في الخلع والمباراة
وهما نوعان من الطلاق يبتنيان على طلب الزوجة من الزوج أن يفارقها مع بذلها له مالاً من أجل ذلك، فيكون فراقه لها إجابة لطلبها ورضىً بعرضها.
(مسألة 1): لما كان الخلع والمباراة من أنواع الطلاق فلابد فيهما من الشروط المتقدمة في الطلاق نفسه، كالإشهاد، وفي المطلق، كالبلوغ والعقل والقصد وعدم الإكراه، وفي المطلقة، ككونها في طهر لم يواقعها فيه، إلا ما استثني كالحامل والصغيرة وغيرهما، على التفصيل المتقدم في الطلاق.
(مسألة 2): يشترط في الخلع أن تكون المرأة كارهة لعلقة الزوجية بينها وبين الرجل، بنحو يؤدي ذلك إلى امتناعها عن القيام بحقوقه والتعدي عليه وعصيان الله تعالى فيه، أو بحيث تهدد الزوج بذلك جادة به. ولا يكفي كراهتها للعلقة المذكورة إذا كانت ملتزمة بأداء حقوق الزوج تديناً أو تجملاً، بل حتى لو احتمل أداء الكراهة للتفريط بحقوقه من دون أن تهدد بذلك جادة به. بل لا يشرع الخلع لو لقنها غيرها وحملها على أن تهدد بذلك من دون أن يحرز قناعتها به وعزمها على الجري عليه.
(مسألة 3): يشترط في المباراة كراهة كل من الزوجين للآخر وإن لم يبلغ حد التعدي من أحدهما على الآخر والتفريط بحقه.
(مسألة 4): لا يشرع الخلع والمباراة لتفادي مشاكل اُخرى على المرأة تابعة لعلقة الزوجية من دون كراهة لها، بأن صعب عليها مثلاً أداء بعض حقوق الزوج أو السفر معه أو معاشرة أهله، فضلاً عما إذا كان ذلك منها لأمر خارج عن العلقة الزوجية، كاستجابة لطلب أهلها أو لعرف عشائري أو خوف من ظالم أو رغبة في خير موعود به، أو غير ذلك.
(مسألة 5): يحرم على الزوج التعدي على زوجته والتضييق عليها من أجل أن تتخلص منه ببذل مالها، ففي ذلك استغلال لضعفها، وهو من أفحش الظلم، وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله): «ومن أضر بامرأة حتى تفتدي نفسها منه لم يرض الله له بعقوبة دون النار، لأن الله يغضب للمرأة كما يغضب لليتيم... إلا وإن الله ورسوله بريئان ممن أضر بامرأته حتى تختلع منه». وكذا الحال في غير الزوج ممن يتدخل بين الزوجين ويسعى لحمل الزوجة ـ بالترغيب والترهيب والمضايقات ـ على البذل وطلب الطلاق. ولو سولت النفس وغر الشيطان الزوج أو غيره فأجرم وفعل ذلك فطلبت الطلاق وبذلت لم يحل للزوج ما بذلت ولم يقع الخلع ولا المباراة.
نعم إذا أدى ذلك إلى حصول شرط الخلع أو المباراة بالنحو المتقدم فبذلت حل المال وصح أحد الأمرين، وتحمل المسبب لذلك إثم هذه الجريمة.
(مسألة 6): حيث تقدم ابتناء الخلع والمباراة على بذل المال من قبل الزوجة، فلابد من كون الشيء المبذول مما يصح التعاوض به شرعاً، عيناً كان أو منفعة أو حقاً، دون مثل الخمر والخنزير. كما لابد من كونه معيناً، ولا يكفي المردد، كأحد الثوبين أو ما يطلبه الزوج. نعم لا بأس بجهالته مع تعيينه، كما لو بذلت مجموعة من الأوراق النقدية من دون أن يعرف قدرها.
(مسألة 7): لا حد في الفداء من حيثية القلة والكثرة. نعم لابد في المباراة من أن لا يتجاوز الفداء مقدار المهر، ولا بأس في الخلع بزيادته عن ذلك.
(مسألة 8): لابد من كون الفداء الذي تبذله المرأة مالاً لها تملكه قبل البذل أو تجعله عليها وفي ذمتها عند البذل. ولا يصح أن تبذل مال غيرها حتى لو كان بإذنه. نعم لو أذن لها في تملكه وبذله فتملكته وبذلته فلا إشكال.
(مسألة 9): لابد من كون الطالب للفراق الباذل من أجله هو الزوجة، ولا يجزي طلب غيرها ـ كأبيها وعشيرتها ـ حتى لو كانت كارهة بالوجه المتقدم وكان الفداء ملكاً لها وبذله بإذنها. نعم إذا كان الغير وكيلاً عنها في طلب الفراق وبذل الفداء أجزأ طلبه وبذله.
(مسألة 10): لابد في الخلع والمباراة من أن يكونا مرتبطين بالبذل متفرعين عليه، نظير ارتباط القبول بالإيجاب، فلا يكفي فيهما العلم برضا المرأة بالفداء من دون أن تبذله فعلاً، وكذا إخبارها للزوج بأنها مستعدة للبذل في سبيل فراقها، بل لا يصح به الخلع ولا المباراة ما لم يتحقق منها البذل بالفعل فيخلعها أو يباريها استجابة لها.
(مسألة 11): يشرع الإتيان بصيغة الخلع والمباراة بأحد وجهين..
الأول: أن يأتي بصيغة الطلاق، فيقول: أنت طالق على ما بذلت، أو فلانة طالق على ما بذلت.
الثاني: أن ينشئ الفراق خالياً عن صيغة الطلاق، ويجزي فيه كل ما يدل على إخراجها عن زوجيته وحبالته وعصمته من غير أن يتضمن فسخ عقد النكاح وحله.
فيقول في الخلع: خلعتك على كذا، أو أنت مختلعة على كذا، أو خلعت فلانة على كذا، أو هي مختلعة على كذا، ويقول في المباراة: بارأت فلانة على كذا، أو بارأتك على كذا. أو يقول فيهما معاً: فارقتك على كذا أو فارقت فلانة على كذا أو تركتك على كذا أو تركت فلانة على كذا. بل لو قالت في مقام البذل: اخلعني على كذا، أو: بارئني على كذا، أو: لك كذا واخلعني، أو بارئني، أو فارقني، فقال قاصداً إنشاء الخلع أو المباراة: رضيت بذلك، بحيث تحقق منهما معاً الرضا بذلك كفى في تحقق أحد الأمرين، بلا حاجة حينئذٍ إلى إنشاء الفراق من الزوج ابتداء.
ولا يحتاج في الوجه الثاني إلى الإتيان بعد ذلك بصيغة الطلاق. نعم هو أحوط استحباباً خصوصاً في المباراة، فيقول ـ بعد تمامية الخلع أو المباراة بإحدى العبارات المتقدمة في الوجه الثاني ومع بقاء شروط الطلاق ـ كحضور الشاهدين وطهر المرأة ـ: أنت طالق، أو: فلانة طالق.
(مسألة 12): لابد في الخلع والمباراة من التنجيز، فلا يصحان معلقين على أمر مستقبل أو حاضر مجهول الحصول. نعم لا بأس بتعليقهما على أمر حاضر معلوم الحصول، كما لا بأس بتعليقهما على ما يتوقف صحتهما عليه، كما لو قال: خلعتك أو بارأتك إن كنت كارهة لي، أو إن كنت زوجتي. وبذلك يفترقان عن الطلاق، حيث تقدم عدم صحة تعليقه حتى على ما يتوقف صحته عليه.
(مسألة 13): لا تشترط المباشرة في الخلع والمباراة، بل يمكن لكل من الطرفين التوكيل في طلب الفراق والبذل، وفي إيقاع الفراق استجابة للطلب ومبتنياً على البذل.
(مسألة 14): إذا خلعها أو بارأها على ما لا يصح التعاوض به شرعاً ـ كالخمر والخنزير ـ لم يصح الخلع ولا المباراة، كما لم يقع طلاقاً بلا عوض، بل تبقى المرأة زوجة. من دون فرق بين إقدامهما على ذلك عمداً وعدمه، بأن وقع ذلك منهما خطأ جهلاً بالحكم أو الموضوع. وكذا الحال إذا لم تكن الفدية ملكاً للمرأة، بل مملوكة لغيرها أو وقفاً. نعم لو كان قد أتبعهما بالطلاق المجرد ـ كما تقدم أنه مقتضى الاحتياط في الوجه الثاني ـ صح الطلاق وكان رجعياً أو بائناً حسب اختلاف الموارد.
(مسألة 15): إذا ظهر بعد الخلع أو المباراة أن الفدية معيبة أو على خلاف ما وصفت لم يبطل الخلع ولا المباراة. وفي استحقاق الرجل الأرش أو التبديل إشكال، فاللازم الاحتياط. هذا إذا كانت الفدية شيئاً معيناً في الخارج كثوب خاص، أما إذا كانت أمراً كلياً في ذمة المرأة كعشرة مثاقيل من الذهب، فسلمت للرجل فرداً معيباً أو مخالفاً للوصف فلا إشكال في استحقاق الرجل التبديل، وإن تعذر على المرأة التبديل كان عليها إرضاء الرجل ولو بالمصالحة معه على شيء من المال.
(مسألة 16): تعتد المرأة من الخلع والمباراة عدة الطلاق إذا كانت ممن تعتد في الطلاق، كالمدخول بها وهي في سن الحيض، إلا أن عدتها بائنة، حتى لو كانت المرأة بحيث لو طلقت من دون خلع ولا مباراة لكان طلاقها رجعياً، فتجري عليها أحكام العدة البائنة، كعدم جواز رجوع الرجل فيها، وعدم التوارث بينهما لو مات أحدهما في أثنائها، وغير ذلك.
(مسألة 17): للمرأة الرجوع في الفدية ما دامت في العدة بشرطين..
الأول: بقاء الفدية في ملك الزوج، فلو خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف فلا مجال لرجوعها بها. هذا إذا كانت عيناً خارجية كثوب خاص. أما إذا كانت أمراً كلياً فسلمته فرداً منه فخرج عن ملكه ففي صحة رجوعها به مع تكليف الرجل أن يدفع إليها فرداً آخر إشكال، فلا يترك الاحتياط.
الثاني: أن يشرع للرجل الرجوع بالمرأة. ولابد في ذلك من أمرين..
أحدهما: كون المرأة لو طلقت من دون خلع ولا مباراة لكان طلاقها رجعياً.
ثانيهما: عدم حصول ما يمنع من الرجوع فيها، كما لو تزوج أختها، أو صار له أربع زوجات دائمة غيرها، أو أرضعت هي زوجته فصارت أمها بالرضاع، أو نحو ذلك.
هذا ويشترط في الخلع شرط ثالث، وهو أن تقلع عن التعدي على حقه وتتوب من معصية الله تعالى فيه.
(مسألة 18): إذا كانت المرأة قد تزوجت من دون ذكر مهر فاختلعت قبل الدخول لم يكن لها متعة، بخلاف ما لو طلقت بلا عوض، فإنها تمتع كما سبق في المهور.
(مسألة 19): الخلع والمباراة وإن لم يجبا على الزوج عند بذل المرأة، إلا أنه إذا توقف حل المشكلة على أحدهما فلا ينبغي له التعنت والتصلب إحراجاً للمرأة أو تشفياً منها، فإن الله تعالى إنما شرعهما لحل المشاكل المستعصية حذراً من انتهاك حرماته وتعدي حدوده، وليتسنى لكل من الزوجين أن يعيش تجربة اُخرى قد يحصل بها على البيت السعيد والعيش الرغيد. قال جلت آلاؤه وعظمت نعماؤه: (وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته وكان الله واسعاً عليماً) ولم يجعل الله تعالى الأمر للرجل من أجل أن يتعنت ويستغل موقعه، إجحافاً بالمرأة واستهواناً بها، بل لأنه الأرشد والأقدر على ملاحظة مقتضيات الحكمة والعمل عليها. فينبغي له أن يؤدي شكر نعمة الله تعالى عليه في ذلك بأن يقوم بمقتضى مسئوليته ويخرج عن عهدتها.
(مسألة 20): إذا لم تتم شروط الخلع والمباراة لم يشرع الطلاق بالعوض المبذول من المرأة أو غيرها، وانحصر الأمر بالطلاق المجرد عن العوض. نعم يمكن بذل العوض للزوج من المرأة أو غيرها وتمليكه له بشرط الطلاق، فإذا قبل الزوج بذلك وجب عليه الطلاق وفاء بالشرط، فلو لم يطلق كان عاصياً، وكان للباذل الرجوع في البذل. وإن طلق جرى عليه حكم الطلاق بلا عوض، الذي قد يكون رجعياً، كما لو كانت المرأة مدخولاً بها وفي سن من تحيض وكان هو الطلاق الأول أو الثاني. وحينئذٍ يكون للزوج الرجوع، إلا أن يشترط عليه عند البذل والتمليك عدم الرجوع حينئذٍ، فيلزمه الشرط ويحرم عليه الرجوع. لكن لو عصى ورجع ففي نفوذ رجوعه إشكال، واللازم الاحتياط.
نعم لا ينبغي سلوك هذا الطريق، إلا عند ضرورة تسوغ تقويض بيت الزوجية من دون أن يلزم حيف على المرأة، وإلا تحمل من يقوم بذلك مسئولية جسيمة وإن كانت المعاملة صحيحة والشرط نافذاً. ومنه سبحانه نستمد التوفيق والتسديد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
في الظهار
وهو تشبيه من يحل نكاحها بالفعل ـ من زوجة أو أمة ـ بإحدى المحارم بقصد تحريمها عليه، على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.
وهو من مبتدعات الجاهلية، وقد استنكره الله تعالى لما فيه من تحريم ما أحل، قال عز من قائل: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً). وقد عاقب الله تعالى من أقدم عليه بإلزامه بما قال وتحريم من حرّمها على نفسه حتى يكفر. فحري بالمؤمن أن يتجنب ذلك ويتثبت في أفعاله وأقواله، ويحفظ لسانه عن الخطل والباطل مهما كانت الظروف المحيطة به، مراعياً تعاليم الله تعالى ومتأدباً بأدبه، ولئلا يحرج نفسه ويضيق عليها وعلى أهله متكلفاً بذلك ومتعدياً.
(مسألة 1): المظاهر هو الرجل، ولا يقع الظهار من المرأة لتحريم الرجل عليها.
(مسألة 2): يتحقق الظهار بأن يقول الرجل للمرأة بقصد تحريمها عليه: أنت علي كظهر أمي. ويكفي كل ما يدل على المرأة التي يراد تحريمها، كفلانة، أو هي. كما يكفي كل ما يدل على التشبيه، مثل: أنت علي ظهر أمي، أو: أنت مني كظهر أمي، أو: أنت حرام علي كظهر أمي، إلى غير ذلك.
(مسألة 3): يقوم مقام الأم جميع المحرمات النسبية، كالأخت وبنتها وبنت الأخ والعمة والخالة، بل مطلق المحرمات بالنسب والرضاع والمصاهرة.
(مسألة 4): الظاهر اختصاص الظهار بما إذا أخذ في المشبه به العنوان المحرّم، كالأم والأخت، دون شخص المرأة التي هي محرم، فإذا قال: أنت علي كظهر زينب، وكانت زينب أمه أو أخته لم يقع الظهار.
(مسألة 5): يقوم مقام الظهر كل عضو من أعضاء المحارم، كالرجل واليد والبطن والفرج وغيرها. وكذا لو كان المشبه به هو المرأة المحرم نفسها، كما لو قال: أنت علي كأمي أو كأختي.
(مسألة 6): لا يقع الظهار بالتحريم المجرد عن التشبيه بالمحارم، كما لو اقتصر على قوله: أنت علي حرام.
(مسألة 7): لا يقع الظهار موقتاً بزمان، كشهر أو سنة، بل لابد فيه من الإطلاق وعدم التوقيت.
(مسألة 8): لا يقع الظهار مؤجلاً، كما لو قال: أنت علي كظهر أمي من يوم الجمعة، أو عند خروج هذا الشهر.
(مسألة 9): لا يقع الظهار في يمين، وهو الذي يراد به الحمل على فعل أو الزجر عنه، كما لو قال: أنت علي كظهر أمي إن تركت صلاة الليل، أو إن اغتبت مؤمناً. وفي وقوعه مشروطاً بشيء من دون أن يراد به اليمين على تركه إشكال، والأظهر العدم.
(مسألة 10): يشترط في المظاهر البلوغ والعقل والقصد إلى الظهار المعهود المبني على تحريم المرأة مع بقائها على الزوجية، فلو قصد به الكناية عن الطلاق لم يقع ظهاراً ولا طلاقاً.
(مسألة 11): يشترط في المظاهر الاختيار، فلا يقع الظهار مع الإكراه، ولو لأجل إرضاء الغير، كأمه وزوجته تجنباً لبعض المشاكل.
(مسألة 12): لا يقع الظهار مع الغضب والانفعال تسرعاً من دون قصد سابق.
(مسألة 13): يقع الظهار بالزوجة دائمة كانت أو متمتعاً بها، ولا يقع بالأجنبية، حتى لو علقه على الزواج بها، بأن قال مثلاً: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي.
(مسألة 14): لا يقع الظهار بالمرأة إلا بعد الدخول بها ولو دبراً.
(مسألة 15): لابد في الظهار من أن تكون المرأة في طهر لم يواقعها فيه إذا كانت في سن الحيض، على التفصيل المتقدم في الطلاق. وفي جريان حكم الغائب هنا إشكال، فاللازم الاحتياط.
(مسألة 16): لابد في الظهار من شهادة عادلين، على النحو المتقدم في الطلاق.
(مسألة 17): لا يقع الظهار في إضرار. والظاهر أن المراد بذلك ما إذا أوقعه بقصد الإضرار بالمرأة والإيذاء لها.
(مسألة 18): إذا تم الظهار حرم على المظاهر وطء المرأة المظاهرة ما دامت زوجة له حتى يكفر، ولا يحرم عليه غير الوطء من وجوه الاستمتاع، فإن كفر حل الوطء، وإن وطأها قبل أن يكفر عصى ووجبت عليه كفارة اُخرى للوطء المذكور، وهكذا إذا كرر الوطء قبل التكفير اللازم بالظهار، فإن الكفارة تتعدد بتعدد الوطء.
(مسألة 19): إذا خرجت المرأة المظاهرة عن زوجية المظاهر بطلاق أو غيره سقط الظهار وسقطت معه الكفارة، فإن عادت له بتزويج جديد حل له وطؤها بلا كفارة. نعم لو طلقها طلاقاً رجعياً ورجع بها قبل خروجها عن العدة لم يسقط الظهار فلا يحل له وطؤها حتى يكفر، كما لو لم يطلقها.
(مسألة 20): إذا تعدد الظهار على المرأة الواحدة في مجلس واحد أجزأته كفارة واحدة في تحليل وطئها، أما مع تعدد المجلس فاللازم تعدد الكفارة بتعدد الظهار المتفرق. نعم لو وطأها قبل التكفير لزمته كفارة واحدة للوطء مهما تعدد الظهار.
(مسألة 21): إذا ظاهر من نساء متعددات كان لكل امرأة ظهارها، حتى لو كان ظهارهن جميعاً بكلام واحد، وحينئذٍ يحرم عليه وطء كل واحدة حتى يكفر لها، ولا يجزيه كفارة واحدة لتحليلهن جميعاً.
(مسألة 22): كفارة الظهار عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يقدر فإطعام ستين مسكيناً. لكل مسكين مُد، هذا في الحر، وأما العبد فكفارته صيام شهر واحد.
(مسألة 23): المراد بالتتابع هنا هو المراد بالتتابع في سائر الكفارات، وهو أن يصوم شهراً تاماً ويوماً من الشهر الثاني، ثم له أن يفرق الصوم حتى يكمل الشهر الثاني. وقد تقدم في أواخر كتاب الصوم بعض فروع التتابع.
(مسألة 24): إذا لم يقدر على العتق وشرع في الصيام ثم وطأ المرأة المظاهرة قبل إكمال الصوم لزمه كفارة الوطء قبل التكفير. ثم إن أخل الوطء بالتتابع ـ كما لو وطأها نهاراً قبل مضي شهر ويوم ـ وجب عليه استئناف صوم كفارة الظهار، وإن لم يخل به ـ كما لو وطأها ليلاً أو بعد مضي شهر ويوم ـ أجزأه إكمال صوم كفارة الظهار الذي شرع فيه ولم يجب استئنافه.
(مسألة 25): إذا عجز عن عتق الرقبة فشرع في الصوم ثم أيسر، فإن كان قد دخل في الشهر الثاني أجزأه إتمام الصوم، وإلا وجب عليه العتق. أما إذا عجز عن العتق والصوم فشرع في الإطعام ثم قدر على أحدهما قبل إكماله فإن الأحوط وجوباً التكفير بالعتق أو الصيام وعدم الاجتزاء بما أتى به من الإطعام إلا أن يستمر العجز حتى يكمله.
(مسألة 26): إذا عجز عن الخصال المتقدمة وآخرها إطعام ستين مسكيناً صام ثمانية عشر يوماً عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام. ولا يجب فيها التتابع، وإن كان أحوط استحباباً.
(مسألة 27): إذا عجز حتى عن صوم الثمانية عشر يوماً ففي الاجتزاء بالاستغفار في تحليل الوطء ـ مع بقاء الكفارة في ذمته حتى يقدر عليها ـ إشكال، والأحوط بل الأظهر العدم، ويجري عليه حينئذٍ ما يأتي في المسألة الآتية.
(مسألة 28): إن كفر المظاهر فلا إشكال، وإن لم يكفر فإن صبرت المرأة المظاهر منها فذاك، وإلا انتظر بالرجل ثلاثة أشهر من حين الظهار ثم كان لها أن ترفع أمرها للحاكم الشرعي، فيلزمه بأحد الأمرين من الكفارة أو الطلاق، ومع إبائه عن ذلك فإن أمكنه التضييق عليه حتى يطلق بنفسه فالأحوط وجوباً ذلك، وإلا طلق عنه، وكان الطلاق بائناً أو رجعياً حسب اختلاف الموارد، فإن كان رجعياً كان له الرجوع في العدة، ووجب عليه التكفير، وإلا ألزم مرة اُخرى بالطلاق، حتى ينتهي به إلى التكفير والوطء أو خروجها عن عصمته وبينونتها منه.
في الإيلاء
وهو الحلف على ترك وطء الزوجة على وجه مخصوص يأتي الكلام فيه، فإن خرج عن ذلك كان يميناً، ولحقه حكم اليمين المحض في اللزوم وعدمه، على ما يأتي تفصيله في بحث اليمين إن شاء الله تعالى.
ولا ريب في كراهته من وجوه..
الأول: ما يأتي من كراهة اليمين إعظاماً لاسم لله تعالى أن يحلف به.
الثاني: ما يأتي أيضاً من كراهة أن يتعرض الإنسان للحقوق ويجعلها على نفسه بنذر ونحوه.
الثالث: أنه يبتني على الإضرار بالمرأة والإيذاء لها. فينبغي للمؤمن تجنب ذلك والتحلي بالحلم والصبر وضبط النفس، ولا يندفع في مواقفه الانفعالية إلى ما قد يحرج نفسه ويؤذي أهله بما هو في غنىً عنه، وليبق لنفسه حرية الاختيار، التي جعلها الله تعالى له ولا يفرط بها. والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق والتسديد.
(مسألة 1): لا يقع الإيلاء إلا بالحلف بالله تعالى، كما هو الحال في سائر الأيمان، على ما يأتي في بحث اليمين إن شاء الله تعالى.
(مسألة 2): لابد في الإيلاء من أن يكون الحلف على ترك وطء الزوجة بقصد الإضرار لها وإغضابها وهجرها. فلو كان بداعي أمر آخر ـ من مرض أو مراعاة الولد أو غيرهما ـ لم يكن إيلاء، وجرى عليه حكم اليمين المحض.
(مسألة 3): الظاهر وقوع الإيلاء معلقاً على شرط، كما لو قال: والله لا أجامعك إن خرجت من الدار، أو إن طلعت الشمس.
(مسألة 4): يقع الإيلاء مؤبداً، كما لو قال: والله لا أجامعك أبداً أو دائماً. ويقع أيضاً مطلقاً، كما لو قال: والله لا أجامعك، فيكون بحكم المؤبد. ويقع أيضاً موقتاً، كما لو قال: والله لا أجامعك إلى سنة. نعم لابد حينئذٍ من أن يكون الأمد أكثر من أربعة أشهر، وإلا لم ينعقد الإيلاء، ولحقه حكم اليمين المحض.
(مسألة 5): لابد في الرجل المولي من أن يكون بالغاً عاقلاً قاصداً مختاراً، على نحو ما تقدم في الظهار، وأن يكون قادراً على جماع المرأة التي يولي منها، فلا يقع من المجبوب والعنين، ولا مع كون المرأة رتقاء أو نحوها ممن يتعذر وطؤها.
(مسألة 6): لابد في المرأة المولى منها من أن تكون زوجة دائمة مدخولاً بها، ولا يقع الإيلاء بدون شيء من ذلك، بل يكون يميناً محضاً.
(مسألة 7): إذا تم الإيلاء وانعقد فلابد من الكفارة عند وطء الزوجة حتى لو كان الوطء المحلوف على تركه راجحاً. وبذلك يختلف الإيلاء عن اليمين المحض، فإن اليمين لا ينعقد إذا كانت مخالفته راجحة ـ كما يأتي ـ ولا تجب بمخالفته الكفارة.
(مسألة 8): كفارة الإيلاء هي كفارة اليمين، وهي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام، على ما يأتي في بحث اليمين إن شاء الله تعالى.
(مسألة 9): المشهور أن الكفارة في الإيلاء تجب بعد الوطء كما في اليمين، لكن الظاهر أنها شرط في جواز الوطء، فلابد من تقديمها عليه ككفارة الظهار. نعم لو وطء قبل التكفير لم تجب كفارة اُخرى، بل تجزئ كفارة واحدة للوطء اللاحق، ويكفي الاستغفار للوطء الأول، على خلاف ما تقدم في الظهار.
(مسألة 10): إذا آلى الرجل من امرأته، فإن صبرت فذاك، مهما طالت المدة، ولها أن ترفع أمرها للحاكم الشرعي من يوم آلى منها أو بعد ذلك، فيمهله الحاكم أربعة أشهر من حين رفع أمرها له يخيره فيها بين أن يفيء ويرجع ـ وذلك بأن يدفع الكفارة ويجامعها ـ وأن يطلق، فإذا مضت الأربعة أشهر ولم يفعل أحد الأمرين أجبره على أحدهما، بأن يحبسه ويضيق عليه في المطعم والمشرب ونحو ذلك حتى يفعل أحدهما، فإن لم ينفع ذلك وأيس منه طلق الحاكم عنه وفرق بينهما.
(مسألة 11): لو حصل الطلاق كان بائناً أو رجعياً حسب اختلاف الموارد. فإن كان رجعياً ورجع ألزم بأحد الأمرين أيضاً على النهج السابق.
(مسألة 12): إذا طلقها وبانت منه ثم تزوجها لم يسقط حكم الإيلاء ووجبت الكفارة بالوطء.
(مسألة 13): لا تتعدد الكفارة بتعدد الحلف مع اتحاد الزمان الذي وقع الحلف على ترك الوطء فيه، بل تجب كفارة واحدة.
في اللعان
أكد الإسلام فيما أكد على تهذيب اللسان وعفته، وقد ورد الردع عن قذف غير المسلم بالفاحشة ما لم يطّلع على ذلك منه، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه نهى عن قذف من ليس على الإسلام إلا أن يطّلع على ذلك منهم. وقال: «أيسر ما يكون أن يكون قد كذب».
أما المسلم فقد أكد على عرضه وشدد فيه حتى قال تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين). وقد عد قذف المحصنة من الكبائر، بل من أكبر الكبائر، ومن الكبائر السبع الموجبات. ثم لم يكتف بذلك حتى جعل عليه حداً أو تعزيراً ـ على تفصيل مذكور في محله ـ يكونان عقوبة معجلة في الدنيا رادعة لمن لم يرتدع بعذاب الآخرة الموعود.
ولا يسقط ذلك إلا شهود أربعة يشهدون بالفاحشة عن حس ومعاينة لا عن حدس وتخمين، وبدون ذلك يعد القاذف عند الله تعالى كاذباً فاسقاً منتهكاً لحرماته مستحقاً للحد، ولا تقبل شهادته، بل يلزم على المؤمنين ردعه وتكذيبه وإن احتملوا صدقه أو ظنوا به.
ومع الأسف الشديد نرى تهاون الناس في ذلك، وتسرعهم في الطعن والقذف لأوهام وظنون واتهامات لا تغني من الحق شيئاً، ولا تنهض حجة بين يدي الله تعالى، غافلين أو متهاونين بتعاليم الله تعالى، قال عز من قائل في حديث الإفك بعد أن شدد في الإنكار على من قام به: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين. لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون. ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم. إذ تلقونه بألسنتكم وتقولونه بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم. ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين). فعلى المؤمنين أن يتأدبوا بأدب الله تعالى، ويتورعوا عن محارمه، ويقفوا عند حدوده التي لم يجعلها إلا لصلاحهم وخيرهم.
وقد استثنى الله تعالى من ذلك الزوج مع زوجته لأن قيامها بالفاحشة خيانة عظيمة له، وقد توجب إلحاق ولد غيره به، وكثيراً ما لا يتيسر له إقامة الشهود، فاكتفى منه عند رمي زوجته باللعان بشروط مشددة، وتكون نتيجته الحرمة المؤبدة بينهما والفراق الدائم. من دون أن يسوغ لغيره التعويل عليه في رمي المرأة وقذفها وانتهاك حرمتها، فإذا لاعن الرجل زوجته وفارقها حرم على غيره قذفها بالزنى.
وقد عقدنا هذا الفصل للنظر في شروط اللعان وكيفيته وأحكامه.
(مسألة 1): إنما يشرع اللعان بقذف الزوج زوجته إذا لم يشهد بزناها أربعة شهود مقبولي الشهادة يثبت شرعاً زناها بشهادتهم، أما مع ذلك فلا لعان، بل تكفي شهادتهم في ثبوت الحد عليها وسقوط حد القذف عن الزوج. ولابد من إقامتهم الشهادة، أما بدون ذلك فيشرع اللعان حتى لو كانوا مستعدين لإقامة الشهادة لو دعوا إليها.
(مسألة 2): يكفي في الشهود الأربعة أن يكون أحدهم الزوج، ولا يجب أن يكونوا غيره.
(مسألة 3): إنما يشرع اللعان بقذف الزوجة إذا ادّعى الزوج أنه عاينها تزني، أما إذا لم يدّع المعاينة فإنه يجري عليه حكم القاذف.
(مسألة 4): تقدم في أحكام الأولاد الضابط في إلحاق الولد بالرجل ظاهراً، وأنه لا يحل للرجل نفي الولد عنه، بل لا يقبل منه النفي مع اعترافه بتحقق الضابط المذكور. أما مع عدم اعترافه بتحققه فيقبل منه نفي الولد عنه مع كون المرأة موطوءة بالملك أو متمتعاً بها أو زوجة دائمة لم يدخل بها. أما إذا كانت زوجة دائمة مدخولاً بها فلا يقبل من الزوج نفي الولد إلا باللعان، أو بإقامة البينة على ما يمنع من تولد الولد منه.
وحينئذٍ نقول: إن رجع نفي الولد إلى قذف أمه بالزنى توقف انتفاء الولد وسقوط حد القذف عن الزوج على اللعان، لكن لا يشترط حينئذٍ أن يدعي معاينة الزنى منها، بل يكفي فيه أن يدعي عليها أنها حملت به من الزنى.
وإن لم يرجع إلى قذف الأم بالزنى ـ لاحتمال وطئها من قبل الغير شبهة أو مكرهة، أو إدخال مني الأجنبي في فرجها من دون أن يطأها ـ انحصر نفي الولد بإقامة البينة على ما يمنع من تولد الولد منه، فإن لم يتيسر له ذلك تعين لحوق الولد به ظاهراً وإلزامه به، نعم له وعليه فيما بينه وبين الله تعالى أن لا يجري عليه أحكام ولده لو علم بعدم تولده منه، كما لو علم من نفسه أنه كان عقيماً أو أنه لم يطأ المرأة وطأً يقتضي إلحاق الولد به أو غير ذلك.
(مسألة 5): قذف الزوجة بالزنى بمجرده لا يقتضي نفي الولد، سواء أشهد على زناها أم أقرت به أم تلاعنا، بل يلحق الولد به لأنه صاحب الفراش، ويتوقف انتفاء الولد منه على أن يدعي أنها حملت بالولد من الزنى، ويلاعنها على ذلك.
(مسألة 6): يشترط في المتلاعنين البلوغ، والعقل، وأن يكونا زوجين زواجاً دائماً مع الدخول، كما يشترط في الزوجة الملاعنة أن لا تكون خرساء أو نحوها ممن لا تستطيع الكلام، وقد تقدم في السبب الرابع من أسباب تحريم النكاح أن قذف الخرساء ونحوها موجب لتحريمها وإن لم تلاعن.
(مسألة 7): صورة اللعان أن يشهد الزوج القاذف أربع شهادات بالله تعالى أنه صادق فيما رماها به، فيقول مثلاً: أشهد بالله أني صادق فيما رميتها به، ثم في الخامسة يجعل لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فيقول مثلاً: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به، ثم تشهد الزوجة المقذوفة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به، فتقول مثلاً: أشهد بالله أنه كاذب فيما رماني به، ثم في الخامسة تجعل غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فتقول مثلاً: غضب الله علي إن كان صادقاً فيما رماني به.
(مسألة 8): يجب التلفظ بالشهادات من الزوج، إلا في الأخرس ونحوه ممن يتعذر في حقه النطق، فإنه تكفيه الإشارة المفهمة صريحاً حسب ما يعلم من حاله. أما الزوجة فلا يشرع اللعان معها إذا كانت خرساء كما تقدم.
(مسألة 9): يجب النطق بالشهادات بالعربية مع الإمكان، ومع تعذرها يجزي غيرها.
(مسألة 10): يجب القيام عند الشهادة، بل الأحوط وجوباً قيامهما معاً في تمام الملاعنة، فتقوم المرأة مع الرجل عند بدئه بالشهادة، ويبقى الرجل قائماً معها حتى تكمل هي الشهادة.
(مسألة 11): يستحب جلوس الحاكم مستدبر القبلة، ووقوف الرجل عن يمينه والمرأة ـ والصبي المنفي إن كان ـ عن يساره مستقبلين القبلة. كما يستحب أن يعظ الحاكم كلاً منهما بعد أن يشهد الشهادات الأربع قبل الخامسة، ففي الصحيح ـ بعد ذكر الشهادات الأربع من الرجل ـ: «ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أمسك ووعظه، ثم قال: اتق الله فإن لعنة الله شديدة» وبعد ذكر الشهادات الأربع للمرأة: «ثم قال لها أمسكي فوعظها، ثم قال لها: اتقي الله فإن غضب الله شديد». قيل: ويستحب حضور جماعة من الأعيان والصلحاء يسمعون اللعان، لكن لو تم ذلك فقد ورد الأمر بالتباعد عن المتلاعنين، وحينئذٍ يحضرون بنحو يسمعون التلاعن مع بعدهم عن مجلس الملاعنة.
(مسألة 12): إذا قذف الرجل المرأة ولم يكن له شهود عرض عليه الحاكم اللعان، فإن أبى حده حد القاذف، وكذا إذا أكذب نفسه. وإن لاعن وأتى بالشهادات الخمس سقط عنه الحد، ثم يعرض الحاكم على المرأة اللعان، فإن أبت أو صدقته ثبت عليها حد الزنى، وإن لاعنت وأتت بالشهادات الخمس سقط عنها الحد، وحرمت عليه مؤبداً، كما تقدم في فصل أسباب تحريم النكاح.
(مسألة 13): إذا لاعن لنفي الولد وتم اللعان انتفى الولد منه وألحق بأمه، ولا يحكم عليه أنه ابن زنى، بل من نسبه لذلك لزمه حد القذف، وحينئذٍ لا يرث الولد من الملاعن ولا ممن يتقرب به، ولا يرثونه، بل يكون التوارث بينه وبين أمه ومن يتقرب بها لا غير.
(مسألة 14): مع اختلال شروط اللعان المتقدمة وعدم مشروعيته لا تترتب أحكامه المتقدمة، بل يترتب حكم القذف على الزوج لا غير. نعم إذا كانت المرأة خرساء تحرم مؤبداً بمجرد القذف وإن لم يشرع اللعان كما تقدم، وفي انتفاء الولد بذلك إشكال.
(مسألة 15): إذا أقر بالولد قبل أن يقذف أمه ألزم به، ولا يقبل منه نفيه حتى باللعان.
(مسألة 16): إذا أقر الملاعن بالولد بعد أن ينفيه منه باللعان ألحق به، فيرث الولد منه ومن قرابته، لكنهم لا يرثونه، بل يبقى ميراثه لأمه ومن يتقرب بها.
(مسألة 17): إذا أكذب أحدهما نفسه بعد حصول اللعان منهما لم يرتفع التحريم بينهما، ولو كان الذي أكذب نفسه هو الرجل لم يجب عليه حد القذف.
(مسألة 18): إذا ادعت الزوجة أو المطلقة الحمل من الزوج فأنكر الدخول بها فالقول قوله، وله نفي الولد بلا لعان. نعم إذا أقامت بينة على أنه اختلى بها خلوة يمكن معها الدخول عادة حكم به وألحق به الولد، وتوقف نفيه على اللعان، أو على إقامة البينة على ما يمنع من تولد الولد منه.
والحمد لله رب العالمين.