المبحث الثالث
في غسل الاستحاضة
كل دم يخرج من الرحم لا يحكم عليه بأنه حيض أو نفاس فهو محكوم بأنه دم استحاضة وهو موجب للحدث، فيمتنع على المستحاضة جميع ما يمتنع على المحدث الذي تقدم ذكره عند الكلام فيما يتوقف على الوضوء. ولا يصح منها إلا مع القيام بالوظائف الآتية.
(مسألة 230): للاستحاضة ثلاث مراتب:
الاُولى: القليلة، وهي التي يلطخ فيها الدم القطنة ـ التي تستدخلها داخل الفرج ـ من دون أن ينفذ فيها ويخرج من الجانب الآخر.
الثانية: المتوسطة، وهي التي ينفذ دمها في القطنة التي تستدخلها في داخل الفرج ويخرج للجانب الآخر من غير أن يسيل عنها. ولا أثر لتلطخ الخرقة بالدم لمجرد مماسته للقطنة من دون أن يستند لقوة دفع الدم.
الثالثة: الكثيرة، وهي التي ينفذ دمها في القطنة ويسيل منها لقوة دفع الدم. بل الأحوط وجوباً الاكتفاء فيها بسيلان الدم لعدم وضع القطنة.
(مسألة 231): حكم القليلة وجوب الوضوء لكل صلاة فريضة كانت أو نافلة، دون الأجزاء المنسية وصلاة الاحتياط وسجود السهو المتصل بالصلاة بحيث يعد من توابعها عرفاً. فإنه يجتزأ له بوضوئها وأما مع الفصل المعتد به فالأحوط وجوباً الوضوء له. ولا يجب تبديل القطنة أو تطهيرها لكل صلاة، وإن كان أحوط استحباباً.
(مسألة 232): حكم المتوسطة غسل واحد لليوم، فإن كانت في أوله لزم إيقاعه قبل صلاة الصبح، وإن حدثت في أثنائه لزم إيقاعه لما بعد ذلك من الصلوات. ويجب الوضوء لكل صلاة منفصلة عن الغسل، كصلاة الظهر لو اغتسلت لصلاة الصبح، وكذا صلاة الصبح لو اغتسلت لها ولم تبادر إليها بعد الغسل.
وأما الصلاة المتصلة بالغسل فالظاهر عدم وجوب الوضوء لها، بل الظاهر الاجتزاء بالغسل لصلاتين لو جمعت بينهما، كما لو حصلت الاستحاضة المتوسطة قبل الظهر فإنها لو اغتسلت اجتزأت بغسلها عن الوضوء للظهرين إذا جمعت بينهما وجاءت بهما بعد الغسل بلا فصل، وإن كان الأحوط استحباباً الوضوء لكل صلاة حتى الصلاة المتصلة بالغسل.
وحينئذٍ تتخير بين تقديم الوضوء على الغسل وتأخيره عنه، ويجزئ الوضوء أو الغسل المأتي به للصلاة لتوابعها كقضاء الأجزاء المنسية وصلاة الاحتياط وسجود السهو نظير ما تقدم في المسألة السابقة، ولا يجب تبديل القطنة لكل صلاة وإن كان الاحتياط الاستحبابي هنا آكد منه في المسألة السابقة.
هذا، والظاهر الاكتفاء في غير اليومية بالوضوء لكل صلاة، وإن كان الأحوط وجوباً الاقتصار على الصلوات المضيقة من الفرائض والنوافل، كصلاة الكسوف والنوافل الرواتب، دون الموسعة كصلاة القضاء، بل تنتظر بها الشفاء من الاستحاضة.
(مسألة 233): حكم الكثيرة الغسل لصلاة الصبح تبادر إليها بعده، والغسل للظهرين تجمع بينهما وتبادر إليهما بعده، والغسل للعشائين كذلك. فإن فرّقت بين الغسل والصلاة أعادته، وإن فرّقت بين الصلاتين أعادته للثانية. ولا يجب الوضوء لكل صلاة، بل لا يجوز إذا أخل بالموالاة العرفية بين الغسل والصلاة أو بين الصلاتين. نعم لا بأس بالوضوء قبل الغسل لأنه من آدابه، كما تقدم.
ويجب عليه التحفظ من خروج الدم بعد الغسل حتى تفرغ من الصلاة بحشو الفرج بقطنة والتعصب والاستثفار بأن تشد وسطها بحزام وتجعل فيه خرقة من مقدمها ثم تنزلها بين فخذيها وتخرجها من مؤخرها وتجعلها في الحزام من خلفها مع شدها بقوة وإحكام، ونحو ذلك مما يمنع من زيادة خروج الدم، ولا يجب عليها تبديل القطنة أو الخرقة بين الصلاتين بل يلزم تجنب ذلك إذا أخل بالموالاة المعتبرة أو كان سبباً في زيادة خروج الدم.
هذا، والظاهر أن لها الجمع بين صلاتين بغسل واحد حتى في غير اليومية وإن كان الأحوط وجوباً الاقتصار على الصلوات المضيقة من الفرائض أو النوافل، نظير ما تقدم في المسألة السابقة.
(مسألة 234): ما تقدم من أقسام الاستحاضة إنما هو في الدم، وأما الصفرة التي لا يصدق عليها الدم عرفاً فحكمها الوضوء لكل صلاة مهما كثرت.
(مسألة 235): إذا علمت المستحاضة أن لها فترة مضبوطة ينقطع فيها الدم تكفي الطهارة والصلاة وجب انتظارها وإيقاع الصلاة فيها، وكذا مع الاطمئنان بذلك بل مع الظن أيضاً على الأحوط وجوباً، وأما مع عدم الفترة أو عدم تيسر ضبطها فلو عملت أعمال المستحاضة وصلّت ثم حصلت الفترة بعد الصلاة لم تجب إعادة الصلاة وإنما تجب إعادة الأعمال للصلوات الآتية.
(مسألة 236): يحل الطواف للمستحاضة إذا عملت بالوظائف المقررة للصلاة من الوضوء في القليلة والمتوسطة أو الغسل في الكثيرة، بل في المتوسطة إذا أرادت الإتيان به أول اليوم، فإذا كانت وظيفتها الغسل اغتسلت ـ كما في الكثيرة والمتوسطة أول اليوم ـ وطافت من غير وضوء، وإذا كانت وظيفتها الوضوء أتت به قبل الطواف واجتزأت به لصلاته.
(مسألة 237): لا تتوقف صحة الصوم من المستحاضة على القيام بوظائفها المتقدمة للصلاة، بل يصح منها مع التفريط بالوظائف المذكورة. وكذا قراءة العزائم، ودخول المساجد، وإن كان الأحوط وجوباً عدم دخول الكعبة الشريفة لها حتى مع القيام بالوظائف. بل الظاهر عدم جواز مس المصحف لها، وأما لو اضطرت له ـ ولو لتوقف رفع هتك المصحف عليه ـ كان عليها تجديد الوظائف المتقدمة له مع تيسرها، ومع تعذرها فالأحوط وجوباً الانتقال للتيمم.
(مسألة 238): غسل الاستحاضة كغسل الجنابة والحيض في الكيفية، ويجزئ هو عنهما وعن غيرهما من الأغسال كما تجزئ عنه بقية الأغسال. وكذا يجزئ الإتيان بغسل واحد بنية الجميع، نظير ما سبق في المسألة (191) من الفصل الرابع في أحكام غسل الجنابة.