[1]

بحـوث فقهية مهمّة



سماحة المرجع الدّيني
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي مُدَظله

[2]

[3]


[4]

[5]


تمهيد

لا نبالغ إذا قلنا أنّ الفقه الإسلامي من أغنى المصادر الحقوقية في العالم لأنّه:
من جهة يسترفد من منابع مترعة كالقرآن الكريم، والأحاديث الكثيرة، والإجماع والعقل ـ ومن جهة اُخرى إنّ الدين الإسلامي تصدّر الحكومة منذ عصر النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) مما ادّى إلى تفعيل روح السؤال ومواجهة سيل علامات الإستفهام في مختلف المجالات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والاخلاقية والإجابة عنها.
ومن جهة ثالثة كان تنوع المجتمعات الإسلامية وإمتداد الإسلام في منطقة جغرافية واسعة ومهمّة بدوره سبباً آخر في إثارة الأسئلة وتنوعها ممّا ادّى بالفقه الإسلامي الذي اندفع للإجابة عنها إلى ايجاد الحلول لما اشكل منها.
ومن جهة رابعة نلاحظ أنّ عدداً غفيراً من علماء الإسلام وفقهاء المسلمين بذلوا جهودهم العلمية طيلة 14 قرناً في هذا المجال، ولذا ليس غريباً أن يكون الفقه الإسلامي بملاحظة العوامل المذكورة آنفاً ثريّاً في آفاقه الحقوقية ومترعاً في أبعاده الفقهية وفي هذا الوسط يتجلى الفقه الشيعي أكثر من غيره.
ويقف مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في مقدمة المذاهب الإسلامية في هذا المجال لأنّه :
1 ـ فتح باب الإجتهاد أمام فقهاء الشيعة ممّا أعطاهم زخماً كثيراً في تطوير حركة الفقه الإسلامي ودفعهم نحو التعمق والدقة، أكثر فأكثر في مختلف الفروع والتأمل في أدلتها والتفكير في إيجاد براهين أقوى.
2 ـ لزوم تقليد المجتهد الحي وعدم جواز التقليد من المجتهد الميت ـ والذي هو مورد اتفاق علماء الشيعة تقريباً ـ أدى إلى أن يهتم فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) في كلّ

[6]

عصر وزمان بتنقيح المسائل الفقهية، وخاصّة المسائل المستحدثة منهم، والعثور على إجابات علمية مقنعة ومستدلّة، ولهذا نرى في كلّ يوم كتباً جديدة وابحاثاً موسّعة في هذا المجال ومنها الكتاب الحاضر الذي هو ثمار مجموعة نفيسة من 10 مسائل فقهية مهمّة أغلبها من المسائل المستحدثة.
وهذه المسائل بصورة خاصّة من المسائل المبتلى بها في العصر، وكلّ واحدة منها تعالج قضيّة مهمّة من قضايا المجتمع البشري بدقّة وعناية، وتجنب الاختصار المخل، والإسهاب الممل، رجاء أن يكون هذا الكتاب قد اسهم في إشباع الوسط الفقهي بما يحتاجه في منظومته الفقهية.
وفي الوقت نفسه فإنّنا نستقبل بما يجود به قرائح المفكرين وآراء المحققين لاثراء هذه البحوث ونسعى في ضمّها إلى هذه المجموعة فيما لو كانت في اطار معقول إن شاء الله.
ونرجو من العلّي القدير أن يجعلها ذخراً لآخرتنا ويعفو عن خطايانا.

والحمد لله ربّ العالمين

[7]


1 ـ حكـم الأضحيـة في العصر الحاضر


[8]

[9]


حكم الأضحيّة في العصر الحاضر

تمهيد
حينما تشرّفت بزيارة بيت الله الحرام لأوّل مرّة، ذهبت الى منى لأُشاهد عن قرب عمليّة نحر الأضاحي في المسلخ يوم العيد، فاذاً بي اُواجه مشهداً عجيباً،... الآلاف المؤلّفة من أشلاء الأنعام من الشياه والبقر والإبل قد غطّت أرض المسلخ بحيث كان من الصّعب اختراقها والعبور من خلالها، في حين كانت شمس الحجاز الحارقة تلهب بحرارتها وجه البسيطة، فيسرع العفن في ذلك الركام الهائل من الاضاحي، دون أن يستفيد منها أحد من النّاس لا سيّما المساكين.
وبادرت الحكومة السعودية ـ من أجل أن تمنع انتشار الأوبئة بين الحجيج بسبب تعفّن الأضاحي بعد نحرها ـ إلى دفنها رغم ما يتعرض هذا العمل من صعوبات.
وبعد أن اطّلعت على هذا الوضع سعيت بدوري للحصول على شاة صحيحة تتوفّر فيها المواصفات المطلوبة لهديها، فتمّ لي ذلك، وقدّمتها لبعض المساكين هناك، ولعلّهم أيضاً اكتفوا ببعض منها وتركوا الباقي.
كما لاحظت وجود عدد من الفقراء المعوزين الذين كانوا ينقلون أجزاءً من الأضاحي خارج المسلخ، ولكن لاتتجاوز نسبة ما يقتطعونه من الأضاحي في أحسن الأحوال عشرة بالمئة، فيتلف الباقي بالدفن أو الحرق!
وكما قلنا فانّ عملية الإتلاف لاتتمّ بسهولة، ولهذا قد تُنجز بشكل ناقص فيوجب تلوّث بيئة منى وتعفّنه يومي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة لاسيّما المناطق القريبة من المسلخ.

[10]

ولعلّ الكثير من الأفراد الذين يدخلون المسلخ ويشاهدون الوضع فيه يتساءلون في أنفسهم عن رأي الشرع المقدّس في هذه الظاهرة، وموقف الفقهاء ومراجع الدّين منها، وهل هي من المسائل المستحدثة، أم كانت بهذا الشكل منذ عصر المعصومين وفقهاء السلف؟
في تلك الفترة كنت من طلاب العلوم الدينية، وحديث عهد ببحوث الفقه الاستدلالي، وكنت مقلّداً في عدد من المسائل، ومنها مسائل الحج، فكانت وظيفتي الذبح ثمّ طرح الأضحية في محلّها، أو أن أقوم بعملية صورية في أخذ النيابة من الفقير ثمّ القبول من جانبه وتركها في نفس المحلّ.
ولكن بعد أن حصلت على قدرة أكثر في استنباط المسائل، استغرقت في الفكر وعزمت على ملاحظة أدلّة المسألة بالدقّة والتأملّ اللائقين، وعدم الاقتناع بمقولة الآخرين وممارساتهم العملية، خصوصاً بعد أن تعقّدت المسألة بانتقال جميع الأضحية من منى إلى خارجه مع أنّ من شروط صحة الأضحية عند فقهاء الشيعة كونها في منى، وعدم إجزاء ما يقع خارجها، ولذلك تفحّصت جميع روايات أبواب الذبح بدقّة وتدبّر، وتعمّقت في كلمات القوم وفتاوى الفقهاء الكرام واستدلالاتهم، وناقشت بعضهم، وسعيت لأن أجرّد ذهني من الخلفيات المعرفية حتّى أفتي في المسألة مع فراغ البال، وأستجلي الحقيقة من روافدها الشرعية وأدلّتها المعتبرة، ـ كما حصل للعلاّمة الحلّي(قدس سره) في حكمه بردم بئر داره، ثمّ الفحص عن أدلّة اعتصام ماء البئر، وفي النهاية أفتى بالإعتصام خلافاً لجميع من كانوا قبله ـ فانتبهت إلى أنّ مثل هذه الأضاحي ليست مجزية لوظيفة الحج، وعلى الحجّاج الإجتناب عنها والاحتياط بالإتيان بها في أيام ذي الحجّة في أوطانهم، أو مكان آخر.
ولهذا عزمت على اظهار ما ثبت لي من الدليل على هذه الفتوى مع أداء التكريم والاحترام لجميع المراجع والفقهاء العظام في فتاواهم، كيما ينفتح بذلك للباحثين باب بحث أكثر وفحص أبلغ حول هذه المسألة المهمّة.

[11]


المحور الأصل في المسألة

وقبل كلّ شيء لابدّ أن نعلم أنّ لمسألة الأضحية في زماننا هذا أربع حالات:
1 ـ إذا أمكن إيقاع الذبح في منى (أو في المذابح الموجودة اليوم مع عدم التمكن منه في منى) وصرف لحوم الأضاحي في مصارفها بحيث لايلزم الإتلاف والدفن والإحراق، فلا اشكال في تقدّمه على أيّ شيء آخر.
2 ـ إذا لم يوجد المستحقّون في منى، ولكن يمكن نقل اللحوم إلى خارج منى، أو إلى خارج المملكة السعودية بتجفيف اللحم، أو استخدام إحدى الوسائل لحفظه وتعبئته في علب تدرأ عنه الفساد، ثمّ صرفه للمستحقّين، يجب الذبح أيضاً في منى، ثمّ النقل إلى خارجها.
3 ـ إذا لم يمكن نقل اللحوم إلى خارج منى أو خارج الحجاز، وأمكن الذبح في مكان آخر داخل مكّة أو داخل الحرم وصرف اللحوم في مصارفها، وجب الذبح في ذلك المكان على الاحتياط اللازم.
4 ـ إذا استعصت الحالات الثلاثة السابقة، بحيث لم يبق أمامنا إلا الإتلاف أو الإحراق، يمكن القول بسقوط وجوب الذبح (لأنّ الواجب ليس مجرد إراقة الدم، بل مشروط في الكتاب والسنّة بصرفها في مصارفها، وحيث لايمكن تحصيل الشرط يسقط المشروط، كما سيأتي تفصيلا).
ولكن الأحوط وجوباً عزل ثمنها، ثمّ الإتيان بسائر المناسك، ثمّ الذبح في الوطن أو محل آخر بعد الرجوع في شهر ذي الحجة، والأولى في صورة الإمكان، التنسيق والاتفاق مع بعض الأهل والأصدقاء للذبح يوم الأضحى في الوطن ـ لكي يصرف لحم الذبيحة في مصارفها ـ والتقصير بعده (لكن هذا ليس بواجب لأنّه يوجب العسر والحرج على كثير من الحجاج).
والدليل على ذلك (أي وجوب الذبح في غير منى في هذه الحالة) اُمور أربعة:

* * *

[12]


الأوّل: ليس الواجب في الهدي مجرّد إراقة الدّم


المستفاد من ظاهر الآيات الواردة في حكم الأضحية في القرآن الكريم أنّ الأضحية المطلوبة في الشريعة الإسلامية هي ما يصرف لحومها للفقراء والمساكين لا مجرّد إراقة الدّم، قال الله تبارك وتعالى:
(والبُدنَ جَعَلنَاها لَكُم مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُم فِيها خَيرٌ فَاذْكُرُوا اسمَ اللهَ عَلَيها صَوَافَّ فَإذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأطْعِمُوا القَانِعَ وَالمُعْتَرَّ)(1).
فالمستفاد من هذه الآية ـ خصوصاً بقرينة الفاء (فكلوا...) ـ جعل الأضحية في سبيل الإطعام، ولزوم استفادة المضحّي والقانع والمعترّ (القانعون من الفقراء والمعترّون منهم) من لحومها، ومن الواضح أنّ الآية ليست ناظرة إلى الموارد التي لا يأكل منها المضحّون والقانعون والمعترّون، بل تلتهمها حفر الأرض ومصاهر النار!
إن قيل: لعلّ مفهوم قوله تعالى بعد الآية المزبورة: (لَنْ يَنَالُ اللهَ لُحُومُهَا وِلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقوَى)(2) عدم موضوعية المصرف، وأنّ المهم إنّما هو التقوى والنيّات الخالصة حين الذبح، وبعبارة اُخرى: لإراقة الدم موضوعيّة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحج: 36.
(2) الحج: 37.

[13]

قلنا: لازم هذا الاستنباط عدم لزوم إراقة الدم، وعدم وجوب الأضحية أيضاً (لأنّها تقول: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤُها)) وهو خلاف المطلوب، فالصحيح أن يقال: إن المقصود في الآية الشريفة أنّ قيمة إراقة الدم وصرف المضحّي لحومهالنفسه ولغيره، انّما هي في ما إذا كانت الأضحية ملازمة لقصد القربة وخلوص النيّة، فهو نظير ما إذا قلنا: إنّ قيامكم أو قعودكم في الصلاة ليس بمهمّ، إنّما المهم هو إخلاص النية وقصد التقرب إلى الله تعالى. ونظير الآية المزبورة (أي قوله: (والبدن جعلناها لكم ...)) في الدلالة على لزوم الصرف وموضوعية الاستفادة من اللحوم آية اخرى من سورة الحج وهي:
(وأذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ ... لِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم وَيَذْكُرُوا اسمَ اللهِ فِي أيَّام مَعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُم مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكَلُوا مِنْها وَأطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ)(1).
حيث إنّه لو سلمنا أنّ صيغة «كلوا» في هذه الآية في مقام دفع توهّم الحظر من أكل المضحيّ (ولازمه عدم دلالتها على الوجوب كما قال به الكثير من الفقهاء والمفسرين) فلا اشكال في دلالة «أطعموا» على وجوب صرف اللحوم في الفقراء، كما تدلّ عليه الروايات الواردة في أبواب الذبح أيضاً، وأنّه أمر واجب بعد الذبح مرتبط به لا ينفك عنه بحسب ظاهر الآيات، بل الذبح مقدّمة له.

دفع شبهة تعدّد المطلوب

إن قيل: لعلّ المسألة من قبيل تعدّد المطلوب، فكانت إراقة الدم في منى أمراً مطلوباً، وصرف اللحوم في المصارف المنصوصة مطلوباً آخر، فاذا لم يقدر المكلّف
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحج : 27 ـ 28.

[14]

على إتيان أحدهما (وهو صرف اللحوم) لم يسقط الآخر، وهو إراقة الدم في منى.
قلنا: ظاهر الأمر في الآية الشريفة هو وحدة المطلوب، لأنّ تعدّد المطلوب يحتاج إلى قرينة، وهي مفقودة في المقام، بل القرينة قائمة على خلافه; لظاهر التفريع بالفاء.
وبالجملة: على مدّعي التعدّد تقديم القرينة; مضافاً إلى ما سيأتي من عدم سبق إراقة الدم بدون صرف اللحوم في عصر نزول القرآن وأعصار المعصومين (عليهم السلام) حتى يدّعى التعدّد، فإنّ تعدّد المطلوب يرجع إلى نوع من الإطلاق وشمول الدليل، والإطلاق بالنسبة إلى مصداق، فرع وجود ذلك المصداق كما أشرنا إليه سابقاً.

مقتضى صناعة الفقه

إن قيل: لازم وحدة المطلوب سقوط الهدي مطلقاً، فإنّ المطلوب الواحد ينتفي بانتفاء قيده، وهو في المقام وقوع الهدي في منى أوّلا، وصرفه في الفقراء ثانياً، فانتفاء الأوّل بانتقال المذبح إلى خارج منى، وانتفاء الثاني بإعدام اللحوم بالدفن أو الحرق، يوجبان انتفاء أصل الهدي وسقوطه عن الوجوب.
قلنا: هذا وإن كان محتملا بحسب صناعة الفقه، ولكنّه مخالف للاحتياط قطعاً، خصوصاً بعد ملاحظة عدم إسقاط الشارع المقدّس الهدي في مورد من الموارد، حتى بالنسبة إلى من لم يجد ثمن الهدي، فأوجب عليه بدل الهدي الصيام ثلاثة أيام متوالية في الحج وسبعة بعد الرجوع إلى أهله. وفيما نحن فيه حيث إنّه واجد لثمن الهدي، ودليل الصيام مختص بمن لم يجد، فلا أقلّ من أنّ مقتضى الاحتياط إتيان الهدي في محلّ آخر كما مرّ، لا سيّما أنّ الهدي قد يقع في مكان آخر غير منى وفي أيّام اُخرى كما في المصدود، وهو المنصوص كما سيأتي الكلام فيه إن شاء الله، فهنا لا ينتفي المقيّد إذا انتفى القيد.

[15]

وبعبارة اُخرى: لعلّ عدم سقوط الهدي في جميع الموارد يمكن أن يكون دليلا على أنّه إذا لم يمكن الهدي في منى وجب إتيانه في محلّ آخر إلاّ إذا لم يكن واجداً للثمن، فيأتي ببدله وهو الصيام.
إن قيل: إتيان الهدي بالقيدين المذكورين (وقوع الذبح في منى وصرف لحوم الهدي) معاً متعذّر غالباً في الظروف الحالية، فلابدّ من ترك أحدهما والإتيان بالآخر، فإمّا أن يأتي بالهدي في منى مع عدم صرف لحومها، أو يترك الهدي في منى ويأتي به في خارجه، مع صرف اللحوم في مصارفها وترجيح أحد القيدين على الآخر محتاج إلى دليل، ولا دليل على تقديم الصورة الثانية على الصورة الاولى.
قلنا: أوّلا: جميع المذابح في يومنا هذا خارجة عن منى، فوقوع الذبح في منى أيضاً متعذّر، وثانياً: ليس القيدان على حدّ سواء، فإنّ صرف اللحوم في مصارفها من أركان الهدي في نظر العرف وأهل الشرع، ومن البعيد جداً أن يكون لمجرّد إراقة الدم موضوعيّة، سيّما إذا أدّى ذلك إلى الإسراف أو التبذير الحرام في رأي الشارع المقدّس، وسيأتي شرحه في المباحث اللاحقة.
وحينئذ فإنّ ترجيح أحد القيدين على الآخر ـ أي إيقاع الهدي خارج منى وصرف اللحوم في مصارفها ـ ليس من قبيل الترجيح بلا مرجّح.
وممّا يدلّ على ذلك (دلالةً قويّةً) ما ورد بطريقين مختلفين في أبواب الذبح عن الامام الصادق(عليه السلام) عن آبائه عن جدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «انّما جعل هذا الأضحى لتشبع مساكينكم من اللحم فأطعموهم»(1).
وإذا تأملّت في هذه الرواية علمت أنّ الأضاحي التي تؤتى بها في الحج حالياً (ولا تصرف لإطعام الفقراء وإشباعهم) خارجة عن نطاق أوامر الشرع!
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : الباب 60 من أبواب الذبح، ح 10 و 4.

[16]

والرواية وان أدرَجَها صاحب الوسائل في أبواب الأضحية المستحبّة، ولكن مفادها عام يشمل الجميع.

دفع شبهة مطلوبية مجرّد إراقة الدم

إن قيل: هناك روايات تدل على مطلوبية مجرد إراقة الدم، مثل ما رواه شريح ابن هاني عن علي(عليه السلام) أنّه قال:
«لو علم الناس ما في الأضحية لاستدانوا وضحّوا، إنّه ليغفر لصاحب الأضحية عند أوّل قطرة تقطر من دمها»(1) ومارواه بشر بن زيد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)لفاطمة (عليها السلام): «اشهدي ذبح ذبيحتك، فإنّ أول قطرة منها يغفر الله بها كلّ خطيئة عليك إلى أن قال هذا للمسلمين عامّة»(2).
قلنا: التمسّك بمثل هذه الرّوايات لمطلوبية مجرّد إراقة الدم واعتبار الموضوعية لها، كما ترى، لأنّ كلّ من ألمّ بفنون الكلام عرف أنّ مثل هذا التعبير كناية عن سرعة أثر الأضحية للمضحّي بلا فصل ومن دون مهملة، كمن يريد بيان فضيلة الجهاد، فيقول: «يغفر الله للمجاهد بأوّل خطوة يضعها في طريق الجهاد في سبيل الله» أي أنّ من يخرج من بيته قاصداً الجهاد في سبيل الله وإحياء أمر الله يسرع إليه غفران الله بأوّل خطوة يخطوها، لا أنّ المطلوب من الجهاد يحصل بأوّل الخطوة.
وهكذا ما نحن فيه، فكأنّ الامام (عليه السلام) قال: «من ذبح ذبيحته في سبيل الله لإشباع المساكين وإطعامهم فإنّه ينال غفران الله عند أوّل قطرة تقطر من دمها». فمثل هذه العبارة لا تشمل من أقدم على الأضحية لأن يشبع بها حفر الأرض ومصاهر النار،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الوسائل : الباب 64 من أبواب الذبح، حديث 2.
(2) راجع الوسائل : الباب 36 من أبواب الذبح، حديث 4.

[17]

ويعلم بعدم إطعام المساكين منها، بل تحرق أو تدفن، خصوصاً بعد ملاحظة ما مرّ من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنّما جعل الله هذا الأضحى لتشبع مساكينكم من اللحم فأطعموهم»(1) فالرسول الذي ينطق بمثل هذا البيان كيف يأمر اُمّته بإهراق دماء الأضاحي ولو لم يترتب عليه الإشباع والإطعام.
وبما ذكرنا يظهر الجواب عن التمسك بروايات تعبّر عن الهدي بالدّم، فإنّ «الدّم» أو «إهراق الدّم» (نظير ماورد في قوله (صلى الله عليه وآله): «ما أنفق الناس نفقة أعظم من دم يهراق في هذا اليوم»(2) وقول الصادق(عليه السلام) في رجلين اقتتلا وهما محرمان: «على كلّ واحد منهما دم»)(3) كناية عن الهدي وعظمته، لا على عظمة إراقة الدّم ولو بلغ ما بلغ، فإنّه نظير ما إذا قلنا في محاورتنا اليومية لمن نجا ولده من خطر السقوط والموت مثلا، أو نجا هو وأهل بيته من حادثة سيّارة في الطريق: «عليه إهراق الدم»، فمن الواضح أنّه كناية عن إطعام المساكين من لحمها في سبيل الله، لا مجرّد إهراق الدّم مطلقاً وإن لم يصرف من لحمها في سبيل الله.

قياس الهدي بالطواف والسعي

إن قيل: هل وجدتم في لسان الروايات مورداً أمر الشارع فيه بإيقاع الهدي خارج منى؟ أليس هذا من قبيل الإتيان بالطواف أو السعي في غير مكّة؟
قلنا: توجد موارد عديدة في روايات الباب توجب إيقاع الهدي خارج منى، فليس الهدي كالطواف والسعي القائمين بمكان معيّن :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : الباب 60 من أبواب الذبح، حديث 4 و 10.
(2) جامع أحاديث الشيعة : ج 12، ص 31.
(3) الوسائل: أبواب بقية كفارات الإحرام، الباب 17، حديث 1.

[18]

منها: المصدود ـ وهو من أتى بهدي، ومنع من الدخول في الحرم أو مكّة ـ إذا ساق هدياً، فالروايات وفتاوى المشهور من الفقهاء العظام متّفقة على وجوب ذبحه في نفس محلّ الصدّ، فلو كان الهدي في غير منى كالطواف في غير مكّة، سقط وجوب الهدي(1).
ومنها: رجل ساق الهدي، فعطب في موضع لا يقدر على من يتصدّق به عليه، فعليه أن ينحره أو يذبحه ويكتب كتاباً أنّه هدي، ويضعه عليه ليعلم من مرّ به أنّه صدقة، ويأكل من لحمها إن أراد(2).
فهذه الروايات تدل أبلغ دلالة، أوّلا: على جواز الهدي خارج منى في موارد الضرورة. وثانياً: على لزوم السعي في صرف لحمه إلى المستحقّين ابتداءً، وفي صورة عدم حضور المستحقّين ينصب علامة تدلّ على أنّه هدي وصدقة يجوز للمؤمنين والمستحقّين الأكل منه.
إن قيل: ألا يمكن هذا في مذابح منى في يومنا هذا، أي يكتب كتاباً وينصب على الأضاحي حتى ينتفع منها المستحقّون؟
قلنا: المفروض في المقام عدم وجود المستحقّ مطلقاً، بحيث لا محيص عن دفنها أو إحراقها كما نشاهده في كلّ عام، ومن المعلوم لغويّة الكتابة والنصب في هذه الحالة.
نعم لو وجدنا مستحقّين في منى ـ ولو بالنسبة إلى بعض الأضاحي ـ يجب ذبحها (ذبح البعض) في منى أو قريب منها مع التعذر فيها على الأحوط، ولكن حيث تذبح الأضاحي بمقدار المستحقّين بفتوى الآخرين يسقط الذبح عنا في الحال الحاضر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الوسائل : الباب 6 من أبواب الإحصار والصدّ.
(2) راجع الوسائل : الباب 31 من أبواب الذبح.

[19]


توهّم لزوم البدعة

وقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ ما قد يقال: من أنّ الذبح خارج منى (كالذبح في الوطن أو مكان آخر) بدعة وأمر جديد، كلام بلا أساس.
فقد ظهر أوّلا: وجود موارد أمر الشارع فيها بإيقاع الهدي خارج منى.
وثانياً: إنّ الأضاحي التي تؤتى بها في ايّامنا هذه، خارجة عن نطاق أوامر الشرع (لمكان اللام في قوله(عليه السلام): «لتشبع مساكينكم...» وفاء التفريع في الآية الكريمة (فاذا وجبت جنوبها...)) بل لعل إيقاع الهدي خارج المذبح في يومنا هذا، مع عدم إشباع المساكين وإطعامهم بدعة وأمر جديد، لم يسبق له في الشرع وفي أزمان المعصومين مثل ولانظير.
وثالثاً: إنّ الحكم بايقاع الهدي في الوطن أو مكان آخر مبنيّ على مجرد الإحتياط، والاّ فمقتضى الصناعة احتمال سقوط الهدي من رأس كما مرّ مراراً، ولامعنى لأن يكون الحكم المبنيّ على مجرّد الإحتياط بدعة، بل لعل ذبح الأضاحي ودفنها أشبه بالبدعة، والله العالم.

* * *

[20]


الثاني: عدم شمول أدلّة الأضحية للمصاديق الموجودة في العصر الحاضر


لا إشكال في أنّ مسألة الأضحية بشكلها الحالي من المسائل المستحدثة التي لا سابق لها في عصر النبي(صلى الله عليه وآله)والأئمة(عليهم السلام)، وذلك لقلّة عدد الحجاج يومذاك وكثرة المستحقّين، بحيث كانت اللحوم تصرف جميعها في أيّام الحج، ولعل بداية الوضع الفعلي قد تحصلت في القرن الأخير، ولذلك يخبر المعمّرون منّا أنّ لحوم الأضاحي كانت تصرف بسرعة في منى وخارجها. وبهذا يظهر أنّ وجه عدم طرح هذه المسألة في كتب الفقهاء السابقين إنّما هو عدم ابتلائهم بها.
والمستفاد من آيات الأضحية تقيّد موضوع الهدي بصرف اللحوم في مصارفها، واستهداف الصرف في الواجب الشرعي يعني المقوّمية له كما مرّ.
والمستفاد من الروايات أيضاً أنّ صرف لحوم الأضاحي كانت تصرف بتمامها في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) في الأيّام الاُولى بعد الذبح، بحيث نهى عن ادّخارها أكثر من ثلاثة أيّام; وذلك لكثرة المستحقّين في ذلك العصر:
منها: ما رواه محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)قال:
«كان النبي (صلى الله عليه وآله)نهى أن تحبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيّام من أجل الحاجة، فامّا اليوم فلا بأس به»(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : الباب 41 من أبواب الذبح، الحديث 4.

[21]

ومثله الحديث الثالث من نفس الباب عن محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) أيضاً قال:
«إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى أن تحبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيّام».
ومنها: ما رواه ابو الصلاح عن الصادق (عليه السلام) وحنان بن سدير عنه أيضاً قال:
«نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، ثمّ أذن فيها وقال: كلوا من لحوم الأضاحي بعد ذلك وادّخروا»(1).
فيستفاد من جميع هذه الروايات وروايات اخرى صرف اللحوم بتمامها في تلك الأيّام أو جعلها على الأقل بصورة القديد لادّخارها لأيّام اخر (وكان الادّخار ممنوعاً في بداية الأمر لكثرة المحتاجين ثمّ أذن فيه). بل يستفاد منها منع إخراج اللحوم من منى لكثرة أرباب الحاجة إليها، نعم بعد أن كثرت اللحوم وقلّ المستحقّون أجيز نقلها إلى خارج منى والانتفاع بها.
ففي حديث محمّد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن إخراج لحوم الأضاحي من منى، فقال:
«كنّا نقول: لا يخرج منها شيء لحاجة النّاس إليه، فأمّا اليوم فقد كثر النّاس فلا بأس بإخراجه»(2).
كما أنّ مدلول مجموع هذه الروايات صرف لحوم الأضاحي في أعصار الأئمة المعصومين (عليهم السلام) أيضاً، إمّا في الأيام الاُولى من الحج في منى، أو في أيّام اُخر في مكة أو خارج مكة، وأمّا ما نشاهده اليوم من دفنها أو إحراقها فهو أمر مستحدث لم يكن له وجود في الأزمنة السابقة، وحينئذ من المشكل جداً إطلاق روايات
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : الباب 41 من أبواب الذبح، الحديث 1.
(2) الوسائل : الباب 42 من أبواب الذبح، ح 5.