الفصل الثاني

في قواطع السفر

وهي اُمور..

الأول: المرور بالوطن. وهو المكان الذي يتخذه الإنسان مقراً له على الدوام لو خلّي ونفسه، بحيث يعزم على البقاء فيه وعدم الخروج منه إلا لسبب طارئ. سواء كان مسقط رأسه أم استجده. ويكفي فيه التبعية للغير كالزوج والأب ونحوهما، فوطن المتبوع وطن للتابع ما لم يعرض عنه ويخرج منه.

(مسألة 598): يكفي في الوطن المستجد السكني فيه بالنية المتقدمة، ولا يتوقف مع ذلك على قضاء مدة معتد بها، فلا يحتاج في المدة المذكورة لنية الإقامة أو الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام، وإن كان أحوط استحباباً.

(مسألة 599): يمكن تعدد الوطن، بأن يتخذ الإنسان بلدين مثلاً مقراً له يقضي في كل منهما قسماً من أوقاته ولا يخرج منهما لغيرهما إلا لسبب طارئ.

وحينئذٍ لابد في التقصير عند السفر بين الوطنين من أمرين:

الأول: بلوغ المسافة الامتدادية، وهي ثمانية فراسخ، ولا يكفي الملفقة لانقطاع السفر بدخول كل منهما.

الثاني: أن لا يكون كثير السفر بينهما، وإلا وجب عليه التمام في الطريق ولم يقصر إلا في السفرة الاُولى إذا بقي في أحدهما عشرة أيام، على ما تقدم في كثير السفر.

(مسألة 600): إذا اتخذ الإنسان مسكناً يبيت فيه في مدينته، ومحل عمل يعمل فيه في مدينة اُخرى وكان كل منهما مبنياً على الدوام والاستمرار، كان كل منهما وطناً له، فيجري عليه حكم ذي الوطنين.

(مسألة 601): الظاهر عدم ثبوت الوطن الشرعي، فلا تجري أحكام الوطن على المكان الذي يملك فيه الإنسان منزلاً قد أقام فيه ستة أشهر إذا أعرض عنه، بل يجب فيه القصر كما يجب في الوطن الذي أعرض عنه.

(مسألة 602): الظاهر عدم خروج الوطن عن كونه وطناً إلا بالعدول عن جعله وطناً مع الخروج عنه، ولا يكفي العدول عنه مع البقاء فيه وعدم الخروج منه، كما لا يكفي التردد في البقاء على كونه وطناً ولو مع الخروج عنه.

(مسألة 603): يلحق بالوطن المكان الذي يتخذه الإنسان مقراً له مدة طويلة يسكن فيه سكناه في وطنه بمنزل وأثاث ونحوهما، بحيث يصدق عرفاً أنه مسكنه في المدة المذكورة، كالبلد الذي يسكنه طالب العلم في مدة دراسته، والموظف في مدة وظيفته وصاحب العمل في مدة عمله ونحوهم، فإنه وإن لم يكن وطناً له ـ كما يظهر مما سبق في معنى الوطن ـ إلا أنه يجري عليه حكم الوطن، فإذا كان فيه كان حاضراً يتم وإن لم ينو الإقامة فيه، وإذا خرج منه صار مسافراً ولابد في وجوب القصر عليه من العزم على قطع المسافة الامتدادية أو الملفقة، وإذا مر به في سفره انقطع سفره إلى غير ذلك. لكن لابد فيه من أن لا يكثر الخروج منه، وإلا لم يكن مقراً له. نعم يتم فيه لكونه كثير السفر حينئذٍ.

(مسألة 604): لما كان السفر ينقطع بالمرور بالوطن وبالمقر، فلابد في التقصير عند السفر بينهما من بلوغ المسافة الامتدادية وهي ثمانية فراسخ.

(مسألة 605): إذا اتخذ المكان مقراً له في وقت معين من السنة لم يجر عليه حكم الوطن في غير ذلك الوقت. فطلاب العلم الذين يتخذون محل دراستهم مقراً في أيام الدراسة ويتركونه ويرجعون إلى أوطانهم في أيام العطلة إذا ذهبوا إليه في العطلة الدراسية كانوا مسافرين وجرى عليهم حكم السفر. إلا أن تكون العطلة قصيرة لا تنافي الارتباط بالمكان عرفاً.

الثاني: العزم من المسافر على الإقامة عشرة أيام متوالية في مكان واحد أو العلم ببقائه في المدة المذكورة وإن لم يكن باختياره. ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر، فإذا نوى الإقامة مثلاً من زوال يوم إلى زوال اليوم الحادي عشر من ذلك اليوم كان عليه التمام.

ومبدأ اليوم طلوع الفجر، فإذا نوى الإقامة من طلوع الشمس فلابد من نيتها إلى طلوع الشمس من اليوم الحادي عشر، كما أن الليالي المتوسطة داخلة دون الليلة المتطرفة، وأبعاض الليلتين المتطرّفتين بنحو يتم به ليلة ملفقة، وإن كان الأحوط استحباباً ضمها للإقامة.

(مسألة 606): يشترط وحدة محل الإقامة عرفاً، فلا تصح الإقامة في أكثر من قرية أو بلد واحد. نعم لا يضر التنقل في أبعاض القرية أو البلد الواحد، ونحو ذلك مما من شأن أهل المكان ـ الذي يقيم فيه ـ التنقل فيه بما أنهم أهل ذلك المكان، بحيث لا يكون تنقلهم فيه مبنياً على العناية والخروج عن مقتضى إقامتهم فيه، كمسجده وحمّامه ومتنزهاته ومقبرته، دون غير ذلك مما يكون ذهاب أهل ذلك المكان له خروجاً عن مقتضى إقامتهم في مكانهم عرفاً، نظير ذهاب غيرهم له من المسافرين. وإن كان ذهابهم له أيسر من ذهاب غيرهم لقربهم منه.

(مسألة 607): تصح نية الإقامة في الصحراء، على أن ينوى المقام في مكان منها وعدم الوصول إلى ما لا يتعارف وصول أهل ذلك المكان إليه من المواضع.

(مسألة 608): يكفي في نية الإقامة النية التبعية، كنية الزوجة تبعاً للزوج والولد تبعاً لأبيه. لكن لابد من العلم بتحقق نية الإقامة من المتبوع، ولا يكفي تحققها منه من دون أن يعلم التابع بها وإن كان بانياً على المتابعة.

(مسألة 609): الظاهر عدم تحقق نية الإقامة في المكان مع نية الخروج منه إلى ما دون المسافة مما لا يعد من توابعه بحيث يعد ذهاب أهل المكان له سفراً منهم، وإن كان زمان الخروج قليلاً، بل يتعين القصر مع ذلك حتى في المحل الذي نوى فيه الإقامة. نعم إذا انعقدت الإقامة بحيث لا يضر فيها العدول ـ بأن نوى الإقامة من دون نية الخروج للمكان المذكور وصلى فريضة رباعية تماماً ـ لا يكون الخروج لما دون المسافة ـ فضلاً عن نيته ـ مبطلاً لها.

(مسألة 610): إذا نوى المقام إلى حادث لا يعلم أمده ـ كورود مسافر أو قضاء حاجة ـ فصادف أمده عشرة أيام أو أكثر لم تنعقد له إقامة وكان الواجب عليه القصر.

(مسألة 611): إذا نوى الإقامة إلى يوم معين وكان في الواقع عشرة أيام من دون أن يعلم ذلك تمت إقامته وكان من الواجب عليه التمام، كما لو نوى ظهر الأربعاء الإقامة إلى ظهر يوم الجمعة الثانية، وإن اعتقد خطأً أن نيته للإقامة كانت في ظهر يوم الخميس. ولو انعكس الأمر لم تنعقد له إقامة وكان الواجب عليه القصر.

(مسألة 612): إذا نوى إقامة عشرة أيام في المكان ثم عدل عن إقامته قبل مضي عشرة أيام فعزم على الخروج قبل إكمالها أو تردد فإن كان قد صلى فريضة رباعية تماماً بقي على التمام إلى أن يسافر.

وإن لم يكن قد صلى فريضة تماماً رجع إلى القصر، سواء لم يصل أصلاً ـ ولو عصياناً ـ أم صلى صلاة غير رباعية أم شرع في صلاة رباعية ولم يتمها وإن دخل في ركوع الركعة الثالثة، وسواء فعل غير الصلاة الرباعية مما لا يجوز للمسافر كالصوم، والنوافل النهارية أم لا. بل حتى لو صلى رباعية، ثم تبين بطلانها، فإنه حينئذٍ يكون بحكم من لم يصل.

(مسألة 613): إذا عدل عن نية الإقامة وهو في الرباعية قبل أن يتمها وجب عليه قصرها، وإن دخل في الركعة الثالثة قبل الركوع هدم وأتمها قصراً. وإن كان بعد الركوع بطلت، نعم لو كان في مواضع التخيير كان عليه إتمامها أربعاً، لكن لا تكفي في البقاء على التمام.

(مسألة 614): إذا نوى الإقامة فصام وعدل عن نية الإقامة قبل أن يصلي تماماً وقبل الزوال بطل صومه، وإن كان عدوله بعد الزوال صح صوم ذلك اليوم، دون ما بعده، ووجب عليه القصر. وأما إن كان عدوله بعد الصلاة تماماً فيصح صوم ذلك اليوم مطلقاً، كما يصح الصوم بعده ما دام لم يخرج.

(مسألة 615): إذا عدل عن نية الإقامة وشك في أنه صلى تماماً أم لم يصل بنى على أنه لم يصل ووجب عليه القصر. نعم إذا كان بعد الفراغ من الصلاة الرباعية وقد شك في صحتها، أو بعد خروج وقتها وقد شك في الإتيان بها فالظاهر البناء على الإتيان بها والبقاء على التمام، وإن كان الأحوط استحباباً ضم القصر إليه.

(مسألة 616): إذا صلى بعد نية الإقامة فريضة تماماً نسياناً أو غفلة عن إقامته أو لشرف البقعة ـ كما في مواضع التخيير ـ كفى ذلك في انعقاد الإقامة وعدم الرجوع للقصر مع العدول عنها. أما إذا فاتته الصلاة أداء فقضاها تماماً ثم عدل عن نية الإقامة فالأمر لا يخلو من إشكال، والأحوط وجوباً الجمع بين القصر والتمام.

(مسألة 617): إذا عدل عن نية الإقامة قبل أن يصلي فريضة تماماً بطلت الإقامة من حين العدول لا من أول الأمر، فلو كان قد صام قبل العدول صح صومه، ولو فاتته صلاة رباعية قبل العدول قضاها تماماً بعد العدول.

(مسألة 618): إذا تمت مدة الإقامة لم يحتج في البقاء على التمام إلى إقامة جديدة، بل يبقى على التمام إلى أن يسافر وإن لم يصل في مدة الإقامة فريضة تماماً.

(مسألة 619): لا يشترط في انعقاد نية الإقامة كونه مكلفاً حين النية، فلو نوى وهو غير بالغ كان حكمه التمام، على التفصيل المتقدم. وكذا لو نوت المرأة وهي حائض أو نفساء.

(مسألة 620): إذا استقرت الإقامة ـ ولو بالصلاة تماماً ـ ثم بدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ثم السفر منه بما تتم به، فإن لم يكن عازماً على الرجوع إلى محل الإقامة وجب عليه القصر بالخروج من محل إقامته. وإن كان عازماً على الرجوع إلى محل الإقامة ـ ولو مع المكث فيه من دون نية إقامة جديدة ـ لم يجب عليه القصر بالخروج من محل الإقامة، وإنما يجب عليه القصر بمفارقة محل الإقامة ثانياً. فمثلاً من استقرت له الإقامة في النجف الأشرف إذا خرج إلى الكوفة وأراد الرجوع إلى النجف ثم الخروج منه إلى كربلاء لم يقصر بخروجه من النجف إلى الكوفة ولا بخروجه من الكوفة إلى النجف، بل بخروجه ثانياً من النجف في طريقه إلى كربلاء.

الثالث: أن يقيم في مكان واحد ثلاثين يوماً من دون عزم على إقامة عشرة أيام، سواء عزم على إقامة ما دون العشرة مرة بعد اُخرى حتى أتم الثلاثين، أم لم يعزم على إقامة أصلاً، فيجب بعدها الإتمام حتى يسافر وإن لم يصل بعدها إلا صلاة واحدة. ولا يكفي الشهر الهلالي إذا كان تسعة وعشرين يوماً، والظاهر هنا تبعية الليالي للأيام، فلابد من إكمال ثلاثين ليلة مع الأيام. ويكفي التلفيق من اليوم أو الليلة المنكسرين.

(مسألة 621): لابد في إتمام المتردد ثلاثين يوماً من وحدة المكان الذي هو فيه هذه المدة، على نحو ما تقدم في نية الإقامة. وإذا خرج إلى ما دون المسافة مما لا يعد من توابع البلد بقي على التقصير.

(مسألة 622): إذا انتقل من المكان قبل إتمام المدة بقليل لم يجب التمام وإن تكرر ذلك منه في أمكنة متعددة.

(مسألة 623): يظهر منهم أن الإقامة ثلاثين يوماً تمنع من تلفيق المسافة وتتميم ما بعدها لما قبلها، فلابد في القصر من سفر جديد وتام المسافة كما سبق. وينكشف بها عدم مشروعية القصر منه إذا كانت المسافة السابقة منه دون الثمانية. وفي هذا الأخير إشكال، فالأحوط وجوباً قضاء ما صلاه قصراً والإتيان به تماماً غير مقصور.