الفصل الرابع والعشرون

تأسيس دين الظنون والإحتمالات هو الهدف من اتهام النبي(ص) بأنه كان يعمل بظنونه ويخطئ!  

المسألة: 167

الإسلام دين العلم واليقين ، لا دين الظنون والإحتمالات

الإسلام علم.. في معرفة الكون والحياة والإنسان ، والسلوك الإنساني المطلوب على الأرض . بل هو علمُ العلوم ، لأنه ينظِّم تعامل الإنسان مع علومه وقدراته .

والإسلام دين العلم.. فقد نزل بعلم ، من عند الذي خلق السموات والأرض بالحق والعلم ، عز وجل ، وأنزل الكتاب بالحق والعلم ، وعلَّمَ رسوله(ص) الحق والعلم ، وتلقى الرسول(ص) من ربه بعلم ، وبلَّغ رسالات ربه بعلم ، وعمل في صغير أموره وكبيرها بعلم .

وكل ما نسبه اليه القرشيون وأتباعهم من معاص ، وأخطاء ، وما ينافي العلم والحكمة ، فهو مردودٌ عليهم ! ورسول الله(ص) منزهٌ عنها منذ طفولته ، كما شهد علي(ع) بقوله: (ولقد قَرَنَ الله به من لَدُنْ أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ). (نهج البلاغة:2/157)

وآيات القرآن تؤكد هذه الحقيقة وتؤصلها في الإسلام

قال الله تعالى: وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً. (النجم:28) وقال تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أكثر مَنْ فِي الأرض يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ. (الأنعام:116)

وقال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً . ( الإسراء:36)

وقال تعالى: وَلَوْ تَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل . لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ .( الحاقّة: 44 ـ 47)

وقال تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَئٍْ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُون . (الأنعام:148)

وقال تعالى: وَمَا يَتَّبِعُ أكثرهم إِلاَّظناً إِنَّ الظَّنَّ لايُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شيئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُون . (يونس:36)

وقال تعالى: أَلا إِنَّ للهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرض وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ. (يونس:66)

وقال تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كثيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أحدكم أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخيه مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ . (الحجرات:12)

وقال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ . ( النحل:116)

وقال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ ءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ . (يونس:59)

وقال تعالى: أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ . (يونس:68)

وقال تعالى: إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أنزل اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى. (لنجم:23)

وقال تعالى:ثُمَّ أنزل عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أنفسهم يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمر مِنْ شَئٍْ قُلْ إِنَّ الأمركُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أنفسهم مَا لايُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْكَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَئٌْ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.(آل عمران:154)

وقال تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ.(الجاثـية:24)

 

فهذه الآيات الكريمة تؤكد على ضرورة المعرفة والعلم اليقيني ، وتنفي حجية الظن مطلقاً نفياً كلياً ، وتوبِّخ الذين يبنون عقائدهم وأفكارهم ومواقفهم على ظنونهم ! وجميعها ترشد الى حكم العقل ، الذي يدرك أن الظن كالشك لا قيمة له ، ولا يغني من الحق شيئاً .

فالأصل القرآني والعقلي لزوم العلم في مختلف الأمور الفكرية والعملية ، وعدم الإكتفاء بالظن إلا في حالات فرعية ، حيث لايمكن تحصيل العلم أو يكون فيه مشقة وحرج ، كالشك في ركعات الصلاة وتخمين محصول الأرض والنخيل والكروم ، من أجل تقدير ثمنها أو زكاتها ، فيكتفي فيها الشرع والقانون بالظن ، لتسهيل عمل الناس وتعاملهم .

فالدين الإلهي قام على العلم ، وبالعلم أنزل الله كتابه الذي فيه تبيان كل شئ ، وبالعلم بيَّنه رسوله(ص) لأمته ، وعن علمٍ تكفل الله ببيانه للأجيال فقال:(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ .ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ). ( القيامة:17 ـ 19) .وحسب وعده أورث سبحانه علم الكتاب لعترة نبيه(ع) الذين اصطفاهم وآتاهم العلم اليقيني ، وقال عنهم: (ثم أوثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا).( فاطر:32) وقال عنهم: (قل كفىً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) . (الرعد:43) وقال عنهم: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ). (هود:17)

ولذلك أوصى النبي(ص) أمته بالقرآن الذي فيه العلم اليقيني ، وبالعترة الذين عندهم التفسير اليقيني .

وعلى هذا المنهج اليقيني عمل أهل البيت(ع) وعلموا الأمة ، وبيَّنوا لها معالم دينها بالعلم لا بالظن ، وخاضوا معركة مع أتباع الظن والرأي ، ولم يقبلوا حتى تعابيرهم ومصطلحاتهم ! فقد سأل رجل الإمام الصادق(ع) عن مسألة فأجابه فيها فقال الرجل: أرأيتَ إن كان كذا وكذا ، مايكون القول فيها ؟ فقال له: مَـْه ، ما أجبتك فيه من شئ فهو عن رسول الله(ص) . لسنا من"أرأيت"في شئ)!! (الكافي:1/58) .

وقد تقدم قول الإمام الباقر(ع) في الذين تركزا العلم واتبعوا الظن، إنهم تركوا النهر العظيم وأخذوا يمُصُّون الثماد! قال(ع) :(يمصُّون الثماد ويَدَعُون النهر العظيم! قيل له:وما النهر العظيم؟ قال: رسول الله(ص) والعلم الذي أعطاه الله) (الكافي:1/222) .

وأحاديث النبي وعتر ته(ص) تؤكد هذه الحقيقة وتؤصلها في الإسلام

تجد في كل مصدر حديثي عند الشيعة تقريباً ، أبواباً بعنوان: ( النهي عن الفتيا والقول بغير علم)، أو بعنوان:(باب إبطال المقاييس والرأي والبدع)، أو أبواباً مشابهة فيها أحاديث عديدة في تحريم استعمال الظنون والمقاييس في الدين.

وقد ألف قدماء علمائنا ومتأخروهم كتباً عديدة في إبطال القياس والإستحسان والمصالح المرسلة ، وكل عمل بالإحتمال ، أو بالظن العادي ، أو بالظن الغالب !

كما تجد فيها مناظرات لأئمتنا(ع) وعلمائنا ، مع علماء المذاهب الظنية .

ففي كتاب المحاسن لأحمد بن محمد بن خالد البرقي المتوفى274هـ:1/189: (باب المقائيس والرأي....باب النهي عن القول والفتيا بغير علم.... وفي ص204: (باب حق الله عزوجل على خلقه... عن زرارة بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله(ع) : ما حقُّ الله على خلقه؟ قال: حق الله على خلقه أن يقولوا بما يعلمون ، ويكفُّوا عما لا يعلمون ، فإذا فعلوا ذلك فقد والله أدَّوْا إليه حقه ) .

رسول الله(ص) يحذرالأمة من الظنيين بعده !

في المحاسن للبرقي:1/206: (عن عبد الله بن شبرمة قال: ما أذكر حديثاً سمعته من جعفر بن محمد إلا كاد يتصدع قلبي ! قال: قال أبي ، عن جدي ، عن رسول الله (ص) ! قال ابن شبرمة: وأقسم بالله ما كذب أبوه على جده ، ولا كذب جده على رسول الله(ص) :قال قال رسول الله(ص) :من عمل بالمقائيس فقد هلك وأهلك ، ومن أفتى الناس وهو لايعلم الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ، فقد هلك وأهلك) .

علي(ع) يحذر الامة من علماء السلطة ومنهجها الظني !

في الكافي:1/33: (عن أميرالمؤمنين(ع) قال: إن الناس آلوا بعد رسول الله(ص) الى ثلاثة، آلوا الى عالمٍ على سبيل هدى من الله ، قد أغناه الله بما علم عن غيره ، وجاهل مدع للعلم لاعلم عنده، معجب بما عنده، قد فتنته الدنيا وفتن غيره . ومتعلم من عالم على سبيل هدى من الله ونجاة . ثم هلك من ادعى وخاب من افترى).

وفي الكافي:1/54:(باب البدع والرأي والمقائيس)...عن أبي جعفر(ع) قال: خطب أمير المؤمنين(ع) الناس فقال: أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواءٌ تُتَّبع ، وأحكامٌ تبتدع ، يخالَفُ فيها كتابُ الله ، يتولى فيها رجالٌ رجالاً . فلو أن الباطل خَلُصَ لم يَخْفَ على ذي حجى ، ولو أن الحق خلص لم يكن اختلاف ، ولكن يؤخذ من هذا ضِغْثٌ ومن هذا ضغثٌ فيمزجان فيجيئان معاً ، فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى ) .

الإمام الباقر(ع) يبين أن علم الأئمة(ع) يقينٌ لا ظنون !

في بصائر الدرجات ص319: (باب في أن الأئمة(ع) عندهم أصول العلم ما ورثوه عن النبي(ص) لايقولون برأيهم):عن أبي جعفر(ع) قال: (ياجابر إنا لوكنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين! ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله(ص) كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم ) .

الإمام الصادق(ع) يواجه فقهاء السلطة الظنيين !

في المحاسن:1/208:عن الإمام الصادق(ع) : قال رسول الله(ص) :إن لله عندكل بدعة تكون بعدي يُكاد بها الإيمان ، ولياً من أهل بيتي موكلاً به يذب عنه ، ينطق بإلهام من الله ، ويعلن الحق وينوره ، ويرد كيد الكائدين (يعني عن الضعفاء) فاعتبروا يا أولي الأبصار ، وتوكلوا على الله ) .

وفي المحاسن:1/211: (عن أبي شيبة قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: إن أصحاب المقائيس طلبوا العلم بالمقائيس ، فلم تزدهم المقائيس من الحق إلا بعداً ، وإن دين الله لايصاب بالمقائيس ) .

وفي المحاسن:1/212: (عن محمد بن حكيم ، قال: قلت لأبي عبد الله(ع) : إن قوماً من أصحابنا قد تفقهوا وأصابوا علماً ورووا أحاديث ، فيرد عليهم الشئ فيقولون فيه برأيهم ؟ فقال: لا ، وهل هلك من مضى إلا بهذا وأشباهه ؟!) .

وفي المحاسن:1/205: (عن عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن مجالسة أصحاب الرأي فقال: جالسهم، وإياك وخصلتين تهلك فيهما الرجال: أن تدين بشئ من رأيك ، وتفتي الناس بغير علم ) .

وفي دعائم الإسلام:2/536: (عن الإمام الصادق(ع) قال لبعض أصحابه: إياك وخصلتين مهلكتين ، تفتي الناس برأيك ، وتدين بما لا تعلم ، إن أول من قاس إبليس وإن أول من سنَّ لهذه الأمة القياس ، لمعروف ) !

وفي المحاسن:1/156: (عن حبيب قال: قال لنا أبو عبد الله(ع) : ما أحد أحب إلي منكم ! إن الناس سلكوا سبلاً شتى ، منهم من أخذ بهواه ، ومنهم من أخذ برأيه ، وإنكم أخذتم بأمر له أصل .وفي حديث آخر قال: إن الناس أخذوا هكذا وهكذا ، فطائفة أخذوا بأهوائهم ، وطائفة قالوا بآرائهم ، وطائفة قالوا بالرواية ، والله هداكم لحبه وحب من ينفعكم حبه عنده ).

وفي المحاسن:1/210: (عن معاوية بن ميسرة بن شريح ، قال: شهدت أبا عبدالله (ع) في مسجد الخيف وهو في حلقة فيها نحو من مائتي رجل ، فيهم عبدالله بن شبرمة فقال: يا أبا عبد الله أنا نقضي بالعراق فنقضي ما نعلم من الكتاب والسنة ، وترد علينا المسألة فنجتهد فيها بالرأي ؟ قال: فأنصت الناس جميع من حضر للجواب ، وأقبل أبو عبدالله (ع) على من على يمينه يحدثهم ، فلما رأى الناس ذلك أقبل بعضهم على بعض وتركوا الإنصات .

قال: ثم تحدثوا ماشاء الله ، ثم إن ابن شبرمة قال: يا أبا عبدالله إنا قضاة العراق وإنا نقضي بالكتاب والسنة ، وإنه ترد علينا أشياء نجتهد فيها بالرأي ؟

قال: فأنصت جميع الناس للجواب ، وأقبل أبو عبدالله (ع) على من على يساره يحدثهم ، فلما رأى الناس ذلك أقبل بعضهم على بعض وتركوا الإنصات .

ثم إن ابن شبرمة مكث ما شاء الله ثم عاد لمثل قوله ! فأقبل أبو عبد الله (ع) فقال: أي رجل كان علي بن أبي طالب، فقد كان عندكم بالعراق ولكم به خبر؟ قال: فأطراه ابن شبرمة وقال فيه قولاً عظيماً ، فقال له أبو عبدالله(ع) : فإن علياً أبى أن يدخل في دين الله الرأي، وأن يقول في شئ من دين الله بالرأي والمقائيس !

فقال أبو ساسان: فلما كان الليل دخلت على أبي عبد الله (ع) فقال لي: يا أبا ساسان لم يدعني صاحبكم ابن شبرمة حتى أجبته ، ثم قال: لو علم ابن شبرمة من أين هلك الناس ، ما دان بالمقائيس ولا عمل بها ) .

وفي علل الشرائع:1/86: (عن ابن شبرمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد‘فقال لأبي حنيفة: إتق الله ولا تقس الدين برأيك ، فإن أول من قاس إبليس ، أمره الله عز وجل بالسجود لآدم فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ... ثم قال لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان؟ قال لا أدري ، قال هي كلمة: لا إله إلا الله ، لو قال لا إله: كان شركاً ، ولو قال: إلا الله ، كان إيماناً . ثم قال جعفر(ع) : ويحك أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا ؟ قال قتل النفس ، قال(ع) : فإن الله عز وجل قد قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة ، ثم قال(ع) :أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة ، قال(ع) : فما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة ؟! فكيف يقوم لك القياس؟! فاتق الله ولا تقس) .

وفي الأصول العامة للفقه المقارن ص 329 ، عن حلية الأولياء لأبي نعيم:3/197:

(عن ابن جميع قال: (دخلت على جعفر بن محمد أنا وابن أبي ليلى وأبو حنيفة فقال لابن أبي ليلى: من هذا معك ؟ قال: هذا رجل له بصرٌ ونفاذ في أمر الدين .

قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه . الى أن قال ، في حديث طويل:

يانعمان ، حدثني أبي عن جدي: أن رسول الله(ص) قال: أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له:أسجد لآدم ، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ، فمن قاس الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيمة بإبليس ، لأنه أتبعه بالقياس!ثم قال له....أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟...الخ.)...

وقد روت مجلس أبي حنيفة عند الإمام الصادق(ع) روايات متعددة ، جاء في بعضها أن أبا حنيفة حاول أن يتخلص من إحراجه في القياس والعمل بالظنون ، بإحراج الإمام الصادق(ع) في موقفه من تولي أبي بكر وعمر وعثمان ، الأمر الذي يشير الى الربط بين العمل بالظن وبين توليهم زاتِّباعهم .

فقد روى الصدوق في علل الشرائع:1/89 ، عن بعض أصحاب الإمام الصادق (ع) قال: (كنت عند أبي عبدالله(ع) إذ دخل عليه غلام من كندة فاستفتاه في مسألة فأفتاه فيها ، فعرفت الغلام والمسألة ، فقدمت الكوفة فدخلت على أبي حنيفة فإذا ذاك الغلام بعينه يستفتيه في تلك المسألة بعينها ، فأفتاه فيها بخلاف ما أفتاه أبو عبدالله(ع) ، فقمت إليه فقلت ويلك يا أبا حنيفة إني كنت العام حاجاً فأتيت أباعبدالله(ع) مسلِّماً عليه فوجدت هذا الغلام يستفتيه في هذه المسألة بعينها ، فأفتاه بخلاف ما أفتيته .

فقال: وما يعلم جعفر بن محمد؟! أنا أعلم منه ، أنا لقيت الرجال وسمعت من أفواههم ، وجعفر بن محمد صُحُفي أخذ العلم من الكتب !

فقلت في نفسي: والله لأحجنَّ ولو حبواً .

قال: فكنت في طلب حجة فجاءتني حجة فحججت ، فأتيت أبا عبدالله(ع) وحكيت له الكلام ، فضحك ثم قال: أما قوله إني رجل صحفي ، فقد صدق ، قرأت صحف آبائي إبراهيم وموسى ! فقلت: ومن له بمثل تلك الصحف ؟!

قال: فما لبثت أن طرق الباب طارق وكان عنده جماعة من أصحابه ، فقال للغلام: أنظر من ذا ؟ فرجع الغلام فقال أبو حنيفة ، قال أدخله ، فدخل فسلم على أبي عبدالله(ع) فرد عليه ، ثم قال: أصلحك الله أتأذن في القعود ؟ فأقبل على أصحابه يحدثهم ولم يلتفت إليه ، ثم قال الثانية والثالثة ، فلم يلتفت إليه ، فجلس أبو حنيفة من غير إذنه ، فلما علم أنه قد جلس التفت إليه فقال: أين أبو حنيفة ؟ فقيل هو ذا أصلحك الله .

فقال: أنت فقيه أهل العراق؟ قال نعم . قال: بما تفتيهم ؟ قال: بكتاب الله وسنة نبيه(ص) .

قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته ، وتعرف الناسخ والمنسوخ ؟ قال: نعم . قال: يا أبا حنيفة لقد ادعيت علماً ، ويلك ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم ، ويلك ولا هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا(ص) ! ماورَّثك الله من كتابه حرفاً ! فإن كنت كما تقول ولست كما تقول ، فأخبرني عن قول الله عز وجل: سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ، أين ذلك من الأرض؟

قال: أحسبه ما بين مكة والمدينة . فالتفت أبو عبد الله(ع) إلى أصحابه فقال: تعلمون أن الناس يقطع عليهم بين المدينة ومكة ، فتوخذ أموالهم ، ولايؤمنون على أنفسهم ويقتلون ؟ قالوا: نعم . قال: فسكت أبو حنيفة .

فقال(ع) : يا أبا حنيفة أخبرني عن قول الله عز وجل: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ، أين ذلك من الأرض ؟ قال: الكعبة .

قال: أفتعلم أن الحجاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزبير في الكعبة فقتله ، كان آمناً فيها ؟! قال: فسكت .

ثم قال له: يا أبا حنيفة ، إذا ورد عليك شئ ليس في كتاب الله ، ولم تأت به الآثار والسنة كيف تصنع؟ فقال: أصلحك الله ، أقيس وأعمل فيه برأيي .

قال: ياأبا حنيفة ، إن أول من قاس إبليس الملعون ، قاس على ربنا تبارك وتعالى فقال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَني مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . فسكت أبو حنيفة .

فقال: يا أبا حنيفة ، أيُّما أرْجَس: البول أو الجنابة ؟ فقال: البول ، فقال: فما بال الناس يغتسلون من الجناية ولايغتسلون من البول؟ فسكت .

فقال: يا أبا حنيفة ، أيُّما أفضل: الصلاة أم الصوم؟ قال الصلاة ، قال: فما بال الحائض تقضي صومها ، ولا تقضي صلاتها ؟ فسكت .

فقال: يا أباحنيفة ، أخبرني عن رجل كانت له أم ولد ، وله منها ابنة ، وكانت له حرةٌ لاتلد ، فزارت الصبية بنت أم الولد أباها ، فقام الرجل بعد فراغه من صلاة الفجر ، فواقع أهله التي لا تلد وخرج إلى الحمام ، فأرادت الحرة أن تكيد أم الولد وابنتها عند الرجل ، فقامت إليها بحرارة ذلك الماء فوقعت عليها وهي نائمة فعالجتها كما يعالج الرجل المرأة فعلقت ، أي شئ عندك فيها ؟

قال: لا والله ما عندي فيها شئ .

فقال: يا أبا حنيفة ، أخبرني عن رجل كانت له جارية فزوجها من مملوك له وغاب المملوك ، فولد له من أهله مولود ، وولد للمملوك مولود من أم ولد له ، فسقط البيت على الجاريتين ومات المولى ، من الوارث ؟

فقال: جعلت فداك ، لا والله ما عندي فيها شئ .

فقال أبوحنيفة: أصلحك الله إن عندنا قوماً بالكوفة يزعمون أنك تأمرهم بالبراءة من فلان وفلان وفلان ! فقال: ويلك يا أبا حنيفة ، لم يكن هذا معاذ الله .

فقال: أصلحك الله، إنهم يُعْظمون الأمر فيهما ! (أي يطعنون فيهما) .

قال: فما تأمرني؟! قال: تكتب إليهم ، قال: بماذا ؟ قال: تسألهم الكف عنهما . قال: لايطيعوني ، قال: بلى أصلحك الله إذا كنت أنت الكاتب وأنا الرسول أطاعوني . قال: يا أبا حنيفة أبيتَ إلا جهلاً ، كم بيني وبين الكوفة من الفراسخ ؟ قال: أصلحك الله ، ما لايحصى . فقال: كم بيني وبينك؟ قال لا شئ . قال: أنت دخلت عليَّ في منزلي فاستأذنت في الجلوس ثلاث مرات ، فلم آذن لك ، فجلست بغير إذني خلافاً عليَّ ، كيف يطيعوني أولئك ، وهم هناك وأنا هاهنا ؟

قال :فقبل رأسه وخرج وهو يقول: أعلم الناس ، ولم نره عند عالم !

فقال أبو بكر الحضرمي: جعلت فداك ، الجواب في المسألتين:

فقال: يا أبا بكر ، سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ، فقال: مع قائمنا أهل البيت .

وأما قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ، فمن بايعه ودخل معه ومسح على يده ودخل في عقد أصحابه ، كان آمناً ) . انتهى.

وفي اختيار معرفة الرجال للطوسي:2/681: (عن حريز قال: دخلت على أبي حنيفة وعنده كتب كادت تحول فيما بيننا وبينه ، فقال لي: هذه الكتب كلها في الطلاق وأنتم ! وأقبل يقلب بيده . قال قلت: نحن نجمع هذا كله في حرف ! قال: وما هو؟ قال قلت: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ . فقال لي: فأنت لاتعلم شيئاً إلا برواية ؟ قلت: أجل .

فقال لي: ماتقول في مُكاتب كاتب مكاتبته ألف درهم ، فأدى تسعمائة وتسعة وتسعين درهماً ، ثم أحدث ، يعني الزنا ، كيف نحده ؟

فقلت: عندي بعينها: حديث حدثني محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) أن علياً (ع) كان يضرب بالسوط وبثلثه وبنصفه وببعضه ، بقدر أدائه .

فقال لي: مالي أسألك عن مسألة لايكون عندك فيها شئ ! فما تقول في جمل أخرج من البحر؟ فقلت: إن شاء فليكن جملاً وإن شاء فليكن بقرة ! إن كانت عليه فلوس أكلناه ، وإلا فلا ). انتهى.

الإمام الكاظم(ع) يواصل خط الأئمة من العترة الطاهرة(ع)

في الكافي:1/57: ( عن عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن موسى(ع) عن القياس فقال: ما لكم والقياس ! إن الله لايُسألُ كيف أحلَّ وكيف حرَّم ) !

وفي بصائر الدرجات ص167: (عن محمد بن حكيم عن أبي الحسن(ع) قال: إنما هلك من كان قبلكم بالقياس! إن الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيه حتى أكمل له جميع دينه في حلاله وحرامه فجاءكم بما تحتاجون إليه في حياته ، وتستغنون به وبأهل بيته بعد موته(ص) . وإنها لصحفٌ عند أهل بيته حتى أن فيها أرش خدش الكف). انتهى.

هذا ، وأحاديث أهل البيت(ع) في الموضوع متواترة ، يكفي منها ما تقدم .

المنهج اليقيني عند الشيعة والمنهج الظني عند غيرهم

على هذا التأصيل القرآني النبوي ، قام المنهج اليقيني في مذهب أهل البيت (ع) فهو يقول لك: إِنَّ الظَّنَّ لايُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ، وإنك طالبُ علم ولستَ طالب ظن ، فلا تجمع ظنوناً وتقدمها الى المسلمين على أنها دين الله تعالى !

ولكي يكون ما تكسبه علماً نظيفاً من الظنون ، عليك أن تتفهم القواعد الست التالية لبحثك العلمي في المواضيع الإسلامية:

الأولى: أن حجية العقل محصورة بمدركاته القطعية كحسن العدل وقبح الظلم أما ظنونه واحتمالاته فلاتغني من الحق شيئاً ، كما أرشدك الله تعالى في كتابه .

الثانية ، أن نص القرآن قطعي ، فلا بد أن تكون دلالته قطعية ، أو تنتهي إلى القطع وإلا فهو الظن أو الإحتمال الأبخس من الظن ، وكلاهما لاقيمة لهما عند الله تعالى وعند العقل .

الثالثة ، لابد لك من العلم بصدور النص الذي تستدل به من المعصوم: النبي (ص) أو الإمام(ع) ، فإن علمت بصدور لفظه أو مضمونه أو قامت عندك حجة قطعية عليه فاعتمده ، وإلا فهو ظن أو احتمال لاقيمة له ، لا عند الله تعالى ولا عند العقل .

الرابعة، إن لم تجد علماً من نص قطعي ودلالة قطعية أو حجة قطعية ، فاعلم أن طريق الضلال يبدأ من هنا ! فاحذر أن تسلكه وتقول إني لم أستطع تحصيل العلم فلا بد أن أعمل بظني، فتحطب احتمالات وتنسبها الى دين الله تعالى! فإنما هي احتمالات، لا قيمة لها عند الله تعالى ولا عند العقل ، وإنها لاتصلح حلاً لمشكلتك ، بل الحل أن تعرف أن تعرف أنك في حالة شك في حكم الله تعالى ومفاهيم دينه ، فلاتبحث عن الظن ، بل ابحث عن الحكم العملي للشاك ، فهو حكم قطعي من الكتاب والسنة والعقل ، والعمل به عمل بعلم .

وتسمى القواعد التي تحدد حكم حالة الشاك: (الأصول العملية) ، كقاعدة براءة الذمة عن التكليف الشرعي الإلزامي وأصالة الحل ، (كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام ، وكل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي )، وقاعدة: أن اشتغال الذمة اليقيني يستوجب الفراغ القيني ، (لا تنقض اليقين بالشك ولكن تنقضه بيقين آخر ) . وكلها قواعد قطعية من الكتاب والسنة وقطعي العقل .

إن الأصول اللفظية والعملية التي يمتاز بها المذهب الشيعي ، والتي يعكف علماؤه القدماء والمعاصرون على تدريسها وإغناء بحوثها، ويقيِّمون بها مستوى طالب العلم ..تمثِّل إصرار المذهب على المنهج العلمي القطعي، ورفضه للظنون .

فالسيد الحاكم في منهج مذهبنا هو العلم بالنص وبدلالته ، ولاقيمة لظن المجتهد الجامع للشروط واحتمالاته ، فضلاً عن غير المجتهد .

فإن لم يوجد النص ، فالحاكم أيضاً هو النص الذي يحدد بنحو قطعي حكم حالة الشك ، ولا قيمة لظنون المجتهد واحتمالاته ، فضلاً عن غيره !

الخامسة: لكل واقعة في علم الله حكمٌ شرعي ، وهو واحد وليس متعدداً . وعندما يختلف المجتهدون في استنباط الحكم ، بسبب اختلاف مبانيهم العلمية وفهمهم للكتاب والسنة والأصل العملي ، يكون مايستنبطونه حكماً ظاهرياً ، وهو وإن كان حجة في حق المكلف ، لكنه حكم ظاهري لحالته ، قد يطابق حكم الله الواقعي ، وقد يخالفه .

السادسة: أن الأصل القرآني والعقلي عدم حجية الظن مهما كان مصدره وصاحبه ، إلا إذا نصَّت الشريعة على اعتباره وحجيته ، تسهيلاً على الناس ، كظن الشاك في جهة القبلة ، والظن في عدد ركعات الصلاة ، والظن في تخمين المحاصيل ، وما شابه . فيعمل منه بالمنصوص ، ولا يتجاوز الى غيره ، ويسمى: الظن المعتبر شرعاً ، وسنورد نماذج منه .

ألا يحق لهذا المنهج العلمي أن يقول: لسنا ظنيين ولا من أهل أرأيتَ في شئ !

قال الشريف المرتضى في رسائله:1/201: (إعلم أنه لا بد في الأحكام الشرعية من طريق التوصل إلى العلم بها . . . ولهذه الجملة أبطلنا أن يكون القياس في الشريعة ، الذي يذهب مخالفونا إليه ، طريقاً إلى الأحكام الشرعية ، من حيث كان القياس يوجب الظن ولايقتضي العلم ) .

وقال في ص204:(وقد استقصينا الكلام في القياس وفرعناه وبسطناه وانتهينا فيه إلى أبعد الغايات ، في جواب مسائل وردت من أهل الموصل متقدمة ، أظنها في سنة نيف وثمانين وثلاثمائة ، فمن وقف عليها استفاد منها جميع مايحتاج إليه في هذا الباب) .

وقال المحقق الحلي في المعتبر:1/32: (وأما القياس فلا يعتمد عليه عندنا ، لعدم اليقين بثمرته ، فيكون العمل به عملاً بالظن المنهي عنه ، ودعوى الإجماع من الصحابة على العمل به لم يثبت ، بل أنكره جماعة منهم ) .

وقال ابن الشهيد في المعالم ص226: (القياس هو الحكم على معلوم بمثل الحكم الثابت لمعلوم آخر ، لاشتراكهما في علة الحكم . فموضع الحكم الثابت يسمى أصلاًً ، وموضع الآخر يسمى فرعاً ، والمشترك جامعاًً وعلة ، وهي إما مستنبطة أو منصوصة . وقد أطبق أصحابنا على منع العمل بالمستنبطة إلا من شذ ، وحكى إجماعهم فيه غير واحد منهم ، وتواترت الأخبار بإنكاره عن أهل البيت (ع) ، و بالجملة فمنعه يعدُّ في ضروريات المذهب .

وأما المنصوصة: ففي العمل بها خلاف بينهم ، فظاهر المرتضى رضي الله عنه المنع منه أيضاً . وقال المحقق : إذا نص الشرع على العلة ، وكان هناك شاهد حال يدل على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلة في ثبوت الحكم ، جاز تعْدِية الحكم ، وكان ذلك برهاناً .

وقال العلامة: الأقوى عندي أن العلة إذا كانت منصوصة وعلم وجودها في الفرع كانت حجة . واحتج في النهاية لذلك بأن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الخفية والشرع كاشف عنها ، فإذا نصَّ على العلة عرفنا أنها الباعثة والموجبة لذلك الحكم ، فأين وجدت وجب وجود المعلول) . انتهى .

وقال المحقق الحلي في معارج الأصول ص188: ( العمل بالقياس عملٌ بالظن والعمل بالظن غير جائز . أما الأولى فظاهرة ، وأما الثانية: فبقوله تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . وبقوله: َإِنَّ الظَّنَّ لايُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً. وبقوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ .

لايقال: مع وجود الدلالة عليه لا يكون عملاً بالمظنون بل بالمقطوع به ، كالعمل بالشاهدين ، والحكم بالأرش ، واستقبال القبلة .

لأنا نقول: وجد المنع فوجب طرده ، فإذا خرج ما أشرتم إليه وجب تناوله لما بقي ، عملاً بمقتضى الدليل ، وسنبطل ما يزعمون أنه دليل على العمل به ، فيبقى ما ذكرناه من الدليل سليماً عن المعارض ) . انتهى.

وقال الوحيد البهبهاني في الرسائل الفقهية ص7: ( الحكم الشرعي ليس إلا ما صدر من الشرع ، وحكم المجتهد صادر عن المجتهد ، وهو ليس بشرع ، نعم في ظنه أنه من الشرع ، والظن لايغني من الحق شيئاً . مع أن أحكامهم في الغالب متغايرة بل متضادة ، فلا يكون المجموع مظنوناً .

وأيضاً ، حكم الشرع ليس إلا منه ، وظن المجتهد ليس إلا من المجتهد ، مع كونه ظناً . فكون أحدهما عين الآخر فاسد جزماً ، وكونه يحسب مكان الآخر شرعاً ويكفي عوضاً له ، يتوقف على الدليل ). انتهى.

وفي فرائد الأصول للشيخ الأنصاري:1/131: (هذا ، ولكن حقيقة العمل بالظن هو الإستناد إليه في العمل والإلتزام بكون مؤداه حكم الله في حقه ، فالعمل على ما يطابقه بلا استناد إليه ليس عملاً به ، فصح أن يقال: إن العمل بالظن والتعبد به حرام مطلقاً ، وافق الأصول أو خالفها ، غاية الأمر أنه إذا خالف الأصول يستحق العقاب من جهتين: من جهة الإلتزام والتشريع ، ومن جهة طرح الأصل المأمور بالعمل به حتى يعلم بخلافه . وقد أشير في الكتاب والسنة إلى الجهتين:

فمما أشير فيه إلى الأولى قوله تعالى: قُلْءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ . وقوله(ع) : رجل قضى بالحق وهو لا يعلم .

ومما أشير فيه إلى الثانية قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لايُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً، وقوله(ع) : من أفتى الناس بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه . ونفس أدلة الأصول) .

وفي فرائد الأصول للشيخ الأنصاري:1/133: (ثم إنه ربما يستدل على أصالة حرمة العمل بالظن بالآيات الناهية عن العمل بالظن ، وقد أطالوا الكلام في النقض والإبرام في هذا المقام بما لا ثمرة مهمة في ذكره ، بعد ما عرفت ، لأنه إن أريد الإستدلال بها على حرمة التعبد والإلتزام والتدين بمؤدى الظن ، فقد عرفت أنه من ضروريات العقل فضلاً عن تطابق الأدلة الثلاثة النقلية عليه .

وإن أريد دلالتها على حرمة العمل المطابق للظن ، وإن لم يكن عن استناد إليه: فإن أريد حرمته إذا خالف الواقع مع التمكن من العلم به ، فيكفي في ذلك الأدلة الواقعية . وإن أريد حرمته إذا خالف الأصول مع عدم التمكن من العلم ، فيكفي فيه أيضاً أدلة الأصول ، بناء على ما هو التحقيق من أن مجاريها صور عدم العلم الشامل للظن .

وإن أريد حرمة العمل المطابق للظن من دون استناد إليه وتديُّن به ، وعدم مخالفة العمل للواقع مع التمكن منه ، ولا لمقتضى الأصول مع العجز عن الواقع ، فلا دلالة فيها ولا في غيرها على حرمة ذلك ، ولا وجه لحرمته أيضاً .

والظاهر أن مضمون الآيات هو التعبد بالظن والتدين به ، وقد عرفت أنه ضروري التحريم ، فلا مهم في إطالة الكلام في دلالة الآيات وعدمها ، إنما المهم الموضوع له هذه الرسالة ، بيان ما خرج أو قيل بخروجه من هذا الأصل ، من الأمور الغير العلمية التي أقيم الدليل على اعتبارها ، مع قطع النظر عن انسداد باب العلم ) . انتهى.

وقال السيد الخوئي في كتاب الإجتهاد والتقليد ص23: (والمتحصل إلى هنا أن الإجتهاد بمعنى تحصيل الظن بالحكم الشرعي كما يراه المحدثون بدعة وضلال إلا أن الأصوليين لايريدون إثباته وتجويزه ، ولا يدَّعون وجوبه ولا جوازه بوجه بناء على عدم تمامية مقدمات الإنسداد ، كما هو الصحيح .

وأما الإجتهاد بمعنى تحصيل الحجة على الحكم الشرعي ، فهو أمرٌ لايسع المُحَدِّث إنكاره وهو الذي يرى الأصولي وجوبه . فما أنكره المحدِّثون لا يثبته الأصوليون ، كما أن ما يريد الأصوليون إثباته ، لاينكره المحدَّثون . إذن يظهر أن النزاع بين الفريقين لفظي ، وهو راجع إلى التسمية ، فإن المحدِّث لايرضى بتسمية تحصيل الحجة اجتهاداً ، وأما واقعه فكلتا الطائفتين تعترف به ) . انتهى.

والنتيجة

أن الإجتهاد عندنا عملية اكتشاف لا اختراع ، فهو بذل الجهد لمعرفة الأحكام الشرعية والمفاهيم الإسلامية ، فإن لم يكن لنا طريق للعلم ، فالحل أن نبحث عن الوظيفة الشرعية للمكلف في حالة الشك ، لا أن نركب ظنوننا ونتبع احتمالاتنا ، فذلك هو العمل بالظن المنهي عنه في القرآن والسنة، وهو الإجتهاد الذي يرفضه الشيعة، اللهم إلا أن يدل دليل خاص على حجية الظن في مورد ، فيقتصر عليه . قال السيد الحكيم في الأصول العامة للفقه المقارن ص86:

( فمراحل البحث لدى المجتهد إذن خمسة:

1 ـ مرحلة البحث عن الحكم الواقعي....

2 ـ مرحلة البحث عن الحكم الواقعي التنزيلي وأهم أصوله: الاستصحاب...

3 ـ مرحلة البحث عن الوظيفة الشرعية ، وأصولها هي: البراءة الشرعية ، الإحتياط الشرعي ، التخيير الشرعي .

4 ـ مرحلة البحث عن الوظيفة العقلية ، وأصولها: البراءة العقلية ، الإحتياط العقلي ، التخيير العقلي .

5 ـ مرحلة تعقد المشكلة وعدم التمكن من العثور على أدلة الحكم أو الوظيفة بأقسامها ، والأصول التي يرجع إليها عادة هي القرعة...) . انتهى.

ولا يتسع المجال لاستعراض كلمات فقهائنا في مسائل هذا المنهج القويم .

منهج العمل بالظنون والإحتمالات عند أتباع الخلافة !

ما هو المنهج الذي يقوم عليه البحث الديني عند علماء المذاهب السنية ؟

قد يجيبك بعضهم بأنه: منهج الإستدلال العلمي ، بالكتاب والسنة والعقل .

وهو كلامٌ طيب يسرُّ السامعين، لكنك عندما ترى استنباطهم من الكتاب والسنة تجد أن منهجهم يقوم على: الظن ، ثم الظن ، ثم الظن ، ثم الظن !!

وقد عبرنا بالظن الرباعي ، لأنه لايخرج عن أحد أربعة أنواع من الظن:

فهو إما ظنٌّ في فهم معنى الآية القرآنية .

أو: ظنٌّ في صحة الحديث .

أو: ظنٌّ في معناه .

أو: مجرد ظنٍّ فيما لانص فيه ، لايستند الى آية ولا حديث ، ولا الى مدركات العقل القطعية ! فهو القياس والإستحسان والمصالح المرسلة وترجيح احتمال من بين احتملات عديدة بدون مرجح ! وكلها عندهم حجة شرعية ! وكلها دين الله تعالى ، مهما تكاثرت وتخالفت وتناقضت !

وهذا النوع الأخير من الظن أكثر الظنون رواجاً عندهم ، وصاحبه أحد أربعة:

خليفة أو صحابي مقبول في المذهب ، ظن ظناً وأفتى به ، فاتبعوه !

أو إمام مذهب مرضي عند الخليفة، ظن ظناً أو رجح احتمالاً وأفتى به فاتبعوه !

أو عالم متضلع في المنهج الظني ، رجَّحَ ظناً أو احتمالاً فاتبعوه !

أو طالب علم مبتدئ ، دخل لتوه في غابة الظنون ، فاحتطب منها واتبعوه !

خلافٌ خادعٌ بين الظنيين !

عندما تقرأ لأتباع الخلافة بحوثهم في تفسيره آيات النهي عن العمل بالظن . وتقرأ للأصوليين منهم بحوثهم المطولة في حجية العمل بأنواع الظنون والإحتمالات ، من القياس والإستحسان والمصالح المرسلة.. يبدو لك أن خلافاً حقيقياً أو معركة علمية جدِّية ، تدور بين القائلين بضرورة تحصيل العلم ورفض اتِّباع الظن ، وبين القائلين بالعمل بالظن والقياس ، وأن أمامهم مشكلة حقيقية في آيات النهي عن اتباع الظن وأحاديثه المحكمة الصريحة ، فهم يبحثون كيف يمكنهم تجاوزها والتأسيس لمنهج اتَّبَاع الظن ؟

كما يبدو لك أنهم أمام مشكلة أخرى ، هي أن الصحابة والتابعين المقبولين عندهم ، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب ، صحَّت عنهم أقوالٌ ومواقفُ متناقضة ، نفوا في بعضها عن النبي(ص) وعن أنفسهم الإجتهاد والعمل بالظن ، بينما نسبوا في بعضها الآخر الرأي والظن للنبي(ص) وعملوا به هم !

لكن لايغرُّك كل ما تقرؤه في هذه المعركة ، لأنها من أصلها خادعة ! فالنتيجة متفقٌ عليها عند المخالف منهم والموافق ، وهي أن آيات النهي عن اتباع الظن يجب نسيانها أو ليُّ عنقها ، فالظن في الدين شرعي والنبي(ص) عمل بظنونه ، والخلفاء في عملهم بظنونهم إنما اقتدوا به ! ويحق للحكام والمجتهدين والناس ، أن يعملوا بظنونهم ، ويكون ما غلب عليه ظن أحدهم دين الله تعالى !

أنظر الى كلامهم الجميل في رد الظنون ،

ونفي العمل بالظن عن النبي(ص)

قال البخاري في صحيحه:8/148: (باب كان النبي(ص)يُسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول لا أدري ، أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي ولم يقل برأي ولا قياس لقوله تعالى: بما أراك الله . وقال ابن مسعود: سئل النبي(ص)عن الروح فسكت ، حتى نزلت الآية ) .

وفي سنن أبي داود:2/161: (عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: يا أيها الناس ، إن الرأي إنما كان من رسول الله(ص) مصيباً ، لأن الله كان يُرِيه ، وإنما هو منا الظنُّ والتكلف) ! (ورواه في الدر المنثور:6/127، عن ابن أبي حاتم) .

وقال الرازي في تفسيره:17/56: (قوله: إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ ، معناه: لا أتبع إلا ما يوحى إليَّ ، فهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما حكم إلا بالوحي ، وهذا يدل على أنه لم يحكم قط بالإجتهاد ) .

وقال الرازي في تفسيره:11/34: (قوله: بما أراك الله ، معناه بما أعلمك الله . وسمي ذلك العلم بالرؤية ، لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور . وكان عمر يقول: لايقولنَّ أحد قضيت بما أراني الله تعالى ، لم يجعل ذلك إلا لنبيّه ، وأما الواحد منا فرأيه يكون ظناً ، ولا يكون علماً إذا عرفت هذا فنقول: قال المحققون: هذه الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام ، ما كان يحكم إلا بالوحي والنص.....).

وفي عون المعبود:9/365: (قال ابن القيم في أعلام الموقعين: مراد عمر قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ، فلم يكن له رأيٌ غير ما أراه الله إياه ، وأما ما رأى غيره فظنٌّ وتكلف ) . انتهى.

وقال الغزالي في المستصفى ص289: (قال النظام فيما حكاه الجاحظ عنه: إنه لم يخض في القياس إلا نفرٌ يسيرٌ من قدمائهم ، كأبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل ، ونفر يسير من أحداثهم ، كابن مسعود وابن عباس وابن الزبير . ثم شرع في ثلب العبادلة ، وقال: كأنهم كانوا أعرف بأحوال النبي(ع) من آبائهم! وأثنى على العباس والزبير إذ تركا القول بالرأي ولم يشرِّعا.

وقال الداودية: لانسلم سكوت جميعهم عن إنكار الرأي والتخطئة فيه ، إذ قال أبو بكر: أيُّ سماء تُظلني وأيَّ أرض تُقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي . وقال: أقول في الكلالة برأيي ، فإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان !

وقال علي لعمر في قصة الجنين: إن اجتهدوا فقد أخطأوا ، وإن لم يجتهدوا فقد غشُّوا. وقالت عائشة: أخبروا زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله(ص) إن لم يتب لفتواه بالرأي في مسألة العينة .

وقال ابن عباس: من شاء باهلته إن الله لم يجعل في المال النصف والثلثين .

وقال: ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الإبن ابناً ، ولا يجعل أبا الأب أباً .

وقال ابن مسعود في مسألة المفوضة: إن يك خطأ فمني ومن الشيطان .

وقال عمر: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا .

وقال علي وعثمان: لو كان الدين بالرأي ، لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره .

وقال عمر: إتهموا الرأي على الدين ، فإن الرأي منا تكلف وظن ، وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً. وقال أيضاً: إن قوماً يفتون بآرائهم ، ولو نزل القرآن لنزل بخلاف ما يفتون .

وقال ابن مسعود: قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون ، ويتخذ الناس رؤساء جهالاً يقيسون ما لم يكن بما كان . وقال أيضاً: إن حكَّمتم في دينكم بالرأي ، أحللتم كثيراً مما حرمه الله ، وحرمتم كثيراً مما أحله الله .

وقال ابن عباس: إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم في دينه برأيه ، وقال الله تعالى لنبيه (ع) : لتحكم بين الناس بما أراك الله ، ولم يقل: بما رأيت .

وقال: إياكم والمقاييس ، فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس .

وقال ابن عمر: ذروني من أرأيتَ وأرأيت !

وكذلك أنكر التابعون القياس قال الشعبي: ما أخبروك عن أصحاب أحمد فاقبله ، وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الحِشّ ! إن السنة لم توضع بالمقاييس . وقال مسروق بن الأجدع: لاأقيس شيئاً بشئ أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها) .

ثم انظر كيف نفوا ما أثبتوه ، وأبطلوا ما أصَّلوه !

قال البيهقي في سننه:10/117، بعد أن روى قول عمر المتقدم: (وإنما أراد به والله أعلم ، الرأي الذي لا يكون مشبَّهاً بأصل ، وفي معناه ورد ما روي عنه وعن غيره في ذم الرأي فقد روينا عن أكثرهم اجتهاد الرأي في غير موضع النص ! ).انتهى.

ومعنى كلام البيهقي: أن الظن المنهي عنه في القرآن غير ظن القياس ، وكأن ظن القياس علم ويقين ! ثم اعترف البيهقي بأن نهي عمر عن الظن والرأي ثابتٌ ، لكن لمَّا عَمِلَ عمر نفسه بالرأي والظن ، فنحن نأخذ بما عمل ، ونترك ما قال !

وقال الغزالي في المستصفى ص290:(بيَّنا بالقواطع من جميع الصحابة الإجتهاد والقول بالرأي ، والسكوت عن القائلين به ، وثبت ذلك بالتواتر في وقائع مشهورة كميراث الجد ، والإخوة ، وتعيين الإمام بالبيعة ، وجمع المصحف ، والعهد إلى عمر بالخلافة . وما لم يتواتر كذلك ، فقد صح من آحاد الوقائع بروايات صحيحة لاينكرها أحد من الأمة ، ما أورث علماً ضرورياً بقولهم بالرأي ،وعُرف ذلك ضرورةً ، كما عُرف سخاء حاتم وشجاعة علي ، فجاوز الأمر حداً يمكن التشكك في حكمهم بالإجتهاد .

وما نقلوه بخلافه ، فأكثرها مقاطيع ومروية عن غير ثبت ، وهي بعينها معارضة برواية صحيحة عن صاحبها بنقيضه، فكيف يترك المعلوم ضرورة بما ليس مثله !

ولو تساوت في الصحة لوجب إطراح جميعها ، والرجوع إلى ماتواتر من مشاورة الصحابة واجتهادهم .

الثاني: أنه لو صحت هذه الروايات وتواترت أيضاً لوجب الجمع بينها وبين المشهور من اجتهاداتهم ، فيحمل ما أنكروه على الرأي المخالف للنص ، أو الرأي الصادر عن الجهل الذي يصدر ممن ليس أهلاً للإجتهاد ، أو وَضَع الرأي في غير محله والرأي الفاسد الذي لايشهدله أصل ويرجع إلى محض الإستحسان ووضع الشرع ابتداء ، من غير نسج على منوال سابق .

وفي ألفاظ روايتهم ما يدل عليه ، إذ قال: اتخذ الناس رؤساء جهالاً ، وقال: لو قالوا بالرأي لحرموا الحلال وأحلوا الحرام . فإذاً ، القائلون بالقياس مُقِرُّونَ بإبطال أنواع من الرأي والقياس ، والمنكرون للقياس: لا يقرون بصحة شئ منه أصلاًً .

ونحن نقر بفساد أنواع من الرأي والقياس ، كقياس أصحاب الظاهر إذ قالوا: الأصول لاتثبت قياساً فلتكن الفروع كذلك ، ولا تثبت الأصول بالظن فكذلك الفروع ، وقالوا: لو كان في الشريعة علة لكانت كالعلة العقلية ، فقاسوا الشئ بما لايشبهه . فإذاً ، إن بطل كل قياس فليبطل قياسهم ورأيهم في إبطال القياس أيضاً وذلك يؤدي إلى إبطال المذهبين ). انتهى.

أقول: أولاً، نسيَ الغزالي كغيره أو تناسوا أن المسألة فيها أصل قرآني هو حرمة العمل بالظن، فكيف يبحثها وكأن الدليل فيها قول الصحابة وعملهم فقط !

ثم تفنن في رأي الصحابة ، فقال لقد ثبت عنهم بالتواتر أنهم عملوا بالرأي والظن ، وروي عنهم روايةً أنهم نهوا عنه ، فيقدم ما تواتر عنهم على ما رواه آحاد ، وهذا معنى قول الغزالي: (فكيف يترك المعلوم ضرورة بما ليس مثله) !

ولكن هذا خطأ ، فإن نهي عمر مثلاً عن الرأي متواتر ، وعمله به متواترٌ أيضاً !

وليس معنى التواتر إلا نقل جماعة متعددة يمتنع عادةً اجتماعهم على الكذب ، وهذا متحقق في تحريم عمر للرأي والظن ، ثم في عمله به ! وقد أثبتوا التواتر لأقل من أخبار الباب ، فلايصح أن ينفوه عن نهي الصحابة عن الظن ! فالنسبة بين نفي الظن وإثباته لهم ، التساوي ، فلا بد من مرجح ، أو الرجوع الى الأصل .

ثانياً ، أضاف الغزالي من عنده شقاً ثالثاً للنزاع ! ففرض أنه يوجد روايةٌ عن الصحابة بتحريم العمل بالظن، وروايةٌ بتجويزه ، وتواترٌ في عملهم بالظن . ورتب عليه أنه إن تعارضت الروايتان وسقطتا ، نرجع الى عملهم المتواتر !

مع أن التعارض إنما هو بين رواية التحريم عنهم ورواية التجويز القولي أو العملي . فافتراض وجود شق ثالث سالم عن المعارضة ، تحريفٌ في المسألة.

ثالثاً، إن قوله: (ولو تساوت في الصحة لوجب إطراح جميعها والرجوع إلى ماتواتر من مشاورة الصحابة واجتهادهم ) ، لعبٌ بالألفاظ ، فالموضوع هل حرم الصحابة الإجتهاد والعمل بالظن، أم أحلوه وفعلوه ؟ فإن تساوى النقل المتعارض عنهم وجب طرح الجميع والرجوع الى الأصل القرآني وهو تحريم العمل بالظن لا الرجوع كما زعم الى اجتهاد الصحابة وعملهم بالظن ، فإنه أحد شقي النزاع !

رابعاً، قوله: ( إنْ بطل كل قياس فليبطل قياسهم ورأيهم في إبطال القياس أيضاً ، وذلك يؤدي إلى إبطال المذهبين) ! فيه مقدمة مطوية كاذبة: وهي أن الذين أبطلوا القياس استدلوا بالقياس ، وأنهم كالذين يقولون إن الحقائق نسبية ، فإن صح دليلهم أبطل نفسه ! مع أنهم استدلوا بالأصل القرآني والظهور الصريح لآياته في تحريم العمل بالظنون ، وقالوا لا بد من دليل شرعي يستثني منه القياس ، وإلا بقي مشمولاً لعموم تحريم الظن .

فإن تمَّ دليلهم وبطل القياس لايبطل دليلهم ، لأن مثل قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً....) إلخ. ليس ظناً ولاعملاً به حتى يبطل ، بل قاعدة يقينية ، لايخرج القياس من تحتها إلا بدليل قطعي .

خامساً ، افترض الغزالي وغيره أن الصحابة معصومون ، فإن تعارض النقل عنهم فلا بد أن نقبل طرفاً ونرد الآخر ، أو نُؤول أحدهما أو كليهما لننفي عنهم التناقض ! لكنه يعلم أنهم وقعوا في التعارض والتناقض ، فقد حرَّموا العمل بالظن قولاً ، وارتكبوه عملاً ! وقد ثبت ذلك عن عمر وغيره بأصح الروايات ! فالمشكلة تعارض قول أشخاص وعملهم ، ولايمكن لغزَّالي أن يحيك لها ستراً !

سادساً ، حاول الغزالي تأويل نهي عمر وغيره عن الرأي والعمل بالظن ، بجعله تحريماً خاصاً ببعض أنواع الظن ، فقال: (فيحمل ما أنكروه على الرأي المخالف للنص...الخ.) ، ولكن كلامهم في ذلك مطلق أو عام لا يقبل التأويل !

وكيف يمكنه تأويل قول عمر الذي نقله الغزالي نفسه: (إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا) . فقد دعا فيه عمر صريحاً الى التقيد بالأحاديث ، وحرَّمَ القول بالرأي مطلقاً !

من تهافت الغزالي وغلوه !

قال في المستصفى ص292: ( الإعتراض الخامس: أن الصحابة إن قالوا بالقياس اختراعاً من تلقاء أنفسهم فهو محال ، وإن قالوا به عن سماع من النبي (ع) فيجب إظهار مستندهم والتمسك به، فإنكم تسلمون أنه لا حجة فيما أبدعوه ووضعوه ، ونحن نسلم وجوب الإتباع فيما سمعوه ، فإنه إذا قال(ع) : إذا غلب على ظنكم أن مناط الحكم بعض الأوصاف فاتبعوه ، فإن الأمر كما ظننتموه !

والجواب من وجهين: أحدهما ، أن هذه مؤونة كفيناها ، فإنهم مهما أجمعوا على القياس فقد ثبت بالقواطع أن الأمة لاتجتمع على الخطأ ، بل لو وضعوا القياس واخترعوه استصواباً برأيهم ومن عند أنفسهم ، لكان ذلك حقاً واجب الإتباع ، فلا يجمع الله أمة محمد(ع) على الخطأ ، فلاحاجة بنا إلى البحث عن مستندهم الثاني: هو أنا نعلم أنهم قالوا ذلك عن مستندات كثيرة خارجة عن الحصر ، وعن دلالات وقرائن أحوال وتكريرات وتنبيهات ، تفيد علماً ضرورياً بالتعبد بالقياس وربط الحكم بما غلب على الظن كونه مناطاً للحكم ، لكن انقسمت تلك المستندات إلى ما اندرس فلم ينقل، اكتفاء بما علمته الأمة ضرورة وإلى ما نقل ! ولكن لم يبق في هذه الأعصار إلا نقل الآحاد لم يبق على حد التواتر ولايورث العلم إلا ما تواتر، ولكن الآحاد لفظها يتطرق الإحتمال والتأويل إليه فلايحصل العلم بآحادها ، وإلى ما هي قرائن أحوال يعسر وصفها ونقلها ، فلم ينقل إلينا ، فكفينا مؤونة البحث عن المستند لما علمناه من التواتر من إجماعهم ، ونحن مع هذا نشبع القول في شرح مستندات الصحابة والألفاظ التي هي مدارك تنبيهاتهم للتعبد بالقياس ، وذلك من القرآن ، وقوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ... الخ. ). انتهى.

أقول: كلام الغزالي هذا نموذج لكلامهم المتهافت في الموضوع ! فهو يقوم على دعويين فاسدتين: الأولى: أن فعل الصحابة واجب الإتباع ، حتى لو خالف قولهم الصريح الصحيح ! وخالف نص القرآن الصريح !

والثانية: أن الصحابة أجمعوا عملياً على العمل بالرأي والظن ، وإجماعهم إجماع الأمة ، وهو حجة ولا نسأل عن دليله ، بل يجب اتباعه حتى لو كان إجماعاً على اختراع شريعة ! وهذا معنى قوله: ( إن هذه مؤونة كفيناها ، فإنهم مهما أجمعوا على القياس فقد ثبت بالقواطع أن الأمة لاتجتمع على الخطأ ، بل لو وضعوا القياس واخترعوه استصواباً برأيهم ومن عند أنفسهم لكان ذلك حقاً واجب الإتباع) !! انتهى.

وهذا تغميض هذا للعيون ، وإفراط في اتباع الصحابة ، حتى لو خالفوا القرآن والرسول(ص) ، وناقضوا أنفسهم ، وأسسوا ديناً جديداً !

كما أنه إعراض عن تحريم العترة النبوية للظنون في الدين ، وهم صحابة وعترة ؟! فعن أي إجماع يتحدث عنه الغزالي وأهل البيت(ع) مخالفون له ؟!

واي إجماع هذا ، وقد نقل بعض كبار علمائهم الإجماع على ضده؟!

قال الرازي في المحصول:5/104: (وأما إجماع الصحابة ، فهو أنه نقل عن كثير منهم التصريح بذم القياس على ما تقدم بيانه ، ولم يظهر من أحد منهم الإنكار على ذلك الذم ، وذلك يدل على انعقاد الإجماع على فساد القياس .

فإن قلت: هذا معارض بأنه نقل عنهم أنهم اختلفوا في مسائل مع أنه لا طريق لهم إلى تلك المذاهب إلا القياس .

قلت: ما ذكرناه أولى ، لأن التصريح راجح على ما ليس بتصريح .

وأما إجماع العترة ، فلأنا كما نعلم بالضرورة بعد مخالطة أصحاب النقل ، أن مذهب الشافعي رضي الله عنه وأبي حنيفة ومالك رحمهما الله القول بالقياس ، فكذا نعلم بالضرورة أن مذهب أهل البيت كالصادق والباقر إنكار القياس . وقد تقدم في باب الإجماع أن إجماع العترة حجة ) . انتهى.

ثم أي منطق هذا في تصحيح عمل شخص أو جماعة بالظن ، وقد نهى عنه القرآن والسنة والعقل ، بأن دليلهم موجود لكنه ضاع ولم يصلنا؟!

أنظر الى قوله: (نعلم أنهم قالوا ذلك عن مستندات كثيرةخارجة عن الحصر..... لكن انقسمت تلك المستندات إلى ما اندرس فلم ينقل....ولكن لم يبق في هذه الأعصار إلا نقل الآحاد... وإلى ما هي قرائن أحوال يعسر وصفها ونقلها ، فلم ينقل إلينا...) . انتهى.

فقد اعترف بعدم وجود دليل على عمل الصحابة بالظن ، لكنه افترض أنه موجود وقد ضاع نصفه فلم يصل الينا ! وكان نصفه الآخر قرائن اعتمدوا عليها لايمكن وصفها ونقلها الينا !

وهذا كله رجم بالغيب ، يفترض في الصحابة العصمة وأنهم لايخطئون !!

أقوى أدلتهم على القياس..مضحك !

أصل حجتهم على القياس والعمل بالظنون ، عملُ الخلفاء خاصة عمر بن الخطاب ، لكنهم أرادوا أن يبرروا ذلك ويجدوا أدلة من الكتاب والسنة ، فوقع نظرهم على قوله تعالى( فاعتبروا يا أولي الأبصار) فقالوا الحمد لله إن معناها فقيسوا يا أولي الأبصار !!

والآية هي الثانية من سورة الحشر ، نزلت في حشر اليهود الأول ، قال تعالى: سَبَّحَ للهِِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . هُوَالَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَلِ الْحَشْرِ مَاظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ .

ومعنى الآية: خذوا العبرة من مصير بني قريظة ، وإرادة الله الماضية فيهم وفي أمثالهم: كيف تحزَّبوا على النبي(ص) مع الأحزاب ، ولما انهزم الأحزاب قذف الله في قلوبهم الرعب فاستسلموا ، فخرَّبوا بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين !

فأين القياس الذي يريدونه من الآية ، قياس أمر على آخر وإعطاؤه حكمه لمجرد الظن أنه يشبهه ، والظن أنه يشترك معه في العلة ؟!

فلو كان الأمر باالإتعاظ وأخذ العبرة أمراً بالقياس ، فكل أمر بالتفكر والتدبر والتأمل وحساب العاقبة ، أمرٌ بالقياس !!

قال الراغب في المفردات ص320: (والإعتبار والعبرة بالحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد ، قال: إن في ذلك لعبرة.. فاعتبروا يا أولي الأبصار) . انتهى.

فكل انتقال من حدث مشاهد الى غيره اعتبار ، وبالمعنى المجازي قياس ، وقد يكون قياساً منطقياً ، فهل كل قياس مجازي أو منطقي هو قياسهم الفقهي الظني؟! وهل منه قياس الثوب والمساحة أيضاً ؟!

وقد أطالوا في الإستدلال بهذه الآية الى حد الإسراف والتمحُّل ، وكتبوا فيها مئات الصفحات ، وخصص لها الفخر الرازي في المحصول من علم الأصول ، اثنتي عشرة صفحة (5/26 ـ 37) ! قال: ( أما الكتاب فقوله تعالى: فاعتبروا يا أولى الأبصار ، وجه الإستدلال به أن الإعتبار مشتق من العبور وهو المرور..... والقياس عبورٌ من حكم الأصل إلى حكم الفرع ، فكان داخلاً تحت الأمر ) !! انتهى.

فكيف قبل عقل هذا الفيلسوف أن الأمر بالعبور الفكري من شئ الى شئ ، ومن حدث الى نتيجة ، هو أمر بالقياس الفقهي ؟!

وكيف عَبَرَ هو من أمر عام بالتفكير ، الى نوع خاص من التَّسْرية الظنية للحكم الى مظنون المشابهة والعلة ؟! أليس ذلك قياساًً مضحكاً ؟!

وقال الآمدي في الإحكام:4/152: (والمعتمد في ذلك ، الإحتجاج بقوله تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار ، أوجب الإعتبار ، وأراد به القياس) !!

وقال الجصاص في أحكام القرآن: 3/573: (والقياس في أحكام الحوادث ضرب من الإعتبار). ( راجع أيضاً :4/31 ، وأصول السرخسي:2/106، و125، والمستصفى ص293).

وقال الجصاص في الفصول:4/31 ، مستدلاً بالآية على القياس: (فدل على أن الإعتبار هو أن تحكم للشئ بحكم نظيره المشارك له في معناه ، الذي تعلق به استحقاق حكمه . فإن قيل: الإعتبار هو التفكر والتدبر . قيل له: هو كذلك ، إلا أنه تفكر في رد الشئ إلى نظيره على الوجه الذي قلنا ، ألا ترى أنك تقول قد اعتبرت هذا الثوب بهذا الثوب ، إذا قومته بمثل قيمته . فكان المعنى أنك رددته إليه وحكمت له بمثل حكمه ، إذ كان مثله ونظيره . وحكى لي بعض أصحابنا عن أبي عبدالله بن زيد الواسطي قال: رأيت القاساني وابن سريج قد صنفا في القياس نحو ألف ورقة ، هذا في نفيه وهذا في إثباته ، اعتمد القاساني فيه على قوله تعالى: أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ، واعتمد ابن سريج في إثباته على قوله تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار)! انتهى.

فانظر الى قول الآمدي عن الإعتبار في الآية:(أوجب الإعتبار وأراد به القياس)! وقول الجصاص: (إلا أنه تفكر في رد الشئ إلى نظيره على الوجه الذي قلنا) !

فأين يوجد في الآية أن التفكر المأمور به فيها هو عينه القياس الفقهي (على الوجه الذي قلنا) ؟!! وأيُّ سفسطة حكاها عن ابن سريج وأنه كتب نحوخمس مئة ورقة في الإستدلال بالآية على القياس ؟!

ونعم ما قاله ابن حزم في رد القياس كما في المحلى:1/57: (ومن العجيب أن يكون معنى الإعتبار القياس ويقول الله تعالى لنا: قيسوا، ثم لا يبين لنا ماذا نقيس ، ولا كيف نقيس ، ولا على ماذا نقيس) !! انتهى . (راجع للتوسع: الذريعة في أصول فقه) للسيد المرتضى:2/710 ، والأصول العامة للفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم ص334 ).

دعواهم أن العلم لازم في المسائل العلمية دون العلية !

قال في فتح القدير:5/112:(إِنَّ الظَّنَّ لايُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شيئاًً) أي إن جنس الظن لا يغني من الحق شيئاً من الإغتناء ، والحق هنا العلم . وفيه دليل على أن مجرد الظن لايقوم مقام العلم ، وأن الظان غير عالم ، وهذا في الأمور التي يحتاج فيها إلى العلم وهي المسائل العلمية، لافيما يكتفى فيه بالظن ، وهي المسائل العملية)!

فقد أطلق القول بأن المسائل العملية يكتفى فيها بظن الحاكم والمفتي والناس ، وانت خبير بما لهذا الإطلاق من آثارٌ خطيرة على الدين والمجتمع !

السَّرَخْسي..وما أشبهه !

قال في الأصول:1/318: (الفقه أربعة ، ما في القرآن وما أشبهه ، وما جاءت به السنة وما أشبهها ، وما جاء عن الصحابة وما أشبهه ، وما رآه المسلمون حسناً وما أشبهه . ففي هذا بيان أن ما أجمع عليه الصحابة فهو بمنزلة الثابت بالكتاب والسنة في كونه مقطوعاً به حتى يُكفَّر جاحده ! وهذا أقوى ما يكون من الإجماع ، ففي الصحابة أهل المدينة وعترة رسول الله (ص) ، ولاخلاف بين من يعتد بقولهم أن هذا الإجماع حجة موجبة للعلم قطعاً ، فيُكَفَّر جاحده كما يُكفر جاحد ما ثبت بالكتاب أو بخبر متواتر !

فإن قيل: كيف يستقيم هذا وتوهم الخطأ لم ينعدم بإجماعهم أصلاًً ، فإن رأيهم لايكون فوق رأي رسول الله (ص) ، وقد قال تعالى: عفا الله عنك لم أذنت لهم ، وقال تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى ، الآية ، ففي هذا إشارة إلى أنه قد كان وقع لرسول الله(ص) الخطأ في بعض ما فعل به برأيه ، فعرفنا أنه لايؤمن الخطأ في رأي دون رأيه أصلاًً .

قلنا: رسول الله (ص)كان معصوماً عن التقرير على الخطأ ، خصوصاً في إظهار أحكام الدين ، ولهذا كان قوله موجباً علم اليقين ، واتباعه فرض على الأمة ، قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.... وسنقرر هذا الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى. فإذا ثبت هذا فيما ثبت بتنصيص رسول الله(ص) فكذلك فيما يثبت بإجماع الصحابة ، فإنه لايبقى فيه توهم الخطأ بعد إجماعهم حتى يُكَفَّر جاحده) . انتهى.

أقول: كلام السرخسي عجيب وما أشبهه ! خاصة حكمه بكفر من خالف ما يحسبه إجماعاً للصحابة ، وقد رأيت اضطراب ميزانهم في الإجماع حتى ادعوا إجماع الصحابة على العمل بالظن ، بينما ادعى الرازي إجماعهم على تحريمه !

أما جوابه الأخير على جعله كلام الصحابة معصوماً فوق كلام النبي(ص) ، فظاهر الركة! حيث ادعى أن النبي(ص) يخطئ فينبهه ربه، وجعل إجماع الصحابة مثله اشتهاءً بلا دليل !

الفخرالرازي يفلسف ظنونهم فيجعلها علماً !

قال في المحصول:1/78: (وأما الفقه فهو في أصل اللغة عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه ، وفي اصطلاح العلماء عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية العملية والمستدل على أعيانها بحيث لايعلم كونها من الدين ضرورة .

فإن قلت: الفقه من باب الظنون ، فكيف جعلته علماً ؟! قلت: المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم ، قطع بوجوب العمل بما أدى إليه ظنه ، فالحكم معلوم قطعاً ، والظن واقع في طريقه ). انتهى.

أقول: يقصد بمناط الحكم علته ، يعني أن المجتهد عندما يغلب على ظنه اشتراك أمرين في علة الحكم ، يقطع بوجوب العمل بظنه ، وهذا القطع علمٌ بالحكم الشرعي ، وإن نَشَأَ من الظن !

وبذلك قفز الرازي ثلاث خطوات على غير أرض صلبة:

ففي الأولى ، فرض أن المجتهد يعرف علة الحكم ومناطه ! مع أنه صرح بأن معرفة علل الأحكام الشرعية محال ، إلا ما نص عليه الشارع !

قال في المحصول: 1/111، في جعل الزنا علة للحد: (الثالث الشرع إذا جعل الزنا علة فإن لم يصدر عنه عند ذلك الجعل أمر ألبتة ، استحال أن يقال إنه جعله علة للحد لأن ذلك كذب ، والكذب على الشرع محال ).

وقال في نفس الصفحة: ( القياس لايفيد ظن الحكم إلا إذا ظننا كون الحكم في الأصل معللاً بالوصف الفلاني ، وذلك الظن محال ، لما سيأتي في الباب الثاني أن تعليل الحكم الشرعي محال ) . انتهى.

وفي الخطوة الثانية ، ادعى أن المجتهد يحصل له العلم من غير طريق القياس بوجوب العمل برأيه عن طريق القياس الظني ، وهو محل الكلام ، فأين دليله !

وفي الثالثة ، ادعى أن ظن المجتهد باشتراك أمرين في المناط والحكم ، يتحول الى علم ويقين ! فهل رأيت بذرة أكبر من ثمرتها ، أو نتيجة أصدق من مقدماتها.. إلا عند هؤلاء الظنيين ؟!

على أن كلام الفخر الرازي هذا عن علمية القياس جاء في أول كتابه ، لكنه تنازل عنه عندما وصل الى بحث القياس في المجلد الخامس ص122، فقال:

( إن القياس قد يكون يقينياً وقد يكون ظنياً ، أما الأول فكمن علم علة الحكم في الأصل ثم علم حصول مثل تلك العلة في الفرع) . انتهى.

فقد اعترف بأن القياس العلمي هو القياس على منصوص العلة فقط ، وهو مذهبنا ! ولانطيل في نقد كلامهم في المسألة فهو كثير متشابه، يكفي منه ماتقدم.

وتهاوى بناء الدين عندهم بظنونهم..كالأواني المستطرقة !

كانت الخطوة الأولى أن الخليفة فتح لنفسه باب الظن في الدين ، لفقده العلم .

ثم نظَّر له أتباع الخلافة بأن النبي(ص) كان يعمل بالظن ويجتهد ويخطئ !

ثم فتحوا باب الظن في الدين أمام الحاكم ، وأشباه العلماء ، والناس !

ثم قالوا إن ظنونهم كلها صحيحة ، وإنها دين الله تعالى !

ولك أن تقدر مدى تأثير ذلك على بناء الشريعة والعقيدة ، حيث اندفع الظانون في طرح ظنونهم المتناقضة في فهم نصوص القرآن والسنة ، بل ظنونهم الذاتية عندما لايجدون نصاً من الكتاب أو السنة !

وكرَّزوا منهجهم الإحتمالي بتسميته دين الله تعالى الذي أنزله !

فكان منهجاً خطيراً في التحريف ، ألبسوه ثوباً شرعياً باسم إجماع الصحابة !

ثم لم يكتفوا بها حتى أصدروا فتاواهم بتكفير من خالفهم !

وغاية ما تجرأ الناقدون منهم أن يتوقفوا في تسمية هذه الآراء والظنون دين الله تعالى ، توقفوا توقفاً فقط ، لأنهم يشكون في أنها دين الله تعالى ، ولا ينفون !

قال الرازي في المحصول:6/137: (المسألة الخامسة: اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقول الله تعالى للنبي(ص)أو للعالم: أحكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب ؟

فقطع بوقوعه مويس بن عمران ، وقطع جمهور المعتزلة بامتناعه ، وتوقف الشافعي في امتناعه وجوازه . وهو المختار ) .

وقال الجصاص في الفصول:4/372: (اختلف أهل العلم فيما يوجبه الإجتهاد من الأحكام ، هل يسمى ديناً لله تعالى؟ فقال قائلون: لايقال إنه دين الله تعالى ، لأنه يوجب أن يكون الله تعالى قد شرع لنا أدياناً مختلفة على حسب اختلاف المجتهدين. ويلزم قائله أيضاً أنَّ دين الله تعالى يحلُّ تركه والعدول عنه ، ولو جاز ترك دين الله تعالى لجازت مخالفة الرسول الله(ص).

ومن الناس من يطلق أنه دين الله تعالى ، لأنه لو لم يكن ديناً لله تعالى لكان فيه إحلال الفروج والدماء والأموال بغير دين الله تعالى .

قال أبو بكر(أي الجصاص): والصحيح أنه دين لله تعالى ، ومن أبى إطلاق ذلك فإنما خالف في الإسم لا في المعنى ، لأن أصحاب الإجتهاد كلهم مجمعون أن الله تعالى قد فرض القول به على من أداه إليه اجتهاده ، وأن العامل به عامل من الله تعالى ، وما ألزمونا من إيجاب أن لله تعالى أدياناً مختلفة فإنه لايلزم ، لأن اختلاف الفروض من جهة النص لم يلزمهم ذلك ) . انتهى. !

وقال الآمدي في الإحكام:4/7:(وأما المعارضة فمن خمسة وعشرين وجهاً:

الأول: قال النَّظَّام: إن العقل يقتضي التسوية بين المتماثلات في أحكامها ، والإختلاف بين المختلفات في أحكامها، والشارع قد رأيناه فرق بين المتماثلات وجمع بين المختلفات ، وهو على خلاف قضية العقل ، وذلك يدل على أن القياس الشرعي غير وارد على مذاق العقل ، فلا يكون العقل مجوزاً له ...

الثاني: قالت الشيعة: إن القول بالتعبد بالقياس يفضي إلى الإختلاف ، وذلك إذا ظهر لكل واحد من المجتهدين قياس مقتضاه نقيض حكم الآخر ، والإختلاف ليس من الدين لقوله تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً . وقوله تعالى: وأن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه . وقوله: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم . وقوله: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً . وقوله تعالى: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا . ذكر ذلك في معرض الذم ، ولا ذم على ما يكون من الدين.......

الثالث: أنه إذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين ، فإما أن يقال بأن كل مجتهد مصيب ، فيلزم منه أن يكون الشئ ونقيضه حقاً ، وهو محال . وإما أن يقال بأن المصيب واحد ، وهو أيضاً محال ، فإنه ليس تصويب أحد الظنين مع استوائهما دون الآخر ، أولى من العكس). انتهى.

وقال الجصاص في الفصول:4/325: (فمما استدلوا به من جهة الظاهر على بطلان قول القائلين بتصويب المجتهدين في أحكام حوادث الفقه: أن الله تعالى قد عاب الإختلاف والتفرق ، وذم المختلفين في الدين وعنَّفَهم بقوله تعالى: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا . وقال تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا . وقال عز وجل: أن اقيموا الدين ولاتتفرقوا فيه . وقال تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً. وقال تعالى: وإِنَّ الظَّنَّ لايُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شيئاًً. وقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس . وقال تعالى: ولو اتبع الظن أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن .

فتضمنت هذه الآيات النهي عن الإختلاف والتفرق نهياً عاماً في الأصول والفروع ، فدل أن ما أدى إلى ذلك فليس هو حكماً لله تعالى ، لأنه انتفى من الإختلاف ، ونفاه عن أحكامه ، وأن يكون من عنده بقوله تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً . وقول القائلين بتصويب المجتهدين يوجب جواز الإختلاف ، ويحكم مع ذلك القول ببطلان الظن والحكم بالهوى . وليس الحكم بالظن واتباع الهوى إلا أن يحكم الحاكم بما يغلب في ظنه ويستولي على رأيه ، من غير اتباع دليل يوجب له القول به .

الجواب: يقال لهم: أخبرونا عن الإختلاف الذي ذمه الله تعالى وعاب أهله في هذه الآيات ونهى عنه ، هو الإختلاف في أحكام حوادث الفتيا ؟

فإن قالوا نعم ، قيل لهم: فينبغي أن يكون للصحابة والأئمة الهادية من الصدر الأول الحظ الأوفر من هذا الذم ، ومن مواقعة هذا النهي ، لكثرته فيما بينهم من مسائل الفتيا . فإن كانوا كذلك عندكم ، فقد صرتم إلى مذهب الطاعنين في السلف من سائر فرق الضلالة ! وليس هذا قول أحد من الفقهاء ... فإذا كان المختلفون في مسائل الفقه معذورين ومأجورين ، فكيف يجوز أن يكونوا رضي الله عنهم من أهل هذه الآيات، فقد وجب باتفاقنا جميعاً أن الإختلاف في مسائل الفتيا غير مراد بها ولا داخل فيها . ولو كانت هذه الآيات موجبة لذم الإختلاف عاماً ، لوجب أن يكون المختلفون عند الفتاوى في تدبير الحروب مستحقين لحكم هذه الآيات مذمومين باختلافهم). انتهى.

أقول: مع أن الجصاص أدق من السرخسي والآمدي ، لكنه كالَ بالجملة فاعتبر جميع الآيات التي استدلوا بها على بطلان القياس والتصويب نوعاً واحداً ، ومضمونها أمراً واحداً هو ذم الإختلاف.. ثم أجاب عنها بأن الصحابة قد قاسوا وقالوا بالتصويب ، وهم فوق الذم ، فيستحيل أن تقصدهم الآيات !!

وهذا تسطيح لايليق بعالم له دقة نظر ! فإن من جملة الآيات التي أوردها هو قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لايُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شيئاً ،وهو نهيٌ عن اتباع الظن من حيث هو اتباع ظن ، لامن حيث أنه يوجب الإختلاف أو الإتفاق ! فلماذا لم يجب عنه ؟!

ثانياً ، إن موضوعه الذي طرحه هو تصويب المجتهدين وتخطئتهم ، أي هل يصح أن نسمي اجتهاد كل منهم صواباً ، ونقول إنهم جميعاً أصابوا حكم الله تعالى ، لأن الحكم في علم الله متعددٌ بعدد اجتهاد المجتهدين الى يوم القيامة ؟ أم نقول إن حكم الله واحد ، وقد يصيبه بعضهم أو يخطؤه ، أو كلهم؟!

وهذا لاعلاقة له مباشرة بذم الإختلاف في الفتيا وعدمه ، فكان اللازم أن يبحث قوله تعالى:وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا . (النساء:82) ، وهل تدل الآية وأمثالها على أن عدم الإختلاف في حكم الله تعالى بسبب وحدته وعدم تعدده بتعدد ظنون المجتهدين ، أم لسبب آخر ؟ ولكنه أهمل هذا أيضاً !

ثالثاً ، أن التصويب والتخطئة لايختصان بالفتيا فلماذا حصرهما بها؟ فهما يشملان كل عمل بالظن ، وقد مثلوا للقياس ببيعة عمر لأبي بكر ، وبيعة أبي بكر لعمر، وليست البيعة من الفتيا ، وقد اعترف بذلك الجصاص حيث قال: (فتضمنت هذه الآيات النهي عن الإختلاف والتفرق نهياً عاماً في الأصول والفروع ) !

أما إن اعتبر الجصاص كل الظنون نوعاً من الفتيا ، فقد جعل تحريم اتِّباع الظن في القرآن والسنة لاغياً ، ولم يُبْقِ له موضوعاً ! فأين موضوعه ؟!

رابعاً ، لم يُجب على إشكال النَّظَّام وهو من أقوى النقوض على القياس الذي هو أصل التصويب ، حيث قال النظام: (والشارع قد رأيناه فرق بين المتماثلات ، وجمع بين المختلفات ، وهو على خلاف قضية العقل ، وذلك يدل على أن القياس الشرعي غير وارد على مذاق العقل ، فلا يكون العقل مجوزاً له).

ويكفي مثالاً له إشكال الإمام الصادق(ع) على أبي حنيفة ، الذي أخذ منه النَّظام ، من أن المرأة تقضي الصوم ولاتقضي الصلاة مع أن الصلاة أهم ، ويجب الغسل من الجنابة ولا يجب من البول ، مع أن البول أرجس من المني !

خامساً ، خلط الجصاص بين القياس والتصويب ، وأجاب على الإشكال على القياس والعمل بالظن ، ولم يجب على التصويب أبداً !!

سادساً ، اكتفى الجصاص بدل البحث العلمي بإصدار فتوى بالتصويب ، وأن جميع اجتهادات المجتهدين ، المختلفة ، المتعددة ، المتعارضة ، المتناقضة ، هي دين الله تعالى وحكمه لعباده ، فقال: (والصحيح أنه دين الله تعالى) ، ولم يبين معنى فتواه ، ولا تصوره للتصويب ولا دليله ! فأين البحث العلمي وحتى الظني؟!

سابعاً ، ما هو دليل الجصاص على التصويب ، أي على أصله الذي هو القياس والعمل بالظن؟ الجواب: لم يأت بدليل إلا التهويل بالصحابة ، وأنك إن لم تقبل ظنونهم على اختلافها وتناقضها ، فأنت تتهم ظنونهم بأنها اختلاف مذموم ، وتتهمهم بأنهم مذمومون في القرآن ، فأنت من فرق الضلال ، لأن الصحابة معصومون واختلافهم كله رحمة، وظنونهم كلها صواب ، وكلها دين الله تعالى !

ثامناً ، قال الجصاص:(فكيف يجوز أن يكونوا رضي الله عنهم من أهل هذه الآيات فقد وجب باتفاقنا جميعاً أن الإختلاف في مسائل الفتيا غير مراد بها ولا داخل فيها) .

فدليله أن آيات ذم الإختلاف يستحيل أن تقصد الصحابة ، ومقصوده بمسائل الفتيا كل المسائل التي اختلفوا فيها ، في أصول الدين ، والفقه ، والسياسة !

ولا وجه لإصراره على تسميتها مسائل الفتيا إلا قصده التهوين من المسائل التي اختلفوا فيها ، وجعلها كالإختلاف في فتوى جزئية بين مجتهديْن ، كتفاصيل الصلاة مثلاً !

تاسعاً ، كيف يمكن له أن يلتزم بأن اختلافات الصحابة كله صواب ، وقد أفتى بعضهم بفسق بعض ، وكفَّره ، وقاتل بعضهم بعضاً واستحل دمه ؟ فهل كل ذلك صواب ، وكله دينُ الله تعالى ؟!

وهل أن رفض العترة وسعد بن عبادة وغيرهم لبيعة أبي بكر وعمر ، صوابٌ ودينُ الله تعالى ؟

وهل أن اتهام العباس وعلي لعمر وأبي بكر كما ورد على لسان عمر في صحيح مسلم ، بأنهما غادران خائنان آثمان ، صوابٌ ودين؟! (صحيح مسلم:5/152)

وهل يبقى مصداق لقوله:(فإن كانوا كذلك عندكم فقد صرتم إلى مذهب الطاعنين في السلف من سائر فرق الضلالة)بعد طعن الصحابة ببعضهم وتضليلهم؟!

اللهم إلا أن يطبقها على الصحابة أنفسهم ، فينقض غرضه !

عاشراً ، قال الجصاص: (ولو كانت هذه الآيات موجبة لذم الإختلاف عاماً، لوجب أن يكون المختلفون عند الفتاوي في تدبير الحروب مستحقين لحكم هذه الآيات مذمومين باختلافهم) .انتهى.

وقصده بذلك أن ينقض على المشكلين بأمر أجمع المسلمون على أنه ليس ذماً لأطرافه ، وهو ما رووه من اختلاف بعض الصحابة مع النبي(ص) ! فهو يقول إن أبيتم إلا أن تكون آيات الإختلاف ذماً للصحابة ، لزم أن تكون ذماً لهم وللنبي(ص) لاختلافهم معه في تدبير الحرب ! فارفعوا الذم عن الصحابة ، أو فاقبلوا الذم لهم مع النبي(ص) !!

وهذه شنشنة نعرفها من أخزم ، وأسلوبٌ قرشي سئ في ربط الصحابة بالنبي (ص) لتخليصهم من الطعن ، أو يشاركهم النبي(ص) فيه !!

لكن هل يقاس الطَّوْد بالذَّرِّ ، والتابع بالمتبوع ، والمسدد من ربه في كل حرف من منطقه ، وكل حركة من أفعاله ، بأناس كان يتألف قلوبهم بالمشورة في الحرب وغيرها ، ومن شهد القرآن بأخطائهم الكثيرة وأن النبي(ص) لو أطاع آراءهم الفاسدة لوقع المسلمون في المهالك: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمر لَعَنِتُّمْ ).(الحجرات:7) ؟!

فتأمل كيف انحرف الجصاص في بحثه ، والى أين وصل في دفاعه ؟!

الظنون المعتبرة شرعاً تسهيلاً على العباد

مع أن الأصل القرآني والنبوي والعقلي حرمة العمل بالظن ، لكن ذلك لايمنع أن تضع الشريعة المقدسة أمارات ظنية ، أو تكتفي بغلبة الظن في حالات يتعذر فيها تحصيل العلم أو يتعسر ، كمن لاطريق له الى معرفة جهة القبلة ، فيكتفي منه الشرع بالصلاة الى الجهة التي يغلب عليها ظنه أنها القبلة .

وتسمى هذه (الظنون المعتبرة شرعاً) ، ويقتصر فيها على ما نصت عليه الشريعة ، ولا يتجاوز الى غيرها ، ويكون العمل بها عملاً بالعلم لا بالظن .

قال المظفر في أصول الفقه:2/17: (وفي الحقيقة إن الأخذ بالظن المعتبر الذي ثبت على سبيل القطع بأنه حجة ، لايكون أخذاً بالظن بما هو ظن ، وإن كان اعتباره عند الشارع من جهة كونه ظناً ، بل يكون أخذاً بالقطع واليقين ، ذلك القطع الذي قام على اعتبار ذلك السبب للظن ، وسيأتي أن القطع حجة بذاته لا يحتاج إلى جعل من أحد ). انتهى .

وهذه نماذج منها في فقه أهل البيت(ع) :

قال الشريف المرتضى في رسائله:3/143: (ومعلوم أن الظن لاحكم له مع إمكان العلم ، وإذا تمكن الحاكم من أن يعلم صدق المدعي ، وجب أن ينظر في ذلك ليعلم بحسب علمه ، كما وجب عليه النظر فيما يؤدي إلى غلبة الظن من بيانه ، وإذا لم يفعل فقد فرط ).

وقال أبو الصلاح الحلبي في الكافي ص148: (وأما ما يقتضي العمل بغلبة الظن فهو أن يسهو في عدد الركعات والأحكام ويغلب ظنه بشئ من ذلك ، فعليه أن يعلم بما غلب ظنه ).

وقال الطوسي في المبسوط:1/123: (ومن شك بين الثنتين والثلاث والأربع بنى على الأربع . . . فإن غلب في ظنه في أحد هذه المواضع أحدهما عمل عليه ، لأن غلبة الظن في جميع أحكام السهو يقوم مقام العلم سواء ).

وقال الشهيد الثاني في روض الجنان ص340:(وعن الصادق(ع) :إذا وقع وهمك على الثلاث فابن عليه وإن وقع وهمك على الأربع فسلم وانصرف، ولأن تحصيل اليقين عسر في كثير من الأحوال ، فاكتفيَ بالظن تحصيلاً لليسر ودفعاً للعسر ).

وقال الطوسي في الخلاف:2/254: (سكان الجزائر والسواحل الذين لا طريق لهم غير البحر ، يلزمهم ركوبه إلى الحج إذا غلب في ظنهم السلامة ، فإن غلب في ظنهم العطب لا يجب عليهم ذلك ).

وقال المحقق الحلي في شرائع الإسلام:4/1026: (فلو أجج ناراً في ملكه لم يضمن ولو سرت إلى غيره ، إلا أن يزيد عن قدر الحاجة ، مع غلبة الظن بالتعدي كما في أيام الأهوية ).

وقال العلامة الحلي في قواعد الأحكام:3/502: (والأقرب أنه لايشترط في استفاضة الوقف والنكاح العلم ، بل يكفي غلبة الظن ).

وقال الشهيد الأول في اللمعة الدمشقية ص190: (ولايجوز القذف (الإتهام بالزنا) إلا مع المعاينة كالميل في المكحلة ، لا بالشياع أو غلبة الظن )

وقال ابن فهد الحلي في الرسائل العشر ص379: (يقبل قول الصبي في الهدية لتسامح السلف فيه وجريان العادة ، ولا فرق بين أن يكون الإخبار قبل الأكل أو بعده ، ويجوز تسليم الوعاء إليه ، وتكفي غلبة الظن ).

وقال الشهيد الثاني في مسالك الأفهام:2/216: ( لو لم يحاذ ميقاتاً ، فإنه يحرم عند محاذاته علماً أو ظناً ، لصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق(ع) ).

وقال في مسالك الأفهام:13/413: (قد تقدم أن المعتبر في التعديل الخبرة الباطنة الموجبة لغلبة الظن بالعدالة ، وأما الجرح فلا يكفي فيه مطلق الظن إجماعاً ، بل لا بد فيه من العلم بالسبب ) .

وقال النراقي في مستند الشيعة:18/111: (احتج الوالد العلامة  لما اختاره: بأن غلبة الظن كافية في معرفة العدالة لنفي الجرح ، إذ اشتراط القطع بها يؤدي إليه غالباً ، فحسن الظاهر إن بلغ حداً يفيد غلبة الظن يجوز الاكتفاء به) .

وقال الجواهري في جواهر الكلام:21/16:(وكذا يجب الدفاع علىكل من خشي على نفسه مطلقاً ، أو ماله ، أو عرضه ، أو نفس مؤمنة ، أو مال محترم ، أو عرض كذلك ، إذا غلب ظن السلامة ، كما أشبعنا الكلام فيه في كتاب الحدود ، فلاحظ كي تعرف الفرق بين النفس والمال ، بالنسبة إلى اعتبار غلبة الظن بالسلامة في الثاني دون الأول . بل وبالنسبة إلى وجوب الدفع عنه مع حصول الغلبة المزبورة ، وعدمه) .

ونلاحظ أن اعتماد الظن في كثير من هذه الموارد عند غيرنا أوسع منه عندنا:

ففي سبل السلام لابن حجر:3/190: ( وفي المهذب والإنتصار أنه مع غلبة الظن بالزنا في المرأة أو العلم ، يجوز (اتهامها بالزنا) ولا يجب ومع عدم الظن يحرم ).

وفي المستصفى للغزالي ص110: (إذ القاضي لم يحصل له العلم بصدقهم ، وجاز له القضاء بغلبة الظن بالإجماع ) ! انتهى.

هذا مضافاً الى اعتمادهم ظن المجتهد في القياس وفي غير القياس !

قال الغزالي في المستصفى ص 318: (والأصل هو المجتهد ، وهذا الجنس مما يغلب على ظن بعض المجتهدين ، وما من مجتهد يمارس النظر في مأخذ الأحكام إلا ويجد ذلك من نفسه ، فمن أثر ذلك في نفسه حتى غلب ذلك على ظنه فهو كالمناسب ، ولم يكلف إلا غلبة الظن فهو صحيح في حقه ، ومن لم يغلب ذلك على ظنه فليس له الحكم به ، وليس معنا دليل قاطع يبطل الإعتماد على هذا الظن بعد حصوله ) !!

وقال في المستصفى ص353: (الأمارات الظنية ليست أدلة بأعيانها ، بل يختلف ذلك بالإضافات ، فرب دليل يفيد الظن لزيد وهو بعينه لا يفيد الظن لعمرو مع إحاطته به ، وربما يفيد الظن لشخص واحد في حال دون حال ، بل قد يقوم في حق شخص واحد في حال واحدة في مسألة واحدة دليلان متعارضان ، كان كل واحد لو انفرد لأفاد الظن ، ولا يتصور في الأدلة القطعية تعارض .

وبيانه: أن أبا بكر رأى التسوية في العطاء إذ قال: الدنيا بلاغ ، كيف وإنما عملوا لله عز وجل وأجورهم على الله ، حيث قال عمر: كيف نساوي بين الفاضل والمفضول ، ورأى عمر التفاوت ليكون ذلك ترغيباً في طلب الفضائل ، ولأن أصل الإسلام وإن كان لله فيوجب الإستحقاق . والمعنى الذي ذكره أبو بكر فهمه عمر رضي الله عنهما ، ولم يفده غلبة الظن ، وما رآه عمر فهمه أبو بكر ولم يفده غلبة الظن ولا مال قلبه إليه ، وذلك لاختلاف أحوالهما ، فمن خلق خلقة أبي بكر في غلبة التأله وتجريد النظر في الآخرة ، غلب على ظنه لا محالة ما ظنه أبو بكر ، ولم ينقدح في نفسه إلا ذلك ، ومن خلقه الله خلقة عمر وعلى حالته وسجيته في الإلتفات إلى السياسة ورعاية مصالح الخلق وضبطهم وتحريك دواعيهم للخير ، فلا بد أن تميل نفسه إلى ما مال إليه عمر مع إحاطة كل واحد منهما بدليل صاحبه) . انتهى.

وقصد الغزالي أن النبي(ص) ساوى بين المسلمين في العطاء لظنه ، وأبو بكر اتبع النبي(ص) وساوى بينهم في العطاء لظنه ، لكن عمر ميَّز بينهم لظنه أيضاً ، وكوَّن منهم طبقة ثرية . فالظن الذاتي حجة عندهم مهما اختلفت ذوات الظانين ، وكله صواب ، وكله دين الله تعالى !!

لكن المساواة في العطاء حكم شرعي وليست اجتهاداً من النبي(ص) كما زعم، وعندنا أن اجتهاد عمر كان في مقابل النص ، ولذلك قال أمير المؤمنين(ع) عندما عوتب على التسوية في العطاء:

( أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وُلِّيت عليه ، والله ما أطورُ به ما سَمَرَ سمير ، وما أمَّ نجمٌ في السماء نجماً . لو كان المال لي لسَوَّيْتَ بينهم ، فكيف وإنما المال مال الله !

ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف ، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ، ويكرمه في الناس ويهينه عند الله . ولم يضع امرؤٌ ماله في غير حقه ولا عند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم ، وكان لغيره ودهم . فإن زلَّتْ به النعل يوماً فاحتاج إلى معونتهم ، فشرُّ خَدِينٍ ، وألأمُ خليل). ! (نهج البلاغة:2/ 6 )

الأسئلة

1 ـ كيف تعتمدون على الظن وتجعلونه ديناً تدينون به ، وقد قرأتم نهي الله عن الظن في القرآن ، ورويتم أن النبي(ص) قال:(إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)؟! (البخاري:3/188،ورواه في:6/136 و:7/88 و89 و:8/3 ورواه مسلم :8/10).

2 ـ كيف تجمعون بين عمل عمر بن الخطاب بالظن ، وبين قوله: (إن الرأي إنما كان من رسول الله(ص)مصيباً ، لأن الله كان يُرِيه ، وإنما هو منا الظنُّ والتكلف). (سنن أبي داود:2/161) ؟!

3 ـ قال الجصاص في الفصول:4/72: (وإن غلب في ظنه أنه قاصد قتله كان له أن يقتله . فكان حكم جواز الإقدام على قتله منوطاً بغلبة الظن . وإذا جاز الحكم بغلبة الظن في مثله ، فما دونه أحرى بجواز ذلك فيه). انتهى .

فهل يجوز للشخص الذي يظن ان فلاناً يريد أن يقتله ، أن يبادر الى قتله؟!

4 ـ ما دمتم تعتبرون كل مجتهد مصيباً ، وتعتبرون الظن علماً وحجةً للحاكم والمجتهد ، بل للشخص فتجيزون له أن يعمل بظنه ويقتل من يظن أنه يريد قتله ، فأي قيمة تبقى للعلم ومعرفة الواقع؟وأي معنى للمذاهب ، وتفضيل بعض العلماء على بعض ؟!

5 ـ ماذا تعملون إذا تعارضت الظنون وكلها عندكم صواب ، وكلها دين الله تعالى ! وإذا تعارضت فتاوى المجتهدين، أو تعارضت ظنون الحكام مع بعضهم ، أو مع الناس ، وتعارضت ظنون المتخاصمين ، وظنون المتقاتلين؟

هل كلهم على حق وصواب ؟!

6 ـ الإجتهاد في مذهب أهل البيت(ع) اكتشاف وليس اختراعاً ، والمجتهد لايمكنه أن يفتي بظنه ، فإذا كان الإجتهاد بالظن والترجيح عندكم صحيحاً ويجوز للمجتهد أن يحرِّم شيئاً لأنه يظن ضرره ، أو يحلله لأنه يظن فائدته ، والجميع مصيب وحكمهم حكم الله تعالى ، فلماذ لاتعدون الإجتهاد والرأي مصدراً من مصادر التشريع ، وما الفرق بين اجتهدكم وبين التشريعات الكنسية ؟!

7 ـ مارأيكم في قول ابن حجر في فتح الباري: 1/482: ( قلت: تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن ، فإذا قالوا أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر ، بل هو راجح الإحتمال فيعتمد . ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ ، وهو ما يخالف الثقة ، فيه من هو أرجح منه في حد الصحيح ) !

وقال الغزالي في المستصفى ص132: (ولو غلب على ظنه في حديث أنه مسموع من الزهري لم تجز الرواية بغلبة الظن ، وقال قوم: يجوز ، لأن الإعتماد في هذا الباب على غلبة الظن ، وهو بعيد ، لأن الإعتماد في الشهادة على غلبة الظن ، ولكن في حق الحاكم ، فإنه لا يعلم صدق الشاهد ، أما الشاهد فينبغي أن يتحقق لأن تكليفه أن لايشهد إلا على المعلوم فيما تمكن فيه المشاهدة ممكن ، وتكليف الحاكم أن لا يحكم إلا بصدق الشاهد محال ، وكذلك الراوي لا سبيل له إلى معرفة صدق الشيخ ، ولكن له طريق إلى معرفة قوله بالسماع ، فإذا لم يتحقق فينبغي أن لا يروي .

فإن قيل: فالواحد في عصرنا يجوز أن يقول: قال رسول الله ولا يتحقق ذلك ،

قلنا: لاطريق له إلى تحقق ذلك ، ولا يفهم من قوله قال رسول الله(ص)أنه سمعه ، لكن يفهم منه أنه سمع هذا الحديث من غيره ، أو رواه في كتاب يعتمد عليه ، وكل من سمع ذلك لا يلزمه العمل به ، لأنه مرسل لا يدري من أين يقوله وإنما يلزم العمل إذا ذكر مستنده حتى ينظر في حاله وعدالته .

فهل يصح بعده أن يقال إن منهج البحث الحديثي عندهم مبني على العلم ؟!

8 ـ قال الفخر الرازي في المحصول:4/390:(لو جاز أن يوثر ظننا في صيرورة ما ليس بمصلحة مصلحة لجاز أن يؤثر ظننا بمجرد التشهي في ذلك....إذا كان كون الفعل مصلحة ليس تابعاً لظننا ، فيجوز أن يكون الظن مطابقاً وأن لايكون فيكون الإذن في العمل بالظن إذناً في فعل ما لا يجوز فعله). انتهى .

فكيف تقولون إن ظنون المجتهدين كلها صواب ، وكلها حكم الله تعالى ؟!

9 ـ ما قولكم في قول الكراجكي في كتابه: التعجب من أغلاط العامة ص150:

(ومن العجيب: أن يكون كل مجتهد مصيباً إلا الشيعة ، فإنهم في اجتهادهم على خطأ وبدعة ، وكل من أفتى في الإسلام بفتوى ، سواء قام إليها أم رجع إلى غيرها ، فهو من فقهاء الأمة ، وفتواه معدودة في خلاف أهل الملة ، وأقواله مسموعة ، وهو من أهل السنة والجماعة ، إلا الأئمة من أهل بيت النبوة(ع) ، فإن الباقر والصادق وآباءهما والأئمة من ذريتهما صلوات الله عليهم أجمعين ليسوا عندهم من الفقهاء ، ولا يعدون أقوالهم خلافاً ، ولا يصدقون لهم قولاً ، ولا يصوبون لهم فعلاً ، وليسوا من أهل السنة والجماعة ، ومن اتبعهم واقتدى بهم فهو من أهل البدعة ، وهذا من التجريد في العداوة إلى الغاية ) ؟!

10 ـ ما جوابكم على إشكال تناقض الأشعريين في بحوثهم العقائدية والفقهية ، الذي قال عنه السيد ابن طاووس في الطرائف ص525:

(ثم يقال للأشعرية خاصة فيما ذهبوا إليه من القياس من الشرعي عندهم: نراكم في كتب الأصول تدعون القطع على أن أفعال الله يستحيل تعليلها بأمور لأجلها كانت كذلك . والقياس إنما يصح لكم بعد ثبوت العلل في القياس واستعمالها ، فإن ادعى ذو جهالة منهم أن ثبوت العلل إنما يحتاج فيه الى غلبة الظن دون القطع قيل له: إذا ثبت ما تدعون من استحالة التعليل على الله تعالى كيف يبقى مجال الظن أو غيره ؟! وهذا لا جواب لهم عنه إلا بإبطال القياس ، أو جواز التعليل على الله تعالى). فما جوابكم ؟!

11 ـ قال في فتح الباري:13/170: (عن أبي وائل قال قلت لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم علياً ؟! فقال: ما ذنبي بدأت بعلي فقلت له أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر ، فقال: فيما استطعت ، وعرضتها على عثمان فقبل ... واستدل بهذه القصة الأخيرة على جواز تقليد المجتهد وأن عثمان وعبد الرحمن كانا يريان ذلك ، بخلاف علي). انتهى.

فهل توجبون على الأمة تقليد أبي بكر وعمر في ظنونهما وتجعلونها جزء من الدين ! وإن لم تكن كذلك ، فلماذا شرط ابن عوف على علي(ع) العمل بها ؟!

12 ـ قال الآمدي في الأحكام:4/166: (وأيضاً قوله تعالى: عفا الله عنك لم أذنت لهم ، عاتبه على ذلك ونسبه إلى الخطأ ، وذلك لا يكون فيما حكم فيه بالوحي فلم يبق سوى الإجتهاد ، وليس ذلك خاصاً بالنبي(ع) ، بل كان غيره أيضاً من الأنبياء متعبداً بذلك. انتهى.

وبذلك نفى الجصاص أن يترتب الخطأ على وحي الله لنبيه(ص) !

وقد تقدم أنه أثبته فقال في أحكام القرآن:2/349:(قوله تعالى: إنا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ.. الآية .فيه إخبار أنه أنزل الكتاب ليحكم بين الناس بما عرفه الله من الأحكام والتعبد ... ربما احتج به من يقول أن النبي(ص) لم يكن يقول شيئاً من طريق الإجتهاد ، وأن أقواله وأفعاله كلها كانت تصدر عن النصوص وأنه كقوله تعالى: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى. وليس في الآيتين دليل على أن النبي(ص)لم يكن يقول شيئاً من طريق الإجتهاد ، وذلك لأنا نقول ما صدر عن اجتهاد فهو مما أراه الله وعرفه إياه ، ومما أوحى به إليه أن يفعله ، فليس في الآية دلالة على نفي الإجتهاد عن النبي في الأحكام).

فهل يصح أن يوحي الله تعالى الى نبيه أن يجتهد ، ويعمل بظنه فيخطئ ؟!

13 ـ ما قولكم في هذه المناظرة بين الشيخ المفيد وعدة قضاة ، منهم الباقلاني؟

في الفصول المختارة للشيخ المفيد ص81: (سئل الشيخ أيده الله في مجلس لبعض القضاة وكان فيه جمع كثير من الفقهاء والمتكلمين ، فقيل له:

ما الدليل على إبطال القياس في الأحكام الشرعية ؟ فقال الشيخ أدام الله عزه: الدليل على ذلك أنني وجدت الحكم الذي تزعم خصومي أنه أصل يقاس عليه ويستخرج منه الفرع ، قد كان جائزاً من الله سبحانه التعبد في الحادثة التي هو حكمها بخلافه مع كون الحادثة على حقيقتها وبجميع صفاتها ، فلو كان القياس صحيحاً لما جاز في العقول التعبد في الحادثة بخلاف حكمها ، إلا مع اختلاف حالها وتغير الوصف عليها ، وفي جواز ذلك على ما وصفناه دليل على إبطال القياس في الشرعيات .

فلم يفهم السائل معنى هذا الكلام ولا عرفه ، والتبس على الجماعة كلها طريقه ولم يَلُحْ لأحد منهم ولا فطن به ، وخلط السائل وعارض على غير ما سلف ، فوافقه الشيخ على عدم فهمه للكلام وكرره عليه ، فلم يحصل له معناه.

قال الشيخ أيده الله: فاضطررت إلى كشفه على وجه لايخفى على الجماعة ، فقلت: إن النبي(ص) نص على تحريم التفاضل في البِرِّ ، فكان النص في ذلك أصلاًً زعمتم أيها القايسون أن الحكم بتحريم التفاضل في الأرُزِّ مقيسٌ عليه ، وأنه الفرع له ، وقد علمنا أن في العقل يجوز أن يتعبد القديم سبحانه وتعالى بإباحة التفاضل في البرِّ وهو على جميع صفاته ، بدلاً من تعبده بحظره فيه ، فلو كان الحكم بالحظر لعلة في البر أو صفة هو عليها ، لاستحال ارتفاع الحظر إلا بعد ارتفاع العلة أو الوصف . وفي تقديرنا وجوده على جميع الصفات والمعاني التي يكون عليها مع الحظر عند الإباحة ، وهذا دليل على بطلان القياس فيه .

ألا ترى أنه لما كان وصف المتحرك إنما لزمه لوجود الحركة ، أو لقطعه المكانين ، استحال توهم حصول السكون له في الحقيقة مع وجود الحركة أو قطعه للمكانين ، وهذا بيِّن لمن تدبره . فلم يأت القوم بشئ يجب حكايته)؟!

14 ـ هل تقولون بأن النبي(ص) تبرأ من السنة قبل وفته ، لأنها كانت عن اجتهاد وظن ، حسب الحديث المزعوم :( عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن رسول الله (ص) قال في مرضه: لا يمسك الناس عليَّ شيئاً، لا أحلُّ إلا ما أحلَّ الله في كتابه، ولا أحرِّمُ إلا ما حرم الله في كتابه). (الأحكام لابن حزم:2/197) ؟!

15 ـ ما رأيكم في قول ابن حزم في الأحكام:6/754:

(قال تعالى:إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى. وقال رسول الله (ص): الظن أكذب الحديث . فكل من حكم بتهمة أو باحتياط لم يستيقن أمره ، أو بشئ خوف ذريعة إلى ما لم يكن بعد ، فقد حكم بالظن ، وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل ، وهذا لايحل ، وهو حكم بالهوى ، وتجنب الحق . نعوذ بالله من كل مذهب أدى إلى هذا ). ؟!

16 ـ هل توافقون ابن قدامة على قوله في المغني:1/194: ( ولا فرق بين أن يغلب على ظنه أحدهما أو يتساوى الأمران عنده ، لأن غلبة الظن إذا لم تكن مضبوطة بضابط شرعي لا يلتفت إليها ، كما لايلتفت الحاكم إلى قول أحد المتداعيين إذا غلب على ظنه صدقه بغير دليل ) ؟!

17 ـ هل تجوَّزون الحلف بغلبة الظن كما حلفت عائشة وعبدالله بن عمر ، وانكشف عندكم خطؤهما ؟ ففي فتح الباري:6/351: (قوله: لا والله ماقال رسول الله(ص) ...وقد تقدم بيان الجمع بين ما أنكره ابن عمر وأثبته غيره ، وفيه جواز اليمين على غلبة الظن) !! وفي شرح مسلم للنووي:6/232: (قوله عن عائشة: فقالت لا والله ما قاله رسول الله قط إن الميت يعذب ببكاء أحد . في هذه جواز الحلف بغلبة الظن بقرائن وإن لم يقطع الإنسان ، وهذا مذهبنا . ومن هذا قالوا له الحلف بديْن رآه بخط أبيه الميت على فلان ، إذا ظنه ) ؟!

18 ـ ما رأيكم في تناقضات أصحاب القياس وغرائبهم في أقيستهم ، التي ذكر قسماً منها ابن حزم في الأحكام:8/1086، قال: (في ذكر طرف يسير من تناقض أصحاب القياس في القياس ، يدل على فساد مذهبهم في ذلك إن شاء الله تعالى...الخ.) انتهى . ثم أورد تناقضهم وغرائبهم في أكثر من عشرين صفحة ؟!

تم المجلد الثاني من كتاب (ألف سؤال وإشكال)

ويليه المجلد الثالث إن شاء الله تعالى

وقد بلغت الأسئلة والإشكالات في المجلد الأول:411

وفي الثاني:343 ، ومجموعها أكثر من ألف .