المقصد السادس
في الطهارة من الخبث
وفيه فصول..
الفصل الأول
في عدد النجاسات
وهي عشرة..
الأول والثاني: البول والغائط من كل حيوان يحرم أكل لحمه إذا كانت له نفس سائلة، أما ما يحل أكل لحمه فبوله وغائطه طاهران، وإن كان مكروه الأكل، كالحمار والبغل والفرس.
(مسألة 398): لا فرق بين ما يحرم أكل لحمه بالأصل كالثعلب والأرنب، وما يحرم أكل لحمه بالعرض، وهو اُمور ثلاثة:
الأول: الجلاّل، وهو الذي يتغذى بالعذرة فقط مدة معتداً بها، بحيث يصدق عرفاً أن غذاءه العذرة. والأحوط وجوباً، حرمة نسله المتكون فيه قبل الاستبراء.
الثاني: الجدي الذي يرضع لبن الخنزيرة حتى يشتدّ عليه ويكبر. والأحوط وجوباً العموم لكل حيوان يرتضع منها.
الثالث: البهيمة التي يطؤها الرجل، حتى الذكر على الأحوط وجوباً، بل الأحوط وجوباً العموم لكل حيوان وإن لم يكن من البهائم كالطيور. والنسل تابع للأصل على الأحوط وجوباً. كما أن الأحوط وجوباً العموم لما إذا كان الواطئ صبياً.
(مسألة 399): بول الطير وذرقه طاهران وإن حرم أكل لحمه كالصقر.
(مسألة 400): ما يحرم أكله مما ليس له نفس سائلة إن لم يكن له لحم ـ كالبق والذباب ـ فما يخرج منه طاهر، وإن كان له لحم ـ كالجِرّي والسلحفاة ـ فغائطه طاهر. وإن كان له بول فالأحوط وجوباً الاجتناب عنه وإجراء حكم النجس عليه.
(مسألة 401): المراد بالحيوان الذي له نفس سائلة هو الذي له عروق يشخب منها الدم، وغيره إما لا دم له كالخنفساء، أو له دم يجتمع في بطنه كالبق، أو ينضح دمه من لحمه عند قطعه كالسمك. وأما وجود الدورة الدموية للحيوان ـ الذي يدركه علماء التشريح ـ فهو لا يكفي في كون الحيوان ذا نفس سائلة، إلا أن يكون ذلك ملازماً لشخب الدم من العرق ولو في بعض أفراد ذلك الحيوان كالنشيط أو الكبير أو نحوهما.
(مسألة 402): ما يشك في أن له نفساً سائلة يحكم بطهارة غائطه، والأحوط وجوباً الاجتناب عن بوله إن كان له لحم يحرم أكله.
(مسألة 403): ما يشك في حلية أكل لحمه يحكم بطهارة بوله وغائطه. إذا كان الشك للشبهة الموضوعية، كما لو اشتبه الحيوان ـ لظلمة أو نحوها ـ بين أن يكون كلباً أو شاة، وأما إذا كان للشبهة الحكمية فاللازم الاحتياط حتى يعرف حكمه من مقلده، كما لو شك المكلف في حلية لحم الأرنب.
الثالث: المني من كل ما لا يؤكل لحمه وكان له نفس سائلة. وأما ما لا نفس له سائلة فمنيّه طاهر، وكذا ما يؤكل لحمه وإن كان الأحوط استحباباً اجتنابه.
الرابع: الدم من الحيوان ذي النفس السائلة. أما دم ما لا نفس له سائلة كدم السمك والبرغوث وغيرهما فهو طاهر.
(مسألة 404): دم العلقة في الحيوان وفي البيضة طاهر، والأحوط وجوباً عدم أكله.
(مسألة 405): الدم المتخلف في الذبيحة بعد خروج ما يتعارف خروجه بالذبح والنحر طاهر، إلا أن يتنجس بنجاسة خارجية كما لو لاقى السكين أو يد القصاب النجسة. نعم يحرم أكله، إلا ما يعد من أجزاء اللحم عرفاً لقلّته وتخلفه في العروق الدقيقة.
(مسألة 406): دم الحيوان المشكوك في كونه ذا نفس سائلة محكوم بالطهارة. وكذا الدم الذي لا يعلم أنه من حيوان له نفس سائلة أو من حيوان ليس له نفس سائلة. فمن وجد على ثوبه دماً ولم يعلم أنه منه أو من البرغوث أو البعوض يبني على طهارته، وكذا الحال في كل دم مردد بين الطاهر والنجس كالدم المردد بين الخارج بالذبح والمتخلف في الذبيحة بعد الذبح.
(مسألة 407): الظاهر أن الحكم بنجاسة البول والغائط والمني والدم مشروط بخروجها للظاهر وأما قبل ذلك فهي طاهرة، وملاقاتها لا توجب نجاسة الملاقي.
الخامس: ميتة الحيوان الذي له نفس سائلة. وأما ميتة ما لا نفس له سائلة فهي طاهرة.
(مسألة 408): الجزء المقطوع من الحي نجس كالميتة، ويستثنى من ذلك الأجزاء غير اللحمية التي هي من سنخ زوائد البدن، كقشور البدن وأسفل القدم وكذا الثالول ونحوه مما من شأنه الانفصال.
(مسألة 409): إذا أوصل الجزء المقطوع من الحيوان بجسم الإنسان أو بحيوان آخر وجرت فيه الحياة طهر، كما في موارد زرع أعضاء الجسم وأجهزته، وكذا موارد ترقيع الجلد. نعم إذا نقل متنجس العين لطاهر العين أشكل الحكم بالطهارة بمجرد وصله وجريان الحياة فيه. بل الأحوط وجوباً عدم الحكم بطهارته إلا بعد إلحاقه عرفاً بالحيوان الطاهر بحيث يعد كسائر أجزائه.
(مسألة 410): ما لا تحله الحياة الظاهرة من أجزاء الميتة طاهر كالصوف والشعر والعظم والقرن والظفر، وكذا ما ينفصل عنها كالبيضة إذا اكتست القشر الغليظ.
(مسألة 411): اللبن في الميتة طاهر يحل شربه إن استخرج من ضرعها وإن كان ملاقياً للميتة.
(مسألة 412): تحل الأنفحة من الميتة، وهي ما يؤخذ من السخال ونحوها لصناعة الجبن. والأحوط وجوباً الاقتصار في حلها على المادة المتجمدة الموجودة داخل الكرش دون نفس الكرش الذي فيه تلك المادة. وحينئذٍ يغسل ظاهرها الملاقي للكرش ليطهر قبل استعماله.
(مسألة 413): المراد بالميتة هنا كل ميت لم يذكّ. ومع الشك في التذكية يحكم بعدمها، وبنجاسة وحرمة الحيوان وأجزائه من جلده ولحمه وشحمه ودهنه وغيرها، إلا أن يقوم دليل شرعي على تذكيته.
(مسألة 414): ما يكون تحت يد المسلم من أجزاء الحيوان المشكوك التذكية يحكم بتذكيته وطهارته وحله، إذا كان يعامله معاملة المذكى بإعداده للبيع أو للأكل أو استعماله في المأكول والمشروب أو لبسه أو نحو ذلك، دون ما لا يعامله كذلك كظروف العذرات والنجاسات.
وكذا يحكم بتذكية ما يباع في سوق المسلمين، أو يصنع في بلاد الإسلام ـ ولو لغلبة المسلمين عليها ـ إذا احتمل كون البائع أو الصانع لها مسلماً، وكذا ما يوجد مطروحاً في بلاد الإسلام ـ وهي البلاد التي يغلب عليها المسلمون ـ إذا احتمل كونه مسبوقاً بيد المسلم، وكان عليه أثر الاستعمال المناسب للتذكية.
(مسألة 415): أجزاء الحيوان المأخوذة من يد الكافر إذا كانت مسبوقة بيد المسلم يحكم بتذكيتها.
(مسألة 416): أجزاء الحيوان التي لم تكن سابقاً تحت يد المسلم إذا صارت في يد المسلم إن احتمل أخذه لها بعد إحرازه لتذكيتها بوجه شرعي كانت محكومة بالتذكية، وإن علم بعدم إحراز المسلم لتذكيتها ـ غفلة أو تسامحاً ـ فهي محكومة بالنجاسة وعدم التذكية.
السادس والسابع: الكلب والخنزير البريان، وكذا أجزاؤهما وإن كانت مما لا تحله الحياة كالشعر ونحوه. وأما البحريان فهما طاهران.
الثامن: الكافر غير الكتابي على الأحوط وجوباً. أما الكتابي ـ وهو اليهودي والنصراني والمجوسي ـ فالظاهر طهارته بنفسه، وإنما ينجس بملاقاة النجاسة كالميتة والخمر ونحوهما مما يستعمله مستحلاً له أو غير مستحل.
(مسألة 417): الإسلام هو الإقرار بوحدانية الله تعالى ونبوة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وبما جاء به من عند الله تعالى، فالكافر هو الذي لا يتدين بذلك، إما لعدم اعتقاده بدين أصلاً أو لتدينه بدين غير الإسلام بالمعنى المذكور.
(مسألة 418): إنكار الضروري من الدين إن رجع إلى عدم الإقرار به بعد العلم بإنزاله من قبل الله تعالى، أو إلى تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله) في تبليغه به بعد العلم بتبليغه له كان موجباً للكفر، وإن رجع إلى عدم العلم بثبوته في الدين أو بتبليغ النبي (صلى الله عليه وآله) له، لم يوجب الكفر، كما إذا نشأ من الجهل بتحريمه أو من شبهة اعتقد معها عدم التحريم.
(مسألة 419): الأحوط وجوباً نجاسة الناصب لأهل البيت (عليهم السلام) إذا رجع نصبه إلى إنكار الضروري بالنحو الموجب للكفر الذي تقدم في المسألة السابقة. وكذا الغالي إذا رجع غلوه إلى إنكار التوحيد لله تعالى أو إنكار النبوة أو إنكار الضروري بالنحو المتقدم.
(مسألة 420): يكره مباشرة الكتابي ومساورته مطلقاً. وتتأكد الكراهة في مباشرته برطوبة، إذا احتمل نجاسته بالعرض، وترتفع الكراهة المذكورة بتطهيره بدنه من الخبث.
التاسع: الخمر وكل مسكر مائع بالأصل وإن لم يتعارف شربه. وأما المسكر الجامد ـ كالحشيشة ـ فإنه طاهر وإن صار مائعاً بالعرض.
(مسألة 421): نجاسة الكحول بأقسامه تبتني على كونه مسكراً، فمن علم أنه مسكر فهو نجس في حقه، ومن لم يعلم بأنه مسكر فهو طاهر في حقه. إلا أننا ننصح إخواننا المؤمنين جميعاً بالاجتناب عنه والاحتياط فيه، فإن من لم يعلم بإسكاره ونجاسته وإن كان من حقه شرعاً البناء على طهارته إلا أنه يرجح منه اجتنابه لأمرين:
الأول: أنه قد يتضح له يوماً ما أنه مسكر ونجس فيقع في مشاكل كثيرة بسبب عمله السابق.
الثاني: أنه حيث كان الكحول نجساً عند كثير من المؤمنين ـ بمقتضى اجتهادهم أو تقليدهم ـ فالمناسب ملاحظة حالهم والرفق بهم، خصوصاً في الاستعمالات الظاهرة، حيث قد يسبب ذلك الحرج لهم أو النفرة بين المؤمنين، فإن مقتضى تكليف من يرى نجاسته تجنب الذي يستعمله والتطهير عند مساورته، فإن عملوا على ذلك فياله من مظهر للجفاء وسوء الخلق والخروج عن آداب المعاشرة، وإن لم يعملوا عليه خرجوا عن ميزانهم الشرعي وخالفوا دينهم.
والأشد من ذلك والأنكى استعماله في الأماكن العامة خصوصاً الدينية منها. بل قد يحرم ذلك لأنها ليست ملكاً لشخص خاص يتصرف فيها كيف يشاء، بل يشترك فيها الجميع، ففعل ما يوجب الإحراج على البعض فيها خروج بها عن مقتضى وضعها. وكم رأينا من يتقرب إلى الله تعالى بنشر العطور التي فيها الكحول في المشاهد المشرفة والأماكن المقدسة، وهو يرى أنه قد أحسن بذلك لمقام تلك المشاهد وللمؤمنين الذين يردونها، مع أنه في الحقيقة قد اعتدى على المشاهد ومن فيها. حيث صار سبباً لإيذاء جماعة من المؤمنين الذين يحضرون فيها ومنعهم عن أداء وظائفهم فيها من الزيارة عند الأضرحة المطهرة والصلاة في تلك المشاهد المعظمة، لتنجس أبدانهم أو ثيابهم أو خوف تنجيسها.
ومن المؤسف حقاً أن أمراً مصدره الغرب الكافر الذي لا يتقيد بخلق ولا شريعة يأخذه المسلمون منهم وينتشر بينهم هذا الانتشار الفظيع مع ما فيه من الهنات والشبهات من دون روية ولا بصيرة.
وإنا لله وإنا إليه راجعون، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(مسألة 422): العصير العنبي إذا غلى بالنار لا ينجس، بل يبقى طاهراً لكن يحرم شربه حتى يذهب ثلثاه.
(مسألة 423): إذا وضع العنب في ماء وأغلي الماء، فإن لم يغل الماء الذي في داخل حبات العنب فلا إشكال في حليته، وإن غلى ماء العنب في داخله فالأحوط وجوباً الاجتناب عنه وإن كان طاهراً، وكذا لو غلى ماء العنب في داخله بتعريضه لحرارة النار رأساً من دون أن يوضع العنب في ماء.
(مسألة 424): الأحوط وجوباً الاجتناب عن عصير الزبيب إذا غلى بالنار حتى يذهب ثلثاه. وهو الأحوط استحباباً في عصير التمر. نعم لا إشكال في عدم نجاستهما.
(مسألة 425): إذا غلا عصير العنب أو الزبيب أو التمر من دون نار ـ بل بحرارة الجو أو من قبل نفسه ـ فلا يبعد حرمته ونجاسته لصيرورته مسكراً بذلك وإن كان ذلك أمراً تكوينياً لا شرعياً والشبهة فيه موضوعية نظير ما تقدم في الكحول.
(مسألة 426): يجوز وضع الزبيب والتمر في الأمراق وغيرها من المطبوخات، ولا تحرم بذلك ولا تنجس.
(مسألة 427): الفُقّاع نجس وإن لم يظهر إسكاره. وهو شراب يتخذ من الشعير على وجه خاص يعرفه أهله.
العاشر: عرق الإبل الجلاّلة، بل كل حيوان جلاّل على الأحوط وجوباً.
(مسألة 428): الظاهر عدم نجاسة عرق الجنب من الحرام. نعم الأحوط وجوباً أنه مانع من الصلاة، فإذا أصاب الثوب لا تصح الصلاة فيه حتى يغسل.
(مسألة 429): إذا تردد الشيء بين الطاهر والنجس يحكم بطهارته، كما إذا تردد الشعر بين أن يكون من الماعز وأن يكون من الخنزير. وهكذا كل ما يشك في طهارته لاشتباه حاله.