الفصل الثالث
في الاستئجار على تفريغ ذمة الغير
كل عمل تصح فيه النيابة يشرع الاستئجار له، فيستحق صاحب المال على الأجير العمل للغير لامتثال أمره وتفريغ ذمته، حياً كان ذلك الغير أو ميتاً، واجباً كان ذلك العمل أو مستحباً. وأما الإجارة على العمل لإهداء ثوابه للغير فلا يخلو عن إشكال. نعم لا بأس بدفع المال مقابل إهداء الثواب إذا تحقق من الفاعل قصد القربة بالعمل.
(مسألة 408): يشترط في الأجير في المقام ما يشترط في الأجير في سائر موارد الإجارة. نعم إذا ابتنت الإجارة على أن يباشر العمل بنفسه لزم فيه أيضاً الشروط المتقدمة في النائب وجرى عليه حكمه.
(مسألة 409): لا يشترط في الأجير العدالة ولا الوثاقة. لكن لا يعول على إخباره بالقيام بالعمل المستأجر عليه إذا لم يكن ثقة مأموناً، فلا يحكم ببراءة ذمة المنوب عنه. لكن يلزم تصديقه من حيثية استحقاقه الأجرة، لابتناء الإجارة على ذلك في مثل هذه الاُمور التي لا تعلم إلا بإخباره.
(مسألة 410): لا تفرغ ذمة الميت باستئجار من يصلي صلاة اضطرارية كالمتيمم وذي الجبيرة والعاجز عن القيام، بل لابد فيه من استئجار غيره، فإن تجدد له العذر بعد الإجارة، فإن كان العذر مؤقتاً لا يستوعب زمان الإجارة وجب على الأجير انتظار القدرة على الصلاة الاختيارية التامة، وإن كان مستوعباً انفسخت الإجارة. نعم إذا لم تكن الإجارة لتفريغ ذمة الميت من صلاة واجبة ثابتة في ذمته بل لمجرد الصلاة عنه وإن لم يكن مشغول الذمة جاز الاستئجار للصلاة الاضطرارية إذا كانت مشروعة في حق المباشر.
(مسألة 411): إذا اختلف الأجير والمؤجر في الاجتهاد أو التقليد في كيفية العمل المستأجر عليه، فإن كانت الإجارة مقيدة بأحد الوجهين صريحاً لزم العمل عليه، وكذا لو كان هناك قرينة عامة على تعيين الوجه الذي يجري عليه العمل، كما لو كان هناك مرجع عام للتقليد تنصرف الإجارة إلى مطابقة فتواه أو فتاوى مشهورة تنصرف الإجارة إلى عدم الخروج عنها ومع عدم ذلك يكون ظاهر الإجارة الاكتفاء باجتهاد الأجير أو تقليده، فيلزم المؤجر الاكتفاء بذلك في دفع الأجرة وإن لم يجزه ذلك في فراغ الذمة إذا كان العمل باطلاً عنده.
(مسألة 412): لا تفرغ ذمة الميت بمجرد الإجارة، بل يتوقف على تحقق العمل المستأجر عليه.
(مسألة 413): إذا استأجره على أن يصلي كان ظاهره لزوم مباشرته بنفسه وعدم الاكتفاء بفعل غيره بدلاً عنه إلا بقرينة خاصة أو إذن خاص بعد الإجارة. أما إذا آجره على أن يكون مشغول الذمة بالعمل فظاهره عدم اشتراط المباشرة إلا مع قرينة صارفة عن الظهور المذكور.
(مسألة 414): إذا كان مقتضى الإجارة عدم اشتراط المباشرة فللأجير أن يستنيب غيره في تفريغ ذمة الميت بإجارة أو غيرها، نعم لابد في الإجارة أن لا تكون بأقل من الأجرة التي جعلت له على العمل إلا مع اختلاف جنس الأجرة أو أدائه لبعض العمل.
(مسألة 415): إذا أخذ في الإجارة زمان معين لأداء العمل فإن رجع ذلك لتعيين العمل المستأجر عليه بما يقع في الزمن المذكور، كما قد يكون في مثل قراءة القرآن في شهر رمضان، فمع عدم الإتيان بالعمل في الزمان المذكور تبطل الإجارة فلا يستحق الأجرة بالعمل بعدها. بل يكون متبرعاً.
وإن رجع ذلك إلى اشتراط الزمان المعين زائداً على الإجارة، كما لعله الغالب في المدد المضروبة لأجل الحث على المسارعة في العمل، فمع عدم الإتيان بالعمل في الزمان المعين لا تبطل الإجارة، ولا يكون الإتيان بالعمل بعدها مجانياً. غاية الأمر أن يكون للمستأجر حق فسخ الإجارة، فمع الفسخ يستحق أجرة المثل، ومع عدمه يستحق الأجرة المسماة. نعم تفرغ ذمة المنوب عنه بالعمل في جميع فروض المسألة.
(مسألة 416): إذا انكشف بطلان الإجارة بعد العمل استحق الأجير أجرة المثل على المستأجر، وكذا إذا فسخت لخيار أو إقالة.
(مسألة 417): إذا لم تعين كيفية العمل من حيثية الاشتمال على المستحبات تنصرف الإجارة إلى النحو المتعارف في القضاء.
(مسألة 418): إذا نسي الأجير بعض المستحبات المأخوذة في الإجارة أو الواجبات التي لا تخل بصحة العمل، فإن كان بالنحو المتعارف لم ينقص من الأجرة شيء، وإلا نقص من الأجرة بالنسبة.
(مسألة 419): إذا كانت الإجارة على تفريغ ذمة الميت فتبرع متبرع بالعمل قبل قيام المستأجر به بطلت الإجارة. أما إذا كانت على العمل عن الميت ولو مع فراغ ذمته فلا تبطل.
(مسألة 420): إذا مات الأجير قبل القيام بالعمل المستأجر عليه فإن كانت المباشرة شرطاً في العمل المستأجر عليه بطلت الإجارة، ووجب إرجاع الأجرة من التركة إن كان قد أخذها، وإلا وجب على ورثته الاستئجار من تركته، ومنها الأجرة التي استحقها بالإجارة، كسائر الديون المالية، وإذا لم تكن له تركة لم يجب على الوارث شيء، ويبقى الميت مشغول الذمة بالعمل، كسائر الديون التي تفي تركته بها.
(مسألة 421): كما يجوز استئجار الغير على الصلاة أو غيرها عن الميت يجوز جعل الجعل له، والفرق بينهما أن الإجارة عقد لازم مشروط بشروط وله أحكام مذكورة في محلها من كتاب الإجارة، أما الجعالة فهي إيقاع قوامه الوعد بدفع المال على العمل، ولا يكون لازماً، بل لجاعل الجعل الرجوع عنه قبل عمل العامل. وجملة من الفروع المتقدمة تختص بالإجارة ولا تجري في الجعالة، كما يظهر بالتأمل فيها.