الفصل العاشر

في بيع الصرف

وهو بيع الذهب بالفضة وبيع الفضة بالذهب، من دون فرق بين المسكوك منها ـ وهو الدراهم والدنانير ونحوها ـ وغيره. ومن ثم كان مورداً للابتلاء، وإن لم يكن شايعاً نحو شيوعه فيما سبق يوم كانت النقود التي عليها مدار التعامل من الذهب والفضة المسكوكين.

(مسألة 1): يجب في بيع الصرف نقداً التقابض بين المتبايعين قبل التفرق، فلو أوقعا العقد متفرقين لم يصح. وفي صحة البيع نسيئة المستلزم لعدم قبض أحد العوضين إشكال والأحوط وجوباً اجتنابه.

(مسألة 2): لا يعتبر القبض في مجلس العقد، فلو فارقا المجلس مصطحبين ثم تقابضا قبل التفرق صح العقد.

(مسألة 3): لو تقابضا في بعض المبيع أو الثمن ولم يتقابضا في الباقي حتى افترقا صح بالإضافة إلى ما تقابضا بالنسبة، وكان لهما خيار تبعض الصفقة. إذا لم يكن افتراقهما مبنياً على الرضا منهما بالتبعيض. وكذا الحال لو كان بعض المبيع من غير الذهب والفضة، فانه لو لم يحصل التقابض صح في ذلك الغير بالنسبة وبطل في الذهب أو الفضة غير المقبوضين، وثبت خيار تبعض الصفقة بالشرط المتقدم.

(مسألة 4): يختص اشتراط التقابض بالبيع ولا يجري في الصلح وغيره من العقود.

(مسألة 5): إذا كان له في ذمة غيره دين من الذهب فباعه عليه بفضة لم يحتج إلى قبض المشتري بأن يعين ما في ذمته من الذهب في ذهب خاص ويقبضه، بل يكفي انشغال ذمته به عن قبضه. نعم لابد من قبض البائع ـ وهو الدائن ـ للثمن ـ وهو الفضة ـ قبل التفرق. أما لو قال الدائن للمدين: حوّل الذهب الذي في ذمتك إلى فضة بسعر خاص، فقبل صح التحويل بلا حاجة أيضاً إلى قبض الدائن للفضة. وكذا الحال في عكس ذلك، وهو ما إذا كان له في ذمة الغير فضة وأراد بيعها بذهب أو تحويلها إلى ذهب.

(مسألة 6): لا يجب على المتبايعين في الصرف الإقباض من أجل تصحيح البيع، بل لكل منهما الامتناع منه وإن لزم البطلان.

(مسألة 7): يكفي في قبض كل من العوضين في الصرف قبض أكثر من الحق من دون تمييز للحق في ضمنه، فإذا باعه مائة غرام ذهباً ـ مثلاً ـ كفى قبض مائتي غرام، على أن يرجع الزائد، ولا يجب قبل التفرق تعيين المائة التي هي له.

(مسألة 8): لا يجري حكم الصرف على الأوراق النقدية التي تعارف التعامل بها في عصورنا، سواء رصدت لها الحكومات ذهباً أم لا. فيصح بيع بعضها ببعض وصرفه من دون تقابض، سواء كانت لدولة واحدة كالدينار بالدينار، أم لدولتين كالدولار بالدينار.

(مسألة 9): إذا انشغلت ذمة الإنسان بنقد معين ـ كالدينار العراقي ـ وجب عليه في مقام الوفاء الدفع منه مهما طال الزمان وإن تغيرت قيمته السوقية، زيادة أو نقيصة. ولا يجب ملاحظة قيمته حين انشغال الذمة به. سواء كان انشغال الذمة به لاقتراضه، أم لإتلافه، أم لجعله ثمناً في بيع أو مهرا في نكاح، أو نحو ذلك. وهكذا الحال في كل ما تنشغل به الذمة من الأعيان المثلية.

(مسألة 10): إذا كان النقد الذي تنشغل به الذمة بدلاً عن مضمون قيمي ـ عيناً كان أو منفعةً ـ فاختلف سعر المضمون وجب دفع الثابت حين انشغال الذمة ـ من دون زيادة ولا نقيصة ـ إذا كان اختلاف السعر لاختلاف مالية المضمون، كما لو كان عزيز الوجود فابتذل أو مبتذل الوجود فعز. أما إذا كان لاختلاف مالية النقد فالأمر لا يخلو عن إشكال، والأحوط وجوباً التصالح بين الطرفين.

(مسألة 11): إذا اقترض نقداً معيناً وكان المدفوع فئة خاصة منه ـ كفئة الخمسة وعشرين ديناراً ـ أو طبعة خاصة منه، لم يجب حفظ الخصوصية المذكورة في مقام الوفاء، بل يكفي دفع أي فرد شاء يصدق عليه النقد المذكور، وإن اختلف سعر الخصوصيتين بعد ذلك. إلا أن يشترط في القرض حفظ الخصوصية المذكورة عند الوفاء. وكذا الحال في إتلاف بعض الأفراد منه، فإنه لا يجب حفظ الخصوصية التي يمتاز بها المتلف إذا لم يكن لها حين الإتلاف فرق في المالية، وإن اختلفت قيمتها بعد ذلك. وكذا إذا ضمنها بسبب آخر غير الإتلاف، فإنه لا يجب الوفاء بواجد الخصوصية الموجودة أو الشايعة الوجود حين الضمان، نعم إذا كان الاقتراض أو الإتلاف بعد اختلاف الخصوصيات في السعر وجب الوفاء بواجد الخصوصية المقترضة أو المتلفة.

(مسألة 12): إذا انشغلت ذمة الشخص بنقد خاص ثم أسقطت الدولة الطبعة الشايعة منه واستبدلتها بطبعة اُخرى وجب الوفاء من الطبعة الثانية. وأما إذا أسقطت العملة رأساً أو سقطت العملة بنفسها عن المالية لسقوط الدولة فلا يجب الوفاء بغيرها مما كان بسعرها من النقود أو الأعيان الاُخرى.

(مسألة 13): إذا انشغلت الذمة بنقد معين ثم منعت الدولة من التعامل به من دون أن تسقط ماليته وجب الوفاء به مهما بلغت قيمته.

(مسألة 14): تراب الصاغة إذا علم بأن فيه ذهباً فقط وجهل قدره لم يجز بيعه بالذهب، بل يتعين بيعه بالفضة نقداً أو بغير الذهب والفضة نسيئة أو نقداً. وينعكس الحال لو علم باشتماله على الفضة فقط. أما لو علم باشتماله على الذهب والفضة فقط أو مع غيرهما مما له قيمة جاز بيعه بالذهب فقط أو بالفضة فقط لكن بشرط العلم بزيادة الثمن إذا كان من الفضة عما فيه من الفضة. وإذا كان من الذهب عما فيه من الذهب. كما يجوز بيعه بالذهب والفضة معاً. ويجب فيه وفيما قبله التقابض. ويجوز بيعه بجنس ثالث كالأوراق النقدية والطعام، ولا يجب حينئذٍ التقابض. وهذا هو الحال في كل ما اشتمل على الفضة أو الذهب من الأمتعة كالأواني والسيوف المحلاة وغيرها.

(مسألة 15): تراب الصاغة المشتمل على الذهب والفضة وغيرهما من الفلزات إن كان ما فيه منها باقياً على ملك أصحابه الأول من دون أن يعرضوا عنه فمع معرفتهم بأعيانهم يجب مراجعتهم فيه، ومع ترددهم بين جماعة معينة يجب مراجعة الكل والصلح معهم. ومع ترددهم بين جماعة غير معينة يتصدق به عن أصحابه على الفقراء. أما إذا كان ملكاً للصائغ فثمنه له، كما هو الغالب، للبناء على إعراض أصحابه الأول عنه، لعدم أهميته، أو للصلح معهم عنه بضمان الصائغ لنقص ما يأتون به وتعويضهم عنه. ويجري التفصيل المذكور في أمثال الصاغة ممن تجتمع عندهم فضلات ما يعملون به، كالحديد عند الحدادين والقماش عند الخياطين.