===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
===============
( 3 )
مصباح المنهاج كتاب الطهارة تأليف السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم الجزء
الثالث مؤسسة المنار
( 4 )
الطبعة الاولى 1417 ه - 1996 م حقوق الطبع محفوظة اسم الكتاب: مصباح المنهاج -
كتاب الطهارة / ج 3 اسم المؤلف: السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم الفلم والالواح
الحساسة: بيان المطبعة: ياران الكمية: 1000 نسخة السعر: 800 تومان الناشر: مكتب
سماحة آية الله العظمى السيد الحكيم
( 5 )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا
(محمد) وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين
( 7 )
الفصل الرابع في أحكا م الخلل [ مسألة 75: من تيقن الحدث (1) وشك في الطهارة
تطهر (2)، وكذا لو ظن الطهارة (3) ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم
أجمعين إلى يوم الدين (1) وكذا لو أحرزه بأمارة أو أصل، لما هو المتسالم عليه ظاهرا
من جريان استصحاب مؤدى الأمارة والأصل. وأوضح وجهه في محله. (2) إجماعا، كما في
المعتبر والمنتهى وكشف اللثام وغيرها، بل في المدارك: أنه إجماعي بين المسلمين،
ويقتضيه عموم أدلة الاستصحاب، ولولاه لكان اللازم الرجوع في كل حكم من أحكام
الطهارة والحدث للأصل الجاري فيه. ففيما إذا كانت الطهارة شرطا في المكلف به أو
الحدث مانعا منه، كالصلاة، يكون مقتضى أصالة الاشتغال فيه لزوم إحراز الطهارة أو
عدم الحدث، لعدم إحراز الفراغ عنه بدون ذلك. وفيما. إذا كان الحدث شرطا في التكليف،
كحرمة مس الكتاب، يكون مقتضى أصالة البراءة عدم الاعتناء باحتمال التكليف مع احتمال
الحدث، فلا ملزم بالطهارة. (3) كما صرح به غير واحد، لعموم أدلة الاستصحاب، لظهور
أن المراد
( 8 )
[ ظنا غير معتبر شرعا (1)، ولو تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على الطهارة (2)
] بالشك فيها ما يقابل اليقين، لمقابلته به فيها، وورود بعضها في مورد الظن بانتقاض
الخالة السابقة، ولأنه معناه لغة وعرفا، كما صرح به جماعة من اللغويين وتشهد به
الاستعمالات الكثيرة. وتخصيصه بتساوي الطرفين اصطلاح متأخر على الظاهر. مضافا إلى
اشتمالها على حصر الناقض لليقين باليقين. وتفصيل ذلك في الأصول. ومنه يظهر ضعف ما
عن بعض المتأخرين من الاشكال في ذلك بأن الحكم بعدم نقض اليقين بالشك دال بالمفهوم
على جواز نقضه بالظن، وهو الذي قد يظهر من الشيخ قدس سره في النهاية، حيث ذكر أن من
شك في الوضوء والطهارة وتساوت ظنونه وجب عليه الطهارة، إذ قد يظهر في عدم وجوبها لو
كان احتمال وجود ها أرجح. فيتعين حمل ما ذكره بعد ذلك من وجوب الطهارة على من شك
فيها بعد اليقين بالحدث على غير صورة الظن بها. اللهم إلا أن يكون مراده من العمل
بظن الطهارة ما إذا لم يسبق باليقين بالحدث، وإن كان الفرض المذكور بعيدا أو ممتنعا
عادة، فيخرج عما نحن فيه، وإن كان في غير محله أيضا، لعدم الدليل على حجية الظن.
(1) أما لو كان معتبرا فيلزم رفع اليد عن الاستصحاب به بلا إشكال ظاهر، وإنما
الاشكال في وجهه، وإن كان الظاهر أنه يبتني على وروده عليه بنحو من أنحاء الورود،
على ما ذكرناه في محله. (2) إجماعا، كما في الخلاف والمعتبر والمنتهى وغيرها.
ويقتضيه - مضافا إلى عمومات الاستصحاب - النصوص الكثيرة، كصحيح
( 9 )
[ وإن ظن الحدث (1) ظنا غير معتبر شرعا ]. زرارة الوارد فيمن شك في النوم،
وفيه: " قلت: فإن حرك على جنبه شئ ولم يعلم به؟ قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام،
حتى يجئ من ذلك أمر بين... " (1). وموثق بكير: " قال لي أبو عبد الله عليه السلام:
إذا استيقنت أنك قد أحدثت فتوضأ، وإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت
" (2). وصحيح عبد الرحمن: " أنه قال للصادق عليه السلام: أجد الريح في بطني حتى أظن
أنها قد خرجت، فقال: ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت أو تجد الريح " (3)، وغيرها.
وأما ما في خبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام: " سألته عن رجل يكون على وضوء،
فيشك على وضوء هو أم لا. قال: إذا ذكر وهو في صلاته انصرف فتوضأ وأعادها، وأن ذكر
وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك " (4)، فلا مجال للخروج به عما سبق، بل لابد من طرحه،
أو حمله على الشك الساري، وأما حمله على الاستحباب فهو لا يناسب النصوص السابقة،
ولا سيما موثق بكير. نعم، يخرج عن ذلك ما لو استند الشك لخروج البلل المشتبه قبل
الاستبراء، كما تقدم في الفصل الرابع من أحكام الخلوة. (1) كما صرح به غير واحد،
خلافا لابن حمزة في الوسيلة، فأوجب الطهارة مع ظن الحدث. وللبهائي في الحبل المتين،
حيث ذكر أن المدار في العمل باستصحاب الطهارة على الظن ببقائها، وربما يكون مراده
ذلك في استصحاب الخدث أيضا،
____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 1 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 7. (3) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5. (4)
الوسائل باب: 44 من أبواب الوضوء حديث: 2.
( 10 )
[ مسألة 76: إذا تيقن الحدث والطهارة وشك في المتقدم والمتأخر، فإن علم تأريخ
الطهارة لم يلتفت وبنى على الطهارة (1) ]. لظهور كلامه في أن منشأ ذلك ابتناء حجية
الاستصحاب على إفادته الظن. وكيف كان، فلا مجال لذلك بالنظر لما تقدم من عموم أدلة
الاستصحاب للظن بانتقاض الحالة السابقة، فضلا عن عدم الظن ببقائها، بل النصوص
المتقدمة وغيرها صريحة في عدم الاعتداد بظن الحدث في قبال استصحاب الطهارة - الذي
هو مورد كلامهما - ولذا حكي الرجوع لاستصحاب الطهارة فيه عمن تقدم منه الاشكال في
الرجوع لاستصحاب الحدث مع ظن الطهارة. (1) كما يظهر من شيخنا الاعظم قدس سره في
أصوله وبعض من تأخر عنه، لاستصحاب الطهارة غير المعارض باستصحاب الحدث، للجهل
بتأريخه، على ما أوضحناه في مبحث الاستصحاب من الاصول بما لا مجال لاطالة الكلام
فيه هنا. خلافا لظاهر المشهرر - كما قيل - حيث أطلقوا وجوب الطهارة مع الجهل
بالمتقدم من الحدث والطهارة، من دون تفصيل بين العلم بتأريخ أحدهما وعدمه، للوجه
الآتي. لكن لا يبعد انصراف كلامهم لصورة الجهل بتأرخهما معا ودخول صورة العلم
بتأريخ الطهارة في فرض الشك في طروء الحدث، الذي تقدم منهم البناء فيه على الطهارة،
لان فرض الجهل بتقدم كل منهما منصرف لفرض الجهل بتاربخهما معا، أما مع فرض العلم
بتأربخ أحدهما فالأنسب التعبير بالجهل بتقدم الآخر وتأخره لا غير، لكن ظاهر الجواهر
إرادتهم بالاطلاق المذكور ما يعم ذلك. وقد يستدل عليه بإطلاق ما تضمن وجوب الوضوء
عند اليقين بالحدث من النصوص المتقدمة وغيرها، المعتضدة بإطلاق الرضوي: " وإن كنت
على يقين من الوضوء والحدث ولا تدري أيهما أسبق فتوضأ " (1).
____________
(1) مستدرك الوسائل باب: 38 من أبواب الوضوء حديث: 1.
( 11 )
وبإطلاق وجوب الوضوء لغاياته، خرج منه من علم بتطهره، وبقي الباقي. وبإطلاق
سببية الاحداث للوضوء، حيث يجب بمقتضاه الوضوء عقيب الحدث المتيقن، والمفروض عدم
إحراز الوضوء عقيبه. ويندفع الاول: بأن النصوص المذكررة غير مسوقة لبيان وجوب
الوضوء تعبدا، كوجوب الكفارة بأسبابها، لتشمل ما نحن فيه، بل لاجل رافعيته للحدث
وسببيته للطهارة. كما أنها ليست واردة لبيان وجوب الوضوء ظاهرا بمجرد اليقين بسبق
الحدث وإلغاء احتمال ارتفاعه، لانها مسوقة للتعبد ببقاء الطهارة عند الشك دون
العكس، بل هي واردة مورد المفروغية عن رفع الوضوء للحدث المتيقن، فلا تنهض بإثبات
وجوب الوضوء في فرض احتمال ارتفاع الحدث وفعلية الطهارة، فضلا عما لو أحرز عدم
الحدث بالاستصحاب، كما ذكرنا، ولاسيما مع تضمن بعض النصوص المذكورة الاشارة إلى
كبرى الاستصحاب. والرضوي - مع عدم صلوحه للاستدلال - منصرف لصحورة الجهل بالتأريخين
معا، لما تقدم في وجه انصراف إطلاق الاصحاب، ولا سيما مع التعرض في صدره وذيله
لتطبيق كبرى الاستصحاب عند الشك في الحدث واليقين بالوضوء، بنحو يظهر منه عدم
الخروج عنها في الفقرة المذكورة. فراجع. والثاني: بأن الخارج عن العموم هو المتطهر
واقعا، لا من علم بالطهارة، فالتمسك به مع الشك فيها من التمسك بالعام في الشبهة
المصداقية من طرف الخاص، الذي لا يصح على المشهور المنصور. بل لما كان مرجع أدلة
وجوب الوضوء للغايات هو اعتبار الطهارة فيها لكونه سببا لها، كان موضوعه المحدث،
فالتمسك به مع الشك فيه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف العام، الذي
لا يصح بلا كلام. مع أن مقتضى استصحاب الطهارة عدم تحقق موضوع الوضوء. ومنه يظهر
الجواب عن الثالث، فإنه إذا كان وجوب الوضوء عقيب الاسباب
( 12 )
[ وإن علم تأريخ الحدث، أو جهل تأريخهما جميعا تطهر (1) ]. لاجل رفعه للحدث
المسبب عنها، كان استصحاب الطهارة محرزا لعدم موضوع الوضوء كي تجري قاعدة الاشتغال
به. هذا، وعن بعغر متأخري المتأخرين منهم السيد الطباطبائي في منظومته أنه مع العلم
بتاريخ أحد الحادثين يحكم بتأخر المجهول منهما طهارة كان أو حدثا. وفيه: أن الاصل
إنما يقتضي عدم تحقق المجهول إلى حين تحقق المعلوم، ولا يحرز عنوان تأخره عنه، فلا
مخرج عما ذكرنا. (1) أما مع العلم بتأريخ الحدث، فلاستصحابه غير المعارض باستصحاب
الطهارة، للجهل بتأريخها، كما سبق في نظيره. وأما مع الجهل بالتأريخين، فهو المتيقن
من إطلاقهم وجوب الطهارة مع الجهل بالمتقدم منها ومن الحدث، كما في المقنع والمقنعة
والتهذيب والنهاية والمبسوط وإشارة السبق والمراسم والوسيلة والشرائع والمنتهى
واللمعة، وعن المهذب والسرائر والذكرى وغيرها، بل في المنتهى والروضة وعن جماعة أنه
المشهور، وفي كشف اللثام وعن التذكرة نسبته إلى أكثر علمائنا، وعن الذكرى نسبته
للاصحاب، وفي جامع المقاصد نسبته لمتقدميهم. لقاعدة الاشتغال بعد عدم الرجوع
للاستصحاب، إما لعدم جريانه ذاتا في مجهولي التاريخ - كما عرفت - أو لسقوطه فيهما
بالمعارضة، كما عن المشهرر، وإن لم يتضح حال النسبة، لعدم تعرض كثير منهم
للاستصحاب، وإنما عللوا بلزوم إحراز الطهارة. نعم، أشرنا آنفا إلى أن قاعدة
الاشتغال إنما تجري في مورد تكون الطهارة أو عدم الحدث قيدا في المكلف به، كما هو
مقتضى. ما ذكره غير واحد من لزوم إحراز الصلاة عن طهارة، وأما لو كان الحدث قيدا في
( 13 )
التكليف - كحرمة مس المصحف - فمقتضى الاصل البراءة من التكليف، ولا ملزم
بالطهارة. هذا، وفي المعتبر وجامع المقاصد وعن حاشية الشرائع اختصاص ذلك بما إذا لم
يعلم الحال المتقدم عليهما، وإلا أخذ بضده، بدعوى رجوعه لليقين بذلك الضد والشك في
انتقاضه، للعلم بانتقاض الحال السابق بثبوت الضد، فيستصحب، ولا يعارض باستصحاب
الحال السابق، للعلم بانتقاضه، ولا باستصحاب مثله للشك في ثبوته، لاحتمال كون ما
علم من سبب المجانس للحال السابق واردا عليه قبل انتقاضه. وفيه - بعد تسليم جريان
الاستصحاب في مجهول التأريخ -: أنه لا دخل لخصوصية الاتحاد مع الحال السابق
والمماثلة له في موضوع الاثر، ليتعذر استصحاب السنخ بسبب عدم تمامية ركني الاستصحاب
في كل منما، بل موضوعه سنخ الحال - من الطهارة أو الحدث - من حيث هو، فلا مانع من
استصحابه من حين حدوث سببه المعلوم، للعلم بوجوده والشك في انتقاضه، فيعارض استصحاب
الضد. وتمام الكلام فيه في مبحث الاستصحاب من الاصول. وعن العلامة قدس سره استصحاب
نفس الحالة السابقة على الحالتين المعلومتين، وهو بظاهره ظاهر الضعف، إذ لا معنى
لاستصحابها مع العلم بانتقاضها. لكن ظاهر ما ذكره في غير واحد من كتبه هو فرض كون
الحدث ناقضا لطهارة، والطهارة رافعة لحدث، فيخرج عن الشك - الذي هو محل الكلام -
إلى القطع بثبوت مثل الحالة السابقة، فلا استصحاب، كما حكي عن بعض تصريحاته. إلا أن
يفرض احتمال طروء الناقض للحالة الأخيرة منهما، كما قد يظهر من محكي المختلف. لكن
لا مجال حينئذ لعده من استصحاب الحالة السابقة على الحالتين
( 14 )
[ مسألة 77: إذا شك في الطهارة بعد الصلاة أو غيرها مما يعتبر فيه الطهارة بنى
على صحة العمل (1)، وتطهر لما يأتي (2). ] المعلومتين، بل هو من استصحاب مثلها
الحادث بعد نقضها، ويدخل في المسألة السابقة المفروض فيها الشك في الطهارة بعد يقين
الحدث، أو في الحدث بعد يقين الطهارة، التي عرفت عدم الاشكالى في جريان الاستصحاب
فيها. (1) لقاعدة عدم الاعتناء بالشك الذي مضى محله، المعول عليها عند الاصحاب،
والتي يرجع إليها - على الظاهر - كل من قاعدتي الفراغ والتجاوز المذكورتين في كلام
بعضهم. ويشهد بها النصوص الكثيرة العامة والخاصة، ففي موثق محمد بن مسلم عن أبي
جعفر عليه السلام: " كلما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو " (1). وفي صحيحه: "
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة. قال: يمض
(يمض. يب) على صلاته ولا يعيد، (2)، ونحوه خبر علي ابن جعفر المتقدم، بناء على حمله
على الشك الساري. (2) لاستصحاب الحدث، أو قاعدة الاشتغال به - لو فرض عدم جريان
الاستصحاب للجهل بألتاربخ أو نحوه - بعد عدم جريان القاعدة المتقدمة بالاضافة لما
يأتي، لعدم مضيه. ودعوى: أنه بناء على ما لعله الظاهر من كون القاعدة تعبدية بل
إحرازية فجريانها في الصلاة السابقة يقتضي التعبد بالطهارة وإحرازها، ومع إحرازها
يتعين جواز الدخول في بقية الغايات. مدفوعة: بأن كونها إحرازية إنما يقتضي إحراز
الطهارة بالاضافة للجهة التي يصدق مضي محل الشك بلحاظها، وهي صحة العمل المشروط بها
المفروض
____________
(1) الوسائل باب: 23 من أبواب نالخلل الواقع تنفى الصلاة حديث: 3 (2) الوسائل باب:
42 من أبواب الوضوء حدبث: 5.
( 15 )
[ من دون فرق بين تقدم منشأ الشك على العمل، بحيث لو التفت إليه قبل العمل لشك
(1)، وغيره، وإن كان الاحوط استحبابا في الاول الاعادة. ] مضيه، لا مطلقا ومن جميع
الجهات، ليمكن إجراز تمام الطهارة، ومنها جواز الدخول فيما يأتي، بضميمة الملازمة
الشرعية بين وجود الطهارة وبقائها، على ما يذكر مفصلا عند الكلام في القاعدة
المذكورة. ومما ذكرنا يظهر أنه لا ينفع في جواز الدخول في الغايات اللاحقة دعوى: أن
الصلاة ونحوها مترتبة على الوضوء، فبالدخول فيها يحرز الوضوء الذي هو شرط في الصلاة
الآتية ونحوها، إذ لو تمت الدعوى المذكورة فالترتب بين الصلاة والوضوء - مثلا -
إنما هو بلحاظ شرطيته فيها، لا لانه مشرع قبلها ذاتا - نظير تشريع صلاة الظهر قبل
العصر - والشرطية المذكورة إنما تقتضي كون الدخول في الصلاة محرزا للوضوء لها من
حيثية شرطيته فيها، لا مطلقا، لينفع في الدخول في غيرها. على أن الدعوى المذكورة
غير تامة في نفسها، لان الترتب بين الوضوء والصلاة ليس شرعيا، بل عقليا، بلحاظ أخذ
الطهارة المسببة عن الوضوء شرطا في الصلاة، كما هو مقتضى الجمع بين ما تضمن الامر
به وما تضمن شرطية الطهارة. (1) فيكون عدم الشك للغفلة عن منشئه، لا لعدم تحقق
منشئه بحيث يحتمل القصد لتتميم العمل والتحفظ من جهة الشك حين الانشغال به. والظاهر
أنه قدس سره أشار بذلك للقول بعدم جريان القاعدة في فرض الغفلة عن منشأ الشك، بحيث
لو حصل المشكوك لكان حصوله اتفاقيا، لا بمقضى القصد الارتكازي التابع لكون المكلف
في مقام الامتثال، كما لو فرض غفلة المكلف عن اعتبار الطهارة في الصلاة، واحتمل بعد
الصلاة حصول الطهارة حينها اتفاقا وبلا قصد. وقد يوجه بابتناء القاعدة على الجري
على ظهور حال الممتثل في
( 16 )
[ مسألة 78: إذا شك في الطهارة في أثناء الصلاة مثلا قطعها وتطهر (1)، ]
المحافظة على تمام ما هو الدخيل في الامتثال، وهو لا يتم في فرض الغفلة. مضافا
للتعليل في بعض النصوص بأنه حين العمل أذكر منه حين يشك (1)، وبأنه حين الفراغ أقرب
إلى الحق منه بعد ذلك (2). لكن لا طريق لاحراز ابتناء القاعدة على ملاحظة الظهور
المذكرر، ليتعين تنزيل عموم أدلتها عليه على مورده، بل قد يبتني على مصلحة التسهيل
والارفاق بالمكلفين، لأن الاعتناء بالشكوك المتجددة التي مضى محلها منشا للضيق
والحرج، إذ البعد عن الشئ موجب لكثرة الشك فيه. كما لا مجال لتخصيص العموم المذكور
بالتعليل المشار إليه، لعدم ظهور دليله في التعليل بالعلة المنحصرة التي يدور الحكم
مدارها وجودا وعدما، فلا مخرج عن العموم. ولا سيما بملاحظة صحيح الحسين بن أبي
العلاء: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخاتم إذا اغتسلت. قال: حوله من
مكانه. وقال في الوضوء: تدره، فإن نسيت فلا آمرك أن تعيد الصلاة " (3)، لوضوح أن
وصول الماء لما تحت الخاتم مع نسيان إدارته اتفاقي لا يستند لقصد المتوضئ
الارتكازي. وقد فصلنا الكلام في ذلك عند الكلام في القاعدة، في خاتمة الاستصحاب من
الاصول. (1) يظهر وجهه مما تقدم، من أن جريان القاعدة مع الشك في الشرط بلحاظ مضيه
تبعا للمشروط إنما يقتضي إحرازه من حيثية المشروط الذي مضى،
____________
(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 7. (2) الوسائل باب: 27 من أبواب الخلل
الواقع في الصلاة حديث: 3. (3) الوسائل باب: 41 من أبواب الوضوء حديث: 2.
( 17 )
[ واستأنف الصلاة (1). مسألة 79: لو تيقن الاخلال بغسل عضو أو مسحه أتى به (2)
] لا مطلقا بلحاظ جميع الآثار، فلا محرز للطهارة بالاضافة لبقية أجزاء الصلاة، بل
مقتضى استصحاب الحدث أو قاعده الاشتغال بالطهارة لزوم إحراز الطهارة لها. نعم، بناء
على أن الشرطية تقتضي الترتب بين الوضوء وتمام الصلاة، فالدخول في الصلاة يحرز
الوضوء لها بتمامها، المتتضي لجواز إكمالها، نظير ما لو شك في الاذان والاقاقة بعد
الدخول في الصلاة. لكن عرفت عدم تمامية ذلك، وأن الشرط في تمام الصلاة هو الطهارة
حينها، والترتب بينها وبين الوضوء عقلي لا شرعي. (1) هذا ظاهر، بناء على ما هو
المعروف - على الظاهر - من أن الشرط في تمام الصلاة هو استمرار الطهارة من أولها
لآخرها، حتى في الأكوان المتخللة بين الاجزاء، المستلزم لكون الحدث قاطعا لها، لعدم
المحرز للطهارة حال الشك، لعدم مضيه، ويعضده خبر علي بن جعفر المتقدم في المسألة
الخامسة والسبعين، بناء على حمله على الشك الساري. نعم، لو فرض اليقين بالطهارة في
الحال - المذكور، لتجديد الطهارة في أثناء الصلاة قبل تحقق الشك المذكور، اتجه عدم
الاستئناف، لمضي محل الشك. وكذا بناء على أن المعتبر هو الطهارة في خصوص حال
الانشغال بالاجزاء دون الأكوان المتخللة بينها، إذ يكفي حينئذ الطهارة لما يأتي.
نعم، لا مجال للتقرب بالطهارة بلحاظ الامر بالاتمام، إما لتحقق الطهارة سابقا، أو
لعدم مشروعية الاتمام، لبطلان ما مضى، بمقتضى الارتباطية، بل لابد من التقرب بلحاظ
أمر آخر، كالكون على الطهارة. (2) إجماعا محصلا ومنقولا، كذا في الجواهر. ويقتضيه -
مضافا إلى إطلاقات الوضوء - غير واحد من النصوص، ففي
( 18 )
[ وبما بعد ه، مراعيا للترتيب (1)، والموالاة (2)، ] صحيح زرارة عن أبي جعفر
عليه السلام: " إن تيقنت أنك لم تتم وضوءك، فأعد على ما تركت يقينا حتى تأتي على
الوضوء " (1)، ونحوه غيره. (1) وهو مذهب أهل البيت، كما عن الذكرى، وإجماعي، كما عن
شرح المفاتيح، وعن التذكرة نفي الخلاف فيه. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاقات الترتيب،
المعتضدة بما تضمن وجوب تداركه عند عكسه - غير واحد من النصوص الواردة في ناسي بعض
الاعضاء، ففي موثق زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: وإن نسي شيئا من
الوضوء المفروض، فعليه أن يبدأ بما نسي ويعيد ما بقي، لتمام الوضوء " (2)، ونحوه
غيره. نعم، تقدم عند الكلام فيمن عكس الترتيب بعض النصوص الموهمة لخلاف ذلك،
والجواب عنها - كما تقدم هناك أيضا عن ابن الجنيد - سقوط الترتيب لو كان المتروك
دون الدرهم، وتقدم ضعفه. (2) وهو مذهب أهل البيت، كما عن الذكرى، وإجماعي، كما عن
شرح المفاتيح. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق بعض أدلة الموالاة - صحيح حكم بن حكيم: "
سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن نسي من الوضوء الذراع والرأس. قال: يعيد الوضوء،
إن الوضوء يتبع بعضه بعضا " (3) بعد تنزيل الاتباع على ما يساوق عدم الجفاف، كما
سبق عند الكلام في الموالاة. وعليه ينزل موثق سماعة عنه عليه السلام: " قال: من نسي
مسح رأسه أو قدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله تعالى في القرآن " كان عليه
إعادة الوضوء
____________
(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 35 من أبواب لموضوء
حديث: 4. (3) الوسائل باب: 33 من أبواب الوضوء حديث: 6.
( 19 )
[ وغير هما من الشرائط (1)، وكذا لو شك في فعل من أفعال الوضوء قبل الفراغ منه
(2)، ] والصلاة " (1)، كما هو المناسب لفرض إعادة الوضوء فيه. نعم، المعيار في
الموالاة في سائر الاعضاء على جفاف تمام أعضاء الوضوء. أما في نسيان المسح فيكفي
فيها بقاء البلل في مسترسل اللحية الخارج عن الحد، مع عدم وجوب غسل باطنها في الحد
فضلا عن خارجه، كما تقدم. (1) لعموم أدلتها الشامل لحال النسيان. (2) كما هو المصرح
به في جملة من كتب الاصحاب القدماء منهم والمتأخرين، كالهداية والغقيه والمقنعة
والنهاية والمبسوط والتهذيب والغنية والمراسم وإشارة السبق والوسيلة والمعتبر
والشرائع والنافع والمنتهى والقواعد والارشاد واللمعتين والروض، وظاهر الكليني في
الكافي، وعن المهذ ب والسرائر والجامع والكافي لابي الصلاح والدروس والذكرى وغيرها.
ونسبه في الرياض لظاهر الاصحاب، واستظهر في الحدائق عدم الخلاف فيه، وفي كشف اللثام
الاجماع عليه، بل جزم بالاول في المدارك والمفاتيح ومحكي الذخيرة، وبالثاني في
المستند ومحكي شرحي الدروس والمفاتيح، بل في الاخير حكاية دعواه عن جماعة، وفي
مصباح الفقيه دعوى استفاضة نقله. نعم، قال الصدوق في المقنع: " وإن شككت بعدما صليت
فلم تدر توضأت أم لا، فلا تعد الوضوء ولا الصلاة. ومتى شككت في شئ وأنت في حال أخرى
فامض ولا تلتفت إلى الشك ". إطلاق ذيله ينافي ذلك، وإن لم يبعد تنزيله على الشك بعد
الانتقال من الوضوء، تأكيدا لما في الصدر، ولا سيما بعدما عرفت منه ومن غيره.
____________
(1) الوسائل باب: 35 من أبراب الوضوء حديث: 5.
( 20 )
ويدل على ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه
السلام: " قال: إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا، فأعد عليهما
وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى الله مادمت في حال الوضوء،
فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها، فشككت في
بعض ما سمى الله مما أوجب الله عليك فيه وضوء، لا شئ عليك فيه " (1). وبه ترفع اليد
عن عموم قاعدة عدم الاعتناء بالشك الذي مضى محله، حيث تقتضي عدم الاعتناء بالشك في
الشئ بعد الدخول فيما يترتب عليه مما يتحقق معه مضي محله، الذي هو مفاد قاعدة
التجاوز عندهم. ومن ثم قيل بعدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء للصحيح المذكور.
وأما دعوى: قصور العموم المذكور عن الشك في أثناء العمل، وأن ما دل عليه مختص
بأجزاء الصلاة فلا يحتاج للصحيح المذكور، كما ذكره الفقيه الهمداني وبعض الاعاظم،
ويناسبه استدلال بعض الاصحاب في المقام بأصالة عدم الاتيان بالمشكوك وعدم الخروج عن
يقين الحدث إلا بيقين، لظهوره في موافقة الصحيح للقواعد. فهي ممنوعة، لعموم أدلة
القاعدة، على ما ذكرنا عند الكلام فيها. فالعمدة في الخروج عنها هو الصحيح المذكور.
لكن قد ينافيه موثق ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: إذا شككت في
شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ، إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه "
(2)، لظهور ضمير " غيره " في الرجوع ل " شئ " - الذي هو البعض، بمفتضى ظهور " من "
في التبعيض - لانه المتبوع دون الوضوء، وإن كان أقرب، لان جهة المتبوعية والتابعية
أولى بالملاحظة عرفا من جهة القرب والبعد، كما ذكره
____________
(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء
حديث: 2.
( 21 )
سيدنا المصنف قدس سره. بل لا ينبغي التأمل فيه بملاحظة الذيل الظاهر في اعتبار
عدم التجاوز عن نفس المشكوك - كما تضمنته أدلة القاعدة الاخر - فإن مقتضى المقابلة
كون فرض الدخول في الغير - في الصدر - لكونه المحقق للتجاوز عن المشكوك وهو إنما
يكون مع رجوع الضمير للشئ لا للوضوء. وأما ما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره من أن
المقابلة بالذيل تعين رجوع الضمير للوضوء، حيث تضمن فرض المكلف في شئ لم يجزه،
لظهوره في فرض الشئ ذا أجزاء، قد انشغل به المكلف ولم يفرغ منه. وحمله على كونه في
محل الشئ لا فيه نفسه مخالف للظاهر، فيكشف عن أن المراد في الصدر من الدخول في
الغير هو فرض الفراغ عن الشئ، الذي ينطبق على الوضوء، لا على الجزء المشكوك فيه
منه. ففيه: أن حمل الذيل على ما ذكره قدس سره مستلزم للاستغناء عن قوله عليه
السلام: " لم تجزه " وحمله على التأكيد لجملة الشرط، لا التقييد للشئ "، ومساق
الكلام آب عن ذلك جدا. فلابد من حمل فرض المكلف في الشئ على كونه فيه من حيثية كونه
شاكا، لكونه متعلقا لشكه، فكأنه قال: إذا كنت شاكا في شئ لم تجزه، في مقابل ما فرض
في الصدر من كون الشك في الشئ بعد التجاوز عنه والدخول في غيره. وتضمين الشرطية
للشك ليس غريبا بعد تكراره في الكلام والتصريح به في الشرطية الاولى، إذ هو يشبه
لازم ما ذكره من حذف متعلق الشك في الذيل والاعتماد على الصدر في بيانه، وأنه جزء
الامر الذي انشغل به، بل سوق الذيل لقلب ظهور الصدر محتاج إلى عناية خاصة لا
يناسبها البيان المذكور، الظاهر في تقرير الصدر وتأكيده. وبالجملة: لا يصلح الذيل
للخروج به عن ظاهر الصدر الذي ذكرناه. ومنه يظهر ضعف الاستدلال بالموثق على المدعى
في المقام، كما يظهر
( 22 )
من بعضهم. ولذا قد يدعى أن مقتضى الجمع بينه وبين الصحيح حمل الصحيح على
الاستحباب، أو تخصيصه بالموثق، بحمله على عدم الدخول في الجزء اللاحق. لكن من
الظاهر أن الاستحباب في المقام طريقي، بلحاظ حسن الاحتياط، وهو مما لا يناسبه صدر
الصحيح وذيله، بل لا يناسبه الموثق، حيث قد تضمن ضرب القاعدة العامة التي تعرضت لها
النصوص الكثيرة الظاهرة في الردع عن الاحتياط. وأبعد منه تخصيص الصحيح بالموثق،
لقوة ظهوره في العموم، ولا سيما بملاحظة ذيله المصرح فيه بمفهوم الصدر، لقوة ظهور
هما في دوران الالتفات للشك وعدمه مدار الانشغال بالوضوء وعدمه. على أنه ليس بأولى
من تخصيص الموثق بالصحيح، بحمله على صورة الفراغ عن الوضوء، بل الثاني أولى، لانه
محض تخصيص في عنوان الدخول في الغير، أما تخصيص الصحيح فهو راجع لالغاء خصوصية
عنوان الانشغال بالوضوء والفراغ منه في الصدر والذيل. وإن كان الظاهر أنه لا مجال
له أيضا، لصعوبة تنزيل الموثق عليه جدا، فليس هو جمعا عرفيا. فلعل الاولى تنزيل
الموثق على الشك في الوضوء بعد الفراغ منه، لا بإرجاع الضمير للوضوء، فإنه بعيد
أيضا، لما تقدم، بل بحمل التبعيض في قوله عليه السلام: " من الوضوء " على التبعيض
بلحاظ الوحدة النوعية، الذي يكون البعض فيه فردا من الكلي - والذي إليه ترجع " من "
البيانية عندهم - لا بلحاظ الوحدة الاعتبارية، الذي يكون البعض فيه جزءا من الكل،
فيراد من " الشئ " فرد من الوضوء، لا بعض منه، ويكون المراد من الصدر عدم الالتفات
للشك في الوضوء بعد الفراغ منه، الذي هو مفاد ذيل الصحيح من دون أن ينافي صدره.
نعم، مقتضى عموم مفهوم الحصر في ذيل الموثق هو عدم الاعتناء بالشك
( 23 )
في جزء الوضوء مع التجاوز عنه والدخول في الجزء المترتب عليه، فيسهل تخصيصه
بالصحيح كما خصص به جميع عمومات القاعدة، أو يحمل الشئ في الذيل على الفرد من
الوضوء، لا على ما يعم جزءه. ولا ريب في أن الجمع المذكور أقرب من غيره، لكن في
كونه جمعا عرفيا إشكال، وإن لم يكن بعيدا. وكيف كان، فلا ينبغي التأمل في العمل
بالصحيح، لانه أقوى دلالة من الموثق، لعدم تأتي مثل هذا الاحتمال فيه. مضافا إلى
أنه أشهر رواية بين الاصحاب وأقوى سندا، مع تسالم الاصحاب على العمل به، حيث يبعد
جدا خفاء الحال في مثل هذه المسألة مما يكثر الابتلاء به. بقي في المقام امور..
الاول: أنه لا ينبغي التأمل في عموم وجوب الاعتناء بالشك قبل الفراغ من الوضوء لما
إذا شك في غسل بعض العضو، وإن تجاوزه بالدخول في الجزء المتأخر عنه منه أو في العضو
اللاحق، بل ظاهر شيخنا الاعظم قدس سره الاجماع على عدم الفصل بين الشك في تمام
العضو وبعضه، لعموم قوله عليه السلام في الصحيح: " فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت
فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى الله "، ولا ملزم بحمله على خصوص الاعضاء
التامة، فإن بعض العضو وإن لم يسمه الله تعالى، إلا أنه مما سماه. فتأمل. على أن
عدم غسل أو مسح ما سمى الله تعالى يصدق بعدم غسل بعضه أو مسحه، فيجب الاعادة عليه،
ويكتفى بإتمامه، للقطع معه بغسله. أو مسحه، لوضوح أن وجوب الاعادة طريقي لاحراز
ذلك. الثاني: هل يلحق الشك في الشرط - كالموالاة والترتيب وإطلاق الماء - بالشك في
الجزء في وجوب الاعتناء به إذا كان قبل الفراغ من الوضو، أو لا، بل لا يعتنى به بعد
مضي محله، للفراغ من غسل العضو الذى هو مورد الشك؟
( 24 )
والاول هو مقتضى إطلاق الشك في الوضوء أو في واجباته، كما في النهاية والوسيلة
وإشارة السبق والغنية والمراسم، بل هو كالظاهر فيه مما في المبسوط واللمعة،
لتضمنهما عطف الشك في شئ منه عليه. بل هو صريح المقنعة والتهذيب، لاقتصاره في
المقنعة على الشك في مخالفة الترتيب، واستدلاله عليه في التهذيب بالنصوص، وبه صرح
جملة من المتأخرين. كما أن مقتضى الاقتصار في كلام جماعة على الشك في شئ من الوضوء
هو الثاني، وهو المناسب، لعموم قاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله، المقتصر في
الخروج عنها على مورد الصحيح، وهو الشك في الجزء من الغسل أو المسح. فلابد في
التعميم للشرط إما من حمل الغسل والمسح في الصحيح على خصوص المشروع منهما، وهو
الواجد للشرائط المعتبرة، أو التعدي عن مورد النص، لالغاء خصوصيته عرفا، أو لتنقيح
المناط. ويشكل الاول بأنه مخالف للاطلاق. وانصرافه لخصوص المشروع عند الاشارة للحكم
الواقعي، لا يستلزم انصرافه إليه في مقام بيان الحكم الظاهري، إذ لا مانع من تخصيص
الحكم الظاهري بالشك في جهة دون أخرى. ولا سيما في مثل المقام، حيث قد تكون أهمية
الجزء موجبة لتخصيص الاحتياط به. ومنه يظهر ضعف الثاني. ومثله الاستدلل بإطلاق
مفهوم موثق ابن أبي يعفور، بناء على حمله على الشك في الوضوء بعد الفراغ منه،
بدعوى: أن مقتضاه الاعتناء بالشك فيه قبل الفراغ منه، ولو للشك في الشرط. لاندفاعه:
بأنه لم يتضح أن حمله على ذلك مقتضى الجمع العرفي، ليكون حجة فيه، كما ذكرناه آنفا.
مع أنه إن أريد مفهوم الشرطية، فهي مسوقة لتحقيق الموضوع، ولا مفهوم
( 25 )
لها، وإن أريد مفهوم القيد، بدعوى أن مقتضى التقييد بالدخول في الغير الاعتناء
بالشك مع الانشغال بالوضوء، فليس هو بحجة، ولا سيما بملاحظة تعقيبه بالذيل الظاهر
في عموم عدم الاعتناء بالشك بعد التجاوز. وأما ما يظهر من بعض مشايخنا من الاعتناء
بالشك في الشروط المستفادة من الآية الشريفة - كاطلاق الماه - دون غيرها، فلم يتضح
وجهه، لان الصحيح ظاهر في اعتبار تسمية الله تعالى للعضو لا للغسل والمسح، فإن بني
على إطلاق الغسل والمسح لزم عدم الاعتناء بالشك في الشرط مطلقا، وإن بني على
انصرافه للمشروع منهما لزم الاعتناء به كذلك. على أن الصحيح لم يتضمن التقييد بخصوص
ما سمى الله تعالى في الكتاب، بل يعم ما استفيدت تسميته له من غيره، إذ ليس المراد
من تسميته حينئذ ذكر اسمه، بل إيجابه. ومثله ما يظهر من الجواهر من التعدي لجميع
أفعال الوضبو، كالنية والترتيب والموالاة، وإن أمكن إحرازها بالاصل، لانها وإن كانت
خارجة عن مدلول الصحيح، إلا أن الاعتناء بالشك فيها مقتضى الاصل، وإطلاق معاقد
الاجماعات. بل يقرب التعدي للشك في الصحة والفساد، لرجوعه حقيقة للشك في. تحقق
الفعل، بخلاف الشروط الخارجة عن الوضوء، كطهارة الماء والاعضاء، للاشكال فيه..
تارة: بأن الترتيب والموالاة - بل النية - ليست من أفعال الوضوء، كما يظهر من
النصوص المحددة له بالغسل والمسح. وأخرى: بأنه مع فرض قصور الصحيح لا مجال للاعتماد
على معاقد الاجماعات، مع قرب إرادتهم الغسل والمسح منه، فإن حجية الاجماع - لو تم -
بملاك حجية القطع، لا حجية الظهور. كما لا مجال للاعتماد على الاصل، بالنظر لقاعدة
عدم الاعتناء بالشك الذي مضى محله، الشاملة للمورد، ولا سيما فيما أمكن إحرازه
بالاصل، كالموالاة
( 26 )
بمعغى عدم الجفاف. وثالثة: بأن التعدي للشك في الصحة والفساد إن تم بلحاظ رجوعه
للشك في تحقق الفعل حقيقة لم يناسب التوقف في الشروط الخارجة، وإلا كان اللازم بيان
الفارق بين الشروط المذكورة وغيرها. ومن جميع ذلك ظهر أن الاختصاص بالشك في الغسل
والمسح هو الاوفق بعموم قاعدة عدم الاعتناء بالشك الذي مضى محله، وإن لم يخل عن
الاشكال. بل لا ينبغي الاشكال في عدم جريان القاعدة مع الشك في المباشرة، لعموم
الصحيح له، بمقتضى ظاهر قوله عليه السلام: " لم تغسله أو تمسحه "، بل لا يبعد ذلك
أيضا مع الشك في النية، بمعنى القصد للعمل الوضوئي، إذ لا يبعد انصراف الصحيح لذلك.
كما لا إشكال في عدم الاعتناء بالشك إذا أمكن إحراز الشرط بالاصل، كطهارة الماء
والاعضاء في بعض الموارد، ومنه الموالاة بمعنى عدم الجفات، حيث تقدم جواز البناء
عليه مطلقا ولو قبل مضي المحل. الثالث: حكم في المقنعة والمراسم بوجوب الالتفات
للشك في الحدث قبل الفراغ من الوضوء، ولم أعثر عاجلا على من تعرض له غيرهما، عدا
إطلاق بعضهم الشك في الوضوء قبل الفراغ منه، الذي لا يبعد انصرافه عن ذلك. نعم،
ظاهر التهذيب الجري على ذلك واستدلاله عليه بالنصوص، لكن لم يتضح وجهه بعد قصور
الصحيح عنه، وجريان استصحاب عدمه، حيث يتعين معه عدم الالتفات للشك قبل المضي عن
محله، فضلا عما بعده. الرابع: لو شك في غسل اليسرى قبل تمام المسح، فغسلها ومسح
بها، ثم انكشف غسلها قبل ذلك، فقد يستشكل في صحة الوضوء، لانكشاف المسح بغير ماء
الوضوء. ولا مجال لاستفادة العفو عن ذلك من الصحيح، لا بإطلاقه، لوروده لبيان
الوظيفة الظاهرية فلا ينافي البطلان واقعا، ولا تبعا، لقلة الابتلاء بانكشاف الخلاف
وعدم وضوح الغفلة عن البطلان معه، فلا يكشف عدم التنبيه عليه على عدمه.
( 27 )
[ أما لو شك بعد الفراغ لم يلتفت (1)، ويحصل الفراغ ببنائه على نفسه فارغا (2)
]. لكن الاشكال المذكور مختص بما إذا كان المسح بماء الغسلة الثالثة، لعدم
مشروعيتها، أما لو كان بماء الغسلة الثانية فالمتعين الصحة. ومجرد الخطا في تشخيص
حالها، لعدم العلم بكونها ثانية، لا يقدح في مشروعيتها، إلا أن يرجع إلى التقييد
الذي هو بعيد في نفسه. وكذا الحال لو قطع بعدم غسل اليسرى فغسلها، ثم انكشف أنه قد
غسلها. (1) كما صرح به - في الجملة - من تقدم التعرض له في حكم الشك قبل الفراغ،
وادعى الاجماع عليه في المعتبر والمنتهى والروضة والمدارك وكشف اللثام، وإن اختلفوا
في تحديد موضوع ذلك، على ما يأتي. ويقتضيه - مضافا إلى قاعدة عدم الاعتناء بالشك
بعد مضي محله - غير واحد من النصوص، كصحيح زرارة المتقدم، وموثق ابن أبي يعفور،
بناء على حمله على ما تقدم، بل حتى على المعنى الظاهر فيه بدوا في الجملة، ولو
بالاولوية، وموثق بكير أو صحيحه: " قلت له: الرجل يشك بعدما يتوضأ. قال: هو حين
يتوضأ أذكر منه حين يشك، (1)، وخبر محمد بن مسلم: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام
يقول: كلما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه، ولا إعادة عليك فيه " (2). (2)
اختلفت عباراتهم في تحديد موضوع عدم الاعتناء بالشك، فقد ذكر في جملة منها القيام
عن الوضوء أو الانتقال عن مكانه، خصوصا عبارات القدماء منهم، كما في الهداية
والفقيه والمقنعة والمراسم والوسيلة والغنية وغيرها، وعن الذكرى: " ولو أطال
القعود، فالظاهر التحاقه بالقيام ".
____________
(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 7. (2) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء
حديث: 6،
( 28 )
وعن بعضهم اعتبار الدخول في حال آخر غير الوضوء، ولعله إليه يرجع كلام الاولين،
وأن ذكرهم للقيام لانه الفرد الظاهر المتعارف للانتقال لحال آخر، وإلا فمن البعيد
الجمود عليه. بل عن شرح المفاتيح أن فساد اشتراط القيام ضروري من الدين، وكأن مراده
أنه ضروري من الفقه، بلحاظ استلزام اشتراطه عدم جريان القاعدة في حق المريض ونحوه
ممن لا يقوم عن مكانه دإن طال الزمان، بل عدم جريانها فيمن يتوضأ قائما ونحوه مما
لا يظن بأحد التزامه، ولعله لذا اعتبر في محكي الدروس الانتقال عن المحل ولو
تقديرا. واقتصر جملة منهم على الفراغ من الوضوء والانصراف عنه أو عن حاله، في مقابل
الانشغال به، كما في المبسوط والمعتبر والشرائع والمنتهى والقواعد وجامع المقاصد
والمسالك واللمعتين، وعن المهذب والجامع والارشاد وغيرها، وفي الحدائق: " الظاهر
أنه المشهور بين المتأخرين ". بل عن رياض المسائل تنزيل مراد القدماء عليه، بإجراء
ما سبق منهم مجرى الغالب، من دون أن يريدوا التقييد به. ولعله لذا نسبه الاردبيلي
في محكي شرح الارشاد لظاهر الاصحاب، بل ظاهر الروضة وصريح المدارك دعوى الاجماع
عليه. ويقتضيه - مضافا إلى عموم القاعدة المتقدمة - إطلاق خبري بكير ومحمد ابن
مسلم. نعم، قد ينافيه قوله عليه السلام في صحيح زرارة: " فإذا قمت من الوضوء وقد
صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها "، وقوله عليه السلام في موثق ابن أبي
يعفور: " وقد دخلت في غيره ". ويشكل الاستدلال بالصحيح بملاحظة صدره، الظاهر في أن
المعيار في الالتفات للشك هو كون المكلف في حال الوضوء، الملزم بإلغاء خصوصية،
القيام في الذيل وجعله كناية عن الفراغ، لغلبة تحقفه حينه، لقوة ظهور: " مادام " في
( 29 )
المفهوم، ولا سيما مع سبق ذكر القعود على الوضوء، الذي هو مسوق لتحقيق الموضوع،
فيغني عن - قوله: " مادمت " لو لم يكن مسوقا للمفهوم. بل لو فرضن تساوي الصدر
والذيل في مرتبة الظهور بدوا، لم يبعد تحكيم الصدر لو أمكن الجمع بينهما، لان سبقه
يوجب مأنوسية الذهن به، فيحتاج رفع اليد عنه لما هو الاقوى منه، ليكون قرينة عرفا
يرفع به اليد عنه. وهو لا ينافي ما اشتهر من عدم استحكام ظهور الكلام إلا بعد
الفراغ منه، إذ لا يبعد رجوعه لارتفاع ظهوره البدوي بما يشتمل عليه من قرائن هي
أقوى منه، أو من معارضات يتعذر الجمع بينها وبينه. فتأمل. هذا، مع أن الظاهر كون
عطف الفراغ على القيام تفسيريا، لسوق القيام للكناية عنه، كما سيق القعود على
الوضوء للكناية عن الانشغال به، مع إلغاء خصوصيته، وإلا كان من عطف العام على
الخاص، الذي لا يخلو عن حزازة. ومما سبق يظهر لزوم حمل قوله عليه السلام: " وقد صرت
في حال أخرى... " على تأكيد الفراغ أيضا، فيراد منه مطلق الانتقال عن حال الوضوء -
كما هو ظاهره في نفسه - لا الانشغال بأمر آخر، ليكون قيدا زائدا عليه، وإلا نافى
مفهوم الصدر. وعليه ينزل ما في تتمة الصحيح الوارد في الشك في غسل الجنابة من قوله
عليه السلام: " فإن دخله الشك وقد دخل في صلاته (حال أخرى. كافي) فليمض في صلاته
ولا شئ عليه " (1)، لصلوح ما سبق لشرح المراد منه. وأما الموثق، فقد سبق أنه لا
مفهوم له، لا بلحاظ الشرطية، ولا بلحاظ القيد. بل بملاحظة الحصر في ذيله، للشك الذي
يعتنى به بما لم يجزه، يتعين حمل الدخول في الغير على الكناية عن الفراغ الذي يتحقق
به جواز الوضوء.
____________
(1) الوسائل باب: 41 من أبواب الجنابة حديث: 2.
( 30 )
ثم إنه لو فرض قصور جميع ما ذكرنا فلا أقل من إجمال الصحيح والموثق الملزم
بالرجوع للاطلاقات المقتضية بالاكتفاء بالفراغ في الوضوء، كما يكتفى به في جريان
القاعدة في سائر الموارد. إذا عرفت هذا، فقد وقع الكلام بينهم في معيار الفراغ
المعتبر في المقام بعد تعذر حمله على الفراغ الحقيقي عن العمل المشروع المطلوب من
المكلف، إذ لا يجتمع فرضه مع فرض الشك في تمامية العمل. وقد ذكرنا عند الكلام في
القاعدة أن المراد به هو الفراغ الحقيقي عن عمل المكلف الذي انشغل به، وهو العمل
الخارجي المأتي به بعنوانه الخاص من غسل أو وضوء أو صلاة أو نحوها، فإن ذلك هو
موضوع الشك في الصحة، وقد أضيف المضي والفراغ في النصوص إليه، لا إلى كلي العمل
المشروع. كما أن الكلي لا يتصف بالصحة والفساد، بل بالوجود والعدم، فلابد من صدق
الفراغ عن العمل المذكور حقيقة بالمعنى المقابل للانشغال به أو لقطعه. فليس التسامح
إلا في صدق العنوان على العمل المأتي به بلحاظ قصده منه، بناء على الصحيح، وهو
تسامح شائع، وأما بناء على الاعم فلاتسامح حتى في ذلك. والفراغ بالمعنى المذكور
يجتمع مع احتمال نقص العمل، بل مع العلم به، كما لا يخفى. وأما جعل المعيار الفراغ
البنائي - كما في المتن، وصرح به غير واحد - أو فعل الجزء الاخير، أو الانشغال بفعل
آخر - خصوصا ما يتوقف على تمامية العمل - أو تعذر التدارك - لفوت الموالاة المعتبرة
أو فعل المنافي في مثل. الصلاة أو نحوهما - وغير ذلك مما تعرضوا له في المقام، فلا
مجال له، لخروجه عن ظاهر المضي والفراغ اللذين تضمنتهما النصوص، إلا أن تستلزم
الفراغ بالمعنى الذي ذكرناه، فيكون المدار عليه لا عليها، وقد فصلنا الكلام في ذلك
عند الكلام في القاعد ة.
( 31 )
[ مسألة 80: إذا شك بعد الوضوء في حاجبية شئ - كالخاتم ونحو ه - لم يلتفت (1)،
وكذا إذا شك في كون الحاجب سابقا على الوضوء أو متأخرا عنه (2). وإن كان الاحوط
استحبابا الاعادة فيهما (3) بعد رفع مشكوك الحاجبية في الفرض الاول. مسألة 81: إذا
كان مأمورا بالوضوء من جهة الشك فيه بعد الحدث إذا نسي شكه (4) وصلى، فلا إشكال في
بطلان صلاته بحسب ] (1) لقاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله، من دون فرق في ذلك
بين التفات له حين الوضوء والاهتمام بإيصال الماء تحته، وتجدد الشك بعد الفراغ في
وصوله، والغفلة. عنه حينه، لما سبق في المسألة السابعة والسبعين من عدم اختصاص
القاعدة بالالتفات. (2) للقاعدة المتقدمة، واستصحاب عدم الوضوء إلى حين وجود الحاجب
عند الجهل بتأريخ الوضوء والعلم بتأريخ الحاجب - مع كونه من الاصل المثبت، كاستصحاب
عدم الحاجب إلى حين الوضوء في عكس ذلك - لا ينهض برفع اليد عن القاعدة، لتقديمها
على الاستصحاب. (3) الظاهر أن مراده صورة الغفلة، لما تقدم من شبهة اختصاص القاعدة
بالالتفات. (4) لما كان الشك من الامور الوجدانية، فلا يجتمع فرض وجوده مع نسيانه،
فإما أن يكون مراده صورة الغفلة عنه والذهول عن حكمه مع بقاء نفس الشك، أو الغفلة
عن المشكوك المستلزم لنسيان الشك السابق المتعلق به وعدم فعلية الشك. أما على
الاول، فبطلان الصلاة - ظاهرا - مقتضى الاصل بعد قصور القاعدة المتقدمة عنه،
لاختصاصها بالشك الحادث بعد مضي محله. وأما على الثاني، فلما ذكرناه في محله من
قصور القاعدة عن الشك
( 32 )
[ الظاهر، فتجب عليه الاعادة إن تذكر في الوقت، والقضاء إن تذكر بعده (1). ]
المسبوق بمثله، لوجوه لا يسمح المقام التعرض لها، لطولها، وإن كان للتأمل فيها
مجال، فليلحظ. نعم، لابد من فرض استناد العمل لمحض الغفلة مع العلم بعدم صدور
الوضوء بعد حدوث الشك المذكور، وإلا لم يعتن بالشك وجرت القاعدة، لمباينة الشك
الحاصل بعد الفراغ للشك الحاصل قبله موضوعا. بل لا يزيد سبق الشك بالحدث عن سبق
اليقين به، مع جريان القاعدة في الثاني، لو فرض احتمال صدور الوضوء بعده قبل
الصلاة. (1) لما هو الظاهر من أن مقتضى الجمع بين دليلي الاداء والقضاء كون خصوصية
الوقت مأخوذة بنحو تعدد المطلوب، وأن المكلف به أمران: أصل الواجب، وخصوصية كونه في
الوقت، فمع خروج الوقت في المقام يعلم بسقوط الثاني بالتعذر أو الامتثال، ويشك في
سقوط الاول بالامتثال، فيتعين إحراز الفراغ عنه بالقضاء. وليس القضاء مباينا
للاداء، كي يرجع الشك في المقام للشك في حدوث التكليف بالقضاء مع سقوط الاداء. وهو
لا ينافي ما اشتهر من أن القضاء بأمر جديد، لرجوعه إلى ظهور الامر بالموقت بدوا، في
كون الوقت قيدا مقوما للواجب يسقط بتعذره، فلا يمتنع رفع اليد عن الظهور المذكرر
بعد فرض ورود الامر بالقضاء، ويحمل على تعدد المطلوب، جمعا بين الدليلين. وكذا
الحال بناء على أن القضاء مباين للاداء، لما هو الظاهر من أن موضوعه مجرد عدم
الاتيان بالواجب في وقته، حيث يمكن إحرازه بالاستصحاب في المقام بعد فرض عدم إحراز
صحة ما وقع، لقصور القاعدة المذكورة عنه.
( 33 )
[ مسألة 82: إذا كان متوضئا وتوضأ للتجديد وصلى، ثم تيقن بطلان أحد الوضوءين
ولم يعلم أيهما، لا إشكال في صحة صلاته (1)، ] نعم، لو كان موضوعه الفوت - الذي هو
أمر وجودي ينتزع من عدم الاتيان بالواجب في محله - تعين عدم وجوبه في المقام، لعدم
إحراز موضوعه باستصحاب الحدث، أو عدم الاتيان بالواجب، إلا بناء على الاصل المثبت.
لكن لازمه عدم وجوب القضاء لو شك في صحة الفريضة قبل خروج الوقت، ولم يحرز صحتها،
حيث يكون مقتضى قاعدة الاشتغال أو استصحاب عدم الاتيان بالواجب هو وجوب الاعادة،
دون القضاء، لو لم يعد حتى خرج الوقت، ومن البعيد التزام أحد بذلك. وأما ما دل على
عدم الاعتناء بالشك في الصلاة إذا كان بعد خروج الوقت، وهو صحيح زرارة والفضيل عن
أبي جعفر عليه السلام: " قال: متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنك لم تصلها، أو
في وقت فوتها أنك لم تصلها صليتها، وإن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد (فقد. في) دخل
حائل، فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن، فإن استيقنت فعليك أن تصليها في أي حالة
كنت " (1)، فهو ظاهر في فرض الشك في أصل الاتيان بالفريضة، ولا يعم صورة العلم
بوجودها والشك في صحتها، بل لابد من ملاحظة مقتضى الاصل حينئذ، وقد عرفت اختلافه
باختلاف المباني. (1) كما في المبسوط والوسيلة، وعن ابن سعيد والقاضي. وصريح الاول
هو الصحة الواقعية، للعلم بصحة إحدى الطهارتين، وهو متجه، بناء على ما سبق في
المسالة الواحدة والسبعين من صحة الوضوء المنوي به التجديد جهلا بالحدث، وإن لم
يناسب ما ذكره هو وغيره من اعتبار نية الرفع أو الاستباحة، كما سبق.
____________
8 (1) الوسائل باب: 60 من أبواب مواقيت الصلاة حديث: 1.
( 34 )
[ ولا تجب عليه إعادة الوضوء للصلوات الآتية أيضا، إذا لم يكن قصد الوضوء
التجديدي على نحو التقييد (1). ] أما بناء على بطلان الوضوء المذكور، فلا مجال
لدعوى الصحة الواقعية، لاحتمال نقص الوضوء الاول، المستلزم لبطلان الثاني أيضا،
فتبطل الصلاة لعدم الطهارة. ومن هنا بنى في المعتبر والشرائع والمنتهى وجامع
المقاصد وغيرها صحة الصلاة في المقام وبطلانها على القول بالاكتفاء بنية القربة، أو
اعتبار ما زاد عليها من نية الوجوب أو الندب، أو الرفع أو الاستباحة. بل ظاهرهم
بطلان الصلاة ظاهرا على الثاني، لحكمهم بوجوب إعادتها حينئذ، لعدم إحراز الطهارة
لها، عدا ما في المنتهى من تقريب إحراز الطهارة ظاهرا، كما سيأتي. لكن عدم إحراز
الطهارة إنما يمنع من الدخول في الصلاة، أو البناء على صحتها قبل الفراغ منها، ولا
يمنع من البناء على صحتها لو التفت المكلف بعد الفراغ منها - كما هو محل كلامهم
ظاهرا - لعموم قاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله، كما هو الحال لو شك في أصل
الوضوء، على ما تقدم في المسالة السابعة والسبعين. ومن ثم كان ما في المتن من نفي
الاشكال في صحة الصلاة في محله. هذا، ولو فرض احتمال عدم نية التجديد في الثاني
فالامر أظهر. (1) لما تقدم منه في المسألة الواحدة والسبعين من صحة الوضوء المنوي
به التجديد جهلا بالحدث، فيقطع حينئذ بالطهارة. وتقدم منا تفصيل الكلام في ذلك.
هذا، ولو فرض عدم صحة الوضوء المذكور - لنيته بنحو التقييد أو لغير ذلك - فقد قوى
في المنتهى إحراز الطهارة ظاهرا، لعموم ما دل على عدم
( 35 )
[ مسألة 83: إذا توضأ وضوءين وصلى بعدهما، ثم علم بحدوث حدث بعد أحدهما، يجب
الوضوء للصلاة الآتية، لان الوضوء الاول معلوم الانتقاض، والثاني مشكوك في انتقاضه،
للشك في تأخره و تقدمه على الحدث (1)، وأما الصلاة فيبنى على صحتها، لقاعدة الفراغ
(2). ] الاعتناء بالشك بعد الفراغ من الوضوء بالاضافة للوضوء الاول، وحكاه في
الذكرى عن ابن طاووس وقال: " وهو متجه، إلا أن يقال: اليقين حاصل بالترك وإن كان
شاكا في موضوعه، بخلاف الشك بعد الفراغ، فإنه لا يقين فيه بوجه "، وقريب منه في
المدارك. وفيه: أن اليقين بالنقص إجمالا ملازم للشك فيه بالاضافة للوضوء الاول،
الذي هو موضوع القاعدة فيه، غاية ما يدعى مانعية العلم الاجمالي من الرجوع للقاعدة
فيه. لكن لا مجال له، لعدم منجزية العلم الاجمالي المذكور، لعدم الاثر له بالاضافة
للوضوء التجديدي، للقطع ببطلانه حينئذ، إما لنقصه، أو لبطلان الوضوء الاول. (1) لكن
مقضى ما تقدم في المسألة السادسة والسبعين البناء على بقاء الطهارة لو علم تأربخ
الوضوء الثاني وجهل تأريخ الحدث. نعم، لو نوى بالوضوء الثاني التجديد وقيل ببطلان
الوضوء المنوي به التجديد جهلا بالحدث يعلم ببطلان الوضوء الثاني، للحدث قبله أو
بعده، ثم إنه قد صرح قدس سره في مستمسكه بأن محل الكلام صورة الجهل بالتأربخين. ولم
يتضح وجهه. (2) الظاهر من محل كلامهم فرض وقوع الصلاة بعد الحدث، فإن كان الحدث بعد
الوضوء الثاني فالصلاة باطلة، وإن كان قبله بعد الوضوء الاول فهي
( 36 )
[ وإذا كان في محل الفرض قد صلى بعد كل وضوء صلاة أعاد الوضوء، لما تقدم، وأعاد
الصلاتين إن كانتا مختلفتين في العدد (1)، ] صحيحة، لصحة الوضوء الثاني، ومقتضى
قاعدة الفراغ صحتها. لكن أشرنا إلى أنه لا يتم لو كان المنوي بالثاني التجديد وقيل
ببطلان الوضوء المنوي به التجديد جهلا بالحدث، للعلم ببطلان الوضوء الثاني بالحدث
قبله أو بعده، المستلزم للعلم ببطلان الصلاة. (1) بلا خلاف أجده فيه، بل هو مجمع
عليه. كذا في الجواهر. للعلم الاجمالي بفساد إحدى الصلاتين الموجب للاحتياط
بإعادتهما معا، والمانع من الرجوع لاستصحاب الطهارة، أو قاعدة الفراغ في كل من
الصلاتين. هذا، وقد تقدم أنه مع العلم بتأريخ الوضوء الثاني والجهل بتأريخ الحدث
يستصحب الوضوء. ولا مجال لذلك في المقام، للعلم الاجمالي ببطلان الصلاة الاولى أو
الثانية مع وضوئها، فيتنجزان معا. وهذا بخلاف ما سبق، حيث لا علم إجمالي فيه، لا
بالاضافة للصلاة، لوجدتها، ولا بالاضافة للطهارة، للعلم ببطلان الوضوء الاول، فالشك
في الثاني بدوي يكون مجرى للاستصحاب، بل الظاهر أن وجوب إعادة الصلاتين مختص بهذه
الصورة. وأما في صورة الجهل بالتأرخين، أو العلم بتأريخ الحدث دون الوضوء، فحيث لا
يجري استصحاب الطهارة في الصلاة الثانية يكون المعارض لاستصحاب الطهارة في الاولى
هو قاعدة الفراغ في الثانية، وبعد تساقطهما تجري قاعدة الفراغ في الاولى، وأصالة
عدم الاتيان بالثانية، فلا يجب إلا إعادة الثانية، كما جزم به بعض مشايخنا في جميع
فروض المسألة، بناء منه على معارضة الاستصحابين مع الجهل بالمتقدم والمتأخر مطلقا،
فلا يجري الاستصحاب في الثانية مطلقا.
( 37 )
نعم، استدل عليه باستصحاب الطهارة في الاولى بلا معارض، وقد عرفت معارضته
بقاعدة الفراغ في الثانية، وأن الوجه في صحة الاولى هو قاعدة الفراغ بلا معارض. ثم
إن شيخنا الاعظم قدس سره قال: " ومقتضى إطلاقهم عدم الفرق بين اتفاقهما في الاداء
والقضاء واختلافهما، وإن كان ربما يتخيل مع الاختلاف الاقتصار على إعادة الثانية،
لاصالة بقاء الامر به، وقاعدة عدم التفات إلى الشك في الاولى بعد خروج وقتها ". وقد
يستفاد من عدم تصديه لرد التخيل المذكور اقتصاره في رده على إطلاق معقد الاجماع،
وهو كما ترى! لعدم بلوغ الاجماع مرتبة الاستدلال بعد قرب ابتنائه على ملاحظة العلم
الاجمالي. فالعمدة في اندفاع وجه التخيل المذكور: أن قاعدة عدم الالتفات للشك في
الصلاة بعد خروج وقتها مختصة بالشك في أصل وجود الفريضة، ولا تشمل مثل المقام من
موارد الشك في صحتها، كما ذكره غير واحد، لقصور دليلها - وهو صحيح زرارة والفضيل -
عنه، كما تقدم في المسألة الواحدة والثمانين. وأما ما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من
أن القاعدة المذكورة لو جرت مع الشك في الصحة لكانت في رتبة قاعدة الفراغ، فتسقط
معها بالمعارضة لقاعدة الفراغ الجارية في الادائية. فهو موقوف على أن يكون مفاد
القاعدة لو جرت في المقام هو التعبد بصحة الموجود كمفاد قاعدة الفراغ، لكنه - مع
استلزامه لغوية أخذ خروج الوقت في موضوع التعبد المذكور، لكفاية الفراغ فيه - لا
يناسب دليلها، لظهوره في التعبد بوجود الصلاة وبراءة الذمة منها مطلقا، فتكون قاعدة
الفراغ حاكمة عليها ومقدمة عليها رتبة، لان منشأ الشك في وجود الصحيح في المقام هو
الثك في صحة الموجود، فبعد سقوط قاعدة الفراغ في الصلاتين معا تجري هذه القاعدة في
القضائية، وأصالة عدم الاتيان بالواجب في الادائية، كما ذكره المفصل.
( 38 )
[ وإلا كفى إعادة صلاة واحدة بقصد ما في الذمة (1)، جهرا إن كانتا ] وهو لا
ينافي ما اخترناه في محله من رجوع هذه القاعدة وقاعدتي الفراغ والتجاوز لقاعدة
واحدة وأن اختلافها في التطبيق " إذ لا مانع من تقدم أحد تطبيقي القاعدة الواحدة
على الآخر وحكومته عليه، كما في حكومة أحد الاستصحابين على الآخر. هذا، وقد يستدل
للتفصيل المذكور أيضا بأن القضاء تكليف جديد، والاصل البراءة منه، بخلاف الاداء،
حيث تجري فيه قاعدة الاشتغال. ويظهر ضعفه مما تقدم في المسألة الواحدة والثمانين
أيضا. (1) كما في المعتبر والشرائع والمنتهى والقواعد وغيرها، على اختلاف الفروع
التي ذكروها، المتشابهة في فرض العلم ببطلان صلاة مرددة بين متفقتين في العدد.
ونسبه في جامع المقاصد لاكثر الاصحاب، وفي المدارك لمعظمهم، وفي الجواهر: " كما هو
الاشهر، بل عليه عامة من تأخر ". لمطابقته للقاعدة الاولية المقتضية للاجتزاء
بتحصيل الواجب. والتردد في عنوان المأتي به مع قصده إجمالا غير قادح، للاصل، بل
الاطلاق، بل هو أولى عندهم من التردد في الامتثال بكل طرف، الحاصل مع التكرار.
مضافا إلى موثق علي بن أسباط، أو صحيحه، عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله
عليه السلام: " قال: من نسي من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين
وثلاثا وأربعا " (1). ونحوه مرفوع الحسين بن سعيد، وزاد: " فإن كانت الظهر أو العصر
أو العشاء فقد صلى أربعا، وإن كانت المغرب أو الغداة فقد صلى " (2).
____________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب قضاء الصلوات حديث: 1. (2) الوسائل باب: 11 من أبواب
قضاء الصلوات حديث: 2.
( 39 )
[ جهريتين، وإخفاتا إن كانتا إخفاتيتين، ومخيرا بين الجهر والاخفات إن كانتا
مختلفتين (1)، والاحوط استحبابا في هذه الصورة الاخيرة إعادة كلتا الصلاتين. ] ولا
يضر الارسال فيهما بعد انجبار هما بعمل الاصحاب بهما في موردهما، ولا سيما مع إرسال
الاول عن غير واحد، الظاهر في اشتهار الرواية. كما لا يضر اختصاصهما بالناسي،
لالغاء خصوصيته عرفا، ولا سيما مع عموم التعليل في الثاني. ومنه يظهر ضعف ما في
المبسوط، وعن القاضي وأبي الصلاح وابني إدريس وسعيد من وجوب التكرار حتى مع الاتفاق
في العدد، وهو مقتضى إطلاق الغنية وجوب ذلك عند تردد الفائتة. (1) كما هو ظاهر
إطلاق الاصحاب، بل هو المصرح به في كلام جملة منهم في مسألة تردد الفائتة بين
الخمس. والعمدة فيه الخبران المتقدمان، بناء على نهوضهما بالاستدلال في المقام، كما
تقدم، إذ لا يجتمع الاكتفاء برباعية واحدة، مع اعتبارهما، وحيث كان ترجيح أحدهما
بلا مرجح، كان مقتضى إطلاقهما التخيير بينهما. ولو لا هما كان مقتضى إطلاق دليل
الجهر والاخفات وجوب الاحتياط بالتكرار، أو إعادة القراءة في صلاة واحدة، لعدم قدح
قراءة القرآن في الصلاة. وأما ما عن الوحيد قدس سره في المصابيح من أن الاخلال بهما
مع الجهل بنوع الفائتة لما لم يكن عمديا بل لانه لا يدري، فلا يكون مبطلا. ففيه: أن
الدليل على عدم قدح الاخلال غير العمدي منحصر بصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
" في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه وأخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه. فقال: أي
ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة، فإن فعل
( 40 )
[ مسألة 84: إذا تيقن بعد الفراغ من الوضوء أنه ترك جزءا منه، ولا يدري أنه
الجزء الواجب أو المستحب، فالظاهر الحكم بصحة وضوئه (1). ] ذلك ناسيا أو ساهيا أو
لا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته " (1) وصحيحه الآخر المتضمن لنفس السؤال وللجواب
بقوله عليه السلام: " أي ذلك فعل ناسيا أو ساهيا فلاشئ عليه " (2). وظاهر الثاني
تبعية الصحة للنسيان والسهو خير الصادقين في المقام قطعا. وأما الاول، فالظاهر من
التعمد فيه ما يعم المقام، وظاهر قوله عليه السلام: " لا يدري " هو الجهل المركب
بالحكم الراجع للخطأ في تشخيصه، لا ما يعم الجهل البسيط الراجع للتردد في الحكم،
لان المنصرف هو استناد المخالفة لعدم الدراية، كاستنادها للسهو والنسيان، والتردد
لا يقتضى المخالفة، بل يقتضى التوقف والاحتياط، بخلاف الخطأ في تشخيص الحكم، ولذا
لا إشكال ظاهرا عندهم في عدم الاكتفاء بمطابقة أحد الاحتمالين في الناسي المتردد.
ولا أقل من الاجمال الملزم بالرجوع للاطلاق، المقتضي للاحتياط، كما تقدم. (1)
لقاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي محله، حيث تحرز صحة الوضوء وتحقق الجزء الواجب،
ولا تعارض بمثلها في الجزء المستحب، لعدم الاثر للاخلال به، لعدم الموضوع له في فرض
صحة الوضوء، فلا يقبل التدارك. بل لو فرض قبوله للتدارك، فحيث لم يكن تداركه
إلزاميا لم يصلح العلم الاجمالي للتنجيز الالزامي، ليمنع من الرجوع للقاعدة
المذكورة بالاضافة للواجب.
____________
(1) الوسائل باب: 26 من أبواب القراءة في الصلاة حديث 1. (2) الوسائل باب: 26 هن
أبواب القراءة في الصلاة حديث: 2.
( 41 )
[ مسألة 85: إذا علم بعد الفراغ من الوضوء أنه مسح على الحائل، أو مسح في موضع
الغسل (1)، أو غسل في موضع المسح، ولكن شك في أنه هل كان هناك مسوغ لذلك من جبيرة
أو ضرورة أو تقية، أو لا، بل كان على غير الوجه الشرعي، فالظاهر صحة وضوئه (2)، وإن
كان الاحوط استحبابا الاعادة. مسألة 86: إذا تيقن أنه دخل في الوضوء وأتى ببعض
أفعاله، ولكن شك في أنه أتمه على الوجه الصحيح أو لا، بل عدل عنه اختيارا أو
اضطرارا، فالظاهر عدم صحة وضوئه (3). ] ومن ثم ذكرنا في مباحث العلم الاجمالي أن
العلم بثبوت أحد حكمين إلزامي وغيره لا يمنع من جريان الاصل الترخيصي بالاضافة
للحكم الالزامي. ومنه في المقام ما لو توضأ وصلى الفريضة ثم أحدث وتوضأ للكون على
الطهارة، ثم علم ببطلان أحد الوضوءين. (1) فقد تقدم منه قدس سره في الجبائر وجوب
مسح البشرة لو أمكن وتعذر الغسل، ولا يكتفى بمسح الجبيرة. (2) لعموم قاعدة عدم
الاعتناء بالشك بعد مضي محله، لما ذكرناه عند الكلام فيها من عمومها لصورة العلم
بصورة العمل. (3) علله قدس سره بعدم إحراز الفراغ البنائي، حيث تقدم منه في المسألة
التاسعة والسبعين أنه المعيار في الفراغ، الذي هو موضوع القاعدة. لكنه - لو تم
المعيار المذكور - غير مطرد، إذ قد يعلم المكلف بسبق الفراغ البنائي منه، كما لو
تجدد احتمال القطع بعد اليقين بالاكمال بنحو الشك الساري. فالعمدة في المقام عدم
إحراز الفراغ الحقيقي عن العمل الخارجي المأتي
( 42 )
[ مسألة 87: إذا شك بعد الوضوء في وجود الحاجب، أو علم بوجوده تبله ولكن شك
بعده في أنه أزاله أو وصل الماء تحته (1)، بنى على صحة وضوئه (2). وإذا علم بوجود
الحاجب وعلم زمان حدوثه، وشك في أن الوضوء كان قبل حدوثه أو بعده بنى على الصحة
(3). ] به بعنوان الوضوء، الذي تقدم أنه الشرط في جريان القاعدة فيه. ولعله إليه
يرجع ما في العروة الوثقى من أنه يعتبر في جريان القاعدة كونه بانيا على إكمال
العمل، وإلا فلو أربد به بناؤه على ذلك حين الشروع في العمل فهو حاصل في المقام،
وإن أريد استمراره على البناء المذكور في تمامه فهو عين المدعى. (1) هذا لا يناسب
فرض كونه حاجبا، بل يناسب الشك في حاجبية الموجود. نعم، لو كان المراد إيصال الماء
تحته بعناية كان من سنخ الشك في إزالة الحاجب، بل من أفراده. (2) لقاعدة عدم
الاعتناء بالشك بعد مضي محله، المقدمة على استصحاب بقاء الحاجب في فرض سبق العلم
بوجوده لو جرى في نفسه. على أنه غير جار، لعدم ترتب الاثر عليه إلا بلحاظ لازمه
الخارجي، وهو عدم وصول الماء للبشرة. نعم، بناء على اختصاص القاعدة بصورة الالتفات
لمنشأ الشك حين العمل، يتعين تقييد البناء على الصحة به في جميع فروض المسألة. إلا
أن يبنى على جربان أصالة عدم الحاجب في نفسها، فيتعين لاجلها البناء على الصحة مع
الشك في وجوده ولو مع عدم الالتفات، لكن تقدم في المسألة السادسة المنع من جريانها.
(3) للقاعدة المذكورة، واستصحاب عدم الوضوء إلى حين وجود
( 43 )
[ مسألة 88: إذا كانت أعضاء وضوئه أو بعضها نجسا، فتوضأ وشك بعده في أنه طهرها
أم لا، بنى على بقاء النجاسة (1)، فيجب غسله لما يأتي من الاعمال، وأما الوضوء
فمحكوم الصحة (2). وكذا لو كان الماء الذي توضأ منه نجسا، ثم شك بعد الوضوء في أنه
طهره قبله أم لا، فإنه يحكم بصحة وضوئه وبقاء الماء نجسا، فيجب عليه تطهير ما لاقاه
من ثوبه وبدنه (3). ] الحاجب - مع كونه من الاصل المثبت - لا يمنع من جريانها،
لتقدمها على الاستصحاب. (1) لاستصحابها. (2) لقاعدة عدم الاعتناء بالشك بعد مضي
محله، وهي لا تنافي البناء على بقاء النجاسة بلحاظ الاعمال اللاحقة، لما سبق في
المسألة السابعة والسبعين من أنها إنما تحرز المشكوك من الجهة التي يصدق المضي
بالاضافة إليها، لا مطلقا ومن جميع الجهات. والعلم الاجمالي بكذب أحد التعبدين لا
يمنع من جريانهما بعد عدم لزوم المخالفة العملية منهما، على ما حقق في محله من
الاصول. (3) لما تقدم. وأظهر من ذلك لزوم البناء على نجاسة الماء الباقي بعد
الوضوء، إذ غاية ما تحرزه القاعدة هو طهارة الماء الذي توضأ به، لانها الشرط في صحة
الوضوء، دون طهارة تمام الماء الذي توضأ منه. والتلازم بينهما لا ينفع، بناء على
التحقيق في القاعدة ونحوها من عدم حجيتها في لازم مؤداها.
( 44 )
ختام في كثير الشك: استثنى في جامع المقاصد ومحكي السرائر وشرح الدروس من وجوب
الاعتناء بالشك صورة كثرة الشك، وقربه في المدارك وحاشيتها والحدائق والمستند
والرياض ومحكي نهاية الاحكام والذكرى، ويظهر من كشف اللثام وغيره الميل إليه، وهو
المحكي عن جماعة من متأخري المتأخرين، بل في الجواهر: " لا أجد فيه خلافا ". وكأن
مراده عدم العثور على مصرح بالخلاف، كما عن اللوامع، وإلا فالخلاف مقتضى إطلاق
جماعة من القدماء والمتأخرين، حيث لم يستثنوا الصورة المذكورة من إطلاقهم وجوب
الاعتناء بالشك. ثم إن من تعرض لذلك وإن استثناه من وجوب الاعتناء بالشك في الوضوء
قبل الفراغ منه إلا أن مقتضى أدلتهم العموم لغيره من موارد الاعتناء بالشك في
الوضوء، كالشك فيه بعد اليقين بالحدث، ولذا جعلنا البحث في ذلك ختاما لمباحث الخلل
فيه، ولم نخصه بتلك المسألة. بل مقتضى الادلة المذكورة العموم لجميع موارد الاعتناه
بالشك ولو في غير الوضوء من الطهارة الحدئية والخبثية والصلاة وغيرها. فالذي ينبغي
أن يقال في تحرير محل الكلام: إنه لا إشكال ظاهرا - نصا وفتوى - في أن كثرة الشك
مانعة من الاعتناء به في أفعال الصلاة، وإنما الاشكال في عموم ذلك لغيرها من موارد
الاعتناء بالشك، كما هو مقتضى أدلة القائلين بذلك هنا، فيلزم النظر فيها، وهي
أمور.. الاول: دعوى انصراف أدلة أحكام الشك عن صورة كثرة الشك بالنحو الخارج عن
المتعارف.
( 45 )
وفيه.. أولا: أن ذلك إنما يتم في الاحكام المخالفة للقاعدة، كوجوب الاعتناء
بالشك بعد مضي محله قبل الفراغ من الوضوء، دون ماكان منها موافقا لها، كوجوب
الاعتناء بالشك قبل مضي محله، فانه مقتضى قاعدة الاشتغال العقلية، التي لا معنى
لدعوى الانصراف فيها. إلا أن يدعى قصورها عن الشك المذكور، لكنه ممنوع في غير
الوسواس. وثانيا: أن الانصراف عن غير المتعارف بدوي لا يعتد به في رفع اليد عن
الاطلاق، ولذا لا إشكال ظاهرا في عموم إطلاق أدلة عدم الاعتناء بالشك في سائر
موارده لصورة كثرة الشك. وأشكل من ذلك دعوى: أن الاعتناء بالشك لما كان موجها
لمخاطب خاص، فلا عموم له لصورة كثرة الشك، لعدم إحراز ابتلاء الشخص المذكور به.
لاندفاعها بأن الخطاب المذكور لم يرد في قصة خارجية خاصة، بل بلسان القضية الشرطية،
التي تعم صورة كثرة الشك. الثاني: لزوم العسر والحرج، فإنه يقتضي التنزل من
الموافقة القطعية للمرافقة الاحتمالية، بناء على ما هو الظاهر من إمكان اكتفاء
الشارع بالموافقة الاحتمالية مع بقاء التكليف، فيرتفع به موضوع قاعدة الاشتغال
العقلية، وأن رفع موضوعها لا ينحصر برفع التكليف المستلزم لجواز ترك الامتثال رأسا،
المعلوم عدمه في المقام، أو بالتعبد بالامتثال بمثل قاعدة الفراغ، الذي لا تنهض به
قاعدة نفي الحرج، لتمحضها في الرفع، وعدم نهوضها بتشريع الاحكام المانعة من لزوم
الحرج. وفيه: أن لزوم الحرج من الموافقة القطعية لكثير الشك غير مطرد، ولزومه نوعا
لا يكفي في جريانها، لظهور دليلها في الحرج الشخصي. مع أن اللازم الاقتصار في
التنزل عن الموافقة القطعية على المرتبة التي يلزم من الزيادة عليها الحرج، لا
إلغاه الشك مطلقا حتى بالاضافة للمرتبة التي لا يلزم منها الحرج، كما هو المقصود في
المقام.
( 46 )
الثالث: أنه لا يأمن دوام عروض الشك. وفيه - مع أن ذلك مختص بالشك الذي يستند
عرفا للشيطان -: أن المحذور المذكور ليس من الاهمية بنحو يحرز معه تنزل الشارع عن
الموافقة القطعية مع القطع به، فضلا عن احتماله وعدم الامن منه، ولا سيما مع أهمية
موضوع الشك كالصلاة. اللهم إلا أن يراد بذلك الاشارة لما تضمنته النصوص الآتية،
فيجري فيه ما يأتي فيها. الرابع: النصوص الواردة في الصلاة: كصحيح محمد بن مسلم عن
أبي جعفر عليه السلام: " قال: إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنه يوشك أن
يدعك، إنما هو من الشيطان " (1). وصحيح زرارة وأبي بصير: " قلنا له: الرجل يشك
كثيرا في صلاته، حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه، قال: يعيد، قلنا: فإنه يكثر
ذلك عليه كلما إعاد شك، قال: يمضي في شكه، ثم قال: لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض
الصلاة فتطمعوه، فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرن
نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك. قال زرارة: ثم قال: إنما يريد
الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم " (2). وخبر علي بن أبى حمزة عن رجل
صالح (العبد الصالح. فقيه) عليه السلام: " سألته عن الرجل يشك فلا يدري واحدة صلى
أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا، تلتبس عليه صلاته. قال: كل ذا؟ قلت: نعم. قال: فليمض
في صلاته، ويتعوذ بالله من الشيطان فإنه يوشك أن يذهب عنه " (3)، وغيرها. فإنها وإن
وردت في الصلاة إلا أنه قد يستدل بها في الوضوء، بناء على ما هو
____________
(1) الوسائل باب: 16 من أبواب الخل الواقع في الصلاة حديث: 1. (2) الوسائل باب: 16
من أبواب الخلل في الصلاة حديث: 2. (3) الوسائل باب: 16 من أبواب الخلل الواقع في
الصلاة حديت: 4.
( 47 )
الظاهر من عمومها للشروط - كما هو مقتضى إطلاق الاول، بل ذيل الثاني - أو
لاستفادة حكمه منها تبعا، بسبب ظهور شرطيته فيها وتبعيته لها عند المتشرعة. وفيه:
أن عمومها للشروط إنما هو بمعنى عدم قطع الصلاة لاجل الشك في الشرط في فرض الدخول
فيها لاعتقاد تحققه، فيكون المقام مستثنى مما تقدم في المسألة الثامنة والسبعين، لا
جواز الدخول فيها مع الشك فيه، فضلا عن الدخول في غيرها مما يشترط به. ومجرد شرطيته
في الصلاة وتبعيته لها، لا يقتضي استفادة حكمه من أدلتها تبعا، ولا سيما مع ثبوت
اختلافهما في بعض الاحكام، كجريان قاعدة التجاوز فيها دونه. نعم، قد أشير في
كلماتهم إلى الاستدلال بعموم التعليل فيها بأنه من الشيطان، وأنه بإهماله يوشك أن
يدعه، لظهوره في أن كثرة الشك من الشيطان وأنه يوشك أن يدعه بإهماله، وأنه يلزم
إهماله لاجل ذلك ولو في غير مورد النصوص، كالشك في أفعال الوضوء. بل لو تم لجرى في
جميع موارد كثرة الشك، كما ذكرنا. لكنه يشكل بأن المستفاد من النصوص أمران.. الاول.
أن كثرة الشك في الصلاة من الشيطان، وإليه يرجع التعليل بأنه يوشك أن يدعه بإهماله.
الثاني: أنه ينبغي إهمال الشك الذي هو من الشيطان، لئلا يطمع، لانه معتاد لماعود.
ومقتضى الثاني إهمال كل شك يكون من الشيطان. ولا إشكال في ذلك، كما هو مفاد صحيح
عبد الله بن سنان: " ذكرت لابي عبد الله عليه السلام رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة،
وقلت: هو رجل عاقل. فقال أبو عبد الله عليه السلام: وأي عقل له وهو يطيع الشيطان!
فقلت: وكيف يطيع الشيطان فقال:
( 48 )
سله هذا الذي يأتيه من أي شئ هو؟ فإنه يقول لك: من عمل الشيطان " (1). ولذا
أجمعوا ظاهرا على إهمال شك الوسواسي. وإنما الاشكال في أن كثرة الشك موجبة لاهماله
مطلقا ولو لم يحرز استناده للشيطان - كما هو محل الكلام - ولا تفي به النصوص
المذكورة. ومجرد ظهورها في كون كثرة الشك في الصلاة من الشيطان لا يستلزم كون كثرة
الشك في جميع الموارد منه، لامكان مزية للصلاة في ذلك، بلحاظ أهميتها الموجبة
لاهتمامه بإفسادها ونقضها، ولا سيما لو كان قطع الصلاة مرجوحا ذاتا حتى مع الشك،
وأن جوازه حينئذ للمزاحم. اللهم إلا أن يقال: لو كان لكثرة الشك سبب غير الشيطان
لجرى في الصلاة أيضا، فإن أهميتها وخصوصيتها لا تمنع من تحقق السبب المذكور فيها.
فما تضمنته النصوص من أن كثرة الشك فيها من الشيطان إن كان بنحو القضية الحقيقية دل
على ذلك في غيرها أيضا، وإن كان بنحو القضية الغالبية أو الادعائية، بلحاظ دخل
الشيطان في بعض مقدمات كثرة الشك، فتستند إليه ولو بالواسطة دل على كفاية ذلك في
إهمال الشك، ويجري في غير الصلاة بمقتضى عموم التعليل. نعم، لو كان إسناد كثرة الشك
للشيطان تعبديا ظاهريا أمكن اختصاصه بمورده، لكن ظاهر النصوص كونه حقيقيا حكاية عن
قضية واقعية لا خصوصية للمورد فيها. ولا سيما مع ما في موثق أبي بصير عن أبي عبد
الله عليه السلام: " قال: لا سهو على من أقر على نفسه بسهو " (2)، لقرب كون المراد
به الاقرار بسبب كثرة السهو، وإلا فكل ساه لا يرتب حكم السهو حتى يعلم من نفسه
بالسهو ويقربه عليها، ومقتضى إطلاقه رفع حكم السهو في جميع موارد كثرته.
____________
(1) الوسائل باب: 10 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 1. (2) الوسائل باب: 16 من
أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 8.
( 49 )
لكن في بلوغ ذلك حدا يصلح معه للاستدلال إشكال، لتوقف استفادة العموم من تلك
النصوص على إلغاء خصوصية الصلاة عرفا، بحيث تكون النصوص ظاهرة فيه، أو القطع بعدم
خصوصيتها، ليتعدى عنها بتنقيح المناط، والاول محتاج إلى لطف قريحة، والثاني حجة على
مدعيه. والموثق لا يخلو عن إجمال، لان المعنى المذكور وإن كان قريبا، إلا أنه لا
شاهد له من الكلام. فيشكل التعدي عن الصلاة، ولا سيما مع أن مقتضى ذلك التعدي لجميع
موارد كثرة الشك، ولا يظهر منهم البناء عليه، لعدم تصديهم لاستثنائه في غير أفعال
الصلاة والوضوء. نعم، لا ينبغي التأمل في عموم عدم الاعتناء بالشك الذي يحرز أنه من
الشيطان، والذي هو عبارة عن شك الوسواسي أو من مبادئه، لانه المتيقن من النصوص
المتقدمة ومنها صحيح ابن سنان. وإن كان قد ينافيه مرسل الواسطي عن أبي عبد الله
عليه السلام: " قلت: جعلت فداك، أغسل وجهي ثم يشككني الشيطان أني لم أغسل ذراعي
ويدي. قال: إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد " (1)، لظهوره في عدم إهمال الشك
الذي يكون من الشيطان مطلقا، بل لابد من الرجوع للامارة المذكورة على حصول المشكوك.
لكن ضعف سنده، وعدم ظهور الجابر له مانع من الاعتماد عليه. وقد حمل على التنبيه لما
يرفع الوسواس خارجا، بدعوى: أن وجدان برد الماء موجب لارتفاع الشك في غسل الذراع
وظهور كونه من سنخ الوسواس. وربما يحمل على التنبيه لما يظهر حال الثك من كونه من
الشيطان أو عدمه، إذ الشك مع وجدان برد الماء شيطاني غير طبيعي، ومع عدمه طبيعي غير
شيطاني، أو التنبيه لما يرفع الشك.
____________
(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 4.
( 50 )
كما ربما يحمل إسناد الشك في كلام السائل للشيطان على ابتنائه على أن الشيطان
سبب في كل شك، لاشغاله ذهن الانسان بما ينسيه حاله، لا على إرادة نوع الشك الخاص
المنسوب للشيطان عرفا، والذي هو مورد النصوص المتقدمة، ويكون التنبيه لوجدان برد
الماء منه عليه السلام لانه موجب لليقين بغسل اليد في فرض عدم غسلها لغير الوضوء،
كما هو المنصرف من الحديث، ولو فرض بقاء الشك معه كان من سنخ الوسواس الذي ينبغي
إهماله. ثم إنه بعد ما تقدم لا حاجة للكلام في معيار كثرة الشك وفروعها، بل يوكل
لمحله من مبحث خلل الصلاة، لانه مورد الحاجة لذلك. والله سبحانه وتعالى ولي العصمة
والسداد، وله الحمد على نعمائه، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وآله الطيبين
الطاهرين.
( 51 )
الفصل الخامس في نواقض الوضوء [ يحصل الحد ث (1) تأمور.. ] (1) مراده به الامر
المسبب عن النواقض المذكورة المرتفع بالوضوء، ولاجله صار الوضوء سببا للطهارة،
لوضوح أن الطهارة إنما تصدق بلحاظ ارتفاع نحو من القذر. وبهذا تكون الطهارة مقابلة
للحدث تقابل العدم والملكة، كما هو الحال في الطهارة من الحدث الاكبر ومن الخبث
بالاضافة إليهما، كما صرح به شيخنا الاعظم قدس سره. وأما ما في الجواهر من أن
التقابل بينهما تقابل التضاد، فمن لم يبتل بسبب كل منهما لا يحكم عليه باحدهما،
وعليه رتب الفرق العملي بين شرطية الطهارة ومانعية الحدث. فهو لا يناسب معنى
الطهارة عرفا، ولا قرينة على نقلها عن المعنى العرفي في المقام، وليس اختلات الشارع
والعرف فيها ناشئا عن اختلاف مفهومها، بل اختلات مصاديقها، لانها من المعاني
الاضافية، كما سبق في ذيل الد ليل الاول من أدلة مطهرية الماء المطلق. وهو لا ينافي
عدم الحكم بالطهارة على من لم يبتل بأسباب الحدث المعهودة، كما لعله مقتضى قولهم
عليهم السلام: " لا صلاة إلا بطهور " (1)، لامكان الحكم
____________
(1) راجع الوسائل باب: 1 من أبواب الوضوء.
( 52 )
[ الاول والثاني: خروج البول والغائط (1)، ] عليه بالحدث حين وجوده وإن لم يطرأ
سببه المعهود. ومن هنا كان الظاهر رجوع شرطية الطهارة لمانعية الحدث، كما ههو
المناسب لمرتكزات المتشرعة وعمل الفقهاء. ثم إن في كون الحدث حقائق متعددة بتعدد
الاسباب أو حقيقة واحدة مستندة لكل منها قابلة للتأكد، أو لا، كلام تقدم في مبحث
النية في ذيل الكلام في وجوب نية الرفع والاستباحة. هذا، وظاهر غير واحد من الاصحاب
إطلاق الحدث على نفس الاسباب، وهي النواقض المذكورة، ولعله الانسب بالمعنى
الاشتقاقي والاطلاق العرفي. بل هو الظاهر من صحيح إسحاق بن عبد الله الاشعري عن أبي
عبد الله عليه السلام: " قال: لا ينقض الوضوء إلا حدث، والنوم حدث " (1). وخبر
الكناني عنه عليه السلام: " سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة، فقال: إن كان لا
يحفظ حدثا منه إن كان، فعليه الوضوء وإعادة الصلاة. " (2). وفي المدارك أنه مشترك
لفظي بين المعنيين. والامر سهل. (1) بإجماع المسلمين، كما في التهذيب والمعتبر
والمدارك، وفي المنتهى أنه لا يعرف فيه خلافا بين أهل العلم، وعن غير واحد دعوى
الاجماع عليه. ويقتضيه - مضافا إلى ذلك، وإلى الكتاب المجيد في الغائط - النصوص
المستفيضة (3)، بل لعلها متواترة معنى. وظاهرهم - كالمتن - أنه يكفي خروجهما، ولا
يعتبر إخراجهما بالنحو الذي يصحح نسبتهما للمكلف، وبه صرح في الجواهر، وظاهر غيره
المفروغية عنه.
____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب الوضوء حديث: 4. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب الوضوء
حديث: 6. (3) راجع الوسائل باب: 1، 2 من أبواب نواقض الوضوه وغيرهما.
( 53 )
[ سواء أكان من الموضع المعتاد بالاصل (1)، ] ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق نسبة
الخروج للبول والغائط في النصوص - ما تضمن الانتقاض بخروج حب القرع متلطخا بالعذرة
(1)، وبخروج البلل المشتبه قبل الاستبراء (2)، وما ورد في المسلوس والمبطون (3).
وبه يخرج عما قد يوهمه التعبير بالحدث، بل قد يظهر من خبر الكناني المتقدم صدق
الحدث بذلك. كما أن ظاهرهم أن المراد من الخروج هو المتعارف المبني على التحرك عن
المخرج والانتقال منه، لا مجرد الظهور لانفراج المخرج أو بروزه للخارج لعارض، كما
قربه في جامع المقاصد والروض والمدارك وكشف اللثام والجواهر ومحكي الذكرى، ومال
إليه في الرياض، لانه الظاهر من الخروج في النص، ولا أقل من كونه المتيقن منه ومما
تضمن ناقضية البول والغائط، فيرجع في غيره لاستصحاب الطهارة. فما في المنتهى وعن
التحرير والتذكرة من الاشكال فيه، بل في المستند الجزم بالنقض، في غير محله. فتأمل.
(1) الظاهر أن المراد به الموضع الطبيعي لخروجهما في نوع الانسان، وهو القبل في
البول والدبر في الغائط. والظاهر أنه المراد من الموضع المعتاد في المعتبر والشرائع
والمنتهى والقواعد والارشاد والروضة، كما حمله عليه في جامع المقاصد والمسالك
والروض والمدارك، فذكر الاعتياد بلحاظ النوع، لا بلحاظ الشخص. وكيف كان، فتحقق
الحدث بما يخرج منهما مع فعلية الاعتياد للشخص هو
____________
(1) راجع الوسائل باب: 5 من أبواب نواقض الوضوء. (2) راجع الوسائل باب: 13 من أبواب
نواقض الوضوء. (3) راجع الوسائل باب: 19 من أبواب نواقض الوضوء.
( 54 )
المتيفن من النص والفتوى، ومع عدمه - كما في الخروج منهما في المرة الاولى، أو
لاعتياد الخروج من غيرهما لشذوذ خلقي - هو مقتضى إطلاق الانتقاض بخروج البول
والغائط في المقنع والمقنعة والناصريات والنهاية والمبسوط وإشارة السبق والغنية
والوسيلة واللمعة، أو بما يخرج من الطرفين في الهداية، بل هو مقتضى إطلاق الانتقاض
بخروجهما من الموضع المعتاد في كلام من عرفت، بناء على حمله على ما تقدم. وبه صرح
في المسالك والروض والرياض، ونفى الخلاف فيه في الحدائق، بل عن محكي شرح الدروس
دعوى الاجماع عليه. ويقتضيه إطلاق صحيح زرارة: " قلت لابي جعفر وأبي عبد الله
عليهما السلام: ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الاسفلين - من الذكر
والدبر - من الغائط والبول، أو مني، أو ريح، والنوم حتى يذهب العقل " (1)، ونحوه
غيره مما تضمن ناقضية ما يخرج من الطرفين وناقضية البول والغائط. والانصراف لصورة
الاعتياد في المخرج - لو تم - بدوي لا يعتد به في رفع اليد عن الاطلاق. لكن في
الجواهر: " لعل قوله في خبر أبي بصير: " إنما الوضوء من طرفيك اللذين أنعم بهما
عليك " (2)، يرشد إلى اعتياد الخروج "، وكأنه لان إنعامه تعالى بهما إنما هو بلحاظ
كونهما طريقين معدين لخروج البول والغائط، فمن لم يكونا له كذلك محروم من نعمتهما،
وإن كانا عنده وتحقق الخروج منهما على خلاف العادة، فلا يكون الخارج منهما خارجا من
الطرفين اللذين أنعم الله بهما عليه. وفيه - مع أنه لو تم كون الانعام بإعداد هما
للخروج لا بنفس الخروج منهما، فهو لا ينهض بإثبات اعتبار اعتياد الخروج منهما كي لا
يحصل الحدث بالخروج منهما في المرة الاولى، بل اعتبار إعدادهما للخروج، فلا يحصل مع
اعتياد عدم
____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2، ويأتي في تحقيق حكم الخارج من
غير السبيلين الكلام في متن الحديث. (2) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء
حديث: 5.
( 55 )
[ أم بالعارض (1)، أم كان من غيره، على الاحوط وجوبا. ] الخروج منهما لشذوذ
خلقي -: أن الظاهر كون ذكر الانعام فيهما لمحض الاشارة للجارحتين المخصوصتين، لا
لتوقف الحكم عليه، غايته أنه يكشف عن فرض الانعام بهما في حق المخاطب، فلا عموم
للحديث في حق غيره ممن لا يتحقق في حقه الانعام، فيرجع فيه لاطلاق بقية النصوص، ولا
يصلح الحديث لتقييدها. وإنما يتم ما ذكره لو كان بيان ذلك بلسان الشرط مثلا، كما لو
قيل: إنما الوضوء من طرفيك إن أنعم الله بهما عليك. هذا، وقد صرح في الشرائع
والمعتبر والمنتهى وغيرها بعموم الحكم لما إذا كان المخرج المعهود في غير موضه
الطبيعي، ونفى في الجواهر وجدان الخلاف فيه، بل في المنتهى والمدارك وعن التحرير
دعوى الاجماع عليه. ويقتضيه إطلاق النصوص المتقدمة، ولا ينافيه وصف الطرفين في
بعضها بالاسفلين، لظهوره في الاشارة للجارحتين المعهودتين من دون دخل له في الحكم،
نظير ما تقدم. على أن كونهما في غير موضهما الطبيعي قد يجتمع مع كونهما أسفلين. فما
في الحدائق من الاشكال فيه، حملا للاطلاق على المتعارف مع عدم حجية الاجماع، ضعيف.
(1) اختلنت كلمات الاصحاب (رضوان الله عليهم) في البول والغائط الخارجين من غير
السبيلين على أقوال.. الاول: النقض مطلقا، كما عن ابن إدريس والتذكرة، ويقتضيه
إطلاق الحكم بناقضية البول والغائط ممن تقدم، وقواه في الجواهر وطهارة شيخنا الاعظم
قدس سره. وقد استدل له بإطلاق الآية الشريفة، وبعض النصوص المتضمنة لناقضية البول
والغائط، كصحيح زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: لا يوجب الوضوء إلا من
( 56 )
غائط أو بول.. " (1)، مع حمل التقييد بالخروج من الطرفين في النصوص الاخر على
الغالب. وما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره من أن مراعاة الغلبة في المقيدات توجب
مراعاتها في المطلقات فتقصر عن غير الغالب - وهو الخارج من غير السبيلين - فلا دليل
على ناقضيته. كما ترى! لعدم التلازم بين الامرين، بل بينهما كمال التنافي، غاية
الامر أنه لابد من النظر في وجه حمل القيد على الغلبة مع أن الاصل فيه الاحتراز،
وهو أمر آخر يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وأما حمل الحصر على كونه بالاضافة
إلى ما يفتي العامة بناقضيته، كما هو الظاهر من صحيح أبى بصير أو موثقه عن أبي عبد
الله عليه السلام: " سألته عن الرعاف (القئ خ. ل)، والحجامة، وكل دم سائل، فقال:
ليس في هذا وضوء، إنما الوضوء من طرفيك اللذين أنعم الله بهما عليك " (2)، لا
بالاضافة إلى فاقد القيد المذكور. فهو لا يتم ما لم يحمل القيد على الغالب، لوضوح
أن الحصر بالمقيد في مقابلهم يقتضي الاختصاص به، لا العموم للمطلق، فلا وجه لجعله
وجها في مقابله، كما في الجواهر وغيره. - وأشكل منه ما أشار إليه من عدم حجية مفهوم
القيد، لاختصاص ذلك بما إذا لم يقع القيد في مقام التحديد - كما في صحيح زرارة
السابق - أو في حيز أدوات الحصر - كما في غير واحد من نصوص المقام - وإلا كان من
مفهوم التحديد والحصر، اللذين لا إشكال في حجيتهما. الثاني: التفصيل بين ما يخرج من
دون المعدة، فينقض، وما يخرج من فوقها، فلا ينقض، كما في المبسوط، والخلاف، وجواهر
القاضي، والمذكور فيها وإن كان هو التفصيل في البول والغائط معا، إلا أن دليله مختص
بالغائط، فقد
____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 2 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 5.
( 57 )
استدل على النقض في الاول بالاطلاقات المتقدمة، وعلى عدمه في الثاني بأن ما
يخرج مما فوق المعدة لا يسمى غائطا. ومنه يظهر أن هذا التفصيل لا ينافي القول
الاول، بل هو تفصيل في تحقق صغراه. وقد أستشكل فيه في المعتبر وغيره بأن المراد
بالغائط في المقام الفضلة الخاصة، وهي الثفل، ولا خصوصية للمخرج في صدقه، بل لو فرض
رجوعه إلى ما فوق المعدة وخروجه عن طريق الفم أو غيره لصدق عليه الغائط. وقد وجه
البهائي قدس سره في الحبل المتين المراد من التفصيل المذكور بما قد يدفع الاشكال
عنه، حيث حمله على التفصيل بين ما يخرج بعد انحدار الطعام من المعدة للامعاء وهضمها
له وما يخرج قبل ذلك، حيث لا يتضح صدق الغائط عليه حينئذ، بل هو يشبه القئ، فالمراد
مما يخرج دون المعدة الاول، ومما يخرج من فوقها الثاني. وما ذكره قدس سره وإن لم
يناسب مفاد كلام المفصلين، إلا أنه قريب، بلحاظ قرب كون المراد الخروج الانحداري،
لانه المنصرف، دون الرجوعي. نعم، قد يشكل صدق الغائط بمجرد هضم المعدة للطعام ودفعه
للامعاء، بل لا يبعد احتياجه لمقدار من المرور في الامعاء وامتصاصها منه في الجملة،
والمدار على الصدق العرفي، كما نبه له شيخنا الاستاذ قدس سره. الثالث: التفصيل بين
الاعتياد وعدمه، كما في الشرائع والقواعد، وعن الدروس والبيان. وقد يوجه - بناء على
الرجوع للمطلقات - بانصرافها عن غير المعتاد، وبناء على تقييدها بنصوص السبيلين
بدخوله في إطلاقها، لصيرورته مخرجا عرفا - كما في جامع المقاصد - أو بمساواته
للسبيلين، إما لكونه مما أنعم الله به - كما في المعتبر - أو لاستبعاد عدم الانتقاض
بما يخرج منه. لكن انصراف المطلقات عن غير المعتاد غير ظاهر، كما تقدم في صورة
( 58 )
الخروج من المخرج الطبيعي. على أن المنشأ للانصراف - لو تم - ليس هو الاعتياد،
بل الغلبة، وهو يقتضي قصور الاطلاق عن الخارج من غير السبيلين، ولو مع الاعتياد،
لكونه الفرد النادر من المطلق. نعم، لو كان الانصراف للتغوط والتبول، لم يبعد
كونهما منوطين بالاعتياد في غير السبيلين، إلا أنه تقدم عدم كونهما معيارا في
الناقضية. وشمول إطلاقات السبيلين له ممنوع جدا، لان الظاهر منهما خصوص القبل
والدبر، كما هو المصرح به في صحيح زرارة المتقدم، لاكل ما يصدق عليه المخرج. وكذا
صدق الانعام به، لظهور نسبة الانعام له تعالى في إرادة ما يكون بحسب أصل الخلقة، لا
بسبب طارئ مستند للعبد. مع أن الانعام قد أخذ في النص وصفا للطرفين المقصود بهما
خصوص السبيلين، وليس هو تمام الموضوع للحكم. مضافا إلى أن تحكيم النصوص المقيدة
للاطلاقات يقتضي العمل بأخصها، وهو ما تضمن التقييد بالذكر والدبر. فلاحظ. وأما
استبعاد عدم الانتقاض به، فهو لا يبلغ مرتبة الحجية في الممقام. الرابع: التفصيل
بين انسداد المخرج الطبيعي وعدمه، فينقض في الاول، ولو في المرة الاولى قبل تحقق
الاعتياد، دون الثاني، كما في الروضة والرياض، وعن الجعفرية. وقد استدل عليه بما
سبق من أنه يصير مخرجا منعما به، وغيره مما يظهر ضعفه بما تقدم. كما قد يستدل عليه
بالاجماع المدعى في المنتهى والمدارك. ويشكل بعدم ظهور كلامهما في دعوى الاجماع في
المقام، قال في المنتهى: " لو اتفق المخرج في غير المعتاد خلقة انتقضت الطهارة
بخروج الحدث
( 59 )
منه إجماعا، لانه مما أنعم به، وكذا لو انسد المعتاد وانفتح غيره "، والمتيقن
منه إلحاقه بما سبقه في الحكم - كما هو صريح المدارك - لا في الاجماع، مع عدم وضوح
حجية دعوى الاجماع المذكورة. وقد استدل بعض مشايخنا على عدم الانتقاض مع انفتاح
المخرجين وعدم اعتياد الخروج من غيرهما بنصوص التقييد بالسبيلين، كصحيح زرارة
المتقدم، وعلى الانتقاض مع انسدادهما بإطلاقات الانتقاض بخروج البول والغائط،
لاختصاص نصوص التقييد المذكورة بغير المورد، لان الخطاب في صحيحة زرارة شخصي قد وجه
إلى زرارة وكان سليم المخرج، والتعدي منه بالقطع بعدم خصوصية المورد إنما يصح لكل
من كان سليم المخرج، دون غيره ممن انسد مخرجه، بل المرجع فيه الاطلاقات. وفيه: أن
زرارة كما كان سليم المخرج لم يكن له طريق آخر يخرج منه الخبثان، فلو كان الخطاب
شخصيا لم يتجه التعدي منه لمن له الطريق الذي يخرج منه الخبثان باعتياد وبدونه،
لعدم القطع بعدم دخل الخصوصية المذكورة، وإن لم يكن شخصيا، لالغاء خصوصية المورد
عرفا - كما هو الظاهر، حيث يفهم منه بيان موضوع الحكم في حق كل أحد - كان صالحا
للاستدلال على التقييد في حق من انسد مخرجه أيضا. هذا، وقد اعتبر في المستند
الاعتياد في النقض مع الانسداد، وحكاه عن نهاية الاحكام. لكن في كشف اللثام: " قيل:
ولا شبهة في عدم اعتباره مع انسداد الطبيعي ". الخامس: التفصيل بالنقض مع انسداد
المخرج الطبيعي مطلقا ولو في المرة الاولى قبل تحقق الاعتياد، ومع عدمه بشرط
الاعتياد، وعدمه مع عدم الامرين من الانسداد والاعتياد، كما هو صريح المعتبر
والمنتهى وجامع المقاصد والروض، وظاهر المدارك وعن الدلائل ومجمع الفائدة، وظاهر
الحدائق أنه المشهور، وظاهر الرياض أنه الاشهر.
( 60 )
ويظهر وجهه مما تقدم في القولين السابقين. السادس: عدم الانتقاض مطلقا، كما مال
إليه في الحدائق، وهو مقتضى الجمود على ما تقدم من الصدوق في الهداية من الاقتصار
على ما يخرج من الطرفين. بل قد يظهر من الاقتصار على ما يخرج من المعتاد في النافع
والارشاد، بناء على ما تقدم من ظهوره في المعتاد النوعي، إذ لو أربد به الاعتياد
الشخصي لزم عدم ناقضية ما يخرج من الموضع الطبيعي من دون اعتياد. ويستدل له بقصور
الاطلاقات عنه، إما لانصرافها للفرد المتعارف، أو لتقييدها بنصوص الخروج من
السبيلين، الذي هو العمدة في المقام، لما تقدم غير مرة من عدم التعويل على مثل هذه
الانصرافات. هذا ما عثرنا عليه من أقوال الاصحاب، وقد ظهر مما سبق ضعف التفصيلات
الاربعة في المقام، فلابد من النظر في القول الاول والاخير بالنقض مطلقا وعدمه
كذلك. ومدار الكلام فيهما على أن نصوص السبيلين واردة مورد الغالب، أو مقيدة
للاطلاقات. وقد أصر غير واحد على الاول، وقربه شيخنا الاعظم قدس سره بأن الصلة ليست
مناطا للحكم، لان الموصول ليس للعموم، للزوم تخصيص الاكثر، فإن كثيرا مما يخرج من
الطرفين ليس ناقضا، بل المراد به المعهود، وهو البول والغائط والريح، فتكون الصلة
معرفة لذلك المعهود ومفسرة له، بلحاظ غلبة اتصافه بها، من دون دخل لها في الحكم.
واستشهد لذلك سيدنا المصنف قدس سره بما في صحيح زرارة من عطف البول بالواو، وعطف
المني والريح بأو، مع خروجها باجمعها من السبيلين، حيث لا نكتة لذلك إلا كون البول
والغائط تفسيرا للموصول، لارادة العهد به، وما بعدهما معطوفا عليه، ولو كانا قيدا
للموصول - لدخل عنوانه في موضوع الحكم - لشاركهما ما بعدهما في ذلك، وناسب العطف
بوجه واحد.
( 61 )
ويشكل: بأن ظاهر الكلام كون الصلة مناطا للحكم، ولزوم تخصيص الاكثر بالنحو
المستهجن ممنوع، لان الفرد الشائع الكثير الوقوع المأنوس به الذهن هو الامور
الثلاثة المذكورة، فلا يستهجن عدم إرادة غيرها وإن كان أكثر عددا منها، ولاسيما مع
قرب ورود التخصيص بالسبيلين لدفع توهم ناقضية مثل القئ والرعاف، كما تقدم في حديث
أبي بصير، فيضعف إطلاق عقد الايجاب فيه. وأما صحيح زرارة، فما تقدم فيه مبني على
روايته بالوجه المذكور، كما في الوسائل، وهو مخالف لما في الكافي والتهذيب والفقيه
والحدائق والوافي من عطف البول على الغائط ب " أو " مع تنكيرهما، كما هو المناسب
لعطف النوم بالواو مع تعريفه، حيث يكون هو المعطوف على الموصول وما قبله من تتمة
صلته. بل حمل الموصول على الاشارة لخصوص البول والغائط دون الريح بعيد جدا غير
مناسب لبقية النصوص المقتصر فيها على ذكر ما يخرج من الطرفين، حيث لم تتعرض للريح،
فلولا دخوله فيما يخرج من الطرفين لكان المناسب التعرض له، كما تعرض له ما تضمن
البول والغائط بعنوانيهما. فلا مجال للاستشهاد بالصحيح على معرفية الصلة وعدم دخلها
في موضوع الحكم. فلم يبق إلا استبعاد دخلها في الحكم، لدعوى أن المناسبات
الارتكازية تقتضي بأن المدار على نفس الخبثين من دون خصوصية للمخرج، ولا سيما مع
بعد عدم الانتقاض بالخارج من المعتاد غير السبيلين، خصوصا مع انسدادهما، لبعد
انحصار الناقض للشخص المذكور بالنوم. بل يظهر من غير واحد المفروغية عن الانتقاض
حينئذ. فإن ذلك بمجموعه لو لم يكن قرينة على صرف القيد للغالب، فلا أقل من كونه
موجبا لاجماله، فيلزم الرجوع لاطلاق ما تضمن ناقضية البول والغائط مما تقدم في حجة
القول الاول. لكن في بلوغ ذلك حدا صالحا للخروج عن ظهور القيد في الاحتراز إشكال.
( 62 )
والمناسبات الارتكازية غير ظاهرة في مثل هذه الامور التعبدية المحضة. ولا سيما
مع صعوبة الالتزام بذلك في الريح، لعدم صدق عنوانه المذكور في النصوص مع خروجه من
غير المخرج الطبيعي غالبا، كما يأتي إن شاء الله تعالى. واستبعاد انحصار الناقض
بالنوم في حق الشخص المذكور غير بالغ مرتبة الحجية بنفسه، ولا صالح للقرينية على
الكلام عرفا، بنحو يوجب التوقف عن ظهوره الاولي. نعم، لو فرض ثبوت النقض في حق
الشخص المذكور بإجماع أو نحوه، لم يبعد التعدي عنه لجميع موارد الخروج من غير
السبيلين، ولو مع عدم الاعتياد، لقرب كشفه عرفا عن عدم دخل المخرج في الناقضية، وأن
ذكره لمحض الغلبة، لما هو المرتكز عرفا حينئذ من اشتراك الكل في سبب واحد، وهو
البول والغائط. وبعبارة أخرى: لا يبعد كون إلغاء خصوصية السبيلين حينئذ مطلقا أقرب
عرفا من قصر خصوصيتهما على غير الشخص المذكور. لكن لا طريق لاثبات النقض في حق
الشخص المذكور، لما تقدم في القول الرابع من عدم ثبوت الاجماع، فلا مخرج عن ظهور
القيد في الاحتراز، كما لا تصل النوبة لدعوى الاجمال الملزم بالرجوع لاطلاق أدلة
ناقضية البول والغائط. على أنه لم يتضح تمامية الاطلاق للادلة المذكورة، وإن جرينا
على ذلك في عرض حجة القول الاول. أما الآية الشريفة، فلان المجئ من الغائط فيها
كناية عن قضاء الحاجة بالتخلي بالنحو المعهود، فالتعميم لمطلق خروج الغائط من
الموضع الطبيعي ولو مع عدم صدق التخلي - فضلا عن خروجه من غيره - مبني على إلغاء
الخصوصية عرفا، أو القطع بعدمها، وهما في محل المنع، وليس استفادة العموم لكل ما
يخرج من الموضع الطبيعي وإن لم يصدق التخلي إلا بضميمة الادلة الأخر العامة أو
الخاصة التي تقدم التعرض لها في أول الفصل.
( 63 )
وأما النصوص المتضمنة للبول والغائط بعنوانيهما، فلوضوح أن نسبة النقض للعين -
بعد تعذر حمله على استناده لمحض وجودها، للقطع بعدم ناقضيتهما قبل خروجهما - ينصرف
لخصوص المتعلق الظاهر المعهود لها، والمتيقن منه الخروج بالنحو الطبيعي المعهود
الذي يكون بالتخلي، كما تقدم في الآية. وما ذكره شيخنا الاعظم قدس سره من أن الظاهر
في مثل ذلك الخروج من دون خصوصية للمخرج، لم يتضح بنحو معتد به، بل يبعد جدا فهم
بعض أفراده من الاطلاق. وليس هذا من باب انصراف المطلق بسبب الغلبة - الذي تكرر منا
منعه - بل هو راجع إلى منع الغلبة من انعقاد الاطلاق، وخروج الفرد غير المعهود عن
المتيقن منه. هذا، وقد يستدل للتعميم بما في العلل وعيون الاخبار، بسند لا يخلو عن
اعتبار، عن الرضا عليه السلام: " إنما وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة ومن
النوم دون سائر الاشياء، لان الطرفين هما طريق. النجاسة، وليس للانسان طريق يصيبه
النجاسة من نفسه إلا منهما، فأمروا بالطهارة عندما تصيبهم تلك النجاسة من أنفسهم "
(1)، بدعوى: أن مقتضى عموم التعليل لكل طريق في البدن تصيبه النجاسة منه. وهو كما
ترى! لظهور أن مثل هذه التعليلات ليست موضوعا للحكم بنحو يدور مدارها وجودا وعدما،
بل هي من سنخ الحكمة غير المطردة ولا المنعكسة. كيف. والتعليل المذكور لا يناسب
ناقضية الريح؟! بل مقتضاه عدم ناقضية البول والغائط لو لم يستلزم خروجهما نجاسة
البدن، وناقضية خروج الدم من مثل البواسير ونحوها مما يخرج من طريق في البدن.
____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7.
( 64 )
وقد تحصل من جميع ما تقدم: أن الأدلة لا تنهض بالتعدي إلى ما يخرج من غير
الموضع الطبيعي. غاية ما في الامر استبعاد عدم الانتقاض مع تعود الخروج منه، ولا
سيما مع انحصار الطريق به لانسداد الموضع الطبيعي، كاستبعاد التعميم لمطلق الخروج
منه ولو نادرا بسبب طعنة أو نحوها.. وجعل المدار على التعود أو الانحصار للا تنهض
به الادلة، كجعل المدار على ما يصدق معه عرفا قضاء الحاجة من تبول أو تغوط، بل هو
لا يناسب ما تضمن ناقضية خروج الحب ملطخا بالعذرة ونحوه مما تقدم في أول الفصل.
وكأن هذا الاستبعاد هو الذي أوجب هذه التفصيلات التي عرفت عدم نهوض الادلة بها.
فالظاهر أن ذلك فرد مسكوت عنه غير منظور إليه في إطلاق الادلة وفتاوى قدماء
الاصحاب، لعدم شيوع الابتلاء به، كما هو الحال في كثير من الفروع في أبواب الفقه،
لى إلا فمن البعيد فهم حكمه من هذه البيانات بنحو يستغنى عن التنبيه عليه لو كان
موردا للابتلاء، فلم يبق إلا الاحتياط في الفتوى والعمل، فإنه أسلم عاقبة. والله
سبحانه وتعالى العالم العاصم. ومنه نستمد العون والتوفيق. ثم إنه لو بني على النقض،
فالمعيار هو الخروج عن حد البدن، فلو وضعت في المثانة - مثلا - أنبوبة (صوندة)
لخروج البول ولها من طرفها الخارج سداد، كفى في النقض خروجه عن حد البدن وإن بقي في
الانبوبة ولم يخرج عن السداد، فلو استمر خروجه لها يلحقه حكهم السلس وإن انحبس
بالسداد. نعم، لو رجع من الانبوبة للداخل ثم خرج لم يتحقق به النقض، لان المنصرف من
دليل النقض هو الخروج الاول المتعقب لتكون الخبث في البدن، دون الخروج المتعقب
لدخول الخبث من الخارج، فلا يكون ناقضا حتى لو خرج من المخرج الطبيعي. فلاحظ.
( 65 )
[ والبلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء بحكم البول ظاهرا (1). الثالث: خروج
الريح من الدبر (2)، ] (1) كما تقدم في الفصل الرابع من مبحث أحكام الخلوة. (2)
بإجماع المسلمين، كما في التهذيب والمعتبر والمدارك، وفي المنتهى أنه لا يعرف فيه
خلافا بين أهل العلم، وعن غير واحد دعوى الاجماع عليه. ويقتضيه النصوص (1)
المستفيضة، بل لعلها متواترة معنى. وقد تقدم ومقتضى إطلاقها - ككلام الاصحاب - عدم
اعتبار الاعتياد في الخروج من الدبر، كما تقدم في البول والغائط، خلافا لما قد يظهر
من المراسم، حيث قال: " والريح الخارجة من الدبر على وجه معتاد ". إلا أن يكون
الاعتياد في كلامه وصفا للريح لبيان نوعها، لا قيدا في ناقضيتها، فيوافق ما في
المتن. كما أن مقتضى إطلاق معاقد الاجماعات وأكثر النصوص عدم اعتبار سماع الصوت أو
ظهور الريح في النقض. نعم، في صحيح زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: لا
يوجب الوضوء إلا من غائط، أو بول، أو ضرطة تسمع صوتها، أو فسوة تجد ريحها " (2)،
وفي موثق سماعة: " سألته عما ينقض الوضوء، فقال: الحدث تسمع صوته، أو تجد ريحه.. "
(3)، ونحوهما غيرهما. وبمضمون الموثق عبر في المقنع. وفي المدارك: " ومقتضى الرواية
أن الريح لا يكون ناقضا إلا مع أحد الوصفين ".
____________
(1) راجع الوسائل باب: 1، 2، 3 من أبواب نواقض الوضوء. (2) الوسائل باب: 1 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 2. (3) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4.
( 66 )
[ أو من غيره، إذا كان من شأ نه أن يخرج من الدبر (1)، ] وقد حمل غير واحد
النصوص المذكورة على صورة الشك، كما هو المناسب لما في صحيح معاوية بن عمار: " قال
أبو عبد الله عليه السلام: إن الشيطان ينفخ في دبر الانسان حتى يخيل إليه أنه قد
خرج منه ريح، فلا ينقض الوضوء إلا ريح تسمعها أو تجد ريحها " (1). وفي صحيح عبد
الرحمن: " أنه قال للصادق عليه السلام: أجد الريح في بطني حتى أظن أنها قد خرجت.
فقال: ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت أو تجد الريح، ثم قال: إن إبليس يجلس بين إليتي
الرجل فيحدث ليشككه " (2). لظهورهما في ناقضية الريح بنفسها، ولذا يكون تخيلها سببا
للشك في الانتقاض، وليس اعتبار أحد الوصفين إلا لليقين بخروجها، بل هو صريح خبر علي
ابن جعفر عن أخيه عليه السلام: " وسألته عن رجل يكون في الصلاة فيعلم أن ريحا قد
خرجت، فلا يجد ريحها ولا يسمع صوتها. قال: يعيد الوضوء والصلاة، ولا يعتد بشئ مما
صلى إذا علم ذلك يقينا " (3). ومن ثم كان ظامر الاصحاب المفروغية عن عدم اعتبارهما
في الناقضية واقعا، لعدم تنبيههم عليه، بل في الرياض أنه لا ريب فيه. ولذا لم يبعد
حمل ما تقدم من المقنع على صورة الشك، ولا سيما مع إطلاقه ناقضية الريح في صدر
كلامه. كما أنه احتمل في الجواهر عدم إرادة الخلاف مما سبق من المدارك. (1) ظاهر
غير واحد من الاصحاب أن الكلام هنا هو الكلام فيما سبق، حيث حرروا الكلام في
الاحداث الثلاثة.
____________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3. (2) الوسائل باب: 1 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 5. (3) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9.
( 67 )
[ ولا عبرة بما يخرج من القبل (1) ولو مع الاعتياد. ] نعم، اقتصر في المبسوط
والخلاف وجواهر القاضي ومحكي السرائر والتذكرة والمختلف في فرض الخروج من غير
السبيلين على الغائط والبول، وهو مقتضى ما تقدم من المراسم من تقييد الريح بالخارجة
من الدبر، وما عن السرائر من أن الريح غير الخارجة من الدبر على وجه متيقن -
كالخارجة من فرج المرأة أو مسام البدن - ليست ناقضة، وإن أمكن تنزيله على ما ليس من
شأنه الخروج من الدبر، كما تقدم في كلام المراسم. ولعله لذا قال في محكي شرح
المفاتيح: " ادعى المعتبرون للاعتياد الاجماع على أن الجشأ لا ينقض. وما ندري ما
يقولون في الجشأ المنتن إذا اعتيد خروج الغائط من الفم مع أنسداد المخرج الطبيعي ".
وكيف كان، فقد أشرنا إلى أن العمدة في التعميم حمل التقييد بالسبيلين على الغالب،
وأنه لا يخلو عن إشكال. وهو في المقام أشكل، لان صحيح زرارة المتقدم قد تضمن عنوان
الضرطة والفسوة، وصدقهما يختص بالخروج من السبيلين، وحمله على ما من شأنه أن يسمى
بهما محتاج إلى قرينة. واستبعاد عدم الانتقاض مع الاعتياد أو الانحصار هنا أضعف منه
هناك بالنظر للمزتكزات. وكأن مراد سيدنا المصنف قدس سره من إطلاق الحكم هنا الجري
فيه على ما سبق من الاحتياط في الفتوى، وإلا فالجزم هنا بعموم النقض لا يناسب
التوقف فيه هناك جدا بعد ما ذكرنا. (1) كما في المنتهى وجامع المقاصد والروض
والمدارك، وعن الشهيد والذخيرة والسرائر، وهو مقتضى ما تقدم من المراسم، لعدم صدق
العنوانين المذكورين في صحيح زرارة المتقدم عليه. ولاجله ضعف ما في المعتبر وعن
التذكرة وشرح الموجز من أن الريح
( 68 )
[ الرابع: النوم (1) ] الخارج من قبل المرأة ينقض لان له منفذا للجوف، وزاد
عليه في محكي التذكرة ريبح الادر، المفسر بذي الفتق، بل عن بعضهم إطلاق ناقضية ما
يخرج من الذكر. إذ لا دليل عليه إلا إطلاق ما تضمن ناقضية الريح وما خرج من
السبيلين، الذي لو لم ينصرف لخصوص ما يخرج من الدبر - كما يناسبه ما تضمن تشكيك
الشيطان - لوجب الخروج عنه بالصحيح المذكور. (1) كما هو المعروف بين الاصحاب المدعى
عليه الاجماع في الانتصار، والناصريات، والخلاف، وكشف اللثام، ومحكي السرائر،
والتذكرة، وشرح الموجز، ونسبه في المعتبر والمنتهى إلى علمائنا، وفي محكي الكفاية
إلى الاصحاب، وعده الصدوق في أماليه من دين الامامية، وادعى في التهذيب إجماع
المسلمين عليه. وفي الجواهر: " الاخبار به متواترة، كالاجماعات المنقولة البالغة
إلى حد يمكن دعوى تحصيل الاجماع من نقلتها ". ولاجله لابد أن يحصل حصر الصدوق في
المقنع والهداية النواقض في الثلاثة المتقدمة على كونه بالاضافة إلى غيرها مما يقول
به العامة لا بالاضافة إلى ما يعم النوم، كما يناسبه اقتصاره فيما نص على عدم
ناقضيته على القئ والقلس والحجامة والمذي والوذي ونحوها، إذ لو كان يرى عدم ناقضية
النوم لكان أولى من غيره بأن ينبه عليه، بسبب معروفية ناقضيته بين الامامية، ولا
سيما مع نصريحه في المقنع بأن من استيقظ من نومه فلا بأس بأن يدخل يده في الماء قبل
أن يغسلها، إلا أن يكون قد بال، فإن ذلك مما تعرضت له - في الجملة - النصوص (1)
والفتاوى في الوضوء بنحو يظهر منه المفروغية عن ناقضية النوم، وكذا تصريحه في
الفقيه بناقضية النوم.
____________
(1) راجع الوسائل باب: 27 و 28 من أبواب الوضوء، وهي قد تضمت الحكم على خلاف ما في
المقنع.
( 69 )
وعلى ذلك أيضا يحمل ما عن رسالة والده من عدم عذ النوم من النواقض، ومن ثم نبه
في كشف اللثام على عدم قدح ذلك في الاجماع، كما ذكر أن خلافه لو تم لا يقدح فيه.
وكيف كان، فيقتضيه - مضافا إلى ذلك - الكتاب المجبد، بناء على أن المراد من القيام
إلى الصلاة فيه هو القيام من النوم، كما ادعى إجماع المفسرين عليه في الانتصار،
والناصريات، والمنتهى، ومحكي التبيان، ونسبه لهم في الخلاف. ويشهد به موثق ابن
بكير: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة) ما يعني
بذلك؟ قال: إذا قمتم من النوم. قلت: ينقض النوم الوضوء؟ فقال: نعم، إذا كان يغلب
على السمع ولا يسمع الصوت " (1). مضافا إلى النصوص (2) المستفيضة أو المتواترة معنى
المتضمنة لناقضيته، وقد تقدم ويأتي بعضها. وأما الحصر في غير واحد من النصوص
بالثلاثة المتقدمة، فهو بالاضافة إلى بقية ما يخرج من السبيلين وغيرهما مما يخرج من
الانسان، كما تشير إليه بعضها، ويقتضيه الجمع بينها وبين نصوص المقام. ثم إن ظاهر
النصوص والفتاوى ناقضية النوم بنفسه، في قبال بقية النواقض، بل هو كالصريح منها،
ومن ثم جزم به بعضهم. وفي الحدائق أنه قد يفهم من بعض كلماتهم كون ناقضيته باعتبار
احتمال حصول الناقض حينه. وربما يستشهد له برواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد
الله عليه السلام: " سألته عن الرجل يخفق في الصلاة. فقال: إن كان لا يحفظ حدثا منه
إن كان فعليه الوضوء وإعادة الصلاة، وإن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا
إعادة " (3).
____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7. (2) راجع الوسائل باب: 1، 2، 3،
4 من أبواب نواقض الوضوء. (3) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 6.
( 70 )
وما في العلل والعيون - بسند لا يخلو عن اعتبار - عن الرضا عليه السلام: " قال:
وأما النوم، فإن النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شئ منه واسترخى فكان أغلب
الاشياء عليه فيما يخرج منه الريح، فوجب عليه الوضوء لهذه العلة " (1). لكن ظاهر
الثاني أن العلة هو التعرض للحدث مع النوم، وهو أمر أدركه الشارع ملاكا أو حكمة
للحكم بناقضية النوم بنفسه واقعا مطلقا، وليست العلة هي احتمال الحدث بنحو يكون هو
الموضوع للنقض الظاهري، ويناط تشخيصه بالمكلف، كي لا يحكم بالنقض مع اليقين بعدم
الحدث. وأما الاول، فظاهر ذيله وإن كان هو ناقضية الحدث الذي قد يصاحب النوم - لا
النوم بنفسه - إلا أن ظاهر صدره كون موضوع النالقضية واقعا هو كون المكلفط بحيث لا
يحفظ الحدث لو كان، وإن لم يكن حدث أصلا. وتنزيل الصدر على الذيل وإن كان هو الاظهر
من الحديث، بجعل ناقضية الحالة المذكورة ظاهرية، بلحاظ استلزامها الشك في مصاحبة
الحدث لها، إلا أنه قد يتعين - بلحاظ بقية نصوص المقام - تنزيل الذيل على الصدر،
بحمل اليقين في الذيل على إرادة الالتفات حين الخفق، المستلزم لعدم تحقق النوم، في
مقابل ما فرض في الصدر من فقد القرة الماسكة، المستلزم لفقد الالتفات، فيكون الحديث
واردا لتحديد النوم الناقض، لان مفروض السؤال هو الخفق الذي هو أعم منه، لا لبيان
عدم ناقضية النوم بنفسه في فرض وجوده. وإلا فلا مجال للخروج به عن نصوص المقام
الكثيرة الظاهرة أو الصريحة في ناقضية النوم بنفسه كسائر النواقض، خصوصا صحيح إسحاق
بن عبد الله الاشعري عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: لا ينقض الوضوء إلا حدث،
والنوم حدث " (2).
____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 13. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 4.
( 71 )
[ الغالب على العقل (1)، ويعرف بغلبته على السمع والبصر. ] (1) كما في المقنعة،
والتهذيب، والمراسم وعن غيرها، وإليه يرجع ما في الناصريات من أنه الغالب على العقل
والتمييز، وما في الغنية وعن جمل السيد من أنه ما يفقد معه التحصيل. بل الظاهر أنه
يرجع إليه ما في الروض والروضة والمسالك وعن الببان من أنه الغالب على مطلق
الاحساس، وحدد بما يغلب على السمع والبصر في المبسوط والنهاية والخلاف والوسيلة
والمعتبر والشرائع والنافع والمنتهى والارشاد واللمعة، ونسب للاكثر. والظاهر رجوعه
للاول مع كون منشأ الاختلاف بينهما اختلاف عبارات النصوص، أو نظر من ذكر الاول
لحقيقة النوم، ومن ذكر الثاني لطريق معرفته، كما جرى عليه في المتن، وهو المستفاد
من مجموع النصوص، بعد النظر في مفهوم النوم عرفا. وتوضيح ذلك: أن النصوص وإن اختلفت
في بيان النوم الناقض، وأنه ما ذهب بالعقل - كما في صحيح عبد الله بن المغيرة ومحمد
بن عبد الله (1) - أو خالط القلب - كما في حديث الاربعمائة (2) - أو ما غلب على
السمع - كما في صحيح معمر بن خلاد (3) وموثق بكير المتقدم (4) - أوما غلب عليه وعلى
البصر - كما في مرسل سعد (5) - أو ما غلب عليهما وعلى العقل - كما في صحيح زرارة
(6) - إلا أن الاقرب عرفا في الجمع بينها تلازم الامور المذكورة خارجا وعدم الفرق
بينها
____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 1 من أبواب
نواقض الوضوء، حديث: 6. (3) الوسائل باب: 4 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (4)
الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7. (5) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض
الوضوء حديث: 8. (6) الوسائل باب: 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1.
( 72 )
عملا، لما فيه من المحافظة على ظهور كل منها في كفاية تحقق موضوعه في صدق النوم
الناقض، وإنما يحتاج لتقييد بعض الادلة ببعض ورفع اليد عن الظهور المذكور مع العلم
بعدم تلازم موضوعاتها. ويناسب ما ذكرنا قوله عليه السلام في صحيح زرارة المتقدم: "
والنوم حتى يذهب العقل. وكل النوم يكره إلا أن تكون تسمع الصوت " (1)، لعدم ظهوره
في تقييد إحدى الفقرتين بالاخرى، ولا يصح التحديد في مقام العمل بحدين إلا مع
تطابقهما موردا. وحينئذ، فحيث كان النوم عرفا حالة مقابلة للالتفات، ويلزمها عدم
قيام الحواس بوظائفها، كان ذلك قرينة على حمل ما تضمن التحديد بذهاب العقل على
الاشارة لحقيقته، وحمل ما تضمن التحديد بتعطل الحاستين على بيان لازمه الخارجي الذي
يصلح لان يكون علامة له. كما أن المستفاد من النصوص المعتبرة سندا هو كفاية كل من
ذهاب العقل وذهاب السمع - الذي عرفت رجوعه إليه لتلازمهما - دون ذهاب البصر، بل لا
حاجة لضمه لذهاب السمع - وإن تضمنه المرسل وكلام الاصحاب - بل من القريب كونه أعم
منه، كما قد يستفاد من قوله عليه السلام في صحيح زرارة: " قد تنام العين ولا ينام
القلب والأذن، فإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء " (2)، لان التنبيه فيه
على نوم العين مع عدم نوم القلب والاذن، دون العكس مشعر أو ظاهر في ذلك. ولعل الجمع
بينهما في المرسل وكلام من عرفت للتنبيه لما أشير إليه في الصحيح من عدم الاكتفاء
بنوم العين، لا لبيان عدم الاكتفاء بذهاب السمع أيضا. ولعله لاجل ما ذكرنا كان ظاهر
الاصحاب عدم الفرق عملا بين التحديدين المذكورين في كلماتهم، وإلا لزم إهمال كلتا
الطائفتين لنصوص الطائفة الأخرى بلا
____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 1 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 1.
( 73 )
وجه، ولذا لم ينبه أكثرهم على الخلاف من هذه الجهة، بل وقع كل من التحديدين في
معاقد بعض الاجماعات السابقة، حتى أنه أدعي الاجماع على كل منهما من شخص واحد، فقد
ادعى الشيخ قدس سره الاجماع في التهذيب على الاول، وفي الخلاف على الثاني. بل هو
كالصريح من المحقق في المعتبر، حيث جعل الموضوع في صدر كلامه النوم الغالب على
الحاستين، ثم ذكر في بعض الفروع أن نقض النوم مشروط بذهاب العقل. وأما ما ذكره
المحقق والشهيد الثانيان ونسب لجمع من الاصحاب من أن ذكرهم إبطال السمع والبصر
لانهما أعم الحواس إدراكا، فإذا بطل إحساسهما فقد بطل إحساس غيرهما، ولذا ذكر
الشهيد الثاني أن المدار على إبطال الاحساس مطلقا، فهو لا يخلو عن خفاء، ولذا
تنظرفيه في المدارك. إلا أن يرجع إلى ما ذكرنا من أن المعيار الغلبة على العقل
المستلزم لبطلان الحاستين. ثم إن المراد بذهاب العقل هو ذهاب الادراك بالوجه
المعهود الذى تبتني عليه المسؤولية بنظر العقلاء، لا مطلق الادراك، وإلا فهو قد
يصاحب النوم. كما أن المراد بإبطال الحاستين، هو إبطالهما بالوجه المصاحب للاحساس
المذكور، الذي عبر عنه في الناصريات بالتمييز، وفي الغنية بالتحصيل، إذ قد لا يوجب
النوم تعطيلهما مطلقا، بل يتأثر النائم بهما تأثرا يشبه الغريزى، ولا يبتني على
التحصيل بالوجه المعهود. هذا، وظاهر النصوص المتقدمة تقييد ناقضية النوم باحد
الامور المذكورة، مع كونه أعم منها موردا، إلا أنه يتعين حملها على تحديد نفس
النوم، مع كونه ناقضا مطلقا، وأنه عبارة عن المرتبة التامة، وأن ما نقص عنها من
مبادئه، لا منه حقيقة، لعدم صدقه عرفا عليه، وللنصوص الظاهرة في أن مسمى النوم
ناقض. ولا سيما صحيح زيد الشحام: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخفقة
( 74 )
[ من غير فرق بين أن يكون قائما وقاعدا ومضطجعا (1). والخفقتين. فقال: ما أدري
ما الخفقة والخفقتين، إن الله تعالى يقول: (بل الانسان على نفسه بصيرة)، إن عليا
عليه السلام كان يقول: من وجد طعم النوم فقد وجب عليه الوضوء " (1). وقريب منه صحيح
ابن الحجاج الآتي. (1) كما هو معقد الاجماع المتقدم من الانتصار والناصريات
والمنتهى ومحكي شرح الموجز، وعن الاكثر التصريح به. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق نصوص
ناقضيته وعموم بعضها - صحيح عبد الرحمن بن الحجاج، المطابق لصحيح زيد الشحام
المتقدم، إلا أنه حكي فيه عن علي عليه السلام أنه كان يقول: " من وجد طعم النوم
قائما أو قاعدا، فقد وجب عليه الوضوء، (2). ودعوى: معارضته بصحيح زيد لعدم تضمنه
الزيادة المذكورة، ولا سيما مع قرب اتحادهما، لان الذي روي صحيح زيد عنه هو عبد
الرحمن بن الحجاج، فليس في المقام إلا صحيح واحد مضطرب السند والمتن. مدفوعة: بأن
الاختلاف بالزيادة إنما يوجب التعارض إذا كانت موجبة لتبدل المعنى، دون ما إذا
أوجبت زيادته أو توضيحه - كما في المقام - لامكان كون عدم اشتمال أحد النقلين عليها
لعدم تعلق الغرض بها. واتحادهما - مع مخالفته للاصل، لعد م كون القرينة المذكورة
قطعية - لا يضر مع صحة كلا السندين. ومثله في ذلك صحيح عبد الحميد بن عواض عن أبي
عبد الله عليه السلام: " سمعته يقول: من نام وهو راكع أو ساجد أو ماش، على أي
الحالات،
____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 8. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 9.
( 75 )
فعليه الوضوء " (1). وربما ينسب للصدوق الخلاف في عموم ناقضية النوم، لانه أورد
في الفقيه موثق سماعة: " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخفق رأسه وهو
في الصلاة قائما أو راكعا. قال: ليس عليه وضوء " (2)، وقال: " وسئل موسى بن جعفر
عليهما السلام عن الرجل يرقد وهو قاعد هل عليه وضوء؟ فقال: لا وضوء عليه مادام
قاعدا إن لم ينفرج " (3). لما ذكره في أول الكتاب من أنه لا يودع فيه إلاما يفتي به
ويكون حجة بينه وبين ربه. وما عن غير واحد من عدوله عن ذلك، غير ظاهر المأخذ.
واشتمال الكتاب على بعض النصوص المعلوم عدم حجيتها - كما ما يرويه عن العامة - لعله
لاجل التأييد بها، أو لاشتمالها على السنن. ولا ينافي فتواه بمضمون الخبرين ذكره
لبعض مطلقات ناقضية النوم في صدر كلامه، لقرب إرادة تقييدها بهما. وكيف كان، فلا
مجال للتعويل على الخبرين.. أما الموثق، فهو وإن اعتضد بخبر الكاهلي: " سألت العبد
الصالح عن الرجل يخفق وهو جالس في الصلاة، قال: لا بأس بالخفقة ما لم يضع جبهته عن
الارض أو يعتمد على شئ " (4). إلا أن الخفق لا يلازم النوم، كما يظهر من صحيحي ابن
الحجاج وزيد الشحام وخبر الكناني المتقدمة، - فإنه: تحريك الرأس عند النعاس، كما في
مجمع البحرين، والقاموس، وغيرهما. على أن خصوصية الصلاة في عدم انتقاض الوضوء ملغية
عرفا، لبعد دخلها
____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 12. (3) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 11. (4)
مستدرك الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5.
( 76 )
جدا، ولاسيما مع ما في بعض النصوص من عدم الترخيص به للصلاة (1)، وغاية ما
يستفاد منه خصوصية القيام والركوع، فيعارض بصحيح ابن الحجاج وخبر عبد الحميد
المتقدمين. وأما المرسل، فهو وإن اعتضد بخبر بكر الحضرمي: " سألت أبا عبد الله عليه
السلام هل ينام الرجل وهو جالس؟ فقال: كان أبي يقول: إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع
فليس عليه وضوء، وإذا نام مضطجعا فعليه الوضوء " (2). إلا أنهما - مع ضعف سندهما
وظهور إعراض الاصحاب عنهما - معارضان بصحيحي ابن الحجاج وعبد الحميد المتقدمين،
وصحيح معمر الآتي الوارد فيمن أغفى وهو قاعد (3)، وصحيح عبد الله بن المغيرة ومحمد
بن عبد الله الوارد في نوم الرجل على دابته (4). فلابد من رفع اليد عنهما،
لمخالفتهما لعمومات ناقضية النوم، وموافقتهما لبعض العامة، الملزمة بحملهما على
التقية، أو يحملان على غلبة كون الاجتماع وعدم الانفراج مستلزما لاحتمال عدم تحقق
النوم - كما حمله عليه الشيخ، ولعله مراد الصدوق - فلا ينافي عموم وجوب الوضوء لو
علم بتحققه ولو مع عدم الانفراج. ومثلهما رواية عمران بن حمران: " أنه سمع عبدا
صالحا عليه السلام يقول: من نام وهو جالس لا يتعمد النوم فلا وضوء عليه، (5). لوضوح
أنه لا مجال لحمل النصوص المتضمنة نقض النوم حال الجلوس على خصوص صورة التعمد،
لغلبة عدم تعمده حينه، فيتعين تقديم تلك النصوص عليها، ولا سيما مع ضعف سندها وظهور
إعراض الاصحاب عن مضمونها.
____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 10. (2) الوسائل باب: 3 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 15. (3) الوسائل باب: 4 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (4)
الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (5) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض
الوضوء حديث: 14.
( 77 )
وأما صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام: " في الرجل هل ينتض
وضوؤه إذا نام وهو جالس؟ قال: إن كان يوم الجمعة في المسجد فلا وضوء عليه، وذلك أنه
في حال ضرورة " (1)، فلا مجال للتعويل عليه، بعد ظهور إعراض الاصحاب عنه. مع أن
التعليل فيه بالضرورة لا يناسب عدم انتقاض وضوئه، بل عدم تكليفه بالوضوء. ومن
القريب أن يكون تطبيق الضرورة عليه بلحاظ منع الزحام له من الخروج مع رجحان صلاة
الجمعة ولو ببعض مراتبها، المناسب لتشرح التيمم، كما تضمنه موثق السكوني عن جعفر عن
أبيه عن علي عليهم السلام: " أنه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم
عرفة، فاحدث أو ذكر أنه على غير وضوء ولا يستطيع الخروج عن المسجد من كثرة الناس.
قال: يتيمم ويصلي معهم، ويعيد إذا انصرف " (2)، ونحوه موثق سماعة (3)، المحمو لان
على الاستحباب، ومن ثم حمله الشيخ على ذلك. وأما حمله على إجزاء الصلاة للتقية -
كما عن المنتقى - لما ذكره بعض مشايخنا من أن الخروج وترك صلاة الجمعة معهم رأسا من
دون بيان العذر مخالف للتقية بعد وجوبها عندهم، كما أن بيان العذر مخالف للتقية
أيضا، لان مذهب كثير منهم عدم الانتقاض بالنوم بالوجه المذكور، فهو كما لو توضأ
بالمسح على الخفين. فيشكل بعدم التنبيه في الصحيح على التقية بالوجه المذكور.
والضرورة أعم منها. كما لا دليل من غيره على الاجزاء حينئذ، لان المتيقن من دليل
الاجزاء في التقية هو الاتيان بالعمل على طبق مذهيهم، لا تركه رأسا، كما تقدم في
محله. ومن الظاهر أن الصلاة بدون وضوء ليس مذهبا لهم، والخلاف في انتقاض الوضوء ليس
خلافا في كيفية أدائه بل في وجوده وعدمه.
____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب نواتض الوضوء حديث: 16. (2) الوسائل باب: 15 من أبواب
التيمم حديث: 1. (3) الوسائل باب: 15 من أبواب التيمم حديث: 2.
( 78 )
[ ومثله كل ما غلب على العقل (1) ] كما أنه لم يفرض في مورد الصحيح التفاتهم
لجهة الخلاف ومتابعتهم فيما يقولون، لعدم فرض تنبيههم على تحقق النوم بالوجه
المذكور. ولا سيما مع امكان الاعتذار بحدث آخر مجمع على ناقضيته - كالريح - فلو فرض
تحقق موضوع التقية في المقام فهو في الصلاة معهم من دون وضوء، لمحذور في بيان عدمه،
وهو لا يقتضي الاسجزاء، كما تقدم. (1) كما هو المعروف بينهم، على اختلاف عباراتهم،
حيث جعل بعضهم العنوان المذكور في قبال النوم، وجعل آخر النوم من صغرياته، واستغنى
ثالث بذكره عن النوم، وعطف رابع على النوم بعض أفراده، كالمرض المانع عن الذكر،
والسكر والاغماء والجنون. إلى غير ذلك مما يستفاد منه عدم اختصاص الناقضية بالنوم
وعمومها لكل ما غلب العقل. وعن الكفابة نسبته للاصحاب، وفي المدارك وعن الدلائل
دعوى الاجماع عليه، وعن الخصال أنه من دين الامامية، وفي التهذيب دعوى إجماع
المسلمين عليه، وفي المنتهى: " لا نعرف فيه خلافا بين أهل العلم "، وفي البحار: "
أكثر الاصحاب نقلوا الاجماع على كونها ناقضة ". وقد استدل عليه الشيخ وغيره بصحيح
معمر بن خلاد: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع،
والوضوء يشتد عليه وهو قاعد مستند بالوسائد، فربما أغفى وهو قاعد على تلك الحال.
قال: يتوضأ. قلت له: إن الوضوء يشتد عليه لحال علته، فقال: إذا خفي عليه الصوت فقد
وجب عليه الوضوء " (1)، بدعوى: أن مقتضى إطلاق الذيل فيه وجوب الوضوء بكل ما يخفى
معه الصوت. وفيه - كما أشار إليه غير واحد -: أنه ظاهر في تحديد الاغفاء الناقض
الذي
____________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1.
( 79 )
هو النوم. ولا ظهور له في عموم الانتقاض مع خفاء الصوت ولو مع النوم - إما
لناقضيته بنفسه أو لملازمته لما هو الناقض - كي يدعى أن المورد لا يخصص الوارد،
لعدم الابتداء ببيان ناقضيته، بل سيق لتأكيد ناقضية الاغفاء وتحديده. وأضعف منه ما
عن بعض متأخري المتأخرين من حمل الاغفاء فيه على الاغماء، لظهور " ربما " في
التكثير، لانه الاكثر فيها - كما في مغني اللبيب - بل عن الشيخ الرضي أنه صار لها
كالمعنى الحقيقي، والتقليل كالمعنى المجازي المحتاج للقرينة، والذي يكثر في حال
المرض هو الاغماء لا النوم. وأما الاشكال في الاستدلال المذكور بأنه لا يطرد في
السكر والجنون، لعدم خفاء الصوت فيهما. فهو مندفع، بأن المراد بخفاء الصوت ليس هو
خفاءه رأسا، كيف وهو لا يخفى حتى في النوم، بل خفاؤه بالوجه المصاحب للاحساس المبني
على المسؤولية بنظر العقلاء، الذي عبر عنه في كلماتهم بالتحصيل والتمييز - كما تقدم
في النوم - وهو حاصل فيهما ببعض مراتبهما، الذي هو المتيقن من كلماتهم في المقام،
بقرينة سياقيه مساق النوم فيها. على أنه إذا تم ناقضية بعض أفراد فقد العقل أمكن
التعدي لغيره بعدم الفصل. فتأمل. ونظير الاستدلال المذكور في الضعف، الاستدلال بما
تضمن تعليق ناقضية النوم بذهاب العقل، بدعوي: أنه يدل على مناط الحكم. لاندفاعه:
بأنه ظاهر في تحديد النوم الناقض بما يذهب العقل، لا في عموم ناقضية ما يذهبه. وكذا
الاستدلال بعموم التعليل في خبر العلل والعيون المتقدم في أول الكلام في ناقضية
النوم. لاندفاعه: بأنه لا ظهور له في التعليل بما هو موضوع الحكم، بل في حكمة
تشريعه، ولذا لا يظن من أحد البناء على عمرم الحكم لما يوجب الاسترخاء بنحو
( 80 )
لا يحفظ من الريح مع بقاء العقل، على أنه لم يتضح ملازمة ذهاب العقل للاسترخاء
بالوجه المذكور. ومنه يظهر ضعف ما ذكره غير واحد من أنه إذا وجب الوضوء مع النوم
الذي يجوز معه الحدث فمع الاغماء والسكر أولى. إذ لو اريد الاولوية القطعية بلحاظ
فهم علة الحكم، فهي - مع توقفها على أولوية مورد التعدي من النوم في احتمال الحدث -
موقوفة على كون علة ناقضية النوم مجرد احتمال الحدث، وهو ممنوع، فإنه لو كانت
ناقضية النوم طريقية لاجل احتمال الحدث - وغض النظر مما تقدم من منع ذلك - فهي
لخصوصية في النوم، لا للانتقاض بمجرد ذلك الاحتمال، كي يتعدى عن النوم، إذ لاربب في
عدم الانتقاض به مع بقاء العقل. وأشكل من ذلك ما لو اريد الاولوية العرفية الموجبة
لظهور الكلام في العموم، الذي هو المعيار في مفهوم الموافقة - كما يظهر مما في
المعتبر من الاستدلال بالمفهوم لا بالقياس - لانها موقوفة على كون العلة المشتركة
من الظهور بحيث تكون من القرائن المحيطة بالكلام الموجبة لظهوره في التعدي المورد
الاولوية. ونحو ذلك ما عن الاسترابادي من الاستدلال بتنقيح المناط. نعم، في خبر
الدعائم عن الصادق عليه السلام: " إن المرء إذا توضأ صلى بوضوئه ذلك ما شاء من
الصلوات ما لم يحدث، أو ينم، أو يجامع، أو يغمى (يغم. ظ) عليه " (1). لكنه - مع
اختصاصه بالاغماء - ضعيف السند غير منجبر بعمل الاصحاب، لعدم اعتمادهم عليه في
الحكم المذكور، حيث لم يتعرضوا له، ومجرد موافقته الهم لا يكفي في انجباره. فلم ييق
في المقام إلا الاجماع الذي صرح غير واحد من المتأخرين بأنه
____________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب نواقض الوضوء، حديث: 1
( 81 )
العمدة في المقام، لاستفاضة نقله. بل قال الفقيه الهمداني: " قلما يوجد في
الاحكام الشرعية مورد يمكن استكشاف قول الامام عليه السلام أو وجود دليل معتبر من
اتفاق الاصحاب مثل المقام، كما أنه قلما يمكن الاطلاع على الاجماع لكثرة ناقليه
واعتضاد نقلهم بعدم الخلاف كما فيما نحن فيه. فاتفاق كلمة الاصحاب هو العمدة في
المقام ". لكن في بلوغ دعوى الاجماع حدا يصلح لاثبات الحكم المذكور إشكال، إذ لا
أهمية لنقله في كلمات المتأخرين - كصاحب المدارك - لما هو المعلوم من تعسر اطلاعهم
عليه من طريق الحس، بل تعذره، ولا وثوق بحدسهم بعد خلو عبارات بعض الاصحاب عنه، بل
ظهور حصرهم الناقض فيما عداه في الخلاف، كما هو الظاهر من حال أهل الاخبار الذين
يظهر منهم الفتوى بمضمونها، ومنهم الطبقة الاولى المتصلة بعصور المعصومين عليهم
السلام، الذين لم يتعودوا الفتارى، حيث ذكروا في المقام النصوص المتضمنة للحصر
المذكور. ومن هنا لزم حمل نسبة الحكم للاصحاب في الكفاية على شيوعه بين أهل الفتوى
منهم، لا الاجماع المصطلح. كما لا مجال للتعويل على ما تقدم من المنتهى، حيث يتعين
حمله على عدم العثور على مصرح بالخلاف، وهو أعم من الاجماع. وما تقدم من البحار من
نسبة دعوى الاجماع إلى أكثر الاصحاب وإن كان يزيد على دعوى الاستفاضة - كما ذكره
شيخنا الاعظم قدس سره - إلا أنه يوثق - بل يعلم - بعدم إرادة ظاهره، لقلة المدعين
للاجماع منهم - كما سبق - واطلاعه على دعاوى كثيرة قد خفيت على غيره مقطوع بعدمه،
كيف وظاهر آخر كلامه التشكيك في حصول الاجماع، حيث قال: " فالعمدة الاجماع إن ثبت
". وما تقدم عن الخصال لم نتحققه، حيث لم يعهد من الصدوق فيه التعرض لشرح دين
الامامية، وإنما تعرض لذلك في الامالي، ومن المعلوم بسبر ما ذكره إرادته في كثير
منه ما هو من دينهم بنظره الشريف، لا ما هو المجمع عليه بينهم.
( 82 )
[ من جنون أو إغماء أو سكر (1) أو غير ذلك. ] على أنه صرح فيه بانحصار النواقض
بما يخرج من الطرفين والنوم إذا ذهب بالعقل. فلم يبق إلا دعوى إجماع المسلمين من
الشيخ في التهذيب، وهي وإن لم تخل عن الاهمية، ولا سيما مع اعتضادها بجري من تأخر
عنه عليها، إلا أن في كشفها عن تسالم قدماء الاصحاب على الحكم بنحو يكشف عن رأي
المعصومين عليهم السلام إشكال، لقرب ابتنائها على ملاحظة كلام المدونين للفتاوى
كالمفيد والمرتضى وابن الجنيد، مع استنادهم - كالمتأخرين - لما سبق من الاستدلالات.
وما ذكره الفقيه الهمداني من أن تلك الاستدلالات لتطبيق الدليل على المدعى - مع
استغنائه عنه لوضوحه - لا لاستفادة المدعى من تلك الادلة، بحيث لو لاها لافتوا
بخلافه، غير ظاهر، بل لا يناسبه كلام بعضهم. ولا مجال مع ذلك لاحراز موافقة الطبقة
الاولى من الاصحاب الذين عرفت ظهور حالهم في متابعة النصوص الظاهرة في الحصر بما
يخرج من الطرفين والنوم، لقوة ظهورها في خصوصية النوم وعدم كون ذكره لانه من أفراد
العنوان المذكور، وإلا كان المناسب التنبيه فيها له أو لبقية أفراده وعدم إغفال
ذلك، لانه مورد الحاجة. ومن هنا لا مجال للوثوق بالحكم، فضلا عن القطع به. ولذا كان
ظاهر الوسائل والحدائق، بل البحار التوقف في الحكم، وبه يشعر ما في المفاتيح وعن
الكفاية. فلاحظ. (1) فإن هذه الامور قد ذكرت في كلمات بعضهم بالخصوص، والظاهر أن
المراد منها ما يكون بمرتبة يخرج به الانسان عن المسؤولية بالنحو المعهود عند
العقلاء، وإن بقي الادراك ببعض مراتبه معها، كما تقدم في النوم. وما دون ذلك من
مراتبها خارج عن المتيقن من كلماتهم، بل يشكل صدق عناوينها عليه، فيتعين البناء على
عدم ناقضيته، كما هو الحال في غيرها من أفراد
( 83 )
[ الخامس:، الاستحاضة، على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى (1). ] العنوان
المذكور في المتن. (1) في الفصل الثالث من مباحث الاغسال. هذا، وقد صرح جملة من
الاصحاب بانتقاض الوضوء بطروء أحد أسباب الغسل، والظاهر أنه ليس موردا للاشكال
بينهم، وإنما أهمله بعضهم هنا لانه بصدد بيان ما يوجب الوضوء وحده، والاتكال في
غيره على ما يذكر في الاغسال. وإنما الاشكال في أن إجزاء الغسل عن الوضوء في
الجميع، أو يختص بالجنابة. فالاشكال في إيجابها للوضوء، لا في ناقضيتها له. وليس
مرجع النزاع. في إجزاء الغسل عن الوضوء فيها إلى النزاع في توقف ارتفاع الحدث
الاكبر المسبب عنها على الوضوء، مع عدم إيجابها الحدث الاصغر. ولذا لا يختص إجزاء
غسلها عن الوضوء - على القول به - بما إذا لم يصاحبه سبب الحدث الاصغر. ولا إلى
النزاع في رافعية غسلها للحدث الاصغر لو تحقق سببه من دون أن تكون هي مسببة له.
ولذا لا يختص عدم إجزاء غسلها عن الوضوء - على القول به - بما إذا صاحبه سبب الحدث
الاصغر. وكيف كان، فيقتضيه في الجنابة: ما تقدم في صحيح زرارة (1) من جعل المني من
جملة نواقض الوضوء، وفي الجميع: ما يظهر من نصوص كل من إجزاء الغسل عن الوضوء وعدمه
من المفروغية عن تحقق موضوع الوضوء. وكذا ما تضمن مشروعية الوضوء للجنب والحائض
بلحاظ بعض الغايات، مع ما هو المرتكز عند المتشرعة من أن موضرع الوضوء هو الحدث
الاصغر لا الاكبر.
____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2.
( 84 )
[ مسألة 89: إذا شك في طروء أحد النواقض بنى على العدم (1)، وكذا إذا شك في أن
الخارج بول أو مذي (2)، فإنه يبني على عدم كونه بولا (3)، إلا أن يكون قبل
الاستبراء، فيحكم بأنه بول (4)، فإن كان متوضئا انتقض وضوؤه. مسألة 90: إذا خرج ماء
الاحتقان ولم يكن معه شئ من الغائط، لم ينتقض الوضوه (5)، ] وقد تقدم في مبحث تداخل
الاغسال عند الكلام في الاجتزاء بالغسل عن الوضوء مع وجود الجنابة ما له نفع في
المقام. (1) لاستصحاب عدمه، المستغنى به عن استصحاب الطهارة، الذي تقدم جريانه، في
المسألة الخامسة والسبعين في أوائل أحكام الخلل. (2) وكذا لو تردد بين البول وغير
المذي، أو بين الغائط وغيره من الدود ونحوه مما ليس بناقض. (3) هذا مبني على
استصحاب العدم الازلي، الذي كل يشكل في خصوص المقام بأن البولية ليست من طوارئ
الوجود عرفا، بل من الامور الذاتية، فلا يقين بسلبها عن المشكوك حتى بلحاظ حال ما
قبل وجوده. فالاولى التمسك باستصحاب عدم خروج البول، لانه يكفي في البناء على عدم
انتقاض الطهارة وإن لم يحرز حال الخارج، ولو غض النظر عنه أمكن الرجوع لاستصحاب
الطهارة بناء على ما هو التحقيق من جريان الاستصحاب مع الشك في رافعية الموجود.
وأما الخارج فيتعين الرجوع فيه لاصالة الطهارة، بعدما ذكرنا من عدم جريان استصحاب
عدم كونه بولا. (4) كما تقدم في الفصل الرابع من مبحث أحكام الخلوة. (5) فقد صرحوا
بأن الخارج من السبيلين غير البول والغائط والريح والمني
( 85 )
[ وكذا لو شك في خروج شئ من الغائط معه (1). مسألة 91: لا ينتقض الوضوء بخروج
المذي (2)، ] - كالدود والحص والحقنة وغيرها - لا ينقض الوضوء، وقد ادعى الاجماع
على ذلك في الخلاف والغنية وظاهر المنتهى وعن الدلائل. ويقتضيه النصوص الكثيرة
المتضمنة حصر النواقض مما يخرج من السبيلين بالامور المذكورة المتقدم بعضها، وخصوص
النصوص الواردة في ذلك، كموثق عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: " سئل عن الرجل
يكون في صلاته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع؟ قال: إن كان خرج نظيفا من العذرة فليس
عليه شئ ولم ينقض وضوءه، وإن خرج متلطخا بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء " (1)، وغيره
من النصوص الكثيرة. وأما ما رواه الشيخ عن فضيل عنه عليه السلام: " قال في الرجل
يخرج منه مثل حب القرع. قال: عليه الوضوء ". فلا مجال للتعويل عليه بعد رواية
الكليني له هكذا: " ليس عليه وضوء ". ومن ذلك يظهر ضعف ما عن ابن الجنيد من نقض
الحقنة إذا خرجت، ويأتي الكلام في بعض صغريات ذلك إن شاء الله تعالى، منا ومن
المتن. (1) لاستصحاب عدم خروجه المستغنى به عن استصحاب الطهارة، نظير ما تقدم في
المسألة السابقة. (2) كما هو المعروف بين الاصحاب (رضي الله عنهم) المدعى عليه
الاجماع في الخلات والغنية والمنتهى وعن التذكرة ونهاية الاحكام. ويقتضيه - مضافا
إلى أخبار الحصر المشار إليها في المسألة السابقة - النصوص الكثيرة النافية
لناقضيته بالخصوص، التي ذكر منها في الوسائل ما يزيد على خمس عشرة رواية كثير منها
معتبر السند:
____________
(1) الوسائل باب: 5 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5.
( 86 )
منها: صحيح بريد: " سألت أحدهما عليهما السلام عن المذي. فقال: لا ينقض الوضوء
ولا يغسل منه ثوب ولا جسد، إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق " (1). خلافا لما عن ابن
الجنيد من النقض به إذا كان بشهوة. وعن بعض المتأخرين الاستدلال له بأنه مقتضى
الجمع بين النصوص المذكورة وما تضمن عموم ناقضيته، كصحيح ابن بزيع: " سألت الرضا
عليه السلام عن المذي فأمرني بالوضوء منه، ثم أعدت عليه في سنة أخرى فأمرني بالوضوء
منه، وقال: إن عليا عليه السلام أمر المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم
واستحيى أن يسأله، فقال: فيه الوضوء " (2)، وصحيح يعقوب بن يقطين: " سألت أبا الحسن
عليه السلام عن الرجل يمذي وهو في الصلاة من شهوة أو من غير شهوة. قال: المذي منه
الوضوء، (3)، وما تضمن التفصيل المذكور، كصحيح علي بن يقطين: " سألت أبا الحسن عليه
السلام عن المذي أينقض الوضوء؟ قال: إن كان من شهوة نقض " (4). ومثله صحيح الكاهلي
(5) وخبر أبي بصير (6). وفيه: أنه لا مجال لذلك بعد ظهور إعراض الاصحاب عن هذه
النصوص، ولاسيما مع كثرة الابتلاء بهذه المسألة، حيث يمتنع عادة خفاء حكمها عليهم.
ومجرد موافقة ابن الجنيد لها - في الجملة - لا يمنع من وهنها بذلك. وأما ما ذكره
الشيخ في التهذيب بعد ذكره لصحيح ابن بزيع من أنه لو صح لكان محمولا على المذي الذي
يخرج عن شهوة ويخرج عن المعهود من كثرته، فليس هو خلافا منه في المقام، ولا عملا
منه بالخبر المذكور، لعدم جزمه بصحته، بل سبق منه أنه خبر ضعيف شاذ، بل اعتباره
الكثرة خروج عن مفاد النصوص المذكورة.
____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 12 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 17. (3) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 16. (4)
الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 11. (5) الوسائل باب: 12 من أبواب
نواقض الوضو، حدبث: 12. (6) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 10.
( 87 )
على أنه لا مجال للجمع المذكور مع إباء بعض نصوص الناقضية عن الاختصاص بصورة
الخروج بشهوة، كصحيح يعقوب بن يقطين المتقدم، وصراحة بعض نصوص عدم الناقضية في صورة
الخروج بشهوة، كصحيح عمر بن يزيد: " اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة ولبست أثوابي
وتطيبت فمرت بي وصيفة ففخذت لها فأمذيت أنا وأمنت هي، فدخلني من ذلك ضيق، فسألت أبا
عبد الله عليه السلام عن ذلك، فقال: ليس عليك وضوء ولا عليها غسل " (1)، وصحيح ابن
أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عنه عليه السلام: " قال: ليس في المذي من الشهوة
ولا من الانعاظ ولا من القبلة ولا من مس الفرج ولا من المضاجعة وضوء.. " (2). ولا
يقدح الارسال من ابن أبي عمير، كما تقدم غير مرة، ولا سيما مع ظهور الارسال عن غير
واحد في اشتهار الحديث. بل يظهر مما يأتي أن الغالب خروج المذي عن شهوة، فلا مجال
لحمل النصوص الكثيرة المتضمنة لعدم ناقضيته على خصوص صورة عدم الشهوة. فلابد من
إهمال نصوص الناقضية المطلقة والمقيدة، إما لما تقدم من سقوطها عن الحجية بإعراض
الاصحاب، أو لترجيح نصوص عدم الناقضية عليها بأنها أشهر رواية، وموافقة لعمومات
الحصر المشار إليها، ومخالفة لمذهب العامة المدعى عليه إجماعهم. وأما ما ذكره بعض
مشايخنا من ترجيحها بموافقة الكتاب، لان مقتضى إطلاق الآية الكريمة جواز الدخول في
الصلاة بعد الوضوء والغسل وإن خرج المذي، فهو لا يخلو عن إشكال، إذ الظاهر ورود
الآية لبيان إيجاب النوم والجنابة للوضوء والغسل، لا لبيان أمد بقائهما وعدم
انتقاضهما بغيرهما، لينفغ فيما نحن فيه. نعم، قد تحصل نصوص الناقضية على الاستحباب
إما مطلقا، كما حكاه في
____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 13. (2) الوسائل باب: 9 من أبواب
نواقض الوضوء، حديث: 2.
( 88 )
[ أو الودي (1)، ] الحدائق عن جملة من متأخري المتأخرين، لما تضمنه صحيح ابن
بزيع بطريق آخر صحيح أيضا من قوله: " قلت: وإن لم أتوضأ؟ قال: لا بأس (1)، أو إذا
كان عن شهوة، كما احتمله في الاستبصار، جمعا بين ذلك ونصوص التفصيل. لكن قد يشكل
الحمل على الاستحباب باختلاف النصوص فهي جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم
للمقداد، ففي صحيح إسحاق بن عمار أنه قال: " ليس بشئ " (2). بل ذكر الشيخ أن ذلك هو
المعروف من هذه القصة، ولا سيما مع إباء لسان بعض نصوص عدم الناقضية عن استحباب
الوضوء، لشدة التأكيد فيها على عدم الحاجة للوضوء بتشبيهه بالبزاق ونحوه. فإن ذلك
موجب للريب في نصوص الناقضية ومقرب لحملها على التقية جدا. وكيف كان، فلا ينبغي
التأمل في عدم وجوب الوضوء به، وليس هو موردا للشك وحسن الاحتياط، كما يظهر من
الحدائق، بل في المدارك بعد تقريب عدم الناقضية: " والاحتياط هنا مما لا ينبغي
تركه، لان المسألة موضع تردد ". (1) كما نص عليه غير واحد، وادعي الاجماع عليه في
الحدائق، والخلاف على إحدى النسختين. ويقتضيه - مضافا إلى ما تقدم في المسألة
السابقة من الاجماع ونصوص الحصر - صحيح زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد
الله عليه السلام: " قال: إن سال من ذكرك شئ، من مذي أو ودي وأنت في الصلاة فلا
تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء وإن بلغ عقبيك، فإنما ذلك بمنزلة
النخامة، وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل والبواسير وليس بشئ، فلا تغسله
من
____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9. (2) الوسائل باب: 12 من أبواب
نواقض الوصوء حديث: 7.
( 89 )
ثوبك إلا أن تقذره " (1). ومرسل حريز عنه عليه السلام: " قال: الودي لا ينقض
الوضوء، إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق " (2). ومرسل ابن رباط الآتي بناء على
استفادة حكمه منه بقرينة السياق. نعم، في صحيح عبد الله بن سنان عنه عليه السلام: "
قال: ثلاث يخرجن من الاحليل، وهن: المني وفيه الغسل، والودي فمنه الوضوء، لانه يخرج
من دريرة البول. قال: والمذي ليس فيه وضوء، إنما هو بمنزلة ما يخرج من الانف " (3).
وقد حمله الشيخ والعلامة بقرينة التعليل على من ترك الاستبراء، لانه لا يخرج إلا
ومعه شئ من البول، واستجوده في الحدائق. وكأن وجهه: أن دريرة البول سيلانه، ولا
معنى للخروج منه، فإما أن يراد بالخروج منها الخروج من محلها - وهو الاحليل - أو
الخروج معها مصاحبا لها كأنه منها، وحيث لم يكن الاول مناسبا للتعليل، لاستراك
الامور الثلاثة فيه - كما تضمنه صدر الحديث - تعين الثاني، ويكون المراد به بيان
الحال الغالب له لا الدائم، بقرينة ما تضمن عدم النقض بخروجه. وأما ما في الجواهر
وغيره من أن عدم الاستبراء إنما يوجب البناء على ناقضية البلل المشتبه، دون ما يعلم
بأنه غير بول وإن خرجت معه أجزاء بولية، لاستهلاكها بحيث لا تسمى بولا، بل يمكن
دعوى طهارته، لخروجه عن المسمى
____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2. (2) الوسائل باب: 12 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 15. ثم ان الاستدلال بالصحيح والمرسل مبني على رواية الودي
فيهما بالدال المهملة، كما في الكافي والتهذيب، وعليه جرى في الوسائل، وغير واحد من
كتب الفقهاء. اما روايته فيهما بالذال المعجمة كما في الاستبصار فيخرج عما نحن فيه
وينفع فيما يأتي، لكن يوهنه انه ذكره في الجواب عن صحيح ابن سنان الآتى الوارد في
الودي بالمهملة فيكشف عن وقوع التصحيف فيه. (3) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض
الوضوء حديث: 14.
( 90 )
[ أو الوذي (1) ] وعدم تنجسه في الباطن. ففيه: أن مقتضى إطلاق نصوص الاستبراء
شمول الناقضية للصورة المذكورة، كما تقدم في آخر فصل كيفية الاستبراء، وتقدم اختصاص
عدم النقض بصورة الخلوص عن البول، وهي لا تناسب التعليل المذكور. نعم، لا يكفي ما
سبق في حمل الصحيح على ما ذكره الشيخ، ولا أقل من إجماله، فلا يخرج به عما سبق. على
أنه يكفي في وهنه في نفسه إعراض الاصحاب عنه، بل لا أقل من ترجيح معارضه عليه بأنه
أشهر رواية، وموافق لعموم نصوص الحصر وغيرها، ومخالف للعامة. ثم إنه يظهر مما تقدم
أنه لا مجال لاثبات استحباب الوضوء منه لاجل الصحيح المذكور، وإن حكي عن بعضهم. (1)
كما نص عليه غير واحد، وادعي الاجماع عليه في الغنية والمنتهى والحدائق والخلاف على
إحدى النسختين. ويقتضيه - مضافا إلى ما تقدم في المسالة السابقة من الاجماع ونصوص
الحصر، وإلى عموم ذيل صحيح زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم المتقدم - مرسل ابن
رباط عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: يخرج من الاحليل المني والوذي والمذي
والودي. فأما المني فهو الذي تسترخي له العظام ويفتر منه الجسد، وفيه الغسل. وأما
المذي يخرج من شهوة، ولا شئ فيه. وأما الوذي فهو الدي يخرج بعد البول. وأما الوذي
فهو الذي يخرج من الادواء، ولا شئ فيه " (1).
____________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 6.
( 91 )
[ والاول (1) ما يخرج بعد الملاعبة (2)، ] تنبيه تقارب الودي والوذي في الرسم
أوجب التشويش في عبارات الاصحاب، فقد يذكرون أحد الامرين ويستدلون عليه بالنص
الوارد في الآخر، وقد ينسب لاحدهم ذكر أحدهما أو دعوى الاجماع فيه مع أنه قد ذكر
الآخر، وما جرينا عليه في نقل كلماتهم ومتون النصوص هو الذي تيسر لنا الاطلاع عليه
من النسخ المطبوعة. والامر سهل بعد اشتراك الامرين في وضوح عدم الناقضية ولو بسبب
تسالم الاصحاب. (1) وهو المذي قال في مجمع البحرين: " وفيه لغات: سكون الذال،
وكسرها مع التثقيل، والكسر مع التخفيف. وأشهر لغاته فتح فسكون، ثم كسر ذال وشدة
ياء. وعن الاموي: المذي والودي والمني مشددات ". وقريب منه في الحدائق، وذكر اللغات
الثلاث في القاموس، واقتصر على الاوليين في الجمهرة ولسان العرب، كما اقتصر على
الاولى في الصحاح ونقل عن الاموي ما تقدم من مجمع البحرين، ونقل في لسان العرب عن
الاصمعي وعلي بن حمزة الاقتصار على الثانية. (2) كما في النهاية، وفي أدب الكاتب
والصحاح ولسان العرب والقاموس ومجمع البحرين: أنه ما يخرج عند الملاعبة والتقبيل.
وقريب منه عن غيرها. وهو المذكور في كلام غير واحد من الاصحاب. ومرجع الجميع ما
تقدم في مرسل ابن رباط. ويشير إليه ما تضمنه صحيحا إسحاق بن عمار وابن بزيع من
استحياء أمير المؤمنين عليه السلام من سؤال النبي صلى الله عليه وآله عنه. لكن
مقتضى صحيحي ابني يقطين المتقدمين وصحيح الكاهلي وخبر أبي بصير المشار إليهما آنفا
عدم اختصاصه بالشهوة، كما تناسبه فرض خروجه أثناء
( 92 )
[ والثاني (1) ما يخرج بعد خروج البول (2)، والثالث (3) ما يخرج بعد خروج المني
(4). ] الصلاة في صحيح زيد وزرارة ومحمد بن مسلم المتقدم. فيتعين حمل ما تقدم على
المعهود الشائع من حاله، ويكون التعرض في هذه النصوص للصورة النادرة، لتعلق الحكم
الشرعي بها. ومن الغريب ما في الحدائق من الاشكال في مفاد هذه النصوص لاجل ما تقدم.
(1) وهو الودي. قال في مجمع البحرين: " بسكون الدال، وكسرها وتشديد الياء، وهو -
على ما قيل - أصح وأفصح من السكون ". وقريب منه في الحدائق. وذكر اللغتين في الصحاح
ومختاره والنهاية، وفي لسان العرب حاكيا لهما عن ابن سيده. واقتصر في الجمهرة
ومفردات الراغب على الاولى منهما. (2) كما في الجمهرة وأدب الكاتب والنهاية والصحاح
ومختاره والقاموس ومجمع البحرين. وذكره غير واحد من الاصحاب. وتقدم في مرسل ابن
رباط، ويناسبه ما تقدم في صحيح ابن سنان: لكن عن ابن الانباري تقييده بما إذا كان
قد جامع قبل ذلك أو نظر. وعممه في مفردات الراغب. قال: " وكني بالودي عن ماء الفحل
عند الملاعبة وبعد البول. فيقال فيه: أودى نحو أمذى وأمنى ". وقد يناسبه ما يأتي من
الجمهرة في الوذي. (3) وهو الوذي. قال في مجمع البحرين: " بالذال المعجمة الساكنة
والياء المخفقة " وعن الاموي: بتشديد الياء: ماء يخرج عقيب إنزال المني، وفي
الحديث: هو ما يخرج من الادواء. وذكر الوذي مفقود في كثير من كتب اللغة ". وحكى في
لسان العرب عن ابن الاعرابي فيه كلتا اللغتين. (4) كما ذكره الصدوق في الفقيه، وفي
الحدائق أنه صرح به جملة من الاصحاب، وفي الجواهر: " لم يحضرني من كتب اللغة ما
أتحقق به ذلك، بل عن
( 93 )
شارح الدروس: أنه لم يقف فيما يحضره من كتب اللغة على شئ مناسب له ". لكن تقدم
من مجمع البحرين ما يشهد به. وعن ابن الاعرابي تفسيره بالمني، وفي الجمهرة: " ووذي
الحمار وغيره وذيا إذا سال منيه... وهو مثل ودى بالدال. وودى أكثر وأعلى ". نعم،
ينافيهما ما في مرسل ابن رباط من أنه الذي يخرج من الادواء، وظاهره المرض. وقد
يناسبه ما في كلام غير واحد من اللغويين من أن الوذية العيب والعلة والداء والجراح،
بل عن ابن الاعرابي: الوذي هي الخدوش. وفي الحدائق: " ونقل بعض مشايخنا عن بعض نسخ
الاستبصار " الاوداج " بدل " الادواء " قال: وكأنه اريد بها العروق مطلقا، وإن كان
الودج اسما لعرق في العنق ". فالامر فيه لا يخلو عن إشكال، وإن لم يكن مهما، بعدما
سبق من عدم نقض ما يخرج من السبيلين غير الامور الاربعة المتقدمة. بقي في المقام
امور قال بعض أصحابنا بنا قضيتها: الاول: خروج الدم من أحد السبيلين إذا احتمل
مصاحبته لشئ من النواقض، فقد حكي عن ابن الجنيد ناقضيته، وكأن مراده النقفى به
ظاهرا. وهو مخالف لعموم أدلة الاستصحاب. واحتمال النقض به واقعا - مع منافاته
للاستصحاب أيضا - مناف لعموم الحصر المتقدم، ولاطلاق ما تضمن عدم الوضوء بخروج الدم
مما يأتي الكلام فيه. وأما ما تضمن الوضوء بخروج الدم (1)، فهو يقتضي النقض به وإن
علم بخلوصه عن النواقض، مع أن المحكي عنه البناء على عدم النقض به. الثاني: مس
الرجل باطن دبره أو باطن إحليله أو فتحه إحليله، فقد حكم الصدوق في الفقيه بإعادة
الوضوء بهاء وإلى الاولين يرجع ما عن ابن الجنيد من النقض بمس ما انضم عليه
الثقبتان.
____________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 12.
( 94 )
ويشهد له موثق عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: " سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس
باطن دبره. قال: ينقض وضوءه، وإن مس باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء، وإن كان في
الصلاة قطع الصلاة، ويتوضأ ويعيد الصلاة، وإن فتح إحليله أعاد الوضوء وأعاد الصلاة
" (1). لكن إعراض الاصحاب عنه مسقط له عن الحجية، خصوصا في مثل هذا الحكم الذي يشيع
الابتلاء به، فيمتنع عادة خفاؤه على جمهور الاصحاب. وأما. معارضته بعموم الحصر
المشار إليه، وبما تضمن عدم النقض بمس الفرج (2)، فهو كما ترى! لانه أخص منهما.
نعم، لا يبعد قوة ظهور صحيحي زرارة المتضمنين للحصر بما يخرج من السبيلين والنوم في
عدم نقض ما عداها، لان عدم السنخية بين ما يخرج من السبيلين والنوم موجب لقوة
ظهورهما في الاستيعاب والحصر ردعا عما عليه العامة من النقض بغيرها، فيصعب رفع اليد
عنهما بمثل هذه الرواية. فتأمل. مضافا إلى ما في صحيح معاوية بن عمار: " سألت أبا
عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث بذكره في الصلاة المكتوبة فقال: لا بأس به "
(3). وفي موثق سماعة: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يمس ذكره أو فرجه
أو أسفل من ذلك وهو قائم يصلي، يعيد وضوءه؟ فقال: لا بأس بذلك، إنما هو من جسده "
(4). فإن العبث بالذكر ومسه حال القيام مبني على نحو من الترسل وعدم التقيد، فكثيرا
ما يستلزم فتح الاحليل، فعدم التنبيه على ذلك ظاهر جدا في عدم قدحه، فيصعب رفع اليد
عن ذلك بالموثق المذكور.
____________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 10. (2) راجع الوسائل باب: 9 من
أبواب نواقض الوضوء وغيرها. (3) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديت: 7. (4)
الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 8.
( 95 )
بل مثل هذا الحكم المخالف للقاعدة الارتكازية ولنصوص الحصر المشهورة، والبعيد
عن الاذواق والارتكازيات، والمستلزم لكثير من الضيق والكلفة، لا يجتزأ في بيانه
بخبر واحد، بل لو كان ثابتا لكثر السؤال عنه وكثرت النصوص في بيانه. هذا، وفي حمل
الموثق على الاستحباب أو التقية وجهان، أولهما مناسب لطريقتهم في سائر الموارد من
حمل الاوامر على الاستحباب إذا تعذر حملها على الوجوب، لانه نحو من الجمع العرفي
المقدم على التصرف في الجهة. إلا أن ظاهر الاصحاب (رضي الله عنهم) في نواقض الوضوء
الخروج عن ذلك، لعدم تصدي متقدميهم من أهل الفتوى لبيان ما يستحب منه الوضوء، كما
تعرضوا لما يستحب له الوضوء ولما يستحب منه وله الغسل. حيث يظهر منهم عدم قبول هذه
النصوص للحمل على ذلك بنحو يصلح لان يعمل عليه ويفتى به، وإنما ذكره الشيخ احتمالا
في مقام الجمع بين الاخبار وتوجيه اختلافها، على ما هي طريقته، وجرى عليه بعض
المتأخرين تبعا للقاعدة المشار إليها. ويناسب عدم الاستحباب ورود النصوص المذكورة
في موارد أقوال العامة بالنقض. كما يناسبه في خصوص المقام قوة ظهور الموثق في
الوجوب وصعوبة حمله على الاستحباب، حيث تضمن قطع الصلاة مؤكدا على ذلك في فروض
المسألة. بل إشعار التعليل في موثق سماعة بأنه من جسده في عدم المقتضي للوضوء حتى
استحبابا. فلاحظ. الثالث: مس ظاهر فرج الغير إذا كان محرما بشهوة، ومس باطنه مطلقا.
فعن ابن الجنيد النقض به - على اضطراب في النقل عنه، كما قيل - ولم يتضح وجه
التفصيل المذكور.
( 96 )
نعم، في موثق أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: إذا قبل الرجل مرأة
من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء " (1). لكنه - مع عدم مطابقته للدعوى، وظهور إعراض
الاصحاب عنه - معارض بما تضمن عدم النقض بمس الفرج، كمرسل ابن أبي عمير المتقدم في
المذي، وصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: ليس في القبلة ولا المباشرة
(الملامسة خ ل) ولا مس الفرج وضوء " (2) وخبر عبد الرحمن بن أبى عبد الله عن أبي
عبد الله عليه السلام: " سألته عن رجل مس فرج امرأته. قال: ليس عليه شئ، وإن شاء
غسل يده، والقبلة لا تتوضأ منها) (3). ودعوى: أن مقتضى المجمع بين الموثق والاولين
حملهما على مس الانسان فرج نفسه، والثالث ضعيف السند فلا ينهض بمعارضة الموثق.
مدفوعة: بأن سياق الاولين يأبى الحمل على خصوص مس الانسان فرج نفسه، بل مس فرج
المرأة كالمتيقن منهما، فحمل الموثق لاجله على الاستحباب أو التقية أقرب. ومما تقدم
يظهر أن الثاني أنسب بالمقام، ولا سيما مع ما تضمنه خبر عبد الرحمن من التنبيه على
غسل اليد، حبث يظهر منه عدم المقتضي لغيره. الرابع: القبلة بشهوة، فقد حكي عن ابن
الجنيد ناقضيتها مطلقا، أو إذا كانت لمحرم. ولا وجه له إلا موثق أبي بصير المتقدم
وهو يناسب الاطلاق. لكنه - مع وهنه بإعراض الاصحاب - معارض بمرسل إبن أبي عمير
وصحيح زرارة وخبر عبد الرحمن المتقدمة، ومثلها في ذلك صحيح الحلبي (4).
____________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9. (2) الوسائل باب: 9 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 3. (3) الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 6. (4)
الوسائل باب: 9 من أبواب نواقض الوضوء حديت: 5.
( 97 )
ودعوى الجمع بينها وبينه بحملها على القبلة بغير شهوة، كما ترى، لندرة ذلك
وإباء سياق المرسل عنه جدا. ومما تقدم يظهر حال حمله على الاستحباب. الخامس:
القهقهة في الصلاة متعمدا لنظر أو سماع ما أضحكه، فقد حكي عن ابن الجنيد ناقضيتها
فيما حكي عنه. ويقتضيه موثق سماعة: " سألته عما ينقض الوضوء، قال: الحدث تسمع صوته
أو تجد ريحه، والقرقرة في البطن إلا شيئا تصبر عليه، والضحك في الصلاة والقئ " (1).
لكنه - مع إعراض الاصحاب عنه، وكونه أعم من المدعى - معارض بصحيح زرارة وموثق سماعة
عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة " (2).
وحمله على القهقهة في غير الصلاة يأباه سياقه جدا، لظهوره في أنها لو وقعت في أثناء
الصلاة نقضتها دون الوضوء. وصحيح ابن أبي عمير عن رهط سمعوه يقول: " إن التبسم في
الصلاة لا ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء، إنما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة " (3)
وغيرهما. ومما تقدم يظهر الحال في حمله على الاستحباب. ثم إنه تقدم في أول فصل
الاستنجاء من الصدوق وجوب إعادة الوضوء لمن توضأ قبل الاستنجاء. وهو راجع لكون
نجاسة الموضع من سنخ الناقض، لمانعيتها من صحة الوضوء، كالحدث حال خروجه. وتقدم
الكلام في ذلك. هذا، وقد تضمنت كثير من النصوص النقض ببعض الامور التي لا يعرف منا
____________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب ما ينقض الوضوء حديث: 11. (2) الوسائل باب: 6 من أبواب
ما ينقض الوضوء حديث: 4. (3) الوسائل باب: 6 من أبواب ما ينقض الوضوء حديث: 10.
( 98 )
قائل بناقضيتها، ينبغي التعرض لها، لاحتمال استحباب الوضوء منها: منها: القئ،
فقد تقدم في موثق سماعة النقض به، ومثله صحيح أبي عبيدة عن أبي عبد الله عليه
السلام: " قال: الرعاف والقئ والتخليل يسيل الدم إذا استكرهت شيئا ينقض الوضوء، وإن
لم تستكرهه لم ينقض الوضوء " (1). وقد يظهر من الاخير الاختصاص بصورة التعمد بجعل
الاستكراه كناية عنه، فيكون شاهد جمع بين الموثق والنصوص الكثيرة المتضمنة عدم
النقض بالقئ (2). لكن - مع عدم خلو الصحيح عن الاجمال - لا مجال لذلك بلحاظ موثق
روح بن عبد الرحيم أو صحيحه: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القئ. قال: ليس
فيه وضوء وإن تقيأت متعمدا " (3). هذا، وقد تقدم الاشكال في الحمل على الاستحباب،
ويزيد هنا بما يأتي في خبر أبي هلال هن استنكار السؤال عن الوضوء ونسبة القول به
للمغيرة بن سعيد. ومنها: الرعاف، بل مطلق خروج الدم. ففي خبر عبيد بن زرارة: " سألت
أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصابه دم سائل. قال: يتوضأ ويعيد. قال: وإن لم يكن
سائلا توضأ وبنى. قال: ويصنع ذلك بين الصفا والمروة " (4). وتقدم في صحيح أبي عبيدة
ما يشهد به، وصحيح الحسن الوشا: " سمعته يقول: رأيت أبي صلوات الله عليه وقد رعف -
بعدما توضأ - دما سائلا فتوضأ " (5). لكنها معارضة بالنصوص الكثيرة الواردة في
الرعاف والحجامة وغيرها (6).
____________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 12. (2) راجع الوسائل باب: 6 من
أبواب نواقض الوضوء. (3) الوسائل باب: 6 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 8. (4)
الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 12. (5) الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض
الوضوء حديث: 13. (6) راجع الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء.
( 99 )
وقد عرفت بعد الجمع في هذه الموارد بالاستحباب، ولا سيما مع ما في خبر جابر عن
أبي جعفر عليه السلام: " سمعته يقول: لو رعفت دورقا ما زدت (دما ورقى ما زدت. خ ل)
على أن أمسح مني الدم وأصلي " (1). وفي خبر أبي هلال: " سألت أبا عبد الله عليه
السلام: أينقض الرعاف والقئ ونتف الابط الوضوء؟ فقال: وما تصنع بهذا؟ هذا قول
المغيرة بن سعيد، لعن الله المغيرة، يجزيك من الرعاف والقئ أن تغسله ولا تعيد
الوضوء " (2). ومنها: مس الكلب، ففي صحيح أبي بصير عن أبى عبد الله عليه السلام: "
قال: من مس كلبا فليتوضا " (3). ولا مجال للتعويل عليه بعد تسالم الاصحاب على عدم
ناقضيته، كما هو ظاهر بعض نصوص نجاسته، كصحيح محمد بن مسلم: " سألت أبا عبد الله
عليه السلام: عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل. قال: يغسل المكان الذي أصابه " (4)،
لظهوره في بيان تمام ما يلزم المس. وفي حمل الامر في الصحيح الاول على الاستحباب -
كما عن بعضهم - أو حمل الوضوء فيه على غسل الموضع - كما ذكره الشيخ في التهذيب
والاستبصار - وجهان، ثانيهما أنسب بما تقدم من ظهور إعراض الاصحاب عن التعرض
لاستحباب الوضوء. ودعوى: أن الاول أقرب عرفا، لا تخلو عن خفاء. وأما الحمل على
التقية، فهو موقوف على وجود قول للعامة بناقضيته، ولم أعثر على من نقله من أصحابنا
عنهم. ومنها: مصافحة المجوسي، ففي خبر عيسى بن عمر (عمرو. خ ل): " أنه
____________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4. (2) الوسائل باب: 7 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 8. (3) الوسائل باب: 11 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4. (4)
الوسائل باب: 11 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3.
( 100 )
سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحل له مصافحة المجوسي؟ فقال: لا،
فسأله: يتوضأ إذا صافحهم؟ قال: نعم، إن مصافحتهم تنقض الوضوء " (1). ولا مجال
للتعويل عليه بعد تسالم الاصحاب على عدم ناقضينه، ومعارضته بصحيح محمد بن مسلم عن
أحدهما علهما السلام: " سألته عن رجل صافح مجوسيا. قال: يغسل يده ولا يتوضأ " (2).
وقد حمله الشيخ في كتابيه على غسل اليد، ويبعده عدم تعارف التعبير بالنقض في
النجاسة الخبثية. ومثله الحمل على الاستحباب، لما تقدم، ولظهور الصحيح في عدم
مشروعيته، إذ يكفي في بيان عدم وجوبه الاقتصار على بيان غسل اليد. فتأمل. وأما
الحمل على التقية، فيجري فيه ما تقدم في مس الكلب. ومنها: قبل الاكل وبعده. ومحل
الكلام الثاني، لان الكلام فيما يتوضأ منه، الذي يناسب البحث في النواقض، لا فيما
يتوضأ له، وإنما جمعا معا لاشتراكهما في الادلة وكلام الاصحاب. وكيف كان، فقد تضمن
غير واحد من النصوص الامر بهما، بنحو يظهر منه الاستحباب لا الوجوب، كصحيح أبي حمزة
عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: يا أبا حمزة الوضوء قبل الطعام وبعده يذيبان
الفقر.. " (3)، وغيره. ولا إشكال في عدم الوجوب بملاحظة الاجماع، والسيرة، والنصوص
الكثيرة، كصحيح بكير: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الوضوء مما غيرت النار. فقال:
ليس عليك فيه وضوء، إنما الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل " (4) وزيد في
____________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5. (2) الوسائل باب: 11 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 2. (3) الوسائل باب: 49 من أبواب آداب المائدة حديث: 1 وفي
الباب المذكور وما بعده نصوص كثيرة متضمنة للوضوء. (4) الوسائل باب: 15 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 3.
( 101 )
بعضها: " فإنه يدخل طيبا ويخرج خبيثا " (1). وإنما الاشكال في ثبوت الاستحباب
بذلك، كما يظهرمن الجواهر حاكيا له عن النزهة، قال: " قيل: للاخبار، وألفاظ الشارع
تحمل على الحقائق الشرعية، فلا معنى لحمل الوضوء فيها على غسل اليد ". لكن سبر
النصوص الواردة في آداب المائدة - على كثرتها - يشرف الناظر فيها. على القطع بإرادة
غسل اليدين من الوضوء، بنحو يظهر منه شيوع الاستعمال المذكور، للاقتصار في طائفة
على الوضوء، وفي أخرى على غسل اليدين، من دون أن يشار في شئ منها للجمع بينهما أو
أفضلية الوضوء، من الغسل، كما ورد ذلك في نصوص أكل الجنب (2). مع تقارب الطائفتين
في بيان الآثار الوضعية لكل منهما، واشتراكهما في نصوص بعض الاحكام، كنصوص استحباب
- البدء قبل الطعام بصاحب البيت والختم بعد الطعام به، واستحباب الغسل للجماعة في
إناء واحد، واستحباب التمندل بعد الطعام وتركه قبله (3). ولا سيما مع أن ظاهر نصوص
الوضوء الاقتصار عليه، وهو لا يناسب التنزه المطلوب شرعا وطبعا للطعام، لتعرض
اليدين به للتقذر - عرفا - بمسح الرجلين. بل لا ينبغي التأمل في ذلك، بالنظر
للتعبير بالوضوء في غسل الجماعة في المجلس الواحد (4)، للقطع بعدم إرادة الوضوء
المعهود منهم، لما فيه من طول المدة والخروج عن الوضع المألوف المناسب للاجتماع. مع
أن ذلك صريح خبر هشام بن سالم، لقوله بعد نقل الحث على الوضوء: " قال لي الصادق
عليه السلام: والوضوء هاهنا غسل اليدين قبل الطعام وبعده " (5).
____________
(1) الوسائل باب: 15 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5. (2) الوسائل باب: 20 من أبواب
الجنابة حديث: 7. (3) راجع في النصوص المذكورة الوسائل باب: 50، 51، 52 من أبواب
آداب المائدة. (4) راجع الوسائل باب: 50، 51 من أبواب آداب المائدة. (5) الوسائل
باب: 49 من أبواب آداب المائدة حديث: 17.
( 102 )
وظاهر خبر محمد بن عجلان أو صحيحه عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: الوضوء
قبل الطعام يبدأ صاحب البيت، لئلا يحتشم أحد، فإذا فرغ من الطعام. يكون آخر من يغسل
يده صاحب المنزل " (1). وخبر الفضل بن يونس قال: " لما تغدى عندي أبو الحسن عليه
السلام وجئ بالطشت بدئ به وكان في صدر المجلس، فقال: ابدأ بمن على يمينك، فلما توضأ
واحدا أراد الغلام أن يرفع الطشت، فقال له أبو الحسن عليه السلام: دعها واغسلوا
أيديكم فيها " (2). للتعبير في صدرهما بالوضوء، وفي ذيلهما بغسل اليدين. هذا كله
مضافا إلى عدم مناسبة استحباب الوضوء للتعليل المتقدم في نصوص عدم الناقضية، ولسيرة
المتشرعة، لشدة إهمالهم له بنحو لا يناسب استحبابه جدا. فتأمل. ومنها: الغضب، فقد
عده في الجواهر مما يستحب الوضوء منه، لما عن القطب الراوندي في دعواته: " قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا غضب أحدكم فليتوضا " (3). ومن الظاهر ابتناء
استدلاله به على قاعدة التسامح في أدلة السنن. إلا أن من القريب جدا حمله على إرادة
استحباب الوضوء حين الغضب لتسكينه، نظير ما تضمن الامر بالجلوس لمن غضب قائما،
والقيام لمن غضب جالسا، ومس ذي الرحم لمن غضب عليه (4)، لا استحبابه بعده، ليكون
مما يستحب الوضوء منه، بنحو يناسب ما نحن فيه من الكلام في النواقض. ومنها: الاكثار
من إنشاد الشعر الباطل. ففي موثق سماعة: " سألته عن نشيد (نشد. إنشاء. استبصار)
الشعر هل ينقض الوضوء؟ أو ظلم الرجل صاحبه أو الكذب؟ فقال: نعم، إلا أن يكون شعرا
يصدق فيه، أو يكون يسيرا من الشعر:
____________
(1) الوسائل باب: 50 من أبواب آداب المائدة حديث: 2. (2) الوسائل باب: 51 من أبواب
آداب المائدة حديث: 2. (3) مستدرك الوسائل باب: 47 من أبواب أحكام الوضوء حديث: 1.
(4) الوسائل باب: 3 من أبواب جهاد النفس حديث: 4، 19.
( 103 )
الابيات الثلاثة والاربعة، فأما أن يكثر من الشعر الباطل فهو ينقض الوضوء "
(1). ولا مجال للبناء على الوجوب، بعد ظهور تسالم الاصحاب وسيرة المتشرعة على عدمه
المعتضد بنصوص الحصر. وخبر معاوية بن ميسرة: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن
إنشاد الشعر هل ينقض الوضوء قال: لا " (2)، فإنه وإن كان أعم، إلا أن حمله على غير
مورد الموثق لا يخلو عن بعد، لشيوع مورده. فتأمل. ثم إنه لا مجال لحمله على التقية،
بعد عدم ظهور قول للعامة بناقضيته، بل في المنتهى دعوى إجماع علماء الامصار على
عدمها. ومن هنا يقرب حمله على الاستحباب - كما في التهذيب (3) - ولا سيما مع
المناسبة الارتكازية بين فرض بطلان الشعر ونقض الوضوء به، بنحو ينبغي إعادته، لانه
آكد في التنفير عنه، بل هو المناسب للتسامح في تحديد الموضوع، لان الكثرة وإن كانت
من الامور العرفية، إلا أن تطبيقها عندهم لا يبتني على التدقيق. وأما ما تقدم من أن
إهمال الاصحاب لذكر ما يستحب الوضوء منه موهن للحمل على الاستحباب، فهو من القرائن
النوعية على عدم حمل النصوص الكثيرة عليه، لان كثرة الامور المذكورة في النصوص
تقتضي الاهتمام بها والتنبيه إليها لو كانت موضوعا للاستحباب بنظرهم، وهو لا ينافي
غفلتهم عن خصوصية بعضها وحملها على الاعم الاغلب، فلا ينهض إعراضهم في تلك الموارد
برفع اليد عن مقتضى القاعدة من حمل الامر على الاستحباب بعد تعذر حمله على الوجوب
مع الالتفات لخصوصيتها. فتأمل جيدا. هذا، وقد استشكل بعض مشايخنا في الحمل على
الاستحباب. بعدم ظهور النصوص في الامر المولوي، بل في كون الوضوء بعد الامور
المذكورة لاجل
____________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3. (2) الوسائل باب: 8 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 1. (3) وقد يرجع إلبه ما في الاستبصار من الترديد بينه وبين
احتمال التصحيف في " ينقص " وأنه بالصاد.
( 104 )
ناقضيتها، ولا معنى للناقضية الاستحبابية. ويندفع: بأن مرجع الحمل على
الاستحباب في المقام إلى أن الامور المذكورة ناقضة لمرتبة من الطهارة يستحب تحصيلها
وإن لم تكن ناقضة للمرتبة اللازمة التحصيل منها، نظير ما ورد في آداب الصلاة والصوم
من التعبير بالقطع والافطار ونحوهما. وقد تقدم في حكم البئر ما له نفع في المقام.
بقي في المقام أمران.. الاول: أن المرجع في تحديد الباطل هم المتشرعة، بما لهم من
مرتكزات عرفية وشرعية، لانهم هم المخاطبون بذلك، فمثل شعر الموعظة والتأريخ والعلم
ومدح وهجاء من يستحق حق، ومثل شعر الغزل والتشبيب ومدح وهجاء من لا يستحق باطل. أما
المرجع في تحديد الكثرة فهم العرف، إذ ليس للشارع تحديد أو تطبيق يخرج به عن
المرتكزات العرفية. وما تضمنه الموثق من ذكر الابيات الاربعة غير وارد للتحديد، بل
التمثيل. فتحديد موضوع استحباب الوضوء بذلك في المدارك في غير محله. نعم، هو كاشف
عن مقاربته للكثرة. فلاحظ. الثاني: قال في الجواهر: " والانشاء أقوى من الانشاد.
وتكرير البيت أو البيتين لا يوصفهما بالكثرة. ولو أنشد ثم حذف منه بحيث أفسد شعريته
احتمل خروجه عن الحكم، ولعل الاولى خلافه. ولا دخل للاتصال والانفصال، فلو قرأ في
أوقات متعددة بحيث يكون مجموعها كثرة ترتب الحكم ". وما ذكره قريب، عدا جريان الحكم
مع إفساد الشعر، فانه ممنوع، لعدم صدق إنشاد الشعر حينئذ. كما أن الانشاء إنما يكون
أقوى من الانشاد إذا ابتنى على قراءة الشعر، كما في الارتجال، بل قد يصدق عليه
الانشاد، أما الانشاء من دولت قراءة، كما لو حرره
( 105 )
كتابة، فلا مجال لالحاقه به، فضلا عن دعوى أقوائيته منه. ومنها: ظلم الرجل
صاحبه، لموثق سماعة المتقدم، ويظهر الكلام فيه مما ومنها: الغيبة، إما لانها من
أفراد الظلم، أو للنبوي: " من اغتاب أخاه المسلم بطل صومه، ونقض وضوءه، (1).
والكلام فيه كما في سابقه. ومنها: الكذب، كما في الجواهر وغيرها. ويقتضيه موثق
سماعة المتقدم، وموثقه الآخر: " سألته عن رجل كذب في شهر رمضان، فقال: قد أفطر
وعليه قضاؤه وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد " (2). وقد يشكل فيه: باحتمال كون
نقض الوضوء لاجل نقض الصوم بالكذب، كما يناسبه عطفه على القضاء المتفرع على
الافطار، لا لاجل الكذب بنفسه. فالعمدة الموثق الاول، فيجري فيه ما تقدم. لكن قد
يدعى لزوم تقييده بموثق أبي بصير أو صحيحه: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم. قال: قلت له: هلكنا. قال: ليس حيث تذهب، إنما ذلك
الكذب على الله ورسوله وعلى الائمة عليهم السلام " (3). وفيه: أن كون المفطر الناقض
للوضوء هو الكذب الخاص لا ينافي كون مطلق الكذب ناقضا للوضوء فقط. ملى أنه بعد حمل
النقض على مرتبة من النقص في الطهارة تقتضي استحباب الوضوء فهو قابل للشدة والضعف،
بأن يكون المراد بالموثق المرتبة الضعيفة منه، ويحديث أبي بصير المرتبة الشديدة
منه، وهو أقرب من تقييده بالفرد القليل غير الشائع. نعم، المناسبات الارتكازية
تقتضي تقييده بالتعمد، كما هو مقتضى الموثق
____________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك حديث: 5. (2) الوسائل
باب: 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك حديث: 3. (3) الوسائل باب: 2 من
أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك حديث: 2.
( 106 )
الثاني، لو تم الاستدلال به. هذا ما تيسر لنا العثور عليه من موارد النصوص
وكلمات الاصحاب. وربما فاتنا شئ قد يظهر الحال فيه مما تقدم. بقي في المقام أمران..
الاول: لو قيل باستحباب الوضوء من هذه الامور أو بعضها، فقد قال في الجواهر: " ولعل
الاستحباب في هذه الامور وما شابهها إنما هو تأكد استحباب التجد يد ". ولعله مقتضى
إطلاق نصوص التجديد (1) المتضمنة أن الوضوء على الوضوء كفارة لما مضى في ليله أو
نهاره من الذنوب ما خلا الكبائر، وأنه عشر حسنات. نعم، مقتضى ما في بعض نصوصه من
أنه نور على نور كونه مؤكدا للطهارة، ومقتضى نصوص المقام كونه مكملا لنقصها المسبب
عن الامور المذكورة، فيتقابل أثراهما. لكن المضمون المذكور - مع عدم وروده إلا في
مرسلة الصدوق (2) - لا ينافي الاطلاقات. فلاحظ. الثاني: لو صادف الوضوء هنا حدثا
ارتفع به، لان الظاهر اتحاد ماهية الوضوء، وأن اختلاف أثره لاختلاف حال المتوضئ،
فإن كان محدثا ارتفع حدثه كما تقتضيه نصوص النواقض، وإن كان ناقص الطهارة تكملت
طهارته، وإن كان تام الطهارة تأكدت طهارته، كما تقتضيه بعغض نصوص التجديد، نظير ما
تقدم في آخر المسألة الواحدة والسبعين في الوضوء التجديدي. ولذا لا ريب ظاهرا في
عدم الاثر لهذه الامور لو وقعت حال الحدث، لاندكاك أثرها فيه، كما لا يستحب الجمع
بين الوضوء لها والوضوء للحدث لو وقع
____________
(1) تراجع النصوص المذكورة في الوسائل باب: 8 من أبواب الوضوء. (2) الوسائل باب: 8
من أبواب الوضوء حديث: 8.
( 107 )
بعدها، ولا يشرع الوضوء منها بنحو لا يترتب عليه رفع الحدث، كما لو وقع أحدهما
في أثناء حدوث الآخر، مع أ نه لو كان الوضوء المذكور مباينا بماهيته للوضوء الرافع،
كان ذلك مخالفا لاطلاق أدلته. ومنه يظهر الحال فيما لم يثبت مشروعيته، بل جئ به
برجاء المطلوبية، فإنه في فرض مصادفته للحدث تنكشف مشروعيته وصحته، بعد فرض كون
الوضوء حقيقة واحدة مقصودة في المقام، وإن لم يكن الداعي لها رفع الحدث. وأما دعوى:
أن عباديته موقوفة على قصد الامر به، والمفروض عدم قصد الامر برفع الحدث للاعتقاد
بعدمه، وأن الامر الاستحبابي المقصود احتمالي غير محرز بنفسه ليحرز صحة الوضوء به
وعباديته كي يكون رافعا للحدث، إلا أن يؤتى به بنية الامر الفعلي، بنحو ينطبق على
الامر برفع الحدث في ظرف مصادفته، لكنه محتاج إلى عناية يبعد تعمدها مع الاعتقاد
بعدم الحدث. فيظهر اندفاعها مما تقدم في المسألة الواحدة والسبعين من أن عبادية
الوضوء إنما تقتضي إيقاعه بوجه قربي وإن لم يصادف الامر، ويكفى في ذلك الاتيان به
في المقام برجاء المطلوبية. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم، وله الحمد.
( 108 )
الفصل السادس [ من استمر به الحدث في الجملة (1) - كالمبطون والمسلوس ونحوهما
(2) - له أحوال أربع.. ] (1) بنحو يشمل ما إذا كان متقطعا يتعذر في بعض الوقت إيقاع
الصلاة بدونه، ليشمل جميع الصور المفروضة، خصوصا الاولى منها. (2) النصوص إنما
تعرضت للمسلوس والمبطون والمستحاضة التي يأتي الكلام فيها في محلها، وكلام جمهور
الاصحاب مختص بها، مع ظهور كلام بعضهم في دخول مستمر الريح في المبطون حقيقة أو
حكما. نعم، حكى في مفتاح الكرامة التعدي لغيرها من الاحداث عن بعض الاصحاب من دون
تعيين، وظاهر الجواهر الجري عليه. وهو غير ظاهر الوجه بعد قصور النصوص عنه. ولا
مجال لفهم عدم الخصوصية لمواردها بعد عدم كون الحكم ارتكازيا، بل تعبديا مخالفا
للقواعد المقتضية لتعذر الصلاة بتعذر شرطها، خصوصا مثل الطهارة التي لا تسقط
بالتعذر عند المشهور على ما يأتي في فاقد الطهورين إن شاء الله تعالى. وعدم ناقضية
الحدث في المقام للضرورة ليس بأولى ارتكازا من عدم ناقضية الحدث السابق في فاقد
الطهورين لاجلها. ومثله التعدي بتنقيح المناط، إذ لا طريق لاحراز المناط، ولا سيما
مع اختلاف الاستحاضة عن المسلوس والمبطون في أحكام بعض الفروض، مع
( 109 )
[ الاولى: أن تكون له فترة تسع الوضوه والصلاة الاختيارية (1)، وحكمه وجوب
انتظار تلك الفترة (2) ] اشتراكها معهما في استمرار الحدث، بل احتمال الاختلاف بين
المسلوس والمبطون في اللاحكام. ومن هنا يتجه الاقتصار على ما إذا كان استمرار الحدث
لمرض يصدق معه العناوين التي تعرضت لها النصوص، دون ما إذا كان لضرورة خارجية، من
إكراه، أو نحوه. بل يتعين في الجميع الرجوع فيه للقاعدة المقتضية للمحافظة على
الصلاة في فترة تسع الطهارة المائية ثم الترابية مع الصلاة بدون حدث إن كانت هناك
فترة، وإلا فالبناء، على تعذر المشروط بتعذر شرطه وسقوط الاداء وانتظار القضاء بعد
ارتفاع العذر، لو لم نقل بسقوط القضاء، لعموم ما ورد في المغمى عليه من أن ما غلب
الله عليه فهو أولى بالعذر. وأما ما عن شرح المفاتيح من عدم سقوط الصلاة - يعني في
الوقت - إجماعا، فهو غير ظاهر بنحو ينهض بالخروج عن القاعدة، لعدم تحرير المسألة في
كلماتهم، وعدم قيام الارتكازيات عليها بنحو معتد به. على أنه لوتم أو كان الشفاء
ميؤوسا منه أو بعيد الامد بنحو يقطع بعدم رضا الشارع بترك الصلاة في الوقت، فاللازم
ملاحظة القواعد العامة في اختيار الصلاة الميسورة، فإذا أمكنت الصلاة التامة مع
الطهارة المائية ثم الترابية تعينت، كما ذكرنا، وإلا لزم ملاحظة الاهمية في الاجزاء
والشرائط، ولا يجوز اختيار الصلاة مع الحدث المتجدد - كما في المسلوس والمبطون -
ابتداء، إلحاقا له بهما بعدما سبق، فلاحظ. (1) وأما لو لم تسع إلا الصلاة
الاضطرارية بنقص بعض الاجزاء أو الشرائط، فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. (2)
كما في جامع المقاصد، وذكره في المسلوس في الروض والمسالك
( 110 )
والمدارك ومحكي المتذكرة وعلله في الروض والمدارك بما يقتضي التعميم للمبطون،
وفي الجواهر في المسلوس: " كما صرح به جمع من الاصحاب، بل لا أجد فيه خلافا هنا سوى
ما ينقل عن الاردبيلي.. "، وذكر في المبطون أن التأمل في كلماتهم، بل تصريح بعضهم
شاهد بخروجه عن محل النزاع. ويستفاد بالاولوية ممن أوجب عليه المحافظة على الصلاة
الاضطرارية مع الطهارة لو تمكن منها، كما في كشف اللثام وعن السرائر. وكيف كان، فهو
مقتضى القاعدة في الواجب الاختياري، حيث يجب المحافظة عليه مع القدرة. ومنه يظهر
ضعف ما عن الاردبيلي في مجمع البرهان. قال: " يجوز له الصلاة في أول الوقت، لعموم
أدلة الاوقات والصلاة، وكون العذر موجبة للتأخير غير متيقن، وللحرج والضيق ".
لاندفاعه: بأنه يلزم الخروج عن العموم بعد تقييده بالصلاة عن طهارة بالمحافظة
عليها. وهو الدليل على إيجاب العذر للتأخير. والحرج النوعي - لو تم - لا يسقط
التكليف، والشخصي - مع عدم اطراده - لا يقتضي بدلية الناقص، بل سقوط التام،
فالاكتفاء بالناقص يبتني على اقتضاء القاعدة له، لنظير ما تقدم في غير المسلوس
والمبطون من أفراد مستمر الحدث. وأما نصوص المقام فقد ادعى سيدنا المصنف قدس سره
انصرافها عن ذلك، بقرينة ورودها مورد العذر والاضطرار، ولا سيما مع قوله عليه
السلام في صحيح منصور بن حازم: " إذا لم يقدر على حبسه فالله أولى بالعذر.. " (1).
لكن يصعب حمل النصوص على صورة عدم الفترة واقعا، ومنها صحيح حريز عن أبي عبد الله
عليه السلام: أنه قال: إذا كان الرجل يقطر منه البول والدم، إذا كان حين الصلاة أخذ
كيسا وجعل فيه قطنا ثم علقه عليه وأدخل ذكره فيه، ثم صلى، يجمع بين صلاتين، الظهر
والعصر، يؤخر الظهر ويعجل العصر بأذان وإقامتين،
____________
(1) الوسائل باب: 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2.
( 111 )
ويؤخر المغرب ويعجل العشاء بأذان وإقامتين، ويفعل ذلك في الصبح " (1). فإن حمل
التقطير على خصوص المستمر الذي لا فترة فيه أصلا بعيد جدا، لندرة ذلك، كحمله على ما
فيه فترات لا تسع الطهارة والصلاة، لعدم القرينة على التحديد المذكور، بل وبعده بعد
كون المتعارف بين من يبتلي بذلك عدم الضابط له، بلحاظ طول الفترات وقصرها واختلاف
أوقاتها، فعدم التنبيه لذلك ولاحتمال حصول الفترة المطلوبة بعد الصلاة ظاهر في عموم
الحكم لصورة وجود الفترة واقعا، وعدم وجوب تحريها والفحص عنها وانتظارها، كما
تقتضيه القاعدة الاولية. وأظهر من ذلك ما ورد في المبطون، كموثق محمد بن مسلم: "
سألت أبا جعفر عليه السلام عن المبطون فقال: يبني على صلاته، (2). فإن المراد من
البناء على الصلاة فيه ليس محض الاتيان بالصلاة في مقابل تركها لتعذر الطهارة، وإلا
ناسب أن يقول: " يصلي ". ولا إكمالها من دون وضوء للحدث المتجدد في أثنائها في
مقابل استئنافها من غير وضوء أيضا، إذ لا حاجة لطرد احتمال وجوب الاستئناف من دون
وضوء، لعدم المنشأ له بعد كون الاكمال حينئذ أقرب للصحة ارتكازا من الاستئناف، لما
فيه من وقوع بعض الصلاة بطهارة. واحتمال مبطليته للصلاة دون الطهارة بعيد جدا، يبعد
أن يكون هو المثير للسؤال، كاحتمال أهمية مبطليته للصلاة من شرطية الطهارة فيها،
كيف والمرتكز تفرع مبطليته للصلاة على مبطليته للطهارة التي هي شرط فيها. بل المراد
من البناء على الصلاة في الموثق هو إكمالها بعد الوضوء للحدث المتجدد، دفعا لتوهم
وجوب استئنافها بعد الوضوء - الذي تضمنته النصوص في غير المبطون (3) - فرارا من
محذور مبطلية الحدث للصلاة، كما هو مقتضى الجمع
____________
(1) الوسائل باب: 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1. (2) الوسائل باب: 19 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 3. (3) راجع الوسائل باب: 1 من أبواب قواطع الصلاة.
( 112 )
بين الموثق والنصوص الأخر الواردة في المقام، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر
عليه السلام: " أنه قال: صاحب البطن الغالب يتوضأ ويبني على صلاته " (1). وخبره (2)
عنه عليه السلام: " قال: صاحب البطن الغالب يتوضأ ثم يرجع في صلاته، فيتم ما بقي "
(3). وعليه يكون واردا مورد المفروغية عن توقع الفترة التي بها يمكن استئناف الصلاة
بعد الوضوء، فكيف يمكن حمله على عدمها؟! فتأمل. مضافا إلى صعوبة حمل جميع هذه
النصوص على عدم الفترة بالنحو المذكور، مع أن المفروض فيها وجود الفترة في الجملة،
ولا سيما مع ما أشرنا إليه آنفا من عدم الضابط غالبا للفترات، فلو كان الامر دائرا
مدار وجود الفترة واقعا لصعب تحديد موضوع النصوص والعمل عليها إلا بانتظار آخر
الوقت، وهو بعيد عنها جدا. ومن هنا يتعين حمل العذر في صحيح منصور على العذر بلحاظ
العجز عن
____________
(1) كتاب من لا يحضره الفقيه باب: 50 حديث: 11، ج: 1، ص: 237، طبع النجف الاشرت.
(2) عده غير واحد - أولهم العلامة في المختلف على ما حكي عنه - موثفا، مع أن في
سنده محمد بن نصير، المشترك بين جماعة، والمردد في هذا الحديث بحسب الطبقة بين
الكشي الثقة والنميري الضال الملعون الذي وردت فيه الذموم العظيمة ونسبت له الافعال
والمقالات المهلكة، ولم يتضح حتى الآن المرجح للاول. نعم قد يقال: لما كان الراوي
عنه العياشي، الذي هو من الاعيان الذي يمتنع عادة روايته عن النميري حال انحرافه،
كما يمتنع اهتمام الاصحاب بالحديث مع ذلك، فلابد أن يكون المراد به الكشي أو
النميري في حال استقامته كا فيكون الحديث معتبرا وإن لم يكن من المرثق اصطلاحا، لكن
الشيخ أرسل في التهذيب الحديث عن العياشي ولم يذكر فيه سنده إليه، وسنده المذكور في
الفهرست قد اشتمل على أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني، الذي قال عنه في
الفهرست: " حسن الحفظ غير أنه ضعفه جماعة من أصحابنا "، وقال عنه النجاشي " كان في
أول أمره ثبتا ثم خلط، ورأيت جل أصحابنا يغمزونه ويضعفونه... سمعت منه كثيرا ثم
توقفت عن الرواية عنه إلا بواسطة بيني وبينه ". إلا أن يقال: إن الرواية عن كتاب
العياشي، وهو معروف عند الشيج قدس سره وذكر السند له لمحض التبرك بالاتصال بالمعصوم
عليه السلام. فتأمل.
____________
(3) الوسائل باب. 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4.
( 113 )
حبس البول، لا العجز عن الصلاة بالطهارة التامة، لاستيعاب العذر للوقت، فإنه
يناسب الامتنان بنسبة العذر لله تعالى، لانه لابد منه مع التعذر. فلاحظ. وأما ما
سبق من الجواهر من خروج هذه الصورة عن محل الكلام، فلم يتضح بنحو معتد به، بعد
اضطرابهم في عنوان محل الكلام وشدة خلافهم في الحكم، كما اعترف به بعضهم، ويشهد به
النظر في كلماتهم. بل في الحدائق أن المفهوم من كلام بعضهم حمل النصوص على ما إذا
دخل في الصلاة متطهرا ثم فجأه الحدث، - كانت له فترة تسع الصلاة كلا أو بعضا أو لا.
ولعل منشأ ما ادعي من خروج ذلك عن محل الكلام هو قوة ارتكازية القاعدة المقتضية
لتحصيل الواجب الاختياري، بنحو يصعب حمل كلماتهم على ما يشمل الصورة المذكورة. لكن
المتيقن من ذلك ما إذا كانت الفترة مضبوطة معلومة وقتا وقدرا، حيث لا يحتاج تحريها
إلى كلفة ومؤنة، فإن بعد الاكتفاء بالصلاة مع الحدث حينئذ ارتكازا لعدم الحاجة له
موجب لانصراف كلماتهم عنه بقرينة ورودها مورد العذر والاضطرار، ولا سيما مع ندرة
الصورة المذكورة. ومن ثم لا يبعد انصرات النصوص عنها أيضا، بخلاف ما لو لم تكن
الفترة معلومة كذلك، كما هو الغالب، حيث يصعب التزام بمانعيتها من جريان الاحكام
الآتية، بحيث يجب تدارك الصلاة لو وقعت مع الحدث في أول الوقت لتخيل عدم الفترة ثم
صادف تحققها في آخره - كما التزم به في العروة الوثقى وجملة من شروحها وحواشيها -
لصعوبة حمل النصوص على ذلك، كما عرفت، وخروجه عن محل الكلام بين الاصحاب غير ظاهر
بنحو يرفع به اليد عن مقتضى النصوص. فلاحظ. ثم إنه بناء على انصراف النصوص عن صورة
ضبط الفترة قدرا ووقتا، يتجه الاكتفاء فيها بما يسع الصلاة الاضطرارية ببعض المراتب
التي يلزم الاخلال فيها
( 114 )
[ والوضوء والصلاة فيها (1). الثانية: أن لا تكون له فترة أصلا، أو تكون له
فترة يسيرة لا تسع الطهارة وبعض الصلاة. وحكمه الوضوء والصلاة، وليس عليه الوضوء
لصلاة أخرى (2)، ] بما يعلم من الشارع الاقدس أنه دون الطهارة في الاهمية، كالسورة
ونحوها مما يتعين تركه في غير المسلوس والمبطون ممن يستمر منه الحدث عند مزاحمته
للطهارة. بل لا ينبغي التأمل في ذلك، بالاضافة إلى الطهارة المائية. فلو دار الامر
بين الصلاة بطهارة ترابية لا حدث فيها والصلاة بطهارة مائية يتخللها الحدث تعينت
الاولى، عملا بالقواعد العامة. نعم، لا يبعد عدم جواز الاخلال بالقيام أو الركوع
والسجود الاختياريين لاجل ذلك، لان دخل ذلك في منع الحدث مما يحتمل حتى في مورد
النصوص، فعدم التعرض فيها له ظاهر في عدم سقوطها، كما هو ظاهر الاصحاب. ومنه يظهر
حال ما في كشف اللثام وعن السرائر من أنه إن أمكنه التحفظ من الحدث إذا اختصر
الصلاة أو جلس أو اضطجع أو أومأ للركوع والسجود، وجب. فتأمل جيدا. والله سبحانه
وتعالى العالم العاصم. (1) فلو لم يصل فيها وجب عليه الصلاة فيما بعدها بالنحو
اللازم على مستمر العذر، لدخوله في موضوع النصوص حتى بناء على اختصاصها بصورة
الاضطرار، لتحقق الاضطرار وإن كان مستندا إليه، سواء كان ترك الصلاة تقصيرا أو عن
عذر، وإن لزم الاثم في الاول، بناء على بقاء ملاك الواجب الاختياري في حال
الاضطرار. (2) اختلفت كلمات الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم هذه الصورة، فإن
تصويرها بهذا الوجه وإن لم يذكره القدماء، بل ذكره جمع من
( 115 )
المتأخرين - كما في الحدائق - إلا أنه قد يستفاد حكمها عند غيرهم من إطلاق
كلماتهم أو قرائن فيها. ويستفاد من مجموع كلماتهم أن فيها أقوالا ثلاثة.. الاول: ما
ذكره في المتن من الاكتفاء بوضوء واحد للصلوات المتعددة، وسبقه إليه في العروة
الوثقى، وأمضاه جماعة من محشيها. واختاره في خصوص المسلوس في المبسوط، وعن كشف
الرموز الميل إلى موافقته، وعن شرح الارشاد لكاشف الغطاء أنه قوي جدا. وربما يكون
عدم تعرضهم له في المبطون لعدم فرضهم الاستمرار فيه بالنحو المذكور، لا للفرق بينه
وبين المسلوس في ذلك. الثاني: وجوب الوضوء لكل صلاة، كما هو المصرح به في المعتبر
والنافع والارشاد والقواعد والروض وجامع المقاصد وكشف اللثام، ومحكي التذكرة
والمختلف والدروس والذكرى وغيرها، وفي جامع المقاصد أنه المشهور، وذكر ذلك في خصوص
السلس في الخلاف مدعيا في ظاهر كلامه الاجماع عليه، وخصصه في المنتهى بالبطن.
الثالث: جمع الظهرين بوضوء والعشائين بوضوء ويتوضأ لكل صلاة غيرها، كما ذكره في
السلس في المنتهى، ومال إليه في المدارك والحدائق، وعن مجمع البرهان نفي البعد عنه.
وأما القول في المبطون بوجوب الوضوء في أثناء الصلاة والبناء على ما مضى منها على
من دخل فيها متطهرا ثم فجأه الحدث، فلا يبعد ابتناؤه على فرض تحصيل الطهارة لتمام
الصلاة بذلك، لفرضهم الفترة التي تسع الطهارة وبعض الصلاة، كما في الصورتين
الآتيتين، لا في هذه الصورة. نعم، ظاهر من قيد الحدث المفاجئ بالاستمرار - كما في
المعتبر والمنتهى - وجوبه مرة واحدة لتخفيف الحدث نظير الوضوء من مستمر الحدث لكل
صلاة قبل الدخول فيها، الذي تقدم عن المشهور.
( 116 )
وكيف كان، فلا ينبغي التأمل في أن مقتضى عموم تقييد الصلاة بالطهارة وعموم
ناقضيته الاحداث المعهودة للطهارة هو سقوط الصلاة تبعا لتعذر قيدها. وتوهم قصور
عموم الناقضية عن الفرض واختصاصه بالخروج المعهود المبني على الاختيار، والذي يصدقه
معه التبول والتغوط، موهون بملاحظة ما سبق في أول فصل النواقض. فراجع. نعم، بعد فرض
مشروعية الصلاة بالاجماع والنصوص، فلابد إما من سقوط شرطية الطهارة رأسا، أو
تبعيضها بلحاظ الاحداث، بأن يكون كل فرد من الحدث ناقضا لمرتبة من الطهارة، والساقط
هو المرتبة التي يستند ارتفاعها لاستمرار الحدث، أو عدم ناقضية الحدث المستمر
للطهارة، تخصيصا لعموم ناقضية الحدث. وعلى الاول يحتاج وجوب الوضوء للصلاة إلى
دليل، ومع عدمه فالاصل البراءة من اعتباره فيها بعد فرض تخصيص عموم شرطية الطهارة
لها. أما على الثاني، فهو مقتضى العموم المذكور المقتصر في الخروج عنه على المتيقن.
كما أنه على الثالث، جكون وجوب الوضوء مقتضى عموم ناقضية الحدث المقتصر في الخروج
عنه على المتيقن من الحدث المستمر. لكن لا مجال للاول، بعدما هو المفروغ عنه بينهم
من عدم جواز الصلاة مع غير الحدث المستمر من أفراد الحدث، لارتكاز كونه من صغريات
اعتبار الطهارة في الصلاة، لا اعتبارا لامر آخر بدلا عنها. ولذا لم يحتج إلى تكلف
الاستدلال على عمومه لجميع أفراد الاحداث الاخر، بل أوكل لما هو المعلوم من عموم
ناقضية تلك الاحداث، حيث يكشف عن مفروغية ابتنائه على اعتبار الطهارة وانتقاضها
بالحدث. كما لا إشكال ظاهرا في كونه من الاركان مع اخنصاص حديث: " لا تعاد... "
بالطهور، دون الوضوء الذي ليس طهورا.
( 117 )
بل عدم التنبيه عليه في نصوص المقام لابد أن يكون بسبب وضوح اعتباره، ولا منشأ
لوضوح ذلك إلا عموم اعتبار الوضوء في الصلاة، الراجع لاعتبار الطهارة فيها، ولو كان
واجبا تعبديا مع عدم حصول الطهارة به لمصاحبته للحدث لاحتاج للتنبيه، لمخالفته
للاصل. بل الانصاف أن قوة ارتكاز كون جميع أفراد الوضوء مؤئرة للطهارة مغن عن تكلف
الاستدلال لذلك. وما في بعض الكلمات من كون الوضوء في المقام مبيحا لا رافعا، مبني
على قوة ارتكاز عموم ناقضية الحدث شرعا، لصعوبة التفكيك بين أفراده جدا، لعدم دخل
الضرورة في التسبيبات ارتكازا، ولا ينافي الوجه الثاني المبني على ملاحظة العمومين
بالتزام تبعض الطهارة بلحاظ مراتبها ووجوب تحصيل الميسور منها. فكأنه مبني على عدم
تحقق الرفع التام به. ومنه يظهر ضعف الوجه الثالث، ولا سيما بعد قوة ارتكاز نقصان
العمل في المقام وبقاء الملاك للفائت، ولذا لا إشكال ظاهرا في وجوب المبادرة
للطهارة التامة لو علم المكلف من نفسه أنه سيبتلي باستمرار الحدث، ووجوب انتظار
الفترة لو كانت مضبوطة قدرا ووقتا، ولو كان الاضطرار في المقام مانعا من ناقضيه
الحدث وموجبا لتبدل الموضوع نظير صيرورة المسافر حاضرا لم يكن وجه لذلك. ومن ثم كان
الاظهر هو الوجه الثاني، وقد سبق في ذيل الكلام في نية الرفع والاستباحة أنه
المناسب لارتكاز كون الاحداث من سنخ القذرات العرفية القابلة للتعدد والتأكد. وما
ذكره سيدنا المصنف قدس سره من ظهور كلماتهم في وحدة الحدث وأنه عبارة عن انتقاض
الوضوء غير القابل للتعدد والتأكد، وأن وجوب الوضوء في المقم بعد فرض وجود الحدث
محض تعبد مستفاد من الاجماع. لا مجال للتعويل عليه بعد ما ذكرنا هنا وهناك، ولا
سيما مع صراحة كلماتهم في المقام في أن وجه وجوب الوضوء هو عدم استباحة الصلاة مع
( 118 )
الحدث إلا بقدر الضرورة، لكشفه عن مفروغيتهم عن رافعية الوضوء للحدث الذي لا
يضطر للصلاة معه، وعدم ابتناء الاجماع على محض التعبد، بل على اعتبار الطهارة في
الجملة، الذي عرفت مناسبته للمرتكزات. إذا عرفت هذا، ظهر لك أن القول الثاني أقرب
الاقوال لمقتضى العمومين المتقدمين، مع تأيده بما ورد في المستحاضة. وأنه لا مجال
لما في المبسوط من أن حمل المسلوس على المستحاضة قياس، ولا دليل على وجوب الوضوء
عليه لكل صلاة. لكفاية العمومين المذكورين في إثبات ذلك. بل لو احتمل وجوب الوضوء
عليه في أثناء الصلاة تخفيفا للحدث الواقع فيها لكان مطابقا لهما، إلا أنه لا مجال
لاحتماله بعد ظهور التسالم على عدم وجوبه، كما ادعاه صريحا في المعتبر، بل لا ينبغي
التأمل فيه بعد النظر في كلماتهم، إذ لو كان واجبا لم يخف عليهم عادة بعد ابتنائه
على كلفة خارجة عن الوضع المتعارف، وعدم الضابط الارتكازي لعدده وموقعه من الصلاة
كي يمكن إيكاله إليه. بل سكوت النصوص الواردة في المسلوس عن التنبيه عليه مع ذلك
موجب لظهورها في عدمه، وليس هو كالوضوء لكل صلاة ويأتي تمام الكلام في ذلك قي آخر
الكالام في هذه الصورة إن شاء الله تعالى. فليس الاشكال إلا في كفاية الوضوء الواحد
لاكثر من صلاة واحدة، الذي عرفت أنه مخالف للعمومين المذكورين. وقد يستدل لما في
المبسوط بغير واحد من النصوص منها: النصوص الكثيرة الواردة في سقوط القضاء عن
المغمى عليه ومن يستمر به العذر بين رمضانين (1)، المتضمنة لقولهم علهم السلام: "
كلما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر "، ونحوه مما يتضمن معذورية المغلوب.
____________
(1) راحع الوسائل باب 3 من أبواب قضاء الصلوات وباب 25 من أبواب أحكام الصوم.
( 119 )
فإن سوقها لبيان عدم وجوب القضاء الذي هو عبارة عن تكليف جديد بسبب عدم الاتيان
بالواجب في وقته، أو بقاء التكليف بأصل الواجب لذلك - كما هو الظاهر - كاشف عن أنه
ليس المراد بالعذر فيها ما يقابل المؤاخذة من العقاب وما هو من سنخه شرعا كالكفارة،
بل ما يعم عدم حدوث التكليف أو سقوطه، وعموم ذلك يقتضي في المقام عدم وجوب الوضوء
على المكلف بسبب البول ونحوه إذا غلب الله عليه، إما لعدم ناقضيته أو عدم وجوب
الطهارة منه. وفيه - مع أن لازمه عدم وجوب الوضوء للقطرات المذكورة مع وجود الفترة
المضبوطة بل حتى بعد الشفاء، بل في سائر موارد العجز عن تجنب الحدث، ولا يظن
التزامه من واحد -: أن الكبرى المذكورة لا تخلو عن إجمال، بسبب تطبيقها في المورد
المذكور، لان ظاهر العذر عدم المؤاخذة، فتطبيقه على القضاء موقوف إما على تنزيل
القضاء منزلة المؤاخذة، لانه عرفا من سنخ التدارك وفيه نحو من الثقل والكلفة تزيد
على ابتداء التكليف، فيقتصر فيه على مورده ونحوه مما ثبت فيه التنزيل المذكور. أو
حمل العذر على ما يعم عدم التكليف أو سقوطه - كما ذكر في وجه الاستدلال - لينفع
فيما نحن فيه. وليس الثاني بأولى من الاول، لو لم يكن الاول أولى، لما فيه من
المحافظة على ارتكازية الكبرى، ولا سيما مع لزوم كثرة التخصيص على الثاني، خصوصا لو
حمل على ما يعم بقاء التكليف، لكثرة موارد بقائه مع غلبة الله تعالى في الترك، بل
لم نعهد في المؤقت موردا لسقوط التكليف في الوقت مع الترك في أوله. بل قد يدعى أن
ذلك لازم حتى على الاول لكثرة موارد وجوب القضاء بالترك مع غلبة الله تعالى، وهو
مما يوجب إجمال هذه النصوص ويلزم بالاقتصار على موردها، وإن صرح في بعضها بالعموم
بمثل قوله عليه السلام: " هذا من الابواب التي يفتح كل باب منها ألف باب " (1). لا
يخلو عن إشكال أو منع على ما يأتي في حكم فقد الطهورين من مباحث التيمم. فلاحظ.
____________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب قضاء الصلوات حديث: 9.
( 120 )
ومنها: صحيح منصور بن حازم: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يعتريه
البول ولا يقدر على حبسه. فقال لي: إذا لم يقدر على حبسه فالله أولى بالعذر يجعل
خريطة " (1). وصحيح الحلبي عنه عليه السلام: " سئل عن تقطير البول. قال: يجعل خريطة
" (2). بدعوى: أن الاقتصار في بيان الوظيفة على جعل الخريطة ظاهر في عدم وجوب
الوضوء، ولا سيما مع التنبيه في الاول للمعذورية بسبب العجز، حيث يدل على عدم الاثر
للقطرات في وجوب الوضوء، للعجز عن حبسها. وأما عدم التنبيه للوضوء لغير القطرات
المذكورة من أفراد الحدث، فلانه خارج عن مورد السؤال، ولاسيما مع ما في الاول من
المعذورية بسبب العجز عن الحبس، حيث يناسب عدمها مع القدرة عليه. وفيه: أن الاقتصار
على جعل الخريطة قد يكون مسببا عن انصراف السؤال لخصوص جهة الخبث، مع استيضاح حكم
الحدث، بل هو الظاهر من الاول بسبب التمهيد لجعل الخريطة ببيان المعذورية لظهوره في
كون المعذورية من جهة الخبث التي اهتم الامام عليه السلام بعلاجها. على أن الامر
بجعل الخريطة منصرف لحال الصلاة، لاجل منع التنجس بما يتقاطر حين إرادتها بالقدر
الممكن، فلو دل على العفو عن الحدث المسبب عنها فالمتيقن منه العفو عنه بالاضافة
للصلاة الواقعة حينه، ولا يدل على العفو عنه بالاضافة لصلاة أخرى. ولا سيما مع أن
التعبير بأولوية الله تعالى بالعذر ظاهر في المفروغية عن تحقق موضوعه عرفا، وهو لا
يعم ما عدا الصلاة الواقع حينها، حيث لا عذر في الصلاة معه مع تيسر رفعه قبل الدخول
فيها. فلاحظ. ومنها: موثق سماعة: " سألته عن رجل أخذه تقطير من قرحة (فرجه. يب) إما
دم وإما غيره. قال: فليصنع خريطة وليتوضأ وليصل، فإنما ذلك بلاء ابتلي به،
____________
(1) (2) الوسائل باب: 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2 و 5.
( 121 )
فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضأ منه " (1). بدعوى: أنه ظاهر في عدم وجوب
الوضوء إلا للحدث المتعارف، دون الذي ابتلي به من التقطير. وفيه: أن الاقرب من ذلك
جعل الجواب قرينة على المراد بغير الدم في السؤال مثل القيح والصديد، دون الحدث
الذي يتوضأ منه، كما هو المتعين على نسخة الوسائل، المتضمنة ل " قرحة " بدل " فرجه
". ومنها: خبر عبد الرحيم (2): " كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام في الخصي يبول
فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل بعد البلل. قال: يتوضأ و (ثم. في، فقيه) ينتضح (3) في
النهار مرة واحدة " (4). وفيه: أن الاستدلال إن كان بلحاظ قوله عليه السلام: " مرة
واحدة ". فالمتيقن رجوعه
____________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9. (2) رواه الصدوق مرسلا عن
الكاظم عليه السلام. ورواه الشيخ في التهذيب في موضعين بسندين عن سعدان ابن مسلم عن
عبد الرحيم. والاول لم يصرح أحد من القدماء بتوثيقه، وإنما ذكر الشيخ في الفهرست أن
له أصل. لكن رواية غير واحد من أجلاء أصحابنا عنه ورواية جماعة لكتابه - كما ذكره
النجاشي - ونحوهما مقرب لوثاقته جدا. ولا سيما مع قرب كونه قائد أبي بصير الذي روى
عنه في كامل الزيارة، بل عن السيد الداماد: أنه شيخ كبير القدر جليل المنزلة.
والثاني هو القصير على الظاهر، كما صرح به في أحد الموضعين من التهذيب. ويشترك مع
سابقه في عدم التوثيق الصريح وفي رواية بعض الاجلاء عنه. وقد يظهر من بعض الروايات
أن له منزلة. أما الكليني فقد رواه عن سعدان بن عبد الرحمن، كما في الوسائل. لكن في
الطبعة الحديثة من الكافي: " سعدان عبد الرحمن " فيكون هو سعدان بن مسلم، بناء على
ما في جامع الرواة من أن اسمه عبد الرحمن ولقبه سعدان، وقد يؤيد بكون الراوي عنه
أحمد بن إسحاق الذي هو يروي عن سعدان ابن مسلم. بل قد يعينه عدم ذكر سعدان بن عبد
الرحمن في كتب الرجال. وكيف كان، فمن القريب اعتبار الخبر ولا سيما مع رواية
المشايخ الثلاثة له وظهور حال الصدوق والكليني في الاعتماد عليه. (3) كذا في الكافي
وأحد الموضعين من التهذيب، وفي الموضع الآخر منه وفي الفقيه: " بنضح ثوبه ". ومنه
يتضح الاشكال في الاستدلال به على العفو عن نجاسة ثوب من تواتر بوله. (4) الوسائل
باب: 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 8.
( 122 )
للانتضاح، ولا قرينة على رجوعه للوضوء أيضا، لو لم يكن مخالفا للظاهر، ولا سيما
على تقدير العطف ب " ثم " كما في بعض طرق الحديث. كيف ولا إشكال ظاهرا في وجوب
الوضوء عليه لغير البول من الاحداث، ولا وجه لفرض وقوعه مرة واحدة في اليوم؟ بل
ظاهر الخبر ناقضية البول في المرة الاولى فقط، وهو لا يناسب القول بعدم وجوب الوضوء
للبول مطلقا - كما يظهر من المتن - أو لخصوص المتقاطر منه - كما يظهر من بعضهم - إذ
على الاول لا يجب الوضوء للبول حتى في المرة الاولى، وعلى الثاني يجب الوضوء للبول
غير المتقاطر لو تكرر. وإن كان بلحاظ إطلاق الوضوء، بدعوى ظهوره في وجوب الوضوء
للبول، والانتضاح للبلل من دون وضوء. فهو لا يخلو عن إشكال، إذ لا يبعد عن تركيب
الكلام رجوع كلا الامرين للبلل، ولم يتعرض للوضوء للبول، اتكالا على المفروغية عن
وجوبه له، كما لم يتعرض للغسل منه بالاستنجاء لذلك أيضا. نعم، لو أريد من البلل ما
لم يحكم عليه بالبولية تعين الحمل على الاستحباب. ولعله المتعين بلحاظ الامر بالنضح
الذي ورد الامر به استحبابا في غير مورد من موارد اشتباه النجاسة وغيره، كالثوب
يصيبه المذي (1)، أو الكلب والخنزير الجافان (2)، وأثر الفارة إذا لم ير (3)، وما
يشك في إصابة النجاسة له من الجسد أو الثوب (4)، كثياب المجوس (5) وبيوتهم (6)
ومعاطن الابل ومرابض البقر
____________
(1) راجع الوسائل باب: 17 من أبواب النجاسات. (2) راجع الوسائل باب: 26 من أبواب
النجاسات. (3) الوسائل باب: 33 من أبواب النجاسات حديث: 2. (4) الوسائل باب: 37 من
أبواب النجاسات حديث: 2، وباب 40 منها حديث 3. (5) الوسائل باب: 73 من أبواب
النجاسات حديث: 3. (6) راجع الوسائل باب. 14 من أبواب مكان المصلي.
( 123 )
والغنم (1) لمن أراد أن يصلي فيها، والندى والصفرة تخرج ممن به جرح في مقصدته
(2)، ولا قائل باستفاء به لاصابة البول في مورد النص، بل غاية ما قيل به وجوب غسل
الثوب مرة في اليوم لمن تواتر بوله، ولا ينهض به الخبر. هذا ولا أقل من عدم التصريح
في السؤال بكون البلل بولا، لينفع فيما نحن فيه لو تم الوجه المذكور. إلا أن يستفاد
ذلك من ظهور السؤال في الضيق من الحال المذكورة وشدة التحير بسببها، مع وضوح الحكم
ظاهرا بالطهارة وعدم الناقضية في المشتبه مع الاستبراء. كما يشكل لاجله الحمل على
الاستحباب، لان ضيق الحال يناسب التخفيف ببيان السعة أو الاقتصار على ما لابد منه.
اللهم، إلا أن يكون منشأ السؤال هو الاضطراب النفسي الحاصل من قوة احتمال البولية،
ولو مع السعة ظاهرا، فيكون الجواب مسوقا لبيان الوظيفة الاستحبابية حال الشك، لرفع
الاضطراب المذكور بأداء وظيفة مقررة، نظير ما في صحيح الحسين بن أبي العلاء: " سألت
أبا عبد الله عليه السلام عن المذي يصيب الثوب. قال: لا بأس به، فلما رددنا عليه
قال: ينضحه بالماء " (3). فتأمل جيدا. وقد ظهر مما تقدم أنه لا مجال لما في
المبسوط. ولا ينهض شئ مما تقدم للخروج عن القاعدة المعتضدة بصحيح حريز المتقدم في
حكم تحري الفترة، المتضمن للامر بالجمع بين الصلاتين، لقرب كونه إرشادا للمحافظة
على الوضوء، فيدل على انتقاضه بالحدث المتخلل بينهما على تقدير التفريق، كما أمر به
في بعض أقسام المستحاضة إرشادا، للمحافظة على الغسل. وأما أحتمال أن يكون إرشادا
لتجنب زيادة الخبث، فلا يخلو عن بعد، لعدم
____________
(1) راجع الوسائل باب: 17 من أبواب مكان المصلي. (2) الوسائل باب: 16 من أبواب
نواقض الوضوء حديث: 3. (3) الوسائل باب: 17 من أبواب النجاسات حديث: 2.
( 124 )
ملازمة التفريق لزيادة موضع الملاقاة من البدن مع وضع الكيس المفروض فيه، بل لا
يتنجس معه غالبا إلا الذكر. ولو خرج البول عن الكيس لكثرته ونجس موضعا من البدن،
كان التنبيه على وضع الكيس كافيا في بيان وجوب التطهير منه بلا حاجة للامر بالجمع.
وأما زيادة خروج البول في الكيس فهو غير قادح للعفو عن نجاسة الكيس لعدم تمامية
الصلاة به. على أن أهمية الوضوء ارتكازا من الخبث توجب انصراف الامر بالجمع في
الصحيح له. فلاحظ. ولاجله يقوى ما في المنتهى من جواز الجمع بين الظهرين وبين
العشائين بوضوء واحد، لقوة ظهور الصحيح في ذلك، بسبب عدم تعرضه للوضوء بين الصلاتين
والتصريح بجمعهما في أذان واحد، الظاهر في عدم الفصل بينهما. ودعوى: سقوط الصحيح عن
الحجية بسبب إعراض المشهور عنه. ممنوعة، لاختصاص ذلك بشهرة القدماء، ولم يتضح حكم
المسألة بينهم، لقلة المتعرضين منهم لها، كما ذكرت في كلمات بعضهم عرضا، مع اضطراب
بعضهم في حكمها، كالشيخ في المبسوط والخلاف. بل يظهر من ذكر الصدوق قدس سره للصحيح
في الفقيه الاعتماد عليه والعمل به. بل الطبقة الوسطى المخالفة لمضمون الصحيح ليست
من الكثرة بنحو يعتد به، إذ عمدتهم ابن إدرس والفاضلان والشهيدان والمحقق الثاني في
بعض كتبهم، ولا مجال لاهمال الصحيح لاجلهم، ولا سيما مع ظهور كلام بعضهم في المنع
من دلالته، وقرب كون إعراض بعضهم عنه لقوة استحكام عموم مانعية الحدث في نفوسهم
بنحو يتجلى لهم شذوذه، أو لعدم حجيته بنظره ذاتا، كما يناسبه مسلك ابن إدريس في
الاخبار، وظهور التردد من بعضهم في بعض كتبه كالمحقق في الشرائع، والعمل بالصحيح من
آخر، كالعلامة في المنتهى. وبالجملة: لم يتضح إعراض الاصحاب عن الصحيح بنحو يكشف عن
( 125 )
وضوح بطلان مضمونه عندهم ليسقطه عن الحجية، فالعمل عليه متعين. بقي في المقام
أمران.. الاول: أن الصحيح مختص بالسلس، وعليه اقتصر العلامة في المنتهى، ورجع في
البطن للقاعدة المقتضية لوجوب الوضوء لكل صلاة، وهو المتعين، إذ لا مجال للتعدي
للبطن بإلغاء خصوصية المورد عرفا، ولا بتنقيح المناط بعد مخالفة الحكم للقاعدة،
ولما ورد في المستحاضة، التي هي من أفراد مستمر الحدث. وما قد يظهر من المشهور من
اتفاق المسلوس والمبطون في أحكام الصور لو تم، مختص بما يطابق القاعدة بنظرهم،
لتنزيل دليل كل منهما على الصورة الملائمة لها، حيث نزلوا ما ورد في المبطون من
الوضوء والبناء على صورة الفترة لتحصيل الطهارة التامة في مجموع الصلاة، وما دل في
السلس على عدم الوضوء في الاثناء على صورة الاستمرار الذي تتعذر معه الطهارة
التامة، فلا مجال للتسوية بينهما في مثل هذا الحكم المخالف للقاعدة. ومنه يظهر أنه
لا مجال للتعدي لغير الظهرين والعشائين في جواز الجمع، اقتصارا فيما خرج عن القاعدة
على المتيقن. الثاني: لو دخل ذو السلس والبطن في الصلاة بطهارة تامة ثم فجأه الحدث
مستمرا بنحو لا يسعه الوضوء لتمام الصلاة ولو بنحو التقطيع، فهل يمضي في صلاته، كما
قد يظهر ممن أطلق الاكتفاء بوضوء واحد للصلاة الواحدة لمن ليس له فترة يمكن إيقاع
الصلاة معها بطهارة تامة ولو بنحو التقطيع، أو يتوضأ ويبني على ما مضى منها، كما
ذكره في المعتبر والمنتهى في المبطون، حيث تقدم في عرض اللاقوال أن فائدته تخفيف
الحدث الواقع في الاثناء، نظير الوضوء قبل الصلاة لمستمر الحدث؟ وجهان: استدل على
ثانيهما في المعتبر والمنتهى بالنصوص المتقدمة الواردة في المبطون والمتضمنة أنه
يتوضأ ويبني على صلاته، ويشكل بعدم ظهورها في الاستمرار، بل هي منصرفة لصورة تحصيل
تمام الصلاة بطهارة المستلزم لوجود
( 126 )
فترات، كما يأتي في الصورة الثالثة. ودعوى: استفادة الاستمرار من تفسير البطن
بالغالب في بعض تلك النصوص. ممنوعة، لظهور الوصف المذكور في الكناية عن ذهاب
الماسكة، لان البطن قد لا يكون كذلك، فإنه عبارة عن داء البطن، كما يأتي في ذيل
الكلام في الصورة الثالثة، وهو أعم من ذلك. نعم، قد لا يكون مرادهما الاستمرار
الحقيقي بل الاستمرار المانع من الاتيان بتمام الصلاة بطهارة، فيرجع القيد المذكور
إلى اعتبار تحري الفترة الذي تقدم الكلام فيه، ويخرج عما نحن فيه. وكيف كان،
فالوضوء لتخفيف الحدث في الاثناء - الذي هو محل الكلام - هو المناسب، للقاعدة
المتقدمة، مع خروجه عن المتيقن من الاجماع على الاكتفاء بوضوء واحد للصلاة الواحدة،
ولا سيما بملاخة ما تقدم من أن عدم الضابط الارتكازي لعدد الوضوء في الصلاة الواحدة
وموقعه منها موجب لكون سكوتهم عن التعرض لذلك كاشفا عن وضوح عدم وجوبه في الاثناء،
وهو لا يجري في الفرض، لان الحدث المفاجئ مثير لاحتمال وجوب الوضوء بعده. وأما ما
دل على بطلان الصلاة بالحدث في أثنائها (1)، فهو غير شامل للمقام، للقطع بعدم
بطلانها بالحدث المذكور، وإنما الكلام في وجوب الوضوء من الحدث المذكور لاكمالها.
ومثله ما دل على مبطلية الفعل الكثير، لما يأتي في الصورة الثالثة. نعم، قد يشكل في
المرأة، لاستلزام الوضوء منها الاخلال بالستر المعتبر في الصلاة غالبا، فمع عدم
الدليل على العفو عنه - كما يأتي في الصورة الثالثة - يقع التعارض بين عموم اعتباره
وعموم اعتبار الطهارة. لكن سبر أدلة الحكمين شاهد بأقوائية عموم اعتبار الطهارة
وأهميته،
____________
(1) راجع الوسائل باب، 1 من أبواب قواطع الصلاة.
( 127 )
فيتعين تقديمه لو كان المقام من صغريات التعارض - كما هو الظاهر - وترجيحه لو
كان من صغريات التزاحم، ولذا لا يظن بأحد التوقف في جريان حكم الصورة الثالثة في
المرأة، لان النسبة بين دليل العفو عن الفعل الكثير ودليل التستر لها العموم من
وجه. بل لا يبعد ورود عموم اعتبار الطهارة في الصلاة على عموم اعتبار الستر، لظهوره
في عدم اجتماع الصلاة مع الحدث، بحيث يكون الحدث موجبا لانقطاع الصلاة وعدم صدق
التلبس بها، وليس إكمالها في المبطون بعد الوضوء إلا عودا إليها بعد الانقطاع لا
استمرارا فيها، وظهور عموم اعتبار الستر في اعتباره حال الانشغال بالصلاة والتلبس
بها عرفا، وإن كان حال السكون المتعارف المتخلل بين الاجزاء. فتأمل. هذا، ولكن لابد
من رفع اليد عن القاعدة المذكورة بالنصوص الواردة في المسلوس، خصوصا صحيح حريز
المتقدم، لشمولها لصورة وجود الفترة التي لا تسع الطهارة والصلاة مع انضباطها، فضلا
عن عدمه، لان ما تقدم من انصرافها عن صورة ضبط الفترة التي تسع الطهارة والصلاة ناش
من ورودها مورد العذر العرفي لايقاع الصلاة مع الحدث، وهو حاصل في الفرض. وإنما
الاشكال في المبطون الذي لا وجه للاكتفاء في صلاته مع استمرار الحدث إلا الاجماع أو
نصوص المسلوس مع إلغاء خصوصية موردها أو الاجماع. والاول لا يخلو في نفسه عن إشكال،
كما تقدم في نظير المقام. والثاني غير ظاهر الشمول للمقام. بل يشكل تحقق الاجماع في
المبطون، لان ظاهر جمهور الاصحاب فرضهم له - كالنصوص - في صورة عدم الاستمرار، بنحو
يمكن تحصيل الصلاة بطهارة تامة ولو بنحو التقطيع، ومن صرح بجريان حكم المسلوس له مع
الاستمرار ليس من الكثرة بنحو يحقق الاجماع الكاشف عن الحكم الشرعي. ودعوى إرادة
( 128 )
[ إلا أن يحدث حدثا آخر، كالنوم وغيره (1)، فيجدد الوضوء لها. الثالثة: أن تكون
له فقرة تسع الطهارة وبعض الصلاة (2) ]، الكل لذلك خالية عن الشاهد. نعم، يبعد جدا
- بعد النظر في نصوص المقام والمستحاضة - سقوط الصلاة عنه في الصورة المذكورة.
وتكليفه فيها بالوضوء في الائناء، مما يقطع بعدمه بعد ما سبق في تقرير مقتضى
القاعدة، وهو مما يقرب مشروعية الصلاة له بوضوء واحد قبلها. ولعل التشكيك فيه ملحق
بالوسواس. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. (1) كما احتمل غير واحد لكونه مراد
الشيخ في المبسوط، كما احتملوا أيضا إرادته عدم ناقضية خصوص ما يتقاطر مع ناقضية ما
يسانخه إذا خرج بالوجه المتعارف، كما جرى عليه في العروة الوثقى، وأمضاه غير واحد
من محشيها. والاول مبني على أن يكون منشأ الاكتفاء بالوضوء الواحد للصلوات المتعددة
سقوط اعتبار الطهارة، وأن وجوب الوضوء محض تعبد للاجماع، حيث يلزم الاقتصار فيه على
المتيقن. أما لو كان منشؤه عدم ناقضية الحدث مع اعتبار الطهارة فيتعين الثاني، وهو
المناسب للاستدلال بنصوص قاعدة: " كلما غلب الله عليه.. "، وصحيح منصور، وموثق
سماعة، وثاني وجهي الاستدلال بخبر عبد الرحيم. أما على الوجه الاول فيكفي وضوء واحد
في النهار، والظاهر عدم القائل به. فراجع. (2) يعني: فيستطيع تحصيل الصلاة كاملة
بطهارة تامة بنحو التقطيع، فلو تعذر ذلك، لعدم تكرر الفترة بالمقدار المذكور، بل لا
يستطيع إلا تحصيل بعض الصلاة بطهارة تامة، خرج عن مفروض هذه الصورة ولحقه ما تقدم
في ذيل الكلام
( 129 )
[ ولا يكون عليه في تجديد الوضوء في الاثناء مرة أو مرات حرج، وحكمه الوضوء
والصلاة في الفترة، وكلما فاجأه الحدث جدد الوضوء وبنى على صلاته (1)، ] في الصورة
الثانية ويأتي في الصورة الرابعة. فلاحظ. (1) لا يخفى أن هذه الصورة كسابقتها لم
تحرر بهذا الوجه في كلام متقدمي الاصحاب - وإنما حررت في كلام بعض المتأخرين - إلا
أنه يمكن استفادة رأيهم فيها من إطلاق كلماتهم أو من قرائن فيها. والكلام تارة: في
وجوب الوضوء قبل الدخول في الصلاة، وعدم الاكتفاء بالوضوء المتعقب بالحدث القهري
الحاصل قبلها. وأخرى: في وجوب تكرار الوضوء في أثناء الصلاة للحدث المفاجئ، لتحصيل
الصلاة بطهارة تامة بنحو التقطيع. أما الاول، فهو مقتضى إطلاق من أوجب الوضوء لكل
صلاة على المبطون والمسلوس، ممن تقدم التعرض له في الصورة الثانية. ويستفاد أيضا
ممن أوجب الوضوء عليه في الاثناء لو فجأه الحدث، على ما يأتي التعرض لهم، لابتناء
ذلك منهم على وجوب تحصيل الطهارة لتمام الصلاة مع القدرة. نعم، قد يظهر الخلاف فيه
في المسلوس من الشيخ قدس سره في المبسوط وغيره ممن حكم بجواز الجمع له بين صلوات
كثيرة بوضوء واحد، بناء على شمول كلامهم لصورة الفترات بالنحو الذ ي هو محل الكلام،
أما لو كان منصرفا عن الصورة المذكورة، فلا يكون خلافا فيها. وكيف كان، فتقتضيه
القاعدة، بالتقريب المتقدم في الصورة الثانية، والنصوص الواردة في المبطون، لظهورها
في لزوم المحافظة على الطهارة في تمام الصلاة.
( 130 )
فلو فرض عدم تمامية القاعدة - كما يظهرمن سيدنا المصنف قدس سره - وإهمال النصوص
أو الاقتصار فيها على موردها - وهو المبطون - يكون وجوب الوضوء مبينا على التفكيك
بين أجزاء الصلاة في اعتبار الطهارة، ويأتي الكلام فيه في الصورة الرابعة إن شاء
الله تعالى. وأما الثاني، فقد صرح به في المبطون في المبسوط والنهاية والنافع
واللمعتين والروض، وحكي عن الوسيلة والسرائر وكشف الرموز والذكرى والدروس والبيان
والتنقيح ومجمع البرهان وغيرها، وتقدم في ذيل الكلام في الصورة السابقة احتمال حمل
ما تقدم من المعتبر والمنتهى من التقييد بالاستمرار عليه، وفي جامع المقاصد وعن
البيان وحاشية النافع أنه المشهور، وفي المدارك أنه قول المعظم، وعن الذكرى أنه قول
الجماعة، وعن الدروس أنه الاشهر. وأما المسلوس، فمقتضى مقابلته في كلام غير واحد
بالمبطون والحكم فيه بوجوب الوضوء لكل صلاة، أو الجمع بوضوء واحد بصلاتين أو أكثر،
عدم جريان ذلك فيه عندهم. لكن عن السرائر والوسيلة والذكرى والبيان والدروس أنه إذا
كان له فترات ساوى المبطون، واستقرله في الجواهر. وربما يظهر من بعضهم حمل ما تقدم
من المشهور على خصوص صورة الاستمرار، ويأتي الكلام فيه. وكيف كان، فيقتضيه في
المبطون النصوص المتقدمة عند الكلام في وجوب تحري الفترة. منها: صحيح محمد بن مسلم
عن أبي جعفر عليه السلام: " أنه قال: صاحب البطن الغالب يتوضأ ويبني على صلاته "
(1)، لظهور البناء على الشئ في إبقائه وعدم رفع اليد عنه كالاساس، بل هو كالصريح من
قوله عليه السلام في خبره: " ثم يرجع