الفصل السادس

في العيوب والشروط

النكاح عقد لازم، بل يمتاز عن كثير من العقود اللازمة بعدم إمكان فسخه بالتقايل، ولا بالاشتراط ولا بتخلف الشرط. نعم يثبت الخيار فيه في بعض الموارد الخاصة ـ على ما يتضح في المسائل الآتية ـ ولا يتعدى عنها.

(مسألة 1): للزوجة الخيار في فسخ النكاح بجنون الزوج قبل العقد أو بعده ولو بعد الوطء.

(مسألة 2): للزوجة الخيار في فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن الوطء لعنن أو عمل شيطاني أو لكونه ممسوحاً أو مجبوباً أو نحو ذلك. وإن وطأها مرة واحدة فلا خيار. وكذا إذا كان قادراً على وطء غيرها من النساء، فإنه لا خيار لها ما دام قادراً على غيرها، فإذا تجدد له العجز عن غيرها أيضاً ثبت الخيار لها.

(مسألة 3): ليس للزوجة المبادرة للفسخ مع عجز الزوج عن الوطء، بل ترافعه للحاكم فيؤجله سنة، فإن قدر على وطئها أو وطء غيرها فلا خيار، وإلا كان لها الخيار.

(مسألة 4): للزوجة الخيار في فسخ النكاح إذا كان الزوج خصياً حين العقد عليها.

(مسألة 5): إذا تزوجت المرأة الرجل على أنه من قبيلة خاصة فبان من غيرها كان لها الخيار في فسخ العقد، سواء ظهر ذلك قبل الوطء أم بعده.

(مسألة 6): للزوج خيار فسخ النكاح بأحد اُمور في زوجته..

الأول: الجنون.

الثاني: الجذام.

الثالث: البرص.

الرابع: كل عيب فيها مانع من وطئها أو موجب لصعوبته، كرتق موضع الوطء أو غدة فيه أو عليه أو لحمة أو عظم، بل حتى ضيق المسلك بنحو غير متعارف بحيث يعد عيباً.

الخامس: الإفضاء، وهو اتصال مخرج الحيض والغائط وانخرام الحاجز ببينهما.

السادس: العمى، وهو فقد البصر، ولو مع فتح العينين.

السابع: العرج.

الثامن: الزنى. وإنما توجب هذه الاُمور الخيار إذا كانت قبل العقد، دون ما إذا كانت بعده قبل الوطء أو بعده.

(مسألة 7): لا فرق في ثبوت الخيار في عيوب الزوج والزوجة بين الزواج الدائم والمنقطع.

(مسألة 8): ليس الخيار المذكور في عيوب الرجل والمرأة فورياً، بل لصاحب الخيار التراخي في ذلك ولا يسقط خياره إلا بإسقاطه أو بالرضا بالعقد بعد العلم بالعيب. نعم يكفي في الرضا من الزوج الوطء بعد العلم بالعيب. بل الأحوط وجوباً ذلك في الزوجة، فيكون تمكينها للزوج من الوطء بعد العلم بالعيب مسقطاً للخيار.

(مسألة 9): الفسخ حل لعقد النكاح فيسقط به المهر ويسترجعه الزوج مع عدم الدخول إلا في العنن، فإن عليه معه نصف المهر، وكذا في الخصاء على الأحوط وجوباً. وأما مع الدخول فإنها تستحق بسببه تمام المهر الذي جعله لها. لكن مع التدليس والغش يكون له الرجوع بالمهر على من دلسها، وإن كانت هي المدلسة استرجعه منها. أما مع عدم التدليس منها ولا من غيرها فلا يرجع به.

(مسألة 10): إذا تزوج امرأة على أنها بكر فبانت ثيباً فليس له الخيار في فسخ العقد، نعم ينتقص من المهر بنسبة التفاوت بين مهر البكر والثيب، والأحوط وجوباً الاقتصار على ما إذا ثبت أن ارتفاع بكارتها بسبب وطء سابق، دون ما إذا كان بسبب آخر أو احتمل ذلك. ولا ينتقص المهر في غير ذلك من العيوب.

(مسألة 11): لا يثبت الخيار بسبب المرض المعدي أو نحوه في أحد الزوجين، سواء كان قبل العقد أم بعده، نعم إذا خاف الآخر من الضرر جاز له اعتزال المريض بالمقدار الذي يندفع به احتمال الضرر، فإن كان المعتزل حينئذٍ هو الزوجة لم تسقط نفقتها، وإن كان هو الزوج لم يجب عليه الطلاق الرافع لحقوق الزوجية، إلا أن يلزم الضرر على الزوجة من الاعتزال، فالأحوط وجوباً حينئذٍ للزوج الطلاق إذا لم يؤد لها حقوقها.

ثم إن ما سبق يختص بما إذا لم يعلم أحد الزوجين بمرض الآخر حين العقد ولم يقدم على ذلك، أما إذا علم به وأقدم عليه فاللازم عليه القيام بحقوق الزوجية للآخر وإن لزم الضرر، إلا أن يكون الضرر شديداً يحرم إيقاعه بالنفس فيجب تجنبه بالاعتزال.

(مسألة 12): إذا تزوج المريض امرأة توقفت صحة زواجه على دخوله بها، فإن دخل بها صح زواجه وترتبت عليه جميع الآثار، وإن لم يدخل بها بطل زواجه ولم يترتب عليه الأثر، فلا ميراث بينهما ولا مهر ولا عدة.

والمعيار في المرض ما يظهر ويصدق به أنه مريض عرفاً، دون الأمراض الكامنة التي لا مظهر لها ولا يدركها إلا الأطباء بطرقهم الخاصة.

(مسألة 13): إذا كانت المرأة مريضة صح الزواج منها ولو مع عدم الدخول.

(مسألة 14): تخلف الشرط في عقد النكاح وإن لم يوجب الخيار في فسخه كما تقدم، إلا أنه يجب الوفاء بالشرط الواجد للضوابط المتقدمة في مبحث الشروط من كتاب البيع. ولا يجب الوفاء به بدونها من دون أن يوجب ذلك بطلان العقد.

(مسألة 15): إذا اشترطت الزوجة في العقد أن لا يطأها أو أن لا يخرجها من بلدها أو من بيتها وجب على الزوج الوفاء بذلك إلا أن تتنازل عن شرطها.

(مسألة 16): إذا اشترطت الزوجة على الزوج في العقد أن لا يتزوج عليها وجب الوفاء بالشرط، بل لو تزوج بطل زواجه إلا أن ترضى به ولو بعد ذلك.

(مسألة 17): إذا اشترطت الزوجة على الزوج في عقد النكاح أو في عقد آخر أن يطلقها في حال خاص ـ من مرض أو سفر أو غيرهما ـ نفذ الشرط ووجب الوفاء به، وكذا لو اشترطت عليه أن لا يطلقها فإنه لا يصح منه الطلاق حينئذٍ.

(مسألة 18): إذا اشترطت عليه أن يوكلها على طلاق نفسها في أي وقت شاءت، أو في حال خاص ـ كمرض أو سفر طويل أو سجن أو غير ذلك ـ وجب عليه أن يوكلها. وإذا اشترطت عليه مع ذلك أن لا يعزلها لم يصح منه عزلها، بل يصح ضم التوكيل لعقد النكاح مشروطاً بعدم العزل، كما لو قالت: زوجتك نفسي وجعلت نفسي وكيلة عنك في طلاقي منك على أن لا تعزلني، فقال: قبلت. فإنها تصير زوجة له ووكيلة عنه بلا حاجة للتوكيل ثانياً، وحينئذٍ يصح طلاقها لنفسها. نعم لا يجوز أن تشترط عليه أن بيدها الطلاق، بحيث يكون وقوع الطلاق وعدمه منوطاً بها لا به، بل يبطل الشرط المذكور.

الفصل السابع

في المهر

وهو كل شيء له مالية ويحل التكسب به، وإن قل، عيناً كان ديناً أو منفعة، كخياطة الثوب وتعليم القرآن. وأما ما لا يحل التكسب به، كالخمر والخنزير وآلات اللهو والمنافع المحرمة، فلا يصح جعله مهراً.

(مسألة 1): لابد من جعل المهر ملكاً للزوجة في العقد، فإن جعل لغيرها من أب أو أخ أو غيرهما بطل النكاح، وكذا لو اشترط الولي شيئاً له من مهرها. نعم لها أن تشترط هي شيئاً لغيرها غير المهر زائداً عليه.

(مسألة 2): لا يصح نكاح الشغار، وهو: أن يتزوج شخصان امرأتين على أن يكون مهر كل منهما زواج الاُخرى، مثل أن يزوج الرجل أخته من رجل على أن يزوجه ذلك الرجل أخته. وهو من أنكحة الجاهلية. وأما إذا اشتمل الزواج على المهر واشترط فيه زواج آخر، فالزواج صحيح والشرط باطل إلا أن يرضى به الزوجان الآخران.

(مسألة 3): لابد في الزواج من المهر، وإن ابتنى على عدم المهر بطل، أما لو أهملا ذكره في العقد من دون أن يبتني على عدمه فإن كان العقد منقطعاً بطل أيضاً كما تقدم، وإن كان دائماً صح، لكنها تستحق مهر المثل بالدخول، فإن طلقها قبل الدخول كان عليه المتعة، وذلك بأن يعطيها شيئاً على حسب حاله من حيثية الغنى والفقر. والاُولى مع ذلك مراعاة حالها أيضاً فلا يدفع لها ما لا يناسب شأنها. والأحوط وجوباً ثبوت المتعة أيضاً بموت أحدهما قبل الدخول، فلابد من التصالح.

(مسألة 4): إذا كان طلاق غير المدخول بها التي لم يسم لها مهر خلعياً فلا متعة لها، وفي المباراة إشكال.

(مسألة 5): من تزوج امرأة على حكم أحدهما فإن كان العقد منقطعاً بطل، وإن كان دائماً صح، وحينئذٍ إن كان الحكم للزوج ثبت للزوجة ما يحكم به الزوج قل أو كثر، وإن كان الحكم للزوجة لم يكن لها أن تتجاوز مهر السنّة. فإن مات أحدهما قبل الحكم وقبل الدخول فلا حكم حينئذٍ، بل تستحق المتعة إن كان الميت هو الحاكم بل مطلقاً على الأحوط وجوباً. وإن كان بعد الدخول، فإن كان الميت هو الحاكم استحقت مهر المثل، وإن كان الميت هو الآخر كان للحاكم أن يحكم على التفصيل المتقدم، فينفذ حكمه، وكذا ينفذ حكمه لو كان الموت بعد الحكم مطلقاً.

(مسألة 6): تملك المرأة المهر بالعقد، وإطلاقه يقتضي التعجيل فلها حينئذٍ المطالبة به كاملاً، بل لها الامتناع من تسليم نفسها حتى تقبضه، سواء كان الزوج موسراً أم معسراً. لكن لو دخل الزوج بها قبل التسليم لم يكن لها الامتناع بعد ذلك من أجل أن تستلمه، فلو امتنعت حينئذٍ كانت ناشزاً. نعم يجب على الزوج حينئذٍ تسليمه مع مطالبتها به وقدرته عليه، كسائر الديون.

(مسألة 7): يجوز اشتراط التأجيل في المهر، فإن ابتنى التأجيل على تأجيل تسليم نفسها تبعاً للمهر كان لها الامتناع من تسليم نفسها قبل الأجل وبعده حتى تستلم المهر، ولا يكون فائدة التأجيل حينئذٍ إلا عدم استحقاقها المطالبة بالمهر قبل الأجل. وإن لم يبتن على ذلك ـ بأن يكون الغرض من المهر المؤجل التوثق لبقاء الزواج أو لمجرد تكريم المرأة بتكثير مهرها كما يتعارف في عصورنا ـ فليس للمرأة الامتناع من تسليم نفسها من أجل قبض المهر، سواء طلب الزوج إدخالها عليه قبل الأجل أم لم يطلبه حتى حل الأجل.

(مسألة 8): مع إطلاق التأجيل في المهر ـ بتمامه أو في بعضه ـ من دون ذكر أجل لا تستحق تسليم المهر إلا بالطلاق أو الموت، ويجوز للزوج التعجيل بأدائه. ومع تعيين الأجل يتعين العمل عليه، إلا أن يراد استحقاق التأجيل ما دامت عنده، كما هو غير بعيد في زماننا، وحينئذٍ يجب تسليمه بالطلاق وإن حصل قبل الأجل، كما يحل بالموت مطلقاً.

(مسألة 9): يكفي تعيين الأجل في الجملة، مثل ورود المسافر ووضع الحمل، ولو كان مبهماً بحتاً سقط الأجل وكان معجلاً.

(مسألة 10): يسقط نصف المهر في الزواج الدائم بالطلاق قبل الدخول، وبموت أحد الزوجين قبله. ويستقر تمامه بالدخول ولو دبراً، ولا يقوم مقامه إزالة البكارة بغير الوطء. نعم يثبت مع إزالة بكارتها بغير إذنها مهر المثل، فإن دخل بها بعد ذلك أو قبله ثبت تمام المهر المسمى أيضاً. وكذا يثبت مهر المثل على غير الزوج لو أزال بكارة المرأة بغير إذنها.

(مسألة 11): في الزواج المنقطع لا يسقط شيء من المهر بانقضاء الأجل أو الموت قبل الدخول، وفي سقوط نصفه بهبة المدة قبل الدخول إشكال. نعم إذا أخلت بتمكين نفسها من الوطء بعض المدة مع طلبه منها أو شرطه عليها سقط من المهر بالنسبة، سواء كان الإخلال لعذر أم لا. ويستثنى من ذلك أيام الحيض أو النفاس أو الإحرام أو نحو ذلك مما يحرم فيه الوطء. هذا إذا كان الغرض المهم من الزواج هو الوطء، أما إذا كان الغرض بقية الاستمتاعات فالإخلال بها بعض المدة موجب لنقص المهر وإن صادف أيام الحيض مثلاً. والمدار في تبعيض المهر على تبعيض مدة الحضور، لا على التبعيض في وجوه الاستمتاع.

(مسألة 12): إذا دفع الزوج للزوجة شيئاً عوضاً عن مهرها ثم طلقها قبل الدخول أو مات أحدهما رجع نصف المهر المسمى، لا نصف ما دفعه لها.

(مسألة 13): إذا أبرأت الزوجة الزوج من مهرها أو من بعضه ثم طلقها قبل الدخول أو مات أحدهما كان عليها نصف المهر. وكذا إذا قبضت المهر ثم تلف عندها وطلقها قبل الدخول أو مات أحدهما.

(مسألة 14): إذا كان المهر عيناً فقبضتها ثم زادت عندها أو نقصت وطلقها أو مات أحدهما قبل الدخول رجع نصف قيمتها بلحاظ حالها حين قبضها. أما إذا زادت القيمة السوقية أو نقصت من دون تغيير في العين فاللازم دفع نصف العين وإن اختلفت القيمة.

(مسألة 15): إطلاق عقد النكاح يقتضي ثبوت المهر في ذمة الزوج. ويمكن أن يتحمله عنه غيره بأن يشترط ذلك في العقد. بل إذا زوج الأب ولده الصغير ولم يكن للولد مال كان المهر على الأب وإن لم يشترط ذلك في العقد.

(مسألة 16): إذا تحمل غير الزوج المهر فطلق الزوج أو مات أحد الزوجين قبل الدخول لم يرجع نصف المهر للزوج، بل لمن تحمله. وكذا إذا كان المهر على الزوج فتبرع به غيره عنه.

(مسألة 17): من وطأ امرأة شبهةً بعقد فاسد قد اشتمل على المهر كان عليه ذلك المهر، فإن لم يشتمل العقد على المهر كان عليه مهر المثل، وكذا عليه مهر المثل إذا وطأها شبهة بغير عقد. نعم إذا كان مغروراً كان له الرجوع على من غره. وإن كانت هي التي خدعته سقط مهرها.

(مسألة 18): لا يثبت للمرأة شيء من المهر بالعقد الفاسد من دون وطء. نعم في عقد الفضولي من دون وطء يحتمل ثبوت نصف المهر المسمى على الفضولي لا على الزوج، واللازم الاحتياط.

(مسألة 19): لا يثبت شيء مع الزنى من دون شبهة. والمعيار في الزنى والشبهة على الزوجة لا على الزوج.

(مسألة 20): من وطأ امرأة مكرهاً لها كان عليه مهر المثل لها.

(مسألة 21): الهدايا التي تتعارف في عصورنا لكل من الزوجين بمناسبة الزواج لا يلحقها حكم المهر، بل يلحقها حكم الهبة، فتلزم إذا كان المهدي رحماً أو عوضت الهدية أو تصرف المهدى له فيها تصرفاً مغيراً لصورتها، على ما تقدم توضيحه في كتاب الهبة. ولا تتنصف بالطلاق قبل الدخول. نعم لا يبعد ابتناء هبة النيشان وبعض الملابس التقليدية على عدم الطلاق قبل الدخول، بحيث يكون مشروطاً بذلك ارتكازاً، فإن تم ذلك تعين ثبوت الخيار لدافع الاُمور المذكورة بحصول الطلاق قبل الدخول حتى مع حصول أحد الملزمات.

(مسألة 22): يكره زيادة المهر، حتى ورد عنهم (عليه السلام) أن من بركة المرأة قلة مهرها ومن شؤمها كثرة مهرها. كما يكره الزيادة على مهر السنّة، وهو خمسمائة درهم فضة، تكون ألفاً وأربعمائة وسبعة وثمانين غراماً ونصفاً من الفضة تقريباً.

(مسألة 23): إذا وقع العقد الشرعي على مهر خاص، وأعلن مهر آخر أو ثبت عند تسجيل الزواج في المحكمة كان الثابت هو المهر الذي وقع عليه العقد، ويحرم العمل على غيره.

(مسألة 24): يكره الدخول بالمرأة قبل دفع شيء لها من مهرها، أو هدية خارجة عن المهر.

الفصل الثامن

في القسمة والنشوز

(مسألة 1): تستحق الزوجة الدائمة على الزوج المبيت عندها في كل ليلة من أربع ليال، سواء كان عنده غيرها أم لم يكن. ولا تستحق ذلك المتمتع بها.

(مسألة 2): المبيت الواجب هو المبيت المبني على الإيناس وحسن المعاشرة بالوجه المتعارف، ولا يكفي ما يبتني منه على الهجر والإعراض والنفرة.

(مسألة 3): يجوز لمن كان عنده أكثر من امرأة أن يفضل بعض نسائه على بعض في المبيت والمواقعة والنفقة بما يزيد عما تستحقه منه من دون أن ينقص الاُخرى عن حقها. فمن كان عنده زوجتان جاز له أن يبيت عند إحداهما ثلاث ليال وعند الاُخرى ليلة واحدة. إلا أن يكنّ أربعاً فلا مجال للتفضيل في المبيت.

نعم يكره له تفضيل بعضهن، بل ينبغي له أن يجهد في العدل بينهن في جميع الاُمور عدا الميل النفسي الذي قد يخرج عن الاختيار. وقد حكي عن بعض الأكابر ممن كان له نساء أربع أنه كان يقول: إن إحداهن في نفسي كالعقرب ولا يستطعن أن يعرفن من هي.

(مسألة 4): إنما يجب المبيت مع الحضور في البلد، ويجوز السفر وترك المبيت عند الزوجة. إلا أن يخرج السفر عن المتعارف في كثرته ويبتني على إهمال حق المرأة عرفاً بنحو ينافي المعاشرة بالمعروف، فالأحوط وجوباً إرضاؤها حينئذٍ. كما أن الأحوط وجوباً مع تعدد النساء المحافظة على الدورة عند الرجوع، فيبدأ بصاحبة النوبة عند حصول السفر.

(مسألة 5): إذا كان الزوج ممن لا يتسنى له المبيت في بيته لعمل يتعيش به أو نحوه ففي سقوط حق الزوجة في القسمة إشكال، فالأحوط وجوباً التصالح معها. ومع الاضطرار لذلك وإبائها فالأحوط وجوباً تعويضها بالصيرورة عندها في النهار.

(مسألة 6): إذا كانت الزوجة أمة أو كتابية كان لها ليلة من ثمان.

(مسألة 7): من تزوج امرأة جاز له تفضيلها عند إدخالها عليه بأن يبقى عندها ثلاث ليال، بل إن كانت بكراً جاز له أن يزيدها إلى سبع ليال.

(مسألة 8): للمرأة أن تتنازل عن ليلتها رغبة عنها، وزهداً فيها ـ لملل أو نحوه ـ أو تجنباً لمحذور ـ كالطلاق ـ أو تعرضاً لأمر ترغب فيه كزيادة النفقة أو الإذن في الخروج أو نحو ذلك. ولها العدول عن ذلك بعد صدوره منها، إلا أن يلزمها بشرط أو عقد لازمين.

(مسألة 9): إن تنازلت الزوجة عن ليلتها لزوجها كان له أن يقضيها حيث شاء، وإن تنازلت عنها لضراتها أجمع دخلت في قسمتهن، فإذا كنّ ثلاثاً مثلاً كان لكل منهن ليلة من ثلاث، وإن تنازلت عنها لواحدة بعينها اختصت بها، فتكون لها ليلتان. لكن التنازل في الأخيرين لا ينفذ على الزوج إلا أن يرضى به، ولو رضي به كان له العدول إلا أن يلزمه بشرط أو عقد لازمين.

(مسألة 10): تستحق الزوجة على الزوج الوطء في القبل في كل أربعة أشهر، من دون فرق بين الشابة وغيرها. والظاهر عدم كفاية مسمى الوطء، بل ما يتعارف الإتيان به لإشباع الحاجة الجنسية. وفي عموم ذلك للمتمتع بها إشكال، وإن كان أحوط وجوباً. كما تستحقه أيضاً النفقة، على ما يأتي في الفصل العاشر إن شاء الله تعالى.

(مسألة 11): إذا ترك الزوج وطء زوجته أربعة أشهر مغاضباً لها رفعت أمرها للحاكم الشرعي فيلزمه بأحد أمرين. الوطء أو الطلاق، نظير ما يأتي في الإيلاء. أما لو ترك وطأها من دون مغاضبة بل لعجز أو سفر أو نحوهما ففي رجوعها للحاكم الشرعي إشكال والأظهر العدم.

(مسألة 12): يجب على الزوجة التمكين من الاستمتاعات ـ عدا الوطء في الدبر ـ وإزالة المنفر، بل التهيؤ والتطيب والتزين بما يهيؤه الزوج لها ويطلبه منها.

(مسألة 13): يحرم على الزوجة الخروج من منزل زوجيتها إلا بإذن زوجها أو بإحراز رضاه، إلا أن تضطر لذلك للتداوي أو نحوه مما تتضرر بتركه أو يتوقف عليه أداء واجب كحجة الإسلام. أما لو أخرجها عن منزل زوجيتها فذهبت إلى منزل آخر فالظاهر جواز خروجها حينئذٍ منه بغير إذنه.

(مسألة 14): للزوجة أن تعمل ما شاءت من غير إذن الزوج في بيتها من الأعمال التي تتكسب بها وغيرها ما لم يناف حق الزوج في الاستمتاع أو يوجب التعدي على ملكه.

(مسألة 15): إذا نشزت الزوجة فلم تؤد للزوج حقه كان له وعظها، فإن لم ينفع هجرها في المضجع بأن يوليها ظهره ويعرض عنها، فإن لم ينفع ضربها من دون إدماء لحم ولا كسر عظم.

(مسألة 16): إذا نشز الزوج لم يكن للزوجة النشوز معه والامتناع عن أداء حقه، نعم لها أحد أمرين..

الأول: أن ترفع أمرها للحاكم الشرعي، فيلزمه بأداء الحق، ومع امتناعه له تعزيره. كما أن له إلزامه بالطلاق إذا طلبته الزوجة، فإن امتنع طلق عنه.

الثاني: أن تتنازل عن بعض حقوقها كالمبيت ونحوه تأليفاً له وتجنباً لتفاقم الأمر حذراً من الطلاق.

(مسألة 17): إذا وقع الشقاق بين الزوجين والتنافر بينهما فالأولى عدم التسرع في الطلاق وعدم إهمال الأمر حتى يتفاقم الشر، بل يختار كل منهما حكماً عنه، وإن أمكن أن يكون من أهله فعل، ولينظر الحكمان في مشكلتهما وليجهدا في تقريب وجهات النظر والإصلاح، مع صدق النية منهما في ذلك، فإن تعذر ذلك لم يكن لهما اختيار البذل والطلاق إلا مع تحقق شروط الخلع أو المباراة ورضا الزوجين به أو عموم وكالتهما له، ومع اتفاق الحكمين عليه.

(مسألة 18): حيث جعل الله سبحانه القيمومة للزوج فالمنتظر منه القيام بما يناسب ذلك من مقتضيات الحكمة، وذلك بسعة الصدر ومحاولة تخفيف الأزمة واستيعاب المشاكل والتروي في حلها والصبر على الأذى، والتسامح عن الخطأ وغفران الزلل وتجنب الغضب والضجر واللجاجة والحرص ونحوها من وسائل الشيطان الرجيم مستعيناً بالله تعالى ومستمداً منه التوفيق والتسديد.

كما ينبغي للمرأة أن تعرف موقعها وتتحمل مسئوليتها ولا تنسى أن جهادها الذي أراده الله تعالى منها حسن التبعل ومحاولة إرضاء الزوج والتجاوب معه، فإنه أعظم حقاً عليها من كل أحد، حتى ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». وما جعل الله سبحانه كلاً من الزوجين في موقعه وأدبه بأدبه إلا حفاظاً على كيان العائلة ومحاولة لإسعاد أفرادها وراحتهم، فعليهما شكر ذلك وتحمل المسئولية الملقاة على عاتقهما، والحذر من نزعات الشيطان الرجيم وتسويلات النفس الأمارة بالسوء، وتجنب الاندفاع في سورة الغضب والانفعال، حيث قد يصلان بذلك إلى ما لا تحمد عقباه ولا يمكن تلافيه، والله سبحانه من وراء القصد.

الفصل التاسع

في أحكام الأولاد

يلحق الولد بصاحب النطفة التي انعقد منها، سواء كان الانعقاد عن طريق الوطء أم بدونه، كما لو سال مني الرجل فدخل فرج المرأة، أو أدخل بآلة، أو لقحت بويضتها بحيمن الرجل خارج الرحم ثم أدخلت البويضة في الرحم، أو غير ذلك.

(مسألة 1): توصل العلم الحديث إلى تلقيح بويضة المرأة بحيمن الرجل خارج الرحم ثم زرعها في رحم امرأة اُخرى فتحضنها حتى يستكمل الجنين نموه فتلده. وفي إلحاق الولد حينئذٍ بصاحبة البويضة أو بالحاضنة التي حملته وجهان أقربهما الأول. وكذا يلحق بصاحبة البويضة لو فرض استكمال نموه خارج الرحم في حاضنة صناعية. وإن كان الظاهر أن ذلك فرض مجرد لا واقع له الآن.

(مسألة 2): يجوز تلقيح بويضة المرأة بنطفة زوجها، من دون فرق بين تلقيحها في الرحم ـ بطريق الوطء أو بإدخال المني من دون وطء ـ وتلقيحها خارج الرحم. وأما تلقيحها بنطفة أجنبي فهو حرام إذا كان التلقيح في الرحم بطريق الوطء المحرّم أو بمجرد إدخال المني، بل الأحوط وجوباً تركه مطلقاً وإن كان التلقيح خارج الرحم، إذا استتبع دخول البويضة بعد التلقيح في الرحم. بل مطلقاً، إلا أن لا يستتبع التلقيح تكوّن آدمي، بل كان لمحض التجارب العلمية في مرحلة بدائية.

(مسألة 3): الأحوط وجوباً عدم حضن المرأة بويضة ملقحة بنطفة غير زوجها، سواء كانت البويضة لها أم لغيرها، ويجوز حضنها لبويضة ملقحة بنطفة زوجها، سواء كانت البويضة لها أم لغيرها، كما لو كان للرجل زوجتان فاستخرجت بويضة إحداهما ولقحت بحيمنه ثم أودعت رحم الاُخرى.

(مسألة 4): لما كان استخراج البويضة وإرجاعها للرحم مستلزماً لكشف العورة للأجنبي ومسها غالباً فهو محرّم من هذه الجهة، ولا يحل إلا بمبرر يبلغ حد الحرج أو الضرر. وكذا الحال لو توقف التلقيح على الاستمناء من الرجل.

(مسألة 5): قد سبق المعيار في إلحاق الولد بالرجل والمرأة وحينئذٍ تترتب مع المعيار المذكور جميع آثار الأبوة والأمومة، كحرمة النكاح وجواز النظر والنفقة والميراث وغير ذلك. ويستثنى من ذلك التوارث، فلا يترتب مع الانتساب بسبب الزنى وهو وطء المرأة من دون زواج ولا ملك يمين ولا اشتباه بأحدهما.

(مسألة 6): إذا كان الوطء عن شبهة من أحد الطرفين دون الآخر تم التوارث بين الولد والطرف الذي حصل الاشتباه له، دون الطرف الآخر الذي لا شبهة منه، بل كان وطؤه زناءً.

(مسألة 7): إذا حملت المرأة من الزنى لم ينفع زواجها من الواطئ في ارتفاع حكم الزنى فلا يترتب التوارث بين الزاني والولد.

(مسألة 8): قد سبق حرمة تلقيح بويضة المرأة بنطفة الرجل الأجنبي عمداً وحينئذٍ هل يترتب معه حكم الزنى في عدم التوارث بين الطفل والمتعمد للتلقيح المحرّم إشكال. فاللازم الاحتياط.

(مسألة 9): هل تلحق النفقة بالتوارث في الاستثناء المتقدم مع الزنى إشكال. فاللازم الاحتياط أيضاً.

(مسألة 10): إذا علم بأن الولد قد انعقد من حيمن الرجل فلا إشكال، وإن لم يعلم فإذا حملت الزوجة الدائمة أو المنقطعة ألحق الحمل بالزوج بشروط..

الأول: وطؤه لها وطأ يحتمل كونه سبباً للحمل، أو ما يقوم مقامه، كإراقته المني على فرجها بنحو يحتمل دخوله في رحمها وتلقيحها به.

الثاني: ولادة الحمل تاماً ـ بحيث تستقر فيه الحياة ـ بعد ستة أشهر من الوطء المذكور أو ما ألحق به، فلو ولد لأقل من ستة أشهر وعاش فهو ليس له.

الثالث: عدم تجاوز أقصى الحمل، وهو سنة قمرية على الأظهر. فمع تحقق الشروط المذكورة يحرم على الأب نفي الولد.

(مسألة 11): إذا اعترف الزوج بتحقق الاُمور المذكورة لم يقبل منه نفي الولد. أما إذا لم يعترف بها فله نفي الولد إذا كانت المرأة التي حملت بالولد زوجة متمتعاً بها أو أمة، وكذا إذا كانت زوجة دائمة لم يثبت دخوله بها. أما إذا ثبت دخوله بها فلا يقبل منه نفي الولد إلا باللعان، أو بإقامة البينة على ما يمنع من تولد الولد منه، كاعتزالها أو غيبة طويلة عنها أو نحو ذلك.

(مسألة 12): إذا ادّعى عدم الدخول فالقول قوله بيمينه إلا أن تقيم الزوجة البينة على أنه اختلى بها خلوة يمكن معها الدخول عادة.

(مسألة 13): إنما يلحق الولد بالزوجين ـ مع الشروط المتقدمة ـ إذا تصادقا على أن الزوجة قد حملت به، أو ثبت ذلك بالعلم أو البينة، ولا يلحق بدون ذلك، كما إذا ولدت الزوجة في المستشفى مثلاً، فدفع لها ولد واحتملت هي أو الزوج أن الذي ولدته طفل آخر.

(مسألة 14): إذا طلقت المرأة ثم ولدت قبل مضي مدة أكثر الحمل من طلاقها ألحق الولد بزوجها مع تحقق الشروط المتقدمة فيه. هذا إذا لم تتزوج أما إذا تزوجت قبل ولادتها فسيأتي الكلام فيه.

(مسألة 15): إذا طلقت الزوجة الدائمة أو انقضى أجل المتمتع بها فاعتدت وتزوجت ثم ولدت ولداً تاماً لستة أشهر فما زاد من زواجها الثاني ألحق الولد بزوجها الثاني مع تحقق الشروط المتقدمة فيه. وإن ولدت لأقل من ستة أشهر منه، أو لم تتحقق الشروط المتقدمة فيه لم يلحق الولد به، وحينئذٍ إن لم تمض مدة أكثر الحمل لخروجها من زوجية الأول ألحق الولد بزوجها الأول مع تحقق الشروط المتقدمة فيه، وانكشف أن الزواج الثاني في عدة الأول فتحرم على الثاني مؤبداً إن كان قد دخل بها. وإن مضت مدة أكثر الحمللخروجها عن زوجية الأول أولم تتم الشروط المتقدمة فيه لم يلحق الولد به أيضاً.

(مسألة 16): إذا وطء الرجل المرأة شبهةً ألحق الولد به مع تحقق الشروط المتقدمة فيه، إلا أن تكون المرأة مزوجة أو في العدة الرجعية، فإنه إن علم بلحوق الولد بالواطئ أو بالزوج عمل به، وإن تردد بينهما يقرع بينهما ويعمل على مقتضى القرعة.

(مسألة 17): المراد بوطء الشبهة هنا هو الوطء من جانب الرجل الواطئ، وإن كانت المرأة الموطوءة زانية لعلمها بالحال.

(مسألة 18): إذا تردد الولد بين الزوج والزاني ألحق بالزوج.

(مسألة 19): إذا تردد الولد بين اثنين أقرع بينهما وعمل على مقتضى القرعة، كما إذا ولدت زوجتان لزوجين واشتبه ولد كل منهما بولد الآخر، أو ولدت زوجتان لرجل واحد واشتبه ولد كل منهما بولد الاُخرى، أو وطء رجلان امرأة شبهة أو كان أحدهما زوجها وأمكن إلحاق الولد بكل منهما إلى غير ذلك. نعم إذا كان أحدهما زانياً والآخر صاحب فراش ـ ولو لكونه واطئاً بشبهة ـ كان الترجيح للثاني من دون حاجة للقرعة.

(مسألة 20): يقبل من الرجل الإقرار بالولد الذي يولد من امرأة هي فراش له، وكذا من امرأة يتصادق معها على أنها فراش له، سواء سبق منه نفيه عنه أم لا. نعم إذا سبق منه نفيه عنه ألزم بنفيه في حق نفسه، لا في حق الولد، فيرثه الولد ويجب عليه نفقته ولا يرث هو الولد ولا يجب على الولد نفقته. هذا وإذا أقر بالولد في فرض كونه أمه فراشاً له فليس له بعد ذلك نفيه حتى باللعان. كما لا يسمع من الولد الانتفاء منه إلا بالبينة. هذا كله مع احتمال صدقه في الإقرار بالولد. أما مع العلم بكذبه به لخروجه عن الضوابط المتقدمة في لحوق الولد بأبيه فلا أثر للإقرار المذكور.

(مسألة 21): إذا أقر بولد امرأة لم يثبت كونها فراشاً له فلا يقبل الإقرار ولا تثبت بنوة الولد إلا مع كون الولد تحت يده وفي حوزته، إذا لم يكن هناك ما يوجب الريب في صدقه، ويكفي في الريب تكذيب الولد له إذا كان مميزاً يدرك معنى التكذيب. وكذا الحال في المرأة فإنه يقبل منها دعوى بنوة الولد الذي هو في حوزتها مع عدم ما يوجب الريب في صدقها. بل الظاهر جريان ذلك في جميع الأرحام. نعم إذا كبر الطفل وأنكر النسب ـ مدعياً العلم أو قيام الحجة على نفيه ـ ففي إلزامه به إشكال، بل منعه في جميع الفروض المتقدمة.

(مسألة 22): إذا تصادق شخصان كبيران على نسب بينهما ـ كالبنوة والأخوة والعمومة والخؤولة وغيرها ـ واستمرا على ذلك ولم يرجعا عنه ولم يكن هناك من يكذبهما فيه ـ مدعياً العلم بذلك أو قيام الحجة عليه ـ ثبت النسب المدعى بينهما وترتب أثره من ميراث أحدهما من الآخر أو ممن يتقرب به وميراث الآخر ومن يتقرب به منه إلى غير ذلك من آثار النسب. نعم في ثبوت لازم النسب المدعى إشكال، كما لو تصادقا على الأخوة، حيث يشكل البناء على كون أحدهما ولداً لأب الآخر ليرث منه مع بقية أولاده أو ابن أخ لعمه، فلا يترك الاحتياط خصوصاً إذا كان للمورث ورثة آخرون.

(مسألة 23): يثبت النسب بالبينة، ولا يثبت بشهادة رجل وامرأتين ولا بشاهد ويمين حتى بالإضافة إلى الميراث على الأحوط وجوباً.

(مسألة 24): من ادّعى نسباً لا تنهض دعواه بإثباته لإخلاله بالشروط المتقدمة يلزم بالحقوق المترتبة عليه بمقتضى النسب الذي يدعيه أخذاً له بإقراره إذا تمت شروط الإقرار.

(مسألة 25): يحرم على الرجل والمرأة تبني طفل لم يتولد منهما ولم يحكم عليه شرعاً بأنه لهما، ولا أثر للتبني المذكور شرعاً في وجوب النفقة أو حرمة النكاح أو الميراث أو غيرهما من أحكام البنوة. وقد ألغى الإسلام التبني المذكور الذي كان شايعاً في الجاهلية قال تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم) كما يحرم على الإنسان أن يتبرأ من نسبه وينتسب لغير أبيه ففي الصحيح عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «كفر بالله من تبرأ من نسب وإن رق»، ومن المؤلم ما نراه اليوم من رجوع هذه العادة الجاهلية عند بعض الناس غافلين أو متغافلين عن حكم الإسلام القاطع في ذلك. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

هذا وأما التربية والكفالة للطفل الذي لا يعرف أهله أو يضعف أهله عن تربيته وكفالته من دون أن يدعيه المربي والكافل ويتبنناه فهو إحسان محض يشكر فاعله. لكن يجب الحذر من أن يؤدي ذلك لاشتباه النسب وضياعه. وكذا الحال في تسجيل الطفل باسم غير أبيه في دائرة النفوس بحيث يكون ولداً له بحسب القوانين الوضعية. فإنه لا بأس به في نفسه، بل قد يحسن إذا توقف عليه حل مشكلة قانونية ما لم يؤد ذلك لاشتباه النسب أو ضياعه أو ترتب آثاره بوجه غير شرعي من ميراث ونحوه فإنه يحرم حينئذٍ كما ذكرنا. والحذر ثم الحذر من مخالفة أحكام الله تعالى وتعدي حدوده وانتهاك حرماته بعد أن أوضح الحق وأقام أعلامه ولم يبق عذراً لمعتذر إذ قد يكون ذلك سبباً للنكال والوبال في الدنيا والآخرة للمجتمع الذي يشيع فيه ذلك فضلاً عمن يباشره ويقوم به.

(مسألة 26): يحرم عند الولادة اطلاع الرجل على المرأة بنحو يقتضي النظر لما يحرم عليه النظر منها، خصوصاً العورة، إلا مع الاضطرار، فيقتصر على مقدار الضرورة.

(مسألة 27): ينبغي للمؤمن إذا بشر بمولود أن لا يسأل عن أنه ذكر أو أنثى، بل يسأل عن استواء خلقته، فإذا كان سوياً قال: (الحمد لله الذي لم يخلق مني خلقاً مشوهاً) فإن علم بعد ذلك أنه ذكر شكر الله على نعمته، وإن كان أنثى لم يكره اختيار الله تعالى له، وفي الحديث: «البنات حسنات والبنون نعمة والحسنات يثاب عليها والنعمة يسأل عنها».

(مسألة 28): يستحب عند الولادة اُمور..

الأول: غسل المولود. والظاهر احتياجه للنية من قبل الغاسل.

الثاني: أن تكون الخرقة التي يلف بها بيضاء، ويكره أن تكون صفراء.

الثالث: أن يؤذّن في أذنه اليمنى أذان الصلاة، ويقام في اليسرى. والأولى أن يكون قبل قطع سرته.

الرابع: أن يحنك بماء الفرات وبتربة الحسين (عليه السلام) فإن لم يتيسر فبماء السماء. وأن يحنك بالتمر، بل العسل أيضاً.

والمراد جعل هذه الاُمور في حنكه. وللإنسان حنكان: أعلى الفم من داخل، وأسفله تحت اللسان في مقدم الفم، فيحتاط بجعله فيهما معاً.

(مسألة 29): من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، وقد ورد أن أصدق الأسماء ما تضمن العبودية لله تعالى ـ كعبد الله وعبد الرحيم ـ وأفضلها أسماء الأنبياء، وأفضلها (محمد)، بل ورد: أن من ولد له أربعة أولاد، بل ثلاثة، ولم يسم أحدهم باسم محمد فقد جفا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما ورد الحث على التسمية بعلي، وفي الحديث: «إن الشيطان إذا سمع منادياً ينادي: يا محمد أو يا علي ذاب كما يذوب الرصاص»، وورد عنهم (عليهم السلام): «لا يدخل الفقر بيتاً فيه اسم محمد أو أحمد أو علي أو الحسن أو الحسين أو جعفر أو طالب أو عبد الله أو فاطمة من النساء». كما يكره التسمية بأسماء أعداء أهل البيت (عليه السلام)، وورد عنهم (عليه السلام): «ان الشيطان إذا سمع منادياً ينادي باسم عدو من أعدائنا اهتز واختال» والمراد به الاسم الذي يعرف بمرور الزمن لأعدائهم، بحيث ينصرف لهم عند إطلاقه، فلا تكره التسمية به قبل ذلك.

(مسألة 30): يستحب تسمية المولود عند ولادته بمحمد إلى اليوم السابع، ثم يترك بعد ذلك أو يغير.

(مسألة 31): يستحب تكنية المولود بأن يضاف لاسمه اسم مبدوء بأب إن كان ذكراً أو مبدوء بأم إن كان أنثى، فإن لم يكنّ في صغره استحب له أن يكتني إذا كبر وإن لم يكن له ولد. ويكره التكنية بأبي عيسى وأبي الحكم وأبي مالك وأبي مرة، وكذا بأبي القاسم إن كان اسمه محمداً.

(مسألة 32): يستحب حلق شعر الصبي في اليوم السابع والتصدق بوزنه ذهباً أو فضة.

(مسألة 33): يستحب ختان الصبي يوم السابع، ويكره تأخيره عنه. وإذا بلغ الصبي غير مختون وجب عليه أن يختن نفسه. ولابد في الختان من قطع تمام الغلفة وهي اللحمة التي تغطي الحشفة، وإن نبتت الغلفة بعد الختان وجبت إعادته. ومن ولد مختوناً استحب إمرار الموسى على مقطع الغلفة منه.

(مسألة 34): يستحب أن يقال عند ختان الصبي: (اللهم هذه سنتك وسنّة نبيك (صلى الله عليه وآله)، وإتباع منا لك ولدينك بمشيتك وبإرادتك، لأمر أردته وقضاء حتمته وأمر أنفذته، فأذقته حر الحديد في ختانه وحجامته لأمر أنت أعرف به مني. اللهم فطهره من الذنوب وزد في عمره وادفع الآفات عن بدنه والأوجاع عن جسده وزده من الغنى وادفع عنه الفقر، فإنك تعلم ولا نعلم). وعن الصادق (عليه السلام): «من لم يقلها عند ختان ولده فليقلها عليه من قبل أن يحتلم، فإن قالها كفي حر الحديد من قتل أو غيره».

(مسألة 35): يستحب مؤكداً العقيقة عن الصبي في اليوم السابع، فإن لم يعق عنه في اليوم السابع عق عنه بعد ذلك، بل لو كبر ولم يعلم بأنه عق عنه أو لا استحب له أن يعق عن نفسه. بل قد يظهر من بعض النصوص استحباب أن يعق الكبير عن نفسه وإن سبق أن عق عنه في صباه. كما يستحب قضاؤها لو مات بعد السابع، بخلاف ما لو مات قبله.

(مسألة 36): لا يجزي عن العقيقة التصدق بثمنها، نعم تجزي عنها الأضحية.

(مسألة 37): العقيقة شاة أو بقرة أو بدنة، ويستحب تعددها عن الواحد، ولا تجزي الواحدة عن أكثر من واحد.

(مسألة 38): أفضل العقيقة كبش، خصوصاً عن الذكر، وأفضلها أسمنها، ولا يشترط فيها شروط الأضحية.

(مسألة 39): يستحب أن يقال عند ذبح العقيقة: (بسم الله وبالله عقيقة عن فلان لحمها بلحمه ودمها بدمه وعظمها بعظمه، اللهم اجعله وقاءً لآل محمد (صلى الله عليه وآله) ووردت أدعية اُخرى يضيق المقام عن ذكرها.

(مسألة 40): يكره أن يأكل الأبوان وعيالهما منها. وتتأكد الكراهة في الأم، بل الأحوط استحباباً الترك. ويدفع للقابلة ثلثها أو ربعها أو رجل منها مع الورك أو بدونه. فإن لم تكن قابلة أعطيت حصتها للام تدفعه لمن تشاء، ويطبخ الباقي ويقسم على المؤمنين أو يدعى عليه نفر منهم، ويستحب أن يكونوا عشرة فإن زادوا فهو أفضل، فيأكلون ويدعون للصبي. ويجوز إهداؤها لحماً لم يطبخ. والأحوط وجوباً تخصيص ما عدا حصة القابلة بالمؤمنين، وعدم دفعها لغيرهم ممن لا يوالي أهل البيت (عليه السلام) وعدم إطعامه منها.

(مسألة 41): يستحب أن تقطّع العقيقة أعضاء تامة، ويكره أن يكسر لها عظم. وأما ما اشتهر بين سواد الناس من لف العظام بخرقة ودفنها فلم نعثر له على سند شرعي.

(مسألة 42): لا يشرع لطخ رأس الصبي بدم العقيقة، وهو من فعل الجاهلية، بل يلطخ بالخلوق، وهو ـ كما قيل ـ ضرب من الطيب أكثر أجزائه الزعفران.

(مسألة 43): أفضل المراضع الأم، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «ما من لبن رضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه». لكن لا تجبر الأم على رضاع ولدها، ولو أرضعته كان لها المطالبة بالأجرة من ماله إن كان له مال، وإلا فمن مال أبيه إن كان له مال، وإلا فمن مال من تجب نفقته عليه الذي يأتي التعرض له في الفصل العاشر.

فإن رضيت بما يرضى به غيرها من تبرع أو أجرة فهي أحق بإرضاعه، وإن طلبت ما زاد على ذلك لم يجب إجابتها، سواء زاد على أجرة المثل أم لا. نعم يستحب ترك الطفل حينئذٍ مع أمه وإرضاعه منها.

(مسألة 44): أتم الرضاع شرعاً عامان، ويجوز الزيادة على ذلك. وأقل الرضاع شرعاً واحد وعشرون شهراً. والظاهر جواز النقص عن ذلك ـ مع عدم ظهور حاجة الصبي له ـ على كراهة.

(مسألة 45): الولي على الصبي هو الأب، إلا أن للأم أن تطالب بحضانته وذلك بتولي شؤون عيشه وتربيته، ويكون في حجرها حينئذٍ تحت نظر أبيه وفي رعايته، كما هو مقتضى ولايته عليه. والظاهر اختصاص ذلك بمدة الرضاع، فإذا فطم ـ ولو قبل مضي سن الرضاع الشرعي ـ سقط حقها في الحضانة، واختص بذلك أبوه.

(مسألة 46): إذا طلقت الأم تبقى حضانتها في مدة الرضاع ما لم تتزوج، فإذا تزوجت سقطت حضانتها، وكان للأب أن يضعه حيث يشاء. وإذا طلقت لم تعد لها الحضانة.

(مسألة 47): إذا ماتت الأم في مدة الرضاع سقطت حضانتها ولا تنتقل لورثتها ولا لوصيها.

(مسألة 48): إذا طلبت الأم أجراً زائداً على الرضاع فاسترضع الأب غيرها سقطت حضانتها.

(مسألة 49): إذا سقط الأب عن الولاية بموت أو جنون فالحضانة للأم حتى لو كانت تزوجت، وليس لوصي الأب أو الجد للأب انتزاعه منها، فإذا عادت الولاية للأب عادت له الحضانة إذا كان الطفل قد فطم.

(مسألة 50): حق الحضانة الذي يكون للأم يسقط بإسقاطها، ولها إسقاطه دفعة، كما لها إسقاطه تدريجاً، مدة فمدة. أما ولاية الأب وحضانته للطفل فهي لا تقبل الإسقاط، ولو رضي بتركها مدة وإيكال أمر الصبي لغيره من أجل مصلحة الصبي كان له الرجوع عن ذلك متى شاء.

(مسألة 51): الظاهر عدم استحقاق الأم الأجرة على الحضانة زائداً على أجرة الرضاع، فلو طالبت بالأجرة كان له انتزاع الصبي منها ودفعه لغيرها ولو بأجرة. نعم للأب أن يستأجرها حينئذٍ بما يتفقان عليه فتستحق الأجر.

(مسألة 52): لو اعتدى الأب أو غيره على الأم ومنعها من حضانة الطفل مدة من الزمن، فلا يتدارك ذلك بالقضاء، ولا بدفع القيمة أو نحوها.

(مسألة 53): إذا فقد الأبوان فلا حق لأحد في حضانة الصبي، بل هي تابعة للولي فيضعه حيث يراه صلاحاً له.

(مسألة 54): إذا بلغ الصبي رشيداً فلا ولاية للأبوين ولا غيرهما عليه، ويكون الخيار له في الانضمام لمن يشاء منهما أو من غيرهما أو الاستقلال.

(مسألة 55): يستحب تقبيل الصبي والتصابي له وملاعبته، وينبغي إشعاره بعطف الأبوة وحنوها.

(مسألة 56): يستحب تمرين الصبي على العبادات، كالصلاة والصيام والصدقة، والتدرج معه في ذلك حسب إدراكه وطاقته، على وجوه مذكورة في المطولات، ولا ينبغي إهمال ذلك والتهاون به، خصوصاً الصلاة فقد ورد أنه يلزم بها لسبع سنين.

(مسألة 57): ينبغي للأب تربية ولده تربية يصلح بها في دينه وبدنه وخلقه، فقد ورد: أن من حقوق الولد على أبيه أن يحسن أدبه، وقد ورد أنه يترك للعب ست سنين أو سبع سنين ويلزمه الأب نفسه فيؤدبه بأدبه ويعلمه الكتاب سبع سنين ويعلمه الحلال والحرام سبع سنين. كما يلزم إبعاده ـ بالتفهيم والتعليم وبالحكمة والموعظة الحسنة ـ عن آداب الكفر والجاهلية وعن الانحلال والرذيلة. ولا ينبغي التهاون في ذلك والتفريط فيه، ففي ذلك فساده وفساد المجتمع وانحلاله، وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً).

كما ينبغي على المؤدب الرفق معه واللين والأناة في ذلك وفي جميع الاُمور وحسن المعاشرة والمخالطة، والتحبب والتودد حتى ينجذب إليه ويتقبّل منه ويتفاعل معه، قال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «إن الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه». وقال: «رحم الله والدين أعانا ولدهما على برهما» إلى غير ذلك.

(مسألة 58): يجوز للولي تأديب الصبي وضربه بما يراه صلاحاً له. نعم لابد من الاقتصار على مقدار الحاجة والتدرج في ذلك مع كمال التروي والتعقل، وعدم الزيادة عن الحاجة تشفياً وانتقاماً أو استهواناً بأمر الصبي لضعفه. كما لابد من الحذر من اختلاط النظر لمصلحة الصبي بالانفعال النفسي منه، أو من المؤثرات الخارجية الاُخرى. وقد ورد في الأخبار الترخيص بخمس أو ست ضربات مع الحث على الرفق، فاللازم عدم الزيادة عليها إلا عند الحاجة والضرورة.

(مسألة 59): لا يجوز لغير الولي ضرب الطفل بغير إذن الولي. ولو توقف دفع ضرره على ضربه وتعذر الرجوع للولي لزم الرجوع للحاكم الشرعي، ومع تعذر الرجوع إليه يتعين الاقتصار على ما لابد منه لدفع شره وضرره من دون إضرار به مهما أمكن.

(مسألة 60): يجوز ضرب الصبي بإذن الولي وحينئذٍ إن كان الإذن مستفاداً من شاهد الحال ـ كوضع الصبي عند المعلم الظاهر في الإذن له بتأديبه بالوضع المتعارف ـ لزم الاقتصار عند الحاجة على ثلاث ضربات وعدم الزيادة على ذلك إلا بعد مراجعة الولي وشرح الحال له والتعاون معه. وإن كان الإذن مستفاداً بالتنصيص لزم الرجوع لما يقتضيه الإذن سعة وضيقاً مع عدم تعدي الولي عن مقتضى وظيفته المتقدمة.

(مسألة 61): لابد من الحذر من الإضرار بالصبي عند تأديبه بمثل الجرح والكسر والعيب. ولو حصل شيء من ذلك كان مضموناً بالدية. وكذا الحال في الضرب من دون حاجة أو مع الزيادة عليها.

الفصل العاشر

في النفقات

ومحل الابتلاء منها أقسام..

الأول: نفقة الزوجة.

وهي تختص بالزوجة الدائمة وإن كانت أمة أو ذمية. ولا تجب للمتمتع بها، ولو شرطت في العقد المنقطع فإن رجع الشرط إلى وجوب النفقة بنفس الزواج المنقطع بطل، بل الأحوط وجوباً حينئذٍ بطلان العقد أيضاً. وإن رجع إلى وجوبها بالشرط الذي تضمنه صح، ووجبت النفقة على حسب الشرط.

(مسألة 1): تجب النفقة على الزوجة وإن كانت صغيرة، إلا إذا ابتنى الزواج بها على عدم الإنفاق عليها ما دامت صغيرة غير قابلة للاستمتاع أو للوطء، بأن أخذ ذلك شرطاً في العقد صريحاً أو ضمناً مستفاداً من شاهد الحال ولو بسبب تعارف ذلك.

(مسألة 2): لا يشترط في وجوب نفقة الزوجة فقرها، بل يجب الإنفاق عليها وإن كانت غنية.

(مسألة 3): يسقط وجوب النفقة على الزوجة بنشوزها على الزوج بأحد أمرين..

الأول: منعه عن حقوقه التي عليها من وجوه الاستمتاعات ـ غير الوطء في الدبر ـ والتزين الذي يريده منها، وعدم المنفرات له ـ ولو مثل سبه وشتمه والإعراض عنه وسوء معاشرته ـ مع حفظه في ماله وعرضه وعدم خيانته فيهما.

الثاني: الخروج من بيت زوجهيتها بغير إذن الزوج، الذي تقدم في المسألة (13) من الفصل الثامن حرمته عليها. نعم لو كان خروجها لضرورة مسوغة لم تسقط النفقة. وكذا لو كان خروجها بإذنه، إلا أن يبتني إذنه لها على عدم النفقة لها حين الخروج، كما يتعارف في الإذن لها بالذهاب إلى أهلها أو غيرهم لتكون في ضيافتهم ومنه ما يتعارف من رضاه ببقائها عند أهلها أو في بيتها من حين العقد عليها إلى حين زفافها له ومجيئها إلى بيته.

(مسألة 4): المطلقة رجعياً بحكم الزوجة، فتجب لها النفقة على زوجها ما دامت في العدة، وكذا المطلقة بائناً إذا كانت حاملاً منه. ولا تجب لها النفقة إذا كان حملها من غيره، أو لم تكن حاملاً، كما لا تجب النفقة للمعتدة غير المطلقة على صاحب العدة وإن كانت حاملاً منه كالمتمتع بها والمنسوخ نكاحها والموطوءة شبهة والملاعنة.

(مسألة 5): المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها من تركة زوجها وإن كانت حاملاً.

(مسألة 6): النفقة الواجبة للزوجة هي الطعام ـ مطبوخاً إن احتاج للطبخ ـ والشراب، والكسوة ـ مخيطة إن احتاجت للخياطة ـ بالوجه المتعارف، والسكن حيث يسكن الزوج حسب قدرته وطاقته مفروشاً بالوجه المتعارف، كما يجب عليه أن يبذل لها فراش النوم في ليلته معها، بل مطلقاً على الأحوط وجوباً.

وأما الزينة والتنظيف ونحوها فإن طلبها الزوج كان عليه بذل مؤنتها وإن لم يطلبها لم يكلف بها، إلا مؤنة غسل الجنابة المسببة عنه فإن الأحوط وجوباً له بذلها عليه، كما يجب عليه بذل مصاريف الحمل والولادة بالمقدار الذي يحفظ به الولد، ويدخل في نفقة الولد لا نفقة الزوجة. ولا يكلف بما زاد على ذلك لها إلا مع التوافق بينهما فيبذل لها ما تحتاج إليه، بل يوسع عليها ويزيد في رفاهها، وتقوم هي بما يحتاج إليه من خدمة البيت وإدارته ورعاية الأطفال وغير ذلك، وبذلك تتم سعادة العائلة ويصلح أمرها.

(مسألة 7): إذا توقف سد حاجاتها التي تتضرر بتركها على الخروج من البيت للعمل أو الاسترفاد كان لها ذلك، لكن تحاول ـ مهما أمكن ـ أن يكون الخروج بنحو لا ينافي حقه، وليس له منعها إلا أن يقوم بسد حاجاتها بنفسه لتستغني عن الخروج.

(مسألة 8): إذا لم ينفق الزوج على زوجته قصوراً أو تقصيراً ففي بقاء النفقة ديناً عليه إشكال، والأظهر العدم، إلا أن تنفق على نفسها بقصد الرجوع عليه، على ما يأتي، وكذا إذا لم تستوف الزوجة نفقتها منه مع ـ بذله لها ـ تسامحاً منها أو لإنفاقها على نفسها من مالها أو مما يبذله غير الزوج لها، حتى لو لم يرجع ذلك منها إلى إسقاطها النفقة عن الزوج وإبراء ذمته منها، فإنه في جميع ذلك لا تبقى النفقة ديناً على الزوج، وهكذا الحال في نفقة الأرحام.

(مسألة 9): إذا كان للزوج مال وجب عليه الإنفاق منه مع التمكن ولو بالاستدانة عليه. وإن لم يكن له مال، وجب عليه التكسب بتجارة أو عمل أو نحوهما.

(مسألة 10): إذا لم يكن للزوج مال وتعذر عليه التكسب أو لزم منه الضرر أو الحرج فالأحوط وجوباً له الاستدانة إن علم بقدرته على الوفاء من مال يأتيه، وإن لم يعلم بذلك لم تجب الاستدانة حتى لو كان قادراً على الاسترفاد والاستيهاب، وطلب الحقوق والصدقات ونحوها مما يفي دينه.

(مسألة 11): إذا لم ينفق الزوج على زوجته فإن أنفق عنه غيره عليها فذاك، وإلا كان لها أن ترفع أمرها للحاكم الشرعي مطالبة بأحد أمرين..

الأول: النفقة، فيلزمه بالإنفاق عليها، فإن امتنع وكان له مال أنفق عليها منه.

الثاني: الطلاق، فيأمره بطلاقها فإن تعذر أمره بذلك أو امتنع من طلاقها طلقها الحاكم وليس علي الحاكم حينئذٍ إلزام الزوج بالإنفاق، أو الإنفاق عليها من ماله وإن أمكن ذلك. نعم إذا كان عدم إنفاق الزوج لمانع خارجي من مرض أو حبس أو نحوهما مع إمكان الإنفاق عليها من ماله فالظاهر عدم مشروعية الطلاق، بل ينفق عليها من ماله حينئذٍ إن طلبت ذلك.

هذا ويستثنى من ذلك المفقود على ما يأتي في أول كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى.

الثاني: نفقة الأرحام.

يجب الإنفاق على الأولاد وإن نزلوا. وعلى الأبوين، بل الأحوط وجوباً الإنفاق على آبائهما وأمهاتهما. ولا يجب الإنفاق على غيرهم من الأرحام، حتى الوارث الصغير، وإن كان أحوط استحباباً. نعم تستحب النفقة عليه وعلى الأرحام قاطبة.

(مسألة 12): إنما تجب النفقة على الأرحام مع فقرهم، ولا تجب مع غناهم ولو بقدرتهم على التكسب اللائق بهم. ولا يكفي قدرتهم على أخذ الحقوق ـ من الأخماس والزكوات ـ والصدقات والهبات، نعم مع بذل ذلك فعلاً من دون مهانة ولا حرج ففي وجوب الإنفاق حينئذٍ إشكال، وإن كان أحوط وجوباً.

(مسألة 13): إنما تجب النفقة على الأرحام مع القدرة، ولو بالقدرة على التكسب أو الاستدانة على مال موجود عنده، ولا تجب الاستدانة في غير ذلك، وإن كان قادراً على الوفاء من مال يأتيه، كما لا يجب الاسترفاد والتعرض لطلب الحقوق والصدقات ونحوها.

(مسألة 14): الواجب من النفقة للأرحام هو الطعام والشراب واللباس والإسكان والدواء وسائر ما يحتاجون إليه لمعاشهم، ولا يجب عليه ما عدا ذلك من حوائجهم، كوفاء الديون التي عليهم لله تعالى أو للناس وكتزويجهم.

(مسألة 15): يختص الأب بالنفقة على الولد مع قدرته، دون الأم، ودون الجد والجدة للأب والأم. ومع فقده أو عجزه أو امتناعه ـ بحيث يتعذر الإنفاق من ماله ـ ففي وجوب الإنفاق عليهم كفاية أو توزيع النفقة عليهم أو الترتيب بينهم إشكال، واللازم الاحتياط. نعم مع عدم الإنفاق من بعضهم وتعذر الإنفاق من ماله يتعين الإنفاق على الباقين، ولا يبقى الولد بلا نفقة.

(مسألة 16): إذا كان لمن يحتاج النفقة أب وولد ففي وجوب الإنفاق عليه على أبيه أو عليهما معاً كفاية أو بنحو التوزيع إشكال، واللازم الاحتياط، ومع عدم الإنفاق عليه من أحدهما يتعين على الآخر الإنفاق عليه ولا يبقى بلا نفقة، نظير ما تقدم في المسألة السابقة.

(مسألة 17): إذا امتنع المكلف بالنفقة من الإنفاق كان لمن تجب النفقة له ـ من الأرحام أو الزوجة ـ أو لوليه المطالبة بالإنفاق عليه وإجباره على ذلك، والأحوط وجوباً رفع أمره للحاكم الشرعي ليجبره على الإنفاق، وإن تعذر إجباره على الإنفاق وكان له مال أنفق عليه منه، وإن تعذر ذلك أيضاً جاز الإنفاق عليه بقصد الرجوع على من تجب عليه النفقة إن كان له مال ويكون ذلك حينئذٍ ديناً عليه. وإن تعذر الرجوع للحاكم جاز لمن له النفقة أو لوليه تولي ذلك كله ولو بالاستعانة بالغير.

ويجري ذلك كله في حق غير الممتنع ممن يكلف بالنفقة ولا ينفق، كالمسافر والمسجون والغائب إذا تعذرت مراجعتهم.

(مسألة 18): نفقة النفس مقدمة على نفقة الغير، إلا أن يكون واجب النفقة على غيره ولم يكن الغير ممتنعاً عنها فالأحوط وجوباً حينئذٍ له أن ينفق على من تجب عليه النفقة ويأخذ هو نفقته ممن تجب عليه.

(مسألة 19): نفقة الزوجة مقدمة على نفقة الأقارب، ونفقة الأقرب منهم مقدمة على نفقة الأبعد، فالولد مقدم على ولد الولد، فإن تساووا وعجز عن الإنفاق عليهم نفقةً تامة تخير بين أن ينفق على بعضهم نفقة تامة ويترك الآخر وأن ينفق عليهم جميعاً بعض النفقة الواجبة بنحو التوزيع، إلا أن لا ينتفع بعضهم بالتوزيع فيتعين الأول. وإذا كان بعضهم واجب النفقة على غيره أيضاً ولم يكن الغير ممتنعاً عنها فالأحوط وجوباً إيكاله لذلك الغير والإنفاق على الآخر.

الثالث: نفقة المملوك.

تجب النفقة للإنسان المملوك، لكن لما لم يكن مورداً للابتلاء غالباً في زماننا فلا نطيل الكلام ببيان فروعه. كما تجب النفقة على الحيوان المملوك، ولو بتركه يرعى بنفسه، ومع تعذر ذلك فالأحوط وجوباً بيعه أو ذبحه.

(مسألة 20): نفقة الزوجة تقبل الإسقاط تبرعاً أو بالمصالحة عن شيء من الزوج يقوم به لها، من دون فرق بين نفقة اليوم وما زاد عليها. أما نفقة الأقارب والمملوك فلا تقبل الإسقاط.

(مسألة 21): تستحب النفقة على الأرحام غير من تقدم. وفي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من عال ابنتين أو أختين أو عمتين أو خالتين حجبتاه من النار بإذن الله».

(مسألة 22): يستحب التوسعة على العيال، وقد ورد الحث والتأكيد على ذلك عن المعصومين (عليهم السلام)، فعن النبي (صلى الله عليه وآله): «الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله عز وجل أنفقهم لعياله» وفي حديث مسعدة: «قال لي أبو الحسن (عليه السلام): إن عيال الرجل أسراؤه، فمن أنعم الله عليه بنعمة فليوسع على أسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول النعمة». نعم ينبغي ملاحظة اُمور..

الأول: عدم الإفراط في ذلك، بنحو يؤدي للترف والبطر، فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «لينفق الرجل بالقسط وبلغة الكفاف، ويقدم منه الفضل لآخرته، فإن ذلك أبقى للنعمة وأقرب إلى المزيد من الله وأنفع في العاقبة» على أن عواقب ذلك وخيمة عليهم في سلوكهم وخلقهم وتكوين شخصيتهم ومستقبل حياتهم.

الثاني: عدم الاستهوان بالمال بتضييعه هدراً أو صرفه بمصارف تافهة، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إن القصد أمر يحبه الله عز وجل، وإن السرف أمر يبغضه الله عز وجل، حتى طرحك النواة فإنها تصلح لشيء، وحتى صبك فضل شرابك»، وفي حديث إسحاق بن عمار: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يكون للمؤمن عشرة أقمصة؟ قال: نعم. قلت: عشرون؟ قال: نعم. قلت: ثلاثون؟ قال: نعم، ليس هذا من السرف، إنما السرف أن تجعل ثوب صونك ثوب بذلتك».

الثالث: الموازنة بين الدخل والمصروف، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «رب فقير هو أسرف من الغني، إن الغني ينفق مما أوتي، والفقير ينفق من غير ما أوتي».

وعلى المؤمن أن يكون حكيماً في ذلك وفي جميع اُموره، فالحكمة فوق كل شيء. ومنه سبحانه نستمد التوفيق والتسديد.

والحمد لله رب العالمين.