الفصل الثاني

في اللباس الساتر

يكفي في الساتر عن النظر المحرّم كل مانع عن الرؤية كالثياب وورق الشجر والحشيش والطين واليدين، بل حتى البناء الحاجب عن الناظر والظلمة على ما تقدم في أحكام الخلوة. أما الساتر في الصلاة فلا يكفي فيه ذلك، ولذا تقدم عموم وجوب الستر لحالة عدم الناظر، بل الأحوط وجوباً مع الإمكان لزوم كون الساتر من سنخ الثياب واللباس كالمئزر والسراويل والقميص والرداء والقناع للمرأة ونحو ذلك، وعدم الاجتزاء بمثل ورق الشجر والحشيش واليدين، فضلاً عن مثل الطين والوحل ونحوها مما يطلى به البدن ويحجب عن النظر، إلا أن يضطر إلى ذلك فيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

إذا عرفت هذا، فيشترط في لباس المصلي اُمور:

الأول: الطهارة، إلا فيما يعفى عنه، على ما تقدم في أحكام النجاسات. وتقدم حكم انحصار الساتر بالنجس.

الثاني: الإباحة، فلا تجوز الصلاة في المغصوب إذا كان يتحرك بحركات الصلاة الواجبة، كالهوي للركوع والسجود والقيام منهما، بحيث تكون الأفعال اللازمة في الصلاة تصرفاً فيه. نعم منشأ شرطية الإباحة هو امتناع التقرب مع الحرمة، وذلك يختص بما إذا كان المكلف ملتفتاً حين الصلاة لحرمة التصرف في المغصوب الذي عليه. على ما تقدم نظيره عند الكلام في نية الوضوء، وتقدم كثير من الفروع المتعلقة بذلك فاللازم مراجعتها.

(مسألة 51): لا فرق في مانعية المغصوب، بين كونه ساتراً لما يجب ستره في الصلاة وغيره كالجورب للرجل. بل تعم المانعية المحمول الذي يتحرك بحركات المصلي.

الثالث: أن لا يكون من الميتة النجسة، وأما الميتة الطاهرة فالأحوط وجوباً الاجتناب عما كان له جلد ينتفع به منها. ولا بأس بغيره كميتة البق والقمل ونحوهما. كما لا بأس بما لا تحله الحياة من أجزاء الميتة. وقد تقدم في النجاسات بيان ذلك، وبيان حكم الشك في تذكية الحيوان.

(مسألة 52): الأحوط وجوباً الاجتناب عن حمل الميتة في الصلاة وإن لم تكن ملبوسة.

(مسألة 53): إذا صلى في الميتة جاهلاً ولم يعلم حتى فرغ من صلاته صحت صلاته، وإن صلى فيها ناسياً فإن كانت طاهرة صحت صلاته، وإن كانت نجسة فالأحوط وجوباً الإعادة لو ذكر في الوقت والقضاء لو ذكر بعد الوقت.

(مسألة 54): ما يشك في كونه من جلد الحيوان لا بأس به، مثل ما يشتبه في هذا الزمان فلا يعلم كونه من مادة النايلون وكونه من الجلد الذي تحرّم الصلاة به.

الرابع: أن لا يكون من أجزاء ما لا يحل أكل لحمه من ذي النفس السائلة، وأما من غير ذي النفس السائلة فالأحوط وجوباً المنع إذا كان له لحم، دون مثل البق والبرغوث والنحل والخنافس مما لا لحم له.

(مسألة 55): لا فرق في المنع بين الملبوس والمحمول مما تتم به الصلاة وغيره. بل حتى مثل الشعرات القليلة الواقعة على الثوب على الأحوط وجوباً.

(مسألة 56): يستثنى من غير مأكول اللحم الإنسان، فإنه يجوز الصلاة في أجزائه وفضلاته الطاهرة.

(مسألة 57): يستثنى من أجزاء ما لا يؤكل لحمه وبر الخز وجلده، وهو دابة تعيش في الماء، وتخرج إلى البر له وبر ينسج منه الثياب. لكن في تعيينه إشكال، لأن المعروف بالخز الآن ربما يكون حيواناً برياً. وهناك مستثنيات أخر قيل بها، ولا يخلو استثناؤها عن إشكال، فالأحوط وجوباً الاجتناب عن الكل.

(مسألة 58): إذا صلى في غير المأكول جاهلاً به صحت صلاته، وكذا لو صلى به ناسياً له أو جاهلاً بمانعيته.

(مسألة 59): إذا شك في أن شيئاً ما من أجزاء الحيوان صحت الصلاة به، وكذا لو علم بكونه من أجزاء حيوان مردد بين الحلال والحرام كالماعز والثعلب.

الخامس: أن لا يكون من الذهب الملبوس وإن لم يكن ساتراً، كالخاتم، ولا بأس بالمحمول المستور. وأما الظاهر الذي يتزين به فالأحوط وجوباً مانعيته. وهذا كله للرجال، وأما للنساء فلا بأس بذلك كله.

(مسألة 60): يحرم على الرجال التزين بالذهب حتى في غير الصلاة، ولو بغير اللبس، كتعليق الأوسمة من الذهب. نعم إذا لم يكن بنفسه زينة للرجل عرفاً، بل زينة لما يحمله فلا بأس به، كتحلية السيف والقلم به وإن ظهرا. بل تصح الصلاة به حينئذٍ، وأظهر من ذلك المحمول المستور. نعم الاحوط وجوباً عدم لبسه من دون تزين به، كلبسه في موضع مستور.

(مسألة 61): لا بأس بالمطلي بالذهب إذا كان الطلاء من سنخ اللون عرفاً ولم يكن له جرم معتد به.

(مسألة 62): لا بأس بشد الأسنان بالذهب إذا لم يصدق عليه التزين عرفاً. أما لو صدق عليه التزين فالأحوط وجوباً الترك، إلا مع الحاجة لذلك وانحصار الأمر به.

(مسألة 63): لا بأس بإلباس الأسنان الداخلية الذهب، وأما الظاهرة فالأحوط وجوباً ترك إلباسها الذهب، إلا لدفع الضرر مع الانحصار، نظير ما تقدم في المسألة السابقة.

(مسألة 64): إذا صلى بالذهب جاهلاً بوجوده أو ناسياً له صحت صلاته، وكذا لو صلى جاهلاً بكونه مبطلاً للصلاة.

السادس: أن لا يكون من الحرير الخالص للرجال، وأما للنساء فلا بأس به.

(مسألة 65): يحرم لبس الحرير الخالص للرجال حتى في غير الصلاة.

(مسألة 66): لا بأس بلبس الحرير للرجال في الحرب، وتصح الصلاة به حينئذٍ. وكذا مع الاضطرار على ما يأتي في المسألة (77) من الفصل الثالث.

(مسألة 67): الأحوط وجوباً عدم الصلاة فيما لا تتم به الصلاة من الحرير المحض، كالقلنسوة والجورب.

(مسألة 68): لا بأس بكف الثوب بالحرير المحض وإن زاد على أربع أصابع، والمراد به ما يجعل في أطراف الثوب، وكذا السفائف والأزرار ونحوها من توابع الثياب مما تزين به أو تشد فيه. وكذا إذا كان الثوب محشواً بالحرير.

(مسألة 69): لا بأس بحمل الحرير وافتراشه والتغطي والتعصب به وشد الجروح وغير ذلك مما لا يعد لبساً له.

(مسألة 70): الأحوط وجوباً عدم لبس الثوب الذي يكون بعضه حريراً محضاً بحيث يكون البعض المذكور بعضاً من الملبوس عرفاً ـ كأكمامه وبطانته وصدره ونحوه ـ لا تابعاً له.

(مسألة 71): لا بأس بلبس ما يصنع من الحرير الممزوج بغيره، وإن كان الحرير أكثر ما لم يكن الخليط مستهلكاً عرفاً، بحيث يصدق على النسيج أنه حرير خالص.

(مسألة 72): إذا شك في كون اللباس حريراً جاز لبسه والصلاة فيه، وكذا إذا تردد بين الحرير الخالص وغيره.

(مسألة 73): إذا صلى في الحرير جهلاً به أو بحرمته ومانعيته أو نسياناً لهما صحت صلاته.

(مسألة 74): يجوز إلباس الصبيان الحرير أو الذهب. لكن لا تصح صلاتهم فيهما.