الفصل الثاني

في شروط العوضين

حيث سبق أن موضوع الإجارة هو المنفعة دون العين، فلابد..

أولاً: من استقلال المنفعة عن العين، بحيث يمكن استيفاؤها مع بقاء العين، فلا يصح مثل إجارة الخبز لأن يؤكل والمال لأن يباع، نظير ما تقدم.

وثانياً: أن تكون العين صالحة للمنفعة الخاصة، فلا يصح إجارة الأرض للزراعة إذا كانت غير قابلة لأن تزرع، ولو خرجت بعد الإجارة عن القابلية المذكورة في الوقت المطلوب انكشف بطلانها من أول الأمر.

إذا عرفت هذا فيعتبر في المنفعة ـ مضافاً إلى ذلك ـ اُمور..

الأول: التعيين، فلو كانت مرددة لا تعين لها في الواقع بطلت الإجارة، كما لو آجره على أن يخيط أحد الثوبين أو استأجر منه إحدى السيارتين. إلا أن يرجع إلى إرادة القدر المشترك بين المنفعتين، نظير الواجب التخييري، فتصح حينئذٍ.

(مسألة 1): كما يعتبر التعيين في المنفعة يعتبر في الثمن، فلا تصح الإجارة مع تردده وعدم تعيينه بحدود واقعية، كما لو تردد الثمن بين دينار ذهبي وعشرة دراهم فضية. إلا أن يرجع إلى إرادة القدر المشترك، نظير ما تقدم في المنفعة.

(مسألة 2): إذا تردد الثمن تبعاً لتردد المنفعة كما لو قال: إن نقلت المتاع يوم الجمعة كان لك عشرة دراهم وإن نقلته يوم السبت كان لك خمسة دراهم، صح جعالة. وأما صحته إجارة ـ بحيث يلزم كل منهما بالمضمون ـ فتتوقف على رجوع كل من الثمنين والمنفعتين إلى قدر مشترك يكون هو اللازم بالعقد، وتكون الخصوصية الاُخرى زائدة ملحوظة بنحو الشرط، كما قد يوجه في المثال السابق بأن يراد إجارته على أصل النقل في أحد اليومين بخمسة دراهم مع اشتراط زيادة خمسة دراهم لو عجل بالنقل يوم الجمعة. ولا تصح إجارة بدون ذلك، كما لو قال: إن نقلت المتاع يوم الجمعة كان لك ديناران وإن نقلته يوم السبت كان لك عشرة دراهم. بل لا يصح حينئذٍ إلا جعالة لا يلزم بها أحد الطرفين.

(مسألة 3): ليس من الترديد ما إذا استؤجر على العمل بوجه خاص مع اشتراط زيادة الأجرة أو نقصها لو جيء به بوجه آخر، بل تصح الإجارة ويلزم الشرط حينئذٍ، كما لو قال: آجرتك على نقل المتاع يوم السبت بعشرة دراهم على أنك إن نقلته يوم الجمعة كان لك عشرون أو إن نقلته يوم الأحد كان لك خمسة. أو قال: آجرتك على أن تصبغ الثوب بالسواد بعشرة دراهم على أنك إن صبغته بالخضرة كان لك خمسة عشر درهماً، أو إن صبغته بالحمرة كان لك ثمانية دراهم. نعم لا يصح الشرط إن كان موجباً لسقوط الثمن بتمامه.

الثاني: أن تكون محللة فلا تصح إجارة الأماكن لإحراز ما يحرم إحرازه ـ كالخمر ـ أو للقيام فيها بأعمال محرمة كالغناء، ولا تصح الإجارة على الأعمال المحرمة، كقتل النفس المحترمة والغناء وصنع الخمر وسقيها وغير ذلك، بل لا يستحق الأجر بها حتى مع الجعالة ونحوها. وقد تقدم في المكاسب المحرمة ما ينفع في المقام.

الثالث: أن لا يتوقف تسليمها على فعل الحرام، كاستئجار الحائض لكنس المسجد، فإن كنس المسجد وإن لم يكن محرّماً عليها إلا أنه موقوف على دخولها للمسجد وهو محرّم. وأما لو توقف تسلم المنفعة على فعل الحرام فالظاهر عدم بطلان الإجارة، كما لو استأجر الدار وتوقفت سكناها على المرور بالأرض المغصوبة. نعم لو كان المستأجر جاهلاً بذلك كان له الفسخ بخيار العيب.

الرابع: القدرة الخارجية على استلام المنفعة على الأحوط وجوباً، فلا تصح الإجارة بدون ذلك وإن احتمل القدرة عليه في وقته كإجارة الجمل الشارد والعبد الآبق. بل لو جهل المستأجر تعذر الاستلام كان له الفسخ قطعاً لو فرض صحة الإجارة.

الخامس: أن لا تكون المنفعة منافية لحق الغير، كحق الزوج والمولى والمستأجر السابق، وإلا توقف نفوذها على إذن صاحب الحق. نعم لو آجرت المرأة نفسها قبل التزويج لم يمنع التزويج من نفوذ الإجارة وإن كانت المنفعة منافية لحق الزوج.

(مسألة 4): الظاهر جواز الإجارة على المنفعة ـ التي يتعذر على المؤجر تسليمها ـ مع الضميمة المعلومة الحصول، عيناً كانت تلك الضميمة أو منفعة، كما لو باعه ثوباً تحت يده وآجره عبداً آبقاً بألف دينار، وكما لو آجره جملين أحدهما شارد والآخر غير شارد بمائة دينار.

(مسألة 5): الأحوط وجوباً جريان ذلك في الثمن أيضاً، وقد تقدم نظير ذلك في البيع.

(مسألة 6): الأحوط وجوباً العلم بمقدار المنفعة في الجملة، ولا ملزم بالمداقّة في ذلك، فلا تضر الجهالة بالنحو الذي لا يوجب التغرير بالمال عرفاً، كاستئجار الدابة والسيارة إلى بلد معهود وإن لم تعرف المسافة دقة، أو لحمل ما تطيقه وإن لم يعلم بمقدار طاقتها دقة، واستئجار المنزل في موسم خاص وإن لم يعلم عدد الأيام، واستئجار العامل لتصليح الآلة المعيبة وإن لم يعلم مقدار العيب ولا مقدار الجهد المبذول لإصلاحه دقة، واستئجار المضخة لسحب المياه مدة معينة وإن لم تعرف المدة التي يمكن الانتفاع بها فيها لعدم تحديد أيام تواجد الماء القابل للسحب، ولا أيام اتصال التيار الكهربائي الذي يتوقف عليه عملها، ونحو ذلك مما يتسامح فيه العقلاء ويتعارف بينهم الإقدام على الإجارة مع الجهل به.

(مسألة 7): الأحوط وجوباً اعتبار العلم بمقدار الثمن، على التفصيل المتقدم في ثمن المبيع.

(مسألة 8): إذا قال: آجرتك الدار كل شهر بكذا، فالظاهر رجوعه للإجارة في الشهر الأول، والإذن باستيفاء المنفعة بأجر مخصوص في بقية الشهور، الذي تقدمت الإشارة إليه في المسألة (5) من الفصل الأول.

(مسألة 9): لا يعتبر اتصال مدة الإجارة بالعقد، فيجوز أن يؤجر في شوال داره على أن يسكنها في ذي الحجة. نعم إذا أطلقت الإجارة كان ظاهرها إرادة الزمان المتصل بالعقد.

(مسألة 10): يجوز إجارة الحصة المشاعة من العين، فيجوز لمالك نصف الدار إجارة النصف الراجع إليه، فيقتسم الشريك المنفعة مع المستأجر كما كان يقتسمها مع شريكه. نعم لا يجوز للشريك المؤجر تسليم العين للمستأجر إلا بإذن شريكه.

(مسألة 11): يجوز أن يستأجر أكثر من واحد عيناً واحدة، وتكون منفعتها مشتركة بينهم بالنسبة. كما يجوز أن يستأجر أكثر من واحد لعمل واحد يشتركون بالقيام به.

(مسألة 12): لا تجوز إجارة الأرض للزرع بمقدار معين مما يحصل منها، حنطة كان أو شعيراً أو غيرهما من الطعام، بل الأحوط وجوباً العموم لغير الطعام من أنواع الزرع. كما أن الأحوط وجوباً أيضاً العموم لما يحصل من أرض خاصة غيرها، بل العموم لكل ما لا وجود له في الخارج، مما سيوجد من دون أن يكون ذمياً. نعم تجوز إجارتها بحصة مشاعة مما يحصل منها، كالثلث والربع فتشبه المزارعة.