كتاب المضاربة
المضاربة عبارة عن معاملة خاصة بين صاحب المال وشخص آخر تبتني على اتجار ذلك الشخص بالمال على أن يكون له شيء من الربح.
(مسألة 1): لابد في المضاربة من بقاء المال على ملك صاحبه وعدم تملك العامل له من المالك، فيكون العامل بمنزلة الوكيل على المال يبيع به ويشتري لصاحبه، بحيث يكون من شأن الربح أن يكون بتمامه لصاحب المال، لأنه ربح ماله، لو لا أن العامل بسبب عمله يستحق بعضه. وليس من المضاربة ما إذا دفع المالك المال للتاجر على أن يخرج عن ملكه ويصير للتاجر مع انشغال ذمته بمثله، وحينئذٍ يعمل التاجر به كما يعمل بماله يبيع ويشتري به لنفسه، ويربح لنفسه، غايته أنه يجعل لمن أخذ منه المال بعضاً من الربح لأنه انتفع بماله، بل المعاملة المذكورة قرض ربوي محرّم. ولا يكفي في جعلها مضاربة ـ مع خروج المال عن ملك الدافع ـ اشتراط تحمل دافع المال للخسارة، بل لابد مع ذلك من بقاء المال على ملك مالكه الأول وكون التاجر بمنزلة الوكيل، كما ذكرنا.
وقد شاع في عصرنا دفع الإنسان ماله لمن يعمل به على أن يعطيه شيئاً من الربح باسم المضاربة، والظاهر رجوعه للقرض الربوي، وليس له من المضاربة إلا الاسم، غفلةً عن الضابط المتقدم للمعاملتين، فاللازم التنبه لذلك والحذر من التورط في الحرام.
(مسألة 2): المضاربة من العقود، فلابد فيها من الإيجاب والقبول، ولا يعتبر فيها اللفظ، بل يكفي كل ما يدل على ذلك، ولو مثل دفع المال للشخص وأخذه له بعنوان المضاربة.
(مسألة 3): يعتبر في المتعاقدين ـ وهما صاحب المال والعامل ـ نفوذ التصرف وعدم الحجر لصغر أو جنون أو سفه، ولا تصح بدون ذلك إلا بإذن الولي. ولو وقع العقد بدون ذلك وعمل العامل، فإن كان المحجور عليه هو المالك كان له تمام الربح وليس للعامل شيء إن علم بالحال، وإن جهله أو جهل عدم نفوذ المضاربة حينئذٍ فلا يخلو الأمر عن إشكال، فالأحوط وجوباً التراضي بينهما. وإن كان المحجور عليه هو العامل كان له أجرة المثل.
(مسألة 4): لا يعتبر في مال المضاربة أن يكون من الدنانير والدراهم التي هي عبارة عن الذهب والفضة المسكوكين بسكة المعاملة، بل تصح بجميع النقود وإن كانت ورقية. بل تصح حتى بالأعيان إذا ابتنت المعاملة على حفظ رأس المال بمثله، كما لو دفع إليه ألف مثقال من الذهب مثلا ليتجر بها بالبيع والشراء بنسبة من الربح على أن يحسب الربح بعد حفظ الألف مثقال من الذهب بمثلها، بل تصح بالأعيان حتى لو ابتنت على أن يكون رأس المال هو الثمن الخاص لها أو ثمن بيعها، كما لو دفع إليه بضاعة خاصة واتفقا على أن ثمنها ألف دينار تكون هي رأس المال، أو على أنها تباع وما يحصل من ثمنها هو رأس المال.
(مسألة 5): الظاهر صحة المعاملة على المنفعة وإن لم تكن مضاربة بأن يجعل لها قسطاً من الربح، كما لو دفع لشخص شبكة ليصيد بها ويكون الصيد بينهما، أو سيارة لينقل بها ويكون الوارد بينهما. بل قد تكون المعاملة على المنفعة والمال معاً، كما لو دفع شخص معملاً وآخر مالاً لشخص ثالث على أن يستغل المال لإنتاج المعمل ويكون الربح بينهم.
(مسألة 6): إذا كان المال ديناً في ذمة شخص لم يصح لمالكه المضاربة عليه معه قبل قبضه، ولو ضاربه عليه بطل العقد، فلو عمل به حينئذٍ كان الربح بتمامه للعامل وبقي الدين في ذمته. نعم لو كان وكيلاً في تعيينه وعزله وقبضه عن المالك، ففعل ذلك ثم عمل به كان الربح بتمامه للمالك، وعليه للعامل أجرة المثل لعمله، وبرئ العامل من الدين. ولا تقع المضاربة إلا أن يوكله في إيقاع عقد المضاربة في المال بعد عزله وقبضه عنه، بأن يتولى طرفي العقد معاً، فإنه لو فعل ذلك حينئذٍ صحت المضاربة وكان الربح بينهما على النحو الذي يتفقان عليه.
(مسألة 7): إذا كان المال ديناً في ذمة شخص فضارب الدائن به شخصاً آخر فالظاهر صحة المضاربة به معه وإن لم يقبض ممن عليه.
(مسألة 8): الأحوط وجوباً في مال المضاربة أن يكون معيناً، فلا يضارب بأحد مالين مردداً من دون تعيين. نعم لا يعتبر فيه أن يكون معلوماً حين العقد، فتصح المضاربة على المال المعين وإن كان مجهولاً جنساً أو قدراً، نعم لابد من معرفة مقداره قبل الاسترباح به ليعلم مقدار الربح.
(مسألة 9): الظاهر توقف صدق المضاربة على المعاملة على ما إذا كان الربح بينهما بنحو الإشاعة بنسبة معينة كالنصف أو الثلث أو الربع. أما لو اشترط العامل مقداراً معيناً كألف دينار، فإن رجع إلى استحقاق ذلك على كل حال في ذمة المالك وإن لم يف الربح به صحت المعاملة بلا إشكال مع تعيين مدة العمل، لكن لا تكون مضاربة، بل إجارة على العمل بالمال وكالة عن المالك، وإن رجع إلى استحقاقه من الربح على تقدير وفائه به، بحيث لو لم يف به كان أجره دون ذلك أو لا أجر له، فالظاهر صحتها أيضاً، لكن لا تكون مضاربة ولا إجارة، بل معاملة خاصة خارجة عنهما. وأما لو اشترط المالك مقداراً معيناً فلا تصح مضاربة، بل إن رجع ذلك إلى استحقاقه المقدار المعين على كل حال وإن لم يف به الربح بطلت المعاملة، وحينئذٍ لو عمل العامل بالمال كان له على المالك أجرة المثل والربح بتمامه للمالك، وإن رجع إلى استحقاقه ذلك من الربح على تقدير وفائه به صحت المعاملة، ولم تكن مضاربة.
(مسألة 10): لابد في صحة المضاربة من قدرة العامل على الاتجار بالوجه المجعول فيها، فلا تصح مع عجزه، ولو تجدد العجز بطلت.
(مسألة 11): يجوز في المضاربة الواحدة تعدد العامل على أن تكون الحصة بين العمال بالسوية أو بالتفاضل، كما يجوز فيها تعدد المالك، بأن يكون المال مشتركاً بين مالكين أو أكثر ويعمل فيه غيرهما بحصة من ربحه وللمالكين الباقي منه بالسوية أو بالتفاضل أيضاً.
(مسألة 12): يجوز مع تعدد المضاربة ابتناء كل مضاربة على الشركة بين المالين، بأن يأخذ العامل المال من كل شخص على أن له أن يخلطه بالمال المأخوذ من الآخر، ويعمل فيهما معاً بنحو الشركة.
(مسألة 13): مقتضى إطلاق عقد المضاربة دفع المال للعامل بحيث يكون تحت يده، لكن يمكن الخروج عن ذلك بأن يشترطا بقاء المال تحت يد المالك.
(مسألة 14): مقتضى إطلاق المضاربة جواز فسخ كل من المالك والعامل لها متى شاء، وحينئذٍ تبطل بموت أحدهما، وبطروء ما يمنع من استقلاله بالتصرف كالجنون والسفه.
(مسألة 15): إذا حددت المضاربة بأجل خاص، فإن كان المراد بذلك مجرد عدم جواز الاتجار بالمال بعد الأجل بقي لكل منهما حق الفسخ قبل الأجل، وإن كان المراد به ـ زائداً على ذلك ـ لزوم البقاء عليها في الأجل المذكور لزمت في ذلك الأجل، ولم يكن لأحدهما أن يستقل بالفسخ قبله، إلا أن يتفقا معاً عليه، من دون فرق بين التصريح بالأجل، وابتناء المضاربة عليه ضمناً لقرينة حالية من عرف أو عادة أو غيرهما، حيث كثيراً ما يتعارف إرادة موسم خاص أو سوق خاص، وإن لم ينضبط مدة بالشهور والأيام، وحينئذٍ لا تبطل بموت المالك ولا بطروء ما يمنع من استقلاله بالتصرف قبل الأجل، وتبطل بموت العامل وبطروء ما يمنع من استقلاله بالتصرف إذا أوجب عجزه عن الاتجار بالمال.
(مسألة 16): يجب على العامل أن يقتصر على التصرف المأذون فيه، فإذا عين المالك نوعاً من البضاعة أو وقتاً للعمل أو مكاناً خاصاً أو سعراً معيناً أو نحو ذلك لزم العمل به، فإن خالف ضمن رأس المال، وإن كانت المعاملة الواقعة منه صحيحة ويكون الربح بينهما.
(مسألة 17): الظاهر من إطلاق المضاربة إيكال التصرف فيها لنظر العامل، من حيثية السفر بالمال وعدمه، والبيع بالنقد والنسيئة، وكيفية حفظ المال، وكيفية الاسترباح به، وغير ذلك. فاللازم عليه تحري الأقرب لحفظ المال وحصول الربح بالنحو المتعارف، وإلا كان مفرطاً معتدياً ضامناً، كما يأتي.
(مسألة 18): الظاهر أنه ليس للمالك بعد تمامية عقد المضاربة أن يشترط شيئاً خارجاً عن مقتضى العقد، إلا أن يرجع إلى فسخ العقد وتجديده على طبق الشرط فيتوقف على أن يكون له الفسخ.
(مسألة 19): مقتضى ظاهر إطلاق المضاربة أن جميع النفقات التي يحتاج إليها لحفظ المال وصلاحه وللاسترباح به على مال المضاربة، ولا يتحمله العامل ولا المالك من غير مال المضاربة. نعم لو اشترط خلاف ذلك كان العمل على الشرط.
(مسألة 20): إذا احتاجت المضاربة لسفر العامل كانت نفقته من رأس المال. وإذا فسخت المضاربة في أثناء السفر، فمع اشتراطهما ولو ضمناً وقوع نفقة الرجوع على مال المضاربة أو عدمه يعمل بالشرط، ومع عدم الشرط ففي التحمل وعدمه إشكال، فالأحوط وجوباً التراضي بين الطرفين.
(مسألة 21): لا إشكال في انجبار الخسارة بالربح الحاصل في المضاربة، فلا يثبت للعامل شيء من الربح إلا بعد تدارك الخسارة، سواء كانت سابقة على الربح أم لاحقة له، فإذا خسرت المضاربة في بعض المعاملات مائة، وربحت في اُخرى مائتين فحصة العامل تثبت في خصوص مائة من الربح المذكور، لا في تمامه. كما أن الظاهر جبر الربح للتلف الحاصل في مال المضاربة بعد دورانه في التجارة إذا كان من توابع التجارة وشؤونها ـ كخطأ الحساب وعدم وفاء بعض الغرماء وتلف البضاعة بسبب النقل ونحو ذلك ـ وعدم جبره للتلف ونحوه إذا كان قبل الشروع في التجارة ولم يكن من شؤونها وتوابعها، كما إذا سرق بعض المال أو عطب. وأما إذا وقع التلف المذكور بعد الشروع في التجارة ففي جبر الربح له إشكال، فالأحوط وجوباً التراضي بينهما. نعم لو اشترط أحد الأمرين صريحاً أو ضمناً كان العمل عليه.
(مسألة 22): يملك العامل الحصة بظهور الربح، ولا يتوقف على إنضاض البضاعة الذي هو عبارة عن بيعها بالنقد، وحينئذٍ يملك العامل من تمام الموجود من البضاعة والنقد بالنسبة، لكن الملك المذكور لا يستقر، إلا مع عدم تجدد الخسارة أو التلف، وإلا كان الربح جابراً لهما، على ما تقدم في المسألة السابقة.
(مسألة 23): الربح وإن كان جابراً للخسارة كما سبق، إلا أن أمد الانجبار تابع لما يتفقان عليه حين العقد صريحاً أو ضمناً ولو بسبب عرف أو عادة، فإذا اتفقا على تمييز حق كل منهما كل سنة مثلاً كان الانجبار مختصاً بما يقع في السنة الواحدة، وإذا اتفقا على تمييز حق كل منهما لكل بضاعة كان الانجبار مختصاً بما يقع فيها. وإذا أغفلا هذه الجهة كان ظاهرهما الانجبار في تمام مدة بقاء المضاربة، فمع عدم تحديد أمدها يجوز لكل منهما فسخها في أي وقت شاء ـ كما سبق ـ فيستقر الربح بفسخها، ومع أخذ أجل خاص فيها لا يستقر الربح إلا بمضي الأجل، إلا أن يتفقا معاً بعد ذلك على الفسخ قبله فيستقر الربح بذلك.
(مسألة 24): لا يضمن العامل تلف مال المضاربة ولا يتحمل الخسارة الطارئة عليه، إلا أن يخالف ما عينه له المالك، أو يكون معتدياً خارجاً عن مقتضى وظيفته المتقدمة في المسألة (17) إذا كان التلف والخسارة مسببين عن مخالفة المالك أو عن التعدي، وأما إذا لم يكونا مسببين عنهما فالظاهر عدم الضمان مع التعدي. وفي الضمان مع المخالفة إشكال، فالأحوط وجوباً التراضي بينهما.
(مسألة 25): ليس للمالك أن يشترط على العامل المضارب الضمان عند تلف رأس المال أو طروء الخسارة عليه من دون تفريط، ولو اشترط ذلك كانت المضاربة بحكم القرض، فليس له إلا رأس ماله ولا يستحق من الربح شيئاً، بل يختص به العامل، من دون فرق بين اشتراط الضمان رأساً واشتراط تدارك الخسارة إن حصلت.
(مسألة 26): إذا أخذ العامل مال المضاربة ولم يتجر به تسامحاً وخروجاً عن مقتضى وظيفته كان ضامناً له إن تلف، إلا أن يكون ذلك بإذن المالك. نعم إذا لم يبتن الاتفاق بينهما على إلزام العامل بالعمل، بل على مجرد جعل الحصة من الربح له على تقدير العمل إن أراده لم يكن مفرطاً بترك العمل، والظاهر خروج ذلك عن المضاربة ودخوله في الجعالة، لكنه يشارك المضاربة في حكم اشتراط الضمان المتقدم في المسألة السابقة.
(مسألة 27): لا يصح للمالك أن يشتري من مال المضاربة، لأن بعضه أو تمامه ملك له، ولا يشتري الإنسان من نفسه، إلا أن يريد بالشراء محض تبديل مال المضاربة بالثمن، ليكون الثمن مالاً للمضاربة بدلاً عنه، فيصح حينئذٍ، ويترتب على الثمن آثار مال المضاربة.
(مسألة 28): إذا مات العامل قبل تسليم مال المضاربة فهنا صور..
الصورة الاُولى: أن يعلم بعدم وجود مال المضاربة، فإن علم بضمانه له ـ لتعديه عليه ـ كان المالك كسائر الغرماء يضرب معهم بحيث لو قصرت التركة لحقه النقص مثلهم، ويكون مثلهم مقدماً على الورثة، وإن لم يعلم بضمان العامل فلا شيء للمالك.
الصورة الثانية: أن يعلم بوجود مال المضاربة، وحينئذٍ..
تارة: يعلم بوجوده في ضمن التركة الظاهرة التي تصل إليها يد الوارث.
واُخرى: يعلم بخروجه عنها.
وثالثة: يشك في وجوده فيها أو خروجه عنها.
ففي الاُولى يستحق المالك عين المال مع تميزه، وأما مع عدم تميزه ففي استحقاقه تمام مقدار المال من التركة مقدماً على الغرماء، أو كونه كبقية الغرماء وجهان، فالأحوط وجوباً التراضي بينه وبينهم. وفي الثانية إن علم بضمان العامل للمال ـ لتفريطه فيه، ولو بعدم إخباره عنه ـ يكون المالك أسوة الغرماء، وإن علم بعدم ضمان العامل للمال فلا شيء للمالك، بل تكون التركة بتمامها للورثة بعد وفاء الديون، وإن شك في ضمانه له ففي كونه أسوة الغرماء في التركة أو عدم استحقاقه شيئاً وجهان، فالأحوط وجوباً التراضي بينه وبين الورثة والغرماء. وفي الثالثة إن علم بضمان العامل للمال كان المالك أسوة للغرماء، وإن لم يعلم بضمان العامل ففي عدم استحقاق المالك شيئاً، أو كونه أسوة الغرماء وجهان، والأحوط وجوباً التراضي بينه وبين الغرماء والورثة.
الصورة الثالثة: أن يشك في وجود مال المضاربة، فحكمها حكم الفرض الثالث من الصورة الثانية.
(مسألة 29): يكره مضاربة الذمي، بل مطلق الكافر.