كتاب النكاح

وهو رباط شريف شرعه الله تعالى رحمة بعباده، لبقاء النوع الإنساني وتنظيم الغرائز التي أودعها فيه، حفاظاً على عفة الإنسان ودينه، وأنساً لوحشته، ووصلاً لوحدته ونظماً لحياته. قال تعالى: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون) وقال عز اسمه: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). وقال النبي (صلى الله عليه وآله): «من تزوج أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي». وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «ما أفاد عبد فائدة خيراً من زوجة صالحة إذا رآها سرته وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله».

وهو من المستحبات المؤكدة بل يكره تركه. قال النبي (صلى الله عليه وآله): «ما بني بناء في الإسلام أحب إلى الله عز وجل من التزويج» وقال (صلى الله عليه وآله): «من أحب أن يكون على فطرتي فليستن بسنتي وإن من سنتي النكاح». وقال (صلى الله عليه وآله): «من أحب أن يلقى الله طاهراً مطهراً فليلقه بزوجة» وقال (صلى الله عليه وآله): «ركعتان يصليهما متزوج أفضل من رجل أعزب يقوم ليله ويصوم نهاره». وقال (صلى الله عليه وآله): «رذال موتاكم العزاب».

والنصوص في ذلك ونحوه لا تحصى كثرة. وقد تضمن جملة منها النهي عن ترك الزواج خوف الفقر، وأن من فعل ذلك فقد ساء ظنه بالله تعالى. بل ورد فيها أن الزواج من أسباب الرزق، وأن الرزق مع النساء والعيال... إلى غير ذلك. فعلى المؤمنين وفقهم الله تعالى الاهتمام بتسهيل أمر الزواج بتخفيف قيوده وتقليل نفقاته والتعاون عليه، إقامة للسنة ودفعاً للفساد والفتنة.

ومن عجز عن الزواج فعليه أن يدرع التقوى والصبر، ويبعد نفسه عن مواقع المعصية والفتنة، ويحذر من كيد الشيطان وغروره، ويكبح جماح النفس الأمارة بالسوء، ويتحلى بالعفة والفضيلة، ويربأ بنفسه عن السقوط في مهاوي الخسة والرذيلة متمسكاً بوصية الله تعالى حيث يقول: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله). وقد ورد عنهم (عليهم السلام): أنه يستحب الاستعانة على العزوبية بالصيام وتوفير الشعر وأن بهما تخف حدة الحاجة للنكاح. ونسأله سبحانه أن يعين شباب المؤمنين في بليتهم، ويعصمهم في محنتهم ويزيدهم إيماناً وتسليماً (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً).

وينبغي مقدمة للكلام في المقام التعرض لحكم العلاقة بين الجنسين، وبين أفراد الجنس الواحد مع قطع النظر عن الزواج، ثم الكلام في النكاح في فصول تتضمن آدابه وأركانه وأقسامه وشروطه وأحكامه ونحوها.

مقدمة

في العلاقة بين الجنسين وبين

أفراد الجنس الواحد

(مسألة 1): يحرم على الرجل والمرأة التلذذ الجنسي بغير الزوجة والزوج ونحوهما، سواء كان مماثلاً، كالرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، أم مخالفاً محرماً أو غير محرم. بل الظاهر عدم جواز التلذذ المذكور بغير الإنسان، كالبهائم والتمائيل المجسمة والصور غير المجسمة.

(مسألة 2): لا فرق في حرمة التلذذ المذكور بين أن يكون باللمس والتقبيل والنظر والسماع، كما لا فرق بين أن يكون بقصد الإنزال وغيره.

(مسألة 3): إذا كانت الاُمور المذكورة مبنية على الإعجاب بجمال المنظور أو الملموس أو المسموع من دون أن تصل إلى التلذذ الجنسي فلا تحرم، لكن ينبغي الحذر من الوصول إلى التلذذ الجنسي، فالأولى التجنب حذراً من الوقوع فيه. هذا كله في المماثل وأما في غيره فيلحقه ما يأتي.

(مسألة 4): يحرم على الإنسان ـ رجلاً كان أو امرأة ـ التلذذ بمس عضوه الجنسي، ببعض جسده أو بغيره، وإن لم يبلغ حد الإنزال، فضلاً عما إذا بلغ ذلك. بل الأحوط وجوباً العموم للتلذذ بالنظر. نعم يستثنى من ذلك العبث بالعضو الجنسي للاستعانة على الوطء المحلل واستكمالاً للتلذذ به من دون أن يبلغ حد الإنزال.

(مسألة 5): يجب على المرأة ستر جميع جسدها وشعرها عن غير المحرم من الرجال عدا الوجه والكفين. وأما القدمان فالأحوط وجوباً سترهما. نعم إذا قعدت عن النكاح جاز لها أن تكشف رأسها وذراعها من دون زينة غير ما يأتي، وإن كان الأفضل لها ستر ذلك.

(مسألة 6): يجوز للمرأة التزين في الموضع الذي يحل كشفه من بدنها بالكحل والخاتم والسوار، ولا يحل ما زاد على ذلك كالمكياج المتعارف في عصورنا. نعم يحل على كراهة زينة الثياب الظاهرة، سواء كانت بمثل التلوين والتطريز أم بكيفية الخياطة والتفصيل، إلا ما كان مظنة الإثارة والفتنة فالأحوط وجوباً تجنبه. كما أن الأحوط وجوباً لها عدم استعمال الطيب بحيث يشمه الأجنبي.

(مسألة 7): لا يجب التستر عن غير ذي الإربة من الرجال، وهو الذي لا رغبة له في النساء. والأحوط وجوباً الاقتصار على من استمر على ذلك من طفولته لنقص في إدراكه ولبلاهته، دون مثل الشيخ والمريض.

(مسألة 8): لا يجب على المرأة التستر عن المحارم، وهم الذين يحرم نكاحهم لها بالنسب أو الرضاع المحرِم كالأب والولد والأخ والعم. وكذا المحارم بالسبب، وهم الذين يحرم نكاحهم لها مؤبداً بسبب عقد النكاح الصحيح، كأب الزوج وابنه وزوج البنت وزوج الأم المدخول بها، أو بسبب وطء مشروع كموطوءة الأب والابن بالملك. دون ما يحرم بسبب عقد نكاح غير مشروع كنكاح ذات البعل أو في العدة أو بسبب وطء محرّم كاللواط بالأخ، أو بسبب آخر كالطلاق تسعاً، فضلاً عما يحرم مؤقتاً كالمطلقة ثلاثاً وبنت الزوجة غير المدخول بها وأخت الزوجة.

(مسألة 9): يستثنى من جواز التكشف للمحارم ومن جواز النظر إليهم العورة على ما تقدم في أحكام التخلي من كتاب الطهارة. كما أن الأحوط وجوباً ترك ما كان مظنة الإثارة والفتنة من التخلع والتزين، نظير ما تقدم في غير المحارم.

(مسألة 10): يحرم على الرجل النظر لما يجب ستره من جسد المرأة، إلا أن تكون متكشفة بحيث إذا نهيت لا تنتهي ولا تتستر، من دون فرق في ذلك بين كون تكشفها لاعتقاد الحل وأن يكون تسامحاً وعصياناً. أما إذا كان تكشفها غفلة عن وجود الناظر بحيث لو نبهت لاستترت فلا يجوز النظر إليها إذا كانت مسلمة، بل حتى إذا كانت كافرة على الأحوط وجوباً.

(مسألة 11): الأحوط وجوباً عموم وجوب الستر وحرمة النظر لصورة المرأة في المرآة ونحوها مما يحكي حكاية تامة، بل الأحوط وجوباً العموم لمثل الماء الصافي مما يحكي حكاية ناقصة، إلا أن لا تتميز الصورة حينئذٍ، بل تكون شبحاً لا غير. أما الصورة التلفزيونية والفوتوغرافية ونحوهما فالظاهر جواز النظر إليها، وإن كان الأحوط استحباباً تركه إذا لم تتعمد المرأة بذل الصورة. بل يحرم إذا كانت مؤمنة وكان النظر هتكاً لها وتوهيناً عرفاً، كما قد يكون ذلك فيما إذا كانت مصونة في نفسها وكانت الصورة معرفة لها.

(مسألة 12): يجوز نظر المرأة للرجل الأجنبي، والأحوط وجوباً أن لا تملأ نظرها منه وتتأمله.

(مسألة 13): يحرم على كل من الرجل والمرأة الأجنبيين مس أحدهما الآخر، من دون فرق بين ما يحل النظر له من المرأة وغيره، فلا يجوز لهما المصافحة. ولا يسوغ ذلك كونه في بعض الأوساط والأعراف البعيدة عن الدين من جملة آداب المعاشرة، بحيث يرمى تاركه بسوء الخلق ومجانبة الأدب، فإن في الجري على تلك الأعراف في مثل ذلك تضييعاً لتعاليم الدين وطمساً لمعالمه وانصهاراً بتقاليد الكفر وتبعية له، بل يلزم الإصرار على تطبيق الحكم الشرعي والعمل عليه بلطف ووداعة وأدب، حتى يشيع ويعرف حاله على حقيقته، ويصير التزام المسلم به علامة على قوة شخصيته وتمسكه بدينه واعتزازه بمبدئه، وتسامحه فيه علامة على ضعف شخصيته وتحلله.

(مسألة 14): الظاهر عدم وجوب ستر الشعر والجزء المفصولين من المرأة عن الرجل وجواز نظره إليه. نعم إذا كانت المرأة الميتة مقطعة الأعضاء فالأحوط وجوباً عدم النظر إلى أعضائها المعتد بها المقومة لجسدها عرفاً، بل إذا صدق على النظر إليها النظر للمرأة الميتة فالظاهر حرمته.

(مسألة 15): إذا اضطر للنظر المحرّم لعلاج ونحوه، فإن أمكن الاكتفاء بالنظر للصورة المنعكسة في المرآة تعين، وإلا حل النظر للجسد بنفسه، ويقتصر على مورد الاضطرار من حيثية المقدار المنظور إليه ومدة النظر وزمانه. وهكذا الحال في المس.

(مسألة 16): ليس من الاضطرار المسوغ للنظر والمس المحرمين الاختلاط العائلي، لاجتماع العوائل في بيت واحد، أو لتآلفها وكثرة الاجتماع والتزاور بينها. وما تعارف ـ نتيجة لذلك ـ من التسامح بالحجاب والنظر بين الرجل وزوجة أخيه أو أخت زوجته أو بنت عمه أو نحوهم من الأقارب بل الأصدقاء لا مسوغ له. ومن الغريب تعارف ذلك عند بعض العوائل المحترمة والمعروفة بالتدين والالتزام والاحتشام. والأنكى من ذلك والأمض رفع الحواجز في مناسبات الأفراح والأعراس حيث يستخف الفرح أهله فيدخل الشباب وهم في أوج حيويتهم ونشاطهم على النساء المتبرجات بملابسهن الفاضحة وزينتهن الصارخة على أتم الوجوه وأدعاها للفتنة والإثارة، تغاضياً عن مقتضيات الغيرة والعفة، وخروجاً عن قوانين الشرع الشريف ونبذاً لتعاليم الدين الحنيف، كفراً لنعمة الله تعالى بمعصيته وانتهاك حرمته وتعدي حدوده في موقف هو أدعى لشكره تعالى بطاعته والخضوع لإرادته والوقوف عند أمره ونهيه، استيجاباً لرحمته واستزادة من نعمته كما قال جلت أسماؤه وعظمت آلاؤه: (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد).

(مسألة 17): يجوز للرجل سماع صوت المرأة الأجنبية، وللمرأة سماع صوت الرجل الأجنبي. نعم لابد من عدم التلذذ الجنسي بذلك كما تقدم.

(مسألة 18): يكره للرجل النظر لأدبار النساء.

(مسألة 19): يكره اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات، وفي حديث سيدة النساء (عليها السلام) قالت: (خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال) بل قد يحرم إذا كان مظنة للفتنة والفساد، خصوصاً ما يبتني منه على التزاحم والتضام.

(مسألة 20): يكره للرجل الجلوس في مكان المرأة إذا قامت عنه حتى يبرد.