الفصل السابع

في أحكام الإجارة

(مسألة 1): إذا استوفى المستأجر من العين أكثر من المنفعة المستأجر عليها كان عليه للمؤجر مع الأجرة المسماة قيمة مثل المنفعة الزائدة، كما إذا سار بالدابة أطول من المسافة المقررة، أو حملها أكثر من الحمل المتفق عليه، أو أسكن في الدار أكثر من العدد المقرر، أو استعمل الأجير مدة أطول، وهكذا. وكذا إذا استوفى منها منفعة اُخرى مع المنفعة المستأجر عليها، كما لو استأجر الدابة لجر العربة فحمل عليها مع ذلك، أو استأجر الجارية للخدمة فاسترضعها لولده، فإن عليه مع الأجرة المسماة أجرة المثل للمنفعة الاُخرى.

(مسألة 2): إذا استلم المستأجر العين ولم يستوف منها المنفعة المستأجر عليها بل استوفى غيرها مع إمكان استيفاء المنفعتين معاً وجب عليه الأجرة المسماة للمنفعة المستأجر عليها التي فوّتها على نفسه وأجرة المثل للمنفعة الاُخرى التي استوفاها، سواء كان ذلك لعدم التضاد بين المنفعتين ـ كما لو استأجر الأمة للخدمة فاسترضعها ولم يستخدمها ـ أم لسعة الوقت للمنفعتين معاً مع التضاد بينهما، كما لو استأجر السيارة يوماً للذهاب لكربلاء، فلم يذهب لكربلاء بل ذهب للحلة. نعم يستحق في الثاني مع بقاء الوقت استيفاء المنفعة المستأجر عليها، إلا أن يبتني عقد الإجارة على اشتراط عدم الجمع بين المنفعتين تجنباً لإجهاد العين، وحينئذٍ يلحقه حكم تعذر الجمع بين المنفعتين.

(مسألة 3): إذا استلم المستأجر العين ولم يستوف منها المنفعة المستأجر عليها، بل استوفى غيرها مما يتعذر جمعه معها ـ كما إذا استأجر الدار للسكن فصيرها محلاً تجارياً، أو استأجر السيارة يوماً للسفر شرقاً فسافر بها غرباً ـ فالظاهر أن للمؤجر مع الأجرة المسماة قيمة المثل لفرق ما بين المنفعتين، فإذا كانت قيمة منفعة المحل التجاري ضعف قيمة منفعة دار السكن في المثال السابق استحق مع الأجرة المسماة نصف أجرة المثل للمحل التجاري. وإذا كانت المنفعتان متساويتين قيمةً أو كانت المنفعة المستوفاة أقل لم يستحق شيئاً زائداً على الأجرة المسماة. نعم له في جميع الصور فسخ الإجارة، لمخالفة المستأجر الشرط باستعمال العين في غير المنفعة المستأجر عليها، وحينئذٍ يستحق أجرة المثل للمنفعة المستوفاة بتمامها، دون الأجرة المسماة.

(مسألة 4): إذا استأجر أجيراً لعمل خاص فحضر الأجير للعمل فطلب منه عملاً آخر فعمله ـ كما إذا استأجر عاملاً يوماً للخياطة، فكلفه بالحراسة أو الكتابة ـ فإن رجع ذلك منهما إلى التراضي على إبدال العمل المستأجر عليه بالعمل الآخر فلا إشكال في لزوم الإجارة واستحقاق الأجرة المسماة لا غير، وإن لم يرجع إلى ذلك ـ كما لو كانا غافلين عن مقتضى الإجارة، أو كان الأجير مجبوراً على العمل الآخر، أو قاصراً لا ينفذ تصرفه، أو غير ذلك ـ جرى فيه التفصيل المتقدم في المسألتين السابقتين.

(مسألة 5): إذا استأجر عيناً على أن يستوفي منفعتها بنفسه فمكّن غيره من استيفائها وأذن له في ذلك لم ينفذ ذلك منه، ويحرم على ذلك الغير استيفاؤها، فلو استوفاها كان المورد من صغريات ما تقدم في المسألة (3) من استيفاء المنفعة المضادة للمنفعة المستأجر عليها، فيكون للمؤجر فسخ الإجارة، فإن فسخ لم يستحق الأجرة المسماة على المستأجر، بل يستحق أجرة المثل للمنفعة المستوفاة على من استوفاها، وإن لم يفسخ كان له الأجرة المسماة على المستأجر، وكان للمستأجر على المستوفي أجرة المثل للمنفعة إذا لم يكن قد أذن له في استيفائها مجاناً. نعم لو فرض ـ حينئذٍ ـ زيادة أجرة المنفعة إذا استوفاها الشخص المذكور عن أجرتها إذا استوفاها المستأجر كان للمؤجر قيمة المثل لفرق ما بين المنفعتين، نظير ما تقدم في المسألة (3).

(مسألة 6): إذا استأجر عيناً على أن يستوفي منفعتها بنفسه فآجرها من غيره ليستوفيها لم تنفذ الإجارة منه، بل تتوقف على إجازة المؤجر الأول، فإن أجاز نفذت الإجارة ووقعت للمستأجر الأول، لرجوعها عرفا إلى إسقاط شرط مباشرته في الاستيفاء، فيلحقها حكم المسألة الآتية. وإن لم يجز حرم على المؤجر الثاني استيفاء المنفعة، وإن استوفاها حينئذٍ جرى حكم المسألة السابقة.

(مسألة 7): إذا استأجر عيناً على منفعة خاصة فاستوفى غيره منفعتها من دون إذن منه، فإن كان ذلك مع استيفاء المستأجر للمنفعة المستأجر عليها ـ لعدم التضاد بين المنفعتين ـ استحق المؤجر على المستأجر الأجرة المسماة، على الثاني أجرة المثل للمنفعة التي استوفاها. وان لم يستوف المستأجر المنفعة المستأجر عليها فله صورتان..

الاُولى: أن يكون عدم استيفاء المستأجر للمنفعة بسبب منع ذلك الغير له من دون تقصير منه، وحينئذٍ تبطل الإجارة ويجب على المؤجر إرجاع الأجرة المسماة للمستأجر، ويستحق هو أجرة المثل للمنفعة المستوفاة على من استوفاها.

الثانية: أن يكون عدم استيفاء المستأجر للمنفعة تسامحاً منه في ذلك مع قدرته عليه، وحينئذٍ أن لم تكن المنفعة المستوفاة مضادة للمنفعة المستأجر عليها صحت الإجارة ووجب للمؤجر الأجرة المسماة على المستأجر، وأجرة المثل للمنفعة المستوفاة على من استوفاها. وإن كانت مضادة لها صحت الإجارة أيضاً ووجبت للمؤجر الأجرة المسماة.

وأما بالإضافة إلى أجرة المثل للمنفعة المستوفاة، فإن زادت قيمة المثل للمنفعة المستوفاة عن قيمة المثل للمنفعة المستأجر عليها كان للمؤجر نسبة ما بين القيمتين منها والباقي للمستأجر، فإذا كانت قيمة المنفعة المستوفاة ضعف قيمة المنفعة المستأجر عليها كان للمؤجر نصف قيمة المنفعة المستوفاة والنصف الثاني للمستأجر، وإن لم تزد عليها كانت بتمامها للمستأجر. نعم إذا كان استيفاء الغير للمنفعة بالوجه المذكور منافياً لشرط صريح أو ضمني في عقد الإجارة بأن تبتني الإجارة على عدم تمكين الغير من العين وكان الاستيفاء مبنياً على التسامح من المستأجر في ذلك كان للمؤجر فسخ الإجارة فلا يستحق معه الأجرة المسماة، بل يستحق تمام أجرة المثل للمنفعة المستوفاة على من استوفاها.

(مسألة 8): يجوز لمستأجر العين أن يؤجرها من غيره، فمن استأجر مقعداً في سيارة مثلاً جاز له أن يؤجره من غيره، إلا مع اشتراط المباشرة صريحاً أو ضمناً ولو لانصراف الإجارة إليها. نعم إذا كانت الإجارة في مثل المنفعة المذكورة مبنية على تسليم العين للمستأجر فلا يجوز للمستأجر الأول تسليمها للثاني إذا لم يكن أميناً بنظره، وإلا كان ضامناً، كما سبق. وهكذا الحال إذا استؤجر لعمل في عين لغيره كخياطة ثوبه وبناء داره، فإنه يجوز مع عدم اشتراط المباشرة أن يستأجر غيره لذلك، ولا يجوز له تسليمه العين إلا إذا كان أميناً بنظره.

(مسألة 9): من استأجر عيناً لم يشترط فيها المباشرة جاز له أن يؤجرها لغيره بأقل مما استأجرها به وبقدره، وكذا بالأكثر إذا أحدث فيها حدثاً ـ كصبغ بيوت الدار وإصلاح بابها وغير ذلك ـ أو غرم فيها شيئاً. وأما بدون ذلك فلا يجوز في البيت والدار والدكان، بل ولا في الرحى والأرض على الأظهر، بل الأحوط وجوباً عموم المنع لكل عين مستأجرة.

(مسألة 10): قيل: يجوز لمن استأجر عيناً أن يؤجرها بغير جنس الأجرة التي استأجرها بها، وإن كانت أكثر قيمة منها بحيث يكون له الربح في ذلك. لكنه لا يخلو عن إشكال، بل الأظهر المنع في الأرض، والأحوط وجوباً المنع في غيرها أيضاً.

(مسألة 11): يجوز للمستأجر أن يؤجر بعض العين المستأجرة بأكثر من نسبته من أجرة الكل، بل يجوز بتمام أجرة الكل من دون زيادة، فمن استأجر داراً بألف دينار ـ مثلاً ـ جاز له أن ينتفع بثلثيها بنفسه، ويؤجر ثلثها بألف دينار، لا بأكثر.

(مسألة 12): يجوز لمن تقبّل أرضاً للزراعة أن يقبّلها لغيره بأكثر مما تقبّلها به وإن لم يحدث فيها شيئاً ولم يغرم، إذا كان ذلك بحصة مشاعة من ثمرها، لا بمقدار معين، فمن تقبّل أرضاً مثلاً على أن يدفع ربع حاصلها لمالكها جاز له أن يقبّلها لغيره بنصف حاصلها، فإذا أخذ النصف دفع منه ربعاً للمالك ويكون الربع الثاني ربحاً له. ولا يجوز ذلك مع تحديد الأجرة بشيء معين، كألف دينار.

(مسألة 13): من استؤجر لعمل ـ كخياطة ثوب وبناء دار ـ بأجر معين من دون شرط المباشرة لا يجوز له أن يستأجر غيره عليه بأقل من ذلك الأجر، إلا أن يعمل فيه شيئاً، كتقطيع الثوب للخياطة وشق الأسس للبناء ونحو ذلك. وفي كفاية الغرم من غير عمل إشكال، كما إذا دفع أجرة لنقل العين التي فيها العمل أو لحراستها، إلا أن يكون العمل الذي يغرم لأجله من جملة العمل المستأجر عليه، فيجوز حينئذٍ وإن حصل له ربح من ذلك. وكذا يجوز إذا كان الثمن الأول مدفوعاً بأزاء عين مع العمل والثاني مدفوعاً بأزاء العمل فقط، كما إذا استؤجر على الخياطة أو البناء أو غيرهما بثمن معين على أن عليه المواد اللازمة لإنجاز العمل، فإنه يجوز له أن يستأجر غيره على إنجاز العمل وحده بأقل من ذلك الثمن على أن تكون المواد عليه لا على ذلك الغير.

(مسألة 14): إذا استأجر عيناً لمنفعة ما مدة معينةً لا يحق له أن يشغلها بما من شأنه إشغاله فيها أكثر من تلك المدة، فمن استأجر أرضاً للزرع لا يحق له أن يزرع فيها ما يبقى أكثر من مدة الإجارة، ومن استأجر بيتاً لا يحق له أن يعمل فيه أو يحرز فيه ما لا يمكن تفريغه منه عند انقضاء مدة الإجارة، ولو فعل عامداً كان متعدياً في إبقاء ذلك الشيء، فيحق للمالك إجباره على أن يسلمه العين المستأجرة غير مشغولة به، وإن استلزم الضرر عليه، ولا يجوز له الامتناع من ذلك، إلا أن يرضي المالك بإشغال العين به ولو بثمن يتفقان عليه.

أما لو فعل ذلك غير عامد، فإن أمكن إزالته من دون لزوم ضرر على صاحبه لزم مع عدم رضا المالك بالإبقاء ولو بثمن، وإن لزم عليه الضرر وجب على المالك الرضا بالإبقاء بأجرة ما لم يلزم الضرر على المالك أيضاً، فيجب على المستأجر إزالته مع عدم رضا المالك، كما إذا كان موجباً لنقص قيمة العين وتعيبها عرفاً. وكذا الحال لو أشغل المستأجر العين بما من شأنه أن يفرّغ منها عند انقضاء مدة الإجارة فاتفق خلاف ذلك لطوارئ غير محتسبة، كما لو لم ينضج الزرع لبرودة الهواء أو لقلة الماء.

(مسألة 15): إذا استأجر أرضاً للزراعة فحصد الزرع عند انقضاء المدة وبقيت أصوله فنبتت بعد ذلك، فإن كان قد أعرض عنها فهي لمن سبق إليها، بلا فرق بين مالك الأرض وغيره، غاية الأمر أنه يحرم على الغير الدخول إلا بإذنه. بل لو كان مرجع إعراض المستأجر عن أصول الزرع إلى تركها لمالك الأرض ـ كما لعله الغالب ـ لم يجز لغيره تملكها. هذا كله إذا كان الإعراض منه مع الالتفات لاحتمال نباتها بعد ذلك، أو مع الغفلة عنه وسبق صاحب الأرض أو غيره لتملكها قبل النبات. أما إذا كان غافلاً عن احتمال نباتها فنبتت قبل أن يسبق شخص لتملكها فلا يجوز لأحد تملكها بل يجري عليها حكم المسألة الآتية.

(مسألة 16): إذا حصد مستأجر الأرض الزرع عند انقضاء مدة الإجارة وأبقى الأصول له غير معرض عنها ـ عصياناً أو للبناء على قلعها فانشغل عن ذلك ـ كان النبات له. نعم للمالك المطالبة بقلعها على التفصيل المتقدم في المسألة (14). كما أن له المطالبة بأجرة المثل في جميع الصور المتقدمة إذا لم تدخل في ملكه، وكان من شأنها أن تزال عند انتهاء مدة الإجارة.

(مسألة 17): إذا استأجره على عمل مقيد بقيد خاص ـ من زمان أو مكان أو آلة أو غيرها ـ فجاء به على خلاف الوجه الذي وقع الاتفاق عليه فله صورتان..

الاُولى: أن يتعذر العمل المستأجر عليه ولو لمضي المدة التي قيدت بها الإجارة، وحينئذٍ تبطل الإجارة ولا يستحق الأجير شيئاً، ثم إنه إذا كان العمل في مادة خاصة ـ كما إذا استأجره على أن يخيط ثوبه قميصاً فخاطه قباءً فإن نقصت قيمتها بالعمل المذكور كان ضامناً للأرش، وإن زادت فإن كان قد تعمد ذلك فلا شيء له في مقابل عمله، وإن كان قد أخطأ فالظاهر استحقاقه لنتيجة عمله في العين فله الزيادة الحاصلة بسببه.

الثانية: أن لا يتعذر العمل المستأجر عليه، كالذهب يستأجر على صياغته بوجه فيصوغه بوجه آخر مع بقاء مدة الإجارة، وحينئذٍ إن كان قد تعمد العمل بالوجه الآخر لم تبطل الإجارة ووجب إعادة العمل على الوجه المستأجر عليه. وكذا إذا كان قد أخطأ في ذلك ولم يكن العمل موجباً لزيادة القيمة، أما إذا كان موجباً لزيادة القيمة فإعادة العمل جرياً على مقتضى الإجارة مضر بالأجير، لأنه يستلزم إتلاف نتيجة عمله فيكون المورد من تزاحم الحقوق ولابد من التراضي بينهما. ومع تشاحهما لابد من الرجوع للحاكم الشرعي.

(مسألة 18): إذا استأجره على عمل واشترط عليه شرطاً زائداً على العمل المستأجر عليه فجاء بالعمل وتخلف عن الشرط صحت الإجارة واستحق الأجرة، وكان للمستأجر الفسخ والرجوع بالأجرة المسماة ودفع أجرة المثل بدلها. وهكذا الحال في كل شرط في الإجارة، فإن تخلفه لا يوجب بطلان الإجارة، بل يوجب الخيار لصاحب الشرط، فإذا فسخ لزم الرجوع لأجرة المثل.

(مسألة 19): الفرق بين القيد والشرط أن القيد يكون مضيقاً للعمل المستأجر عليه فلا ينطبق على فاقد القيد، ليقع به الوفاء بالإجارة، والشرط التزام خارج عن العمل المستأجر عليه لا يقتضي قصوره عن صورة فقد الشرط، سواء كان الشرط خارجاً عن العمل المستأجر عليه، كما لو استأجره على الصلاة عن الميت واشترط عليه أن يخيط ثوبه، أم متعلقاً به، كما لو استأجره على الصلاة عن الميت واشترط عليه التعجيل به زائداً على أصل العمل. غايته أن تمييز الأول عن القيد أيسر من تمييز الثاني، بل يحتاج تمييز الثاني عن القيد إلى عناية لفظية أو قرينة عرفية.

(مسألة 20): إذا استأجره على عمل خاص، فعجز ولم يكمله، كان له من الأجرة بقدر ما أتى به من العمل. أما إذا استأجره على نتيجة العمل غير القابلة للتبعيض، كحضور موسم خاص ـ من حج أو عمرة أو زيارة أو سوق أو غيرها ـ فأتم له العمل من دون أن تترتب النتيجة المذكورة ـ بأن حضر بعد ذهاب الوقت مثلاً لزمهما الصلح والتراضي على دفع بعض الأجرة بنسبة قيمة العمل خالياً عن النتيجة المذكورة لقيمته إذا كان واجداً لها، فإذا كانت قيمة السفر مثلاً للمكان المذكور من دون حصول النتيجة المذكورة نصف قيمته مع حصولها استحق نصف الأجرة المسماة. نعم إذا لم يكن للعمل الفاقد للنتيجة قيمة لم يستحق الأجير شيئاً.

تتميم

ليس لمستأجر العين أولوية الإجارة من غيره بعد انقضاء مدة الإجارة، فإذا استأجر زيد من عمرو داراً أو محلاً تجارياً أو سيارة سنة واحدة مثلاً فانقضت السنة كان لعمرو أخذ هذه الأعيان من زيد وإيجارها من غيره، وله أن يعطله أو ينتفع به بنفسه، ويجب على المستأجر تسليمه. وما تعارف من أولوية مستأجر المسكن أو المحل التجاري ليس أمراً شرعياً، بل أولوية عرفية، وقد أكدها صعوبة الانتقال خصوصاً من المحل التجاري.

(مسألة 1): نظراً للأولوية العرفية المتقدمة فقد تعارف سابقاً بذل شيء من المال للمستأجر من أجل أن يخلي المحل التجاري ويفسح المجال لدافع المال كي يستأجره من المالك، وهذا المال المدفوع هو الذي كان يسمى (سرقفلية) وهو في الحقيقة هدية مشروطة بالإخلاء لا يوجب حقاً لدافعه في الاستئجار لا في السنة الاُولى ولا بعدها، بل لابد في ذلك من مراجعة المالك، ولا يكفي مراجعة المستأجر المدفوع له المال بعد عدم ثبوت حق له في العين شرعاً.

نعم لو رضي المالك بأن يكون لدافع المال المذكور الأولوية في الاستئجار في مقابل ما دفع ثبت له الحق في ذلك، لكن لا يكفي في ذلك رضا المالك باستئجار الثاني بعد بذله المال للمستأجر الأول، بل لابد فيه من عناية خاصة واتفاق خاص يرجع إلى عقد أطرافه ثلاثة أشخاص المالك والمستأجر ودافع المال، ويتضمن العقد المذكور التزام المالك بأن للدافع حقاً في العين يقتضي أولويته باستئجارها في مقابل دفعه المال المذكور للمستأجر الأول من أجل إخلائها.

(مسألة 2): تعارف في عصورنا أن يبذل من يريد استئجار المحل التجاري أو المسكن مقداراً من المال مقدمة للاستئجار يسمى (سرقفلية) أيضاً. ويمكن أن يقع ذلك على وجهين..

الأول: أن يكون بذل المال من أجل تقديم الباذل على غيره ممن يريد الاستئجار من دون أن يكون للدافع في مقابل المال المدفوع الأولوية والحق في الاستئجار بعد ذلك، وحينئذٍ لا يكون للمستأجر المذكور في العين المستأجرة حق شرعي، بل لا يكون له إلا الأولوية العرفية التي تقدم التعرض لها.

الثاني: أن يكون بذل المال في مقابل حق للباذل في العين المستأجرة يقتضي أن يكون له الحق في استئجارها، وحينئذٍ لا يكون للمالك حق أخذ العين منه، إلا أن يتنازل عن الحق المذكور مجاناً أو بعوض.

(مسألة 3): الحق في الصورة الثانية من جملة المكاسب التي يملكها المؤجر التي تكون موضوعاً للخمس، كما سبق في كتاب الخمس. كما أنه يورث، إلا أن يكون مقيداً عند العقد بمباشرة خصوص دافع المال، بخلاف الحال في الصورة الاُولى حيث لا موضوع فيها للإرث والخمس. نعم سبق في كتاب الخمس أن المال المدفوع فيها يكون من مؤن التجارة المستثناة من الأرباح.

(مسألة 4): لما كان الحق المذكور في الصورة الثانية مجعولاً للمتعاقدين فعمومه وخصوصه تابع لنحو الاتفاق بينهما، فإذا اتفقا على أن للمستأجر بذله لغيره بعوض أو مجاناً جاز ذلك له ونفذ قهراً على المالك، وإلا لم يجز له بذله إلا بإذن المالك.

(مسألة 5): الحق المذكور في الصورة الثانية يختص بما إذا حضر المستأجر الباذل للمال للاستئجار في السنين اللاحقة وبذل الأجرة، ولا يعم ما إذا لم يفعل ذلك، ولو قهراً لحبس أو تشريد، بل يجوز للمالك حينئذٍ الانتفاع بالمحل بنفسه وإيجاره على غيره من دون بذل شيء للمستأجر الباذل للمال، إلا أن يتفقا على ثبوت الحق المذكور بنحو يقتضي ضمانه بالقيمة المدفوعة أو بقيمة المثل عند إرادة استيفاء منفعة العين وتعذر مراجعة صاحب الحق. وهو يحتاج إلى عناية خاصة وتنبيه لا يبتني عليه طبيعة الحق ارتكازاً.

(مسألة 6): للمالك عند انتهاء مدة الإجارة وإرادة تجديدها أن يزيد على الأجرة السابقة، سواء كان للمستأجر حق السرقفلية المتقدم أم لم يكن، إلا أن يتفق المؤجر والمستأجر ويشترطا في عقد الإجارة أو في عقد آخر تحديد الأجرة أو تبعيتها للقوانين الوضعية المفروضة في البلد، فيلزم الشرط ويجب العمل عليه.