الفصل الثاني
في النيابة
لا يشرع التبرع ولا النيابة عن الأحياء في الواجبات ولو مع عجزهم عنها، إلا في الحج إذا كان مستطيعاً وكان عاجزاً عن المباشرة على ما يذكر في محله، ويجوز التبرع والنيابة عن الأحياء في جملة من المستحبات، كالصلاة والصوم والحج والصدقة والزيارة وقراءة القرآن. بل قد يشرع ذلك في بقية العبادات، وإن كان الأحوط وجوباً الإتيان بها برجاء المشروعية، كما يجوز التبرع والنيابة عن الأموات في الواجبات والمستحبات.
نعم يشكل مشروعية التبرع والنيابة في الدعاء عن الأحياء والأموات، فالأولى إبداله بالدعاء لهم. وإما إهداء العمل أو ثوابه فقد ورد في بعض الاُمور كالحج وبعض الصلوات وقراءة القرآن، وحكي فعله عن بعض أصحاب الأئمة (عليهم السلام). والأحوط وجوباً الإتيان به برجاء المشروعية وترتب الأثر، حيث يرجى ترتبه بفضل الله سبحانه وسعة رحمته. نعم هو لا يقتضي براءة الذمة وتحقق الامتثال، بل هما متوقفان على أن ينوي العامل بالعمل حين الإتيان به امتثال الأمر المتوجه للغير، وذلك لا يكون إلا بالنيابة تبرعاً أو بإجارة.
(مسألة 387): يشترط في النائب اُمور:
الأول: العقل، فلا يجتزأ بفعل غير العاقل وإن تحقق منه القصد في الجملة، لعدم التعويل على قصده، بل هو كقصد النائم ملغي عند العقلاء. نعم إذا لم يبلغ الضعف العقلي عنده مرتبة الجنون فلا بأس بعمله.
الثاني: الإسلام.
الثالث: الإيمان، فلا يجتزأ بعمل المخالف، وإن جاء بالعمل على الوجه الصحيح عندنا. بل يشكل الاجتزاء بعمل المستضعف ـ غير المقر بالولاية ولا الجاحد لها ـ فالأحوط وجوباً عدم الاجتزاء بعمله.
(مسألة 388): لا يشترط في النائب البلوغ، فيصح عمل الصبي المميز إذا أداه بالوجه المطلوب شرعاً. كما لا يشترط العدالة، فيصح عمل الفاسق، نعم يشكل التعويل على إخباره بالإتيان بالعمل إلا مع كونه ثقة في نفسه مأموناً وحصول الوثوق من خبره. نعم لو علم بإتيانه بالعمل بنية تفريغ ذمة الغير وشك في صحة عمله فالظاهر البناء على الصحة وإن لم يكن ثقة.
(مسألة 389): لا يشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والأنوثة، فتصح نيابة الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، وفي الجهر والإخفات يراعى حال النائب.
(مسألة 390): النائب يعمل على طبق اجتهاده أو تقليده لا على طبق اجتهاد المنوب عنه أو تقليده. نعم إذا كان وصياً عن الغير في تفريغ ذمته والوفاء عنه كان ظاهر حال الوصية أن الموصى به هو العمل على طبق اجتهاد الموصي أو تقليده، فلا يقوم بالوصية إلا إذا جاء بالعمل على الوجه المذكور، ولا يكفيه العمل على طبق اجتهاد نفسه أو تقليده. لكن إذا شك في مقتضى اجتهاد الموصي أو تقليده ولم ينبهه الموصي على مخالفته له في الاجتهاد أو التقليد ولم تقم قرينة ـ عامة أو خاصة على ذلك ـ كان له الإتيان بالعمل على طبق اجتهاد نفسه أو تقليده. وأما الأجير فيأتي الكلام فيه في المسألة (411) في الفصل الآتي.
(مسألة 391): يستحب التبرع عن المؤمن الميت في أداء الواجبات التي عليه كقضاء الصلوات والصيام وغيرها، وكذا المستحبات فإنه من أفضل البر بالمؤمن والصلة له والإحسان إليه.
(مسألة 392): ينوي النائب بالفعل امتثال أمر المنوب عنه وتفريغ ذمته، وذلك كاف في المقربية اللازمة في العبادة، ولا يشترط مع ذلك التقرب بأمر النيابة المتوجه للنائب نفسه، حيث إنه يستحب للمؤمن أن ينوب عن المؤمن في تفريغ ذمته ويؤدي الخيرات عنه، فإن تقرب النائب بالأمر المذكور ليس شرطاً في صحة عبادته التي ينوب فيها. نعم لابد من عدم وقوعه منه بوجه مبعد، كما لو أوقعه بوجه محرّم لغصب المكان أو اللباس أو غيرهما.
(مسألة 393): لا تبرأ ذمة المنوب عنه بعمل النائب إذا كان اضطرارياً، كما لو كانت وظيفته التيمم أو الطهارة الجبيرية أو الصلاة من جلوس أو نحوها، إلا مع الاضطرار، بان لا يكون هناك من يؤدي عنه بعمل اختياري تام، ولو حصل ذلك وجيء بالعمل الاضطراري فالاجتزاء به مراعى بعدم تيسر من يؤدي عنه بالعمل التام، فمتى تيسر كان اللازم الإتيان به.
(مسألة 394): لابد من تعيين المنوب عنه حين العمل ولو إجمالاً. ولا يكفي التعيين بعد العمل.
(مسألة 395): يجب على ولي الميت أن يقضي ما على الميت من الصلاة والصيام، سواء فاته لعذر ـ من مرض أو جهل بالتكليف أو بكيفية الأداء ـ أم تسامحاً. نعم لا يجب الأداء إذا مات الشخص وهو غير مهتم بالقضاء تهاوناً وتمرداً.
(مسألة 396): المراد بالولي هو الوارث الذكر. وفي عمومه للطفل حين موت الميت إشكال. فالأحوط وجوباً عليه القضاء إذا بلغ.
(مسألة 397): الظاهر اختصاص وجوب القضاء بما إذا كان الميت رجلاً، ولا يجب القضاء عن المرأة. وإن كان هو الأحوط استحباباً، بل لا إشكال في استحبابه.
(مسألة 398): إذا تعدد الولي وجب القضاء على كل منهم بنحو الوجوب الكفائي، فيعاقب الكل على تركه ويسقط بفعل البعض عن الباقين. ولا يتوزّع القضاء عليهم بالنسبة.
(مسألة 399): لا يجب على الولي أن يقضي بدل الميت ما وجب على الميت قضاؤه عن غيره، كما لو كان ولياً عن ميت قبله عليه صوم أو صلاة، أو كان مستأجراً على أن يصلي أو يصوم عن غيره، بل يسقط الأول ويجري على الثاني حكم الدين فيخرج من أصل التركة، إلا مع اشتراط مباشرته فتبطل الإجارة بموته ويجب إرجاع الأجرة من تركته، وليس على الولي شيء.
(مسألة 400): يسقط القضاء عن الولي إذا قضى عن الميت غيره تبرعاً أو بإجارة من قبل الولي أو غيره، ولو لوصية الميت بالقضاء من ثلثه.
(مسألة 401): لو عجز الولي عن القضاء بنفسه سقط عنه، ولا يجب عليه السعي لقضاء غيره عن الميت باستئجار أو غيره.
(مسألة 402): إذا شك الولي في فوات شيء عن الميت لم يجب القضاء عليه، وإذا شك في مقدار الفائت اقتصر على الأقل.
(مسألة 403): إذا أخبر الرجل بانشغال ذمته بالفوائت فالأحوط وجوباً للولي قضاؤها عنه بعد موته إذا لم يكن متهماً في إخباره.
(مسألة 404): إذا لم يكن للميت ولي أو كان ولم يجب عليه القضاء فالأقوى عدم وجوب إخراج ما انشغلت به الذمة من الفوائت من أصل التركة. نعم إذا أوصى بإخراجه نفذت وصيته في الثلث.
(مسألة 405): لا يجب الفور في القضاء عن الميت، وإن كان الأولى المسارعة ولو لتخليص الميت من تبعة الفوت.
(مسألة 406): كما يجب على الولي قضاء ما فات الميت يجب عليه أداء ما وجب على الميت أداؤه ولم يؤده، كما لو مات في وقت صلاة ولم يؤدها وكان مكلفاً بأدائها لمضي زمان يتيسر له الأداء فيه. والأحوط وجوباً للولي المبادرة لها في الوقت مع الإمكان، وإن لم يبادر وجب عليه أداؤها بعده.
(مسألة 407): لا تبرأ ذمة الميت بصلاة الولي الاضطرارية، كصلاته بالتيمم أو بطهارة جبيرية أو من جلوس. إلا مع تعذر إتيانه بها بوجه اختياري وعدم تفريغ ذمة الميت من قبل غيره، فإنه يجب عليه حينئذٍ الإتيان بالصلاة الاضطرارية تحقيقاً للميسور. لكن لو قدر بعد ذلك على الأداء بوجه اختياري لم يجتزئ بما أتى به بوجه اضطراري. وكذا لا يجتزئ به غيره من الأولياء لو قدر على الأداء بوجه اختياري، كما أنه لا يمنع من مشروعية أداء غير الولي عن الميت بوجه اختياري.