مقدمة

في بعض مسائل التقليد

يبلغ الإنسان الذكر مرتبة التكليف بأحد اُمور:

الأول: الإنبات، وهو ظهور الشعر الخشن على الوجه، أو في منطقة العانة، وهي فوق الذكر ومن جانبيه.

الثاني: خروج المني، سواء كان بالاحتلام أم بدونه ولو في حال اليقظة.

الثالث: إكمال خمس عشرة سنة قمرية.

أما الأنثى فتبلغ مرتبة التكليف بإكمال تسع سنين قمرية.

(مسألة 1): إذا بلغ الإنسان مرتبة التكليف ووجب عليه تطبيق أحكام الشريعة وتكاليفها على أعماله أمكنه تطبيقها بأحد وجوه:

الأول: الاجتهاد، بأن ينظر في أدلة الأحكام الشرعية ويعرف بنفسه الحكم منها ويعمل عليه. وهو لا يتيسر إلا لقليل من الناس.

الثاني: الاحتياط، بأن يتحفظ على التكليف في مورد احتماله، سواء قامت عليه حجة أم لم تقم.

فإن أفتى بعض المجتهدين بحرمة التدخين ـ مثلاً ـ وأفتى بعضهم بحليته يلتزم بترك التدخين لاحتمال حرمته. وإن أفتى بعضهم بوجوب تسبيحة واحدة في الصلاة، وأفتى بعضهم بوجوب ثلاث تسبيحات يلتزم بالإتيان بثلاث تسبيحات لاحتمال وجوبها. وإن أفتى بعضهم بوجوب القصر وأفتى بعضهم بوجوب التمام يلتزم بالجمع بين القصر والتمام لاحتمال وجوب كل منهما.

وهكذا كلما احتمل وجود التكليف يحتاط بموافقته. وهذا الطريق يتعذر أو يعسر في حق أكثر الناس.

(مسألة 2): الاحتياط..

تارة: يكون له جهة واحدة كالاحتياط بترك التدخين لو اختلف المجتهدون في حليته وحرمته.

واُخرى: يكون له أكثر من جهة واحدة، كالاحتياط في مورد الجنابة والحيض: فإن الجنب يجب عليه الغسل ويجزئه عن الوضوء، ففي مورد الاحتياط في الجنابة لا يتم الاحتياط إلا بالجمع بين الغسل والوضوء إذا كان محدثاً بالحدث الأصغر، ولا يجزئ فيه الغسل، وكذا الحائض فإن الاحتياط لها لا يتم إلا بالجمع بين واجبات الطاهر كالصلاة والصيام وتروك الحائض كترك دخول المسجد وتمكين الزوج من الوطء بإذنه وغير ذلك.

كما أن الاحتياط..

تارة: يتعلق بشخص واحد كما هو الغالب في العبادات كالطهارة والصوم والصلاة والمحرّمات كشرب العصير ونحوه.

واُخرى: يتعلق بأكثر من شخص، كما هو الغالب في المعاملات، فالاحتياط ببطلان البيع ـ مثلاً ـ قائم بالمشتري والبائع معاً. فلابد في الخروج عنه من اتفاقهما على تكرار عقد البيع بالوجه المعلوم الصحة، أو على التقايل وفسخ البيع المحتمل البطلان، ولا يكفي فيه العمل من أحدهما على احتمال بطلان البيع من دون رضا الآخر. وهذا أمر يلزم الالتفات إليه في جميع الاحتياطات الواردة في الرسالة.

الثالث: التقليد، بأن يرجع المكلف فيما لا يعرفه من الأحكام للمجتهد العالم بها الذي يأخذها من أدلتها الشرعية والعقلية المعتبرة، فيعمل بفتاواه فيها. وهذا الطريق هو المتيسر لعامة الناس.

(مسألة 3): يشترط في المجتهد الذي يصح تقليده اُمور:

الأول والثاني: الذكورة، وطهارة المولد، على الأحوط وجوباً.

الثالث: الإيمان، وهو الاعتقاد بإمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت (صلوات الله عليهم).

الرابع: العدالة بمرتبة عالية، بأن يكون على مرتبة من التقوى تمنعه عادة من مخالفة التكليف الشرعي ومن الوقوع في المعصية وإن كانت صغيرة، بحيث لو غلبته نوازع النفس ودواعي الشيطان ـ نادراً ـ فوقع في المعصية لأسرع للتوبة وأناب لله تعالى.

وأما العدالة المعتبرة في غير المقلَّد كإمام الجماعة والشاهد، فيكفي فيها التقوى المانعة من ارتكاب المعصية الكبيرة، ولا يقدح فيها ارتكاب المعصية الصغيرة من دون إصرار واستهوان.

(مسألة 4): إذا قلد مجتهداً فمات، وجب البقاء على تقليده إلى أن يظهر من الأحياء من هو أعلم منه بفارق ظاهر ومرتبة معتد بها. من دون فرق في ذلك بين المسائل التي عمل بها وغيرها، ولا بين المسائل التي يعلمها ويذكرها والمسائل التي لم يعلمها أو نسيها.

(مسألة 5): إذا اختلف المجتهدون في الفتوى، فإن كان أحدهم متفوقاً على الآخرين بمرتبة معتد بها وجب اختياره، ومع عدمه فالأحوط وجوباً العمل بأحوط الأقوال، ومع تعذر ذلك أو تعسره ـ كما هو الغالب ـ فاللازم اختيار الأعلم ولو بمرتبة ضعيفة، ومع التساوي بينهم يترجح الأورع، ومع عدمه يتخير بين المجتهدين، فيقلد أحدهم، ويعمل بفتاواه.

(مسألة 6): يثبت اجتهاد المجتهد وأعلميته وعدالته ـ بالنحو المتقدم ـ بالعلم الناشئ من المخالطة والاختبار أو من الشياع أو غيرهما. ومع عدمه يكفي فيه شهادة الثقة من أهل الخبرة، إذا استندت إلى الاختبار ونحوه مما يلحق بالحس، ولا يكفي استنادها للحدس والتخمين، ومع اختلاف أهل الخبرة تسقط شهادتهم.

(مسألة 7): إذا احتمل أعلمية بعض المجتهدين وجب الفحص عنه، فمع ثبوته بالعلم أو غيره مما تقدم في المسألة الخامسة يلزم اختياره، ومع عدم تيسر معرفته بالوجه المتقدم، فإن أمكن العمل بأحوط الأقوال تعين، ومع تعذره أو تعسره ـ كما هو الغالب ـ إن احتمل أعلمية شخص بعينه من دون أن يحتمل أعلمية غيره منه يتعين تقليده.

وإن كان احتمال الأعلمية لأكثر من شخص واحد تعين اختيار من يظن بأعلميته، ومع اختلاط الأمر وعدم تيسر الظن بأعلمية أحدهم يتعين اختيار الأورع، ومع عدمه يتخير بينهم، كما سبق في صورة التساوي.

(مسألة 8): إذا قلد مجتهداً ثم ظهر له أن تقليده لم يكن على الوجه الشرعي لزم العدول عنه وتقليد غيره على الوجه المطلوب شرعاً.

(مسألة 9): إذا بقي على تقليد الميت فاستجدت له بعض المسائل التي لا يستطيع معرفة فتوى الميت فيها وجب الرجوع فيها للحي، ومع اختلاف الأحياء يجري ما سبق من الترجيح والتخيير. وكذا لو كان مقلدا للحي وتعذر معرفة رأيه في بعض المسائل.

(مسألة 10): إذا قلد مجتهداً وعمل على رأيه مدة ثم عدل المجتهد عن رأيه اجتزأ المقلد بعمله السابق ولم يجب عليه قضاؤه في العبادات ونحوها مما يمكن فيه التدارك. وكذا لو عدل المقلد من مجتهد إلى آخر إذا كان تقليده الأول على الوجه الشرعي، أو على غير الوجه الشرعي غفلة من دون تقصير، وأما إذا ابتنى على التسامح والتقصير فهو كما لو عمل من غير تقليد، وسيأتي حكمه.

(مسألة 11): إذا عمل من غير تقليد مدة من الزمان فليس له الاجتزاء بعمله، بل لابد من الرجوع للمجتهد الجامع للشرائط فعلاً وعرض عمله السابق عليه، فإن أفتى له بصحته أو بعدم وجوب إعادته اجتزأ به، وإلا أعاد.

(مسألة 12): من لا يتيسر له الفحص عمن يجب تقليده وأخذ الحكم منه، لبعده عن مراكز الثقافة الدينية، أو لقلة إدراكه كبعض النساء والعوام إذا وثق ببعض المتدينين ـ من طلاب العلوم الدينية أو غيرهم ـ في اختيار من يقلده أو في تعيين حكمه الفعلي ليعمل عليه، فأرشده في أمره وعين له الحكم أو المجتهد الذي يقلده فعمل على ذلك كان كمن عمل عن تقليد صحيح، وتحمل الشخص الذي أرشده مسئولية عمله، فيجب عليه بذل الوسع واستكمال الفحص عن مقتضى الميزان الشرعي أداءً للأمانة، وإلا كان خائناً مسئولاً أمام الله تعالى.

(مسألة 13): الوكيل في العمل عن الغير يعمل على طبق تقليد موكله أو اجتهاده، إلا مع القرينة الخاصة على ابتناء الوكالة على خلاف ذلك، وكذا الحال في الوصي فإنه يعمل على طبق اجتهاد الموصي أو تقليده، إلا مع القرينة على خلاف ذلك. نعم مع الجهل بتقليد الموكل والموصي أو اجتهاده يجوز العمل على طبق اجتهاد الوكيل أو الوصي أو تقليدهما.

وأما الولي ـ المكلف بالقضاء عن الميت ـ فيعمل على طبق تقليده أو اجتهاده بنفسه وكذا المتبرع. وأما الأجير فلابد من اتفاقه مع المستأجر على كيفية العمل إلا مع الانصراف إلى وجه معين تبتني عليه الإجارة ضمناً.

(مسألة 14): الحاكم الشرعي هو المجتهد العادل، فإنه هو المنصوب من قبل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) للحكم والقضاء. فيجب الترافع إليه عند النزاع والتخاصم، وينفذ حكمه في فصل الخصومة، ولا يجوز رد حكمه، بل الراد عليه كالراد على الأئمة (عليهم السلام) الذي هو كالراد على الله تعالى وهو على حد الشرك بالله، كما في الحديث الشريف.

(مسألة 15): لا يجوز الترافع لغير الحاكم الشرعي، بل يحرم المال المأخوذ بحكم ذلك الشخص وإن كان الآخذ محقاً. نعم إذا علم صاحب الحق بثبوت حقه جاز له استنقاذه بالترافع لغير الحاكم الشرعي، بشرط تعذر الترافع عند الحاكم الشرعي إما للعجز عن الوصول إليه أو الخوف من ذلك أو امتناع من عليه الحق من الترافع عنده.

(مسألة 16): لا يجوز للمقلد التصدي للقضاء وفصل الخصومة حتى على طبق فتوى مقلده، ولا يجوز الترافع له والتحاكم عنده، ولا ينفذ حكمه.

نعم، يجوز له بيان حكم الواقعة على طبق تقليد المتخاصمين، فمع وثوقهما بصدقه ومعرفته يجب عليهما العمل بقوله.

(مسألة 17): إذا مات المجتهد انعزل وكيله في الاُمور العامة التي يرجع إليه فيها كتولي أموال القاصرين والأوقاف التي لا ولي لها وغير ذلك، بل لابد من تجديد وكالته من مجتهد عادل آخر.

(مسألة 18): الاحتياط في هذه الرسالة على قسمين:

الأول: الاحتياط الوجوبي، وهو الاحتياط الذي ليس معه فتوى بالسعة ويتخير المكلف بين العمل به والرجوع لمجتهد آخر، الأعلم فالأعلم مع الإمكان، على التفصيل المتقدم.

الثاني: الاحتياط الاستحبابي، وهو الاحتياط الذي معه فتوى بالسعة، كما لو قيل: يجوز كذا والأحوط استحباباً تركه. أو قيل: الأحوط استحباباً ترك الشيء الفلاني وإن كان الظاهر جواز فعله. ويحسن من المكلف العمل بالاحتياط المذكور وإن كان له تركه والعمل على السعة.

(مسألة 19): قد يرد الاحتياط الوجوبي في بعض المستحبات، كما إذا قيل: الأحوط وجوباً في سجود الشكر السجود على المساجد السبعة. والمراد بذلك: أن سجود الشكر وإن كان مستحباً يجوز تركه من أصله إلا أن من أراد الإتيان به لا يحرز صحته إلا بالسجود على المساجد السبعة، فلو سجد على الجبهة فقط جاز إلا انه لا يحرز مشروعية سجوده وتحقق وظيفة سجود الشكر المستحب به.

(مسألة 20): قد ترد في الرسالة العبارات التالية: الظاهر كذا، أو: الأظهر كذا، أو: لا يبعد كذا. والمراد بالجميع الفتوى بالأمر المذكور. كما قد ترد العبارة التالية، وهي: الأولى كذا، والمراد بذلك رجحان الأمر المذكور ـ ولو من غير جهة الشرع ـ من دون أن يكون لازماً.

(مسألة 21): إن كثيراً من المستحبات المذكورة في هذه الرسالة يبتني استحبابها على ذكر العلماء لها أو ورود بعض الأخبار بها وإن لم تكن معتبرة السند، فيحسن الإتيان بها برجاء المطلوبية، وكذا الحال في المكروهات، فيحسن الترك لها برجاء الكراهة، ولا يجوز في المقامين الجزم بالاستحباب والكراهة.

هذا، وقد ورد في الأخبار الكثيرة المعتبرة عن الأئمة (عليهم السلام) أن من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له أجر ذلك وإن لم يكن الأمر على ما بلغه، ومن هنا لا ينبغي الزهد في العمل من أجل ضعف الدليل على استحبابه، لأن المهم هو تحصيل الثواب. ومنه سبحانه نستمد العون والتوفيق.