الصفحة 126

قال النسائي في سننه ج 2 ص 203:

(عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرا، قال شعبة لعن رجالا، وقال هشام يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه بعد الركوع هذا قول هشام.

وقال شعبة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يلعن رعلا وذكوان ولحيان.

باب لعن المنافقين في القنوت... عن سالم عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الآخرة قال:

اللهم العن فلانا وفلانا يدعو على أناس من المنافقين فأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون.

ترك القنوت... عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقنت!

وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان، فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال يا بني إنها بدعة!). انتهى.

وقد يكون المقصود بالقنوت هنا لعن الكفار والمنافقين، لأن القنوت صار علما على اللعن. وهو يؤكد ما ذكرناه!


الصفحة 127

روايات القنوت الشاهدة الشهيدة!

ومع كل هذه الحملة على قنوت النبي صلى الله عليه وآله، استطاعت بعض رواياته أن تعبر حواجز تفتيش السلطة والرواة وتصل إلى أيدينا!!

وبعضها يشهد أن النبي صلى الله عليه وآله كان يدعو في صلاته على الكفار والمنافقين حتى توفاه الله تعالى!

وأن بقايا عمل المسلمين بهذه السنة الشريفة كانت موجودة إلى فترة من عهد بني أمية!

روى مالك في الموطأ ج 1 ص 115:

(عن داود بن الحصين، أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان... في قنوت الوتر اقتداء بدعائه صلى الله عليه وآله في القنوت).

وروى البخاري في صحيحه ج 1 ص 193:

(عن أبي هريرة قال لأقربن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فكان أبو هريرة رضي الله عنه يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعدما يقول سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار).

ورواه مسلم في صحيحه ج 2 ص 135 والنسائي في سننه ج 2 ص 202 وأبو داود في سننه ج 1 ص 324، وأحمد في مسنده ج 2 ص 255 و ص 337 و ص 470، والبيهقي في سننه ج 2 ص 198 و ص 206، والسيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 307 وقال أخرجه الدارقطني.

وروى أحمد في مسنده ج 1 ص 211: (عن الفضل بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


الصفحة 128
الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتضرع وتخشع وتمسكن، ثم تقنع يديك - يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك - تقول يا رب يا رب، فمن لم يقل ذلك، فقال فيه قولا شديدا!) ورواه في ج 4 ص 167 وروى في آخره (فمن لم يفعل ذلك فهي خداج) أي صلاته ناقصة.

ورواه الترمذي في سننه ج 1 ص 238. وروى في آخره: (ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا.

قال أبو عيسى (الترمذي): وقال غير ابن المبارك في هذا الحديث: من لم يفعل ذلك فهو خداج).

وروى البيهقي في سننه ج 2 ص 198: (عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها!

ومحمد هذا هو ابن أنس أبو أنس مولى عمر بن الخطاب، ومطرف هو ابن طريف).

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 2 ص 138: (وعن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها. رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون.

وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أقنت لتدعوا ربكم وتسألوه حوائجكم...

وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات. رواه البزار ورجاله موثقون). انتهى.


الصفحة 129
ومن آراء فقهاء السنة الملفتة في القنوت رأي ابن حزم الظاهري ودفاعه العلمي المطول عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله في القنوت:

قال في المحلى ج 4 ص 138 - 146: (مسألة: والقنوت فعل حسن..

في آخر ركعة من كل صلاة فرض، الصبح وغير الصبح، وفي الوتر، فمن تركه فلا شئ عليه في ذلك.. ويدعو لمن شاء ويسميهم بأسمائهم إن أحب فإن قال ذلك قبل الركوع لم تبطل صلاته بذلك... عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصبح والمغرب).

وقال في هامشه: (في النسائي ج 1 ص 164 ورواه الطيالسي ص 100 رقم 737 عن شعبة، ورواه الدارمي ص 198 ولم يذكر فيه المغرب، ورواه أيضا مسلم ج 1 ص 188 والترمذي وصححه ج 1 ص 81 والطحاوي ج 1 ص 142 وأبو داود ج 1 ص 540 و 541 والبيهقي ج 2 ص 198).

ثم قال ابن حزم (عن أبي هريرة قال: والله إني لأقربكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر، وصلاة العشاء الآخرة وصلاة الصبح، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار... عن البراء ابن عازب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي صلاة إلا قنت فيها!!) ثم قال (أما الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم بأنهم لم يقنتوا فلا حجة في ذلك في النهي عن القنوت، لأنه قد صح عن جميعهم أنهم قنتوا، وكل ذلك صحيح قنتوا وتركوا، فكلا الأمرين مباح، والقنوت ذكر لله تعالى، ففعله حسن، وتركه مباح، وليس فرضا، ولكنه فضل.


الصفحة 130
وأما قول والد أبي مالك الأشجعي إنه بدعة، فلم يعرفه، ومن عرفه أثبت فيه ممن لم يعرفه، والحجة فيمن علم لا فيمن لم يعلم!...

وقال بعض الناس: الدليل على نسخ القنوت ما رويتموه من طريق معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الأخيرة قال: اللهم العن فلانا وفلانا، دعا على ناس من المنافقين فأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون.

قال علي (ابن حزم): هذا حجة في إثبات القنوت، لأنه ليس فيه نهي عنه، فهذا حجة في بطلان قول من قال: إن ابن عمر جهل القنوت، ولعل ابن عمر إنما أنكر القنوت في الفجر قبل الركوع، فهو موضع إنكار، وتتفق الروايات عنه فهو أولى، لئلا يجعل كلامه خلافا للثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما في هذا الخبر إخبار الله تعالى بأن الأمر له لا لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأن أولئك الملعونين لعله تعالى يتوب عليهم، أو في سابق علمه أنهم سيؤمنون فقط..

وأما أبو حنيفة ومن قلده فقالوا: لا يقنت في شئ من الصلوات كلها إلا في الوتر، فإنه يقنت فيه قبل الركوع السنة كلها، فمن ترك القنوت فيه فليسجد سجدتي السهو.

أما مالك والشافعي فإنهما قالا: لا يقنت في شئ من الصلوات المفروضة كلها إلا في الصبح خاصة.

قال علي (ابن حزم): أما قول أبي حنيفة: فما وجدناه كما هو عن أحد من الصحابة نعني النهي عن القنوت في شئ من الصلوات، حاشا الوتر فإنه يقنت فيه، وعلى من تركه سجود السهو.


الصفحة 131
وكذلك قول مالك في تخصيصه الصبح خاصة بالقنوت، ما وجدناه عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من التابعين.

وكذلك تفريق الشافعي بين القنوت في الصبح وبين القنوت في سائر الصلوات، وهذا مما خالفوا فيه كل شئ روى في هذا الباب عن الصحابة رضي الله عنهم، مع تشنيعهم على من خالف بعض الرواية عن صاحب لسنة صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!

قال علي: وقولنا هو قول سفيان الثوري. وروى عن ابن أبي ليلى: ما كنت لأصلي خلف من لا يقنت، وأنه كان يقنت في صلاة الصبح قبل الركوع). انتهى كلام ابن حزم.


الصفحة 132

كيف صار قنوت النبي (المصحح) سورتين من القرآن؟

العمل السابع: إضافة سورتي الخلع والحفد إلى القرآن!

فكل أصل (سورتي) الخلع والحفد هو الرواية المتقدمة التي تقول إن النبي كان يصلي ويدعو على قريش في قنوته ويلعنهم، فنزل جبرئيل وأمره بالسكوت، وقطع عليه صلاته، وبلغه توبيخ الله تعالى له، وقال له (يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا! وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا!! ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون.

ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعي ونحفد، ونرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق) انتهى!!

وما دام جبرئيل علم ذلك للنبي فهو كلام الله تعالى، وهو من القرآن!!

أما لماذا صار هذا النص سورتين ببسملتين؟ فالأمر سهل!!

أولا، لأنهما فقرتان تبدأ كل منهما ب - (اللهم).

وثانيا، لأنه يجوز للخليفة عمر أن يضع آيات القرآن في سورة مستقلة!

قال السيوطي في الدر المنثور ج 3 ص 296: (وأخرج ابن إسحاق وأحمد بن حنبل وابن أبي داود عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: أتى الحرث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة لقد جاءكم رسول من أنفسكم... إلى قوله وهو رب العرش العظيم، إلى عمر، فقال: من معك على هذا؟


الصفحة 133
فقال لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتها وحفظتها.

فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فألحقوها، فألحقت في آخر براءة). ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 35 وثالثا، لأنهم إذا أسقطوا من القرآن سورتي المعوذتين باعتبار أنهما عوذتان نزل بهما جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله ليعوذ بهما الحسن الحسين عليهما السلام، ولم يقل له إنهما من القرآن!

فلا بد لهم من وضع سورتين مكانهما لا سورة واحدة.. فيجب جعل النص قسمين!

يبقى السؤال: من الذي ارتأى أن يسمي هذا القنوت المزعوم سورتين؟

هنا تسكت الروايات عن التصريح!

ومن الذي أمر أن تضاف سورتان ركيكتان إلى كتاب الله تعالى وتكتبا في المصاحف..؟ هنا تسكت الروايات عن التصريح!

ولكنها تنطق صحيحة متواترة صريحة بأن الخليفة عمر هو الذي عرفهما للمسلمين بقراءته لهما في صلاة الصبح دائما أو كثيرا! إما بنية الدعاء وإما بنية سورتين من القرآن!

ومن الطبيعي أن تكون السورتين الحبيبتين موجودتين في مصحف عمر الذي كان عند حفصة، إلى.. أن أحرقه مروان بن الحكم بعد دفنها مباشرة! حتى لا يقال إنه يختلف عن مصحف عثمان!!

ويشك الإنسان كل الشك في نسبة السورتين المزعومتين إلى مصحف ابن مسعود وابن كعب.


الصفحة 134

أحاديث سورتي الحفد والخلع المتواترة بالمعنى!!

قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 420:

(ذكر ما ورد في سورة الخلع وسورة الحفد.

قال ابن الضريس في فضائله أخبرنا موسى بن إسماعيل أنبأنا حماد قال قرأنا في مصحف أبي بن كعب:

اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك. قال حماد: هذه الآية سورة، وأحسبه قال:

اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق.

وأخرج ابن الضريس عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه قال: صليت خلف عمر بن الخطاب فلما فرغ من السورة الثانية قال:

اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير كله ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق.

وفي مصحف ابن عباس قراءه أبي وأبي موسى:

بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك.

وفي مصحف حجر: اللهم إنا نستعينك. وفي مصحف ابن عباس قراءة أبي وأبي موسى: اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك إن عذابك بالكفار ملحق.


الصفحة 135
وأخرج أبو الحسن القطان في المطولات عن أبان بن أبي عياش قال سألت أنس بن مالك عن الكلام في القنوت فقال:

اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونؤمن بك ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد إن عذابك بالكفار ملحق.

قال أنس: والله إن أنزلتا إلا من السماء!!

وأخرج محمد بن نصر والطحاوي عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان يقنت بالسورتين: اللهم إياك نعبد، واللهم إنا نستعينك.

وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبزى قال قنت عمر رضي الله عنه بالسورتين.

وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر قنت بهاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك.. واللهم إياك نعبد..

وأخرج البيهقي عن خالد بن أبي عمران قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبرئيل فأومأ إليه أن أسكت فسكت فقال:

يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وإنما بعثك رحمة للعالمين ولم يبعثك عذابا ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ثم علمه هذا القنوت:

اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ومحمد بن نصر والبيهقي في سننه عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال:


الصفحة 136
بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك.

بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ولك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق.

وزعم عبيد أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن من مصحف ابن مسعود.

وأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر عن ميمون بن مهران قال: في قراءة أبي بن كعب:

اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق.

وأخرج محمد بن نصر عن ابن إسحاق قال: قرأت في مصحف أبي بن كعب بالكتاب الأول العتيق:

بسم الله الرحمن الرحيم. قل هو الله أحد إلى آخرها.

بسم الله الرحمن الرحيم. قل أعوذ برب الفلق إلى آخرها.

بسم الله الرحمن الرحيم. قل أعوذ برب الناس إلى آخرها.

بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك.

بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق.

بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم لا تنزع ما تعطي ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك وغفرانك وحنانيك إله الحق.


الصفحة 137
(يلاحظ في هذه الرواية أن السورتين أولدتا بنتا فصرن ثلاثة).

وأخرج محمد بن نصر عن عطاء بن السائب قال: كان أبو عبد الرحمن يقرئنا: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد إن عذابك بالكفار ملحق.

وزعم أبو عبد الرحمن أن ابن مسعود كان يقرئهم إياها ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم إياها.

وأخرج محمد بن نصر عن الشعبي، قال: قرأت أو حدثني من قرأ في بعض مصاحف أبي بن كعب هاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك، والأخرى، بينهما بسم الله الرحمن الرحيم. قبلهما سورتان من المفصل وبعدهما سور من المفصل.

وأخرج محمد بن نصر عن سفيان قال كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر هاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد.

وأخرج محمد بن نصر عن إبراهيم قال: يقرأ في الوتر السورتين: اللهم إياك نعبد اللهم إنا نستعينك ونستغفرك.

وأخرج محمد بن نصر عن خصيف قال: سألت عطاء بن أبي رباح: أي شئ أقول في القنوت؟ قال: هاتين السورتين اللتين في قراءة أبي، اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد.

وأخرج محمد بن نصر عن الحسن قال نبدأ في القنوت بالسورتين ثم ندعو على الكفار ثم ندعو للمؤمنين والمؤمنات). انتهى.


الصفحة 138
وروى في كنز العمال ج 8 ص 74 و 75 و 78 وغيرها، الكثير من روايات الخلع والحفد!!

منها: (عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان يقنت بالسورتين: اللهم إنا نستعينك، اللهم إياك نعبد - ش ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة والطحاوي.

عن عبد الرحمن بن ابزى قال: صليت خلف عمر بن الخطاب الصبح، فلما فرغ من السورة في الركعة الثانية قال قبل الركوع: اللهم إنا نستعينك...

إلخ. - ش وابن الضريس في فضائل القرآن، هق وصححه.

وقال في هامشه: ملحق: الرواية بكسر الحاء: أي من نزل به عذابك ألحقه بالكفار. ويروى بفتح الحاء على المفعول: أي عذابك يلحق بالكفار ويصابون به النهاية 4 / 238) ب.

عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع في صلاة الغداة، فقال:

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد..

إلخ.

وزعم عبيد أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن في مصحف ابن مسعود - عب ش ومحمد ابن نصر والطحاوي هق.

عن عبد الرحمن بن ابزى أن عمر قنت في صلاة الغداة قبل الركوع بالسورتين: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد - الطحاوي.


الصفحة 139
ثنا هشيم قال: أخبرنا حصين قال: صليت الغداة ذات يوم، وصلى خلفي عثمان بن زياد فقنت في الصلاة، فلما قضيت صلاتي قال لي: ما قلت في قنوتك؟ فقلت: ذكرت هؤلاء الكلمات: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق، فقال عثمان: كذا كان يصنع عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - ش). انتهى.

وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1009: (حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا هشام، عن محمد: أن أبي بن كعب كتبهن في مصحفه خمسهن: أم الكتاب والمعوذتين والسورتين، وتركهن ابن مسعود كلهن، وكتب ابن عفان فاتحة الكتاب والمعوذتين، وترك السورتين.

وعلى ما كتبه عمر رضي الله عنه مصاحف أهل الإسلام، فأما ما سوى ذلك فمطرح، ولو قرأ غير ما في مصاحفهم قارئ في الصلاة، أو جحد شيئا منها استحلوا دمه بعد أن يكون يدين به). انتهى.

وتعبيره (على ما كتبه عمر) يعني أن ما كتب في عهده كان بأمره وموافقته، وأن من قرأ سورتي الخلع والحفد لا يستحل دمه لأنهما مما كتبه عمر.

والظاهر أن اسم عمر في الرواية جاء خطأ بدل اسم عثمان. فتكون فتوى باستحلال دم من يكتب سورتي الخليفة عمر في قرآنه!

روى الشافعي في كتاب الأم ج 7 ص 148، الحديث المتقدم عن البيهقي، أي حديث (يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وسورتي الخلع والحفد) وأفتى باستحباب القنوت بهما!


الصفحة 140
وقال مالك في المدونة الكبرى ج 1 ص 103:

(قال ابن وهب: قال لي مالك لا بأس أن يدعى الله في الصلاة على الظالم ويدعو لآخرين وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة لناس، ودعا على آخرين.

(ابن وهب) عن معاوية بن صالح عن عبد القاهر عن خالد بن أبي عمران قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن أسكت فسكت فقال يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون.

قال ثم علمه القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق).

انتهى.

وقال النووي في المجموع ج 3 ص 493 عن القنوت:

(والسنة أن يقول: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت.

لما روى الحسن بن علي رضي الله عنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات في الوتر فقال قل: اللهم اهدني فيمن هديت..

إلى آخره.

وإن قنت بما روي عن عمر رضي الله عنه كان حسنا...


الصفحة 141
وهو ما روى أبو رافع قال قنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد الركوع في الصبح فسمعته يقول: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك أن عذابك الجد بالكفار ملحق.

اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك يكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم آله الحق واجعلنا منهم.

ويستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الدعاء)..

وقال في ص 498:

(ولو قنت بالمنقول عن عمر رضي الله تعالى عنه كان حسنا وهو الدعاء الذي ذكره المصنف رواه البيهقي وغيره قال البيهقي هو صحيح عن عمر واختلف الرواة في لفظه والرواية التي أشار البيهقي إلى اختيارها رواية عطاء عن عبيد الله بن عمر رضي الله عنهم قنت بعد الركوع فقال (اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم. اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك. اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين.


الصفحة 142
بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك.

بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونخشى عذابك ونرجوا رحمتك إن عذابك الجد بالكفار ملحق.

(هذا لفظ رواية البيهقي). انتهى.

وعندما رأى النووي أن الخليفة حصر دعاءه بكفرة أهل الكتاب ليبعد الأمر عن كفرة قريش الوثنيين، علق بقوله (وقوله: اللهم عذب كفرة أهل الكتاب، إنما اقتصر على أهل الكتاب لأنهم الذين كانوا يقاتلون المسلمين في ذلك العصر وأما الآن فالمختار أن يقال عذب الكفرة ليعم أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، فإن الحاجة إلى الدعاء على غيرهم أكثر. والله أعلم).

انتهى!

ولكن النووي نسي المنافقين الذين نسيهم الخليفة!!

وقد حاول بعض الرواة أن يقوي أمر سورتي الخلع والحفد بأن عليا عليه السلام أيضا وافق الخليفة عمر وقرأهما في قنوته!

فقد روى السيوطي ومالك في المدونة الكبرى: 1 / 103 عن (عبد الرحمن بن سويد الكاهلي أن عليا قنت في الفجر: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك...)!!

ولكنها رواية شاذة، فقد روت مصادر السنيين عن قنوت علي ضد ذلك، وأنه كان يدعو على خصومه المنافقين!

ففي كنز العمال ج 8 ص 79: (عن إبراهيم النخعي قال: إنما كان علي يقنت لأنه كان محاربا وكان يدعو على أعدائه في القنوت في الفجر والمغرب - الطحاوي).


الصفحة 143
وفي ص 82: (عن عبد الرحمن بن معقل قال: صليت مع علي صلاة الغداة، فقنت، فقال في قنوته: اللهم عليك بمعاوية وأشياعه، وعمرو بن العاص وأشياعه، وأبي الأعور السلمي وأشياعه، وعبد الله بن قيس وأشياعه - ش). انتهى.

ابن حزم يفضح (سورتي) عمر! ويفتي أنهما كلام غير مأثور!!

قال في المحلى ج 4 ص 148:

وقد جاء عن عمر رضي الله عنه القنوت بغير هذا، والمسند أحب إلينا.

فإن قيل: لا يقوله عمر إلا وهو عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قلنا لهم: المقطوع في الرواية على أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى من المنسوب إليه عليه السلام بالظن الذي نهى الله تعالى عنه ورسوله عليه السلام.

فإن قلتم ليس ظنا، فأدخلوا في حديثكم أنه مسند فقولوا: عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم! فإن فعلتم كذبتم، وإن أبيتم حققتم أنه منكم قول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن، الذي قال الله تعالى فيه: إن الظن لا يغني من الحق شيئا).

وقال في المحلى ج 3 ص 91: (ويدعو المصلي في صلاته في سجوده وقيامه وجلوسه بما أحب، مما ليس معصية، ويسمي في دعائه من أحب.

وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عصية ورعل وذكوان، ودعا للوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، يسميهم بأسمائهم، وما نهى عليه السلام قط عن هذا ولا نهي هو عنه)!!. انتهى.


الصفحة 144
وكلامه الأخير تكذيب لحديث الشافعي والبيهقي (يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا)!

هل نفعت كل المقويات لبقاء سورتي الخليفة؟!

أكبر نجاح حققته سورتا الخلع والحفد أنهما سببتا التشويش على سورتي المعوذتين!

وأنهما دخلتا في فقه السنيين على أنهما دعاء قنوت مأثور عن النبي صلى الله عليه وآله!

أما أكبر نجاح لهما فكان على يد السلطة الأموية، التي تبنت قراءتهما مدة لا تقل عن نصف قرن على أنهما سورتان من القرآن! وذلك بالمقويات من رواة الخلافة الأموية.. ثم ماتتا؟!

روى السيوطي في الإتقان ج 1 ص 227: (وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي إسحاق قال: أمنا أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بخراسان فقرأ بهاتين السورتين: إنا نستعينك، ونستغفرك)!!. انتهى.

وعندما يقول أحد: صلى فلان بنا فقرأ بسورتي كذا وكذا، فمعناه قرأهما على أنهما قرآن، فقرأ إحداهما في الركعة الأولى والثانية في الركعة الثانية.

ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 157 وصححه، قال:

(وعن أبي إسحاق قال أمنا أمية ابن عبد الله بن خالد بن أسيد بخراسان فقرأ بها من السورتين إنا نستعينك ونستغفرك قال فذكر الحديث. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح!)

الصفحة 145
قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 1 ص 116: (وأما أمية بن عبد الله فإن عبد الملك استعمله على خراسان، والصحيح أنه لا صحبة له.. وقد ذكر مصنفوا التواريخ والسير أمية وولايته خراسان وساقوا نسبه كما ذكرناه.

وذكر أبو أحمد العسكري عتاب بن أسيد بن أبي العيص ثم قال: وأخوه خالد بن أسيد وابنه أمية بن خالد. ثم قال في ترجمة منفردة: أمية بن خالد بن أسيد ذكر بعضهم أن له رواية وقد روى عن ابن عمر).

وترجم له البخاري في تاريخه الكبير ج 2 ص 7، والرازي في الجرح والتعديل ج 2 ص 301، والمزني في تهذيب الكمال ج 3 ص 334، وقال:

(عن سعيد بن عبد العزيز: دعا عبد الملك بغدائه فقال: أدع خالد ابن يزيد بن معاوية، قال: مات يا أمير المؤمنين. قال أدع ابن أسيد، قال:

مات يا أمير المؤمنين. قال أدع روح بن زنباع، قال: مات يا أمير المؤمنين.

قال إرفع، إرفع. قال أبو مسهر: فحدثني رجل قال: فلما ركب تمثل هذين البيتين:

ذهبت لداتي وانقضت آثارهم * وغبرت بعدهم ولست بغابر
وغبرت بعدهم فأسكن مرة * بطن العقيق ومرة بالظاهر

قال خليفة بن خياط: وفي ولاية عبد الملك، مات أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وقال الحافظ أبو القاسم: بلغني أن أمية بن خالد، وخالد بن يزيد بن معاوية وروح بن زنباع، ماتوا بالصنبرة في عام واحد. وبلغني من وجه آخر أن روحا مات في سنة أربع وثمانين. وقال أبو بشر الدولابي:

حدثني أحمد بن محمد بن القاسم، حدثني أبي، حدثني أبو الحسن المدائني، قال:

سنة سبع وثمانين، فيها مات أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. روى له النسائي وابن ماجة حديثا واحدا). انتهى.


الصفحة 146
ويظهر من ترجمة أمية أنه نشأ في مكة كغيره من بني أمية، ثم وفد على عبد الملك فجعله من ندمائه وسكن في الشام حتى عدوه في الشاميين، ثم ولاه عبد الملك خراسان..

فالقصة التي يرويها الطبراني عنه بسند صحيح كما يشهد السيوطي، لا بد أن تكون بعد أكثر من نصف قرن من وفاة الخليفة عمر!!

وهذا يعني أن السلطة الأموية تبنت سورتي الخليفة عمر كسورتين أصيلتين من القرآن، وتبنت كتابتهما في المصحف بدل المعوذتين اللتين ليستا في رأيهم أكثر من عوذتين كان النبي صلى الله عليه وآله يعوذ بهما الحسن والحسين عليهما السلام!!

لكن هذه الجهود الرسمية لدعم هذين النصين الركيكين، قاومتها قوة القرآن الذاتية حتى نفتهما عنه كما تنفي النار عن الذهب الزبد والخبث..

وتجلى بذلك أحد مصاديق قوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وكفى الله المسلمين شر سورتي الخلع والحفد والحمد لله، ولم يبق منهما إلا الذكرى السيئة لهما، ولمن أراد أن يزيدهما على كتاب الله تعالى!!

نعم بقيتا كدعاء في فقه السنة، والحمد لله أنهما صارتا دعاء من الدرجة الثانية، لأن الدعاء الذي روته صحاحهم عن الإمام الحسن عليه السلام أبلغ منهما، فترى عامتهم يرجحونه عليهما!

وقد تقدم قول النووي في المجموع ج 3 ص 493: (والسنة أن يقول:

اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت.... لما روى الحسن بن علي رضي الله عنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات في الوتر).


الصفحة 147

القنوت في فقه الشيعة

القنوت في فقهنا جزء مستحب مؤكد من صلاة الفريضة والنافلة..

ويدعو المصلي فيه بالمأثور أو بما جرى على لسانه، لنفسه أو للمؤمنين ولو بأسمائهم، ولا يجوز الدعاء على المؤمنين ولا لعنهم. ويجوز أن يدعو على أئمة الكفر والنفاق ولو بأسمائهم، ويجوز أن يلعنهم..

قال المحقق الحلي المتوفى سنة 624 في المعتبر ج 2 ص 238:

(اتفق الأصحاب على استحباب القنوت في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا مرة، وهو مذهب علمائنا كافة، وقال الشافعي: يستحب في الصبح خاصة بعد الركوع، ولو نسيه سجد للسهو لأنه سنة كالتشهد الأول، وفي سائر الصلاة إن نزلت نازلة قولا واحدا، وإن لم تنزل فعلى قولين.

وبقوله قال أكثر الصحابة، ومن الفقهاء مالك قال: وفي الوتر في النصف الأخير من رمضان لا غير. وقال أبو حنيفة: ليس القنوت بمسنون بل هو مكروه إلا في الوتر خاصة فإنه مسنون.

وقال أحمد: إن قنت في الصبح فلا بأس، وقال: يقنت أمراء الجيوش.

لنا: أن القنوت دعاء فيكون مأمورا به لقوله تعالى (أدعوني أستجب لكم) وقوله (وقوموا لله قانتين)، ولأن الدعاء أفضل العبادات فلا يكون منافيا للصلاة، وما رواه أحمد بن حنبل عن الفضل بن عباس قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصلاة مثنى مثنى، وتشهد في كل ركعتين، وتضرع، وتخشع، ثم تضع يديك ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك وتقول يا رب..).


الصفحة 148
وعن البراء بن عازب قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها).

ورووا عن علي عليه السلام: (أنه قنت في الصلاة المغرب على أناس وأشياعهم). وقنت النبي صلى الله عليه وآله في صلاة الصبح فقال: (اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة واشدد وطأتك على مضر ورعل وذكوان وأرسل عليهم سنين كسني يوسف).

ومن طريق أهل البيت عليهم السلام روايات، منها رواية زرارة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: (القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع) وروى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام أيضا قال:

(القنوت في كل ركعتين في التطوع والفريضة). وروى صفوان الجمال قال: (صليت مع أبي عبد الله أياما فكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها ولا يجهر فيها). انتهى.

وهكذا.. تمسك الفقه الشيعي بسنة النبي صلى الله عليه وآله في القنوت باعتبار أنه تشريع ثابت مفتوح إلى يوم القيامة، يدعو فيه الفرد المسلم أو الحاكم المسلم إن شاء لنفسه وإخوانه، ويدعو فيه إن شاء على المنافقين والكافرين..

وهكذا.. أدان الأئمة من عترة النبي اتهام رسول الله صلى الله عليه وآله من أجل تبرئة الملعونين على لسانه!

وتمسكوا بشهادة الله سبحانه بحق نبيه وما ينطق عن الهوى.. إن هو إلا وحي يوحى، واعتقدوا بأن النبي لا يمكن أن يلعن غير المستحق.. بل تدل الروايات عن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام على أن لعنة الأنبياء أو بعض أنواعها تجري في ذرية الملعون!