كتاب الحجر
وهو منع الإنسان من التصرف في نفسه أو ماله لقصور في سلطنته، وأسبابه كثيرة، إلا أن بعضها يختص ببعض الموارد، كالرهن المانع للراهن من التصرف في المال المرهون، والتحبيس المانع للمحبس من التصرف في العين المحبسة، والدين والوصية المانعين للوارث من التصرف في تركة المدين وان كانت ملكاً له، والشرط المانع من التصرف على خلاف مقتضاه، وغير ذلك مما يذكر في كتب الفقه المتفرقة، وقد استغني بذكره هناك عن ذكره هنا. وقد خص الفقهاء (رضوان الله عليهم) الكلام هنا باُمور ستة: الصغر، والجنون، والسفه، والفلس، والرق، والمرض. وحيث لم يكن الرق في عصورنا مورداً للابتلاء بوجه معتد به، وكان التحجير بالمرض مبنياً على القول بمنع الإنسان في مرض الموت من التصرف فيما زاد على الثلث، وهو ضعيف عندنا، انحصر الكلام في الأربعة الأول.
الأول: الصغر، فلا يستقل الصغير بالتصرف وإن كان مميزاً إلا مع البلوغ، ويستثنى من ذلك بعض التصرفات، كالوصية على ما يذكر في محله.
(مسألة 1): يصح تصرف الصبي في ماله ونفسه بإذن الولي، كما يصح تصرفه في مال غيره ونفسه بإذن من له التصرف أو بإذن وليه وإن لم يأذن ولي الصبي. ولابد في الحالين من تمييز الصبي للتصرف الذي يوقعه وإدراكه لمعناه وقصده له، أما إذا لم يكن كذلك فلا يصح منه التصرف. نعم يمكن أن يكون واسطة في إعلام الطرف الآخر للمعاملة بإذن الولي فيها، فيتولى الطرف المذكور الإيجاب والقبول معاً، كما لو أرسل معه الثمن لصاحب المحل التجاري لإعلامه بأن المرسل يطلب من صاحب المحل بيع البضاعة عليه بالثمن المذكور وإرسالها معه.
(مسألة 2): إذا أقدم الصبي المميز على إيقاع المعاملة لنفسه وشك في كونه مأذوناً من الولي حكم ظاهراً بتحقق الإذن وصحة المعاملة التي أقدم عليها، خصوصاً إذا ادّعى صريحاً الإذن له. نعم إذا أنكر الولي بعد ذلك صدور الإذن منه فالقول قوله. وكذا الحال إذا كان تحت يده مال لغيره فأقدم على التصرف فيه بالبيع أو الشراء أو غيرهما. أما إذا لم يكن تحت يده مال للغير وأراد التعامل عنه في ذمته فلا مجال للبناء على صدور الإذن من ذلك الغير ما لم يثبت بوجه شرعي، وهكذا الحال في البالغ. وأما إذا لم يكن الصبي مميزاً لكن احتمل كونه واسطة في إيصال الثمن مثلاً للإعلام بإذن الولي في إيقاع المعاملة من قبل الطرف الآخر فلا مجال للبناء على ذلك ما لم يثبت بوجه شرعي. هذا وقد تقدم في كتاب البيع الكلام في أولياء العقد.
(مسألة 3): يثبت البلوغ بالعلم وبالبينة، وبإخبار الشخص عن نفسه إذا لم يكن متهماً.
الثاني: الجنون، وهو في الشدة والضعف على مراتب. ويكفي في الحجر عليه كونه بمرتبة من ضعف العقل ونقص الإدراك بحيث لا يميز الصلاح من الفساد والضر من النفع، ولا يحسن الاختيار بالوجه العقلائي، وحينئذٍ إن كان يدرك معنى المعاملة ويتحقق منه القصد إليها من دون أن يحسن الاختيار جرى عليه حكم الصبي المميز، وإن كان فاقداً لذلك أيضاً جرى عليه حكم الصبي غير المميز.
(مسألة 4): إذا لم تظهر أمارات الجنون على الشخص يبنى على عدم جنونه، إلا أن يعلم بأنه كان فيما مضى مجنوناً فلا يبنى حينئذٍ على ارتفاع جنونه إلا بالعلم أو البينة.
الثالث: السفه، والظاهر أنه صفة نفسية ترجع إلى قصور الإنسان عن أن يدرك ـ ولو بالتعلم ـ ما يحفظ ماله من التلف والفساد والنقص، بحيث يقدم بسبب قصوره على ما يعرضه لذلك، كإهمال التحرز عليه من السرقة، وترك إطعامه وسقيه إن كان محتاجاً لهما، وكبذله مجاناً، وكإيقاع المعاملات الغبنية بالمقدار الفاحش عليه.
أما لو لم يكن إقدامه على ذلك مسبباً عن قصور في إدراكه، بل عن دواع أخر ـ وإن لم تكن مناسبة للحكمة ـ فالظاهر عدم صدق السفه به، كمن بذل ماله لمحبوب مشغوف به، أو إغراقاً في مفاخرة أو ترف أو شهوة محللة أو محرمة، أو غير ذلك من الدواعي المقبولة شرعاً أو عرفا أو المستهجنة. نعم إذا كانت الاستجابة للداعي المذكور مسببة عرفاً عن النقص في الإدراك تحقق السفه أيضاً.
(مسألة 5): إذا لم تظهر أمارات السفه بني على عدمه. نعم لا يجوز لولي الصغير تمكينه من ماله إذا كبر حتى يتبين له رشده بالاختبار أو غيره، كما أنه إذا علم بأن الشخص كان سفيهاً فيما مضى فلابد في التعامل معه من ثبوت رشده بالعلم، أو البينة، أو بالاعتماد على معاملة الولي له معاملة الرشيد برفع يده عن ماله وتسليمه له.
(مسألة 6): من اتصل سفهه بصغره بقي تحت ولاية وليه حال الصغر، ومن تجدد له السفه بعد أن بلغ رشيداً فالأحوط وجوباً اشتراك الولاية عليه بين أقرب الناس إليه ـ وهم ورثته ـ والحاكم الشرعي. نعم لو ظهر للحاكم الشرعي عدم أهليتهم للولاية لعجزهم عن رعاية أمواله أو لخيانتهم استقل هو بالولاية.
(مسألة 7): لا يحتاج ثبوت السفه أو ثبوت ارتفاعه إلى حكم الحاكم، بل لكل شخص أن يعمل على مقتضى الوظيفة السابقة. نعم مع التشاح والتنازع لابد من الرجوع للحاكم في ثبوته وعدمه، كما لو ادّعى الولي على الشخص حال صغره أنه بلغ سفيهاً فوضع يده على ماله وادّعى المولى عليه أنه ليس بسفيه أو ادّعى تجدد الرشد له بعد البلوغ بمدة، وكما لو أوقع الشخص معاملة مع شخص ثم ادّعى أنه كان سفيهاً عند إيقاع المعاملة وادّعى طرف المعاملة أنه لم يكن سفيهاً، وكذا لو ادّعى أهل الشخص أنه سفيه توصلاً لإبطال المعاملة التي أوقعها وادّعى هو أو طرف المعاملة أنه ليس بسفيه توصلاً لتصحيحها، أو ادعوا سفهه لطلب الحجر عليه فأنكر هو ذلك... إلى غير ذلك.
(مسألة 8): السفيه إنما يحجر عليه في التصرفات المالية، مجانية كانت ـ كالهبة والصدقة ـ أو معاوضية ـ كالبيع والإجارة ـ بل يمنع حتى عن اليمين والنذر والعهد المقتضية لصرف المال فلا تنفذ، دون التصرفات غير المالية كالطلاق والظهار، نعم الظاهر منعه عن النكاح لابتنائه على استحقاق المهر وإن لم يكن مقوماً له.
(مسألة 9): كما يمنع السفيه من التصرفات المالية كذلك لا يقبل إقراره بها وبكل ما يرجع للمال كالإتلاف والسرقة. ولو أقر بنسب يستتبع الإنفاق من ماله فالظاهر ثبوته وعدم وجوب الإنفاق. نعم الظاهر قبول قوله من باب الشهادة لو كان عادلاً، فيترتب عليه حكم الشاهد الواحد، دون حكم الإقرار.
(مسألة 10): لا يلغى إنشاء السفيه في الاُمور المالية، بل يصح بإذن الولي، كما يصح تصرفه في مال غيره بإذنه، ولو أوقع العقد لنفسه من دون إذن الولي كان فضولياً موقوفاً، فإذا أجازه الولي نفذ، وكذا إذا أوقع العقد على مال غيره من دون إذنه، ثم أجازه صاحب المال، فهو كالصبي المميز في ذلك.
الرابع: الفلس، وهو أن تقصر أموال المدين عن ديونه التي عليه. والمعروف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنه يحجر على المفلس بشروط ثلاثة: ثبوت ديونه عند الحاكم الشرعي بالمقدار الزائد على أمواله، وحلولها، ومطالبة الغرماء بالتحجير عليه. فإن تمت الشروط المذكورة وجب على الحاكم التحجير عليه، فإن حجّر عليه منع من التصرف في أمواله، وثبت حق الغرماء فيها، وكان على الحاكم أن يتولى وفاء ديونهم منها. لكن الأمر لا يخلو عن إشكال. والذي تقتضيه الأدلة أنه مع امتناع المدين عن وفاء الدين ورفع الأمر للحاكم الشرعي فإن الحاكم الشرعي يأمره بالوفاء إذا كان ذا مال، فإن امتنع تولى الحاكم وفاء ديونهم من ماله، عدا مستثنيات الدين المتقدمة، فإن قصر المال عن الديون وقع النقص عليها جميعاً بالنسبة، وكذا إذا لم يمتنع وكان ماله قاصراً عنها. وإن طالب الغرماء باستسعائه في وفاء دينه كان لهم ذلك إذا كان لائقاً به، ومقتضى ذلك أنه بأمر الحاكم له بالوفاء تسلب سلطنته على ماله في خصوص التصرفات المانعة من وفاء ديونه به أو الموجبة لقصوره عن ذلك، وكذا عن المال الحاصل له بالاستسعاء حتى يتم الوفاء، ولا حجر عليه فيما عدا ذلك.
(مسألة 11): إذا قصرت أموال الشخص عن ديونه، فمن وجد من أصحاب الديون ماله الذي اشتراه منه المدين بعينه كان له أخذه بدل دينه، ولا يقسم مع بقية أمواله على الغرماء بالنسبة. وهناك فروع كثرة تبتني على مذهب المشهور لا يسعنا التعرض لها.
والحمد لله رب العالمين.