كتاب السبق والرماية
السبق عقد يقتضي استحقاق السابق لجعل معين، والرماية عقد يقتضي استحقاق الأجود رمياً لجعل معين. وأطراف العقدين جميع المشتركين في التسابق والمغالبة، ويضاف إليهم باذل الجعل إذا لم يكن منهم. ولابد فيهما من أمرين..
الأول: كون أطراف العقد نافذي التصرف بالبلوغ والعقل وعدم الحجر.
الثاني: الإيجاب من بعضهم والقبول من الباقي، ويكفي كل ما يدل على الإلزام والالتزام بذلك من قول أو فعل كسائر العقود، وإذا تم لزم العقد، ووجب التسابق ولا يجوز الامتناع عنه مع المطالبة إلا بعروض المبطل للعقد، كعجز بعض الأطراف أو موته، أو بالتقايل الراجع لحل العقد.
هذا إذا ابتنى السبق والرماية على الالتزام بالتسابق ثم استحقاق الجعل للسابق، نظير الإجارة. أما إذا ابتنيا على استحقاق السابق الجعل من دون إلزام بالتسابق كانا من الإيقاعات، وكفى فيهما الالتزام من باذل الجعل بجعله للسابق من دون حاجة لالتزام الباقين، ولم يقتضيا وجوب التسابق، وجاز العدول عنهما قبل العمل، كالجعالة وجرى عليهما حكمها.
(مسألة 1): يجوز السبق بكل ذي خف، وهو الإبل والفيلة، وبكل ذي حافر، وهو الخيل والبغال والحمير. وتجوز الرماية بكل ذي نصل، وهو الحديدة المحددة الموضوعة في طرف السلاح، كالسيف والرمح والسهم والحربة ونحوها. ولا يجوز التسابق مع الرهن في غير ذلك، حتى الحمام على الأحوط وجوباً، نعم يجوز اللعب والتسابق فيه بلا رهن، إلا أن يكون قماراً فيحرم، على ما تقدم عند ذكر الكبائر من كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(مسألة 2): يجوز أن يكون العوض عيناً خارجية، وأن يكون ذمياً كألف دينار في ذمة الجاعل.
(مسألة 3): يجوز أن يكون العوض من أحد المتسابقين، ومن جميعهم، كما لو بذل كل منهم مائة دينار للسابق بحيث يكون للسابق مجموع ما يبذله الكل، كما يجوز أن يبذل العوض من غير المتسابقين.
(مسألة 4): لا يجوز جعل الرهان لغير السابق من المتسابقين، كما تعارف في عصورنا مراهنة بعض المشاهدين على سبق أحد المتسابقين، بحيث لا يكون سبق السابق سبباً لاستحقاقه الرهان بنفسه، بل لاستحقاق أحد المتراهنين له، فإن ذلك من الرهن المحرّم، وهو المعروف في عصورنا بالرايسز.
(مسألة 5): لابد في المسابقة من تحديد الجهات الدخيلة فيها، كالزمان والمكان ومقدار الرمي ونحو ذلك، بنحو تنضبط به المسابقة ويحدد معيار السبق واستحقاق الجعل، ولا يجب ما زاد على ذلك.
(مسألة 6): في المسابقات المحللة التي لا يجوز فيها الرهن إذا بذلت آلة اللعب للمتسابقين مجاناً فلا إشكال، وإن كانت بأجرة فلا يجوز الاتفاق على أن يتحملها المغلوب وحده، ويجوز اشتراك المتسابقين فيها، أو تحمل بعضهم المعين لها.
(مسألة 7): ينبغي للمؤمن أن يترفع عن اللهو واللعب وإن كان حلالاً، فعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «كل لهو المؤمن باطل إلا في ثلاثة: تأديبه فرسه ورميه عن قوسه وملاعبته امرأته، فإنهن حق». ويتأكد ذلك فيما يبتني على المغالبة والتسابق، فإنه يجرّ للتباهي والتفاخر والأشر والبطر، وهي من وسائل الشيطان المهلكة. وكثيراً ما تكون عاقبة ذلك التنافر والتباغض والعدوان والتحاسد، ولا أقل من كون ذلك مضيعة للوقت الثمين الذي هو رصيد الإنسان في دنياه، والذي يستطيع أن يكتسب به أربح المكاسب وينال به أسمى المطالب وأسنى المراتب. ومنه سبحانه نستمد التوفيق والتسديد.