الفصل الثاني

في أجزاء الوضوء

الوضوء عبارة عن غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين، فيقع الكلام في اُمور:

الأول: يجب غسل الوجه، وحده طولاً ما بين منبت شعر الرأس وأسفل الوجه، وهو طرف الذقن، وحده عرضاً ما دارت عليه الإبهام والإصبع الوسطى. والأحوط وجوباً غسل شيء مما خرج عن الحد لإحراز استيعاب الغسل لما دخل في الحد.

(مسألة 60): الأحوط وجوباً الابتداء من أعلى الوجه نازلاً إلى أسفله، وعدم الاجتزاء بالغسل منكوساً. نعم لا يجب التدقيق في ذلك، بل يكتفى بصدق الغسل من الأعلى للأسفل عرفاً.

(مسألة 61): غير مستوي الخلقة ـ لكبر الوجه أو لصغره أو لطول الأصابع أو قصرها ـ يرجع إلى متعارف الخلقة، فيغسل من أطراف الوجه ما يغسله متعارف الخلقة. وكذا الأغم الذي ينبت الشعر على جبهته والأصلع، فإنهما يغسلان طولاً ما يغسله متعارف الخلقة.

(مسألة 62): إذا أحاط الشعر بموضع من البشرة وسترها ـ كاللحية والشارب والحاجبين ـ لم يجب البحث عن البشرة وإيصال الماء إليها، بل يكفي جريان الماء على الشعر الظاهر. وإذا كان الشعر غير ساتر للبشرة ـ كالشعرات المتفرقة والشعر الرقيق ـ لم يجب غسله ووجب غسل البشرة لا غير، فلو كان على الشعر المذكور حاجب يمنع من وصول الماء إليه ولا يمنع من وصول الماء للبشرة لم يجب رفعه ولا إزالة الشعر المذكور.

(مسألة 63): إنما يجب في الوضوء غسل الظاهر، الذي يصله الماء بإجرائه عليه ـ ولو بمعونة اليد ونحوها ـ من دون حاجة إلى بحث وعناية، ولا يجب غسل الباطن كباطن الأنف والفم، وكذا مثل ثقبة الأنف التي تجعل فيها الحلقة إلا أن تكون ظاهرة يصلها الماء بإجرائه وبإمرار اليد من دون عناية، وكذا لا يجب غسل باطن العين ومطبق الجفنين والشفتين.

(مسألة 64): لو شك في شيء أنه من الظاهر أو من الباطن وجب غسله.

(مسألة 65): الشعر النابت خارج الحد إذا تدلّى على ما دخل في الحد لا يجب غسله، بل يجب غسل ما تحته لا غير. كما أن الشعر النابت في الحد إذا استرسل وخرج عن الحد ـ كشعر اللحية ـ لم يجب غسل المقدار الخارج منه عن الحد، وأما الداخل في الحد فإن ستر البشرة وجب غسله، وإن لم يسترها وجب غسل البشرة على ما تقدم في المسألة (62).

(مسألة 66): يجب التأكد من استيعاب الوجه بالغسل بملاحظة الأماكن التي قد تتعرض لوجود الحاجب المانع من وصول الماء للبشرة، كأطراف العينين التي قد يتجمع فيها من آثار الدمع ما يكون مانعاً فيجب إزالته، وكذا كلما شك في وجود المانع أو علم بوجود شيء وشك في مانعيته فإنه يجب الفحص عنه والعلم بإيصال الماء للبشرة في موضعه.

(مسألة 67): تجب إزالة الصبغ والدهن ونحوهما مما يوضع للزينة أو التداوي أو غيرهما إن كان له جرم يمنع من وصول الماء للبشرة، وإن لم يكن كذلك للطافته ورقته أو لنفوذ الماء فيه لا يجب إزالته، بل يجتزأ بالغسل مع بقائه. وكذا الحال في الوسخ.

الثاني: يجب غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع. والمراد بالمرفق هو مجمع عظمي الذراع والعضد، ويجب إدخاله في المغسول.

(مسألة 68): يجب في الغسل الابتداء من المرفقين نازلاً إلى أطراف الأصابع بحيث يحصل الترتيب بالنحو المذكور عرفاً، ولا يجوز النكس.

(مسألة 69): إذا قطعت اليد فإن بقي منها شيء مما يجب غسله قبل القطع وجب غسله، وإن لم يبق منه شيء فالأحوط وجوباً غسل ما بقي من العضد، وإن قطعت من الكتف سقط غسلها.

(مسألة 70): يجب غسل الزوائد النابتة دون المرفق مما يعد من توابع اليد كالإصبع واللحمة الزائدتين. وكذا الحال فيما يقطع من اليد أو الوجه إذا بقي معلقاً بجلدة، فإنه يجب غسله، ولا يجب فصله إذا أمكن.

(مسألة 71): الشقوق التي في اليد إن كانت معدودة من الظاهر وجب غسلها وإلا لم يجب، وكذا ما تحت الأظفار. وقد تقدم المعيار في الظاهر والباطن في المسألة (63) كما تقدم في المسألة (66) و(67) حكم المانع والطلاء ونحوه.

(مسألة 72): لا يجب الدلك في غسل الوضوء، بل يكفي وصول الماء واستيعابه للبشرة بنحو الترتيب المتقدم. فيكفي جعل العضو تحت الحنفية ونية الوضوء بجريان الماء من الأعلى للأسفل، كما يكفي جعله تحت المطر كذلك إذا استوعب العضو بتمامه وجرى الماء عليه بنحو الترتيب المتقدم.

(مسألة 73): يكفي غسل العضو بنحو الارتماس إما برمس العضو من الأعلى إلى الأسفل، أو برمسه بتمامه من دون نية الوضوء، وتبدأ نية الوضوء بنحو الترتيب بأحد وجهين:

الأول: بجريان الماء باتجاهه، فإذا كان اتجاه جريان النهر من الشمال إلى الجنوب وضع مبدأ العضو المغسول باتجاه الشمال وآخره باتجاه الجنوب ونوى الوضوء بجريان الماء عليه من أوله لآخره وانتظر حتى يمر الماء من أول العضو لآخره تدريجاً.

الثاني: بتحريك العضو في الماء بنحو يمر الماء من أوله لآخره تدريجاً. وكذا بإخراج العضو من الماء تدريجاً فيدخل اليد مثلاً ثم يخرجها من المرفق إلى أطراف الأصابع تدريجاً ناوياً الوضوء بالإخراج.

نعم، يشكل المسح باليد المغسولة بإجراء الماء أو برمسها، على ما يأتي في المسألة (76) بيانه إن شاء الله تعالى.

الثالث: يجب مسح مقدم الرأس. وحده طولاً من أعلى الرأس إلى قصاص الشعر وعرضاً ما يوازي الجبهة.

(مسألة 74): المقدار الذي يجب مسحه من المقدم هو المسمى، فيكفي المسح بإصبع واحدة قليلاً. نعم الأحوط استحباباً أن يكون بعرض ثلاث أصابع وطول إصبع.

(مسألة 75): الأحوط وجوباً المسح بباطن الكف اليمنى، فلو تعذر فالأحوط وجوباً المسح بظاهرها، فإن تعذر فالأحوط وجوباً المسح بباطن الذراع، فإن تعذر فبظاهره. ومع تعذر المسح باليمنى يمسح باليسرى على الترتيب المتقدم.

(مسألة 76): يجب المسح بما تبقى في اليد من بلة غسل الوضوء، ولا يجوز أخذ ماء جديد والمسح به. كما أن الأحوط وجوباً عدم اختلاط بلة اليد بغير ماء الوضوء بحيث يكون المسح بهما معاً. بل الأحوط وجوباً أيضاً عدم اختلاط بلة اليد بماء بقية الأعضاء بعد إكمال الغسل الوضوئي. نعم لا بأس بما هو المتعارف من الاستمرار في غسل اليسرى للاحتياط أو لتعود ذلك وإن استلزم اختلاط مائها بماء اليمنى.

ويترتب على ذلك أمران:

الأول: أن لا يكون على موضع المسح بلل كثير يختلط ببلة اليد بحيث يكون المسح عرفاً بالبلتين معاً. نعم لا بأس بالبلل القليل الذي يستهلك في بلة اليد، بحيث يكون المسح عرفاً ببلة اليد وحدها. وأولى بالجواز من ذلك ما إذا كان على موضع المسح رطوبة غير مسرية.

الثاني: أنه إذا كان غسل اليدين بإجراء الماء عليهما أو برمسهما في الماء فالغالب كثرة الماء الجاري بعد إكمال غسل اليد، أو نزول الماء من الذراعين للكفين حين إخراج اليد من الماء بعد رمسها فيه، وحينئذٍ يشكل المسح باليد لعدم كون بلتها من ماء الوضوء وحده.

ومن هنا يتعين لمن يتوضأ بإجراء الماء على العضو أو برمس العضو في الماء أن يستثني قسماً من اليد اليسرى فلا ينوي وضوءها بذلك، بل يستعين باليد اليمنى لإكمال غسلها. فإن تعذر ذلك ـ لشلل أو عضب أو نحوهما ـ تحفظ من كثرة الماء عند الوصول للكفين، فلا ينوي غسلهما بإجراء الماء عليهما أو بإخراجهما من الماء بعد الرمس، بل ينوي غسلهما بعد ذلك بماء قليل ولو بأن يبل قطعة من القماش وينوي غسل الكف بإمراره عليها. وبذلك يرتفع الإشكال الذي أشرنا إليه في آخر المسألة (73).

(مسألة 77): لو جف ما على اليد من البلل لعذر ـ من نسيان أو حرارة الهواء أو غيرهما ـ أخذ من بلة الوضوء في اللحية أو أشفار العين أو الحاجبين أو غيرها من مواضع تجمّع البلل، ولا بأس بالأخذ من اللحية حتى ما خرج منها عن الحد، كجانبي العارضين وما نزل عن الذقن.

(مسألة 78): لو كانت وظيفته المسح بباطن الكف مثلاً فجف ما عليه من البلل وبقي البلل على ظاهر الكف فالأحوط وجوباً الجمع بين المسح بظاهر الكف وأخذ البلل من بقية أعضاء الوضوء بباطنها والمسح به. وكذا الحال في بقية المراتب المتقدمة في المسألة (76) فمع جفاف البلل فيما هو متقدم رتبةً دون المتأخر يجمع المكلف بين المسح بالمتأخر رتبةً وأخذ البلل من بقية أعضاء الوضوء بباطن الكف والمسح به.

(مسألة 79): لو تعذر حفظ بلة الوضوء للمسح لحر أو نحوه فالأحوط وجوباً الجمع بين المسح بماء جديد والتيمم.

(مسألة 80): يجوز المسح بأي وجه اتفق ولو منكوساً أو منحرفاً أو عرضاً.

(مسألة 81): يجوز المسح على الشعر النابت في مقدم الرأس، لكن لابد من كون الموضع الممسوح منه هو ما لم يخرج عن المقدم، إما لكونه قصيراً لا يخرج عن المقدم، أو لكونه طويلاً مع كون المسح على أصوله غير الخارجة عن المقدم، أو مع التفافه وتجعده بحيث يكون مقتضى طبعه عدم خروجه عن المقدم حتى لو أمكن خروج موضع المسح عن المقدم بجره ومدّه بعناية.

نعم لا يجوز المسح على أطراف الشعر الخارجة عن المقدم. بل الأحوط وجوباً عدم المسح عليها حتى لو أرجعت إلى المقدم وقلبت عليه إذا لم يكن ذلك مقتضى وضعها الطبيعي.

(مسألة 82): لا يجوز المسح على الحائل وإن كان رقيقاً لا يمنع من وصول البلل لما تحته، ومع تعذر رفعه فالأحوط وجوباً المسح عليه وضم التيمم.

الرابع: يجب مسح ظاهر القدمين من أطراف الأصابع إلى الكعبين، وهما قبتا القدمين، وإن كان الأحوط استحباباً المسح إلى مفصل الساق. ويجزئ المسمى عرضاً ولو بقدر إصبع أو دونه. ويستحب المسح بتمام الكف.

(مسألة 83): الأحوط وجوباً مسح اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، مع تقديم اليمنى على اليسرى.

(مسألة 84): المقطوع منه بعض القدم يمسح الباقي مما دخل في الحد، ولو قطع من الكعب فالأحوط وجوباً مسح ما بقي من ظهر القدم.

(مسألة 85): يكفي المسح بإمرار اليد على القدم بالنحو المتعارف، من دون حاجة للتدقيق وإحراز وصول البلة للمواضع المتعرجة أو لما تحت الشعر.

(مسألة 86): لا يجوز المسح على الحائل إلا لبرد أو تقية من المخالفين.

(مسألة 87): يكفي في التقية الخوف على النفس أو المؤمنين من الضرر، بل يكفي فيها التحبب للمخالفين وحسن معاشرتهم ومخالطتهم تجنباً لشرهم ولو بلحاظ الأمد البعيد. نعم لا تشرع لمحض التزلف، كما إذا علموا مذهب أهل الحق في المسألة وعلموا بأن المكلف منهم ولم يكن من حالهم طلب متابعته لهم وترك ما يقتضيه مذهبه، فإنه لا تجزئ متابعتهم حينئذٍ بل قد تحرم تكليفاً، لما فيها من توهين مذهب أهل الحق.

(مسألة 88): إذا أمكن المكلف في مورد التقية أن يوهم من يتقي منه العمل على طبق التقية، مع إتيانه بالعمل التام في الواقع وجب ذلك، ولم يجزئه العمل على مقتضى التقية إذا التفت لذلك.

(مسألة 89): إذا دار الأمر في التقية بين المسح على الحائل وغسل الرجلين اختار الثاني. لكن لو غفل المكلف عن ذلك وتخيل انحصار التقية بالمسح على الحائل فمسح عليه أجزأه.

(مسألة 90): إذا غفل عن تحقق موضوع التقية فخالفها وأتى بالعمل التام صح وضوؤه، وكذا إذا التفت لذلك وكانت التقية غير واجبة باعتقاده. نعم إذا اعتقد وجوبها وتعمد مخالفتها عصياناً بطل وضوؤه.

(مسألة 91): يجوز مسح الرجلين تدريجاً بأن يضع كفه على الأصابع ويجرها إلى الكعبين، كما يجوز دفعة بأن يضع كفه ابتداءً على تمام موضع المسح من القدم ثم يجرها قليلاً، لكن الأولى الأول.

(مسألة 92): يجوز النكس في مسح الرجلين بأن يبتدئ من الكعب وينتهي بأطراف الأصابع. وأما المسح عرضاً ـ بأن يضع كفه على تمام موضع المسح ابتداءً ويمسحها إلى اليمين أو اليسار ـ فلا يخلو عن إشكال فالأحوط وجوباً تركه.

(مسألة 93): يكفي في غسل الوضوء إيصال اقل ما يصدق عليه الماء للعضو المغسول بحيث يستوعبه ولو بمعونة اليد وبمثل الدهن، ولا يجب تكثير الماء بحيث يجري على العضو المغسول لكثرته. نعم لا يكتفى بإيصال الرطوبة إذا لم يصدق عليها الماء. ويجري ذلك في الغسل بأقسامه عدا غسل الميت، كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى.