كتاب الاستيداع
وهو عقد ثمرته الائتمان للحفظ. وصاحب العين هو المودع، والمؤتمن عليها هو الودعي، والمال المودع هو الوديعة. وتقع بكل ما يدل على الاستئمان المذكور والالتزام به، من قول أو فعل، ولا يعتبر فيه فعل خاص أو لفظ خاص.
(مسألة 1): لا تصح الوديعة من المجنون، ولو أخذها المكلف منه كان ضامناً لها، إلا أن يكون بإذن وليه.
(مسألة 2): لا تصح الوديعة من الصبي إلا بإذن وليه، فإن لم يأذن كان على آخذها منه الضمان.
(مسألة 3): لا يصح من المكلف أن يودع الصبي والمجنون، ولو دفع المال لهما لم يكن وديعة عندهما، ولا ضمان عليهما حينئذٍ بالتفريط والإهمال، كما لا ضمان بالتعدي إذا لم يستند له الضرر أو التلف، بل حتى إذا استندا له. وأما مع تمييزهما ففي الضمان وعدمه إشكال، واللازم الاحتياط.
(مسألة 4): لا يجوز التعدي على الوديعة بالتصرف فيها تصرفاً منقصاً لها، أو معرضاً لها للخطر، كما لو أكل منها أو لبسها أو فك حرزها أو نحو ذلك، مما يبتني على مخالفة الوضع الذي يريده المودع لها في مقام التحفظ عليها، وإن فعل الودعي ذلك كان متعدياً عليها. وهذا بخلاف التصرف الذي لا يأذن به المالك إذا لم يكن منافياً للتحفظ عليها، كالاتكاء على القاصة، أو الكتابة عليها كتابة تسهل إزالتها، أو نحو ذلك، فإنه ـ وإن كان محرّماً إذا لم يحرز به رضا المالك ـ لا يصدق به التعدي من حيثية الاستيداع.
(مسألة 5): إطلاق الوديعة يقتضي وجوب حفظ الوديعة على الودعي بالنحو المتعارف، بنحو لا يعتبر عرفاً مفرطاً. وإذا علم المودع كيفية حفظ الودعي للوديعة فأطلق كان للودعي الاجتزاء بالكيفية التي يعمل عليها، وإن كانت على خلاف المتعارف، واستلزمت التفريط عرفاً.
(مسألة 6): إذا عين المودع وجهاً خاصاً للحفظ تعين ولا يجوز الخروج عنه. نعم إذا ابتنى تعيين المودع على بيان أدنى مراتب الحفظ كان للودعي اختيار الأحسن والأوثق بنظره.
(مسألة 7): إذا عين المودع وجهاً للحفظ لتخيل إحكامه وكان الودعي يعلم بخلل فيه مغفول عنه وجب عليه تنبيهه، ولو أبقاه على غفلته وعمل عليه كان مفرطاً.
(مسألة 8): إذا عين المودع وجهاً للحفظ فطرأ ما يمنع من التوثق به، فإن كان ذلك متوقعاً للمودع لم يجز للودعي تبديله، وإن لم يكن متوقعاً فإن أمكن مراجعة المالك وجبت وإلا كان على الودعي مع القدرة تبديله بما هو بمرتبته في التوثق أو الأحسن منه. وكذا يجب التبديل بالوجه المذكور إذا تعذر استعماله، كما لو عيّن له صندوقاً خاصاً فتلف أو سرق أو منع من وضع الوديعة فيه.
(مسألة 9): يجب على الودعي تعاهد الوديعة بالنحو المتعارف، والقيام بما تحتاج إليه من طعام أو شراب أو تعريض للهواء أو الشمس أو لف أو نشر أو تجفيف أو غير ذلك، حسب اختلاف الودائع والأوقات والأحوال، ولو قصر في ذلك كان مفرطاً. هذا كله مع الإطلاق، أما مع اشتراط عدم ذلك فلا يجب.
(مسألة 10): إذا احتاج حفظ الوديعة والقيام بما تحتاج إليه إلى بذل مال، فإن كان ذلك متوقعاً لها حين الإيداع وجب على الودعي بذله والرجوع ببدله على المودع، إلا أن يشترط عليه صريحاً أو ضمناً عدم رجوعه به، وإن لم يكن متوقعاً، فإن رضي الودعي ببذله له من دون رجوع فهو، وإلا فإن أمكن إعلام المودع بالحال والعمل على ما يتفقان عليه وجب، وإن تعذر كان على الودعي أن يختار الأصلح للوديعة والمودع، من بيعها وحفظ ثمنها للمودع، أو بيع بعضها للإنفاق على الباقي، أو الإنفاق عليها والرجوع على المودع، أو غير ذلك. ويجب مراجعة الحاكم الشرعي مع الإمكان للاتفاق معه على أحد الوجوه، إلا أن يبتني عقد الوديعة على إيكال الاختيار عند الطوارئ للودعي نفسه.
(مسألة 11): إذا توقف دفع تعدي الظالم على الوديعة على الكذب في أمرها، أو الحلف كاذباً وجب على الودعي ذلك، وإن لم يفعل مع علمه بوجوب ذلك عليه كان مفرطاً ضامناً، أما مع جهله وتخيله الحرمة فالظاهر عدم التفريط، إلا أن يكون مفرطاً عرفاً في جهله.
(مسألة 12): لا يضمن الودعي الوديعة إلا بالتعدي والتفريط، على التفصيل المتقدم في أول الفصل السادس من كتاب الإجارة. وإن اشترط في عقد الاستيداع ضمانهاً مطلقاً فالظاهر نفوذ الشرط.
(مسألة 13): عقد الاستيداع مع إطلاقه جائز، لكل منهما الرجوع فيه متى شاء، إلا أن يشترط فيه الأجل صريحاً أو ضمناً، فيلزم الشرط.
(مسألة 14): تحرم خيانة الوديعة بالتعدي عليها، أو التفريط بها، أو اختلاسها، سواء كان المودع مؤمناً أم مخالفاً، بل وإن كان ناصباً أو كافراً. ويجري ذلك في كل أمانة دفعت بناء على الاستئمان وقبلت على ذلك، حتى الدين، بل يجري ذلك حتى في مثل نصيحة المستنصح، ففي حديث عمار بن مروان عن الإمام الصادق (عليه السلام): «اعلم أن ضارب علي بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثم قبلت ذلك منه لأديت إليه الأمانة». فعلى المؤمنين ـ وفقهم الله تعالى ـ الاهتمام بذلك وعدم التسامح والتساهل، لشدة الأمر فيه، ففي حديث الحسين بن مصعب عنه (عليه السلام): «ثلاث <ثلاثة> لا عذر لأحد فيها: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين».
(مسألة 15): يجب على الودعي رد الوديعة للمالك أو وكيله مع مطالبته بها أو تعرضها للخطر، ولو لتخوف الموت وعدم قيام وارثه بالأداء. ولو مات المالك وجب دفعها لوارثه، ولا يجزي دفعها لبعض الورثة إلا مع العلم بإيصاله لكل ذي حق فيها حقه، نعم يجزي دفعها لوصي الميت أو لوكيل الورثة. ولو تعذر الوصول للمالك وجب الانتظار حتى يسلمه له أو لوارثه.
(مسألة 16): إذا جهل المودع أو وارثه واحتمل العثور عليه بالفحص وجب الفحص عنه حتى يحصل اليأس من العثور عليه بالفحص، فإن حصل اليأس فلا فحص، وكذا لو تعذر الفحص، أو لزم منه محذور مهم، وحينئذٍ إن احتمل ـ ولو بعيداً ـ العثور عليه أو على وارثه صدفةً من دون فحص فالأحوط وجوباً الانتظار مهما طال الزمان، نعم إذا قطع بعدم العثور عليه أو على وارثه وجب التصدق بالوديعة عن مالكها.
(مسألة 17): من استولى على عين بلا حق ـ عمداً أو جهلاً ـ فأودعها غيره فلا أثر لايداعه، ولا تترتب على العين أحكام الوديعة، ولا على الآخذ لها حكم الودعي، بل تكون مضمونة عليه لمالكها، ويجب عليه تسليمها له، ويحرم عليه إرجاعها للمودع، فإن جهل مالكها جرى ما تقدم في المسألة السابقة من وجوب الفحص أو الانتظار، غايته أنه مع اليأس عن العثور على المالك ـ بالفحص أو بدونه ـ إذا احتمل بعيداً العثور عليه صدفةً لا يجب الانتظار ـ كما وجب في المسألة السابقة ـ بل تجوز المبادرة للتصدق، كما يجوز الانتظار أيضاً.
(مسألة 18): إذا أجبر المودع في المسألة السابقة الودعي على استرجاع الوديعة وأخذها منه فالظاهر ضمان الودعي لها، لكن لا يجب عليه التصدق ببدلها، بل يجب عليه نية الوفاء للمالك لو طالبه، فإن ظهر المالك ـ مع الفحص أو بدونه ـ ورجع عليه دفع له البدل، ورجع هو على المودع إن قدر عليه، وإن رجع المالك على المودع رأساً وأخذ منه البدل فلا شيء على الودعي.
(مسألة 19): إذا تصدق بالوديعة في مورد عدم الوصول للمالك ثم ظهر المالك فالأحوط وجوباً مراجعته وإخباره بذلك، فإن رضي به كان له أجر الصدقة، وإن أبى ضمن المتصدق له المال، وكان أجر الصدقة المتصدق، ويجري ذلك في جميع موارد التصدق بمجهول المالك.
والحمد لله رب العالمين.