أسأل الله تعالى أن يعطيك وإياي وكل طالب حق لكي يدين به ربه:
هدوء الأولياء وفهم الفقهاء.. ما كتبته لك، بعضه كنت كتبته سابقا، وبعضه اليوم، وأصوله كلها أعتقد بها بيني وبين ربي عز وجل، وأسأله أن يثبتني عليه حتى ألقاه.. وكل تفاصيله أعتقد بها أيضا، وقد يتغير اعتقادي في بعضها حسب الدليل..
أما مناظرتك يا مشارك، فإني أقبل بها وإن كنت لا أحب أسلوبك في الانكار والتهجم والتعصب لموروثاتك وتحقير خصومك.. إلى آخر الصفات الحسنة التي فيك، ولا أقول إني خير منك في المناظرة، فجل من لا عيب فيه، وصلوات الله على من عصمهم الله. وإنما أقبل لأني عندي شبهة وجوب في إرشاد الضال الذي تؤمل هدايته ولو أملا ضعيفا. ولأن فيك حالات يقظة فكرية وروحية، حيث تفكر في كلام خصمك وتستعيده، ولو بعد أيام.
تفضل باسم الله تعالى، وف بوعدك بحفظ العقلانية والهدوء والإنصاف .. ومتى رأيتك صرت خشن الذهن أو التعامل، أقول لك: سلاما..
شكرا يا عاملي على قبولك بمبدأ المناظرة، ونسأل الله عز وجل أن يهدي الضال إلى الحق، وبعد:
تقول (أما مناظرتك يا مشارك، فإني أقبل بها وإن كنت لا أحب أسلوبك في الانكار والتهجم والتعصب لموروثاتك وتحقير خصومك.. إلى آخر الصفات الحسنة التي فيك، ولا أقول إني خير منك في المناظرة، فجل
وأقول: اللهم اهد العاملي، ثم أقول: لي بعض الملاحظات على ما ذكرته في عقيدتك، وأرجوا (كذا) أن تجيب عليها نقطة نقطة إن أمكن، وهذه هي البداية فحسب:
النقطة الأولى:
لم أراكم (كذا) تستدلون في عقيدتكم بأي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلماذا؟؟؟ وهذا بالطبع يعني أنك لن ترضى أن أحاججك بأي حديث ورد في كتب السنة، أم أنك ترضى بذلك؟؟.
النقطة الثانية:
بالنسبة للخطب التي ذكرتها فإن لي عليها الملاحظات التالية:
1 - العبارات الواردة في كثير منها هي العبارات التي شاعت في القرن الثالث وما بعده، وما كان يعرف في القرن الأول والثاني مثل هذا الكلام الفلسفي عن الحركة والسكون وما شابه.
2 - طول هذه الخطب، وتعقيداتها الفلسفية تجعل المرء يفكر كيف يمكن لراوي (كذا) سمع هذه الخطبة أن ينقلها كما هي، رغم ما احتوته من ألفاظ دقيقة وتفريعات فلسفية.
النقطة الثالثة:
تنقل لنا يا عاملي هذا الكلام في عقيدتك:
(الإمام الرضا عليه السلام يعلم تلاميذه الدفاع عن التوحيد - توحيد الصدوق ص 107: حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن بطة قال: حدثني عدة من أصحابنا، عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: قال: لي أبو الحسن عليه السلام: ما تقول إذا قيل لك أخبرني عن الله عز وجل شئ هو أم لا؟. قال فقلت له: قد أثبت الله عز وجل نفسه
صدقت وأصبت. ثم قال لي: للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي، وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه، فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز، لأن الله تبارك وتعالى لا يشبهه شئ، والسبيل في الطريقة الثالثة:
إثبات بلا تشبيه).
وأقول لك يا عاملي: أليس هذا هو منهجنا منهج أهل السنة والجماعة؟.
أليس هذا هو عقيدتي التي ذكرتها لك؟ (فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. بل هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة) هل تجد فرقا بين الكلامين؟؟؟
النقطة الرابعة:
هل يتناقض المعصومين (كذا)؟؟؟ أذكر لك مثالا على ما ورد في عقيدتك من تناقض:
1 - الإمام الرضا عليه السلام يعلم تلاميذه الدفاع عن التوحيد:
توحيد الصدوق ص 107: حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور، قال:
حدثنا محمد بن جعفر بن بطة، قال: حدثني عدة من أصحابنا، عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: ما تقول إذا قيل لك: أخبرني عن الله عز وجل شئ هو أم لا؟ قال فقلت له: قد أثبت الله عز وجل نفسه شيئا حيث يقول: قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني
قال لي: صدقت وأصبت.
ثم قال لي الرضا عليه السلام: للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي، وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه، فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز، لأن الله تبارك وتعالى لا يشبهه شئ، والسبيل في الطريقة الثالثة:
إثبات بلا تشبيه.
2 - (أن المأمون لما أراد أن يستعمل الرضا عليه السلام على هذا الأمر جمع بني هاشم فقال: إني أريد أن أستعمل الرضا على هذا الأمر من بعدي، فحسده بنو هاشم وقالوا: أتولي رجلا جاهلا ليس له بصر بتدبير الخلافة، فابعث إليه رجلا يأتنا فترى من جهله ما يستدل به عليه، فبعث إليه فأتاه فقال له بنو هاشم: يا أبا الحسن اصعد المنبر وانصب لنا علما نعبد الله عليه، فصعد عليه السلام المنبر، فقعد مليا لا يتكلم مطرقا، ثم انتفض انتفاضة واستوى قائما، وحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه وأهل بيته. ثم قال:
أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيد الله نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أن كل موصوف مخلوق، وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، فليس الله عرف من عرف بالتشبيه ذاته، ولا إياه وحد من اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نهاه، ولا صمد صمده من أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه، ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من توهمه). أيهما نصدق؟
النقطة الخامسة:
نحن نثبت علو الله على خلقه، وإذا سئلنا أين الله، نقول في السماء، أي في العلو فوق السماوات السبع، ونستدل على ذلك بآيات وأحاديث كثيرة منها - وسأذكر لك بعض الآيات فقط - (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي) (بل رفعه الله إليه) (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) (يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا) (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور) (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير) فما هي عقيدتكم، وكيف تفسرون هذه الآيات، وخاصة الآية الأخيرة؟.
عموما: كانت هذه النقاط هي بداية الحوار، وفي انتظار ما عندك من ردود.
ملاحظة: إن كان هناك أي اعتراض على أسلوبي في النقاش هنا فأرجوا (كذا) بيانه. إن أحببت أن تناقشني في عقيدتي فعلى الرحب والسعة في الموضع الذي ذكرت فيه عقيدتي كاملة.
أشكرك على دعائك لي بالهداية، وعلى هدوئك في طرح المسائل.
جواب النقطة الأولى
قلت: (النقطة الأولى: لم أراكم (أركم) تستدلون في عقيدتكم بأي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلماذا؟؟ وهذا بالطبع يعني أنك لن ترضى أن أحاججك بأي حديث ورد في كتب السنة، أم أنك ترضى بذلك؟) انتهى كلامك.
وكيف تقول هذا مع أني افتتحت البحث بثلاثة أحاديث بليغة مليئة شريفة، عن النبي صلى الله عليه وآله، فحبذا لو أعدت قراءتها، خاصة حديثه صلى الله عليه وآله مع (سبحت) اليهودي.
أما عن قبولنا الأحاديث من صحاحكم ومصادركم الأخرى.. فمن ناحية عملية أغنانا الله تعالى بطرقنا إلى أحاديث النبي عن أهل بيته صلى الله عليه وعليهم، وقد ثبت عندنا وعندكم أنه صلى الله عليه وآله أرجع الأمة إليهم من بعده، والحمد لله.
مضافا إلى أن عندنا طرقنا الأخرى عن الرواة الثقات على موازيننا.
وأما عن قبولي منك روايات مصادركم، فيحق لي المقابلة بالمثل وأن لا أقبلها، لأنك لا تقبل مني ما صح على موازيننا.. ولكن غرضي معك ليس هو المغالبة والإفحام، بل أن أفهم وتفهم، وتقتنع وأقتنع..
لذا أخبرك بأننا معشر الشيعة لا نشترط في الراوي العدالة بل الوثاقة.
ونقبل رواية السني غير الناصبي بشرط عدم مخالفتها للقرآن ولما صح عندنا، بل نقبل قول الخبير الثقة كالطبيب واللغوي، حتى لو كان غير مسلم.
ولكن الفرق بيننا وبينكم أنكم تأخذون بحرفية موازينكم في الجرح والتعديل، وتكتفون بها فقط! وقد شاع هذا المنهج عندكم في السنوات
والسبب في ذلك هو:
1 - تناقض الأحاديث الصحيحة في أحيان كثيرة. أذكر مثالا واحدا عليه هو آخر ما نزل من القرآن، حيث صح فيه عندكم عدة أحاديث كل منها يقول: إن الآية الفلانية آخر ما نزل منه!! مع أن آخر ما نزل آية واحدة لا أكثر!
2 - تناقض الرواة الموثقين في أقوالهم، وفي أعمالهم.
3 - تناقض الثقات في جرحهم وتعديلهم. ولا أطيل في أمثلة ذلك!.
وهذا هو البذرة القوية لأن تنشأ منكم فئات مخالفة لبعضها البعض، بل ومذاهب، وسلاح كل منها أحاديث صحيحة باعتراف الجميع!!
وهي مشكلة تغذي قيامكم بفتح باب الاجتهاد وتعويمكم شروطه، حيث أخذتم بذلك بفكرة دعاة التحرر المصريين الذين عملوا لتقويض الأزهر وضرب مركزيته ومركزية المذاهب الأربعة في الفتوى.. ففتحوا الباب وولج فيه من هب ودب، ونتج عندهم ما يسمونه (مجتهدو الشقق ومراجع الشقق) وكل منهم يفتي في كل أمور الإسلام (عقيدته وشريعته وطريقة العمل له) ويجد له أتباعا من العوام يتعصبون له، ويجد منهم من يحمل السلاح معه!
وليس هذا من صلب موضوعنا.
المهم هنا: أن مقياس صحة الحديث عندنا هو مجموعة أمور، وصحة السند غالبا ما تكون أحدها. والميزان في صحته في اعتقادي هو: اطمئنان العالم العادل الجامع للشروط العلمية بينه وبين ربه بصدور الحديث من رسول
هذا جوابي عن النقطة الأولى، وأرجو أن تجيبني، هل اقتنعت بها؟.
وأظنك ستندفع بالحديث والإثارات الفكرية وغير الفكرية، فيتأخر جواب النقطة الثانية مدة من الزمن! أما أنا فليس عندي غرض أستعجل به على نتيجة، ما دمت متفهما هادئا في البحث.
شكرا على تصحيح الخطأ اللغوي.
معذرة لأني لم أنتبه لأحاديثكم التي ذكرتها.
ما فهمته من جوابك على السؤال الثاني في النقطة الأولى أنه يمكنك قبول أو رد ما جاء عندنا في مصادرنا، لأنه يوجد عندكم ما يغنيكم عنه، ولأنه ليس على موازينكم.
حسنا، قد أوضحت وجهة نظرك في النقطة الأولى، وأظن أنه بالإمكان الانتقال إلى النقطة الثانية.
شكرا لك على الاعتراف بالحق، وأنك اشتبهت ولم تكن رأيت الأحاديث النبوية الشريفة التي افتتحت بها عقيدتنا في صفات الله تعالى.
والظاهر أنك مشغول في الموضوعات الأخرى بشدة، حتى لا ترى ثلاثة أحاديث مهمة في صدر موضوع أنت طلبته بإلحاح!
أقرأ لك أحيانا فأقول: يا ترى هل هذا هو مشارك الشيخ العالم الهادئ؟!
فيظهر أن لك شخصيتين: شخصية عالم وشخصية عامي، وهكذا ابن تيمية!
على كل، لقد وعدتك بمواصلة الحوار، وسأتحمل منك ما استطعت..
وأسال الله أن يصلح قلبك حتى يصلح لسانك.
جواب النقطة الثانية
قلت أنت: (النقطة الثانية: بالنسبة للخطب التي ذكرتها فإن لي عليها الملاحظات التالية:
1 - العبارات الواردة في كثير منها هي العبارات التي شاعت في القرن الثالث وما بعده وما كان يعرف في القرن الأول والثاني، مثل هذا الكلام الفلسفي عن الحركة والسكون وما شابه.
2 - طول هذه الخطب، وتعقيداتها الفلسفية تجعل المرء يفكر كيف يمكن لراوي (كذا) سمع هذه الخطبة أن ينقلها كما هي رغم ما احتوته من ألفاظ دقيقة وتفريعات فلسفية). انتهى كلامك.
والجواب: أولا، حتى لو استثنيت خطب الإمام علي عليه السلام التي أوردتها لك، فإنه لا يتغير من أصل الموضوع شئ يذكر، لأن موضوعات الخطب وموضوعات الأحاديث عن النبي والأئمة صلى الله عليه وعليهم واحدة تقريبا.
ثالثا، إن الاستدلال على رد نص أو قبوله بأن عباراته من عبارات القرن الأول أو ليست منها، ليس استدلالا دقيقا على إطلاقه!! فقد كنت مثلك أستبعد تعابير وكلمات حتى رأيتها في روايات الفتوحات التي بدأت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله مباشرة!
نعم إن المسلمين استوردوا الفلسفة من اليونانيين وترجموها واستفادوا منها، وتأثروا بها مع الأسف! ولكن هذه التعابير التي رأيتها في الخطب كانت عندهم، فاستعانوا بها على ترجمتهم.
ولو أن شخصا قال لك قال النبي صلى الله عليه وآله: الكلام اسم وفعل وحرف.. لتعجبت وقلت هذا من تعابير القرون المتأخرة! وربما حكمت بكذب الحديث! ولكن هذا التقسيم للغة العربية ثبت أنه لعلي عليه السلام تلميذ النبي صلى الله عليه وآله!! فلا تستبعد ما تراه من علوم في خطبه!!.
رابعا: إن الكلام في سند نهج البلاغة مفيد، ولكنه خارج عن موضوعنا، وخلاصته: أن خطبه لها أسانيد عن غير طريق الشريف الرضي الذي جمعه في القرن الثالث.. وقد شهد بعض السنيين أنه رأى بعض الخطب بخط علماء توفوا قبل أن يولد الشريف الرضي!!
أما كيف يحفظ الراوي هذه الخطب الطويلة.. فقد كانوا يكتبون يا مشارك، وأنتم تروون أن معيديا اسمه أبو شاه، طلب من النبي صلى الله عليه وآله أن يكتبوا له خطبته فقال: اكتبوا لأبي شاه!! (في البخاري ومسلم).
وهذا بحث طويل في تدوين القرآن والسنة ومنع إمامك عمر منها، ومخالفة علي وأهل البيت وشيعتهم له، فقد كانوا رغم المنع والعقوبة يأمرون الناس بالكتابة، وكان الشيعي تحت منبر النبي وعلي يسمع ويكتب، يا مشارك!!
جواب النقطة الثالثة
قلت: (النقطة الثالثة: تنقل لنا يا عاملي هذا الكلام في عقيدتك: الإمام الرضا عليه السلام يعلم تلاميذه الدفاع عن التوحيد: توحيد الصدوق ص 107... إلى آخر حديث محمد بن عيسى بن عبيد، عن الإمام الرضا عليه السلام). انتهى كلامك.
والجواب: أن هذا المقطع قريب من معنى الحديث الذي ذكرته لك عن الإمام الرضا عليه السلام، ولكن كلامكم أنتم في التوحيد عام مجمل، يقبل التفسيرات المتعددة!
فالجهمية أرادوا (التنزيه) بزعمهم، فنفوا أن يكون الله تعالى شيئا حتى لا يقعوا في التشبيه، فعطلوا.. والمشبهة لله تعالى الذين تبرؤون أنتم منهم أرادوا (الإثبات) بزعمهم، فشبهوا الله تعالى بالمخلوقات، فجعلوه مخلوقا والعياذ بالله!!
أما أنتم فتصورتم أن إثبات الصفات لا يكون إلا بأن تجعلوا الله تعالى جسما لا جسدا! فوقعتم في التشبيه والثنائية بين ذات الله تعالى وصفاته..
وخالفكم جمهور المسلمين، وبقيتم تدافعون عما تخبطتم فيه! لأن جعل الذات الإلهية غير الصفات، يعني وجود شيئين: الله تعالى وصفاته، وهذا يوجب السؤال: من منهما كان قبل الآخر؟! وهي نفس ثنائية الأب والابن النصرانية، التي لم يستطيعوا إلى الآن أن يخرجوا منها!!.
ومن ناحية أخرى، صححتم أحاديث التشبيه التي أدخلها المتأثرون باليهود وثقافتهم في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله، مثل حديث الحاخام، وأم الطفيل، ونزول الله تعالى بذاته، فقلتم: إذن، فالله تعالى جسم، وهو يشبه الإنسان الذي خلقه على صورته فالإنسان شبيهه، وليس مثيله!!
فوقعتم في التشبيه كالنصارى، ولم تستطيعوا أن تخرجوا منه!!
واعلم يا شيخ (مشارك) أن الضلال العقائدي الذي وقع فيه المسلمون كله قد جاءهم من الطرق الخاطئة التي تصوروا أنها تحقق التنزيه أو الإثبات!.
فهم ما بين جانح في التنزيه متجه نحو التعطيل.. أو جانح في الإثبات متجه نحو التشبيه.. ولا نجاة لهم إلا بالتمسك بالثقلين كما أمرهما رسول الله صلى الله عليه وآله.. فأهل البيت هم المفسرون الشرعيون للكتاب، وطريقتهم في التنزيه والإثبات هي الوحيدة الصحيحة، والحمد لله.
أنا لست شيخا يا عاملي، لا سنا ولا علما، بل أنا (واحد بتاع كمبيوتر)، وإن كنت لست عاميا ولله الحمد، وأنا لست صاحب شخصيتين بل شخصيتي واحدة أعلنتها بوضوح: أنا مع الحوار العلمي الجاد والموضوعي والصادق والمتجرد، لكن بعض الناس كما يقول شيخ الأزهر هداه الله، لا يصلح معهم إلا الجزمة.
وعموما سامحك الله، فأنا لا أبدأ بالسب الشخصي، ولكن كنت أنتظر تدخلكم أو تدخل المراقب ليحذف السباب الشخصي كما كان يفعل القطيف، وإن رددت عليه فمن حقي الرد، لقوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح..) وقوله صلى الله عليه وسلم (المستبان ما قالا، فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم) رواه مسلم.
ولكن عموما شكرا على النصيحة يا عاملي، وسأحاول أن لا أرد، ولكن حاول أنت أيضا أن تقنع هذه الفئة بتعلم الأدب مع الصحابة، ومع بقية الناس. وطالما أنك أهديتني نصيحة يا عاملي، فأنا أيضا أهديك نصائح:
1 - لا تنسب لنا شيئا تستنتجه بنفسك دون أن نقول به نحن (الهواء).
2 - إقرأ كلام من تنتقده كاملا بتمعن قبل أن تنتقده في أنه قصر في النقل عنكم (القفاري).
3 - لا تلبس على الناس بذكر أشياء أنت أول من علم ببطلانها (ابن بطوطة) 4 - تكلم عن ابن تيمية بالعدل (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا)
أرجوا كذا) أن تخبرني بملاحظاتك على هذه النصائح.
ثم نعود لما ذكرت فأقول: أكمل يا عاملي بقية النقاط، ولكن حبذا إن أردت أن تنقل شيئا عن عقيدتنا أن تنقله مسندا موثقا، وعموما أود أن يكون النقاش بعد انتهائك من المسألة الخامسة، وهي الأهم عندي، وأنا في انتظارك.
الأخ (مشارك) بعد السلام عليكم، أشكرك على قبول نصيحتي ولو كانت ثقيلة. وأشكرك على نصائحك وأقبلها ولصاحبها الفضل ولو ناقشته في بعضها، وفي الأثر: رحم الله من أهدى إلي عيوبي.. وقد كان أستاذي - رحمه الله - يقول لي عندما أمدحه:
يا فلان لا تمدحني فتساعد نفسي علي، بل انتقدني واهد إلي عيوبي، لتساعدني على نفسي!
وبالنسبة إلى القفاري فثق أني لم أظلمه، دقق في كلامي وفي كتابه.. ثم هو ليس وحده المؤلف، بل معه عجم يا مشارك، ففي كتابه أخطاء لغوية في استعمال (أل) لا يمكن أن تصدر من عربي!!.
وبالنسبة لاتهام إمامكم ابن تيمية بأنه يقول إن الهواء كان مع الله تعالى أو قبله، فهو أمر من اللوازم القطعية لكل من يصحح الحديث الذي يزعم أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله: أين كان الله قبل خلق الخلق؟ فقال: (كان في عماء تحته هواء وفوقه هواء)، أو بمعناه!!
أرجو أن تقنع ابنك أو طفلا مميزا أو عاميا فهيما سليم الفطرة، بمعنى هذا الحديث، لترى أن من لوازمه أنه كان يوجد شئ مع الله تعالى أو قبله!!
بل إن الحديث يزعم أن النبي صلى الله عليه وآله قبل السؤال بأين عن الله تعالى! ومعناه أنه اعترف بوجود الأين قبله!! مع أنه تعالى هو أين الأين، وكيف الكيف، وخلق شريط المكان والزمان!!
فهذا هو حكم العقل.. وكذلك أجاب أهل البيت عليهم السلام عن هذا السؤال يا مشارك، وقال علي عليه السلام لمن سأله: متى وجد ربنا؟
قال له: ويحك! أخبرني متى لم يكن أخبرك متى كان!!
إن قبول صيغة السؤال بأين عن الله تعالى، لا توجد في ثقافة المسلمين، بل هي من ثقافة اليهود والحاخامات، يا مشارك!!.
ختاما، أقبل منك طلبك أن أوثق ما أنقله من عقائدكم من مصادره، وأرجو منك ذلك.
أما عن الساخرين الغوغائيين منا فلا أبرر فعلهم، ولكن البادي أظلم!
وأما قضيتك مع القطيفي فلم أعرفها، وسأقرؤها وأخبرك برأيي، مع جواب بقية النقاط إن شاء الله تعالى.
أشكرك على قبول النصائح قبولا مجملا، وإن كنت أريد أن أعلق هنا على نقطة واحدة فقط حتى أدع لك الفرصة لتكمل ما عندك.
والعجيب أن بعض من يردون على ابن تيمية يتركون كلامه الواضح الصريح، ويأخذون كلاما يقوله ابن تيمية عن الخصوم أثناء رده عليهم، فينسبونه إلى ابن تيمية، فإلى الله المشتكى.
وأما في اللازم الذي عندك فأقول لك: ليس فيه أي حجة لمن قال: إن الهواء كان قبل الله، وهذا ما قولتنا إياه، ولم تتب منه حتى الآن يا عاملي.
ثم أحيلك إلى لوازم الجهمية والفلاسفة الذين رد عليهم ابن تيمية ب 29 وجها في إبطال لوازمهم.
وأحيلك إلى رد ابن تيمية على البراهين العشرة للرازي في مباحثه المشرقية، كما في منهاج السنة الجزء الأول، ولكن دعنا نعود إلى إكمال ما بدأناه.
قلت لك: إن القول بوجود مكان اسمه (العماء، تحته هواء وفوقه هواء) كان الله تعالى فيه قبل خلق جميع الخلق، يلزمه أن يكون المكان والعماء والهواء موجودات مع الله تعالى، أو قبله!!
وحينئذ يأتي سؤال المسلمين للمسيحيين عن الأب والابن: من كان قبل الآخر، ومن خلق الآخر؟؟!!
ثم ادعيت علي أني أعلم أن (لازم المذهب ليس بمذهب)!! سبحانك اللهم، وأعوذ بك أن أدعي هذه الفرية التي لا يقبلها عقل، فلا تسألني غدا عنها!!
هل تعرف - يا أخ مشارك - أن قاعدة ابن تيمية هذه التي يتهرب بها في المناقشة، لو قبل بها الناس، لخربت الأرض؟!!
فمن المقرر فقهيا أن من أقر بشئ فقد أقر بلوازمه (بشرط أن تكون لوازم حقيقية لا وهمية)، ولا ينفعه أن يقول لا أقر بلوازمه.
هذا في الحقوق، والشريعة، والقوانين، في كل محاكم العالم ومجتمعاته.
وكذلك الأمر في القوانين الطبيعية يا مشارك.. فلا يمكن أن تقطع الكهرباء عن جهاز ولا يلزم منه انقطاعها عنه! فقوانين الطبيعة مترابطة، لا يمكن لأحد التفكيك فيها بين وجود السبب والمسبب، وأن يقبل العلة وينكر المعلول!!
إنها الملازمات البديهية التي لا تنفك عن ملزوماتها، فلا يمكن لأحد أن يقبل اللازم دون الملزوم! وإلا لقبل الجاني فعله لجنايته وأنكر أن يلزم منه تحقق الجناية!
وكذا حركة الطبيعة وفيزياؤها، فيها متلازمات لا يمكن التفكيك بينها، لأن قانون خلقتها كذلك.. والأمور الفكرية والعقائدية كذلك، فإن اعتقدت برسول لزم أن تعتقد برسالة.. وإن قلت عن شخص هذا مسلم، فمعناه أنه طاهر، ولا يمكنك التفكيك بين الأمر ولوازمه..
ولا ينفعك بعد ذلك قولك أعتقد بوجودها مع الله قبل الخلق، ولا أعترف بأنها آلهة.. لأنك فرضتها قبل خلق جميع الخلق!!
إن مقولة ابن تيمية (إني أعترف بالشئ ولا أعترف بلوازمه، وأن لوازم المذهب ليست مذهبا) ما هي إلا محاولة للفرار مما يترتب منطقيا على تشبيهه وتجسيمه، وإنكار للتلازم البديهي بين الأمور المتلازمة بحكم العقل، التي يقرها الناس بفطرتهم مؤمنهم وكافرهم.. فأرجو أن تعيد النظر في هذه المقولة المتهورة!
هل لك أن تذكر لنا روايات حديث العماء من مصادرها الأصلية، لأبين لك أين خطؤك!
نصوص حديث العماء في مصادر السنيين:
- رواه أحمد في مسنده: 4 - 11: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يزيد بن هارون، أنا حماد ابن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين، قال: قلت يا رسول الله، أين كان ربنا عز وجل قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء، ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء.
وفي: 4 - 12: حدثني أبي، قال ثنا حماد بن سلمة، قال أخبرني يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين العقيلي، أنه قال يا رسول الله أين كان ربنا عز وجل قبل أن يخلق السماوات والأرض؟. قال:
في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء.
ورواه ابن ماجة: 1 - 64 181 - 182: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح قالا: ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين، قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟....
ورواه الترمذي: 4 - 351 5109: حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين قال: قلت يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء وخلق عرشه على الماء.
هذا حديث حسن.
- ورواه الطبراني في المعجم الكبير: 19 - 207: حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا حجاج بن المنهال، حدثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين، قال قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السماء والأرض؟. قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء.. ورواه الأصبهاني في كتاب العظمة - 365 - والطبري في تاريخه: 1 - 31، وفي تفسيره: 7 - 7 وقال الهندي في كنز العمال: 1 - 236 1185: كان في عماء تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء (ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن أبي رزين)، قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض قال: فذكره. في كنز العمال: 10 - 370: كان في عماء تحته هواء وفوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء) حم، وابن جرير، طب، وأبو الشيخ في العظمة عن أبي رزين، قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال:... فذكره.
وقال في هامشه: أخرجه البخاري كتاب بدء الخلق باب ما جاء في قوله تعالى: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده (4 - 129 ص 2) عماء، في حديث أبي رزين قال: يا رسول الله، أين كان ربنا عز وجل قبل أن يخلق خلقه؟.
فقال: كان في عماء تحته هواء وفوقه هواء. العماء بالفتح والمد: السحاب.
ورواه آخرون أيضا، لكن كل رواياتهم عن أبي رزين المذكور!!.
نماذج من الذين تبرؤوا من الحديث وقالوا رواته أعراب لا فهم لهم:
- قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث صفحة 206:
قالوا: رويتم في حديث أبي رزين العقيلي من رواية حماد بن سلمة أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟.
فقال: كان في عماء فوقه هواء وتحته هواء، قالوا وهذا تحديد وتشبيه!!
قال أبو محمد: ونحن نقول إن حديث أبي رزين هذا مختلف فيه، وقد جاء من غير ذا الوجه بألفاظ تستشنع أيضا!! والنقلة له أعراب!! ووكيع بن حدس الذي روي عنه حديث حماد بن سلمة أيضا لا يعرف، غير أنه قد تكلم في تفسير هذا الحديث أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا عنه أحمد بن سعيد اللحياني، أنه قال: العماء السحاب، هو كما ذكر في كلام العرب إن كان الحرف ممدودا، وإن كان مقصورا كأنه كان في عمى، فإنه أراد كان في عمى عن معرفة الناس، كما تقول عميت عن هذا الأمر فأنا أعمى عنه عمى إذا أشكل عليك فلم تعرفه ولم تعرف جهته، وكل شئ خفي عليك فهو في عمى عنك.
وأما قوله فوقه هواء وتحته هواء، فإن قوما زادوا فيه ما فقالوا ما فوقه هواء وما تحته هواء، استيحاشا من أن يكون فوقه هواء وتحته هواء، ويكون بينهما!! والرواية هي الأولى، والوحشة لا تزول بزيادة ما، لأن فوق وتحت باقيان، والله أعلم!!
قال أبو حاتم رضي الله عنه: وهم في هذه اللفظة حماد بن سلمة من حديث في غمام إنما هو في عماء، يريد به أن الخلق لا يعرفون خالقهم من حيث هم، إذ كان أين زمان وأين مكان، ومن لا يعرف له زمان أو مكان معه لأنه خالقها، كان معرفة الخلق إياه كأنه كان في عماء عن علم الخلق، لا أن الله كان في عماء، إذ هذا الوصف شبيه بأوصاف المخلوقين!!
وفي شرح سنن ابن ماجة للسيوطي وعبد الغني والدهلوي - 16:
قوله كان في عماء بالفتح والمد سحاب. قال أبو عبيدة لا ندري كيف كان ذلك العماء. وفي رواية كان في عمى بالقصر، ومعناه ليس معه شئ، وقيل هو أمر لا تدركه عقول بني أدم، ولا يبلغ كنهه الواصف الفطن.
قال الأزهري: نحن نؤمن به ولا نكيف، أي نجري اللفظ على ما جاء عليه من غير تأويل، كذا في الدر النثير.
قوله كان في عماء: قال القاضي ناصر الدين بن المنير: وجه الإشكال في الحديث الظرفية والفوقية والتحتية. قال: والجواب: أن (في) بمعنى (على)، وعلى بمعنى الاستيلاء، أي كان مستوليا على هذا السحاب الذي خلق منه المخلوقات كلها، والضمير في فوقه يعود إلى السحاب، وكذلك تحته، أي كان مستوليا على هذا السحاب، الذي فوقه الهواء وتحته الهواء. وروى بلفظ القصر في عمى، والمعنى عدم ما سواه، كأنه قال: كان لم يكن معه شئ، بل كل شئ كان عدما عمى لا موجودا ولا مدركا، والهواء الفراغ أيضا العدم، كأنه قال: كان ولا شئ معه، ولا فوق ولا تحت. انتهى.
- وقال الهروي في غريب الحديث - 7: