المبحث الثالث

في منافيات الصلاة

وهي اُمور:

الأول: فقد بعض الشروط، كالطهارة من الخبث والساتر ونحوها، على تفصيل تقدم عند التعرض لها.

الثاني: الحدث، سواء كان أصغر أم أكبر، فإنه مبطل أينما وقع، ولو في آخر جزء من السلام الواجب على الأحوط وجوباً، عمداً وسهواً. ويستثنى المستحاضة والمسلوس والمبطون ونحوهم، كما تقدم.

الثالث: الالتفات بتمام البدن عن القبلة، وإن لم يكن فاحشاً، إلا أن يكون بالمقدار المغتفر في الاستقبال، الذي تقدم تحديده. من دون فرق بين السهو والاختيار والاضطرار لريح أو نحوه. إلا أن يضطر للصلاة بالنحو المستلزم للالتفات المذكور، كالصلاة في السفينة. وأما الالتفات بالوجه مع الاستقبال بمقاديم البدن فهو مكروه إذا لم يكن فاحشاً، وإن كان فاحشاً كان مبطلاً. والظاهر أن المعيار في كونه فاحشاً على أن يرى ما خلفه، وهو ربع الدائرة الذي يكون في جانب الخلف. ويختص الإبطال به بالفريضة، دون النافلة، وبالعمد دون السهو.

الرابع: ما كان منافياً للصلاة بنظر أهل الشرع بحيث يخرج به المصلي عنها بنظرهم تبعاً لارتكازياتهم على الأحوط وجوباً، كالأصوات الخارجة من الفم الحاكية عن معانٍ خاصة من دون أن يصدق عليها الكلام، وكالرقص والتصفيق ونحوه مما يستعمل في مقام اللهو والفرح، وكبعض الإشارات الواردة في مقام الفحش والبذاء، وكبعض الأعمال اليدوية المعتد بها كالخياطة والنساجة بنحو يعتد به لكثرته، وغير ذلك. ومنه الأكل والشرب إذا كان بنحو معتد به، دون غيره كابتلاع بقايا الطعام في الفم وما يذوب فيه من السكّر.

(مسألة 304): من كان مشغولاً بالدعاء في الوتر، وقد نوى الصوم وضاق عليه الوقت وهو عطشان جاز له أن يمشي للماء فيشرب منه قبل أن يفجأه الفجر ويعود للدعاء ولا تبطل صلاته بذلك.

(مسألة 305): إذا أتى بفعل يشك في كونه منافياً للصلاة بنظر أهل الشرع كان عليه السؤال ممن يقلده عن ذلك.

(مسألة 306): لا بأس بالتصفيق للإعلام، وكذا مثل ضرب الفخذ وضرب الحائط باليد أو بالعصا، ورمي الغير بالحصى لينبهه. كما لا بأس بمثل حركة اليد والإشارة بها والانحناء لتناول شيء من الأرض ومناولته للغير، ورمي الكلب بالحجر ليزجره، وقتل الحية والعقرب والقملة والذباب ونحوه، وجلوس المرأة في الصلاة لحمل طفلها وإرضاعه وتسكيته، وغير ذلك مما لا ينافي الصلاة بحسب نظر أهل الشرع.

(مسألة 307): الأحوط وجوباً عدم تعمد إدخال صلاة في صلاة، فتبطل الاُولى به احتياطاً. وكذا الثانية إذا كانت الاُولى فريضة وكان ملتفتاً لحرمة قطعها، وإن كانت الاُولى نافلة أو فريضة وغفل عن حرمة قطعها صحت الثانية وله إتمامها، ويجري حينئذٍ ما يأتي في صورة السهو.

وأما لو أدخل إحدى الصلاتين في الاُخرى سهواً فالظاهر عدم بطلان الاُولى وصحة الثانية ويتخير في إكمال أيهما شاء، فإن سجد لإحدى الصلاتين سجدة واحدة ملتفتاً للاُخرى بطلت الاُخرى، وكذا إذا سجد لها سجدتين مع غفلته عن الاُخرى، بل هو الأحوط وجوباً في الركوع لإحداهما وحينئذٍ يتم التي مضى فيها لا غير. وإن كان الأحوط استحباباً عدم الاعتداد بها أيضاً، فيستأنفهما معاً بعد إبطال التي بيده أو إتمامها.

الخامس: تعمد الكلام، عربياً كان أو غيره مع مخاطب أو بدونه، منشئاً كان المصلي أو حاكياً لكلام غيره.

(مسألة 308): الظاهر صدق الكلام على تعمد إخراج الحروف على الوجه المعهود عند العرف في مقام البيان وإن لم يقصد بها الحكاية عن معنى لإهمالها أو لعدم قصد معناها منها. والأحوط وجوباً عمومه للحرف الواحد غير المفهم للمعنى، وأما إذا كان مفهماً له فلا إشكال في مبطليته.

وأما إخراج صورة الحروف بالنحو غير المعهود في مقام البيان، بل لغرض آخر كالتنحنح الذي قد يستلزم خروج حرف الحاء والنفخ الذي قد يستلزم خروج حرف الفاء فالظاهر عدم صدق الكلام عليه.

(مسألة 309): الأحوط وجوباً تجنب بعض الأصوات الصادرة من الفم التي يتعارف الحكاية بها عن معانٍ خاصة كالأنين الذي يتعارف بيان الألم به، والزعقة التي يتعارف بيان الردع أو التضجر بها، فإنها وإن لم تكن من الكلام عرفاً لعدم اشتمالها على الحروف المعهودة إلا أنها منافية للصلاة بنظر أهل الشرع فتدخل في القاطع الرابع.

(مسألة 310): تبطل الصلاة بتعمد الكلام حتى لو كان المتكلم مضطراً له لخوف أو حاجة ملحة. نعم لا تبطل به مع السهو لو غفل عن كونه في الصلاة أو تخيل الخروج منها.

(مسألة 311): لا بأس بذكر الله تعالى والنبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة. والمراد به ذكرهما بما فيه ثناء عليهما، والأحوط وجوباً الاقتصار على ما كان بداعي التعظيم والمدح، دون ما كان بقصد الإخبار من دون نظر للمدح، كما لو قال رزق الله زيداً ولداً. أو توفي محمد في شهر صفر.

(مسألة 312): لا بأس بالدعاء إذا كان بنحو المناجاة مع الله تعالى والخطاب له، مثل: اللهم ارحم زيداً، دون مثل: رحم الله زيداً، أو الخطاب لشخص بمثل: رحمك الله. وعلى هذا فلا يجوز للمصلي تسميت العاطس، بأن يقول له: (يرحمك الله) مثلاً، ولا رد العاطس إذا كان في الصلاة على من سمّته، بأن يقول له: (غفر الله لك) مثلاً. نعم يستحب للمصلي إذا عطس أن يقول: (الحمد لله)، بل يستحب له ذلك إذا عطس غيره أيضاً.

(مسألة 313): لا بأس بقراءة القرآن في الصلاة.

(مسألة 314): لا يجوز للمصلي السلام على الغير ولا غيره من أقسام التحية. نعم يجب عليه رد السلام، وإذا لم يرد ومضى في صلاته أثم، وإن صحت صلاته. لكن يكره السلام عليه.

(مسألة 315): يجب على المصلي أن يكون رده السلام بمثل ما سلم عليه، فإذا قال المسلم: (السلام عليك) قال المصلي في الجواب: (السلام عليك)، وإذا قال: (السلام عليكم) قال: (السلام عليكم)، وإذا قال: (السلام) قال: (السلام). نعم إذا أضاف المسلم أمراً غير السلام فالأحوط وجوباً عدم رده، فإذا قال المسلم: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) اقتصر المصلي في الجواب على: (السلام عليكم).

(مسألة 316): إذا كان السلام بالملحون ففي وجوب الرد في الصلاة وغيرها إشكال، والأحوط وجوباً الرد لكن بقصد القرآنية إن لم يشرع الرد. هذا إذا لم يخرج باللحن عن كونه سلاماً، وإلا لم يجب الرد.

(مسألة 317): إذا كان المسلم صبياً يميز السلام أو امرأة فالظاهر وجوب الرد.

(مسألة 318): الأحوط وجوباً الإسماع في رد السلام في الصلاة وغيرها، ولا يكفي الإعلام بالرد بمعونة الإشارة ونحوها. نعم يكره في الصلاة رفع الصوت كثيراً. ولو تعذر الإسماع لم يجب رفع الصوت بالرد حتى بالمقدار المتعارف، بل يكفي الرد الخفي. نعم الأحوط وجوباً الإعلام بالرد بمثل الإشارة.

(مسألة 319): إذا كانت التحية بغير السلام لم يشرع الرد في الصلاة، بل يكون مبطلاً لها. نعم يستحب الرد في غير الصلاة بها أو بأحسن منها.

(مسألة 320): رد السلام واجب كفائي، فإذا خوطب بالسلام جماعة أجزأهم رد واحد منهم وإن كان صبياً مميزاً، وإن استحب للآخرين الرد أيضاً. وحينئذٍ إذا كان المصلي أحدهم، فإن لم يرد غيره وجب عليه الرد، وإن رد غيره فالأحوط وجوباً عدم الرد منه، بل لو علم أو احتمل عدم قصده بالسلام من بينهم فلا إشكال في أنه لا يجوز له الرد عليه حتى لو لم يرد واحد منهم.

(مسألة 321): إذا تعدد السلام من شخص واحد أو من جماعة أجزأ في الرد للكل الجواب مرة واحدة. نعم لو تجدد السلام بعد الرد وجب رده.

(مسألة 322): إذا سلم كل من الشخصين على الآخر دفعة واحدة وجب على كل منهما الرد على صاحبه ولم يكتف بسلامه عليه. أما إذا تأخر سلام أحدهما عن الآخر كفى في الرد ولا يحتاج إلى قصد عنوان كونه رداً. نعم إذا لم يعلم الثاني بسلام الأول حينما سلم عليه فالأحوط وجوباً الرد منه على الأول، ورد الأول عليه أيضاً.

(مسألة 323): إذا سلم سخرية أو مزاحاً أو إحراجاً لا بقصد التحية لم يجب الرد.

(مسألة 324): إذا كان السلام بصيغة (عليكم السلام) وجب الرد به.

(مسألة 325): يجب في رد السلام الفورية العرفية بالنحو المتعارف، فإذا أخّر عصياناً أو نسياناً حتى خرج عن صدق الجواب لم يجب الرد، وفي الصلاة لا يجوز، ولو شك في عدم صدق الجواب فالحكم كما لو علم بعدم صدقه.

(مسألة 326): الأحوط وجوباً عدم بدء المسلم للكافر بالسلام إلا مع لزومه بمقتضى وضع المعاشرة، بحيث يكون ترك السلام جفاء. ولو سلم الكافر فالأحوط وجوباً عدم رد السلام عليه بالصيغة التامة، بل يقتصر على (السلام) أو على (عليكم).

(مسألة 327): يستحب لكل أحد البدء بالسلام، لكن الأولى أن يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والقائم أو الماشي على القاعد، والراكب على الماشي.

السادس: تعمد القهقهة، وهي الضحك المشتمل على الصوت والترجيع، بل الأحوط وجوباً التعميم لمطلق الضحك المشتمل على الصوت، من دون فرق بين الاختيار والاضطرار. نعم لا تبطل الصلاة بالقهقهة سهواً أو جهلاً بالحكم، ولا بأس بالتبسم من دون صوت ولو عمداً.

(مسألة 328): لو امتلأ جوفه ضحكاً واحمر وجهه، لكن حبس نفسه عن إظهار الصوت فالظاهر عدم بطلان الصلاة بذلك.

السابع: تعمد البكاء المشتمل على الصوت إذا كان لاُمور الدنيا، كذكر ميت أو فقد مال أو خوف من سلطان أو نحو ذلك، فإن الأحوط وجوباً بطلان الصلاة به ولا بأس بالبكاء إذا كان خوفاً من الله تعالى أو تذللاً له أو تضرعاً إليه لقضاء حاجة دينية أو دنيوية. كما لا بأس به إذا كان سهواً، أما إذا كان اضطراراً بأن غلبه البكاء فلم يملك نفسه فالظاهر أنه مبطل حينئذٍ.

(مسألة 329): البكاء على مصائب أهل البيت (عليهم السلام) وما نالهم ونال مبدأهم وشيعتهم إن رجع إلى أمر الآخرة فلا بأس به، كما إذا كان بكاءً على الحق وحزناً على معصية الله فيهم أو حباً لهم بلحاظ ارتباطهم به تعالى. وإن رجع لأمر الدنيا بأن يكون لمحض العاطفة غير المرتبطة به تعالى فالأحوط وجوباً كونه مبطلاً.

الثامن: التكفير، وهو وضع إحدى اليدين على الاُخرى تذللاً وخضوعاً لله تعالى، فإن المشهور بطلان الصلاة به. لكنه لا يخلو عن إشكال والأظهر الكراهة. نعم إذا كان فيه ترويج للباطل كان محرّماً، وكذا إذا أتى به بقصد التشريع على أنه أمر موظف في الصلاة، وحينئذٍ مع الالتفات لذلك يكون مانعاً من التقرب بالصلاة فتبطل. نعم لا بأس بالإتيان به تقية أو سهواً.

التاسع: تعمد قول (آمين) بعد تمام الفاتحة، فإنه حرام ومبطل للصلاة على الأحوط وجوباً. ولا يبطل إذا أتى به سهواً، وكذا تقية، بل قد يجب.

(مسألة 330): إذا شك في حصول أحد القواطع المتقدمة بنى على عدمه.

(مسألة 331): إذا شك في صحة الصلاة بعد الفراغ منها بنى على الصحة.

(مسألة 332): يكره في الصلاة الالتفات بالوجه ـ كما سبق ـ وبالعين والعبث باليد واللحية والرأس والأصابع، ونفخ موضع السجود والبصاق والتمطي والتثاؤب ومدافعة البول والغائط والريح والتكاسل والتناعس والتثاقل والامتخاط ووصل إحدى القدمين بالاُخرى بلا فصل بينهما، إلا للمرأة فإنه مستحب، ويكره أيضاً تشبيك الأصابع، ولبس الخف أو الجورب الضيق، وحديث النفس، والنظر إلى نقش الخاتم والمصحف والكتاب، ووضع اليد على الورك متعمداً، وغير ذلك مما ذكر في المفصلات.

خاتمة

الأحوط وجوباً عدم قطع الفريضة اختياراً. ويجوز لكل غرض راجح ديني أو دنيوي كأداء الواجبات والمستحبات الفورية وكحفظ المال وحبس الغريم والدابة ونحوهما. ومنه القطع لإيقاع الصلاة على الوجه الأكمل، كما لو صلى في ثوب يكره الصلاة فيه فله قطعها للصلاة في ثوب آخر لا تكره فيه الصلاة. وكذا قطعها وإعادتها لتجنب احتمال البطلان سواء صحت الصلاة ظاهراً، كما لو صلى في ثوب يحتمل طهارته من دون سبق العلم بنجاسته، أم لم تصح كما لو صلى في أحد ثوبين يعلم بنجاسة أحدهما، ويترتب على ذلك جواز قطع الصلاة في جميع موارد الاحتياط الوجوبي والاستحبابي بإعادتها، فإنه لا ملزم مع ذلك بإتمامها ثم الإعادة ـ كما جرى عليه جماعة من الأكابر ـ بل يجوز قطعها واستئنافها، كما ذكرناه مراراً فيما تقدم.

(مسألة 333): يجوز قطع النافلة اختياراً ولو لمجرد الإعراض عن امتثالها، حتى لو وجبت بالأصل كالمعادة جماعة أو وجبت بالعرض كالمنذورة.

(مسألة 334): إذا وجب قطع الفريضة أو النافلة لأداء واجب فوري، فإن خالف المكلف ولم يؤد الواجب وانشغل بالصلاة، فإن كان الداعي لترك الواجب هو الانشغال بالصلاة أشكل صحتها لعدم وضوح تأتي قصد القربة بها، بل الأحوط وجوباً عدم الاعتداد بها. وإن كان الداعي لترك الواجب أمراً آخر فالظاهر صحة الصلاة.