المبحث السابع
في الأغسال المستحبة
وهي أغسال كثيرة مذكورة في كتب الفقه والأدعية والزيارات وغيرها لا يسع المقام استقصاءها، إلا أنه لما تقدم منا في المسألة (190) في الفصل الرابع في أحكام غسل الجنابة أن كل غسل مشروع يجزئ عن الوضوء فالمناسب في المقام التعرض لجملة مما ثبت عندنا مشروعيته واستحبابه، ثم نشير لغيره مما لم يثبت عندنا استحبابه وإنما يحسن الإتيان به برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء. وحينئذٍ نقول: الأغسال المستحبة على أقسام ثلاثة:
القسم الأول: الأغسال الزمانية:
وهي التي تستحب لخصوصية الزمان، وهي عدة أغسال:
منها: غسل الجمعة، وهو من المستحبات المؤكدة، ووقته من طلوع الفجر يوم الجمعة إلى الزوال. ويقضى بعده إلى آخر نهار يوم الجمعة، فإن لم يقضه حينئذٍ قضاه يوم السبت.
(مسألة 339): مع إعواز الماء وقلّته على المكلف في تمام يوم الجمعة يجوز تقديم غسله يوم الخميس. ولو أخطأ المكلف في اعتقاده ذلك، ينكشف بطلان غسله. ومن ثمّ لو احتمل ذلك جاز له التقديم برجاء المطلوبية من دون أن يجتزئ به عن الوضوء.
ومنها: غسل يومي العيدين ـ الفطر والأضحى ـ ووقتهما من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
ومنها: غسل يوم عرفة ويوم التروية ـ وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة ـ من دون فرق بين من يريد الحج وغيره. ووقتهما من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
ومنها: غسل الليلة الاُولى من شهر رمضان، والسابعة عشرة منه، وغسل ليالي القدر، وهي الليالي التاسعة عشرة والحادية والعشرون والثالثة والعشرون منه. وأفضل الثلاث الأخيرة ثم الثانية.
(مسألة 340): يشرع غسل ليالي شهر رمضان في أي جزء من الليل، لكن الأفضل إيقاعه في أول الليل، وأفضل منه إيقاعه قبيل غروب الشمس بقليل. والأحوط وجوباً حينئذٍ عدم تخلل الحدث الأكبر أو الأصغر بينه وبين دخول الليل.
(مسألة 341): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) من الأغسال الزمانية غسل يوم الغدير ـ وهو اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة ـ ويوم المباهلة ـ وهو اليوم الرابع والعشرون منه ـ ويوم مولد النبي (صلى الله عليه وآله) ـ وهو اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول ـ ويوم النيروز، وأول رجب ونصفه وآخره، ويوم المبعث ـ وهو اليوم السابع والعشرون منه ـ وليلة النصف من شعبان، وأول يوم من شهر رمضان، وجميع ليالي الأفراد منه، وجميع ليالي العشر الأواخر منه، خصوصاً ليلة الرابع والعشرين، وغسل ثان في آخر الليلة الثالثة والعشرين منه لمن اغتسل أول الليلة المذكورة، وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله، وغير ذلك. وهي وإن وردت الأخبار في جملة منها، إلا أنها لم تثبت بنحو معتبر فيحسن الإتيان بها برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ بها عن الوضوء.
(مسألة 342): يجوز إيقاع الأغسال الزمانية في أي جزء من أجزاء الزمان الذي نسبت له، إلا ما تقدم التنبيه على التقييد فيه بوقت خاص منه ـ كغسل الجمعة ـ أو لجواز إيقاعه قبل الوقت كاغتسال ليالي شهر رمضان.
(مسألة 343): لا تنتقض الأغسال الزمانية بالحدث الأصغر أو الأكبر في أجزاء الزمان الذي نسبت له، إلا ما تقدم التنبيه عليه في المسألة (340).
القسم الثاني من الأغسال المستحبة: الأغسال المكانية:
وهي التي تشرع مقدمة للكون في مكان خاص، وهي عدة أغسال:
منها: الغسل لدخول مكة المعظمة أو المدينة المنورة. والمتيقن منهما الدخول لأداء فرض أو نفل من حج أو عمرة أو زيارة. وأما في غير ذلك فالمتعين الإتيان به برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
ومنها: الغسل لدخول الكعبة الشريفة.
ومنها: الغسل لدخول مسجد النبي (صلى الله عليه وآله).
ومنها: الغسل لدخول أحد الحرمين الشريفين حرم مكة وحرم المدينة.
(مسألة 344): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) من الأغسال المكانية الغسل لدخول المسجد الحرام، والغسل لدخول مشاهد الأئمة (عليهم السلام)، بل لكل مشهد أو مكان شريف. لكنه لم يثبت على عمومه بوجه معتبر، فالأولى الإتيان به برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
(مسألة 345): وقت الأغسال المكانية قبل الدخول في الأمكنة المشروعة لها. عدا غسل دخول حرم مكة، فإن تقديمه على دخوله وإن كان أفضل إلا أنه يستحب لمن لم يفعله أن يأتي به بعد دخوله ولو في مكة نفسها.
القسم الثالث: الأغسال الفعلية:
وهي على قسمين:
أحدهما: ما يستحب بداعي إيقاع فعل خاص، وهي عدة أغسال:
منها: الغسل للإحرام.
ومنها: الغسل لطواف الزيارة، وهو الطواف الواجب في الحج بعد الذبح عند الرجوع من منى. وقيل باستحبابه لكل طواف وإن لم يكن جزء من حج أو عمرة. لكنه لا يخلو عن إشكال. فالأولى الإتيان به برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
ومنها: الغسل للوقوف بعرفة في الحج. ووقته بعد الزوال قريباً منه.
ومنها: الغسل للذبح أو النحر في الحج، والمتيقن منه استحبابه لمن يباشر ذلك بنفسه، دون من يستنيب فيه.
ومنها: الغسل للحلق في الحج.
وهناك أغسال اُخرى وردت مقدمة لأعمال وعبادات لا يسع المقام استقصاءها.
(مسألة 346): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) من هذا القسم من الأغسال الفعلية الغسل للوقوف بالمشعر ولزيارة النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، لكن الأول لم يثبت بوجه معتبر. وأما الثاني فقد تضمنته النصوص في زيارات خاصة كثيرة يضيق المقام عن استقصائها وتحقيق حالها، ولا مجال لاستفادة استحباب الغسل لكل زيارة منها، فالأولى الإتيان بالغسل في جميع الموارد المذكورة برجاء المطلوبية، من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
(مسألة 347): يجزئ في الأغسال المكانية وفي القسم الأول من الأغسال الفعلية غسل اليوم لما يؤتى به في ذلك اليوم، وغسل الليل لما يؤتى به في ذلك الليل، ولا يستمر أثره لما بعد ذلك، فمن اغتسل نهاراً لدخول الكعبة أو للإحرام بالحج مثلاً فلم يتهيأ له دخولها ولا الإحرام حتى دخل الليل لم يجزئه غسله، بل عليه الإعادة.
(مسألة 348): تنتقض الأغسال المكانية والقسم الأول من الأغسال الفعلية بالحدث الأصغر ـ فضلاً عن الأكبر ـ بين الغسل والغاية التي أوقع لها، فمن اغتسل لدخول الكعبة أو لإحرام الحج مثلاً ثم أحدث بالأصغر قبل فعلهما لم يجزئه غسله، بل عليه الإعادة.
ثانيهما: ما يستحب بسبب وقوع فعل خاص، وهو عدة أغسال:
منها: الغسل لمس الميت بعد إتمام تغسيله.
ومنها: الغسل لمن فرط في صلاة الخسوف إذا احترق قرص القمر كله، فإنه يستحب له أن يغتسل ويقضي الصلاة.
ومنها: الغسل للتوبة من تعمد سماع الغناء وضرب العود. بل يحسن الغسل للتوبة مطلقاً برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
(مسألة 349): ذكر العلماء (رضوان الله عليهم) استحباب الغسل لقتل الوزغ والسعي لرؤية المصلوب وغير ذلك. لكنه لم يثبت بوجه معتبر فالأولى الإتيان به برجاء المطلوبية من دون أن يجتزأ به عن الوضوء.
(مسألة 350): لم يثبت عموم مشروعية التيمم بدلاً عن الأغسال المستحبة عند تعذرها، بل قد يظهر من بعض النصوص عدمه. إلا في موارد خاصة لا مجال لاستقصائها، فلا ينبغي الإتيان به إلا برجاء المطلوبية وحينئذٍ لا يجتزأ به عن الوضوء.