الفصل الثاني والعشرون
منهج مفسري الخلافة في الإنتقاص من شخصية النبي(ص)
نماذج من منهجهم التفسيري في التنقيص من شخصية النبي (ص) !
يكفيك أن تقرأ ما كتب رواتهم ومفسروهم وفقهاؤهم في الآيات التي تتعلق بشخصية
النبي(ص) ، أمثال قوله تعالى: عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ. (سورة
التوبة:43) .
وقوله تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وإذا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ،
وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شيئاً قَلِيلاً.
(الاسراء:73 ـ 74) ، وقوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً
مُسْتَقِيماً . (سورة الفتح:2)
وقوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى. الضحى:7 وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ)
. (الشرح:2)
وقوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا
تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً.
(الفتح:2).
وقوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَئٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
أَوْيُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ.(آل عمران:128)
وقوله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .
(الزمر:65)
وقوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
شيئاً قَلِيلاً) .(الاسراء:74)
وقوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ
عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ
مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ
فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذا قَضَوْا
مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أمر اللهِ مَفْعُولاً. (سورة الأحزاب:37 )
وقوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى .وَمَا يُدْرِيكَ
لَعَلَّهُ يَزَّكَّى . ( عبس:3 )
وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلا
إذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا
يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
(الحج:52)
وقوله تعالى: عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ
الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ. (التوبة:43)
وقوله تعالى: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ
تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . (التحريم:1)
وقوله تعالى: مَاكَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أسرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي
الأرض تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ . (الأنفال:67)
ولو أردنا أن نستعرض رواياتهم وكلماتهم في ذلك لطال الكلام ، فنكتفي منها
بنماذج تثبت أن التنقيص من شخصية النبي(ص) عندهم منهجٌ ، وليس فلتةً من راوٍ أو
مفسر ، ولا حالةً نادرةً لا يقاس عليها !
وقد تتحير في سبب تبنيهم لهذا المنهج الخاطئ الظالم لرسول الله(ص) وأنبياء الله
عموماً(ع) .. لكنك تجده في مديحهم المطلق وغلوهم في أبي بكر وعمر، وابنتيهما
عائشة وحفصة ، وبعضهم يضيف اليهم عثمان ومعاوية، وبعضهم يضيف بقية الحكام ! فقد
عصموهم عملياً فلا يعترفون لهم بارتكاب أي خطأ ! بل يحكمون بضلال من لم
يتولَّهُم ويعتقد بإمامتهم ، ويكفِّرون من ينتقدهم ويعدد أخطاءهم ، ويثبت
معصيتهم لرسول الله(ص) !
وبسبب هذا الغلو فيهم احتاجوا الى تبرير أخطائهم بإثبات أخطاء للنبي(ص) !!
المسألة:163
تفسيرهم قوله تعالى: عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
قال الله تعالى عن موقف المنافين في غزوة تبوك:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي
سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرض أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا
مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا
قَلِيلٌ.
إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قوماً
غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شيئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ . إِلا
تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ
اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاتَحْزَنْ إِنَّ
اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ
لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ
اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .
انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي
سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . لَوْكَانَ
عَرَضًا قريباً وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ
الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ
يُهْلِكُونَ أنفسهم وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ .
عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ
صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ.
لايَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ
يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ .
إنما يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ لايُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ . وَلَوْ
أَرَادُوا الْخُرُوجَ لاعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ
انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ . لَوْ
خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالاً وَلاوْضَعُوا خِلالَكُمْ
يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ
بِالظَّالِمِينَ . لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ
الأمور حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أمر اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ
سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ . إِنْ تُصِبْكَ
حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أمرنا
مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ .
قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى
اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ
نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ
بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا أنا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ . (سورة التوبة: 38 ـ
52 )
هذه الآيات من سورة التوبة نزلت في غزوة تبوك حيث جمع الروم جيشاً هناك لحرب
النبي(ص) فاستنفر المسلمين وقصدهم بنفسه ، واستأذنه بعض المؤمنين وعدد من
المنافقين أن يتخلفوا عنه مدعين أعذاراً ، فقبل منهم وأذن لهم . وفي تفسير
القمي:1/293: (والمستأذنون ثمانون رجلاً من قبائل شتى) .
وفي طريق عودة النبي(ص) من تبوك نزلت سورة التوبة التي سميت الفاضحة للمنافقين
عموماً ، ومنها هذه الآيات في فضح موقفهم من غزوة تبوك .
وقد تمسك مفسروهم بقوله تعالى: عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ. وقالوا إن إذن
النبي(ص) للمنافقين معصية منه لربه وقد خففها بعضهم فجعلها ذنباً صغيراً !
وأطلقوا العنان لخيالهم في ذنوب النبي(ص) وأخطائه التي عاتبه الله عليها ، فعفا
عن بعضها ، وعاقبه على بعضها كأسرى قريش في بدر !
قال السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول ص104: (قوله تعالى: عفا الله
عنك..الآية. أخرج ابن جرير عن عمرو بن ميمون الأزدي قال: إثنتان فعلهما رسول
الله(ص)لم يؤمر فيها بشئ: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى ، فأنزل
الله: عفا الله عنك لم أذنت ) ! . انتهى.
واقتصر السيوطي على هذه الرواية وارتضاها ، باعتبارها لبَّ ما رويَ في سبب نزول
الآية ، كما أوردها عامة من فسر الآية وتبناها ، أو ناقش فيها .
(راجع تفسير الطبري:10/184 ، والدر المنثور للسيوطي:3/247 ، وفتح
القديرللشوكاني:2/367 ، وعون المعبود:7/325 ، وتفسير زاد المسير لابن
الجوزي:3/302 وفيه (وقال سفيان بن عيينة انظر إلى هذا اللطف بدأه بالعفو قبل أن
يعيره بالذنب ).
وقال الجصاص في أحكام القرآن:3/152: ( وهذا يدل على أن الإستيذان في التخلف كان
محظوراً عليهم ، ويدل على صحة تأويل قوله: عفا الله عنك على أنه عفو عن ذنب وإن
كان صغيراً ).
وقال ابن أبي شيبة في المصنف:8/223: (حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن عون قال
كان يقال: من أحسن الله صورته أخبره بالعفو قبل الذنب: عفا الله عنك لم أذنت
لهم ) . انتهى.
وقد حاول بعضهم أن يدافع عن النبي(ص) وينفي ارتكابه لمعصية ربه كالفخر الرازي ،
لكن الزمخشري زاد على الجميع فنسب اليه الجناية ! وحاشاه(ص) .
قال في الكشاف:2/192: (عفا الله عنك .كناية عن الجناية لأن العفو مرادف لها
ومعناه أخطأت وبئس ما فعلت ! و(لم أذنت لهم) بيان لما كنى عنه بالعفو ، ومعناه:
مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلوا لك بعللهم ، وهلا
استأنيت بالإذن (حتى يتبين لك) من صدق في عذره ممن كذب فيه ! وقيل: شيئان
فعلهما رسول الله(ص)ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى ، فعاتبه
الله تعالى . . . فكان عليه أن يتفحص عن كنه معاذيرهم ولا يتجوز في قبولها ،
فمن ثم أتاه العتاب)!! انتهى.
وقد أجاب أئمة أهل البيت(ع) وعلماء مذهبهم على ذلك بالأجوبة التالية:
الجواب الأول للإمام الرضا(ع)
في عيون أخبار الرضا(ع) :2/174: (باب ذكر مجلس آخر للرضا(ع) عند المأمون في
عصمة الأنبياء(ع) ، وهو حديث طويل جاء فيه: (فقال المأمون: لله درك يا أبا
الحسن ، فأخبرني قول الله عز وجل: لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قال الرضا(ع) : لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم
ذنباً من رسول الله (ص) لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاث مأة وستين صنماً ،
فلما جاءهم(ص) بالدعوة الى كلمة الإخلاص كبُرَ ذلك عليهم وعَظُم ، وقالوا:
أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلهاً واحداً أن هَذَا لَشَئٌ عُجَابٌ. وَانْطَلَقَ
الْمَلأُ مِنْهُمْ أن امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ أن هَذَا لَشَئٌ
يُرَادُ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخرة أن هَذَا إلا اخْتِلاقٌ
. فلما فتح الله عز وجل على نبيه(ص) مكة قال له يا محمد: إنا فَتَحْنَا لَكَ
>مكة< فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَاتَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ،
عند مشركي أهل مكة بدعائك الى توحيد الله فيما تقدم. وَمَا تَأَخَّرَ ، لأن
مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار
التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه ، فصار ذنبه عندهم ذلك مغفوراً بظهوره عليهم .
فقال المأمون: لله درك أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عز وجل: عَفَا اللهُ
عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ؟
قال الرضا(ع) :هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة ، خاطب الله عز وجل بذلك
نبيه وأراد به أمته . وكذلك قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ، وقوله عز وجل: وَلَوْلاأن
ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شيئاً قليلاً).
وصدق الإمام الرضا(ع) ، فالمتأمل في الآية وسياقها لايجد ذنباً أو خطأ للنبي
(ص) ليكون فيه عتبٌ عليه ، لأن مصبَّ الحديث عن نفاق المنافقين وتخلفهم وكذبهم
. وقوله تعالى لرسوله(ص) :عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ، هو في
الواقع خطابٌ لهم بأن الله كاشفهم ، وتوجيهٌ للمسلمين لأن يكشفوهم ولا يغترُّوا
بهم ، وفيهم سماعون لهم ! ولذا قال(ع) أنه من باب: إياك أعني واسمعي ياجارة:
الجواب الثاني لعدد من علمائن
قال الشريف المرتضى في تنزيه الأنبياء ص160: (أما قوله تعالى:عفا الله عنك ،
فليس يقتضي وقوع معصية ولا غفران عقاب ، ولا يمتنع أن يكون المقصود به التعظيم
والملاطفة في المخاطبة ، لأن أحدنا قد يقول لغيره إذا خاطبه: أرأيت رحمك الله
وغفر الله لك ، وهو لا يقصد الى الاستصفاح له عن عقاب ذنوبه ، بل ربما لم يخطر
بباله أن له ذنباً ، وإنما الغرض الإجمالي في المخاطبة واستعمال ما قد صار في
العادة علماً على تعظيم المخاطب وتوقيره .
وأما قوله تعالى: لمَ أذنت لهم ، فظاهره الإستفهام والمراد به التقريع واستخراج
ذكر علة إذنه ، وليس بواجب حمل ذلك على العتاب ، لأن أحدنا قد يقول لغيره لم
فعلت كذا وكذا ، تارةً معاتباً ، وأخرى مستفهماً ، وتارة مقرراً ، فليس هذه
اللفظة خاصة للعتاب والإنكار . وأكثر ما تقتضيه وغاية ما يمكن أن يدعى فيها أن
تكون دالة على أنه(ص) ترك الأولى والأفضل ، وقد بينا أن ترك الأولى ليس بذنب ،
وإن كان الثواب ينقص معه ، فإن الأنبياء(ع) يجوز أن يتركوا كثيراً من النوافل).
انتهى.
وقال الطوسي في تفسير التبيان:5/226: ( وقال أبو على الجبائي: في الآية دلالة
على أن النبي(ص) كان وقع منه ذنب في هذا الإذن ، قال: لأنه لا يجوز أن يقال لم
فعلت ما جعلت لك فعله؟ كما لا يجوز أن يقول لم فعلت ما أمرتك بفعله . وهذا الذي
ذكره غير صحيح ، لأن قوله عفا الله عنك إنما هي كلمة عتاب له (ص) لمَ فعل ما
كان الأولى به أن لايفعله ، لأنه وان كان له فعله من حيث لم يكن محظوراً فإن
الأولى أن لايفعله ، كما يقول القائل لغيره إذا رآه يعاتب أخاً له: لم عاتبته
وكلمته بما يشق عليه؟ وإن كان له معاتبته وكلامه بما يثقل عليه . وكيف يكون ذلك
معصية وقد قال الله في موضع آخر: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ
فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ، وإنما أراد الله أنه كان ينبغي أن ينتظر
تأكيد الوحي فيه . ومن قال هذا ناسخ لذلك فعليه الدلالة) . انتهى.
وقال الطبرسي في مجمع البيان:5/60: (وهل كان هذا الإذن قبيحاً أم لا ؟ قال
الجبائي: كان قبيحاً ، ووقع صغيراً ، لأنه لا يقال في المباح لم فعلته ، وهذا
غير صحيح...الخ.).
وقال المجلسي في البحار:17/46: ( أقول: يجوز أن يكون إذنه(ص) لهم حسناً موافقا
لأمره تعالى ، ويكون العتاب متوجهاً إلى المستأذنين الذين علم الله من قبلهم
النفاق ، أو إلى جماعة حملوا النبي(ص) على ذلك كما مر مراراً ، ومن هذا القبيل
قوله تعالى :يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي
وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ... (المائدة:116) ولا تنافي بين كون
استيذانهم حراماً وإذنه(ص) بحسب ما يظهرونه من الأعذار ظاهراً واجباً أو مباحاً
).
وقال الطباطبائي في تفسير الميزان:9/285:( والآية كما ترى وتقدمت الإشاره إليه
في مقام دعوى ظهور كذبهم ونفاقهم وأنهم مفتضحون بأدنى امتحان يمتحنون به . ومن
مناسبات هذا المقام إلقاء العتاب إلى المخاطب وتوبيخه والإنكار عليه كأنه هو
الذي ستر عليهم فضائح أعمالهم وسوء سريرتهم ، وهو نوع من العناية الكلامية
يتبين به ظهور الأمر ووضوحه ، لا يراد أزيد من ذلك فهو من أقسام البيان على
طريق: إياك اعني و اسمعي يا جارة . فالمراد بالكلام إظهار هذه الدعوى لا الكشف
عن تقصير النبي(ص) وسوء تدبيره في إحياء أمر الله ، وارتكابه بذلك ذنباً حاشاه
، وأولوية عدم الإذن لهم معناها كون عدم الإذن أنسب لظهور فضيحتهم، وأنهم أحق
بذلك لما بهم من سوء السريرة وفساد النية ، لا لأنه كان أولى وأحرى في نفسه ،
وأقرب وأمس بمصلحة الدين .
والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى بعد ثلاث آيات: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ
مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ
الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ . إلى آخر الايتين ، فقد كان الأصلح
أن يؤذن لهم في التخلف ليصان الجمع من الخبال وفساد الرأي وتفرق الكلمة ،
والمتعين أن يقعدوا فلا يفتنوا المؤمنين بإلقاء الخلاف بينهم والتفتين فيهم
وفيهم ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب ، وهم سماعون لهم ، يسرعون إلى المطاوعة لهم
، ولو لم يؤذن لهم فأظهروا الخلاف كانت الفتنه أشد ، والتفرق في كلمه الجماعة
أوضح وأبين . ويؤكد ذلك قوله تعالى بعد آيتين:وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ
لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ
وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ، فقد كان تخلفهم ونفاقهم ظاهراً لائحاً
من عدم إعدادهم العده ، يتوسمه في وجوههم كل ذي لب ، ولا يخفى مثل ذلك على مثل
النبي(ص) وقد نبأه الله بأخبارهم قبل نزول هذه السورة كراراً ، فكيف يصح أن
يعاتب هاهنا عتاباً جدياً بأنه لمَ لمْ يكف عن الإذن ولم يستعلم حالهم حتى
يتبين له نفاقهم ويميز المنافقين من المؤمنين. فليس المراد بالعتاب إلا ما
ذكرناه .
ومما تقدم يظهر فساد قول من قال إن الآية تدل على صدور الذنب عنه(ص) لأن العفو
لا يتحقق من غير ذنب ، وإن الإذن كان قبيحاً منه(ص) ومن صغائر الذنوب ، لأنه لا
يقال في المباح لم فعلته. انتهى.وهذا من لعبهم بكلام الله سبحانه ولو اعترض
معترض على ما يهجون به في مثل المقام الذي سيقت الآية فيه لم يرضوا بذلك . وقد
أوضحنا أن الآية مسوقه لغرض غير غرض الجد في العتاب .
على أن قولهم إن المباح لايقال فيه لمَ فعلت ، فاسدٌ ، فإن من الجائز إذا شوهد
من رجح غير الأولى على الأولى أن يقال له لم فعلت ذلك ورجحته على ما هو أولى
منه ؟ على أنك قد عرفت أن الآية غير مسوقه لعتاب جدي .
ونظيره ما ذكره بعض آخر حيث قال: إن بعض المفسرين ولا سيما الزمخشري قد أساؤوا
الأدب في التعبير عن عفو الله تعالى عن رسوله(ص) في هذه الآية وكان يجب أن
يتعلموا أعلى الأدب معه(ص) إذ أخبره ربه ومؤدبه بالعفو قبل الذنب ، وهو منتهى
التكريم واللطف . وبالغ آخرون كالرازي في الطرف الآخر فأرادوا أن يثبتوا أن
العفو لا يدل على الذنب ، وغايته أن الإذن الذي عاتبه الله عليه هو خلاف الأولى
. وهو جمود مع الإصطلاحات المحدثة والعرف الخاص في معنى الذنب وهو المعصية ،
وما كان ينبغي لهم أن يهربوا من إثبات ما أثبته الله في كتابه تمسكاً
باصطلاحاتهم وعرفهم المخالف له ولمدلول اللغه أيضاً ، فالذنب في اللغة كل عمل
يستتبع ضرراً أو فوت منفعة أو مصلحة مأخوذ من ذنب الدابة وليس مرادفاً للمعصية
بل أعم منها.... فقد كان النبي ص يتوسم منهم النفاق والخلاف ويعلم بما في
نفوسهم ، ومع ذلك فعتابه(ص) بأنه لمَ لم يكفَّ عن الإذن ولم يستعلم حالهم ولم
يميزهم من غيرهم ، ليس إلا عتاباً غير جدي للغرض الذي ذكرناه..... وقد كانوا
تظاهروا بمثل ذلك يوم أحد وقد هجم عليهم العدو في عقر دارهم فرجع ثلث الجيش
الاسلامي من المعركة ولم يؤثر فيهم عظة ولا إلحاح حتى قالوا لو نعلم قتالاً
لاتبعناكم، فكان ذلك أحد الأسباب العاملة في انهزام المسلمين). انتهى.
الجواب الثالث
أن العتاب المشاهد في الآية طريقي ولا موضوعية له ، لأنه جزء من السياق الذي هو
تصعيد كشف المنافقين والدعوة الى كشفهم . فلا ذنب للنبي(ص) كما زعموا ، ولا عتب
، ولا ناسخ ولا منسوخ ! وأين الذنب النبوي في قوله تعالى في خطاب كريم جميل:
عفا الله عنك أيها النبي الرحيم حيث أذنتَ لهم بكرم أخلاقك ، فتخلفوا عنك ، ولو
أنك لم تأذن لهم لرأيت عصيانهم ونفاقهم !
فصيغة: عَفَا اللهُ عَنْكَ...ليس مصبُّها فعل النبي(ص) ، بل معناها أن ذات
هؤلاء خبيثة ، ولو لم تأذن لهم لكشفتها ، فمن الآن فاكشفها وحذِّر المسلمين
منهم !
ولذلك يصح استعمالها حتى لو كان قبلها آية في تخيير النبي(ص) بالإذن لهم ! فهي
كقولك لولدك الذي سامح شخصاً بديْن له عليه بموافقتك ، لادعائه أنه ليس عنده
مال وأنه سيوفيه في المستقبل ، فتقول لولدك أمام الناس أو بحضور الشخص: إنه رجل
كاذب وعفا الله عنك لم سامحته ، فلو لم تسامحه لا نكشف لك وللناس كذبه ، فإن
عاد فلا تسامحه واكشف كذبه .
وأين الذنب في كرم أخلاق النبي(ص) وإذنه لهم ، وقد أستأذنه المنافقون من قبل في
غزوة الأحزاب للمدينة وقال الله عنهم: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النبي
يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ
إِلا فِرَارًا. (الأحزاب:13) وأنزل عليه التخيير في الإذن للمؤمنين ، وهو تخيير
يشملهم لتظاهرهم بالإيمان ، فقال في سورة النور: فإذا اسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ
شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ..؟! وغزوة الأحزاب سنة أربع أو خمس
للهجرة ، وغزوة تبوك سنة تسع للهجرة ؟!!
الجواب الرابع
لايمكن لنا أن نقبل أن النبي(ص) قد عصى ربه أو عاتبه ربه على شئ ، بعد أن قال
عنه سبحانه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى ،
فالذي لاينطق كلمة عن هوى ، لايمكن أن يفعل فعلاً عن هوى ؟!!
الجواب الخامس
أخبر الله تعالى بأنه هو الذي ثبطهم عن النفر من النبي(ص) لأنه كره انبعاثهم !
قال تعالى: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ
كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ
الْقَاعِدِينَ . فتخلفهم كان لازماً ، وإذن النبي(ص) لهم كان مطابقاً لما هو
لازم في علمه سبحانه ، فكيف يعاتبه على مساعدته على ما هو لازم وضروري؟!
بل ينبغي القول بأن من وسائل تثبيط الله تعالى لهم إلهامه لنبي(ص) أن يأذن لهم
بالتخلف عنه ، فهو لاينطق عن الهوى .
الجواب السادس
روى الجميع أن جبرئيل(ع) نزل على النبي(ص) بعد وقعة الخندق ، وأمره أن يغزو بني
قريظة الذين ناصروا الأحزاب فقال له: ( عفا الله عنك ، وضعت السلاح ولم تضعه
الملائكة ). ولم يقل أحد من المسلمين بأن وضعه السلاح بعد الخندق كان خطأ أو
معصية ! فكيف صارت نفس العبارة دالة على الذنب في تبوك ، ولم تكن تدل على ذنب
قبل خمس سنوات في الأحزاب ؟!
ففي تفسير فرات الكوفي ص174: (عن محمد بن كعب القرظي قال: لما رجع رسول الله(ص)
من الأحزاب قال له جبرئيل(ع) : عفا الله عنك أوضعتهم السلاح ، ما زلت بمن معي
من الملائكة نسوق المشركين حتى نزلنا بهم حمراء الأسد ، أخرج وقد أُمرتَ
بقتالهم وإني عادٍ بمن معي أزلزل بهم حصونهم حتى تلحقونا ! فأعطى علي بن أبي
طالب(ع) الراية وخرج في أثر جبرئيل ....)
وفي فتح الباري:7/318: (عن عائشة عند أحمد والطبراني: فجاءه جبريل وإن على
ثناياه لنقع الغبار ، وفي مرسل يزيد بن الأصم عند بن سعد فقال له جبريل: عفا
الله عنك وضعت السلاح ولم تضعه ملائكة الله...).
وفي مصنف ابن أبي شيبة:8/504: (لما كشف الله الأحزاب ورجع النبي(ص) إلى بيته
فأخذ يغسل رأسه أتاه جبريل ، فقال: عفا الله عنك ، وضعت السلاح ولم تضعه ملائكة
السماء ، أتينا عند حصن بني قريظة ، فنادى رسول الله (ص) في الناس أن ائتوا حصن
بني قريظة...) .ورواه الطبري في تفسيره :21/181، والسيوطي في الدر
المنثور:5/193، والجصاص في الفصول:3/242
بل روى في بحار الأنوار:18/390 ، أن النبي(ص) قال عن معراجه: ( كنت نائماً في
الحجر إذ أتاني جبرئيل فحركني تحريكاً لطيفاً ، ثم قال لي: عفا الله عنك يامحمد
قم واركب ، ففد إلى ربك ، فأتاني بدابة دون البغل ، وفوق الحمار ، خطوها مد
البصر ، له جناحان من جوهر ، يدعى البراق...). انتهى.
فهل كان العفو المذكور والعروج برسول الله(ص) جزاء على معصية ؟!
الجواب السابع
من تخبطهم في تفسير الآية أنهم قالوا إن إذن النبي(ص) للمنافقين كان معصية
ارتكبها النبي(ص) وغفرها له الله تعالى ، ثم نسخ الآية وأجاز له أن يأذن لمن
شاء منهم فقال في سورة النور: إنما الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ
وَرَسُولِهِ وإذا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أمر جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى
يَسْتَئْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فإذا اسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ
فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ . (النور:62)
قال في الدر المنثور:3/247: (وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: عفا
الله عنك لم أذنت لهم.. الآيات الثلاث . قال: نسختها فإذا استاذنوك لبعض شانهم
فأذن لمن شئت منهم..). انتهى. وذكر السيوطي مثله عن ابن المنذر ، وابن أبي حاتم
، والنحاس ، وأبي الشيخ ، عن قتادة . وذكره الجصاص في أحكام القرآن:3/ 151 و
السدوسي في الناسخ والمنسوخ ص43 ، وابن حزم في الناسخ والمنسوخ ص40 ، وغيرهم ،
فلم أرجع الى تفسير لهم إلا وجدته يذكر ذلك !
وقد فات هؤلاء الوضاعين والحشويين ومن اعتمد عليهم، أن سورة النور نزلت قبل
التوبة بأربع سنوات أو خمس ، وأن المتقدم لايكون ناسخاً للمتأخر !
هذا إذا صح النسخ هنا أصلاًً، قال السيد الخوئي في البيان ص357:(والحق أن
الآيات الثلاث لانسخ فيها ، لأن صريحها أن المنع من الإستيذان وعتاب النبي (ص)
على اذنه إنما هو في مورد عدم تميز الصادق من الكاذب وقد بين سبحانه وتعالى أن
غير المؤمنين كانوا يستأذنون النبي في البقاء فراراً من الجهاد بين يديه، فأمره
بأن لايأذن لأحد إذا لم تبين الحال ، أما إذا تبين الحال فقد أجاز الله
المؤمنين أن يستأذنوا النبي في بعض شأنهم ، وأجاز للنبي(ص) أن يأذن لمن شاء
منهم،وإذن فلا منافاة بين الآيتين لتكون إحداهما ناسخة للأخرى) .
هدفهم من الإنتقاص من شخصية النبي(ص)
الذي يريده المنظرون لإثبات الذنوب والأخطاء للنبي(ص) هو الحجة لتبرير أخطاء
الخلفاء والحكام القرشيين ، وفتح الباب لهم ولفقهائهم للعمل بالظنون !
إنهم يريدون القول: ما دام النبي(ص) يذنب ويجتهد ويخطئ في ظنونه ، فمعنى ذلك أن
الإجتهاد والعمل بالظن مفتوح للأمة ، خاصة للخلفاء والفقهاء !
قال السرخسي في المبسوط:16/69: ( وينبني على هذا الفصل(اجتهاد الصحابة في عهد
النبي(ص) ) الإختلاف بين العلماء رحمهم الله في أنه(ص) هل كان يجتهد فيما لم
يوح إليه فيه؟ فمنهم من يقول كان ينتظر الوحي وما كان يفصل بالإجتهاد . والصحيح
عندنا أنه(ص)كان يجتهد ، وما كان يقر على الخطأ. بيانه أنه لما شاور أبا بكر
وعمر في حادثة قال قولاً: فإني فيما لم يوح إليَّ مثلكما !!
وقال(ص)للخثعمية: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه ؟ فقالت: نعم قال:
فديْن الله أحق وهذا قول بالإجتهاد . وقال(ع) لعمر في القبلة: أرأيت لو تمضمت
بماء ثم بحجته أكان يضرك ؟ وقال في بيان الصدقة على بني هاشم: أرأيت لو تمضمضت
بماء أكنت شاربه؟ فهذا ونحوه دليل أنه كان يقضي باجتهاده وما كان يُقَرُّ على
الخطأ ، فقضاؤه يكون شريعة ، والخطأ لا يجوز أن يكون أصل الشريعة ، فعرفنا أنه
ماكان يقر على الخطأ . وبيان ذلك في قوله تعالى: عفى الله عنك لم أذنت لهم ..
الآية .. ). انتهى.
وقال الجصاص في الفصول:3/242: (فقد كان النبي(ع) يجتهد في أمر الحروب أحياناً
من غير مشاورة ، ولا فرق بين الإجتهاد في أمر الحروب وبينه في حوادث الأحكام ،
ومما فعله في غالب رأيه فأنزل الله تعالى معاتبته بقوله عزوجل: عفا الله عنك لم
أذنت لهم ، وقال تعالى: عبس وتولى أن جاءه الأعمى ، ونحو ذلك من الآي التي نبه
الله تعالى نبيه (ص) فيها على موضع إغفاله ، وعاتبه عليه ) .
وقال في فتح القدير:2/365: (وفي الآية دليل على جواز الإجتهاد منه(ص). انتهى.
الأسئلة
1 ـ بماذا تفسرون منهج المفسرين الرسميين في إثبات أخطاء للنبي(ص) الذي ذكرناه
في مقدمة الفصل , ومنهجهم بالإجماع على تبرير أخطاء أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة
، وعدم الإعتراف لهم بأي خطأ ؟!
2 ـ هل تفهمون من قول الله تعالى لنبيه(ص) (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ
لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)
أنه ارتكب ذنباً ؟ وهل إذا قال لك أخوك: غفر الله لك ، يقصد أنك ارتكبت ذنباً
؟!
3 ـ ما رأيكم في الأجوبة التي أوردناها في نفي الذنب عن النبي(ص) ؟
4 ـ إذا شك المسلم هل أن النبي(ص) ارتكب معصية أم لا ، فهل ترون أن عليه أن
يحتاط ويفتي بأنه(ص) ارتكب ذنباً ؟!
5 ـ كيف تجمعون بين نسبتة المعصية والذنب الى النبي(ص) وبين قوله تعالى عنه:
وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى ، فالذي لاينطق
كلمة عن هوى كيف يفعل عن هوى ؟!!
6 ـ كيف تجمعون بين نسبة الإجتهاد والعمل بالظن الى النبي(ص) وبين قوله تعالى:
وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى ، فهل رأيتم شخصاً
كلامه علمٌ ويقين ، وتفكيره ظنٌّ وتخمين ؟!
المسألة: 164
نسبتهم القسوة الى النبي(ص) في تفسير آيتي العقوبة والمحاربة
عرف القاصي والداني عن النبي(ص) حسن خلقه ولين جانبه ، وإنسانيته الشفافة وعطفه
على كل الناس ، حتى أن أعداءه طمعوا بعفوه وكرمه..
وقرأ المسلمون قوله تعالى عن نبيه(ص) : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ
لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فإذا عَزَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ . (آل
عمران:159)
وقوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ . (التوبة:128)
في مقابل هذه الإنسانية الرفيعة ، تفاجؤك صورة منفِّرةٌ رسمتها مخيلة بعض
الصحابة عن النبي(ص) بأنه قاسٍ لاينبض قلبه بالعاطفة، ولا تدمع عينه على أحد !
وأنه حاقدٌ يعذَّب بدقِّ المسامير بالأيدي الى الحائط ، ويسمل عيون آخرين
بمسامير الحديد المحماة ، ويقطع أيديهم وأرجلهم ويتركوهم ينزفون حتى يموتوا ،
ثم يحرقهم بالنار!! نعم، كل ذلك لأجل تبرير قسوة حكام قريش !
كيف نصدقهم في أن النبي(ص) كان قاسي القلب ؟!
قالت عائشة كما في مسند أحمد:6/141: (ثم دعا سعد(بن معاذ)قال: اللهم إن كنت
أبقيتَ على نبيك(ص)من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه
وبينهم فاقبضني إليك . قالت فانفجر كَلْمُهُ (جرحه) وكان قد برئ حتى ما يرى منه
إلا مثل الخرص ، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله(ص). قالت عائشة: فحضره
رسول الله(ص)وأبو بكر وعمر ، قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من
بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي ، وكانوا كما قال الله عز وجل رحماء بينهم !
قال علقمة: قلت أي أمَّهْ ، فكيف كان رسول الله(ص) يصنع ؟ قالت:كانت عينه
لاتدمع على أحد! ولكنه كان إذا وَجَدَ فإنما هو أخذ بلحيته)!!
قال في مجمع الزوائد:6/ 13:( قلت في الصحيح بعضه ، رواه أحمد ، وفيه محمد بن
عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث ، وبقية رجاله ثقات ). انتهى !
ومقصود عائشة أن أبا بكر وعمر أكثر رقةً وإنسانيةً من النبي(ص) فقد كانا يبكيان
وينتحبان على سعد بن معاذ ، عندما كان يحتضر في خيمته في المسجد ، أما النبي(ص)
فلم يكن يبكي على أحد ، بل كان إذا تأثر أو غضب ، يشدُّ بشعر بلحيته كمن يريد
أن ينتفها !!
معاذ الله ، وحاشا رسول الله(ص) ! وكيف يصدق عاقل أن النبي العطوف الرحيم(ص)
كان بهذه الصفة ، وقد روى الصحابة بكاءه في مناسبات عديدة ، ففي البخاري:8/186:
(فلما دخلنا ناولوا رسول الله(ص) الصبي ونفسه تقلقل في صدره ، حسبته قال كأنها
شِنَّة ، فبكى رسول الله (ص) ، فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟ فقال: إنما يرحم الله
من عباده الرحماء ). وفي البخاري:2/85: (فلما رأى القوم بكاء النبي بكوا). وفي
مسلم:7/76:(فدمعت عينا رسول الله فقال: تدمع العين ويحزن القلب ولانقول إلا
مايرضى ربنا، والله ياإبراهيم إنا بك لمحزونون). انتهى.
وكيف نصدق أن عمر كان أرق منه ؟! وغلظته وشدته مضرب المثل ! وهو الذي كان ينهى
عن البكاء على الميت ، ويضرب عليه بالسياط ؟!
إن هذه الرواية وأمثالها في مصادر المسلمين نفثات شيطان سيئة ، تشوه شخصية
النبي(ص) الذي استطاع بتعليم ربه أن يطلق من منطقة الجزيرة القاحلة القاسية ،
أعظم مد حضاري إنساني وأرحمه بالبشرية ، وأقله كلفة على الإطلاق حيث لم يتجاوز
مجموع الذين قتلوا في معاركه من الطرفين ست مئة شخص !
بينما بلغت خسائر المسلمين في حرب الجمل وحدها التي سببتها عائشة صاحبة هذه
المقولة في تمرُّدها مع طلحة والزبير على الخليفة الشرعي ، عشرين ألف قتيل !!
ماذا قال مفسروهم وفقهاؤهم في آية العقوبة والمحاربة ؟
إذا رجعت في مصادرهم الفقهية الى بحث نهي النبي(ص) عن المُثْلَة ، أو الى تفسير
قوله تعالى:وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. (النحل:126) أو تفسير قوله
تعالى: إنما جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ
فِي الأرض فساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أيديهم
وأرجلهم مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرض ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي
الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.(المائدة:33)
اقشعرَّ بدنك مما ينسبونه الى النبي(ص) من القتل والتمثيل بالناس !! مخالفين
بذلك ما رووه ورويناه من أن النبي(ص) عندما رأى تمثيل قريش وآل سفيان بجثة عمه
حمزة في أحد، وأخبروه أن هنداً أم معاوية قطعت كبده ولاكت قطعة منه فلم تستطع
مضغها فلفظتها ! قال(ص) إنه سيقتص بالتمثيل بهم ، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ
عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ
لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ . فقال النبي(ص) : أصبر أصبر . ونهى المسلمين عن
المثلة حتى بالكلب العقور !
ففي مجمع الزوائد:6/120: (أحزنه ما رأى به فقال: لئن ظفرت بهم لأمثِّلَنَّ
بثلاثين رجلاً منهم، فأنزل الله عز وجل في ذلك:وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا
بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
لِلصَّابِرِينَ ، إلى قوله: يمكرون ... ولما نزل القرآن عفا رسول الله(ص)
وتجاوز ، وترك المُثَل ). انتهى.
وفي نهج البلاغة:3/77: (يابني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين
خوضاً تقولون قتل أمير المؤمنين ، ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي ، أنظروا إذا أنا
متُّ من ضربته هذه فاضربوه ضربةً بضربة ، ولا يُمَثَّل بالرجل فإني سمعت رسول
الله (ص) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور). انتهى.
لكنَّ رواة السلطة مع ذلك، نسبوا الى النبي(ص) أنه بعد يوم أحد بثلاث سنوات قتل
أشخاصاً ومثَّل بهم ، وسَمَلَ عيونهم ! أي فقأها بمسمامير محماة ، وتركهم عطاشى
حتى ماتوا ، بل رووا أنه أحرقهم بالنار !! وأن ذلك كان في السنة السادسة للهجرة
، أي بعد معركة أحد بثلاث سنوات ! (تفسير القرطبي:2/146).
كل ذلك لتبرير فعل أبي بكر ، وإحراقه رجلين بالنار !
وقد ارتكب كل فقهائهم نسبة هذه التهمة الى النبي(ص) مع الأسف ! وحجتهم أن
البخاري وغيره رووها عن رواة موثوقين ! قال البخاري في صحيحه:1/64: (عن أنس
قال: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتَوَوُا المدينة ، فأمر لهم النبي(ص) بلقاح ،
وأن يشربوا من أبوالها وألبانها ، فانطلقوا ، فلما صحُّوا قتلوا راعي النبي
(ص)واستاقوا النعم ، فجاء الخبر في أول النهار فبعث في آثارهم ، فلما ارتفع
النهار جئ بهم فقَطَعَ أيديهم وأرجلهم وسُمِّرتْ أعينهم ، وأُلقوا في الحرة ،
يستسقون فلا يسقوْن ) .وقال بخاري في:5/70: (فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا
أيديهم وأرجلهم وتركوا في ناحية الحرة ، حتى ماتوا على حالهم . قال قتادة بلغنا
أن النبي(ص) بعد ذلك كان يحثُّ على الصدقة ، وينهى عن المُثْلة ). انتهى.
ومقصوده أن النبي(ص) تاب بعد ذلك ، وكان ينهى المسلمين عن المثلة ، ويحث على
التصدق ويتصدق ليغفر له الله ما ارتكبه من المثلة !!
وقال بخاري في:4/22: (فبعث الطلب فما ترجَّل النهار حتى أتيَ بهم فقطع أيديهم
وأرجلهم ، ثم أمر بمسامير فأحميت فكحَّلهم بها ، وطرحهم بالحرة يستسقون فما
يسقون ، حتى ماتوا ) . وقال في:8/19: ( فأمر بمسامير فاحميت فكحَّلهم بها ،
وقطع أيديهم وأرجلهم ، وما حسمهم ، ثم ألقوا في الحرة).انتهى. وروى مثله أبو
داود:2/331 .وقال في عون المعبود:12/15:( قال المنذري: وأخرجه البخاري، ومسلم
والنسائي (بمسامير)جمع مسمار... (فكحَّلهم) أي بتلك المسامير المحماة . (وما
حسمهم) الحسم الكي بالنار لقطع الدم ، أي لم يَكْوِ مواضع القطع لينقطع الدم بل
تركهم .
ورواه مسلم:5/102، وفيه:(فجئ بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسمِّرت
أعينهم ، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا ... وسمرت أعينهم وألقوا في الحرة
يستسقون فلا يسقون). ورواه أبو داود:1/602، والترمذي:2/431
وفي الفائق للزمخشري:1/212: ( قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه حتى
ماتوا عطشاً ). انتهى. أي يعض الأرض من العطش !!
وفي سبل الهدى:6/116: ( قال أنس كما عند ابن عمر: خرجت أسعى في آثارهم مع
الغلمان حتى لقي بهم رسول الله (ص) بالرغابة بمجتمع السيول ، فأمر بمسامير
فأحميت فكحلهم بها ) .
وفي تفسير القرطبي:6/148: (قال جرير: فكانوا يقولون الماء ، ويقول رسول
الله(ص): النار ! وقد حكى أهل التواريخ والسير: أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه
وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات ، وأدخل المدينة ميتاً ! وكان اسمه يسار وكان
نوبياً. وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة. وفي بعض الروايات عن
أنس: أن رسول الله (ص) أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم) !!
زعموا أن الله تعالى وبَّخ نبيه (ص) على ما ارتكب !
قال الشوكاني في نيل الأوطار:7/331: (وعن أبي الزناد: أن رسول الله(ص)لما قطع
الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار ، عاتبه الله في ذلك فأنزل: إنما جَزَاءُ
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فساداً أَنْ
يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا.. الآية. (المائدة:33). رواه أبو داود والنسائي
... حديث أبي الزناد مرسل ، وقد سكت عنه أبو داود ، ولم يذكر المنذري له علة
غير إرساله ، ورجال هذا المرسل رجال الصحيح ، وقد وصله أبو الزناد من طريق عبد
الله بن عبيد الله بن عمر ، عن عمر ، كما في سنن أبي داود في الحدود ، ويؤيده
ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس: أن ناساً أغاروا على إبل رسول
الله(ص)وارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعي رسول الله(ص) مؤمناً فبعث في آثارهم
فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم قال: فنزلت فيهم آية المحاربة ...
وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عمر ، أن الآية نزلت في العرنيين) . انتهى.
يقصد الشوكاني أن النبي(ص) ارتكب ذنْب سمْل العيون والمُثلة ، فعاتبه الله
وأنزل آية حكم المحاربين المفسدين بقطع الأيدي والأرجل فقط !
وقال الطبري في تفسيره:6/285: ( حدثني علي بن سهل قال: ثنا الوليد بن مسلم قال:
ذاكرت الليث بن سعد ماكان من سمل رسول الله (ص) أعينهم وتركه حسمهم حتى ماتوا !
فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله (ص) معاتبةً في
ذلك ، وعلَّمَه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي ، ولم يسمل بعدهم غيرهم .
قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو فأنكر أن تكون نزلت معاتبة ، وقال: بلى كانت
عقوبة أولئك النفر بأعيانهم ، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم
، فرفع عنه السمل).انتهى.(والدر المنثور:2/278).
ومناقشة الوليد بن مسلم للَّيث ، وهما من كبار الرواة عندهم ، تدل على شكهم
واستغرابهم نسبة المعصية والتوبيخ الإلهي الى النبي(ص) ! بل نجد أن بعضهم تبرع
بنفي ذلك ، واكتفى بنسبة نية ذلك فقط الى النبي(ص) !
قال الطبري في تفسيره:6/285: (عن السدي قال: فبعث رسول الله (ص) فأتي بهم يعني
العرنيين فأراد أن يسمل أعينهم ، فنهاه الله عن ذلك ، وأمره أن يقيم فيهم
الحدود كما أنزلها الله عليه) . انتهى .
وقال الشافعي في الأم:4/259:(وإذا أسَرَ المسلمون المشركين فأرادوا قتلهم
قتلوهم بضرب الأعناق ، ولم يجاوزوا ذلك إلى أن يمثلوا بقطع يد ، ولا رجل ولاعضو
ولا مفصل ، ولا بَقْر بطن ، ولا تحريق ولا تغريق ، ولا شئ يعد مثلة . وما وصفت
لأن رسول الله(ص)نهى عن المثلة وقتل من قتل كما وصفت .
فإن قال قائل: قد قطع أيدي الذين استاقوا لقاحه وأرجلهم وسمل أعينهم ، فإن أنس
بن مالك ورجلاً رويا هذا عن النبي(ص) ، ثم رويا فيه أو أحدهما أن النبي (ص) لم
يخطب بعد ذلك خطبة إلا أمر بالصدقة ونهى عن المثلة .
أخبرنا سفيان عن ابن أبي نجيح أن هبَّار بن الأسود كان قد أصاب زينب بنت رسول
الله(ص)بشئ فبعث النبي(ص)سرية فقال: إن ظفرتم بهبَّار بن الأسود فاجعلوه بين
حزمتين من حطب ثم أحرقوه . ثم قال رسول الله(ص): سبحان الله ما ينبغي لأحد أن
يعذب بعذاب الله عز وجل ، إن ظفرتم به فاقطعوا يديه ورجليه . وكان علي بن حسين
ينكر حديث أنس في أصحاب اللقاح . أخبرنا ابن أبي يحيى، عن جعفر ، عن أبيه ، عن
علي بن حسين قال: والله ما سَمَلَ رسول الله(ص) عيناً ولا زاد أهل اللقاح على
قطع أيديهم وأرجلهم ). انتهى.
ومقصود الشافعي أنه ثبت عنده أن النبي(ص) أمر بإحراق هبَّار بن الأسود بالنار
ثم ندم وسحب أمره ، وهبَّار هذا تعرض لزينب ابنة النبي(ص) في طريق هجرتها الى
المدينة ، ونخس راحلتها وألقاها عنها فأسقطت جنينها !
كما ثبت عند الشافعي أن النبي(ص) قد سمل أعين الذين سرقوا الإبل وقتلوا رعاتها
، لأنه يرجح رواية بخاري وغيره من رواة السلطة ، على رأي الإمام زين
العابدين(ع) الذي نفى نسبة ذلك الى جده رسول الله(ص) وحلف على نفيه !
وقال ابن حجر في فتح الباري:1/294: ( قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصين في
النهي عن المُثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثلة . وتعقبه ابن الجوزي بأن ادعاء
النسخ يحتاج إلى تاريخ . قلت: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي
هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه . وقصة العرنيين قبل إسلام أبي
هريرة وقد حضر الأمر ثم النهي . وروى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن
تنزل الحدود ، ولموسى بن عقبة في المغازي: وذكروا أن النبي(ص)نهى بعد ذلك عن
المثلة بالآية التي في سورة المائدة ، وإلى هذا مال البخاري ، وحكاه إمام
الحرمين في النهاية عن الشافعي ) . انتهى.
يقصد ابن حجر أن نهي النبي(ص) عن المثلة كان بعد نزول آية حد المحارب في سورة
المائدة ، التي هي آخر سورة من القرآن ، وقد نزلت قبيل وفاة النبي ! ومعناه
أنه(ص) لم ينه عنها في السنة السادسة بعد قصة العرنيين !
بينما قال ابن نجيم في البحر الرائق:1/202: (والمثلة المروية في قصة العرنيين
منسوخة بالنهي المتأخر ، وأراد بالنهي المتأخر ما ذكره البيهقي عن أنس قال: ما
خطبنا رسول الله(ص) بعد ذلك خطبة إلا نهى فيها عن المثلة ). انتهى.
أقول: وكل غرضهم من ذلك إثبات أن النبي(ص) ارتكب المثلة في قصة العرنيين ، ونهى
عنها بعدها مباشرة ، أو بعدها بثلاث سنوات !!
والصحيح أن النبي(ص) لم يرتكب المُثْلة ، وأنه نهى عنها في أحد
الصحيح أن النبي(ص) لم يرتكب شيئاً من ذلك ، وأنه قد يكون نوى بعد مقتل حمزة
وتمثيل بني أمية به ، أن يقتص منهم ، فأنزل الله تعالى ترجيح الصبر بقوله
تعالى:وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ
صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ.(النحل:126) فاختار النبي(ص) الصبر
وأمر به المسلمين به ، ونهاهم عن المثلة التي نووها . وكان ذلك في معركة أحد في
السنة الثالثة للهجرة، قبل قصة العرنيين بأربع سنوات ، وقبل فتح مكة بست سنوات.
وقد رواه الجميع واتفقت عليه الرواية عن أهل البيت(ع) ! (راجع: تفسير
القمي:1/123 ، وص392 ، وتفسير العياشي:2/274 ، والتبيان: 6/440 ، وقال: ذكره
الشعبي وقتادة وعطاء. ومجمع البيان:6/135 و211 ، وجوامع الجامع:2/313 ، وشرح
الأخبار:1/ 275 و:3/230، وذخائر العقبى ص 180و182 ، ومناقب آل أبي طالب:1/166،
والهداية الكبرى ص 346 ، والعمدة ص 453 ، وإقبال الأعمال:3/83، ومستدرك
الوسائل:2/257 ، وتفسير الميزان:12/203 ) .
وممن وافقنا منهم أو أورد رواية نزولها في أحد:
الحاكم في المستدرك:3/197 ، وابن حزم:10/377 ، والشوكاني في نيل الأوطار:8/172
، وابن أبي شيبة في المصنف:8/485 ، والابيهقي في سننه:6/376، والطبراني في
الكبير:11/52، ومحمد بن سلمة في شرح معاني الآثار:3/183، والمحاملي في أماليه ص
128، وابن حبان في صحيحه:2/239، والدار قطني في سننه :4/64، وابن حجر في فتح
الباري :7/286، والزيلعي في نصب الراية:2/366، وابن أبي الحديد في شرح
النهج:4/64و:15/17، والمناوي في فيض القدير:6/367 ، والنحاس في معاني
القرآن:4/51 و112، والواحدي في أسباب النزول ص 192، والهيثمي في مجمع
الزوائد:6/ 119 ، عن أبي هريرة ، وضعفها بصالح بن بشير ، وفي ص120، وضعفها
بأحمد بن أيوب بن راشد). والطبري في تفسيره:14/253، وقال: (وقد اختلف أهل
التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية وقيل هي منسوخة أو محكمة)وكأنه
رجح نزولها في أحد .
لكن القوم لايريدون الإعتراف بنزولها في أحد حتى لو رووه بسند صحيح !
بل حتى لو رواه البخاري كما شهد الثعالبي ، ولكنهم لايريدونه لأنه يكذب ما
نسبوه الى النبي(ص) من مُثلةٍ في قصة العرنيين في السنة السادسة ، وهم بحاجة
الى هذه النسبة من أجل أبي بكر !!
قال السيوطي في الدر المنثور:4/135: (وأخرج ابن سعد ، والبزار ، وابن المنذر،
وابن مردويه ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في الدلائل ، عن أبي هريرة أن
النبي(ص)وقف على حمزة حين استشهد فنظر إلى منظر لم ير شيئاً قط كان أوجع لقلبه
منه ، ونظر إليه قد مثل به فقال: رحمة الله عليك ، فإنك كنت ما علمت وصولاً
للرحم ، فعولاً للخيرات ، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك
الله من أرواح شتى! أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك. فنزل جبريل والنبي
(ص)واقف بخواتيم النحل:وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمْ
بِهِ.. الآية، فكفَّر النبي (ص)عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر .
وأخرج ابن المنذر ، والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس
قال: قال رسول الله(ص)يوم قتل حمزة ومُثِّل به: لئن ظفرت بقريش لامثلن بسبعين
رجلاً منهم فأنزل الله: وإن عاقبتم.. الآية. فقال رسول الله(ص): بل نصبر يارب ،
فصبر ونهى عن المثلة .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ، وابن جرير ، عن الشعبى قال: لما كان يوم أحد
وانصرف المشركون فرأى المسلمون بإخوانهم مُثْلَةً، جعلوا يقطعون آذانهم وآنافهم
ويشقون بطونهم ، فقال أصحاب رسول الله(ص): لئن أنالنا الله منهم لنفعلن
ولنفعلن، فأنزل الله: وإن عاقبتم .. الآية ، فقال رسول الله(ص): بل نصبر. وأخرج
ابن إسحاق، وابن جرير، عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة ، إلا
ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة يوم أحد ، حيث قتل حمزة ومُثِّلَ به ، فقال
رسول الله(ص): لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلاً منهم ، فلما سمع المسلمون
ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد
قط، فأنزل الله: وإن عاقبتم فعاقبوا.. إلى آخر السورة ).
ولكن السيوطي مع كل هذه الروايات ، مال مع جمهورهم الذين لهم غرض في إثبات أن
النبي(ص) قد مثَّل بالعرنيين ، ورجح أن نزول آية العقوبة تأخر الى فتح مكة في
السنة الثامنة ! قال في الدر المنثور:4/135: ( قوله تعالى: وان عاقبتم فعاقبوا
بمثل ما عوقبتم به.. الآية. أخرج الترمذي وحسَّنه ، وعبد الله بن أحمد في زوائد
المسند ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وابن مردويه ،
والحاكم وصحَّحه ، والبيهقي في الدلائل ، عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد
أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً ومن المهاجرين ستة منهم حمزة ، فمثلوا بهم
فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربََينَّ عليهم ، فلما كان يوم
فتح مكة أنزل الله: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ
بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، فقال رسول الله(ص):
نصبر ولا نعاقب كفوا عن القوم إلا أربعة) . انتهى. (وذكر نحوه في لباب النقول
ص121).
كما رووا نزولها في فتح مكة وقَوَّوه وصححوا حديثه:كما في مسند أحمد: 5/135
والترمذي: 4/362، والحاكم:2/359 و466 ، والطبراني في الكبير: 3/144، والشوكاني
في نيل الأوطار:8 /172، وابن كثيرفي تفسيره:2/614.
وأخيراً ، لوسلمنا صحة رواياتهم في نزول آية العقوبة في مكة، فلا تنافي رواية
نزولها في أحد قبل خمس سنوات ! فليتهم سلكوا هذا المسلك العقلائي في الجمع
بينها ، كما في هامش تفسير الجلالين ص510 ، قال: (وظاهر هذا تأخر نزولها إلى
الفتح ، وفي الحديث الذي قبله نزولها بأحد ، وجمع ابن الحصار بأنها نزلت أولاً
بمكة ، ثم ثانياً بأحد، ثم ثالثاً يوم الفتح، تذكيراً من الله لعباده). انتهى.
ولكنهم لايريدون تكذيب جماعتهم في نسبة سَمْل العيون الى النبي(ص) !! فروايتهم
لاترد حتى لو لزم منها التنقيص من مقام النبي(ص) ، والتناقض !
قال الطبري في تفسيره:6/283: (وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال: أنزل الله
هذه الآية على نبيه(ص)معرفة حكمه على من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً
، بعد الذي كان من فعل رسول الله ( ص ) بالعرنيين ما فعل.... وقلنا: كان نزول
ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله(ص)بالعرنيين ما فعل لتظاهر الأخبار عن أصحاب
رسول الله (ص) بذلك) . انتهى .
وقد ذكر العلامة مرتضى في الصحيح من السيرة:6/275: أن سعيد بن جبير نفى أن يكون
النبي(ص) قد سمل عيون أحد لقوله: (فما مثَّل رسول الله(ص) قبل ولا بعد ) ، وقد
فهم النفي من عبارة ابن جبير ، لكن مقصوده بقوله إن النبي(ص) ما فعل إلا في قصة
العرنيين لا قبلها ولا بعدها ، إثباتها ونفي ما عداها ، وليس النفي المطلق .
وأصل رواية ابن جبير في تفسير الطبري:6/281 ، عن ابن شقيق قال: (حدثني سعيد بن
جبير عن المحاربين ، فقال: كان ناس أتوا النبي(ص) فقالوا: نبايعك على الإسلام ،
فبايعوه وهم كذَبَة وليس الإسلام يريدون . ثم قالوا: أنا نجتوي المدينة ، فقال
النبي(ص): هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح ، فاشربوا من أبوالها وألبانها . قال:
فبينا هم كذلك إذ جاء الصريخ ، فصرخ إلى رسول الله (ص) فقال: قتلوا الراعي ،
وساقوا النَّعم ! فأمر نبي الله فنودي في الناس أن: يا خيل الله اركبي . قال:
فركبوا لاينتظر فارس فارساً . قال: فركب رسول الله (ص) على أثرهم ، فلم يزالوا
يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم ، فرجع صحابة رسول الله (ص) وقد أسروا منهم ،
فأتوا بهم النبي(ص) فأنزل الله: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله... الآية
، قال: فكان نفيهم أن نفوهم ، حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم ، ونفوهم من أرض
المسلمين ، وقتل نبي الله منهم وصلب وقطع وسمل الأعين . قال: فما مثَّل رسول
الله (ص) قبل ولا بعد . قال: ونهى عن المثلة ، وقال: لاتمثلوا بشئ . قال: فكان
أنس بن مالك يقول ذلك ، غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم ) . انتهى.
فقد صرح بأن النبي(ص) قتل منهم وصلب وقطع وسمل الأعين ، حتى بعد نزول آية
المحاربة ، وأنه لم يكن فعل ذلك من قبل ولا فعله بعده ، بل نهى عن المثلة !
فقول ابن جبير أشد من قول غيره ! لأنه ينسب الى النبي(ص) أنه سمل عيونهم وصلبهم
حتى بعد نزول آية المحاربة ، وأنه ندم عليه ونهى عن المثلة !!
كما نسبت الرواية الى النبي(ص) عن لسان أنس أنه أحرقهم بالنار ، وورد ذلك عن
أنس في عدة مصادر ، وقد شابه أنس أبا الزناد الموظف عند بني أمية والذي قال عن
النبي(ص) : (فلما وُعظ ونُهِيَ عن المثلة ، لم يعد )!!(تفسير القرطبي:6/149) .
شهادة من الثعالبي على تحريف نسخة البخاري !
قال في تفسيره:3/448: (أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن
التمثيل بحمزة وغيره في يوم أحد ، ووقع ذلك في صحيح البخاري وغيره ، وقال
النبي(ص): لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بثلاثين ، وفي كتاب النحاس وغيره بسبعين
منهم ، فقال الناس: إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن ، فنزلت هذه الآية ، ثم عزم على
النبي(ص) في الصبر عن المجازاة بالتمثيل في القتلى. ويروى أنه(ع) قال لأصحابه:
أما أنا فأصبر كما أمرت فماذا تصنعون؟ فقالوا نصبر يا رسول الله كما ندبنا الله
) .
أقول: في كلام الثعالبي أمران مهمان ، أولهما ، أن إطباق أهل التفسير على نزول
الآية وصدور النهي عن المُثْلة في أحد ، أي السنة الثالثة للهجرة . والإطباق
يشبه الإجماع ، ويدل على غلبة اتجاه تنزيه النبي(ص) عند قدماء مفسريهم .
وثانيهما ، أن البخاري قد روى ذلك في صحيحه ، ولا نجده في صحيحه ولا في باقي
كتبه ، فلا بد أن تكون نسخة الثعالبي مختلفة ، وأن يتجه الإتهام الى النسخة
التي بأيدينا ، وأنهم أسقطوا منها ذلك الحديث ، أو حذفوه !
واتهموا النبي(ص) بأنه لم يَسْقِ الماء لمن قتلهم ومَثَّلَ بهم !!
قال ابن حجر في فتح الباري:1/294: ( واستشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء
للاجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لايمنع ! وأجاب: بأن ذلك لم يقع عن
أمر النبي(ص) ، ولا وقع منه نهي عن سقيهم . انتهى . وهو ضعيف جداً لأن النبي(ص)
اطلع على ذلك ، وسكوته كاف في ثبوت الحكم ). انتهى.
أقول: كأن ابن حجر يوافق ابن تيمية في قوله عن كتاب الشفاء لعياض: غلا هذا
المغيربي !! ويقول لعياض: لاتغالِ في النبي(ص) فقد كان سمْل العيون بأمره وعلمه
!! ( نقله عن ابن تيمية الشريف الدكتور محمود السيد صبيح في كتابه أخطاء ابن
تيمية حق رسول الله وأهل بيته ، عن فهرس الفهارس:1/201 لعبد الحي كتاني ).
وزعموا أن النبي (ص) رضي أن تحمل اليه رؤوس المقتولين
لكن أبا بكر كان أتقى منه فلم يرضَ بذلك !
قال السرخسي في المبسوط:10/131:(قال: وأكره أن تؤخذ رؤوسهم فيطاف بها في الآفاق
لأنه مُثْلة ، وقد نهى رسول الله(ص)عن المُثلة ولو بالكلب العقور ، ولأنه لم
يبلغنا أن علياً صنع ذلك في شئ من حروبه ، وهو المتبع في الباب .
ولما حمل رأس يباب البطريق إلى أبي بكر كرهه ، فقيل إن الفرس والروم يفعلون ذلك
، فقال: لسنا من الفرس ولا الروم ، يكفينا الكتاب والخبر !
وقد جوَّز ذلك بعض المتأخرين من أصحابنا إن كان فيه كسر شوكتهم ، أو طمأنينة
قلب أهل العدل ، استدلالاً بحديث ابن مسعود حين حمل رأس أبي جهل إلى رسول
الله(ص) فلم ينكر عليه ). انتهى .
ومعنى قول أبي بكر: (يكفينا الكتاب والخبر): تكفينا الرسالة والإخبار بقتل
الشخص ، ولا حاجة الى إرسال رأسه.. هذا ، ويطول الأمر لو أردنا استقصاء كلمات
فقهائهم ، فيما نسبوه الى النبي(ص) من ارتكابه المُثلة المحرمة !
أهل البيت(ع) دافعوا عن النبي (ص) وكشفوا كذب الرواة !
كشف الإمام محمد الباقر(ع) أن أنس بن مالك كذب على رسول الله(ص) لكي يبرِّرَ
للحكام انتهاك حقوق الإنسان وتعذيب من خالفهم من المسلمين ، وقال إن النبي(ص)
عذب شخصاً فدقَّ مساميرَ في يده بالحائط !
فقد روى الصدوق في علل الشرائع:2/541 ، عن الإمام الباقر(ع) أنه قال: ( إن أول
ما استحل الأمراء العذاب لكذبة كذبها أنس بن مالك على رسول الله(ص) أنه سمَّر
يد رجل إلى الحائط ، ومن ثم استحل الأمراء العذاب !!).انتهى.وهذا يضع يدنا على
سبب حرصهم في صحاحهم على نسبة التعذيب والمُثْلة الى النبي(ص) !!
وقد سُجِّلت على أنس بن مالك سوابق في هذا المجال ، منها ما رواه ابن أبي
الحديد في شرح النهج:4/74 ، قال: ( ناشد علي(ع) الناس في رحبة القصر ، أو قال
رحبة الجامع بالكوفة: أيكم سمع رسول الله(ص) يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه .
فقام اثنا عشر رجلاً فشهدوا بها ، وأنس بن مالك في القوم لم يقم ، فقال له: يا
أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد ولقد حضرتها؟ فقال: يا أمير المؤمنين كِبرْتُ
ونسيتُ ! فقال: اللهم إن كان كاذباً فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة !
قال طلحة بن عمير: فوالله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه . وروى
عثمان بن مطرف: أن رجلاً سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن علي بن أبي طالب فقال:
آليت أن لا أكتم حديثاً سئلت عنه في علي بعد يوم الرحبة ، ذاك رأس المتقين يوم
القيامة ، سمعته والله من نبيكم ). انتهى.
وفي الفضائل لابن شاذان ص164: (عن سالم بن أبي جعدة قال: حضرت مجلس أنس بن مالك
بالبصرة وهو يحدث ، فقال إليه رجل من القوم فقال: يا صاحب رسول الله ما هذه
النمثة التي أراها بك؟ فإني حدثني أبي عن رسول الله(ص) أنه قال: البرص والجذام
لايبلو الله تعالى به مؤمناً ؟ قال: فعند ذلك أطرق أنس بن مالك إلى الأرض
وعيناه تذرفان بالدمع، ثم قال: دعوة العبد الصالح علي بن أبي طالب نفذت فيَّ ،
فعند ذلك قام الناس من حوله وقصدوه وقال: يا أنس حدثنا ما كان السبب؟ فقال لهم:
إلهوا عن هذا...الخ.).
وفي خلاصة عبقات الأنوار للسيد الميلاني:3/258: (لقد كذب أنس بن مالك في قضية
الطير المشوي ، كما هو ظاهر كل الظهور على من راجع مجلد حديث الطير من كتابنا .
كما أنه كتم الشهادة عندما ناشده أمير المؤمنين(ع) في جماعة عن حديث الغدير،
فكتم الشهادة ، معتذراً بالنسيان كاذباً ، فدعا عليه الإمام(ع) وسرعان ما ظهر
عليه أثر دعوته....) . انتهى.
وقد تقدم من كتاب الأم للشافعي إنكار الإمام زين العابدين(ع) لزعمهم أن رسول
الله(ص) سَمَل عينَ أحد ! ورواه الشافعي أيضاً في مسنده ص315: (أخبرنا إبراهيم
بن أبي يحيى ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن على بن الحسين قال: لا والله ما سَمَل
رسول الله (ص)عيناً ، ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم وأرجلهم ). انتهى.
ورواه البيهقي في سننه:9/70 ، وقال: (حديث أنس حديث ثابت صحيح ، ومعه رواية ابن
عمر ، وفيهما جميعاً أنه سمل أعينهم ، فلا معنى لإنكار من أنكر ، والأحسن حمله
على النسخ ). انتهى . ومعناه أن البيهقي لم يأخذ بشهادة الإمام زين العابدين(ع)
، ورجح شهادة أنس بن مالك وعبدالله بن عمر عليها !!
وتغافل عن شهادة ابن عباس التي تنزه النبي(ص) ، والتي رواها الطبري في
تاريخه:2/208: (عن ابن عباس قال: إن الله عز وجل أنزل في ذلك من قول رسول
الله(ص)وقول أصحابه: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. إلى آخر السورة ،
فعفا رسول الله(ص)وصبر ونهى عن المثلة ). انتهى .
وتغافل عن شهادة ابن عباس التي رواها ابن هشام في سيرته:3/611، قال: (عن ابن
عباس ، أن الله عز وجل أنزل في ذلك، من قول رسول الله(ص)وقول أصحابه: وإن
عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به...الآية ، فعفا رسول الله (ص) وصبر ونهى عن
المثلة ) . انتهى.
الأسئلة
1 ـ ذكرت مصادركم العديد من أخطاء النبي(ص) وذنوبه ، ولم تعترف بأي خطأ أو ذنب
لأبي بكر وعمر ، فهل تعتقدون عملياً بعصمتها ، وهل تستطيعون أن تجدوا ولو معصية
واحدة لكل منهما ؟!
2 ـ هل تصدقون حديث عائشة الذي ينتقص من إنسانية نبينا(ص) ، حيث جاء فيه: (
قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي
، وكانوا كما قال الله عز وجل رحماء بينهم ! قال علقمة: قلت أيْ أمَّهْ ، فكيف
كان رسول الله (ص) يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ! ولكنه كان إذا
وَجَدَ فإنما هو آخذ بلحيته ). ؟!
3 ـ ما هو مقصود عائشة من قولها عن أبي بكر وعمر (إني لأعرف بكاء عمر من بكاء
أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله عز وجل: رحماء بينهم)؟!
4 ـ هل كانت عائشة وطلحة والزبير على حق في خروجهم على الخليفة الشرعي ، أم
أخطأوا ، وهل تابت عائشة من خطيئتها ، وهل دفعت ديات الذين قتلوا من الطرفين
بسببها ؟!
5 ـ بماذا رجحتم أحاديث نزول آية العقوبة بعد ذنب النبي(ص) وتمثيله بالرعاة
العرنيين ، على أحاديث نزولها في أحد؟ مع أن في هذه الصحيح وفي تلك الصحيح حسب
موازينكم؟ وإذا وجدت أحاديث صحيحة متعارضة بعضها يطعن في النبي(ص) وبعضهاينزهه
، فأيهما ترجحون ؟
6 ـ قال البخاري في:5/70: ( فأمر بهم فسمَّروا أعينهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم
وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم . قال قتادة بلغنا أن النبي(ص) بعد
ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة ). انتهى. هل معنى ذلك أن النبي (ص)
عصى الله في سمل أعينهم والتمثيل بهم ثم تاب ؟!
7 ـ تكررت عبارة (سرقوا لقاحه) في أحاديث الباب ، فهل كانت الإبل ملكاً شخصياً
للنبي(ص) ؟ وهل تتصورون أنه غضب لنفسه ومثَّل بهم ؟!
8 ـ رويتم أن النبي(ص) هدر دم هبَّار بن الأسود ، لأنه روَّع ابنته زينب وأسقط
جنينها ، وأمر بحرقه بالنار ثم تراجع عن حرقه وبقي حكمه بهدر دمه ، قال الشافعي
في كتاب الأم:4/259: ( أن هبَّار بن الأسود كان قد أصاب زينب بنت رسول
الله(ص)بشئ ، فبعث النبي(ص)سرية فقال: إن ظفرتم بهبَّار بن الأسود فاجعلوه بين
حزمتين من حطب ثم أحرقوه . ثم قال رسول الله(ص): سبحان الله ما ينبغي لأحد أن
يعذب بعذاب الله عز وجل ، إن ظفرتم به فاقطعوا يديه ورجليه) !
فهل يجري هذا الحكم على من روَّع ابنته الزهراء÷حتى أسقطت جنينها ؟!
9 ـ لماذا لاتقبلون نفي أهل البيت(ع) رواية تمثيل النبي(ص) بالعرنيين وغيرهم مع
أن أهل البيت النبوي؟(ع) أدرى بما فيه ، وأعرف بسيرة أبيهم رسول الله (ص) ، وقد
أوصاكم النبي(ص) بالثقلين القرآن والعترة ، فهل هي وصية مستحبة عندكم وليست
واجبة ؟!
10 ـ ما رأيكم في قول الثعالبي: ( أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في
شأن التمثيل بحمزة وغيره في يوم أحد ، ووقع ذلك في صحيح البخاري وغيره ) .
والثعالبي عندكم إمام جليل ، فهل أن نسخ المغرب الإسلامي من البخاري تختلف عن
نسخه المشرقية ؟! وقد جاء في ترجمة الثعالبي في مقدمة تفسيره: (عبد الرحمن بن
محمد بن مخلوف ، يكنى أبا زيد ، ويلقب بالثعالبي الجزائري ، المغربي، المالكي .
مولده: ذكر صاحبا شجرة النور الزكية ، والأعلام أنه ولد سنة 786 هـ جزماً )
وجاء في مقدمةتفسير ابن كثير: (الجواهر الحسان للثعالبي (ت876 ه ) مؤلفه أبو
زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الجزائري المغربي المالكي ، الإمام الحجة ،
العالم ، الزاهد الورع ، وقد اعتمد في تفسيره على تفسير ابن عطية وأبي حيان
وزاد عليهما ، وهو يذكر الروايات المأثورة بدون أسانيدها ، وإذا ذكر
الإسرائيليات تعقبها بالنقد والتمحيص . وقد طبع الكتاب في الجزائر في أربعة
أجزاء ). فما رأيكم ؟!
11 ـ ما رأيكم في اختلاف نسخ البخاري حتى المطبوعة منها، ففي نسخة طبعة حيدر
آباد الهند مثلاً أن عمر قال عمر إن النبي ليهجر !
وهل صح عندكم أن نسخة البخاري كانت مسودة ، فصححوها من بعده ؟!
12 ـ ما رأيكم في قول ابن تيمية إن عياضاً قد غلا في النبي(ص) في كتابه الشفاء
، وهل نفي عياض عن النبي(ص) أنه ترك الرعاة العرنيين ينزفون ويعضون الأرض من
العطش ، ولم يسقهم ، غلوٌّ بالنبي(ص) ؟! وهل الإمام علي بن الحسين زين
العابدين‘ مغالٍ في جده رسول الله(ص) لأنه نفى كل ذلك ؟!
13 ـ هل تقبلون رواية السرخسي في المبسوط:10/131 ، بأن أبا بكر لم يقبل بحمل
رأس المقتول اليه ، بينما قبل ذلك النبي(ص) ؟!!
14 ـ ما رأيكم في تكذيب أهل البيت(ع) لمالك بن أنس ، وفي كتمانه فضائل علي(ع)
؟!