المقصد الثامن
في صلاة المسافر
تقصر الصلاة الرباعية في الخوف والسفر، أما قصرها في الخوف ففيه تفصيل وكلام لا مجال له في المقام بعد ندرة الابتلاء أو عدمه بذلك. والكلام هنا في السفر، وفيه فصول..
الفصل الأول
في شروط السفر الموجب للقصر
وهي اُمور:
الأول: المسافة، وهي ثمانية فراسخ.
(مسألة 551): تكفي الثمانية الملفقة من أربعة فراسخ ذهاباً وأربعة إياباً فما زاد، إذا لم يفصل بينها بأحد القواطع الآتية. ولا يكفي الملفقة مما دون أحد الأمرين، كثلاثة ذهاباً وخمسة إياباً أو العكس.
(مسألة 552): لا يشترط في وجوب القصر في المسافة الملفقة قصد الرجوع ليومه، بل يجب القصر ولو مع نية المبيت في مقصده يوماً أو أكثر ما لم يقصد البقاء عشرة أيام، حيث ينقطع حكم السفر كما يأتي.
(مسألة 553): الثمانية فراسخ تقارب الستة والأربعين كيلومتراً، ويحسن الاحتياط فيما نقص عن ذلك قليلاً أو زاد عليه قليلاً.
(مسألة 554): تثبت المسافة بالعلم وبالبينة الشرعية، وهي شهادة العدلين، ومع الشك في بلوغ السفر المسافة مع تعيين القصد يجب التمام، لكن لو ظهر بلوغه المسافة في الوقت لزمت الإعادة قصراً، ولو ظهر بعد الوقت فالأحوط وجوباً القضاء قصراً. أما مع الشك في بلوغ السفر المسافة لعدم تعيين المقصد فيجب التمام لعدم حصول قصد المسافة منه، كما لو خرج من النجف الأشرف وهو متردد بين السفر للكوفة والسفر للحلة.
(مسألة 555): إذا اعتقد بلوغ السفر المسافة فقصر الصلاة فظهر الخطأ وجبت عليه الإعادة في الوقت والقضاء خارجه، وإذا اعتقد عدم بلوغ السفر المسافة فأتم ثم ظهر الخطأ فالأحوط وجوباً له الإعادة أو القضاء.
(مسألة 556): إذا كان للمقصد طريقان قريب لا يبلغ المسافة وبعيد يبلغها أتم إذا قصد سلوك القريب وقصر إذا قصد سلوك البعيد وإن لم يحتج لسلوكه. وإذا كان الذهاب من أحدهما والرجوع من الآخر يبلغ ثمانية فراسخ فإن كان في الطريق البعيد موضع بينه وبين بلده أربعة فراسخ في ذهابه منه وفي رجوعه إليه قصر، وإلا أتم.
(مسألة 557): السير في المسافة المستديرة حول البلد إن لم يصدق عليه السفر لقرب الطريق من البلد بحيث يكون من توابعه وجب التمام وكذا إذا لم يخرج عن حد الترخص الذي يأتي التعرض له، وإن صدق عليه السفر لبعد الطريق من البلد وجب فيه القصر إذا بلغ مجموع الدائرة مع الخط الواصل بينها وبين البلد في الذهاب والإياب ثمانية فراسخ. كما لو كان طول الخط الفاصل نصف فرسخ ومحيط الدائرة سبعة فراسخ.
(مسألة 558): مبدأ حساب المسافة من مبدأ صدق السفر، وهو من المنزل فيما إذا كان منفرداً في الصحراء، ومن منتهى القرية، ومن منتهى البلد.
(مسألة 559): البلدان الكبيرة التي تعارفت في عصورنا كثيراً على قسمين:
الأول: ما يكون بعضه مرتبطاً ببعض في الوضع المعاشي والحياتي بحيث لا تستقل أحياؤه ومحاله بنفسها، بل يرتبط أحدها بالآخر أو ترتبط كلها بالمركز. وفي هذا القسم يكون مبدأ حساب المسافة طرف البلد.
الثاني: ما يستقل بعضه عن بعض، بحيث يستغني كل حي أو محلة بنفسه في وضعه المعاشي، ولا يحتاج بعضها الآخر إلا كما يحتاج المدن الاُخرى أو تحتاجه فهي ـ وإن تجاورت وشملها اسم واحد ـ كالمدن المتعددة، وليس تقاربها إلا كتقارب القرى أو المدن التي تتسع شيئاً فشيئاً حتى تتقارب أو تتصل. ومبدأ حساب المسافة في هذا القسم المحلة أو الحي الذي يسكنه المسافر. نعم إذا كان المسافر مرتبطاً بأكثر من حي أو محلة، كان مبدأ الحساب له من منتهى أقرب الحيين أو الأحياء إلى جهة سفره. كالشخص الذي يبيت في حي ويعمل في آخر. كما أن الشخص الذي يرتبط بجميع أحياء المدينة ـ لتعدد مراكز عمله أو لسعة علائقه الاجتماعية أو لغير ذلك ـ يكون مبدأ الحساب له أطراف المدينة.
الثاني: القصد إلى السفر في المسافة المتقدمة، فلا يكفي السفر من دون قصد كما لو ساروا به وهو مغمىً عليه أو نائم، كما لا يكفي قصد السفر من دون قصد المسافة حتى لو تمادى به السير فبلغ المسافة من دون قصد لها. نعم إذا قصد الاستمرار بعد ذلك في السير بما يبلغ ثمانية فراسخ أو أربعة مع قصد الرجوع قصر. كما أنه إذا قصد الرجوع وكان ثمانية فراسخ قصر فيه.
(مسألة 560): يكفي في التقصير قصد الموضع الذي يبلغ المسافة وإن لم يعلم ببلوغه لها، بل وإن اعتقد عدم بلوغه خطأً. كما لا يكفي في التقصير قصد السفر لما يعتقد بلوغه المسافة إذا لم يبلغها في الواقع.
(مسألة 561): يكفي قصد المسافة إجمالاً، كما إذا قصد أحد بلدين كل منهما يبلغ المسافة، أو قصد السير أربعة فراسخ مع تردده بين أن يرجع أو يستمر في السير ثمانية فراسخ ثم ينوي الإقامة في المقصد.
(مسألة 562): إذا خرج إلى ما دون أربعة فراسخ وهو يريد التجاوز عنها معلقاً على أمر غير معلوم الحصول ـ كتحصيل نفقة له أو رفيق في طريقه، أو توثق على من خلّف من أهله ـ لم يقصر إلا أن يحصل له ذلك ويتجدد منه العزم فعلاً على السفر المسافة المذكورة، وحينئذٍ يكون مبدأ المسافة من حين تجدد العزم الفعلي.
(مسألة 563): يكفي في قصد السفر للمسافة المذكورة العزم على ذلك لوجود المقتضي وعدم العلم بالمانع، ولا يضر احتمال عروض المانع.
(مسألة 564): لا يشترط قصد المسافة استقلالاً، بل يكفي قصدها تبعاً للغير، كما في قصد الزوجة تبعاً لزوجها والعيال تبعاً لمعيلهم والأجير تبعاً للمستأجر والأسير تبعاً للآسر ونحوهم.
نعم لابد من أمرين:
أحدهما: العزم على عدم مفارقة المتبوع، فمع عدم العزم المذكور واحتمال مفارقته لا يتحقق القصد التبعي ويتعين الإتمام.
ثانيهما: العلم بقصد المتبوع للمسافة، أما مع الجهل بقصده المسافة فلا يتحقق القصد التبعي، ويتعين الإتمام. ولا يجب على التابع الفحص، ولا على المتبوع الإخبار لو سأله التابع. نعم إذا تجدد له العزم على عدم مفارقة المتبوع أو العلم بقصد المتبوع قصر إذا تحقق منه قصد المسافة الامتدادية أو الملفقة من حين تحقق القصد المذكور، على نحو ما تقدم عند الكلام في اعتبار قصد المسافة.
الثالث: استمرار القصد للسفر في المسافة المذكورة، فلو عدل قبل بلوغ أربعة فراسخ فبنى على الرجوع أو تردد في الاستمرار أتم.
(مسألة 565): إذا صلى قصراً أو تناول المفطر ثم تردد في الاستمرار في السفر أو عدل عن السفر قبل بلوغ المسافة فالأحوط وجوباً له إعادة الصلاة في الوقت تماماً وقضاؤها خارج الوقت كذلك. ووجب عليه الإمساك بقية اليوم وقضاؤه.
(مسألة 566): إذا كان عدوله أو تردده بعد بلوغ أربعة فراسخ بحيث لابد له في الرجوع من أربعة فراسخ اُخرى وكان عازماً على العود قبل إقامة عشرة أيام لم يجب عليه إعادة صلاته ولا الإمساك عن المفطرات في بقية يومه، بل يبقى على القصر والإفطار إلى أن يعود إلى منزله. وإذا كان عدوله أو تردده بعد بلوغ ثمانية فراسخ فاللازم عليه القصر والإفطار وإن لم يعزم على العود، إلا أن ينوي إقامة عشرة أيام.
(مسألة 567): يكفي في استمرار القصد للسفر البقاء على نية السفر ولو مع تبدل المقصد قبل بلوغ المسافة، كما إذا قصد السفر إلى مكان وقبل بلوغ المسافة عدل إلى مكان آخر. لكن لابد من كون ما بقي من السفر بضميمة ما حصل منه متمماً للمسافة.
(مسألة 568): إذا تردد أو عدل عن السفر قبل بلوغ أربعة فراسخ ثم عاد لنية السفر قبل قطع شيء من المسافة رجع إلى القصر. وإن قطع شيئاً من المسافة حال التردد أو العدول ثم رجع إلى نية السفر، فالظاهر وجوب التمام عليه. إلا أن يشرع في سفر جديد قاصداً ثمانية فراسخ أو قاصداً أربعة وهو ينوي الرجوع فيقصر حينئذٍ.
الرابع: أن لا يكون ناوياً في أول السفر قطعه ـ بالمرور بالوطن أو ما يلحق به أو إقامة عشرة أيام قبل بلوغ المسافة ـ أو يكون متردداً في ذلك، فإنه لا يعتد بالسفر المذكور، فلا يكون مسوغاً للقصر، ولا يكون التلفيق منه. فلا يقصر لا في الطريق ولا في محل الإقامة ولا في الرجوع، إلا أن ينوي سفراً جديداً بالمسافة المتقدمة.
(مسألة 569): إذا عزم في أثناء السفر على المرور بالوطن أو الإقامة، ثم عدل عن ذلك جرى فيه التفصيل المتقدم في المسألة السابقة.
(مسألة 570): يكفي في وجوب القصر العزم على عدم المرور بالوطن وعدم نية الإقامة وإن احتمل عروض ما يلزمه بأحد الأمرين، نظير ما تقدم في المسألة (563).
الخامس: أن يكون السفر مباحاً، فلو كان محرّماً بنفسه ـ كسفر العبد الآبق وسفر الزوجة من بيت الزوجية بدون إذن الزوج ـ أو بغايته ـ كالسفر لقتل نفس محترمة أو للسرقة ـ لم يوجب القصر، بل يجب فيه التمام.
(مسألة 571): إذا كان السفر لغاية محرمة ـ كالسرقة ـ وجب التمام وإن لم تترتب الغاية، فعدم ترتبها لا يكشف عن وجوب القصر في ذلك السفر.
(مسألة 572): لا يمنع من وجوب القصر ترتب الحرام على السفر ـ كإيذاء المؤمن ـ إذا لم يكن مقصوداً منه ولا غاية له. نعم إذا علم بأنه يضطر للحرام بسبب السفر بحيث لو لا السفر لم يفعله وجب التمام وإن لم يكن الحرام ـ بالوجه المذكور ـ هو الغاية من السفر.
(مسألة 573): إذا كان السفر مباحاً في الواقع واعتقد المكلف حرمته خطأً، فالواجب القصر كما لو سافر للإضرار بمن يحل الإضرار به واقعاً وهو يعتقد حرمة الإضرار به، وحينئذٍ لو صلى قصراً وتيسر له قصد القربة صحت صلاته، أما لو صلى تماماً فالأحوط وجوباً له الإعادة في الوقت قصراً والقضاء في خارجه كذلك.
(مسألة 574): إذا كان السفر حراماً في الواقع وكان المكلف جاهلاً بحرمته معذوراً في جهله فالظاهر وجوب القصر عليه. أما لو لم يكن معذوراً في جهله فالأمر لا يخلو عن إشكال، والأحوط وجوباً الجمع بين القصر والتمام، فلو فعل أحدهما كان عليه الاحتياط بضم الآخر ولو بعد الوقت.
(مسألة 575): إذا كان السفر مستلزماً لترك أداء الواجب في بلده، فإن كان الغرض منه الفرار عن الواجب وجب التمام كما لو سافر المدين فراراً عن أداء الدين مع حلوله والقدرة على وفائه. وكذا إذا لم يكن الغرض منه ذلك لكن كان المكلف بنحو يؤدي الواجب لو لا السفر، على الأحوط وجوباً. أما إذا لم يكن في مقام أداء الواجب سافر أو لم يسافر فالظاهر وجوب القصر.
(مسألة 576): إذا سافر المكلف سفراً مباحاً في نفسه إلا أنه ركب على الدابة المغصوبة أو في السيارة المغصوبة أو نحوهما، فإن كان بقصد الفرار بالمغصوب وسلبه وجب عليه الإتمام، وإلا وجب القصر.
(مسألة 577): إذا كان السفر مضراً بالنفس أو الغير ضرراً يحرم إيقاعه وجب الإتمام فيه.
(مسألة 578): التابع للجائر في منصبه يتم في سفره الذي يكون من شؤون تبعيته له سواء كان مرسلاً من قبله أم مشيعاً له أم غير ذلك. نعم إذا كان مكرهاً في تبعيته له أو كان غرضه منها دفع مظلمة عن نفسه أو عن المؤمنين أو نفعهم من دون أن يلزم منها ظلم لمؤمن قصر.
(مسألة 579): التابع للجائر بشخصه لا بمنصبه يقصر في سفره، كما لو أرسله ليبني داراً له لا تتعلق بمنصبه، إلا أن يستلزم ترويجاً لباطل أو ضرراً على مؤمن أو نحوهما من العناوين المحرمة، فيتم حينئذٍ.
(مسألة 580): السفر لصيد البر والبحر إن كان للقوت أو التجارة كان حلالاً ووجب فيه التقصير والإفطار، وإن كان للّهو كان حراماً ووجب فيه الإتمام والصيام. وأما نفس الصيد فالظاهر أنه حلال مطلقاً.
(مسألة 581): إذا سافر لغايتين محللة ومحرمة ـ كما لو سافر للتجارة وللإضرار بمؤمن ـ وجب عليه الإتمام، نعم لو لم تكن الجهة المحرمة غاية للسفر، بل مما قد تتفق فيه من دون أن تكون مقصودة منه وجب القصر.
(مسألة 582): إذا كان السفر محرّماً بنفسه لا بلحاظ غايته ـ كالسفر تبعاً للجائر، والسفر المضر بالبدن ـ فاللازم التمام فيه وإن كان إيقاعه بداعي غاية محللة كالنزهة.
(مسألة 583): إذا اختلف السفر الواحد فكان بعضه حلالاً وبعضه حراماً وجب التقصير في القسم الحلال والإتمام في القسم الحرام، ولا يتوقف التقصير في القسم الحلال إلى نية قطع مسافة تامة جديدة. فمن سافر تبعاً للجائر ثم تركه وتوقف في بعض المواضع للعلاج قصر وإن لم يقطع مسافة. كما أن الإتمام في القسم الحرام إنما يتوقف على السير وقطع المسافة إذا كان العنوان المحرّم يتوقف عليه كالسفر لتشييع الجائر.
أما إذا كان العنوان المحرّم منطبقاً على السفر ببقائه ولو مع عدم قطع المسافة فلا يحتاج وجوب الإتمام للسير وقطع المسافة. فمن سافر لغاية محللة، ثم بدا له التوقف في مكان لقطع الطريق أو التحق بركب الجائر وجب عليه التمام وإن لم يقطع مسافة.
(مسألة 584): الراجع من سفر المعصية إن عد رجوعه من توابع سفر المعصية وانحصر غرضه بالرجوع وجب عليه الإتمام حاله، وإن لم ينحصر غرضه به فالأحوط وجوباً له الجمع بين القصر والتمام، كما لو اختار طريقاً خاصاً في الرجوع أو عجل بالرجوع لداع محلل. وأما لو لم يعد الرجوع من توابع سفر المعصية فالواجب فيه القصر، كما لو رجع على طريق بعيد لغرض محلل، أو فصل بين الذهاب والرجوع بالمكث مدة معتداً بها بنحو لا يتعارف في سفر الذهاب.
السادس: أن لا يكون السفر كثيراً من المكلف بمقتضى طبيعة حياته أو عمله، فيجب التمام في السفر الذي يتكثر من المكلف ويتعارف بمقتضى وضعه الحياتي أو العملي، سواء كان عمله السفر ـ كالمكاري والملاح وسائق السيارة ـ أم كان عمله في السفر ـ كالجابي الذي يدور في جبايته والتاجر الذي يدور في تجارته والصانع الذي يدور في صنعته ـ أم توقف عمله على تكرر السفر ـ كالحطاب الذي تعود الخروج لاحتطاب الحطب وبيعه في البلد، ومن ابتنى عمله على جلب البضاعة في فترات متقاربة وبيعها في بلده ـ أم كان له غرض في تكرر السفر في فترات متقاربة للزيارة أو العلاج أو الدرس أو غيرها بنحو يكون مستمراً على ذلك، بحيث يكون مقتضى وضعه الطبيعي.
(مسألة 585): إذا كان كثير السفر لما دون المسافة، وجب عليه القصر إذا اتفق له السفر إلى المسافة.
(مسألة 586): إذا كان كثير السفر لجهة معينة فاتفق له السفر لغيرها، فإن كان السفر الطارئ من سنخ السفر الذي تعوده بحيث يكون مقتضى طبيعة حياته أو عمله مثله وجب عليه التمام في السفر المذكور، كالسائق على خط خاص يستأجر لخط آخر، وجالب البضاعة من مكان معين يحتاج لجلبه من مكان آخر ونحوهما.
وإن كان السفر الطارئ أجنبياً عن السفر الذي تعوده ـ بحيث يخرج عن مقتضى طبيعة حياته وعمله ـ وجب عليه القصر، كالسائق والملاح ونحوهما إذا سافرا لزيارة إمام أو صديق أو لعلاج أو غيره، ومنه ما إذا ترك السائق سيارته في سفره، ورجع إلى أهله. إلا أن يتعود ذلك ويكثر منه، فيتم حينئذٍ.
(مسألة 587): من كان كثرة السفر مقتضى عمله كالتاجر الذي يدور في تجارته والملاح يكفي في إتمامه اتخاذ العمل المذكور فيتم في السفرة الاُولى بلا حاجة لتكرار السفر. أما من كانت كثرة سفره لداع خاص يقتضي كثرة السفر فاللازم مضي مدة معتد بها يصدق فيها أن السفر مقتضى طبيعة حياته. والأحوط وجوباً الجمع بين القصر والتمام من حين حدوث الداعي المذكور والابتداء بكثرة السفر إلى مضي المدة المذكورة.
(مسألة 588): إذا كان كثير السفر بالوجه المتقدم في فترة معينة من السنة اختص التمام عليه بتلك المدة، كالذي يسوق بالأجرة في بعض المواسم أو يجلب الخضر في فصل الصيف. نعم لابد من كون المدة معتداً بها عرفاً بحيث يصدق عرفاً أن ذلك مقتضى وضعه الطبيعي بلحاظ حياته أو عمله.
(مسألة 589): لابد في صدق كثرة السفر بالوجه المتقدم من البناء على مزاولة السفر مرة بعد اُخرى، ولا يكفي المرة والمرتان وإن طالت مدة السفر. والظاهر صدقه في السفر الطويل المتكرر قليلاً مع تقارب مدة السفر مع مدة الحضر، فضلاً عما إذا زادت مدة السفر.
وأما في السفر القصير فالظاهر صدقه مع تقارب عدد أيام السفر مع عدد أيام الحضر، فضلاً عما إذا زادت أيام السفر. وأما إذا زادت أيام الحضر بقدر معتد به فالظاهر وجوب القصر، كما في من يقضي يومين من الاسبوع في السفر. وأما إذا كان السفر قصيراً لا يتجاوز نصف نهار فالظاهر عدم كفاية الأربع سفرات في الأسبوع.
(مسألة 590): من كان كثير السفر بالوجه المتقدم إذا أقام في بلده أو في البلد الذي يدخله عشرة أيام قصر وأفطر في السفرة الاُولى، سواء كانت العشرة منوية من أول الأمر أم لا.
(مسألة 591): السائح في الأرض الذي لم يتخذ له وطناً منها يتم في سياحته.
(مسألة 592): من خرج معرضاً عن وطنه عازماً على التوطن في غيره يقصر في الطريق. وأما إن كان عازماً على عدم التوطن في غيره، وعدم اتخاذ مقر له بل يبقى متجولاً في الأرض فإنه يتم. وكذا إذا كان متردداً في ذلك. وإن كان الأحوط استحباباً له الجمع بين القصر والتمام إلى أن تطول عليه المدة فيتم.
السابع: أن يصل إلى حد الترخص، ويعرف بأحد أمرين:
أولهما: أن يتوارى عن البيوت، بحيث يخفى شخصه على أهلها لبعده عنهم، ويعلم ذلك بأن يبعد بحيث يخفى عليه من كان واقفاً أو ماشياً عندها.
ثانيهما: أن يبعد بحيث لا يسمع أذان أهل البلد. وان حصل أحدهما ولم يعلم بحصول الآخر قصر. أما إذا حصل أحدهما وعلم بعدم حصول الآخر فاللازم الاحتياط ولو بتأخير الصلاة.
(مسألة 593): المدار في السماع على المتعارف من حيث السامع والصوت المسموع وموانع السمع. ومع اختلاف المتعارف يلزم الاحتياط ولا عبرة بالسماع بسبب مكبر الصوت أو بسبب سمّاعة لاقطة له. كما أن المدار في التواري على ما يستند للبعد دون ما يستند للحاجب الخارجي. وكذا على ما يكون في الوجه المتعارف في النظر بالعين المجردة، ولا عبرة بما يخرج عن المتعارف في قوة النظر أو ضعفه، كما لا عبرة بالنظر بالواسطة.
(مسألة 594): الوصول إلى حد الترخص مبدأ التقصير عند خروج المسافر من بلده، ومنتهى التقصير عند رجوعه لبلده.
(مسألة 595): الأحوط وجوباً عدم التقصير عند الخروج من محل الإقامة أو المكان الذي يبقى فيه ثلاثين يوماً إلا بعد الوصول إلى حد الترخص، وإذا أراد الصلاة قبله جمع بين القصر والتمام. وأما عند إرادة الدخول لمكان يريد المقام فيه عشرة أيام فلا يكفي في التمام الوصول إلى حد الترخص، بل لابد من الوصول إلى مكان الإقامة بنفسه.
(مسألة 596): إذا شك في الوصول إلى حد الترخص بنى على عدمه، فيبقى على التمام في الذهاب وعلى القصر في الإياب. إلا أن يصلي صلاتين يعلم إجمالاً ببطلان إحداهما، فيجب الاحتياط بإعادتهما. نعم إذا رجع ذلك لإجمال الحد الشرعي ـ كما إذا شك في المراد بحدود البلد أو بالتواري عن البلد ـ فاللازم الاحتياط أو الرجوع للمقلَّد.
(مسألة 597): إذا اعتقد الوصول إلى حد الترخص عند الخروج فصلى قصراً أو عند الرجوع فصلى تماماً ثم تبين الخطأ وجب التدارك بالإعادة أو القضاء في الأول، بل في الثاني على الأحوط وجوباً.