموارد بالاستحباب، ولا سيما مع ما في خبر جابر عن أبي جعفر عليه السلام: " سمعته يقول: لو رعفت دورقا ما زدت (دما ورقى ما زدت. خ ل) على أن أمسح مني الدم وأصلي " (1). وفي خبر أبي هلال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام: أينقض الرعاف والقئ ونتف الابط الوضوء؟ فقال: وما تصنع بهذا؟ هذا قول المغيرة بن سعيد، لعن الله المغيرة، يجزيك من الرعاف والقئ أن تغسله ولا تعيد الوضوء " (2). ومنها: مس الكلب، ففي صحيح أبي بصير عن أبى عبد الله عليه السلام: " قال: من مس كلبا فليتوضا " (3). ولا مجال للتعويل عليه بعد تسالم الاصحاب على عدم ناقضيته، كما هو ظاهر بعض نصوص نجاسته، كصحيح محمد بن مسلم: " سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل. قال: يغسل المكان الذي أصابه " (4)، لظهوره في بيان تمام ما يلزم المس. وفي حمل الامر في الصحيح الاول على الاستحباب - كما عن بعضهم - أو حمل الوضوء فيه على غسل الموضع - كما ذكره الشيخ في التهذيب والاستبصار - وجهان، ثانيهما أنسب بما تقدم من ظهور إعراض الاصحاب عن التعرض لاستحباب الوضوء. ودعوى: أن الاول أقرب عرفا، لا تخلو عن خفاء. وأما الحمل على التقية، فهو موقوف على وجود قول للعامة بناقضيته، ولم أعثر على من نقله من أصحابنا عنهم. ومنها: مصافحة المجوسي، ففي خبر عيسى بن عمر (عمرو. خ ل): " أنه


____________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4. (2) الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 8. (3) الوسائل باب: 11 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4. (4) الوسائل باب: 11 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3.

===============

( 100 )

سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحل له مصافحة المجوسي؟ فقال: لا، فسأله: يتوضأ إذا صافحهم؟ قال: نعم، إن مصافحتهم تنقض الوضوء " (1). ولا مجال للتعويل عليه بعد تسالم الاصحاب على عدم ناقضينه، ومعارضته بصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما علهما السلام: " سألته عن رجل صافح مجوسيا. قال: يغسل يده ولا يتوضأ " (2). وقد حمله الشيخ في كتابيه على غسل اليد، ويبعده عدم تعارف التعبير بالنقض في النجاسة الخبثية. ومثله الحمل على الاستحباب، لما تقدم، ولظهور الصحيح في عدم مشروعيته، إذ يكفي في بيان عدم وجوبه الاقتصار على بيان غسل اليد. فتأمل. وأما الحمل على التقية، فيجري فيه ما تقدم في مس الكلب. ومنها: قبل الاكل وبعده. ومحل الكلام الثاني، لان الكلام فيما يتوضأ منه، الذي يناسب البحث في النواقض، لا فيما يتوضأ له، وإنما جمعا معا لاشتراكهما في الادلة وكلام الاصحاب. وكيف كان، فقد تضمن غير واحد من النصوص الامر بهما، بنحو يظهر منه الاستحباب لا الوجوب، كصحيح أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: يا أبا حمزة الوضوء قبل الطعام وبعده يذيبان الفقر.. " (3)، وغيره. ولا إشكال في عدم الوجوب بملاحظة الاجماع، والسيرة، والنصوص الكثيرة، كصحيح بكير: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الوضوء مما غيرت النار. فقال: ليس عليك فيه وضوء، إنما الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل " (4) وزيد في


____________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5. (2) الوسائل باب: 11 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (3) الوسائل باب: 49 من أبواب آداب المائدة حديث: 1 وفي الباب المذكور وما بعده نصوص كثيرة متضمنة للوضوء. (4) الوسائل باب: 15 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3.

===============

( 101 )

بعضها: " فإنه يدخل طيبا ويخرج خبيثا " (1). وإنما الاشكال في ثبوت الاستحباب بذلك، كما يظهرمن الجواهر حاكيا له عن النزهة، قال: " قيل: للاخبار، وألفاظ الشارع تحمل على الحقائق الشرعية، فلا معنى لحمل الوضوء فيها على غسل اليد ". لكن سبر النصوص الواردة في آداب المائدة - على كثرتها - يشرف الناظر فيها. على القطع بإرادة غسل اليدين من الوضوء، بنحو يظهر منه شيوع الاستعمال المذكور، للاقتصار في طائفة على الوضوء، وفي أخرى على غسل اليدين، من دون أن يشار في شئ منها للجمع بينهما أو أفضلية الوضوء، من الغسل، كما ورد ذلك في نصوص أكل الجنب (2). مع تقارب الطائفتين في بيان الآثار الوضعية لكل منهما، واشتراكهما في نصوص بعض الاحكام، كنصوص استحباب - البدء قبل الطعام بصاحب البيت والختم بعد الطعام به، واستحباب الغسل للجماعة في إناء واحد، واستحباب التمندل بعد الطعام وتركه قبله (3). ولا سيما مع أن ظاهر نصوص الوضوء الاقتصار عليه، وهو لا يناسب التنزه المطلوب شرعا وطبعا للطعام، لتعرض اليدين به للتقذر - عرفا - بمسح الرجلين. بل لا ينبغي التأمل في ذلك، بالنظر للتعبير بالوضوء في غسل الجماعة في المجلس الواحد (4)، للقطع بعدم إرادة الوضوء المعهود منهم، لما فيه من طول المدة والخروج عن الوضع المألوف المناسب للاجتماع. مع أن ذلك صريح خبر هشام بن سالم، لقوله بعد نقل الحث على الوضوء: " قال لي الصادق عليه السلام: والوضوء هاهنا غسل اليدين قبل الطعام وبعده " (5).


____________
(1) الوسائل باب: 15 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5. (2) الوسائل باب: 20 من أبواب الجنابة حديث: 7. (3) راجع في النصوص المذكورة الوسائل باب: 50، 51، 52 من أبواب آداب المائدة. (4) راجع الوسائل باب: 50، 51 من أبواب آداب المائدة. (5) الوسائل باب: 49 من أبواب آداب المائدة حديث: 17.

===============

( 102 )

وظاهر خبر محمد بن عجلان أو صحيحه عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: الوضوء قبل الطعام يبدأ صاحب البيت، لئلا يحتشم أحد، فإذا فرغ من الطعام. يكون آخر من يغسل يده صاحب المنزل " (1). وخبر الفضل بن يونس قال: " لما تغدى عندي أبو الحسن عليه السلام وجئ بالطشت بدئ به وكان في صدر المجلس، فقال: ابدأ بمن على يمينك، فلما توضأ واحدا أراد الغلام أن يرفع الطشت، فقال له أبو الحسن عليه السلام: دعها واغسلوا أيديكم فيها " (2). للتعبير في صدرهما بالوضوء، وفي ذيلهما بغسل اليدين. هذا كله مضافا إلى عدم مناسبة استحباب الوضوء للتعليل المتقدم في نصوص عدم الناقضية، ولسيرة المتشرعة، لشدة إهمالهم له بنحو لا يناسب استحبابه جدا. فتأمل. ومنها: الغضب، فقد عده في الجواهر مما يستحب الوضوء منه، لما عن القطب الراوندي في دعواته: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا غضب أحدكم فليتوضا " (3). ومن الظاهر ابتناء استدلاله به على قاعدة التسامح في أدلة السنن. إلا أن من القريب جدا حمله على إرادة استحباب الوضوء حين الغضب لتسكينه، نظير ما تضمن الامر بالجلوس لمن غضب قائما، والقيام لمن غضب جالسا، ومس ذي الرحم لمن غضب عليه (4)، لا استحبابه بعده، ليكون مما يستحب الوضوء منه، بنحو يناسب ما نحن فيه من الكلام في النواقض. ومنها: الاكثار من إنشاد الشعر الباطل. ففي موثق سماعة: " سألته عن نشيد (نشد. إنشاء. استبصار) الشعر هل ينقض الوضوء؟ أو ظلم الرجل صاحبه أو الكذب؟ فقال: نعم، إلا أن يكون شعرا يصدق فيه، أو يكون يسيرا من الشعر:


____________
(1) الوسائل باب: 50 من أبواب آداب المائدة حديث: 2. (2) الوسائل باب: 51 من أبواب آداب المائدة حديث: 2. (3) مستدرك الوسائل باب: 47 من أبواب أحكام الوضوء حديث: 1. (4) الوسائل باب: 3 من أبواب جهاد النفس حديث: 4، 19.

===============

( 103 )

الابيات الثلاثة والاربعة، فأما أن يكثر من الشعر الباطل فهو ينقض الوضوء " (1). ولا مجال للبناء على الوجوب، بعد ظهور تسالم الاصحاب وسيرة المتشرعة على عدمه المعتضد بنصوص الحصر. وخبر معاوية بن ميسرة: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إنشاد الشعر هل ينقض الوضوء قال: لا " (2)، فإنه وإن كان أعم، إلا أن حمله على غير مورد الموثق لا يخلو عن بعد، لشيوع مورده. فتأمل. ثم إنه لا مجال لحمله على التقية، بعد عدم ظهور قول للعامة بناقضيته، بل في المنتهى دعوى إجماع علماء الامصار على عدمها. ومن هنا يقرب حمله على الاستحباب - كما في التهذيب (3) - ولا سيما مع المناسبة الارتكازية بين فرض بطلان الشعر ونقض الوضوء به، بنحو ينبغي إعادته، لانه آكد في التنفير عنه، بل هو المناسب للتسامح في تحديد الموضوع، لان الكثرة وإن كانت من الامور العرفية، إلا أن تطبيقها عندهم لا يبتني على التدقيق. وأما ما تقدم من أن إهمال الاصحاب لذكر ما يستحب الوضوء منه موهن للحمل على الاستحباب، فهو من القرائن النوعية على عدم حمل النصوص الكثيرة عليه، لان كثرة الامور المذكورة في النصوص تقتضي الاهتمام بها والتنبيه إليها لو كانت موضوعا للاستحباب بنظرهم، وهو لا ينافي غفلتهم عن خصوصية بعضها وحملها على الاعم الاغلب، فلا ينهض إعراضهم في تلك الموارد برفع اليد عن مقتضى القاعدة من حمل الامر على الاستحباب بعد تعذر حمله على الوجوب مع الالتفات لخصوصيتها. فتأمل جيدا. هذا، وقد استشكل بعض مشايخنا في الحمل على الاستحباب. بعدم ظهور النصوص في الامر المولوي، بل في كون الوضوء بعد الامور المذكورة لاجل


____________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3. (2) الوسائل باب: 8 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (3) وقد يرجع إلبه ما في الاستبصار من الترديد بينه وبين احتمال التصحيف في " ينقص " وأنه بالصاد.

===============

( 104 )

ناقضيتها، ولا معنى للناقضية الاستحبابية. ويندفع: بأن مرجع الحمل على الاستحباب في المقام إلى أن الامور المذكورة ناقضة لمرتبة من الطهارة يستحب تحصيلها وإن لم تكن ناقضة للمرتبة اللازمة التحصيل منها، نظير ما ورد في آداب الصلاة والصوم من التعبير بالقطع والافطار ونحوهما. وقد تقدم في حكم البئر ما له نفع في المقام. بقي في المقام أمران.. الاول: أن المرجع في تحديد الباطل هم المتشرعة، بما لهم من مرتكزات عرفية وشرعية، لانهم هم المخاطبون بذلك، فمثل شعر الموعظة والتأريخ والعلم ومدح وهجاء من يستحق حق، ومثل شعر الغزل والتشبيب ومدح وهجاء من لا يستحق باطل. أما المرجع في تحديد الكثرة فهم العرف، إذ ليس للشارع تحديد أو تطبيق يخرج به عن المرتكزات العرفية. وما تضمنه الموثق من ذكر الابيات الاربعة غير وارد للتحديد، بل التمثيل. فتحديد موضوع استحباب الوضوء بذلك في المدارك في غير محله. نعم، هو كاشف عن مقاربته للكثرة. فلاحظ. الثاني: قال في الجواهر: " والانشاء أقوى من الانشاد. وتكرير البيت أو البيتين لا يوصفهما بالكثرة. ولو أنشد ثم حذف منه بحيث أفسد شعريته احتمل خروجه عن الحكم، ولعل الاولى خلافه. ولا دخل للاتصال والانفصال، فلو قرأ في أوقات متعددة بحيث يكون مجموعها كثرة ترتب الحكم ". وما ذكره قريب، عدا جريان الحكم مع إفساد الشعر، فانه ممنوع، لعدم صدق إنشاد الشعر حينئذ. كما أن الانشاء إنما يكون أقوى من الانشاد إذا ابتنى على قراءة الشعر، كما في الارتجال، بل قد يصدق عليه الانشاد، أما الانشاء من دولت قراءة، كما لو حرره

===============

( 105 )

كتابة، فلا مجال لالحاقه به، فضلا عن دعوى أقوائيته منه. ومنها: ظلم الرجل صاحبه، لموثق سماعة المتقدم، ويظهر الكلام فيه مما ومنها: الغيبة، إما لانها من أفراد الظلم، أو للنبوي: " من اغتاب أخاه المسلم بطل صومه، ونقض وضوءه، (1). والكلام فيه كما في سابقه. ومنها: الكذب، كما في الجواهر وغيرها. ويقتضيه موثق سماعة المتقدم، وموثقه الآخر: " سألته عن رجل كذب في شهر رمضان، فقال: قد أفطر وعليه قضاؤه وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد " (2). وقد يشكل فيه: باحتمال كون نقض الوضوء لاجل نقض الصوم بالكذب، كما يناسبه عطفه على القضاء المتفرع على الافطار، لا لاجل الكذب بنفسه. فالعمدة الموثق الاول، فيجري فيه ما تقدم. لكن قد يدعى لزوم تقييده بموثق أبي بصير أو صحيحه: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم. قال: قلت له: هلكنا. قال: ليس حيث تذهب، إنما ذلك الكذب على الله ورسوله وعلى الائمة عليهم السلام " (3). وفيه: أن كون المفطر الناقض للوضوء هو الكذب الخاص لا ينافي كون مطلق الكذب ناقضا للوضوء فقط. ملى أنه بعد حمل النقض على مرتبة من النقص في الطهارة تقتضي استحباب الوضوء فهو قابل للشدة والضعف، بأن يكون المراد بالموثق المرتبة الضعيفة منه، ويحديث أبي بصير المرتبة الشديدة منه، وهو أقرب من تقييده بالفرد القليل غير الشائع. نعم، المناسبات الارتكازية تقتضي تقييده بالتعمد، كما هو مقتضى الموثق


____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك حديث: 5. (2) الوسائل باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك حديث: 3. (3) الوسائل باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك حديث: 2.

===============

( 106 )

الثاني، لو تم الاستدلال به. هذا ما تيسر لنا العثور عليه من موارد النصوص وكلمات الاصحاب. وربما فاتنا شئ قد يظهر الحال فيه مما تقدم. بقي في المقام أمران.. الاول: لو قيل باستحباب الوضوء من هذه الامور أو بعضها، فقد قال في الجواهر: " ولعل الاستحباب في هذه الامور وما شابهها إنما هو تأكد استحباب التجد يد ". ولعله مقتضى إطلاق نصوص التجديد (1) المتضمنة أن الوضوء على الوضوء كفارة لما مضى في ليله أو نهاره من الذنوب ما خلا الكبائر، وأنه عشر حسنات. نعم، مقتضى ما في بعض نصوصه من أنه نور على نور كونه مؤكدا للطهارة، ومقتضى نصوص المقام كونه مكملا لنقصها المسبب عن الامور المذكورة، فيتقابل أثراهما. لكن المضمون المذكور - مع عدم وروده إلا في مرسلة الصدوق (2) - لا ينافي الاطلاقات. فلاحظ. الثاني: لو صادف الوضوء هنا حدثا ارتفع به، لان الظاهر اتحاد ماهية الوضوء، وأن اختلاف أثره لاختلاف حال المتوضئ، فإن كان محدثا ارتفع حدثه كما تقتضيه نصوص النواقض، وإن كان ناقص الطهارة تكملت طهارته، وإن كان تام الطهارة تأكدت طهارته، كما تقتضيه بعغض نصوص التجديد، نظير ما تقدم في آخر المسألة الواحدة والسبعين في الوضوء التجديدي. ولذا لا ريب ظاهرا في عدم الاثر لهذه الامور لو وقعت حال الحدث، لاندكاك أثرها فيه، كما لا يستحب الجمع بين الوضوء لها والوضوء للحدث لو وقع


____________
(1) تراجع النصوص المذكورة في الوسائل باب: 8 من أبواب الوضوء. (2) الوسائل باب: 8 من أبواب الوضوء حديث: 8.

===============

( 107 )

بعدها، ولا يشرع الوضوء منها بنحو لا يترتب عليه رفع الحدث، كما لو وقع أحدهما في أثناء حدوث الآخر، مع أ نه لو كان الوضوء المذكور مباينا بماهيته للوضوء الرافع، كان ذلك مخالفا لاطلاق أدلته. ومنه يظهر الحال فيما لم يثبت مشروعيته، بل جئ به برجاء المطلوبية، فإنه في فرض مصادفته للحدث تنكشف مشروعيته وصحته، بعد فرض كون الوضوء حقيقة واحدة مقصودة في المقام، وإن لم يكن الداعي لها رفع الحدث. وأما دعوى: أن عباديته موقوفة على قصد الامر به، والمفروض عدم قصد الامر برفع الحدث للاعتقاد بعدمه، وأن الامر الاستحبابي المقصود احتمالي غير محرز بنفسه ليحرز صحة الوضوء به وعباديته كي يكون رافعا للحدث، إلا أن يؤتى به بنية الامر الفعلي، بنحو ينطبق على الامر برفع الحدث في ظرف مصادفته، لكنه محتاج إلى عناية يبعد تعمدها مع الاعتقاد بعدم الحدث. فيظهر اندفاعها مما تقدم في المسألة الواحدة والسبعين من أن عبادية الوضوء إنما تقتضي إيقاعه بوجه قربي وإن لم يصادف الامر، ويكفى في ذلك الاتيان به في المقام برجاء المطلوبية. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم، وله الحمد.

===============

( 108 )

الفصل السادس [ من استمر به الحدث في الجملة (1) - كالمبطون والمسلوس ونحوهما (2) - له أحوال أربع.. ] (1) بنحو يشمل ما إذا كان متقطعا يتعذر في بعض الوقت إيقاع الصلاة بدونه، ليشمل جميع الصور المفروضة، خصوصا الاولى منها. (2) النصوص إنما تعرضت للمسلوس والمبطون والمستحاضة التي يأتي الكلام فيها في محلها، وكلام جمهور الاصحاب مختص بها، مع ظهور كلام بعضهم في دخول مستمر الريح في المبطون حقيقة أو حكما. نعم، حكى في مفتاح الكرامة التعدي لغيرها من الاحداث عن بعض الاصحاب من دون تعيين، وظاهر الجواهر الجري عليه. وهو غير ظاهر الوجه بعد قصور النصوص عنه. ولا مجال لفهم عدم الخصوصية لمواردها بعد عدم كون الحكم ارتكازيا، بل تعبديا مخالفا للقواعد المقتضية لتعذر الصلاة بتعذر شرطها، خصوصا مثل الطهارة التي لا تسقط بالتعذر عند المشهور على ما يأتي في فاقد الطهورين إن شاء الله تعالى. وعدم ناقضية الحدث في المقام للضرورة ليس بأولى ارتكازا من عدم ناقضية الحدث السابق في فاقد الطهورين لاجلها. ومثله التعدي بتنقيح المناط، إذ لا طريق لاحراز المناط، ولا سيما مع اختلاف الاستحاضة عن المسلوس والمبطون في أحكام بعض الفروض، مع

===============

( 109 )

[ الاولى: أن تكون له فترة تسع الوضوه والصلاة الاختيارية (1)، وحكمه وجوب انتظار تلك الفترة (2) ] اشتراكها معهما في استمرار الحدث، بل احتمال الاختلاف بين المسلوس والمبطون في اللاحكام. ومن هنا يتجه الاقتصار على ما إذا كان استمرار الحدث لمرض يصدق معه العناوين التي تعرضت لها النصوص، دون ما إذا كان لضرورة خارجية، من إكراه، أو نحوه. بل يتعين في الجميع الرجوع فيه للقاعدة المقتضية للمحافظة على الصلاة في فترة تسع الطهارة المائية ثم الترابية مع الصلاة بدون حدث إن كانت هناك فترة، وإلا فالبناء، على تعذر المشروط بتعذر شرطه وسقوط الاداء وانتظار القضاء بعد ارتفاع العذر، لو لم نقل بسقوط القضاء، لعموم ما ورد في المغمى عليه من أن ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر. وأما ما عن شرح المفاتيح من عدم سقوط الصلاة - يعني في الوقت - إجماعا، فهو غير ظاهر بنحو ينهض بالخروج عن القاعدة، لعدم تحرير المسألة في كلماتهم، وعدم قيام الارتكازيات عليها بنحو معتد به. على أنه لوتم أو كان الشفاء ميؤوسا منه أو بعيد الامد بنحو يقطع بعدم رضا الشارع بترك الصلاة في الوقت، فاللازم ملاحظة القواعد العامة في اختيار الصلاة الميسورة، فإذا أمكنت الصلاة التامة مع الطهارة المائية ثم الترابية تعينت، كما ذكرنا، وإلا لزم ملاحظة الاهمية في الاجزاء والشرائط، ولا يجوز اختيار الصلاة مع الحدث المتجدد - كما في المسلوس والمبطون - ابتداء، إلحاقا له بهما بعدما سبق، فلاحظ. (1) وأما لو لم تسع إلا الصلاة الاضطرارية بنقص بعض الاجزاء أو الشرائط، فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. (2) كما في جامع المقاصد، وذكره في المسلوس في الروض والمسالك

===============

( 110 )

والمدارك ومحكي المتذكرة وعلله في الروض والمدارك بما يقتضي التعميم للمبطون، وفي الجواهر في المسلوس: " كما صرح به جمع من الاصحاب، بل لا أجد فيه خلافا هنا سوى ما ينقل عن الاردبيلي.. "، وذكر في المبطون أن التأمل في كلماتهم، بل تصريح بعضهم شاهد بخروجه عن محل النزاع. ويستفاد بالاولوية ممن أوجب عليه المحافظة على الصلاة الاضطرارية مع الطهارة لو تمكن منها، كما في كشف اللثام وعن السرائر. وكيف كان، فهو مقتضى القاعدة في الواجب الاختياري، حيث يجب المحافظة عليه مع القدرة. ومنه يظهر ضعف ما عن الاردبيلي في مجمع البرهان. قال: " يجوز له الصلاة في أول الوقت، لعموم أدلة الاوقات والصلاة، وكون العذر موجبة للتأخير غير متيقن، وللحرج والضيق ". لاندفاعه: بأنه يلزم الخروج عن العموم بعد تقييده بالصلاة عن طهارة بالمحافظة عليها. وهو الدليل على إيجاب العذر للتأخير. والحرج النوعي - لو تم - لا يسقط التكليف، والشخصي - مع عدم اطراده - لا يقتضي بدلية الناقص، بل سقوط التام، فالاكتفاء بالناقص يبتني على اقتضاء القاعدة له، لنظير ما تقدم في غير المسلوس والمبطون من أفراد مستمر الحدث. وأما نصوص المقام فقد ادعى سيدنا المصنف قدس سره انصرافها عن ذلك، بقرينة ورودها مورد العذر والاضطرار، ولا سيما مع قوله عليه السلام في صحيح منصور بن حازم: " إذا لم يقدر على حبسه فالله أولى بالعذر.. " (1). لكن يصعب حمل النصوص على صورة عدم الفترة واقعا، ومنها صحيح حريز عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه قال: إذا كان الرجل يقطر منه البول والدم، إذا كان حين الصلاة أخذ كيسا وجعل فيه قطنا ثم علقه عليه وأدخل ذكره فيه، ثم صلى، يجمع بين صلاتين، الظهر والعصر، يؤخر الظهر ويعجل العصر بأذان وإقامتين،


____________
(1) الوسائل باب: 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2.

===============

( 111 )

ويؤخر المغرب ويعجل العشاء بأذان وإقامتين، ويفعل ذلك في الصبح " (1). فإن حمل التقطير على خصوص المستمر الذي لا فترة فيه أصلا بعيد جدا، لندرة ذلك، كحمله على ما فيه فترات لا تسع الطهارة والصلاة، لعدم القرينة على التحديد المذكور، بل وبعده بعد كون المتعارف بين من يبتلي بذلك عدم الضابط له، بلحاظ طول الفترات وقصرها واختلاف أوقاتها، فعدم التنبيه لذلك ولاحتمال حصول الفترة المطلوبة بعد الصلاة ظاهر في عموم الحكم لصورة وجود الفترة واقعا، وعدم وجوب تحريها والفحص عنها وانتظارها، كما تقتضيه القاعدة الاولية. وأظهر من ذلك ما ورد في المبطون، كموثق محمد بن مسلم: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن المبطون فقال: يبني على صلاته، (2). فإن المراد من البناء على الصلاة فيه ليس محض الاتيان بالصلاة في مقابل تركها لتعذر الطهارة، وإلا ناسب أن يقول: " يصلي ". ولا إكمالها من دون وضوء للحدث المتجدد في أثنائها في مقابل استئنافها من غير وضوء أيضا، إذ لا حاجة لطرد احتمال وجوب الاستئناف من دون وضوء، لعدم المنشأ له بعد كون الاكمال حينئذ أقرب للصحة ارتكازا من الاستئناف، لما فيه من وقوع بعض الصلاة بطهارة. واحتمال مبطليته للصلاة دون الطهارة بعيد جدا، يبعد أن يكون هو المثير للسؤال، كاحتمال أهمية مبطليته للصلاة من شرطية الطهارة فيها، كيف والمرتكز تفرع مبطليته للصلاة على مبطليته للطهارة التي هي شرط فيها. بل المراد من البناء على الصلاة في الموثق هو إكمالها بعد الوضوء للحدث المتجدد، دفعا لتوهم وجوب استئنافها بعد الوضوء - الذي تضمنته النصوص في غير المبطون (3) - فرارا من محذور مبطلية الحدث للصلاة، كما هو مقتضى الجمع


____________
(1) الوسائل باب: 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3. (3) راجع الوسائل باب: 1 من أبواب قواطع الصلاة.

===============

( 112 )

بين الموثق والنصوص الأخر الواردة في المقام، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " أنه قال: صاحب البطن الغالب يتوضأ ويبني على صلاته " (1). وخبره (2) عنه عليه السلام: " قال: صاحب البطن الغالب يتوضأ ثم يرجع في صلاته، فيتم ما بقي " (3). وعليه يكون واردا مورد المفروغية عن توقع الفترة التي بها يمكن استئناف الصلاة بعد الوضوء، فكيف يمكن حمله على عدمها؟! فتأمل. مضافا إلى صعوبة حمل جميع هذه النصوص على عدم الفترة بالنحو المذكور، مع أن المفروض فيها وجود الفترة في الجملة، ولا سيما مع ما أشرنا إليه آنفا من عدم الضابط غالبا للفترات، فلو كان الامر دائرا مدار وجود الفترة واقعا لصعب تحديد موضوع النصوص والعمل عليها إلا بانتظار آخر الوقت، وهو بعيد عنها جدا. ومن هنا يتعين حمل العذر في صحيح منصور على العذر بلحاظ العجز عن


____________
(1) كتاب من لا يحضره الفقيه باب: 50 حديث: 11، ج: 1، ص: 237، طبع النجف الاشرت. (2) عده غير واحد - أولهم العلامة في المختلف على ما حكي عنه - موثفا، مع أن في سنده محمد بن نصير، المشترك بين جماعة، والمردد في هذا الحديث بحسب الطبقة بين الكشي الثقة والنميري الضال الملعون الذي وردت فيه الذموم العظيمة ونسبت له الافعال والمقالات المهلكة، ولم يتضح حتى الآن المرجح للاول. نعم قد يقال: لما كان الراوي عنه العياشي، الذي هو من الاعيان الذي يمتنع عادة روايته عن النميري حال انحرافه، كما يمتنع اهتمام الاصحاب بالحديث مع ذلك، فلابد أن يكون المراد به الكشي أو النميري في حال استقامته كا فيكون الحديث معتبرا وإن لم يكن من المرثق اصطلاحا، لكن الشيخ أرسل في التهذيب الحديث عن العياشي ولم يذكر فيه سنده إليه، وسنده المذكور في الفهرست قد اشتمل على أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني، الذي قال عنه في الفهرست: " حسن الحفظ غير أنه ضعفه جماعة من أصحابنا "، وقال عنه النجاشي " كان في أول أمره ثبتا ثم خلط، ورأيت جل أصحابنا يغمزونه ويضعفونه... سمعت منه كثيرا ثم توقفت عن الرواية عنه إلا بواسطة بيني وبينه ". إلا أن يقال: إن الرواية عن كتاب العياشي، وهو معروف عند الشيج قدس سره وذكر السند له لمحض التبرك بالاتصال بالمعصوم عليه السلام. فتأمل.

____________
(3) الوسائل باب. 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4.

===============

( 113 )

حبس البول، لا العجز عن الصلاة بالطهارة التامة، لاستيعاب العذر للوقت، فإنه يناسب الامتنان بنسبة العذر لله تعالى، لانه لابد منه مع التعذر. فلاحظ. وأما ما سبق من الجواهر من خروج هذه الصورة عن محل الكلام، فلم يتضح بنحو معتد به، بعد اضطرابهم في عنوان محل الكلام وشدة خلافهم في الحكم، كما اعترف به بعضهم، ويشهد به النظر في كلماتهم. بل في الحدائق أن المفهوم من كلام بعضهم حمل النصوص على ما إذا دخل في الصلاة متطهرا ثم فجأه الحدث، - كانت له فترة تسع الصلاة كلا أو بعضا أو لا. ولعل منشأ ما ادعي من خروج ذلك عن محل الكلام هو قوة ارتكازية القاعدة المقتضية لتحصيل الواجب الاختياري، بنحو يصعب حمل كلماتهم على ما يشمل الصورة المذكورة. لكن المتيقن من ذلك ما إذا كانت الفترة مضبوطة معلومة وقتا وقدرا، حيث لا يحتاج تحريها إلى كلفة ومؤنة، فإن بعد الاكتفاء بالصلاة مع الحدث حينئذ ارتكازا لعدم الحاجة له موجب لانصراف كلماتهم عنه بقرينة ورودها مورد العذر والاضطرار، ولا سيما مع ندرة الصورة المذكورة. ومن ثم لا يبعد انصرات النصوص عنها أيضا، بخلاف ما لو لم تكن الفترة معلومة كذلك، كما هو الغالب، حيث يصعب التزام بمانعيتها من جريان الاحكام الآتية، بحيث يجب تدارك الصلاة لو وقعت مع الحدث في أول الوقت لتخيل عدم الفترة ثم صادف تحققها في آخره - كما التزم به في العروة الوثقى وجملة من شروحها وحواشيها - لصعوبة حمل النصوص على ذلك، كما عرفت، وخروجه عن محل الكلام بين الاصحاب غير ظاهر بنحو يرفع به اليد عن مقتضى النصوص. فلاحظ. ثم إنه بناء على انصراف النصوص عن صورة ضبط الفترة قدرا ووقتا، يتجه الاكتفاء فيها بما يسع الصلاة الاضطرارية ببعض المراتب التي يلزم الاخلال فيها

===============

( 114 )

[ والوضوء والصلاة فيها (1). الثانية: أن لا تكون له فترة أصلا، أو تكون له فترة يسيرة لا تسع الطهارة وبعض الصلاة. وحكمه الوضوء والصلاة، وليس عليه الوضوء لصلاة أخرى (2)، ] بما يعلم من الشارع الاقدس أنه دون الطهارة في الاهمية، كالسورة ونحوها مما يتعين تركه في غير المسلوس والمبطون ممن يستمر منه الحدث عند مزاحمته للطهارة. بل لا ينبغي التأمل في ذلك، بالاضافة إلى الطهارة المائية. فلو دار الامر بين الصلاة بطهارة ترابية لا حدث فيها والصلاة بطهارة مائية يتخللها الحدث تعينت الاولى، عملا بالقواعد العامة. نعم، لا يبعد عدم جواز الاخلال بالقيام أو الركوع والسجود الاختياريين لاجل ذلك، لان دخل ذلك في منع الحدث مما يحتمل حتى في مورد النصوص، فعدم التعرض فيها له ظاهر في عدم سقوطها، كما هو ظاهر الاصحاب. ومنه يظهر حال ما في كشف اللثام وعن السرائر من أنه إن أمكنه التحفظ من الحدث إذا اختصر الصلاة أو جلس أو اضطجع أو أومأ للركوع والسجود، وجب. فتأمل جيدا. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. (1) فلو لم يصل فيها وجب عليه الصلاة فيما بعدها بالنحو اللازم على مستمر العذر، لدخوله في موضوع النصوص حتى بناء على اختصاصها بصورة الاضطرار، لتحقق الاضطرار وإن كان مستندا إليه، سواء كان ترك الصلاة تقصيرا أو عن عذر، وإن لزم الاثم في الاول، بناء على بقاء ملاك الواجب الاختياري في حال الاضطرار. (2) اختلفت كلمات الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم هذه الصورة، فإن تصويرها بهذا الوجه وإن لم يذكره القدماء، بل ذكره جمع من

===============

( 115 )

المتأخرين - كما في الحدائق - إلا أنه قد يستفاد حكمها عند غيرهم من إطلاق كلماتهم أو قرائن فيها. ويستفاد من مجموع كلماتهم أن فيها أقوالا ثلاثة.. الاول: ما ذكره في المتن من الاكتفاء بوضوء واحد للصلوات المتعددة، وسبقه إليه في العروة الوثقى، وأمضاه جماعة من محشيها. واختاره في خصوص المسلوس في المبسوط، وعن كشف الرموز الميل إلى موافقته، وعن شرح الارشاد لكاشف الغطاء أنه قوي جدا. وربما يكون عدم تعرضهم له في المبطون لعدم فرضهم الاستمرار فيه بالنحو المذكور، لا للفرق بينه وبين المسلوس في ذلك. الثاني: وجوب الوضوء لكل صلاة، كما هو المصرح به في المعتبر والنافع والارشاد والقواعد والروض وجامع المقاصد وكشف اللثام، ومحكي التذكرة والمختلف والدروس والذكرى وغيرها، وفي جامع المقاصد أنه المشهور، وذكر ذلك في خصوص السلس في الخلاف مدعيا في ظاهر كلامه الاجماع عليه، وخصصه في المنتهى بالبطن. الثالث: جمع الظهرين بوضوء والعشائين بوضوء ويتوضأ لكل صلاة غيرها، كما ذكره في السلس في المنتهى، ومال إليه في المدارك والحدائق، وعن مجمع البرهان نفي البعد عنه. وأما القول في المبطون بوجوب الوضوء في أثناء الصلاة والبناء على ما مضى منها على من دخل فيها متطهرا ثم فجأه الحدث، فلا يبعد ابتناؤه على فرض تحصيل الطهارة لتمام الصلاة بذلك، لفرضهم الفترة التي تسع الطهارة وبعض الصلاة، كما في الصورتين الآتيتين، لا في هذه الصورة. نعم، ظاهر من قيد الحدث المفاجئ بالاستمرار - كما في المعتبر والمنتهى - وجوبه مرة واحدة لتخفيف الحدث نظير الوضوء من مستمر الحدث لكل صلاة قبل الدخول فيها، الذي تقدم عن المشهور.

===============

( 116 )

وكيف كان، فلا ينبغي التأمل في أن مقتضى عموم تقييد الصلاة بالطهارة وعموم ناقضيته الاحداث المعهودة للطهارة هو سقوط الصلاة تبعا لتعذر قيدها. وتوهم قصور عموم الناقضية عن الفرض واختصاصه بالخروج المعهود المبني على الاختيار، والذي يصدقه معه التبول والتغوط، موهون بملاحظة ما سبق في أول فصل النواقض. فراجع. نعم، بعد فرض مشروعية الصلاة بالاجماع والنصوص، فلابد إما من سقوط شرطية الطهارة رأسا، أو تبعيضها بلحاظ الاحداث، بأن يكون كل فرد من الحدث ناقضا لمرتبة من الطهارة، والساقط هو المرتبة التي يستند ارتفاعها لاستمرار الحدث، أو عدم ناقضية الحدث المستمر للطهارة، تخصيصا لعموم ناقضية الحدث. وعلى الاول يحتاج وجوب الوضوء للصلاة إلى دليل، ومع عدمه فالاصل البراءة من اعتباره فيها بعد فرض تخصيص عموم شرطية الطهارة لها. أما على الثاني، فهو مقتضى العموم المذكور المقتصر في الخروج عنه على المتيقن. كما أنه على الثالث، جكون وجوب الوضوء مقتضى عموم ناقضية الحدث المقتصر في الخروج عنه على المتيقن من الحدث المستمر. لكن لا مجال للاول، بعدما هو المفروغ عنه بينهم من عدم جواز الصلاة مع غير الحدث المستمر من أفراد الحدث، لارتكاز كونه من صغريات اعتبار الطهارة في الصلاة، لا اعتبارا لامر آخر بدلا عنها. ولذا لم يحتج إلى تكلف الاستدلال على عمومه لجميع أفراد الاحداث الاخر، بل أوكل لما هو المعلوم من عموم ناقضية تلك الاحداث، حيث يكشف عن مفروغية ابتنائه على اعتبار الطهارة وانتقاضها بالحدث. كما لا إشكال ظاهرا في كونه من الاركان مع اخنصاص حديث: " لا تعاد... " بالطهور، دون الوضوء الذي ليس طهورا.

===============

( 117 )

بل عدم التنبيه عليه في نصوص المقام لابد أن يكون بسبب وضوح اعتباره، ولا منشأ لوضوح ذلك إلا عموم اعتبار الوضوء في الصلاة، الراجع لاعتبار الطهارة فيها، ولو كان واجبا تعبديا مع عدم حصول الطهارة به لمصاحبته للحدث لاحتاج للتنبيه، لمخالفته للاصل. بل الانصاف أن قوة ارتكاز كون جميع أفراد الوضوء مؤئرة للطهارة مغن عن تكلف الاستدلال لذلك. وما في بعض الكلمات من كون الوضوء في المقام مبيحا لا رافعا، مبني على قوة ارتكاز عموم ناقضية الحدث شرعا، لصعوبة التفكيك بين أفراده جدا، لعدم دخل الضرورة في التسبيبات ارتكازا، ولا ينافي الوجه الثاني المبني على ملاحظة العمومين بالتزام تبعض الطهارة بلحاظ مراتبها ووجوب تحصيل الميسور منها. فكأنه مبني على عدم تحقق الرفع التام به. ومنه يظهر ضعف الوجه الثالث، ولا سيما بعد قوة ارتكاز نقصان العمل في المقام وبقاء الملاك للفائت، ولذا لا إشكال ظاهرا في وجوب المبادرة للطهارة التامة لو علم المكلف من نفسه أنه سيبتلي باستمرار الحدث، ووجوب انتظار الفترة لو كانت مضبوطة قدرا ووقتا، ولو كان الاضطرار في المقام مانعا من ناقضيه الحدث وموجبا لتبدل الموضوع نظير صيرورة المسافر حاضرا لم يكن وجه لذلك. ومن ثم كان الاظهر هو الوجه الثاني، وقد سبق في ذيل الكلام في نية الرفع والاستباحة أنه المناسب لارتكاز كون الاحداث من سنخ القذرات العرفية القابلة للتعدد والتأكد. وما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من ظهور كلماتهم في وحدة الحدث وأنه عبارة عن انتقاض الوضوء غير القابل للتعدد والتأكد، وأن وجوب الوضوء في المقم بعد فرض وجود الحدث محض تعبد مستفاد من الاجماع. لا مجال للتعويل عليه بعد ما ذكرنا هنا وهناك، ولا سيما مع صراحة كلماتهم في المقام في أن وجه وجوب الوضوء هو عدم استباحة الصلاة مع

===============

( 118 )

الحدث إلا بقدر الضرورة، لكشفه عن مفروغيتهم عن رافعية الوضوء للحدث الذي لا يضطر للصلاة معه، وعدم ابتناء الاجماع على محض التعبد، بل على اعتبار الطهارة في الجملة، الذي عرفت مناسبته للمرتكزات. إذا عرفت هذا، ظهر لك أن القول الثاني أقرب الاقوال لمقتضى العمومين المتقدمين، مع تأيده بما ورد في المستحاضة. وأنه لا مجال لما في المبسوط من أن حمل المسلوس على المستحاضة قياس، ولا دليل على وجوب الوضوء عليه لكل صلاة. لكفاية العمومين المذكورين في إثبات ذلك. بل لو احتمل وجوب الوضوء عليه في أثناء الصلاة تخفيفا للحدث الواقع فيها لكان مطابقا لهما، إلا أنه لا مجال لاحتماله بعد ظهور التسالم على عدم وجوبه، كما ادعاه صريحا في المعتبر، بل لا ينبغي التأمل فيه بعد النظر في كلماتهم، إذ لو كان واجبا لم يخف عليهم عادة بعد ابتنائه على كلفة خارجة عن الوضع المتعارف، وعدم الضابط الارتكازي لعدده وموقعه من الصلاة كي يمكن إيكاله إليه. بل سكوت النصوص الواردة في المسلوس عن التنبيه عليه مع ذلك موجب لظهورها في عدمه، وليس هو كالوضوء لكل صلاة ويأتي تمام الكلام في ذلك قي آخر الكالام في هذه الصورة إن شاء الله تعالى. فليس الاشكال إلا في كفاية الوضوء الواحد لاكثر من صلاة واحدة، الذي عرفت أنه مخالف للعمومين المذكورين. وقد يستدل لما في المبسوط بغير واحد من النصوص منها: النصوص الكثيرة الواردة في سقوط القضاء عن المغمى عليه ومن يستمر به العذر بين رمضانين (1)، المتضمنة لقولهم علهم السلام: " كلما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر "، ونحوه مما يتضمن معذورية المغلوب.


____________
(1) راحع الوسائل باب 3 من أبواب قضاء الصلوات وباب 25 من أبواب أحكام الصوم.

===============

( 119 )

فإن سوقها لبيان عدم وجوب القضاء الذي هو عبارة عن تكليف جديد بسبب عدم الاتيان بالواجب في وقته، أو بقاء التكليف بأصل الواجب لذلك - كما هو الظاهر - كاشف عن أنه ليس المراد بالعذر فيها ما يقابل المؤاخذة من العقاب وما هو من سنخه شرعا كالكفارة، بل ما يعم عدم حدوث التكليف أو سقوطه، وعموم ذلك يقتضي في المقام عدم وجوب الوضوء على المكلف بسبب البول ونحوه إذا غلب الله عليه، إما لعدم ناقضيته أو عدم وجوب الطهارة منه. وفيه - مع أن لازمه عدم وجوب الوضوء للقطرات المذكورة مع وجود الفترة المضبوطة بل حتى بعد الشفاء، بل في سائر موارد العجز عن تجنب الحدث، ولا يظن التزامه من واحد -: أن الكبرى المذكورة لا تخلو عن إجمال، بسبب تطبيقها في المورد المذكور، لان ظاهر العذر عدم المؤاخذة، فتطبيقه على القضاء موقوف إما على تنزيل القضاء منزلة المؤاخذة، لانه عرفا من سنخ التدارك وفيه نحو من الثقل والكلفة تزيد على ابتداء التكليف، فيقتصر فيه على مورده ونحوه مما ثبت فيه التنزيل المذكور. أو حمل العذر على ما يعم عدم التكليف أو سقوطه - كما ذكر في وجه الاستدلال - لينفع فيما نحن فيه. وليس الثاني بأولى من الاول، لو لم يكن الاول أولى، لما فيه من المحافظة على ارتكازية الكبرى، ولا سيما مع لزوم كثرة التخصيص على الثاني، خصوصا لو حمل على ما يعم بقاء التكليف، لكثرة موارد بقائه مع غلبة الله تعالى في الترك، بل لم نعهد في المؤقت موردا لسقوط التكليف في الوقت مع الترك في أوله. بل قد يدعى أن ذلك لازم حتى على الاول لكثرة موارد وجوب القضاء بالترك مع غلبة الله تعالى، وهو مما يوجب إجمال هذه النصوص ويلزم بالاقتصار على موردها، وإن صرح في بعضها بالعموم بمثل قوله عليه السلام: " هذا من الابواب التي يفتح كل باب منها ألف باب " (1). لا يخلو عن إشكال أو منع على ما يأتي في حكم فقد الطهورين من مباحث التيمم. فلاحظ.


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب قضاء الصلوات حديث: 9.

===============

( 120 )

ومنها: صحيح منصور بن حازم: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يعتريه البول ولا يقدر على حبسه. فقال لي: إذا لم يقدر على حبسه فالله أولى بالعذر يجعل خريطة " (1). وصحيح الحلبي عنه عليه السلام: " سئل عن تقطير البول. قال: يجعل خريطة " (2). بدعوى: أن الاقتصار في بيان الوظيفة على جعل الخريطة ظاهر في عدم وجوب الوضوء، ولا سيما مع التنبيه في الاول للمعذورية بسبب العجز، حيث يدل على عدم الاثر للقطرات في وجوب الوضوء، للعجز عن حبسها. وأما عدم التنبيه للوضوء لغير القطرات المذكورة من أفراد الحدث، فلانه خارج عن مورد السؤال، ولاسيما مع ما في الاول من المعذورية بسبب العجز عن الحبس، حيث يناسب عدمها مع القدرة عليه. وفيه: أن الاقتصار على جعل الخريطة قد يكون مسببا عن انصراف السؤال لخصوص جهة الخبث، مع استيضاح حكم الحدث، بل هو الظاهر من الاول بسبب التمهيد لجعل الخريطة ببيان المعذورية لظهوره في كون المعذورية من جهة الخبث التي اهتم الامام عليه السلام بعلاجها. على أن الامر بجعل الخريطة منصرف لحال الصلاة، لاجل منع التنجس بما يتقاطر حين إرادتها بالقدر الممكن، فلو دل على العفو عن الحدث المسبب عنها فالمتيقن منه العفو عنه بالاضافة للصلاة الواقعة حينه، ولا يدل على العفو عنه بالاضافة لصلاة أخرى. ولا سيما مع أن التعبير بأولوية الله تعالى بالعذر ظاهر في المفروغية عن تحقق موضوعه عرفا، وهو لا يعم ما عدا الصلاة الواقع حينها، حيث لا عذر في الصلاة معه مع تيسر رفعه قبل الدخول فيها. فلاحظ. ومنها: موثق سماعة: " سألته عن رجل أخذه تقطير من قرحة (فرجه. يب) إما دم وإما غيره. قال: فليصنع خريطة وليتوضأ وليصل، فإنما ذلك بلاء ابتلي به،


____________
(1) (2) الوسائل باب: 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2 و 5.

===============

( 121 )

فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضأ منه " (1). بدعوى: أنه ظاهر في عدم وجوب الوضوء إلا للحدث المتعارف، دون الذي ابتلي به من التقطير. وفيه: أن الاقرب من ذلك جعل الجواب قرينة على المراد بغير الدم في السؤال مثل القيح والصديد، دون الحدث الذي يتوضأ منه، كما هو المتعين على نسخة الوسائل، المتضمنة ل‍ " قرحة " بدل " فرجه ". ومنها: خبر عبد الرحيم (2): " كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام في الخصي يبول فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل بعد البلل. قال: يتوضأ و (ثم. في، فقيه) ينتضح (3) في النهار مرة واحدة " (4). وفيه: أن الاستدلال إن كان بلحاظ قوله عليه السلام: " مرة واحدة ". فالمتيقن رجوعه


____________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9. (2) رواه الصدوق مرسلا عن الكاظم عليه السلام. ورواه الشيخ في التهذيب في موضعين بسندين عن سعدان ابن مسلم عن عبد الرحيم. والاول لم يصرح أحد من القدماء بتوثيقه، وإنما ذكر الشيخ في الفهرست أن له أصل. لكن رواية غير واحد من أجلاء أصحابنا عنه ورواية جماعة لكتابه - كما ذكره النجاشي - ونحوهما مقرب لوثاقته جدا. ولا سيما مع قرب كونه قائد أبي بصير الذي روى عنه في كامل الزيارة، بل عن السيد الداماد: أنه شيخ كبير القدر جليل المنزلة. والثاني هو القصير على الظاهر، كما صرح به في أحد الموضعين من التهذيب. ويشترك مع سابقه في عدم التوثيق الصريح وفي رواية بعض الاجلاء عنه. وقد يظهر من بعض الروايات أن له منزلة. أما الكليني فقد رواه عن سعدان بن عبد الرحمن، كما في الوسائل. لكن في الطبعة الحديثة من الكافي: " سعدان عبد الرحمن " فيكون هو سعدان بن مسلم، بناء على ما في جامع الرواة من أن اسمه عبد الرحمن ولقبه سعدان، وقد يؤيد بكون الراوي عنه أحمد بن إسحاق الذي هو يروي عن سعدان ابن مسلم. بل قد يعينه عدم ذكر سعدان بن عبد الرحمن في كتب الرجال. وكيف كان، فمن القريب اعتبار الخبر ولا سيما مع رواية المشايخ الثلاثة له وظهور حال الصدوق والكليني في الاعتماد عليه. (3) كذا في الكافي وأحد الموضعين من التهذيب، وفي الموضع الآخر منه وفي الفقيه: " بنضح ثوبه ". ومنه يتضح الاشكال في الاستدلال به على العفو عن نجاسة ثوب من تواتر بوله. (4) الوسائل باب: 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 8.

===============

( 122 )

للانتضاح، ولا قرينة على رجوعه للوضوء أيضا، لو لم يكن مخالفا للظاهر، ولا سيما على تقدير العطف ب‍ " ثم " كما في بعض طرق الحديث. كيف ولا إشكال ظاهرا في وجوب الوضوء عليه لغير البول من الاحداث، ولا وجه لفرض وقوعه مرة واحدة في اليوم؟ بل ظاهر الخبر ناقضية البول في المرة الاولى فقط، وهو لا يناسب القول بعدم وجوب الوضوء للبول مطلقا - كما يظهر من المتن - أو لخصوص المتقاطر منه - كما يظهر من بعضهم - إذ على الاول لا يجب الوضوء للبول حتى في المرة الاولى، وعلى الثاني يجب الوضوء للبول غير المتقاطر لو تكرر. وإن كان بلحاظ إطلاق الوضوء، بدعوى ظهوره في وجوب الوضوء للبول، والانتضاح للبلل من دون وضوء. فهو لا يخلو عن إشكال، إذ لا يبعد عن تركيب الكلام رجوع كلا الامرين للبلل، ولم يتعرض للوضوء للبول، اتكالا على المفروغية عن وجوبه له، كما لم يتعرض للغسل منه بالاستنجاء لذلك أيضا. نعم، لو أريد من البلل ما لم يحكم عليه بالبولية تعين الحمل على الاستحباب. ولعله المتعين بلحاظ الامر بالنضح الذي ورد الامر به استحبابا في غير مورد من موارد اشتباه النجاسة وغيره، كالثوب يصيبه المذي (1)، أو الكلب والخنزير الجافان (2)، وأثر الفارة إذا لم ير (3)، وما يشك في إصابة النجاسة له من الجسد أو الثوب (4)، كثياب المجوس (5) وبيوتهم (6) ومعاطن الابل ومرابض البقر


____________
(1) راجع الوسائل باب: 17 من أبواب النجاسات. (2) راجع الوسائل باب: 26 من أبواب النجاسات. (3) الوسائل باب: 33 من أبواب النجاسات حديث: 2. (4) الوسائل باب: 37 من أبواب النجاسات حديث: 2، وباب 40 منها حديث 3. (5) الوسائل باب: 73 من أبواب النجاسات حديث: 3. (6) راجع الوسائل باب. 14 من أبواب مكان المصلي.

===============

( 123 )

والغنم (1) لمن أراد أن يصلي فيها، والندى والصفرة تخرج ممن به جرح في مقصدته (2)، ولا قائل باستفاء به لاصابة البول في مورد النص، بل غاية ما قيل به وجوب غسل الثوب مرة في اليوم لمن تواتر بوله، ولا ينهض به الخبر. هذا ولا أقل من عدم التصريح في السؤال بكون البلل بولا، لينفع فيما نحن فيه لو تم الوجه المذكور. إلا أن يستفاد ذلك من ظهور السؤال في الضيق من الحال المذكورة وشدة التحير بسببها، مع وضوح الحكم ظاهرا بالطهارة وعدم الناقضية في المشتبه مع الاستبراء. كما يشكل لاجله الحمل على الاستحباب، لان ضيق الحال يناسب التخفيف ببيان السعة أو الاقتصار على ما لابد منه. اللهم، إلا أن يكون منشأ السؤال هو الاضطراب النفسي الحاصل من قوة احتمال البولية، ولو مع السعة ظاهرا، فيكون الجواب مسوقا لبيان الوظيفة الاستحبابية حال الشك، لرفع الاضطراب المذكور بأداء وظيفة مقررة، نظير ما في صحيح الحسين بن أبي العلاء: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المذي يصيب الثوب. قال: لا بأس به، فلما رددنا عليه قال: ينضحه بالماء " (3). فتأمل جيدا. وقد ظهر مما تقدم أنه لا مجال لما في المبسوط. ولا ينهض شئ مما تقدم للخروج عن القاعدة المعتضدة بصحيح حريز المتقدم في حكم تحري الفترة، المتضمن للامر بالجمع بين الصلاتين، لقرب كونه إرشادا للمحافظة على الوضوء، فيدل على انتقاضه بالحدث المتخلل بينهما على تقدير التفريق، كما أمر به في بعض أقسام المستحاضة إرشادا، للمحافظة على الغسل. وأما أحتمال أن يكون إرشادا لتجنب زيادة الخبث، فلا يخلو عن بعد، لعدم


____________
(1) راجع الوسائل باب: 17 من أبواب مكان المصلي. (2) الوسائل باب: 16 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3. (3) الوسائل باب: 17 من أبواب النجاسات حديث: 2.

===============

( 124 )

ملازمة التفريق لزيادة موضع الملاقاة من البدن مع وضع الكيس المفروض فيه، بل لا يتنجس معه غالبا إلا الذكر. ولو خرج البول عن الكيس لكثرته ونجس موضعا من البدن، كان التنبيه على وضع الكيس كافيا في بيان وجوب التطهير منه بلا حاجة للامر بالجمع. وأما زيادة خروج البول في الكيس فهو غير قادح للعفو عن نجاسة الكيس لعدم تمامية الصلاة به. على أن أهمية الوضوء ارتكازا من الخبث توجب انصراف الامر بالجمع في الصحيح له. فلاحظ. ولاجله يقوى ما في المنتهى من جواز الجمع بين الظهرين وبين العشائين بوضوء واحد، لقوة ظهور الصحيح في ذلك، بسبب عدم تعرضه للوضوء بين الصلاتين والتصريح بجمعهما في أذان واحد، الظاهر في عدم الفصل بينهما. ودعوى: سقوط الصحيح عن الحجية بسبب إعراض المشهور عنه. ممنوعة، لاختصاص ذلك بشهرة القدماء، ولم يتضح حكم المسألة بينهم، لقلة المتعرضين منهم لها، كما ذكرت في كلمات بعضهم عرضا، مع اضطراب بعضهم في حكمها، كالشيخ في المبسوط والخلاف. بل يظهر من ذكر الصدوق قدس سره للصحيح في الفقيه الاعتماد عليه والعمل به. بل الطبقة الوسطى المخالفة لمضمون الصحيح ليست من الكثرة بنحو يعتد به، إذ عمدتهم ابن إدرس والفاضلان والشهيدان والمحقق الثاني في بعض كتبهم، ولا مجال لاهمال الصحيح لاجلهم، ولا سيما مع ظهور كلام بعضهم في المنع من دلالته، وقرب كون إعراض بعضهم عنه لقوة استحكام عموم مانعية الحدث في نفوسهم بنحو يتجلى لهم شذوذه، أو لعدم حجيته بنظره ذاتا، كما يناسبه مسلك ابن إدريس في الاخبار، وظهور التردد من بعضهم في بعض كتبه كالمحقق في الشرائع، والعمل بالصحيح من آخر، كالعلامة في المنتهى. وبالجملة: لم يتضح إعراض الاصحاب عن الصحيح بنحو يكشف عن

===============

( 125 )

وضوح بطلان مضمونه عندهم ليسقطه عن الحجية، فالعمل عليه متعين. بقي في المقام أمران.. الاول: أن الصحيح مختص بالسلس، وعليه اقتصر العلامة في المنتهى، ورجع في البطن للقاعدة المقتضية لوجوب الوضوء لكل صلاة، وهو المتعين، إذ لا مجال للتعدي للبطن بإلغاء خصوصية المورد عرفا، ولا بتنقيح المناط بعد مخالفة الحكم للقاعدة، ولما ورد في المستحاضة، التي هي من أفراد مستمر الحدث. وما قد يظهر من المشهور من اتفاق المسلوس والمبطون في أحكام الصور لو تم، مختص بما يطابق القاعدة بنظرهم، لتنزيل دليل كل منهما على الصورة الملائمة لها، حيث نزلوا ما ورد في المبطون من الوضوء والبناء على صورة الفترة لتحصيل الطهارة التامة في مجموع الصلاة، وما دل في السلس على عدم الوضوء في الاثناء على صورة الاستمرار الذي تتعذر معه الطهارة التامة، فلا مجال للتسوية بينهما في مثل هذا الحكم المخالف للقاعدة. ومنه يظهر أنه لا مجال للتعدي لغير الظهرين والعشائين في جواز الجمع، اقتصارا فيما خرج عن القاعدة على المتيقن. الثاني: لو دخل ذو السلس والبطن في الصلاة بطهارة تامة ثم فجأه الحدث مستمرا بنحو لا يسعه الوضوء لتمام الصلاة ولو بنحو التقطيع، فهل يمضي في صلاته، كما قد يظهر ممن أطلق الاكتفاء بوضوء واحد للصلاة الواحدة لمن ليس له فترة يمكن إيقاع الصلاة معها بطهارة تامة ولو بنحو التقطيع، أو يتوضأ ويبني على ما مضى منها، كما ذكره في المعتبر والمنتهى في المبطون، حيث تقدم في عرض اللاقوال أن فائدته تخفيف الحدث الواقع في الاثناء، نظير الوضوء قبل الصلاة لمستمر الحدث؟ وجهان: استدل على ثانيهما في المعتبر والمنتهى بالنصوص المتقدمة الواردة في المبطون والمتضمنة أنه يتوضأ ويبني على صلاته، ويشكل بعدم ظهورها في الاستمرار، بل هي منصرفة لصورة تحصيل تمام الصلاة بطهارة المستلزم لوجود

===============

( 126 )

فترات، كما يأتي في الصورة الثالثة. ودعوى: استفادة الاستمرار من تفسير البطن بالغالب في بعض تلك النصوص. ممنوعة، لظهور الوصف المذكور في الكناية عن ذهاب الماسكة، لان البطن قد لا يكون كذلك، فإنه عبارة عن داء البطن، كما يأتي في ذيل الكلام في الصورة الثالثة، وهو أعم من ذلك. نعم، قد لا يكون مرادهما الاستمرار الحقيقي بل الاستمرار المانع من الاتيان بتمام الصلاة بطهارة، فيرجع القيد المذكور إلى اعتبار تحري الفترة الذي تقدم الكلام فيه، ويخرج عما نحن فيه. وكيف كان، فالوضوء لتخفيف الحدث في الاثناء - الذي هو محل الكلام - هو المناسب، للقاعدة المتقدمة، مع خروجه عن المتيقن من الاجماع على الاكتفاء بوضوء واحد للصلاة الواحدة، ولا سيما بملاخة ما تقدم من أن عدم الضابط الارتكازي لعدد الوضوء في الصلاة الواحدة وموقعه منها موجب لكون سكوتهم عن التعرض لذلك كاشفا عن وضوح عدم وجوبه في الاثناء، وهو لا يجري في الفرض، لان الحدث المفاجئ مثير لاحتمال وجوب الوضوء بعده. وأما ما دل على بطلان الصلاة بالحدث في أثنائها (1)، فهو غير شامل للمقام، للقطع بعدم بطلانها بالحدث المذكور، وإنما الكلام في وجوب الوضوء من الحدث المذكور لاكمالها. ومثله ما دل على مبطلية الفعل الكثير، لما يأتي في الصورة الثالثة. نعم، قد يشكل في المرأة، لاستلزام الوضوء منها الاخلال بالستر المعتبر في الصلاة غالبا، فمع عدم الدليل على العفو عنه - كما يأتي في الصورة الثالثة - يقع التعارض بين عموم اعتباره وعموم اعتبار الطهارة. لكن سبر أدلة الحكمين شاهد بأقوائية عموم اعتبار الطهارة وأهميته،


____________
(1) راجع الوسائل باب، 1 من أبواب قواطع الصلاة.

===============

( 127 )

فيتعين تقديمه لو كان المقام من صغريات التعارض - كما هو الظاهر - وترجيحه لو كان من صغريات التزاحم، ولذا لا يظن بأحد التوقف في جريان حكم الصورة الثالثة في المرأة، لان النسبة بين دليل العفو عن الفعل الكثير ودليل التستر لها العموم من وجه. بل لا يبعد ورود عموم اعتبار الطهارة في الصلاة على عموم اعتبار الستر، لظهوره في عدم اجتماع الصلاة مع الحدث، بحيث يكون الحدث موجبا لانقطاع الصلاة وعدم صدق التلبس بها، وليس إكمالها في المبطون بعد الوضوء إلا عودا إليها بعد الانقطاع لا استمرارا فيها، وظهور عموم اعتبار الستر في اعتباره حال الانشغال بالصلاة والتلبس بها عرفا، وإن كان حال السكون المتعارف المتخلل بين الاجزاء. فتأمل. هذا، ولكن لابد من رفع اليد عن القاعدة المذكورة بالنصوص الواردة في المسلوس، خصوصا صحيح حريز المتقدم، لشمولها لصورة وجود الفترة التي لا تسع الطهارة والصلاة مع انضباطها، فضلا عن عدمه، لان ما تقدم من انصرافها عن صورة ضبط الفترة التي تسع الطهارة والصلاة ناش من ورودها مورد العذر العرفي لايقاع الصلاة مع الحدث، وهو حاصل في الفرض. وإنما الاشكال في المبطون الذي لا وجه للاكتفاء في صلاته مع استمرار الحدث إلا الاجماع أو نصوص المسلوس مع إلغاء خصوصية موردها أو الاجماع. والاول لا يخلو في نفسه عن إشكال، كما تقدم في نظير المقام. والثاني غير ظاهر الشمول للمقام. بل يشكل تحقق الاجماع في المبطون، لان ظاهر جمهور الاصحاب فرضهم له - كالنصوص - في صورة عدم الاستمرار، بنحو يمكن تحصيل الصلاة بطهارة تامة ولو بنحو التقطيع، ومن صرح بجريان حكم المسلوس له مع الاستمرار ليس من الكثرة بنحو يحقق الاجماع الكاشف عن الحكم الشرعي. ودعوى إرادة

===============

( 128 )

[ إلا أن يحدث حدثا آخر، كالنوم وغيره (1)، فيجدد الوضوء لها. الثالثة: أن تكون له فقرة تسع الطهارة وبعض الصلاة (2) ]، الكل لذلك خالية عن الشاهد. نعم، يبعد جدا - بعد النظر في نصوص المقام والمستحاضة - سقوط الصلاة عنه في الصورة المذكورة. وتكليفه فيها بالوضوء في الائناء، مما يقطع بعدمه بعد ما سبق في تقرير مقتضى القاعدة، وهو مما يقرب مشروعية الصلاة له بوضوء واحد قبلها. ولعل التشكيك فيه ملحق بالوسواس. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. (1) كما احتمل غير واحد لكونه مراد الشيخ في المبسوط، كما احتملوا أيضا إرادته عدم ناقضية خصوص ما يتقاطر مع ناقضية ما يسانخه إذا خرج بالوجه المتعارف، كما جرى عليه في العروة الوثقى، وأمضاه غير واحد من محشيها. والاول مبني على أن يكون منشأ الاكتفاء بالوضوء الواحد للصلوات المتعددة سقوط اعتبار الطهارة، وأن وجوب الوضوء محض تعبد للاجماع، حيث يلزم الاقتصار فيه على المتيقن. أما لو كان منشؤه عدم ناقضية الحدث مع اعتبار الطهارة فيتعين الثاني، وهو المناسب للاستدلال بنصوص قاعدة: " كلما غلب الله عليه.. "، وصحيح منصور، وموثق سماعة، وثاني وجهي الاستدلال بخبر عبد الرحيم. أما على الوجه الاول فيكفي وضوء واحد في النهار، والظاهر عدم القائل به. فراجع. (2) يعني: فيستطيع تحصيل الصلاة كاملة بطهارة تامة بنحو التقطيع، فلو تعذر ذلك، لعدم تكرر الفترة بالمقدار المذكور، بل لا يستطيع إلا تحصيل بعض الصلاة بطهارة تامة، خرج عن مفروض هذه الصورة ولحقه ما تقدم في ذيل الكلام

===============

( 129 )

[ ولا يكون عليه في تجديد الوضوء في الاثناء مرة أو مرات حرج، وحكمه الوضوء والصلاة في الفترة، وكلما فاجأه الحدث جدد الوضوء وبنى على صلاته (1)، ] في الصورة الثانية ويأتي في الصورة الرابعة. فلاحظ. (1) لا يخفى أن هذه الصورة كسابقتها لم تحرر بهذا الوجه في كلام متقدمي الاصحاب - وإنما حررت في كلام بعض المتأخرين - إلا أنه يمكن استفادة رأيهم فيها من إطلاق كلماتهم أو من قرائن فيها. والكلام تارة: في وجوب الوضوء قبل الدخول في الصلاة، وعدم الاكتفاء بالوضوء المتعقب بالحدث القهري الحاصل قبلها. وأخرى: في وجوب تكرار الوضوء في أثناء الصلاة للحدث المفاجئ، لتحصيل الصلاة بطهارة تامة بنحو التقطيع. أما الاول، فهو مقتضى إطلاق من أوجب الوضوء لكل صلاة على المبطون والمسلوس، ممن تقدم التعرض له في الصورة الثانية. ويستفاد أيضا ممن أوجب الوضوء عليه في الاثناء لو فجأه الحدث، على ما يأتي التعرض لهم، لابتناء ذلك منهم على وجوب تحصيل الطهارة لتمام الصلاة مع القدرة. نعم، قد يظهر الخلاف فيه في المسلوس من الشيخ قدس سره في المبسوط وغيره ممن حكم بجواز الجمع له بين صلوات كثيرة بوضوء واحد، بناء على شمول كلامهم لصورة الفترات بالنحو الذ ي هو محل الكلام، أما لو كان منصرفا عن الصورة المذكورة، فلا يكون خلافا فيها. وكيف كان، فتقتضيه القاعدة، بالتقريب المتقدم في الصورة الثانية، والنصوص الواردة في المبطون، لظهورها في لزوم المحافظة على الطهارة في تمام الصلاة.

===============

( 130 )

فلو فرض عدم تمامية القاعدة - كما يظهرمن سيدنا المصنف قدس سره - وإهمال النصوص أو الاقتصار فيها على موردها - وهو المبطون - يكون وجوب الوضوء مبينا على التفكيك بين أجزاء الصلاة في اعتبار الطهارة، ويأتي الكلام فيه في الصورة الرابعة إن شاء الله تعالى. وأما الثاني، فقد صرح به في المبطون في المبسوط والنهاية والنافع واللمعتين والروض، وحكي عن الوسيلة والسرائر وكشف الرموز والذكرى والدروس والبيان والتنقيح ومجمع البرهان وغيرها، وتقدم في ذيل الكلام في الصورة السابقة احتمال حمل ما تقدم من المعتبر والمنتهى من التقييد بالاستمرار عليه، وفي جامع المقاصد وعن البيان وحاشية النافع أنه المشهور، وفي المدارك أنه قول المعظم، وعن الذكرى أنه قول الجماعة، وعن الدروس أنه الاشهر. وأما المسلوس، فمقتضى مقابلته في كلام غير واحد بالمبطون والحكم فيه بوجوب الوضوء لكل صلاة، أو الجمع بوضوء واحد بصلاتين أو أكثر، عدم جريان ذلك فيه عندهم. لكن عن السرائر والوسيلة والذكرى والبيان والدروس أنه إذا كان له فترات ساوى المبطون، واستقرله في الجواهر. وربما يظهر من بعضهم حمل ما تقدم من المشهور على خصوص صورة الاستمرار، ويأتي الكلام فيه. وكيف كان، فيقتضيه في المبطون النصوص المتقدمة عند الكلام في وجوب تحري الفترة. منها: صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " أنه قال: صاحب البطن الغالب يتوضأ ويبني على صلاته " (1)، لظهور البناء على الشئ في إبقائه وعدم رفع اليد عنه كالاساس، بل هو كالصريح من قوله عليه السلام في خبره: " ثم يرجع


____________
(1) الفقيه باب: 50 حديث: 11 ج: 1 ص: 23 طبع النجف الاشرت.

===============

( 131 )

في صلاته فيتم ما بقي " (1). وتأويلها بحملها على استئناف الصلاة بعد الوضوء لوجود الفترة الكافية لهما، أو إتمامها بلا وضوء، أو الوضوء بعد إكمال الصلاة لما بقي من الصلوات - كما يظهر من بعضهم، على اختلاف نصوص المقام - بعيد جدا عن مجموع النصوص، كما تقدم هناك. فالمتعين العمل بالنصوص بعد وضوح دلالتها، واعتبار أسانيد غير واحد منها، وعمل الاصحاب بها، بل شهرتها بينهم - كما في اللمعة - خصوصا المتقدمين، كما في الروضة. ومنه يظهر ضعف ما في القواعد والارشاد وجامع المقاصد وكشف اللثام وعن التذكرة والمختلف ونهاية الاحكام والمقتصر وحاشية الشرائع، من عدم وجوب الوضوء في الاثناء. قال في محكي المختلف: " والوجه عندي أن عذره إن كان دائما لا ينقطع، فإنه يبني على صلاته من غير أن يجدد وضوءه، وإن كان يتمكن من تحفظ نفسه بمقدار زمان الصلاة فإنه يتطهر ويستأنف الصلاة. ويدل على التفصيل أن الحدث المتكرر إن نقض الطهارة أبطل الصلاة، لان شرط صحة الصلاة استمرار الطهارة ". إذ فيه: أنه مجال للبناء على عدم نقض الحدث للطهارة، لمنافاته لعموم الناقضية الذي يصب تخصيصه، كما تقدم في الصورة الثانية، ولنصوص المقام. بل مقتضى الجمع بينها وبين أدلة اعتبار الطهارة في الصلاة، ونصوص بطلانها بتجدد الحدث فيها (2)، كون الشرط في الصلاة أمران: الطهارة حين الانشغال بالاجزاء الصلاتية، واستمرارها من أولها لآخرها من دون تخلل الحدث بينها، وأن الاخلال بالثاني لطروء العذر في المقام يسقطه دون الاول، وهو المناسب لاهمية شرطية الطهارة، بمقتضى ارتكازيات المتشرعة.


____________
(1) الوسائل باب: 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4 وفي الباب المذكور بقية أحاديث المسألة. (2) راجع الوسائل باب: 1 من أبواب قواطع الصلاة.

===============

( 132 )

ومن ثم كان قريبا في نفسه مقبولا ارتكازا. خلافا لما في الروضة من غرابته واستبعاده، وإن لم يرفع اليد عن النصوص لاجل ذلك. إلا أن يريد به قلة النظير له، لا غرابته عن مقتضى المرتكزات. ومثله الاشكال بمنافاته لما دل على قادحية الفعل الكثير في الصلاة، لعدم الدليل على قادحيته إلا الاجماع، وهو لا ينهض بتحديد الكثرة بنحو ينطبق على الوضوء، ولا سيما مع ورود النصوص بجواز الاتيان فيها بما قد لا يقصر عنه عرفا، كغسل الثوب من الدم (1)، والانف من الرعاف (2)، وإحراز الصبي والدابة (3)، وارضاع الصبي وتسكيته (4)، وشرب الماء في الوتر لمن يريد الصيام (5)، والمشي لمن ركع بعيدا عن الجماعة حتى يلحق بها (6)، وضم المرأة المحللة (7) على أنه لو فرض ثبوت قادحية مثله، كان المقام من دوران الامر بين شرطية الطهارة وقادحية الفعل الكثير. ولو لم يحرز أهمية الاولى بنحو يقطع بتنازل الشعارع عن الثانية فلا أقل من التوقف الراجع للعلم الاجمالي بوجوب الاستمرار في الصلاة صع الحدث، أو تجديد الوضوء لما بقي منها، فيلزم الاحتياط بتكرار الصلاة بالوجهين. ولو فرض العلم بعدم تكليف الشارع بالاحتياط لزم التخيير بينهما أو ترجيح محتمل الاهمية. ومنه يظهر ضعف ما في كشف اللثام من تأييد عدم وجوب الوضوء في. الاشاء - مع قطع النظر عن النصوص - بالاحتياط لكون الوضوء أفعالا كثيرة، إذ لا معنى للاحتياط بترك محتمل الشرطية، وكذا تأييده بالاصل والحرج، لان الاصل


____________
(1) راجع الوسائل باب: 44 من أبواب النجاسات. (2) راجع الوسائل باب: 2 من أبواب قواطع الصلاة. (3) راجع الوسائل باب: 21 من أبواب قواطع الصلاة. (4) راجع الوسائل باب: 24 من أبواب قواطع الصلاة. (5) راجع الوسائل باب: 23 من أبواب قواطع الصلاة. (6) راجع الوسائل باب: 46 من أبواب صلاة الجماعة. (7) راجع الوسائل باب: 22 من أبواب قواطع الصلاة.

===============

( 133 )

محكوم لعموم شرطية الطهارة، والحرج الشخصي غير مطرد، مع أنه لا ينهض بتشريع الاكتفاء بالناقص، بل يقتضى سقوط الاداء وانتظار القضاء، فتأمل. والنوعي بالنحو الكاشف عن عدم تشريع مثل هذا الحكم ممنوع. هذا كله مع قطع النظر عن نصوص المقام، وأما بملاحظتها فهي تنهض باثبات عدم قادحية الوضوء وإن كان فعلا كثيرا، والخروج عن مقضى الاصل. وعدم مانعية متل هذا الحرج النوعي - لو فرض لزومه - من تشريعه. نعم، هي محكومة لعمومات رفع الحرج بالاضافة للحرج الشخصي الذي عرفت حاله، ويأتي تمام الكلام فيه في الصورة الرابعة. وأما في المسلوس فقد يستدل له.. تارة: بنصوص المبطون لفهم عدم الخصوصية لموردها أو لتنقيح المناط. واخرى: بعموم اعتبار الطهارة في الصلاة، فان سقوط اعتبار الاستمرار فيها للعذر لا يستلزم سقوط شرطية الطهارة لها، وقد تقدم نهوض ما دل على قادحية الفعل الكثير برفع اليد عنه. لكن الاول ممنوع، كما تقدم في نظائره غير مرة. ولا سيما مع عموم نصوص المسلوس لصورة وجود الفترة بالنحو المذكور، إذ لا قرينة على حملها على خصوص المستمر الذي لا فترة له، إن لم يكن حملا على الفرد النادر، كما تقدم في أول الكلام في وجوب تحري الفترة التي تسع الطهارة والصلاة بلا حدث. غاية ما تقدم هو انصرافها - كجميع نصوص المقام بقرينة ورودها مورد العذر - عن صورة وجود فترة مضبوطة تسع الطهارة وتمام الصلاة، ولا موجب لخروج ما عدا ذلك عنها. كما لا موجب للانصراف المذكور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) وإن ادعي لتوجيه اتفاقهم على مشاركة المسلوس للمبطون في الحكم المذكور. ومنه يظهر ضعف الثاني، لان نصوص المسلوس تكفي في رفع اليد عن العموم المذكور بعد كونها أخص منه. فتأمل جيدا، والله سبحانه وتعالى العالم.

===============

( 134 )

بقي في المقام أمور.. الاول: أنه استدل غير واحد في المقام بصحيح الفضيل بن يسار: " قلت لابي جعفر عليه السلام: أكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا. فقال: انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة (بالكلام. فقيه) متعمدا، وإن تكلمت ناسيا فلا شئ عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا. قلت: وإن قلب وجهه عن القبلة؟ قال: نعم وإن قلب وجهه عن القبلة " (1)، وخبر أبي سعيد القماط: " سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذى أو عصرا من البول، وهو في صلاة المكتوبة... فقال: إذا أصاب شيئا من ذلك فلا بأس بأن يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ثم ينصرف إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه فيبني على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بالكلام. قلت: وإن التفت يمينا أو شمالا أو ولى عن القبلة. قال: نعم كل ذلك واسع... " (2). لكنهما غير ظاهرين في المبطون، بل فيمن يستطيع إمساك الحدث وإن طرأت له حاجة إليه. والجمع بينهما وبين نصوص مبطلية الحدث وإن كان ممكنا في الجملة، ولو بالاقتصار على صورة الحاجة للحدث توسعا في العذر. إلا أنه يصب الاعتماد عليهما مع ظهور إعراض الاصحاب عنهما. وظاهر الصدوق وإن كان هو الاعتماد على الاول، لذكره له في الفقيه، إلا أن إدراجه له في باب: " صلاة المريض والمغمى عليه والضعيف والمبطون والشيخ الكبير وغير ذلك " قد يظهر في عدم عمله به فيما هو ظاهر فيه، بل تنزيله على المبطون، الذي هو ليس عملا به في الحقيقة، نظير ما حكي عن الشيخ من حمل الخبرين ونحوهما على بعض المحامل البعيدة.


____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب قواطع الصلاة حديث: 9. (2) الوسائل باب: 1 من أبواب قواطع الصلاة حديث: 11.

===============

( 135 )

على أنه لا يكفي عمل الصدوق وحده مع إعراض بقية الاصحاب. ولا سيما في مثل هذا الحكم الذي يكثر الابتلاء به. وربما يأتي في قواطع الصلاة إن شاء الله تمام الكلام في ذلك. الثاني: أن سوق بعض نصوص المقام لبيان عدم وجوب الاستئناف - كما تقدم عند الكلام في وجوب تحري الفترة - موجب لظهوره في توقع استمرار الطهارة بعد الحدث بنحو لا يحتاج الاستئناف فضلا عن البناء على ما مضى من الصلاة إلى الوضوء أكثر من مرة، ولا ينعقد له إطلاق شامل لما لو احتاج للتكرار. إلا أن إلغاء الخصوصية المذكورة واستفادة جواز التكرار قريب جدا، لظهورها في الاهتمام بمقارنة أجزاء الصلاة للطهارة وإن لم تستمر. بل هو مقتضى إطلاق الصحيح المغقدم: " صاحب البطن الغالب يتوضأ ويبني على صلاته ". كما هو أيضا مقتضى إطلاق بعض الاصحاب وصريح آخر. نعم، لو لزم الحرج من ذلك دخل في الصورة الرابعة. الثالث: أن النصوص حيث دلت على عدم قادحية الوضوء من حيثية كونه فعلا كثيرا فهي تدل أيضا على عدم قادحية مقدماته المتعارفة، كالخروج للموضع المعد له بالوجه المتعارف ورفع الاكمام لغسل اليدين ونحوهما، لان عدم التنبيه على تجنب ذلك مع الغفلة عنه موجب لظهور النصوص تبعا في عدم قدحه. أما المقدمات الطويلة كاستفاء الماء من البئر ونحوه، مما يتعارف تهيئته قبل الصلاة لمثل هذا الشخص، فيشكل العفو عنها لو فرض قيام الدليل على قادحيتها من حيثية كونها فعلا كثيرا. وأشكل منه ما لو استلزم الاخلال ببعض الشروط المنصوصة، كالتستر والاستقبال. لكن أشرنا في ذيل الكلام في الصورة الثانية إلى العفو عن الاخلال بالستر بالمقدار الذي يقتضيه الوضوء.

===============

( 136 )

بل تقدم احتمال قصور أدلة شروط الصلاة عن مثل حال الحدث المتخلل، حيث يظهر من الادلة عدم اجتماعه معها، وأن البناء على ما مضى منها بعد الوضوء عود فيها بعد انقطاعها، لا استمرار فيها. ويؤيده ما تضمنه صحيح الفضيل وخبر القماط من جواز ترك الاستقبال. نعم، يشكل البناء على ذلك في القواطع، كالكلام والقهقهة والضحك، لظهور أدلتها في نقضها لو تخللت بين أجزاء الصلاة. بل لا ينبغي التأمل في ذلك، بالاضافة للكلام، لكثرة النصوص الدالة على نقضه للصلاة وإن وقع في حال الانشغال ببعض الافعال في أثنائها - كغسل النجاسة ونحوه - ومنها صحيح الفضيل وخبر القماط. فتأمل جيدا. الرابع: أنه لا ظهور لنصوص المقام في وجوب المبادرة للوضوء بعد الحدث، ولا للصلاة بعد الوضوء، بل قد يدعى أن مقتضى إطلاقها جواز التأخير. لكن الظاهر عدم انعقاد إطلاق لها من هذه الجهة، لعدم ورودها لتشريع الوضوء والصلاة، بل لبيان جواز البناء وعدم وجوب الاستئناف مع المفروغية عن وجوب الصلاة التامة بمقتضى أصل التشريع ووجوب الوضوء بمقتضى ارتكاز عموم شرطية الطهارة. فهي لا تنهض ببيان عدم وجوب المبادرة بالمقدار اللازم لتحقيق الموالاة المعتبرة في الصلاة عندهم، ولا طريق لاثبات سقوط الموالاة إلا بالمقدار المتعارف لتحقيق الوضوء، نظير ما سبق في العفو عن الفعل الكثير. الخامس: ألحق في المنتهى والمستند بالمبطون من يستمر منه الريح، بل ظاهر جامع المقاصد والمسالك والروض والروضة أنه من أفراده. وفي جامع المقاصد: " وفي الرواية تنبيه عليه "، وكأنه يشير إلى صحيح الفضيل وخبر القماط المتقدمين. لكنهما - مع أنهما أجنبيان عما نحن فيه، كما تقدم - إنما يدلان على جريان حكم المبطون المتقدم عند خروج الريح، لا عموم المبطون له مفهوما. نعم، هو مقتضى عموم المعنى المذكور له في الصحاح ومختاره ونهاية ابن

===============

( 137 )

الاثير ومفردات الراغب ولسان العرب والقاموس، حيث عرفوه بعليل البطن أو من يشتكي بطنه. كما عرفوا البطن بدأ البطن، وهو المناسب للاشتقاق. لكن في مجمع البحرين: " والمبطون من به اسهال أو انتفاخ في بطن، أو من يشتكي بطنه ". وقد يظهر منه تردده بين المعاني المذكورة، فيكون المتيقن منه في المقام من به الاسهال، كما هو المناسب لما عن التذكرة وجماعة من تعريفه بالذرب. والذي ينبغي أن يقال: اشتقاق الكلمة يناسب عموم البطن لكل داء في البطن مرتبط بالاكل والطعام الذي هو أظهر خواص البطن. وتخصيصه ببعض الادواء، كالاسهال أو الانتفاخ، موقوف على ثبوت وضع آخر له غير ما يقتضيه الاشتقاق. ولعله مخالف للاصل، المؤيد بكلام من عرفت من اللغويين. نعم، ورود النصوص في مورد الوضوء والصلاة موجب لانصرافه فيها لخصوص عدم إمساك الحدث، من دون فرق بين الغائط والريح، وتخصيصه بالاول بلا وجه. هذا، ولو غض النظر عن ذلك وبني على ورود النصوص في ذي الاسهال - ولو لانه المتيقن من المبطون - فلا ينبغي التأمل في عموم الحكم للمبتلى بالريح، إما لاستفادته من نصوص المقام بالفحوى، أو بفهم عدم الخصوصية لموردها، أو بتنقيح المناط، أو تبعا لغلبة التلازم بين الريح والغائط، وإما لانه مقتضى عموم شرطية الطهارة، بعد عدم الاشكال ظاهرا في عدم مبطلية الحدث للصلاة وعدم سقوط الصلاة في حق الشخص المذكور. نعم، الثاني قاصر عمن له فترة تسمع الوضوء والصلاة وإن لم تكن مضبوطة، إذ لا إجماع على عدم انقطاع الصلاة معها، فالبناء على صحة الصلاة حينئذ موقوف على إلحاقه بالمبطون موضوعا أو حكما - كما هو غير بعيد - حيث تقدم عموم نصوصه لصورة وجود فترة غير مضبوطة. وكذلك الحال في التوسع من

===============

( 138 )

[ وإذا أحدث بعد الصلاة توضأ للصلاة الاخرى. الرابعة: الصورة الثالثة، لكن يكون تجديد الوضوء في الاثناء حرجا عليه. وحكمه الاجتزاء بالوضوء الواحد لكل صلاة (1). ] حيثية كثرة مقدمات الوضوء والخلال بالموالاة وغيرهما، حيث يتوقف التسامح بالمقدار المتعارف فيها على إلحاقه بالمبطون، وبدونه يتعين الاقتصار على أقل الممكن. ثم إن ما عن التذكرة من ذكر ذي الريح مع المسلوس، كأنه مبني على عدم الفرق بين المسلوس والمبطون في الحكم، وإلا فلا مناسبة بينهما. (1) كما ذكره في العروة الوثقى وتبعه غير واحد من محشيها، وسبقهم إليه في الحدائق والجواهر، وجعله في مفتاح الكرامة احتمالا في كلمات الاصحاب، قال - بعد التنبيه للزوم الحرج من الوضوء في الاثناء لو كانت الفترات قصيرة -: " إلا أن يستثنوا مثل هذا الحرج، كما في شرح المفاتيح،. وقد استدل عليه في كلام غير واحد بقاعدة رفع الحرج، لكنها تقتضي سقوط وجوب الصلاة الادائية بالطهارة بالنحو المذكور، لا الاكتفاء بالصلاة الفاقدة لها، كما هو الحال في سائر موارد لزوم الحرج من فعل الطهارة أو تعذرها. نعم، لو كان منشأ الحرج المرض، لقصر الفترات المستلزم لكثرة التكرار، لم يبعد استفادة عدم سقوط الاداء المستلزم للاكتفاء بالصلاة الناقصة من نصوص المبطون والمسلوس والمستحاضة وغير ذلك مما يظهر منه اكتفاء الشارع من المريض بالميسور له، نظير ما تقدم في المبطون الذي لا فترة له أصلا. وهذا بخلاف ما إذا كان الحرج لطارئ خارجي لا دخل له بالمرض من برد أو نحوه، حيث لا طريق للعلم بعدم سقوط الاداء فيه من بين موارد تعذر الطهارة. ولعل هذا خارج عن مفروض كلامهم، بل يختص بالاول، كما هو ظاهر من ذكر الحرج في صورة التكرار أو عدم سعة الفترة.

===============

( 139 )

ثم إنه بناء على العفو عن الحدث المتخلل، فوجوب الوضوء لكل صلاة ظاهر، بناء على ما تقدم في الصورة الثانية في تقريب القاعدة المقتضية لتخفيف الحدث. أما بناء على عدم تماميتها، فقد علله سيدنا المصنف قدس سره بأنه إذا أمكن إيقاع أول الصلاة بطهارة وجب. وهو مبني على التفكيك بين أجزاء الصلاة في اعتبار الطهارة، لملاحظتها بنحو تعدد المطلوب، الذي هو خلاف ظاهر دليل شرطيتها، لظهوره في شرطيتها لمجموع الصلاة. ولا دليل عليه من نصوص المقام، لعدم التعرض في نصوص المسلوس للوضوء، واختصاص نصوص المبطون بما إذا أمكن تحصيل الطهارة لتمام الصلاة وبنحو التقطيع، فبعد فرض سقوط شرطية الطهارة للمجموع يكون المرجع أمل البراءة من شرطيتها لبعض الاجزاء، فيجوز الجمع بين أكثر من صلاة بالوضوء الواحد، ولا ينتقض الوضوء إلا بالحدث الآخر، كما سبق منه قدس سره الصورة الثانية. اللهم إلا أن يقطع بذلك بمعونة الارتكازيات أو نحوها. بقي شئ، وهو أنه قال في الجواهر بعد فرض لزوم الحرج من التكرار: " فهل يترك التكرير من أول الامر، أو إلى أن يصل إلى حد الحرج؟ وجهان، منشؤهما: تقدير الضرورة بقدرها واحتمال وجوب تقليل الحدث مهما أمكن، ومن أن التكليف الحرجي لا يلحظ فيه نحو ذلك كما في كثير من أفراده ". ولا يخفى أنه لما كان دليل المسألة قاعدة رفع الحرج تعين الوجه الثاني، لان موضوعها الحرج الشخصي الفعلي غير الحاصل من أول الامر. وما ذكره من عدم ابتناء كثير من أفراد الحرج على ذلك إنما يتم في الموارد التي يكون الحرج النوعي فيها مانعا من جعل الحكم، وهو محتاج إلى دليل، ولا تنهض به القاعدة المذكورة. وحينئذ يتمسك لوجوب المقدار الذي لا يلزم منه الحرج بالقاعدة

===============

( 140 )

[ مسألة 92: الاحوط في الصورة الثالثة أن يكرر الصلاة بلا تجديد (1). مسألة 93: الاحوط وجوبا لمستمر الحدث الاجتناب عما يحرم على المحدث (2). ] المتقدمة المقتضية وجوب تخفيف الحدث مهما أمكن، إذ هي كما تقتضي وجوب التخفيف برفع ما يقع قبل الصلاة تقتضي وجوبه برفع ما يقع في أثنائها. هذا كله في المبطون، وأما المسلوس فلا يجب عليه الوضوء في الاثناء مع عدم الحرج، فضلا عما لو لزم، كما تقدم في الصورة الثالثة. (1) يعني: للوضوء في الاثناء، بل يقتصر على الوضوء قبل الصلاة، خروجا عن شبهة قدح الوضوء في الاثناء، لكونه فعلا كثيرا. وحيث تقدم ضعفها يكون الاحتياط المذكور استحبابيا، كما هو ظاهر المتن، لانه مسبوق بالفتوى، وإن لم يتضح وجه تخصيصه بالذكر من بين غيره من الاحتمالات الموافقة للاحتياط. (2) كما في العروة الوثقى، وتبعه جملة من محشيها، وظاهر الجواهر البناء على المنع في حال الصلاة فضلا عن غيرها. ولا ينبغي التأمل في المنع مع عدم الوضوء من الحدث الخارج بالوجه المتعارف، لعدم الاشكال في ناقضيته وعدم الدليل عن العفو عنه في المقام. وأما مع الوضوء منه والابتلاء بما يخرج قهرا فالاجتناب مقتضى ضم عموم الناقضية لعموم مانعية الحدث من الفعل المذكور، على ما يتضح بملاحظة ما تقدم في تقريب مقتضى القاعدة في الصورة الثانية. والعفو في الصلاة عن الحدث المذكور في الجملة. لا يستلزم العفو في غيرها مما يحرم تكليفا مع الحدث، إلا أن يرجع إلى عدم انتقاض الطهارة في محل

===============

( 141 )

الكلام، وقد سبق المنع منه. وأما إلحاق ما نحن فيه بالصلاة في العفو عن الحدث، فهو وإن لم يكن بعيدا، ولا سيما بلحاظ ما ذكرنا من عمومه لصورة وجود الفترة غير المضبوطة، حيث يقرب ابتناؤه على الارفاق والامتنان في حق المريض، لعجزه عن تجنب الحدث. إلا أن في بلوغ ذلك حدا يقتضي إلغاء خصوصية المورد وفهم عموم الحكم لما نحن فيه عرفا، أو القطع بالعموم له لتنقيح المناط إشكال، بل منع، لعدم المقتضي للفعل المذكور، وليس هو كالصلاة الراجحة في نفسها. نعم، لو لزم الحرج من المنع سقط، كما يسقط مع الحدث المتعارف، وكذا لو زوحم بتكليف آخر، كما لو توقف منع هتك حرمة الكتاب على مسه، حيث تجري حينئذ قواعد التزاحم من الترجيح بالاهمية والتخيير مع عدمها. ومما ذكرنا يظهر الاشكال في العفو عن الحدث في الطواف الواجب، حيث يعتبر في صحته الطهارة، بل ظاهر الشيخ قدس سره في التهذيب والمبسوط والنهاية عدم صحة الطواف منه، بل يطاف عنه ويصلي هو الركعتين، وإن كان ظاهر بعضهم المفروغية عن مشروعيته للمسلوس، بل للمبطون لولا النصوص المتضمنة أنه يطاف عنه (1)، التي وقع الكلام في مفادها. وتمام الكلام في محله. وأما الوضوء من المسلوس والمبطون لما يعتبر في كماله الطهارة - كقراءة القرآن - فلا يبعد استحبابه، بعد استفادة قابلية الحدث للتخفيف من أدلة المقام، وإن كان ظاهر الجواهر التوقف فيه، ولا أقل من رجحان الاتيان به برجاء المطلوبية. هذا، والظاهر عموم العفو عن الحدث لجميع الصلوات من الفرائض والنوافل الراتبة وغيرها، لانه - مضافا إلى ظهور مفروغية الاصحاب عنه - مقتضى إطلاق نصوص المبطون، بل بعض نصوص المسلوس أيضا، وهو: صحيحا منصور والحلبي، لانهما وإن لم يتعرضا للوضوء والصلاة، إلا أن تعرضهما لوضع الخريطة


____________
(1) راجع الوسائل باب: 49 من أبواب الطواف.

===============

( 142 )

ظاهر في المفروغية عن فرض إرادة الصلاة، ولا خصوصية - ارتكازا - لبعض الصلوات دون بعض، بل المناسبة الارتكازية تقتضي التعميم وتبعد التخصيص باليومية جدا، وإن كان قد يظهر من الجواهر نحو تردد فيه. نعم، قيد سيدنا المصنف قدس سره في حاشيته على العروة الوثقى جواز الجمع بين أكثر من صلاة بوضوء واحد في الصورة الثانية بما إذا كانت الصلوات مضيقة، وكأن مراده بالمضيقة ما يلزم فوته لو انتظر به حال الشفاء والقدرة على الطلهارة التامة. فيبتني على ما تقدم منه في وجه اعتبار عدم الفترة المتي تسع الصلاة والطهارة من أن ورود الحكم مورد الاضطرار موجب لانصراف أدلته عن صورة القدرة على الصلاة التامة في بعض الوقت، وهو يقتضي عدم الفرق بين جميع صور المسألة في المنع عن الصلاة الموسعة، حتى الصورة الثالثة المبنية على تحصيل الصلاة بطهارة تامة بنحو التقطيع، لان مشروعية التقطيع وعدم بطلان الصلاة بالحدث للعذر أيضا. وأما بناء على ما ذكرنا من أنه مع عدم وجود الفترة المضبوطة يجوز التعجيل وإن كانت هناك فترة واقعا، فيجوز للمبطون الاتيان بكل صلاة مع احتمال استمرار العذر احتمالا معتدا من دون أمارة على ارتفاعه، لاطلاق نصوصه. بل قد يدعى شموله لما إذا كان الشفاء بعيد الامد، لان ما ذكرنا من الوجه لانصراف الاطلاق عن صورة وجود الفترة المضبوطة - وهو عدم العذر لايقاع الصلاة حين الحدث عرفا - غير جار فيه. نعم، إذا كان المبطون مستمر الحدث بنحو تتعذر عليه الصلاة مع الطهارة ولو بنحو التقطيع خرج عن موضوع النصوص، وانحصر الدليل فيه بالاجماع، والمتيقن منه الصلاة التي يتعذر إيقاعها بالطهارة، لاستمرار العذر في تمام وقتها.

===============

( 143 )

[ مسألة 94: حكم صلاة الاحتياط والاجزاء المنسية حكم أبعاض الصلاة في عدم لزوم تجديد الوضوء مع الحرج ولزوم تجديده بدونه (1). ] وكذا الحال في المسلوس، لاختصاص صحيح حريز بالصلاة الادائية، لتضمنه التعجيل والتأخير، وعدم التعرض في صحيحي منصور والحلبي للصلاة، وهو يناسب الاتكال فيهما على المفروغية عن جوازها من حيثية الحدث. ولا مجال لاحراز عموم المفروغية للصلاة الموسعة، لان فرض العذر يناسب احتمال الاختصاص بالمضيقة، المضطر لايقاعها مع الحدث، فرارا من محذور فوثها؟؟؟، وليس هو كالاختصاص باليومية - مما لا مناسبة ارتكازية تقتضيه - كما سبق، فتأمل جيدا. (1) هذا يتجه في صورة وجود الفترة التي يمكن إيقاع الوضوء وبعض الصلاة فيها، بناء على ما سبق من أن المعيار في عدم وجوب التجديد في الاثناء ووجوبه هو الحرج وعدمه. أما بناء على عدم وجوبه مطلقا، بل يكتفى بالوضوء لكل صلاة - كما سبق منا في المسلوس - فالوجه في عدم وجوب التجديد لقضاء الاجزاء المنسية أن القضاء عين الاداء وإن تغير محله، فيلحقه حكمه، فتأمل. مع أنه حيث كان من توابع الصلاة الواحدة كان الاجتزاء بوضوئها له مستفادا من نصوص المسلوس تبعا، كسجود السهو لو استفيد وجوب الوضوء، لانه من توابع الصلاة. ومنه يظهر عدم وجوب التجديد لصلاة الاحتياط، فتأمل. مع أن ظاهر نصوصها ترددها بين أن تكون متممة للصلاة التي وقع السهو فيها، وأن تكون نافلة مستقلة، وعلى الاول يلحقها حكمها من الاجتزاء بوضوئها، وعلى الثاني لا يضر بطلانها بالحدث بصحة الصلاة التي وقع السهو فيها.

===============

( 144 )

ودعوى: لزوم الجزم بمشروعيتها، خالية عن الشاهد. نعم، لو أراد إحراز صحتها على كلا التقديربن، انحصر بالوضوء لها لو غض النظر عما ذكرنا من فهم العفو فيها تبعا. ولا يضر احتمال تتميم الصلاة بها، المستلزم لاحتمال الفصل بالوضوء بين المتمم والمتمم، الذي قيل: إنه فعل كثير، لعدم ثبوت قادحية مثل الوضوء - كما سبق - ولا سيما مع وقوعه بين صلاتين تتمم إحداهما الاخرى، لا في أثناء صلاة واحدة، ويأتي ما ينفع في المقام في المستحاضة. ومنه يظهر الحال في صورة استمرار الحدث، التي تقدم أن مقتضى القاعدة فيها وجوب الوضوء لكل صلاة، وأنه لم يخرج عن ذلك إلا الجمع بين الظهرين وبين العشائين بوضوء واحد، فإن تبعية كل من قضاء الاجزاء المنسية وصلاة الاحتياط للصلاة التي وقع فيها السهو موجب لاستفادة العفو عن الحدث فيها تبعا لها أيضا. نعم، يشكل في المبطون، الذي انحصر دليل الاكتفاء بالوضوء الواحد لكل صلاة فيه بالاجماع، حيث قد يستشكل في شموله لذلك - وإن كان قريبا جدا - بلحاظ كون وجوب الوضوء لها مغفولا عنه بسبب تبعيتها لصلاتها ارتكازا، فعدم التنبيه منهم على وجوبه ظاهر في مفروغيتهم عنه. هذا، وأما بناء على ما سبق من سيدنا المصنف قدس سره من الاجتزاء مع استمرار الحدث بوضوء واحد للصلوات الكثيرة، فاللازم عدم تجديد الوضوء ولو مع عدم الحرج، كما نبه له في مستمسكه، ولعل صورة الاستمرار خارجة عن مفروض كلامه هنا. ثم إن الظاهر وجوب الوضوء لكل صلاة من النوافل الرواتب - كغيرها من النوافل - ولا يجتزأ لها بوضوء فريضتها، لعدم الوجه في الالحاق، بل عدم التعرض لها في صحيح حريز مع التعرض فيه للاذان والاقامة ظاهر في عدمه.

===============

( 145 )

مسألة 95: يجب على المسلوس والمبطون التحفظ من تعدي النجاسة إلى بدنه وثوبه (1) (1) كما صرح به في المسلوس في المعتبر والمنتهى وموضع من المبسوط وغيرها، ونسبه في الجواهر لجماعة من الاصحاب، وذكره في جامع المقاصد في المبطون والمسلوس معا ناسبا للاصحاب التصريح به. وكأنه لفهم عدم خصوصية المسلوس من - كلماتهم. وكيف كان، فهو مقتضى اعتبار الطهارة من الخبث في الصلاة، حيث يجب تحصيل الشرط مع القدرة. مضافا إلى صحاح حريز ومنصور والحلبي المتقدمة (1) الواردة في المسلوس المتضمنة وضع الكيس والخريطة. ومنه يظهر ضعف ما في النهاية وموضع من المبسوط من التعبير بالاستحباب لو أراد منه ما يقابل الوجوب. إلا أن يكون مراده صورة عدم اليقين بخروج النجاسة، حيث لا دليل على وجوب الاحتياط حينئذ، ولا إطلاق في النصوص المتقدمة يشمل صورة الشك، لظهورها في علاج أمر النجاسة في ظرف وجودها، لا بيان الحكم الظاهرى في ظرف احتمالها. وحينئذ لو خرجت النجاسة لحقه حكم من ابتلي بالنجاسة في أثناء الصلاة من وجوب التطهير والاتمام. نعم، لو فرض لزوم محذور من التطهير ككشف العورة، فلا دليل على العفو عنه، بل هو مخالف لمرتكزات المتشرعة جدا، كما لا دليل على العفو عن النجاسة، بل نصوص المسلوس ظاهرة في اختصاص العفو بما من شأنه أن


____________
(1) عند الكلام في لزوم تحري الفترة وفي الصورة الثانية، وهي مذكورة في الوسائل باب: 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1، 2، 5،.

===============

( 146 )

يتنجس مع وضع الخريطة، دون ما زاد عليه، وهو راجع لوجوب الاحتياط بالتحفظ. لكن قد يستشكل في المبطون، لعدم اشتمال نصوصه على وجوب التحفظ مع العلم، فضلا عن الشك، ولا في العفو عن نجاسة الموضع، فضلا عن غيره، ومقتضى القاعدة لزوم التطهير عليه في الاثناء مطلقا مع التحفظ وعدمه، كما هو الحال في كل من يبتلي بالنجاسة ففي الاثناء. ففائدة التحفظ سهولة التطهير لقلة موضع النجاسة، من دون أن يكون له أثر في صحة الصلاة. وفيه: أن الاقتصار في بعض نصوص المبطون على الوضوء ظاهر في عدم وجوب التطهير من الخبث، ولا سيما مع إباء مرتكزات المتشرعة عنه، مع ما يستلزمه - عادة - من كشف العورة. بل لا ينبغي التأمل فيه بملاحظة ظهور مفروغية الاصحاب عنه، لاكتفائهم بالتحفظ. والمتيقن منه العفو عن خصوص ما لابد منه مع التحفظ، لان التحفظ هو مقتضى الوضع الطبيعي لمن يتعرض لخروج النجاسة قهرا، ولا يحتاج إلى تنبيه، فعدم التنبيه على تطهير الخبث الزائد بسبب عدم التحفظ لا يدل على العفو عنه، فلا حظ. هذا، وقد قال في الجواهر: " نعم، الظاهر المنع بالممكن بوضع القطن، فلا يتعين نحو الكيس، وإن أمكن القول بوجوبه مع إمكانه، لاحتمال أنه أقرب إلى صيرورته من قبيل الاجزاء الباطنة، إلا أني لم أقف على كلام لهم في وجوب خصوص ذلك، بل أوجبوا الاستظهار الشامل له ولغيره "، وقد سبقه في الحدائق إلى احتمال كون خصوصية الخريطة، لانها كالجزء من البدن، وإن لم يظهر منه تعينها.

===============

( 147 )

[ مهما أمكن بوضع كيس أو نحوه، ولا يجب تغييره لكل صلاة (1). ] لكن لا منشأ للاحتمال المذكور عرفا، فلا يمنع من فهم عدم الخصوصية للكيس والخريطة من النصوص، تبعا لعموم الجهة الارتكازية لها، وهي التحفظ. (1) كما في المعتبر والمنتهى، ونسبه في الجواهر (1) لجماعة، لعدم الدليل على وجوب التبديل، خلافا لما عن السرائر من الجزم بوجوبه، وعن الذكرى أنه أحوط، وكأنه لعموم مانعية النجاسة المقتصر في الخروج عنه على المتيقن، وهو صلاة واحدة. لكن العموم المذكور لا يقتضي وجوب تبديل مثل الخريطة مما لا تتم به الصلاة، وتلوثه بعبن النجاسة غير قادح، كما تشهد به نصوص العفو عن مثله. على أنه لا يبعد استفادة عدم وجوب التبديل من عدم التنبيه عليه في صحيحي منصور والحلبي بعد ورودهما لعلاج مشكلة النجاسة، فإن المستفاد منهما أن المهم عدم تعدي النجاسة. وأظهر منهما في ذلك صحيح حريز، لان الحكم فيه بالجمع بين الصلاتين كالصريح في عدم وجوب التبديل، وإن كان قاصرا عن إثبات العفو في أكثر من صلاتين. ومنها يظهر عدم وجوب تطهير موضع النجاسة من البدن، وإن كان هو مقتضى العموم لو كان ينفع في تقليل مقدار المتنجس منه حين الصلاة، ولو احتمالا. نعم، يشكل تعميم ذلك للمبطون، لتوقفه على فهم عدم الخصوصية لمورد النصوص المذكورة، أو تنقيح المناط، وقد تكرر الاشكال في الامرين. كما أنه يلزم التبديل في المسلوس والمبطون لو كان التحفظ بما تتم به


____________
(1) ذكره هو ومن قبله في أحكام المستحاضة.

===============

( 148 )

الصلاة، عملا بالعموم بعد قصور النصوص عن إثبات العفو عنه، لانصراف الخريطة والكيس عنه. بل مقتضى ذلك عدم جواز التحفظ به، واختيار ما لا تتم به الصلاة مع الامكان. فرعان.. الاول: صرح في العروة الوثقى بأنه لو تبين في أثناء الصلاة العذرية أو بعدها وجود الفترة الواسعة للصلاة الاختيارية وجب استئنافها فيها، وعليه جرى جماعة من محشيها. خلافا للمستند، فإنه - مع حكمه بوجوب تحري الفترة مع احتمالها - ذكر أنه لو فجأه الحدث في الاثناء في زمان الفترة توضأ وبنى على صلاته ولم ينتظر فترة اخرى لو كانت له. والظاهر أن وجوب الاعادة مبني على اختصاص النصوص بصورة عدم الفترة واقعا، وقد تقدم المنع عنه، وأنها تشمل وجود الفترة إذا لم تكن مضبوطة، كما لعله مفروض الكلام. فاللازم البناء على عدم وجوب الاستئناف في مورد النصوص، وهو المسلوس مطلقا، والمبطون الذي يصلي بطهارة تامة بنحو التقطيع، وأما في غيرهما، كالمبطون المستمر الحدث، وذي الريح مطلقا - بناء على عدم إلحاقه بالمبطون موضوعا أو حكما - فالمتعين الاستئناف، لاختصاص الدليل على مشروعية الصلاة العذرية فيه بالاجماع ونحوه مما يكون المتيقن منه صورة عدم الفترة وإن لم تكن مضبوطة، كما جرينا على التفصيل المذكور في غير موضع. الثاني: هل يجب معالجة السلس والبطن مع القدرة على ذلك أو لا؟ ظاهر محكي شرح المفاتيح الاول. ويقتضيه إطلاق التكليف بالصلاة التامة، المقتضي لوجوب تحصيل القدرة عليها وحفظها في المقام بالعلاج مع التمكن منه قبل

===============

( 149 )

الوقت، فضلا عما بعده. لكن استشكل في ذلك في العروة الوثقى وتبعه جملة من محشيها، بل قرب سيدنا المصنف قدس سره عدم الوجوب بعد الاعتراف بما ذكرنا. قال: " إلا أنه يمكن دعوى استقرار السيرة على خلافه، لا سيما مع عدم الامر بالعلاج في النصوص ". وفيه: أن عدم الامر في النصوص قد يكون لغلبة اهتمام المكلف بالعلاج مع التمكن بنحو لا يحتاج للتنبيه، بل ورود النصوص مورد العذر مانع من استفادة عدم الوجوب منها. نعم، ذلك مختص بما إذا كان العلاج سهلا، أما مع صعوبته أو ضعف احتمال القدرة عليه بنحو يترتب عليه الشفاء، فقرينة العذر لا تصلح لايجابه في المقام، لان تركه مورد للعذر عرفا، وهو المتيقن من السيرة على عدم الاهتمام بالعلاج، ولا طريق لاحرازها مع سهولته. اللهم إلا أن يقال: ظهور النصوص في عدم وجوب تحري الفترة كاشف عن كون طروء المرضين رافعا لملاك وجوب الصلاة بطهارة تامة من دون أن يتخللها الحدث، ومع ذلك لا موجب لحفظ القدرة على الصلاة المذكورة بالعلاج في مورد النصوص، وإنما يتجه في غيره مما ينحصر دليله بالاجماع، حيث لا طريق لاستكشاف قصور الملاك في مورده، نظير ما تقدم في الفرع السابق. هذا، ولو أمكن منع الحدث مقدار أداء الصلاة من دون حرج وجب - كما صرح به في العروة الوثقى وجرى عليه جملة من محشيها - سواء كان باستعمال دواء أم بتقليل غذاء أم بالتحفظ الخارجي منه، لانصراف النصوص عن صورة القدرة على الفترة المضبوطة، نظير انصرافها عن صورة وجودها. وكأن ما ذكره بعض مشايخنا من عدم وجوب ذلك كعدم وجوب علاج أصل المرض مع التزامه بوجوب تحري الفترة، مبني على عدم ناقضية الحدث القهري في المقام بنظره، وقد سبق في الصورة الثانية المنع من ذلك، فلاحظ، والله سبحانه وتعالى العالم، وله الحمد.

===============

( 150 )

الفصل السابع [ لا يجب الوضوء لنفسه (1). ] (1) كما صرح به جماعة، وظاهر غير واحد ممن اقتصر على بيان ما يجب أو يستحب له الوضوء المفروغية عنه، وفي المدارك: أنه المعروف من مذهب الاصحاب، وفي الجواهر: " بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل عن العلامة والكركي نقل الاجماع عليه، وربما يلوح دعوى الاجماع من محكي البيان وقواعد الشهيد، بل هو صريح مجمع الفوائد. ولا ينبغي التأمل في ذلك، إذ لو كان واجبا لكثر السؤال عنه من حيثية السعة والضيق وأمدهما وفروع ذلك واحتيج لبيانه، فعدم التعرض في النصوص والفتاوي لذلك واقتصارها على بيان وجوبه واستحبابه للغايات الخاصة كاشف عن وضوح عدم وجوبه نفسيا بين المتشرعة من الصدر الاول، كما هو الحال في عصورنا، وهو مما يجعله من الضروريات. ولذلك يستغنى عن الاستدلال بمفهوم الشرط في الآية الشريفة، وفي صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: قال: " إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة، ولا صلاة إلا بطهور " (1). على أنه لا يخلو عن إشكال، لان الامر بالوضوء في الآية ظاهر في الارشاد لبيان شرطيته للصلاة، لانه المناسب للتعليق على نفس فعل الصلاة وإرادة


____________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب الوضوء حديث: 1.

===============

( 151 )

إيجادها، دون الامر المولوي كي ينهض المفهوم بالاستدلال، لوضوح أن الامر به مولويا نفسيا وجوبا أو استحبابا تابع للحدث، والامر به غيريا تابع لدخول الوقت، ولذا يشمل جميع أفراد الصلاة حتى ما لا يستحب في حق المباشر لو فرفي تحققه، كما قد يقال به في النيابة بجعالة، وفي النيابة عن الابوين الناصبيين، لبعض النصوص (1). هذا، وأما بناء على ما في موثق ابن بكير من أن المراد بالآية هو القيام من النوم (2) فالامر أظهر، لانه يكون مسوقا لبيان ناقضية النوم للطهارة وشرطيتها للصلاة. وأما الصحيح، فهو وإن كان ظاهرا في الوجوب المولوي، إلا أن المتيقن منه تعليق وجوب الامرين معا بنحو الارتباط المسبب عن شرطية الطهارة في الصلاة التي صرح بها في ذيله، ولا ظهور له في تعليق وجوب كل منهما منفردا وبنحو الانحلال، لينفع فيما نحن فيه. ولذا لا يكون مادل على وجوب الوضوء لغير الصلاة منافيا للشرطية المذكورة في الآية والصحيح عرفا، بنحو يكون مخصصا لعموم مفهومها. فتأمل. هذا، وفي الذكرى بعد أن ذكر الخلاف في أن وجوب الغسل نفسي أو غيري قال: " وربما قيل بطرد الخلاف في كل الطهارات، لان الحكمة ظاهرة في شرعيتها مستقلة " قال في مفتاح الكرامة بعد نقل كلامه هذا: " ويحتمل أن يكون ذلك احتمالا منه، لاني قد تتبعت فلم أعثر على هذا القول للعامة (3) أيضا ". ولعل ما في الذكرى هو المنشأ لما حكاه عنه في المدارك من حكاية قول بوجوب الطهارات أجمع بحصول أسبابها وجوبا موسعا لا يتضيق إلا بظن الوفاة أو


____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب قضاء الصلوات حديث: 8 وباب: 20 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1 وباب: 25 من الابواب المذكورة حديث: 5. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7. (3) لكن ذكر الرازي في تفسيره أن لهم قولين في ذلك وذكر احتجاج الطرفين. كما نسب الشهيد في القواعد إلى القاضي أبى بكر العنبري القول بالوجوب النفسي وأنه يتضيق بضيق وقت الصلاة.

===============

( 152 )

تضيق وقت العبادة المشروطة بها. وقد استدل قدس سره عليه بإطلاق الآية، وكثير من الاخبار، كصحيح ابن الحجاج المتضمن لقوله عليه السلام: " من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء " (1)، وصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يواقع أهله أينام على ذلك؟ قال: إن الله يتوفى الانفس في منامها ولا يدري ما يظرقه من البلية، إذا فرغ فليغتسل، (2)، وصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة، فإن خرج فيها شئ فلا تغتسل، وإن لم ترشيئا فلتغتسل، وإن رأت بعد ذلك فلتوض ولتصل " (3). لكن لا يخفى ضعف الاستدلال بما عدا صحيح ابن الحجاج، إذ لا إطلاق للآية بعد تقييد الامر بالوضوء فيها باقيام للصلاة. ومثله ما عن بعض العامة من الاستدلال بقوله تعالى في ذيلها: (ولكن يريد ليطهر كم)، لان ذلك مسوق لتعليل التنزل عن الوضوء والغسل للصلاة إلى التيمم لها عند تعذرهما، ومن الظاهر أن تعليل ذلك بإرادة التطهير إنما يحسن لو اربد به إرادتها للصلاة لا إرادتها لنفسها. وأما صحيح عبد الرحمن، فهو وارد للتعجيل، ولابد من حمله على الاستحباب، لجواز النوم للجنب بالنص والاجماع حتى من القائل بالوجوب النفسي. وأما ما تضمنه من تعليل التعجيل بخوف الموت، فهو لا يدل على حرمة إبقاء الجنابة للموت بعد كون الحكم المعلل به غير إلزامى. وأما صحيح محمد بن مسلم، فهو ظاهر في بيان مشروعية الغسل بانقطاع الدم في مقابل ما تضمنه صدره من عدم مشروعيته حال خروجه.


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9. (2) الوسائل باب: 25 من أبواب الجنابة حديث: 4. (3) الوسائل باب: 17 من أبواب الحيض حديث: 1.

===============

( 153 )

ونحوه في ذلك ما في موثق سماعة من قول الصادق عليه السلام: " وغسل الحائض إذا طهرت واجب، وغسل المستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف وجاز الدم الكرسف، فعليها الغسل لكل صلاتين.. " (1). نعم، صحيح ابن الحجاج لا يخلو عن ظهور في نفسه في وجوب الوضوء بمجرد حصول النوم ولو قبل وجوب غاياته المستلزم لكونه نفسيا. ومثله في ذلك جملة من النصوص الواردة في نواقض الوضوء المتضمنة للتعبير بأنه يجب بها، أو بأن من حصلت منه فعليه الوضوء، وكذا ما تضمن التعبير بالوجوب في بعض الاغسال من دون تقييد بدخول وقت الغايات، كموثق سماعة المتقدم. إلا أنه لا مجال للخروج بها عما تقدم من ظهور المفروغية عن عدمه، فيتعين حملها على بيان تحقق موضوع الوضوء والغسل ممن يبتلي بحدثهما، لا على الوجوب النفسي، ولا سيما بالوجه المذكور، حيث لا ريب في عدمه بملاحظة عدم التنبيه من المعصومين عليهم السلام لوجوب الطهارة أو الوضوء على المحتضر والمحارب ونحوهما ممن يتعرض للموت، مع غلبة الابتلاء بالحدث، خصوصا الاصغر حينه، وإهمال أهل الفتوى وسائر المتشرعة لذلك، كما نبه له غير واحد. وأما ما أشار إليه في الذكرى من ظهور الحكمة في شرعيتها مستقلة. فهو لا يستلزم الوجوب، بل يقتضي مشروعيتها ولو بنحو الاستحباب النفسي المطابق لارتكاز حسن الطهارة عند المتشرعة، تبعا للنصوص ونحوها مما يأتي الكلام فيه. ومثله ما ذكره قدس سره في قواعده من أن الذي ألجأ للقول بالوجوب النفسي ما عبر عنه بالاشكال اليسير، وهو الناشئ من أن الطهارة والستر والقبلة معدودة من واجبات الصلاة، مع الاتفاق على فعلها قبل الوقت، والاتفاق في الاصول على


____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب الجنابة حدبث: 3.

===============

( 154 )

[ وتتوقف صحة الصلاة واجبة (1) كانت أو مندوبة (2) عليه. وكذا أجزاؤها المنسية (3). ] عدم إجزاء غير الواجب عن الواجب. لاندفاع ذلك: بأنه لا مانع من إجزاء غير الواجب عن الواجب، ولا سيما الغيري منه، بل بناء على ما هو الظاهر من أن الشرط هو الطهارة التي هي أثر الافعال الخاصة فتقديم الافعال المذكورة على الوقت لا يستلزم تقديم الواجب، لوضوح أن الواجب هو بقاء الطهارة حين الصلاة، الذي هو بعد الوقت. وكذا الحال في الستر والاستقبال، فتأمل. (1) بلا ربب ولا إشكال. ويقتضيه الكتاب المجيد، والسنة الشريفة المتواترة، والاجماع المنقول مستفيضا، بل هو من الضرورات الفقهية، بل الدينية، كما صرح به بعضهم. نعم، يخرج من ذلك الصلاة على الميت، إما لان إطلاق الصلاة عليها مجازي - كما صرح به بعضهم - أو للادلة الخاصة المخرجة عن العموم المذكور، التي يأتي التعرض لها في محلها إن شاء الله تعالى. (2) الكلام فيها كما سبق، لعموم كثير من الادلة المتقدمة، وخصوص بعضها. (3) كما ذكره في القواعد في قضاء السجدة المنسية، وحكي عن نهاية الاحكام والتحرير والألفية وشروحها الاربعة. وقد يظهر من نزاعهم في جواز تخلل الحدث بينها وبين الصلاة المفروغية عن لزوم إيقاعها بطهارة. وكيف كان، فيقتضيه عموم دليل شرطيتها في الصلاة، إذ لا يراد به إلا شرطيتها لاجزائها، والمقضي جزء صلاتي وإن تبدل محله، فدليل القضاء موسع

===============

( 155 )

[ بل سجود السهو (1) على الاحوط وجوبا. ] عرفا للمقضي من حيثية المحل، من دون أن يقتضي التوسع فيه من سائر الجهات من الاجزاء والشروط، وليس هو كدليل الكفارة والضمان ونحوهما من التداركات بالامور المباينة. ولذا لا يظن بأحد الوقف في وجوب اشتمال السجود المقضي على الذكر الواجب في سجود الصلاة، مع خلو النصوص عنه. وكأن وضوح ذلك ارتكازا هو كالذى أوجب غفلة الأكثر عن التنبيه عليه بالخصوص، من دون خلاف منهم فيه. (1) فقد ذهب إلى اعتبارها فيه في الروضة ومحكي السرائر والالفية والهلالية والدرة، وعن المقاصد العلية أنه أقوى، وعن نهاية الاحكام أنه الاقرب. ولعله ظاهر من أطلق أنه يعتبر فيه ما يعتبر في سجود الصلاة، كما في اللمعة ومحكي الذكرى والدروس والبيان والجعفرية والغرية وشرح الالفية للكركي وغيرها. بل ربما يستفاد من قدماء الاصحاب، لعدم تنبيههم على عدم اعتبارها، مع تنبيههم إلى عدم اعتبار القراءة والركوع، كما إشار إليه في مفتاح الكرامة. لكن تنظر في القواعد ومحكي التذكرة، وهو مقتضى الاقتصار في المدارك ومحكي التنقيح والمفاتيح والذخيرة على أنه أحوط، بل حكى في مفتاح الكرامة عن الجواهر عدم اعتبارها، وعن التحرير أنه الاقرب. ويقتضيه - مضافا إلى الاصل، بناء على التحقيق من جريان البراءة مع الشك في تقييد المكلف به - إطلاق الامر بهما المعتضد بإطلاق ما تضمن الامر لمن نسيهما بالاتيان بهما متى ذكر (1). ومنه يظهر ضعف الاستدلال لاعتبار الطهارة بأنه مقتضى الاحتياط. ومثله الاستدلال بانهما مكملتان وجابرتان للصلاة التي يشترط فيها


____________
(1) الوسائل باب: 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 2.

===============

( 156 )

الطهارة، لمنعه صغرى وكبرى، إذ لا دليل على إكمال الصلاة وجبرها بهما، بل هو خلاف ظاهر ما تضمنه بعض النصوص من أنهما المرغمتان للشيطان (1)، كما لا دليل على لزوم موافقة الجابر للمجبور في الشروط إذا لم يكن جزءا منه. ومنه يظهر أنه لا مجال لدعوى كون ذلك منشأ لانصراف إطلاق الخطاب بهما لصورة الطهارة. على أنه لو سلم فهو لا يقتضي نهوض الاطلاق باعتبار الطهارة، غاية الامر قصوره عن نفي اعتبارها وإجماله من هذه الجهة، فيكون المرجع أصل البراءة منها. هذا، ولكن الانصاف أن النظر في جميع نصوص سجود الهو مقرب لاصالة تبعيته للصلاة في الاحكام - كما سبق من بعضهم - وأنه ليس المراد به مطلق السجود بنحو يكون ما زاد عليه قيودا أو واجبات تحتاج إلى دليل، كما يناسبه الامر به متصلا بها في حال الجلوس قبل الكلام (2) والنهي عن الاتيان به قبل ذهاب شعاع الشمس (3) والامر بالسلام فيه (4) الذي هو للتحليل، فإن الاحكام المذكورة تناسب كونه عملا قائما بنفسه ملحقا بالصلاة في الاحكام، إذ هي غير دخيلة في إرغام الشيطان الذي شرع له السجود. وذلك وإن لم يصلح للاستدلال، إلا أنه مقرب لفهم إلحاقه بالصلاة من فحوى الادلة ومساقها. ولا سيما مع التنبيه في النصوص على أنه لا ركوع فيه ولا قراءة (5)، إذ لولا أصالة الالحاق بالصلاة التي ترتبط السجدتان فيها بالقراءة والركوع


____________
(1) الوسائل باب: 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 2، وباب: 19 منها حديث: 9، وباب: 32 منها حديث: 1. (2) الوسائل باب: 7 من أبواب التشهد حديث: 4، 5 وباب: 9 منها حديت: 3 وباب: 5 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 3 وباب: 11 شها حديث: 9. (3) الوسائل باب: 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 2. (4) الوسائل باب: 5 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 2 وباب: 11 منها حديث: 8 وباب: 14 منها عديث: 3. (5) الوسائل باب: 7 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 2 وباب: 14 منها حديث: 4 وباب: 26 - =

===============

( 157 )

[ ومثل الصلاة الطواف الواجب (1)، ] لم يحتج للتنبيه على عدم وجوبهما فيه، ولو لم تعتبر فيه الطهارة ونحوها من الشروط لكان أولى بالتنبيه. ولعل هذا هو المنشأ لاغفال قدماء الاصحاب التعرض لذلك وظهور بنائهم على اعتبار الطهارة، وعدم ظهور الخلاف فيه حتى بدأ به العلامة، على اضطراب منه في المسألة، فإن ما نقله في مفتاح الكرامة عن الجواهر لم أجده في جواهر القاضي بل هو لا يناسب مسلكه فيه، لإكثاره من الاستدلال بالاحتياط. ولاجل ذلك كله يشكل التعويل على الاطلاق أو أصالة البراءة بنحو يجتزأ بالسجود الفاقد لجميع شروط الصلاة والفاقد لموانعها وقواطعها، بل هو مما يصعب جدا بالنظر لمرتكزات المتشرعة. وأما إطلاق ما تضمن أن الناسي يأتي به متى ذكر، فلا يراد به إلا الاتيان به بشروطه، كما ورد نظيره في الصلاة. نعم، في بلوغ ذلك حدا ينهض بإثبات الحكم الشرعي المخالف للاصل إشكال. ولا سيما مع أن الامر بالاتيان به متصلا بالصلاة قبل الكلام راجع لوجوب المبادرة تكليفا لا لمانعية الكلام وضعا. فتأمل جيدا. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. (1) بلا خلاف ظاهر، بل الاجماع بقسميه عليه، كما في الجواهر، وبالاجماع صرح في الخلاف والغنية والمنتهى والمسالك، ونسب في مفتاح الكرامة دعواه إلى خمسة عشر موضعا. وبقتضيه النصوص الكثيرة، كصحيح معاوية بن عمار: " قال أبو عبد الله عليه السلام: لا بأس أن يقضى المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف بالبيت. والوضوء أفضل " (1).


____________
= منها حديث: 2. (1) الوسائل باب: 38 من أبواب الطواف حديث: 1.

===============

( 158 )

وصحيح محمد بن مسلم: " سألت أحدهما عليهما السلام عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور. قال: يتوضأ ويعيد طوافه. وإن كان تطوعا توضأ وصلى ركعتين " (1). وغيرهما مما ورد فيمن طاف على غير وضوء أو أحدث في أثناء الطوف (2). وبها يجمع ببن إطلاق خبر زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام: " في رجل طاف بالبيت على غير وضوء. قال: لا بأس " (3) وإطلاق صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: ".. وسألته عن رجل طاف ثم ذكر أنه على غير وضوء. قال: يقطع طوافه ولا يعتد به " (4) وخبر الواسطي عن أبي الحسن عليه السلام: " قال: إذا طاف الرجل بالبيت وهو على غير وضوء فلا يعتد بذلك الطواف، وهو كمن لم يطف " (5). نعم، في معتبرة أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام: " أنه سئل أينسك المناسك وهو على غير وضوء؟ فقال: نعم، إلا الطواف بالبيت، فإن فيه صلاة " ومثله صحيح جميل (6)، وقريب منهما صحيحا معاوية بن عمار ورفاعة بن موسى (7). ومقتضى التعليل المذكور أن اعتبار الوضوء لاجل الصلاة دون الطواف فاعتبارها فيه بالعرض والمجاز. لكنه - مع وهنه في نفسه بإعراض الاصحاب - مخالف لتلك النصوص، لابائها عن الحمل على ذلك جدا، ولا سيما مثل صحيح محمد بن مسلم المتقدم. فلابد من طرحه، أو تنزيله على كون ذلك حكمة في اعتبار الوضوء في نفس الطواف، ولعله لذا استدل غير واحد بالنصوص المذكورة في المقام، فلاحظ.


____________
(1) الوسائل باب: 28 من أبواب الطواف حديث: 3. (2) راجع الوسائل باب: 38، 45 من أبواب الطواف. (3) الوسائل باب: 38 من أبواب الطواف حديث: 10. (4) الوسائل باب: 38 من أبواب الطواف حديث: 4. (5) الوسائل باب: 38 من أبواب الطواف حديث: 11. (6) الوسائل باب: 38 من أبواب الطواف حديث: 6 وملحقه. (7) الوسائل باب: 15 من أبواب السعي حديث: 1، 2.

===============

( 159 )

[ وهو ماكان جزءا من حجة أو عمرة (1)، ] هذا، ومقتضى ما سبق بطلان الطواف لو وقع مع الحدث ولو نسيانا أو جهلا، كما صرح به غير واحد منهم الشيخ في المبسوط، ونفى في الجواهر الخلاف فيه والاشكال. لكن قد يظهرمن الشيخ قدس سره في موضع من التهذيب الخلاف فيه، حيث قال عند التعرض لخبر زيد المتقدم: " فأما ما رواه زيد الشحام... فمحمول على من طاف ناسيا أو ساهيا، فأما إذا كان متعمدا فعليه الاعادة، وقد بينا الكلام في هذا المعنى فيما تقدم " (1). وهو كما ترى، لضعف الخبر في نفسه. وحمله على طواف النافلة أولى من حمله على ذلك، لخلوه عن الشاهد، بل هو لا يناسب صحيح علي بن جعفر المتقدم الوارد في النسيان، لانه وإن ورد في التذكر في الاثغاء، إلا أن إلغاء خصوصيته قريب جدا. بل ظاهر الشيخ قدس سره نفسه في الموضع الذي أشار إليه من التهذيب (2) البناء على الاعادة حتى مع النسيان، حيث استدل عليها بصحيح علي بن جعفر. (1) كما صرح به بعضهم ويظهر من آخرين، بل يظهر منهم أن ذلك هو المراد بطواف الفريضة في سائر الموارد والاحكام. ويقتضيه النصوص المتقدمة المشتملة على عنوان المناسك، لوضوح أن المراد بها أفعال الحج والعمرة وإن كانا مندوبين. وأما ما في نهاية ابن الاثير ومفردات الراغب ولسان العرب ومجمع البحرين من اختصاصها بأفعال الحج، فكأنه مبني على التغليب وإرادة ما يعم أفعال العمرة. وقد علل إطلاق الفرض على ذلك وقرب الاستدلال بالنصوص المتضمنة له في المقام بأن وجوب إكمال الحج والعمرة المندوبين إجماعا كما في المنتهى -


____________
(1) التهذيب ج: 5 ص: 470. (2) التهذيب ج: 5 ص: 116.

===============

( 160 )

[ دون المندوب (1) وإن وجب بالنذر (2)، نعم، يستحب له (3). ] يقتضي وجوب الطواف الذي هو جزء منهما بالشروع فيهما. لكن مقتضاه شمول الفرض للوجوب العرضي - وهو في المقام الناشئ من الشروع - ولازمه شموله للمنذور، ولا يظن منهم البناء عليه، بل هو خلاف صريح بعضهم. ومن هنا لم يبعد أن يكون إطلاق الفرض بلحاظ فرضه بعنوان الخاص ولو من جهة جزئيته في الحج والعمرة، لا التكليف به، فلا يشمل المنذور والمستأجر عليه ونحوهما، لعدم كونه مفروضا بعنوانه، بل بعنوان آخر يتحقق به، كالوفاء بالعقد والنذر. وبعبارة اخرى: المستفاد من النصوص وكلمات الاصحاب في الموارد المتفرقة أن الفرض والنفل عنوانان منوعان لا متوردان على شئ واحد. (1) كما هو المعروف من مذهب الاصحاب (رضي الله عنهم)، للنصوص الكثيرة المتقدم بعضها. خلافا لما عن أبي الصلاح الحلبي والعلامة في النهاية من اشتراطه فيه أيضا، لاطلاق بعض النصوص المتقدمة وعموم تنزيله منزلة الصلاة المستفاد من النبوي: " الطواف بالبيت صلاة " (1). ويتعين رفع اليد عنهما بما تقدم، ولا سيما مع عدم العثور على رواية النبوي من طرقنا. بل ربما يدعى كون التنزيل بلحاظ الثواب، لا الاحكام، فتأمل. (2) كما في الجواهر، ويظهر وجهه مما تقدم. (3) كما ذكره غير واحد، بل يظهر من بعضهم المفروغية عنه، ونفى الريب (1) عن سنن البيهقي ج: 5 ص: 87 وكنز العمال: ج 3 ص: 10 رقم 206. وذكره مرسلا في الخلاف والمسالك.

===============

( 161 )

فيه في الجواهر، وفي مفتاح الكرامة أنه اتفاقي. وقد استدل عليه في كلام غير واحد بإطلاق بعض النصوص المتقدمة، وبعموم التنزيل الذي تضمنه النبوي المتقدم. لكن النصوص ظاهرة في الشرطية وبعد حملها على طواف الفريضة لا مجال لاستفادة الاستحباب منها في غيره. بل صحيح معاوية ونحوه مما ورد في المناسك يقصر عن الطواف المندوب تخصصا، لعدم كونه منها، فالاستدلال به في الجواهر غريب. ومنه يظهر الحال في عموم التنزيل - لو تم في نفسه - لوضوح أن الوضوء شرط في صحة الصلاة المندوبة لا في كمالها، فلا ينهض العموم بإثبات شرطيته في كمال الطواف المندوب دون صحته. وكأن منشأ استدلالهم به اختلاط الاستحباب الشرطي بالاستحباب الكمالي، لاهتمامهم بتمييز موارد وجوب الوضوء من موارد استحبابه، من دون نظر لسنخ الاستحباب، فيتوجه حينئذ تخيل أن مقتضى عموم التنزيل استحباب الوضوء للطواف المندوب، كما يستحب للصلاة المندوبة. على أن عموم التنزيل بين شيئين إنما يقتضي الاشتراك بينهما في الاحكام العامة، لا الاشتراك بين أنواعهما المتشابهة في الاحكام الخاصة بكل منها، فعموم تنزيل الطواف منزلة الصلاة إنما يقتضي ثبوت أحكام ماهية الصلاة له بعمومه، لا مشاركة الواجب منه للواجب منها والمندوب منه للمندوب منها في أحكامهما المختصة بكل منهما. نعم، لو كان كل من الصلاة والطواف ماهية واحدة والوجوب والاستحباب حالتين لهما، تم ذلك. لكنه خلاف الظاهر، بل الفرض والنفل ماهيتان من كل منهما. هذا، وقد يستدل بموثق ابن فضال أو صحيحه: " قال أبو الحسن عليه السلام: لا

===============

( 162 )

[ مسألة 96: لا يجوز للمحدث مس كتابة القرآن (1)، ] تطوف ولا تسعى إلا بوضوء " (1). وحمله على النهي عن مجموع الامرين ليبقى على ظهوره في الالزام ويختص بطواف الفريضة - كما في التهذيب واحتمله في الاستبصار - لا يناسب تكرار: " لا " جدا، بل يتعين حمله على الاستحباب - كما احتمله في الاستبصار - فيشمل بإطلاقه الطواف المندوب. لكن حمله على الاستحباب بالاضافة للسعي لا يقتضي الخروج عن ظاهره بالاضافة للطواف، الملزم بحمله على طواف الفريضة الذي هو المنصرف منه في نفسه بمقتضى جمعه مع السعي، لانه مثله من المناسك. فلاحظ. ومن هنا كانت إقامة الدليل على استحباب الوضوء للطواف بخصوصيته في غاية الاشكال. نعم، المناسبات الارتكازلة المتشرعية تقضي بأولوية إيقاع الطواف المندوب عن طهارة، بما أنه عبادة، لان الطهارة دخيلة في أهلية العبد للاتصال به تعالى، ولو بلحاظ ما تضمن أن الوضوء مخفف للذنوب وسبب لغفرانها، حيث بكون أقرب لقبول العمل، وأولى بالعبادية. فتأمل جيدا. (1) كما في الفقيه والتهذيب والخلاف والشرائع والمعتبر والنافع والقواعد والمنتهى ومجمع البيان وجامع المقاصد والروض وظاهر التبيان وعن الحلبي وابن سعيد والراوندي والدروس والذكرى وغيرها، بل هو المعروف من مذهب الاصحاب، وفي المعتبر والمدارك والمفاتيح وعن المقتصر والذخيرة والكفاية وغيرها أنه المشهور، وعن كشف الرموز أنه الظاهر بين الطائفة، وادعى في الخلاف الاجماع عليه، وهو ظاهر مجمع البيان، بل التبيان. خلافا لما في المبسوط وعن ابني البراج وإدريس من الحكم بالكراهة، بل


____________
(1) الوسائل باب: 15 من أبواب السعي حديث: 7.

===============

( 163 )

هو مقتضى ما عن ابن الجنيد من الحكم بها للجنب، وتبعهم بعض متأخري المتأخرين، وإن لم يبعد كون مراد القدماء من الكراهة الحرمة، ولا سيما الشيخ في المبسوط، لظهور اهتمامه بالحكم، حيث فرع عليه أنه ينبغي منع الصبيان من المس، وأطال في ذلك. وكيف كان، فعمدة الدليل على الحرمة موثق أبي بصير أو صحيحة (1): " سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن قرأ في المصحف وهو على غير وضوء. قال: لا بأس ولا يمس الكتاب " (2)، إذ ليس المراد بالكتاب إلا القرآن الكريم المحكي بالخط، كما هو المتبادر منه في عرف المسلمين وبه استعمل في الكتاب والسنة، لا المصحف، كي يتعين حمله على الكراهة، كيف وإلا كان المناسب أن يقول: " ولا يمسه ". بل فرض القراءة في المصحف من دون مس له بعيد جدا. ولا سيما وقد روي في الاستبصار هكذا " ولا يمس الكتابة "، حيث قد يكون الاختلات بينهما ناشئا من النقل بالمعنى. فتأمل. هذا، ويعضد الصحيح خبر ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن عليه السلام: " قال: المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا، ولا تمس خطه ولا تعلقه، إن الله تعالى يقول: (لا يمسه إلا المطهرون)، (3). وصحيح حريز عمن أخبره: " قال: كان إسماعيل بن أبي عبد الله عليه السلام عنده.


____________
(1) إذ ليس في طريقه من وقع الكلام فيه إلا الحسين بن المختار الذي رماه الشيخ في موضع من كتابه بالوقف. لكنه من رجال كامل الزيارة، وقد حكي عن ابن عقدة عن علي بن الحسن أنه ثقة وعده الشيخ المفيد قدس سره في الارشاد ممن روى النص على الرضا عليه السلام من خاصة أبيه عليه السلام وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته، وقد ررى عنه جماعة من الاعيان. وكفى بذلك في إثبات وثاقته، بل ما فوقها. بل كلام المفيد موجب للتشكيك فيما صدر من الشيخ من نسبة الوقف له، ولا سيما مع عدم تعرضه له في موضع آخر من كتابه ولا في الفهرست عند ذكره له. (2) الوسائل باب: 12 من أبواب الوضوء حديث: 1. (3) الوسائل باب: 12 من أبواب الوضوء حديث: 3.

===============

( 164 )

فقال: يا بني اقرأ في المصحف، فقال: إني لست على وضوء. فقال: لا تمس الكتاب ومس الورق واقرأه " (1). وإن أشكل استقلالهما بالحجية على ذلك، لضعف سندهما في الجملة وعدم وضوح انجبارهما بعمل الاصحاب مع إمكان اعتمادهم على غيرهما وسوقهم لهما مؤيدا لا دليلا. مضافا إلى أن السياق في الاول قد يمنع من حمله على التحريم، لعدم الحرمة فيما قبله وما بعده، ولا سيما مع روايته في الاستبصار هكذا: " ولا تمس خيطه "، وأن النهي في الثاني مسوق للارشاد، لتجنب المرجوحية المتوهم منعها من القراءة، ولا قرينة على كون منشئها الحرمة، وليس ابتدائيا مولويا ليكون ظاهرا في الحرمة، كما نبه له الفقيه الهمداني قدس سره. هذا، وقد اشتهر بين الاصحاب الاستدلال بقوله تعالى: (إنه لقرآن كريم) * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون * تنزيل من رب العالمين) (2) بحمل المس فيه على المس بالبدن، لانه المعنى الحقيقي له أو الظاهر منه، وإرجاع الضمير للقرآن المذكور بالاصل، لا للكتاب المذكور تبعا، وحمل " لا " على النهي أو النفي المساوق له (3)، و " المطهرون " على من يكون طاهرا ولو بأن يتطهر. لكنه مخالف للظاهر جدا، لاباء سياق الكلام عن الحمل على بيان أمر جعلي تشريعي، بل هو ظاهر في وصف القرآن الكريم بذلك، كوصفه بأنه في كتاب مكنون، وأنه تنزيل من رب العالمين. كما أن الظاهر من " المطهرين " ليس هم المتطهرين من الحدث، ولاكل طاهر، بل خصوص من طهرهم الله تعالى، الملزم بحمله على من طهرهم بعصمته


____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب الوضوء حديث: 2. (2) سورة الواقعة: 77 - 80. (3) لان ضم الفعل كما يجتمع مع رفعه لكون " لا " نافية يجتمع مع جزمه لكونها ناهية، لما في التصريح على التوضيح من أن الفعل المضاعف المجزوم إذا اتصل به ضمير الغائب وجب ضمه، وأجاز الكوفيون فيه الفتح والكسر. وبالوجهين صرح بعض من تعرض لاعراب الآية.

===============

( 165 )

[ حتى المد والتشديد ونحوهما (1)، ] لهم عن الذنوب، فيحمل المس على مس الملائكة له وهو في اللوح المحفوظ، أو على الكناية عن إحاطة المعصومين عليهم السلام بعلمه وغوصهم في معانيه واستجلائهم لغامضه. وأما خبر ابراهيم المتقدم، فربما لا يكون الاستشهاد فيه با لآية للاستدلال على ما تضمنه من النهي عن المس، بل للتنبيه على أن تعظيمه تعالى للقرآن بذلك مناسب للاحكام المذكورة فيه، بل لعل هذا هو الاظهر بلحاظ اشتماله على غير المس، كما نبه له غير واحد. وكذا ما في مجمح البيان من قوله في تفسير الآية: " وقيل: المطهرون من الاحداث والجنابات. وقالوا (وقيل. خ ل): لا يجوز للجنب والحائض والمحدث مس المصحف عن محمد بن علي الباقر عليهما السلام "، لعدم ظهوره في نسبة التفسير المذكور له عليه السلام، بل نسبة الحكم - المناسب للتفسير المذكور - له عليه السلام. هذا، وقد يستدل للجواز بما تضمن جواز مس الجنب الدراهم البيض، والتي عليها اسم الله تعالى واسم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم (1). لكن لا مجال للخروج به عما تقدم، فلو أمكن العمل به لزم الاقتصار على مورده ونحوه مما يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى، لاحتمال خصوصيته ولو من جهة الحرج. (1) قال في جامع المقاصد: " ويراد بالكتابة الرقوم الدالة على مواد الكلمات، كما يسبق إلى الافهام، فالاعراب لا يعد منها، بخلاف نحو الهمزة والتشديد. مع احتمال عد الجميع. والعدم، لخلو الكتابة السابقة عن الجميع ". وقال في الروضة في مبحث الجنابة: " وهو كلماته وحروفه المفردة وما قام مقامها، كالتشديد والهمزة ".


____________
(1) راجع الوسائل باب: 18 من أبواب الجنابة.

===============

( 166 )

وعن اللوامع نسبة تحريم مس المد والتشديد للاكثر واختاره في المستند، وزاد عليه الفقيه الهمداني الاعراب، وقوى ذلك صاحب الجواهر وشيخنا الاعظم قدس سرهما. خلافا للحدائق، فاختار الجواز في الجميع، تبعا لما حكاه عن بعض مشايخه المحققين. هذا، ولما كان موضوع حديث أبي بصير الكتاب - وهو القرآن المجيد - فالظاهر منه رسمه برسم مواد كلماته، وهي حروفه، كما ذكره في جامع المقاصد، لتقومه بها، أما الهيآت الاعرابية فلما لم تكن جزءا منه، فلا يكون رسمها رسما له، بل لكيفية النطق به، وهي مباينة للقرآن، فإن القرآن هو المنطوق لا هيئة النطق، ولذا لا يعد الرسم الخالي عنها نقصا في رسم القرآن. وأما ما ذكره الفقيه الهمداني قدس سره من أنها حين وجودها تكون جزءا من القرآن وإن لم تكن حين عدمه نقصا فيه، نظير كثير من المركبات الصادقة على بعض أجزائها مادامت متصلة بها مع عدم نقصها لو لم تتصل بها أو انفصلت عنها، كزيد بالاضافة لمثل الشعر والظفر والسن. ففيه - مع أن المسمى في الانسان ليس هو الجسم القابل للزيادة والنقص، بل الذات غير القابلة لهما وإن كانت متحدة معه نحو اتحاد -: أن ذلك قد يتم في بعض الماهيات الاعتبارية، حيث قد تتقوم بنحو من الاتصال بين الاجزاء من دون أن يؤخذ فيها كم خاص، كالدار الصادقة على الواجدة للحمام والفاقدة له، وعلى ذات الغرف الكثيرة والقليلة، ولا مجال لذلك في مثل القرآن الشريف من الماهيات الحقيقية، فإنه مشتمل على مادة وهيئة، فإن اريد بخطه رسمهما معا كان الفاقد لرسم الهيئة ناقصا، وإن أريد به رسم المادة وحدها خرج عنه رسم الهيئة، ولم تلحقه أحكامه، وهو الظاهر، كما عرفت. ولابد أن يبتني صدق رسم القرآن على المجموع حين وجوده على التغليب لتبعيته له، أو على إرادة الكتابة المعهودة المعروفة في العصور المتأخرة،

===============

( 167 )

حيث قد يصدق بلحاظها على بعض النقوش الخارجة عن المادة والهيئة، كعلامات الوقف ونحوها، ومثل ذلك لا يكفي في ترتب الحكم. نعم، لو كانت هذه الامور موجودة معروفة في مورد النص، لم يبعد دلالته على حرمة مسها تبعا، لغفلة العرف عن استثنائها مع ذلك، ولا يكفي في ذلك وجودها في العصور المتأخرة. ومن ذلك يظهر الاشكال في المد والتشديد، لانهما ليسا رسما لحرف منطوق، بل إشارة لكيفية النطق بالحرف المرسوم. وكذا مثل ألف واو الجماعة، فإنها بيان حقيتة المنطوق، فضلا عما يتمحض في الزيادة، كألف: (يتفيؤا ظلاله،) (1). اللهم إلا أن يستفاد حرمة مسها تبعا، لوجودها في المصاحف القديمة مع غفلة العرف عن استثنائها. فتأمل. هذا، والظاهر حرمة مس الهمزة المكتوبة على الالف، فضلا عن غيرها، خلافا لما تقدم من الحدائق، لانها رسم للحرف المنطوق، وإن أمكن الاستغناء عنها برسم الالف. وكذا ألف الوصل والحروف، لانها رسم لجزء من القرآن وإن لم ينطق به في بعض الحالات أو دائما. نعم، لا مجال لذلك في علامة التنوين، لعدم كونه جزءا قرآنيا، بل هو من لوازم النطق به. بقي في المقام شئ، وهو أن مقتضى إطلاق النص حرمة مس الكتابة مع الخطا الاملائي، لصدق القرآن عليها. ولا سيما مع استحداث القواعد الاملائية في العصر المتأخر، وقد رسم الكتاب الشريف مخالفا لها في الصدر الاول وبقى على ذلك. وأما الخطأ في الكتابة بزيادة حرف أو نقصه أو تبديله، فإن قصد رسم كلمة


____________
(1) سورة النحل: 48.

===============

( 168 )

[ ولا مس اسم الجلالة وسائر (1) ] غير قرآنية لتخيل قرآنيتها، كما لو كتب " إذا " بدل " إذ " للخطأ في تشخيص ما تضمنه القرآن، فلا إشكال في عدم جريان حكم القرآن، لمباينة المكتوب له، وإن قصد رسم كلمة قرآنية وأخطأ في رسمها، فالظاهر حرمة مس ما يتم به رسم الكلمة القرآنية من الحروف دون الزائد، إذا لم تختل هيئة رسم الكلمة، كالالف والذال من:، " إذا " إذا " قصد بها كتابة " إذ " القرآنية. بل لا يبعد ذلك في النقيصة إذا رجع إلى الاجتهاد في وجه النقص الراجع للخطأ في الاملاء، نظير حذف همزة الوصل لعدم النطق بها، أو ألف عمران قياسا على ألف رحمن. وأما في النقيصة غير الراجعة لذلك، أو الزيادة المخلة بالهيئة أو التبديل، فالامر لا يخلو عن إشكال، بل لا يبعد جواز المس، لعدم صدق رسم القرآن على ذلك، وإن قصد به. فلاحظ. (1) كما قواه في الجواهر ويظهر من شيخنا الاعظم قدس سره وهو المحكي عن الموجز الحاوي وكشف الالتباس، وعن الذكرى حكايته عن أبي الصلاح. وكأنه لاستفادته مما تضمن حرمة مس الكتاب بالاولوية، لانه أحق بالتعظيم من سائر ألفاظ القرآن، لانه خير الاسماء، ولذا اختص به تعالى، كذا في الجواهر. لكنه غير ظاهر، لاحتمال خصوصية القرآن في التعظيم الخاص، كما اختص بكراهة قراءة الجنب والحائض له في الجملة، بل حرمة قراءتهما للعزائم منه، كما نبه له شيخنا الاعظم قدس سره. ومثله الاستدلال بعموم التعليل في الآية الكريمة، بناء على تمامية الاستدلال بها على حرمة المس، بدعوى: ظهور قوله تعالى: (إنه لقرآن كريم) في تعليل حرمة مسه بكرامته. لاندفاعه: بعدم سوق ذلك لتعليل الحكم المذكور، بل هو أمر آخر في قباله.

===============

( 169 )

[ أسمائه (1) وصفاته (2)، على الاحوط وجوبا. والاقوى عدم إلحاق أسماء الانبياء والاوصياه وسيدة النساء - صلوات الله عليهم أجمعين - به (3)، وإن كان أحوط استحبابا (4). ] على أنه لو تم فلا مجال للاستدلال بعمومه، لاستلزامه كثرة التخصيص المستهجن الموجب لاجماله والاقتصار فيه على المتيقن. ولعله لهذا ونحوه لم يتعرض له كثير من الاصحاب أو أكثرهم، بل عن بعض المتأخرين - كالمحقق الخوانساري - إنكاره. نعم، لا مجال للاستدلال على جواز مسه بما دل على جواز مس الدراهم للجنب، لما تقدم في مس الكتاب. هذا، وقد يستدل للحرمة بصحيح داود بن فرقد الآتي في الفرع التاسع من الفروع الملحقة منا بهذه المسألة، المتضمن النهي عن مس الحائض للتعويذ. وهو لا يخلو عن إشكال. (1) إما خصوص المختصة به تعالى - كما قيدها بذلك صاحب الجواهر وشيخنا الاعظم - أو مطلقا - كما هو مقتضى إطلاق غيرهما - مع كون المدار في النسبة له تعالى على قصد الكاتب، كما يأتي في المسألة التاسعة والتسعين. (2) الظاهر أن غير لفظ الجلالة من أسمائه تعالى منتزع من صفاته فيكون العطف تفسيريا، وإن كان هو خلاف ظاهر شيخنا الاعظم قدس سره. (3) إذ لا دليل على ذلك إلا توهم عموم التعليل في الآية الشريفة، وقد سبق ضعفه. (4) خروجا عن الاحتمال الذي يظهر من الجواهر وشيخنا الاعظم التوقف لاجله، وعن كشف الالتباس والموجز وشرحه البناء على مقتضاه، وإن لم يتعرض فيها لسيدة النساء عليها السلام، ولا لمن عدا الائمة عليهم السلام من الاوصياء، بل لم يتعرض في محكي كشف الالتباس لمن عدا النبي صلى الله عليه وآله من الانبياء عليهم السلام.

===============

( 170 )

[ مسألة 97: لا يجوز جعل المس غاية للوضوء (1)، ] (1) أما مع عدم الامر به لا وجوبا ولا استحبابا، فلعدم رجوع قصده حين الوضوء إلى امتثال أمر بالوضوء ليقع عبادة، وأما مع الامر به وجوبا - كما لو توقف تخليصه من الهتك عليه - أو استحبابا - لتوقف تعظيمه بمثل التقبيل عليه - فلما ذكره قدس سره من أن المتوقف على الوضوء جواز المس، لا نفس المس الواجب، فلا يكون الامر بالوضوء غيريا مولويا، بل عقليا من باب لزوم الجمع بين غرضي الشارع، وهو لا يكفي في تشريع الوضوء المصحيح لعباديته. وبعبارة اخرى: كل من التكليفين لا يدعو للوضوء لتحقق الغرض من المس الواجب - كمنع هتك القرآن - بالمس مع الحدث، وتحقق غرض تحريم المس على المحدث بترك المس رأسا، وإنما يلزم الوضوء للجمع بين التكليفين في الامتثال الذي هو واجب عقلا، لا شرعا. وقد يستشكل في ذلك بوجهين.. الاول: ما ذكره شيخنا الاستاذ قدس سره من أن مقدمة الواجب التي تجب غيريا تبعا لوجوبه النفسي كما تكون أمرا يتوقف عليه الواجب تكون أمرا يرتفع به المانع عنه، من دون فرق بين المانع الشرعي والعقلي، وحيث كانت الحرمة في المقام مانعا شرعيا من المس الواجب، فيجب الوضوء الرافع لها مقدمة له. ويندفع: بأن المانع الشرعي الذي هو كالمانع العقلي هو الذي تنتزع مانعيته من شرطية عدمه شرعا للواجب، كالحدث بالاضافة للصلاة، حيث يتعذر الواجب واقعا بدونه بسبب الجعل الشرعي، لا التكليف التحريمي في مثل المقام، فإن مرجع مانعيته إلى قبح معصيته مع القدرة على الواجب معه من دون أن يكون دخيلا في القدرة على الواجب، ليجب رفعه غيريا ويكون الاتيان به شروعا في امتثاله. وإن شئت قلت: الواجب الغيري هو الذي يجب بملاك الواجب النفسي

===============

( 171 )

وفي طوله لعدم القدرة عليه بدونه، وهو إنما يتم فيما يتوقف عليه ذات الواجب أو قيده الشرعي، دون مثل رفع الحرمة في المقام مما لا دخل له في القدرة على الواجب، فإنه إنما يجب لاجل وجوب امتثاله عقلا بعد فرض جعله بملاك مستقل. الثاني: أن الجمع بين غرضي الشارع لما كان مرغوبا له أيضا لزم رجوع الغرضين إلى غرض واحد مركب منهما، فيلزمه تقييد متعلق كل منهما بما يلائم الآخر، ويمتنع إطلاق متعلق كل منهما وإن كان وافيا بغرضه، لاستلزامه تفويت الغرض الآخر. فإذا تعلق الغرض بتكريم زيد الحاصل بزيارته وبالسلام عليه وبالتنويه باسمه، وتعلق الغرض أيضا بعدم إيذائه، واستلزمت زيارته إيذاءه، رجع ذلك إلى غرض واحد مركب من الغرضين متعلق بالتكريم بغير الزيارة، ولم يبق التكريم المطلوب على إطلاقه، لئلا يلزم الاخلال بالغرض الثاني، فإذا وجب مس الكتاب تخليصا له من الهتك مثلا وكان المس مع الحدث محرما لزم تقييد المس الواجب بما يكون عن طهارة، فيكون الوضوء مقدمة للمس الواجب، فيجب غيريا وإن لم يكن مقدمة لذات المس الذي هو ليس واجبا على إطلاقه، نظير مقدميته للصلاة الواجبة مع عدم مقدميته لذات الصلاة. وكأنه إلى هذا يرجع ما ذكره بعض مشايخنا من أن الوضوء وإن لم يكن مقدمة لذات المس، إلا أنه مقدمة للحصة الواجبة منه. وإلا فهو مدفوع: بأن المفروض أن الواجب مطلق المس، لا المقيد بالطهارة منه، لعدم دخلها في ملاكه. غاية ما في الامر دخلها في جواز المس، كما سبق من سيدنا المصنف قدس سره. وكيف كان، فيندفع الوجه المذكور بأن الجمع بين الغرضين وإن كان مرغوبا للآمر إلا أنه لا يرجع إلى وحدة الغرض، ولا إلى تقييد متعلقه، بل إلى تزاحم الغرضين من دون تقييد لمتعلق كل منهما، كما هو الحال في سائر موارد التزاحم،

===============

( 172 )

ولا يلزم من ذلك تفويت أحد الغرضين بعد صلوح التكليف الآخر - كتحريم مس المحدث - لحفظه. بل التقييد المذكور لا يطابق الغرض، لاستلزامه عدم إجزاء الفاقد للقيد مع اقتضاء الغرض إجزاءه. ودعوى: أن المقام من صغريات مسألة اجتماع الامر والنهي، فبناء على الامتناع وتقديم النهي يتعين خروج المس حال الحدث عن حيز الامر واختصاص المأمور به بالمس عن طهارة، فيجب الوضوء، لانه مقدمة له. مدفوعة أولا: بأن المس في كثير من صغريات المقام لا يكون مأمورا به نفسيا لا بعنوانه الاولي، ولا بعنوان ثانوي، بل يكون مقدمة لامر لازم كإنقاذ الكتاب عن الهتك، أو راجح، كالتقبيل ونحوه مما يكون مباينا للمس حال الحدث وجودا، ولا يتحد معه ليكون من صغريات مسألة الاجتماع، نظير ما لو كان للوصول لانقاذ الغريق طريقان أحدهما مغصوب. وثانيا: بأن قصور متعلق الامر في مسألة الاجتماع لا يقتضى تقييده بنحو يدعو للقيد ويجب تحصيل القيد مقدمة، لتبعية القييد للغرض، والمفروض عدم تعلقه بالقيد، وليس قصور الامر عن مورد الاجتماع إلا لوجود المانع منه نظير قصوره عن مورد العجز. فلاحظ. نعم، ما ذكره سيدنا المصنف قدس سره مبني على ثبوت الامر الغيري، وأن عبادية الوضوء عند قصد غاياته تابعة لقصده. أما بناء على التحقيق من عدم ثبوته، بل ليس هناك إلا الامر النفسي بذي المقدمة، ووجوب المقدمة عقلي لتوقف الامتثال عليها، فلابد من البناء على كون قصد الغاية في الوضوء راجعا إلى التقرب بأمرها النفسي، لكون الاتيان به شروعا في امتثالها، وحينئذ كما يتجه ذلك في قصد الغاية المأمور بها مقيدة بالطهارة، لكونه شروعا في امتثال أمرها، كذلك يتجه في المقام، فإن الوضوء يكون شروعا في امتثال كلا التكليفين - وهما الامر بالمس، والنهي عن المس حال الحدث -

===============

( 173 )

لتوقف امتثالهما معا عليه، وإن لم يتوقف عليه امتثال كل واحد منهما وحده، فهو وإن لم يدع إليه كل من التكليفين وحده، إلا أنهما معا يدعوان إليه. والفرق في العبادية بين انفراد التكليف في الداعوية واجتماع تكليفين أو أكثر عليها لا تساعد عليه المرتكزات جدا. هذا كله، بناء على أن عبادية الطهارات على حد عبادية سائر العبادات راجعة إلى لزوم التقرب بالامر أو بما يلازمه من الملاك، وقد سبق في المسألة الواحدة والسبعين في فصل شرائط الوضوء إنكار ذلك، وأن مرجع عباديته إلى لزوم إيقاعه بوجه قربي ولو لا بقصد أمر أصلا لا نفسي ولا غيري. ومن الظاهر أن قصد تجنب حرمة المى على المحدث في ظرف الاتيان به كاف في التقرب وإن لم يكن المس مأمورا به، فضلا عما إذا كان مامورا به. فالبناء على صحة الوضوء بقصده متعين، ولاسيما مع ما يأتي من أن الوضوء بقصد غاية أخرى مخالف للاطلاقات المقامية لبعض النصوص الواردة فيما يشبه المقام. بقي شئ، وهو أنه لا إشكال في عدم وجوب المسى لنفسه بعنوانه الاولي. وأما وجوبه بالنذر، فهو موتوف على رجحانه ذاتا، وهو غير ثابت، وإن نسب لجماعة. نعم، قد يجب باليمين بناء على عدم اعتبار الرجحان في متعلقها. كما يستحب لانطباق عنوان راجح عليه كالتبرك. وقد يجب أو يستحب غيريا لمقدميته لامر واجب - كإنقاذه من الهتك - أو راجح - كالتقبيل - كما أشرنا إليه، وذكرنا عدم تقييده حينئذ بالطهارة، لعدم دخلها في ترتب غرضه. ولو نذر في هذا الحال لم يبعد عدم انعقاد النذر، إلا أن ينصرف المنذور لخصوص ما يكون منه بطهارة، لانه الراجح وغيره مرجوح والجامع بينهما غير راجح، فتجب الطهارة غيريا، لتوتف المس المنذور عليها، فتأمل. وأظهر من ذلك ما لو قيد المنذور بها صريحا، فيخرج عن محل الكلام السابق.

===============

( 174 )

[ فإن أراد المس توضأ لغاية اخرى (1)، وكذا غيره من الغايات التي لم يؤمر بها مقيدة (2) به، سواء لم يكن مأمورا بها أصلا (3)، أم كانت مأمورا بها لكنها غير مقيدة به (4)، ] (1) هذا موقوف على صلوح تلك الغاية للداعوية استقلالا، لتوقف العبادية على ذلك، وهو قد يتعذر أو يحتاج إلى مؤنة شديدة. (2) كما هو مقتضى الوجه المتقدم منه قدس سره. هذا، ونظير ذلك الوضوءات المستحبة للكون على الطهارة في حال خاص، كالوضوء للنوم من الجنب وغيره، وللسعي في الحاجة ولجماع الحامل ومعاودة الجماع ونحوها مما كان ظاهر أدلتها استحباب الطهارة حال الامور المذكورة، لا استحباب الامور المذكورة مقيدة بها، فإن إيقاع الوضوء قبل الانشغال بها لا يستند لامر فعلي، لعدم فعلية الامر به قبل الانشغال بها، فلا مجال لقصد امتثاله. وحسن الاتيان به قبل تحقق الامور المذكورة، لتوقف حصول الطهارة حينها على ذلك، كسائر المقدمات المفوتة، لا يقتضي الامر به شرعا، بل عقلا، لتوقف تحصيل الغرض عليه، نظير ما سبق. لكن الاتيان بالوضوء للامور المذكورة بغابة أخرى لما كان محتاجا لعناية فهو لا يناسب إطلاق أدلتها المقامية جدا، حيث لم ينبه فيها إليه مع الغفلة عنه. وهو شاهد بما سبق منا من أن عبادية الوضوء ليست على حد عبادية سائر العبادات. ويناسب ما ذكرنا ما يأتي في أحكام الجنب من وجوب التيمم للمحتلم في أحد المسجدين الشريفين للخروج منهما، كما ننبه عليه هناك إن شاء الله تعالى. (3) كمس حواشي الكتاب بعنوانه الاولي، بناء على كراهة مسها للمحدث. (4) كمس حواشي الكتاب لو توقف عليه إنقاذه من الهتك.

===============

( 175 )

[ أما الغايات المأمور بها مقيدة به فيجوز الاتيان به لاجلها، ويجب (1) إن وجبت ويستحب إن استحبت، سواء أتوقف عليه صحتها (2) أم كما لها (3). مسالة 98: لا فرق في جريان الحكم المذكور بين الكتابة بالعربية والفارسية وغيرهما (4)، ] (1) يعني: غيريا. (2) كالصلاة المستحبة. (3) كدخول المساجد. (4). لاطلاق النص، سواء كان التعميم بلحاظ أنواع الخط العربي، كالكوفي والنسخي والفارسي، أم بلحاظ أسناخ الخطوط، كما لو كتب المصحف بالخط الانكليزي أو الصيني، لصدق المصحف في الجميع. وإن كان الامر في الاول أظهر، لصعوبة التفكيك عرفا بين أفراده، ولا سيما مع تأخر تصنيف الخطوط العربية عن عصر صدور النص. نعم، لا يبعد اعتبار تعارف الخط في الثاني، ولا تكفي الكتابة المصطلحة لشخص خاص، لعدم وضوح صدق الكتابة عليها عرفا، بل هي من سنخ الاشارة عندهم. ولعله إليه يرجع ما في المستند من التنظر في التعدي للخطوط المجعولة، وإلا فجميع الخطوط مجعولة مصطلحة بعد العدم. وأما تنظره في الكتابة المقطعة، فإن كان مراده بها ما يتعارف في كتابة كثير من اللغات من عدم اتصال. حروف الكلمة، فهو ضعيف، لصدق المصحف مع الكتابة بها. وإن كان مراده بها الخروج عما هو المتعارف في الكتابة العربية من اتصال حروف الكلمة غالبا، فهو لا يخلو عن وجه بلحاظ ما سبق من عدم الاعتداد بالخط الشخصي غير المتعارف، وإن كان لا يخلو عن إشكال بلحاظ صدق الكتابة هنا،

===============

( 176 )

[ ولا بين الكتابة بالمداد والحفر والتطريز وغيرها (1). ] والتقطيع أشبه بالخطا الاملائي الذي سبق عدم قادحيته. فلاحظ. (1) وما في المستند من الاشكال في حرمة مس الكتابة البارزة - كالتطريز - ضعيف بعد شمول الاطلاق لها، لصدق المصحف مع الكتابة بها. ومنه يظهر أنه لا مجال للاشكال في الكتابة المجوفة، الحاصلة من إحاطة الخط الاسود بصورة الكلمة. هذا، وقد استشكل شيخنا الاعظم قدس سره في حرمة مس الكتابة المحكوكة - التي يراد بها ظاهرا الكتابة بالحفر - لعدم قابلية الكتابة للمس، بل منع منه في المستند، لخروجه عن المتعارف. لكن التعارف لا يصلح لتقييد الاطلاق. ويتحقق مس الكتابة المذكورة بمس القعر. نعم، لا يتحقق مع عدم الوصول للقعر، كما لا يتحقق في التخريم الذي لا قعر له، فيتوقف التعدي لهما على فهم عدم الخصوصية من النص، بحمل المس فيه على ما يعم وضع البدن على موضع الكتابة، وهو لا يخلو عن إشكال. وأشكل منه رسم الكتابة الحاصل من تخلل النور في الكتابة بالتخريم أو التجسيم، لوضوح أن المس ملازم لانعدام رسم الكتابة فيها، فلا يصدق المس لعدم الموضوع، وإن ادعى سيدنا المصنف قدس سره شمول الاطلاق لها، ولا سيما مع أن مورد النص المصحف الذي لا تتحقق كتابته في مثل ذلك. على أن من القريب انصراف الكتابة عن مثل ذلك مما لا استقرار له في الوجود، فيجوز تنجيس الموضع وإن حرم تنجيس القرآن. وأما الكتابة المقلوبة فقد يشكل الامر فيها، لا لما في المستند من خروجها عن المتعارف، لما سبق من عدم الخروج عن الاطلاق بذلك، بل لعدم وضوح صدق المصحف بالكتابة بها. إلا أن يدعى إلغاء خصوصيته عرفا، وأن المعيار على مس كتابة القرآن الصادقة بها.

===============

( 177 )

[ كما لا فرق في الماس بين ما تحله الحياة وغيره (1). ] ولا يبعد جريان ما تقدم في الكتابة المقطعة هنا. وأما الكتابة بما لا يظهر وإن ظهر أثره بعد عمل - كالكتابة بماء البصل التي تظهر بمقابلة النار - فلا يبعد قصور النص عنها قبل الظهور، فيجوز مسها حينفذ، لا لخروجها عن المتعارف - كما في المستند - لما سبق، بل لانصرات الكتابة لما يكون له نحو من الوجود العرفي، وإلا لزم شمولها لما لا يظهر أصلا، كالكتابة بالماء بعد الجفاف وإن اشتمل على بعض الاجزاء التي لا تتبخر ولا تظهر. (1) كما صرح به غير واحد من المتأخرين، وهو مقتضى إطلاق المشهور. ويقتضيه إطلاق النص، لصدق المس بالامرين عرفا. خلافا لما عن بعضهم - بل ذكر شيخنا الاعظم قدس سره أنه المحكي عن جماعة - من الاختصاص بما تحله الحياة. إما لعدم شمول أحكام البدن له، حبث لا يتنجس بالموت - كما أشار إليه في الحدائق - أو لاختصاص المس بما تحله الحياة انصرافا أو وضعا. ولعله لذا تردد شيخنا الاعظم قدس سره في السن والظفر. لكن الاول قياس. والثاني ممنوع، بل لم يظهر دعواه من أحد. نعم، عن التذكرة والمهذب البارع التردد في اختصاص المس بباطن الكف أو عمومه لاجزاء البدن. وكأن منشأه ما في بعض كلمات اللغويين، ففي النهاية: " ويقال: مسست الشئ أمسه مسا إذا لمسته بيدك، ثم استعير للاخذ والضرب لانهما باليد، واستعير للجماع لانه لمس... "، وفي لسان العرب: " والمس مسك الشئ بيدك... ويقال: مسست الشئ... " إلى آخر ما تقدم من النهاية، وفي القاموس فسر المس باللمس وفسر اللمس بالمس باليد، وفي مجمع البحرين والدر النثير للسيوطي: " المس اللمس باليد ". لكنه - مع عدم اختصاصه بباطن الكف - يشكل الخروج به عن ظهورالمس

===============

( 178 )

[ نعم، لا يجري الحكم في المس بالشعر (1). ] عرفا في العموم، المؤيد بإطلاقه ولو مجازا على غير المس باليد، كالجماع، والمس بالعذ اب والطيب والماء، ومس الشيطان أو الجنون، والرحم الماسة، ونحو ذلك مما يناسب عمومه لمطلق الملاقاة للشئ، بل في مجمع البحرين أيضا: " ويقال: مسسته إذا لاقيته باحد جوارحك "، وفي المنتهى أن العموم أقرب من حيث اللغة وظاهر المعتبر والروض أنه المتعين لغة. على أن التعدي لغير اليد بفهم عدم الخصوصية تريب جدا، ولذا لا يظن منهم الاقتصار عليه في مس الميت. نعم، لو فرض الشك في ذلك جاز المس، للشك في أصل التكليف الذي هو مورد البراءة. وما في الجواهر من وجوب الاجتناب عما يشك في صدق المس عليه، للمقدمة، ضعيف جدا. (1) كما في مفتاح الكرامة والمستند والجواهر وطهارة شيخنا الاعظم وغيرها، كما ذكروا ذلك أيضا في مس الميت. والعمدة فيه عدم وضوح شمول المس له، بل الظاهر عدمه، لخروجه عن البدن عرفا، بل هو نظير الحاجب وإن كان نابتا فيه. من دون فرق بين الشعر الكثيف والخفيف، خلافا لبعض مشايخنا في الثاني، لدعوى صدق المس بالعضو المشتمل عليه، كاليد والوجه. وهى ممنوعة، إلا أن يكون المراد به ما يعم المس به مع الحاجب، في قبال الشعر الكثيف، حيث قد لا يصدق معه المس بالعضو ولو مع الحاجب، بل مس الشعر لا غير، كما لو أخذ بنفسه وجعل على الممسوس. لكن صدق المس مع الحاجب لا يكفي في التحريم، لظهور دليله في المس بدونه.

===============

( 179 )

[ مسألة 99: الالفاظ المشتركة يعتبر فيها قصد الكاتب (1)، ] مع أنه لا يقتضي التفصيل بين الكثيف والخفيف، بل بين نحوي المس للشعر، لتوقف صدق مس العضو ولو مع الحاجب على نحو من التضام بينه وبين الممسوس، وهو غير لازم في المس بالشعر الخفيف والكثيف معا. (1) كما في الجواهر ومصباح الفقيه وغيرهما، لعدم صدق كتابة القرآن بغير ذلك، لان إضافتها للقرآن ليست بأولى من إضافتها لغيره بعد فرض الاشتراك، كما هو الحال في القراءة والتصور في الذهن. هذا، وفي الجواهر: " وهل يجري نحو ذلك منه في الكلمات والحروف وأبعاضها؟. إشكال، سيما في الاخيرين، وسيما مع العدول عنه وجعله جزء كلمة اخرى أو كلام آخر. وكأن مراده ما أشار إليه الفقيه الهمداني من الاشكال في صدق القرآن على الكلمة التي وجدت من كاتبها بقصد كتابة القرآن من دون أن ينضم إليها ما يمحضها للقرآنية. والظاهر تمامية ما ذكره بالاضافة لجزء الحرف لعدم حكايته عن شئ، بل وكذا بالاضافة لجزء الكلمة من حروف المباني، لعدم استقلال المحكي به، بحيث يصدق عليه أنه جزء من القرآن عرفا. نعم، لا مجال لذلك في الكلمة التامة لاستقلالها وقيامها بنفسها، فلا وجه لعدم صدق القرآن عليها، سواء رجع إلى دعوى توقف صدق القرآن على الانضمام أم إلى دعوى انسلاخه عنه بعد صدقه عليه بمجرد الاعراض عن الانضمام. إلا أنه قد يستشكل في عموم النص له، لاختصاص مورده بالمصحف. والتعدي عنه لابعاض القرآن بفهم عدم الخصوصية بقرينة وروده مورد التعظيم لو تم - كما سيأتي - مختص بما إذا كان البعض جملة قرآنية ذات معنى

===============

( 180 )

[ بل كذا المختصة على إشكال ضعيف (1) ] مستقل، لانه المتيقن من القرينة المذكورة، دون الكلمات المتفرقة. وأما ما أشير إليه في ذيل كلامه من العدول بالمكتوب عن القرآنية وجعله جزء كلام آخر، فليس المعيار فيه على قلة المكتوب وكثرته، بل على أن المدار في إضافة الكتابة لما تحكي عنه على قصده منها حين حدوثه، كما في القراءة، أو يكفي قصده منها بعد ذلك إذا ضم إليه التغيير فيها بما يناسبه من إضافة أو حذف. ولا يبعد الثاني، لان حكاية الكتابة عما تضاف إليه استمرارية، تبعا لاستمرار وجودها، فمع التغيير فيها تتبدل إضافتها تبعا لتبدل حكايتها، بخلاف القراءة، فإنها حيث لا يكون لها استمرار تكون إضافتها تابعة لحال حدوثها، ولا تنقلب عما وقعت عليه. وعليه، فكما يجوز مس ما عدل به عن القرآن لغيره لا يجوز مس ما عدل به إلى القرآن عن غيره، وإن لم يخل عن الاشكال مع كثرته، فلاحظ. (1) لعله يرجع إلى أنه مع فرض الاختصاص بالقرآن تتعين الكتابة له، من دون تعيين. ولعله لذا خص اعتبار القصد بالمشترك في الجواهر والعروة الوثقى، بل صرح بعض مشايخنا بعدم اعتباره في المختص. لكنه إنما يتم لو قصد بالكتابة الحكاية عن كلام متقرر، لفرض عدم التقرر لغير القرآن بمقتضى فرض الاختصاص، وهو راجع لقصد القرآن إجمالا، فيخرج عن محل الكلام، أما لو لم يقصد ذلك، بل قصد محض كتابة الكلام، فلا وجه لتعينه للقرآن، بل يكون كتابة للمماثل، كما هو الحال في القراءة أيضا. وبعبارة أخرى: لا يكفي في صدق القراة للكلام المتقرر في نفسه محض التماثل بين الالفاظ، كما لا يكفي في صدق الكتابة له محض رسم الحروف المطابقة له، بل لابد مع ذلك من قصد الحكاية عنه به بحيث تجعل الالفاظ

===============

( 181 )

[ وإن شك في قصد الكاتب جاز المس (1). ] والنقوش أداء له، فإن هذا هو المعيار في صحة إضافة القراءة والكتابة له عرفا، بحيث تكون من أنحاء وجوده، وإن كانت مباينة له حقيقة، وبدونه يكون المقروء والمكتوب مباينا له وإن كان مماثلا، كما يظهر بملاحظة الفرق بين إنشاد شعر الغير وانشاء مثله لتوارد الخاطر. ولا خصوصية للاشتراك في ذلك، بل يجري مع الاختصاص أيضا. وقد تعرض لذلك سيدنا المصنف قدس سره في مسائل القراءة في الصلاة. وأما ما ذكره في المقام من صدق القراءة والكتابة للكلام مع عدم قصده إذا كانت الاضافة بمعنى اللام وتوقف صدقهما على القصد إذا كانت بنحو إضافة الفعل للمفعول، وأن جواز المس مع عدم القصد لعدم ثبوت إرادة الاضافة بالمعنى الاول من النص. فهو غير ظاهر، بل الظاهر توقف الاضافة بالمعنيين على القصد لخصوصية في المورد - كما سبق - وإلا فإضافة الفعل للمفعول لا تتوقف على القصد كالاضافة بمعنى اللام. وليس الفرق بينهما في المقام إلا في لحاظ القراءة والكتابة في الاولى مصدرا، وفي الثانية بمعنى الالفاظ والنقوش المقروءة والمكتوبة، ومرجع تحريم القراءة والكتابة أو كراهتهما إلص الاول، كما أن موضوع المس في المقام هو الثاني. (1) كما في الجواهر، لاصالة البراءة، بل لاستصحاب عدم كون المكتوب قرآنا، بناء على جريان استصحاب العدم الازلي. وأما استصحاب عدم قصد الكاتب القرآن إلى حين الكتاب، فهو من الاصل المثبت. بقي في المقام فروع أهملها سيدنا المصنف قدس سره، ولم نجد فيما تقدم مناسبة لذكرها، فالمناسب اختتام الكلام في المس بها. الاول: لا فرق بين المس ابتداء واستدامة، فيزداد العصيان باستمرار المس،

===============

( 182 )

ولو مس الغافل أو المتطهر ئم التفت أو أحدث وجبت المبادرة برفع اليد، لان النص وإن تضمن النهي عن أن يمس، والمتيقن من مدلول هيئة الفعل الحدوث، إلا أن المنصرف من النهي كون منشئه مبغوضية نتيجة المصدر القابلة للاستمرار من دون خصوصية لحال الحدوث، ولا سيما في المقام، بلحاظ مناسبته لارتكاز كون منشأ الحكم هو التعظيم. الثاني: لا فرق في التحريم بين كون الممسوس جزءا من القرآن مكتوبا في ضمن المصحف التام وكونه جزءا مكتوبا في ضمن كتاب آخر أو مستقلا على قرطاس أو ثوب أو ستر أو غيرها، لان النص وإن اختص بالاول، إلا أن المناسبات الارتكازية قاضية بإلغاء الخصوصية المذكورة وأن المدار على مى القرآن. لكن عن الشهيد في الذكرى أنه يجوز للجنب مس كتب الحديث والدراهم المكتوب عليها القرآن، لعدم صدق المصحف، وللحرج، ولبعض النصوص الواردة في مس الجنب للدراهم. ويعتبر ضعف الاول مما سبق. والحرج الشخصي غير مطرد، والنوعي - لو تم - غير صالح للرفع. وأما النصوص، فهي - لو تمت - أخص من المدعى، لورودها في الدراهم، وهي مورد للابتلاء الشائع، حيث يكون التحريم فيها منشأ للحرج النوعي، ومعه لا مجال لالغاء خصوصية موردها. غاية الامر التعدي للدنانير لصعوبة التفكيك بينها وبين الدراهم عرفا، بل تفهم من النصوص تبعا. اللهم إلا أن يقال: احتمال خصوصية الدراهم وإن كان معتدا به بنحو يمنع من استفادة عموم الترخيص لكل ما يكون في غير المصحف من نصوصها، إلا أنه قد يمنع أيضا من إلغاء خصوصيته مورد نصوص المنع، فلا يستفاد منها العموم لغير المصحف، فتأمل. وكيف كان، فاللازم النظر في النصوص الواردة في الدراهم، وهي صحيح (1)


____________
(1) بناء على ما تقدم في بحث تحديد العدالة من وثاقة احمد بن محمد بن يحيى العطار.

===============

( 183 )

إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم عليه السلام: " سألته عن الجنب والطامث يمسان أيديهما (بأيديهما. يب، صا) الدراهم البيض. قال: لا بأس " (1). وما رواه في المعتبر، قال: وفي جامع البزنطي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " سألته هل يمس الرجل الدرهم الابيض وهو جنب؟ فقال: والله إني لاوتى بالدرهم فاخذه وإني لجنب. وما سمعت أحدا يكره من ذلك (شيئا إلا. ظ) ان عبد الله بن محمد كان يعيبهم عيبا شديدا يقول: جعلوا سورة من القرآن في الدرهم، فيعطى الزانية وفي الخمر ويوضع على لحم الخنزير ". وفي كتاب الحسن بن محبوب عن خالد عن أبي الربيع عن أبي عبد الله عليه السلام " في الجنب يمس الدراهم وفيها اسم الله واسم رسوله. فقال: لا بأس ربما فعلت ذلك " (2). وحملها على ما إذا خلت الدراهم عما يحرم مسه على الجنب والحائض - مع امتناعه في الاخيرين - بعيد في نفسه جدا، إذ لا منشأ لتوهم حرمة مسها حينئذ ليكون مثارا للسؤال ويحتاج للدفع، بل الظاهر اشتمال جميع الدراهم الاسلامية الرائجة في عصر صدور الروايات على شئ من القرآن وعلى بعض أسمائه تعالى وأن الدراهم البيض في قبال الدراهم السود غير الاسلامية. ومثله حملها على مس ما عدا الكتابة منه، لان إهمال التنبيه على ذلك مع ما فيه من المؤنة عملا، بل الظاهر كونه المنشأ للسؤال، موجب لقوة ظهورها في جواز مس الكتابة، بل هو كالمتيقن منها. وأما معارضتها بموثق عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله تعالى، ولا يستنجي وعليه خاتم وفيه اسم الله، ولا يجامع وهو عليه، ولا يدخل المخرج وهو عليه " (3) فهي غير قادحة في الاستدلال بها، لامكان الجمع بينه وبينها بحمله على الكراهة المناسبة لسياقه لتعينها في بقية


____________
(1) الوسائل باب: 18 من أبواب الجنابة حديث: 2. (2) المعتبر ص: 50 راجع الوسائل باب: 18 من أبواب الجنابة حديث 36، 4. (3) الوسائل باب: 17 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

===============

( 184 )

ما اشتمل عليه من الاحكام. نعم، قد يوهن الاستدلال بها بلحاظ ظهور إعراض الاصحاب عنها، لعدم تعرضهم لاستثناء موردها من عموم حرمة المس، كما ذكره سيدنا قدس سره. لكن بعض الاصحاب قد أهمل ذكر حرمة المس، وبعضهم لم يطلق حرمته كي يحتاج للاستثناء، بل اقتصر على ذكر المصحف، كما هو ظاهر الكليني والصدوق. ولعل عدم تنبيه بعضهم على الاستثناء للغفلة عنه بسبب السيرة التي سيأتي الكلام فيها، ولم يظهر التعميم إلا من بعض القدماء والمتأخرين كالشيخين في المقنعة والتهذيب وغيرهما، ولعله يبتني على الاستدلال بالموثق أو العمومات، لتخيل لزوم تقديمها على النصوص المتقدمة، ومث، ذلك لا يكفى في تحقق الاعراض الموهن للنصوص، ولا سيما مع قرب كون المس متتضى سيرة المتشرعة، لاشتمال جميع الدراهم والدنانير في أكثر عصور الائمة عليهم السلام على ما يحرم مسه على المحدث، فلو كان البناء على الاجتناب لزم الهرج والمرج وناسب كثرة الاسئلة عن ذلك وعن فروعه، فمن القريب جدا البناء على الجواز واستثنائها من عموم حرمة المس لوتم. ثم إن الكلام في بعض الفروع الآتية والمتقدمة يبتني على ثبوت العموم المذكور. الثالث: الظاهر حرمة مس الصورة الفتو غرافبة لكتابة القرآن الكريم، لصدق الكتاب عليها، الذي هو موضوع النهي في حديث أبي بصير الذي هو عمدة أدلة المقام، وإن فرض عدم صدق الكتابة، بل لا يبعد استفادة ذلك مما تضمن عنوان الكتابة ولو بإلغاء خصوصيتها عرفا، لمناسبته لاحترام القرآن الذي هو المنشأ للحكم ارتكازا. الرابع: لا إشكال في ارتفاع موضوع المس المحرم بانعدام مادة الكتابة حقيقة بالمحو، أو عرفا بتلويث الموضع بالحبر بنحو يستولي على

===============

( 185 )

الكتابة ويستوعبها. بل وكذا في الشطب بنحو يضيع الكتابة، لكثرة الخطوط الواردة عليها، لعدم وضوح صدق الكتاب عرفا، ولان مورد النص هو الكتابة المقروءة. ولا مجال لاستصحاب حرمة مسه، لتعدد الموضوع، وهو المس، لمباينة المس حال اليقين للمس حال الشك، ولا ينفع فيه اتحاد الممسوس حقيقة، لانه ليس موضوعا للمستصحب وهو الحرمة. نعم، الظاهر عدم كفاية الشطب بخطوط قليلة تتميز معها الكتابة القرآنية، لشمول النص لذلك. وأما انعدام هيئة الكتابة بتقطيع الجسم الذي كتب عليه وتفريق أجزائه فلا يبعد جواز المس معه أيضا، لخروجه عن المتيقن من النص، كما تقدم في المشطوب. ومنه يظهر جواز مس الباقي بعد محو البعض، لانعدام الهيئة بانعدام بعض المادة. نعم، المدار في زوال الهيئة المسوغ للمس على ارتفاع هيئة ما يحرم مسه إما الحرف أو الكلمة أو الجملة على ما تقدم في أول المسألة التاسعة والتسعين. الخامس: يحرم المس اللازم من محو القرآن بالبدن، لاطلاق دليله. نعم، يجوز محو الباقي مما قد محي بعضه إذا كان بالمقدار الذي يجوز مسه، على ما تقدم التنبيه عليه في الفرع السابق. السادس: في جواز كتابة المحدث القرآن بإصبعه بمثل الخط في الرمل وعدمه وجهان لم يستبعد الاول منهما في العروة الوثقى وجزم به في المستند، لدعوى: أن الخط يوجد بعد المس. ومنع من ذلك بعض مشايخنا، لدعوى التقارن بينهما، وأن الترتب بينهما ليس زمانيا، بل رتبيا، ولا عبرة به. هذا ولا يخفى أن وضع الاصبع على الارض يحقق جزءا من الكلمة، فيتحقق المس له متأخرا عن حدوثه آنا ما ثم تتمم الكلمة بإمراره فيها مماسا لكل

===============

( 186 )

جزء منها بعد حدوثه، فإن عمم موضوع حرمة المس لاجزاء الحرف كان البدء بالكتابة محرما، وإن اعتبر فيه تمامية الحرف حرم إتهمامه، وإن اعتبر فيه تمامية الكلمة حرم إتمامها، وهكذا، فيبتني الكلام في ذلك على ما تقدم في أول المسألة التاسعة والتسعين. اللهم إلا أن يدعى خروج المس المذكور عن المتيقن من النص، ولا سيما مع اختصاصه بمس المصحف المكتوب، وإلغاء خصوصيته بنحو يشمل محل الكلام غير ظاهر. السابع: الظاهر جواز كتابة القرآن ونحوه على بدن المحدث له ولغيره، لعدم صدق المس بها، إذ لا يراد به إلا مس موضع الكتابة بما يباينه من الجسد، وهو غير حاصل فيه. والتعدي له من النص بفهم عدم الخصوصية أو بتنقيح المناط غير ظاهر. الثامن: الظاهر عدم وجوب منع غير المكلف من المس حال الحدث، كما صرح به في الروض والجواهر وحكي عن جماعة من المتأخرين. خلافا للمعتبر والمنتهى ومحكي السرائر والتذكرة والتحرير والذكرى وغيرها، وأصر عليه شيخنا الاعظم قدس سره. وقد يستدل لهم - كما في كلام غير واحد - بظهور الآية في تكليف الكل تكليفا كفائيا بعدم تحقق مس المحدث المستلزم لوجوب منع المكلفين له من المس وإن لم يكن مكلفا بنفسه، وكأنه لاطلاق المكلف المستفاد من حذف المتعلق، وإطلاق المس المكلف به، وعدم توجيه الخطاب لكل شخص بتحريم مس نفسه بنحو الانحلال. وفيه - مضافا إلى ما سبق من منع الاستدلال على أصل الحكم بالآية الشريفة - أن لازمه وجوب منع من لم يتنجز عليه التحريم من المكلفين، كالمحدث المستصحب للطهارة، أو المعتقد بها، أو بعدم كون الممسوس قرآنا، أو بعدم تحقق المس منه، بل وجوب منع من يكون التكليف بحرمة المس في حقه حرجيا أو

===============

( 187 )

يكون مضطرا للمس ولو برفع ضرورته، ولا يظن منهم البناء على ذلك، وما ذلك إلا لظهور كون التحريم انحلاليا عينيا في حق كل مكلف بالاضافة لخصوص مسه، فلا يجب عليه منع غيره إلا من باب النهي عن المنكر، المشروط بفعلية التكليف وتنجزه في حق الغير. وليس تنزيل الآية على ذلك بعيدا، بل لعله المنصرف من التكليف بالماهية التي يختص كل مكلف بفرد منها، لاحتياج تكليف الانسان بفعل غيره لعناية يبعد حمل الاطلاق عليها، نظير قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (1) حيث لا يراد بها تكليف الكل بتحقيق الحج من المستطيع، بل تكليف كل مستطيع أن يحج بنفسه. وأما الاستدلال بمنافاته للتعظيم، فضعفه ظاهر، لعدم وضوح منافاة مس الحدث للتعظيم عرفا، مضافا إلى عدم وجوب التعظيم، بل تحرم الاهانة غير الحاصلة بذلك، وهو لا ينافي ابتناء أصل الحكم على التعظيم ارتكازا، إذ يراد به نحو من التعظيم الذي يدركه الشارع، ولا طريق لنا لتحديده إلا من طريق الحكم، ولا مجال لادراك الحكم من طريقه. ومثله ما في الحدائق من أن عدم توجه التكليف للصبي لا ينافي توجهه لو ليه، لاندفاعه بعدم الدليل على قيام الولي مقامه في التكليف، بل يقطع بعدمه في سائر الموارد، ولا يقتضيه دليل المقام الظاهر في تكليف الماس نفسه. ومن هنا تعين عدم وجوب المنع لا على الولي ولا على غيره، كما تناسبه السيرة، لكثرة الابتلاء من الصدر الاول بتعليم الصبيان القرآن المستلزم لتعرضهم للمس، فلو وجب منعهم لزم الهرج والمرج، ولكثر السؤال عن ذلك وعن فروعه بنحو لا يخفى. كما أن الظاهر جواز التسبيب لمسهم بتحقيق الامساس - فضلا عن تحقيق بعض مقدماته، كمناولة المصحف - لظهور دليل المقام في تحريم المس على


____________
(1) سورة آل عمران: 97.

===============

( 188 )

المحدث، لا إمساسه، وعدم الدليل على حرمة التسبيب لايقاع الحرام بالذات ممن لم يخاطب به. التاسع: صرح غير واحد بجواز مس غير الخط من ورق المصحف وجلده وحمله من غير وضوء، وظاهر غير واحد المفروغية عنه، بل ادعي الاجماع عليه في المعتبر والمنتهى واستظهر في الحدائق عدم الخلاف فيه. وقد يظهر جواز المس من موثق أبي بصير، لان العدول فيه عن النهي عن المصحف مع تضمن السؤال القراءة فيه إلى النهي عن مس الكتاب قد يظهر في إرادة خط القرآن واختصاص التحريم به. بل هو صريح مرسل حريز. ومن هنا يتعين حمل خبر إبراهيم بن عبد الحميد على الكراهة. هذا، وفي صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام أنه سأله عن الرجل أيحل له أن يكتب القرآن في الالواح والصحيفة وهو على غير وضوء؟ قال: لا " (1). ويظهر من بعضهم - كالعلامة في المنتهى - حمل النهي على كونه عرضيا بلحاظ ملازمة الكتابة غالبا للمس، حيث استدل به على حرمة مس الكتابة على المحدث. فإن أمكن ذلك، وإلا تعين حمله على الكراهة، لظهور المفروغية عن عدم تحريم كتابته على المحدث. مضافا إلى صحيح داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام: " سألته عن التعويذ يعلق على الحائض. فقال: نعم لا بأس. قال: وقال: تقرؤه وتكتبه ولا تصيبه بيدها " (2) ونحوه مرسله (3)، لتعذر حمله على التعويذ بغير القرآن، لندرته. العاشر: لا ينبغي التأمل في جواز مس ترجمة القرآن، لقصور النص عنها، بل هي كتفسيره باللغة العربية. كما أن الظاهر عموم حرمة مس اسمه تعالى - لو تمت - لاسمائه بغير العربية


____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب الوضوء حديث: 4. (2) (3) الوسائل باب: 37 من أبواب الحيض حديث: 1، 3.

===============

( 189 )

[ مسألة 100: يجب الوضوء إذا وجبت إحدى الغايات المذكورة آنفا، ويستحب إذا استحبت (1). ] بالنظر للادلة المتقدمة. نعم، لو كانت مستفادة من دليل لفظي فقد يدعى انصرافه للاسم العربي، وإن لم يخل عن الاشكال. الحادي عشر: بناء على حرمة مس المحدث اسمه تعالى فقد يدعى تعميمه لما يقع في ضمن أسماء الاعلام المركبة تركيبا إضافيا، كعبد الله وعبد الرحمن، لعدم انسلاخها عن الحكاية عن ذاته المقدسة في الحال المذكور في طول حكايتها عن المسمى بها، لعدم تجريد التركيب المذكور عن معناه، ولذا ابتنت التسمية على الاشارة لمضمونه، وليست كالتسمية بأسماء المعصومين عليهم السلام حيث لا يراد بها إلا التبرك بمشابهة أسمائهم مع تجريدها عن معانيها الاولى. ويشكل: بأن المعنى الاصلي للتركيب المذكور إنما يلحظ داعيا للتسمية، نظير التسمية بمثل (فرح) بلحاظ الفرح بولادة المسمى، لا على أن يبقى المعنى الاصلي معنى للاسم بعد التسمية، بحيث يحكي عنه في طول حكايته عن المسمى، فيطلقه من لا يعرف المعنى الاصلي بالنحو الذي يطلقه من يعرفه. نعم، قد يقال: إن الاسم الشريف وإن لم يحك عن الدات المقدسة حال الاستعمال إلا أن الاستعمال لما ابتنى على الوضع، وكان مبنى الواضع على تعيين الاسم الشريف من حيثية كونه اسما له تعالى، فهو لا ينسلخ عن العنوان المذكور بالاستعمال، بل يصدق عليه أنه اسمه تعالى، فيلحقه حكمه، كما يناسبه الارتكاز، فتأمل، والله سبحانه وتعالى العالم. الثاني عشر: لا يجوز مس المحدث قبل إكمال الوضوء حتى بالعضو الذي غسل، كما صرح به غير واحد، لاطلاق النص، لعدم صدق كونه على وضوء إلا بالتمام، كما هو ظاهر. (1) الوجوب والاستحباب المذكوران غيريان مولويان، بناء على ثبوت

===============

( 190 )

[ وقد يجب بالنذر وشبهه (1). ويستحب للطواف المندوب (2) ولسائر أفعال الحج (3)، ] الامر الغيري بالمقدمة، وبناء على عدم ثبوته - كما هو الظاهر - فهما عقليان من شؤون إطاعة الامر النفسي. بل سبق منه قدس سره في المسألة السابعة والتسعين في توجيه عدم جواز جعل المس غاية للوضوء أن الامر بالمس لا يقتضي الامر الغيري بالوضوء، لعدم كونه مقدمة له، بل يكون مأمورا به عقلا للجمع بين غرضي المولى. وكيف كان، فيكفي قصد التقرب بأمر الغاية في عبادية الوضوء مطلقا، على ما سبق هناك. (1) وهما العهد واليمين. لكن لا يخفى أنها لا تصلح لتشريع ما ليس بمشروع في نفسه، وحيث يأتي منه قدس سره إن شاء الله تعالى عدم مشروعية الوضوء لنفسه، بل للغايات المترتبة عليه، فلا يتعلق النذر وشبهه به، إلا أن يرجع لنذر إحدى غاياته، فيجب تبعا لها عقلا أو شرعا. اللهم إلا أن يقال: تعلق أحد هذه الامور بالوضوء لاحدى الغايات يقتضي وجوبه ذاتا ووجوبها عرضا لتحقيق قيد الواجب، أما إذا تعلق بالغايات فهو يقتضي وجوبها ذاتا ووجوبه عرضا، لانه مقدمة الواجب، والفرق بينهما ظاهر. لكق الفرق المذكور - لو تم جمودا على اللفظ - إنما يتجه فيما لا يعتبر في متعلقه الرجحان - كما قيل به في اليمين - أما ما يعتبر في متعلقه الرجحان - كالنذر - فلا مجال لتعلقه بالوضوء ذي الغاية، لعدم رجحانه إلا عرضا، وليس الراجح إلا غايته، فلا ينعقد إلا إذا تعلق بها، كما ذكرنا. (2) كما تقدم في أول الفصل. (3) فيكون شرطا لكمالها، لا مستحبا مستقلا حينها، لانه المنسبق من

===============

( 191 )

[ ولطلب الحاجة (1)، ] صحيح معاوية بن عمار: " قال أبو عبد الله عليه السلام: لا بأس أن يقتضي المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف بالبيت، والوضوء أفضل " (1) وخبر يحيى الازرق: " قلت لابي الحسن عليه السلام: رجل سعى بين الصفا والمروة، فسعى ثلاثة أشواط أو أربعة ثم بال ثم أتم سعيه بغير وضوء. فقال: لا بأس. ولو أتم مناسكه بوضوء لكان أحب إلي " (2) وخبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: " سألته عن الرجل يصلح أن يقضي شيئا من المناسك وهو على غير وضوء؟ قال: لا يصلح إلا على وضوء " (3) وما ورد في السعي والرمي (4). فراجع. (1) كما صرح به غير واحد. ففي صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام: " سمعته يقول: من طلب حاجة وهو على غير وضوء فلم تقض فلا يلو من إلا نفسه " (5). ومرسل الصدوق: قال الصادق عليه السلام: " إني لاعجب مما يأخذ في حاجة وهو على وضوء كيف لا تقضى حاجته " (6). وعن بعض المتأخرين طعن الاستدلال بذلك بأنه إنما يدل على عدم قضاء الحاجة بدون الوضوء، لا استحبابه له. ودفعه في الحدائق وغيرها بأن الظاهر من ذلك الحث عليه شرعا، نظير ما ورد في التحنك من بيان فوائده، حيث يستفاد منه حث الشارع عليه واستحبابه. لكن لا يخفى أن التنبيه على الاثر الوضعي للشئ إنما يكشف عن الامر


____________
(1) الوسائل باب: 38 من أبواب الطواف حديث: 1. (2) الوسائل باب: 15 من أبواب السعي حديث: 6. (3) الوسائل باب: 15 من أبواب السعي حديث: 8. (4) راجع الوسائل باب: 15 من أبواب السعي وباب: 2 من أبواب رمي جمرة العقبة. (5) الوسائل باب: 6 من أبواب الوضوء حديث: 1. (6) الوسائل باب: 6 من أبواب الوضوء حديث: 2.

===============

( 192 )

المولوي به أو النهي، بلحاظ خروج بيان الآثار الوضعية عن وظيفة الشارع، فالمناسب حمل بيانها منه على اهتمامه بالشئ بإحداث الداعي الدنيوي له أو بيان الحكمة المقتضية للامر به مولويا، وكلاهما لا ينفع في المقام بعد الامر بالوضوء للكون على الطهارة، حيث لا طريق معه لاحراز خصوصية السعي للحاجة في الامر زائدا على الكون على الطهارة، بل لعل بيان الاثر المذكور لبيان حكمته أو لتأكيد الداعي له كما هو الظاهر. وبعبارة اخرى: لعل غرض الشارع الحث على الكون على الطهارة - المعلوم مطلوبيته له - ببيان أثره الدنيوي، وهو تيسر الحاجة معه، لا الحث على خصوصية كون طلب الحاجة عن وضوء ببيان الاثر المذكور له، وليس هو كطلبه حال السعي للحاجة ظاهرا في خصوصية الحال المذكور في المحبوبية، وتميزه عن بقية الاحوال التي يستحب فيها الكون على الطهارة. هذا، وقد يستشكل في الوضوء بداعي قضاء الحاجة، لعدم كونه داعيا قريبا محققا لعبادية الوضوء، بل لابد من استقلال الامر الشرعي بالداعوية، وهو الامر به للكون على الطهارة أو للسعي في الحاجة على الكلام في ذلك وإن انضم إليه قصد انقضاء الحاجة على ما سبق في مبحث النية. لكن ظاهر النص دافع للاشكال المذكور، لظهور أن الغرض من التنبيه فيه على قضاء الحاجة إحداث الداعي للوضوء، ومع حدوث الداعي المذكور يحتاج استقلال غيره في الداعوية إلى عناية لو كانت لازمة كان المناسب جدا التنبيه عليها. وربما يوجه ذلك بأن المناسبات الارتكازية لا تساعد على كون قضاء الحاجة أثرا وضعيا للوضوء لا دخل فيه للقرب منه تعالى، نظير تأثير الغسل للتنظيف، وشرب الماء رفع العطش، بل هو ارتكازا من سنخ الفيض الالهي على العبد جزاء لتطهره الذي هو محبوب له تعالى. فهو من سنخ الثواب الدنيوي الذي هوكا لثواب الاخروي كاف في العبادية

===============

( 193 )

[ ولحمل المصحف الشريف (1)، ولصلاة الجنائز (2)، ] على ما تقدم في مباحث النية. فراجع وتأمل. ولولا ذلك أشكل قصده، لعدم كناية قصد الفائدة الدنيوية في العبادية، وإن أمكن أن يكون منشأ للثواب لو رجع إلى تصديق الشارع في ترتبه والتسليم له ثقة بمعرفته وشفقته، الذي هو حسن كحسن الظن به في قضائه ومعرض لرحمته ولطفه بعبده. (1) يظهر مما تقدم في الفرع التاسع وجه كراهة حمله ومس غير الخط منه وكتابته للمحدث، لا استحباب الوضوء لهذه الامور، لتضمن النص النهي عنها حينه. وما في الجواهر من تبادر الاستحباب من عبارته، غير ظاهر. (2) فقد صرحوا باستحباب الطهارة لها، بل في الخلاف والغنية وعن ظاهر التذكرة دعوى الاجماع عليه. واستدل عليه غير واحد بخبر عبد الحميد: " قلت لابي الحسن عليه السلام: الجنازة يخرج بها ولست على وضوء، فإن ذهبت أتوضأ فاتتني الصلاة، أيجزيني أن اصلى عليها وأنا على غير وضوء؟ فقال: تكون على طهر أحب إلي " (1). لكنه لا يخلو عن اظراب، إذ مع فرض فوت الصلاة بالوضوء لا فائدة في بيان محبوبية الطهارة. إلا أن يحمل على بيان محبوبيته في الصلاة ذاتا مع قطع النظر عن التعذر. أو أفضلية الكون محلى الطهارة من الصلاة بدونها - كما ذكرهما في الجواهر -. أو أفضلية الطهارة للصلاة ولو بتيمم، حيث يشرع لها مطلقا أو مع استلزام الوضوء فوتها. والاول - مع أنه لا يطابق السؤال - مستغنى عنه، لظهور السؤال في


____________
(1) الوسائل باب: 21 من أبواب الجنازة حديث: 2.

===============

( 194 )

[ وتلاوة القرآن (1)، ] المفروغية عن رجحان الوضوء لصلاة الجنازة. والثاني - مع عدم مناسبته للاستدلال بالخبر على استحباب الطهارة لصلاة الجنازة - لا يناسب السؤال عن إجزاء الصلاة بلا طهارة. والثالث تكلف ظاهر، إذ لو اريد ذلك كان الامر بالتيمم أخص وأفود. فالاولى الاستدلال بما تضمن الامر بالتيمم عند تعذر الوضوء، كصحيح الحلبي: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل تدركه الجنازة وهو على غير وضوء، فإن ذهب يتوضأ فاتته الصلاة. قال: يتيمم ويصلي " (1) وغيره. لظهور أن الامر بالتيمم لكونه موجبا للطهارة في عرض الوضوء أو في طوله - على النزاع في ذلك الموكول إلى محله - فيدل على استحباب الوضوء ولو تخييرا. نعم، في الرضوي: " وإن كنت جنبا وتقدمت للصلاة عليها فتيمم أو توضأ وصل عليها. وقد أكره أن يتوضأ إنسان عمدا للجنازة، لانه ليس بالصلاة، إنما هو التكبير، والصلاة هي التي فيها الركوع والسجود " (2). لكن لابد من حمله بقرينة النص والفتوى على قصد الوجوب، مع إرادة الحرمة التشريعية من الكراهة، كما هو المناسب لصدره وللتعليل الذي تضمنه. (1) ففي خبر محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام: " سألته: أقرأ المصحف ثم يأخذني البول، فأقوم فأبول وأستنجي وأغسل يدي وأعود إلى المصحف، فأقرأ فيه؟ قال: لا حتى تتوضأ للصلاة " (3). ولعل المراد به كوضوء الصلاة في مقابل غسل البدين الذي تضمنه السؤال.


____________
(1) الوسائل باب: 21 من أبواب صلاة الجنازة حديث: 6. (2) مستدرك الوسائل باب: 8 من أبواب صلاة الجنازة حديث: 1. (3) الوسائل باب: 13 من أبواب قراءة القرآن من كتاب الصلاة حديث: 1.

===============

( 195 )

[ وللكون على الطهارة (1)، ] وفي حديث الاربعمائة الذي لا يخلو سنده عن اعتبار: " لا يقرأ العبد القرآن إذا كان على غير طهور حتى يتطهر " (1). ومرسل ابن فهد: " لقارئ القرآن بكل حرف يقرؤه... متطهرا في غير صلاة خمس وعشرون حسنة، وغير متطهر عشر حسنات... ". والظاهر عدم ورود النهي في الاولين لبيان الكراهة المولوية، بل للارشاد إلى أفضل الافراد - كما هو الحال في النهي عن العبادة - مع استحباب القراءة مطلقا كما هو صريح الثالث، فيكون الوضوء مستحبا، لانه شرط في كمالها لا رافعا لكراهتها مع عدم استحبابه. ويناسبه الحث على القراءة في كل حال (2)، وفي حال الحدث الاصغر في مرسل حريز المتقدم (3) وللحائض في وقت الصلاة (4). بل هو المنسبق من النصوص الكثيرة المرخصة للجنب والحائض والنفساء في قراءة القرآن (5) المتضمن بعضها قراءتهم ما شاؤوا منه مع عطف الذكر عليه، لوضوح أنهم يقرؤونه لاستحبابه كما يذكرون الله تعالى، خصوصا مع كثرة المقروء منه، فهو ظاهر في إقرارهم على قصد الاستحباب. (1) الوضوء مأخوذ من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة، كما صرح به غير واحد من اللغويين قال الشاعر: * (مراجيح وأوجههم وضاء) * وقد أطلق شرعا على الافعال المخصوصة، وهي غسل الوجه واليدين


____________
(1) الوسائل باب: 13 من أبواب قراءة القرآن حديث: 2. (2) راجع الوسائل باب: 11 من أبواب قراءة القرآن. (3) الوسائل باب: 12 من أبواب الوضوء حديث: 2. (4) الوسائل باب: 40 من أبواب الحيض حديث: 5. (5) الوسائل باب: 19 من أبواب الجنابة وباب: 28 من أبواب الحيض.

===============

( 196 )

ومسح الرأس والرجلين، كما تضمنته النصوص الكثيرة الشارحة له بذلك، وعليه جرى استعمال المتشرعة. وكأنه بلحاظ كونها سببا توليديا للطهارة النفسية والنظافة الشرعية، كما قد يطلق على مثل غسل اليدين من الطعام، بلحاظ ترتب النظافة الخارجية عليه، فهو من عناوين الفعل المنتزعة من الاثر المترتب عليه. وبلحاظ الاثر المذكور صح التوسع وفرض الاستمرار فيه بفرض كون المكلف على وضوء، وفرض نقض الحدث له في النصوص واستعمالات المتشرعة، وإلا فالافعال المذكورة لا تقبل الاستمرار ولا النقض، فالاستمرار في الحقيقة ليس للوضوء، بل لاثره. وأما ما ذكره بعض مشمايخنا من تفسير الوضوء بنفس الغسلتين والمسحتين، وأنه بالمعنى المذكور شرط في الصلاة وغيرها ومورد للاحكام، ويكون أحد الطهارات الثلاث، لدعوى كشف النصوص المذكورة عن أن الغسلتين والمسحتين - لا بالمعنى المصدري الايجادي - أمران مستمران. فهو جمود على عبارة النصوص لا يمكن البناء عليه، حيث لابد من تنزيلها على ما ذكرنا. بل هو أولى من تنزيل الغسلتين والمسحتين على غير المعنى المصدري الايجادي، الذي هو فعل المكلف بالمباشرة، وبه يكون تقربه، وهو المراد من نصوص تحديده بها قطعا، لعدم تعقل المعنى المذكور. إلا أن يرجع إلى الاثر الحاصل من الغسلتين والمسحتين، كما ذكرنا، ولكنه يقطع بعدم إرادته من نصوص تحديده بها. هذا، ومن الظاهر أن مرجع شرطية الوضوء في الصلاة وغيرها من الواجبات والمستحبات إلى شرطية الاثر المذكور، وهو الطهارة، لانها المناسبة للشرطية ارتكازا، ولان ذلك مقتضى الجمع بين أدلة شرطيته وأدلة شرطية الطهارة ومانعية الحدث، ولانه القابل للاستمرار حين الاتيان بالمشروط، وللانتقاض بالحدث، إلى غير ذلك مما يوجب وضوحه.

===============

( 197 )

ولولاه صعب إثبات عموم مانعية الحدث الحاصل بعد أفعال الوضوء من إيقاع المشروط به. وأما أفعال الوضوء فليست إلا محصلة للشرط ومقدمة له، ولذا كان المرجع الاشتغال عند الشك في اعتبار شئ في الوضوء، كما تكرر التنبيه له في هذا الشرح. إذا عرفت هذا، فقد صرح غير واحد من الاصحاب باستحباب الوضوء للكون على الطهارة، بل في كشف اللثام: " كأنه لا خلاف فيه "، وقال سيدنا المصنف قدس سره: " وعن الطباطبائي دعوى الاجماع عليه ". ويقتضيه - مضافا إلى المرتكزات المتشرعية - عموم قوله تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهوين) (1)، وقوله سبحانه: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين، (2). وما تضمنته جملة من النصوص (3) من نزول الآية الاولى في الاستنجاء بالماء، ومرسل مجمع البيان عن الصادقين عليه السلام من نزول الثانية فيه أيضا، لا يمنع من الاستدلال بعمومهما الشامل للمقام، فإن المورد لا يخصص الوارد، ولا سيما مثل هذا العموم الارتكازي. ومثلهما النصوص الكثيرة المتضمنة الحث على استمرار الطهارة، كخبر أنس: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أنس أكثر من الطهور يزيد الله في عمرك، وإن استطعت أن تكون بالليل والنهار على طهارة فافعل، فإنك تكون إذا مت على طهارة شهيدا " (4) وغيره مما ذكره في مستدرك الوسائل (5). مضافا إلى ما تضمن الامر بالوضوء على ما يأتي الكلام فيه.


____________
(1) سورة البقرة: 222. (2) سورة التوبة: 108. (3) راجع الوسائل باب: 34 من أبواب أحكام الخلوج. (4) الوسائل باب: 11 من أبواب الوضوء حديث: 3. (5) في باب: 11 من أبواب احكام الوضوء. وقد ذكر جملة من النصوص المتضنة لذلك.

===============

( 198 )

وقد يستدل أيضا بما تضمن استحباب التجديد بالاولوية العرفية، بناء على عمومه لغير حال الصلاة، على ما يأتي الكلام فيه، من دون فرق بين ما تضمن الوضوء والطهور، لان نسبته التجديد للوضوء إنما تصح بلحاظ بقاء أثر الوضوء الاول وتأكده بالوضوء التجديدي، وكذا عنوان الوضوء على الوضوء. هذا، وقد استدل في المستند بصحيحة ابن عمارة " الوضوء أفضل على كل حال ". قال: " فإن الظاهر منها الكون على الوضوء، لا الاتيان به، لمكان قوله: " على كل حال " ". لكن لم أعثر على الصحيحة المذكورة في الوسائل ولا في غيرها بعد التتبع فيما خطر بالبال من المواضع المناسبة، وإنما الموجود صحيح معاوية بن عمار المتقدم في مسألة استحباب الوضوء لجميع أفعال الحج، ولم يتضمن قوله: " على كل حال ". ولو فرض تضمنه له أشكل عمومه لغير أفعال الحج من الاحوال، بملاحظة صدره المتضمن جواز ترك الوضوء في المناسك كلها إلا الطواف. فهو ظاهر في بيان دخل الطهارة في كمال أفعال الحج، لا استحبابها في نفسها. كما أنه لو فرض إرادته حديثا آخر خاليا عن الصدر المذكور أمكن حمله على استحباب إيقاع الوضوء على كل حال ولو للتجديد، فيلحقه ما يأتي في النصوص المتضمنة للحث على الوضوء، ولا ملزم بحمله على ما ذكر. من إرادة كون المكلف على وضوء الذي هو كناية عن الطهارة. فالعمدة ما سبق، الذي لا إشكال معه في استحباب الكون على الطهارة. وإنما الاشكال في استحباب الوضوء بنفسه، كما مال إليه في العروة الوثقى، وجرى عليه بعض مشايخنا بل أرجع إليه استحباب الكون على الطهارة، بناء على ما سبق منه، وقد عرفت حاله. نعم، قد يستدل له بما تضمن الحث على الوضوء، كموثق السكوني عن أبي

===============

( 199 )

عبد الله عليه السلام: " قال: الوضوء شطر الايمان " (1). وما أسند عن الكاظم عليه السلام عن السجاد عليه السلام " أخبرني أبي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا إذا بالوا توضؤوا أو تيمموا مخافة أن تدركهم الساعة " (2). ومرسل الديلمي في الارشاد: " قال النبي صلى الله عليه وآله: يقول الله تعالى: من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ ولم يصل ركعتين فقد جفاني... وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني... " (3). ومرسل عبد الله بن سلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من توضأ لكل حدث ولم يكن دخالا على النساء في البيوتات ولم يكن يكتسب مالا بغير حق رزق من الدنيا بغير حساب " (4) و نحوها. لكن المراد باستحبابه نفسيا إن كان هو عدم استحباب أثره وهو الطهارة، بل هو نظير الملاك الملحوظ غرضا للامر مع التكليف بذي الملاك لا غير. فلا مجال له، بعدما عرفت من أدلة استحباب الكون على الطهارة. وكذا لو كان المراد به استحبابه بالملاك المذكور مع استحباب الكون على الطهارة أيضا، لان وحدة الغرض تستلزم وحدة التكليف، لعدم الاثر للتكليف الآخر في حفظ الغرض بعد فرض وحدة المكلف والمكلف. فلابد من حمل دليل استحبابه لذلك على استحبابه عرضا لاجل استحباب الطهارة جمعا بينه وبين دليل استحبابها، لبعض ما تقدم في وجه تعين الطهارة للشرطية. وإن كان المراد به استحبابه لملاك آخر غير الكون على الطهارة، فالادلة المتقدمة لا تنهض به، لان إطلاق الامر إنما يقتضي التكليف النفسي إذا استلزم التكليف الغيري تقييد الخطاب، لاختصاص مطلوبية ذي المقدمة ببعض


____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب الوضوء حديث: 5. (2) مستدرك الوسائل باب: 11 من أبواب أحكام الوضوء حديث: 2. (3) الوسائل باب: 11 من أبواب الوضوء حديث: 2. (4) مستدرك الوسائل باب: 11 من أبواب أحكام الوضوء حديث: 8

===============

( 200 )

الاحوال، لا في مثل المقام مما كان فيه ذو المقدمة - كالطهارة - مطلوبا مطلقا، حيث تكون المقدمة مطلوبة كذلك فلا يكون الوجوب الغيري منافيا للاطلاق. غاية ما قد يدعى حينئذ أن أخذ الشئ بعنوانه موضوعا للحث مناسب لتعلق الغرض به بنفسه، لا بلحاظ إيصاله لامر آخر. إلا أن ذلك لو بلغ مرتبة الظهور الحجة لا مجال له في المقام، لان عنوان الوضوء وإن كان حاكيا عن نفس الافعال، إلا أنه منتزع من ترتب الطهارة عليها، كما سبق، وظاهر أخذ العناوين الانتزاعية في موضوع الحكم تعلق الغرض بمنشأ انتزاعها، ولا سيما مع اقتضاء المناسبات الارتكازية العرفية والشرعية محبوبية الطهارة بنفسها. بل الحديث الاول ونحوه منصرف للوضوء للطهارة بلحاظ دخله في الصلاة التي هي عمود الدين، حيث يناسب ذلك الاهمية التي تضمنها، دون ما يقع منه لمحض الكون على الطهارة، فضلا عن الوضوء لنفسه. وإن كان مستحبا. والثاني حيث لم يتضمن الحث على الوضوء إلا ببيان فعل الصحابة فهو مجمل من حيثية الغرض منه، كإجمال الفعل المحكي به. بل التعليل فيه بخوف إدراك الساعة ظاهر في أن الغرض منه الطهارة، لانها القابلة للاستمرار إلى حين الموت المخوف، والتي يظهر من بعض النصوص الامرة بالكون على الطهارة والناهية عن النوم على الجنابة (1) رجحان تحققها حينه. كما أن الثالث حين تضمن تعقيب الوضوء بالصلاة فهو يناسب إرادة الوضوء لاجل الطهارة التي تقدم أنها الشرط فيها وفى غيرها. وكذا الحال في الرابع، لان المنصرف من قوله صلى الله عليه وآله: " من توضأ لكل حدث " ليس مجرد الوضوء عقيب الحدث، بل من حيثية إزالته له، التي هي عبارة من الطهارة. ومن هنا كان ظاهر بعضهم اشتراك هذه النصوص ونصوص الكون على الطهارة في المفاد، حيث سيقت في مساقها. ولعل ما ذكرنا هو المنشأ لاهمال الاصحاب استحباب الوضوء لنفسه مع


____________
(1) الوسائل باب: 25 من ابواب الجنابة، حديث 40، وقد سبق ذكره في أول هذا الفصل.

===============

( 201 )

[ ولغير ذلك (1). ] قطع النظر عن الكون على الطهارة. بل صرح بعضهم بعدم مشروعيته، وظاهر شيخنا الاعظم قدس سره المفروغية عن ذلك، قال: " وهنا قسم خامس (سادس. خ ل) وهو ما لو نوى المحدث بالاصغر وضوءا مطلقا. ذكره الفاضلان والشهيد في الذكرى مقابلا للوضوء للغايات - حتى الكون على الطهارة - وحكموا فيه بالبطلان، ولم يعلم مرادهم منه. ولو اريد به الوضوء المأتي به لا لغاية ولا للكون على الطهارة خرج عن المقسم - وهو الوضوء المندوب - لكونه على هذا الوجه تشريعا محرما ". ثم إنه بناء على اعتبار قصد الامر في صحة الوضوء، يتعين بطلاله مع قصد الامر النفسي - كما سبق عن الفاضلين والشهيد، لعدم ثبوته، بل لابد من قصد أمر الكون على الطهارة أو نحوه ولو إجمالا بقصد الامر الفعلي. أما بناء على ما سبق منا (1) من الاكتفاء بالتقرب ولو بقصد أمر غير متحقق، فيتجه صحة الوضوء بقصد الامر النفسي. إلا أن يدعى رجوع الاجماع على عبادية الوضوء إلى الاجماع على اعتبار التقرب بتحصيل الطهارة. أو يرجع قصد الامر المذكور إلى قصد التقرب بالافعال الخاصة بعناوينها الاولية، لا بعنوان كونها وضوءا. لكن الاول غير ثابت. والثاني خروج عن الفرض. فلاحظ. والله سبحانه العالم. (1) فقد ذكروا استحبابه لامور غير ما سبق.. منها: دخول المساجد، حيث صرح به جماعة من الاصحاب، بل في مفتاح


____________
(1) في الفصل الثالث في شروط الوضوء في المسألة الواحدة والسبعين وتقدمت الا شارة إليه في المسألة السابعة والتسعين في هذا الفصل.

===============

( 202 )

الكرامة أن عليه الاجماع المنقول في مواضع. ويقتضيه صحيح مرازم عن الصادق عليه السلام " أنه قال: عليكم بإتيان المساجد، فإنها بيوت الله في الارض، من أتاها متطهرا طهره الله من ذنوبه، وكتب من زواره " (1) وغيره مما يقاربه في اللسان. بل قد يظهر كراهة الجلوس في المسجد بغير طهارة من مرسل العلاء بن فضيل عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: إذا دخلت المسجد وأنت تريد أن تجلس فلا تدخله إلا طاهرا " (2)، ومثله خبر جابر عنه عليه السلام (3). ولا يبعد كون الجلوس كناية عن مطلق البقاء المعتد به دون العبور أو وضع شئ فيه أو أخذه منه أو نحوها، وإن استلزم الجلوس قليلا. كما أن الظاهر قصور نصوص استحباب الطهارة عن مثل الدخول المذكور، بقرينة تضمنها عنوان الزيارة المنصرفة عن مثل ذلك. نعم، في مرسل جامع الاخبار: " قال النبي صلى الله عليه وآله: لا تدخل المساجد إلا بالطهارة " (4). ومقتضاه كراهة مطلق الدخول بلا طهارة. هذا، وعمم في الوسيلة الحكم لكل موضع شريف. وفي محكي كشف الغطاء: " ويقوى القول برجحانه للدخول في كل مكان شريف على اختلاف المراتب بقصد تعظيم الشعائر، من قباب الشهداء ومحال العلماء والصلحاء من الاموات والاحياء ". لكنه غير ظاهر، لعدم ظهور النصوص في كون استحباب التطهر لدخول المساجد لاجل شرفها، بل لعله لاجل انتسابها له تعالى، حيث يكون إتيانها زيارة له سبحانه، فيندب التطهر لمناسبته لزيارته، ولا طريق لتعميم ذلك لغيرها من


____________
(1) الوسائل باب: 10 من أبواب الوضوء حديث: 2. (1) الوسائل باب: 10 من أبواب الوضوء حديث: 1. (3) مستدرك الوسائل باب: 10 من أبواب أحكام الوضوء حديث: 1. (4) مستدرك الوسائل باب: 10 من أبواب أحكام الوضوء حديث: 4.

===============

( 203 )

الاماكن الشريفة غير المنتسبة له تعالى. نعم، لزيارة المعصومين عليهم السلام ونحوهم آداب خاصة مروية مذكورة في كتب المزار قد يستفاد من بعضها استحباب الطهارة لا مجال لاطالة الكلام فيها، بل قد يستفاد استحباب الوضوء من الامر في بعض النصوص بالغسل بالاولوية. كما أنه ذكر غير واحد وحكي عن جماعة استحباب الطهارة لزيارة قبور المؤمنين. وستفاد مما في المدارك وعن الذكرى ومحكي الدلائل أنه مروي. لكن في الحدائق بعد أن نسب عد زيارة المقابر للمشهور، قال: " ولم أقف بعد الفحص على مستنده ". ومنها: الدعاء، كما نسب للمشهور، وظاهر العروة الوثقى استفادته مما تضمن الوضوء لطلب الحاجة، بحمل طلب الحاجة عليه. وهو مخالف للظاهر جدا. بل طلب الحاجة ظاهر في السعي الخارجي لتحصيلها. مع أنه لا ينهض باستحباب الوضوء، لما تقدم. نعم، ربما يستفاد من بعض نصوص الدعاء، وهو محتاج لنحو من التتبع لا يسعه المقام. ومنها: تغسيل الجنب للميت، وجماع المغسل للميت قبل أن يغتسل، ففي صحيح شهاب بن عبد ربه " سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن الجنب أيغسل الميت؟ ومن غسل الميت أيأتي أهله ثم يغتسل؟ فقال: هما سواء لا بأس بذلك إذا كان جنبا غسل يديه وتوضأ وغسل الميت وهو جنب، وإن غسل ميتا توضأ ثم أتى أهله، ويجزيه غسل واحد لهما، (1). ومنها: ورود المسافر على أهله، فيستحب قبله، كما ذكره في الحدائق، قال: " لما رواه الصدوق في المقنع، قال: وروي عن الصادق عليه السلام قال: من قدم من سفر فدخل على أهله وهو على غير وضوء ورآى ما يكره فلا يلو من إلا نفسه "، ونقل


____________
(1) الوسائل باب: 34 من أبواب غسل الميت حديث: 10.

===============

( 204 )

الرواية في المستند دون أن ينسبها للصدوق. لكن ذكر محققا الحدائق والمستمسك في طبعتهما الحديثة أنهما لم يعثرا على الرواية في مظانها من المقنع. وكذلك لم أعثر أنا عليها فيه ولا في الوسائل ومستدركها. مضافا إلى أنها لا تنهض باثبات استحباب الوضوء لخصوصية القدوم من السفر، لنظير ما تقدم في الوضوء للسعي في الحاجة. ومنها: النوم، لغير واحد من النصوص، كخبر محمد بن كردوس عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: من تطهر ثم آوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده " (1). وما في حديث الاربعمائة الذي لا يخلو سنده عن اعتبار: " لا ينام المسلم وهو جنب، ولا ينام إلا على طهور، فإن لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد، فإن روح المؤمن تروح إلى الله عزوجل.. " (2)، وغيرهما. ومنها: سجدة الشكر ففي صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " من سجد سجدة الشكر لنعمة وهو متوضئ كتب الله له بها عشر صلوات ومحا عنه عشر خطايا عظام " (3). ومنها: سجود التلاوة، كما في العروة الوثقى، ولم أقف له على مستند. ولا مجال لما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من أنه ربما يستناد من نحو قوله الا في رواية أبي بصير: " فاسجد وإن كنت على غير وضوء " (4)، لظهور ذلك في دفع توهم اعتبار الطهارة قياسا على سجود الصلاة، لا في كون السجود مع الحدث أقل فضلا، لان مدخول " إن " الوصلية الفرد الخفي، لا الضعيف. ولعله لذا أمر قدس سره بالتأمل.


____________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 9 من أبواب الوضوء حديث: 4. (3) الوسائل باب: 1 من أبواب سجدتي الشكر حديث: 1. (4) الوسائل باب: 42 من أبواب قراءة القرآن حديث: 2.

===============

( 205 )

هذا، والعمل على الاستحباب - لو تم - إنما يكون بقراءة آية السجدة عن طهارة، وعدم الحدث بعدها قبل السجود، لا بالوضوء بعد قراءتها قبل السجود، لاخلاله بالفورية المعتبرة عندهم. ومنها: جلوس القاضي في مجلس القضاء، كما عن النزهة، وصرح في كشف اللثام والحدائق بعدم العثور على نص فيه بخصوصه. ومنها: تكفين الميت لمن غسله، كما ذكره غير واحد من القدماء والمتأخرين مخيرين بينه وبين الغسل. ولم يتضح مستنده - كما اعترف به غير واحد - سواء اريد به تقديم ما يجب بالمس - اللازم من التغسيل غالبا - من وضوء وغسل على التكفين، أم مشروعية وضوء وغسل آخر له. وإنما علل في بعض كلماتهم بوجوه استحسانية تقصر عن إفادة المطلوب، ولا سيما مع التصريح في غير واحد من النصوص بتأخير غسل المس والامر بغسل اليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الركبتين، كما في موثق عمار (1)، أو بغسل اليدين إلى المنكبين، كما في صحيحي يعقوب بن يقطين (2) ومحمد بن مسلم (3). فراجع. ومنها: دفن الميت، كما صرح به بعضهم. بل في المدارك أنه مروي. وكأنه لخبر الحلبي ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام أنه قال: " توضأ إذا أدخلت الميت القبر " (4). لكنه غير ظاهر في استحباب الوضوء قبل الدفن بل بعده، كما يظهر من الوسائل. نعم، في صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام في حديث: " قلت له:


____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب غسل الميت حديث: 10. (2) الوسائل باب: 2 من أبواب غسل الميت حديث: 7. (ح الوسائل باب: 35 من أبواب التكفين حديث: 1. (4) الوسائل باب: 31 من أبواب الدفن حديث: 7.

===============

( 206 )

من أدخل الميت القبر عليه وضوء؟ قال: لا، إلا أن يتوضأ من تراب القبر إن شاء " (1). وكما يمكن الجمع بينهما بحمل الاول على الاستحباب، يمكن بحمل الوضوء فيه على الغسل للتنظيف من التراب. لكن لا يبعد أولوية الاول، لظهور الثاني في أن الغسل للتنظيف راجع لرغبة المكلف، لا مستحب شرعا، فلا يناسب الامر بالوضوء في الاول. فلاحظ. ومنها: معاودة الجماع. خصوصا مع تتعدد الموطوءة، بل في المبسوط نفى فيه الخلاف حينئذ. ففي خبر الوشاء: " قال فلان بن محرز: بلغنا أن أبا عبد الله عليه السلام كان إذا أراد أن يعاود أهله للجماع توضأ وضوء الصلاة، فأحب أن تسأل أبا الحسن عليه السلام عن ذلك. قال الوشاء: فدخلت عليه فابتدأني من غير أن أسأله، فقال: كان أبو عبد الله إذا جامع وأراد أن يعاود توضأ وضوء الصلاة، وإذا أراد أيضا توضأ للصلاة " (2). وفي مرسل عثمان بن عيسى (3) عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: إذا أتى الرجل جاريته ثم أراد أن يأتي الاخرى توضأ " (4). وربما يجمع بينهما بحمل المرسل على التأكد في فرض تعدد الموطوءة. هذا، وفي المنتهى وعن غير واحد استحباب الوضوء للمحتلم إذا أراد الجماع، وفي المدارك وعن الذكرى أنه مروي ولعله راجع لما في النهاية وعن الوسيلة والشرائع والنافع والقواعد وعن المهذب وغيره من كراهة الجماع له قبل الغسل والوضوء.


____________
(1) الوسائل باب: 53 من أبواب الدفن حديث: 2. (2) الوسائل باب: 13 من أبواب الوضوء حديث: 2. (3) كذا في الوسائل عن التهذيب لكن الموجود في التهذيب والحدائق والجواهر ومحكي الوافي أنه مرسل ابن أبي نجران. (4) الوسائل باب: 155 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه حديث: 1.

===============

( 207 )

لكن لهم أعثر في المحتلم على الرواية المتضمنة لذكر الوضوء، كما صرح به غير واحد. واستفادته من خبر الوشاء المتقدم بإلغاء خصوصية مورده وحمله على مطلق الجنب - كما قد يظهر من العروة الوثقى -. في غير محلها، بعد ظهور النص في تعين الغسل لخصوصية في الاحتلام يخشى منها على الولد تقتضي كراهة الجماع حال الجنابة، لا استحباب الطهارة له، كما هو مفاد خبر الوشاء، ففي خبر حماد بن عمر: " يكره أن يغشى الرجل المرأة وقد احتلم حتى يغتسل من احتلامه الذي رآى، فإن فعل فخرج الولد مجنونا فلا يلو من إلا نفسه " (1)، ونحوه غيره. اللهم إلا أن يقال: المستفاد من نصوص المقام أن في المقام جهتين.. الاولى: تقتضي كراهة الجماع حال الجنابة، وهي التي يخشى منها على الولد. الثانية: تقتضي استحباب الوضوء للجنب إذا أراد الجماع. لكن الوضوء لا يزيل الجهة الاولى، خلافا لما يظهر من الاصحاب. أما الاولى، فالنص المتقدم إنما يكشف عنها في خصوص الاحتلام، بل في كشف اللثام: أنه فرق في الخبر بأن الاحتلام من الشيطان، بخلاف الجماع. لكن لم أعثر على الخبر المذكور، وفي الرسالة الذهبية المنسوبة للرضا عليه السلام: " والجماع بعد الجماع من غير فصل بينهما بغسل يورث للولد الجنون " (2). نعم، هو لا يناسب ما تضمنه خبر الوشاء المتقدم وغيره (3) من عود المعصوم عليه السلام للجماع من غير غسل. إلا أن يحمل على صورة توقع الولد. وأما الثانية، فدليلها وإن كان مختصا بالجماع بعد الجماع، إلا أن إلغاء خصوصية مورده والتعدي لغيره من أفراد الجنب - ممن ينزل بالاحتلام أو الملاعبة


____________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه حديث: 1. (2) مستدرك الوسائل باب: 117 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه حديث: 19. (3) الوسائل باب: 25 من أبواب الجنابة حديث: 2.

===============

( 208 )

أو غيرهما - غير بعيد. بل لعل المستفاد من النصوص والمناسب لمرتكزات المتشرعة أولوية غير الجماع منه، لاستحبابه وبركته المناسب لضعف حدثيته من بين أفراد الجنابة، خصوصا الاحتلام، فتأمل. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما عن ابن سعيد واستحسنه في كشف اللثام من تقييد الوضوء للمحتلم بصورة تعذر الغسل، إذ لا دليل على رافعية الوضوء في حقه لكراهة الجماع مع الجنابة حتى مع تعذر الغسل، بل الانسب التنزل مع الضرورة للتيمم بدلا عن الغسل. كما أنه لوتم ما ذكرنا في وجه استحباب الوضوء له، فلا وجه لتقييده بتعذر الغسل. ومنها: الوضوء لجماع الحامل، كما ذكره غير واحد. لما في وصية النبي صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام: " يا علي إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلا وأنت على وضوء، فإنه إن قضي بينكما ولد يكون أعمى القلب بخيل اليد " (1). ومنها: الوضوء في ليلة الزفاف للزوجين، كما ذكره غير واحد. واستدل له بصحيح أبي بصير: " سمصت رجلا وهو يقول لابي جعفر عليه السلام: إني رجل قد أسننت وقد تزوجت امرأة بكرا صغيرة ولم أدخل بها، وأنا أخاف إذا دخلت علي أن تكرهني لخضابي وكبري، فقال أبو جعفر عليه السلام: إذا دخلت فمرهم قبل أن تصل إليك أن تكون متوضئة ثم أنت لا تصل إليها حتى توضأ، وصل ركعتين، ثم مجد الله وصل على محمد وآله، ثم ادع الله ومر من معها أن يؤمنوا على دعائك، وقل... " (2). لكنه - مع اختصاصه بصورة الصلاة والدعاء - غير ظاهر في الاستحباب، بل في محض بيان الفائدة. ولا مجال لما تقدم في الوضوء للسعي في الحاجة من أن


____________
(1) الوسائل باب: 13 من أبواب الوضوء، حديث: 1. (2) الوسائل باب: 55 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه حديث: 1.

===============

( 209 )

بيان الفائدة قد يظهر في الامر المولوي، لان ذلك مختص بما إذا كان بيان فائدة الشئ في مقام الحث عليه، لا ما إذا تمحض الكلام في بيان الفائدة، كما في المقام، حيث سيق السؤال لاجل الفائدة المذكورة. ومنها: التهيؤ للصلاة قبل وقتها، كما في الوسيلة والمنتهى وعن نهاية الاحكام والجامع والنزهة والدروس والبيان والنفلية والذكرى وغيرها. وقد يستدل عليه بامور.. الاول: ما دل على استحباب الصلاة في أول وقتها من النصوص الكثيرة وعمومات المسارعة للخير (1)، وهو لا يمكن إلا بتقديم الطهارة، كما أشار إليه في المنتهى وغيره. لكن المراد بذلك إن كان هو استحباب الوضوء قبل الوقت غيريا، لتوتف التعجيل المستحب عليه - كما يظهر من سيدنا المصنف قدس سره فيندفع - بعد تسليم ثبوت الامر الغيري بالمقدمة - بأن فعلية الخطاب بتعجيل الصلاة فرع مشروعية أصل الصلاة، فحيث لا تشرع الصلاة قبل الوقت لا يكون الخطاب فعليا، لتجب مقدمته. ولا مجال للتفكيك بين الامر النفسي والغيري في الاطلاق والاشتراط، كما حقق في محله، فلا يكون الامر بتعجيل الصلاة مشروطا بالوقت، والامر بالوضوء فعليا قبله. وأما ما ذكره سيدنا المصنف قدس سره في المقام - ويجري في سائر المقدمات المفوتة - من إمكان التفكيك بينهما في نحو الاناطة بالشرط، بأن يكون الوقت مثلا ماخوذا في الامر النفمسي بتعجيل الصلاة بنحو الشرط المقارن، وفي الامر الغيري بالوضوء بنحو الشرط المتأخر.


____________
(1) كقوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض...) (آل عمران: 133)، وللنصوص المتضمنة الحث على تعجيل فعل الخير وكراهة تأخيره، التي ذكر بعضها في الباب السابع والعشرين من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

===============

( 210 )

فهو - لو تم في نفسه - مستلزم لوجوب الوضوء غيريا قبل الوقت، تبعا لوجوب الصلاة نفسيا بعده، فيكون الوضوء قبل الوقت للتعجيل بالصلاة في أوله، كالوضوء في أول الوقت للتعجيل بها في تاليه واجبا غيريا، لانه مقدمة لافضل أفراد الواجب المقدورة، لا مستحبا كما هو المدعى. ودعوى: أن التفكيك المذكور مخالف للاصل، وإنما التزم به في استحباب التعجيل لتوقف المطلوب النفسي على تقديم المقدمة على الوقت، كما يلتزم به في سائر المقدمات المفوتة. مدفوعة: بأن نحو تبعية الامر الغيري للنفسي غير مستفاد من عموم لفظي، ليقتصر في الخروج عنه على المتيقن، بل هو تابع للمرتكزات العقلائية، فإن لم تمنع المرتكزات من التفكيك في المقدمات المفوتة لم تمنع منه في غيرها. وخصوصية المقدمات المفوتة في توقف المطلوب النفسي على تقديمها إنما تقتضي تضيق وقت المقدمة المفوتة وقصره على ما قبل وقت ذيها مع السعة لما قبل الوقت وبعده في غيرها، لا التخصيص فيه بما بعد الوقت. هذا، مضافا إلى أنه لا مجال لايقاع الوضوء بقصد الامر الغيري المذكور إلا إذا قصد التعجيل بالصلاة في أول الوقت الحقيقي، أما إذا اريد إيقاعها بعد ذلك بمقدار يسع الوضوء أو أكثر فالامر بالتعجيل بالاضافة إليه لا يقتضي الوضوء قبل الوقت، كما لا يقتضيه الامر بأصل الصلاة، مع أن ظاهر القائلين بالامر التهيئي الاطلاق. وإن كان هو استحباب الوضوء نفسيا قبل الوقت لاجل القدرة على التعجيل المستحب، بل تكون القدرة عليه ملحوظة للشارع غرضا وملاكا للاستحباب النفسي المذكور - كما لعله ظاهرهم في المقام، لجعلهم التهيؤ في قبال الغايات الاخر، لا من صغريات غائية الصلاة -. ففيه: أنه لا وجه لاستكشاف الاستحباب المولوي المذكور، غاية الامر حسن التهيؤ عقلا، لتوقف امتثال استحباب التعجيل عليه، وليست إرادة الشارع له

===============

( 211 )

إلا كإرادته للامتثال لا تصلح لانتزاع التكليف. ودعوى: تعذر الطهارة قبل الوقت بدون الامر المولوي المذكور، لانها من العبادات المتوقفة صحتها على التقرب بقصد الامر، وليست كسائر المقدمات التوصلية. مدفوعة أولا: بما سبق منا في المسألة الواحدة والسبعين من عدم توقف الطهارة على قصد أمر فعلي بها، بل لا يعتبر فيها إلا التقرب، وهو حاصل في المقام بقصد التهيؤ لامتثال الامر بتعجيل الصلاة، لانه نحو من الانقياد، بل يكفي قصد التهيؤ لامتثال الامر بأصل الصلاة ولو بدون التعجيل، وإن لم يتوقف امتثاله على تقديم الطهارة على الوقت، إذ لا يعتبر في التقرب والانقياد بأحد أفراد المقدمة توقف الامتثال عليه، بل يكفي - دخله فيه ولو مع عدم الانحصار به. وثانيا: بأنه لو غض النظر عن ذلك، فتطبيق العموم في مورد إذا توقف على إعمال عناية زائدة على مفاده لم ينهض العموم بإثباتها، فمفاد العمومات المذكورة إنما هو تعجيل الخير في ظرف مشروعيته والقدرة عليه، لا بنحو يقتضي مشروعيته والاقدار عليه بتشريع ما يقتضي ذلك. نعم، إذا كان عدم إعمال العناية مستلزما للغوية العام عرفا، لعدم المورد له، أو لندرة موارده، كشف عن إعمال العناية المذكورة. وقد لا يكون لذلك مجال في المقام، لامكان تطبيق عموم التعجيل على أول الوقت في حق من حصلت له الطهارة قبله بأحد الوجوه المشروعة السابقة، وعلى أول أزمنة الامكان في حق من لم تحصل له. إن قلت: هذا إنما يتم بالاضافة لعمومات المسارعة، لامكان حملها على ما لا يتوقف على هذا النحو من المقدمات، دون نصوص الامر بتعجيل الصلاة والحث على الاتيان بها في أول الوقت، لوضوح أن الغرض منها إحداث الداعي لتحقيق مفادها. وحملها على خصوص من صادف منه الطهارة قبل الوقت، من دون أن

===============

( 212 )

تدعو لتقديم الطهارة، بعيد جدا عن مساقها، بل هو نظير الحمل على الفرد النادر. ومثله حملها على إحداث الداعي لتقديم الطهارة بداع آخر مطلوب في نفسه، كالكون على الطهارة، لان استقلال الداعي الآخر في الداعوية - كما هو المعتبر في العبادية - في ظرف التوجه لداعي امتثال أمر التعجيل محتاج إلى عناية مغفول عنها، فعدم التنبيه عليها ظاهر في صلوح الخطاب بالتعجيل للداعوية للطهارة قبل الوقت بنفسه، بلحاظ توقفه عليها. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في كشف اللثام من أن الوضوء المتقدم للمحافظة على الصلاة في أول الوقت هو الوضوء للكون على الطهارة، ولا معنى للتأهب للفرض إلا ذلك. وجه الاشكال: أن مجرد قصد الكون على الطهارة في طول قصد الصلاة لا يكفي في المقربية المعتبرة في العبادية، بل لابد من استقلال أمره في الداعوية، وهو غير حاصل في محل الكلام غالبا، ولا مراد لملقائلين باستحباب الوضوء التهيئي. قلت: هذا - مع توقفه على قوة ظهور نصوص التعجيل في الحث على الاول الحقيقي، بحيث يكون من أفرادها المتيقنة، كما هو غير بعيد في بعضها، وإلا كفى صلوحه للداعوية بالاضافة للاول في الجملة بنحو لا يخل به الوضوء بعد الوقت - لا يقتضي داعوية الامر النفسي المذكور، ليستلزم تشريعه، بل داعوية نفس الامر بالتعجيل للتهيؤ لامتثاله بتقديم الطهارة، وهو راجع لما سبق منا من الاكتفاء في الطهارة بالتقرب الحاصل بقصد التهيؤ المذكور وعدم توقفها على قصد أمر فعلي بها نفسي أو غيري. الثاني: بعض النصوص الخاصة، ففي المدارك وعن نهاية الاحكام نسبة الحكم للخبر. وفي الذكرى: روي: " ما وقر الصلاة من أخر الطهارة لها حتى يدخل

===============

( 213 )

وقتها "، وفي صحيح ابي بصير الوارد في ذم الاشتغال بالتجارة عن الصلاة في قصة رجل اسمه سعد: " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أقام بلال الصلاة يخرج وسعد مشغول بالدنيا لم يتطهر ولم يتهيأ كما كان يفعل قبل أن يتشاغل بالدنيا... ". لكن الاستدلال بالمراسيل يبتني على قاعده التسامح في أدلة السنن، التي هي غير تامة في نفسها، وإنما يحسن متابعتها برجاء المطلوبية، الذي لا يحرز صحة الوضوء معه بناء على اعتبار قصد الامر فيه، كما تقدم ويأتي إن شاء الله تعالى. وأما الصحيح فهو - مع توقفه على كون المراد بعدم التهيؤ بالطهارة عدم التهيؤ قبل الوقت، لا بعده قبل الاقامة حين مرور النبي صلى الله عليه وآله للصلاة - غير وارد للحث على التهيؤ ليكون ظاهرا في طلبه شرعا لاحداث الداعي له، بل لحكاية حال سعد بنحو يدل على المفروغية عن حسن التهيؤ، ولعله بلحاظ حسنه عقلا، لما سبق من أنه نحو من الانقياد. ثم إن ظاهر مرسل الذكرى المفروغية عن صلوح الصلاة لان تكون غاية للطهارة قبل الوقت، كما ذكرنا، لانه وارد للحث على الطهارة للصلاة، لا على كون المكلف على طهارة حين دخول الوقت. غاية الامر أنه يقتضي الحث عليه شرعا، لا محض حسنه عقلا، كما ذكرنا. الثالث: ما ذكره في الجواهر من أن المعروف من السلف التأهب للفريضة والمحافظة على نوافل الزوال والفجر. لكن من الظاهر أن المحافظة على نوافل الزوال والفجر لا تتوقف على الوضوء قبل الوقت، بل تتيسر للمتوضئ بعده، لعدم احتياج الوضوء لزمان طويل. نعم، لا ينبغي التأمل في قيام سيرة المسلمين على الوضوء قبل الوقت،


____________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب الوضوء حديث: 5. ورواه في الذكرى في التنبيه الثالث من المسألة الخامسة من الفصل الاول من الباب الثالث في المواقيت وفي المطبوع منها: " من أخر الوقت لها.. " وصححناه على نسخة خطبة كما هو الموجود في غير واحد من الكتب الفقهية التي نقلت الحديث.

===============

( 214 )

خصوصا في الصدر الاول حين كان الالتزام بصلاة الجمعة وحضور الجماعة شائعا معروفا، لوضوح عدم تيسر حضور الجمع الغفير لذلك مع وضوئهم بعد الوقت، كما هو المناسب أيضا لما تضمن الحث على الحضور في المسجد قبل الوقت وانتظار الصلاة فيه (1). واحتمال إتيانهم به لغاية اخرى، كالكون على الطهارة، إنما يتجه في حق قليل منهم ممن يهتم بمراعاة السنن والمستحبات، دون عامة الناس، حيث لا هم لهم إلا أداء الفريضة. ودعوى: قصدهم الكون على الطهارة في طول قصد الفريضة، لارتكاز أنها هي الشرط في الفريضة. مدفوعة: بأن قصد الكون على الطهارة لا يكفي في المقربية، إلا مع استقلال الامر به في الداعوية، وهو لا يحصل لعامة الناس، وإنما يتيسر لبعض الخاصة بإعمال روية وعناية، إذ مع الاندفاع لاجل الصلاة والتوجه لذلك يصعب التجرد لغاية اخرى، كما سبق في الوجه الثاني. وبالجملة: السيرة المذكورة من الوضوح بحد يلحقها بالضروريات. إلا أنه لا مجال للاستدلال بها على استحباب الوضوء التهيئي، لان مرتكزات المتشرعة في السيرة المذكورة على الاتيان بالوضوء للصلاة، لا لامر شرعي مولوي آخر بعنوان التأهب للفرض، فالتأهب غاية للمكلف من تقديم الوضوء للصلاة، لا عنوان للوضوء المأتي به، على أنه موضوع لتكليف مستقل في قبال التكليف به في الصلاة. وهو شاهد بما سبق منا من الاكتفاء في التقرب المعتبر في الوضوء بقصد التأهب وإن لم يقصد به امتثال أمر فعلي به. وقد تحصل من جميع ما تقدم: انحصار وجه صحة تقديم الوضوء للصلاة قبل الوقت بذلك " ولا ينبغي التأمل فيه بعدما سبق في المسألة الواحدة والسبعين،


____________
(1) راجع الوسائل باب: 2 من المواقيت من كتاب الصلاة.

===============

( 215 )

وذكرناه هنا. بقي في المقام أمران.. الاول: أن الدليل على الوضوء التهيئي إن كان هو الوجه الاول اختص بما يؤتى به لادراك الصلاة في أول الوقت الحقيقي، كما ذكرناه آنفا، وإن كان هو أحد الوجهين الاخيرين لم يختص به وعم كل وضوء مأتي به قبل الوقت لاجل التهيؤ للصلاة في وقتها، لان ظاهر المرسل هو استحباب كون المكلف حين دخول وقت الصلاة على طهارة لها، كما هو مقتضى السيرة المشار إليها أيضا، بل لعل المتيقن منها عدم الصلاة في أول الوقت الحقيقي، لما هو المعلوم من غلبة تأخر صلاة الجمعة والجماعة العامة قليلا لاجل تكامل الناس. الثاني: أن الادلة المتقدمة لو نهضت بإثبات مشروعية الوضوء التهيئي، فلا يعتبر فيه أن يكون قريبا من الوقت، خلافا لما في العروة الوثقى. ولا مجال لما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من أن ذلك مقتضى عنوان التهيؤ المذكور في كلمات الاصحاب، لعدم مناسبته للاستعمالات العرفية في مثل التهيؤ للضيوف وللموت وللسفر وغيرها. ومنها: التجديد، كما ذكره جماعة، بل في كشف اللثام نفي الخلاف فيه، للنصوص الكثيرة، كمعتبر محمد بن مسلم وأبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الوضوء بعد الطهور عشر حسنات، فتطهروا " (1). وحديث المفضل عنه عليه السلام: قال: " من جدد وضوءه لغير حدث جدد الله توبته من غير استغفار " (2). وموثق سماعة: " كنت عند أبي الحسن عليه السلام فصلى الظهر والعصر بين يدي، وجلست عنده حتى حضرت المغرب، فدعا بوضوء فتوضأ للصلاة. ثم قال لي:


____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضو، حديث: 6 ورواه عن محمد بن مسلم في باب: 8 من أبواب الوضوء حديث: 10. (2) الوسائل باب: 8 من أبواب الوضوء حديث: 7.

===============

( 216 )

توض. فقلت: جعلت فداك أنا على وضوء. فقال: وإن كنت على وضوء، إن من توضأ للمغرب كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر، ومن توضأ للصبح كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكباثر " (1) وخبر أبي قتادة عن الرضا عليه السلام: " تجديد الوضوء لصلاة العشاء يمحو لا والله وبلى والله " (2). ومرسل الفقيه " وكان النبي صلى الله عليه وآله يجدد الوضوء لكل فريضة وكل صلاة " (3) وغيرها. ومقتضى إطلاق الاولين وغيرهما عموم مشروعية التجديد للصلاة وغيرها، كما هو صريح بعضهم ومقتضى إطلاق آخرين، بل الاكثر على ما حكي. وما في مفتاح الكرامة من احتمال كون مراد من أطلق التقييد بالصلاة، غير ظاهر، بل ظاهرهم - كإطلاق النصوص - مشروعيته في كل مورد يشرع فيه الوضوء ولو للكون على الطهارة. نعم، اقتصر في المنتهى والمفاتيح على التجديد للصلاة، وزاد في محكي التذكرة سجود الشكر والتلاوة، وأنكرهما عليه في محكي الذكرى، واحتمل شرعيته للطواف، وفي مفتاح الكرامة أنه لا يبعد عدم استحبابه لنفسه، بل للعبادة. لكن الجميع لا وجه له مع الاطلاق المذكور ومجرد اختصاص بعض النصوص بالتجديد للصلاة لا ينافيه، ليلزم تنزيله عليه، غايته البناء على تأكده للصلاة، ولا سيما الغداة والمغرب والعشاء - كما في الجواهر - لاشعار النصوص المتقدمة بخصوصيتها في الحث عليه. فلاحظ. كما أن مقتضى إطلاق أكثر النصوص المتقدمة وغيرها عدم اعتبار فاصل


____________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 8 من أبواب الوضوء حديث: 6. (3) الوسائل باب: 8 من أبواب الوضوء حديث: 9.

===============

( 217 )

فعلي - كصلاة ونحوها - ولا زماني في مشروعيته، كما ذكره في الجواهر، وبعدم اعتبار الاول صرح في محكي التذكرة والذكرى. نعم، ما تضمن منها عنوان التجديد قد يختص بصورة الفصل الزماني، كما أشار إليه في الجملة في مفتاح الكرامة. لكنه لا ينافي المطلق، ليلزم تنزيله عليه. ومنه يظهر ضعف ما عن بعضهم من اعتبار أحد الامرين. وأضعف منه ما عن آخرين من التفصيل بين من يحتمل صدور حدث منه وغيره، فيشترط أحد الامرين في الثاني، دون الاول، لعدم المأخذ له من النصوص. والوضوء لاحتمال الحدث ليس تجديديا، بل احتياطيا، ولا دليل على استحبابه شرعا، بل هو خلاف ظاهر مثل موثق بكير: " قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إذا استيقنت أنك قد أحدثت فتوضأ، وإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت " (1). ثم إنه صرح غير واحد بمشروعية تكرار الوضوء التجديدي، وهو مقتضى إطلاق الاكثر، تبعا لاطلاق بعض النصوص المتقدمة وغيرها. خلافا لظاهر الصدوق في الفقيه، حيث نزل نصوص تثنية الوضوء على التجديد، ثم قال: " والخبر الذي روى: " أن من زاد على مرتين لم يؤجر " يؤكد ما ذكرته، ومعناه أن تجديده بعد التجديد لا أجر له، كالاذان: " من صلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين أجزأه، ومن أذن للعصر كان أفضل، والاذان الثالث بدعة لا أجر له " ". لكن ظاهر نصوص التثنية والتثليث تعدد الغسل في الوضوء الواحد، فهي أجنبية عن التجديد. نعم، عن الذكرى عدم مشروعية تكرار التجديد للصلاة الواحدة، وكأنه لقصور النصوص المتقدمة الواردة في التجديد للصلاة عن إثبات مشروعية


____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7.

===============

( 218 )

التجديد لها أكثر من مرة لكفايتها في الامتثال. إلا أنه إنما يقتضي عدم تحقق خصوصية التجديد لها بما زاد على ذلك، لا عدم مشروعية الزائد من حيثية التجديد الذي تضمنته النصوص الاخر المطلقة. بقي شئ، وهو أن التجديد في الطهارة.. تارة: يكون بالوضوء بعد الوضوء. واخرى: بالوضوء بعد الغسل المجزئ عنه، كغسل الجنابة. وثالثة: بالغسل بعد الغسل. والمتيقن من النص والفتوى مشروعية الاول. وعن المجلسي في البحار استظهار مشروعية الثاني، إذا فصل بصلاة، لمعتبر محمد بن مسلم وأبي بصير المتقدم. كما يمكن الاستد لال عليه بإطلاق موثق سماعة المتقدم، لانه مسوق لدفع توهم قصور العموم المذكور فيه عن المتوضئ، لا لبيان اختصاصه به، ومن الظاهر شمول العموم في نفسه للمغتسل. بل قد يستفاد مما تضمن الحث على تجديد الوضوء أو الوضوء على الوضوء، لان المستفاد منه ارتكازا قابلية الطهارة المسببة عن الوضوء التجديد والتأكيد، مع إلغاء خصوصية سبب حدوثها، وهو الوضوء. وعن بعضهم احتمال مشروعية الثالث، لاطلاق مرسل سعدان عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: الطهر على الطهر عشر حسنات " (1). وقوى في الجواهر وغيرها عدم المشروعية فيهما معا. قال: " لظاهر الفتوى،، وكأنه راجع إلى وهن النصوص بإعراض الاصحاب، ففى الحدائق أن ظاهرهم الاختصاص بالاول. لكن لا مجال لذلك في الثاني، لما أشرنا إليه في وجه الاستدلال بنصوص تجديد الوضوء من قرب إلغاء خصوصية سبب حدوث الاثر الاول، حيث يجري


____________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب الوضوء حديث: 3.

===============

( 219 )

ذلك في كلامهم، ولا أقل من عدم إحراز بنائهم مع ذلك على عدم مشروعيته، ليتحقق الاعراض الموهن للنصوص، ولا سيما مع قرب غفلتهم عن ظهور النصوص في العموم، لمأنوسية أذهانهم بالنصوص الواردة في الوضوء بعد الوضوء. على أن إعراض الاصحاب في المندوبات والمكروهات لا يصلح غالبا لتوهين النصوص، كما لا يكون عملهم جابرا لضعفها، لبنائهم على التسامح في بيانها، وفي أدلتها. وأما ما تضمن أن الوضوء بعد الغسل بدعة، فلا ينهض بإثبات عدم مشروعية التجديد، لا لما عن المجلسي من تبادره لصورة عدم الفصل بالصلاة، بل لظهوره في عدم الحاجة له من حيثية الحدث الاكبر، ولا ينافي مشروعيته للتجديد. ومنه يظهر عدم الحاجة للفصل بصلاة، بناء على ما سبق. كما ظهر عدم صلوح الاعراض المذكور لتوهين المرسل ورفع اليد عنه لو نهض بإثبات مشروعية الثالث. فالعمدة وهنه.. أولا: بعدم التعرض فيه لما يحقق الطهر إلا بحمله على العهد، والمتيقن إرادة الوضوء من العهد، ولا طريق لاحراز إرادة جميع الطهارات منه، ولا سيما مع ظهور المفروغية عن عدم إرادة الطهارة من الخبث منه. فلاحظ. وثانيا: بضعف السند وابتناء العمل به على قاعدة التسامح في أدلة السنن منه، التي سبق غير مرة عدم تماميتها، وإن حسنت متابغتها برجاء المطلوبية. هذا، ولو نهض المرسل بإثبات مشررعية التجديد بالغسل، فالمتيقن منه مشروعيته للطاهر من الحدث الاصغر، لان مقتضى إطلاق الطهر الطهر من جميع الاحداث، ويحتاج إثبات مشروعيته مع الحدث الاصغر لفهم ابتناء التجديد

===============

( 220 )

بالاضافة للطهارة على الانحلال. ولا مجال لتوهم إجزائه عن الوضوء حينئذ، لان المتيقن من إجزاء الغسل عن الوضوء إجزاؤه إذا ورد على الحدث الاكبر، لا ما يعم التجديد. إلا أن يبنى على إجزاء كل غسل عن الوضوء، لكن لا يظن من أحد البناء على ذلك في الغسل التجديدي. ثم إن التجديد بالتيمم عند تعذر الوضوء مبني على عموم بدلية التيمم للتجديد، وهو غير بعيد. وأما عند تعذر الغسل، فهو مبني على الكلام في مرسل سعدان المتقدم. نعم، لا ينبغي التوقف في إمكان التجديد بالوضوء بعد التيمم بدلا عن الغسل المجزئ عن الوضوء، بناء على ما سبق في التجديد بالوضوء بعد الغسل، لكن لم أعثر على من تعرض لذلك. فلاحظ. هذا ما تيسر لنا ذكره في المقام من الوضوءات المستحبة. وبقي منها ما يأتي التعرض له في محل آخر، كالوضوء لنوم الجنب وأكله وشربه ومع غسله، الذي يأتي الكلام فيه في مبحث الجنابة، والوضوء لذكر الحائض في وقت الصلاة الذي يأتي الكلام فيه في مبحث الحيض، كما يأتي فيه الكلام في الوضوء للحدث الاكبر غير الجنابة، الذي هو راجع للكلام فيما يستحب منه الوضوء، لا ما يستحب له، وتوضئة الميت مع تغسيله، الذي يأتي الكلام فيه في مبحث تغسيل الميت، والوضوء للاذان والاقامة، الذي يأتي الكلام فيه في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى. كما أن بعض ما ذكره من الوضوءات المستحبة راجع إلى ما يستحب الوضوء منه، الذي تقدم الكلام فيه في النواقض. وربما فاتنا التنبيه على بعض الوضوءات المستحبة، ونسأله سبحانه العون والتوفيق.

===============

( 221 )

تنبيها ن: الاول: الوضوءات المذكورة إن كان دليلها معتبرا في نفسه، فلا إشكال في البناء على صحتها وترتب الاثر عليها، وإلا كان استجبابها مبنيا على قاعدة التسامح في أدلة السنن، التي تقدم عدم تماميتها، ولا مجال لدعوى انجبار ضعف الدليل بعمل الاصحاب لو تم، لما أشرنا إليه آنفا من عدم صلوح عملهم لذلك في المستحبات والمكروهات. وحينئذ لا مجال للبناء على صحة الوضوء وترتب الاثر عليه بناء على اعتبار التقرب فيه بقصد الامر، بل لابد في ترتيب الاثر عليه من الاتيان به لغاية اخرى معلومة المشروعية، بنحو تكون مستقلة في الداعوية، وإنما يتجه البناء على الاكتفاء فيه بقصد الغايات المتقدمة بناء على ما سبق منا من الاكتفاء في عبادية الوضوء بقصد القربة بأي وجه اتفق، على ما سبق التعرض له في المسألة الواحدة والسبعين في الفصل الثالث. فراجع. الثاني: أن الوضوءات المتقدمة إن كانت مستحبة لاستحباب غاياتها - كالوضوء للكون على الطهاره أو في المسجد ولقراءة القرآن - فلا إشكال في مقربيتها والاكتفاء في عباديتها بقصدها. وإن كانت رافعة لكراهة بعض الامور - كما لعله ظاهر النص الوارد في الوضوء لجماع الحامل - ابتنت الصحة مع قصدها على ما سبق في الوضوء للمس في المسألة السابعة والتسعين. وكذا لو كانت مستحبة لاستحباب الطهارة في حال أمر لاحق غير مأمور به حين إيقاع الوضوء، فقد تقدم هناك الكلام فيه.

===============

( 222 )

[ مسألة 101: إذا دخل وقت الفريضة يجوز الاتيان بالوضوء بقصد فعل الفريضة (1)، كما يجوز الاتيان به بقصد الكون على الطهارة، وكذا يجوز الاتيان به بقصد الغايات المستحبة الاخرى (2). ] كما أن ما يكون مطلوبا للمكلف بلحاظ الاثر الوضعي يبتني قصد أثره على ما سبق في الوضوء لقضاء الحاجة. فراجع. (1) وهو المتيقن منهم ومن النصوص والسيرة، لتحقق التقرب المعتبر في الوضوء بقصدها، لما فيه من الانقياد بالشروع في امتثال التكليف بالفريضة. وهو ظاهر، بناء على ما سبق منا في المسمألة الواحدة والسبعين من عدم اعتبار قصد أمر فعلي في عبادية الوضوء. وأما بناء على اعتبار ذلك، فلابد من رجوع قصد فعل الفريضة إلى قصد الامر الغيري الناشئ من قبل الامر بالفريضة، بناء على ثبوت الامر الغيري بالمقدمة، وأما بناء على عدمه - كما هو التحقيق - فلابد من كون مرجع اعتبار قصد الامر في الوضوء إلى ما يعم الامر النفسي له عقلا بسبب مقدميته لامتثاله، لما ذكرناه من عدم الاشكال بقصد الفريضة. هذا، وقد سبق في الوضوء التهيئي الاكتفاء بقصد فعل الفريضة حتى في الوضوء المأتي به قبل الوقت. كما أن الكلام في غير الفريضة من الغايات الواجبة عند اجتماعها مع الغايات المستحبة هو الكلام فيها. وأما تعدد الغايات الواجبة، فيظهر الحال فيه مما يأتي في قصد الغايات المستحبة. (2) من الظاهر أن فعلية وجوب الفريضة بعد الوقت لا تنافي فعلية استحباب الغايات المذكورة، لتعدد الموضوع، فلا يلزم اجتماع الضدين، كما لا تلازم بينها بنحو يستلزم لغوية استحبابها مع وجوب الصلاة، أما في غير الكون

===============

( 223 )

على الطهارة من الغايات المذكورة - كقراءة القرآن ودخول المساجد - فظاهر، وأما فيه فلان الصلاة وإن كانت مستلزمة له في الجملة، إلا أنها تستلزمه بقدرها في بعض أجزاء الوقت، والمستحب منه هو الكون على الطهارة في كل آن، فلا يلغو استحبابه بالنحو المذكور مع وجوبها. نعم، قد يتوجه ذلك في آخر الوقت لمن لم يصل، حيث يتعين عليه فعل الصلاة حينئذ، وهو مستلزم للكون على الطهارة فيه، كما يتوجه في غير الكون على الطهارة مما يزاحم الفريضة، ويظهر الحال فيه مما يأتي. والكلام فعلا في غيره. فنقول: لا ينبغي التأمل في صحة الوضوء بقصد الغاية المستحبة، بناء على عدم اعتبار قصد الامر به - كما تقدم - لكفاية ذلك في التقرب، لما فيه من الانقياد بالشروع في امتثال الغاية المستحبة. وكذا بناء على اعتبار قصد الامر الفعلي، لما سبق من أن المراد بالامر ما يعم الامر النفسي بما يتوقف عليه، وقد عرفت فعلية الامر بالغاية المستحبة في وقت الفريضة. وأما بناء على لزوم قصد أمره، وأن قصد الغاية المأمور بها نفسيا عند الوضوء راجع إلى قصد الامر الغيري المترشح عليه منها، فقد يدعى امتناع قصد الغاية المستحبة بعد دخول وقت الفريضة، لصيرورة الوضوء مجمعا للامرين الغيريين، الوجوبي والاستحبابي، تبعا للامرين النفسيين بالفريضة والغاية المستحبة، وحيث يمتنع اجتماع الامرين المذكورين في موضوع واحد، لتضاد هما، تعين اندكاك الامر الاستحبابي بالوجوبي، ولا يكون الامر الفعلي بالوضوء إلا الوجوبي، ولا مجال مع ذلك لقصد الغاية المستحبة الراجع لقصد أمرها، لعدم ثبوته. لكنه يندفع.. أولا: بأنه موقوف إما على القول بعدم اختصاص الامر الغيري بالمقدمة الموصلة، أو على فرض إيقاع الصلاة بالوضوء المذكور، أما بناء على ما

===============

( 224 )

هو التحقيق من اختصاصه بالموصلة فلو لم تترتب الصلاة على الوضوء المأتي به فهو غير واجب غيريا، بل مستحب لا غير. بل لا يظن بأحد البنإء على عدم جواز قصد الاستحباب بالوضوء الذي لا يعلم بترتب الفريضة عليه ولا تقصد منه، بل يراد به الغايات المستحبة. وإلا لزم تعذر الغايات المذكورة لتعذر الوضوء، لانه وإن كان متصفا بالوجوب الغيري، بناء على اتصاف غير الموصلة به، إلا أنه لا يصلح للمقربية المعتبرة فيه، لان مقربية امتثال الامر الغيري مشروطة بقصد التوصل به لامتشال الامر النفسي بلا إشكال. وثانيا: بأن اندكاك الاستحباب بالوجوب مختص بما إذا اتفق موضوعاهما في الاطلاق والتقييد، أما إذا اختلفا فلا مجال له، لتعدد الموضوع حقيقة، بلحاظ أن المطلق بحده مباين للمقيد، وكذا المقيدان مع اختلاف قيديهما سعة وضيقا، وهو الحال في كثير من فروض المقام، لوضوح أن وجوب الوضوء غيريا المترشح من وجوب الصلاة راجع إلى التكليف به موسعا في تمام أجزاء الوقت. أما استحبابه الغيري المترشح من الغايات المستحبة، فلابد أن يكون بالنحو المناسب لها، إما مضيقا في الآن الاول فالاول، كما في استحبابه للكون على الطهارة أو في المسجد، ولقراءة القرآن ونحوها، أو بنحو آخر من التضييق، كما في استحبابه للنافلة التي وقتها أضيق من وقت الفريضة، أو للنوم، أو غير دلك. وإلا فلا مجال للالتزام بأن نتيجة اجتماع الاستحباب المضيق والوجوب الموسع في المقام ثبوت الوجوب فقط، إذ لو كان مضيقا لم يناسب ملاكه، وإن كان موسعا لزم عدم اقتضاء استحباب الغاية المضيقة - الذي عرفت فعليته - فعل مقدمتها. إن قلت: يمكن التزام بوجوب الوضوء موسعا لا غير، مع استحباب تعجيله، لا استحباب نفسه، ليتجه قصد الاستحباب به. قلت: الحكم تابع للملاك، ومن الظاهر أن ملاك الامر الغيري هو المقدمية

===============

( 225 )

للمأمور به النفسي، وما هو المقدمة للغاية المستحبة ليس هو التعجيل، بل نفس الوضوء المعجل به، حيث تترتب عليه الغاية المستحبة، كما تترتب عليه الغاية الواجبة. إن قلت: المطلق وإن كان مباينا للمقيد بحده، إلا أنهما متحدان في الخارج، وحيث كان الوضوء الواقع بعد الوقت فردا للواجب الغيري لامكان ترتب الفريضة عليه امتنع استحبابه مع ذلك. قلت: امتناع اجتماع الاحكام التكليفية لتضادها إنما هو بلحاظ مقام الجعل والخطاب، حيث ترد على الماهيات الكلية القابلة للاطلاق والتقييد، لا بلحاظ مقام الامتثال بالفعل الخارجي، فإنه ظرف سقوط التكليف لا ثبوته. وليست هي كالاحكام الوضعية والاعراض الخارجية، كالزوجية والرقية والبياض والحرارة، العارضة على الافراد الخارجية دون الماهيات الكلية. فغاية ما يلزم في المقام امتثال كلا الحكمين بالوضوء الخارجي الواحد، لا اتصافه بهما. وتمام الكلام في ذلك في مبحث اجتماع الامر والنهي، وقد أشرنا إلى طرف منه في مبحث تداخل الاغسال في المسألة الثالثة والسبعين، فراجع وتأمل. وثالثا: بأن الوجوب والاستحباب لما كانا مشتركين في الاقتضاء والطلب ومختلفين في الالزام وعدمه، فاندكاك الاستحباب بالوجوب عند اجتماعهما إنما هو بمعنى ارتفاع عدم الالزام الذي به امتياز الاستحباب، مع بقاء الطلب والاقتضاء الناشئ من قبله، لعدم التنافي بينه وبين الطلب والاقتضاء الناشئ من الوجوب، بل يتأكد أحدهما بالآخر، كما لو اجتمعت جهتان للوجوب أو للاستحباب. ومن الظاهر أن منشأ التقرب بالاستحباب مع انفراده هو الطلب والاقتضاء، لا عدم الالزام، فلا يكون اندكاك الاستحباب بالوجوب في المقام مانعا من التقرب به، لبقاء منشأ التقرب معه، كما نبه له سيدنا المصنف قدس سره. وربما يرجع إليه ما عن السلطان من استحباب الوضوء في كل وقت حتى

===============

( 226 )

وقت الفريضة، كما يحتمل رجوعه لما سبق في الوجه الثاني. نعم، لو قصد التقرب بالاستحباب مقيدا بوجوده الاستقلالي وبحده غير المندك في الوجوب، اتجه البطلان مع الغض عن الوجهين السابقين. لكنه محتاج إلى عناية خاصة - كما سبق نظيره في المسألة الواحدة والسبعين - وخارج عن محل الكلام، إذ الكلام في قصد الغاية المستحبة من حيث هو. ومن هنا ظهر الحال فيما لو ضاق وقت الفريضة حيث يكون استحباب الكون على الطهارة لغوا، كما سبق، فإن لغوية الاستحباب حينئذ إنما هي بمعنى لغوية الحكم بعدم الالزام، لا بمعنى لغوية الطلب والاقتضاء، الذي هو ملاك التقرب فيه، بل هو باق مع وجوب الفريضة، غير لاغ، لانه موجب لتأكيد الداعوية نحو الفعل. وأما الغايات المستحبة المزاحمة للفريضة، والتي عرفت سقوط أمرها، فتبتني صحة الوضوء بقصدها إما على الامر الترتبي، أو إمكان التقرب بالملاك، وكلاهما تام، على ما حرر في مسألة الضد. هذا كله مع الالتفات للحال، أما مع الغفلة عن وجوب الفريضة وتخيل فعلية الغاية المستحبة لا غير، فلا يتوقف تصحيح الوضوء على ما تقدم، لما سبق في المسألة الواحدة والسبعين من احتفاء في الوضوء بالتقرب ولو بقصد أمر متخيل لا واقع له، فراجع. ثم إن ما سبق مبني على عدم اعتبار نية الوجوب والندب في الوضوء، وأما بناء على اعتبار نية أحد الامرين، فظاهر القائلين به إرادتهم من الندب هو الندب غير المجامع للوجوب - كما فيما قبل الوقت - أما المجامع له - مع الاندكاك أو بدونه، على الكلام السابق - فلا يكفي قصده، لظهور كلامهم في التفصيل القاطع للشركة، فلا يجوز مع الوجوب نية الندب وإن كان ثابتا في الجملة. لكن أدلتهم المتقدمة قد تقصر عن ذلك، بل تناسب الاكتفاء بنية الندب في

===============

( 227 )

محل الكلام. والامر سهل بعد ما سبق في مباحث النية من عدم تمامية المبنى المذكور وأنه يكفي التقرب، الذي عرفت حصوله بقصد الغاية المندوبة في المقام. بقي في المقام شئ، وهو أنه وقع الكلام بين الاصحاب في أن الوضوء المأتي به لغاية هل يجوز الدخول به في بقية الغايات، أو لا؟ وقد اضطربت كلماتهم في ذلك وكثرت الاقوال المنقولة فيه بما لا مجال لاستقصائه وإطالة الكلام فيه، بل ينبغي التعرض لامرين يتضح منهما الحال في ذلك. الاول: الظاهر أن كل وضوء وارد على الحدث الاصغر مع الطهارة من الاكبر موجب للطهارة من الحدث الاصغر، بأي غاية وقع، فإن أدلة كثير من وضوءات الغايات قد تضمنت إفادتها الطهارة، ومن القريب جدا إلغاء خصوصية مواردها، كما هو المناسب للمرتكزات، ولا سيما بملاحظة ما تقدم في استحباب الكون على الطهارة من أن تسمية الافعال المخصوصة بالوضوء إنما هو بلحاظ سببيتها للطهارة. مضافا إلى أنه المستفاد من سبر النصوص الكثيرة.. منها: ما تضمن انتقاض الوضوء بالنواقض المذكورة وعدم انتقاضه بغيرها، لوضوح أنه لا يصح نسبة الانتقاض للوضوء إلا بلحاظ أثره القابل للاستمرار، وليس أثره المقصود إلا الطهارة، كما يظهر بأدنى نظر في النصوص وبالتأمل في المرتكزات. ولا سيما مع التصريح بأن أثره الطهارة منها فيما عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام بسند لا يخلو عن اعتبار من قوله: " إنما وجب الوضوء مما خرج من الطرفين... لان الطرفين هما طريق النجاسة... فامروا بالطهارة عندها تصيبهم تلك النجاسة من أنفسهم... " (1). ومنها: ما تضمن إطلاق الموجب على النواقض، لوضوح أنه لا يراد به


____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7.

===============

( 228 )

وجوبه بها تكليفا، بل تحقق موضوعه وهو الحدث المرتفع به، فتأمل. ومنها: ما تضمن التعبير بكون المكلف على وضوء، لظهور أن ما هو القابل للاستمرار هو الاثر، الذي عرفت أنه الطهارة. ومثله ما تضمن التعبير عنه بأنه متوضئ، لوضوح عدم إرادة صدور الوضوء منه ولو تعقبه الحدث، بل كونه على وضوء وطهارة. ومنها: ما تضمن إطلاق الطهور والطهارة على الوضوء، وهي نصوص كثيرة لا مجال لاستقصائها كقوله عليه السلام: " الوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهروا " (1)، وهو الذي اشير إليه في ذيل آية الوضوء والغسل والتيمم بقوله تعالى: (ولكن يريد ليطهركم) (2)، وغير ذلك. فإن بعضها وإن ورد في موارد خاصة إلا أن استفادة العموم من مجموعها قرب جدا، بل هو الظاهر من الطائفة الاولى، لظهورها في انتقاض كل وضوء به الملازم لكونه ذا أثر قابل للانتقاض. فلا ينبغي التأمل بلحاظ جميع ما تقدم في العموم المذكور. إن قلت: هذا قد يتم في الوضوء المأتي به للغايات المعلومة المشروعية، دون ما لم تثبت مشروعيته وإنما يؤتى به برجاء المطلوبية أو بتخيل أمر لا واقع له، حيث لا طريق لاثبات ترتب الطهارة عليه، لاختصاص ما تقدم بالوضوء المشروع. قلت: عدم مشروعية الوضوء بالخصوصية المقصودة حين الاتيان به لا ينافي مشروعيته للكون على الطهارة أو غيره من الغايات المشروعة، ومقتضى العموم المتقدم ترتب الطهارة عليه وإن لم يقصد أمر تلك الغايات به، لعدم الدليل على اعتبار قصده في ترتب الطهارة عليه. على أن مقتضى أدلة النواقض مشروعيته وتحقق موضوعه وإن لم يكن مأمورا به، ومقتضى أدلة شرحه وتحديده بالغسلتين والمسحتين تحققه وترتب


____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 6. (2) سورة المائدة: 6.

===============

( 229 )

أثره وهو الطهارة بها. غاية ما دل عليه الاجماع اعتبار القربة فيه، وهي لا تتوقف على اعتبار الامر به، فضلا عن إحرازه، بل يكفي فيها احتماله والاعتقاد به ولو خطأ. فمشروعيته التي لابد منها هي تحقق موضوعه المعلوم في المقام، لا ورود الامر به، ليقدح عدم إحرازه. ومما ذكرنا يظهر تحقق الطهارة بالوضوء الوارد على الطهارة من الحدث الاصغر، وهو التجديدي، لانه وضوء أيضا منتقض بالحدث، كما ينتقض غيره بمقتضى إطلاق أدلة النواقض، كما يناسبه التطهر عليه في معتبر محمد بن مسلم وأبي بصير المتقدم، وقد سبق في أواخر المسألة الواحدة والسبعين أن الوضوء الرافع والتجديدي ماهية واحدة مشتركة في أثر واحد قابل للتأكد، فراجع. بل الظاهر أن الوضوء الوارد على الحدث الاكبر إما موجب للطهارة من الحدث المقارن له، كالوضوء لمعاودة الجماع ولنوم الجنب، أو لتخفيفه، كما في وضوء الحائض وقت الفريضة - نظير وضوء المسلوس - ولذا لا إشكال ظاهرا في انتقاضه بالحدث، بنحو يمنع من ترتب الاثر المقصود منه عليه، كما هو مقتضى إطلاق نصوص النواقض. وهو المناسب للتعبير عنه في بعض نصوصه بالتطهر. الثاني: أن تشريع الوضوء لجميع الغايات المأمور بها وغيرها ليس بلحاظ نفسه، بل بلحاظ أثره - وهو الطهارة - عليه، كما هو الظاهر من الامر بالطهارة في بعضها، وبكون المكلف على وضوء أو متوضئأ في آخر، وبكلا الامرين في ثالث، وهو الغالب في الغايات المذكورة، بل الظاهر - كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره - أن جميع أدلة الوضوءات المأمور بها في حال الحدث الاصغر دون الاكبر التي وصلتنا قد تضمنت ذلك. نعم، بعض النصوص الواردة في الوضوء حال الحدث الاكبر لم تتضمن إلا الامر بالوضوء، كما ورد في الوضوء لتغسيل الجنب للميت وجماع المغسل له،

===============

( 230 )

[ مسألة 102: سنن الوضوء - على ما ذكره العلماه رضي الله عنهم - وضع الاناء الذي يغترف منه على اليمين (1)، ] ومعاودة الجماع. إلا أن الظاهر رجوعه له أيضا، لانه المنصرف منه ارتكازا، ولعدم الاشكال ظاهرا في استئناف الوضوءات المذكورة بالحدث الاصغر قبل فعل غاياتها، كما هو مقتضى إطلاق أدلة النواقض. وقد تقدم في الوضوء للكون على الطهارة ما له نفع في المقام، فراجع. إذا عرفت هذا، ظهر أن الوضوء المأتي به لغاية يجوز الدخول به في غيرها من الغايات، من دون فرق بين الصلاة وغيرها، ولا بين الغاية الواجبة وغيرها، لانه إذا كان الوضوء موجبا للطهارة، وكانت هي الشرط في جميع الغايات، تعين جواز إيقاع تلك الغايات بذلك الوضوء ما لم ينتقض بالحدث. نعم، لابد من عدم مانع آخر من إيقاع الغاية، كالحدث الاكبر المانع من كثير من غايات الوضوء، وإن شرع الوضوء حينه لبعض الغايات، حيث لا ينفع الوضوء المذكور إلا للغايات المشروعة حينه، فلو توضأ الجنب للجماع اكتفى به للجماع أو النوم، دون الصلاة. وبما ذكرنا يظهر ضعف الخلاف في عموم ذلك من بعضهم، كما يظهر ضعف أدلتهم بالنظر فيها. ولا يسعنا التمرض لادلتهم وإطالة الكلام فيها بعدما ذكرنا. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم، ومنه نستمد العون والتوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (1) فقد أطلق جماعة من الاصحاب استحباب وضع الاناء على اليمين، وفي المدارك أنه المشهور، بل في المعتبر وعن الذكرى أنه مذهب الاصحاب. لكن في المعتبر أن المراد به الاناء الذي يغترف منه باليد، لا الذي يصب منه، بل في المدارك وعن نهاية الاحكام وجملة من الاصحاب تخصيصه بذلك،

===============

( 231 )

وأنه إذا كان ضيق الرأس فالمستحب وضعه على اليسار، وفي الجواهر: " ولعل إطلاق كثير منهم استحباب وضعه على اليمين مبني على استحباب كون إناء الوضوء مما يغترف منه ". وكيف كان، فقد يستدل عليه تارة: بالنبوي المرسل في المعتبر وغيره: " قال صلى الله عليه وآله: إن الله يحب التيامن في كل شئ " (1)، وما روته العامة عن عائشة: " كان النبي يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله " (2). واخرى: بأنه أمكن في الاستعمال وأدخل في الموالاة، ولا سيما بناء على ما يأتي من استحباب الاغتراف باليمين. ولعله لذا خصه بعضهم بما يغترف منه، دون ما يصب منه، حيث يكون الاسهل وضعه على اليسار، كما قيل. ويشكل الاول: بظهور التيامن والتيمن في العمل باليمين والبدء بها، كما في التطهير والترجل والتنعل، لا ما يعم وضع الشئ على اليمين. والثاني - مع عدم اطراده -: بعدم وضوح الدليل على استحباب الاسهل والامكن، وإن ذكر ما في المعتبر من أنه نوع من تدبير. نعم، في الجواهر: " وكأنه إشارة إلى ما ورد في الاخبار - على ما قيل -: إن الله يحب ما هو الايسر والاسهل ". لكن لم نطلع على الاخبار المذكورة ليتضح مفادها. وأما ما في المدارك وعن الاردبيلى من أن الاولى العمل بما تضمنه صحيح زرارة الحاكي لوضوء رسول الله صلى الله عليه وآله: " فدعا بقعب فيه شئ من ماء فوضعه بين يديه " (3). فيشكل: بأن الصحيح وارد لبيان نفس الوضوء الواجب، دون آدابه


____________
(1) مستدرك الوسائل باب: 30 من أبواب الوضوء حديث: 3 والمعتبر ص 43. (2) عن صحيح البخاري باب التيمن في الوضوء. (3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3.

===============

( 232 )

ومقارناته، فلا يكون وضع الاناء بين اليدين دالا على استحبابه، فضلا عن أن ينافي استحباب وضعه على اليمين أو يخصصه بما يناسب الامرين. ومنه يظهر ضعف ما في الجواهر من الاستدلال بنصوص الوضوءات البيانية على استحباب كون الاناء مما يغترف منه، الذي تقدم منه توجيه إطلاق الاصحاب هذا، ولو لم يكن الوضوء من الاناء، بل من نهر أو حوض أو حنفية أو غيرها، كان استحباب جعلها في جانب اليمين أو الاغتراف منها من الجانب المذكور أشكل، وإن احتمله في الجواهر. واعلم أنهم كما ذكروا استحباب وضع الاناء على اليمين ذكروا استحباب الاغتراف بها، بل في المعتبر وعن الذكرى نسبته للاصحاب. ويقتضيه - مضافا إلى النبويين المتقدمين، بناء على ما سبق فيهما - ما في صحيح ابن اذينة عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث المعراج: " فدنا رسول الله صلى الله عليه وآله من صاد، وهو ماء يسيل من ساق العرش الايمن، فتلقى رسول الله صلى الله عليه وآله الماء بيده اليمنى، فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين " (1). فما حكاه في مفتاح الكرامة عن المجمع من عدم الدليل على استحبابه في غير محله. نعم، ربما يدعى قصور ما تقدم عن الاغتراف لغسل اليمنى، لان النبويين إنما ينهضان بترجيح اليمين عند الدوران في العمل الواحد بينها وبين اليسار، لا في مثل المقام، حيث لابد من أخذ الماء باليسار، وإنما الشك في استحباب زيادة عمل، وهو أخذه أولا باليمين وافراغه فيها. وأما الصحيح، فهو إنما ينهض باستحباب أخذ الماء باليمنى للوجه، دون غيره، لانه التناول الاول الذي حكي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفرض كونه منشأ للاستحباب. فلا مجال للبناء على استحباب الاغتراف باليمنى لغسلها، ولا سيما مع اشتمال


____________
(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 5.

===============

( 233 )

غير واحد من نصوص الوضوءات البيانية (1) على الاغتراف له باليسرى. ويشكل: بأن أخذ الماء باليسرى لا يكون عملا بها عرفا إذا كان بنحو الصب فيها، بل يختص بما إذا كان بنحو التناول أو الاغتراف، فمع دوران الامر بين الاغتراف باليمنى والصب باليسرى والاغتراف باليسرى رأسا، يكون مقتضى النبويين استحباب الاول. كما أن ظاهر الصحيح استحباب أخذ الماء باليمين لجميع أجزاء الوضوء، وإلا كان المناسب التنبيه على خلاف ذلك في بعضها لمسيس الحاجة لذلك، وليكن ذلك قرينة على كون عمله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، وإن لم ينبه صريحا لغير تناوله الاول. وأما نصوص الوضوءات البيانية، فهي لا تنهض دليلا في المقام، لما تقدم. ولا سيما مع ما في صحيح محمد بن مسلم من قوله: " ثم أخذ كفا آخر بيمينه فصبه على يساره فغسل به ذراعه الايمن " (2). فإن تعمده عليه السلام لذلك مع مخالفته لمقتضى الطبيعة ظاهر جدا في رجحانه، فيتعين الخروج به عن النصوص المتضمنة الاغتراف باليسرى لو فرض ظهورها في استحباب ذلك بدوا، وحملها على الجري على الوضع الطبيعي من دون قصد لبيان المستحب في ذلك، بل الواجب لا غير. ومن ثم كان استحباب ما تضمنه قويا جدا، كما نسبه في جامع المقاصد للاصحاب. هذا، ومقتضى صحيح ابن أذينة عموم استحباب أخذ الماء باليمنى لغير


____________
(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء الاحاديث: 22، 3، 4، 6، 10. (2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 7. ونقل نحوه سيدنا المصنف قدس سره في صحيح زرارة وبكير. لكنه مروي في الكافي هكذا: " ثم غمس كفه اليسرى فغرت بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى... " (الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 13). وفى التهذيب والاستبصار هكذا: " ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق... ". (الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء، حديت: 11).

===============

( 234 )

[ والتسمية (1)، ] الاغتراف، ولا سيما مع كون مورده التلقي. فلا مجال لما يظهر من جامع المقاصد من اختصاصه بصورة الاخذ بالاغتراف، وإن اقتصر الاصحاب عليه. (1) كما ذكره جماعة كثيرة، بل في الغنية والمعتبر والمنتهى وعن الذكرى وغيرها الاجماع عليه. للنصوص المستفيضة (1)، وفي كثير منها أن من سمى طهر جسده كله وكان كمن اغتسل، ومن لم يسم لم يطهر منه إلا ما أصابه الماء. بل مقتضى ما تضمنه بعضها من أن من لم يسم على وضوئه وغيره من عمله كان للشيطان فيه شرك، كراهة تركها. هذا، وفي مرسل ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام: " إن رجلا توضأ وصلى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أعد وضوءك وصلاتك، ففعل وتوضأ وصلى، فقال له النبي: أعد وضوءك وصلاتك، ففعل وتوضأ وصلى، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أعد وضوءك وصلاتك، فأتى أمير المؤمنين عليه السلام فشكا ذلك إليه، فقال له: هل سميت حيث توضأت؟ قال: لا. قال: سم على وضوئك، فسمى وتوضأ وصلى فأتى النبي فلم يأمره أن يعيد " (2). ومقتضى الامر بالاعادة فيه شرطية التسمية. ولا مجال للاشكال فيه بالارسال، لما تقدم في تحديد الكر من حجبة مراسيل ابن أبي عمير. وكذا حمل التسمية فيه على النية - كما صغعه الشيخ في التهذيب والاستبصار - لمخالفته للظاهر جدا، بل يمتنع عادة عدم تحقق النية من الرجل المذكور.


____________
(1) راجع الوسائل باب: 26 من أبواب الوضوء. (2) الوسائل باب: 26 من أبواب الوضوء حديث: 6.

===============

( 235 )

كما أن حكاية الصادق عليه السلام له لا تناسب كونه منسوخا، وإن احتمله في الوسائل. نعم، هو لا ينهض بإثبات الشرطية بعد ظهور تسالم الاصحاب على عدمها، المطابق للسيرة القطعية، وللنصوص المتضمنة أن من لم يسم لا يطهر منه إلا ما أصابه الماء، فإنه صريح في ترتب الاثر على طهارته وعدم فسادها. ومن ثم يقرب حمله على الاستحباب، بل لعله الانسب بلسانه في نفسه، لان المهتم بالامتثال لا يترك الشرط إلا غفلة عن شرطيته، فيكفي تنبيهه عليها بأيسر طريق، أما تارك المستحب فكثيرا ما يتركه تسامحا فيه أو استهوانا له، فيناسبه إظهار شدة الاهتمام به بمثل هذا البيان الذي ليس من شأنه أن يغفل عنه. ولا موجب مع ذلك لحمله على التقية - حيث حكي عن بعض العامة القول بالوجوب - وإن جعله في الجواهر أولى واستشكل في العمل بمضمونه بالنسبة لمشروعية إعادة الوضوء والصلاة لترك هذا المستحب. بقي في المقام أمران.. الاول: حكي عن الذكرى أنه لو ترك التسمية ابتداءا عمدا أو سهوا أتى بها متى ذكر، وعن التذكرة ونهاية الاحكام التردد مع العمد، وفي المنتهى: " لو فعلها خلال الطهارة لم يكن قد أتى بالمستحب ". أما النصوص، فهي مختلفة الالسنة، ففي جملة منها التعبير بالتسمية على الوضوء، وفي صحيح معاوية بن عمار: " فإذا توضأت فقل: أشهد أن لا إله إلا الله، اللهم... " (1)، وفي مرسل ابن أبي عمير: " إذا سميت في الوضوء... " (2)، وفي خبر أبي بصير ومرسل الصدوق: " من توضأ فذكر اسم


____________
(1) الوسائل باب: 26 من أبواب الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 26 من أبواب الوضوء حديث: 5.

===============

( 236 )

الله... " (1). ولا إشكال في شمول ما عدا الاول للتسمية في الاثناء، بل لا يبعد شمول الاول لها، ومعه لا مجال لما سبق من المنتهى، ولاسيما مع ما ورد في آداب المائدة من مشروعية تدارك التسمية في الاثناء (2)، وهو المناسب للارتكاز هنا. نعم، تضمن غير واحد من النصوص التسمية حين وضع اليد في الماء عند الاستنجاء مقدمة للوضوء (3)، وعند الوضوء (4)، وبعد المشروع في غسل الوجه (5) وفي أول الوضوء (6)، بل في حديث الاربعمائة: " لا يتوضأ الرجل حتى يسمي، يقول قبل أن يمس الماء: بسم الله وبالله... " (7). إلا أنها لا تنافي الاطلاق المتقدم، بل تحمل على الفضل، كما هو المناسب للارتكاز، ولما تضمن أن من لم يسم على عمله كان للشيطان فيه شرك (8)، لان حجز التسمية للشيطان عن الاشتراك في العمل إنما يكون من حين وجودها لا قبله، فإذا وقعت في الاثناء كان شريكا في أول العمل، فلاحظ. الثاني: أن مقتضى إطلاق ذكر اسم الله تعالى في الوضوء الذي تضمنه غير واحد من النصوص الاكتفاء بذكر أحد أسمائه تعالى ولو مفردا، وإن لم يبعد انصرافه لخصوص ذكره في جملة تناسب تعظيمه، كالاستعانة به والثناء عليه وتمجيده.


____________
(1) الوسائل باب: 26 من أبواب الوضوء حديث: 4، 8. (2) راجع الوسائل باب: 56، 58 من أبواب آداب المائدة. (3) الوسائل باب: 16 من أبواب الوضوء حديث: 1. (4) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 12، وباب: 26 من الابواب المذكورة حديث: 2. (5) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 2. (6) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 21. (7) الوسائل باب: 26 من أبواب الوضوء حديث: 10. (8) الوسائل باب: 26 من أبواب الوضوء حديث: 2، 13.

===============

( 237 )

[ والدعاء بالمأثور (1)، ] ولا يعتبر خصوص الاستعانة بمثل: بسم الله، وإن تضمنته جملة من النصوص، ولعله المنصرف من عنوان التسمية في غير واحد منها، لعدم التنافي بين المطلق والمقيد في المستحبات، ولا سيما مع ما تقدم في صحيح معاوية بن عمار من الاكتفاء بالشهادة والدعاء. (1) يعني: للوضوء بجملته، أما الدعاء لاجزائه ومندوباته فسيأتي منه قدس سره التعرض له. وقد تضمنت ذلك جملة من النصوص على اختلافها في كيفية الدعاء. ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " إذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم الله وبالئه. اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " (1). ونحوه حديث الاربعمائة (2)، إلا أنه تضمن أن ذلك قبل وضع اليد في الماء. وصحيح معاوية بن عمار (3)، إلا أنه أبدل التسمية بالشهادة - كما تقدم - وأضاف في ذيله: " والحمد لله رب العالمين ". وفي مرسل الصدوق: " كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا توضأ قال: بسم الله وبالله وخير الاسماء لله وأكبر الاسماء لله، وقاهر لمن في السماء وقاهر لمن في الارض الحمد لله الذي جعل من الماء كل شئ حي وأحيى قلبي بالايمان. اللهم تب علي وطهرني واقض لي بالحسنى وأرني كل الذي أحب وافتح لى بالخيرات من عندك يا سميع الدعاء " (4).


____________
(1) الوسائل باب: 26 من أبواب الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 26 من أبواب الوضو، حديث: 10. (3) الوسائل باب: 26 من أبواب الوضوء حديث: 1. (4) الوسائل باب: 26 من أبواب الوضوء حديث: 7.

===============

( 238 )

[ وغسل (1) اليدين (2) ] ويأتي حديث وضوء أمير المؤمنين عليه السلام عند التعرض لادعية أجزاء الوضوء إن شاء الله تعالى. (1) كما صرح به جمع كثير من القدماء والمتأخرين، بل في الخلاف والغنية والمعتبر دعوى الاجماع عليه. وتقتضيه جملة من النصوص، كصحيح الحلبي (عن أبي عبد الله عليه السلام: سئل كم. كافي): " سألته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمنى (يده. في) قبل أن يدخلها في الاناء؟ قال: واحدة من حدث البول، واثنتان من حدث الغائط (الغائط. في) وثلاث من الجنابة " (1)، وصحيح عبد الكريم: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبول ولم يمس يده اليمنى شئ أيدخلها في وضوئه قبل أن يغسلها؟ قال: لا، حتى يغسلها. قلت: فإنه استيقظ من نومه ولم يبل أيدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها؟ قال: لا، لانه لا يدري حيث باتت يده، فليغسلها " (2)، وغيرهما. وهي محمولة على الاستحباب أو كراهة ترك غسل اليد، لتسالم الاصحاب على عدم الوجوب، وللنصوص كصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " ثم غمس فيه كفه اليمنى، ثم قال: هكذا إذا كانت الكف طاهرة " (3)، وصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام: " سألته عن الرجل يبول ولا يمس يده اليمنى شيئا أيغمسها في الماء؟ قال: نعم وإن كان جنبا " (4)، وغيرهما. (2) كما هو المصرح به في كلام الاصحاب ومعاقد إجماعاتهم. ويقتضيه - مضافا إلى تثنية اليدين في غير واحد من نصوص الجنابة (5) -


____________
(1) الوسائل باب: 27 من أبواب الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 27 من أبواب الوضوء حديث: 3. (3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 2. (4) الوسائل باب: 28 من أبواب الوضوء حديث: 1. (5) راجع الوسائل باب: 26، 44 من أبواب الجنابة.

===============

( 239 )

إطلاق اليد في ذيل صحيح عبد الكريم المتقدم، وفي حديث حريز عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: يغسل الرجل يده من النوم مرة، ومن الغائط والبول مرتين، ومن الجنابة ثلاثا " (1)، وخبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: " سألته عن الرجل يتوضأ في الكنيف بالماء يدخل يده فيه أيتوضأ من فضله للصلاة؟ قال: إذا أدخل يده وهي نظيفة فلا بأس، ولست أحب أن يتعود ذلك، إلا أن يغسل يده قبل ذلك " (2) ومرسلي الصدوق الآتيين (3). ولا ينافيه التقييد باليمنى في صدر صحيح عبد الكريم وفي صحيح الحلبي على رواية التهذيب والاستبصار - كما سبق - لوقوعه في كلام السائل. على أن إلغاء خصوصيتها عرفا قريب جدا. فما في الحدائق والجواهر من التأمل في استحباب غسلهما معا من النصوص في غير محله. ومثله توجيهها الاقتصار على اليمنى بأنها هي التي تدخل في الماء يغترف بها لجميع أعضاء ا لوضوء، لوضوح أنه لا أثر لذلك مع عموم استحباب غسل اليد لصورة عدم الاغتراف بها، ومع تقييده بالاغتراف لا يستحب غسل اليد بدونه وإن كانت اليمنى، ويستحب معه وإن كانت اليسرى. وكذا ما في الحدائق من أن ما تضمنته رواية عبد الرحمن الآتية الحاكية لوضوء أمير المؤمنين عليه السلام من قوله عليه السلام: " فأتاه محمد بالماء فأكفأه فصبه بيده اليسرى على يده اليمنى " (4) ظاهر في الاقتصار على غسل اليمنى، لاندفاعه بأن صب الماء عليها لا يستلزم تخصيصها بالغسل، لتعارف غسلهما معا بالصب على إحداهما. على أنها لم تتضمن كون الصب لغسل اليد، بل لعله للاستنجاء المذكور


____________
(1) الوسائل باب: 27 من أبواب الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 14 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 1. (3) الوسائل باب: 27 من أبواب الوضوء حديث: 4، 5. (4) الوسائل باب: 16 من أبواب الوضوء حديث: 1.

===============

( 240 )

[ من الزندين (1) ] بعد ذلك، فلاحظ. (1) كما في المنتهى وجامع المقاصد والروضة وكشف اللثام والمدارك وعن الذكرى، وإليه يرجع ما في القواعد من الاقتصار على الكفين. وهو الظاهر من النصوص المتقدمة - بعد القطع بعدم إرادة المعنى الحقيقي منها، وهو تمام العضو إلى الكتف - لان الكف هو المعد للاستعمال وبه يكون تناول الماء من الاناء، ولذا كان هو المنصرف من إطلاق غسل اليد للأكل، وارادة ما زاد عليه مع ذلك تحتاج للبيان. بل لم يعهد إطلاى اليد على ما زاد على ذلك مما دون الذراع، وإطلاقها على ما ينتهي بالمرفق - كما في الوضوء - من دون تقييد لو ورد لا مجال للجري عليه هنا، لبعد إرادة ذلك في نفسه بعد كونه هو الواجب في الوشرء، فلا يمكن الاعتماد على الاطلاق في بيانه، بل يتعين للكفين. ولعله لذا نسب في الحدائق التحديد بالزندين للاصحاب، مع عدم التحديد به قبل العلامة، وإنما اقتصر الاكثر على التعبير باليدين، بل هو المنسوب للاصحاب في كشف اللثام ومفتاح الكرامة، وهو مورد جل دعاوى الاجماعات المتقدمة أو كلها. نعم، ورد الامر بغسل الذراع في بعض نصوص الجنابة (1)، ونصفه في آخر (2)، وما دون المرفق في ثالث (3). وهو لا ينافي ظهور الاطلاق في الكفين. ولهما صرح في جملة منها (4)، ويتعين الجمع باختلاف مراتب الفضل أو بغير ذلك


____________
(1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 6، 16، وباب: 4 4 من الابواب المذكورة حديث: 2. (2) الوسائل باب: 44 من أبواب الجنابة حديث: 1. (3) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 8. (4) راجع الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة.

===============

( 241 )

[ قبل إدخالهما في الاناء الذي يغترف منه (1) ] على ما يأتي في محله إن شاء الله تعالى. اللهم إلا أن يقال: هذا إنما يتجه بناء على استحباب غسل اليدين تعبدا مطلقا، أما بناء على اختصاصه بما إذا أريد غمسهما في الماء فالاقرب الحمل على المقدار الذي يغمس ويغترف به، وإن زاد على الكف، لانه المناسب لارتكاز كون الغسل فرارا عن انفعال الماء بأثر الحدث المذكور، حيث يصلح ذلك لان يكون قرينة عرفا على تعيين المقدار المغسول بعد تعذر الحمل على المعنى الحقيقي. (1) كما هو المصرح به في كلام الاصحاب ومعاقد إجماعاتهم المتقدمة. ويقتضيه إطلاق ما تقدم في صحيح عبد الكريم صدرا وذيلا. مضافا في النوم لحديث حريز المتقدم ومرسل الصدوق عن الصادق: " قال عليه السلام: اغسل بدك من النوم مرة " (1). وفي البول لصحيح الحلبي المتقدم، ومرسل الصدوق الآخر: " قال الصادق عليه السلام: اغسل يدك من البول مرة، ومن الغائط مرتين، ومن الجنابة ثلاثا " (2). نعم، تقدم في حديث حريز أن الغسل من الغائط والبول مرتين. وقد حمله غير واحد على إرادة اجتماعهما فيكتفى بالاكثر - الذي هو حكم الغائط - للتداخل، لا على صورتي انفراد كل منهما، لينافي ما تقدم، وإلا كان الانسب الفصل بينهما ب‍ " من "، كما فصل بها بين الصور الثلاث. لكنه مستلزم لخلو ذكر البول عن الفائدة وإهمال حكمه مع شدة الحاجة لبيانه، لشيوع صورة انفراده. ولعل عدم الفصل بينهما ب‍ " من " لاتحاد حكمهما، لا لارادة صورة اجتماعهما. ومن ثم لم يبعد الجمع بينه وبين صحيح الحلبي ومرسل الصدوق


____________
(1) الوسائل باب: 27 من أبواب الوضوء حديث: 5. (2) الوسائل باب: 27 من أبواب الوضوء حديث: 4.

===============

( 242 )

[ لحدث النوم أو البول مرة (1)، ] بالحمل على بيان الافضل. ولعله الوجه فيما عن المجمع من أن المرة أقل الاستحباب، وإلا فيستحب مبرتان في البول والنوم. نعم، يشكل في النوم، لعدم الدليل. وأشكل منه ما في اللمعة من إطلاق استحباب المرتين في الوضوء الشامل للوضوء من الريح وبقية النواقض، بل للوضوء التجديدي، مع عدم الدليل على استحباب غسل اليدين فيهما، فضلا عن كونه مرتين. (1) فلو لم يكن الوضوء بالاغتراف لم يستحب الغسل، كما هو ظاهر جل الاصحاب، لاشتمال فتاواهم ومعاقد إجماعاتهم على القيد المذكور. وكأنه لظهور صحيحي الحلبي وعبد الكريم وخبر علي بن جعفر في خصوصية الادخال في الاناء. لكن قرب في كشف اللثام وغيره العموم، لاطلاق حديث حريز ومرسلي الصدوق، لدعوى عدم نهوض النصوص الاول بتخصيصها، وكأنه لان التقييد به فيها وقع في كلام السائل، ولعدم التنافي بين المطلق والمقيد في المستحبات، كما سبق. ويشكل: بأن ظاهر النصوص الاولى خصوصية الادخال في استحباب الغسل، وأنه إنما يكون لاجله، لا مجرد ثبوته معه، فلابد من الجمع بينها وبين الثانية إما بتأكد الاستحباب لاجل الغمس، أو بحمل الثانية على صورة إرادة الادخال، وا لثاني أقرب، لقرب عدم صدور الثانية لبيان استحباب الغسل، ليستفاد منه العموم، بل لبيان عدده مع المفروغية عن استحبابه في الجملة من دون تحديد لمورده، ولذا لم يقيد حتى بالوضوء، وبل لو بني على إطلاته كان من أحكام نفس الحدث ولو مع العلم بتجدده قبل الطهارة، وهو بعيد جدا، ولذا لم يشر الاصحاب

===============

( 243 )

[ والغائط مرتين (1). ] لذلك في أحكام الخلوة، بل جعلوه من سنن الوضوء. إن قلت: لما كان الغسل قبل الاغتراف لتجنب تأثير اليد في الماء ارتكازا، فالمناسب عمومه لصورة عدم الاغتراف، لتجنب تأثيرها في الماء المصبوب بها لغسل الوجه. قلت: ربما لا ينفعل الماء بوضعه في اليد لاجل غسل الوجه بها، بل تنغسل هي به مع الوجه، كما في وضعه فيها عند غسل اليد الاخرى، فإن المتعارف غسلهما معا بصب الماء في إحداهما، وليس هو كوضعها في الماء المستقر في الاناء، فتأمل جيدا. ومن ذلك يظهر اختصاص الاستحباب بالاغتراف بالقليل، كما صرح به في المنتهى وغيره، دون الكثير خصوصا مثل النهر، لا لان منشأه احتمال النجاسة، لما يأتي، بل لقصور صحيحي الحلبي وعبد الكريم وخبر علي بن جعفر عنه بعد التعبير في الاول بالاناء، وفي الثاني بوضوئه - الذي يراد به ما يتوضأ به من الماء، لا ما يتوضأ منه - وفي الثاني بفضله، لظهور العناوين المذكورة في القليل العرفي، ولا تنطبق على الكر، بل ولا على بعض المراتب التي دونه، وإنما يعمم الحكم لها بفهم عدم الخصوصية، أو بظهور تسالم الاصحاب على ذلك. ومنه يظهر ضعف ما في كشف اللثام من التعميم للكثير، لابتنائه على العمل بالمطلقات. وأضعف منه ما في الروضة من التعيم له مع الجري على. التقييد بالاغتراف، مع أن التقييد به يبتني على إهمال المطلقات والرجوع لنصوص التقييد الظاهرة في خصوص القليل. (1) كما هو المصرح به في كلام الاصحاب ومعاقد إجماعاتهم. ويقتضيه صحيح الحلبي، وحديث حريز سواء حمل على صورتي انفراد

===============

( 244 )

كل من البول والغائط أم صورة اجتماعهما مع البناء على التداخل. لكن عن النفلية والبيان استحباب المرة فيه أيضاأ. ورد بعدم الدليل عليه. اللهم إلا أن يستدل له بإطلاق خبر علي بن جعفر الشامل لصورة الاستنجاء بعد حدث الغائط، حيث يكون الجمع بينه وبين ما تقدم بالحمل على الافضل، لا بالتقييد، لعدم التنافي بين المطلق والمقيد في المستحبات. وأما الاستدلال عليه بخبر حريز بحمله على صورة الاجتماع مع البناء على عدم التداخل، فهو كما ترى، لما سبق من منع حمله على صورة الاجتماع، ولان الظاهر في المقام التداخل، لتفرع الاستحباب ارتكازا على سببية الاحداث المذكورة لاثر يرتفع بالغسل، وقد سبق عند الكلام في اعتبار طهارة الاعضاء عند غسلها للوضوء أن مقتضى الاطلاق في الاسباب التداخل، وهو يقتضي في المقام الاكتفاء بغسل واحد لجميع آثار الاحداث. مضافا إلى بعد عدم التداخل في نفسه جدا، لكثرة تكرر الحدث بنحو يلزم كثرة التكرار في الغسل وهو مغفول عنه، ولا سيما مع التداخل في نفس الوضوء، فعدم التنبيه عليه في النصوص موجب لوضوح التداخل، كما هو ظاهر الاصحاب لذلك أيضا، بل هو المصرح به في المنتهى وغيره. بقي في المقام امور.. الاول: الظاهر أن غسل اليدين ليس لتوهم النجاسة، فيستحب مع اليقين بعدمها، كما في المنتهى ونسبه الوحيد للاصحاب. وكأنه لاطلاق كلامهم. وهو مقتضى إطلاق النصوص، بل هو متيقن منها، لغلبة اليقين بالطهارة بعد الاستنجاء، وللتصريح بعدم الامساس في صحيح عبد الكريم وبنظافة اليد في خبر علي بن جعفر، حيث يبعد معهما الحمل على خصوص صورة احتمال النجاسة، بل هو المناسب لاستحباب الغسل من البول مرة ومن الغائط مرتين، مع أن التطهير منهما بالعكس. ومنه يظهر لزوم حمل التعليل في صحيح عبد الكريم بأنه لا يدري حيث

===============

( 245 )

باتت يده إما على بيان الحكمة ولو بلحاظ إمكان خطا يقين المكلف بالطهارة، أو على جهله بتحقق ما يقتضي غسلها من مس الشيطان ونحوه، لا خصوص احتمال المكلف التنجس. كيف وكثيرا ما يقطع المكلف بعدم تنجس يده حال النوم بنحو لا يمكن حمل الصحيح على خصوص صورة احتماله، إذ لا يحسن إطلاق التعليل بالعلل غير الغالبة. الثاني: لو لم يقصد الوضوء فهل يستحب غسل اليدين للاغتراف أو لا؟ وجهان، اختار ثانيهما في المنتهى. قال: " لعموم الامر بالغسل لمريد الغمس ". لكن العموم المذكور غير ظاهر، لان حديث حريز ومرسلي الصدوق لم يتعرض فيها للغمس، والمتيقن من صحيحي الحلبي وعبد الكريم صورة الغمس للوضوء، للسؤال في أولهما عنه، وفي الثاني عن الغمس في الوضوء الذي هو الماء الذى يتوضأ منه. فلعل الاولى أن يقال: الظاهر من الامر بالغسل قبل إدخال اليد في الاناء لتجنيب الماء أثر الحدث الذي لا ينبغي معه استعماله، فمرجعه إلى كراهة الاستعمال بإدخال اليد قبل غسلها، ولا أثر في ذلك ارتكازا لنية الوضوء به، كما هو الظاهر من خبر علي بن جعفر، لظهوره في كراهة الوضوء بفضل ماء الاستنجاء مع إدخال اليد فيه للاستنجاء من غير غسل، غاية ما قد يدعى أن المتيقن من الاستعمال الذي يكره هو الوضوء، لانه مورد النصوص المشار إليها. ومنه يظهر أن الغسل من آداب ماء الوضوء، لا من آداب الوضوء، كما قد يستظهر من الاصحاب وجزم به في الجواهر، فضلا عن أن يكون من أجزائه المستحبة، كما قد يظهر مما صرح به جماعة وحكي عن المشهور والاكثر من جواز مقارنة نية الوضوء له، بناء على ما هو ظاهرهم من إرادة النية التفصيلية التي ذكروا لزوم مقارنتها لاول العمل.

===============

( 246 )

[ والمضضة والاستنشاق (1)، ] كما أنه ليس من آداب مطلق الماء، مع قطع النظر عن الوضوء به، كما هو مقتضى إطلاق ما حكهاه في الجواهر عن بعضهم و استضعفه. ولا من السنن المطلقة، كما احتمله في المنتهى، لدعوى كون منشئه توهم النجاسة التي عرفت ضعفها. نعم، لو تمت الاطلاقات المتقدمة كان من سنن الاحداث المذكورة، كما سبق، وسبق عدم تماميتها. الثالث: الظاهر عدم اعتبار النية في غسل اليدين، كما صرح به في المنتهى ومحكي التحرير، لا لتعليله بتوهم النجاسة التي لا تعتبر النية في التطهير منها حتى مع العلم بها - وإن ذكره في المنتهى - لما سبق من عدم التعويل على التعليل المذكور، بل لاطلاق أدلته المتقدمة، كما ذكره في المنتهى أيضا. ودعوى: لزوم النية فيه، لانه من سنن الوضوء، أو طن أجزائه المستحبة. مدفوعة: بما سبق من منع كونه من سنن الوضوء، فضلا عن أن يكون من أجزائه المستحبة. مع أن الدليل على اعتبار النية في الوضوء منحصر بالاجماع، والمتيقن منه الوضوء الواجب، دون أجزائه المستحبة، فضلا عن سننه وآدابه الخارجة عنه، فلاحظ. (1) كما ذكره غير واحد، وفي المدارك: أنه المعروف من المذهب، ونسبه في المنتهى ومحكي التذكرة إلى علمائنا، وادعى في الناصريات والخلاف والغنية الاجماع عليه. للنصوص المستفيضة، كموثق سماعة: " سألته عنهما، قال: هما من السنة، فان نسيتهما لم يكن عليك إعادة " (1)، وغيره.


____________
(1) الوسائل باب: 29 من أبواب الوضوء حديث: 2.

===============

( 247 )

وعن ابن أبي عقيل أنهما ليسا بفرض ولا سنة، وكأنه لخبر زرارة عن أبى جعفر عليه السلام: " قال: ليس المضمضة والاستنشاق فريضة ولا سنة، إنما عليك أن تغسل ما ظهر " (1). لكنه محمول - بقرينة النصوص المذكورة - على أنه ليس مما دلت السنة على وجوبه، كما هو المناسب للذيل المسوق لحصر ما يجب فعله، بل ربما يحمل كلام ابن أبي عقيل على ذلك. وبه يجمع بين ما تضمن أنهما من الوضوء، كحديث أبي بصير: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عنهما، فقال: هما من الوضوء، فإن نسيتهما فلا تعد " (2) وما تضمن نفي كونهما منه كصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: المضمضة والاستنشاق ليسا من الوضوء " (3)، وغيره. وكأنها تعريض بما عن بعض العامة من البناء على وجوبهما، للسنة، كالنبوي المذكور عنهم في المعتبر: " المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه " (4). وأما الجمع بين النصوص بما أشار إليه في الحدائق من أنهما من السنن المطلقة، لا من سنن الوضوء المرتبطة به، ونسب لصاحب رياض المسائل نصرة ذلك والاستدلال عليه بالوضوءات البيانية، مع استضعاف النصوص الدالة على ارتباطهما بالوضوء وحمل بعضها على التقية، لاشتماله على أحكام اخر تناسبها. فيدفعه: إباء جملة من نصوصهما الحمل على ذلك وفيها المعتبر السند، كموثق سماعة المتقدم المتضمن عدم وجوب الاعادة بتركهما، ولا مجال. للحمل


____________
(1) الوسائل باب: 29 من أبواب الوضوء حديث: 6. (2) الوسائل باب: 29 من أبواب الوضوء حديث: 4. (3) الوسائل باب: 29 من أبواب الوضوء حديث: 5. (4) المعتبر ص: 44.

===============

( 248 )

على التقية مع إمكان الجمع العرفي، بمجرد اشتمال الخبر على ما يوافقها، ولاسيما مع تسالم الاصحاب على ذلك. ولا ينافيه خلو النصوص البيانية عنهما، لسوقها لبيان الوضوء الواجب، كما بقي في المقام أمران.. الاول: قال في المنتهى: " المضمضة إدارة الماء في الفم، والاستنشاق اجتذابه في الانف "، وهو المطابق لما ذكره بعض اللغويين. لكن الظاهر الاكتفاء عرفا في المضمضة بتحريك الماء في الفم، كما ذكره في مجمع البحرين، لكن مع نحو من الشدة والدفع وإن لم تتحقق الادارة. ولعله لذا قال في المبسوط عند الكلام في المضمضة والاستنشاق: " ولا يلزم أن يدير الماء في لهواته، ولا أن يجذبه بأنفه " وفي مفتاح الكرامة: " وفي المجمع أنه يمكن أن يكون ذلك؟ يعني الادارة - لتحصيل الكمال، لا لتحصيل نفس الاستحباب ". وإلا فلا إشكال في عدم صدق المضمضة بمجرد إدخال الماء أو دخوله في فضاء الفم، بل هما مقدمة له. وربما حمل ما سبق من المبسوط على الادارة في جميع الفم والجذب للخياشيم، حيث لا إشكال ظاهرا في عدم اعتبارهما في مفهوم المضمضة والاستنشاق. نعم، لا يبعد استحبابهما فيهما، لانهما من المبالغة فيهما التي ورد الامر بها في موثق السكوني، ففيه أنه صلى الله عليه وآله قال: " ليبالغ أحدكم في المضمضة والاستنشاق، فإنه غفران لكم ومنفرة للشيطان " (1). ثم إن الظاهر أنه يعتبر في المضمضة أن يكون تحريك الماء بقوة الفم، ولا يكفي التحريك بالاصابع، خلافا لما في مجمع البحرين.


____________
(1) الوسائل باب: 29 من أبواب الوضوء حديث: 11.

===============

( 249 )

[ وتثليثهما (1)، ] الثاني: أنه لا إشكال في خروج المج والاستنثار عن المضمضة والاستنشاق، كما صرح بالاول في المنتهى ومحكي نهاية الاحكام، وبالثاني في غيرهما، خلافا لما عن ظاهر التذكرة والذكرى في الاول، وعن بعضهم فيهما معا. وربما جعلا مستحبا آخر. ولعله للاستقذار، أو للتعارف، كما في الجواهر، فتأمل. (1) كما هو صريح اللمعة وعن غيرها وعن ظاهر التذكرة وغيرها، بل التثليث في الجملة مما ذكره جماعة كثيرة، وادعى عليه الاجماع في الغنية، ونسبه في الجواهر لفتوى الاصحاب. ولا وجه لما عن بعض متأخري المتأخرين من إنكار مستنده بعد ما في خبر أبي إسحاق الحاكي لعهد أمير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن أبي بكر، من قوله عليه السلام: " وانظر إلى الوضوء، فإنه من تمام الصلاة، تمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاثا.. " (1). وأما ما في كتاب الامام الكاظم عليه السلام لعلي بن يقطين (2) من الامر بالتثليث فيهما، فلا مجال للاستدلال به بعد صدور الكتاب للتقية وعدم ذكره في الكتاب الثاني بعد زوال سببها. بل قال سيدنا المصنف قدس سره: " ترك الامر بهما عند زوال التقية شاهد بالخلاف، إلا أن يكون المراد به بيان الوضوء الواجب. لكن ذكر فيه الاسباغ فلاحظ ". لكن لما كان المتروك هو المضمضة والاستنشاق رأسا لا خصوص تثليثهما فلا يدل على عدم استحباب تثليثهما لوثبت استحبابهما. وكيف كان، فالعمدة في المقام خبر أبي اسحاق الذي يكون الجمع بينه


____________
(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 19. (2) الوسائل باب: 22 من أبواب الوضوء حديث: 3.

===============

( 250 )

[ وتقديم المضمضة (1)، ] وبين المطلقات بالحمل على الافضل، لانه الذي يقتضيه الجمع بين المطلق والمقيد في المستحبات، ولا مجال للبناء على التقييد، بحيث لا يشرع الاكتفاء بالمرة، وإن كان قد يستظهر من جماعة، بل في المبسوط والنهاية: " ولا يكونان أقل من ثلاث ". هذا، وفي الجواهر: " ما ذكره بعضهم من كون الثلاث بثلاث أكف، ومع إعواز الماء يكفي الكف الواحدة لم أقف له على مستند بالخصوص، بل عن مصباح الشيخ ومختصره ونهايته والمقنعة والوسيلة والمهذ ب والاشارة الاقتصار على كف للاكل منهما، وعن ظاهر الاقتصاد والجامع الاكتفاء بكف لهما، كما هو مقتضى الاطلاقات. مع التأيد بالنهي عن السرف في ماء الوضوء، وفي المبسوط: لا فرق بين أن يكونا بغرفة واحدة أو بغرفتين ". لكن تحقق المضمضة ثلاثا بكف واحدة لا يخلو عن تكلف، لاحتياجها لمقدار معتد به من الماء، ولا تصدق مع قلته، إلا أن يراد تكرار المضمضة بتمام ما في الكف بمجه ثم إرجاعه، وهو بعيد جدا. ولزوم السرف في ماء الوضوء ليس محذورا إذا لم يزد على المد، والظاهر عدم زيادته بتعدد الغرفات، فلاحظ. (1) كما في الوسيلة والمنتهى والروضة والتذكرة وحكي التحرير ونهاية الاحكام والذكرى والنهاية. وقد يستفاد ممن عطف الاستنشاق ة ب‍ " ثم "، كما عن المقنعة والبيان وغيرهما. وإن أمكن إرادتهم شرطية الترتيب، كما هو المصرح به في المبسوط وحكي عن جماعة، كما لعله ظاهر من ذكر أنه لو عكس استحب إعادة اللاستنشاق. وقد يستدل لاستحباب الترتيب أو شرطيته تارة: بالترتيب بينهمما في الذكر في جميع النصوص.

===============

( 251 )

[ والدعاء بالمأثور عندهما (1)، ] واخرى: بوروده في خبر عبد الرحمن الحاكي لوضوء أمير المؤمنين عليه السلام الآتي في بيان الادعية المأثورة، بل هو مقتضى السيرة. وهو كما ترى! لاحتمال كون منشأ الجميع الغرتيب بينهما طبعا، لانه الانسب بالتنزه عن قذر الانف. على أنه يأتي رواية الكافي للخبر بعكس الترتيب. ومن ثم تنظر في كشف اللثام في الشرطية. ثم لو تم الدليل على الترتيب اقتضى الترتيب بين المضمضة أجمع والاستنشاق، ولا وجه لما عن نهاية الاحكام من تقريب الاكتفاء بالمضمضة مرة ثم الاستنشاق كذلك وهكذا ثلاثا. (1) كما تضمنه خبر عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام الحاكي لوضوء أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه؟ " فأتاه محمد بالماء فاكفاه فصبه بيده اليسرى على يده اليمنى، ثم قال: بسم الله وبالله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا... ثم تمضمض فقال: اللهم لقني حجتي يوم ألقاك وأطلق لساني بذكراك، ثم استنشق فقال: اللهم لا تحزم علي ريح الجنة، واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها " (1). وحذف في الفقيه والتهذيب من التسمية قوله: " وبالله أ وأبدلا قوله في دعاء المضمضة: " بذكراك " بقوله: " بذكرك "، وزاد فيه في الفقيه قوله: " وشكرك ". وعن أربعين البهائي عن بعض الكتب ذكر دعاء الاستنشاق هكذا: " اللهم لا تحرمني طيبات الجنان واجعلني ممن... ". وروى الحديث في الكافي هكذا: " فأتاه به فصبه بيده اليمنى على يده اليسرى، ثم قال؟ الحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا. ثم استنشق


____________
(1) الوسائل باب: 16 من أبواب الوضوء حديث: 1.

===============

( 252 )

[ وعند غسل الوجه (1) واليدين (2) ومسح الرأس (3) والرجلين (4). ] فقال: اللهم لا تحزم علي ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وطيبها وريحانها " (1). (1) ففي خبر عبد الرحمن المذكور: " ثم غسل وجهه فقال: اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه "، وفى بعض نسخ الكافي حذف " فيه " في الموضعين. (2) ففي الخبر المذكور: " ثم غسل يده اليمنى فقال: اللهم اعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حسابا يسيرا، ثم غسل يده اليسرى فقال: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي (بيساري. فقيه) ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، وأعوذ بك من مقطعات النيران "، واقتصر في الكافي في دعاء اليمنى على قوله: " اللهم اعطني كتابي بيميني والخلد بيساري ". (3) ففي الخبر المذكور: " ثم مسح رأسه فقال: اللهم غشني برحمتك وبركاتك وعفوك "، وحذف في التهذيب والحدائق قوله: " وعفوك ". (4) ففي الخبر المذكور: " ثم مسح رجليه فقال: اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الاقدام، واجعل سعيي فيما يرضيك عني، ئم رفع رأسه فنظر إلى محمد، فقال: يا محط من توضأ مثل وضوئي وقال مثل قولي خلق الله له من كل قطرة ملكا يقدسه ويسبحه ويكبره، فيكتب له ثواب ذلك إلى يوم القيامة " ورواه في الكافي هكذا، إلا أنه قال في الدعاء: " اللهم ثبت قدمي (على الصراط. خ) يوم... ". ثم إن مقتضى عطف الادعية على الافعال في الخبر بالفاء كونها بعد الفراغ منها متصلة بها، ولاسيما في مسح الرجلين المذكور لهما دعاء واحد، بناء على الترتيب بينهما، بل هو المقطوع به في دعاء المضمضة والاستنشاق، لتعذر الكلام


____________
(1) فروع الكافي باب النوادر من كتاب الطهارة حديت: 6 ص 70 ج 1.

===============

( 253 )

[ وتثنية الغسلات (1). ] حين الانشغال بهما. فما يظهر من المتن وغيره من كون الدعاء عند الانشغال بالافعال، محتاج لقرينة صارفة للخبر عن ظاهره. إلا أن يكون مرادهم من كونه عنده أنه بعده متصل به، كما هو المتعين في المضمضة والاستنشاق، لما ذكرنا. هذا، وفي صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " فإذا فرغت فقل؟ الحمد لله رب العالمين " (1). وفي حدبث الاربعمائة: " فإذا فرغ من طهوره قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله " (2). وعن تفسير العسكري عليه السلام دعاء طويل بعد الفراغ أيضا (3). كما ذكر في مستدرك الوسائل (4) نصوصا كثيرة تتضمن أدعية اخر بعده، وسورة القدر وآية الكرسي وبعض الآيات الاخر، ولا مجال لاستقصاء ذلك. (1) أما الاكتفاء في الفرض بالمرة، فهو مقتضى إطلاق الكتاب المجيد وكثير من النصوص، بل هو المقطوع به من جملة منها ومن كلمات الاصحاب ومعاقد إجماعاتهم، وفي الاستبصار: " لا خلاف بين المسلمين أن الواحدة هي الفريضة وما زاد عليها سنة " وفي المنتهى: " وهو مذهب علماء الامصار، إلا ما نقل عن الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، فانهما قالا: ثلاثا ثلاثا إلا الرجلين ".


____________
(1) الوسائل باب: 26 من ابواب الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 26 من ابواب الوضوء حديث: 10. (3) الوسائل باب: 15 من ابواب الوضوء حديث: 21. (4) راجع باب: 24 من ابواب احكام الوضوء.

===============

( 254 )

وأما استحباب التثنية، فهو المصرح به في كلام جملة من الاصحاب القدماء منهم والمتأخرين، بل هو المعروف من مذهبهم المدعى عليه الاجماع في الانتصار والاستبصار - فيما تقدم - والغنية. واستدل له بجملة من النصوص: كصحيح معاوية بن وهب: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء، فقال: مثنى مثنى " (1). ونحوه صحيح صفوان (2). وصحيح يونس بن يعقوب: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال! قال: يغسل ذكره ويذهب الغائط، ثم يتوضأ مرتين مرتين " (3). ورواية زرارة عنه عليه السلام: " قال: الوضوء مثنى مثنى من زاد لم يؤجر عليه. وحكى لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فغسل وجهه مرة واحدة وذراعيه مرة واحدة... " (4). ورواية بكير عنه عليه السلام: " قال: من لم يستيقن أن واحدة من الوضوء تجزيه لم يؤجر على الثنتين " (5). ومرسل الاحول عنه عليه السلام: " قال: فرض الله الوضوء واحدة واحدة ووضع رسول الله صلى الله عليه وآله للناس اثنتين اثنتين " (6). ورواية داود الرقي: " دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: جعلت فداك، كم عدة الطهارة؟ فقال: ما أوجبه الله فواحدة، وأضاف إليها رسول الله صلى الله عليه وآله واحدة لضعف الناس... " ثم ذكر فتوى الامام عليه السلام لداود بن زربي بالتثليث للتقية وأنه بعد


____________
(1) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 28. (2) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 29. (3) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5. (4) الوسائل باب: 31 من ابواب الوضوء حديث: 5. (5) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 4. (6) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 15.

===============

( 255 )

ارتفاع سبب التقية قال له: " يا داود بن زربي توضأ مثنى مثنى، ولا تزدن عليه... " (1). وخبر أبي المقدام: " حدثني من سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: إني لاعجب ممن يرغب أن يتوضأ اثنتين اثنتين وقد توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله اثثتين اثنتين " (2). ومرسل الصدوق: " وروي: أن مرتين أفضل " (3). ومرسل القطب الراوندي قال: " وقد توضأ صلى الله عليه وآله مرة مرة،، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، فمن ترك شيئا منه اختيارا فلا صلاة له، ثم توضأ مرتين مرتين فقال: هذا وضوء من أتى به يضاعف له الاجر مرتين، فمن زاد أو نقص فقد تعدى وظلم " (4). وما تضمن جعلها من الاسباغ - الذي ورد الندب له (5) - مثل ما في كتاب الكاظم عليه السلام لعلي بن يقطين: " وتوضأ كما أمرك الله تعالى: اغسل وجهك مرة فريضة واخرى إسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك " (6). ورواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام: " إن الضوء مرة فريضة واثنتان إسباغ " (7) وغيرهما. لكنها معارضة بجملة اخرى من النصوص ظاهرة في أفضلية المرة أو في عدم الفضل في الزيادة عليها، كصحيح زرارة: " قال أبو جعفر عليه السلام: إن الله وتر يحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه واثنتان للذراعين... " (8). وموثق ابن أبي يعفور المروي في مستطرفات السرائر عن أبي عبد الله عليه السلام:


____________
(1) الوسائل باب: 32 من ابواب الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 31 من ابواب الوضوء حديث: 16. (3) الوسائل باب: 31 من ابواب الوضوء حديث: 19. (4) مستدرك الوسائل باب: 28 من ابواب احكام الوضوء حديث: 7. (5) راجع الوسائل باب: 54 من ابواب الوضوء. (6) الوسائل باب: 32 من ابواب الوضوء حديث: 3. (7) الوسائل باب: 31 من ابواب الوضوء حديث: 23. (8) الوسائل باب: 31 من ابواب الوضوء حديث: 2.

===============

( 256 )

" قال: اعلم أن الفضل في واحدة واحدة ومن زاد على اثنتين لم يؤجر " (1). ومرسل ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: الوضوء؟ واحدة فرض واثنتان لا يؤجر والثالث بدعة " (2). ومرسل الصدوق: " وقال الصادق: من توضأ مرتين لم يؤجر " (3). ومثلها ما تضمن أن وضوء النبي وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما كان مرة مرة، كموثق عبد الكريم بن عمرو: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء، فقال: ماكان وضوء علي إلا مرة مرة " (4). ومرسل الصدوق: " قال الصادق عليه السلام: والله ما كان وضوء رسول الله إلا مرة مرة " (5). لظهورهما في مداومتهما صلى الله عليه وآله على ذلك، وهو لا يناسب استحباب المرتين جدا، ولا سيما مع حكاية الامام عليه السلام له الظاهر في الحث عليه. نعم، لا مجال لمعارضتها بنصوص الوضوءات البيانية، بلحاظ الاقتصار فيها - مع كثرتها - على المرة، لقرب الجمع بينها وبين نصوص التثنية بحملها على بيان كيفية وضوئه صلى الله عليه وآله من دون نظر لعدد الغسل، في مقابل العامة الذين زادوا وبد لوا في المغسول والممسوح. ومثلها ما تضمن اقتصارهم عليهم السلام في وضوءاتهم المروية على المرة، كصحيح أبي عبيدة: " وضأت أبا جعفر عليه السلام بجمع وقد بال، فناولته ماء فاستنجى، ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه (وكفا غسل به ذراعه الايمن) وكفا غسل به ذراعه الايسر... " (6).


____________
(1) الوسائل باب: 31 من ابواب الوضوء حديث: 27. (2) الوسائل باب: 31 من ابواب الوضوء حديث: 3. (3) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 14. (4) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 7. (5) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 10. (6) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 8.

===============

( 257 )

وصحيح حماد بن عثمان: " كنت قاعدا عند أبي عبد الله عليه السلام فدعا بماء فملأ به كفه فعم به وجهه، ثم ملأ كفه فعم به يده اليمنى، ثم ملأ كفه فعم به يده اليسرى، ثم مسح على رأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث حدثا، يعنى التعدي في الوضوء " (1). وخبر عبد الرحمن بن كثير المتقدم في الادعية المأثورة، الحاكي لوضوء أمير المؤمنين عليه السلام وغيرها. لان استحباب التثنية لا ينافي اقتصارهم عليهم السلام على المرة في بعض الموارد، وإنما ينافي اعتيادهم عليها. نعم، لابد من حمل قوله عليه السلام في صحيح حماد: " هذا وضوء من لم يحدث حدثا... " على الاشارة لذات الوضوء وكيفيته، لا بقيد المرة، ولو للجمع بينه وبين نصوص التثنية، وإلا فهو ظاهر في حرمة الزيادة، ولا سيما بضميمة ما في موثق السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: من تعدى في الوضوء كان كناقضه " (2)، مع أن نصوص التثنية وكثير من نصوص المرة صريحة أو ظاهرة في عدم حرمتها. وكذا الحال فيما تضمن أن الوضوء مرة، كرواية ميسر عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: الوضوء واحد " (3)، لامكان الجمع بينه وبين نصوص التثنية بحمله على بيان خصوص الواجب. فالعمدة في معارضة نصوص استحباب التثنية ما تقدم. ولعل الاقرب في الجمع بين الطائفتين حمل نصوص التثنية على محض المشروعية من باب التخيير بين الاقل والاكثر، الذي لا مانع منه على التحقيق، من دون أن تكون أفضل، كما هو مضمون خبر الاعمش الآتي، بل مع أفضلية المرة، عملا ببعض نصوصها الظاهر أو الصريح في ذلك، كصحيح زرارة وموثق بن أبي


____________
(1) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 8. (2) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 24. (3) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 1.

===============

( 258 )

يعفور وما تضمن أن وضوء النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام كان عليها، بعد عدم إباء أكئر نصوص التثنية عن الحمل على ذلك، ولو للجمع العرفي بين الطائفتين. أما ما تضمن أن الوضوء مثنى مثنى - كصحاح معاوية وصفوان ويونس ورواية زرارة - فلقرب حملها على محض بيان الحد من طرف الكثرة، نظير ما سبق من حمل ما تضمن أنه واحدة على بيان الفرض والحد من طرف القلة، من دون أن يراد بها الحث على ذلك. بل لعل ذلك هو الانسب بلسانها بعد تعذر حملها على التحديد التام الظاهر منها بدوا، حيث لا يبعد أن تكون المحافظة على ظهورها في تحديد الوضوء المعهود مع رفع اليد عن تمامية التحديد، أقرب من حملها على مجرد الحث، أو على تحديد الفرد الافضل من الوضوء. ولا سيما رواية زرارة، فإن تعقيب تحديد الوضوء فيها بأنه مثنى مثنى بقوله عليه السلام: " من زاد عليه لم يؤجر " وبحكاية وضوء النبي صلى الله عليه وآله بالمرة، مناسب لسوقها لبيان محض التحديد من طرف الكثرة لبيان عدم مشروعية الزيادة على الثنتين. وأما مرسل الاحول ورواية داود، فلان إضافة رسول الله صلى الله عليه وآله الثانية لا يستلزم استحبابها، بل لعله لمجرد السعة أو الاحتياط، بلحاظ ما قد يتفق من عدم حصول الاستيعاب الواجب أو الاسباغ المستحب بالواحدة، أو ما قد يختلج في ذهن المتوضئ من التشكيك في حصولهما، كما هو المناسب للتعليل في الثانية بضعف الناس. ولاجله يتعين حمل الامر في ذيل الثانية بالتثنية على محض الترخيص لبيان أكثر المشروع، كما هو المناسب لتعقيبه بالنهي عن الزيادة عليها. وأما خبر أبي المقدام، فلا يأبي الحمل على إرادة استنكار الرغبة عن الثنتين لاعتقاد عدم مشروعيتهما، لا لاجل أفضلية الاقتصار على المرة، بل هو المناسب

===============

( 259 )

للتعليل بأنه صلى الله عليه وآله توضأ مرتين مرتين، لوضوح أن وقوع ذلك منه لا يقتضي إلا مشروعيته، ولا يكفي في استحبابه ما لم يكن بنحو الالتزام والاستمرار، ولم يتضمن التعليل ذلك. وأما ما تضمن أن الثانية للاسباغ، فهو لا يدل على توقف الاسباغ المندوب له عليها، وإنما يدل على أن تشريعها لاجله ولو بلحاظ الاقدار عليه بها لو لم يتحفق بالاولى يقينا أو احتمالا. ولعله المراد بضعف الناس الذي تضمنته رواية داود - كما سبق - وإلا فالاسباغ لغة وعرفا الاتمام والاستيفاء، وهو يحصل مع كثرة الماء ولو بمرة، فمن البعيد جدا إرادة خصوص المرتين من إطلاقاته الكثيرة من دون تنبيه، كيف وقد سبق في غير واحد من النصوص الاكتفاء منهم علهم السلام في وضوءاتهم بالمرة، ومن البعيد جدا تساهلهم في الاسباغ، مع شدة حثهم عليه (1) حتى ورد أنهم قد أمروا به (2). بل لعله مقتضى الجمع بين ما في صحيح ابن أذينة الوارد في المعراج في وضوئه صلى الله عليه وآله من ماء صاد من قوله عليه السلام: " ثم أوحى الله إليه أن اغسل وجهك، فإنك تنظر إلى عظمتي، ثم اغسل ذراعيك اليمنى واليسرى، فإنك تلقى بيديك كلامي... "، وما في صحيح الحسين بن أبي العلاء من قوله عليه السلام: " أوحى إليه و أمره أن يدنو من صاد فيتوضأ، وقال: أسبغ وضوءك وطهر مساجدك " (4)، وما في خبر إسحاق من قوله عليه السلام: " فدنا رسول الله صلى الله عليه وآله من صاد فتوضأ وأسبغ وضوءه " (5)، لقوة ظهور صحيح ابن أذينة في أنه لم يؤمر بالمرتين، فلابد من تحقق الاسباغ منه صلى الله عليه وآله بالمرة.


____________
(1) راجع الوسائل باب: 54 من أبواب الوضوء. (2) الوسائل باب: 54 من أبواب الوضوء حديث: 4. (3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 5. (4) الوسائل باب: 54 من أبواب الوضوء حديث: 8. (5) الوسائل باب: 54 من أبواب الوضوء حديث: 5.

===============

( 260 )

بل هو كالصريح من قول الصادق عليه السلام في خبر الاعمش الوارد في بيان شرائع الدين: " إسباغ الوضوء كما أمر الله في كتابه الناطق: غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس والقدمين إلى الكعبين مرة مرة ومرتان جائز " (1). فتأمل جيدا. ولا أقل من لزوم حمل النصوص المذكورة على ذلك لاجل نصوص المرة نعم، لا مجال لذلك في مرسلي الصدوق والقطب الراوندي (2)، لصراحتهما في أفضلية المرتين. لكن من القريب أن يكون مرسل الصدوق منقولا بالمعنى، بلحاظ تحصيله من نصوص التثنية المتقدمة، وأن يكون مرسل الراوندي جزءا من روايات العامة، لروايتهم ما يقارب الفاظه مع إضافة أنه صلى الله عليه وآله توضأ ثلاثا ثلاثا وقال: " هذا وضوئي ووضوء الانبياء قبلي " (3). على أنه لا مجال للخروج بهما عن نصوص استحباب المرة مع كثرتها وقوة أسانيد جملة منها. واعتضادها بنصوص الوضوءات البيانية الواردة مورد الحث على سهولة الوضوء وخفته، والتي يقوى احتمال ورودها لبيان اقتصاره على المرة أيضا في مقابل رواية العامة المتقدمة ونحوها في حكاية وضوئه صلى الله عليه وآله، وبالاقتصار في الوضوءات المحكية عنهم عليهم السلام على المرة، ولا سيما وضوء أمير المؤمنين عليه السلام المحكي في خبر عبد الرحمن بن كثير المتقدم، المبني على تحري الفضيلة بكثير من الآداب. ولمجدم التنبيه على التثنية في كثير من النصوص الواردة لبيان فضيلة الوضوء وثواب أفعاله.


____________
(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 18. (2) وأيضا ذكر الوحيد قدس سره في حاشية المدارك ان في كتاب الرضا عليه السلام للمأمون أن الثانية استحباب، ولم أعثر على ذلك في كلام غيره، وإنما الموجود رواية الفضل المتضمنة انها اسباغ، فيلحتها ما - تقدم. (3) نقله في هامش الحدائق الحديثة عن سنن البيهقي ج: 1 ص 80.

===============

( 261 )

ولا مجال لترجيح المرسلين بشهرة الفتوى بمضمونهما بين الاصحاب، لعدم وضوح اعتمادهم عليهما بل المظنون عدمه، وابتناء فتواهم على اشتباه وضع النبي صلى الله عليه وآله الثانية بسنته المرغوب اتباعها. على أن الانجبار بالشهرة في الآداب غير ظاهر، لما هو المعلوم من تساهلهم فيها. ومن هنا كان الاقوى عدم استحباب التثنية، كما هو صريح من حكم بعدم الاجر فيها، ولا يأباه كلام غيرهم ممن يأتي التعرض له، وإليه مال في كشف اللثام. بل الافضل الاقتصار على المرة، كما هو صريح ما عن البزنطي من التعبير بعبارة موثق ابن أبي يعفور المتقدم. نعم، لا ينبغي التأمل في مشروعية الثانية، كما هو المعروف من مذهب الأصحاب، حتى القائلى بعدم استحبابها، على ما يأتي، لأنها مقتضى مجموع النصوص الواردة في المقام. لكن في الخلاف: " وفي أصحابنا من قال: إن الثانية بدعة "، ونسب القول المذكور في السرائر للصدوق، وهو الذي استظهره في الروض والحدائق من حكمه بعدم الاجر فيها، كما في المقنع والهداية والفقيه، بدعوى: أن عدم الاجر عليها مستلزم لخروجها عن الوضوء الذي هو عبادة، لان العبادة إما واجبة أو مستحبة. إلا أنه تقدم إمكان التخيير بين الاقل والاكثر فلا مانع من حمل كلامه عليه، كما هو المناسب لما في المقنع والهداية من التفريق بينها وبين الثالثة بعدم الاجر عليها، وكون الثالثة بدعة، لظهوره في جوازها مع عدم الاجر عليها وليست بدعة كالثالثة، كما هو صريحه في المجالس في بيان دين الامامية إجمالا. نعم، كلامه في الفقيه آب عن الحمل على ذلك، على ما سيأتي. وأضعف من ذلك ما في الحدائق من استظهار القول بحرمة الثانية من الكليني قدس سره، لقوله بعد أن ذكر موثق عبد الكريم المتقدم المتضمن أن وضوء أمير

===============

( 262 )

المؤمنين عليه السلام ماكان إلا مرة مرة: " هذا دليل على أن الوضوء إنما هو مرة مرة، لانه صلوات الله عليه كان إذا ورد عليه أمران كلاهما لله طاعة أخذ باحوطهما وأشدهما على بدنه (1)، وإن الذي جاء عنهم عليهم السلام: أنه قال: " الوضوء مرتان " إنما هو لمن. ظ.) لم يقنعه مرة واستزاده فقال: " مرتان "، ثم قال: " ومن زاد على مرتين لم بؤجر "، وهذا أقصى غاية الحد في الوضوء، الذي من تجاوزه أثم، ولم يكن له وضوء، وكان كمن صلى خمس ركعات. ولو لم يطلق عليه السلام في المرتين لكان سبيلهما سبيل الثلاث ". بحمل المرة والمرتين على الغرفة والغرفتين في غسلة واحدة، والثلاث على الغرفة الثالثة للغسلة الثانية بعد الغسلة الاولى بالغرفتين. وهو كم ترى! لبعد حمل المرة والمرتين على الغرفة والغرفتين مع تكرارهما وسوقهما خبرا عن الوضوء، لوضوح أن المتحد مع الوضوء هو الغسلة بعد الغسلة، لا الغرفة والغرفتان، بل هي مقدمة له، فلو أردت لكان المناسب أن يقول: الوضوء بمرة، أو مرتين. مضافا إلى ابتناء التفكيك بين الثانية والثالئة بحمل الثانية على الغرفة المنضمة للاولى في غسلة واحدة، والثالثة على الغرفة المستقلة لغسلة ثانية، على تكلف ظاهر لا ينبغي التأمل في عدم جري الكليني قدس سره عليه، بل كلامه كالصريح فيما ذكرناه من التخيير بين الغسلة والغسلتين، وأن إضافة الثانية سعة لملاحظة حال الناس، كما تضمنته رواية داود المتقدمة. ومنه يظهر ضعف ما اعتمده من الجمع بذلك بين النصوص، بحملها على تحريم الغسلة الثانية بغرفة ثالثة والتخيير في الغسلة الاولى بين الغرفة والغرفتين. ومثله ما يظهر من الوسائل والمدارك واحتمله في كشف اللثام، من حمل


____________
(1) لعله يشير بذلك إلى ما في صحيح محمد بن قين عن أبي جعفر عليه السلام الوارد في وصف أمير المؤمنين عليه السلام وفيه: " وما ورد عليه أمران كلاهما لله رضا إلا أخذ بأشدهما على بدنه... " (الوسائل باب: 20 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 12).

===============

( 263 )

النصوص على إرادة حكم تعدد الغرفة في الغسلة الواحدة. وكيف كان، فلا يظهر الخلات من القدماء في مشروعية الثانية إلا من الصدوق في الفقيه، لمناسبة استدلاله لذلك، وقد تبعه في ذلك بعض المتأخرين صريحا - كصاحب الحدائق - أو ظاهرا بمقتضى استدلالاتهم وتأويلاتهم السابقة والآتية لنصوص التثنية. وقد يستدل على ذلك.. تارة: بما أشار إليه في الحدائق من النصوص المتضمنة نفي الاجر عليها، لدعوى: امتناع الاباحة في العبادة. ويظهر الجواب عنه مما تقدم من إمكان التخيير بين الاقل والاكثر، فيكون المراد بعدم الاجر عليها عدم زيادة الاجر لاجلها وإن كانت حين تحققها مشاركة للاولى في الوفاء بالغرض وفي انطباق عنوان الوضوء عليها، بحيث تترتب آثاره، كجواز المسح بمائها ونحوه. ويشهد بذلك الحكم في الثالثة بأنها بدعة، حيث يظهر منه مخالفتها للثانية في ذلك، وأنه لا يلزم من عدم الاجر عليها كونها بدعة. وارجاعهما لمعنى واحد - كما احتمله في الحدائق - تكلف ظاهر. واخرى: بما في الفقيه، حيث قال: " وتوضأ النبي صلى الله عليه وآله مرة مرة فقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ". وفيه - مع إرسال الحديث، واحتمال كونه قطعة من الحديث العامي المتقدم - أنه يقرب حمله على الاشارة للوضوء الصادر منه بذاته، لا بقيد كونه مرة، لبيان عدم جواز إنقاصه، - نظير مرسل القطب الراوندي - لان ذلك لو لم يكن هو الظاهر منه في نفسه فلا أقل من كونه مقتضى الجمع بينه وبين نصوص مشروعية التثنية. وثالثة: بما أشار إليه فيه أيضا من أنها من التعدي في الوضوء، الذي هو كنقضه، كما تقدم في موثق السكوني. وأنه إذا كان الفرض من الله تعالى المرة - كما

===============

( 264 )

تظافرت به النصوص - يمتنع جعل رسول الله صلى الله عليه وآله الثانية، لانه من تجاوز حدود الله والتعدي فيها، وقد قال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسة " (1). قال قدس سره: " وقد فوض عزوجل إلى نبيه أمر دينه ولم يفوض إليه تعدي حدوده ". وفيه: أن دليل مشروعية الثانية وارد على دليل حرمة التعدي في الوضوء. كما أن فرضه تعالى الوضوء مرة مرة إنما هو بمعنى إيجابها، لا بمعنى منعه من الزيادة عليها، فلا تكون التوسعة منه صلى الله عليه وآله بوضع الثانية تعديا لحده تعالى، نظير مما ورد من إضافته صلى الله عليه وآله الركعة والركعتين في الثلاثية والرباعية (2). ومنه يظهر أنه لا ملزم لما ذكره قدس سره واحتمله في كشف اللثام من حمل مرسل الاحول المتضمن ذلك على الانكار دون الاخبار، مع مخالفته لظاهره وصريح رواية داود الرقي. كما أن غير واحد من وجوه الجمع المذكورة في كلمات الاصحاب بين النصوص مورد للاشكال: الاول: ما ذكره الصدوق قدس سره من حمل نصوص التحديد بالمرتين، وأنهما أفضل، وأنهما إسباغ، على التجديد، واحتمله في كشف اللثام، بل عن جماعة من محققي المتأخرين متابعته في الاخير. ويندفع - مضافا إلى عموم دليل مشروعية التجديد لما زاد على ذلك - بأنه لم يعهد إرادة التجديد من الاستعمالات المذكورة، بل هو لا يناسب تكرار " مرتين " و " مثنى " و " اثنتين " في بعض النصوص، وتوصيف الغسل نفسه بذلك دون الوضوء في آخر، كمكاتبة الكاظم عليه السلام لعلي بن يقطين. ولو بني على الحمل على ما ذكره لزم حمل نصوص المرة على نفي مشروعية التجديد، ولا وجه لحملها على نفي مشروعية الغسلة الثانية، وإلا كان الجمع بين النصوص بذلك تبرعيا.


____________
(1) سورة الطلاق: 1. (2) راجع الوسائل باب: 13 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها.

===============

( 265 )

الثاني: ما عن الوافي من حمل نصوص المرة على الغسلة ونصوص المرتين على الغرفتين، فيكون المراد أن الفرض غسلة واحدة، ووضع النبي صلى الله عليه وآله لها غرفتين، وهو موهون في نفسه جدا بملاحظة ما سبق في تعقيب كلام الكليني وغيره، مع أنه جمع تبرعي. ولا مجال للاستشهاد له بما في صحيح زرارة: " فقلنا: أصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزي للوجه، وغرفة للذراع؟ قال: نعم إذا بالغت فيها، والثنتان تأتيان على ذلك كله " (1)، لعدم الاشعار فيه، بالنظر لمضمون نصوص المقام. الثالث: ما احتمله في كشف اللثام والحبل المتين وغيرهما من حمل نصوص التثنية على أن الوضوء غسلتان ومسحتان في مقابل قول العامة بأنه ثلاث غسلات ومسحة واحدة. ويظهر الاشكال فيه بملاحظة مجموع النصوص. على أنه أشبه بالتخرص. ولا مجال للاستشهاد له برواية زرارة المتقدمة المتضمنة لقوله عليه السلام: " الوضوء مثنى مثنى من زاد عليه لم يؤجر " ثم حكاية وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله مرة مرة، لعدم صلوحها للقرينية على ذلك، بل هو لا يناسب قوله عليه السلام: " من زاد عليه لم يؤجر "، إذ ما عليه العامة هو إبدال المسح بالغسل، لا الزيادة، كما لا يناسب التعرض لحكاية الغسل دون المسح. بل المتعين فيها ما تقدم. الرابع: ما عن المنتقى من حمل نصوص التثنية على التقية. لان العامة تنكر الوحدة وتروي في أخبارهم التثنية. وفيه: أنه فرع استحكام التعارض وتعذر الجمع العرفي، وقد سبق إمكانه. مع أن المحكي عن جمهور العامة - عدا شاذ منهم - الاكتفاء في الفرض بالمرة - كما سبق - وعن أبي حنيفة والشافعي وأحمد أن المرتين أفضل والسنة الثلاث، واختلف النقل عن مالك، ففي الخلاف أنه ذهب إلى أن المرة أفضل، وفي المنتهى أنه لم يستحب ما زاد على الفرض، وعن ابن حجر أن مالك قال في


____________
(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3.

===============

( 266 )

المدونة: " لا أحب الواحدة "، وعن ابن رشد دعوى اتفاق العلماء على أن الاثنتين والثلاث مندوب إليهما، فكيف يمكن حمل نصوص التثنية على التقية مع اختلافهم واشتمال كثير منها على ما هو خلاف المشهور بينهم من عدم مشروعية الثالثة. هذا، مضافا إلى أنه لا مجال لذلك مع معروفية مشروعية التثنية عندنا، بل استحبابها، ولو كانت من مختصات العامة ومبتدعاتهم التي أنكرها أئمتنا عليهم السلام لما خفيت على أصحابنا عادة، لقوة أسباب ظهور ذلك. ومن جميع ما سبق يظهر شدة اضطراب الاصحاب ولا سيما المتأخرين منهم، حتى قال في الجواهر: " واضطرب الامر على متأخري المتأتخرين، حتى لا يدري أحدهم كيف يصنع، فأكثروا من الكلام بما هو بعيد من الصواب في المقام ". والظاهر أن ما ذكرناه مناسب للمهم من نصوص المقام والمتعين عرفا في مقام الجمع بينها، فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم، وهو ولي العصمة والسداد. بقي في المقام امور.. الاول: الظاهر أن المعيار في تعدد الغسلة على النية، فلو كرر احتياطا بنية غسلة واحدة لم تحسب إلا واحدة، وكان الزائد خارجا عن الوضوء، نظير غسل ما خرج عن الحد من باب المقدمة العلمية. نعم، يجوز ترتيب أثر ماء الوضوء عليه - من جواز المسح به وكون بقائه معيارا في تحقق الموالاة - إذا كان التكرار بالمسح من دون تجديد ماء، إما لعدم خروجه عن ماء الوضوء عرفا وإن خرج الغسل به عن غسله، أو للسيرة القطعية عن التسامح في ذلك، بخلاف ما إذا كان التكرار بتجديد الماء. وقد تقدم في وجوب المسح ببلة الوضوء ما له نفع في المقام، فراجع. الثاني: قال في المنتهى: " لو غسل بعض أعضائه مرة وبعضها مرتين جاز،

===============

( 267 )

لانه لما جاز في الكل جاز في الواحدة ". ولا يخفى ضعف التعليل بذلك بعد اختصاص النصوص بصورة اتفاق الاعضاء في العدد، كما يظهر من نسبة المرة والمرتين للوضوء المتحد مع الكل، ومن تكرار لفظهما. نعم، لا تبعد دعوى إلغاء الخصوصية المذكورة عرفا، ولا سيما بناء على ما يظهر من بعض الاخبار من أن تشريع الثانية للسعة على المكلفين. الثالث: لو توضأ مرتين، مرتين بانيا على وجوب ذلك أو استحبابه للجهل بالحال قصورا أو تقصيرا، فإن رجع إلى تقييد الامتثال بذلك، أو إلى الخطأ في اعتقاد مشروعية وضوء آخر غير ما هو المشروع، تعين البطلان، لتخلف الامتثال بتخلف قيده في الاول، وعدم قصد امتثال ما هو المشروع في الثاني، وإن رجع إلى قصد الوضوء المشروع مع الخطا في كيفيته - كما هو الغالب - فالظاهر الصحة، لاطلاق الادلة. وأما رواية بكير المتقدمة المتضمنة نفي الاجر على الثنتين لمن لم يستيقن بإجزاء الواحدة، فهي - مع ضعف سندها، واختصاصها بصورة عدم الاستيقان بالاجزاء - منصرفة لصورة عدم الخضوع للتشريع الاولي في ظرف العلم برأي أهل البيت علهم السلام فيه، لارتكاز كون عدم الاجر من سنخ العقوبة. على أن نفي الاجر لا يستلزم البطلان، لان الاجر على الامتثال تفضل منه تعالى من دون أن يكون حقا للعبد، فنفيه لا يستلزم عدم تحقق الامتثال. وأما لو ابتنى على التشريع بقصد الوجوب أو الاستحباب، فلا إشكال في البطلان لو رجع إلى تشريع وضوء آخر غير ما هو المشروع، وإن رجع للتشزيع في كيفية الوضوء المشروع فلا ينبغي التأمل في الصحة لو كان القصد لذلك بعد الغسلة الاولى، لعدم الدليل على بطلانها بعد صحتها. غاية الامر عدم ترتب آثار الوضوء على الغسلة الثانية لبطلانها بقصد التشريع المانع من التقرب.

===============

( 268 )

وإن كمان القصد إليه من أول الامر، لم يبعد البناء على البطلان لكون الاولى مقدمة للتشريع المحرم، فتكون مبعدة غير صالحة للتقرب المعتبر في العبادة، كما تقدم نظيره في الرياء، فلاحظ. الرابع: لا إشكال ظاهرا بين الاصحاب في عدم استحباب الثالثة، بل صرحوا بأنها بدعة، كما في المقنع والهداية وأمالي الصدوق والمبسوط والخلاف والنهاية والمعتبر والشرائع والمنتهى ومحكي السرائر وغيرها، وهو المنسوب للاكثر في محكي المختلف وللمشهور في محكي الذكرى، بل ظاهر محكي التذكرة الاجماع. والظاهر أنه إليه يرجع الحكم بالتحريم في الكافي - على ما تقدم - وجامع المقاصد ومحكي الذكرى والدروس والتنقيح وغيرها، لان ظاهر غير واحد وصريح آخرين إرادة الحرمة التشريعية. ويقتضيه مرسل ابن عمير المتقدم، وما في رواية داود الرقي من أن من توضأ ثلاثا فلا صلاة له، بل هو مقتضى نصوص التحديد بالمرتين، بناء على ما سبق من أن مقتضى الجمع بينها وبين بقية النصوص الحمل على بيان الحد من طرف الكثرة دون الاستحباب. خلافا لظاهر المحكي عن المفيد في المقنعة من قوله: " التثليث تكلف، فمن زاد على ثلاث فقد أبدع وكان مأزورا ". وربما يحمل عليه ما عن العماني وسبق عن البزنطي من أن من زاد على المرتين لم يؤجر، وعن الكاتب أن الثالثة زيادة غير محتاج إليها. وقد يستدل لهم.. تارة: بإطلاق الامر بالغسل، بناء على ما هو التحقيق من عدم اقتضاء الامر المرة، وأن سقوط الامر بها لتحقق الامتثال بصرف الوجود، حيث يختص ذلك بالامر الاستقلالي بالماهية، دون الضمني الارتباطي الذي لا يسقط إلا بسقوط الامر الاستقلالي بتمام المركب، فقبل سقوطه لعدم تمامية المركب تصدق الماهية على المتعدد بعين صدقها على الواحد،

===============

( 269 )

ويكون الامتثال بالمجموع. واخرى: بما تقدم في موثق ابن أبي يعفور من الاقتصار على نفي الاجر، من دون تنبيه على الحرمة. لكن الاطلاق مقيد بما سبق. وبه يخرج عن موثق ابن أبي يعفور، إذ ليس هو نصا في مشروعيتها، بل ولا ظاهرا فيها، غاية ما يدعى أنه مشعر بها، ولا سيما مع عدم اختصاصه بالثالثة، بل يشمل ما زاد عليها، ولا إشكال ظاهرا في كونه بدعة. ثم إنه لا ينبغي التأمل في بطلان الوضوء بها لو تحقق المسح بمائها، لخروجه عن ماء الوضوء بعد فرض عدم مشروعيتها، كما صرح به في المنتهى وجامع المقاصد والمدارك وعن نهاية الاحكام والذكرى والدروس. خلافا للمحقق في المعتبر، حيث قال: " الوجه الجواز، لان يديه لا تنفك عن ماء الوضوء الاصلي "، وقد سبق في المسألة الثالثة والعشرين ضعفه. وأما لو لم يتحقق المسح بمائها، لعدم التثليث في اليسرى مثلا، فظاهر من سبق عدم بطلان الوضوء، أخذا بظاهر تقييدهم وتعليلهم بما سبق، بل هو صريح الدروس. ومقتضى إطلاق إشارة السبق وما سبق من الكليني وعن أبي الصلاح وظاهر مصباح الشيخ (1) البطلان فيه أيضا. كما ربما يستظهر من الصدوق في الفقيه في الغسلة الثانية، حيث قال: " وقول الصادق عليه السلام: " من توضأ مرتين لم يؤجر ". يعني به: أنه أتى بغير الذي أمر به ووعد الاجر عليه، فلا يستحق الاجر... "، إلا أن يكون مراده نفي الاجر على الثانية، لا على تمام الوضوء. وكيف كان، فالبطلان وإن كان مخالفا لاطلاق الادلة - كما ذكره في محكي الذكرى - إلا أنه مقتضى قوله عليه السلام في موثق السكوني المتقدم: " من تعدى في


____________
(1) قال في مفتاح الكرامة: وعن مصباح الشيخ أن ما زاد على اثنتين تكلف غير مجز. والظاهر أنه أراد أنها مفسدة.

===============

( 270 )

الوضوء كان كناقضه " (1). وحمله على مجرد نفي الاجر، نظير ما في صحيح داود بن فرقد من قوله عليه السلام " إن للوضوء حدا من تعداه لم يؤجر... " (2) مخالف لاطلاق التنزيل. اللهم إلا أن يقال: لازم ذلك بطلان الوضوء بالزيادة ولو مع العذر، كالخطأ في الاجتهاد، ولا يظن من أحد البناء على ذلك. وحمله على خصوص صورة التشريع الذي هو نحو من العدوان الشرعي لا يناسب ظهور كونه تعريضا بالعامة الذين لا تبتني الزيادة منهم غالبا على التشريع، بل على الخطأ في الاجتهاد ولو تقصيرا. ومن ثم لم يبعد حمله على مجرد نفي الاجر، أو على استحقاق العقاب للتقصير في مقدمات الاجتهاد، وإن لم يبطل الوضوء، فتأمل جيدا. وأشكل من ذلك الاستدلال بما في رواية داود الرقي المتقدمة من أن من توضأ ثلاثا فلا صلاة له، لظهورها في التثليث في تمام الوضوء المستلزم للمسح بماء الغسلة الثالثة، الذي هو خارج عن محل الكلام. وكذا ما في الحدائق من التأييد بصحيح زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: إنما الوضوء حد من حدود الله، ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، وإن المؤمن لا ينجسه شئ إنما يكفيه مثل الدهن " (3) قال: " فإنه صريح - كما ترى - في عصيان من زاد على الوضوء المحدود، ومن الظاهر أن العصيان إنما نشأ هنا من مخالفة الامر في العبادة المستلزمة للابطال ". إذ فيه - مع أن لازم ذلك جعله دليلا لا مؤيدا -: أن ظاهر الصحيح كون الوضوء بنفسه حدا تلزم المعصية بتركه، لا أن له حدأ تحرم الزيادة عليه، وإلا فلا ريب في جواز الزيادة فيه على مثل الدهن.


____________
(1) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 24. (2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 1. (3) الوسائل باب: 52 من أبواب الوضوء حديث: 1.

===============

( 271 )

الخامس: الظاهر عدم التقيد في الغسلة الواحدة بعدد معين من الغرفات، بناء على ما سبق من ضعف حمل نصوص التثنية والتثليث عليها. وأما ما في صحيح زرارة وبكير: " فقلنا: أصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ قال: نعم إذا بالغت فيها، والثنتان تأتيان على ذلك كله " (1). فهو إنما يقتضي الاجزاء لا التحديد. نعم، بناء على حمل التثنية والتثليث على الغرفات يلزم البناء على الاقتصار على ما دون الثلاث، حتى في الغسلة الاولى، كما احتمله في الحدائق - وإن كان المناسب له الجزم به - أخذا باطلاق ما تضمن بدعية الثلاث. ولا وجه لما في المدارك، حيث قال: " ولو حملت الثالثة على الغرفة الثالثة فالظاهر عدم التحريم تمسكا بالاطلاق ". السادس: المعروف المصرح به في كلام جملة من القدماء والمتأخرين والظاهر من آخرين أنه لا تكرار في المسح، وهو المدعى عليه الاجماع في الانتصار والمنتهى والمدارك وكشف اللثام ومحكي التذكرة والتحرير، وفي المعتبر أنه مذهب الاصحاب، وفي الخلات دعوى الاجماع على أن التكرار في مسح الرأس بدعة. ولعله إليه يرجع ما عن الدروس ومحكي البيان من أنه مكروه. وبهذا يخرج عن إطلاق نصوص التثنية، وظاهر خبر الاعمش (2) المتقدم، بل وكذا خبر الفضل بن شاذان المتقدم أيضا، لان ظاهر عيون أخبار الرضا عليه السلام أن ذكر المرة والمرتين فيه بعد شرح الوضوء فيه بالغسل والمسح معا، حيث ذكر فيه أولا الحديث بسنده عن الفضل بن شاذان في بيان شرائع الاسلام هكذا: "... ثم الوضوء، كما أمر الله في كتابه: غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين مرة


____________
(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3. (2) الوسائل باب: 5 من أبواب الوضوء حديث: 18.

===============

( 272 )

واحدة... " (1) ثم ذكر له سندا آخر، وقال: " وذكر فيه: أن الوضوء مرة مرة فريضة واثنتان إسباغ " (2). وكيف كان، فتسالم الاصحاب قديما وحديثا على عدم مشروعية التكرار في المسح ملزم بإرجاع التثنية في جميع ذلك لخصوص الغسل، كما اقتصر عليه في بعض النصوص. وهو الانسب بتشريعها للاسباغ. لكن عن ابن الجنيد أنه قال في مسح الرجلين: " يبسط كفه اليمنى على قدمه الايمن ويجذبها من أصابع رجله إلى الكعب ثم يرد يده من الكعب إلى أطراف أصابعه، فمهما أصابه المسح من ذلك أجزأه وإن لم يقع على جميعه، ثم يفعل ذلك بيده اليسرى على رجله اليسرى "، وظاهره وجوب التكرار بالنكس وعدمه. وهو غريب جدا، بعد مخالفته لاطلاق الكتاب والسنة والنصوص البيانية وما عليه الاصحاب. وأما الاستدلال له بمرسل يونس: " أخبرني من رآى أبا الحسن عليه السلام بمنى يمسح ظهر القدمين من أعلى القدم إلى الكعب، ومن الكعب إلى أعلى القدم، ويقول: الامر في مسح الرجلين موسع، من شاء مسح مقبلا ومن شاء مسح مدبرا، فإنه من الامر الموسع إن شاء الله " (3). فيندفع بظهور ذيله في إرادة المسح بكل من الوجهين في وضوئين، لا الجع بينهما في وضوء واحد. مع أنه حكاية حال لا تقتضي الوجوب، بل ولا الاستحباب. ومن ثم فقد يحمل ذلك منه على التكرار لمحض الاستظهار والاحتياط في الاستيعاب الطولي - كما احتمله في الجواهر - لا للمشروعية، فضلا عن الوجوب


____________
(1) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 22. عيون أخبار الرضا عليه السلام ج: 2 ص: 121. طبع النجف الاشرف. (2) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 23، عيون أخبار الرضا عليه السلام ج: 2 ص: 126 طبع النجف الاشرف. (3) الوسائل باب: 20 من أبواب الوضوء حديث: 3.

===============

( 273 )

أو الاستحباب الشرعي. هذا، وفي جامع المقاصد: " ولا يبطل به الوضوء قطعا "، وهو المصرح به في كلام غير واحد، ونفى الخلاف فيه في السرائر، وادعى الاجماع عليه في المدارك. ويجري فيه ما سبق في الغسلة الثالثة إذا لم يلزم المسح بمائها. نعم، يشكل في مسح الرأس لو استلزم اختلاط ماء اليمنى بما على الرأس من المسحة الاولى، لاعتبار خلوص البلة في مسح الرجل، فلاحظ، السابع: لو أغفل لمعة في الغسلة الاولى فانغسلت في الثانية فهل يبطل الوضوء أو لا؟ وجهان، اختار أولهما في القواعد وجامع المقاصد وعن التذكرة والبيان وغيرهما، وكأنه مبني منهم على اعتبار نية الرفع أو الوجوب، لدعوى عدم تحققها في الثانية. ويظهر الاشكال فيه مما سبق في النية من عدم اعتبارهما، ومما سبق هنا من عدم استحباب الثانية، بل التثنية طرف التخيير في الواجب، بل ذلك هو الظاهر حتى بناء على استحبابها، فهي أفضل فردي الواجب، لا أن الثانية مستحبة خارجة عن الوضوء. فليس المقصود بها إلا تحقيق الوضوء المشروع بأحد وجهيه المشروعين على خلاف ما قصد، لان ما اعتقده ثانية ليس في الواقع إلا متمما للاولى، ومثل هذا الخطأ لا يخل بالامتثال إلا إذا رجع للتقييد، وقد سبق غير مرة أنه يحتاج لعناية يبعد تحققها. هذا، مضافا إلى قرب رجوع قصدها على وجهها إلى قصد التدارك بها لو فرض النقص في الاولى، لقرب كون تشريعها لدفع وهم قصور الاولى، كما هو المناسب للتعليل بضعف الناس في رواية داود الرقي، وبالاسباغ في مكاتبة الكاظم عليه السلام لعلي بن يقطين ورواية الفضل بن شاذان المتقدمة. ولعله لذا مال إلى الصحة في كشف اللثام، وتردد في الذكرى والمنتهى ومحكي نهاية الاحكام والايضاح والدروس.

===============

( 274 )

[ والاحوط استحبابا عدم التثنية في اليسرى احتياطا (1) للمسح بها (2)، وكذلك اليمنى إذا أراد المسح بها من دون أن يستعملها في غسل اليسرى (3)، وكذلك الوجه لأخذ البلل منه عند جفاف بلل اليد. ويستحب أن يبدا الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الاولى والثانية، والمرأة تبدأ بالباطل فيهما (4). ] (1) كأنه للخروج عن شبهة الخلاف المتقدم في مشروعية الغسلة الثانية من الصدوق في الفقيه وصاحب الحدائق وغيرهما، إذ مع عدم مشروعيتها لا يجوز المسح بمائها. (2) بل وباليمنى أيضا لو غسلها بها في الثانية. (3) كما لو غسل اليسرى بالارتماس. أما لو غسلها مرة واحدة باليمنى، فلا إشكال في المسح باليمنى، إذ المعتبر هو المسح ببلتها بعد غسل اليسرى بها. (4) كما قد يستظهر من المقنعة والتهذيب والنهاية والمراسم والوسيلة والمعتبر والنافع والمنتهى وغيرها، ونسب للاكئر في الروضة ومحكي الذكرى ولاكثر القدماء في المدارك. واستدل له: بخبر محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام: " قال: فرض الله على النساء في الوضوء للصلاة أن يبتدئن بباطن أذرعهن وفي الرجل بظاهر الذراع " (1). ونحوه مرسل الصدوق (2)، بل لعله عينه. وفي خبر جابر عن أبي جعفر عليه السلام الوارد في أحكام النساء: " وتبدأ في الوضوء بباطن الذراع والرجل بظاهره " (3).


____________
(1) (2) الوسائل باب: 40 من أبواب الوضوء حديث: 1. 2. (3) الوسائل باب: 122 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه حديث: 1.

===============

( 275 )

ولا إشكال في حملها على الاستحباب، للسيرة القطعية وظهور مفروغية الاصحاب عنه، بل ادعي عليه الاجماع في الغنية والمعتبر والمنتهى ومحكي التذكرة، فلابد من حمل الفرض في الاول على مطلق الجعل والتشريع. لكنها ظاهرة في التفصيل بين الرجل والمرأة في الغسلة الاولى، لصدق البدء بها في الوضوء، دون الثانية، بل هي مسكوت عنها - كما نبه له بعضهم - ولم تتضمن جعل موضوع التفصيل غسلة الوضوء، ليكون مقتضى الاطلاق التفصيل في كلتا الغسلتين. ومن ثم لا يبعد حمل كلام جملة ممن تقدم وغيرهم على إرادة ذلك، حيث أطلقوا استحباب البدء بالظاهر للرجل ولا لباطن للمرأة، ونسب للاكثر في كلام غير واحد، وادعى عليه الاجماع في المنتهى، وإن فهم منهم الشهيد - فيما حكي عنه - التفصيل في كلتا الغسلتين. هذا، وفي المبسوط خص التفصيل المذكور بالغسلة الاولى مع العكس في الثانية، ووافقه على ذلك في الغنية وإشارة السبق والشرائع والقواعد والارشاد واللمعة ومحكي السرائر والاصباح والكيدري وأكثر كتب العلامة والدروس والبيان، وفي الغنية وعن التذكرة دعوى الاجماع عليه. وقد صرح غير واحد بعدم الوقوف على مستنده. قال في الروض: " وجماعة من الاصحاب لم يفرقوا بين الغسلتين، لاطلاق الخبر، غير أن الشيخ في المبسوط ذكر الفرق، وتبعه عليه جماعة... ولم يثبت الوجه فيه ". لكن في الجواهر: " قد يحمل قوله عليه السلام: " يبدأن " على إرادة البدأة يالنسبة للغسلتين، فيدل. حينئذ على كون الثانية بعكسها، وإلا لم تكن بدأة ". وهو لا يخلو عن غموض، لوضوح أن صدق البدء بالنسبة إلى الظاهر أو الباطن يقتضي سبقه على غيره في الغسل، وهو يتحقق بالسبق به في الغسلة الاولى.

===============

( 276 )

ومثله ما عن شرح المفاتيح من احتمال أن وجهه حملهم البدء في النص على البدء في صب الماء، لا في الغسل، لتعذر استيعاب أحد الجانبين بالغسل قبل الآخر، بل لابد من انغسال شئ من الآخر معه، ولعدم التصريح بالغسل في النص. وحينئذ فتعدد الصب لا يكون إلا بالغسلة الثانية. إذ فيه - مع إمكان تعدد الصب في الغسلة الواحدة، وأن لازمه عدم تحقق موضوع هذه الوظيفة لمن اقتصر على غسلة واحدة، ولا يظن من أحد البناء على ذلك -: أن الوضوء لما كان هو نفس الغسل كان ظاهر البدء فيه - الذي تضمنه النص - هو البدء بالغسل لا بالصب، والمتعذر إنما هو التقديم مع الاستيعاب دقة لا عرفا، والمتعين حمل النص على الثاني، كما سيأتي. وأما ما أشير إليه في مصباح الفقيه من احتمال توجيه الحكم المذكور بأن التعاكس بين الغسلتين أدعى في تحقق الاسباغ وفي ملاحظة ضعف الناس الذين اشير إليهما في تعليل تشريع الغسلة الثانية، ليتحقق استيلاء الماء بالنحو الكامل على كل من الظاهر والباطن بالصب عليه. ففيه - مع أنه لا يجري مع تعدد الصب في الغسلة الواحدة، كما لا يقتضي تقييد البدء المطلوب في المقام بالتعاكس، كما هو ظاهرهم، بل مطلوبية التعاكس في قباله -: أن تشريع الغسلة الثانية للاسباغ وضعف الناس لا يقتضي إلا الاهتمام باستيلاء الماء في الجملة، لا مطلوبيته بالوجه الاكمل. إلا أن يرجع إلى محض الاستحسان والاعتبار، الذي يبعد اعتمادهم عليه جدا، لكونه مغفولا عنه، كالوجهين المتقدمين، كما يبعد اطلاعهم على أدلة تعبدية خفيت على غيرهم، أو وجوه اعتبارية بعد كون أصل الحكم تعبديا. ومن ثم كان الحكم منهم بذلك في غاية الغرابة. ثم إن ظاهر البدء بظاهر الذراع أو باطنه هو تقديمه بتمامه عرفا على الآخر وإن لم يستوعبه دقة، أو استلزم غسل شئ من الجانب الآخر له تبعا، لتعذر غسل

===============

( 277 )

تمام أحد الجانبين دون غسل شئ من الآخر عادة، كما سبق. وأما ما في الجواهر من دعوى صدق البدء بأحد الجانبين عرفا بتقديم جزء منه، فهو غير ظاهر، وإنما يتجه لو عبر بالبدء فيه أو منه. كما أن موضوع النصوص هو الذراع، وحمله على تمام اليد بنحو يشمل الكف يحتاج إلى قرينة، وإلحاقه به للتبعية غير ظاهر. هذا، وأما الخنثى المشكل، فإن كان قسما ثالثا غير الرجل والمرأة خرج عن موضوع الوظيفتين واقعا، وإلا كان مرددا بين الوظيفتين وأمكنه الاحتياط بتكرار صورة الوضوء بالوجهين ناويا الوضوء بما يطابق وظيفته الواقعية منهما. وأما ما في الجواهر من احتمال تحصيله الوظيفة بالغسلتين مخالفا بينهما بناء على عدم التعاكس بين الغسلتين واقعا، الذي سبق أنه فمقتضى النص. ففيه: أنه مع نية الوضوء بكلتا الغسلضين لا يحرز مطابقة الوظيفة، ومع نيته بخصوص الغسلة المطابقة لوظيفته، بحيث لا تكون الاخرى وضوءا، وإنما جئ بها لمحض الاحتياط يلزم عدم إحراز كون البلة الباقية بلة وضوء، يجوز المسح بها. بقي في المقام امور اخر ذكرها الاصحاب في مستحبات الوضوء، أو تضمنتها النصوص منها: كون الوضوء بمد، كما صرح به الاصحاب، ونسبه إلى علمائنا في المنتهى، وإلى إجماعهم في الحدائق ومحكي التذكرة، ونفى عنه الخلاف في كشف اللثام، وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه، بل حكى عليه جماعة اللاجماع ". وتقتضيه النصوص الكثيرة المتضمنة أن وضوء النبي صلى الله عليه وآله كان بمد وغسله بصاع، كصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " كان رسول الله يتوضأ بمد ويغتسل بصاع، والمد رطل ونصف، والصاع ستة أرطال " (1) وغيره. وفعله صلى الله عليه وآله وإن لم يستلزم الاستحباب إلا أن نقل الامام عليه السلام بنحو ظاهر في


____________
(1) الوسائل باب: 50 من أبواب الوضوء حديث: 1.

===============

( 278 )

مداومته صلى الله عليه وآله عليه ظاهر في الحث عليه، ولا سيما مع وقوعه في بعضها جوابا عن السؤال عن الوضوء - كصحيح أبي بصير (1) - وفي آخر جوابا عن السؤال عما يجزي في الغسل - كموثق سماعة (2) - لظهورهما في بيان الموظف، لا محض الجائز ومنه يظهر أنه لا مجال لحملها على مجرد بيان الرخصة في صرف المد، تنبيها على أنه لا ينبغي الزيادة عليه تعريضا بالعامة. نعم، لا مجال لحملها على الوجوب بعد مفروغية الاصحاب عن عدمه وصراحة جملة من النصوص في إجزاء الماء القليل. هذا، والمد على ما صرح به الاصحاب ربع الصاع: كما تضمنه صحيح زرارة المتقدم - ورطل ونصف بالمدني ورطلان وربع بالعراقي. وحيث كان الرطل العراقي وأحدا وتسعين مثقالا - كما تقدم في تحديد الكر - يكون المد مائتين وخمسة مثاقيل إلا ربعا. وحيث كان المثقال أربعة غرامات وربع تقريبا - كما تقدم هناك أيضا - يكون المد ثمانمائة وسبعين غراما تقريبا، وهو يزيد عما اشتهر في عصورنا كثيرا. ومن الغريب ما عن المفيد في الاركان من قوله: " من توضأ بثلاث أكف مقدارها مد أسبغ، ومن توضأ بكف أجزأه "، لوضوح أن الكف لا يبلغ ثلث المد مهما كان كبيرا. فلابد من حمل نصوص المقام على ما يزيد على الثلاث أكف. ولعل الملحوظ فيه الاتيان بآداب الوضوء المقارنة له بالوجه المتعارف من غسل اليدين مرة أو مرتين والمضمضة بثلاث أكف والاستنشاق كذلك وتعدد الغرفة لكل عضو إما في غسلة واحدة أو في غسلتين، أو مل ء الكف بالغرفة الواحدة، لتحقيق الاسباغ، فإن ذلك مع ما يقارنه عادة من سقوط شئ من الماء عند اغترافه أو صبه في الكف يقارب المد. ولو فرض الاقتصار على غسل الاعضاء المفروضة لم يبعد عدم استحباب صرف المد لها بتكثير الغرفات، لان نصوص المد قد تضمنت وضوء النبي صلى الله عليه وآله به، ووضوؤه الغالب وقوعه منه بحيث ينسب إليه كان مشتملا على المستحبات


____________
(1) (2) الوسائل باب: 50 من أبواب الوضوء حديث: 5، 4.

===============

( 279 )

المذكورة ظاهرا، فيكون المتيقن من نصوص المد ما يشتمل عليها. فتأمل. وبالجملة: لابد من حمل نصوص المد على عدم الاقتصار على ثلاث أكف، إما لاختصاص استحبابه بصورة الاتيان بآداب الوضوء الخارجة عنه، أو بالالتزام باستحباب تكرار الغرفات لاعضاء الوضوء بالنحو المستوعب للمد إذا اقتصر عليها. ولاوجه مع ذلك لما عن الشهيد من حمله على ما يعم ماء الاستنجاء، مع خروجه عنه حقيقة. ومجرد اشتمال خبر عبد الرحمن بن كثير المتقدم في أدعية الوضوء وصحيح أبي عبيدة المتقدم في أوائل الكلام في تثنية الغسلات على ذكر الاستنجاء مع أن موضوع كلام الراوي فيهما الوضوء، لا يصلح شاهدا لارادته من نصوص المقام، وإن استشهد به قدس سره. ومثله ما في الجواهر من احتمال تأيده بما تضمن المبالغة في قلة ماء الوضوء، والنهي عن السرف فيه (1). لاندفاعه بأن نصوص المبالغة في قلة الماء ظاهرة في إجزائه (2) لا في الحث عليه، كما هو صريح صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: أسبغ الوضوء إن وجدت ماء، وإلا فإنه يكفيك اليسير " (3). وأما دليل النهي عن السرف، فهو مورود لنصوص المد، لان مقتضاها عدم تحقق السرف به، وإنما يكون السرف بالزيادة عليه من دون أن يكون مطلق الزيادة سرفا على ما يأتي في مستحبات الغسل. ومنها: إسباغ الوضوء، كما تضمنته النصوص الكثيرة (4)، كصحيح علي بن


____________
(1) الوسائل باب: 52 من أبواب الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 2 وراجع باب: 52 من الابواب المذكورة. (3) الوسائل باب: 52 من أبواب الوضوء حديث: 4. (4) راجع الوسائل باب: 54 من أبواب الوضوء.

===============

( 280 )

جعفر المتضمن لقوله صلى الله عليه وآله: " من أسبغ وضوءه وأحسن صلاته. فقد استكمل حقيقة الايمان " (1). ودعوى: أن الاسباغ لغة لما كان هو الاتمام والاستيفاء كان المراد به في النصوص المتقدمة استيعاب الاعضاء بالوضوء الذي هو الفرض فيه. مدفوعة: بأن مقتضى صحيح الحلبي المتقدم وما تضمن تطبيقه على الغسلة الثانية حمل الاسباغ في نصوصه على تكثير الماء زائدا على القدر المجزي، وهو استيفاء له بالوجه الاكمل. ولا سيما مع ظهور بعض تلك النصوص في كونه كمالا في الوضوء، كقوله صلى الله عليه وآله: " إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، وأمرنا بإسباغ الوضوء، وأن لا ننزي حمارا على عتيقة " (2)، فإن اختصاصهم عليهم السلام بذلك لا يناسب إرادة إتمام الوضوء المفروض جدا. ومنه يظهر أنه لا وجه لاهمال الاصحاب ذكر الاسباغ في مستحبات الوضوء، حيث لم أعثر عاجلا على من ذكره عدا الشيخ في النهاية مصرحا بأن من توضأ بمد فقد أسبغ، كما ذكره في المستند مستدلا عليه بأدلة المد، وقد يومئ إليهما في الرياض حيث جعل المستحب هو إسباغ الوضوء بمد. وكأن إهمال من أهمله مبني على الاكتفاء عنه بذكر المد، لكنه أعم منه، وأنه يمكن تحصيله بما دونه بالاقتصار على الوضوء المفروض لكل عضو غرفتان أو غرفة وافية، وهو لا يبلغ المد كما سبق. ومنها: السواك، كما في الغنية وإشارة السبق والوسيلة والقواعد وجامع المقاصد وكشف اللثام والروضة والحدائق وعن التذكرة والذكرى، واقتصر في المراسم على قوله: " والسواك في وضوء صلاة الليل من وكيد السنن "، وفي الحدائق أن الظاهر عدم الخلاف فيه، بل صرح بالاجماع عليه في الغنية وكشف


____________
(1) الوسائل باب: 54 من أبواب الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 54 من أبواب الوضوء حديث: 4.

===============

( 281 )

اللثام. ويقتضيه جملة من النصوص، كصحيح معاوية بن عمار في وصية النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام: " وعليك بالسواك عند كل وضوء " (1) وغيره، وظاهره - كغيره مما تضمن كونه عند الوضوء - إرادة إيقاعه قبله بعد معلومية عدم إرادة إيقاعه عند الانشغال به. وأظهر من ذلك ما تضمن الامر به للوضوء (2)، بل هو صريح الصحيح عن المعلى بن خنيس: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السواك بعد الوضوء. فقال: الاستياك قبل أن يتوضأ. قلت: أرأيت إن نسي حتى يتوضأ. قال: يستاك ثم يتوضأ ثلاث مرات " (3). هذا، ولا ريب نصا (4) وفتوى في استحباب السواك مطلقا، وأنه من السنن المؤكدة، فاستحبابه للوضوء إنما هو بمعنى تأكد استحبابه حينه، كما يتأكد لبعض الامور الآخر، وبه صرح بعضهم. وإهمال جملة منهم له في آداب الوضوء في غير محله، بعد ما سبق. ثم إن في موثق السكوني: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: التسوك بالابهام والمسبحة عند الوضوء سواك " (5). وفي صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: " عن الرجل يستاك مرة بيده إذا قام إلى صلاة الليل وهو يقدر على السواك. قال: إذا خاف الصبح فلا بأس به " (6). وعن علي بن إبراهيم بإسناده: " أدنى السواك أن تدلكه (تدلك. في)


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب السواك حديث: 1. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب السواك حديث: 6. (3) الوسائل باب: 4 من أبواب الوضوء حديث: 1. (4) راجع الوسائل باب: 1 من أبواب السواك. (5) الوسائل باب: 9 من أبواب السواك حديث: 4. (6) الوسائل باب: 9 من أبواب السواك حديث: 1.

===============

( 282 )

بإصبعك " (1). وفي خبر سدير عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: شكت الكعبة إلى الله عزوجل ما تلقى من أنفاس المشركين فأوحى الله إليها: قري كعبة، فإني مبدلك بهم قوما يثنظفون بقضبان الشجر، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله أوحى إليه مع جبرئيل بالسواك والخلال " (2). وعن مكارم الاخلاق: " وكان صلى الله عليه وآله يستاك بالاراك أمره بذلك جبرئيل عليه السلام (3). وعن الرسالة الذهبية للرضا عليه السلام: " واعلم يا أمير المؤمنين أن أجود ما استكت به ليف الاراك، فإنه يجلو الاسنان ويطيب النكهة ويشد اللثة، وهو نافع من الحفر إذا كان باعتدال، والاكثار منه يرق الاسنان ويزعزعها ويضعف اصولها " (4). وفي مرسل القطب الراوندي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة ويطيب الفم، ويذهب بالحفر، وهي سواكى وسواك الانبياء قبلي " (5). ومقتضى الجمع بينها أفضلية قضبان الاراك وليفه والزيتون، ئم مطلق قضبان الشجر - ولعله المراد بالغصن الاخضر في الروضة - ثم الاصبع. نعم، ذلك مبني على التسامح في أدلة السنن، لضعف سند أكثر النصوص المتقدمة، فلاحظ. ومنها: صب الماء على أعلى كل عضو، كما ذكره في العروة الوثقى، وقد يستدل له بصحيح زرارة الحاكي لوضوء النبي صلى الله عليه وآله والمتضمن لوضع


____________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب السواك حديث: 3. (2) الوسائل باب: من أبواب السواك حديث: 13. (3) مستدرك الوسائل باب: 6 من أبواب السواك حديث: 5. (4) مستدرك الوسائل باب: 6 من أبواب السواك حديث: 6. (5) مستدرك الوسائل باب: 6 من أبواب السواك حديث: 7.

===============

( 283 )

الماء على الجبهة والمرفقين (1)، والآخر المتضمن لاسداله على أعلى الوجه (2)، بل بغيرهما من نصوص الوضوءات البيانية الظاهرة في تحقق الغسل بمجرد صب الماء (3) بناء على وجوب الابتداء بالاعلى. ويظهر الاشكال فيه مما تقدم غير مرة من أن مجرد صدور شئ منه صلى الله عليه وآله أو حكايته بالنصوص المذكورة لا يدل على استحبابه. وقد تقدم في مسألة وجوب الابتداء باعلى الوجه توضيحه. ومنها: أن يكون الغسل بصب الماء على العضو لا برمسه فيه، كما في العروة الوثقى. ولا وجه له إلا نصوص الوضوءات البيانية، التي أشرنا إلى إشكال الاستدلال بها. نعم، لو تم ما يأتي من استحباب الغسل بمسح العضو يتعين مرجوحية الارتماس. ومنها: إمرار اليد على العضو المغسول، كما ذكره في المستند ونسبه للمشهور، مستدلا عليه بخبر الرقاشي: " قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: كيف أتوضأ للصلاة؟ فقال: لا تعمق في الوضوء ولا تلطم وجهك بالماء لطما ولكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحا، وكذلك فامسح الماء على ذراعيك ورأسك وقدميك " (4). لكنه لو تم اقتضى استحباب المسح بالنحو الذي لا يلزم التعميق. وأما الاستدلال له بالاستظهار ونصوص الوضوءات البيانية، فلا يخلو عن إشكال، لعدم الدليل على استحباب الاستظهار شرعا في المقام، بل يجب عقلا مع الشك. وعدم ظهور النصوص المذكورة في الاستحباب، على ما تقدم، ولا سيما


____________
(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضو، حديث: 10. (3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 6، 7. (4) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 22.

===============

( 284 )

مع ظهور بعضها في عدمه والاكتفاء بالصب (1)، للاقتصار فيه على مسح الجانب الذي لاصب عليه. ومنها: فتح العينين عند الوضوء، كما هو ظاهر الصدوق قدس سره الفقيه والهداية وصريحه في المقنع، وحكي عن جماعة، لما أرسله قدس سره في الكتب الثلاثة وأسنده في ثواب الاعمال إلى النبي صلى الله عليه وآله من طريق ابن عباس من قوله صلى الله عليه وآله: " افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم " (2)، وما عن نوادر الراوندي ودعائم الاسلام والجعفريات من قوله صلى الله عليه واله: " أشربوا أعيونكم (عيونكم. خ. ل) الماء لعلها لا ترى نارا حامية " (3). واستظهر في الحدائق - تبعا لما حكاه عن جملة من مشايخه - أن المراد باستحباب ذلك مجرد فتحهما استظهارا لغسل نواحيهما، دون غسلهما، لما فيه من المشقة والمضرة، حتى أنه روي أن ابن عمر كان يفعله فعمي لذلك. وقريب منه ما حكاه في المستند عن والده، محتجا أيضا بدعوى الشيخ في الخلاف الاجماع على عدم وجوب الغسل ولا استحبابه. لكنه مخالف لظاهر الخبرين، خصوصا الثاني، لظهوره في الحث على إدخال الماء فيهما بنحو يصدق معه الاشراب. وتحقق الضرر بذلك غير معلوم. وعمى ابن عمر - لوتم - لعله ناش عن تعميقه في ذلك. وإجماع الخلاف - لو تم - يقتضي عدم استحباب غسل العينين حتى لغسل نواحيهما، فلا يكون شاهدا على الحمل المذكور. ومثله ما استقر به وحكى عن بعض مشايخه احتماله من حمله على التقية بلحاظ نسبته للشافعي لان رواة الاول من العامة، والثاني ضعيف السند.


____________
(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 6، 10. (2) الوسائل باب: 53 من أبواب الوضوء حديث: 1. (3) مستدرك الوسائل باب: 45 من أبواب أحكام الوضوء حديث: 2، 3. والبحار ج:، 80 ص: 336 الطبعة الحديثة، ومجلد 18 ص: 80 الطبعة القديمة، كتاب الطهارة باب: 6 من أبواب الوضوء حديث: 9.

===============

( 285 )

لاندفاعه بأن ذلك وحده لا يكفي في الحمل على التقية، بل لا مجال لها في الخبرين بعد كونهما نبويين. بل يتعين البناء على الاستحباب بناء على قاعدة التسامح في أدلة السنن التي جروا عليها في أمثال المقام. وأما الاجماع المتقدم عن الخلاف، فهو - لو تم سوقه لنفي الاستحباب الذي تعرض له في عنوان المسألة، لا لنفي الوجوب الذي تعرض له في ذيلها - لا يوجب القطع، ليكون مانعا من جريان قاعدة التسامح المذكورة. ومنها: صفق الوجه بالماء، كما يظهر من الصدوق في الفقيه وحكي عن أبيه، لمرسل عبد الله بن المغيرة عن الصادق عليه السلام " قال: إذا توضأ الرجل فليصفق وجهه بالماء، فإنه إن كان ناعسا فزع واستيقظ، وإن كان البرد فزع فلم يجد البرد " (1). لكن في موثق السكوني: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضأتم، ولكن شنوا الماء شنا " (2) وتقدم في خبر الرقاشي قول الكاظم عليه السلام: " لا تعمق في الوضوء ولا تلطم وجهك بالماء لطما، ولكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحا " (3). وقد جمع الشيخ في التهذيب بحمل الاول على الاباحة وما بعده على الندب، وقال في الاستبصار: " فالوجه في الجمع بينهما أنا نحمل أحدهما على الندب والاستحباب والآخر على الجواز، والانسان مخير في العمل بهما ". وهو مخالف لظاهر النصوص المتقدمة لظهورها في الحث لا في محض الجواز والاباحة. واحتمل في الحدائق حمل الاول على الناعس والبردان، وما بعده على ما عداهما.


____________
(1) الوسائل باب: 30 من أبواب الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 30 من أبواب الوضوء حديث: 2. (3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 22.

===============

( 286 )

ويشكل: بظهور الاول في الاستحباب مطلقا، وإن اختصت الفائدة المبينة فيه بالناعس والبردان. ولعل الاقرب حمل الاول على البدء بصفق الوجه، وحمل ما بعده على الاقتصار في غسل الوجه على ضربه بالماء، فيكون المستحب ضرب الوجه أولا بالماء، ثم تفريقه على الوجه بالمسح ونحوه، كما لعله المناسب لمقابلته في الثاني بالشن الذي هو الصب المتفرق، وفي الثالث بالمسح المستلزم لتفريق الماء على الوجه. ولعله إليه يرجع ما حكاه في الحدائق عن بعض الاصحاب من احتمال حمل الصفق في الاول على كونه فعلا سابقا على الوضوء لا غسلا وضوئيا، فلاحظ. ومنها: حضور القلب حين الوضوء، كما ذكره في العروة الوثقى. واستدل له بما عن أمير المؤمنين والحسن وزين العابدين عليهم السلام من تغير حالهم حينه خوفا منه تعالى (1). بل هو أوضح من أن يحتاج للاستدلال، لما هو المعلوم من كمال العمل العبادي بحضور القلب وكثرة ثوابه بذلك. ومنها: الاستقبال حين الوضوء، لما روي من قولهم عليهم السلام: " خير المجالس ما استقبل به القبلة " (2). وعدم الجلوس في مظان النجاسة، لما فيه من تجنب احتمالها. وقد ذكرهما في المستند. لكن قال: " في عدهما من مستحبات الوضوء بخصوصه - كما فعله بعضهم - نظر ". هذا ما عثرت عليه عاجلا في كلماتهم من مستحبات الوضوء، وربما فاتنا بعض الامور الاخر، كما ربما يستفاد استحباب بعض الامور مما تقدم في أفعال الوضوء وشرائطه، فلاحظ.


____________
(1) مستدرك الوسائل باب: 47 من أبواب أحكام الوضوء حديث: 4، 5، 7، 8 والبحار مجلد: 1 0 ص 93، ومناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص: 180، 289، طبع النجف الاشرف.

===============

( 287 )

[ ويكره الاستعانة بغير. في المقدمات القريبة (1). ] (1) كما في العروة الوثقى وظاهر جامع المقاصد والجواهر. واقتصر على صب الماء في المبسوط والنهاية والمنتهى وكشف اللثام والمستند. وأطلق كراهة الاستعانة في الوسيلة في الشرائع والنافع والمعتبر والقواعد والارشاد، بل صرح في الروض والمدارك بعمومها لمثل إحضار الماء وتسخينه، خلافا لما في كشف اللثام والرياض والمستند والجواهر من عدم عمومها لذلك، بل نفاهما في المستند عن مثل رفع الثوب عن العضو. والدليل على أصل الحكم في كلماتهم موثق السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه عن علي عليهم السلام: " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خصلتان لا احب أن يشاركني فيها أحد: وضوئي، فإنه من صلاتي، وصدقتي، فإنها من يدي إلى يد السائل، فإنها تقع في يد الرحمن " (1). وخبر شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد الله عليه السلام: " كان أمير المؤمنين إذا توضأ لم يدع أحدا يصب عليه الماء، فقيل له: يا أمير المؤمنين لم لا تدعهم يصبون عليك الماء؟ فقال: لا احب أن أشرك في صلاتي أحدا، وقال الله تبارك وتعالى: (فمن كان يرخو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) " (2) وخبر الوشاء: " دخلت على الرضا عليه السلام وبين يديه إبريق يريد أن يتهيأ منه للصلاة فدنوت منه لاصب عليه فأبى ذلك فقال: مه يا حسن، فقلت له: لم تنهاني أن أصب على يديك تكره أن أؤجر؟ قال: تؤجر أنت وأؤزر أنا! فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: أما سمعت الله عزوجل يقول: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) وها أنا ذا أتوضأ للصلاة،


____________
(1) الوسائل باب: 47 من أبواب الوضوء حديت: 3. (2) الوسائل باب: 47 من أبواب الوضوء حديث. 2.

===============

( 288 )

وهى العبادة فأكره أن يشركني فيها أحدا (1). ومرسل الارشاد في بيان وعظ الرضا عليه السلام للمأمون وتخويفه بالله تعالى وقبوله منه على مضض وغيظ: " ودخل الرضا عليه السلام يوما فرآه يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء. فقال عليه السلام: لا تشرك يا أمير المؤمنين بعبادة ربك أحدا، فصرف المأمون الغلام وتولى تمام وضوئه بنفسه، وزاد ذلك في غيظه ووجده " (2). ويتعين حملها على الكراهة، لظهور مفروغية الاصحاب عن عدم الحرمة، ولما تقدم في مسألة اعتبار المباشرة. وربما ادعي أن ذلك مقتضى الجمع بينها وبين صحيح أبي عبيدة الحذاء: " وضأت أبا جعفر عليه السلام يجمع وقد بال، فناولته ماء فاستنجى ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه (وكفا غسل به ذراعه الايمن) وكفا غسل به ذراعه الايسر... " (3) وخبر عبد الرزاق قال: " جعلت جارية لعلي بن الحسين علهما السلام تسكب الماء عليه وهو يتوضأ للصلاة، فسقط الابريق من يد الجارية على وجهه فشجه... " (4). لكن الانصاف أنهما لا يناسبان شدة الكراهة التي دلت عليها نصوص المقام، بمقتضى تضمنها تطبيق الاشراك في العبادة، والتعبير بالوزر في خبر الوشاء، كما يناسبها نهي الرضا عليه السلام للمأمون والاقدام على إغاظته في مرسل الارشاد، إذ يبعد مع ذلك جدا خروج الامامين السجاد والباقر عليهما السلام عنها. ودعوى: صدور ذلك منهما لبيان الجواز. مدفوعة: ببعد خفاء الحال في ذلك إلى حين صدوره منهما. وبعد التعويل في البيان عليه مع كونه معرضا للخفاء والضياع. فلعل الاولى حمل الصحيح على الوضوء لغير الصلاة، لانه حاك لقضية


____________
(1) الوسائل باب: 47 من أبواب الوضوء حديث: 1. (2) الارشاد ص 354 طبع النجف الاشرف سنة 1392 ه‍ وقد ذكره في الوسائل في باب: 7، من أبواب الوضوء حديث: 4. مع تغيير بسيط ولم يذكر الذيل. (3) الوسائل باب. 15 من أبواب الوضوء حديث: 8. (4) مستدرك الوسائل باب: 41 من أبواب أحكام الوضوء حديث: 3.

===============

( 289 )

خارجية لا إطلاق لها، وقصر الحكم بالكراهة على الوضوء للصلاة، كما هو مورد نصوص المقام المناسب للتعليل الذي تضمنته، لظهورها في تطبيق العبادة على الصلاة، لا على الوضوء. ولعل إطلاق الاصحاب مبني على غفلتهم عن الخصوصية المذكورة أو التغافل عنها، لتسامحهم في أدلة السنن. وأما خبر عبد الرزاق، فربما ينزل على الضرورة، أو على إرادة سكب الماء في الاناء مقدمة للوضوء لا الصب على اليد الذي هو مورد نصوص المقام، ولا سيما مع قرب نقل الراوي الحال من دون مشاهدة، حيث قد يشتبه عليه بعض الخصوصيات فلا يحسن نقلها أو التعبير عنها، لانصراف غرضه لبيان حلم الامام عليه السلام وسمو خلقه. ثم إنه قد استشكل في المدارك في الحكم، لضعف النصوص، فلا تنهض بالخروج عن ظاهر صحيح أبي عبيدة. وكأنه مبني على عدم التعويل على قاعدة التسامح في أدلة السنن، حيث لا مجال لدعوى انجبار ضعف النصوص بعمل الاصحاب، لقرب جريهم على قاعدة التسامح، كما أشرنا إليه غير مرة. وأما موثق السكوني فسيأتي الكلام فيه. نعم، لا يبعد تعاضد النصوص بعضها ببعض، فتأمل. هذا، وقد يستفاد عموم الكراهة لمطلق الاستعانة من نصوص المقام، خصوما موثق السكوني، لانه وإن لم يتضمن عنوان الاستعانة إلا أنه تضمن عنوان المشاركة، ولا يراد بها المشاركة في نفس الوضوء، بل في مقدماته، ومقتضى إطلاقه مرجوحية المشاركة حتى في المقدمات البعيدة، فلا وجه لقصر الحكم على الاستعانة في المقدمات القريبة، فضلا عن خصوص الصب، ولا سيما مع ما ورد في سيرة النبي صلى الله عليه وآله من أنه كان يضع طهوره باللبل بيده (1)، وفي سيرة


____________
(1) الوسائل باب: 41 من أبواب أحكام الوضوء حديت: 5.

===============

( 290 )

السجاد عليه السلام من أنه كان لا يحب أن يعينه على طهوره أحد، وكان يستقي الماء لطهوره ويخمره قبل أن ينام (1). ويشكل: بأن الموثق وإن كان يعم المقدمات البعيدة إلا أن المناسبات الارتكازية تقتضي حمله على محض قلة الثواب، بلحاظ أن أفضل الاعمال أحمزها، ولكل مقدمة أجرها إذا اتي بها بداعي التوصل لذيها، ولا يظن من أحد إنكار ذلك أو التشكيك فيه. وإنما الكلام في المرجوحية المساوقة للكراهة الشديدة المناسبة للتنفير، ولا ينهض الموثق بها، بل ينحصر الدليل عليها بخبري شهاب والوشاء ومرسل الارشاد، لما سبق، وحيث كانت مختصة بصب الماء لزم الاقتصار عليه. ودعوى: أن تطبيق الاشراك في العبادة فيها على الصب قرينة على أن المراد به ما يعم الاستعانة بمقدمات العبادة، فيدل على عموم كراهة ذلك. مدفوعة: بأن التطبيق المذكور لما لم يكن عرفيا بل تعبديا لم ينهض بتفسير الاشراك، بل يتعين الجمود عليه. بل الالتزام بعموم الكراهة بالنحو المذكور للمقدمات البعيدة جدا في الوضوء فضلا عن غيره من العبادات، بحيث لو دار الامر بين الاستعانة فيها والاستعانة بالصب لم يفرق بينهما بعيد جدا لا تناسبه المرتكزات المتشرعية، وسيرة المعصومين عليهم السلام ومواليهم. فالمتعين الاقتصار على الصب. هذا، والظاهر عدم توقف الكراهة على طلب الاعانة من المتوضئ. وما عن بعضهم من توقفها على ذلك، وأنه به يجمع بين نصوص المقام وصحيح أبي عبيدة، كما ترى، لقوة ظهور بعض نصوص المقام في عدم طلب المتوضئ الصب. ودعوى: عدم صدق الاستعانة بدونه، لان هيئة الاستفعال تفيد طلب المادة، كما في الاستغفار. ممنوعة، فإن الهيئة المذكورة قد تصدق من دون طلب، كما في


____________
(1) مستدرك الوسائل باب: 41 من أبواب أحكام الوضوء حديث: 2.

===============

( 291 )

الاستصحاب والاستخراج، مضافا إلى عدم اشتمال نصوص المقام على عنوان الاستعانة، وإنما هي مذكورة في كلمات الاصحاب. ثم إنه بعد أن عمم في الروض الحكم لطلب إحضار الماء وتسخينه قال: " كل ذلك بعد العزم على الوضوء، أما لو استعان لا له ثم عرض له إرادة الوضوء لم يكره قطعا ". ولم يتضح الوجه فيما ذكره بعد إطلاق النصوص المتقدمة، حيث يصدق الاشراك حينئذ، فتأمل. بقي الكلام في بعض الامور الاخر التي ذكرها الاصحاب (رضي الله عنهم) في مكروهات الوضوء.. منها: التمندل، كما في المعتبر والشرائع والنافع والارشاد والقواعد والروض وعن جمل الشيخ والتذكرة والدروس وغيرها، بل في الروض وعن الدروس وغيره أنه المشهور. واستدل عليه بخبر محمد بن حمران عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: من توضأ وتمندل كتبت له حسنة، ومن توضأ ولم يتمندل حتى يجف وضوءه كتب له ثلاثون حسنة " (1). لكنه لا يدل على كراهته، بل أفضلية تركه، ولعله لذا عبر بذلك في المبسوط والنهاية والخلاف ومحكي الذكرى، وهو ظاهر الصدوق، حيث اقتصر في الفقيه على ذكر الحديث، وفي المقنع على التعبير بمضمونه، بل ربما كان هو المراد مما في إشارة السبق والوسيلة من جعل ترك التمندل من السنن والآداب. وأما تنزيل كلام المشهور على ذلك، فقد يشكل بلحاظ ما في كلام بعضهم من جعل كلام الشيخ خلافا في المسألة. هذا، وقد ينافي الخبر المذكور موثق اسماعيل بن الفضل: " رأيت أبا عبد الله عليه السلام توضأ للصلاة ثم مسح وجهه بأسفل قميصه، ثم قال: يا إسماعيل افعل


____________
(1) الوسائل باب: 45 من أبواب الوضوء حديث: 5.

===============

( 292 )

هكذا فإني هكذا أفعل 2 (1). وصحيح منصور ابن حازم: " رأيت أبا عبد الله عليه السلام وقد توضأ وهو محرم، ثم أخذ منديلا فمسح به وجهه " (2). وغير واحد من النصوص المتضمنة أنه كان لامير المؤمنين عليه السلام خرقة يتمندل بها (3). فإن ذلك لا يناسب أفضلية الترك جدا. ولا مجال لحمل هذه النصوص على التقية بعدما حكاه الشيخ في الخلاف عن أكثر فقهاء العامة من موافقتهم له في الحكم المذكور، وعن مالك والثوري وابن عباس من أنه لا بأس به في النسل دون الوضوء، وعن ابن أبي ليلى وابن عمر من أنه مكروه في الوضوء والغسل معا. وحكي عن كتبهم ما يدل على اختلافهم في ذلك. وما في الجواهر من مداومتهم على التمندل، غير واضح المأخذ، بنحو يصح التعويل عليه في الاعراض عن هذه النصوص الكثيرة. كما لا مجال لدعوى وهن هذه النصوص بإعراض الاصحاب، لما تكرر منا من عدم صلوح عملهم وإعراضهم للجبر والتوهين في المندوبات والمكروهات غالبا. وربما نزلت على بعض الوجوه التي لا تخلو عن إشكال أيضا. ومن ثم كان التوتف هو الانسب بالنظر للادلة. ولعله لذا حكي عن ظاهر المرتضى في شرح الرسالة والشيخ في أحد قوليه عدم الكراهة. بل قد يكون الانسب بها رجحان التمندل. فلاحظ. هذا، وهل يختص الحكم بالمسح بالمنديل كما هو ظاهر التمندل في كلام جملة من الاصحاب وصريح بعضهم - أو يعم مطلق المسح ولو بمثل الكم - كما هو ظاهر الشرائع - أو يعم مطلق إزالة البلل ولو بتجفيفه بمثل التعرض للنار - كما


____________
(1) الوسائل باب: 45 من أبواب الوضوء حديث: 3. (2) الوسائل باب: 45 من أبواب الوضوء حديث: 4. (3) الوسائل باب: 45 من أبواب الوضوء حديث: 7، 8، 9.

===============

( 293 )

استظهره في الروض - وجوه. مقتضى الجمود على النص الاولي وإن كان الظاهر الثالث، لالغاء خصوصية مورد النص عرفا، لانسباق كون الغرض بقاء بلل الوضوء، كما يشير إليه قوله عليه السلام: " ولم يتمندل حتى يجف وضوؤه ". وأضعفها الثالث. ومنها: الوضوء في مكان الاستنجاء، كما ذكره في العروة الوثقى. وكأنه لما عن جامع الاخبار: " قال النبي صلى الله عليه وآله: عشرون خصلة تورث الفقر، أوله القيام من الفراش للبول عريانا... وغسل الاعضاء في موضع الاستنجاء " (1). لكنه لا يختص بالوضوء، نظير ما تقدم في استحباب تجنب مواضع النجاسة. وأما دعوى معارضته برواية عبد الرحمن بن كثير الحاكية لوضوء أمير المؤمنين (2) عليه السلام، والمتقدمة في أدعية الوضوء وصحيح أبي عبيدة الحاكي لوضوء الباقر (3) عليه السلام، بجمع المتقدم عند الكلام في الاستعانة. فهي ممنوعة، لانهما إنما تضمنا الوضوء بعد الاستنجاء، لا في موضه، لامكان الانتقال عنه قليلا. ومنها: الوضوء في المسجد من حدث البول والغائط، كما في الحدائق والمستند، ونسب في الاول إلى جملة من الاصحاب. لكن في النهاية في أحكام المساجد: " ولا يجوز التوضؤ من الغائط والبول في المساجد، ولا بأس بالوضوء فيها من غير ذلك "، ونحوه عن السرائر. وقد حمل في الحدائق كلام النهاية على الاستنجاء. وقد يناسبه عدم تعرضه لذلك في أحكام الوضوء مع ما عن المبسوط من المنع عن الاستنجاء فيها والتصريح بجواز الوضوء، بل إطلاق التوضؤ على التطهر


____________
(1) مستدرك الوسائل باب: 29 من ابواب أحكام الخلوة حديث: 7. (2) الوسائل باب: 16 من أبواب الوضوء حديث: 1. (3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 8.

===============

( 294 )

من الخبث غير بعيد، وليس هو كإطلاق الوضوء. نعم، هو لا يناسب ذيله المتضمن جواز الوضوء بها من غير الغائط، إذ لو اريد به التطهير لكان محرما أيضا، لنجاسة ماء الغسالة، بل هو أولى من ماء الاستنجاء الذي قال بعضهم بطهارته وآخر بعدم تنجيسه. وكيف كان، فيدل على الكراهة صحيح رفاعة: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء في المسجد فكرهه من البول والغائط " (1) المحمول على الكراهة لظهور المفروغية عن ذلك بين الاصحاب وقيام السيرة عليه. ولذلك يظهر ضعف ما تقدم من النهاية والسرائر لو كان مما نحن فيه. وأما حمله على الاستنجاء - كما استقر له في الحدائق - فهو مخالف للظاهر، بل حمل الوضوء فيه على خصوص الاستنجاء لا يناسب تقييده بالبول والغائط، لانحصاره بهما مفهوما. وحمله على مطلق التطهير لا يناسب تقييد الكراهة بهما، بل يعم غيرهما من النجاسات، لنجاسة ماء الغسالة نظير ما سبق من النهاية. هذا، وفي صحيح بكير عن أحدهما عليهما السلام: " قال: إذا كان الحدث في المسجد فلا بأس في الوضوء بالمسجد " (2). وفي حمله على غير البول والغائط، بلحاظ غلبة عدم وقوعهما في المسجد، مع الكراهة فيهما مطلقا، عملا بإطلاق الاول. أو حمله على العموم وحمل البأس فيه على الحرمة مع تجريده عن المفهوم. أو إبقائه على إطلاقه مع ثبوت المفهوم له وحمل البأس فيه على ما يعم الكرهة، بأن يكون المدار في الكراهة على وقوع الحدث في غير المسجد، حتى في البول والغائط، ولكون إطلاق الاول منزلا على الغالب. وجوه، أقربها الاول، لقوة ظهور صحيح رفاعة في خصوصية البول والغائط،


____________
(1) الوسائل باب: 57 من أبواب الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 57 من أبواب الوضوء حديث: 2.

===============

( 295 )

المستلزم لضعف الوجه الثالث، وقوة ظهور صحيح بكير في المفهوم، المستلزم لضعف الوجه الثاني. وربما يبقى كل منهما على إطلاقه، ويجمع بينهما بتعدد جهة الكراهة، فيكره الوضوء في المسجد من الغائط والبول مطلقا، وتتأكد الكراهة مع وقوعهما خارج المسجد، كما هو الغالب، ولا يكره الوضوء من غيرهما إلا مع وقوعه خارج المسجد، فلاحظ. ومنها: الوضوء من الاناء المفضض والمذهب والمنقوش بالصور، وكذا الوضوء فيه، فقد صرح الاصحاب (رضي الله عنهم) بكراهة استعمال الاناء المفضض، بل لعله لا خلاف ظاهر فيه، كما صرح بعضهم بإلحاق المذهب به عندهم وإن خلت عنه أكثر الفتاوى، لدعوى إرادتهم له تبعا أو بالاولوية، كما صرح بكراهة الوضوء من الاناء المنقوش بالصور في المستند. وكيف كان، فيقتضيه موثق عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: " عن الطست يكون فيه التماثيل أو الكوز أو التور يكون فيه التماثيل أو فضة، لا يتوضأ منه ولا فيه " (1). مضافا إلى ما دل على كراهة استعمال المفضض، بناء على عمومه لمطلق الاستعمال، على ما يأتي الكلام فيه في آخر كتاب الطهارة إن شاء الله تعالى. وكان الحكم في المذهب للالحاق بالمفضض، لما سبق، فلاحظ. ومنها: نفض المتوضئ يده، كما في المستند، قال: " للنبوي العامي ة " إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم ". وكونه عاميا غير ضائر للمسامحة ". وكأن المراد به نفض اليد بعد الوضوء لازالة الماء عنها، فيساوق ما تقدم في التمندل، بناء على كون الملحوظ فيه مطلق إزالة البلل. ومنها: الوضوء بالماء المشمس، كما صرح به جماهير الاصحاب، على ما في مفتاح الكرامة، بنحو يظهر منهم التسالم عليه في الجملة - وإن اختلفوا


____________
(1) الوسائل باب: 55 من أبواب الوضوء حديث: 1.

===============

( 296 )

فيه سعة وضيقا، على ما يأتي - بل ادعى في الخلاف الاجماع على ذلك مع القصد إليه. ويقتضيه خبر إبراهيم بن عبد الحميد، بل موثقه عن أبي الحسن عليه السلام: " قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على عائشة وقد وضعت قمقمها في الشمس، فقال: يا حميراء ما هذا؟ قالت: أغسل رأسي وجسدي. قال: لا تعودي، فإنه يورث البرص " (1). وخبر إسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الماء الذي تسخنه الشمس لا تتوضؤوا به ولا تغتسلوا به ولا تعجنوا به، فإنه يورث البرص " (2). ومرسل الفتال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمس خصال يورث البرص: النورة يوم الجمعة ويوم الاربعاء، والتوضي والاغتسال بالماء الذي تسخنه الشمس " (3). وهي محمولة على الكراهة للسيرة القطعية، وظهور المفروغية بين الاصحاب عن عدم الحرمة التكليفية ولا الوضعية. ولمرسل محمد بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا بأس بأن يتوضأ الانسان بالماء الذي يوضع بالشمس " (4). على أن النهي عن العود في الاول دون استعمال الماء المذكور ظاهر في الكراهة، بل في خفتها وعدم أهميتها بالنحو المقتضي لاراقته. بل التعليل يناسب الكراهة التي تضعف داعويتها ويحتاج معها لتأكيد الداعي ببيان الضرر الدنيوي. بل احتمل بعضهم حمل النهي لاجله على محض الارشاد، دون الكراهة المولوية. وإن لم يخل عن الاشكال، لسوق النهي مساق الزجر ولو بلحاظ اهتمام


____________
(1) (2) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المضاف حديث: 1، 2. (3) الوسائل باب: 40 من أبواب آداب الحمام: حديث: 4. (4) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المضاف: حديث: 3.

===============

( 297 )

الشارع الاقدس بتجنب احتمال الضرر المذكور، كما يهتم بسائر الملاكات التي اقتضت جعل الاحكام المولوية، هذا، ومقتضى إطلاق الاخيرين عدم توقف الكراهة على قصد التشميس بوضع الماء في الشمس، ولا قصد استعماله بعده. بل هو المستفاد من الاول بإلغاء خصوصية القصد عرفا. ومن ثم صرح بالتعميم من حيثية قصد التشميس في جامع المقاصد والروض ومحكي نهاية الاحكام والبيان والمسالك. ولعله المراد من التعميم من حيثية القصد وعدمه في المبسوط، كما هو مقتضى إطلاق الصدوق في الهداية والعلامة في المنتهى وغيرهما ممن عبر بما أسخنته الشمس، بل بالشمس في كلام جملة منهم، بناء على توقف صدقه على القصد. خلافا لظاهر الخلاف ومحكي السرائر والجامع، حيث قيدوه بما إذا قصد ذلك، وربما كان هو المتيقن ممن عبر بالتشميس أو بإسخان الماء في الشمس. وكأنه للجمود على مورد الحديث الاول، الذي تقدم ضعفه. كما أن مقتضى إطلاق الاخيرين أيضا عدم الفرق بين وضعه في الاناء وعدمه. واختصاص الاول بالاناء لا ينافيه، ولا سيما مع قرب إلغاء خصوصيته عرفا. ولعله لذا أطلق في المبسوط والهداية، بل صرح في محكي المسالك بعدم الفرق. ومنه يظهر ضعف ما يظهر ممن خص الحكم بما كان في الآنية، كما في النهاية وكتب المحقق والعلامة - على ما حكي عن بعضها - وعن السرائر والبيان وجملة من كتب الفقهاء. وأضعف منه ما في المنتهى قال: " الظاهر عموم النهي. ويحتمل عدمه واختصاصه بما يخاف منه المحذ ور، كالشمس في البلاد الحارة، دون المعتدلة، أو فيما يشبه آنية الحديد والرصاص، دون الذهب والفضة، لصفاء جوهرهما "، ونحوه عن نهاية الاحكام.

===============

( 298 )

لعدم وضوح اختصاص المحذور بما ذكره، وإن ظهر من جامع المقاصد والروض التسليم به، لانهما ذكرا أن المحذوو المذكور حكمة لا يلزم اطراد ها. وكذا التقييد بما دون الكر، كما لم يستبعده في محكي مجمع البرهان واستظهره الوحيد في حاشية المدارك قال: " لان الرواية وردت عن الرسول صلى الله عليه وآله والماء الكثير في ذلك الزمان كان نادرا ". إذ فيه: أن غلبة الابتلاء بالماء القليل لا تمنع من شمول الاطلاق لغيره. نعم، عن العلامة أنه لا كراهة في المشمس بالانهار الكبار والصغار والمصانع (1) والبرك والحياض إجماعا. وهو أعلم بما قال، لعدم تيسر ثبوت الاجماع لنا. والسيرة على عدم الاجتناب لا تكشف عن عدم الكراهة، لامكان ابتنائها على الغفلة عنها أو التسامح فيها، بسبب صعوبة الاجتناب في الجملة. نعم، النصوص المتقدمة بمقتضى ظاهر بعضها والمتيقن من الآخر إنما تدل على الكراهة مع تأثير الشمس في الماء حرارة معتدا بها يصدق بها التسخين، لا مجرد انكسار برودة الماء وخفتها، والظاهر ندرة حصرل ذلك في ماء الانهار والمصانع الكبار، خصوصا في البلاد المعتدلة. بقي في المقام امور.. الاول: الظاهر توقف استناد تسخين الماء للشمس، - الذي تضمنه خبر إسماعيل ومرسل الفتال - على وضع الماء فيها - كما هو مورد حديث إبراهيم - ولا يكفي مجاورته لها، كما لا يكفي إصابته لمثل الاناء المسخن بها.


____________
(1) قال في القاموس: " المصنعة كالحوض بجمع فيها ماء المطر، وتضم نونها كالمصنع. والمصانع الجمع ".

===============

( 299 )

نعم، يكفي إصابة شعاعها للاناء حين وجود الماء فيه، ولا يعتبر إصابته للماء مباشرة، لصدق تسخينها له بذلك عرفا، بل لعله الفرد الشائع المتيقن من الاطلاق. الثاني: المصرح به في جامع المقاصد والروض وحكي الذكرى وغيرها بقاء الكراهة مع ارتفاع السخونة، واستظهره في المنتهى وكشف اللثام. ولا مجال للاستدلال عليه بالاستصحاب - وإن ذكره غير واحد - بناء على ما هو التحقيق من عدم جريانه في الاحكام التكليفية غالبا لتعدد الموضوع، وهو فعل المكلف، وإن اتحد متعلقه، وهو الماء في المقام. كما لا مجال للاستدلال عليه بحديث إبراهيبم، لعدم (شمول) الاطلاق له، والمتيقن منه بقاء السخونة التي هي الغرض من وضع الماء في الشمس. بل ينحصر الدليل عليه بإطلاق خبر إسماعيل ومرسل الفتال، لا لصدق المشتق مع ارتفاع المادة، لمنعه صغرى وكبرى، بل لصدق هيئة الفعل - التي تضمنها الخبر والمرسل - مع الانصرام. إلا أن يدعى انصراف الاطلاق لصورة بقاء الحرارة، لانها الغرض من التسخين، فتأمل. الثالث: لا ينبغي التأمل في وفاء النصوص المتقدمة بإثبات كراهة جميع أفراد الغسل بالماء المذكور. كما أن مقتضى النهي عن العجن في الثاني عمومها لبقية استعمال الماء المتعلقة بالطعام والشراب، كطبخ الطعام به وشربه وحده أو ممزوجا بغيره، لالغاء خصوصيته عرفا. ولعل اقتصار بعضهم على كراهة الطهارة لاهتمامهم ببيان أحكامها. نعم، لا مجال لاحراز كراهة غسل الطعام به من دون مزج، فضلا عن غيره مما يتعلق بالبدن كغسل الثياب. الرابع: أن الكراهة المذكورة لا ترجع إلى نقص في الطهارة، بل هي كراهة تكليفية بلحاظ جهة خارجة عنها، لان ذلك هو المناسب للتعليل، ولعموم كراهة

===============

( 300 )

الاستعمال لمثل الغسل غير الشرعي والعجن مما لا يقصد لاثره، حيث يكشف عن عدم دخل جهة النهي بالاثر المقصود من الماء من الطهارة الحدثية والخبثية. ومنها: الوضوء بالماء الآجن، كما في الحدائق وغيره. لصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: " في الماء الآجن يتوضأ منه، إلا أن تجد غيره فتنزه منه " (1) بناء على أن: " فتنزه " فعل أمر - كما لعله مقتضى الاصل - أو مضارع قد حذفت من أوله إحدى التائين مسوق للطلب، لا لمحض الاخبار عن حال المكلف. والحديث المروي في مجمع البحرين: " نهى عن الوضوء في الماء الاجن ". ومنها: الوضوء بالياه المكروهة الاستعمال غير ما سبق، كماء البئر الملاقية للنجاسة قبل النزح - بناء على عدم انفعالها وحمل الامر بالنزح على كراهة الاستعمال بدونه - والاسآر المكروهة التي تقدم التعرض لها في آخر مباحث المياه. وربما فاتنا التنبيه لبعض الامور، ونسأله سبحانه العصمة والسداد. تذنيب: روى الكليني والشيخ قدسرهما بسند معتبر عن الصفار أنه كتب إلى أبي محمد عليه السلام: " هل يجوز أن يغسل الميت وماؤه الذي يصب عليه يدخل إلى بئر كنيف، أو الرجل يتوضأ وضوء الصلاة ينصب ماء وضوئه في كنيف؟ فوقع عليه السلام: يكون ذلك في بلاليع " (2). وهو محمول على الكراهة، للسيرة القطعية، وظهور مفروغية الاصحاب عن الجواز بمقتضى عدم اهتمامهم بالتنبيه على الحكم المذكور. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.


____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 2. (2) الوسائل باب: 56 من أبواب الوضوء حديث: 1.

===============

( 301 )

إلى هنا انتهى الكلام في مباحث الوضوء شرحا لما ذكره سيدنا الجد الفقيد قدس سره في كتابه (منهاج الصالحين). وكان ذلك في النجف الاشرف بيمن الحرم المشرف على مشرفه أفضل الصلاة والسلام. ليلة الاثنين، التاسع من شهر جمادى الاولى، سنة ألف وثلاثمائة وثمان وتسعين لهجرة سيد المرسلين عليه واله أفضل الصلوات وأزكى التحيات. بقلم العبد الفقير (محمد سعيد) عفي عنه، نجل العلامة الجليل حجة الاسلام السيد (محمد علي) الطباطبائي الحكيم دامت بركاته. والحمد لله على توفيقه وتسهيله وحسن صنيعه، ونسأله بلطفه وكرمه أن يتم نعمته علينا بالعون على إتمام ذلك وتيسير النفع به مع قبول العمل وغفران الزلل والعصمة في القول والعمل، إنه ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا به عليه توكلت وإليه أنيب. وانتهى تبييضه بعد تدريسه بقلم مؤلفه الفقير عفي عنه، في النجف الاشرف، صباح الجمعة، الثالث عشر من شهر جمادى الاولى، سنة ألف وثلاثمائة وثمان وتسعين للهجرة. والحمد الله رب العالمين.

===============

( 303 )

المبحث الرابع في الغسل (1) [ والواجب منه لغيره (2): غسل الجنابة والحيض والاستحاضة ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهر بن، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. وتقبل مني وزك عملي واغفر زللي، إنك أنت أرحم الراحمين وولي المؤمنين، ولا حول ولا قوة إلا بك، عليك توكلت وإليك أنيب. (1) وهو - بالضم - لغة، مصدر غسل، أو اسم مصدر منه، أو خصوص غسل تمام الجسد، واختص في عرف المتشرعة - تبعا للاستعمالات الشرعية - بغسل تمام البدن الذي يشرع للطهارة من الحدث، أو لكمالها. والاغتسال عندهم مصدر مأخوذ منه، وإن كان لغة عبارة عن غسل تمام البدن، كما صرح به بعض اللغويين. (2) من الصلاة وغيرها مما يأتي الكلام فيه في أحكام هذه الاغسال. هذا، ولم يعرف القول منا بوجوب أحد هذه الاغسال لنفسه، وإنما ذكر الشهيد في محكي الذكرى وجوب الاغسال لنفسها وجها في المسألة يبتني على القول بوجوب الوضوء لنفسه، ونسب لبعض العامة القول بذلك، على ما سبق في

===============

( 304 )

[ والنفاس ومس الاموات (1). والواجب لنفسه: غسل الاموات (2). فهنا مقاصد: ] أول فصل غايات الوضوء، وسبق ما يصلح دليلا لبطلان القول المذكور. وربما يأتي عند الكلام في هذه الاغسال ما ينفع في المقام. (1) يأتي الدليل على وجوب كل غسل في محله إن شاء الله تعالى. كما يأتي في المقصد السابع التعرض لوجه عدم وجوب بعض الاغسال الاخر، كغسل. الجمعة وغيره، إن شاء الله تعالى. (2) الظاهر أن غسل الاموات إنما يجب بلحاظ ترتب الطهارة الحدثية والخبثية علية، فهو واجب لغيره، كالوضوء للكون على الطهارة، الذي هو مستحب لغيره. فكأن عده واجبا نفسيا بلحاظ عدم مقدميته لفعل واجب، بل لمسبب توليدي يترتب قهرا عليه ويكون منشأ لانتزاع عنوان ثانوي له. وأما مقدميته للصلاة على الميت التي هي فعل مستقل عنه، فهو لا ينافي كونه واجبا نفسيا، لان المراد به ما يجب لنفسه وإن كان مقدمة لواجب آخر، في قبال ما يتمحض للوجوب الغيري، لا ما يتمحض للوجوب النفسي، ولذا يعد منه الواجبات المترتبة - كالظهر والعصر - مع كون المتقدم شرطا في صحة المتأخر. ثم إن من المعلوم من النص والفتوى وجوب الغسل المنذور وإن كان مستحبا بالذات، ومن ثم عده في العروة الوثقى. وكأن إهمال سيدنا المصنف قدس سره له لانه بصدد بيان الاغسال الواجبة والمستحبة بالاصل، ووجوب النذور مستفاد مما يأتي منه قدس سره في كتاب النذر.

===============

( 305 )

المحقصد الاول في غسل الجنابة وفيه فصول: الفصل الاول [ سبب الجنا بة (1) أمران.. الاول: خروج المني (2) ] (1) وهي مأخوذة في الاصل من جنب إذ انحى وأبعد، ومنه قوله تعالى: (واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام " (1). ويراد بها لغة وعرفا وشرعا الحدث الخاص المسبب عما يأتي، لا نفس السبب، ولذا صح الوصف بها، فيقال: فلان جنب، إذا كان محدثا ولو انصرم السبب. ومن ثم كان الغسل مطلوبا للطهارة من الحدث المذكور، وعد من الطهارات الثلاث. (2) إجماعا، كما في الخلاف والغنية والمعتبر والمنتهى وكشف اللثام وعن التذكرة والذكرى، وفي الجواهر " بلا خلاف أجده فيه، بل حكى الاجماع عليه


____________
(1) سورة إبراهيم: 35.

===============

( 306 )

جماعة حكاية تقرب إلى التواتر "، وفي بعضها نسبته لاجماع المسلمين. وتقتضيه النصوص المستفيضة بل المتواترة، كصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: ثلاث يخرجن من الاحليل، وهن: المني، وفيه الغسل... " (1)، وغيره. فلا ينبغي إطالة الكلام في ذلك، بل المناسمب الكلام في أمور.. الاول: أن مقتضى إطلاق معاقد الاجماعات وعموم بعضها - كالنصوص - عدم الفرق بين القليل والكثير " كما صرح به بعضهم. وربما يستفاد من بعض النصوص الاختصاص بالكثير في الجملة، كخبر عنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: كان علي عليه السلام لا يرى في شئ الغسل إلا في الماء الاكبر " (2)، وصحيح معاوية بن عمار: " سألت أبا عبد الله عن الرجل احتلم فلما انتبه وجد بللا قليلا، قال: ليس بشئ، إلا أن يكون مريضا، فإنه يضعف، فعليه الغسل " (3). لكن الاول - مع ضعف سنده - لا ظهور له في التقييد، بل ظاهر الوصف فيه الاشاره للمني، في قبال غيره، كالاحتلام وسائر ما يخرج من الاحليل، باعتبار غلبة الكثرة في المني، كما هو مقتضى خبر عنبسة بن مصعب الآخر: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان علي عليه السلام لا يرى في المذى وضوء ولا غسلا ما أصاب الثوب منه، إلا في الماء الاكبر " (4)، ونحوه ما ورد من الاستشهاد بقول علي عليه السلام فيمن رأى في المنام شيئا ولم ير بعد الانتباه بللا أو رأى بللا قليلا (5)، وإلا لزم وجوب الغسل من غير المني مع الكثرة. وأما الثاني، فلو كان المفروض فيه كون البلل القليل منيا لم يكن التعليل في


____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديت: 14، وباب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 10. (2) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 11. (3) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 2. (4) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 6. (5) الوسائل باب: 9 من أبواب الجنابة حديث: 1، 2.

===============

( 307 )

ذيله بأنه " يضعف " مناسبا لوجوب الغسل عليه، بل الظاهر وروده - كغيره مما ورد في البلل القليل - في فرض الشك في حال البلل، ليكون التعليل بالضعف مناسبا لاحراز كونه منيا، بلحاظ أن الضعف قد يوجب خروج المني من دون دفق، فيكون قليلا ولا تكون القلة أمارة على عدم كونه منيا، ليخرج بها عن أمارية الاحتلام. أما قلة الخارج من غير المريض، فهي أمارة على عدم كونه منيا، لملازمة المني غالبا للدفق المستلزم للكثرة، كما هو المناسب لما في صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: إذا كنت مريضا فأصابتك شهوة، فإنه ربما كان هو الدافق، لكنه يجئ مجيئا ضعيفا ليست له قوة، لمكان مرضك، ساعة بعد ساعة، قليلا قليلا، فاغتسل منه " (1)، فالصحيح المذكور على عموم ناقضية المني القليل أدل. على أن الكليني رواه بسند آخر عن معاوية بن عمار بحذف قوله: " قليلا " وقوله: " فإنه يضف "، فيخرج عن محل الكلام. هذا، ويدل على عموم ناقضية المني القليل ما ورد من وجوب الغسل من البلل المشتبه الخارج قبل البول (2)، لغلبة قلته، فلو لم يجب الغل واقعا من المني القليل لم يجب ظاهرا من البلل المشتبه به. الثاني: المصرح به في كلام جملة من الاصحاب تحقق الجنابة بخروج المني من دون شهوة، وهو مقتضى إطلاق بعض معاقد الاجماعات المتقدمة، وصريح جملة منها، كإجماع الخلاف والغنية والمنتهى وكشف اللثام ومحكي التذكرة والذكرى. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق جملة من النصوص - ما ورد في البلل المشتبه (3)، لغلبة خروجه من دون شهوة وما ورد فيمن يجد بثوبه منيا ولم يكن رأى في


____________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 5. (2) راجع الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة. (3) راجع الوسائل باب: 1 من أبواب الجنابة.

===============

( 308 )

منامه أنه احتلم (1). نعم، قد ينافيه صحيح علي بن جعنر عن أخيه عليه السلام: " سألته عن الرجل يلعب مع المرأة ويقبلها فيخرج منه المني، فما عليه؟ قال: إذا جاء الشهوة ودفع وفتر لخروجه فعليه الغسل، وإن كان إنما هو شئ لم يجد له فترة ولا شهوة فلا بأس " (2). لكن لا مجال للخروج به عما تقدم، ولا سيما مع موافقته للمحكي عن أبي حنيفة ومالك وأحمد. وقد حمله في التهذيب والاستيصار على صورة اشتباه حال الخارج، وعن المنتقى: " إن التصريح بكون الخارج منيا بناه السائل على الظن فجاء الجواب مفصلا للحكم دافعا للوهم ". لكنه خلاف ظاهر السؤال جدا. نعم، يقرب حمله على اشتباه حال الخارج - مضافا إلى استبعاد جهل مثل علي بن جعفر بحكم المني - روايته في كتاب علي بن جعفر ومحكي قرب الاسناد بإبدال " المني " ب‍ " الشئ "، كما قد يناسبه قوله في الجواب: " وإن كان إنما هو شئ لم يجد له فترة ولا شهوة.. "، لظهوره في سوق الفترة والشهوة وصفا للشئ الناقض لا شرطا في ناقضيته. هذا، وقد تظافرت النصوص بإناطة جنابة المرأة بخروج مائها عن شهوة (3) ويأتي الكلام فيه في الامر الخامس إن شاء الله تعالى. الثالث: ذكر في المقنعة والمبسوط والنهاية والمراسم أن سبب الجنابة خروج الماء الدافق، وحكي ذلك عن المرتضى وأبي الصلاح وغيرهما. وقد يظهر من ذلك اعتبار الدفق في تحقق الجنابة. لكن في محكي السرائر أن التقييد في كلماتهم بالدفق مبني على غلبة اتصافه به.


____________
(1) راجع الوسائل باب: 10 من أبواب الجنابة. (2) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 1. (3) راجع الوسائل باب: 7 من أبواب الجابة.

===============

( 309 )

وكأنه راجع إلى حمله على محض التوصيف للاشارة به للمني، لا لكونه قيدا في ثبوت الحكم له، وهو المناسب لجعلهم الدفق وصفا للماء لا للمني، ولقوله في المبسوط: " إنزال الماء الدافق الذي هو المني "، كما هو المناسب لما تقدم في صحيح زرارة. نعم، كلام الوسيلة يأبى الحمل على ذلك. لكنه ظاهر في كون الدفق علامة على كون الخارج منيا لا قيدا في ناقضيته. وكيف كان، فيدل على عدم اعتبار الدفق - مضافا إلى إطلاق أو عموم معاقد الاجماعات المتقدمة، وإطلاق جملة من النصوص - ما ورد في البلل المشتبه (1)، حيث يغلب خروجه من دون دفق، فتأمل. وما ورد فيمن يجد بثوبه منيا ولم يكن رأى في منامه أنه احتلم (2)، حيث لا دافع لاحتمال عدم الدفق. بل لا ينبغي التأمل في عدم اعتبار الدفق في الجملة، بلحاظ ما ورد في المريض، كصحيحي معاوية بن عمار وزرارة المتقدمين وغيرهما. بل هي ظاهرة في عموم ناقضية المني، وأن الدفق من لوازمه الخارجية التي يعرف بها في الصحيح دون المريض، من دون أن يكون قيدا في ناقضيته، فلاحظ. الرابع: لا ينبغي التأمل في أن الناقض هو خروج المني عن الجسد لا تحركه عن محله، كما صرح به جملة من الاصحاب، وهو الظاهر من آخرين ممن ادعى الاجماع وغيرهم. ويقتضيه - مضافا إلى ظاهر جملة من النصوص المشتملة على عنوان الخروج والانزال والامناء وغيرها - ما ورد في البلل المشتبه (3)، لوضوح أن ما يخرج بعد الغسل قبل البول هو ما تبقى في المجرى، مما تحرك عن محله قبل الغسل، فلو كان النقض بالتحرك عن المحل كان الغسل رافعا له، ولم ينتقض


____________
(1) راجع الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة. (2) راجع الوسائل باب: 10 من أبواب الجنابة. (3) راجع الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة.

===============

( 310 )

بخروجه خارج الجسد. الخامس: قال في المدارك: " ولا فرق في وجوب الغسل بالانزال بين الرجل والمرأة بإجماع علماء الاسلام "، وذلك هو الظاهر من معقد إجماع المسلمين المدعى في المعتبر والمنتهى، كما أنه مقتضى إطلاق معقد الاجماع في غيرهما. وتقتضيه النصوص الكثيرة، كصحيح محمد بن إسماعيل: " سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج وتنزل المرأة، هل عليها غسل؟ قال: نعم " (1). وموثق معاوية بن حكيم: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا أمنت المرأة والامة من شهوة، جامعها الرجل أو لم يجامعها في نوم كان ذلك أو في يقظة، فإن عليها الغسل " (2)، وغيرهما. لكن قال في المقنع: " وإن احتلمت المرأة فأنزلت، فليس عليها غسل، وروي أن عليها الغسل إذا أنزلت، فإن لم تنزل فليس عليها شئ ". ويقتضيه صحيح عمربن يزيد: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يضع ذكره على فرج المرأة فيمني، عليها غسل؟ فقال: إن أصابها من الماء شئ فلتغسله فليس عليها شئ إلا أن يدخله، قلت: فإن أمنت هي ولم يدخله؟ قالى: ليس عليها الغسل " (3). وصحيحه الآخر: " اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة ولبست ثيابي وتطيبت فمرت بي وصيفة لي ففخذت لها فأمذيت أنا وأمنت هي، فدخلني من ذاك ضيق، فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك، فقال: ليس عليك وضوء ولا عليها غسل " (4). وصحيح ابن أذينة: " قلت لابي عبد الله عليه السلام المرأة تحتلم في المنام فتهريق


____________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 3. (2) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 14. (3) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 18. (4) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 20.

===============

( 311 )

الماء الاعظم، قال: ليس عليها غسل " (1). بل يظهر استنكار ذلك من مرسل نوح بن شعيب عن عبيد بن زراره، قال: " قلت له: هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل؟ قال: لا، وأيكم يرضى أن يرى أو يصبر على ذلك أن يرى ابنته أو أخته أو أمه أو زوجته أو أحدا من قرابته قائمة تغتسل، فيقول: مالك؟ فتقول: احتلمت وليس لها بعل. ثم قال: لا ليس عليهن ذلك وقد وضع الله ذلك عليكم. قال: (وإن كنتم جنبا فاطهروا " ولم يقل ذلك لهن " (2). بل تظهر المفروغية عن ذلك للسؤال عن علته من صحيح محمد بن مسلم: " قلت لابي جعفر عليه السلام: كيف جعل على المرأة إذا رأت في النوم أن الرجل يجامعها في فرجها الغسل، ولم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة فأمنت؟ قال: لانها رأت في منامها أن الرجل يجامعها في فرجها فوجب عليها الغسل، والآخر إنما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل، لانه لم يدخله، ولو كان أدخله في اليقظة وجب عليها الغسل أمنت أو لم تمن " (3). نعم، ما تضمنه من وجوب الغسل عليها بالاحتلام إن أريد به صورة الانزال كان مرجعه التفصيل في تحقق الجنابة منها بالانزال بين الاحتلام واليقظة، وهو غريب لم يعرف القول به من أحد. وإن أريد به صورة عدم الانزال - كما هو متتضى الاطلاق المناسب للتعليل - فهو أغرب. ومن ثم لم يخل عن الاضطراب، والعمدة ما قبله، فلاحظ. وأما ما في المنتهى من أن اختلاف صحيحي عمر بن يزيد في المتن كاشف عن عدم الضبط. فهو كما ترى! موقوف على وحدة الامر المحكي بهما، ومتنهما يأبى ذلك جدا.


____________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 21. (2) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 32. (3) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 19.

===============

( 312 )

ومثله ما ذكره الشيخ قدس سره من احتمال التصحيف في بعض هذه النصوص بإبدال المذي بالمني، أو خطأ السائل بتخيل كون الخارج منيا وصدور الجواب على ما يطابق الواقع دون السؤال، لمخالفة الاول لاصالة عدم الخطأ المعول عليها عند العقلاء، والثاني لظهور الكلام في مطابقة الجواب للسؤال. وكذا ما في الوسائل من حملها على الشك في كون الخارج منيا، أو انتقال المني عن محله إلى الرحم من دون أن يخرج، أو أنها رأت في النوم أن المني قد خرج منها، فلما انتبهت لم تر شيئا، أو حمل نفي الغسل فيها على الانكار. فإن ذلك كله لا يناسب مفاد النصوص جدا، بل هو خلاف المقطوع به من أكثرها. وكذا حملها على صورة الانزال من دون شهوة، جمعا بينها وبين إطلاق نصوص ثبوت الغسل، بقرينة التقييد بالشهوة في غير واحد من نصوصه، لاباء غير واحد منها عن الحمل على ذلك عرفا، بسبب ما فرض فيها مما يسبب إثارة الشهوة غالبا. بل بناء على ما يظهر من الاصحاب من ناقضية خروج المني مطلقا، وأن الرجوع للشهوة إنما هو عند الشك في حال الخارج، فلا مجال لذلك في صحاح عمر بن يزيد ومحمد بن مسلم التي فرض فيها كون الخارج منيا، بل هو الظاهر من صحيح ابن أذينة، لان الماء الاعظم كناية عن المني ظاهرا. وبالجملة: الظاهر استحكام التعارض بين الطائفتين بالنظر لانفسهما. وربما يجمع بينهما بالنظر لامر خارج عنهما بأحد وجهين.. الاول: ما قربه في الوسائل وغيره من حمل نصوص نفي - الغسل على التقية، لموافقتها لبعض العامة، لتحقق الخلاف منهم فيها، وإجماع المسلمين المدعى مختص بالرجل. وقرينة التقية فيها التعليل المجازي الذي تضمنه صحيح محمد ابن مسلم، والاستدلال الظاهري الاقناعي في خبر عبيد بن زرارة. وفيه: أن الاولى بالحمل على التقية نصوص وجوب الغسل، لموافقتها

===============

( 313 )

للمذهب المشهور بين العامة، حيث لم ينقل الخلاف في وجوبه إلا عن النخعي. وأما التعليل والاستدلال المذكوران، فهما يبعدان احتمال التقيه، في نصوص نفي الغسل، فإن الذي يهتم بالاقناع به هو الحكم الواقعي المخالف لهم، حيث يكون خلافهم فيه مثارا للتساؤل عنه وسببا للتشكيك فيه، فيهتم بتعليله والاستدلال عليه كي يقبله السامع ويحسن الدفاع عنه عند التخاصم، أما الحكم الموافق لهم فلا غرض غالبا في تأكيده بالتعليل والاستدلال، خصوصا بمثل هذا الوجه العملي الارتكازي، ولا سيما مع ورود بعض نصوص نفي الغسل في وقائع خارجية مورد للابتلاء الفعلي. الثاني: ما أشير إليه في كلام غير واحد من حمل نصوص نفي الغسل على عدم وجوب الاعلام به أو حرمته أو كراهته، لئلا يتخذنه علة، كما تضمنه صحيح أديم بن الحر: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، عليها غسل؟ قال: نعم، ولا تحدثو هن فيتخذنه علة " (1). لكنه - مع مخالفته لظاهر النصوص المذكورة جدا - بعيد في نفسه، لبعد تخصيص عموم وجوب الاعلام بالاحكام، ولا سيما في مثل هذا الحكم الذي هو من الاهمية، بمكان بسبب شرطية الغسل في الصلاة وغيرها. ولعل الاقرب من ذلك، جعل ذيل صحيح أديم ونصوص نفي الغسل قرينة على تنزيل وجوب الغسل الذي تضمنته النصوص الكثيرة على أنه حكم اقتضائي قد. منعت الجهة التي أشير إليها في صحيح أديم وخبر عبيد من فعليته. لكن الانصاف أن ذلك وإن كان قريبا في نفسه جدا، إلا أنه ليس مقتضى الجمع العرفي بين النصوص، بل هو محض ظن لا يعول عليه في استنباط الحكم الشرعي، كاستبعاد تخصيص عموم وجوب الاعلام بالاحكام في المقام. فالبناء على عدم وجوب الاعلام بالحكم المذكور - لو كان ثابتا في نفسه - عملا بصحيح أديم هو الانسب بالقاعدة.


____________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 12.

===============

( 314 )

ومجرد عدم تعرض الاصحاب لذلك - كما ادعاه في الجواهر - لا يستلزم الاعراض الموهن للصحيح والمسقط له عن الحجية، لعدم وضوح بنائهم على التصدي لمثل ذلك في المقام، حيث أهملوا فروع المسألة وتفاصيلها، ولا سيما مع قرب قيام السيرة على عدم الاعلام بهذا الحكم وتشخيص موضوعه. نعم، لا ريب في أن هذا موهن لنصوص وجوب الغسل ومقرب لحملها على التقية، الذي عرفت أنها أولى به من نصوص عدم وجوبه، لقرب تذرعهم عليهم السلام بذلك لابطال الحكم من دون تصريح بمخالفة العامة فيه. إلا أن ذلك كله فرع حجية نصوص عدم وجوب الغسل، وهو في غاية الاشكال، بلحاظ ظهور إعراض الاصحاب عنها من أهل الحديث والفتوى قديما وحديثا، حيث لم يعرف القول بمضمونها من غير الصدوق في كلامه المتقدم في المقنع، المشعر بنحو تردد منه فيه، لتعقيبه برواية وجوب الغسل، مع ظهور عدوله عنه في الفقيه، لاقتصاره على الرواية المتضمنة لوجوب الغسل، كما هو الحال في الكليني أيضا، حيث اقتصر على نصوص وجوب الغسل، مع ظهور حاله - كحال الصدوق في الفقيه - في الاقتصار على الاخبار المعتمدة الصالحة لان يعمل بها، ولم يتعرض لها إلا الشيخ في التهذيب والاستبصار، حيث ذكرها مؤولا لها دافعا لظاهرها. ومع ذلك تشكل حجية النصوص المذكورة، ولا سيما مع كون نصوص وجوب الغسل أكثر عددا وأشهر رواية، فإن الترجيح بذلك مقدم على الترجيح بمخالفة العامة. اللهم إلا أن يقال: المراد بذلك ترجيح المشهور على الشاذ النادر، لا الترجيح بالاشهرية. ولا مجال لدعوى شذوذ نصوص عدم وجوب الغسل مع تعددها ووقوع أجلاء الرواة في أسانيدها وتدوين قدماء الاصحاب لها في الكتب المعتمدة. وأما إعراض الاصحاب عنها في مقام الفتوى، فهو إنما يكون موهنا لها إذا لم

===============

( 315 )

تطابق السيرة العملية، وإلا كشفت السيرة عن كون الهجر لشبهة في مقام الاستدلال، مع الغفلة عن السيرة المعينة لصدقها. وربما يمكن تحصيل السيرة على مضمونها من عدم الاهتمام بتحديد مني المرأة وتشخيصه ولا بالفحص عن هذا الحكم بالنحو المناسب لاهميته، كما هو ديدنهم في الحيض ونحوه. إلا أن يكون منشأ ذلك قلة الابتلاء به بالنحو الذي يترتب عليه العمل - لندرة حصول الانزال لها من دون جماع - وشدة حياء النساء منه حتى قد يصعب عليهن إبداؤه للازواج، لمناسبته لشدة الشهوة بالنحو المنافي للتعفف الذي يحاولنه، حيث يبدين أنفسهن مطلوبات غير طالبات. ولعل ذلك هو المنشأ لتكثر الاسئلة عن ناقضيته في كلتا الطائفتين من النصوص وغيرها، مع عدم السؤال عن ناقضية مني الرجل، لوضوح حاله بسبب كثرة الابتلاء به، وإنما تضمنته تبعا النصوص الواردة لبيان أمور أخر، كعدم ناقضية غيره مما يخرج من الاحليل، وعدم ناقضية الاحتلام أو التفخيذ من دون إنزال. وقد تحصل مما ذكرنا: أن نصوص عدم وجوب الغسل إن سقطت عن الحجية بالاعراض كان المرجع نصوص وجوبه، وإلا كان العمل عليها ولزم حمل نصوص الوجوب على التقية. والامر في غاية الاشكال، والله سبحانه وتعالى العالم بحقيقة الحال. بقي الكلام في تحديد مني المرأة الموجب للغسل، فقد ذكر العلامة في المنتهى أنه رقيق أصفر، في قبال مني الرجل الذي هو غليظ أبيض، وسبقه إليه ابن سعيد في محكي الجامع في كلامه الآتي عند ذكر اشتباه المني. وكأنهما استندا في ذلك للنصوص الواردة من طرقنا ومن طرق العامة، ففي معتبرة أبي بصير: " سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت له: إن الرجل ربما أشبه أخواله وربما أشبه أباه وربما أشبه عمومته. فقال: إن نطفة الرجل بيضاء غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة، فإن غلبت نطفة الرجل نطفة المرأة أشبه الرجل أباه وعمومته، وإن غلبت نطفة

===============

( 316 )

المرأة نطفة الرجل أشبه الرجل أخواله " (1)، وقريب منه خبر ثوبان (2) وما يأتي من رواية مسلم في صحيحه. لكن من القريب أن يراد بنطفة المرأة ومائها البويضة التي يتكون منها الولد بعد تلقيحها بمني الرجل، لا مني المرأة الذي هو سبب جنابتها، إذ لا إشكال ظاهرا في عدم توقف تكؤن الولد على إنزال المرأة. نعم، لا مجال لذلك فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث أم سليم من أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله عن احتلام المرأة، فأوجب به الغسل فقالت: " واستحييت من ذلك، قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي صلى الله عليه وآله: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه " (3). إلا أنه ليس حجة، فلا مجال للتعويل عليه، ولا سيما بعدما عرفت، حيث يكون النص المتضمن لذلك بسببه من المشكل الذي يرد علمه لاهله. أما نصوص المقام، فهي بين مطلق - كصحيح محمد بن إسماعيل المتقدم - ومقيد بالشهوة - كموثق معاوية بن حكيم المتقدم - وهو الاكثر. وظامر الاصحاب كصريح بعضهم، حمل الثانيه على كون الشهوة علامة على المني يرجع إليها عند الاشتباه، مع عموم ناقضية المني، عملا بإطلاق الطائفة الاولى. ولم يتضح الوجه في ذلك مع قوة ظهور النصوص في التقييد للتأكيد عليه في بعضها في الجواب بعد ذكره في السؤال، وظاهرها بيان موضوع وجوب الغسل الواقعي من دون إشعار فيها بفرض الشك في نوع الخارج. نعم، لا يبعد أن يكون منشأ التقييد هو ملازمة الشهوة للمني بنحو تكون من خواصه المميزة له، لا توقف ناقضيته عليها مع إمكان انفكاكه عنها، فإنه وإن كان


____________
(1) علل الشرائع ج: 1 ص: 94 باب: 85 حديث: 1 طبع النجف الاشرف. (2) علل الشرائع ج: 1 ص: 96 باب: 85 حديث: 5. طغ النجف الاشرف. (3) صحيح مسلم ج: 1 ص: 250 حديث: 311 باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها.

===============

( 317 )

خلاف ظاهر مثل موثق معاوية بن حكيم المتقدم، لتضمنه تقييد الامناء بالشهوة والاصل في التقييد الاحتراز، إلا أنه المناسب لمفروغية الاصحاب عن عموم ناقضية المني، وقد تدل عليه بعض النصوص. وكيف كان، فلا أهمية لذلك بعد دوران الناقضية مدار الشهوة وجودا وعدما بمقتضى التقييد في النصوص المذكورة، الذي يلزم تنزيل المطلقات عليه، ولاسيما مع قرب انصرافها لصورة الشهوة، لانصراف الانزال إليه، ولا سيما مع اشتمالها على فرض مهيجاتها، كمجامعتها فيما دون الفرج ورؤيتها في الحلم الجماع. ثم إن نزول الماء من المرأة حال الشهوة على نحوين.. الاول: النزول الهادئ بنحو الرشح، ويستمر باستمرار حالة الشهوة عندها. الثاني: النزول بنحو من الكثرة والدفع عند بلوغ الشهوة قمتها، نظير إنزال الرجل ويتعقبه الفتور. وفي اتخاد حقيقة الماء النازل في الحالين أو اختلافها، وجهان، ربما نقل عن بعض الاطباء الاول، ولا يهم تحقيق ذلك، وإنما المهم عموم الناقضية للحالين وإن كانا مختلفي الحقيقة، أو اختصاصها بالثاني وإن اتحدت حقيقتهما. غاية ما يلزم عليه دخل الحالة في صدق عنوان المني، بناء على انحصار الناقض به وعموم ناقضيته، كما يظهر من الاصحاب المفروغية عنه، وقد يستفاد من النصوص، وليس ذلك محذورا إذا ساعدت عليه الادلة. قد يستدل على الاختصاص بالثاني بقوله تعالى: (خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب) (1) بدعوى: ظهوره في كون ماء المرأة الذي يخرج من ترائبها دافقا، كماء الرجل. وفيه: أن حمل الترائب على ترائب المرأة لارادة مائها، وإن ذكر في مجمع البيان وجها في تفسير الآية الشريفة، بل اقتصر عليه علي بن إبراهيم في تفسيره، وعليه يبتني ما في كشف اللثام من الاستدلال بالآية لاعتبار الدفق عند اشتباه حال ماء


____________
(1) سورة الطارق: 7، 8.

===============

( 318 )

المرأة، إلا أن تركيب الآية لا يناسبه - كما نبه له سيدي الوالد دامت بركاته - لظهورها بمقتضى لفظة (بين) في إرادة ماء واحد يخرج من بين الصلب والترائب، لا مائين يخرج أحدهما من الصلب والآخر من الترائب. على أن ذلك إنما يدل على دفق ماء المرأة الذي يتكون منه الولد، لا الذي هو سبب لجنابتها، نظير ما تقدم عند الكلام في النصوص. نعم، في خبر الجعفريات عن علي عليه السلام: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ثلاثة أشياء: مني ووذي وودي... إلى أن قال: وأما المني فهو الماء الدافق الذي يكون منه الشهوة ففيه الغسل " (1). وعنه عليه السلام: " سئل عن الرجل يجامع امرأته وأهله مما دون الفرج فيقضي شهوته. قال: عليه الغسل وعلى المرأة أن تغسل ذلك الموضع إذا أصابها، فإن أنزلت من الشهوة كما أنزل الرجل فعليها الغسل " (2). وظاهر الاول حصر الغسل بالمني، وأنه لا يكون إلا دافقا منه الشهوة، ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين الرجل والمرأة. وظاهر الثاني إرادة إنزالها كانزال الرجل الذي يكون به قضاء الشهوة. لكن سندهما لا يخلو عن إشكال. ومن ثم قد يدعى أن مقتضى إطلاق ما تضمن وجوب الغسل على المرأة بإنزالها من شهوة عموم الحكم لكلا الحالين المتقدمين وعدم اختصاصها بالثاني. اللهم إلا أن يقال: المتيقن من الاطلاقات المذكورة هو الماء النازل في الحال الثاني، لانه المستند للشهوة، وأما الاول فهو مصاحب لها لا مسب عنها عرفا. ولاسيما مع ظهور بعض النصوص في كون الشهوة الموجبة لنزول الماء حالة خاصة تطرأ على المرأة حال ملاعبتها مع الرجل، ففي صحيح محمد بن الفضيل: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن المرأة تعانق زوجها من خلفه فتحرك على ظهره، فتأتيها


____________
(1) مستدرك الوسائل باب: 4 من أبواب أحكام الجنابة حديث: 3. (2) مستدرك الوسائل باب: 4 من أبواب الجنابة حديث: 1.

===============

( 319 )

[ من الموضع المعتاد وغيره (1)، ] الشهوة فتنزل الماء عليها الغسل، أو لا يجب عليها الغسل؟ قال: إذا جاءتها الشهوة فأنزلت الماء وجب عليها الغسل " (1)، ونحوه صحيحه الآخر (2). فإنهما ظاهران في أن الشهوة الموجبة لنزول الماء حالة طارئة قاهرة غير الشهوة التي لاجلها تتحرك على ظهر الزوج والتي تسيطر المرأة عليها. بل لا يبعد كون ذلك هو المنصرف من إطلاق الانزال في جملة من النصوص، بسبب كون ذلك هو المعهود من إنزال الرجل، كما هو مقتضى التشبيه به في خبر الجعفريات المتقدم، أما الاول فهو بسبب تدريجيته غير ملتفت إليه، بل قد يستبه برطوبات الفرج الاخرى، بل هو حيث كان كثيرا فمن البعيد خفاء حكمه، بنحو يناسب كثرة الاسئلة عنه. كما أن ما يظهر من بعض الاخبار من جهل بعض النساء بتحقق الانزال من المرأة، وكتمان أخر له واستحيائهن منه، إنما يناسب إرادة الثاني، لا ما يعم الاول الذي هو من التعارف والكثرة بنحو لا يقبل الكتمان والجهل من الرجال فضلا عن النساء. بل عموم حصول الجنابة بالمائين معا مستلزم للحرج الشديد، لكثرة الابتلاء بالماء الاول، وصعوبة التوقي منه، والسيطرة عليه مع تهيؤ المرأة للرجل وتجاوبها معه، بخلاف الثاني الذي يقل حصوله وتسهل السيطرة عليه بالتوقي عما يستتبع الشهوة العارمة، كما في الرجل. وذلك كله يشرف بالفقيه على القطع باختصاص الناقضية بالماء الثاني، فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. (1) كما لعله مقتضى إطلاق غير واحد، بل هو الظاهر من العلامة في المنتهى،


____________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 4. (2) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 13.

===============

( 320 )

حيث قال: " لو خرج المني من ثقبة في الاحليل غير المعتاد أو في خصيتيه أو في صلبه، فالاقرب وجوب الغسل، لقوله عليه السلام: إنما الماء من الماء "، فإن استدلاله بالحديث ظاهر في العموم لغير الفروض المذكورة في كلامه، وهو المحكي عن التذكرة ونهاية الاحكام. لكن في جامع المقاصد: " أما لو خرج من غير ذلك، فاعتبار الاعتياد حقيق بأن يكون مقطوعا به "، وفي القواعد: " لو خرج المني من ثقبة في الصلب فالاقرب اعتبار الاعتياد وعدمه ". وعن الذكرى: " لو خرج المني من ثقبة، اعتبر الاعتياد والخروج من الصلب فما دونه. ومن فوقه وجه، عملا بالعادة "، ونحوه عن البيان. وربما قيل بابتناء الكلام هنا على الكلام في نواقض الوضوء، وعن نهاية الاحكام: " فإن اعتبرنا هناك العمدة، فالاقوى اعتبار الصلب هنا، فقد قيل: إنه يخرج من الصلب ". وعن الايضاح عدم وجوب الغسل مطلقا، حملا على الغالب وعملا بالاصل. هذا، وقد تكرر منا عدم صلوح الغلبة ولا الاعتياد لتقييد المطلقات، فلابد - في محل الكلام - من النظر في مفاد الادلة عموما وخصوصا. وقد سبق من المنتهى الاستدلال بقوله عليه السلام: " إنما الماء من الماء ". لكن لم نعثر على الحديث من طرقنا، وإنما ورد من طرق العامة فيما حكي (1). نعم، في صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما تقو لون في الرجل يأتي أهله فيخالطها ولا ينزل. فقالت الانصار: الماء من الماء، وقال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل... " (2)، فلو كان مراد الانصار الاشارة لحديث نبوي فالمتيقن وروده لبيان عدم وجوب الغسل بدون الماء ولا إطلاق له في وجوب الغسل به.


____________
(1) حكي عن كنز العمال ج: 5 ص: 90 برقم: 1917. (2) الوسائل باب: 6 من أبواب الجنابة حديث: 5.

===============

( 321 )

ومثله ما ورد في جملة من النصوص من أن عليا عليه السلام كان لا يرى الغسل إلا في الماء الاكبر (1) لوروده لبيان عدم النقض بغيره من الاحتلام المجرد عنه أو المذي ونحوه. كما أن صحيح عبد الله بن سنان المتقدم في أول الفصل ومرسل ابن رباط المتضمنين ناقضية المني حيث وردا في بيان ما يخرج من الاحليل فلا إطلاق لهما يشمل صورة خروجه من غير الاحليل. نعم، قد يتجه الاطلاق في خبر الجعفريات المتقدم في آخر الكلام في مني المرأة. لكن لا مجال للتعويل عليه مع ضعف سنده. فلم يبق في المقام إلا إطلاق ما تضمن وجوب الغسل بالانزال، والظاهر عدم صدقه على خروج المني من محل تكونه رأسا لثقبة فيه مع الدفق فضلا عن عدمه، بل لابد من سيره في مجرى في الجسد وخروجه مما دونه بنحو الدفع. نعم، لا يعتبر خروجه من المجرى المعتاد، فلو خرج من ثقبة قبله صدق الانزال مع اعتياد الخروج منه وعدمه ومع انسداد المجرى المعتاد وبدونه. بل لا يبعد عموم الناقضية لما يخرج منه بدون دفق لالغاء خصوصيته عرفا بالاضافة إليه، ولو بقرينة ما تضمن عدم اعتبار الدفق مع الخروج من المجرى الطبيعي. وأما التعدي لما يخرج من نفس محل تكون المني لثقبة فيه، فهو يحتاج إلى دليل. هذا كله في الرجل، وأما المرأة فالظاهر إناطة النقض فيها بالشهوة بالنحو المتقدم، حيث يصدق معها الانزال من دون خصوصية لموضع معين، عملا بإطلاق النصوص المتقدمة.


____________
(1) راجع الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 6، 11 وباب: 9 من الابواب المذكورة حديث: 1، 2، 3.

===============

( 322 )

[ وإن كان الاحوط استحبابا عند الخروج من غير المعتاد الجمع بين الطهارتين إذا كان محدثا بالاصغر (1). مسألة 1: إن عرف المني فلا إشكال (2)، وإن لم يعرف (3) فلا يبعد أن يكون كل من الشهوة والدفق وفتور الجسد أمارة عليه (4)، ] (1) الظاهر أن الاحتياط المذكور يضعف جدا إذا كانت الثقبة في الاحليل، لبعد خصوصية الخروج من طرف الذكر عرفا. (2) هذا في الرجل في محله، لما سبق من عموم ناقضية المني. وأما في المرأة، فقد سبق أن المدار على الشهوة الخاصة، إما لملازمتها للمني، أو لكونها قيدا في الناقضية به وبغيره. (3) قد يظهر من كلام غير واحد وجوب الاختبار بالوجه الآتي، ولم يتضح وجهه، بل الظاهر جواز الرجوع قبله لاستصحاب الطهارة، بل لاستصحاب عدم خروج المني، لعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية إلا بدليل. (4) كما عن المسالك. وفي جامع المقاصد والروض الاكتفاء بأحد هذه الاوصاف وبالرائحة، بل نفى في جامع المقاصد الخلاف في الاكتفاء بالرائحة وحدها. وفي المعتبر والشرائع والمنتهى والارشاد وعن ظاهر التحرير ونهاية الاحكام وغيرها اعتبار اجتماع الاوصاف الثلاثة المذكورة في المتن. واكتفى في القواعد بالدفق والشهوة، وفي النافع والوسائل بالدفق وفتور البدن، ولعله للتلازم بين الشهوة وفتور البدن بنظرهم. وجعل في النهاية المدار على الدفق وحده، وربما ينسب لجميع من جعل سبب الغسل هو الماء الدافق وقد سبق التعرض لبعضهم عند الكلام في ناقضية المني، لكنه لا يناسب ظهور كلام أكثرهم في بيان موضوع الناقضية ثبوتا، لا علامة الناقض عند اشتباهه اثباتا. وقد سبق توجيه كلامهم.

===============

( 323 )

وذكر في الجواهر أن التأمل في عبارة السرائر قد يقضي بذهابه إلى عدم اعتبار شئ من العلامات، وأن المدار على العلم بكونه منيا، وربما ينسب لجملة من القدماء ممن علق وجوب الغسل على خروج المني ولم يتعرض لفرض اشتباه الخارج، وإن استظهر في الجواهر عدم الخلاف في الرجوع إليها في الجملة، وفي الحدائق الاتفاق على ذلك. وكيف كان، فقد وجه في جامع المقاصد الاكتفاء بكل واحدة من الصفات المذكورة في المتن وبالرائحة بتلازم الصفات الاربع إلا لعارض. فإن أراد تلازمها عند خروج المني، لم ينفع شئ منها في إحراز كون الخارج منيا عند الشك في حاله. وإن أراد تلازمها ولزوم المني لها، فإن أراد بالعارض المرض الذي يأتي الكلام في حكمه، كان مرجع كلامه إلى أمارية الصفة الواحدة على تحقق بقية الصفات في الصحيح ويمتنع فرض انفكاك بعضها فيه. لكن لم يتضح الوجه في التلازم المدعى، خصوصا لو أريد منه الصحيح العرفي المقابل للمريض العرفي، الذي هو المراد من المريض فيما يأتي، لوضوح أنه لا يراد به مطلق من فيه نقص حقيقة وإن لم يكن مدركا، وإلا لم يكن فرضه عمليا. وإن أراد بالعارض غير المرض، كان مرجع كلامه إلى أن غلبة التلازم بين الصفات موجب للاكتفاء بواحدة منها عند الشك، لاحتمال العارض. ويشكل بعدم الدليل على حجية الغلبة بالنحو المذكور بعد فرض تسليمها. بل يلزم الرجوع للنصوص، وحيث كانت خالية عن ذكر الرائحة فلا وجه لعدها أمارة مستقلة - كما في كلام من سبق - ولا بشرط الانضمام إلى غيرها من الصفات، كما عن التذكرة والذكرى والدروس، على مانبه له في المدارك. ومثله ما عن ابن سعيد في الجامع، حيث قال: " وعلامة مني الرجل بياضه وثخانته وريحه ريح الطلع والبيض جافا، وقد يخرج رقيقا أصفر كمني المرأة "، لعدم ورود النصوص بشئ مما ذكره.

===============

( 324 )

إلا أن يكون مراده بيان خواصه الخارجية التي قد يوجب وجودها العلم به، لا أماراته الشرعية عند الاشتباه، كما هو ظاهر القواعد في الرائحة، وقد يحمل عليه كلام بعض من تقدم. أما النصوص، فهي: صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: " سألته عن الرجل يلعب مع المرأة ويقبلها فيخرج منه المني، فما عليه؟ قال: إذا جاءت الشهوة ودفع وفتر لخروجه فعليه الغسل، وإن كانا إنما هو شئ لم يجد له فترة ولا شهوة فلا بأس " (1). وصحيح ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام: " قلت له: الرجل يرى في المنام ويجد الشهوة فيستيقظ فينظر فلا يجد شيئا ثم يمكث الهون بعد فيخرج، قال: إن كان مريضا فلينتسل وإن لم يكن مريضا فلا شئ عليه، قلت: فما فرق بينهما؟ قال: لان الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفقة قوية (يدفقه بقوة)، وإن كان مريضا لم يجئ إلا بعد (بضعف) " (2). وصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: إذا كنت مريضا فأصابتك شهوة فإنه ربما كان هو الماء الدافق لكنه يجئ مجيئا ضعيفا ليست له قوة لمكان مرضك ساعة بعد ساعة قليلا قليلا، فاغتسل منه " (3). وصحيح معاوية بن عمار: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل احتلم فلما انتبه وجد بللا قليلا. قال: ليس بشئ إلا أن يكون مريضا، فإنه يضعف فعليه الغسل " (4). وما في مرسل ابن رباط: " فأما المني، فهو الذي تسترخي له العظام ويفتر منه الجسد " (5). وما في خبر الجعفريات المتقدم: " وأما المني، فهو الماء الدافق الذي يكون


____________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 1. (2) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 3. (3) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 5. (4) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 2. (5) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 17.

===============

( 325 )

منه الشهوة " (1). وظاهر صحيح ابن جعفر هو أمارية الصفات الثلاث على المني ولزوم اجتماعها في الحكم به، فالاكتفاء ببعضها محتاج إلى دليل يخرج به عنه. وقد استدل سيدنا المصنف قدس سره على طريقية الشهوة وحدها بظهور صحيحي ابن أبي يعفور وزرارة في أن الفرق بين الصحيح والمريض ليس هو قصور الشهوة عن الطريقية في الاول دون الثاني، بل أمارية عدم الدفق في الاول على عدم المني فتعارض أمارية الشهوة فيه، بخلات الثاني، فلا معارض فيه لامارية الشهوة، فيدلان على المفروغية عن عموم أمارية الشهوة. ويشكل بظهور صحيح زرارة في أن وجوب الغسل في المريض ليس لامارية الشهوة على المني، بل لمحض احتماله معها من دون أمارة نافية له ولا مثبتة. ولعل التعبد به بمحض الاحتمال في المريض لامر يختص به، وهو عدم تيسر حصول الامارة التامة، بخلاف الصحيح. وعليه يحمل صحيح ابن أبي يعفور، لان نسبته إليه نسبة المجمل للمبين، بل صحيح ابن أبي يعفور ظاهر في أن البناء في الصحيح على عدم المني مع عدم الدفق لكون عدم الدفق أمارة على عدمه، لا لتعارض الامارتين الموجب لسقوطهما والرجوع للاصل، فتأمل. كما أنه قدس سره استدل على أمارية الفتور وحده بما سبق في مرسل ابن رباط، وعلى أمارية الدفق وحده، بما تضمن أن المني هو الماء الدافق. ويشكل الاول بضعف سند المرسل، والثاني بعدم العثور على هذا المضمون، وإنما تعرضت الآية الكريمة لتوصيفه بالدافق، واشتمل صحيح زرارة المتقدم على الاشارة إليه به بنحو التعريف العهدي، وهما لا يدلان على انحصار الدفق به، ليكون من خواصه الواقعية الموجبة للعلم به، ولا على أماريته عليه


____________
(1) مستدرك الوسائل باب: 4 من أبواب أحكا م الجنابة حديث: 3.

===============

( 326 )

شرعا، ليحرز به ظاهرا. وأما الاستدلال على أمارية كل من الشهوة والفتور بمفهوم الذيل في صحيح علي بن جعفر، فلا مجال له، لعدم سوقه للمفهوم، بل للتصريح بمفهوم الصدر، فلا يصلح لرفع اليد عن ظاهره في لزوم اجتماع الصفات الثلاث. وأما ما سبق من القواعد من الاكتفاء بالدفق والشهوة، فيدل عليه خبر الجعفريات، إلا أن ضعفه مانع من التعويل عليه. نعم، ظاهر صحيحي ابن أبي يعفور ومعاوية بن عمار المفروغية عن وجوب الغسل مع الدفق في المحتلم، مع أنه قد لا يحرز فتور الجسد، فلابد أن يكون ذلك للتلازم بين الفتور واجتماع الدفق والشهوة، فلا ينافي صحيح ابن جعفر، أو لالغاء قيدية الفتور في المحتلم، الذي لا يتيسر الاطلاع عليه فيه غالبا، نظير إلغاء قيدية الدفق في المريض، ولا دليل على إلغاء قيديته في المنتبه الذي يتيسر له غالبا الاطلاع عليه. وأما الاكتفاء بالدفق وفتور الجسد - كما تقدم من النافع والوسائل - فلم يتضح وجهه. ثم إنه ليس المراد بالشهوة الشهوة الاستمرارية المصاحبة للملاعبة ونحوها، بل الشهوة الطارئة المصاحبة لخروج الماء، كما هو ظاهر صحيح علي بن جعفر المتضمن للتقييد بمجيئها مع فرض السائل الملاعبة والتقبيل المصاحبين للشهوة بالمعنى الاول، ولقوله في ذيله: " لم يجد له شهوة ". وهو الظاهر من صحيح ابن أبي يعفور الذي فرض فيه وجدان الشهوة في الاحتلام، ومن صحيح زرارة الذي فرض فيه إصابة الشهوة، الظاهرة في طروئها، ومن خبر الجعفريات الظاهر في سببية خروج المني للشهوة. هذا، والنصوص السابقة مختصة بما إذا شك في كون الخارج منيا، وتقصر عن إثبات الا مارية فيما إذا شك في أصل خروج المني، فيرجع معه للاصل وإن تحققت الصفات المتقدمة.

===============

( 327 )

[ دمها أمارة على عدمه (1) في الصحيح، فمع تعارضها يبنى على عدمه (2)، ومع اجتماعها أو حصول واحدة منها مع الشك في ثبوت غيرها يبنى على وجوده (3)، ] (1) بناء على ما تقدم من اعتبار اجتماع الصفات في البناء على المني فبتخلف إحداها لا يحكم بأن الخارج مني، لعدم تمامية الطريق إليه، فلا يجب الغسل ولو بحكم الاصل. أماكون تخلف الصفة طريقا على عدم كون الخارج منيا، فهو الذي يقتضيه في الدفق صحيحا ابن أبي يعفور وزرارة، بل صحيح معاوية بن عمار أيضا، بناء على ما سبق في توجيهه عند الكلام في عموم ناقضية المني للقليل، وخبر الجعفريات، لظهوره في ملازمة كل من الدفق والشهوة للمني، وعدم اللازم دليل على عدم الملزوم. وبذلك يكون دالا على أمارية عدم الشهوة أيضا، كما يدل مرسل ابن رباط على أمارية عدم الفتور، لكن ضعف سند الخبرين مانع من التعويل عليهما. وأما ما في ذيل صحيح ابن جعفر من الحكم بعدم البأس مع عدم الشهوة والفتور معا، فهو لا يدل على أمارية فقدهما معا، لامكان ابتنائه على الرجوع للاصل عند فقد أمارة المني. وقد تحصل أن الامارة على عدم المني منحصرة بعدم الدفق. نعم، مقتضى صحيح معاوية بن عمار أن قلة البلل أمارة على عدم الدفق على ما تقدم توضيحه عند الكلام في عموم ناقضية المني القليل، فلاحظ. (2) لاستصحاب الطهارة، بل عدم خروج المني. (3) أما مع اجتماعها، فظاهر. وأما مع وجود بعضها والشك في الباقي، فقد وجهه قدس سره بأنه لا اعتبار بالشك في وجود المعارض، كما وجه قدس سره في مباحث الاجتهاد والتقليد عدم الاعتبار بالشك

===============

( 328 )

في المعارض بأنه مقتضى إطلاق أدلة حجية الحجة المحرزة، فإنه وإن خرج عنه صورة وجود المعارض، فيكون التمسك بالاطلاق مع الشك فيه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، إلا أنه لا محذور فيه بعد كون دليل التخصيص لبيا، وهو حكم العقل بامتناع الثعبد بالنقيضين. وفيه - مضافا إلى ما سبق في المسألة الثامنة من مباحث الاجتهاد والتقليد من عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية حتى لو كان المخصص لبيا، ولا سيما إذا كان جليا بنحو يعد من القرائن المحيطة بالكلام المانعة من انعقاد ظهور العام في العموم، كما في المقام -: أن ذلك إنما يتم في الشك المجرد عن الاصل المحرز لوجود المعارض، وإلا فلا ينبغي التأمل في جريان الاصل المذكور - كاستصحاب عدالة الشاهد - وإن لم يكن الاثر المترتب عليه فعلية الحجية في المعارض، بل سقوط حجية المعارض. فيجري في المقام استصحاب عدم وجود الصفة المشكوكة، الذي هو أمارة على عدم المني، فيعارض به أمارة وجوده، وهي الصفة المتيقنة. ومنه يظهر أنه لا ينفع الاستدلال على عدم الاعتناء باحتمال المعارض ببناء العقلاء على ذلك في العمل بالحجج المتيقنة، الذي هو دليل على استثناء الشك في المعارض من قاعدة عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، على ما سبق التعرض له في مباحث الاجتهاد والتقليد، فإنه وإن تم في نفسه لا ينفع في مثل المقام مما يحرز فيه وجود المعارض بالاصل. اللهم إلا أن يستشكل في جريان استصحاب عدم الصفة بتوقفه على كون الامارة هي العدم المحمولي، الذي هو عبارة عن محض عدم وجودها، حيث يمكن استصحابه بلحاظ اليقين به قبل خروج الماء، ولا طريق لاستفادة ذلك من النصوص المتقدمة، فإنها حيث كانت واردة لتشخيص حال الماء فربما يراد بها أن الصفات المذكورة لما كانت من خواص المني ففقدها في الماء كاشف عن عدم كونه منيا، فلابد من إحراز أن الماء فاقد للصفة، نظير قوله عليه السلام في ذيل صحيح علي بن وفي

===============

( 329 )

[ المريض يرجع إلى الشهوة أو الفتور (1)، ] جعفر: " وإن كان إنما هو لشئ لم يجد له شهوة ولا فترة " بناء على أنه من أدلة المقام، ولا مجال لاحراز ذلك بالاستصحاب، لعدم اليقين به حتى بلحاظ حال ما قبل خروج الماء. هذا، مضافا إلى أن جريان الاستصحاب المذكور مستلزم للغوية إطلاق أمارية الصفة الواحدة على المني، لعدم ترتب العمل عليها، إلا أن يحرز وجود غيرها الراجع للزوم اجتماع الصفات كلها في الحكم بالمني، وهو لا يناسب الاطلاق المذكور، فيكشف الاطلاق بدلالة الاقتضاء عن إلغاء الشارع استصحاب عدم الصفة المشكوكة، بنحو يرفع لاجله اليد عن أمارية الصفة المتيقنة. (1) بل أو الدفق أيضا بناء على ما ذكره من أمارية كل من الصفات الثلاث، لاطلاق أدلتها الشامل للمريض، ونصوص المريض إنما دلت على عدم توقف الحكم بالمني على الدفق وعدم أمارية عدمه على عدمه، لا على عدم أماريته على المني، لتنافي الاطلاقات المذكورة. إلا أن يكون مراده ذلك، فلاحظ. أما بناء على ما سبق من اعتبار اجتماع الصفات الثلاث في الصحيح، فلا ينبغي التأمل في عدم لزوم الدفق في المريض، فضلا عن كون عدمه أمارة على عدم المني، لصراحة صحيحي زرارة وابن أبي يعفور في ذلك، وظهور صحيح معاوية بن عمار فيه، بناء على ما تقدم في توجيهه عند الكلام في عموم ناقضية المني للقليل. بل الظاهر أنه لا يعتبر فيه الفتور أيضا، أخذا بإطلاق النصوص المذكورة. ولا يعارضها صحيح ابن جعفر بعد حمله على الصحمح؟ كما لا مجال للبناء على أمارية الفتور وحده لما سبق في الصحيح. ثم إن ظاهر النصوص المتقدمة أن الشهوة أمارة المني عند اشتباه الخارج، لا عند الشك في خروج الماء، بل مقتضى الاصل معه الطهارة وإن تحققت الشهوة،

===============

( 330 )

[ وفي النساء يرجع إلى الشهوة (1)، وفى الفتور وحده إشكال (2). ] نظير ما تقدم في الصحيح. لكن قد يدل على أمارية الشهوة حينئذ خبر محمد بن مسلم: " قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل رأى في منامه فوجد اللذة والشهوة ثم قام فلم ير في ثوبه شيئا. قال: فقال: إن كان مريضا فعليه الغسل، وإن كان صحيحا فلاشئ عليه " (1)، بناء على حمله على صورة الشك في خروج شئ، لان عدم الرؤية لا يستلزم اليقين بالعدم، ولعدم ذهاب أحد من الاصحاب إلى ناقضية الاحتلام من دون إنزال في المريض - كما صرح به في الحدائق والجواهر - بل هو لا يناسب التعليل المتقدم في صحيح ابن أبي يعفور الظاهر في المفروغية عن اعتبار خروج المني في وجوب الغسل. إلا أن ما ذكر لا يكفي في حمله على صورة الشك في الخروج مع ظهوره في بيان الحكم الواقعي، ولا سيما مع قرب حصول اليقين بالعدم من الفحص عند القيام من النوم قبل مضي فترة يمكن فيها جفاف الخارج. على أنه لم يعرف القول بأمارية الشهوة عند الشك في أصل الخروج لا في الصحيح ولا في المريض. وليس حمله على ذلك بأقرب مما ذكره بعضهم من حمله على صورة وجود شئ من البلل القليل على جسده، وإن كان ذلك بعيدا أيضا. فالمتعين طرح الخبر، ولا سيما مع ضعف سنده وعدم ظهور عامل به. (1) تقدم أن المدار عليها واقعا. (2) بل منع، لظهور نصوصها في إناطة وجوب الغسل عليها - واقعا أو ظاهرا - بالانزال عن شهوة. وبه يخرج عن إطلاق أمارية الفتور لو تم الدليل عليه، فضلا عما إذا لم يتم، لما سبق.


____________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 4.

===============

( 331 )

بقي شئ: وهو أنه صرح جملة من الاصحاب بعدم وجوب الغسل على المرأة بخروج مني الرجل منها، وهو المدعى عليه الاجماع في كشف اللثام وعن ظاهر التذكرة. ويقتضيه صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله أو موثقه: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تغتسل من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل بعد ذلك هل عليها غسل؟ فقال: لا " (1)، وغيره مما يأتي. فما في السرائر من إطلاق وجوب الغسل عليها إن علمت بأن الخارج مني، ضعيف، أو محمول على العلم بأنه منيها. هذا، ومقتضى الاصل عدم وجوب الغسل عليها لو احتملت أن الخارج منيها، أو مختلط به، كما صرح بالثاني في القواعد وغيره. لكن عن نهاية الاحكام وجوبه مع الظن بالاختلاط، كما إذا كانت ذات شهوة جومعت جماعا حصلت به شهوتها، لغلبة الظن بالاختلاط. انتهى. وعن الدروس أنها لو شكت فالاقرب الغسل، وعن البيان أنه حينئذ الاولى، وفي جامع المقاصد في حكم الشك: " وقيل: يجب، إذ الاصل في الخارج من المكلف أن يتعلق حكمه به إلى أن يتحقق المسقط له " ولا بأس به، لما فيه من الاحتياط وتحقق البراءة معه ". لكن لا أصل لاصالة تعلق حكم الخارج من الانسان به. والاحتياط - مع أنه إنما يجب بالاضافة إلى ما يشترط فيه الطهارة، كالصلاة، دون ما يحرم بدونها، كالمكث في المسجد - مورود لاستصحاب عدم خروج المني منها. بل قد يدعى أن الاصل في الخارج منها أن يكون مني الرجل، لصحيح سليمان بن خالد أو موثقه عن أبي عبد الله عليه السلام: " سألته عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شئ، قال: يعيد الغسل، قلت: فالمرأة يخرج منها بعد الغسل، قال: لا تعيا


____________
(1) الوسائل باب: 13 من أبواب الجنابة حديث: 3.

===============

( 332 )

[ مسألة 2: من وجد على بدنه أو ثوبه منيا وعلم أنه منه بجنابة لم يغتسل منها (1) وجب عليه الغسل، ] (الغسل. خ) قلت: فما الفرق بينهما؟ قال: لان ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرجل " (1)، ونحوه صحيح منصور (2). لكنه لا يخلو عن إشكال، لعدم ظهوره في بيان حكم الشك، بل في بيان واقع الخارج منها، فلابد أن يراد به الصورة المتعارفة المعهودة التي لا يثار فيها الشك. ومما سبق يظهر ضعف ما تقدم عن نهاية الاحكام، لعدم الدليل على حجية الظن بنحو يخرج به عن الاستصحاب. وتوهم: أن وجوب الغسل في مورد كلامه - وهو سبق حصول الشهوة لها - مقتضى إطلاق النصوص المتضمنة إناطة الغسل بالشهوة. مدفوع: بظهور النصوص المذكورة في إناطة وجوب الغسل عليها واقعا في ظرف الانزال منها بالشهوة، للتفصيل في النازل منها، لا في إناطة وجوبه ظاهرا بها عند الشك في الانزال منها للتفصيل في الخارج منها مما يحتمل كونه منها. (1) أما لو علم أنه منه واحتمل كونه من جنابة اغتسل منها، فقد جزم في الجواهر بعدم وجوب الغسل، لاستصحاب الطهارة. وذكر أنه لا يجري فيه ما ذكروه فيمن تيقن بالطهارة والحدث وشك في المتأخر منهما من وجوب الغسل، لقاعدة الاشتغال بعد تعارض الاستصحابين، أو عدم جريانهما ذاتا، للفرق بينه وبين ما نحن فيه بالعلم هناك بكل من الحدث والطهارة والجهل بالسبق واللحوق، أما هنا فلم يعلم بحدوث جنابة غير الاولى - المتيقنة الارتفاع - فضلا عن التردد بين السبق واللحوق، فالاصل عدم الجنابة


____________
(1) الوسائل باب: 13 من أبواب الجنابة حديث: 1. (2) الوسائل باب: 13 من أبواب الجنابة حديث: 2.

===============

( 333 )

الجديدة، كما هو الحال في كل ما شك في تعدده. واتحاده. وقد يستشكل فيه: بأنه لا أثر لاحراز الاتحاد والتعدد في جريان الاستصحاب، بل المعيار فيه على اليقين والشك، وهما حاصلان في المقام، لليقين بالجنابة حين خروج المني والشك في ارتفاعها. ومن هنا ذكر سيدنا المصنف وشيخنا الاستاذ قدس سرهما أن المقام من موارد تعاقب الحالتين المتضادتين مع الجهل بالمتأخر منهما. نعم، حيث لم يعلم بتكرر سبب الجنابة، بل احتمل كونه عين السبب الاول الذي وقع الغسل منه كان منشأ الشك في التقدم والتأخر الجهل بتأريخ الجنابة المعلومة حين خروج المني مع العلم بتأريخ الغسل، فجريان الاستصحاب فيه مبني على جريان استصحاب مجهول التأريخ من الحالتين المتعاقبتين ومعارضته لاستصحاب معلوم التأريخ منهما، كما ربما ينسب للمشهور، وحيث كان التحقيق عدم جريانه فلا معارض لاستصحاب الطهارة في المقام، كما ذكره سيدنا المصنف قدس سره أيضا. لكنه مندفع بأن للفرق المذكور أثرا في جريان الاستصحاب، إذ مع إحراز تعدد الفرد لا يحتمل انطباق الفرد المتيقن المشكوك الانتقاض على الفرد المعلوم الانتقاض، غاية الامر أنه يحتمل انتقاضه بانتقاضه، لاحتمال تأخر الرافع عنهما ورفعه لهما معا، فيستصحب، ويبتني على الكلام في تعاقب الحالتين. أما مع عدم إحراز التعدد، فيحتمل انطباق المتيقن المشكوك الانتقاض على المتيقن المعلوم الانتقاض والذي يستحيل التعبد ببقائه، وحيث كان مقتضى الاستصحاب التعبد بالمستصحب مطلقا وعلى كل حال، فلو جرى في الفرد المذكور كان مقتضاه التعبد ببقائه وإن انطبق على المتيقن الارتفاع، الذي يمتنع التعبد ببقائه، فيمتنع جريان الاستصحاب، على ما ذكرناه في غير مورد من نظائره، منها الشبهة العبائية. ودعوى: جريان نظير ذلك في القسم الثاني من استصحاب الكلي، لتردد

===============

( 334 )

المستصحب بين مقطوع البقاء ومقطوع العدم والارتفاع. مدفوعة: بالفرق بينهما، بأن التردد هناك بلحاظ الخصوصيتين الخارجتين عن موضوع الاثر، أما بلحاظ الفرد بما هو فرد للكلي الذى هو موضوع الاثر فهو مشكوك البقاء لا غير، وليس القطع ببقائه أو ارتفاعه إلا تقديريا معلقا على اتحاده مع إحدى الخصوصيتين الخارجتين عن موضوع الاثر. أما هنا، فالتردد بلحاظ واقع المستصحب بما هو فرد من موضوع الاثر، لوضوح أن الجنابة حين خروج المني الخاص التي يراد استصحابها ليست هي الجنابة المقيدة بخروجه، على نحو يكون عنوانا تقييديا مأخوذا في المستصحب، لعدم دخله في موضوع الاثر، بل الاثر قائم بالجنابة من حيث هي، وليس كونها حين خروج المني إلا حاكيا محضا عن واقع الجنابة الذي يحتمل اتحاده مع الجنابة التي يقطع بارتفاعها بالاغتسال منها. فلا مجال لاستصحاب الفرد المذكور على ما هو عليه من إجمال وترديد، بل ليس في المقام إلا فرد متيقن علم بارتفاعه، وآخر مشكوك الحدوث مقتضى الاستصحاب عدمه، كما ذكره في الجواهر. ومما ذكرنا يظهر الاشكال فيما ذكره بعض مشايخنا من جريان الاستصحاب المذكور ومعارضته لاستصحاب الطهارة بعد الغسل المتيقن، وأنه من استصحاب الكلي، لاستصحاب كلي الجنابة حين خروج المني المردد بين معلوم الارتفاع ومشكوك الحدوث، وذكر أنه من صغريات القسم الرابع الذي جعله لاستصحاب الكلي. وجه الاشكال: ما أشرنا إليه من عدم كون حين خروج المني عنوانا تقييديا للمستصحب، لعدم دخله في ترتب الاثر، بل ليس هو إلا حاكيا محضا عن واقع الجنابة الخاص، فهو من استصحاب الفرد المردد بالنحو المتقدم لكلي الجنابة ذات الآثار المعهودة، وليس من استصحاب الكلي المقيد، فضلا عن أن يكون من القسم المذكور، الذي لا مجال لاطالة الكلام فيه هنا، بل يوكل لمحله.

===============

( 335 )

[ ويعيد كل صلاة لا يحتمل سبقها على الجنابة المذكورة، دون ما يحتمل سبقها عليها (1)، ] كيف ولو بني على جريان الاستصحاب في مثل ذلك انتقض بجميع موارد الشك في تجدد العارض بعد العلم بارتفاعه، لامكان الاستصحاب بفرض عنوان صالح للانطباق على الوجود المتيقن المنتقض والوجود المتجدد المحتمل، ولا أقل من عنوان آخر وجود يعلمه الله تعالى، فيعارض استصحابه باستصحاب نقيضه أو ضده المتيقن عند ارتفاع الوجود السابق، وهو راجع لسد باب الاستصحاب. وبالجملة: لا ينبغي التأمل في جريان استصحاب الطهارة في المقام وعدم معارضته باستصحاب الجنابة. نعم، قد يستشكل فيه بأنه وإن أحرز معه عدم الجنابة إلا أنه لو طرأ سبب الحدث الاصغر لا يحرز ارتفاع كلي الحدث بالوضوء، بل مقتضى استصحاب الكلي المذكور ترتب أثره وإن لم يترتب أثر خصوص الجنابة. وقد تعرضنا في الاصول لاندفاع ذلك بما لا مجال لاطالة الكلام فيه هنا، لاختلاف وجوه الدفع باختلات المباني في اجتماع الحدث الاصغر مع الاكبر. مضافا إلى ما يظهر من حديث أبي بصير الآتي من ظهور المفروغية عن عدم الحاجة للغسل مع الشك في الجنابة حتى بلحاظ كلي الحدث، والاجتزاء مع طروء سبب الاصغر بالوضوء، بل هو المتيقن بلحاظ فتاوى الاصحاب وسيرة المتشرعة، فلاحظ. (1) كما هو المصرح به في المعتبر والمنتهى والقواعد وجامع المقاصد والروض وعن التذكرة والدروس والبيان وغيرها. وهو ظاهر فيما يجزي استصحاب علام خروج المني حينه، وهو ما علم بتأريخه مع الجهل بتأريخ خروج المني، وأما في غيره فلقاعدة الفراغ. لكن قال في المبسوط: " فينبغي أن نقول: يجب أن يقضي كل صلاة صلاها

===============

( 336 )

[ وإن علم تأريخ الجنابة وجهل تأريخ الصلاة (1)، وإن كانت الاعادة لها أحوط استحبابا (2). ] عند آخر غسل اغتسل... "، وعلل بالاحتياط: وهو كما ترى! إذ لا مجال لوجوبه بعدما سبق. على أنه لا وجه لتخصيصه بما يقع بعد الغسل، بل يجري فيما يقع قبله إذا احتمل حصول الجنابة المتيقنة قبل ذلك، كما لا يتجه فيما يقع بعد الغسل السابق قبل طروء الجنابة المتيقنة. إلا أن ينزل كلامه على غير ذلك، كما هو غير بعيد. (1) لانه وإن لم يجر حينئذ استصحاب عدم خروج المني إلى حين الصلاة، بناء على ما هو الظاهر من أنه مع العلم بتأريخ أحد الحادثين لا يجري استصحاب عدمه إلى حين وجود الآخر - كما لا يجري مع الجهل بالتأريخين معا - إلا أنه لا يجري استصحاب عدم الصلاة إلى حين خروج المني، لعدم إحرازه بطلانها، لتوقف بطلانها على وقوعه بعده، ولا يحرزه الاستصحاب المذكور إلا بناء على الاصل المثبت. بل لو فرض جريانه في نفسه كانت قاعدة الفراغ مقدمة عليه، كما أنها واردة على قاعدة الاشتغال بالصلاة عند الشك في شرطها. (2) لم يتضح الوجه في تخصيص هذه الصورة بالاحتياط المذكور، إذ لا مميز لها عن صورة الجهل بالتأريخين معا بعد عدم جريان الاستصحاب المحرز للصحة. نعم، تمتاز عنهما بجريان الاستصحاب المذكور صورة العلم بتأريخ الصلاة والجهل بتأريخ الجنابة. إلا أن قاعدة الاشتغال كما تكون مورردة للاستصحاب المذكور، كذلك هي مورودة لقاعدة الفراغ الجارية في الصورتين المذكورتين، ومن ثم لا يبعد أن يكون

===============

( 337 )

[ وإن لم يعلم أنه منه لم يجب عليه شئ (1). ] مراده تعميم الاحتياط لجميع الصور، كما ألزم به الشيخ فيما تقدم، فلاحظ. (1) كما في المدارك وظاهر كشف اللثام وعن الذخيرة وشرح الدروس والوافي وغيرها، عملا بالاستصحاب. وقد صرح جماعة من الاصحاب بوجوب الغسل إذا كان الثوب مختصا به، بل عن التذكرة الاجماع عليه. واستدل عليه بموثق سماعة: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل ينام ولم ير في منامه أنه احتلم فوجد في ثوبه وعلى فخذه الماء هل عليه غسل؟ قال: نعم " (1). وموثقة الآخر عنه عليه السلام: " سألته عن الرجل يرى في ثوبه المني بعدما يصبح ولم يكن رأى في منامه أنه قد احتلم قال: فليغتسل وليغسل ثوبه ويعيد صلاته " (2). وأما ما في حديث أبي بصير: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيب بثوبه منيا ولم يعلم أنه احتلم. قال: ليغسل ما وجد بثوبه وليتوضأ " (3)، فقد حمله الشيخ على الثوب المشترك. ويشكل بأن الموثق الاول كالصريح في صورة العلم بكون المني منه، كما هو مقتضى فرض رؤية الماء على فخذه، بل هو الذي يشعر به في الثاني فرض رؤية المني بعدما يصبح، حيث يشعر بفرض خروج المني ليلا، المستلزم للعلم بكونه منه، وإلا فلا خصوصية لوقت الرؤية مع الشك في كون المني منه. ولا أقل من كون ذلك متتضى ظهور الخبرين سؤالا وجوابا في إرادة الحكم الواقعي، فيكون منشأ السؤال ما أشير إليه في الموثقين من احتمال اعتبار الاحتلام في ناقضية المني ولو لتخيل اعتبار الشهوة حين خروجه.


____________
(1) الوسائل باب: 10 من أبواب الجنابة حديث: 1. (2) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 2. (3) الوسائل باب: 10 من أبواب الجنابة حديث: 3.

===============

( 338 )

وأما حديث أبي بصير، فلا إشعار فيه بإرادة الثوب المشترك، بل ظاهر الاضافة الاختصاص. ولعل الاقرب حمله على صورة الشك في خروج المني منه بالنحو الموجب لفعلية الجنابة، كما هو مقتضى فرض نفي العلم بالاحتلام فيه، لا نفي الاحتلام واقعا، كما تضمنه الموثقان، فيكون عاضدا لمقتضى القاعدة التي يتعين العمل بها، لعدم المخرج عنها. ولعل ذلك هو مراد غير واحد من الاصحاب ممن خص وجوب الغسل باختصاص الثوب، فإن التفصيل بينهما وإن كان موهما لارادتهم فيهما معا الحكم الظاهري عند الشك في خروج المني منه الذي هو المراد مع اشتراك الثوب. بل هو الذي يشعر به اهتمام بعضهم بتحقيق معيار الاشتراك، وكلامهم في اعتبار كون رؤية المني عقيب الانتباه بلا فصل، وغير ذلك مما لا ينبغي إطالة الكلام فيه لو كان المدار على العلم، لان التحويل عليه أيسر. بل هو الظاهر من جامع المقاصد والروض، وكالصريح مما عن الموجز الحاوي، وما في الرياض من خروج الحكم عن عموم عدم نقض اليقين بالشك، وما عن نهاية الاحكام من توجيهه بالعمل بالظاهر. إلا أن ظاهر بعضهم أن تخصيص الحكم بصورة اختصاص الثوب لاختصاص العلم بكون المني منه بها، كما يناسبه ظهور كلامهم في العلم بجنابة أحد الشريكين في فرض الاشتراك المناسب لفرض العلم بجنابة صاحب الثوب في فرض الاختصاص، وهو مقتضى تعليله في المبسوط بتحقق خروجه منه وفي المعتبر والمنتهى ومحكي التذكرة والتحرير بأنه منه، وأنه لا يحتمل خروجه من غيره، بل هو صريح ما عن المرتضى وابن إدريس من اعتبار عدم احتمال كون المني من غير صاحب الثوب وأن المدار على العلم. فلابد أن يكون تحريرهم للمسألة لدفع توهم اعتبار الاحتلام في ناقضية المنى - كما يظهر من التذكرة - أو اعتبار العلم بخروجه حين خروجه - كما يظهر من

===============

( 339 )

[ مسألة 3: إذا دار أمر الجنابة بين شخصين يعلم كل منهما أنها من أحدهما لم يجب الغسل على أحدهما (1)، ] المنتهى - أو لمتابعة النصوص أو لغير ذلك. (1) كما هو ظاهر الاصحاب، حيث ذكروا ذلك في واجدي المني في الثوب المشترك، المفروض عندهم العلم بجنابة أحدهما، بل في مفتاح الكرامة أنه قطع به كل من تعرض له، وادعى في المدارك والحدائق الاتفاق عليه، وفي الجواهر: " لم أعثر فيه على خلاف بين أصحابنا، بل لعله إجماعي، كما عساه يظهر من المنقول في السرائر من خلاف المرتضى وبه صرح بعض متأخري المتأخرين، كصاحب المدارك وغيره ". ويقتضيه الاستصحاب الجاري في حق كل منهما، بناء على ما هو الظاهر من عدم مانعية العلم الاجمالي من عموم أدلة الاصول لاطرافه ذاتا، وإنما يمنع من جريانها إذا كان منجزا، لامتناع الترخيص في المعصية المعلومة أو المحتملة، أما مع عدم منجزيته فلا يمنع من فعلية جريان الاصل. بل الظاهر أن من يقول بمانعية العلم الاجمالي من جريان الاصل ذاتا إنما يقول بمانعيته من جريان كلا الاصلين في حق شخص واحد، لا من جريان كل من الاصلين في حق شخص، كما في المقام، لفرض عدم ابتلاء أحدهما بتكليف الآخر، ليرجع للاصل الجاري في حقه. هذا، ولا فرق في عملهما بين مخالفتهما احتمال الجنابة دفعة وتدريجا، حيث لا تحصل المخالفة من كل منهما في الصورتين إلا من دون منجز مانع من جريان الاصل، خلافا لما عن الصيمري في شرح الالتباس، فمنع من دخولهما المسجد أو قراءتهما العزائم دفعة، وأنكر ذلك في جامع المقاصد حتى نسبه إلى بعض القاصرين. هذا، ولا ينبغي التأمل في حسن الاحتياط بالغسل، ولعله إليه يرجع الحكم

===============

( 340 )

[ لامن حيث تكليف نفسه (1)، ولامن حيث تكليف غيره (2) ] باستحباب الغسل في المبسوط والمعتبر والمنتهى وجامع المقاصد والروض وجملة غيرها، بل عن شرح الدروس نسبته للاصحاب، وإن كان ظاهر بعضهم الاستحباب شرعا، للاحتياط لكنه غير ظاهر. والعمدة حسن الاحتياط عقلا مع ما هو التحقيق من إمكانه في العبادات. نعم، لابد من ضم الوضوء إليه مع الحدث الاصغر، وكأن إهمالهم له لوضوح توقف الاحتياط عليه. وينوي بالغسل الاحتياط، لا الوجوب، خلافا لجامع المقاصد والروض من أنهما ينويان به الوجوب، كما في كل احتياط، إذ لا معنى لنيته مع عدم الجزم به، إلا أن يراد نيته رجاء، أو وصفا لتعيين نوع المأتي به، لا غاية له. ثم إن في جامع المقاصد: " ولو علم المجنب منهما بعد ذلك فالوجه وجوب الاعادة "، وكأنه للاقتصار في ترك الجزم بالنية على حال التعذر. لكن تنظر فيه في الروض واستظهر في المدارك الاجزاء. ولا ينبغي التأمل فيه، إذ انكشاف بطلان الغسل من حين وقوعه لا يناسب مشروعية الاحتياط، وبطلانه بانكشاف الحال - مع غرابته - مدفوع بالاستصحاب. (1) فلا يحتاج للغسل في بنائه على صحة صلاته الواجبة عليه وجواز المكث له في المسجد وغيرهما. (2) فيبني ولي الميت على صحة الصلاة التي تبرع بها الشخص المذكور عن الميت، كما يبني المقتدي به أو من يقتدي هو به على صحة الجماعة، بنحو تترتب آثارها من سقوط القراءة، والعفو عن الزيادة العمدية للمتابعة، وإلغاء حكم الشك من الامام أو المأموم مع حفظ الآخر، وغير ذلك مما يتعلق بالغيرمن أحكام جنابة الشخص المذكور.

===============

( 341 )

[ إذا لم يعلم بالفساد، أما لو علم به (1) ولو إجمالا (2) لزمه الاحتياط، فلا يجوز الائتمام لغيرهما بأحدهما (3) إن كان كل منهما موردا للابتلاء (4)، فضلا من الائتمام بكليهما (5)، ] (1) أو بتكليف فعلي في حق أحدهما أو في حق ثالث، كما لو علم أحدهما بحرمة المكث عليه في المسجد أو حرمة تمكينه لصاحبه من ذلك أو التسبيب لوقوعه منه، بناء على حرمة تمكين الجنب من ذلك أو التسبيب لوقوعه منه وإن كان معذورا، أو علم شخص ثالث بحرمة تمكين أحد الشخصين من ذلك أو التسبيب لوقوعه من أحدهما. وكذا لو علم بأحد الامرين من الفساد والتكليف الفعلي. (2) بناء على ما هو المشهور من منجزية العلم الاجمالي. (3) بناء على مانعية جنابة الشخص الواقعية من الائتمام به وإن لم تكن منجزة عليه، على ما يأتي الكلام فيه في حكم ائتمام أحدهما بالآخر، حيث يقتضي العلم الاجمالي تنجز الاحتمال في جميع الاطراف بنحو يمنع من المخالفة الاحتمالية. (4) بأن كان واجدا لشرائط الائتمام الاخرى بنظر الشخص المذكور، وكان قادرا على الائتمام به شرعا وتكوينا في بعض الصلوات المكلف بها فعلا أو التي يعلم بتجدد التكليف بها، ولم تكن هناك صوارف نفسية أو خارجية عن الائتما به، بنحو يكون المنع منه منشأ للمسؤولية بنظر العقلاء لاستتباعه نحوا من الحرج والضيق، على ما حقق في محله من موانع منجزية العلم الاجمالي. وربما يخص عدم الابتلاء بالاخير، إلا أن المتعين التعميم لما قبله، إما لدخوله فيه موضوعا، أو لمشاركته معه حكما. (5) للزوم المخالفة القطعية الاجمالمة، التي لا إشكال في منع العلم الاجمالي منها.

===============

( 342 )

[ أو ائتمام أحدهما بالآخر (1)، ] وما في الجواهر من عدم ظهور الخلاف في جواز الائتمام بكل واحد منهما بفرضين، لم يتضح بنحو معتد به في الخروج عن القواعد المقررة للعلم الاجمالي. نعم، هو متجه مع عدم الابتلاء بأحدهما عند الابتلاء بالآخر، (1) كما في المعتبر وجامع المقاصد والروض وكشف اللثام وعن الايضاح والبيان وحاشية الشرائع والمسالك وغيرها. للعلم تفصيلا ببطلان الائتمام، إما لبطلان صلاة الامام أو المأموم بعد تردد الجنابة بينهما، فلا يجوز ترتيب آثار الائتمام من المأموم بالاكتفاء بقراءة الامام والزياده للمتابعة وغيرهما، ولا من الامام بالرجوع للمأموم في الشك، ولا من ثالث بالاتصال بالامام من طريق المأموم المذكور. لكن في القواعد: " ولكل منهما الائتمام بالآخر على إشكال "، وعن الذكرى التردد فيه، وظاهر المنتهى الميل للجواز، واستظهره في المدارك والرياض، وهو المحكي عن التذكرة والتحرير ونهاية الاحكام والذخيرة وشرح الدروس، وإليه جنح في الحدائق في صدر كلامه وإن رجع عنه أخيرا إلى المنع أو التوقف. واستدل عليه في كلماتهم.. تارة: بسقوط أحكام هذه الجنابة بنظر الشارع، ولذا يجوز لكل منهما في نفسه ترتيب أحكام الطاهر، من دخول المساجد وقراءة العزائم وغيرهما. وأخرى: بصحة صلاة كل منهما شرعا، فتصح جماعتهما، لتحقق شرطها. وثالثة: بأن التكاليف منوطة بالظاهر لا بالواقع، وكل منهما طاهر ظاهرا. ورابعة: بالمنع من حصول الحدث إلا مع تحقق الحدث من شخص بعينه. وخامسة: بأن صلاة الامام صحيحة قطعا حتى لو بطل الائتمام، والمأموم قد ائتم في صلاة يعلم صحتها فصح ائتمامه. وهذه الوجوه - كما ترى - مبنية على اختلاط الحكم الواقعي بالظاهري، وإلا

===============

( 343 )

فلا ينبغي التأمل في عموم سببية خروج المني للجنابة، وعموم مانعية الجنابة من الصلاة، وعموم شرطية صحة كل من صلاة الامام والمأموم في صحة الائتمام، لعموم أدلة الاحكام المذكورة، ولذا لو تعين بعد ذلك من خرج منه المني فلا يظن من أحد التوقف في انكشاف جنابته من أول الامر وبطلان صلاته وجماعته. غاية الامر أن الجهل عذر مسوغ للرجوع للاصول الظاهرية المحرزة لصحة العمل، ولا مجال لها مع العلم بالبطلان إجمالا، فضلا عن العلم به تفصيلا - كما هو محل الكلام - ولذا لا إشكال ظاهرا في عدم جواز ائتمام المكلف بمن يعلم هو بخروج المني منه وإن كان الامام متعبدا ظاهرا بصحة عمل نفسه. وما في الرياض من عدم العبرة بالواقع وإن علم به إجمالا، ولذا تصح صلاتهما وتسقط أحكام الجنابة عنهما قطعا ووفاقا. خلط بين العلم الاجمالي المنجز الذي يبتني عليه الكلام وغيره الذي هو مورد القطع والوفاق المشار إليهما في كلامه. على أنه لو تم لا مجال فيما إذا لزم منه العلم التفصيلي بالبطلان، كما في المقام، بل هو نظير ما لو علم زيد إجمالا بنجاسة مائه أو ثوب جاره ثم لاقى الثوب الماء. وأما ما تضمن عدم وجوب الاعادة على المأمومين بانكشاف بطلان صلاة الامام لعدم الطهارة، أو الكفر، أو عدم الاستقبال، أو عدم النية (1)، فهو لا يدل على صحة الجماعة واقعا مع الجهل بالحال، لامكان الاجتزاء بالصلاة الناقصة مع العذر، كما في موارد حديث: " لا تعاد... ". ولذا كان مورد بعضها صورة علم الامام بالفساد، ولا يظن من أحد البناء على ذلك في المقام وغيره. فلا مخرج عما عرفت من القاعدة. ثم إن ذلك يجري في غير الائتمام مما يبتني فيه الصحة من أحدهما على الصحة من الآخر، كصلاة الجمعة التي يعتبر فيها عدد معين، كما ذكره في جامع


____________