الإنتصـــار

بقلم: العاملي

 

المجلد التاسع

 

دفاعاً عن مراسم عاشوراء وقداسة كربلاء والتربة الحسينية

مقدمــة

بســم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ،وبعد ،

فهذه بعض انعكاسات عاشوراء في شبكة الإنترنت لشهر محرم الحرام من سنة 1421 هجرية ، وبعضها لسنة 1422 هـ ، وهي صورة لحب الشيعة في العالم وولائهم لأهل بيت النبوة الطاهرين خاصة الإمام الحسين (ع) ، ومعهم أتباع المذاهب السنية الأخرى غير النواصب .

وهي صورة أيضاً لتفكير النواصب وتعصبهم لأئمتهم بني أمية ، وحساسيتهم المفرطة من أهل البيت(ع) ، وكرههم لمن أحبهم وتشيع لهم وأحيا ذكرهم !

وقد تضمنت أهم المناقشات التي جرت حول مراسم عاشوراء، مع وهابيين وسنيين ، ومع شيعة ينتقدون بعض هذه المراسم ، ويعملون لمنعها !

الفصل الأول

منصفون ومحبون للإمام الحسين (ع) من السنة

رثاء مثقف نجدي . . للإمام الحسين (ع)

* كتب ( صلاح الصالح ) وهو وهابي من القصيم لكنه مثقف ، في شبكة هجر ، بتاريخ 5-4-2001 ، التاسعة صباحاً ، موضوعاً بعنوان (رحم الله أبا عبد الله الحسين .. ) ، قال فيه :

قبل أكثر من عقد . . قرأت في كتاب البداية والنهاية لابن كثير& مأساة سبط رسول الله "صلى الله وعلى آله وسلم . . ذلك الذي رسم بدمه الطاهر لوحةً من العزة والكرامة . . لوحةً رمزية رائعة خلدت تعلم الأمة أن طريق العدل والكرامة الذي بدأه جده عليه الصلاة والسلام ليس مفروشاً بالورود .. لوحةً أثبتت كم انحطت الأمة في أقل من خمسين عاماً إلى درك الطغيان والظلم .. !!

لا زلت أذكر تلك الليلة الحزينة وأنا أتصور حفيد الرسول الأكرم يمنع من الماء ! ويقتل أبناءه في حجره وأمام ناظريه !! وأستغرب كيف حوت هذه الأمة أمثال هؤلاء المتوحشين ؟! وكيف سكتت على هذا الظلم الصارخ ، وكيف جاملت الطغاة على حساب المظلومين البررة الأحرار ؟ !

أصدقكم القول بَكَيْتُ .. كأنما المأساة حدثت ذلك اليوم فقط ، وعدتُ لنفسي أسائلها .. إذا كان قلبي يحترق أسى ولوعة بعد 1400 سنة ، فكيف بمن قتل وظلم وتجبر وسكت ؟! هل قدت قلوبهم من الصخر ! ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ) . .

وتتوالى المآسي لتستباح مدينة الرسول(ص) ! وتغتصب بنات المهاجرين والأنصار في بربرية متوحشة ، ترفعت عنها أخلاق عرب الجاهلية عباد الأوثان !!

وتستمر تلك السنوات العجاف.. لنرى ابن عمة رسول الله صلى الله وعليه وسلم تهدم الكعبة المشرفة فوق رأسه ، ويصلب في همجية صارخة ، وطغيان عجيب وصمت مطبق ..!

لكن عجبي يطول .. ممن يبرر ويلوي عنق التاريخ ! ويحاول الإلتفاف على الحقائق ليكرس الظلم والطغيان ، الذي خط خطه الأسود البهيم مذ تلك المآسي إلى يومنا هذا !!

ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل حين يقول: وهل يحب يزيد مؤمن ؟!!

وللجميع أحر التعازي على أمة نحتت بيديها أصنام ورموز الطغيان .

( إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع ) .

( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ) .

( ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ).

*وكتبت ( الهاشمية ) بتاريخ 5- 4-2001 ، الثانية عشرة ظهراً :

ما أروع ماخطت يمينك أخي الكريم .. فعلاً القلوب تحترق حزناً وكمداً . . وإنها لفجيعة تاريخية لابد من إحيائها لتكون رمزاً للرفض . . رفض الظلم . . رفض الإستبداد .. رفض الخنوع للظلمة مهما زاد بطشهم .. لتكون رمزاً للحرية .. الحرية التي تستحق التضحية .. بالأبناء .. وأهل البيت .. والنفس .

إنها دماء الحسين التي تضخ القيم والمفاهيم في شرايين الأمة . . فتحيلها إلى مشاعل للحق . ولا غرو أن تتجدد الذكرى عاماً بعد عام.. فعلى قدر التضحية يأتي الخلود .. وعلى قدر الهمم تبقى الأمجاد.. فلا يوم كيومك أبا عبد الله .. ولا فاجعة كفاجعتك سيدي ومولاي .. ولا واعية كواعيتك يا قرة عين الرسول وريحانة المصطفى.. واعية تطن أحرفها في جنبات التاريخ.. عبر الأزمنة .. لتقض مضجع الظالمين والمتجبرين في كل بقعة من بقاع العالم :

ألا من ناصر ينصرنا ؟!

فإن لم يكن لكم دين ولا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم !

صيحة حرية عالمية لا تختص بأحد دون أحد . . إنها لنا جميعاً . . فلنجب ابن الزهراء في كل حين .. ولنكن أحراراً في دنيانا . .

ألف شكر لك أخي صلاح . . ودمت لنا ولهجر .

من لم يشكر الناس لم يشكر الله .

* وكتب ( موسى العلي ) في 5-4-2001، الثانية عشرة والثلث ظهراً:

إطلالة حسينية في ذكرى استشهاد الحسين . .

الأخ العزيز صلاح الصالح ، وعليك السلام .

افتقدناك سابقاً وانتظرناك كثيراً ، وهاهي طلتك الحسينية في ذكرى استشهاد أبي عبدالله الحسين(ع)، لتسطر لنا قراءتك المنصفة والوجدانية للتاريخ الإسلامي عندما تحكي لنا هذه الكتب عن قصة قتل الحسين بن علي (ع) ، ومافعله يزيد في واقعة الحرة وقيامه بهدم الكعبة !! وكلها تمت في عهده !! والبعض يبرر فعلته ويدافع عن خلافته !!

وأما كتابتك هنا . . فالوجدان الإنساني والانصاف الإسلامي هو الذي تحدث عن مظلومية أبي عبد الله الحسين (ع) .

مع تحيات : المشرف العام .

* وكتب ( رهف ) بتاريخ 5-4–2001 ، الواحدة ظهراً :

اللهم ارحمنا . . السلام عليكم . . مأجورين . . عظم الله أجر الزهراء .

عزيزي صلاح الصالح.. أعترض بشدة على: رحم أبا عبد الله الحسين . . فنحن نقول إرحمنا وارحم أبوينا وارحم المؤمنين والمؤمنات . . لأننا بحاجة إلى رحمة الله رب العالمين .. أما أبا عبدالله الحسين . . فيشفع لنا عند الله كي يرحمنا ، ويجعل خواتيمنا خيراً . .

لله درك أبا عبدالله الحسين .. من مظلوميته انتصر.. من استشهاده بقي ذكره أبد الدهر . . بكاءنا عليه يزيدنا شرفاً .. في كل عام تتجد المصيبة..

كأنها وقعت اليوم . تحياتي .

- وكتب ( ملك الظلام ) بتاريخ 5-4-2001، الرابعة والنصف مساءً :

أتعلم . . . يا عبد الله . . . ما هو أعظم من هذا وذاك ؟

الأعظم . . . يا صاحب الدمعة . . . هو تعظيم بعض المساليل من الحمقى والمغفلين لشمر وحرملة ... والترحم عليهما وعلى أضرابهما !!

نعم . . . المهزلة تتمثل أمام أعيننا ولا نمتلك سوى ما تجود به العين من دموع علها تغسل ما في القلوب من حسرة ... ثم ما تسطره أقلام المخلصين .

السلام على الحسين . . . وعلى أولاد الحسين . . . وعلى أصحاب الحسين . . .

حُفر اسمك على صفحة الفؤاد ، من دون اختيار .

- وكتب ( أبومهدي ) بتاريخ 5-4-2001 ، الخامسة مساءً :

أحسن الله عزاء المسلمين جميعاً وأخي الفاضل صلاح بسيد شباب أهل الجنة الذي قتل دون الدين والعزة والشرف .

ولقد افتقدتك أخي الكريم فعسى المانع خيراً.. مع تحيتي .

- قال العاملي : يقصد الكاتب بـ ( المساليل ) جماعة السلفي المتعصب المسمى الصارم المسلول ، صاحب شبكة ( أنا المسلم ) ، التي تتبنى التنقيص من مقام أهل البيته(ع) ! والدفاع عن بني أمية حتى يزيد !

سيد أهل مصر . . سيدنا الحسين

* كتب ( الدكتور مالك الحزين ) في شبكة هجر الثقافية بتاريخ 3-4-2001 ، الثالثة صباحاً موضوعاً بعنوان ( سيــدنا ) ، قال فيه :

إنه لمركز صميم البؤرة، والمنطلق الى الجهات الأربع ، أصلية وفرعية في القاهرة أو غيرها من مدن مصرية .. تلك منزلة مسجد وضريح سيدنا الحسين رضي الله عنه عند المصريين قاطبة .

إذا ما قيل على مسمع من القوم : سيدنا.. فهذا يعني الحسين . وإذا ما قيل مولانا . . فهذا يعني الحسين . وإذا ما قيل : الحسين . . فهذا يعني كثيراً . . يعني الإستشهاد من أجل الحق ، وإقرار العدل ، وافتداء الجمع بحياة الفرد ، لكي يتحول الوجود المادي إلى معنوي ممتد ، فلا زمن يحده ، ولا مكان يقيده . .

وقد شاء لي حظي أن أقيم سنوات على مقربة من مسجده ، الذي يحوي ضريحاً يضم رأسه الشريف ، فارتبطت حواسي كلها به ، بمعالمه ونقوشه ومعماره ، وما ينبعث من أرجائه .. ذلك العطر الخفي ، والظلال الهادئة ، وطوابير الساعين إلى الصلاة في رحابه وزيارة مرقد الرأس الشريف ، لا ينقطعون ليلاً أو نهاراً ، يسعون إليه من القرى النائية ، والواحات المعزولة في الصحراء ، والمدن القريبة والبعيدة ، تنتظم حوله الحياة في أجمل مشاهدها، يفيض المكان بالطمأنينة ، بالسكينة ، بالرضا.

منذ صدر شبابي كنت أتطلع إلى الآية الكريمة : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى .. مكتوبة بخط جميل ، حروف خضراء على خلفية من اللون البني ، ومحفورة في الجدران ، أقرأها فأرق ، وأرددها فأستكين ، وقد صاحبتني طوال مراحل عمري ، ومع بلوغ العمر نقطة متقدمة أستعيدها .. فأحن وأفهم ، وأسترجع مغزى ودلالات استشهاد : سيدنا .. و .. مولانا .

إذا ما قيل : الحسين.. فهذا يعني مكاناً أيضاً .. تُعرف مناطق القاهرة القديمة بمراقد آل البيت .. السيدة زينب، السيدة نفيسة ، السيد عائشة ، سيدي زين العابدين . المركز هو : الحسين . إنه المركز الروحي لمصر كلها وليس القاهرة فقط .. بل في العالم الإسلامي كله . وانظر لما يقوله المقريزي في موسوعة المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار ، ما نصه : ( قال الفاضل محمد بن علي بن يوسف بن ميسر : وفي شعبان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة خرج الأفضل ابن أمير الجيوش بعساكر جمة إلى بيت المقدس وبه ( سكان ) ، والغازي ( أرفق ) في جماعة من أقاربهما ورجالهما وعساكر كثيرة من الأتراك ، فراسلهماالأفضل يلتمس منهما تسليم القدس إليه بغير حرب فلم يجيباه لذلك ، فقاتل البلد ونصب عليها المنجنيق ، وهدم منها جانباً ، فلم يجدا بداً من الإذعان له وسلماها إليه ، فخلع عليهما وأطلقهما، وعاد في عساكره ، وقد ملك القدس فدخل عسقلان وكان بها مكان دارس فيه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما فأخرجه .. وعطره وحمله في سفط إلى أجلِّ دارٍ بها ، وعمر المشهد ، فلما تكامل حمل الأفضل الرأس الشريف على صدره وسعى به ماشياً إلى أن أحله في مقره . وقيل إن المشهد بعسقلان بناه أمير الجيوش بدر الجمالي وكمله ابنه الأفضل . . وكان حمل الرأس إلى القاهرة من عسقلان ووصوله إليها في يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، وكان

الذي وصل بالرأس من عسقلان الأمير سيف المملكة تميم واليها ، والقاضي المؤتمن.. ويذكر أن هذا الرأس الشريف لما أخرج من المشهد بعسقلان ، وجد دمه لم يجف ، وله كريح المسك ، فقدم به الأستاذ مكنون في عشاري من عشاريات الخدمة وأنزل به إلى الكافوري ، ثم حمل في السرداب إلى قصر الزمرد ، ثم دفنه عند قبة باب الديلم بباب دهليز الخدمة ، فكان كل من يدخل الخدمة يقبل الأرض أمام القبر ، وكانوا ينحرون في يوم عاشوراء عند القبر الإبل والبقر والغنم .

هذا ما ذكره المقريزي في خططه الشهيرة . . وللحديث بقية . .

* وكتب ( موسى العلي ) بتاريخ 3-4-2001 ، الثالثة والربع صباحاً :

شكراً دكتورنا العزيز . .

كتابة أدبية مميزة كالعادة عن الإمام الحسين(ع) ، وقد انتظرناها بفارغ الصبر ، وحقه عليك أنت بالخصوص كبير يادكتور .. فأنت كما تقول عشت أجواء مسجده في القاهرة، لذا ينبغي عليك أن تعكس أجواء العبق الحسيني .. عموماً ، اختيار موفق ، ونرجو مواصلة حديثك عن سيدنا الحسين(ع) مع تحيات : المشرف العام

* وكتب ( أخوكم ) بتاريخ 3-4-2001 ، الرابعة مساءً :

بارك الله فيك يا بوخالد ..

هنيئاً لك وللمصريين بحب الحسين وأهل البيت (ع) ، والذي بلا شك هو جزء من حب الحبيب المصطفى (ص) . كيف لا وهو الذي قال عليه وآله الصلاة والسلام : حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً. رواه الترمذي . اللهم اجعلنا وإياكم ممن يحبهم الله ويرضى عنهم . تحياتي .

* فكتب ( مالك الحزين ) بتاريخ 3-4-2001 ، التاسعة مساءً :

وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيراً .

مسيرة الركب الحسيني . . هاجسٌ مبهم ظل يساورني كلما استرجعت مسيرة الركب الحسيني ، أول مقدمه الكوفة ولقاء عسكر أميرها ابن زياد، إلى الأمسية الأخيرة قبل فاجعة كربلاء . . ذلك أنه ما من رجل شارك في إثم كربلاء إلا مكرهاً ، أو أعان عليه إلا تمنى أن لو أعفي منه وجهر بذلك إلى أمير الكوفة ملحاً في أن يعفيه من الخروج إلى الحسين ، وأن يستبدل به سواه، وقد ارتشى الأشراف منهم ومضى الآخرون قلوبهم مع الحسين وسيوفهم عليه .. تطّرد هذه الظاهرة من مدخل الحسين إلى الكوفة حتى الليلة الأخيرة لمأساة كربلاء .

في مدخل الكوفة . . وقد شارف الركب أطراف الكوفة في منتصف النهار من سنة إحدى وستين ، كبَّر رجلٌ من أصحاب الإمام ، إذ لاح له ما وهمه نخلاً ، وما كان سوى هوادي الخيل وأسنة الرماح لكبير شرطة ابن زياد ، وإذا هم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ، اصطفوا لاستقبال الحسين وأصحابه في حر الظهيرة ، فأمر الحسين مؤذنه لإقامة الصلاة واجتمع إليه أصحابه حتى صلى بهم العصر ، ثم واجه جند الكوفة فذكرهم بما جاءه من كتب الكوفة . . .

* قال العاملي : اختصرنا ماكتبه الدكتور مالك الحزين مما جرى للإمام الحسين(ع) مع الحر بن يزيد الرياحي .

* ثم كتب (مالك الحزين) بتاريخ 3-4-2001 ، العاشرة والربع مساءً:

لقد جئتم شيئاً إداً .

تكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً. مريم 89 - 90

جاز الركب ساحة المعركة في الطف حيث الأشلاء مبعثرة في الدماء. فيروي الطبري بإسناده عن قرة بن قيس التميمي قال: فما نسيت من الأشياء لا أنسى قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الحسين صريعاً:

يا محمداه يا محمداه ، صلتْ عليك ملائكة السماء .. هذا الحسين بالعراء مزملٌ بالدماء ، مقطع الأعضاء ! يا محمداه ! هذه بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا . قال قرة : فأبكت كل عدو وصديق .

ودخل الموكب الكوفة.. ووقفت الجموع محتشدة تشهد نساء البيت النبوي في طريقهن إلى عبيد الله بن زياد بن سمية ، وقد لبست العقيلة أرذل ثيابها وتنكرت ، ثم أرسلت بصرها بعيداً حيث جثث الشهداء من أهلها ممزقة مبعثرة بالعراء .. حتى استقرت عيناها أخيراً على أولئك الباكين فأشارت إليهم أن اسكتوا فطأطأوا رؤوسهم خزياً وندماً ، على حين مضت تقول:

أما بعد يا أهل الكوفة.. أتبكون ؟! فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة !

إنما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً ، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ، ألا ساء ما تزرون . . . ( الطبري 265/6 ) .

* قال العاملي : أورد الكاتب المصري خطبة الحوراء زينب في أهل الكوفة، وكلامها مع ابن زياد عندما أدخلوا عليه السبايا ورؤوس الشهداء ..

* وكتب ( مكي ) بتاريخ 3-4-2001 ، العاشرة والثلث مساءً :

أشكرك أستاذ مالك الحزين .. بصراحة كما ذكر الأخ موسى العلي ، موضوع جميل جداً .. وخاصـة أنه عن الإمام الحسين (ع) .

أشكرك كثيراً على هذه المشاركة المميزة . لك مني خالص التحيات.

* وكتب ( مالك الحزين ) في 3-4-2001، الحادية عشرة إلا ثلث مساءً :

الحسن والحسين مني .. من أحبهما أحببته ، ومن أبغضهما أبغضته

صدقت ياسيدي يا رسول الله صلىعليك الله وسلم .. والإمام الحسين .. سيد الشهداء . . الشهيد ابن الشهيد أبو الشهداء . . هو رمزٌ إنساني رفيع لمظلمة لازلنا نتجرع مرارتها كل يوم .. مظلمةٌ استئساد الباطل والشر والقبح والكراهية والتجبر والكبر ، وكل المعاني الخبيثة والسيئة .. وسيرة الإمام عطر الأحباب ، ونزهة الألباب ، ومراد الأصحاب . . وريح الجنة . . وحلم الإنسانية الجميل . . المنتظر دائماً . .

الإمام لم يعد رمزاً للشيعة ولا حتى للمسلمين وحدهم ، بل هو رمز إنساني رفيع .. للأسف لم يجد من يستلهمه فيكتب أدباً يخلد كاتبه قبل أن يخلد السبط الخالد ... اللهم إلا الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي الذي كتب مسرحيتين شعريتين اسمهما : الحسين ثائراً ، والحسين شهيداً .. وتدور الآن في مصر معركة حول رغبة المخرج المسرحي جلال الشرقاوي في إخراج المسرحية الأخيرة ، بطولة الممثل نور الشريف ، وعرض الأمر على الأزهر فاعترض على تمثيل دور الإمام من أي ممثل مهما كان .. ومع احترامي لهذا الرأي غير أن مسرحية كهذه لو قدر لها أن ترى النور لكان لها أثر أفضل آلاف المرات من التفاهات الشائعة ..

الحسين رضوان الله عليه وسلامه.. كان وسيظل أجمل وأطيب وأنبل جملة اعتراضية في تاريخ الإنسانية.. وليس الإسلام فقط ، ولم يكتسب الإمام ابن الإمام أبو الأئمة قدره من النسب الشريف فحسب ، بل من ذاته الرفيعة التي رفضت الخنوع لسلاطين السوء .. الذين شوهوا الدين ومازال أحفادهم يفعلون.. وجعلوه قبلية وعصبية وبداوة وجلافة ووراثة ما أنزل الله بها من سلطان . . وإلا لكان الإمام علي أولى بها ، أو لفعلها الصديق وورث ابنه ، أو فعلها الفاروق وورث ابنه . . لكن الداهية اللعين وحده هو الذي فعلها .

* وكتب ( بدر الكويت ) بتاريخ 4-4-2001 ، الثانية صباحاً :

أحب سيد شهداء الجنة . . وأعشق فعله . . وتأسرني بطولته . . وأقبل جبينه الناصع لنسبه . . ولوقوفه على مبدئه . . وأقف احتراماً لجرأته وشجاعته . . هو حبيبي وحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم . . لكني . . . لا أقبل بضرب صدري بالسلاسل حتى الإدماء . .

. أو باللطم أو بالبكاء على حدث مضى عليه 1400 عام . .

أستمع إليه كل عام . . حبيبي أنت يا ابن بنت رسول الله وابن من كرّم الله وجهه . . . هل كنت سترضى باللطم على مقتلك ؟!

والسلام عليك يا أبا عبد الله .

* وكتب ( رضا ) بتاريخ 4-4-2001 ، الثامنة صباحاً :

إلى مالك الحزين . . اختيار ممتاز لموضوع رائع .. بارك الله في هذه الأيادي الطاهرة التي تكتب بجرأة وذلك لنصرة لمظلومين والمستضعفين في الأرض بغض النظر عن الإنتماء ، وإنما هو نصرة الحق .

جعلك من أنصار الإمام الحسين الذي لم يقم بثورته إلا لنصرة الحق، ورفع الظلم عن المظلومين .

* وكتب ( مالك الحزين ) بتاريخ 4-4-2001 ، الثالثة إلا ربعاً ظهراً :

أتفق مع الأخ بدر الكويت فيما ذهب إليه تماماً ، وقد شاهدت صوراً مريعة لما يسمى بالتطبير . . ولا أقر هذا التصرف مهما كانت مبرراته ، وقد أعلن أمس السيد حسن نصر الله اعتراضه على هذه الممارسات التي تسئ للمسلمين والشيعة . .

وأشكر الأخ رضا على مجاملته الرقيقة ، ونواصل بإذن الله تعالى سيرة سيد شباب أهل الجنة وشهيد الإنسانية الإمام الحسين رضوان الله عليه .

* وكتب ( العروة الوثقى ) بتاريخ 4-4-2001 ، الحادية عشرة مساءً :

آه.. آه.. آه.. من طول السفر ووحشة الطريق وقلة الزاد .

* وكتب ( مالك الحزين ) بتاريخ 5-4-2001 ، الرابعة صباحاً:

رغم أنني لا أحب المودودي ، لأنه أحد أئمة الإرهاب المتلفع بالسلفية .. لكنها شهادة حق . .

http://www.annaharonline.com/htd/MALAYANT.HTM

* قال العاملي : وفي هذا الرابط موضوع كتبه أبو الأعلى المودودي عن ثورة الإمام الحسين(ع) ، ونشرته جريدة النهار بتاريخ 5-4–2001، بعنوان (ما لا ينتبه إليه كثيرون في استشهاد الامام الحسين ) ، قال فيه :

هدف الشهادة

يتظاهرعشرات الملايين من المسلمين شيعة وسنة في المحرم من كل عام ليظهروا غمهم وحزنهم على استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه. لكن لم ينتبه منهم إلا أقل القليل ويا للأسف إلى الهدف الذي لم يبذل الإمام في سبيله روحه الغالية فحسب ، بل ضحى حتى بأطفاله وعائلته .

إن إظهار أهل البيت الحزن والأسى على استشهاد أحدهم ظلماً وعدواناً، وكذلك حزن المتعاطفين والمؤيدين والمحبين لأهل هذا البيت أمرٌ فطري، فمثل هذا الحزن والأسى يظهر من جانب كل أسرة في العالم ومن جانب المنتسبين إليها ، ولا قيمة أخلاقية له أكثر من كونه نتيجة فطرية لحب هذا البيت ، وحب المتعاطين معهم شخص هذا الشهيد وذاته .

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أي شئ تميز به الإمام الحسين فجعل الحزن عليه يتجدد كل عام رغم مرور كل هذه القرون الطويلة ؟ فإن لم تكن شهادته لهدف عظيم وقصد جليل فلا معنى إذن لاستمرار الحزن عليه قروناً طويلة بدافع الحب لشخصه والإنتساب له . بل وأي وزن يمكن أن يكون لهذا الحب الشخصي - مجرد الحب - في عين الإمام نفسه ؟

فإن كانت نفسه أعز عليه من هذا الهدف ، فلماذا ضحى بها ؟

إن تضحيته بنفسه دليل في ذاتها على أن هذا الهدف كان أعز عليه من روحه . ولهذا فنحن إن لم نسعَ في سبيل تحقيق هذا الهدف وظللنا نعمل خلافه ، فمهما بكينا على ذاته ولعنّا قاتليه ، فلا أمل في أن يثني الإمام الحسين علينا ، ويستحسن فعلنا هذا يوم القيامة ، كما أنه لا أمل في أن يقيم ربه لبكائنا وحزننا هذا وزناً ، فعلينا الآن أن نرى أي هدف استشهد في سبيله الإمام الحسين؟ هل كان يرى نفسه أحق بالحكم فضحى بنفسه لأجله ؟

إن من يعرف سيرة بيت الإمام الحسين وسمو أخلاقهم لا يمكن أن يظن حتى مجرد ظن أن هؤلاء كانوا يريقون دماء المسلمين من أجل الحصول على السلطة والحكم لأنفسهم. ولو سلمنا جدلاً - ولو لقليل - برأي من يرون أن هذا البيت كان يدعي أحقيته بالحكم ، فإن تاريخ خمسين عاماً منذ عهد أبي بكر إلى عهد معاوية شاهد على أن القتال وإراقة الدماء للحصول على السلطة لم يكن أبداً سبيل أهل هذا البيت ولا خصلتهم .

ومن ثم فلا محالة من التسليم بأن الإمام كان يرى آثار تغيّر كبير في المجتمع المسلم آنذاك ، وفي روح الدولة الإسلامية ومزاجها ونظامها ، وأنه كان يعتبر ضرورة منع هذا التغير وإيقافه ولو اقتضى الأمر القتال ليست جائزة فحسب بل فرضاً مفروضاً... إلى آخر بحث المودودي.. وقد تضمن العناوين التالية :

تغير مزاج دستور الدولة وهدفه . نقطة الإنحراف . بداية ملوكية البشر . تعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . المبادئ الأساس للدستور الإسلامي .

الإنتخاب الحر . نظام الشورى . حرية التعبير عن الرأي . المسؤولية أمام الله والناس . بيت المال... أمانة . سيادة القانون وحكومته . المساواة التامة في الحقوق والمراتب .

وختم المودودي مقالته بعنوان : ( الإمام الحسين وسلوكه الإيماني ) ، فقال :

( كانت هذه هي التغيرات التي ظهرت بانقلاب الخلافة الإسلامية ملكاً عضوضاً . ولا يستطيع أحد أن ينكر أن ولاية عهد يزيد كانت بداية هذه التغيرات . ومع أن هذه المفاسد لم تكن قد ظهرت بتمامها وكمالها حين اتخذت هذه الخطوة : ولاية عهد يزيد ، إلا أن كل صاحب بصيرة كان بوسعه أن يعرف أن هذه المفاسد كلها نتائج حتمية لهذه الخطوة ، وأنها ستقضي على جميع الإصلاحات التي أوجدها الإسلام وجاء بها في نظام السياسة والدولة .

لهذا لم يستطع الإمام الحسين على ذلك صبراً ، وقرر أن يتحمل أسوأ النتائج التي قد تنتج من جراء الثورة على حكومة راسخة مستتبة ، ويخاطر بمحاولة وقف هذا التبديل . .

أما مصير هذه المحاولة ، فالجميع يعرفونه ، لكن الإمام بنزوله إلى هذا الخطر العظيم وتحمل نتائج هذه السلوك الرجولي المؤمن ، أثبت أن الخصائص الأساس للدولة الإسلامية هي رأس مال الأمة الإسلامية ، الذي إن ضحّى المؤمن برقبته وأسرته وأهله وعياله في سبيل الحفاظ عليه ، لا يكون قد عقد صفقة خاسرة. وأن المؤمن إذا ضحّى بكل ما يملك في سبيل وقف التغيّرات التي ذكرناها آنفاً ، وهي الآفة العظمى للدين والملّة ، فلا ينبغي له أن يأسف على ذلك قط ! وليستحقر هذا من شاء ، وليسمّه عملاً سياسياً ، لكنه كان في عين الحسين بن علي عملاً دينياً خالصاً ، ولهذا اعتبر التضحية بالروح من أجله شهادة ، فاسترخص روحه وضحى بها في سبيله ) . انتهى .

* وكتب ( حسن حسان ) بتاريخ 5-4-2001 ، السابعة صباحاً :

المودودي إمام للإرهاب . . عجبي ..

لم أتوقع منك ذلك يا أستاذ مالك ، وماذا تعرف عنه ؟!

* وكتب ( مرتاح ) بتاريخ 5-4-2001 ، العاشرة والنصف صباحاً :

السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين .. كلنا نتوق إلى مشاهدة عمل فني يجسد ملحمة كربلاء الخالدة ، ولكن من سيمثل دور الإمام الحسين ؟؟ وهل سيستطيع أن يجسد ذلك الدور مهما أوتي من قوة فنية ؟ بالتأكيد : لا ، وألف لا . فمهما أجاد ذلك الفنان دور الإمام في تلك الملحمة لن يوصل الرسالة كما أرادها أبو عبد الله (ع) ، بل سيُؤطرها في إطار محدود ، يُخشى أن يحدد هذا الإطار رسالة الإمام في حدود هذا العمل الفني ، مما سيعطي تصور سطحي وبسيط لأهداف الملحمة .

عموماً كانت هناك محاولات لتجسيد تلك الملحمة فنياً ، وآخر ما شاهدته هو فيلم سينمائي إيراني مدبلج ، يروي قصة شاب أراد اللحوق بالركب الحسيني لماّ سمع عنه ، عرض هذا الفيلم مساء أمس الأربعاء على قناة المنار ، وهو بحق فلم يستحق المشاهدة ، ومن المأمول أن تعيد القناة عرض الفيلم . وتحية للدكتور مالك على هذا الطرح الموفق .

رزقنا الله وإياه وإياكم شفاعة الحسين (ع) .

* وكتب ( ابن الشاطئ ) في 5-4-2001 ، الحادية عشرة إلا ثلثاً صباحاً:

شكراً للأخ مالك .. موضوع جميل وقراءة متأنية من كاتب متأن ، ولكن الأخ بدر ! ألا ترى أن إقحام موضوع التطبير قد أفسد متعة هذا السرد الجميل ؟ لك خالص التحية .

* وكتب (مرتاح) بتاريخ 5-4-2001، الحادية عشرة إلا ربعاً صباحاً:

الأخ بدر. بالنسبه إلى التطبير إليك هذه الوصلة :

http://209.16.107.68/vbhajr/showthread.php3?threadid=17625

 

* وكتب (مال الله) بتاريخ 5-4-2001 ، الحادية عشرة والربع صباحاً :

بعد تقديم الشكر للأخوة الذين شاركوا في هذا الموضوع الهام ، إلا أن أغلبها تصب في الجانب المأساوي لحادثة استشهاد الإمام (ع) ، ومع اعتقادي بدور هذا الجانب في إبراز عظم الجريمة التي أصابت بيت الرسول (ص) ، إلا أنه يجب أخذ الدروس والعبر من هذه الحادثة ، وما هي الأمراض التي أصابت المجتمع الإسلامي بحيث يقدم على اقتراف تلك الجريمة الشنعاء بحق أحب الخلق إلى قلب رسول الله !!

وإلى الأخوة أقدم هذا البحث للقائد الخامنائي حفظه الله تعالى حول النهضة الحسينية ، ومن أراد الإستزادة فعليه بهذه الوصلة :

http://www.alwelayah.com/khamnee/lessens/almearef1/f2.htm

 

* وكتب ( بدر الكويت ) بتاريخ 5-4-2001 ، الواحدة ظهراً :

شكراً أخي مرتاح على الوصلة .. رغم أني لم أقتنع .. المهم.. أتفق مع أخي ابن الشاطئ بأن هذا الموضوع ليس مجاله هنا..

لذا أعتذر للجميع لإقحامي قضية التطبير في موضوع الأخ مالك الجميل ، والجميل هنا عائدة على الموضوع وعلى .. مالك ، وأرجو أن لا يكون فعلي هذا قد أفسد المتابعة .. رحم الله أبا عبد الله الحسين سيد شباب أهل الجنة ...

ورحم الله جميع أموات المسلمين .

ناجي العلي .. وكربلاء

* كتب ( الفاطمي ) في شبكة هجر الثقافية بتاريخ 3-4-2001 ، الخامسة مساءً، موضوعاً بعنوان ( لا تساوم .. إرسم وقاوم .. ناجي العلي )

، قال فيه :

إرسم شجرة . . إرسم عشرة

إرسم بستان . . لوِّن ثمرة

إرسم خوخاً.. إرسم عنب

إرسم نخلاً يحضن رطب

إرسم أزهاراً وسنابل

إرسم أغصاناً وبلابل

خفف من جوعك وتسلى

لوِّنْ بستاناً يتجلى

لا تتخلَّى.. بالصبر تحلَّى

بالعزم تشكلْ وتوكلْ

بالدمع لا تتوسلْ

لا تتشائمْ . . لا تتشائلْ

لوِّنْ وتفائل..

لونْ بستانك بالأخضر

لونْ رمانة بالأحمر

لونْ بالأصفر ليمونة

لونْ بالزعتر زيتون

لونْ بالعنبر والحنة

لونهُ بألوان الجنة

لاتساومْ . .

إرسم وقاومْ ..

فإن منعوا عنك الغذاء ..

أرسم بستاناً . .

وإن منعوا عنك الدواء . .

إرسم وطناً . .

وإن منعوا عنك الماء . .

إرسم فلسطين . .

وإن منعوا عنك الهواء . .

إرسم . . كربـــلاء ! !

ناجي العلي

* وكتب (ملك الظلام) بتاريخ 4-4-2001، الواحدة والنصف صباحاً:

( وإن منعوا عنك الهواء .. إرسم كربـــلاء !! ) ..

تقليل الكلام سيدي الفاطمي أفضل ما يقال بحق ما نقلته ..

حُفر اسمك على صفحة الفؤاد من دون اختيار .

* وكتب ( ابن الشاطئ ) بتاريخ 4-4-2001 ، الثانية عشرة ظهراً :

السيد الفاطمي .. جميل أن يرسم كربلاء . .

ولكن أجمل الكتابة هي ما تكتب بالدموع .

مسجد الحسين ومنزلته في نفوس المصريين السنيين

* كتب مالك الحزين في شبكة هجر في19-12-1999 الحادية عشرة صباحاً موضوعاً بعنوان ( مسجد الحسين ومنزلته في نفوس المصريين السنة ) قال فيه :

يعدجامع سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب من أهم معالم القاهرة الذي يحرص أي مسلم زائر لمصر على زيارته، وبلغ تقديس المصريين له أقصى المدى مما دفع الكثير من المؤرخين إلى إطلاق اسم مسجد الحرم المصري عليه ، نظراً لإيمان المصريين المطلق بأن رأس الحسين مدفون في هذا المسجد ، الذي يقع في قلب القاهرة ، رغم اختلاف الروايات حول هذه الحقيقة . .

* ففي مظفر التذكرة للشعراني : أنه قد ثبت أن الصالح طلائع ، الذي بنى المشهد الحسيني بالقاهرة ، نقل الرأس الى هذا المشهد ، ودفع في ذلك نحو أربعين ألف دينار ، وخرج هو وعسكره فنقلوه من خارج مصر .

* كما يذكر الرحالة العربي ابن جبير أن من مشاهد القاهرة المشهد العظيم الشأن ، حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض ، وقد بني عليه بنيان مجلل بأنواع الديباج ، فيه من أنواع الرخام المجزع غريب الصنع ، بديع الترصيع مالا يتخيله المتخيلون .

* ويقع جامع الحسين قرب الجامع الأزهر الشريف وسوق خان الخليلي الشهير ، وأنشأه الفاطميون سنة 549 هجرية ، تحت إشراف الوزير الصالح طلائع ..

بني الجامع بالحجر المنحوت ، ويضم 3 أبواب مبنية بالرخام الأبيض تطل على خان الخليلي ، وباباً آخر بجوار القبة ، ويعرف بالباب الأخضر .

ويضم الجامع منبراً خشبياً دقيق الصنع مطلياً بالذهب ، نقل إليه من جامع أزبك بك بالعتبة الخضراء أربعة وأربعين عموداً ، عليها بوائك تحمل السقف المصنوع من الخشب، متقن الصنع والمنقوش باللازورد ، والمطعَّم بالذهب .

وفي السقف ثلاث مناور مرتفعة مسقوفة ، بها ثلاثون شباكاً من النحاس المطلي بالذهب ، يعلوها في الجهة البحرية شبابيك صغيرة دوائرها من الرخام .

وعلى المشهد الشريف نقش من الأبنوس المكسو بالإستبرق الأحمر المزركش ، في أعلاه كمامة من الحرير الأخضر ، وبجوانبه أربعة عساكر من الفضة ، وبدائرة مقصورة الجامع وقبته ألواح مزخرفة بخطوط مذهبة مكتوبة بالخط الثلث والكوفي . وبأعلى الباب الذي يلي المنبر نقشت العبارات البليغة الشفاء في تربته ، والإجابة تحت قبته ، والأئمة في ذريته وقد اهتم أمراء وأكابر مصر في كل عصر بهذا الجامع الكبير ، فنمَت عمارته وزخرفته ، وأضيئت قاعاته وطرقاته وممراته ، وفرشت أرضياته بالسجاجيد النفيسة .

وقد عمره الأمير عبد الرحمن كتخدا في سنة 1175 ميلادية . كما عزم والي مصر عباس باشا على توسعته وزيادة مساحته ، فقام بشراء الأملاك المجاورة له وهدمها ، وشرع في بناء الأساس ثم توقفت الإنشاءات بعد أن وافته المنية ، وبقي الحال على ماهو عليه حتى تقدم مصطفى بك العناني لشراء الأرض التي كان اشتراها عباس باشا ، وعمرها لنفسه وأقام عليها فنادق وخانات وبنايات لحسابه. ويقال أنه اكتشف كنزاً خلف قبه المشهد الحسيني .

وفي سنة 1199 ميلادية أمر الخديوي إسماعيل باشا بتجديد الجامع وتوسعته ، وكلف على مبارك باشا برسم التصور المعماري لتجديد الجامع بحيث يتسع لاستقبال أحباء ومريدي الإمام الحسين رضى الله عنه ، وكلف الأمير راتب باشا ناظر ديوان الأوقاف المصرية أن يشرف بنفسه علىتنفيذ إنشاءات الجامع الجديدة التي صممها على باشا مبارك، وفي إطار هذا التجديد هدم كل الجامع ما عدا القبة والضريح الشريف . وبدأت الإنشاءات في سنة 1282 هجرية وانتهت في 1290 هجرية بالشكل الذي سبق وصفه ومن العناصر التي تخلفت من المشهد القديم حتى الآن :

الباب المعروف باسم الباب الأخضر ، و مبني من الحجر وعلى يساره دائرة مفرغة بزخارف ، وتعلوه بقايا شرفة جميلة . كما تخلف من المنارة الأيوبية التي انشأها فوق هذا الباب أبو القاسم السكري ، القسم الأسفل منها وهو المربع الذي يحتوى على زخارف جصية نادرة وعلى تاريخ الإنشاء .

أما التابوت الخشبي فهو أيوبي الطراز ويعتبر تحفة نادرة تمثل طراز الحفر على الخشب في عصر الأيوبيين في مصر وهو محفوظ حالياً بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة . وهناك الحجرة التي شيدت عام 1893 ميلادية لتحتوي على الآثار النبوية ، وهي مجاورة للقبة من الجهة القبلية وتشمل من الآثار النبوية الشريفة على قطعة من قميصة الشريف ، ومكحلة ، وقطعة من العصا الشريفة وشعرتين من اللحية الشريفة ، وبها أيضاً مصحفان بالخط الكوفي . وإلى الآن يعتبر مسجد سيدنا الحسين من أهم المزارات الدينية التي يحرص المصريون والمسلمون عموماً على زيارتها والتبرك بها ، فكثيراً ما نرى داخل المسجد أو المشهد أشخاصاً يقومون بإيقاد الشموع لسيدنا الحسين بعد شفاء مريض لهم أو خروجه من أزمة ما ،كما يلجأ العامة للدعاء بداخله .

أما مولد سيدنا الحسين فيعد من المناسبات التي ينتظرها الكثيرون ، حيث تتحول ساحة المسجد والميدان الذي يطل عليه إلى مهرجان عظيم ، يكتظ بحلقات الذكر والإنشاد الديني وقراءة القرآن.. وهو يجتذب الزائرين والمريدين من جميع أنحاء مصر والعالم العربي .

فاتني أن أذكر اللوحة الرخامية الكبيرة المعلقة على باب المسجد المؤدي للمشهد الحسيني ، وقد كتب عليها بالذهب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحسن والحسين مني، من أحبهما أحببته ، ومن أبغضهما أبغضته .

- وكتب ( الألمعي ) بتاريخ 19-12-1999 ، الثانية عشرة والربع ظهراً:

بارك الله فيك يا مالك الحزين على هذا الإيجاز الوافي عن ضريح الإمام الحسين (ع) في القاهرة ، وكيف لا يكون حبه في قلوب المصريين وهو سبط رسول الله | :

يا آل بيت رسول الله حبكمو .... فرض من الله في القرآن أنزله

يكفيكمو من عظيم الشان أنكمو .... من لم يصل عليكم لاصلاة له

الإمام الشافعي &

اللهم صل على محمد وآل محمد . شكراً لك مرة أخرى أستاذنا .

- وكتب (موسى العلي) في 19-12-1999الثانية عشرة والنصف ظهراً:

بوركت أيها الحزين . ورزقنا الله وأياك شفاعة الحسين (ع) يوم المحشر .. أشكرك على هذه النبذة الرائعة لضريح الإمام الحسين في القاهرة . ونسأل الله التوفيق لزيارة مصر وأهلها الطيبين في القريب العاجل .

وجعل الله هذه الأسطر في ميزان حسناتك يا صديقنا العزيز .

- وكتب (عربي 1) بتاريخ 22-12-1999 ، الحادية عشرة ليلاً :

بارك الله فيك يا أستاذ مالك ، فلا أزال أذكر موضوعك عن الأزهر وتسميته و . . و . . هذا إذا كنت أحتفظ به . .

لقد شوقتني أكثر من ما أنا مشتاق ، أسأل الله أن يرزقنا الزيارة قريباً جداً جداً . اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين المعصومين .

- وكتب ( أبو هاجر) بتاريخ 23-12-1999 ، الثالثة صباحاً :

لماذا نسينا أن الحسين استشهد في سبيل أن يرينا أهمية منصب القيادة في الأمة..كان الأولى بأهل مصر أن يدركوا هذا المعنى ، ويزيحوا عنهم حكم اللصوص ومصاصي الدماء .. بدلاً من التمسح بالقبور .

لماذا نتمسك بالعواطف وتركنا المعاني والأفكار ؟! يتغنى أحدهم بفاطمة بنت محمد ، ولم يكلف نفسه السير على دربها !! ولكن هي عادة كل من اخترع لنفسه أسهل التكاليف .

وكم ذا بمصر من المضحكات ... لكنها والله من المبكيات

- وكتب (مالك الحزين) 23-12-1999 ، الثالثة والنصف صباحاً:

شكراً إخوتي الكرام على هذا الإطراء ، وللعلم هناك أضرحة لاحصر لها لآل البيت في القاهرة ، ومنهم : السيدة زينب ، والسيدة نفيسة ، والسيد أحمد البدوي في طنطا ، ولهذه الأضرحة منزلة عالية في نفوس المصريين . . السنة .

وقد حاول بعض المتطرفين من عينة (مشمش بيه) الذي ابتلينا به هنا أن يتعرض لها (يقصد أبا هاجر فهو مصري سلفي ) فلم تفعل الحكومة شيئاً ، بل تصدى لهم الناس ، ولما كادت تحدث فوضى ، تدخلت الشرطة لوقف هذه المشاكل ، حدث ذلك في السبعينات إبان ظهور هؤلاء الهمج . والمصريون البسطاء يذهبون لأضرحة الحسين والسيدة نفيسة العلم ، وغيرهما للتبرك بهما ولم نسمع أن ذلك شركٌ وحرامٌ إلا مع ظهور هؤلاء الهمج !

وهناك قدر هائل من العادات الشيعية في مصر ، كالإحتفال بيوم عاشوراء والأذكار ، والتبرك بآل البيت ، وغير ذلك مما يتطلب جهداً بحثياً كبيراً لرصده وتحليله ودراسة ما إذا كانت تلك من بقايا تراث العصر الفاطمي ، أول دولة شيعية في التاريخ .. ولذلك تجد المصريين السنة ، بما فيهم علماء الأزهر ، لا يكفرون الشيعة ، ولا يحملون كل هذا العداء الذي صدمت حينما رأيته في مواقع الحوار عبر الشبكة !

فإذا سألت مصرياً عن الشيعة فسيرد عليك ببساطة ، هذا مذهب الذين تشيعوا لعلي وآل البيت . أما مسألة التكفير والتبديع وهذه الكلمات فأراهن أنك لن تسمعها من أحد هنا إلا على الغلاة فقط ، ولعلكم تعرفون شيئاً عن أنشطة البهرة في مصر ( هي طائفة شيعية من الهند ) ولهم مساجد كبيرة مثل: الأقمر ، ومسجد الحاكم بأمر الله ، وغيره .

كل ما أريد أن أقوله أن هناك بالفعل تجارب عملية وإنسانية على التقارب بين السنيين والشيعة وتعالوا مصر لتروها ، ولعل البعض لا يعرف أن الأزهر الشريف نفسه كان أول جامعة شيعية في العالم ، قبل مدينة قم وغيرها، وأدعو المهتمين بدراسة التاريخ أو علم الإجتماع ، أو التأصيل أن يولوا هذه الفكرة اهتمامهم باعتبارها تجربة هامة ، ربما لا يلتفت إليها الكثيرون .

- وكتب ( الألمعي ) بتاريخ 24-12-1999 ، الواحدة إلا ربعاً ظهراً :

أخي مالك ، الأخوة الأعزاء .. احتفظ لنا التاريخ بأسماء لجامعتين شيعيتين أولهما جامعة الإمام الصادق (ع) في المدينة المنورة ، والتي كانت محوراً لطلبة شتى العلوم والمعارف ، والتف حولها حوالي خمسة آلاف طالب , وقد تخرج منها بعض أصحاب المذاهب السنية ومنهم الإمام مالك الذي يقول: لولا السنتان لهلك النعمان ، ويعني بذلك دراسته العلم في حلقات التدريس بين يدي الإمام الصادق لمدة سنتين حفظ فيهما ما حفظ من العلوم والمعارف. وهي بذلك أول جامعة إسلامية في التاريخ، وليست أول جامعة شيعية فقط .

وهناك أسماء لبعض علماء الكيمياء والطب الذين تخرجوا من تحت يد الإمام جعفر (ع) فقد كان موسوعة علمية شاملة ، ولا تحضرني أسماؤهم، لعل الأخوة يذكرون فيوافوننا بهم .

والجامعة الثانية هي الأزهر الشريف ، الغني عن التعريف ، إذ جاءت سيرته في مقدمة الأستاذ مالك الحزين .. غير أن الفرق بين الجامعتين أن الأزهر يأتي كأول جامعة شيعية في دولة شيعية، وجامعة الإمام الصادق كانت في العهد الأموي ، وقد أسسها الإمام الصادق عليه وآبائه أفضل الصلاة والتسليم .

- وكتب ( مالك الحزين) بتاريخ 25-12-1999 الثامنةوالثلث صباحاً:

شكراً للأخ الألمعي على هذه المعلومات التي كنت أجهلها من قبل ، خاصة تلك المتعلقة بجامعة الإمام الصادق بالمدينة المنورة ، وللحق فلأخينا الألمعي تَرَفُّعُ العلماء ، وزهد الصادقين .. بوركت يا أخي الفاضل .

- وكتب ( قنبر ) بتاريخ 25-3-2001 ، الرابعة صباحاً :

توافقاً مع قرب ذكرى عاشوراء . أرفع هذا الموضوع الجميل .

وللدكتور مالك أقول : شكراً وآجرك الله ، وجعلك مصداقاً لحديث عالم آل محمد الصادق (ع) : أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا.

وتصحيحاً للأخ ألمعي : أبو حنيفة هو القائل: لولا السنتان لهلك النعمان. وعالم الكيمياء بل واضع علم الكيمياء الذي كان تلميذ الإمام الصادق(ع) هو جابر بن حيان ، الذي بقيت نظرياته تدرس في جامعات أوروبا لحد القرن التاسع عشر .

حسين مني وأنا من حسين.. أحب الله من أحب حسيناً

- وكتب ( هادي ) بتاريخ 25- 3-2001 ، الثانية ظهراً :

العزيز الحزين .. لك ألف تحية على هذا الإيضاح عن مقام سيد الشهداء (ع) . وفي الحقيقة لم أكن أتوقع أن يكون بهذه الروعة التي وصفته بها، وأدام الله عليكم نعمة بقاء الأزهر الشريف قلعة شامخه في وجه الهمجية التي وصفتها .

عزيزي مالك : لقد زدتني شوقاً لزيارة مصر .

- وكتب العاملي بتاريخ 25- 3-2001 ، الخامسة إلا ربعاً مساءً :

شكراً للأخ الدكتور مالك، وللاخوة الأعزاء على هذا الموضوع.. ورأيت أن أضم إليه لوحة مكملة ، كان الدكتور نشرها في السنة الماضية في الواحة الإسلامية بتاريخ 4-5-2000 ، بعنوان ( المشهد الحسيني في القاهرة ) ، قال :

على باب ضريح الإمام الحسين في القاهرة لوحة رخامية كبيرة كتب عليها بالذهب الحديث النبوي الشريف : الحسن والحسين مني .. من أحبهما أحببته ، ومن أبغضهما أبغضته ..

وداخل المسجد أكبر ثريا (نجفة ) في العالم العربي كما يؤكد إمام المسجد ، وهي للحق آية في الجمال والبهاء ، ووزنها كما هو مثبت في دليل تاريخ الضريح وصاحبه يصل إلى خمسة أطنان من الكريستال المحلى بالذهب الخالص وقوائمه من الفضة الخالصة ..

أما السجاد فحدث ولاحرج ، فقد تبرع العام الماضي أحد كبار التجار من طائفة البهرة (يقيمون حول الضريح) بسجادة فارسية تعود إلى القرن العاشر الميلادي ، وحجمها يبلغ 16 متراً مربعاً ، وهي من الحرير الخالص ، وقد فرشت في المقام ( الضريح ) الذي يقع في الجانب الشرقي داخل المسجد . .

ويعقد داخل المسجد يومياً أكثر من خمسمائة عقد قران تصل أيام الخميس والجمعة إلى الألف ، حيث يحرص آلاف المصريين على عقد قرانهم داخل المسجد الحسيني ، وبعضهم يأتي من مدن مصرية بعيدة قد تبتعد عن القاهرة أكثر من سبعمائة كيلومتراً .

للحسين ، ومسجده ، وضريحه ، ومشهده ، منزلة خاصة في نفوس المصريين ( السنة) .. وفي شهر رمضان يستحيل على المرء أن يجد موضعاً لقدم في هذا الميدان المعروف بالمشهد الحسيني .. واسألوا الدكتور جمال الصباغ كيف كان يسير هناك حينما تقابلنا في رمضان أنا وهو والأخ حازم محرز . .

باعة لكل شئ .. من المصوغات الذهبية للتحف والفنون اليدوية .. مكتبات ضخمة.. مقاهي شديدة الجمال.. مطاعم شهيرة... حلقات ذكر ..

ندوات دينية وأخرى ثقافية.. مواكب زواج.. سياح أجانب يقفون مذهولين لروعة المكان وتلك الأعداد الغفيرة من الزوار ..

كل هذا في كفة . . و . . مجاذيب الحسين .. في كفة أخرى ، فهناك حول الضريح تجد عشرات ممن ارتدوا الخرقة الصوفية.. وتركوا بيوتهم

وأعمالهم واستأنسوا بالحسين.. أقاموا حول الضريح يلتحفون السماء ويفترشون الأرض . . يأكلون مايجود عليهم به أهل الخير.. وما أكثرهم هناك..

ويصلون الصلوات الخمس في المسجد ..

في رمضان لست مضطراً لأن تدفع نقوداً لكي تفطر إذا ما كنت في ميدان الحسين ، فأهل الخير يحملون آلاف الوجبات ويقدمونها مجاناً للصائمين وعابري السبيل ..

وفي كل شهور السنة يحرص الكثير من الأغنياء على توزيع زكواتهم وصدقاتهم على الناس حول الضريح..

أما في صلاة العيدين فحدث ولاحرج.. تغسل الأرض والله العظيم غسلاً.. لا تكاد تميز بين عامل النظافة الموظف رسمياً لهذا الغرض ، وبين مئات الشباب والشيب الذين يشمرون عن سواعدهم ويحملون المقشات ليكنسوا الميدان.. بعضهم أطباء ومهندسون وضباط وأساتذة جامعات وتجار أثرياء ..

وكلهم يعتقدون أن الله تعالى سيبارك لهم عندما يتواضعون ويكنسون الميدان ويرشون الماء ..

في الفجر يحضر الركب الرسمي لرئيس الجمهورية ومعه كل الوزراء وشيخ الأزهر .. ويحظر سير السيارات في هذا الميدان وكافة الشوارع المؤدية إليه..

لكن يتجاوز عدد المصلين المليون شخص كل عيد... طيلة الوقت تستمع لابتهالات الشيخ سيد النقشبندي.. وإنشاد الشيخ ياسين التهامي.. حتى يرفع المؤذن الآذان .. الله أكبر الله أكبر .. فيتحول الكون كله لمستمعين لهذا النداء السماوي الجليل... عجائز أتين من أقصى الصعيد حملن بضع قروش

يوزعنها وفاء لنذر تحقق .. سيدات يتعلقن بأستار الضريح راجيات تحقيق أملهن في إنجاب طفل حرمن منه ، أو عودة ابن غريب اضطرته الحياة الصعبة للرحيل في بلاد الله.. وثمة رجل طاعن في السن يذرف دمعة حرى وهو يناجي صاحب الضريح قضاء حاجة يعلمها الله وحده..

يتعامل الناس هنا في مصر مع الحسين كأنه مازال حياً داخل الضريح.. يتحاكمون إليه في منازعاتهم .. يتحدثون إليه في كروبهم.. بعضهم يرسل إليه خطابات عبر البريد .. وصلت خلال العام الماضي إلى أكثر من مليون رسالة كما أكدت هيئة البريد المصرية التي تسلمها لخادم الضريح ..

المرسل: . . . . . . . .

المرسل إليه : حضرة الإمام سيد شهداء الجنة الحسين بن علي رضوان الله عليهما وسلامه .. العنوان: القاهرة . . . مسجد الإمام الحسين .

رائحة العطور تغمر أنوف زوار الضريح .. وأنوار لا تنطفئ.. ولم تنطفئ منذ قرون.. وجلال لايضاهيه حتى ضريح السيدة زينب التي يحلو للمصريين إطلاق عدة ألقاب عليها.. منها أم العواجز .. ورئيسة الديوان.. و.. الطاهرة .

في المسافة الممتدة بين الضريحين تقع أجمل وأبهى أحياء القاهرة .. الدرب الأحمر .. القلعة .. الحسينية .. باب الخلق .. باب النصر .. باب الفتوح.. الباطنية .. الجمالية .. الكحكيين .. المغربلين .. الخ .

لأهل البيت في مصر منزلة لايشعر بها إلا من يعرف المصريين جيداً.. فحينما حاول بعض المتطرفين ذات يوم تفجير قنبلة في منطقة الحسين.. خان الخليلي.. لم يسلمهم الناس للشرطة ، بل فتكوا بهم.. فحينما وصلت قوات الأمن لم تجد سوى جثث هامدة . . ولم يزل الفاعل مجهولاً حتى اليوم ، فقد تفرقت دماؤهم بين القبائل..

- فعلق عليه ( العاملي ) في وقته بقوله :

الأخ العزيز الدكتور نبيل .. قبل ظهر اليوم قرأت لوحتك الثمينة ، التي رسمتها مشهداً من مشهد الإمام الحسين في القاهرة ، فأخذت بمجامع قلبي ، وأفكاري..

ومازلت أعيش من عطائها ، وأنا في آخر الليل .. وستبقى معي أياماً على الأقل .. فشكراً لك على هديتك..

صليت بين يدي ربي ، وأنا مفعم بجوها الروحي الشفاف.. وتعاملت مع أناس متعددين ، فأطللت عليهم من نافذة المصلين في مسجد الحسين . .

وفكرت في المادي والمعنوي ، وذهني مفعم بغنى المشاهد المعنوية والمادية المتآلفة حول الإمام الحسين .. وفكرت في طاقات الحب والعشق ومخزونه في الإنسان ، فرأيت أن عشق الله تعالى وهو أعظم أنواعه ، لا بد أن يمر بعشق الكاملين من عباده ، صلوات الله على رسوله وآله..

مساكين أولئك الذين لامعشوق لهم.. وأسوأ حالاً منهم أولئك الذين أماتوا عشقهم وخنقوه .. إن مجتمعاتنا العاشقة أقوى أنواع المجتمعات وأغناها.. وهنيئاً لمصر بحبها لنبيها وللحسين . .

روحي فداك يا أبا الزهراء .. وروحي فداك يابن الزهراء .

- وعلق ( على الأول ) أيضاً قائلاً :

يالها من روعة تأخذ بمجامع القلوب... هنيئاً لك يا مالك... وهنيئاً لكم يا أهل مصر جوار سيد الشهداء (ع) .. الناس أعداء ما جهلوا ..

- واطلع على الموضوع المرجع الديني الشيخ لطف الله الصافي ، فكتب مايلي :

بسـم الله الرحمن الرحيم

بعد الحمد والصلاة ، فإني لا أقدر على وصف ما حصل لي من الوجد والشوق ، والإحساس بالقرب والحضور ، والجلوس على بساط المحبة والأنس والخشوع لله تعالى.. عندما طالعت ما كتبه بعض الأدباء العارفين عن الحالات العطرة والروحانية القدسية ، التي تحصل لزوار مشهد مولانا سيد أهل الإباء ، وواحد أهل المباهلة والعباء ، أبي عبد الله الحسين (ع) ، في مصر ، القطعة الشريفة من وطننا الإسلامي الكبير ، التي حازت شرف ولاء أهل البيت (ع) من أول ما أشرق عليها نور شمس الدعوة المحمدية والرسالة الإلهية .

لقد كررت مطالعة هذا التصوير الجميل لمظاهر الولاء ومحبة النبى والآل صلوات الله عليهم ، والإجتماعات والإحتفالات والحلقات في مشاهدهم النورانية ، العامرة بذكر الله تعالى وعبوديته .

إن مشهد الإمام الحسين (ع) ، من البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، بل هو من أفاضلها كما رواه السيوطي ، ولو لم يكن بيت علي وفاطمة الزهراء وسيدي شباب أهل الجنة ، بعد بيت النبى (ص) ، أفضل تلك البيوت ، فبيت من يكون ؟

وجدت نفسي بعد قراءة هذا المقال مفعمةً شوقاً وحضوراً وأنساً بالله تعالى، ورغبةً في زيارة هذا الضريح الشريف والمشهد الجليل ، الذي تسطع منه أنوار الجمال المحمدي والجلال العلوي ، المشعة من جلال الله تعالى وجماله الأزلي السرمدي.. وهي معان يدركها ويشعر بها من يدرك بحقيقه إيمانه بالله ورسوله ما لهذه المشاهد المرفوعة التي تخدمها ملائكة الله تعالى ، من قدر عند الله تعالى ورسوله .

وجدت نفسى كأني في مصر ، في جوار الضريح الشريف والحضرة الحسينية بين إخواني الزائرين المصريين الوالهين ، الموالين لأهل البيت (ع) ، وهم يتبركون بالمقام ويغتنمون الفوز فيه بالصلاة والإبتهال ومناجاة الله تعالى، يطلبون حاجاتهم من ربهم عنده ، ويصلون على النبي ، وعلى شهيد الإخلاص والإباء ، شهيد معالم الإنسانية الكبرى ، شهيد كل المكارم ، أبى عبد الله الحسين .. حسين التضحية والجهاد والإيثار ، حسين الصبر والشجاعة حسين الاسلام والإنسانية . اللهم كحّل بصري بمشاهدة تراب ضريحه في مصر وكربلاء .

نعم ، وجدت نفسي في هذه البقعة المباركة التى شرفها الله تعالى بكرامة الإنتساب إلى سبط النبي (ص) ، فرأيت بعين قلبي ملائكة الله تعالى محدقين بها .. فهنيئاً لزوار تلك البقعه المباركة ، مركز تقرب أولياء الله ، ومهبط ملائكة الله .. وهنيئاً لإخواننا أهل مصر ما هم فيه من جوار ضريح سيد شباب أهل الجنة .. هنيئاً لهم هذا الفوز العظيم ، ثم هنيئاً لهم ما هم فيه من ولاء أهل البيت (ع) .

هنيئاً لشيوخهم وشبانهم ، رجالهم ونسائهم ، علمائهم وتلاميذهم ، أساتيذهم وطلاب جامعاتهم . فياليتنا معهم فنفوز بما يفوزون به عند هذا الضريح المبارك .

ويا مولاي يا حسين ، يا أبا عبد الله ، يا بن رسول الله ، يا من استنقذت عباد الله بتضحيتك الكبرى من جهالة الضلالة.. أشهد أنك رفعت أعلام الدين ، وكسرت صولة المستكبرين والمستعبدين ، ونصرت الله ورسوله ، مجاهداً صابراً . وأشهد أن الله يحب من أحبك ، ويبغض من أبغضك ، وأن الله طهركم يا أهل البيت من الرجس تطهيراً . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. 12 صفر المظفر – 1421 هـ. لطف الله الصافي

- وكتب ( السيد مهدي ) بتاريخ 25- 3-2001 ، الخامسة مساءً :

شكر الله سعيك يا دكتور .. وكما قال أئمتنا: رحم الله من أحيا أمرنا ، فيرحمك الله على ما ذكرت . للعلم يا دكتور: دولة الفاطميين في مصر ليست أول دولة شيعية في التاريخ ، بل دولة الموحدين في المغرب والتي أسسها المدعو عبد الله الشيعي هي أول دولة شيعية . ذكر ذلك المرحوم محمد جواد مغنية في كتابه الشيعة والتشيع .

- وكتب ( قنبر ) بتاريخ 25- 3-2001 ، التاسعة مساءً:

الأخ العزيز الفاضل السيد مهدي . . أظنك تقصد دولة الأدارسة، أما عبد الله الشيعي فقد كان داعية للفاطميين أول أمرهم .

ومرة أخرى شكراً للدكتور مالك ، العلوي ، على هذا الموضوع الذي من عبره أشعرنا بتفاعل المصريين مع أهل البيت (ع) ، وجدد تفاعلنا مع مقاماتهم في مصر ، وتفاعلنا مع هذا الشعب الطيب . رحمك الله بحق الحسين وجده وأباه وأخيه وأمه .. صلوات الله عليهم أجمعين .

- وكتب ( مالك الحزين ) بتاريخ 25- 3-2001 العاشرة إلا ثلث مساءً :

جميل هذا اللقب . . مالك العلوي . . وشرف لي أن أحمله ، فربما يغفر لي بعض ذنوبي الكثيرة .

- وكتب ( علوي ) بتاريخ 25- 3-2001 ، الحادية عشرة والثلث ليلاً :

الأخ العزيز مالك . . لقد أمتعتنا وأثريتنا ، بل وحلقت بنا في جنة الحسين (ع) . . لقد تشرفت بحضوري هناك في مولد النبي الأكرم وحضرت الإحتفالات هناك.. في الواقع لم أر مثلها حتى في المجتمعات الشيعية.. حقيقة احتفالات بهيجة ، تبدأ قبل يوم المولد بعدة أيام . كما يقال أيضاً إن الإحتفال بمولد الحسين (ع) يكون في نفس المستوى .. في الواقع أتمنى الحضور مرة أخرى ، والتشرف بزيارة حضرته المقدسة .

تحياتـي وأشـواقـي ودمعي بين آماقـي

وآهـاتي على صدري وحبري فوق أوراقي

وحبري دائماً يفنـى وشوقـي دائماً باقِ

- وكتب ( أبو مهدي ) بتاريخ 26- 3-2001، العاشرة والثلث صباحاً:

الأخ الفاضل مالك .. من خصائص الإمام الحسين (ع) التي أعتقد بها : أن من يعمل له ينل أجره حتى لو لم يكن معتقداً.. فكيف بك وقلبك ينبض بكل حب لآل البيت (ع) .

سوف أشاركك بموضوع آخر إن شاء الله .. ولنتفق أو نختلف لا يهمني..

سوف تبقى قلوبنا تنبض بحب الحسين . مع تحيتي .

بكائية رأس الحسين ..

- كتب ( مختار ) في شبكة الموسوعة الشيعية موضوعاً بتاريخ 29-3-2000 ، التاسعة والنصف مساءً ، بعنوان ( بكائية رأس الحسين - للشاعر اللبناني جوزيف حرب ) الأمين العام لاتحاد الكتّاب اللبنانيين ، قال فيه :

كربلاء

( 1 )

ذَرْذِرِي فتيت الرياحين ، وانسجي من حبير البجع ، وكنار الحمام ، مكاسر الكفنِ الأبيض .. واحفري الجفنَ عميقاً عميقاً حتى مغارق الدمع ، فلقد أقبل الليل وحن جسد الحسين إلى النوم جملةً سماوية بين هلالين من جناحي ملاك .

كربلاء .. يا مساحة المرارة ، وموشحة الحزن ، وغرف الغمام العراقية وشبابة الفرات التي بحّت ما شربت ، وحارسة المصابيح التي اشتعلت بزيت مساريج الجنة ، رققي من حواشي الريح ، واملئي الأباريق ، ومدي الوسادة الزينبية ، فلقد أقبل الليل ، ورجعت من كوفة الزمن القديم ..

هبيني كربلاء أُرح رأس الحسين على يديَّ .. أنا لست من أنزل الحسين في العراء من غير ماء وغير حصن . . ولست من شك سيفه بين منكَب الحسين وعنقه .. ولست يا كربلاء من قطع الكتف اليسرى .. أنا لست الأبرص بن ذي الجوشن أحز بالسيف في عنق الحسين . . ولست من أوطأ الجياد عظام صدره . . ولست عبيد الله بن زياد أضرب ثناياه بعصا الملك . . ولست جند عمر بن سعد أطوف بالرأس وهي على الرمح في مسالك الكوفة . .

ولست يزيد بن معاوية أنكتُ بقضيب العرش في شفتي الحسين اللتين قبلتهما شفتا الرسول الكريم.. حتى ارتوتا من عبير ريحانة الجنة.

هبيني كربلاء.. أُرِح رأس الحسين على يديَّ .

هبيني سراويله اليمانية التي مزقها كي لايقتسمها من بعده القتلة ..

هبيني جبة الخز والعمامة ، وورق النيل الذي اختضبت به تقاسيم الحسين .

ويالعطش عبد الله الرضيع . . وقد مرى الهجير عرقه وهدلت رباعية أطرافه.. وتقطرت هُنانةُ خاصرتيه ، ورنقت عيناه ، وومح جلده ، وتخّ نفَسه وبُح صوته، ودير به مغشياً عليه ، فرفعه الحسين بين يديه وخاطب الواقفين دون ماء الفرات ، يا أهل الفرات... يا أهل الكوفة.. خافوا الله واسقوا هذا الطفل، إذا كنت أنا في اعتباركم أستوجب الموت، فما ذنب هذا الطفل الصغير ؟! يا قوم ، خافوا الله واذكروا عذاب يوم أليم .

أراك لا تنسينَ يا كربلاء كيف صاح به أحد الجند ، خذ.. اسقه ، وأوتر القوس ورمى الطفل بسهم اختلجت عليه أحشاؤه !

فهبيني كربلاء أرح رأس طفل الحسين على يديّ .

هبيني ذؤابتيه المرسلتين ، وخلاخيل قدميه ، ومِشملته ، وقميصه المشقوق ، والعقد والعود والبكاء الذي ما ترسّل من بين أجفانه ، مخافة أن يتملح فمه إذا لا مست قطراتُ دمعه شفتيه .

( 2 )

عندما يحمّل الرجال رؤوسهم همّ العالم ويصفو دمهم زيتاً للحقيقة ، وتتوثب في سواعدهم جياد المعارك العلوية ، يمرّ في خاطري الحسين بن علي مقدساً في رسالة ، جنة في جسد ، سدرة في منتهى ، شهيدَ عقيدة باعها بربه واشتراها بدنياه ، وكانت نسبة أن تعيش هي غداً، من نسبة أن يموت هو اليوم . إنه الومض المقدس ..

أقعد الجنة عمن أقعد القلب عن الهدى ، وأذلت كفه كف من أعز القبض عن العطية ، وحبس ديمة الرخاء عمن أطلق في المساكين مزنة البلوى ، وقاوم بقوة الحق قوة المنافق واللص والراشي ، وأمّر نهايةً للمفسدين اعذوذبت بدايتها ، فأرسل في الظالمين ريحاً وناراً ململمتين على شتات هشيم ، وأيبسَ عظمَ من للعراة عليه بردةُ الخيلاء ، وألهبَ جوفَ من للجياع عنده طبق حرام، وسرّق من جاء بيت الرزق من غير بابه، ورهن النفس بثقل ما فعلت . وأرسل في أصلابه واعتدال ظهره انحناءة التوبة ، وغض العين عما لا يحل لها ، واشتعل في سراج الصدر فتيلة الحكمة ، وأنبت في روحه الصبر على كل بث وكل أسى ، واستقل في جنب ربه زينته تقواه . خادمه يداه ، ولأنه ما أعار دنياه طرف آخرته . . باع نفساً تموت غداً بنفسٍ لا تموت .

( 3 )

هناك تداخلٌ حتى الذوبان

بين رأس المسيح بعد الصلب ، ورأس الحسين بعد القطع . .

وبين رأس يوحنا على طبق ، ورأس الحسين على رمح . .

وبين خل العطش على الصليب ، وملح العطش في عاشوراء . .

بين زينبات الحسين ، ومريمات المسيح . .

وإن الذين رغبوا إلى اقتسام ثياب المسيح على الجلجلة ، هم أنفسهم الذين رغبوا إلى اقتسام ثياب الحسين في كربلاء .. وإن الشهوات التي في أعماق هيرودس ، هي ذاتها الشهوات التي في أعماق يزيد.. وإن الراقصة التي طالبت بقطع رأس يوحنا ، هي ذاتها الدولة التي طالبت بقطع رأس الحسين..

الدولة والراقصة ، والراقصة الدولة ، الدولة الراقصة .

إنها رمز قاطع المنارات وقاطعِ الرؤوس : رأس الأنبياء .. رأس الرائين.. رأس الثوار.. رأس المفكرين.. رأس الفلاسفة.. رأس الحرية..

رأس السنبلة.. ورأس الحمام الأبيض ، والزيتون المبارك..

( 4 )

لو دخلت عاشوراء يد القضاء لما اختل ميزان قاضٍ ، ولو هبت على خفق راية لما أُذِلّ وطن.. ولو لامست وسادة حاكم ، لمنعته من صلف النعاس .. ولو استوت على سرير خلافة ، لما عرف التاريخ قراصنة الأرض ، ولصوص الأمم ، وشذاذ آفاق الممالك ، والمشعبذة والطغاة والسحرة .

ثلاث وسبعون رأساً ، ورأس الحسين طليعتها ، منارةٌ خلفها منائر ، دخلت البلاط اليزيدي على سن ثلاثة وسبعين رمحاً.. فهل لشمس بعد أن تشرق ؟! ولفرات بعدُ أن ينساب ! ولريح بعدُ أن تهب ! ولطائر بعد أن يسحب جناحيه ! ولنبت بعد أن يُمرع ! ولقضاء بعد أن يعدل ! ولحكم بعد أن يستوي ! ولدين بعد أن يشيع ! ولسلام بعد أن يسود . .

إلا ومعه قضية ثلاث وسبعين رأساً قضت في سبيل ألاّ يُلاحم من صدوع الباطل ! ويُصدع من ثبات الحق !

إن مسيحيتي أيها السادة.. لن تكتمل ناقصاً منها الحسين ، وإن أي دين سماوياً كان أو غير سماوي.. لايتضمن مرتبة حسينية إنما هو دينٌ كثير الأرض قليل الجنة... وإن أي حق لابد من أن يضيع إن لم تكن وسيلته حسينية.. فإما الحق . . . وإما الشهــادة . ! ؟

ولندع صفين . . ولندع التحكيم . . ولندع الفتنة . . ولندع من بعد . . حصار القسطنطينية . . ولندع . . حرب الأيقونات في بلاد الروم . . ولندع خوف يزيد من العراق في يد الحسين . . فإن في عمق ذهاب الحسين إلى العراق ليس ما دار في رأس يزيد . . فقط . . وإن في عمق أن الحسين ما رجع عن العراق . . ليس سيفاً للحسين سل وما غُمد . . فقط . .

هناك صوت ما ، صوت من أعماق السماء نادى الحسين ، فسار إليه.

كل ما هو ومضٌ قدسي ، سيرته في الأرض ، أن المكان الذي تركه ، إنما تركه اقتراباً من الجنة ، فإذا رجع إليه لا لحكمة ابتعد بدلا من أن يقترب .

من هنا كانت عاشوراء فصلاً من فصول ذهاب الحسين إلى الجنة لا العراق.. وهو لو رجع لسلمت رأسه ، ولكنه لكان عاش بيدين لا في تلك الحق ولا في هذه الجنة .

وإن النبي الكريم إذا روّت شفتيه وهو على الأرض ، شفتا الحسين من ريحانة الجنة ، فإن شفتي الحسين وهو في الجنة تُرويان شفتي النبي من رائحة الشهادة والحق ، ولعل توزنُ رائحة الريحان في الجنة برائحة الحق والشهادة .

وأما الإمام المكرم وجهه ، فلم يكن فرحه والحسين الطفل في حضنه بأعظم من فرحه وليس في حضنه من الحسين إلا رأس الحسين ! إذ انتقل الحسين من الطفولة البريئة في المشهد الأول إلى الومض في المشهد الثاني .

الحق .. والشهادة . .

من كربلاء حتى الجنوب ، الجنوب المشبع بهما ، لأنه مشبع بالحسين ، ويا لوطن يلتقي فيه حقا السماء والأرض .. وشهادتا الدين والدنيا ، فلا يضيع الجنوب أصحابه ، لأنهم عندئذ يكونون قد رجعوا إلى حيث لم يرجع الحسين، ويكونون قد سلمت رؤوسهم وعاشوا بيدين ، ولكن لا في تلك الحق ولا في هذه الجنة .

( 5 )

كربلاء . . يا مساحة المرارة وموشحة الحزن وغرف الغمام العراقية ، وشبّابة الفرات التي بحّت وما شربت ، وحارسة المصابيح التي اشتعلت بزيت مسارج الجنة ، خذي الدفء من وجه رباب .. والحنان من فؤاد سكينة.. ومن فاطمة الذراع العفّ.. ومن زينب رقّة الأخت ، ورققي حواشي الريح، واملأي الأباريق ، ولكن . . لا تمدي الوسادة الزينبية ، وإنما هبيني .. لمرة أُرح رأس الحسين على يدي .

الإمام الحسين في الكتاب المقدس

- كتب ( فرات ) في الموسوعة الشيعية بتاريخ 18-4-2000 ، السابعة مساءً ، موضوعاً بعنوان ( الحسين (ع) في الكتاب المقدس ) ، قال فيه :

لم تعد قضية الإمام الحسين (ع) خاصة بطائفة أواتجاه مذهبي معين، بل إنها أصبحت تياراً يجذب جميع الطبقات الفكرية والإجتماعية في العالم .

فعلى سبيل المثال : عندما أخذ يزيد بعد مجزرة الطف ينكت ثغر الحسين الطاهر بالقضيب على مرأى من الحاضرين في مجلسه ، كان من جملة الحاضرين مبعوث قيصر الروم ، فما كان منه إلا أن قال ليزيد مستعظماً فعلته: إن عندنا في بعض الجزائر حافر حمار عيسى ونحن نحج إليه في كل علم من الأقطار ونهدي إليه النذور ونعظمه كما تعظمون كتبكم ، فأشهد أنكم على باطل . ( الصواعق المحرقة – 119) .

1- يوحنا النبي يخبر عن الإمام الحسين (ع): في سفر يوحنا ( بالعبرية ) :

( كي أتّا نشحطتا في بدمخا قانيتا لإيلوهيم من كل مشبحا ولا شون وعم وكوي في إيريه في إشمع كول ملا خيم ربيم كورئيم عوشر في حاخما في كبورها في هدار كافود في براخا ) .

ويعني هذا النص : أنك الذي ذبحت وقدمت دمك الطاهر قرباناً للرب ومن أجل إنقاذ الشعوب والأمم ، وسينال هذا الذبيح المجد والعزة والكرامة والى الأبد ، لأنه جسّد البطولة والتضحية بأعلى مراتبها .

فيشير النص العبري إلى الإمام الحسين (ع) من خلال ما جاء على لسان النبي يوحنا بأنه المذبوح الذي ضحى بنفسه من أجل الله ، وأنه سينال المجد والعزة على مر العصور والأجيال ، وهذا ما يتضح من خلال التحليل اللغوي للنص العبري حيث نجد الإشارة إلى أنه ذبح وقتل ، من خلال صيغة اسم الفاعل ( نشحطتا ) وهي مشتقة من الفعل ( شاحط ) أي ذبح أو قتل .

( المعجم الحديث - 240 و369 و84 )

ثم نجد في النص العبري تأكيداً آخر على أن المذبوح يشري دمه الطاهر قربة إلى الله وابتغاء مرضاته من خلال عبارة (بدمخا قانيتا) فالفعل: قانيتا. هو بالأصل: قانا: أي اشترى وباع والتاء في قانيتا، هي تاء المخاطب .

( المعجم الحديث - 104 و 425 )

ثم يؤكد النص على أن الله سيعل لسيد الشهداء المجد والكرامة والعزة ، وهذا ما ينطبق على سيد الشهداء المذبوح بكربلاء ، والذي انفرد بهذه الخصوصية التي ميزته عن بقية الشهداء على مر التاريخ .

2- أرميا النبي يخبر عن مذبحة كربلاء :

جاء في سفر أرميا : ( في هيّوم ههو كاشلوا في نافلوا تسافونا عل يد نهر فرات في آكلا حيرب في سابعا في راوتا من دمام كي زيبح لأدوناي يهفا تسفاؤوت با إيرتس تسافون إل نهر فرات ) ( سفر أرميا 46: 6، 10 ص782 ) .

يعني هذا النص : في ذلك اليوم يسقط القتلى في المعركة قرب نهر الفرات وتشبع الحراب والسيوف وترتوي من الدماء التي تسيل في ساحة المعركة بسبب مذبحة رب الجنود في أرض تقع شمال نهر الفرات .

فالنص الذي أخبر عنه النبي أرميا يكشف بكل وضوح عن ملحمة الطف في كربلاء الحسين (ع) . فإخبار إرميا النبي بسقوط الشهداء وارتواء السيوف من دمائهم على أرض تقع على نهر الفرات يدل دلالة واضحة على أن هذه الأرض هي كربلاء. لأن عبيد الله بن زياد عندما بعث عمر بن سعد على رأس الجيش فلقي الحسين (ع) بموضع على الفرات يقال له كربلاء ، فمنعوا عنه الماء وحالوا بينه وبين ماء الفرات .

ويتضح من خلال هذين النصيين المتقدمين وما تضمناه من تنبؤات بما سيحدث على أرض كربلاء وما سيلاقيه سيد الشهداء ، ويتطابق مع ما ورد عن الرسول | والأئمة (ع) بشأن مظلومية الحسين (ع) والإشارة إلى مكان استشهاده ، والحسين (ع) كان طفلاً صغيراً !!