المبحث الثاني
في غسل الحيض
وفيه فصول..
الفصل الأول
في سببه
وهو خروج دم الحيض، الذي هو دم خاص يقذفه الرحم بمقتضى طبيعة مزاج المرأة. ولابد فيه من النزول لظاهر الفرج، ولا يكفي النزول من الرحم لباطنه. وإن كان ذلك يكفي في استمرار الحيض وبقائه، كما يظهر فيما يأتي.
(مسألة 195): إذا افتضت البكر فسال منها دم كثير وتردد بين أن يكون من دم البكارة أو من دم الحيض أو منهما معاً أدخلت قطنة وتركتها مدة قليلة ثم أخرجتها إخراجاً رفيقاً، فإن كانت مطوقة بالدم من دون أن يغمسها فهو من البكارة، وإن كانت مستنقعة فهو من الحيض.
(مسألة 196): كل دم تراه الصبية قبل بلوغها تسع سنين قمرية محكوم بأنه ليس بحيض، وكذا ما تراه المرأة بعد بلوغ سن اليأس. نعم لو علم يقيناً بأنه من الحيض ترتبت عليه أحكامه.
(مسألة 197): حد اليأس في القرشية بلوغ ستين سنة قمرية، وفي غيرها بلوغ خمسين سنة ويكفي الانتساب لقريش من الزنا. ومع الشك في كون المرأة قرشية يحكم بعدم كونها قرشية.
(مسألة 198): أقل الحيض ثلاثة أيام، والمراد باليوم هنا ما يعم الليل الحاصل بدورة تامة للأرض، لا خصوص بياض النهار.
(مسألة 199): الظاهر أنه لا يعتبر التوالي في الأيام الثلاثة، بل تكفي الثلاثة المتفرقة. لكن لابد من اجتماعها في ضمن عشرة أيام. نعم يجب على المرأة ترتيب أحكام الحيض بمجرد رؤية الدم وإن لم يكن بصفات الحيض الآتية، فإن استمر ثلاثة أيام، أو انقطع ثم رجع حتى تم لها ثلاثة أيام في ضمن العشرة تحققت كونه حيضاً، وإلا انكشف أنه استحاضة ووجب عليها قضاء الصلاة التي تركتها حين رؤية الدم.
(مسألة 200): أكثر الحيض عشرة أيام. وهي أطول مدة بين أول الحيض وآخره، غايته أن الحيض قد يستوعبها، وقد يتفرق فيها، وإن كان اللازم بلوغ مجموعه ثلاثة أيام فأكثر، كما تقدم.
(مسألة 201): إذا تفرقت الثلاثة أيام أو أكثر في ضمن عشرة كان النقاء المتخلل بحكم الطهر، فتغتسل له وتصلي، وإن لم تفعل وجب عليها القضاء. نعم لا عبرة بفترات التقطع القصيرة التي تقتضيها طبيعة دم الحيض وتتعارف في النساء، سواء نزل الدم من الرحم لباطن الفرج أم لم ينزل، فإن الفترات المذكورة ما لم تكن منافية لاستمرار الحيض عرفاً تكون بحكم الحيض.
(مسألة 202): أقل الطهر بين حيضتين عشرة أيام، فكل دم تراه المرأة قبل إكمال عشرة أيام من الحيض الأول فهو ليس من الحيض.
(مسألة 203): كل دم تراه المرأة تحكم عليه بأنه حيض إذا لم ينقص عن الثلاثة أيام ولم يزد على العشرة، وكان بينه وبين الحيض السابق عشرة أيام، سواء كان بصفات الحيض الآتية أم لا.
نعم، يأتي الكلام في حكم الحامل وحكم الصفرة.
(مسألة 204): تصير المرأة ذات عادة باتفاق الحيض مرتين متواليتين في العدد والوقت أو في أحدهما. فإن اتفقا في الوقت والعدد فهي ذات عادة وقتية وعددية، كما لو رأت الدم في أول كل من الشهرين المتواليين سبعة أيام مثلاً. وإن اتفقا في الوقت دون العدد فهي ذات عادة وقتية لا عددية، كما لو رأت الدم في أول الشهر الأول خمسة أيام، وفي أول الشهر الثاني سبعة أيام مثلاً. وإن اتفقا في العدد دون الوقت فهي ذات عادة عددية فقط، كما لو رأت الدم في أول الشهر الأول خمسة أيام، وفي وسط الشهر الثاني خمسة أيام مثلاً. والمراد بالشهر هو الهلالي.
(مسألة 205): لا يزول حكم العادة باختلاف الحيض عنها في الشهور اللاحقة مهما طالت المدة ما دامت الشهور مختلفة فيما بينها. نعم تنقلب العادة باتفاق شهرين متعاقبين من دون فصل على وقت أو عدد مخالف لعادتها السابقة، فتنعقد عادتها على الوجه اللاحق ويكون العمل عليه.
(مسألة 206): الحيض يجتمع مع الحمل حتى مع استبانته وظهوره، فإن كانت المرأة ذات عادة وقتية تتحيض برؤية الدم في عادتها أو قبل عادتها بقليل ـ يوم أو يومين ـ أو بعد عادتها قبل مضي عشرين يوماً من أولها، هذا إذا كان أحمر، وأما إذا كان أصفر فالأحوط وجوباً أن تجمع بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة. وإن رأته بعد مضي عشرين يوماً من أول عادتها فلا تتحيض به وإن كان أحمر. وأما إذا لم تكن ذات عادة فإنها تتحيض بالدم إذا كان أحمر، ولا تتحيض به إذا كان أصفر.
(مسألة 207): لا يشترط في حيض الحامل بلوغ الدم ثلاثة أيام، بل يكفي بلوغه يوماً واحداً أو يومين. نعم لا يكفي ما دون ذلك.
(مسألة 208): الصفرة إن كانت سابقة على دم محكوم عليه بالحيضية بيومين فما دون يحكم عليها بأنها حيض، سواء كانت في العادة أم لا. وكذا إذا كانت متأخرة عنه بيومين فما دون متصلة به، بل وإن كانت منفصلة عنه في ضمن العشرة على الأحوط وجوباً. وإن تقدمت أو تأخرت عنه بأكثر من ذلك فهي ليست بحيض.
كما أنها في أيام العادة الوقتية أو قبلها بيومين يحكم عليها بأنها حيض، اتصلت بدم أو لم تتصل، بشرط بلوغها وحدها أو مع الدم ثلاثة أيام. وفيما عدا ذلك لا يحكم عليها بأنها حيض، سواء لم تكن المرأة ذات عادة أم كانت ذات عادة وتأخرت الصفرة عن العادة ولو قليلاً أو تقدمت أكثر من يومين.
(مسألة 209): المراد بالصفرة هنا وفي جميع المسائل الآتية هي السائل المختلط بالدم الذي يكون بسبب قلة الدم أحمر حمرة خفيفة كالصفرة. أما السائل الأصفر الذي لا تكون صفرته من الدم فهو طاهر لا يترتب عليه شيء.
(مسألة 210): هذه الصفرة إذا لم يحكم عليها بأنها حيض يجري عليها حكم الاستحاضة الآتي في محله.
(مسألة 211): إذا انقطع دم الحيض عن الخروج للظاهر واحتمل بقاؤه في باطن الفرج (المهبل) وجب الفحص والاستبراء، وذلك بأن تستدخل قطنة في باطن الفرج فإن خرجت ملوثة بالدم بقيت على التحيض، وإن خرجت نقية بنت على الطهر، وإن احتملت مع ذلك احتباس شيء في الرحم فلتقم وتلصق بطنها بحائط وترفع رجلها على حائط وتستدخل القطنة فإن خرج فيها شيء من الدم بقيت على التحيض، وإن خرجت نقية بنت على الطهر، ولا يجب المبادرة للاستبراء ليلاً، بل لها أن تنتظر به النهار وتبني على بقاء الحيض بدونه. ولو تعذر عليها الفحص ولو نهاراً فإنها تبقى على التحيض حتى تعلم بالنقاء.
(مسألة 212): إذا رأت المرأة الدم فتحيضت واستمر بها الدم فإن لم تكن ذات عادة عددية بقيت على التحيض به ما دام مستمراً، فإن انقطع قبل العشرة أو عند إكمالها بنت على الطهر ـ بعد الاستبراء الذي تقدم في المسألة السابقة ـ وجرى عليه حكمه، وإن استمر عملت بعد العشرة أعمال المستحاضة الآتية في المقصد الثالث.
وإن كانت ذات عادة عددية فإن انقطع الدم عند مضي عادتها بنت على الطهر بعد الاستبراء، وإن استمر بعد العادة جاز لها الاقتصار في التحيض على عادتها وتعمل بعدها أعمال المستحاضة. لكن يستحب لها الاستظهار، بل هو الأحوط استحباباً. وذلك بأن تبقى على التحيض يوماً أو يومين أو ثلاثة مخيرة بينها بل لها أن تستظهر حتى تتم لها عشرة أيام من حين رؤية الدم، فإن استمر بعد مضي مدة الاستظهار التي اختارتها تعمل أعمال المستحاضة.
(مسألة 213): إذا اقتصرت ذات العادة في المسألة السابقة على عادتها وعملت أعمال المستحاضة ثم انقطع الدم على العشرة أو قبلها لم ينكشف أن حيضها تمام العشرة، فلو كانت عادتها سبعة أيام مثلاً فاقتصرت عليها وقامت بعدها بأعمال المستحاضة وصلّت وصامت، فإذا انقطع الدم على العشرة أو قبلها لم يجب عليها قضاء الصوم الذي جاءت به بين أيام عادتها والعشرة.
وكذا إذا استظهرت بما لا يبلغ بها العشرة ـ كيوم أو يومين ـ ثم قامت بأعمال المستحاضة وصامت وصلّت ثم انقطع الدم على العشرة، فإنها لا تقضي الصوم الذي جاءت به بين أيام استظهارها والعشرة. كما أنها لو استظهرت بأي مقدار شاءت ثم تجاوز الدم العشرة لم ينكشف أن حيضها خصوص أيام العادة فلا يجب عليها قضاء الصلاة التي تركتها أيام الاستظهار.
(مسألة 214): إذا استمر الحيض بعد مدة الاستظهار في ذات العادة العددية وبعد العشرة في غير ذات العادة وعملت أعمال المستحاضة فإن انقطع بعد مدة قصيرة فلا إشكال، وإن استمر شهراً فما زاد فإن كانت ذات عادة وقتية وعددية اقتصرت عليها ولم تستظهر، وعملت بأحكام المستحاضة بعدها. لكن بشرط أن يمضي أقل الطهر بين آخر تحيضها وأيام عادتها، وإلا لم تتحيض في ذلك الدّور وانتظرت الدّور الثاني.
مثلاً: لو كانت عادتها من الخامس عشر من الشهر إلى العشرين منه ورأت الدم في الثالث من الشهر، فتحيضت إلى الثامن منه واستظهرت يومين، وبنت على الطهر وعملت أعمال المستحاضة من اليوم الحادي عشر، فليس لها أن تتحيض أيام عادتها من اليوم الخامس عشر، لعدم مضي أقل الطهر بين الحيضتين، بل تنتظر إلى الشهر اللاحق وتتحيض أيام عادتها، وتبقى على ذلك في كل شهر استمر به الدم.
(مسألة 215): من استمر بها الدم شهراً أو أكثر إن لم تكن لها عادة وقتية وعددية أو كانت ذات عادة وقتية وعددية ونسيتها ترجع للتمييز بأن تتحيض بالدم الواجد لصفات الحيض دون الفاقد لها، بل تعمل في الفاقد أعمال المستحاضة. هذا إذا كان الواجد للصفات واجداً لشروط الحيض الثلاثة المذكورة في المسائل المتقدمة من (198) إلى (202)، وهي أن لا يقل عن ثلاثة أيام ولو متفرقة في ضمن العشرة، وأن لا يزيد على عشرة من أوله لآخره، وأن لا يقل الفاقد للصفة ـ المحكوم بعدم كونه حيضاً ـ عن عشرة، لأن أقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام كما تقدم.
نعم، لا يضر تخلل الفاقد في ضمن حيضة واحدة وإن كان محكوماً بكونه استحاضة، كما لو كان الواجد لصفات الحيض متفرقاً في ضمن عشرة أيام يبلغ بمجموعه ثلاثة أيام أو يزيد عليها. كما لو رأت يومين بصفة الحيض ثم يومين فاقداً لها ثم يومين بصفة الحيض ثم يومين فاقداً لها ثم يومين بصفة الحيض، ثم استمر الفاقد لها. فإنها تجعل ما بصفة الحيض حيضة واحدة، والمتخلل بينه استحاضة، نظير النقاء المتخلل لحيضة واحدة، على ما تقدم في المسألة (201).
(مسألة 216): المعيار في صفات دم الحيض ـ التي عليها العمل في المسألة السابقة وبها يكون التمييز ـ يرجع إليها، على كون الدم شديد الحمرة بحيث يميل للسواد، وكونه حاراً يخرج بلذعة ودفع، فمع اجتماع هذه الصفات يحكم بحيضيته ومع عدمها أو عدم بعضها يحكم بكونه استحاضة.
(مسألة 217): من استمر بها الدم ـ الذي تتحيض في أوله ـ شهراً أو أكثر ولم تكن ذات عادة وقتية وعددية أو كانت لها ونسيتها إذا لم يمكنها الرجوع للتمييز وصفات الحيض ـ إما لعدمها أو لفقدها للشروط المتقدمة ـ رجعت إلى عادة أقاربها فتوافقها في العدد، وتستظهر بيوم فإن لم تعرف إلا عادة بعضهن عملت عليها، فإن اختلفن أو جهلت عادتهن تحيضت بالعدد فتختار أي عدد شاءت من الثلاثة إلى العشرة. وإن كان الأولى اختيار السبعة.
(مسألة 218): المراد من الأقارب الأم والجدتان والأخوات والعمات والخالات القريبات وبناتهن. ولا يضر موتهن.
(مسألة 219): الدم المتقطع على صور:
الاُولى: أن يتم له بمجموعه ثلاثة أيام فما فوق ويقع كله في ضمن عشرة أيام. كما لو رأت يومين أو ثلاثة دماً ثم انقطع يومين ثم رأت يومين دماً وانقطع يوماً ثم رأت يوماً دماً وانقطع. وحكمه البناء على كون الدماء حيضاً واحداً. ويكون النقاء بحكم الطهر، على ما تقدم في المسألة (201).
الثانية: أن يتم لكل دم ـ متصلاً أو متفرقاً في ضمن عشرة ـ ثلاثة أيام فما فوق ويفصل بين مجموعتين من الدم عشرة أيام، كما لو رأت خمسة أيام دماً ثم انقطع عشرة أيام ثم رأت خمسة أيام اُخرى دماً، أو رأت ثلاثة أيام أو يومين دماً وانقطع يوماً ثم رأت يومين دماً وانقطع عشرة أيام ثم رأت ستة أيام دماً متصلة أو منفصلة بيوم. وحكمه البناء على أن مجموع الدم الذي قبل عشرة النقاء حيض واحد، ومجموع الدم الذي بعد عشرة النقاء حيض آخر، من دون فرق بين ما يقع في أيام العادة الوقتية وما يقع في غيرها، ولا بين ما يكون بصفات الحيض المتقدمة في المسألة (216) وما يكون فاقداً لها. نعم تقدم الكلام في حكم الصفرة في المسألة (208).
الثالثة: أن لا يتم لشيء من الدم ـ مجتمعاً أو متفرقاً في ضمن عشرة أيام ـ أقل الحيض، وهو ثلاثة أيام، كما لو رأت يومين دماً ثم انقطع عشرة أيام وهكذا، أو رأت يوماً دماً وانقطع يوماً ثم رجع يوماً ثم انقطع عشرة أيام، ثم رأت الدم يوماً وانقطع يوماً ثم رجع يوماً وانقطع عشرة أيام، وهكذا. وحكمها البناء على عدم الحيضية في جميع الدماء مهما تكررت على النحو المذكور.
الرابعة: أن يتم لشيء من الدم ـ مجتمعاً أو متفرقاً في ضمن عشرة أيام ـ أقل الحيض إلا أنه لا يفصل بين المجموعتين أقل الطهر الذي هو عشرة أيام، كما لو رأت الدم سبعة أيام وانقطع سبعة أيام وعاد سبعة أيام وانقطع سبعة أيام وهكذا. أو رأت الدم ثلاثة أيام وانقطع يومين وعاد ثلاثة أيام وانقطع ثمانية أيام ثم عاد ثلاثة أيام وانقطع يومين وعاد ثلاثة أيام وانقطع سبعة أيام ثم عاد ثلاثة أيام وهكذا من دون أن يتم انقطاعه عشرة أيام، وحكمها التحيض بالدم الحاصل في العشرة الاُولى دون الدم الثاني، بل لا تتحيض بعد ذلك إلا بعد مضي أقل الطهر ـ وهو عشرة أيام ـ فإذا استمرت على ذلك شهراً رجعت إلى وظائف مستمرة الدم المتقدمة في المسائل السابقة من المسألة (214) حتى المسألة (217).
(مسألة 220): إذا انقطع الدم لدون العشرة ثم عاد قبل مضي عشرة أيام من حين رؤية الدم الأول، فإن لم تكن ذات عادة عددية تحيضت بالأول والثاني حتى تمضي العشرة، فإن انقطع وإلا عملت بعد العشرة أعمال المستحاضة. وكذا إذا كانت ذات عادة عددية على الأحوط وجوباً.
(مسألة 221): ما تراه المرأة قبل مضي أقل الطهر من حيضها ـ وهو عشرة أيام ـ يحكم عليه بأنه استحاضة، فإن استمر مدة طويلة فإن كانت ذات عادة وقتية وعددية تحيضت أيام عادتها، وإلا رجعت للتمييز بالصفات المتقدمة في المسألة (216)، فإن تعذر رجوعها للتمييز ـ لعدم مطابقته لشروط الحيض ـ رجعت بعد مضي شهر من رؤية الدم لعادة أقاربها، فإن اختلفن أو فقدن تحيضت بالعدد بين الثلاثة إلى العشرة، على ما تقدم توضيحه في المسائل السابقة.