المسألة: 159

انقلاب الأمة على النبي(ص) في حياته بقيادة عمر !

اعترفت مصادر أتباع الخلافة القرشية بحادثة الإنقلاب على النبي(ص) الذي قاده عمر بتأييد طلقاء قريش ، عندما وقف في وجهه مرض وفاته ، ومنعه أن يكتب لأمته عهداً يؤمِّنها من الضلال ، ويجعلها سيدة العالم الى يوم القيامة !

وما أن أعلن عمر رفضه لذلك العرض النبوي الفريد ، صاح القرشيون الطلقاء (القول ما قاله عمر)! وكانوا أكبر مجموعة منظمة ، بلغ عددهم في المدينة ألوفاً ، لأن الذين أرسلهم النبي(ص) منهم في جيش أسامة بلغوا سبع مئة!

قال في فتح الباري:8/116:(وعند الواقدي أيضا أن عدة ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف ، فيهم سبعمائة من قريش ) . انتهى.

من نصوص الإنقلاب العمر ي من أصح مصادرهم

قال البخاري:1/36: (عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي(ص)وجعه قال: إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعده . قال عمر: إن النبي(ص)غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ! فاختلفوا وكثر اللغط! قال (ص): قوموا عني ، ولا ينبغي عندي التنازع . فخرج ابن عباس يقول: إن الرزيئة كل الرزيئة ، ما حال بين رسول الله(ص) وبين كتابه ) !!

وقال البخاري:5/137: (لما حضر رسول الله(ص)وفي البيت رجال فقال النبي (ص): هلموا أكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعده . فقال بعضهم: إن رسول الله (ص)قد غلبه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله ! فاختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده . ومنهم من يقول غير ذلك ! فلما أكثروا اللغو والإختلاف قال رسول الله: قوموا ).

وقال البخاري:7/9: (باب قول المريض قوموا عني...عن ابن عباس قال: لما حُضِرَ رسول الله(ص)وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب...ورواه البخاري أيضاً: 8/160....

وفي مسلم:5/75: (عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس ! ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ ! قال قال رسول الله(ص): إئتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، فقالوا: إن رسول الله(ص) يهجر ) !!

عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله(ص)وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي(ص): هلم أكتب لكم كتاباً لاتضلون بعده ! فقال عمر: إن رسول الله(ص)قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله...الخ).

وفي مسند أحمد:3/346: (عن جابر أن النبي(ص)دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لايضلون بعده ، قال فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها ) ! (ورواه أحمد:1/ 324و336 و324 )

وفي مجمع الزوائد:9/ 33: وعن عمر بن الخطاب قال: لما مرض النبي(ص)قال: أدعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتاباً لاتضلون بعدي أبداً ! فكرهنا ذلك أشد الكراهة!! ثم قال: أدعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لاتضلون بعده أبداً ! فقال النسوة من وراء الستر:ألا تسمعون ما يقول رسول الله(ص)؟! فقلت: إنكن صواحبات يوسف إذا مرض رسول الله(ص)عصرتنَّ أعينكن ، وإذا صح ركبتنَّ رقبته . فقال رسول الله: دعوهنَّ فإنهنَّ خيرٌ منكم ) !!

أجواء الإنقلاب والمواجهة مع النبي(ص) يوم الخميس !

ننقل أجواء المواجهة القرشية مع النبي(ص) من كتاب عدالة الصحابة للمحامي الأردني أحمد حسين يعقوب ، قال في ص182 ، تحت عنوان: المواجهة الصاخبة:

( النبي على فراش الموت ، وجبريل الأمين لاينقطع عن زيارته ، وأكثر ما كان يأتيه جبريل في مرضه .

النبي على علم بمستقبل هذه الأمة ، وقد أدى دوره كاملاً وبلغ رسالات ربه ، وبين لهم كل شئ على الإطلاق ، وهو على علم تام بما يجري حوله ومدركٌ أنه السكون الذي يسبق الإنفجار فينسف الشرعية السياسية والمرجعية ! وبنسف الشرعية السياسية والمرجعية يتجرد الإسلام من سلاحه الجبار ، ويتعطل المولِّد الأساسي للدعوة والدولة .

ولكن مثل النبي لا ينحني أمام العاصفة ، ولا يقعده شئ عن متابعة إحساسه العميق بالرأفة والرحمة لهذه الأمة .

وبالرغم من كمال الدين وتمام النعمة الإلهية ، والبيان الإلهي الشامل لكل شئ تحتاجه الأمة ، بما فيه كيف يتبول وكيف يتغوط أفرادها ، إلا أنه أراد أن يلخص الموقف لأمته حتى تهتدي وحتى لا تضل ، وحتى تخرج بسلام من المفاجآت التي تتربص بها وتنتظر موت النبي لتفتح أشداقها ، فتعكر صفو الإسلام وتعيق حركته وتغير مساره !

النبي على فراش المرض ، وبيته المبارك يغص بأكابر الصحابة ، وقد أصر النبي على تلخيص الموقف والتذكير بالخط المستقبلي لمسيرة الإسلام ، فقال النبي:

قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً .

ما هو الخطأ بهذا العرض النبوي ؟

من يرفض التأمين ضد الضلالة ؟

ولماذا ؟ ولمصلحة من ؟

ثم ، إن من حق أي مسلم أن يوصي ، ومن حق أي مسلم أن يقول ما يشاء قبل موته ، والذين يسمعون قوله أحرارٌ فيما بعد بإعمال هذا القول أو إبطاله !

هذا إذا افترضنا أن محمداً مجرد مسلم عادي ، وليس نبياً وقائداً للأمة .

فتصدى الفاروق عمر بن الخطاب ووجه كلامه للحضور وقال: إن النبي قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله !

فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله كتاباً لاتضلوا بعده أبداً ، ومنهم من يقول: القول ما قاله عمر !

فلما أكثروا اللغو والإختلاف عند النبي قال لهم رسول الله: قوموا عني(1).

وفي رواية ثانية أن الرسول عندما قال: إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، تنازعوا ولاينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا هجر رسول الله ! قال النبي: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه !! (2) .

وفي رواية ثالثة ، قال النبي: إئتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، فقالوا: إن رسول الله يهجر (3) .

وفي رواية رابعة للبخاري:إن النبي قال:إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعده . قال عمر بن الخطاب: إن النبي غلبة الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وأكثروا اللغط ! قال النبي: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع . (4)

رواية بلفظ خامس للبخاري: قال النبي: إئتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، فتنازعوا ولاينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا: ما شأنه أهجر؟ إستفهموه . فذهبوا يرددون عليه ، فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه (5) .

رواية بلفظ سادس للبخاري: قال النبي:إئتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً ، فتنازعوا ولاينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما له أهجر ، إستفهموه ، فقال النبي: ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه .(6).

رواية بلفظ سابع للبخاري: قال النبي: هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده. قال عمر: إن النبي غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله ! واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله كتاباً لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغط والإختلاف عند النبي قال: قوموا عني . (7)

وفي رواية أن عمر بن الخطاب قال: إن النبي يهجر...(8) وقد اعترف الفاروق أنه صدَّ النبي عن كتابة الكتاب حتى لايجعل الأمر لعلي ! (9).

تحليل المواجهة:

أطراف المواجهة: الطرف الأول ، هو محمد رسول الله وخاتم النبيين وإمام الدولة الإسلامية (رئيسها) .

الطرف الثاني ، هو عمر بن الخطاب أحد كبار الصحابة ، ووزير من أبرز وزراء دولة النبي ، والخليفة الثاني من خلفاء النبي فيما بعد .

مكان المواجهة: بيت النبي .

شهود المواجهة: كبار الصحابة رضوان الله عليهم .

النتائج الأولية للمواجهة:

1 ـ الإنقسام. إن الحاضرين قد انقسموا الى قسمين: القسم الأول: يؤيد الفاروق فيما ذهب إليه من الحيلولة بين الرسول وبين كتابة ما يريد . وحجة هذا الفريق أن الفاروق من كبار الصحابة ، وأحد وزراء النبي ، ومشفق على الإسلام ، وأن النبي مريض ، وبالتالي فلا داعي لإزعاجه بكتابة هذا الكتاب . ثم إن القرآن وحده يكفي ، فهو التأمين ضد الضلالة ، ولا داعي لأي كتاب آخر يكتبه النبي .

القسم الثاني: يرفض المواجهة أصلاًً بين التابع والمتبوع وبين نبي ومصدق به ، وبين رسول يتلقى تعليماته من الله ، وبين مجتهد يعمل بما يوحيه له اجتهاده ، وبين رئيس دولة ونبي بنفس الوقت ، وبين واحد من وزرائه .

ويرى هذا القسم أن تتاح الفرصة للنبي ليقول ما يريد ، ولكتابة ما يريد لأنه نبي وما زال نبياً حتى يتوفاه الله ، ولأنه رئيس الدولة وما زال رئيساً للدولة حتى يتوفاه الله ، ويحل رئيس آخر محله .

ثم على الأقل ، لأنه مسلم يتمتع بالحرية كما يتمتع بها غيره ، ومن حقه أن يقول مايشاء ، وأن يكتب مايشاء .

ثم إن الأحداث والمواجهة تجري في بيته ، فهو صاحب البيت ، ومن حق أي إنسان أن يقول ما يشاء في بيته .

2 ـ بروز قوة هائلة جديدة: برز الفاروق كقوة جديدة هائلة استطاعت أن تحول بين النبي وبين كتابة ما يريد ، واستطاعت أن تستقطب لرأيها عدداً كبيراً من المؤيدين بمواجهة مع النبي نفسه وبحضور النبي نفسه ! ) انتهى .

هوامش: ( 1 ) صحيح بخاري ـ كتاب المرضى باب قول المريض: قوموا عني: 7/ 9 وراجع صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية :5/75 وصحيح مسلم بشرح النووي:11/95 ومسند الإمام أحمد:4م356 ح2992 وشرح النهج لابن أبي الحديد:6/51 . ( 2 ) راجع صحيح بخاري :4/31 وصحيح مسلم:3/16 ومسند الإمام أحمد:1/222 وج3م286 . ( 3 ) راجع صحيح مسلم:2/16 و:11/94ـ95 ، ومسند الإمام أحمد:1/355 وتاريخ الطبري:2/193 . ( 4 ) راجع صحيح بخاري:1/37 . ( 5 ) راجع صحيح بخاري/5/137 وتاريخ الطبري:3/192.

( 6 ) صحيح بخاري:2/132 و:4/65ـ66 . ( 7 ) صحيح بخاري:8/161 . ( 8 ) راجع تذكرة الخواص لسبط الجوزي الحنفي ص62 وسر العالمين وكشف ما في الدارين ، لأبي حامد الغزالي ص21 . (9) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد:3/114 و:12/79 سطر3 بتحقيق محمد أبوالفضل و:3/803 دار مكتبة الحياة و:3 /167 دار الفكر) . انتهى كلام صاحب كتاب (عدالة الصحابة) !

مواجهة يوم الخميس خطة قرشية مدروسة !

أخبر الله رسوله(ص) أن أمته سوف تختلف بعده وتضل ، كما فعلت الأمم السابقة ، فأخبرهم النبي(ص) بذلك ، وحذرهم مراراً أن يرتدوا بعده كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض على شهوة الحكم والخلافة !

وحجَّ بهم حجة الوداع وودعهم وخطب فيهم(ص) خمس خطب ، بيَّن لهم فيها كل ماينبغي بيانه ، وأكد في جميعها على فريضة اتباع عترته من بعده ، وإلا فهو الضلال والإنهيار ! وبشَّرهم في خطبه بالأئمة الإثني عشر(ع) من بعده !

وفي خطبته السادسة في غدير خم ، أخذ بيد علي(ع) وأصعده معه المنبر ، وأعلنه لهم ولياً من بعده ، وأمرهم أن يهنئوه ويبايعوه ففعلوا ، وكان عمر من المهنئين ! فقد روى الخطيب البغدادي ، والحافظ الحسكاني ، وابن عساكر ، وابن كثير ، والخوارزمي ، وابن المغازلي بأسانيد صحيحة عن أبي هريرة قال: من صام يوم ثماني عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً ، وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي(ص)بيد علي بن أبي طالب فقال: ألست ولي المؤمنين؟ قالوا: بلى يا رسول الله . قال: من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم).( آيات الغدير ص250)

وفي مرض وفاته(ص) أمره ربه أن يدعو أصحابه وأهل الحل والعقد في أمته ويُتِمَّ الحجة عليهم ، فأحضرهم وعرض عليهم أعظم عرض قدمه نبي لأمته ! عرض عليهم أن يضمن لهم ثباتهم على الهدى الى يوم القيامة ، وأن يكونوا سادة العالم الى يوم القيامة ! بشرط أن يقبلوا حكم الله ورسوله ، ويلتزموا بتنفيذ كتاب يكتبه لهم ويسمي فيه الأئمة الذين ارتضاهم الله لأمته من بعده !

فتصدى عمر بالنيابة عن قريش وأعلن رفضهم لعرض نبيهم ! فأطاعوه وصاحوا في وجه نبيهم: القول ما قاله عمر ، أي لانريد أن تكتب لنا كتاباً ، ولا نريد أمانك من الضلال ، فقد غلب عليك الوجع ، فلا اعبار بكلامك وكتابتك !

ومعنى ذلك أنهم اختاروا الضلال عن عمد وإصرار ! وواجهوا نبيهم(ص) ! وصادروا منه قيادة الأمة في حياته وأعطوها الى عمر زعيم قريش الجديد ! واضطروا النبي(ص) الى السكوت ، لأنهم خيروه بين السكوت وبين إعلان الردة وأنَّ محمداً أخذ يهجر ، وأراد فرض عشيرته بني هاشم على قريش والعرب! وأن غرضه تأسيس ملك دنيوي لهم كملك كسرى وقيصر ، فاليوم ابن عمه علي ابن الثلاث وثلاثين سنة ، ثم من بعده أولاد ابنته فاطمة الذين هم الآن دون العاشرة ، فإن دخلت الخلافة فيهم فلن تخرج منهم ، ولن يصل الى قبائل قريش شئ ! وهذا ظلم لقبائل قريش ما بعده ظلم !!

لقد قررت قريش ممثلة بمن بقي من زعمائها المنهزمين في فتح مكة ، وبحضورها المكثف في المدينة بعد فتح مكة ، أن تقدم عمر الجرئ لمصارحة النبي(ص) ومواجهته بأن بني هاشم تكفيهم النبوة ، أما الخلافة فيجب أن تكون لبقية قبائل قريش ، ويكون بنو هاشم فيها كغيرهم ، لا أكثر ! وصدق الله الخبير العليم بأن الأمة سوف تختار الضلال وترفض حكم الله ورسوله في خلافة نبيها !

وتصدت قريش لقيادة الأمة بقانون الغلبة ، وفتحت صراعاً دموياً على السلطة ، لم تعرف أمةٌ بعد نبيها أسوأَ منه ، ولا خلافة لنبي أكثر منه سفكاً للدماء ! حتى وصلت الخلافة الى غلمان بني أمية وبني العباس ، ثم الى الشراكسة والعثمانيين ، الى أن انهارت الخلافة والأمة بيد الغربيين ودفنت في استانبول بلا مراسم !!

كانت المدة بين يوم الغدير يوم الخميس18 ذي الحجة في السنة العاشرة للهجرة ، وبين يوم الخميس يوم الرزية24 صفر من نفس السنة ، ستاً وستين يوماً فقط ! نشط فيها القرشيون ضد خلافة بني هاشم ، ووقعت فيها أحداث وأمور ، ونزلت آيات ، وصدرت من النبي(ص) خطب وأحاديث !!

وكان آخر عمل قام به النبي(ص) أن جهَّز جيش أسامة الى مؤته ، وأمر زعماء قريش ، مع نحو تسع مئة قرشي من الطلقاء أن يكونوا فيه ، ليخلو الجو منهم في المدينة فيرتب(ص) خلافة علي(ع) قبل وفاته !

واليك واحدة من الوقائع في تلك الفترة ينقلها الإمام السني أبو عبيد الهروي ، وبعض التفاسير ، تقول: ( لما بلَّغ رسول(ص) بغديرخمٍّ ما بلَّغ، وشاع ذلك في البلاد ، أتىجابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري(من بني عبد الدار وزارة دفاع قريش) فقال: يا محمد! أمرتنا عن الله بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وبالصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، فقبلنا منك ، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضِبْع ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا شئٌ منك أم من الله؟! فقال رسول الله(ص) : والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله .

فولى جابر يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ! فما وصل اليها حتى رماه الله بحجر ، فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله ، وأنزل الله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ.. الآية ). انتهى .

ومع أن سورة المعارج مكية ، لكن نزول جبرئيل بها مجدداً ، يعني أن ماحدث هو من العذاب الموعود ! وقد نصَّ المفسرون على تكرر نزول آيات عند وقوع تأويلها مثل: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) وغيرها .

نتائج المواجهة على كل صعيد !

نجح عمر بمساندة قريش القوية أن يحقق أهدافاً ضخمة ، ليس فقط على صعيد القرار القرشي بعزل بني هاشم ومبايعة قرشي من القبائل المافسة بالخلافة ، بل حقق على صعيد الإسلام والقرآن هدفين طالما طمحت اليهما قريش الطلقاء:

الأول: أن يكون القرآن هو المصدر الرسمي للإسلام فقط ، أما السنة فهي مصدر انتقائي ، يختار منه عمر وزعماء قريش ما يناسب ، ويتركون ما لايناسب بل يمنعون أصل صدوره من النبي(ص) !

ثانياً: أن عمر الزعيم المختار من قبائل قريش هو المفسر الرسمي للقرآن ، وله الحق أن يمنع النبي(ص) من كتابة وصيته التي ستُلزم المسلمين بإمام ومفسر رسمي للقرآن من بني هاشم !

وقد اضطر عمر لتحقيق هذين الهدفين أن يستعمل الغلظة والشدة في تلك اللحظات الحاسمة من حياة النبي(ص) ، ويجرح شعور النبي(ص) في بيته وهو يودع أمته ، ويجابهه بقرار أكثرية الصحابة ويقول له: أيها الرسول لاحاجة بنا الى وصيتك ولا الى إمام من عشيرتك ، فالقرآن كاف شاف ، ولا نحتاج أن تنصب له مفسراً أيضاً ، لأن تفسيره من حقنا نحن ! لقد قبلنا نبوتك والقرآن الذي أنزله الله عليك ، ولكن قريشاً تشاورت فيما بينها ونظرت في مستقبلها ، فرأت أنه ليس من العدل أن يستأثر بنو هاشم بالنبوة والخلافة ، فلا يبقى لقبائل قريش شئ ! فاختارت قريش لنفسها ووفقت وأصابت (العبارة الأخيرة صرح بها عمر في الطبري:3/289) !!

وبما أن الوصية التي تريد أن تكتبها تتنافى مع هذا القرار ، فقد قلتُ للحاضرين بلسان كل قريش: لاتقربوا له دواة ولا قرطاساً ! فخيرٌ لك أن تصرف النظر عن كتابة الوصية ، وإلا فإني سأشهد الحاضرين عليك بأنك تهجر ، وأن كلامك لم يعد وحياً !!

أما بعد وفاة النبي(ص) فلم يعد عمر مضطراً لأن يجرح شعور النبي(ص) ، بل يمكنه أن يعمل لأهدافه بأسلوبه الخاص الذي يسميه معاريض الكلام فيقول عنه: (لايسرني أن لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي)(سنن البيهقي:10/199) وبهذه المعاريض عمل لضبط القرآن والسنة ضمن مصلحة قريش! واتخذ خمس قرارات تتعلق بالسنة ، هي:

1ـ مَنْع رواية سنة النبي(ص) منعاً باتاً تحت طائلة العقوبة ، وقد عاقب عدداً من الصحابة لمجرد روايتهم الحديث عن النبي(ص) بالضرب والسجن ، وبقي بعضهم في سجنه أو الإقامة الجبرية ، حتى مات عمر !

2 ـ مَنْع تدوين سنة النبي(ص) منعاً باتاً ، وهو قرار اتخذه عمر مع زعماء قريش من زمن النبي(ص) ، عندما رأوا بعض الغرباء وبعض شباب قريش يكتبون كل ما يقوله النبي(ص) مع أنه بشر ، يغضب فيقول غير الحق !

وفي خلافة أبي بكر طلب أبو بكر من الناس ما كتبوه من السنة ، وأحرقه !

وفي خلافته جمع عمر ماكتبوه من السنة وأحرقه ، وأصدر مرسوماً خلافياً بعث به الى الأمصار بإحراق كل مكتوب من السنة أو إتلافه !

3 ـ أنكروا كتاب (الجامعة) الذي قال علي(ع) إنه بإملاء النبي(ص) وفيه كل ما يحتاج إليه الناس ، ولم يستفيدوا منه ، وقالوا عن النبي(ص) لم يخص علياً ولا أحداً من أهل بيته بشئ من العلم ، ولم يترك علماً غير القرآن .

4 ـ انتقى عمر مجموعة روايات لسيرة النبي وسنته(ص) وعمل على تعليمها للأمة على أنها السنة والسيرة الصحيحة ، دون ما خالفها !

5 ـ رفع شعار (سنة النبي) التي رفضها بالأمس ، فشعار (حسبنا كتاب الله) صار (حسبنا كتاب الله وسنة نبيه) أي كتاب الله كما يفهمه عمر ، وسنة رسوله التي يرويها عمر ، أو يمضيها !

أما قراراته بشأن القرآن فهي كثيرة ، تعرضنا لها في كتاب تدوين القرآن .

ما عدا مما بدا..؟!

رفض عمر أن يكتب الرسول(ص) كتاباً يضمن تأمين أمته وقال: حسبنا كتاب الله !! أما عند وفاة أبي بكر فأخذ بيده عصا جريد يسكِّت بها الناس ، ويقول: إسمعوا وأطيعوا ، يريد أن يكتب لكم كتاباً !!

قال الطبري في تاريخه:2/618: (عن إسماعيل ، عن قيس قال: رأيت عمر بن الخطاب وهو يجلس والناس معه ، وبيده جريدة وهو يقول: أيها الناس إسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله(ص) ، إنه يقول إني لم آلكم نصحاً ! قال: ومعه مولى لأبي بكر يقال له شديد ، معه الصحيفة التي فيها استخلاف عمر !!

قال أبو جعفر: وقال الواقدي: حدثني إبراهيم بن أبي النضر ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال: دعا أبو بكر عثمان خالياً ، فقال له: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ، أما بعد ، قال ثم أغمي عليه . فذهب عنه فكتب عثمان: أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً منه !

ثم أفاق أبو بكر فقال إقرأ عليَّ ، فقرأ عليه فكبَّر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس أن افتلتت نفسي في غشيتي؟! قال: نعم . قال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله . وأقرها أبو بكر من هذا الموضع). انتهى.

الأسئلة

أسئلة حول ما طلبه النبي(ص) من المسلمين ؟

1 ـ كان بإمكان النبي(ص) أن يكتب كتابه وعهده لأمته ، ويأمر بلالاً مثلاً أن يدعوهم الى المسجد ويقرأه عليهم ، فطالما كتب وأمر بدون أن يشارور أحداً ؟!

2 ـ بماذا تجيبون لو سألكم شخص غير مسلم فقال: إن حديث الدواة والقرطاس ثابتٌ عندكم ، فهو في ست مواضع من البخاري وحده !

فلماذا غضب نبيكم وطرد الصحابة القرشيين ، ولم يكتب وصيته وعهده لمن يسمع ويطيع من الأجيال ؟

أما نحن فنجيب بأنهم عرفوا أن النبي(ص) يريد أن يكتب عهده للأمة بإمامة علي(ع) والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين(ع) ، وحيث لم يقبلوا به ، فإن إصرار النبي(ص) على كتابته سيدفعهم الى الردة عن الإسلام ! ولا تكون نتيجة كتابة العهد إلا أن يقسم أمته في حياته الى قسمين وأمتين ! ويجعل العترة مع قلة قليلة في مواجهة الأكثرية المخالفة لهم ، وهذا يهدد أصل بقاء الإسلام !! لذلك اختار بأمر ربه عز وجل عدم الكتابة ، وسجل احتجاجه عليهم بطردهم ! وتركهم ليحصدوا نتائج ما اختاروه !!

3 ـ قال المازري: ( إن قيل: كيف جاز للصحابة الإختلاف في هذا الكتاب مع قوله(ص): آتوني أكتب ، وكيف عصوه في أمره ؟!

فالجواب: أنه لا خلاف أن الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب عند من قال: أصلها للندب , ومن الوجوب إلى الندب عند من قال: أصلها للوجوب , وتنقل قريش أيضاً صيغة إفعل إلى الإباحة ، وإلى التخيير !! وإلى غير ذلك من ضروب المعاني , فلعله ظهر منه(ص)من القرائن ما دل على أنه لم يوجب عليهم بل جعله إلى اختيارهم , فاختلف اختيارهم بحسب اجتهادهم , وهو دليل على رجوعهم إلى الإجتهاد في الشرعيات , فأدى عمر اجتهاده إلى الامتناع من هذا , ولعله اعتقد أن ذلك صدر منه(ص)من غير قصد جازم , وهو المراد بقولهم: هجر وبقول عمر: غلب عليه الوجع )!! (شرح مسلم للنووي:11/92 ) ؟!

فهل تقولون إن الأوامر القرآنية والنبوية لايجب تنفيذها ، أوتقولون إن ظهوره في الوجوب يسقط بمجرد احتمال وجود قرينة تدل على التخيير والإستحباب ؟! وكيف يكون المسلمون مخيرين في أمر يتعلق بمصير كل أجيال الأمة وضلاهم أو عصمتهم من الضلال الى يوم القيامة ؟!

4 ـ ماذا تجيبون لو سألكم شخص فقال: إن الأحاديث بل الآيات تدل على أن النبي(ص) كان يعلم أن الأمة لاتقبل إمامة عليٍّ والعترة(ع) ، فلماذا عرض عليهم أمراً يكرهونه بشدة كما قال عمر ، ويردونه بقوة كما فعل !

أما نحن فنجيب بأن واجب النبي(ص) البلاغ وإقامة الحجة ، وقد تحقق ذلك وتأكد قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ.(الأنفال:42)

5 ـ لاشك أن مطلب النبي(ص) منهم كان أن يتعهدوا ويلتزموا بتنفيذ الكتاب الذي سيكتبه ، وليس مجرد رضاهم بأن يكتب لهم عهده من بعده ، وإلا لما خاضوا معه هذه المعركة التي انتهت بغضبه عليهم وطردهم من بيته !

وسؤالنا: ما حكم من قال له النبي(ص) سآمرك بأمر فالتزم أمامي بتنفيذه ، فرفض وأغضب النبي(ص) وآذاه ومنعه من إصدار أمره حتى طرده النبي(ص) ؟!

أسئلة حول الكتاب الذي أراد النبي(ص) أن يكتبه

6 ـ قال بعضهم: إن الكتاب الذي أراد أن يكتبه النبي(ص) والذي يؤمِّن أمته من الضلال والضعف الى يوم القيامة ، هو الوصية لأبي بكر بالخلافة ! واستند الى حديث عائشة وزعمها أن النبي(ص) أراد أن يكتب عهده بالخلافة الى أبيها وأخيها ، ولكنه ترك ذلك لأن الأمة ستختار أبا بكر ! فقد روى البخاري:7/8 ، عن عائشة أن النبي(ص) قال لها: (لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد ، أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون . ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون). (ورواه في:8/126).

وقال مسلم:7/110، عن عائشة قالت: (قال لي رسول الله(ص)في مرضه ادعى لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ، ويقول قائل أنا أولى ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ). انتهى.

وقال ابن حجر في فتح الباري:1/186: (واختلف في المراد بالكتاب ، فقيل: كان أراد أن يكتب كتاباً ينص فيه على الأحكام ليرتفع الإختلاف . وقيل: بل أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده ، حتى لايقع بينهم الإختلاف ، قاله سفيان بن عيينة ، ويؤيده أنه(ص)قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة أدعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر . أخرجه مسلم ، وللمصنف معناه . ومع ذلك فلم يكتب) .

وقال في فتح الباري:13/177: (قوله: فأعهد ، أي أعين القائم بالأمر بعدي ، هذا هو الذي فهمه البخاري فترجم به ، وإن كان العهد أعم من ذلك ، لكن وقع في رواية عروة عن عائشة بلفظ: أُدعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً.... وفي رواية للبزار: معاذ الله أن تختلف الناس على أبي بكر . فهذا يرشد إلى أن المراد الخلافة . وأفرط المهلب فقال: فيه دليل قاطع في خلافة أبي بكر ! والعجب أنه قرر بعد ذلك انه ثبت أن النبي(ص)لم يستخلف) ! انتهى.

فهل يصح هذا الكلام في عهدٍ أراد النبي(ص) أن يكتبه فغضب منه عمر وكل الحزب القرشي ومنهم أبو بكر ، ومنعوا النبي(ص) من كتابته ؟!

وهل تصدقون أحاديث عائشة أن النبي(ص) أراد أن يكتب الخلافة لأبيها وأخيها ، لتكون من بعده في عشيرة بني تيم ؟!

وهل تقولون إن ابن أبي بكر أحق من عمر بالخلافة ، وإن عمر قد غصب منه الخلافة ، لأنها كانت بنص النبي(ص) لأبي بكر وابنه ؟!

وإذا صح أن المؤمنين يأبوْنَ إلا أبا بكر ، فهل أن الصحابة الذين عارضوه وأدانوه واحتجوا عليه ، كانوا غير مؤمنين؟! وهم أكثر من سبعين صحايباً ، وكلهم عندكم مؤمنون عدول ، بأيهم اقتديتم اهتديتم ؟!

وأخيراً ، يبقى السؤال الأهم من الجميع: أنه لو كانت خلافة أبي بكر هي التي أراد النبي(ص) أن يعصم بها الأمة من الضلال والضعف الى يوم القيامة ، فقد حصلت خلافته ، فلماذا لم تُعصم الأمة من الضلال ، وسرعان ما اختلفت ، وكفَّر بعضها بعضاً ، وسفك بعضها دماء بعضها ، حتى ضعفت وانهارت ؟

فكيف يحصل سبب التأمين والعصمة من الضلال ، ولا يحصل المسبب ؟!

7 ـ سمع المسلمون من النبي(ص) مراراً ، خاصة في حجة الوداع تعبير: (لن تضلوا بعدي أبداً ) في وصاياه(ص) بالقرآن والعترة(ع) ، فقد تواتر عنه(ص) قوله: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً . ورأوه في غدير خم أصعد علياً(ع) معه على المنبر ، ورفع بيده وأمرهم بولايته وطاعته فقال(ص) : (من كنت مولاه فعلي مولاه) . فلا بد أن عمر وحزبه فهموا مقصود النبي(ص) يوم الخميس بقوله: إئتوني بقرطاس أكتب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً..وعرفوا أنه سيعهد بالخلافة كتبياً لعلي والعترة(ع) ، فلم يجدوا وسيلة إلا التشكيك بسلامة عقله وحجية قوله(ص) ، فقالوا إنه يهجر عندكم القرآن حسبنا كتاب الله !!

فهل عندكم تفسير لردهم العنيف المؤذي الى أقصى حدود العنف والإيذاء لرسول الله(ص) ، سوى أن كتابة العهد كانت ستحبط خطتهم لأخذ الخلافة ؟!

8 ـ قال بعضهم إن الذي أراد أن يوصي به النبي(ص) كان أمراً عادياً ، وأن النبي(ص) أراد أن يذكرهم به فقط ! فما هو هذا الأمر العادي الذي يضمن عصمة الأمة من الضلال ، ويضمن سيادتها على العالم الى يوم القيامة ؟!

ولماذا عدّ ابن عباس عدم كتابة العهد رزيةً على الإسلام والمسلمين ، وكان يبكي لها بكاء الثكلى ، حتى خضب دمعه الحصى ! ( فتح الباري:8/100)

أسئلة في تحليل ما فعله عمر والموقف الشرعي منه

9 ـ هل تعتبرون حديث رزية يوم الخميس من موافقات الله المزعومة لعمر وتخطئته لرسوله(ص) ! وهل نزل جبرئيل على النبي(ص) يوم الرزية ، وقال له أخطأت يا محمد لأنك أردت أن تؤمِّن أمتك من الضلال فتكتب لها عهداً ، والحق مع عمر ، فدعها تضلّ ؟!

10 ـ قال بعضهم إن اعتراض عمر على العرض النبوي بقوله (أهَجَر) ، إنما هو استفهام محض ، وأن عمر شك شكاً بريئاً في أن النبي(ص) يهجر ، وحاشاه ، ولم يجزم بذلك ، والشك جائز على عمر فإنه لامعصوم إلا النبي(ص) !

فهل يصح هذا الشك ممن يؤمن بنبوة النبي(ص) ويعيش معه(ص) ؟!

ثم ، لو كان شك عمر بريئاً لتراجع عندما عرف أن النبي(ص) خاطبهم بشكل طبيعي وأنه بخير ! بينما أصرَّ عمرعلى موقفه وزجر زوجة النبي(ص) التي قالت قربوا له قرطاساً ، وأفحش لها القول ! فأجابه النبي(ص) : بل هنَّ خير منكم ؟!!

11 ـ قال عمر كما تقدم في مجمع الزوائد:9/33: (لما مرض النبي(ص)قال: أدعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتاباً لاتضلون بعدي أبداً ! فكرهنا ذلك أشد الكراهة!! ثم قال: أدعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لاتضلون بعده أبداً ! فقال النسوة من وراء الستر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله(ص)؟! فقلت: إنكن صواحبات يوسف إذا مرض رسول الله(ص)عصرتنَّ أعينكن ، وإذا صح ركبتنَّ رقبته . فقال رسول الله: دعوهنَّ فإنهنَّ خيرٌ منكم ) !! انتهى. فهل تصدقون عمر وتحكمون بأن نساء النبي(ص) خير منه ومن وافقه ، أم تفضلونهم عليهنَّ ؟!

12 ـ لو أن نبي الله موسى(ع) قال لليهود ( إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لاتضلون بعدي أبداً ، ولا تغلبكم أمة من الأمم أبداً ، بل تحكمون العالم الى يوم القيامة) فقال له أحدهم: كلا لا نريد كتابك (حسبنا التوراة ) !! ورفضوا أن يكتب لهم نبيهم عهده وعهد ربه !! فماذا تحكمون عليهم ؟!

13 ـ ما معنى الشعار الذي رفعه عمر في وجه النبي:(ص) (حسبنا كتاب الله) !! ألم يكن يعرف أن الرد على النبي(ص) لايجوز ، وأن أمر النبي(ص) بالقبول بالكتاب واجبُ الإطاعة كالقرآن . ألا يعني ذلك:

أن عمر رفض السنة ، كما فعل معمر القذافي فزعم أن القرآن وحده يكفي ولا حاجة الى السنة ؟

وأنه صادر حق النبي(ص) في رسم مستقبل أمته بعد وفاته كما أمره ربه ؟

وصادر حقه(ص) كمسلم في أن يوصي بما يريد ؟

وصادر حقه(ص) كصاحب بيت على فراش مرضه ، أن يتصرف كما يريد ؟

وصادر حقه(ص) في تفسير القرآن ، وبيان من هم أولوا الأمر ؟

وأنه نصب نفسه مقابل الله تعالى ولياً على الأمة ونبيها(ص) وقرآنها ؟

بل نصب نفسه ولياً على الله تعالى ! وجعل الخلافة لقبائل قريش في مقابل النبوة لبني هاشم ، وهو يعلم أن النبي(ص) لايتكلم من عنده:وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى؟! ويعلم معنى قوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ). (الزخرف:32)

14 ـ لو أن رئيس عشيرة مشهود له بالحكمة وبُعد النظر، أحضرَ وجهاء عشيرته وهو في مرض وفاته ، وهو بكامل عقله وحواسه ، وقال لهم: أنا خائفٌ على مسقبلكم ، وعندي وصيةٌ إذا قبلتموها فإنها تؤمِّن مستقبلكم المالي الى يوم القيامة !! فآتوني بقلم وقرطاس حتى أكتبها لكم .

ففاجأهم أحد الزعماء قائلاً: لانريد وصيتك، نحن نشتغل ونحصل على المال ! وصاح أكثر الحاضرين: نعم قوله صحيح ، وانقسموا الى فريقين ، فريق يؤيد شيخهم وفريق ضده ، واختلفوا وعلا صراخهم ، فطردهم شيخهم ، وتوفي وفي قلبه حسرة أنهم لم يقبلوا منه أن يكتب لهم وصيته !

ثم اجتمع الناس حول الزعيم الذي منع شيخهم من الوصية ونصبوه رئيساً لهم ، فكسب مالاً لعشيرته مدة ، ثم ما لبثت أن افتقرت وصارت أفقر العشائر !!

فما هو حكم الذي منع شيخهم من كتابة وصيته ؟ وعلى من تقع مسؤولية فقر العشيرة وتسلط العشائر عليها ؟!

15 ـ لو سألنا عاقلاً: ما هو موقفك من شخص يمنع أباك من كتابة وصيته ، فغضب أبوك ومات وفي قلبه حسرة ، وفي قلبكم حسرة أنه لم يكتبها ؟!

16 ـ هل أن عمر وحزبه الحزب القرشي اجتهدوا برأيكم فأصابوا ، بينما أخطأ النبي (ص) ؟! أم اجتهدوا فأخطأوا ، أم عصوا وضلوا ، أم ردوا على النبي(ص) فكفروا ؟ وأين قاعدتكم في حرمة الإستدراك على النبي(ص) ؟!

وإن قلتم إنهم اجتهدوا فأخطأوا ، فأعطونا مثالاً واحداً ردَّ فيه الصحابة على النبي(ص) وعصوه ، فحكم عليهم بأنهم أخطأوا ولهم أجر واحد !!

17 ـ لو كنتَ حاضراً في ذلك المجلس ، فماذا يكون موقفك؟ وما حكمك على الذين عصوا أمر النبي(ص) ؟ولو كنت في حزب قريش الذين طردهم النبي (ص) فهل كنت تنسحب منه وتتوب الى الله ، وتجثو على قدمي النبي (ص) وتطلب رضاه وتجدد إسلامك؟! ولماذا لم يفعل عمر ذلك؟!

18 ـ من هم الذين أيدوا عمر في مواجهته للنبي(ص) وصاحوا: (القول ما قاله عمر ) ، ولغطوا وشوشوا ، وغلبوا المخالفين لهم لأنهم بكثرتهم وحزبيتهم؟!

نحن نقول إنهم الحزب القرشي ! وهم الطلقاء الذين أسلموا بالأمس تحت السيف ، وهم نفسهم أئمة الكفر وجنود الشرك الذين قاتلوا النبي(ص) الى الأمس القريب ! وبعد فتح مكة وهزيمتهم خططوا للسكن في المدينة ، والتفُّوا حول عمر وأبي بكر ، وعملوا معهما لمنع وصول الخلافة الى العترة الطاهرة ! وقد كان عددهم نحو ألف مقاتل ، وعدد نفوسهم في المدينة نحو ستة آلاف نسمة ، بعد أن كان القرشيون المهاجرون غير بني هاشم لايبلغون خمسين نسمة !

فقد ذكر ابن حجر أن عدد الذين أرسلهم النبي(ص) منهم مع أسامة ليبعدهم عن المدينة سبع مئة مقاتل ! قال في فتح الباري:8/115: (وذكره ابن إسحاق في السيرة المشهورة ولفظه بدأ برسول الله(ص)وجعه يوم الأربعاء فأصبح يوم الخميس فعقد لأسامة فقال: أغز في سبيل الله ، وسر إلى موضع مقتل أبيك ، فقد وليتك هذا الجيش ، فذكر القصة وفيها: لم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر وعمر ... وعند الواقدي أيضاً أن عدة ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف ، فيهم سبعمائة من قريش ). انتهى.

فإذا كان المأمورون بالذهاب في جيش أسامة سبع مئة قرشي ، فكم عدد غير المشاركين ، وكم عدد نفوسهم في المدينة ؟!

كما ينبغي الإشارة الى أن يوم الخميس الذي عقد فيه النبي(ص) لواء الجيش لأسامة وأمره بالتحرك هو الخميس الذي قبل خميس الرزية، فقد تخلفوا وسوَّفوا ولم يطيعوا أمره(ص) ، وكان يحثهم على الحركة حتى لعن من تخلف عن جيش أسامة ! ففي هذا الجو دعاهم ليكتب لهم عهده ، فواجهوه بالإنقلاب!

أسئلة في تحمل عمر كل نتائج فعله

19 ـ رفض عمر القبول بمسار الأمة الذي رسمه لها الله تعالى ورسوله(ص) مع أن النبي(ص) أخبرهم أنه يضمن لهم الهداية والعزة الى يوم القيامة !

ونفَّذ عمر المسار الذي أراده ، بمساعدة الصحابة الطلقاء وهم الأكثرية ، ولم ينفع معهم إصرار النبي(ص) والأقلية المؤمنة فغضب النبي(ص) وطردهم !!

ألا يتحمل عمر وحزبه بذلك كامل المسؤولية عن كل خلافات الأمة وضلالها وسفك دمائها وخساراتها، ثم عن ضعفها وانهيارها ، حتى يظهر المهدي الموعود (ع) ويصحح مسيرتها كما أرادها الله ورسوله(ص) ؟!

أسئلة حول تبريرهم فعل عمر

20 ـ ما رأيكم في قول النووي في شرح مسلم:11/87 ، قال: (باب ترك الوصية لمن ليس له شئ يوصى فيه....: وأما كلام عمر فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره ! لأنه خشي أن يكتب (ص) أموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها ، لأنها منصوصة لامجال للإجتهاد فيها ، فقال عمر: حسبنا كتاب الله ، لقوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شئ ، وقوله: اليوم أكملت لكم دينكم ، فعلم أن الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة ، وأراد الترفيه على رسول الله(ص)فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه ). انتهى !

هل توافقون على أن النبي(ص) لم يكن عنده شئ يوصي به أمته؟ وأن عمر أصاب وأخطأ النبي(ص) وابن عباس وكل المخالفين لعمر ؟ لأن ادعاء النبي (ص) أنه يريد تأمين أمته من الضلال لغوٌ وعبث ، وأن الأمة مؤمَّنَةٌ من الضلال بنص القرآن ، ولكن النبي(ص) لم يفهم ذلك من آياته ، وفهمه عمر ؟!

وهل تقولون إن عمر أفقه من النبي(ص) وأرحم منه بالأمة ، لأنه خلَّصها من أمور صعبة قد يأمر بها النبي(ص) في عهده ، فتعجز عنها فتستحق العقوبة؟!

وهل تقولون بأن الله تعالى يظلم الناس ويعاقبهم على ما يعجزون عنه ؟!

21 ـ قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري ص195: (قوله أهَجَرَ بهمزة الإستفهام ، والإسم الهجر ، وهو الهذيان ، ويطلق على كثرة الكلام الذي لا معنى له). انتهى. وذكر ذلك علماء التفسير واللغة، كما في فتح القدير:3/490 ، والصحاح:2/851 ، ولسان العرب: 5/253، وغيرها . فهل تقولون إن عمر قال إن النبي(ص) قد هجر ، وإن طلبه أن يكتب لأمته عهداً هو هذيان؟! أم تقولون إن عمر شك في أن النبي(ص) يهجر ويهذي؟! وهل تعرفون مسلماً غير عمر شك في النبي(ص) انه يهذي في مرض وفاته ؟

وهل في طلب النبي(ص) أن يكتب لأمته عهداً يؤمِّنها من الضلال الى يوم القيامة ويجعلها سيدة العالم ، ما يوجب الشك في أنه يهذي ولايعقل ؟!

22 ـ هل توافقون على التناقض الذي وقع فيه الخطابي فيما نقله عنه النووي في شرح مسلم:11/91، حيث قال: (ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله(ص)أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال , لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله(ص)من الوجع , وقرب الوفاة ، مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه , فتجد المنافقون بذلك سبيلاً إلى الكلام في الدين... قال: وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه , وقد أجمعوا كلهم على أنه لا يُقَرُّ عليه. قال: ومعلوم أنه(ص)وإن كان الله تعالى قد رفع درجته فوق الخلق كلهم ، فلم ينزهه عن سمات الحدث والعوارض البشرية , وقد سهى في الصلاة , فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه , فيتوقف في مثل هذا الحال حتى تتبين حقيقته , فلهذه المعاني وشبهها راجعه عمر ) . انتهى .

فقد نفى الخطابي الهذيان عن النبي(ص) ثم قال: (فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه) ! فهل لقول الخطابي هذا معنى غير الهذيان؟!

23 ـ هل توافقون على ما زعمه القاضي عياض بالعكس ، من أن عمر كان رأيه أن يكتب النبي(ص) عهده للأمة وكان مصراً على ذلك ! وأن قوله (أَهَجَرَ) معناه ماذا لاتقدمون للنبي(ص) قرطاساً ليكتب عهده مع أنه قال حقاً ولم يهجر !

فقد نقل عنه ابن حجر في الفتح:8/101، والنووي في شرح مسلم:11/92 ، أنه قال: (وقوله: أهجرَ رسول الله، هكذا هو في صحيح مسلم وغيره (أهجر) على الإستفهام وهو أصح من رواية هجر ويهجر ، لأن هذا كله لا يصح منه(ص) لأن معنى هجر: هذى! وإنما جاء هذا من قائله استفهاماً للإنكار على من قال لاتكتبوا! أي لا تتركوا أمر رسول الله(ص)وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه ، لأنه(ص) لا يهجر ... ووقوع ذلك من النبي(ص)مستحيل لأنه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى: وماينطق عن الهوى ، ولقوله(ص): إني لاأقول في الغضب والرضا إلا حقاً... فكأنه قال كيف تتوقف؟! أتظن أنه كغيره يقول الهذيان في مرضه ؟! إمتثل أمره وأحضر له ما طلب فإنه لا يقول إلا الحق). انتهى.

وقال عياض: هذا أحسن الأجوبة) !! انتهى.

فإذا كان رأي عمر ومعه الحزب القرشي كتابة الكتاب كما زعم عياض ، فلماذا لم يكتبه النبي(ص) ، وهل أن أهل البيت(ع) ومن وافقهم هم الذين منعوا كتابته؟! ولماذا تنازعوا ولغطوا وعلا صياحهم حتى طردهم النبي(ص) ؟!

24 ـ هل توافقون على قول البيهقي: ( فرأى عمر الصواب تركهم على هذه الجملة لما فيه من فضيلة العلماء بالإجتهاد , مع التخفيف عن النبي(ص) , وفي تركه(ص)الإنكار على عمر دليل على استصوابه) . (شرح مسلم للنووي:11/90) فهل اجتهاد عمر في ترك الأمة تضل أصحُّ من(اجتهاد)النبي(ص) في تأمينها من الضلال؟! وهل ترون إنكاراً على عمر وحزبه أبلغ من طرد النبي إياهم من بيته ؟!

25 ـ اعتذرتم لعمر بأنه اجتهد في مقابل نبيه(ص) ، وأن المسلم التابع له حق الإجتهاد ، ومواجهة نبيه بالرفض ، وتأليب الناس عليه ، حتى لايكتب لأمته عهده ويضمن هداها وعدم ضلالها !! لكن أليس من التناقض المضحك في مذهبكم أنكم فتحتم باب الإجتهاد لعمر في مقابل النبي(ص) ، وأقفلتم على المسلمين باب الإجتهاد في مقابل عمر ، ولم تعذروهم على رأيهم فيه ؟!

26 ـ ألا تعجبون من أنفسكم لدفاعكم عن عمر وحزبه ، ونسيانكم آيات الله تعالى في وجوب إطاعة النبي(ص) والتأدب معه ؟! فأين أنتم من قوله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى . ؟ وقوله تعالى: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ ... (النساء:64) وقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا... (الحشر:7) وقوله تعالى محذراً الذين لايحترمون الرسول(ص) ويتحايلون على أمره: لاتَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمره أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.(النور:63) وقوله تعالى محذراً إياهم من إبطال كل أعمالهم بمعصيتهم للرسول(ص) :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ. (محمد:33)

وقوله تعالى محذراً إياهم من الضلال إن عصوه: قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فإن تَوَلَّوْا فإنما عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ. (النور:54)

وقوله تعالى محذراً إياهم من العقوبة إن عصوه: وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فإن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا إنما عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ .(المائدة:92)

وقوله تعالى واصفاً عاقبة من عصى الرسول(ص) وكتم ما أنزل الله:يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرض وَلايَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً. (النساء:42)

وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً. يَا وَيْلَتَى لَيْتَنيِ لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً . لَقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِى وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً . وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا . وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا. (الفرقان:27 ـ 31).

وقوله تعالى عن المنافقين الذين لايقبلون حكم الرسول(ص) ، ويخالفونه ويشاقُّونه: وإذا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَاأنزل اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً. (النساء:61) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً. (النساء:115)

وأخيراً ، هل نسي عمر أنه بالأمس تصايح مع أبي بكر في حضرة النبي(ص) فنزلت سورة الحجرات ، ومنها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاتَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . (سورة الحجرات:2)

ألم ترووا أنتم أن سبب نزولها اختلافه مع أبي بكر على اقتراح تعيين زعيم قبيلة لبني تميم ، مع أن الأمر لرسول الله(ص) لا لعمر ولا لأبي بكر! قال البخاري:6/46: ( عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيِّران أن يهلكا أبا بكر وعمر ، رفعا أصواتهما عند النبي(ص)حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع ، وأشار الآخر برجل آخر ، قال نافع لا أحفظ إسمه ، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي ! قال: ما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ.. الآية . قال ابن الزبير: فما كان عمر يُسمع رسول الله(ص)بعد هذه الآية حتى يستفهمه) . انتهى.

ومعنى كلامه أن عمر اتعظ بتوبيخ الله له ولأبي بكر في سورة الحجرات، فكان يخفض صوته عند النبي(ص) فلايسمع النبي(ص) كلامه حتى يستفهمه منه فيعيده عليه ! ويقول البخاري:8/145: (فكان عمر بعد....ذا حدث النبي(ص) بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه ) انتهى .

فأين هذا الأدب الذي تزعمونه لعمر ، وأين خفض صوته وكلامه بالهمس وأخي السرار مع الرسول(ص) ؟! هل في قوله لسيد المرسلين(ص) لا نريد أن تكتب لنا عهدك ، ولا نريد سنتك ولا تأمينك من الضلال ! يكفينا كتاب الله ، ولا نريد أن تنصب مفسراً له فنحن نفسره ! وإن أصريت على طلبك نقول إنه يهجر ، ويريد تأسيس ملك لبني هاشم كملك كسرى وقيصر؟!! حسبنا الله ونعم الوكيل !

المسألة: 160

قول عمرعندهم سنةٌ مطاعة ، يردون به سنة النبي (ص) !!

تقدم في المسألة (125) أن السنة عندهم كانت بمعنى سنة أبي بكر وعمر قبل سنة النبي(ص) ! وأن طالب العلم المتقي الذي كان يتوجس من ذلك خوفاً من الله تعالى ، يحرمونه من وظائف الدولة ! قال صالح بن كيسان كما في طبقات ابن سعد:2/388: (وأخبرت عن عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر أخبرني صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن ، قال وكتبنا ما جاء عن النبي(ص)قال: ثم قال: نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنة ! قال قلت إنه ليس بسنة فلا نكتبه ، قال فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت...)!!

فقد تَحَسُّر ابن كيسان لأن زميله الزهري قد ( أنجَحَ ) بكتابة سنة الخلفاء ، وفاز برضا الدولة وألوف الوليد بن عبد الملك بن مروان ثمناً لدفاتره !أما هو فلم (يُنجح) لأنه اقتصر على سنة النبي(ص) !

وكانت سنة عمر تسمى: (السنَّة الماضية)أي المطبقة عملياً، بينما سنة النبي(ص) ليست هي الماضية ، فقد يطبقها الولاة وقد يتركونها !

أطاعوا عمر وخالفوا النبي(ص)

حتى صاح ابن عباس وابن عمر: طفح الكيل!

قال ابن حزم في الإحكام:4/581: (أو ليس ابن عباس يقول: أما تخافون أن يخسف الله بكم الأرض ! أقول لكم قال رسول الله (ص) وتقولون: قال أبو بكر وعمر !! وكان إسحاق بن راهويه يقول فيما روى عنه محمد بن نصر المروزي في الإمام أنه سمعه يقول: من صح عنده حديث عن النبي(ص) ثم خالفه ـ يعني باعتقاده ـ فهو كافر ). انتهى. (ونحوه أيضاً في:5/650)

وفي النصائح الكافية لمن يتولى معاوية ص213: (وقال بعض العلماء: لو اجتمع مجتهدوا الأرض كلهم على قول وكان قول النبي يقتضي خلافه ، فالحق قول النبي (ع) ، وإجماع المجتهدين في مقابله كضرطة بعير في فلاة .

وقال السيد الآلوسي في جلاء العينين نقلاً عن ابن تيمية قال: قد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة فقال له: قال أبو بكر قال عمر ، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ! أقول قال رسول الله(ص)وتقولون قال أبو بكر ، قال عمر )!! انتهى. (راجع مجموع فتاوى ابن تيمية20 / 215 )

وفي الترمذي:2/159، عن سالم بن عبد الله: ( أنه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال عبد الله بن عمر: هي حلال ، فقال الشامي: إن أباك قد نهى عنها ! فقال عبدالله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله(ص): أمرُ أبي يُتَّبَع أم أمرُ رسول الله(ص)؟! فقال الرجل: بل أمر رسول الله(ص) . فقال: لقد صنعها رسول الله . هذا حديث حسن صحيح) . انتهى .

ورواه أبويعلى في مسنده :9/341، وفيه:(ما ترى في التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال عبد الله: حسن جميل لمن صنع ذلك . فقال له الرجل: فإن أباك قد كان ينهى عنها ! فغضب عبدالله ثم قال: ويلك أرأيت أن كان أبي نهى عنها ، وكان رسول الله(ص)عمل بها ، بأمر رسول الله (ص)تأخذ أم بأمر أبي؟! قال: لا بل بأمر رسول الله . قال: فإن رسول الله قد فعل ذلك ، فقم لشأنك) ! ورواه ابن سلمة في شرح معاني الآثار:2/142. وحاول النووي في المجموع:7/155، أن يضعفه ، لكن الألباني صححه في صحيح سنن الترمذي:1/ 247 برقم 658, وعاد وضعف مثله في ضعيف سنن الترمذي ص96 !!

وفي مسند أحمد:2/95: (سأل رجل ابن عمر عن المتعة وأنا عنده ، متعة النساء ، فقال: والله ما كنا على عهد رسول الله زانين ولا مسافحين ! ثم قال: والله لقد سمعت رسول الله(ص)يقول: ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر ). ورواه في :2/104، وفيه: ( فغضب وقال والله..).ورواه أبو يعلى في:10/69، و:10/70 ، والقرطبي في تفسيره:2/388، وقال: ( أخرجه الدارقطني ، وأخرجه أبو عيسى الترمذي) . انتهى.

وقال ابن كثير في النهاية:5/159:(وقد كان الصحابة يهابونه كثيراً، فلا يتجاسرون على مخالفته غالباً ، وكان ابنه عبد الله يخالفه فيقال له: إن أباك كان ينهى عنها ، فيقول: لقد خشيت أن يقع عليكم حجارة من السماء ! قد فعلها رسول الله(ص) أفسنة رسول الله تتبع ، أم سنة عمر بن الخطاب ! وكذلك كان عثمان بن عفان ينهى عنها ، وخالفه علي بن أبي طالب كما تقدم وقال: لا أدع سنة رسول الله (ص)لقول أحد من الناس ) ! انتهى.

وقال الشافعي في كتاب الأم:1/163: (قال الشافعي)أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه سجد في سورة الحج سجدتين. فقلت للشافعي: فإنا لا نسجد فيها إلا سجدة واحدة ، فقال الشافعي فقد خالفتم ما رويتم عن عمر بن الخطاب وعبدالله بن عمر معاً ، إلى غير قول أحد من أصحاب النبي(ص) عامة ! فكيف تتخذون قول ابن عمر وحده حجة ، وقول عمر حجة وحده ، حتى تردوا بكل واحد منهما السنة ! وتبتنون عليها عدداً من الفقه ؟! ثم تخرجون من قولهما لرأي أنفسكم ؟ هل تعلمونه مستدركاً على أحد؟!

قولٌ العورةُ فيه أبين منها فيما وصفنا من أقاويلكم ) !!

الأسئلة

1 ـ ما قولكم في سبب هذا التحيز من الدولة القرشية لقول عمر على حساب سنة النبي(ص) حتى انتقده ابن عباس وابن عمر والشافعي ؟!

2 ـ هل تعملون بسنة النبي(ص) في متعة الحج ومتعة النساء ، أم تتركونه الى قول عمر ونهيه عنهما ؟!

3 ـ ما قولكم في تناقضات الألباني في تصحيحه وتضعيفه ، وقد سماه ابن باز: أمير المؤمنين الحديث ! وهل قرأتم كتاب السقاف: تناقضات الألباني البيِّنات؟!

4 ـ ما رأيكم في كتاب: (النصائح الكافية لمن يتولى معاوية) للحافظ الشافعي محمد بن عقيل الحضرمي ؟!

المسألة:161

محمد هو النبي الفعلي..لكن عمر أيضاً له درجة النبوة !

في صحيح البخاري:4/149: (عن أبي هريرة عن النبي(ص)قال: إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون ، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم ، فإنه عمر بن الخطاب) ! ورواه في البخاري:4/200، ومسلم:7/115، وقال: قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهمون , والترمذي:5%285 ، وقال: يعني مفهمون ، والحاكم:3/86 .

وقال ابن حجر في فتح الباري:7/41: (محدث أي يلقى في روعه... ويؤيده حديث: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه . أخرجه الترمذي من حديث بن عمر ... وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عمر نفسه ...

وقوله: وإن يك في أمتي ، قيل لم يورد هذا القول مورد الترديد ، فإن أمته أفضل الأمم ، وإذا ثبت أن ذلك وجد في غيرهم فإمكان وجوده فيهم أولى ، وإنما أورده مورد التأكيد كما يقول الرجل: إن يكن لي صديق فإنه فلان ، ويريد اختصاصه بكمال الصداقة ، لا نفي الأصدقاء ... وتمحضت الحكمة في وجودهم وكثرتهم بعد العصر الأول ، زيادة في شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيه ، وقد تكون الحكمة في تكثيرهم مضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء(ع) فيهم ، فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء(ع) فيها لكون نبيها خاتم الأنبياء(ص) عُوِّضوا بكثرة الملهمين . . . ويؤيده حديث: لو كان بعدي نبي لكان عمر ، فلو فيه بمنزلة إن في الآخر على سبيل الفرض والتقدير . . . والسبب في تخصيص عمر بالذكر ، لكثرة ما وقع له في زمن النبي(ص)من الموافقات التي نزل القرآن مطابقاً لها ! ووقع له بعد النبي(ص)عدة إصابات ) !!

وفي مسند أحمد:4/154، عن النبي(ص) : (لو كان من بعدي نبي ، لكان عمر بن الخطاب ) . (ورواه في مجمع الزوائد:9/68 ، والطبراني الكبير:17/180 و298 ، والجامع الصغير:2/435، وكشف الخفاء :2/154، وتاريخ دمشق:10/384، وتحفة الأحوذي:10/119 ، وقال: فيه إبانة عن فضل ما جعله الله لعمر من أوصاف الأنبياء وخِلال المرسلين(ع) ). انتهى.

وقال في فيض القدير:5/414: (ففيه إبانة عن فضل ما جعله الله لعمر من أوصاف الأنبياء وخلال المرسلين وقرب حاله منهم ... فكأن النبي(ص)أشار إلى أوصاف جمعت في عمر ، لو كانت موجبة للرسالة لكان بها نبياً ، فمن أوصافه قوته في دينه ، وبذله نفسه وماله في إظهار الحق ، وإعراضه عن الدنيا مع تمكنه منها ، وخَصَّ عمر مع أن أبا بكر أفضل ، إيذاناً بأن النبوة بالإصطفاء ، لا بالأسباب ... قال الحاكم: صحيح ، وأقره الذهبي ). انتهى.

وروى في كنز العمال:10/365 ، و:11/578 و579 ،و:12/596 و603، روايات كثيرة عن لسان النبي(ص) في فضائل عمر ، عن مصادر متعددة ، وفيها:إن الله عز وجل عند لسان عمر وقلبه ... إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه... لو لم أبعث فيكم لبعث عمر ، أيد الله عز وجل عمر بملكين يوفقانه ويسددانه ، فإذا أخطأ صرفاه حتى يكون صواباً ) !!

والنتيجة عند هؤلاء:أن عمر بن الخطاب مستكملٌ لجميع صفات النبوة والرسالة وإن لم يبعث فعلاً ، وبعث محمد بن عبدالله(ص) ! وهذا يعطيه مقام الشريك في نبوة نبينا(ص) عملياً ، ويجعل أقواله وأفعاله الى جنب أقوال النبي(ص) وأفعاله ! ويعطيه مقام الزميل للنبي(ص) حتى لو لم يؤاخه، وآخى علي بن أبي طالب(ع) !

ويبرر جميع اعتراضات عمر على النبي(ص) سواء وافقه فيها الوحي ، أم لا .

كما يعطيه مقام المهندس لنظام الحكم بعد النبي(ص) كما فعل في السقيفة ، بل مهندس مستقبل الأمة كله وأن له الحق في رفض كتابة النبي(ص) عهده !

وقد بلغ من غلوهم في عمر أنهم زعموا أن النبي(ص) كان يخاف أن يعزله الله من النبوة ويبعث عمر ، أو يبعث عمر رسولاً أول ، ويأمر نبينا(ص) أن يطيعه !

ففي الإحتجاج للطبرسي:2/248، أن المأمون بعدما زوج ابنته أم الفضل أبا جعفر محمد بن على الرضا(ع) كان في مجلس وعنده أبو جعفر(ع) ويحيى بن أكثم وجماعة كثيرة فقال له يحيى بن أكثم فيما قال: ( وقد روي أن النبي(ص)قال: ما احتبس الوحي عني قط ، إلا ظننته قد نزل على آل الخطاب . فقال(ع) : وهذا محال أيضاً لأنه لا يجوز أن يشك النبي(ص) في نبوته ، قال الله تعالى: اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ، فكيف يمكن أن تنتقل النبوة ممن اصطفاه الله تعالى إلى من أشرك به ؟!) . انتهى.

الأسئلة

1 ـ هل تقبلون قول المناوي: (وخَصَّ عمر مع أن أبا بكر أفضل ، إيذاناً بأن النبوة بالإصطفاء لا بالأسباب) . يقصد أن النبي(ص) خص عمر بأوصاف النبوة والرسالة مع أن أبا بكر أفضل منه ! فهل تجوَّزون أن يصطفي الله تعالى شخصاً نبياً أو رسولاً ، وفي الناس من هو أفضل منه ؟!

2 ـ ما دام اصطفاء الله تعالى لاقانون له بزعمكم ! فقد يكون عمر أفضل من النبي(ص) ! فيكون أبو بكر أفضل منهما !

وقد يكون كثيرون غير النبي(ص) أفضل منه عندكم أيضاً ، مثل عثمان وطلحة ومعاوية ، وعائشة وحفصة ! فما تقولون ؟!

3 ـ عندما يدور الأمر بين رأي الفاضل والمفضول ، فإن العقل يحكم بتقديم رأي الفاضل ، فهل تقدمون رأي أبي بكر ، ثم عمر ، ثم النبي(ص) ؟!

4 ـ كيف تفسرون قوله تعالى:إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبراهيم وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ .(آل عمران:33) فهل تقولون إن قوله(عَلَى الْعَالَمِينَ)اشتباه لأن النبوة اصطفاء لايقوم على التفضيل ؟!

وعندما تقرؤون قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ، آللهُ خَيْرٌ أما يُشْرِكُونَ. (النمل:59) هل تضيفون اليها: وسلامٌ على الذين هم أفضل منهم؟!

5 ـ هل تصححون حديث: (أيَّدَ الله عمر بملكين يوفقانه ويسددانه ، فإذا أخطأ صرفاه حتى يكون صواباً ) ! وهل تعتقدون بمضمونه ؟!

وعندما هاجم عمر بيت علي وفاطمة‘والممتنعين فيه عن البيعة وهددهم بإحراق البيت عليهم إن لم يخرجوا ويبايعوا أبا بكر ، وأراد قتل علي(ع) إن لم يبايع ! هل كان ذلك بتأييد الملكيْن المسدِّديْن له ؟!

المسألة: 162

تعظيمهم لأي خليفة قرشي وتفضيله على الرسول الهاشمي(ص) !!

يبدو أن أصحاب السقيفة خططوا لأن يسموا أبا بكر(خليفة رسول الله)وقد نجحوا في ذلك ، لكن بعض المتملقين زاد في الأمر فقال لأبي بكر: ياخليفة الله ، فنهاه أبو بكر كما في مسند أحمد:1/10و11: (قيل لأبي بكر يا خليفة الله ، فقال: أنا خليفة رسول الله(ص) ، وأنا راض به ، وأنا راض به ، وأنا راض). انتهى.

ورواه ابن أبي شيبة في المصنف:8/572 ، وقال عنه في الزوائد:5/184:(رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ، إلا ان ابن أبي مليكة لم يدرك الصديق).

قال السيد ابن طاوس في الطرائف ص404: (ومن طرائف أمر جماعة من المسلمين أنهم سموا أبا بكر خليفة رسول الله . ورأيت في بعض كتبهم أنهم خاطبوه أولاً يا خليفة الله ، فاختار هو أن يقال له يا خليفة رسول الله ! وقد ذكر ذلك الحميدي ، فما أعجب حال هؤلاء فإنه قد تقدمت رواياتهم في شرح حال بيعته أنه ما دعاه أحد الى الحضور ، وأنه توصل وحضر ، وبايعه عمر وأبو عبيدة قبل مشورة المسلمين ، فكيف صار خليفة رسولهم ؟ ولو سمى خليفة عمر لكان أقرب الى الصدق ، لأنه هو بايعه على الخلافة في ذلك اليوم .

ثم لو أن المسلمين جعلوه خليفة كان يجب أن يقال خليفة المسلمين !

والعجب أنهم يقولون إن نبيهم مات ولم يخلف أحداً ، ثم مع ذلك تقدموا مكابرة وقالوا أبو بكر خليفة رسول الله(ص) ! فكيف استحسنوا لأنفسهم هذه المناقضة الظاهرة والأحوال المضطربة ).

وتكررت هذه الحالة لعمر ، ففي شرح نهج البلاغة:12/94: (قال رجل لعمر يا خليفة الله ، قال: خالف الله بك ، قال: جعلني الله فداك ! قال: إذن يهينك الله).

وقد ردَّ علي(ع) تسميتهم هذه ، وجَبَهَ رسول أبي بكر بذلك ، كما في الإختصاص للمفيد ص185: (عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، عن جده قال: ما أتى على علي(ع) يومٌ قطُّ أعظمُ من يومين أتياه ، فأما أول يوم فاليوم الذي قبض فيه رسول الله(ص) . وأما اليوم الثاني ، فوالله إني لجالس في سقيفة بني ساعدة عن يمين أبي بكر والناس يبايعونه إذ قال له عمر: يا هذا لم تصنع شيئاً ما لم يبايعك عليٌّ فابعث إليه حتى يأتيك فيبايعك ، قال: فبعث قنفذاً ، فقال له: أجب خليفة رسول الله ، قال علي: لأسرع ما كذبتم على رسول الله(ص) ما خلَف رسول الله أحداً غيري ! فرجع قنفذ وأخبر أبا بكر بمقالة علي ، فقال أبو بكر: إنطلق إليه فقل له: يدعوك أبو بكر ويقول: تعال حتى تبايع ، فإنما أنت رجل من المسلمين ، فقال علي(ع) : أمرني رسول الله(ص) أن لا أخرج بعده من بيتي حتى أؤلف الكتاب ، فإنه في جرائد النخل وأكتاف الإبل . فأتاه قنفذ وأخبره بمقالة علي ، فقال عمر: قم إلى الرجل ، فقام أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وخالد بن الوليد ، والمغيرة بن شعبة ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وقمت معهم ، وظنَّت فاطمة أنه لايدخل بيتها إلا بإذنها ، فأجافت الباب وأغلقته ، فلما انتهوا إلى الباب ضرب عمر الباب برجله فكسره وكان من سعف ، فدخلوا على علي وأخرجوه ملبباً ) . انتهى. ونحوه في كتاب سليم ص147 ، وفيه: (سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله ، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا غيري ) .

وكذا في الإحتجاج للطبرسي:1/108، ونحوه في تفسير العياشي:2/66 ، وفيه: (قال: فأخرجوه من منزله ملبباً ومروا به على قبر النبي عليه وآله السلام قال: فسمعته يقول: ابْنَ أم إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي.. إلى آخر الآية! وجلس أبو بكر في سقيفة بني ساعدة وقدم عليٌّ فقال له عمر: بايع ، فقال له عليٌّ: فإن أنا لم أفعل فمه؟ فقال له عمر: إذا أضرب والله عنقك ! فقال له علي: إذا والله أكون عبدالله المقتول ، وأخا رسول الله . فقال عمر: أما عبد الله المقتول فنعم ، وأما أخو رسول الله فلا ، حتى قالها ثلاثاً ، فبلغ ذلك العباس بن عبد المطلب فأقبل مسرعاً يهرول ، فسمعته يقول: إرفقوا بابن أخي ولكم عليَّ أن يبايعكم ، فأقبل العباس وأخذ بيد عليٍّ فمسحها على يد أبي بكر ، ثم خلوه مغضباً ، فسمعته يقول ورفع رأسه إلى السماء: اللهم إنك تعلم أن النبي(ص) قد قال لي: إن تمُّوا عشرين فجاهدهم ، وهو قولك في كتابك: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مأتين. قال: وسمعته يقول: اللهم وإنهم لم يتموا عشرين ، حتى قالها ثلاثاً ، ثم انصرف) . انتهى.

فقد تمَّت خلافة أبي بكر بتهديد قريش للناس وإجبارهم على بيعته ، ومع ذلك سموه خليفة رسول الله(ص) ، وشهدوا على أنفسهم أنه لم يستخلفه .

وعندما أوصى أبو بكر الى عمر سموه ( خليفة خليفة رسول الله ) فاستطالها عمر فسمى نفسه (أمير المؤمنين) ! قال الطبري في تاريخه:3/277: ( لما وليَ عمر قيل: يا خليفة خليفة رسول الله ، فقال عمر: هذا أمر يطول ، كلما جاء خليفة قالوا: يا خليفة خليفة خليفة رسول الله ، بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم فسمي أمير المؤمنين ) . انتهى. ورواه ابن عساكر:30/297، وابن شبة في تاريخ المدينة: 2/678 ، وفيه: ( فقال عمر: إن هذا لكثير ، فإذا متُّ أنا فقام رجل مقامي قلتم: خليفة خليفة رسول الله ، أنتم المؤمنون وأنا أميركم . فهو سمى نفسه ) . انتهى.

واستمر إسم أمير المؤمنين للحاكم في زمن عثمان ، ولم يطلقوا عليه إسم خليفة ، ثم حكم عليٌّ(ع) فسموه أمير المؤمنين والوصي والخليفة ، لأنهم سمعوا ذلك من النبي(ص) ورووه .

 

وعندما تغلب معاوية لم يكتف بإسم أمير المؤمنين ، فسمى نفسه خليفة النبي (ص) ! ثم لم يكتف بذلك فسمى نفسه (خليفة الله) !

ففي مروج الذهب للمسعودي:3/52: ( قال معاوية يوماً ، وعنده صعصعة وكان قدم عليه بكتاب علي وعنده وجوه الناس: الأرض لله وأنا خليفة الله ، فما أخذت من مال الله فهو لي ، وما تركت منه كان جائزاً لي . فقال صعصعة:

تُمَنِّيكَ نفسُكَ ما لايكو نُ جهلاً معاويَ لا تأثمِ

فقال معاوية: يا صعصعة تعلمت الكلام! قال: العلم بالتعلم ، ومن لايعلم يجهل. قال معاوية: ما أحوجك إلى أن أذيقك وبال أمرك !

قال: ليس ذلك بيدك ، ذلك بيد الذي لايؤخر نفساً إذا جاء أجلها .

قال: ومن يحول بيني وبينك ؟ قال: الذي يحول بين المرء وقلبه .

قال معاوية: اتسع بطنك للكلام كما اتسع بطن البعير للشعير .

قال: اتسع بطن من لا يشبع ، ودعا عليه من لا يجمع ) !! انتهى.

وبتشجيع معاوية سموا عثمان بعد وفاته خليفة الله ! فقد قال شاعرهم ، ونسبوه الى ليلى الأخيلية ! كما في الطبراني الكبير:1/86 ، ومجمع الزائد:9/99:

أبعد عثمان ترجو الخير أمته قد كان أفضل من يمشي على ساق

خليفة الله أعطاهم وخولهم من كان من ذهب حلو وأوراق

فلا تكذِّب بوعد الله واتَّقِهِ ولا تكوننَّ من شـئ بإشفـاق

ولا تقولنْ لشئ سوف أفعله قد قدر الله مـا كل أمـرئ لاق

وتمادى خلفاء بني أمية من بني مروان في استعمال لقب خليفة الله واسغلاله للدعاية للحاكم الأموي ! قال السيد مرتضى في صحيح السيرة:1/29: (وكان من سياسات الأمويين تفضيل الخليفة الأموي على رسول الله(ص) ، يقول الجاحظ:

1 ـ فأحسب أن تحويل القبلة كان غلطاً ، وهدم البيت كان تأويلاً ، وأحسب ما روي من كل وجه: أنهم كانوا يزعمون: أن خليفة المرء في أهله أرفع عنده من رسوله إليهم . (رسائل الجاحظ:2/16) .

2 ـ ويقول أيضاً عن بني هاشم: ولم يجعلوا الرسول دون . أي كما فعله الأمويون . (آثار الجاحظ ص205) .

3 ـ قال الجاحظ: خطب الحجاج بالكوفة ، فذكر الذين يزورون قبر رسول الله (ص) بالمدينة ، فقال: تباً لهم ، إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية ! هلاَّ طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك؟! ألايعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله؟ يقول المبرد: إن ذلك مما كفرت به الفقهاء الحجاج . وأنه إنما قال ذلك والناس يطوفون بالقبر . وهذه القضية معروفة ومشهورة .

( راجع: النصائح الكافية ص 81 عن الجاحظ ، والكامل في الأدب:1/222 ط النهضة بمصر ، وثرح النهج للمعتزلي:15/242 والبداية والنهاية:9/131 وسنن أبي داود:4/209 والعقد الفريد: 5/51 والاشتقاق ص 188 ووفيات الاعيان:2/7 والالمام:4/ 313 / 314 وفيه أن ذلك هو سبب خروجهم مع ابن الأشعث ، وراجع تهذيب تاريخ دمشق:4/ 72 وبهج الصباغة:5/291 و 319 و 338 عن العقد الفريد ، وعن كتاب افتراق بني هاشم ، وعبد شمس للجاحظ ) .

4 ـ وكتب الحجاج إلى عبد الملك: إن خليفة الرجل في أهله أكرم عليه من رسوله إليهم ، وكذلك الخلفاء يا أمير المؤمنين أعلى منزلة من المرسلين.

( العقد الفريد:2/354 و:5/51 وراجع ص52 وراجع: البداية والنهاية:19/131 وتهذيب تاريخ دمشق:4/72 وبهج الصباغة:5/317 ).

5 ـ قال خالد بن عبد الله القسري ، وذكر النبي(ص) : أيما أكرم رسول الرجل في حاجته أو خليفته في أهله! يعرض أن هشاماً خيرمن النبي(ص) .(الأغاني:19/60).

6 ـ ويقول خالد القسري أيضاً: والله لأمير المؤمنين أكرم على الله من أنبيائه ! (الأغاني:19/60 ، وراجع: تهذيب تاريخ دمشق:5/82 ).

7 ـ وزعم خالد القسري أيضاً: أن عبد الله بن صيفي سأل هشاماً ، فقال: يا أمير المؤمنين أخليفتك في أهلك أحب إليك وآثر عندك ، أم رسولك ؟!

قال هشام: بل خليفتي في أهلي . قال: فأنت خليفة الله في أرضه وخلقه ، ومحمد رسول الله (مرَّ) إليهم ؟ فأنت أكرم على الله منه .

فلم ينكر هذه المقالة من عبد الله بن صيفي ، وهي تضارع الكفر . إنتهى كلام خالد . ( الأخبار الطوال ص 346 ).

8 ـ وقد ادعى الحجاج أن خبر السماء لم ينقطع عن الخليفة الأموي. (تهذيب تاريخ دمشق:4/72 ).( 4 ) وكان الحجاج يرى: أن عبد الملك بن مروان معصوم !

( العقد الفريد:5/25) . بل كان يرى نفسه: أنه لا يعمل إلا بوحي من السماء ، وذلك حينما أخبروه أن أم أيمن تبكي لانقطاع الوحي بموت رسول الله(ص) ! ( تهذيب تاريخ دمشق:4/ 73 ، وراجع: الإمام الصادق والمذاهب الاربعة:1/115) .

ولا عجب بعد هذا إذا عرفنا أن البعض يقول: إن من خالف الحجاج فقد خالف الإسلام ! (لسان الميزان:6/89 ). والذي يلفت نظرنا هنا: أننا نجد الوهابيين ينفذون السياسات الأموية هذه بأمانة ودقة ، حتى إن زعيمهم محمد بن عبد الوهاب يقول عن النبي(ص) : إنه طارش ! وبعض أتباعه يقول بحضرته أو يبلغه فيرضى: عصاي هذه خيرٌ من محمد ، لأنه ينتفع بها في قتل الحية والعقرب ونحوها ، ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع ، وإنما هو طارش) !! .(كشف الارتياب ص 139 عن خلاصة الكلام ص230 ، والطارش هو: الرسول في الحاجة ) ! . اانتهى.

وقال في شرح نهج البلاغة:15/242: (فأما الكعبة فإن الحجاج في أيام عبد الملك هدمها ، وكان الوليد بن يزيد يصلي إذا صلى أوقات إفاقته من السكر إلى غير القبلة ! فقيل له ، فقرأ: (فأينما تولوا فثم وجه الله )... قال: وكانت بنو أمية تختم في أعناق المسلمين كما تُوسَمُ الخيل علامة لاستعبادهم . وبايع مسلم بن عقبة أهل المدينة كافة ، وفيها بقايا الصحابة وأولادها وصلحاء التابعين ، على أن كلاً منهم عبدٌ قِنٌّ لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية ، إلا عليَّ بن الحسين فإنه بايعه على أنه أخوه وابن عمه .

قال: ونقشوا أكف المسلمين علامة لاسترقاقهم ، كما يصنع بالعلوج من الروم والحبشة . وكانت خطباء بني أمية تأكل وتشرب على المنبر يوم الجمعة لإطالتهم في الخطبة ، وكان المسلمون تحت منبر الخطبة يأكلون ويشربون)!!

وعلى هذا النهج سار خلفاء بني العباس ! قال السيد المرتضى في الأمالي:1/98: (وأخبرنا المرزباني ، عن محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا محمد بن الحسن اليشكري قال: قيل لأبي حاتم: من أشعر الناس ؟ قال: الذي يقول:

ولها مبسـم كغـرِّ الأقاحـي وحديث كالوشي وشي البرود

نزلت في السواد من حبة القلـ ــب ونالت زيادة المستزيد

عندها الصبر عن لقاي وعندي زفراتٌ يأكلنَ صبر الجليـد

يعني بشاراً . قال: كان يقدمه على جميع الناس ، ولما قال بشار:

بنـي أميـة هُبُّـوا طال نومكمُ إن الخليفة يعقوب بن داود

ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا خليفة الله بين الناي والعود

فبلغ المهدى ذلك فوجد عليه ، وكان سبب قتله !) . انتهى.

ولكن النص التالي يدلنا على أن الحس الإجتماعي للأمة تقبَّل لقب خليفة النبي (ص) ولم يتقبل لقب (خليفة الله ) .

ففي تاريخ بغداد:2/301:(قال أبو معاوية: دخلت على هارون يعني أمير المؤمنين فقال لي: يا أبا معاوية هممت أنه من ثبت خلافه علي فعلت به وفعلت به ، فسكتُّ ، فقال لي: تكلم تكلم ! قال قلت: إن أذنت لي تكلمت . قال: تكلم .

فقلت: يا أمير المؤمين ، قالت تيمٌ: منا خليفة رسول الله(ص) ، وقالت عديٌّ: منا خليفة خليفة رسول الله(ص) ، وقالت بنو أمية: منا خليفة الخلفاء ، فأين حظكم يابني هاشم من الخلافة ، والله ما حظكم فيها إلا ابن أبي طالب ! فقال: والله يا أبا معاوية ، لايبلغني أن أحداً لم يثبت خلافة علي ، إلا فعلت به كذا وكذا)!! انتهى.

وجاء دور الفقهاء الباحثين أو المبررين ! قال الشربيني في مغني المحتاج:4/132: (تجب طاعة الإمام وإن كان جائراً فيما يجوز من أمره ونهيه ، لخبر: إسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي مجدَّع الأطراف ، ولأن المقصود من نصبه اتحاد الكلمة ، ولا يحصل ذلك إلا بوجوب الطاعة.....ويجوز تسمية الامام: خليفة ، وخليفة رسول الله ، وأمير المؤمنين . قال البغوي: وإن كان فاسقاً. وأول من سمي به عمر بن الخطاب ، ولا يجوز تسميته بخليفة الله تعالى ، لأنه إنما يستخلف من يغيب ويموت ، والله تعالى منزه عن ذلك).انتهى .

ودليل البغوي ضعيف ، لأن الله تعالى قال: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، مع أنه تعالى حيٌّ لايموت، والدليل الصحيح: أن خليفة الله وخليفة الرسول منصب يحتاج الى نص من الله أو رسوله ، وإلا كان ادعاءً وافتراءً .

وقال النووي في الأذكار ص360: (ينبغي أن لايقال للقائم بأمر المسلمين خليفة الله ، بل يقال الخليفة ، وخليفة رسول الله(ص) ، وأمير المؤمنين . روينا في شرح السنة للإمام أبي محمد البغوي قال: لا بأس أن يسمى القائم بأمر المسلمين أمير المؤمنين ، والخليفة ، وإن كان مخالفاً لسيرة أئمة العدل ، لقيامه بأمر المؤمنين وسمع المؤمنين له . قال: ويسمى خليفة ، لأنه خلف الماضي قبله وقام مقامه . قال: ولا يسمى أحد خليفة الله تعالى بعد آدم وداود عليهما الصلاة والسلام . قال الله تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً ، وقال تعالى: يَا دَاوُدُ أنا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض . وعن ابن أبي مليكة أن رجلاً قال لأبي بكر الصديق: يا خليفة الله ، فقال: أنا خليفة محمد (ص)وأنا راض بذلك . وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: ياخليفة الله فقال: ويلك لقد تناولت تناولاً بعيداً إن أمي سمتني عمر ، فلو دعوتني بهذا الإسم قبلت ، ثم كبرت فكنيت أبا حفص ، فلو دعوتني به قبلت ، ثم وليتموني أموركم فسميتوني أمير المؤمنين، فلو دعوتني بذاك كفاك .

وذكر الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه الأحكام السلطانية أن الإمام سمي خليفة ، لأنه خلف رسول الله (ص)في أمته ، قال: فيجوز أن يقال الخليفة على الإطلاق ، ويجوز خليفة رسول الله . قال: واختلفوا في جواز قولنا خليفة الله ، فجوزه بعضهم لقيامه بحقوقه في خلقه ، ولقوله تعالى: هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ، وامتنع جمهور العلماء من ذلك ، ونسبوا قائله إلى الفجور ، هذا كلام الماوردي . قلت: وأول من سمي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، لاخلاف في ذلك بين أهل العلم ). انتهى.

وقال الإمام الزيدي يحيى بن الحسين، في الأحكام:2/505: (من حكم بحكم الله وعدل في العباد وأصلح البلاد ، من أهل بيت النبي المصطفى ، فهو خليفة الله العلي الأعلى ، إذا كانت فيه شروط الإمامة وعلاماتها وحدودها وصفاتها ، وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ( من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله ). انتهى.

أما نحن الإمامية فنحصر لقب خليفة الله تعالى ، وخليفة النبي(ص) ، في من ثبت لهم النص بذلك وهم آدم وداود‘ونبينا وعترته(ص) الأئمة الإثنا عشر(ع) . ونقول إن المقصود بقوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً، (سورة البقرة:30) ، شخص آدم(ع) وليس نوع الإنسان ، والمقصود بقوله تعالى لقوم عاد: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً، (الأعراف:69) ، المعنى اللغوي ، أي جعلكم جيلاً بعدهم وارثاً لهم ، وليس مقام الخلافة الإلهية ، وكذلك قوله لقوم هود: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَأَكُمْ فِي الأرض ، بدليل ذمه تعالى لقوم عاد وهود وإهلاكهم .

أما قوله تعالى:أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرض الَهٌ مَعَ اللهِ قليلاً مَا تَذَكَّرُونَ ، (النمل:62) فهو وعدٌ إلهي باستخلاف الأمة الإسلامية ، بجعل الإمام المهدي(ع) خليفته في الأرض ، ليملأها قسطاً وعدلاً .

وكذلك نحصر لقب أمير المؤمنين بعلي(ع) , لنص رسول الله(ص) . ففي عيون أخبار الرضا(ع) :1/16: (عن الحسين بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب(ع) قال قال رسول الله(ص) : لكل أمة صديق وفاروق ، وصديق هذه الأمة وفاروقها علي بن أبي طالب ، وإنه سفينة نجاتها وباب حطتها ، وإنه يوشعها وشمعونها وذو قرنيها . معاشر الناس: إن علياً خليفة الله ، وخليفتي عليكم بعدي ، وإنه لأمير المؤمنين وخير الوصيين ، من نازعه فقد نازعني ، ومن ظلمه فقد ظلمني ، ومن غالبه فقد غالبني ، ومن بره فقد برنى ، ومن جفاه فقد جفاني ، ومن عاداه فقد عاداني ، ومن والاه فقد والاني ، وذلك أنه أخي ووزيري ، ومخلوق من طينتي ، وكنت أنا وهو نوراً واحداً ) .

وفي الكافي:1/193، عن الإمام الرضا(ع) قال: ( الأئمة خلفاء الله عز وجل في أرضه). وعن الإمام الصادق(ع) ، في قوله تعالى:وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، قال: هم الأئمة).

وفي خصائص الأئمة للشريف الرضي ص105: (عن أبي صالح ، عن كميل بن زياد النخعي قال: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فأخرجني إلى الجبان ، فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال: يا كميل بن زياد ، إن هذه القلوب أوعيةٌ فخيرها أوعاها ، فاحفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة ، فعالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق . . . الى أن قال:

اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة ، أما ظاهراً مشهوراً ، أو خافياً مغموراً ، لئلا تبطل حجج الله وبيناته ، وكم ذا وأين أولئك ، أولئك والله الأقلون عدداً ، والأعظمون قدراً ، بهم يحفظ الله حججه وبيناته ، حتى يودعوها نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، وباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقةٌ بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه . آه آه شوقا إلى رؤيتهم ! إنصرف إذا شئت ) . انتهى.

الأسئلة

1 ـ ماجوابكم على قول السيد ابن طاوس: ( والعجب أنهم يقولون إن نبيهم مات ولم يخلف أحداً ، ثم مع ذلك تقدموا مكابرة وقالوا أبو بكر خليفة رسول الله(ص) ، فكيف استحسنوا لأنفسهم هذه المناقضة الظاهرة )؟!

2 ـ ما رأيكم في قول علي(ع) : (قال علي: لأسرع ما كذبتم على رسول الله(ص) ما خلَف رسول الله أحداً غيري) ؟! وهل يقصد فيه استخلافة له يوم غدير خم إذ رفع بيده وأوصى المسلمين قائلاً: ( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى ، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه ) ؟

3 ـ كيف تحكمون ببطلان بيع السلعة المعقار بالإجبار والإكراه ، وتصححون بيعة المسلمين بالإكراه ؟ وإن كانت البيعة بالإكراه باطلة فماحكم تهديد عمر لعلي وفاطمة‘ بإحراق بيتهما إن لم يبايعا ؟!

4 ـ ما رأيكم في قول معاوية: (الأرض لله وأنا خليفة الله ، فما أخذت من مال الله فهو لي ، وما تركت منه كان جائزاً لي ) ؟!

5 ـ ما قولكم فيما نسب الى إمامكم الشيخ محمد عبد الوهاب: ( عصاي هذه خير من محمد) ! وإن ناقشتم في صحة نسبة ذلك اليه ، فهل تقولون إن رسول الله (ص) ينفع الآن أم لا ؟ فإن قلتم نعم فلماذا تحرمون التوسل به ، وتحكمون بكفر من قال (يا رسول الله إشفع لي الى الله) ؟!

وإن قلتم لاينفع ، فقد قبلتم القول بأن عصا أحدكم أنفع من رسول الله(ص) !!

6 ـ ما رأيكم في فتوى الشربيني: ( يجوز تسمية الامام: خليفة ، وخليفة رسول الله ، وأمير المؤمنين . قال البغوي: وإن كان فاسقاً. وأول من سمي به عمر بن الخطاب )؟ وما هو الدليل على ذلك بسند صحيح عندكم ؟

7 ـ ماهو دليكم على تسميتكم الفساق الفجار الطغاة: خلفاء الله في أرضه ، وتسميتكم الفاسق الفاجر: خليفة رسول الله(ص) ؟!

وما جوابكم لله تعالى ولرسوله(ص) إذا سألاكم عن الإفتراء عليهما بأنهما استخلفاهم ؟!