كتاب الإجارة
وفيه فصول..
الفصل الأول
في حقيقة الإجارة وشروط العقد والمتعاقدين
الإجارة هي المعاوضة على منافع الأعيان، سواء كانت المنفعة عملاً ـ كالإجارة على الخياطة ـ أم غير ذلك، كإجارة المساكن والملابس والدواب والمعامل وغيرها.
(مسألة 1): لابد في الإجارة من كون المنفعة ملحوظة بالأصل ومعوضة بالثمن، أما إذا كانت عوضاً عن تمليك شيء أو شرطاً في تمليكه فلا تكون المعاملة إجارة، بل بيعاً أو هبة مشروطة أو صلحاً، وخرجت عن محل الكلام.
(مسألة 2): تبتني الإجارة على تمليك المنفعة بالعوض، من دون أن تخرج العين ذات المنفعة عما كانت عليه من كونها ملكاً للمؤجر أو غيره، أو وقفاً، أو غير ذلك، فيجب إرجاعها بنفسها بعد استيفاء المنفعة. وعلى ذلك لا يجوز إجارة الأرض ـ مثلاً ـ على أن توقف مسجداً أو مصلىً أو غير ذلك. نعم لا بأس بإجارتها لتكون مصلىً أو نحوه مدة معينة.
(مسألة 3): لا يجوز استئجار العين ذات النماء بنحو يقتضي ملكية النماء، كاستئجار الشجر للثمر والشاة للّبن، والبئر للماء، إلا أن يرجع إلى بيع النماء قبل ظهوره، فيجوز على ما تقدم في المسألة (32) من الفصل الثالث من كتاب البيع. نعم لا بأس باستئجار العين المذكورة للانتفاع بنمائها بمثل الأكل والشرب من دون أن يملك.
(مسألة 4) تكرر على ألسنة بعض الناس إطلاق إجارة النقد أو الذهب أو نحوهما على دفع الاُمور المذكورة ليتعامل بها بالبيع والشراء ونحوهما أو ليعمل فيها بمثل الصياغة ونحوها ثم إرجاع مثلها بعد مضي المدة المضروبة. ولا يخفى أن الإطلاق المذكور تسامحي، لخروج المعاملة المذكورة عن الإجارة في الحقيقة من وجهين:
الأول: ابتناؤها على تملك الأعيان بأنفسها، وترتيب آثار الملك عليها كالبيع والاستهلاك وغيرهما.
الثاني: عدم رجوعها بأعيانها بعد انقضاء المدة وإنما يسترجع مثلها. وليست هذه المعاملة في الحقيقة إلا اقتراضاً للاُمور المذكورة فيتملكها المقترض ويتصرف بها تصرف المالك، وتنشغل ذمته بمثلها، فيجب عليه إرجاعه لا إرجاعها بأعيانها. وعلى ذلك تكون الأجرة في الحقيقة فائدة في مقابل القرض المذكور، وتدخل المعاملة في القرض الربوي المحرّم. نعم تصدق الإجارة حقيقة في مثل إجارة الذهب المصوغ للبسه والتزين به مدة بأجرة، على أن يبقى على ملك صاحبه ويرجع إليه بعينه بعد انقضاء المدة.
(مسألة 5): الإجارة تبتني على ملكية المستأجر للمنفعة والمؤجر للثمن بمجرد وقوعها قبل استيفاء المنفعة، حيث يلزم كل من المتعاقدين بملكية المنفعة في مقابل الثمن، ولذا كانت من العقود التي يجب الوفاء بها بتسليم كل من العوضين لصاحبه. وهناك طرق اُخرى لاستحقاق الأجر على المنفعة لا تبتني على الإلزام والالتزام، كالجعالة والاستيفاء بالضمان والإباحة بالضمان. ويأتي الكلام فيها في خاتمة كتاب الإجارة إن شاء الله تعالى.
(مسألة 6): حيث كانت الإجارة من العقود، فلابد في تحققها من التزام المؤجر والمستأجر بها وإبرازهما للالتزام المذكور بالعقد المتضمن لذلك باللفظ أو بغيره، على النحو المتقدم في عقد البيع وبالشروط المتقدمة فيه، وتجري هنا جميع الفروع الجارية هناك، فلتراجع.
(مسألة 7): يعتبر في المتعاقدين هنا ما يعتبر في المتعاقدين في البيع، وتجري هنا جميع الفروع المتقدمة هناك للفضولي والمكره وغيرهما.
(مسألة 8): يكفي في صحة الإجارة ملكية المؤجر للمنفعة أو ولايته عليها، وإن لم يملك العين كالموقوف عليه والمستأجر، على تفصيل يأتي في محله.