المبحث الخامس

في غسل الأموات

وينبغي التعرض لسائر أفعال التجهيز ولما يناسب ذلك مما يتعلق بالموت، فيقع الكلام في ضمن ستة فصول.

الفصل الأول

في مقدمات الموت ولواحقه

يجب على الإنسان عند تخوّف الموت أو ظهور أمارته المبادرة لأداء الواجبات المالية وغيرها التي في ذمته لله تعالى ـ كقضاء الصوم والصلاة وأداء الخمس والزكاة وغير ذلك ـ وأداء حقوق الناس الحالة والتوثق من أداء ما لا يسعه أداءه في حياته بالوصية على أوثق الوجوه الموصلة لأدائه بعد وفاته، كما يجب عليه الإقرار والإشهاد على ما في ذمته وما تحت يده من الأمانات توثقاً على حفظها ووصولها لأهلها. ويتأكد عليه وجوب المبادرة للتوبة والمسارعة للاستغفار والتكفير عما عليه مما يخلصه من تبعات ذنوبه.

(مسألة 252): يستحب توجيه المحتضر للقبلة، بل هو الأحوط استحباباً، كما يجب توجيهه إليها بعد الموت. وذلك بأن يكون مستقبلاً بوجهه وباطن رجليه إليها، بحيث لو جلس كان مستقبلاً لها.

(مسألة 253): يستحب للإنسان حال الاحتضار ـ بل في جميع الأحوال ـ الإقرار بالشهادتين وبولاية الأئمة (عليهم السلام) وبجميع العقائد الحقة وتذكرها وتقريرها في النفس دفعاً لوساوس الشيطان. بل يستحب إشهاد من حضره من المؤمنين بذلك عند الوصية بالمأثور ويستحب تلقينه بذلك كله عند الاحتضار، كما يستحب أن يكون آخر كلامه «لا إله إلا الله» ففي بعض النصوص المعتبرة «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» ويستحب تلقينه كلمات الفرج، وهي: «لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن ورب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين». ونسأله سبحانه أن يعيذنا وجميع المؤمنين من الشيطان الرجيم ومن الفتنة عند الموت ولا يخرجنا من الدنيا حتى يرضى عنا، وأن يعيننا بأفضل العون ويلطف بنا برحمته ويسهل علينا جميعاً سكرات الموت، إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين وهو حسبنا ونعم الوكيل.

(مسألة 254): يكره أن يُمس حال النزع وأن يحضره جنب أو حائض.

(مسألة 255): يستحب بعد الموت المبادرة لتغميض عيني الميت وشدّ لحييه ـ وهما عظما الفك الأسفل ـ إلى رأسه. قيل: وأن يطبق فمه وتُمد يداه إلى جانبيه وساقاه، كما يستحب أن يغطى بثوب.

(مسألة 256): يستحب إعلام إخوانه المؤمنين بموته ليحضروا جنازته، فإن تشييع المؤمن من أفضل القربات، وقد ورد فيه الثواب العظيم، وليصلوا عليه ويستغفروا له. كما يستحب تعجيل تجهيزه إذا تحقق موته.

(مسألة 257): يجب على المكلفين كفايةً تجهيز الميت المؤمن بحيث لو قام به أحدهم أجزاء عن الباقين، وإن تركوه كلهم كانوا عاصين، ومن عجز عن القيام بذلك وتمكن من التسبيب له بإخبار غيره وإعانته عليه وجب عليه القيام بذلك.

(مسألة 258): لابد من وقوع التجهيز بإذن الولي، بمعنى حرمة الاستقلال عنه، فيكون الفعل محرّماً بدون إذنه. ومع الالتفات لذلك يمتنع التقرب به، فيبطل إن كان عبادة كالصلاة والتغسيل، أما مع الغفلة عن الحرمة فيصح العمل ويجزئ، كما يجزئ ما لا يعتبر فيه التقرب كالتكفين والدفن حتى مع الالتفات للحرمة.

(مسألة 259): الزوج أولى بزوجته من كل أحد، إلا أن يكون مملوكاً أو قاصراً عن مقام الولاية بصغر أو جنون أو نحوهما، كما أن المالك أولى من كل أحد بمملوكه، إلا مع قصوره فيقوم وليه مقامه وفي غير الزوجة والمملوك تكون الولاية لطبقات الميراث على الترتيب بينهم، وهم الأبوان والأولاد، ثم الإخوة والأجداد، ثم الأخوال والأعمام، مع قيام أولادهم مقامهم عند فقدهم، على ما يذكر في مباحث الإرث، ثم المولى المعتِق، ثم ضامن الجريرة، ثم الإمام.

ولا يرجع للطبقة المتأخرة إلا مع تعذر الرجوع للطبقة المتقدمة لبعض الموانع الخارجية أو امتناعها عن إعمال ولايتها أو قصورها عن مقام الولاية بصغر أو نحوه.

(مسألة 260): مع تعدد الأولياء في الطبقة الواحدة تسقط ولاية من يتعذر الرجوع إليه لبعض الموانع الخارجية أو من يمتنع عن إعمال ولايته، أو يقصر عن مقام الولاية بصغر أو نحوه. وأما الترجيح بين أفراد الطبقة الواحدة فغير ثابت والأحوط وجوباً الاستئذان من الجميع.

(مسألة 261): إذا تعذر الرجوع للولي في جميع الطبقات فالظاهر جواز استقلال كل أحد بالتجهيز ولا يحتاج لمراجعة الحاكم الشرعي.

(مسألة 262): إذا كان الميت قد أوصى بأن يتولى أمره شخص غير الولي الشرعي فالأحوط وجوباً العمل بإذنه وإذن الولي معاً، كما أنه لو أوصى بخصوصيات التجهيز كالغسل بماء خاص أو التكفين من نوع خاص أو الدفن في قبر خاص أو غير ذلك فالأحوط وجوباً عدم خروج الولي عن ذلك، وإن كان بنظره أصلح للميت، إلا أن يستلزم صرف مال فيلحقه حكم الوصية، أو يكون محرّماً فلا يعتد بالوصية.

(مسألة 263): مؤن التجهيز ـ كالكفن والماء والسدر وأرض القبر ـ لو توقفت على بذل المال من التركة تقدم على الدين والوصية. نعم مؤن تجهيز الزوجة على زوجها، ولا تخرج من التركة إلا مع إعساره بحيث لا يقدر على الاقتراض. وكذا مع عصيانه، وإن جاز للورثة حينئذٍ الرجوع عليه إذا دفعوها بنية الرجوع عليه بعد مراجعة الحاكم الشرعي مع تيسر الرجوع إليه. كما أن مؤن تجهيز المملوك على مالكه.

هذا، ولو لم يكن للميت تركة أو امتنع الورثة أو الزوج أو المالك عن القيام بذلك وتعذر إجبارهم لم يجب على عامة الناس كفائياً بذل المؤن، بل يسقط من التجهيز ما احتاج إلى بذل مؤنة عدا الدفن، فإنه يجب القيام بمؤنته دفعاً لهتك المؤمن ومراعاة لحرمته.

(مسألة 264): المقدار الذي يجب بذله من المؤنة من التركة أو على الزوج أو المالك هو المقدار الذي يتحقق به الواجب، دون ما زاد عليه من المستحبات أو ما تقتضيه الأعراف الاجتماعية أو العادات الخاصة بالقبيلة أو نحو ذلك، بل لا يتحمل الزيادة إلا من يريد القيام بها أو كان الميت قد أوصى بها فتخرج من ثلثه. نعم لو أعد الإنسان كفنه وجب تكفينه به وإن زادت قيمته عن أصل الواجب، بما يزيد عن الثلث أو استغرق التركة، على الأحوط وجوباً.