الفصل الحادي عشر

في السلف

وفيه مباحث..

المبحث الأول

في حقيقة السلف

ويقال له السلم أيضاً، وهو ابتياع كلي مؤجل بثمن حال عكس النسيئة.

وقد تقدم في خيار التأخير أن إطلاق العقد يقتضي تعجيل تسليم كل من الثمن والمثمن، وحينئذٍ فاستحقاق تأجيل المبيع الذي يبتني عليه السلف يحتاج إلى شرط مخرج عن مقتضى الإطلاق المذكور، نظير ما تقدم في النسيئة من أن استحقاق تأجيل الثمن يحتاج إلى شرط مخرج عن ذلك الإطلاق.

(مسألة 1): الظاهر أنه لابد في السلف من أن يكون المبيع كلياً بحيث تنشغل به ذمة البائع، فإذا كان المبيع شخصياً قد اشترط تأجيل تسليمه إلى أجل لم يكن من السلف وإن كان البيع صحيحاً. وكذا إذا كان كلياً في معين خارجي كما إذا باعه مائة كيلو حنطة من بيدر خاص. وحينئذٍ لو تلف المبيع قبل قبضه أو تعذر تسليمه بطل البيع واستحق المشتري الثمن لا غير. وكذا لو تلف تمام المعين المشتمل على المبيع، كالبيدر في المثال المتقدم. نعم لو تلف بعضه لم يبطل البيع، بل يجب على البائع تسليم تمام المبيع من الباقي، إلا أن يكون الباقي أقل من المبيع فيبطل البيع فيما لا يمكن تسليمه.

(مسألة 2): يجوز بيع الكلي حالاً بحيث يستحق المشتري المطالبة به فعلاً وإن لم يكن عند البائع حين البيع فرد منه إذا كان يقدر على تحصيله وتسليمه للمشتري ولو بشرائه من غيره أو استيهابه أو اقتراضه. نعم يجب المبادرة لذلك فإن تأخر على خلاف المتعارف في مثله كان للمشتري الخيار.

(مسألة 3): لا يجوز للإنسان أن يبيع أمراً شخصياً لا يملكه فعلاً على أن يشتريه أو يستوهبه من مالكه ثم يسلمه للمشتري، فلو فعل ذلك بطل البيع، ولو اشترى البائع المبيع حينئذٍ من مالكه الأول لم يستحقه المشتري. نعم لا بأس بأن يساوم شخصاً على ما لا يملك من دون أن يبيعه إياه، ثم يشتريه بعد ذلك من مالكه ويبيعه لذلك الشخص بعد أن يشتريه ويصير في ملكه، لكن على أن يبقى لكل منهما حرية الاختيار بالبيع وعدمه إلى أن يتحقق منهما البيع بعد شرائه من مالكه الأول، وكل منهما لا يلزم بالبيع قبل ذلك.

المبحث الثاني

في شروط السلف

وهي اُمور..

الأول: ضبط أوصاف المبيع في الجملة بالنحو الرافع للاختلاف الفاحش، كضبط الحيوان بالأسنان، وضبط الطعام بالجنس والكيل والوزن، وكذا جميع ما يكال أو يوزن، وضبط القماش بالطول والعرض، ونحو ذلك. ولا يجب استيعاب الصفات التي تختلف القيمة باختلافها والتدقيق فيها، فضلاً عن الأوصاف التي تختلف الرغبة باختلافها من دون أن يكون لها دخل في القيمة.

الثاني: قبض الثمن قبل التفرق، وإلا لم يقع سلفاً، وفي صحته بيعاً من غير أن يكون سلفاً إشكال، فاللازم الاحتياط. ولو قبض بعض الثمن صح فيما يقابله. لكن لو قلنا بكون القبض شرطاً في صحة العقد المستلزم لبطلان العقد في الباقي كان لهما خيار تبعض الصفقة، إذا لم يكن افتراقهما مبنياً على الرضا منهما بالتبعيض.

(مسألة 4): إذا كان للمشتري دين في ذمة البائع كان له جعله ثمناً في السلف، ولا يحتاج إلى القبض حينئذٍ.

الثالث: تعيين الأجل المضبوط للمبيع بالأيام أو الشهور أو السنين، من دون فرق بين الطويل والقصير. ولا يكفي الأجل المردد كتسليمه عند المطالبة، ولا المعين واقعاً المجهول حين العقد، كقدوم المسافر ووضع المرأة حملها، بل حتى مثل الشهور العربية أو الرومية أو الفارسية إذا لم يألفها المتبايعان ولم يعرفا الوقت بها.

الرابع: قدرة البائع على تسليمه في وقته على حسب ما تضمنه العقد، سواء كان عام الوجود أم نادره، فلو انكشف عدم قدرته عليه حينئذٍ انكشف بطلان البيع. ويكفي في قدرته عليه المعتبرة في صحة العقد القدرة الحقيقية، ولو بالقدرة على تحصيله قبل الأجل وحفظه إلى حين حلوله، سواء كان تحصيله بصنعه أم بشرائه أم باستيهابه أم بغير ذلك. ولا يبطل العقد إلا مع انكشاف العجز عن تحصيله رأساً، فلو كان قادراً على تحصيله قبل الأجل فلم يفعل عمداً أو لتخيل قدرته على تحصيله بعد ذلك فاتفق عجزه حينئذٍ فالعقد صحيح.

الخامس: عدم الإخلال بشروط الصرف وعدم لزوم الربا، فلا يجوز إسلاف الذهب بالفضة، ولا الفضة بالذهب، لما تقدم من وجوب التقابض في بيع الذهب بالفضة وبيع الفضة بالذهب. كما أن الأحوط وجوباً عدم الإسلاف مع اتحاد جنس المبيع والثمن إذا كانا من المكيل أو الموزون لئلا يلزم الربا.

المبحث الثالث

في أحكام السلف

(مسألة 5): إطلاق العقد يقتضي وجوب تسليم المبيع إذا حل أجله في بلد العقد، ما لم تقم قرينة على إرادة غيره، فيتعين تسليمه فيه حينئذٍ.

(مسألة 6): إذا اشترى شيئاً سلفاً وصح الشراء ـ لقدرة البائع على تسليمه في وقته بالمعنى المتقدم ـ جاز بيعه على من اشتراه منه قبل حلول الأجل وبعده بغير جنس الثمن الذي اشتراه به، وبجنسه من دون زيادة. بل مع الزيادة أيضاً على كراهية، وإن كان الأحوط استحباباً تركه. أما بيعه على غير البائع فلا يجوز حالاً قبل حلول الأجل، ولا مؤجلاً إلى أجل لا يبلغ الأجل الذي له، كما يشكل بيعه قبل قبضه بربح، أو بوضيعة إذا كان مما يكال أو يوزن، على ما تقدم في المسألة (15) من الفصل السادس. ولابد في بيعه في جميع الصور من ملاحظة الضوابط المتقدمة للربا وبيع الصرف.

وأما إذا انكشف بطلان السلف لتعذر المبيع في وقته ـ كما لو اشترى مقداراً من طعام قرية فتلف فاحترق زرعها قبل بلوغه ـ فلا يصح بيعه في جميع الصور، ولو بيع بتخيل صحة السلف انكشف بطلانه بانكشاف بطلان السلف.

(مسألة 7): إذا دفع البائع المبيع في السلف قبل وقت الأجل لم يجب على المشتري القبول، إلا أن يكون التأجيل شرطاً للبائع دون المشتري، نظير ما تقدم في المسألة (4) من الفصل السابع.

(مسألة 8): إذا دفع البائع المبيع في السلف فاقداً للصفة المشترطة لم يجب القبول على المشتري وكان له طلب واجد الصفة، وكذا لو دفع له المعيب، فإن له طلب التبديل. لكن لو رضي بالمدفوع بعد العلم بفقد الصفة أو بالعيب صح وبرئت ذمة البائع منه.

(مسألة 9): إذا دفع البائع المبيع على الصفة المطلوبة من دون عيب وجب على المشتري القبول، فإن امتنع جرى ما تقدم في المسألة (4) من الفصل السادس.

(مسألة 10): إذا دفع البائع من المبيع ما هو فوق الصفة المشترطة في السلف، فإن كان شرط الصفة راجعاً إلى التقييد بخصوص الموصوف كان للمشتري عدم القبول، نظير ما تقدم في المسألة (8) وإن كان شرط الصفة راجعاً إلى التقييد بعدم دفع ما دون الموصوف فقط، مع العموم للموصوف وما فوقه وجب عليه القبول.

(مسألة 11): إذا حل الأجل في السلف وتعذر على البائع دفع المبيع تخير المشتري بين الفسخ ـ والرجوع بالثمن بلا زيادة ولا نقيصة ـ وانتظار المشتري إلى أن يتمكن البائع من دفع المبيع إليه في وقت آخر، وللمشتري بيع حقه على البائع بما يتفقان عليه من الثمن وإن زاد على ثمن شرائه كما تقدم في المسألة (6). هذا إذا كان التعذر بعد القدرة على تسليم المبيع، وأما إذا كان التعذر في تمام الأزمنة فينكشف بطلان العقد رأساً ـ كما تقدم ـ ولم يستحق المشتري إلا الثمن.

(مسألة 12): إذا قدر البائع على تسليم بعض المبيع دون بعض وجب عليه تسليم ما قدر على تسليمه، ويجري على الباقي ما تقدم.

(مسألة 13): لو كان المبيع موجوداً في غير البلد الذي يجب فيه التسليم، فإن تراضيا بتسليمه في موضع وجوده أجزأ. ومع عدم تراضيهما يجب على البائع نقله إلى البلد الذي اشترطا تسليمه فيه، ومع تعذر ذلك عليه يجري حكم المسألة (11).