الاِيمان والكفر
===============
===============
بسم الله الرحمن الرحيم
قاربوا الخطى أيُّها المسلمون
===============
===============
بسم الله الرحمن الرحيم
الاِيمان والكفر، مفهومهما وحدودهما
=============== =============== ***
=============== ===============
ونجتني من ذلك فائدتين:
الاَُولى: ربّما توَدّي الدراسة إلى ثمرة مهمة في ساحة الوحدة الاِسلامية
وهي: أنّه بعد تبيين حقيقة الاِيمان مفهوماً وحدّاً ربّما تنضوي تحتها عشرات
الفرق الاِسلامية، التي ربّما أُسىء الظنّ بهم بشتّى الوسائل، وربّما احتسبوا
أجانب فيصبحوا إخواناً مخلصين.
الثانية: وربّما ينعكس الاَمر على البعض الآخر فيُلفَظوا عن حظيرة
الاِسلام وقد كنّا نتصوّرهم من أُمّها وصميمها.
البحث في الاِيمان والكفر بحث واسع، مترامي الاَطراف، والخوض في
غماره يخرج الرسالة عن كونها رسالة موجزة، فالذي سوف نركّز عليه من بين
البحوث المتوفّرة هو البحث في الجهات التالية:
الجهة الاَُولى: في تفسير الاِيمان لغة واصطلاحاً.
الجهة الثانية: في أنَّ العمل جزء من الاِيمان وعدمه.
الجهة الثالثة: في أنّه يقبل الزيادة والنقيصة أو لا.
الجهة الرابعة: فيما يجب الاِيمان به.
الجهة الخامسة: في تحديد الكفر وأسبابه وأقسامه.
الجهة السادسة: في جواز تكفير أهل القبلة وعدمه.
الجهة السابعة: في الفرق بين الاِسلام والاِيمان.
الجهة الثامنة: لزوم تحصيل العلم في العقائد.
الجهة التاسعة: في الدفاع عن الحقيقة.
الجهة العـاشــرة: في الوحدة الاِسلامية.
والمهم منها هو الجهة الرابعة والخامسة، إذ بهما يتميّز الموَمن عن الكافر،
يتميّز كل من ينضوي تحت راية الاِيمان عمّن يُقصى منها، وإليك البحث في
الاَُمور أعلاه:
الجهة الاَُولى:
الاِيمان لغة واصطلاحاً
===============
===============
===============
وعلى ذلك درج المتكلّمون في تعريف الاِيمان حيث فسّروه بالتصديق.
قال عضد الدين الاِيجي: الاِيمان: التصديق للرسول فيما علم مجيئه به
ضرورة، فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً (1)
وقال التفتازاني: الاِيمان: اسم للتصديق عند الاَكثرين أي تصديق النبىّ
فيما علم مجيئه به بالضرورة (2)
وأمّا أكثر أعلام الشيعة ففسّروه بالتصديق، نقتصر على ما يلى:
قال المرتضى (355 ـ 436هـ) : إنّ الاِيمان عبارة عن التصديق القلبي ولا
اعتبار بما يجري على اللسان، فمن كان عارفاً بالله تعالى وبكلّ ما أوجب معرفته،
مقرّاً بذلك ومصدّقاً فهو موَمن (3)
وقال ابن ميثم: إنّ الاِيمان عبارة عن التصديق القلبي بالله تعالى، وبما جاء
به رسوله من قول أو فعل، والقول اللساني سبب ظهوره، وسائر الطاعات ثمرات موَكدة له (4)0.
____________
1 . شرح المواقف: 8|323، قسم المتن.
2 . شرح المقاصد: 5|176.
3 . المرتضى: الذخيرة في علم الكلام: 536 ـ 537.
4 . ابن ميثم: قواعد المرام: 170.
وهو خيرة المحقّق الطوسي في الفصول النصيرية (2)والفاضل المقداد
في إرشاد الطالبين (3)ونقله المجلسي عن بعض المحقّقين وقال: إنّه عرفه
بقوله: هو التسليم لله تعالى والتصديق بما جاء به النبيّ لساناً وقلباً على بصيرة(4)
نعم، فسّره الطبرسى في تفسيره بالمعرفة وقال: أصل الاِيمان هو المعرفة
بالله وبرسوله وبجميع ما جاءت به رسله، وكل عارف بشيء فهو مصدّق له (5)
ونسبه الشهيد الثاني إلى أصحابنا (6)
ولكنّه تفسير له بالمبدأ فإنّ التصديق القلبي فرع المعرفة فكلّ مصدّق،
عارف بما يصدّقه ولا عكس؛ إذ ربّما يعرف ولا يصدّق قال سبحانه: (الَّذينَ
آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كما يَعْرِفُونَ أبْناءَهَمْ
)(البقرة ـ 146) ومع العرفان ما
كانوا موَمنين.
والفرق بين التصديق والمعرفة واضح، لاَنّ في الاَوّل سكون النفس وهو
كسبي اختياري يوَمر به ويثاب عليه، والمعرفة ربّما تحصل بلا كسب والفرق بينهما كالفرق بين الاِيمان والعلم، فلو كان التصديق ملازماً للتسليم فهو، وإلاّ
يشترط فيه وراء التصديق: التسليم، لقوله سبحانه: (فلا وَرَبّكَ لا يُوَْمِنونَ حَتّى
____________
1 . العلاّمة الحلي: كشف المراد: 426.
2 . نقله العلاّمة المجلسي عنه في البحار: 69|131، وقال: إنّ الاِيمان هو التصديق القلبي مذهب جمع من
متقدّمي الاِمامية ومتأخّريهم ومنهم المحقّق الطوسي في فصوله.
3 . الفاضل المقداد: إرشاد الطالبين: 442.
4 . المجلسي: البحار: 68|296.
5 . الطبرسى: مجمع البيان: 1|89.
6 . زين الدين العاملي في رسالة حقائق الاِيمان وهو فسّـره لغة بالتصديق، لاحظ البحار: 69|131.
وبما ذكرنا يعلم عدم تمامية ما ذكره التفتازاني في ذيل كلامه المتقدم،
وهو أنّ الشيعة فسّرت الاِيمان بالمعرفة كجهم والصالحي، لما عرفت أنّه قول الطبرسى ـ قدّس سرّه ـ وغيره على ما نقله الشهيد الثاني، لا قول الشيعة بأجمعهم.
===============
===============
=============== ===============
===============
نعم هناك نكتة، وهي: أنّ الآية لا تقوم بنفي كفاية التصديق القلبي في
تحقّق الاِيمان إذا لم يقترن مع الجَحْد، وإنّما تثبت عدم كفايته إذا اقترن به، فلا بدّ
في إثبات عدم كفاية الاَوّل من التماس دليل آخر.
ثم إنّ لابن حزم الظاهري (ت 456هـ) كلاماً في المقام استشكل به على
المستدل، وذلك بوجهين:
الاَوّل: انّ الاِيمان في اللغة ليس هو التصديق، لاَنّه لا يسمى التصديق
بالقلب دون التصديق باللسان إيماناً في لغة العرب، وما قال ـ قطّ ـ عربىّ إنّ من
صدق شيئاً بقلبه فأعلن التكذيب بلسانه أنّه يسمى مصدّقاً به، ولا موَمناً به،
وكذلك ما سُمى ـ قطّ ـ التصديق باللسان دون التصديق بالقلب إيماناً بلغة
العرب.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره يثبت عدم كفاية التصديق مع التكذيب باللّسان،
وأمّا عدم كفاية التصديق مع عدم التكذيب فلا تثبته الآية ولا كلام العرب كما
عرفت، ولاَجل ذلك قلنا: لابدّ في إثبات عدم كفاية ذلك القسم من التماس دليل
آخر.
الثاني: لو كان ما قاله صحيحاً لوجب أن يطلق اسم الاِيمان لكل من صدق بشىء موَمناً، ولكان من صدق باطنية الحلاّج والمسيح والاَوثان موَمنين لاَنّهم
مصدّقون بما صدقوا به (1)
____________
1 . ابن حزم الفصل: 3|190.
نعم لو كان موضوع الدراسة هو تفسير التصديق لغة، فلا شك أنّه يشمل
كل تصديق متعلّق بشيء، قال سبحانه: (وما أنْتَ بِمُوَْمِنٍ لَنا
)(يوسف ـ 17) .
وكم لابن حزم في كتبه من "الفصل" و "المحلّى" كلمات واهية مضافاً إلى
ما اتّخذ لنفسه خطّة في الكتابة وهي؛ التحامل على الفرق الاِسلامية بالسّباب
وبذاءة الكلام، عفا الله عنّا وعنه.
وأمّا القول الثالث والرابع: فمتقاربان، غير أنّ الرابع جعل العمل جزء من الاِيمان، والثالث جعله من ثمراته وكماله، لاجزءاً لحقيقته، وهذا هو الموضوع
الذي فرّق المسلمين إلى فرق ثلاثة، أعني بهم:
أ ـ الخوارج: الذين كفّروا مرتكب الكبيرة، ومنعوا من إطلاق الموَمن عليه،
وبلغوا الغاية في التشديد وجعلوه مخلّداً في النار لخروجه عن ربقة الاِيمان.
ب ـ المعتزلة: وهم الذين جعلوا مرتكب الكبيرة منزلة بين منزلتين فلا هو بموَمن ولا كافر، ولكنّهم صفّقوا مع الخوارج في جعل مرتكب الكبيرة مخلّداً
في النار إذا مات بلا توبة.
ج ـ جمهرة الفقهاء والمتكلّمين من السنّة والشيعة: وهم الذين جعلوا الاِيمان نفس التصديق مع الاِقرار باللسان، وجعلوا العمل كمال الاِيمان، وهذا لايعني ما ذهبت إليه المرجئة من عدم الاهتمام بالعمل، بل يهدف إلى أنّ محوّل الاِنسان من الكفر إلى الايمان والحكم بحرمة دمه وماله هو التصديق القلبي إذا
اقترن بالاِقرار باللسان إن أمكن، أو بالاِشارة إن لم يمكن كما هو الحال في الاَبكم، وأمّا المنقذ من النار والمُدْخِل إلى الجنّة فلا يكفيه ذلك ما لم يقترن
بالعمل.
قال الشيخ المفيد: "اتفقت الاِمامية على أنّ مرتكب الكبائر من أهل
المعرفة والاِقرار لا يخرج بذلك عن الاِسلام وأنّه مسلم، وإن كان فاسقاً بما فعله
من الكبائر والآثام، ووافقهم على هذا القول المرجئة كافّة، وأصحاب الحديث
قاطبة، ونفر من الزيدية وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على
خلاف ذلك، وزعموا انّ مرتكب الكبائر ممّن ذكرناه فاسق ليس بموَمن ولا
مسلم (1).
هذا وتحقيق الحق يأتي في الفصل القادم.
____________
1 . المفيد: أوائل المقالات ص 15.
===============
===============
===============
روى الصدوق بسند صحيح قال: قلت لاَبي عبدالله ـ عليه السلام ـ (الاِمام
الصادق) : ما أدنى ما يكون به العبد موَمناً؟ قال: "يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ
محمّداً عبده ورسوله، ويقرّ بالطاعة ويعرف إمام زمانه، فإذا فعل ذلك فهو موَمن" (2)4اً.
وقد استدلّ الاِمام عليّ ـ عليه السلام ـ على خطأ الخوارج في رمى
مرتكب الكبيرة بالكفر بفعل رسول الله وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعامل معهم معاملة الموَمن. وقال: "وقد علمتم أنّ رسول الله رجم الزاني ثم صلّى عليه، ثم ورّثه
أهله، وقتل القاتل وورّث تراثه أهله، وقطع السارق، وجلد الزاني غير المحصن
ثم قسّم عليهما من الفيَ. فأخذهم رسول الله بذنوبهم، وأقام حقّ الله فيهم ولم
يمنعهم سهمهم من الاِسلام ولم يخرج أسماءهم من بين أهله" (3)
فبما أنّ بعض السطحيين ربّما يرمون أصحاب هذا القول بالاِرجاء ـ وأين
هو من الاِرجاء ـ نزيد في المقام بياناً ونقول: إن ّ كون القلب مركزاً للاِيمان
وخروج العمل عن كونه عنصراً مقوّماً له، لا يعني أن التصديق القلبي يكفى في
نجاة الاِنسان في الحياة الاَُخروية بل يهدف إلى أنّه يكفي في خروج الاِنسان عن
زمرة الكافرين الذين لهم خصائص وأحكام ـ التصديق القلبي ـ، فيحرم دمه
وماله وتحلّ ذبيحته وتصحّ مناكحته، إلى غير ذلك من الاَحكام التي تترتب على
التصديق القلبي إذا أظهره بلسانه أو وقف عليه الغير بطريق من الطرق، وأمّا كون
____________
1 . الشافعي: الاَُم: 1|158 ـ 159.
2 . المجلسي: البحار: 66|16، كتاب الاِيمان والكفر، نقلاً عن معاني الاَخبار للصدوق.
3 . نهج البلاغة الخطبة: 125.
===============
===============
وبذلك يفترق عن قول المرجئة الذين اكتفوا بالتصديق القلبي أو اللساني
واستغنوا عن العمل، وبعبارة أُخرى قدّموا الاِيمان وأخّروا العمل، فهذه الطائفة
من أكثر الطوائف خطراً على الاِسلام وأهله، لاَنّهم بإذاعة هذا التفكير بين
الشباب، يدعونهم إلى الاِباحية والتجرّد عن الاَخلاق والمثل العليا ويعتقدون أنّ
الوعيد خاص بالكفار دون الموَمنين، فالجحيم ونارها ولهيبها لهم دون
المسلمين، ومعنى أنّه يكفي في النجاة الاِيمان المجرّد عن العمل، وأىّ خطر
أعظم من ذلك؟
وعلى ضوء ذلك يظهر المراد ممّا رواه البخاري عن عبد الله بن عمر: قال
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة والحج وصوم شهر رمضان" (1)فإنّ المراد من الاِسلام، ليس هو الاِسلام المقابل للاِيمان في قوله سبحانه: (قَالَتِ الاَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُوَْمِنُوا
ولكنْ قُولُوا أسلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الاِيمانُ في قُلُوبِكُمْ
)(الحجرات ـ 14) ولا الاِسلام والاِيمان بأقلّ درجاتهما الذي له أحكام خاصة، بل الاِيمان المُنْجي
لصاحبه من العذاب الاَليم، وهذا لا يضرّ بما قلنا من أنّ مقوّم الاِيمان، هو العقيدة
القلبية وذلك لاَنّ المقصود هناك من الاكتفاء بالتصديق بشرط الاِقرار هو الاِيمان
الذي يصون دم المقر وماله وعرضه، لا الاِيمان المنجي في الآخرة، إذ هو كما في
الرواية يتوقّف على العمل. وإليه ينظر ما روي عن الاِمام الصادق من أنّ الاِسلام
يحقن به الدم وتوَدّي به الاَمانة، ويستحلّ به الفرج، والثواب على الاِيمان .(2)
وحصيلة الكلام: أنّ كون التصديق القلبي مقياساً للاِيمان، غير القول بأنّ
____________
1 . البخاري: الصحيح: 1|6، كتاب الاِيمان، الباب الثاني، ولاحظ أيضاً ص16 باب أداء الخمس.
2 . البرقي: المحاسن: 1|285.
ولا تنس ما ذكره الاِمام الشافعي من أنّ الله يعامل بالسرائر وعباده يعاملون
بما يظهر من الاِنسان من الاِقرار الكاشف عن التصديق، وربّما لا يكون كذلك.