المسألة: 155

زعموا أن عمر أمر النبي(ص) أن يحجب نساءه فلم يطعه فنزل الوحي!

يتعجب الإنسان من طريقتهم في مدح عمر ، فكأنهم لايستطيعون أن يمدحوه إلا بالطعن بالنبي(ص) ! وكأن المطلوب تفضيله على رسول الله(ص) !

ومن ذلك ما زعموه في سبب نزول آية الحجاب ، من أن عمر كان يقول للنبي(ص) : أحجب نساءك ، فلم يكن رسول الله يفعل ! فنزل الوحي موافقاً لرأي عمر ، وأمر الله تعالى نبيه(ص) أن يحجب نساءه ! ( البخاري:1/46)

إن كثرة رواياتهم في ذلك تجعل القارئ يَتخَيَّل أن نساء النبي(ص) كنَّ غير محجبات ، وأن النبي(ص) قصَّرَ أو تسامح في حجابهن ! مع أن الواقع أنهن كنَّ محجبات كغيرهن ، وكانت سورة النور قد نزلت وفيها آيات عديدة حول الحجاب وآداب الأسرة والإختلاط . أما آية الحجاب في سورة الأحزاب فزادت في حجابهن بأن فرضت عليهنَّ أن لا يكلمن الرجال الأجانب إلا من وراء ستر .، وهذه آيات الحجاب في سورة النور:

( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلامَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلايُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الآرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جميعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . (سورة النور:30–31 )

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَئْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَوةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاعَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيات وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .

وإذا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَئْذِنُوا كَمَا اسْتَئْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .

وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لايَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ). (سورة النور:58 ـ 60)

وهذه آيات تشديد الحجاب على نساء النبي(ص) في سورة الأحزاب:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً . وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فإن اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا. يَا نِسَاءَ النبي مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا . وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا .

يَانِسَاءَ النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاتَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قولاً مَعْرُوفًا . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إنما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً . وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لطيفاً خَبِيرًا) . (سورة الأحزاب:28 ـ 34)

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ أنا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الْلاتِي أتيت أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنبي إِنْ أراد النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَىْ لا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا .

تُرْجِى مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُئْوِى إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا .

لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَئٍْ رَقِيبًا .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتَدْخُلُوا بُيُوتَ النبي إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلامُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النبي فَيَسْتَحْيِى مِنْكُمْ وَاللهُ لايَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عظيماً .

إِنْ تُبْدُوا شيئاً أَوْ تُخْفُوهُ فإن اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَئٍْ عَلِيمًا .

لاجُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاأَبْنَائِهِنَّ وَلاإِخْوَانِهِنَّ وَلاأَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاأَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلانِسَائِهِنَّ وَلامَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَئٍْ شَهِيدًا.

إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا .

وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا .

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا .

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لايُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قليلاً . مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً . سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً ). (سورة الأحزاب:50 ـ 62)

وسياق الآيات واضح في أن الله تعالى أراد من نساء نبيه(ص) أن يتحلَّيْنَ بمتانة الشخصية ورصانة الكلام: فَلاتَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ، وأن لا يكثرن الرواح والمجئ ، ولايتصدَّيْنَ للأمور السياسية:وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ، وأن يكنَّ في مستوى مسؤولية كونهن زوجات النبي(ص) ، وفي مستوى مقام أمهات المؤمنين الذي أعطاه الله لهن ، وإلا.. فليتنحَّيْنَ من حياة رسول الله(ص) !

وواضح أيضاً أن الظروف التي كانت تحيط بالنبي(ص) كانت مؤذية له في نبوته ، وشخصه ، وأهل بيته ، ونسائه .

آية الحجاب

مقصودهم بآية الحجاب قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتَدْخُلُوا بُيُوتَ النبي إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلامُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النبي فَيَسْتَحْيِى مِنْكُمْ وَاللهُ لايَسْتَحْيىمِنَ الْحَقِّ وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَاكَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاأَنْ تَنْكِحُواأَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عظيماً ) .

وهي آية واحدة فيها ثلاثة أحكام: أدب الدخول الى بيت النبي(ص) . وحرمة تكليم نسائه إلا من وراء حجابٍ وسترٍ ، وقد سميت بآية الحجاب لذلك . وحرمة الزواج بهنَّ بعد وفاة النبي(ص) ، لأنهن أمهات المؤمنين .

سبب نزول آية الحجاب

من الأكاذيب التي تكثر في أسباب النزول أنهم رووا لنزول آية الحجاب أسباباً عديدة متناقضة ، كل واحد منها سبباً مباشراً نزلت الآية على أثره! وأكثر ما قبلوه منها قول عمر إنه أمر النبي(ص) أن يحجب نساءه فلم يفعل ، فنزلت الآية !

وعند التأمل فيها تجد منها سببين معقولين ينبغي قبولهما ورد ما سواهما ، لأن الآية نصَّت على أحدهما وأشارت الى الآخر:

فقد نصت الآية على أن رجلين أثقلا على النبي(ص) وجلسا بعد وليمته ، وأطالا الجلوس: (وَلا مُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النبي فَيَسْتَحْيِى مِنْكُمْ وَاللهُ لايَسْتَحْيىمِنَ الْحَقِّ) . وهو ينطبق على ما رواه أنس من نزولها على أثر وليمة النبي(ص) بعد زواجه من زينب بنت جحش .

كما أشارت الآية الى أن بعضهم كان يؤذي النبي(ص) في أمر نسائه:(وَمَاكَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) ، وهذا ينطبق على مارووه من سوء أدب طلحة مع النبي(ص) في أمر عائشة ، بحجة أنها ابنة عمه ، لأنها من عشيرته بني تَيْم ، فنزلت الآية على أثره !

روايات السبب الأول: تأخر الثقلاء في بيت النبي(ص)

روى البخاري:6/24 ، عن أنس قال: (أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب . لما أهديت زينب بنت جحش إلى رسول الله(ص)وكانت معه في البيت ، صنع طعاماً ودعا القوم فقعدوا يتحدثون ، فجعل النبي(ص)يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون ، فأنزل الله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ... الى قوله: مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، فضُرب الحجاب وقام القوم) .

وفي البخاري:6/26، عن أنس قال: (أَوْلَمَ رسول الله(ص)حين بنى بزينب ابنة جحش ، فأشبع الناس خبزاً ولحماً ، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيسلم عليهن ويدعو لهن ويسلمن عليه ويدعون له ، فلما رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث ، فلما رآهما رجع عن بيته ، فلما رأى الرجلان نبي الله(ص)رجع عن بيته وثبا مسرعين ، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أُخبر ، فرجع حتى دخل البيت ، وأرخى الستر بيني وبينه ، وأنزلت آية الحجاب) . انتهى.

ورواه البخاري بروايات أيضاًتحت عنوان: (باب قوله: لاتَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ. وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلامُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لايَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاأَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً).(الأحزاب:53) ثم رواه في مواضع أخرى مثل:6/142 ، وقال أيضاً في: 8/176: (سمعت أنس بن مالك يقول: نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذ خبزاً ولحماً ، وكانت تفخر على نساء النبي وكانت تقول:إن الله أنكحني في السماء).انتهى. (ورواه أيضاً في الأدب المفرد ص225 ).

وفي مسلم:4/151: (قال فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة فقال رسول الله (ص): ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه ، قال: فأكلوا حتى شبعوا ، قال فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم ، فقال لي يا أنس إرفع ، قال: فرفعت فما أدري حين وُضعتْ كان أكثر أم حين رُفعت ! قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله(ص)ورسول الله جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط ، فثقلوا على رسول الله ... ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيراً حتى خرج عليَّ وأنزلت هذه الآية ).

فهذا السبب المروي بأسانيد صحيحة لا بد من قبوله ، لأن الآية تنص عليه .

روايات السبب الثاني: إيذاؤهم للنبي(ص)

رواه السيوطي في الدر المنثور:5/214: (وأخرج ابن سعد ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في قوله: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ.. قال: نزلت في طلحة بن عبيد الله ، لأنه قال: إذا توفي رسول الله(ص)تزوجْتُ عائشة !!

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدِّي قال: بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من بعدنا ! لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده ! فنزلت هذه الآية !

وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس أن رجلاً أتى بعض أزواج النبي(ص)فكلمها وهو ابن عمها ، فقال النبي(ص): لاتقومَنَّ هذا المقام بعد يومك هذا! فقال: يا رسول الله إنها ابنة عمي ، والله ما قلت لها منكراً ولا قالت لي ! قال النبي: قد عرفت ذلك ، إنه ليس أحد أغْيَرُ من الله ، وإنه ليس أحد أغيرُ مني! فمضى ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمي ! لأتزوجنها من بعده ! فأنزل الله هذه الآية) !!

ورواه البيهقي في سننه:7/69: (عن ابن عباس قال: قال رجل من أصحاب النبي(ص): لو قد مات رسول الله(ص)لتزوجت عائشة أو أم سلمة ، فأنزل الله عز وجل: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاأَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً) .

وقال الطبري في تفسيره:22/50:(ذكر أن ذلك نزل في رجل كان يدخل قبل الحجاب ، قال: لئن مات محمد لأتزوجن امرأة من نسائه سماها ، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاأَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً. ذكر من قال ذلك...وروى الطبري فيه عن ابن زيد قال:(ربما بلغ النبي (ص) أن الرجل يقول: لو أن النبي(ص)توفي تزوجت فلانة من بعده ، قال: فكان ذلك يؤذي النبي(ص)فنزل القرآن: وَمَاكَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ..الآية). انتهى.

وفي أسباب النزول للواحدي ص243: (قال رجل من سادة قريش: لو توفي رسول الله(ص)لتزوجت عائشة ، فأنزل الله تعالى ما أنزل ).

وفي معاني القرآن للنحاس:5/373:(قال قتادة: قال رجل من أصحاب رسول الله(ص):إن مات رسول الله زوجت فلانة ، قال معمر: قال هذا طلحة لعائشة).

أما من طرقنا ، ففي تفسير التبيان:8/358: (وقال السدي: لما نزل الحجاب قال رجل من بني تيم أنحجب من بنات عمنا ؟! إن مات عَرَّسْنا بهنَّ ، فنزل قوله: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً) .

وفي تفسير نور الثقلين:4/298: (كان سبب نزولها أنه لما أنزل الله: النَّبِيُّ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفسهم وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ، وحرَّم الله نساء النبي(ص) على المسلمين ، غضب طلحة فقال: يحرِّم محمدٌ علينا نساءه ويتزوج هو نساءنا !

لئن أمات الله محمداً لنركضن بين خلاخيل نسائه كماركض بين خلاخيل نساءنا !! فأنزل الله عز وجل: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاأَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيما). انتهى.

ولا يتسع المجال لأن نستقصي روايات الفريقين المستفيضة في الموضوع، وطرقها عديدة ، وبعض أسانيدها صحيحة ، وكلها تؤيد ما أشارت اليه الآية ، ومادل عليه السياق من إيذاء بعض مرضى القلوب للنبي(ص) في زوجاته !

روايات الأسباب الأخرى المزعومة

يدعي عمر أنه هو السبب في نزول آية الحجاب ، وأنه قال للنبي(ص) أحجب نساءك ، فإنه يدخل عليك البر والفاجر ، ويراهنَّ الرجال ويكلمونهن ، فلم يسمع النبي كلامي ! لكن الله سمع كلامي ووافقني وأنزل آية الحجاب !!

قال البخاري:5/149و:6/24: (قال قال عمر: وافقت الله في ثلاث ، أو وافقني ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ وقلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ، فأنزل الله آية الحجاب) . وفي:1/105: ( فإنه يكلمهن البر والفاجر ).

وروى البخاري أن عائشة صدَّقت عمر ، قال في:1/46: (باب خروج النساء إلى البراز...عن عائشة: إن أزواج النبي(ص)كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفْيَح ، فكان عمر يقول للنبي: أحجب نساءك ، فلم يكن رسول الله يفعل ! فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة ! حرصاً على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله الحجاب) !!

ورواه البخاري في:7/128، وفيه: (قالت: فأنزل الله عز وجل آية الحجاب) .

وروى البخاري أن عائشة سحبت تصديقها لعمر !

قالت في مرة أخرى إن مشاهدة عمر لسودة كانت بعد نزول آية الحجاب ، وإن الوحي نزل يومها لم يطع عمر! قال البخاري:6/26: (خرجَتْ سوْدة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها ، وكانت امرأة جسيمة لاتخفى على من يعرفها ، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أما والله ما تخفيْن علينا ، فانظري كيف تخرجين!

قالت فانكفأتْ راجعةً ورسول الله في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عِرْقٌ ، فدخلتْ فقالت: يارسول الله إني خرجتُ لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ، ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه ، فقال: إنه قد أذن لكنَّ أن تخرجن لحاجتكن ). انتهى.

فهذه الرواية الصحيحة عندهم أيضاً صريحة في أن قصة مشاهدة عمر لسورة كانت بعد فرض الحجاب ونزول آيته ، وأن الذي نزل فيها ليس آية الحجاب بل ترخيص نساء النبي(ص) بالخروج من بيت النبي(ص) لحاجتهن .

ثم سحبت عائشة تصديقها لعمر ولنفسها !

قالت كما في الأدب المفرد للبخاري ص225: (كنت آكل مع النبي (ص)حَيْساً فمرَّ عمر فدعاه فأكل ، فأصابت يده إصبعي فقال حِسْ ، لو أُطاع فيكن مارأتكن عين ، فنزل الحجاب ) . انتهى .

وقد وثقه في مجمع الزوائد:7/ 93 فقال: (رواه الطبراني في الأوسط ، ورجاله رجال الصحيح ، غير موسى بن أبي كثير ، وهو ثقة ). انتهى.

وقال عنه في الدر المنثور:5/213: (وأخرج النسائي ، وابن أبي حاتم ، والطبراني وابن مردويه ، بسند صحيح عن عائشة قالت: كنت أكل مع النبي(ص)طعاماً في قعب فمر عمر فدعاه فأكل فأصابت إصبعه إصبعي فقال عمر: أوه ، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين ! فنزلت آية الحجاب ) ! انتهى.

وهذ الرواية الصحيحة عندهم تجعل غِيرةَ عمر وتقواه ، سبب نزول آية الحجاب ، وأنه كان يتأسف لأن النبي(ص) لا يطيعه ! فيقول:(لو أطاع فيكن) ! ولا تذكر أن النبي(ص) كرهَ أن تمسَّ يد زوجته يد رجل أجنبي !

النبي(ص) أكثر غيرةً من عائشة وعمر !

فقد قال مجاهد إن النبي(ص) كره ما حدث وكانت كراهته سبب نزول الآية !

قال في فتح الباري:1/219: ( وروى بن جرير في تفسيره من طريق مجاهد قال: بينما النبي(ص)يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم إذ أصابت يد رجل منهم يدها ، فكره النبي(ص)ذلك فنزلت آية الحجاب ) . انتهى .

فهذه الرواية تشهد للنبي(ص) بالغيرة والحمد لله ، وتجعل سبب نزول آية الحجاب كراهية النبي(ص) لما حدث ، ولا تجعل سبب نزولها كراهية عمر لعدم إطاعة النبي(ص) له في أمر أزواجه !

عبدالله بن عمر يردُّ قول أبيه لإثبات منقبة لأبيه !

ومن تناقضهم في الموضوع ما رواه أحمد:1/456 ، عن عبد الله بن عمر قال: (فَضُلَ الناسَ عمرُ بن الخطاب بأربع: بذكر الأسرى يوم بدر أمر بقتلهم فأنزل الله عزوجل: لَّوْلاَكِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، وبذكره الحجاب ، أمر نساء النبي(ص)أن يحتجبن فقالت له زينب: وإنك علينا يا ابن الخطاب والوحي ينزل في بيوتنا؟! فأنزل الله عز وجل: وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ! وبدعوة النبي(ص) له اللهم أيد الإسلام بعمر ، وبرأيه في أبي بكر ، كان أول الناس تابعه) ! انتهى.

فقد جعل ابن عمر نزول آية الحجاب بسبب كلام عمر ، لكن ليس على أثر تعرضه لسودة ، ولا على أثر أنَّ يده مسَّت يد عائشة ، بل على أثر مجادلته مع زينب بعد زواج النبي(ص) بها !

فأين صارت مقولة عمر .. وهذه عائشة ترده ، وهذا مجاهد يردهما ؟! وهذا أنس يشهد أن نزول الآية لاعلاقة له بغيرة عمر ، ولا بمس يد أجنبي ليد عائشة؟!

وهذا ابن عمر يقول إن نزول الآية تأخر عن زواج النبي(ص) بزينب !

هل يمكن أن تكون أسباب نزول الآية متعددة ؟

نعم ، يمكن بأن تكون حصلت قبل نزولها بمدة قصيرة أو طويلة ، فتنزل الآية على أثرها جميعاً .كما يمكن أن تنزل السورة أو الآية مرات متعددة لأسباب متعددة ، كما ثبت في سورة الكوثر ، وفي آية: ولسوف يعطيك ربك فترضى ، وآية:سأل سائل بعذاب واقع ، وآية المودة في القربى ، وغيرها .

كما يمكن أن تكون الآية الواحدة فقرتين أو أكثر ، ويكون لكل فقرة منها سبب نزول مستقل ، كما ثبت في آية التطهير: إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً، فهي موجودة في القرآن ضمن آيات نساء النبي(ص) كجزء آية ، لكن نصَّت الروايات الصحيحة عند الطرفين على أنها نزلت مستقلة في بيت أم سلمة ، وأن النبي(ص) حدَّدَ أهل بيته بعلي وفاطمة والحسن والحسين (ع) ، وأدار عليهم الكساء وقال: هؤلاء أهل بيتي، وأخرج منهم أم سلمة رضي الله عنها . فالدليل الخارجي دلَّ على أن هذا الفقرة الموجودة ضمن آية في نساء النبي(ص) قد نزلت مستقلة بسببٍ مستقل .

ويؤيد ذلك الدليل الداخلي من الآية وهو استقلال معناها عما قبلها وبعدها بحيث لو حذفنا آية التطهير ووصلنا ما قبلها بما بعدها لما تأثر المعنى ولكان آية واحدةهكذا: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ ... وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لطيفاً خَبِيرًا .

وكذلك القول في آية الحجاب ، فقد دلَّ الدليل من داخلها وخارجها على أن حكم الحجاب نزل بسبب الثقلاء الذين تأخروا في وليمة النبي(ص) ، وأن حكم تحريم نسائه(ص) نزل بسبب سوء أدب طلحة ، كما رأيت .

أما الأمور الأخرى التي ادعى عمر وعائشة وغيرهما أن حكم الحجاب نزل على أثر كل واحد منها ، فلا يمكن قبولها ، بل لابد من ردها ، لأنها أمورٌ متباينة لايمكن الجمع بينها والقول بأن الآية نزلت على أثرها جميعاً .

وهذا لاينافي احتمال أن تكون حوادث صحيحة في نفسها ، حدثت في أوقات متفاوتة وتراكمت ، فنزلت الآية جواباً عليها ، ولكنها لاتكون سبباً للنزول بالمعنى الذي قالوه ، ولا إثباتاً لما أرادوه !

تمحل ابن حجر من أجل تصحيح كلام عمر!

كثيراً ما يرتكب علماؤهم التكلف والتمحل من أجل تصحيح كلام عمر ! فقد حاول ابن حجر أن يحلَّ المشكلة بتصحيح كل الروايات ، ويجعل كل منها سبباً لنزول الآية ! مع أنها متضادة في الزمان ، والمكان ، والحدث !! قال في فتح الباري:1/218: (قوله: أحجب نساءك ، أي إمنعهن من الخروج من بيوتهن . بدليل أن عمر بعد نزول آية الحجاب قال لسودة ما قال ،كما سيأتي قريباً .

ويحتمل أن يكون أراد أولاً الأمر بستر وجوههن ، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد أحب أيضاً أن يحجب أشخاصهن مبالغة في التستر ، فلم يُجَبْ لأجل الضرورة . وهذا أظهر الإحتمالين ! وقد كان عمر يعدُّ نزول آية الحجاب من موافقاته ،كما سيأتي في تفسير سورة الأحزاب ). انتهى.

ومعنى كلامه أن عمر كان يعدُّ الآية من موافقاته ، فلا بد من تصحيح كلامه بـ (يحتمل ويحتمل) حتى لو كان الإحتمال ركيكاً وغير معقول !!

ثم قال ابن حجر: (وسيأتي في تفسير الأحزاب أن سبب نزولها قصة زينب بنت جحش لمَّا أولم عليها وتأخر النفر الثلاثه في البيت ، واستحيا النبي(ص) أن يأمرهم بالخروج ، فنزلت آية الحجاب .

وسيأتي أيضاً حديث عمر: قلت يارسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن ، فنزلت آية الحجاب . . .

وروى ابن جرير في تفسيره من طريق مجاهد قال بينما النبي(ص)يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم إذ أصابت يد رجل منهم يدها ، فكره النبي (ص) ذلك ، فنزلت آية الحجاب .

وطريق الجمع بينهما أن أسباب نزول الحجاب تعددت ، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية . والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى: يدنين عليهن من جلابيبهن ) . انتهى.

ثم قال في فتح الباري:8/408: (والحاصل: أن عمر وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي ، حتى صرح بقوله له: أحجب نساءك وأكد ذلك ، إلى أن نزلت آية الحجاب . ثم قصد بعد ذلك أن لايبدين أشخاصهن أصلاًً ولو كنَّ مستترات ! فبالغ في ذلك فمُنع منه ، وأذن لهن في الخروج لحاجتهن ، دفعاً للمشقة ورفعاً للحرج... وقد وقع في رواية مجاهد عن عائشة لنزول آية الحجاب سبب آخر أخرجه النسائي بلفظ: كنت أكل مع النبي(ص)حَيْساً في قَعْب ، فمرَّ عمر فدعاه فأكل فأصاب إصبعه إصبعي فقال: حس أو أوه ، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين ، فنزل الحجاب .

ويمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب ، فلقربه منها أطلقت نزول الحجاب بهذا السبب ، ولا مانع من تعدد الأسباب .

وقد أخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس قال: دخل رجل على النبي (ص) فأطال الجلوس فخرج النبي(ص)ثلاث مرات ليخرج فلم يفعل فدخل عمر فرأى الكراهية في وجهه فقال للرجل لعلك آذيت النبي(ص)فقال النبي لقد قمت ثلاثاً لكي يتبعني فلم يفعل ، فقال له عمر: يا رسول الله لو اتخذت حجاباً ، فإن نساءك لسن كسائر النساء ، وذلك أطهر لقلوبهن ، فنزلت آية الحجاب ) !

ثم قال ابن حجر في:11/20:( قوله: كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله:أحجب نساءك ، تقدم شرحه مستوفى في كتاب الطهارة وقوله في آخره: قد عرفناك ياسودة ، حرصاً على أن ينزل الحجاب فأنزل الله عز وجل الحجاب). انتهى.

فقد قبل ابن حجر أن مشاهدة عمر لسودة كان بعد نزول آية الحجاب ، لكن مع ذلك قال إن الآية كانت نزلت موافقةً لعمر! لأن عمر أراد أولاً أن يستر ازواج النبي(ص) وكأنهن كنَّ غير متسترات! ( ثم قصد بعد ذلك أن لايبدين أشخاصهن أصلاًً ولو كنَّ مستترات!) وأن تنزل آية ثانية بتحريم خروجهن من المنزل كلياً مبالغة في التستر ، فلم يوافقه الله تعالى !

فتكون أسباب نزول الآية عند ابن حجر:

أن النبي(ص) كره ملامسة يد أجنبي ليد زوجته ، فنزلت على أثره الآية .

وأن ثقيلين أطالا الجلوس في بيته بعد الوليمة ، فنزلت على أثره الآية .

وأن عمر قال للنبي(ص) أحجب نساءك فلم يفعل ، فنزلت على أثره الآية !!

وأن عمر رأى سودة فتعرض لها وأخشن معها الكلام (حرصاً على أن ينزل الحجاب ، فنزلت على أثره الآية ! الخ...

فهل يقبل العقل أن آية واحدة نزلت على أثر هذه الأسباب مباشرة ، وهي أمور متباينة في الوقت والفعل ؟! وهل الحشو والتناقض إلا مثل هذا الكلام ؟!

أما محاولته أن يجعل آية الحجاب متعددة ، بقوله: (والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى:يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ، فهي محاولة هروب فاشلة من تناقض روايتهم في سبب نزولها ، من أجل إثبات أنها نزلت موافقةً لعمر ! فآية الحجاب هي التي فيها:وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ . فهي المسماة عندهم آية الحجاب ، وكل الذين رووا سبب نزولها وأنه عمر أو غيره ، قصدوا هذه الآية ولم يذكروا آية غيرها !

لكن ابن حجر أراد أن يجعل آية الجلابيب آية الحجاب ، وهي لاتختص بنساء النبي(ص) ففيها: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ! لكن التخليط جائز عندهم، ما دام الغرض إثبات منقبة لعمر!

ثم تعالَ وانظر الى فقه الحديث عند ابن بطال الذي ارتضى كلامه ابن حجر ، فهو نموذج لإصرارهم على إثبات منقبة لعمر ، حتى لو استوجبت طعناً بعصمة النبي(ص) وعدالته وغيرته !

قال ابن حجرفي الفتح:1/219: (قال ابن بطال: فقه هذا الحديث....وفيه: مراجعة الأدنى للأعلى فيما يتبين له أنه الصواب ، وحيث لايقصد التعنت. (يقصد مراجعة عمر للنبي(ص) والمراجعة تشمل مناقشته والرد عليه(ص) ) !

وفيه: منقبة لعمر ! (أي أن الله وافقه على رأيه ، وخطَّأ نبيه(ص) ) !

وفيه: جواز كلام الرجال مع النساء في الطرق الضرورية ، وجواز الإغلاظ في القول لمن يقصد الخير ! (يقصد كلام عمر وإغلاظه مع النبي(ص) وسودة ) !

وفيه: جواز وعظ الرجل أمَّه في الدين ، لأن سودة من أمهات المؤمنين !

(يقصد أن لعمر الحق في أن ينصحها ويعظها ، لكنهم حرَّموا نصيحة عائشة في حرب الجمل) !

ثم قال ابن بطال: وفيه أن النبي(ص) كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية لأنه لم يأمرهن بالحجاب مع وضوح الحاجة إليه ، حتى نزلت الآية . وكذا في إذنه لهن بالخروج ) !! انتهى كلام ابن حجر وابن بطال ..

ولك أن تلاحظ قوله: ( كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية) الذي يعني أن النبي(ص) كان في غير الأحكام يقول باجتهاده وظنونه ، ولا ينتظر الوحي ، ولذا كان الله تعالى يخطِّؤه ويصوِّب رأي عمر !

على أن قولهم إنه(ص) كان ينتظر الوحي في الأحكام مجاملة ، فقد قالوا إنه (ص) كان يجتهد ويخطئ حتى في الأحكام ، وحتى في تبليغ رسالة ربه !!

والنتيجة: أنه يجب عليك أن تقبل أن آية الحجاب نزلت بناء على طلب عمر ، وأن عجلة عمر وغلظته وتدخله فيما لايعنيه ، وعدم انتظاره لأمر النبي(ص) وما يوحيه ربه اليه..كلها فضائل ، بل مناقب عظيمة تفوق انتظار النبي(ص) للوحي ! بدليل أن الله تعالى وافق رأي عمر !

 وينبغي أن نلفت هنا الى بعض ألاعيب ابن حجر في جعله حديث: أحجب نساءك ، وحديث عمر مع سودة بصيغه المتباينة ، حديثاً واحداً ! ثم جعل حديث أنس عن زواج النبي(ص) بزينب متصلاً به فقال:

( ويجمع بينه وبين حديث أنس في نزول الحجاب بسبب قصة زينب أن عمر حرص على ذلك حتى قال لسودة ما قال..! فاتفقت القصة للذين قعدوا في البيت في زواج زينب فنزلت الآية ! فكان كل من الأمرين سبباً لنزولها ... وقد سبق إلى الجمع بذلك القرطبي فقال: يحمل على أن عمر تكرر منه هذا القول قبل الحجاب وبعده ، ويحتمل أن بعض الرواة ضم قصة إلى أخرى ، قال: والأول أولى ، فإن عمر قامت عنده أنفةٌ من أن يَطَّلع أحد على حرم النبي(ص)فسأله أن يحجبهن ، فلما نزل الحجاب كان قصده أن لايخرجن أصلاًً ، فكان في ذلك مشقة ، فأذن لهن أن يخرجن لحاجتهن التي لا بد منها )! انتهى.

وهذا مثلٌ لتخرص شخص مغرم بعمر لايرى النبي(ص) إلا بعده ، فتراه يفرض احتمالاًت لا دليل عليها بل الدليل على ضدها ، ويبني عليه منقبة لمن شغف به !

من هم الثقلاء الذين تأخروا بعد انصراف الناس من وليمة النبي(ص) ؟

ورد في رواياتهم ذكر ثلاثة رجال ثقلاء لم يسمهم الرواة ، وقد عودونا أنهم عندما لايُسَمُّون مذموماً ، فهو من شخصيات قريش !! ولم نجد من صرح باسم هذين الرجلين الثقيلين المؤذيين ، ولا باسم ثالثهم الذي خرج قبلهما فكان أقلَّ منهما أذى وسوء أدب ! قال في فتح الباري:8/406: (فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر.. في رواية عبد العزيز: وبقي ثلاثة رهط وفي رواية حميد: فلما رجع إلى بيته رأى رجلين ، ووافقه بيان بن عمرو عن أنس عند الترمذي ، وأصله عند المصنف أيضاً ، ويجمع بين الروايتين بأنهم أول ما قام وخرج من البيت كانوا ثلاثة ، وفي آخر ما رجع توجه واحد منهم في أثناء ذلك فصاروا اثنين . وهذا أولى من جزم ابن التين بأن إحدى الروايتين وَهْمٌ . وجوز الكرماني أن يكون التحديث وقع من اثنين منهم فقط والثالث كان ساكتاً . فمن ذكر الثلاثة لحظ الأشخاص ومن ذكر الإثنين لحظ سبب العقود . ولم أقف على تسمية أحد منهم ) !!

وقال الطبري في تفسيره:22/45: (واختلف أهل العلم في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه ، فقال بعضهم: نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله(ص) في وليمة زينب بنت جحش ، ثم جلسوا يتحدثون ..... وقال: فيجئ القوم يأكلون ويخرجون ، ثم يجئ القوم يأكلون ويخرجون ، فقلت: يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه ، قال: إرفعوا طعامكم ، وإن زينب لجالسة في ناحية البيت ، وكانت قد أعطيت جمالاً ، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت...) .

وقال في ص46: ( وأنا معه فلما انتهينا إلى الباب إذا رجلان قد جرى بهما الحديث في ناحية البيت ، فلما أبصرهما ولى راجعاً ، فلما رأيا النبي(ص) ولى عن بيته ، ولياً مسرعين . . . فأصابوا من الطعام حتى خرجوا ، وبقي منهم رهط عند رسول الله(ص) فأطالوا المكث... ).

وقال في ص47: (فرأى رجلين جالسين فانصرف راجعاً ، فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوت النبي .... وقال:كان هذا في بيت أم سلمة ، قال أكلوا ، ثم أطالوا الحديث ، فجعل النبي(ص) يدخل ويخرج ويستحي منهم ) . انتهى.

وقال ابن سعد في الطبقات:8/106: (فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار فجلس رسول الله وجلس معه رجال بعدما قام القوم ، ثم خرج رسول الله يمشي ومشيت معه حتى بلغ حجرة عائشة ، ثم ظن أنهم قد خرجوا ، فرجع ورجعت معه فإذا هم جلوس مكانهم ، فرجع ورجعت معه الثانية ).

وفي البخاري:6/25: (فدعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه فقلت: يا نبي الله ما أجد أحداً أدعوه . قال: إرفعوا طعامكم ، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت..... فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا ، فلما رأى ذلك قام ، فلما قام قام من قام ، وقعد ثلاثة نفر....).

وفي البخاري:6/26: (رأى رجلين جرى بهما الحديث ، فلما رآهما رجع عن بيته ، فلما رأى الرجلان نبي الله(ص)رجع عن بيته وثبا مسرعين ، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أُخبر ، فرجع حتى دخل البيت وأرخى الستر بيني وبينه ، وأنزلت آية الحجاب) . انتهى.

وفي البخاري:6/141: (قال حتى تصدعوا كلهم عنها ( أي شبعوا وتركوا السفرة) فخرج منهم من خرج ، وبقي نفر يتحدثون ، قال: وجعلت أغتمُّ...).

وفي مسلم:4/149: (أطعمهم خبزاً ولحماً حتى تركوه ) !

وفي سنن الترمذي:5/37: (وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ، ورسول الله جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط ، فثقلوا على رسول الله.....)

وفي معجم الطبراني الكبير:24/48: (فجعل رسول الله(ص)يخرج والقوم مكانهم ويرجع والقوم قعود ، فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا...)(راجع أيضاً: مسند ابن راهويه:4/45 ، والطبراني الكبير:24/49 ، ومسند أحمد:3/196 و246، وصحيح مسلم:4/147 و149و151 والترمذذي:5/37 ).

قال القرطبي في تفسيره:14/224: (قال ابن أبي عائشة في كتاب الثعلبي: حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم) . انتهى.

لكن حسبك من هؤلاء الثقلاء أنهم محترمون جداً فقد أجمع رواة السلطة أن يستروا عليهم ! وزاد بعضهم في الستر عليهم فلم يذكر رجلين أو ثلاثة ، بل عبر عهم بالرهط والقوم !! وعذرهم الشراح بأن تأخرهم كان لعدم التفاتهم ، وكأنهم كانوا مستغرقين في ذكر الله تعالى والصلاة على نبيه(ص) ، أو مشغولين في التفكير في مصالح الإسلام والمسلمين !

قال في فتح الباري:8/407: (فتهيأ للقيام ليفطنوا لمراده فيقوموا بقيامه ، فلما ألهاهم الحديث عن ذلك قام وخرج ، فخرجوا بخروجه إلا الثلاثة الذين لم يفطنوا لذلك لشدة شغل بالهم بما كانوا فيه من الحديث ، وفي غضون ذلك كان النبي(ص)يريد أن يقوموا من غير مواجهتهم بالأمر بالخروج لشدة حيائه فيطيل الغيبة عنهم بالتشاغل بالسلام على نسائه ، وهم في شغل بالهم ! وكأن أحدهم في أثناء ذلك أفاق من غفلته فخرج ، وبقي الإثنان ! فلما طال ذلك ووصل النبي الى منزله فرأهما فرجع فرأياه لما رجع فحينئذ فطنا فخرجا ، فدخل النبي وأنزلت الآية ، فأرخى الستر بينه وبين أنس خادمه أيضاً ، ولم يكن له عهد بذلك .

تنبيه: ظاهر الرواية الثانية أن الآية نزلت قبل قيام القوم ، والأولى وغيرها أنها نزلت بعده ، فيجمع بأن المراد أنها نزلت حال قيامهم ، أي أنزلها الله وقد قاموا ! ووقع في رواية الجعد: فرجع فدخل البيت وأرخى الستر ، وإني لفي الحجرة وهو يقول: ياأيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوت النبي... إلى قوله: من الحق..). انتهى . (ونحوه في تحفة الأحوذي:9/58 )

وأنت تلاحظ أن ابن حجر وافق روايات أنس في سبب نزول الآية ، فكيف قبل أن سبب نزولها قول عمر ، وهو يختلف عنه في السبب والمكان والزمان ؟!

لم يكتفوا بموافقة الله تعالى لعمر في المعنى فقالوا حتى في اللفظ !!

جعلوا مقام عمر في الدين أنه يعظ النبي(ص) وأزواجه ويغلظ عليهم ! وأعطوه الحق في ذلك لأن الله تعالى كان يوافقه وينزل وحيه مفصلاً على طلبه ! وزادوا على ذلك بأن عمر كان يتكلم بألفاظ يتمنى نزولها في القرآن فيجعلها الله قرآناً !

وقد رأيت قول عمر في آية الحجاب فإنه (أطهر لقلوبهن) فأنزل الله كلامه قرآناً بلفظ عمر فقال: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) !

وقال عمر بن شبَّة في تاريخ المدينة:3/865: (موافقات أخرى: عن عروة بن رويم قال: لما أنزل الله على رسوله: ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ، وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ، بكى عمر فقال: يانبي الله ، آمنا برسول الله(ص)وصدقناه ومن ينجو منا قليل؟ فأنزل الله عز وجل: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين (كذا) ! فدعا رسول الله(ص)عمر فقال: قد أنزل الله عز وجل فيما قلت ، فقال عمر: رضينا عن ربنا وتصديق نبينا.

عن أنس قال قال عمر: وافقت ربي في أربع ، نزلت هذه الآية: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ..الآيات، فقلت أنا: فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، فنزلت: فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) .

وفي الدر المنثور:5/ 6: (وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر عن صالح أبي الخليل قال: نزلت هذه الآية على النبي(ص):وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ.. إلى قوله: ثم أنشأناه خلقاً آخر، قال عمر:فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ فقال(ص): والذي نفسي بيده إنها ختمت بالذي تكلمت يا عمر)!!

وفي سنن ابن ماجة:1/322: ( قال عمر: قلت: يا رسول الله؟ لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ؟ فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً).

الأسئلة

1 ـ مَنْ وافق مَنْ؟ عمرُ وافق الله ، أم اللهُ وافق عمر ، أم تلاقيا في النقطة الوسط؟ ففي بعض الروايات: وافقني ربي ، وفي بعضها: وافقت ربي ، وفي بعضها ترديد من الراوي ، وفي بعضها ترديد من عمر ! ففي فتح الباري:9/232: (قال:وافقتُ الله في ثلاث.. وكذا في كتاب السنة لابن أبي عاصم ص572 .

وفي البخاري:5/149، ترديد من عمر: (قال عمر: وافقت ربي عز وجل في ثلاث ، أو وافقني ربي في ثلاث) وكذا في مسند أحمد:1/24.

وفي مسند أحمد:1/36 موافقة متكافئة:(وافقت ربي في ثلاث ووافقني ربي..) .

وفي تاريخ دمشق:44/113، ترديد من الراوي: (قال عمر بن الخطاب وافقني ربي ، أو قال وافقت ربي ثلاثاً )… الى آخر الأسطوانة .

نقد حديث عائشة عن المناصع

2 ـ قال البخاري:1/46: (باب خروج النساء إلى البراز... عن عائشة: إن أزواج النبي(ص)كنَّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيَح ، فكان عمر يقول للنبي: أحجب نساءك ، فلم يكن رسول الله يفعل! فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة ! حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب) !! انتهى.

وأول إشكال على هذا الكلام أنا لانقبل قول عائشة إن نساء النبي(ص) كنَّ يخرجن لقضاء حاجاتهن الى الفلاة ! فقد ثبت عندنا وعندهم أن النبي(ص) اتخذ الكنيف في بيته ، ولم يكن يخرج لحاجته الى الفلاة ، فكيف يكون الرجل يستعمل الكنيف ، ونساؤه يخرجن الى الفلاة ؟!

وقد علَّم النبي(ص) المسلمين اتخاذ الخلاء وعلمهم آدابه ، حتىكان اليهود والمشركون يتفكهون بذلك ، ففي مجمع الزوائد:1/205: (قال قال رجل من المشركين لعبد الله: إني لأحسب صاحبكم قد علمكم كل شئ حتى علمكم كيف تأتون الخلاء ! قال: إن كنت مستهزئاً فقد علَّمنا أن لانستقبل القبلة بفروجنا وأحسبه قال ولا نستنجي بأيماننا ) . انتهى. وفي رواية: (قال رجل من أهل الكتاب) .

وفي مسند أحمد:2/250: (قال رسول الله(ص): إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلاتستقبلوها ولاتستدبروها ولايتنجى بيمينه ). انتهى.

وكان المسلمون يتخذون الخلاء حتى في السفر ، فيحفرون حفرة وينصبون عليها ستراً من جوانبها ، فتكون بيت خلاء .

قال ابن ماجة:1/120: (عن سالم ، عن أبيه ، أن النبي (ص)نهى أن يصلى على قارعة الطريق ، أو يُضرب الخلاء عليها ، أو يبال فيها ).

وفي دعائم الإسلام:1/104: ( ورووا (يقصد أهل البيت(ع) ) أن رسول الله(ص) كان إذا دخل الخلاء تقنَّع وغطى رأسه ولم يره أحد ، وأنه كان إذا أراد قضاء حاجة في السفر أبعد ما شاء ، واستتر) .

وفي مستدرك الوسائل:1/248، عن الجعفريات: (عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عن آبائه عن علي(ع) أن رسول الله(ص) كان إذا أراد أن يتنخع وبين يديه الناس غطى رأسه ، ثم دفنه ، وإذا أراد ان يبزق فعل مثل ذلك ، وكان إذا أراد الكنيف غطى رأسه ).

وفي مناقب آل أبي طالب:1/108، عن عائشة: (قلت يا رسول الله إنك تدخل الخلاء فإذا خرجت دخلت على أثرك فما أرى شيئاً إلا إني أجد رائحة المسك ! فقال: أنا معشر الأنبياء تنبت أجسادنا على أرواح الجنة ، فما يخرج منها شئ إلا ابتلعته الأرض . وتبعه رجل فعلم(ص) مراده فقال: أنا معاشر الأنبياء لايكون منا ما يكون من البشر ) .

وقد روى الجميع أن النبي(ص) علَّمَ المسلمين آداب الدخول الى بيت الخلاء والخروج منه . ففي البخاري:1/45:(كان النبي(ص)إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث.... وعن ابن عباس أن النبي دخل الخلاء فوضعتُ له وضوء (أي ماء) قال: من وضع هذا ؟ فأُخبر ، فقال: اللهم فقهه في الدين).

وفي مسلم:1/195:(كان(ص)إذا دخل الكنيف قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)

وفي سنن البيهقي:1/93: (عن ابن عمر: دخلت بيت حفصة فحانت مني التفاتة فرأيت كنيف رسول الله (ص)مستقبل القبلة ). انتهى.

أقول: قد وَهِمَ ابن عمر في ذلك ، وقد زعم في رواية أنه كان على السطح فرأى النبي(ص) جالساً على حاجته مستقبل القبلة ! وكلها مكذوبات لتبرير فعل الخلفاء ، ولا يتسع المجال لتفصيل ذلك ، وغرضنا إثبات أن أخلاق النبي(ص) وتعاليم الإسلام تأبى أن لايكون في بيته بيت خلاء ، من أول هجرته الى المدينة ، وأنَّ من كانت هذه أخلاقه لايمكن أن يقبل أن تخرج نساؤه الى الفلاة لقضاء حاجتهن ، فلا بد من رد روايتهم بأنه لم يتخذ لهن خلاء الى السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة، وأنهنَّ كنَّ لايخرجن إلا من الليل الى الليل كما زعمت عائشة! قالت: ( فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وكان متبرزنا ، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا ، قالت وأمرنا أمر العرب الأول في البرية قبل الغائط). (صحيح البخاري:5/57) .

تقصد عائشة أن عادتهم كانت التبرز في البرية كعرب البادية ، قبل أن يتخذوا بيت الخلاء(الغائط) . ولابد أنها تتحدث عن حي بني تيم ، لا بني هاشم .

وقد رووا أن خروج سودة الى المناصع كان بعد نزول آية الحجاب (فتح الباري: 1/218) ، وأنه بعد فرض الحجاب عليهن كنَّ يخرجن الى المناصع ، وأراد عمر منعهن ! ومعناه أن النبي(ص) لم يتخذ بيت خلاء الى السنة الرابعة أو الخامسة !!

وحيث لايمكن قبول هذا الكلام ، فلعل عائشة وسودة كانتا تخرجان على خلاف عادة البيت النبوي !

فهل تطعنون في أخلاق نبيكم(ص) وتقبلون رواية عائشة ؟!

3 ـ هل ترون أن تدخلات عمر في شأن نساء النبي(ص) أمر يتفق مع الأخلاق والآداب الواجبة مع النبي(ص) وحرمه ؟!

وما رأيكم في قول أم سلمة رضي الله عنها لعمر:(عجباً لك يا ابن الخطاب دخلت في كل شئ ، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله(ص) وأزواجه؟!! (قال عمر) فأخذتني والله أخذاً كسرتني عن بعض ما كنت أجد ). (البخاري:6/69)

وقول زينب زوجة النبي(ص) له: (يا عمر أما كان في رسول الله (ص) ما يعظ نساءه حتى تعظنا أنت ؟!) (صحيح مسلم:7/ 115) .وما رأيكم في صياح عمر بسودة: قد عرفناك ! وهي زوجة النبي(ص) وكانت مستطرقة مستورة ؟!

4 ـ قالت عائشة المتعصبة لعمر: ( فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ليلة من الليالي عشاء ، وكانت امرأة طويلة فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة ! حرصاً على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله الحجاب) .انتهى.

فما الذي أدرى عمر بآية الحجاب حتى يستنزلها بتدخله في أمر امرأة تسير في دربها؟! وهل كان يعلم أن الله تعالى سينزل آية الحجاب ، وأنه كان ينتظر سبباً لها ، فأراد عمر بفضوله أن يوفر السبب لله تعالى ؟!

والسؤال الآخر: أن هذا يناقض مارجحه ابن حجر من أن عمر رأى سودة بعد نزول آية الحجاب ! وأنه أراد منع خروجهن كلياً فلم يوافقه ربه !

فكيف تقول عائشة إن آية الحجاب نزلت على أثر صياح عمر على سودة ، مع أن الآية بقولهم كانت نزلت !؟

5 ـ هل رويتم أن أحداً غير عمر تكلم بكلام فأنزله الله بألفاظه قرآناً ، وهل تعتبرون ذلك مما فضل الله به عمر على النبي(ص) ؟!

6 ـ ما قولكم في تصرف طلحة وسوء أدبه مع النبي(ص) ؟ وهل رويتم أن عائشة كرهت فعله ونهته ؟!

7 ـ مادام نساء النبي(ص) كنَّ محجبات كغيرهن ، ومادام الحجاب الذي فرضه الله عليهن هو حرمة الكلام معهن إلا من وراء حجاب ، وحرمة التزوج بهن بعد النبي(ص) ، فأي الأمور المروية أقرب لأن تكون سبب نزول آية الحجاب:

ـ فعل طلحة وسوء أدبه مع النبي(ص) ؟

ـ أم فعل الثقلاء وقعودهم في بيت النبي(ص) ؟

ـ أم ادعاء عائشة أن يدها مست يد رجل أجنبي ؟

ـ أم ادعاء عمر أنه قال للنبي(ص) أحجب نساءك فلم يفعل ، فوافقه ربه؟!

المسألة: 156

اعتراض عمر على النبي(ص) لماذا أعطى قوماً من غنائم حنين !

روى أحمد:1/20و35: (عن عمر قال: قسَّم رسول الله قسمة فقلت: يا رسول الله لَغَيْرُ هؤلاء أحقُّ منهم ! فقال النبي: إنهم خيروني بين أن يسألوني بالفحش ، أو يبخلوني ، فلست بباخل ). انتهى. ( ومسلم:3/103 ، والبخاري:4/ 60)

وروى البخاري:4/60:(لما كان يوم حنين آثر النبي(ص)أناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى عُيينة مثل ذلك ، وأعطى أناساً من أشراف العرب ، فآثرهم يومئذ في القسمة ، قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُدل فيها ، وما أريد بها وجه الله ! فقلت والله لأخبرن النبي(ص) فأتيته فأخبرته فقال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله )؟!

وفي البخاري:3/209: عن جبير بن مطعم (أنه بينما هو يسير مع رسول الله (ص) ومعه الناس مَقْفَلَهُ من حنين ، فعلقه الناس يسألونه ، حتى اضطروه إلى سَمُرَة فخُطف رداءه ! فوقف النبي(ص)فقال: أعطوني ردائي ، لو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم ، ثم لاتجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً)!!

الأسئلة

1 ـ ما رأيكم في اعتراض عمر على قسمة النبي(ص) ؟ وهل يقصده النبي(ص) بقوله: ( إنهم خيروني بين أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني فلست بباخل ) .

2 ـ ما الفرق بين قول (رجل): والله إن هذه القسمة ما عُدل فيها ، وما أريد بها وجه الله ، وبين قول عمر: لَغير هؤلاء أحقُّ منهم ؟! وهل كان ذلك الرجل عمر ؟!

3 ـ ما قولكم في أمر عمر بقتل رجل نهى النبي(ص) عن قتله؟ ففي النص والإجتهاد للسيد شرف الدين ص323:

(المورد 49 ـ أسرى حنين: لما نصر الله عبده ورسوله(ص) على هوازن يوم حنين ، وفتح الله له يومئذ فتحه المبين نادى مناديه: أن لايقتل أسير من القوم ، فمرَّ عمر بن الخطاب برجل من الأسرى يعرف بابن الأكوع وهو مغلول ، وكانت هذيل بعثته يوم الفتح إلى مكة عيناً لها على رسول الله يتجسس أخباره وأخبار أصحابه ، فيخبرها بما يكون منهم قولاً وفعلاً ، فلما رآه عمر قال ـ كما نص عليه شيخنا المفيد في غزوة حنين من إرشاده ـ: هذا عدو الله كان عيناً علينا ، ها هو أسير فاقتلوه ، فضرب بعض الأنصار عنقه ، فلما بلغ ذلك رسول الله (ص) لامهم على قتله ، وقال: ألم آمركم أن لاتقتلوا أسيراً ؟! . اه‍ ) .

وقتلوا بعده من أسرى حنين ـ كما في إرشاد شيخنا المفيد أيضاً ـ جميل بن معمر بن زهير (قال): فبعث رسول الله(ص) إلى الأنصار وهو مغضبٌ يقول لهم: ما حملكم على قتله ، وقد جاءكم رسولي أن لا تقتلوا أسيراً ؟ فاعتذروا بأنا إنما قتلناه بقول عمر ، فأعرض رسول الله(ص) حتى كلمه عمير بن وهب في الصفح عن ذلك). انتهى. (ورواه في المستجاد من الإرشاد ص87 ) .

المسألة: 157

اعتراض عمر على نبينا(ص) لصلاته على جنازة منافق !

عقد البخاري في صحيحه عدة أبواب ، روى فيها روايات كثيرة لإثبات فضيلة اعتراض عمر على النبي(ص) بسبب صلاته على عبدالله بن أبي بن سلول ، وزعم نزول الوحي موافقاً لعمر ، مخطئاً للنبي(ص) !!

وقد ذكر البخاري ، وعمر ، وابنه ، والفخر الرازي ، تصرف عمر الخشن وغير المعقول مع النبي(ص) حيث تصدى له ، ووثب اليه ، ووقف أمامه ، وجذبه من ثوبه ! ليمنعه من الصلاة على الجنازة ، وقال له: أليس نهاك الله عن هذا ؟!

وأكثر عليه الكلام ! فغضب النبي(ص) وقال: أخِّر عني يا عمر ! لكنهم قالوا إن النبي(ص) لم يغضب من عمر أبداً ، بل ارتاح منه وتبسم له !

قال البخاري:2/76 :(باب الكفن في القميص... عن ابن عمر أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي(ص)فقال يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه ، وصلِّ عليه واستغفر له ، فأعطاه النبي(ص)قميصه فقال: آذنِّي أصلي عليه فآذنه ، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر فقال: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين! فقال أنا بين خيرتين ، قال الله تعالى: إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ. (التوبة:80) فصلى عليه ، فنزلت: وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً . (التوبة:84)

وقال في:2/100: باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والإستغفار للمشركين... عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دُعِيَ له رسول الله(ص) ليصلي عليه ، فلما قام رسول الله(ص)وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا وكذا ، كذا وكذا ، أعدِّد عليه قوله ، فتبسم رسول الله(ص)وقال: أخِّر عني يا عمر ، فلما أكثرت عليه قال: إني خُيِّرتُ فاخترتُ ، لو أعلم أني إن زدت على السبعين فغفر له لزدت عليها !

قال: فصلى عليه رسول الله(ص)ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة:وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً.. إلى: وهم فاسقون . قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله(ص)يومئذ والله ورسوله أعلم) .

وقال البخاري:5/206: باب قوله:إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ...عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله(ص)فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله(ص)ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله(ص) فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه! فقال رسول الله (ص): إنما خيرني الله فقال:إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً .. وسأزيده على السبعين . قال إنه منافق ! قال فصلى عليه رسول الله(ص)فأنزل الله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِه ِ) !

ثم كرر البخاري ما رواه في:2/100. ثم عقد باباً بعنوان: باب قوله: وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ . وروى فيه عن ابن عمر نحو ما تقدم ، وفيه: ( ثم قام يصلي عليه فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال: تصلي عليه وهو منافق ، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم ؟! قال: إنما خيرني الله أو أخبرني الله فقال: إستغفر لهم....وصلينا معه ، ثم أنزل الله عليه: وَلاتُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) .

وقال البخاري: 7/36: باب لبس القميص...حدثنا عبد الله بن محمد أخبرنا ابن عيينة عن عمر وسمع جابر بن عبد الله قال: أتى النبي(ص)عبد الله بن أبي بعدما أدخل قبره ، فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه ، ونفث عليه من ريقه ، وألبسه قميصه . والله أعلم !

...عن عبد الله بن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له ؟ فأعطاه قميصه وقال له: إذا فرغت منه فآذنا ، فلما فرغ آذنه به ، فجاء ليصلي عليه فجذبه عمر فقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين ! فقال إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ، فنزلت: وَلاتُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، فترك الصلاة عليهم) . انتهى.

وفي الموضوع عدة مسائل بحثها المفسرون ، أهمها:

1 ـ تبريرهم تصرف عمر مع النبي(ص) .

2 ـ هل صحيح أن النبي(ص) فهم من قوله تعالى: إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ... أنه ليس نهياً عن الصلاة عليهم ؟!

3 ـ حقيقة القصة وعدم صحة قول عمر إن آية: وَلاتُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ، نزلت بعد وفاة ابن سلول ، بل نزلت السورة قبل وفاته !

أما عن تصرف عمر ، فلم أجد أحداً من المفسرين أو شراح البخاري ومسلم خجل عن عمر أو لامَهُ على تصرفه ! بل وقفوا جميعاً الى جانبه في مقابل رسول الله(ص) ! ليثبتوا أنه كان مصيباً ، وأن رسول الله(ص) كان مخطئاً !!

قال في فتح الباري:8/252: (فكأن عمر قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب ، من أن (أو) ليست للتخيير بل للتسوية في عدم الوصف المذكور ، أي أن الإستغفار لهم وعدم الإستغفار سواء ، وهو كقوله تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، لكن الثانية أصرح ، ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصة كما سأذكره .

وفهم عمر أيضاً من قوله: سبعين مرة ، أنها للمبالغة وأن العدد المعين لا مفهوم له ، بل المراد نفي المغفرة لهم ولو كثر الإستغفار ، فيحصل من ذلك النهي عن الإستغفار ، فأطلقه .

وفهم أيضاً أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت والشفاعة له ، فلذلك استلزم عنده النهي عن الإستغفار ترك الصلاة ، لذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة .

ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أبيّ .

هذا تقريرُ ما صدر عن عمر ، مع ما عرف من شدة صلابته في الدين وكثرة بغضه للكفار والمنافقين ، وهو القائل في حق حاطب بن أبي بلتعة مع ما كان له من الفضل كشهوده بدراً وغير ذلك ، لكونه كاتب قريشاً قبل الفتح: دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقد نافق ، فلذلك أقدم على كلامه للنبي(ص) بما قال ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره ، لما غلب عليه من الصلابة المذكورة .قال ابن المنير: وإنما قال ذلك عمر حرصاً على النبي(ص)ومشورة إلزاماً . وله عوائد بذلك ! ولايبعد أن يكون النبي(ص)كان أذن له في مثل ذلك ، فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النص ، كما تمسك به قوم في جواز ذلك . وإنما أشار بالذي ظهر له فقط ، ولهذا احتمل منه النبي(ص) أخذه بثوبه ومخاطبته له في مثل ذلك المقام حتى التفت إليه متبسماً ، كما في حديث ابن عباس) . انتهى.

ثم زاد ابن حجر على هذا التوجيه (العلمي)لرأي عمر أن النبي(ص) اعتذر الى عمر بأنه لم يفهم النهي من الآية كما فهمه عمر ، بل فهم منها التخيير ! فنزل النهي الصريح موافقاً لقول عمر فاقتنع النبي(ص) !

وينبغي أن يضيف ابن حجر بأن النبي(ص) لا بد أن يكون اعتذر ثانية من عمر وشكره كثيراً لتسديده إياه !!

قال في فتح الباري:8/254: (قوله فتبسم رسول الله(ص)وقال أخِّر عني،أي كلامك (!) . واستشكل الداودي تبسمه(ص)في تلك الحالة مع ما ثبت أن ضحكه(ص)كان تبسماً ، ولم يكن عند شهود الجنائز يستعمل ذلك .

وجوابه: أنه عبَّر عن طلاقة وجهه بذلك تأنيساً لعمر وتطييباً لقلبه ، كالمعتذر عن ترك قبول كلامه ومشورته) ! انتهى.

وقد ارتضى ابن حجر قول الداودي بأن الضحك مكروه عند الجنازة لكن النبي(ص) ارتكب هذا المكروه ، فضحك لعمر وتبسم له تطييباً لقلبه (كالمعتذر عن ترك قبول كلامه ومشورته) !

أما سوء أدب عمر فلا شئ فيه ، فكأن النبي(ص) كان يستحقه ! بل هو فضيلة ومنقبة لعمر ، بدليل رضا النبي(ص) وأنسه وسروره به !!

أما الفخر الرازي فقد فاق ابن حجر فقال تفسيره:16/151: (فلما مات جاء ابنه يعرِّفه فقال عليه الصلاة والسلام لابنه: صل عليه وادفنه ، فقال: إن لم تصل عليه يارسول الله لم يصل عليه مسلم ، فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه فنزلت هذه الآية ، وأخذ جبريل بثوبه وقال: وَلاتُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً !

واعلم أن هذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي الله عنه ، وذلك لأن الوحي نزل على وفق قوله في آيات كثيرة ، منها آية أخذ الفداء عن أسارى بدر وقد سبق شرحه . وثانيها: آية تحريم الخمر . وثالثها: آية تحويل القبلة . ورابعها: آية أمر النسوان بالحجاب . وخامسها: هذه الآية . فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصباً عالياً ودرجة رفيعة له في الدين . فلهذا قال عليه الصلاة والسلام في حقه: لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبياً ) !! انتهى.

عدد مناقب عمر في كلامهم

أولاً ، أن عمر كان مع ظهور النص ، بينما كان النبي(ص) مع خلاف ظهوره ، فنزل الوحي مؤيداً لرأي عمر ، وهي منقبة عظيمة تجعله في صف النبي(ص) !

ثانياً ، أن عمر أصلب في الدين وجهاد المنافقين من النبي(ص) !

ثالثاً ، أن معنى قول النبي(ص) لعمر لما وقف أمامه وأخذ بثوبه: ( أخر عني ياعمر): أخر عني كلامك الآن من فضلك !!

رابعاً ، أن تصرفات عمر مع النبي(ص) مغفورة لصلابته في الحق ، بل لايبعد أن يكون النبي(ص) أذن لعمر بالخشونة وإساءة الأدب معه ، كما ادعى ابن المنير وارتضاه ابن حجر ! لكي يسدده إذا أخطأ !!

خامساً ، أن المتعصبين لعمر ليسوا مستعدين لأن يفحصوا مصداقية قوله وصحة زعمه أن آية النهي عن الصلاة على المنافقين نزلت في جنازة ابن سلول ، كما قال الرازي ، أو بعدها كما قال عمر ، أو قبلها كما نص على ذلك الفخر الرازي !

لكن يبقى عليهم أن يجيبوا على إشكالين أساسيين ، ينقضان دفاعهم وسعيهم لإثبات هذه المنقبة !

أولهما: إذا كان الأمر كما تقولون ، فلماذا خطَّأ عمر نفسه وقال: (لقد أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قط ، أراد رسول الله أن يصلي على عبد الله بن أبي فأخذت بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا ، لقد قال الله: إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ، فقال رسول الله: قد خيرني ربي فقال: إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ...). (الدر المنثور:3/264،وقال أخرجه ابن أبي حاتم عن الشعبي . وكنز العمال:2/419) ؟!

وثانيهما: هل يقبلون أن النبي(ص) بلغ به الجهل أنه فهم التخيير من قوله تعالى: إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ..؟!

إن هذا هو المفتاح لمعرفة واقع القصة التي ادعاها عمر فصدَّقه محبوه !

استنكار علماء سنيون كبار ما نسبه عمر الى النبي(ص) !

هل يجوز قبول شهادة عمر بأن النبي(ص) قد فهم من قوله تعالى: إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ... التخيير ولم يفهم منها النهي عن الصلاة عليهم ، مع وضوح أنها نهيٌ ، ومعناها أنك مهما استغفرت لهم فلن ينفع ذلك ، فلا تتعب نفسك ؟!

لقد وقع علماء السنة في محنة بين أن ينسبوا السذاجة الى النبي(ص) ، أو يكذبوا البخاري وعمر! وقد اختار عدد من كبارهم تكذيب رواية البخاري ، ولم يتعدوها الى تكذيب عمر! قال في فتح الباري:8/255: (واستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث ، مع كثرة طرقه واتفاق الشيخين وسائر الذين خرَّجوا الصحيح على تصحيحه! وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث وقلة الإطلاع على طرقه !

قال ابن المنير: مفهوم الآية زلت فيه الأقدام حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث وقال: لايجوز أن يقبل هذا ، ولا يصح أن الرسول قاله. انتهى.

ولفظ القاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب: هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لايعلم ثبوتها ! وقال إمام الحرمين في مختصره: هذا الحديث غير مخرَّج في الصحيح . وقال في البرهان: لايصححه أهل الحديث .

وقال الغزالي في المستصفى: الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح .

وقال الداودي الشارح: هذا الحديث غير محفوظ !

والسبب في إنكارهم صحته ما تقرر عندهم مما قدمناه ، وهو الذي فهمه عمر من حمل (أو) على التسوية لما يقتضيه سياق القصة ، وحمل السبعين على المبالغة . قال ابن المنير: ليس عند أهل البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد . انتهى .

وأيضاً ، فشرط القول بمفهوم الصفة وكذا العدد عندهم ، مماثلة المنطوق للمسكوت وعدم فائدة أخرى ، وهنا للمبالغة فائدة واضحة ، فأشكل قوله (ص) سأزيده على السبعين ، مع أن حكم ما زاد عليها حكمها ). انتهى.

أقول:خلاصة رأي هؤلاء المنكرين لصحة حديث عمر، المدافعين عن النبي(ص) :

أنه يجب رد الأحاديث التي تقول إن النبي(ص) صلى على جنازة رأس المنافقين ابن سلول والحكم بأنها موضوعة أو مردودة ، لأنها تخالف القرآن وتنسب الى النبي(ص) فهماً للآيات لايمكن أن يصدر منه !

فهم يوافقوننا إنكار هذه المنقبة المزعومة لعمر ، من أجل تنزيه النبي(ص) ؟!

أما ابن حزم ، فقد حكم بأن النبي(ص) صلى على جنازة ابن سلول وأصاب ، وخرج عن خطهم وحكم بأن عمر قد أخطأ ! قال في الإحكام:3/274: ( فإن قال قائل: فما كان مراد الله بالتخيير...أتقولون إنه أراد تعالى ما قال عمر بن الخطاب من أن لايصلي عليهم ولايستغفر لهم ، ثم نزلت الآية الأخرى مبينة؟

فالجواب: أننا وبالله تعالى التوفيق لانقول ذلك ، ولايسوغ لمسلم أن يقوله ، ولانقول إن عمر ، ولا أحداً من ولد آدم فهم عن الله تعالى شيئاً لم يفهمه عنه نبي الله (ص) ، وهذا القول عندنا كفرٌ مجرد !

وبرهان ذلك: أن الله تعالى لو لم يرض صلاة النبي على عبد الله بن أبي لما أقره عليها ولأنزل الوحي عليه لمنعه ، كما نهاه بعد صلاته عليه أن يصلي على غيره منهم ، فصح أن قول عمركان اجتهاداً منه أراد به الخير فأخطأ فيه وأصاب رسول الله (ص) ، وأُجِر عمر في ذلك أجراً واحداً ). انتهى. (راجع: بدائع الصنائع:3/77 , والبحر الرائق:1/267، والمغني:2/420).

وقد زعم ابن حزم في المحلى:11/210، أن سبب صلاة النبي(ص) على ابن سلول انه لم يكن يعلم بشركه ، وإن علم بنفاقه ! قال: (فلو كان ابن أبي وغيره من المذكورين ممن تبين للنبي(ع) أنهم كفار بلا شك ، لما استغفر لهم النبي ولا صلى عليهم ، ولايحل لمسلم أن يظن بالنبي(ص) أنه خالف ربه في ذلك ، فصح يقيناً أنه(ع) لم يعلم قط أن عبدالله بن أبي والمذكورين كفار في الباطن) . انتهى.

ولم يحكم ابن حزم بكفر عمر لادعائه أنه فهم من قوله تعالى: إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ...ما لم يفهمه النبي(ص) ؟! لكن قال: ( ولا نقول إن عمر ولا أحداً من ولد آدم فهم عن الله تعالى شيئاً لم يفهمه عنه نبي الله ، وهذا القول عندنا كفرٌ مجرد ! )؟؟!

حقيقة القصة وبيان تصرف عمر فيها !

إن منشأ اشتباه عمر والذين ردوا حديثه في البخاري ، أنهم تصوروا أن قبول النبي(ص) حضور جنازة ابن سلول وصلاته عليها ، يعني الإستغفار له ، مع أن لا ملازمة بينهما ، فقد صلى على جنازته ولم يستغفر له !

وقد روت ذلك مصادرنا ، وقد أفتى فقهاؤنا بأن الصلاة المنهي عنها على المنافقين في مثل قوله تعالى: وَلاتُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ، هي الصلاة بالمعنى اللغوي أي الدعاء لهم والإستغفار، أما الصلاة عليهم بدون استغفار فليس منهياً عنها ، ولذا كان(ص) يصلي على جنائزهم ، ويكتفي بأربع تكبيرات ولا يدعو لهم .ففي المقنعة ص230:(روي عن الصادقين(ع) أنهم قالوا: كان رسول الله(ص) يصلي على المؤمنين ويكبر خمساً ، ويصلي على أهل النفاق سوى من ورد النهي عن الصلاة عليهم فيكبر أربعاً ، فرقاً بينهم وبين أهل الإيمان ، وكانت الصحابة إذا رأته قد صلى على ميت فكبر أربعاً ، قطعوا عليه بالنفاق ) .

وفي الكافي:3/181، عن الإمام الصادق(ع) : (كان رسول الله(ص) إذا صلى على ميت كبَّر وتشهد، ثم كبر، ثم صلى على الأنبياء ودعا، ثم كبر ودعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة ودعا للميت ، ثم كبر وانصرف . فلما نهاه الله عز وجل عن الصلاة على المنافقين كبر وتشهد ، ثم كبر وصلى على النبيين صلى الله عليهم ، ثم كبر ودعا للمؤمنين ، ثم كبر الرابعة وانصرف ولم يدع للميت ).

وفي الإستبصار:1/476: (عن محمد بن يزيد ، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله(ع) جالساً فدخل رجل فسأله عن التكبير على الجنائز فقال: خمس تكبيرات ، ثم دخل آخر فسأله عن الصلاة على الجنائز؟ فقال: له أربع صلوات ، فقال الأول: جعلت فداك سألتك فقلت خمساً ، وسألك هذا فقلت أربعاً ، فقال: إنك سألتني عن التكبير وسألني هذا عن الصلاة ، ثم قال: إنها خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات ، ثم بسط كفه فقال: إنهن خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات) . انتهى.

وفي تفسير العياشي:2/102، عن الإمام الباقر(ع) ، قال: (توفي رجل من المنافقين فأرسل رسول الله(ص) إلى إبنه: إذا أردتم أن تخرجوا فأعلموني ، فلما حضر أمره أرسلوا إلى النبي عليه وآله السلام فأقبل نحوهم حتى أخذ بيد ابنه في الجنازة فمضى ، قال: فتصدى له عمر ثم قال: يا رسول الله أما نهاك ربك عن هذا أن تصلي على أحد منهم مات أبداً أو تقوم على قبره ، فلم يجبه النبي(ص) .

قال: فلما كان قبل أن ينتهوا به إلى القبر قال عمر أيضاً لرسول الله(ص) : أما نهاك الله عن أن تصلي على أحد منهم مات أبداً أو تقوم على قبره ذلك بأنهم كفروا بالله وبرسوله وماتوا وهم كافرون ؟! فقال النبي(ص) لعمر عند ذلك: ما رأيتنا صلينا له على جنازة ، ولا قمنا له على قبر !

ثم قال: إن ابنه رجل من المؤمنين ، وكان يحق علينا أداء حقه ، وقال له عمر: أعوذ بالله من سخط الله وسخطك يا رسول الله ). انتهى.

ومن الملاحظ أن الإمام الباقر(ع) عبَّر عن الأدعية التي بين التكبيرات بالصلوات ، ليبيِّن أن التحريم في الصلاة على المنافق يخص الدعاء له ، الذي يقع بعد التكبرة الرابعة ، وليشير أن الصلاة على الميت صلاة لغةً لا اصطلاحاً .

وفي كشف اللثام للفاضل الهندي:2/309: قال تعالى:وَلاتُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ، وفيه أن الظاهر النهي عن الدعاء لهم ، لما في الأخبار من أنه (ص) كان يكبر على المنافق أربعاً ).

وفي مستند الشيعة للنراقي: 6/269: (بل تتعين إرادة ذلك بملاحظة خبر محمد بن مهاجر...). وهو الخبر المتقدم من الكافي:1/181. راجع أيضاً: الحدائق الناضرة:10/417 ، وجواهر الكلام:17/359 ومصباح الفقيه:2 ق2/502)

وعلى هذا تكون صلاة النبي(ص) على ابن سلول طبيعية وتكون بأربع تكبيرات بدون دعاء له ، ويكون الخلل في فهم عمر وليس في فهم النبي(ص) أو عمله ! وقد صرَّحَت بذلك صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق(ع) . ففي الكافي:3/188: (علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد بن عثمان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد الله(ع) قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول حضر النبي (ص) جنازته فقال عمر لرسول الله(ص) : يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فسكت ، فقال: يارسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فقال له: ويلك وما يدريك ما قلت ! إني قلت: اللهم احْشُ جوفه ناراً ، واملأ قبره ناراً ، وأَصْلِهِ ناراً ! قال أبو عبدالله(ع) : فأبدى من رسول الله ما كان يكره ). انتهى.

ومعناه أن النبي(ص) كان يستعمل التقية مع أتباع ابن سلول ليجذبهم الى الإسلام ، ولكن فضول عمر أجبره على إظهار أنه دعا عليه ولم يدع له !

وفي مجمع البيان:5/100: ( ولا تقم على قبره ، أي لاتقف على قبره للدعاء ، فإنه (ص) كان إذا صلى على ميت يقف على قبره ساعة ويدعو له ). انتهى.

فالصحيح: أن النبي(ص) صلى على جنازة ابن سلول كما رواه الفريقان ، وأن عمر اعترض عليه أيضاً لصحة روايته عند الفريقين ، لكن سببه أن عمر لم يفرق بين المعنى اللغوي الشرعي للصلاة على الميت والمعنى العرفي .

كذبهم في وقت نزول آية: إستغفر لهم أولاً تستغفر لهم

ادعى عمر أن آية: وَلاتُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ، نزلت بعد اعتراضه على النبي(ص) لصلاته على ابن سلول ، مع أنها كانت نازلة في سورة التوبة مع آية: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ... في غزوة تبوك في السنة الثامنة ، أي قبل موت ابن سلول بنحو سنة ! فقول عمر إنها نزلت بعد اعتراضه على النبي(ص) غير صحيح !

والطريف أن البخاري نفسه كذَّبه فنصَّ على أن سورة براءة نزلت كاملة قطعة واحدة! قال في:5/115: (عن البراء قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة). انتهى.

وفي الدر المنثور:2/251: (وأخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري ، ومسلم ، والترمذي، والنسائي ، وابن الضريس ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والبيهقي في الدلائل ، عن البراء قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة ). انتهى. فما عدا مما بدا حتى صارت الآية 84 منها نشازاً مفصولة عن سياقها ؟! (راجع أيضاً: البخاري :5/185 وأحمد:4/298 ، وتفسير الطبري:6/56 ، وأحكام القرآن :3/112 ، والبرهان:1/209)

قد تقول: ما المانع أن تكون الآية التي ادعى عمر نزولها موافقةً له ، قد نزلت منفصلة عن بقية سورة التوبة ، بعد موت ابن سلول ، ثم ألحقت بها ؟!

والجواب: أن أدنى تأمل في سياق الآية ، يدلك على عدم صحة ادعاء نزولها منفصلة ، فسياق الآية التي قبلها ينص على أن النبي(ص) كان في سفر ، وهو سفر تبوك الذي نزلت فيه السورة!قال تعالى:(فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أول مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ . وَلاتُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ). فكيف يكون النبي(ص) في المدينة ويقول له الله تعالى: فإن رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ ؟!!

وهذه هي الآيات مع سياقها لمزيد اطمئنانك بما قلناه ، قال الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فإن يَتُوبُوا يَكُ خيراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأرض مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ . فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ . فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ . ألم يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلامُ الْغُيُوبِ . الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لايَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ .

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاتَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أشد حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ .فَلْيَضْحَكُوا قليلاً وَلْيَبْكُوا كثيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . فإن رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أول مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ . وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ .

وَلاتُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إنما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أنفسهم وَهُمْ كَافِرُونَ . وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتئْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ . رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لايَفْقَهُونَ .

لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .

وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصيِبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَلاعَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أجد مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلايَجِدُوا مَايُنْفِقُونَ. إنما السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لاتَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إذا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فإن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فإن اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ). (التوبة :73 –96)

والنتيجة

أن موافقة الوحي المزعومة لعمر في هذه الرواية مكذوبة من راويها . وأن اعتراضات عمر بدأت قبل الصلاة على جنازته عندما أعطاهم النبي(ص) قميصه ليكفنوه به ، ثم واصل عمر اعتراضه بإصرار رغم بيان النبي(ص) وتوضيحه له !!

وأن النبي(ص) لم يخطئ لا في فهم حكم الله تعالى ، ولا في تطبيقه على حدوده ، ولم يحتج الى عمر ولا غيره ، ولا الى نزول آية لم تكن نازلة ، ولا إلى جر عمر بثوبه(ص) أو زعمهم أن جبرئيل ساعد عمر وجر بثوبه(ص) !!

مناقشة رأي صاحب تفسيرالميزان

تابع صاحب الميزان النافين من علماء السنة لصلاة النبي(ص) على جنازة ابن سلول ، وردَّ الروايات الواردة في مصادر الطرفين بحجة أنها مخالفة للقرآن !

قال في الميزان:9/366: ( أقول: وقد ورد استغفار النبي(ص)لعبد الله بن أبي وصلاته عليه في بعض المراسيل من روايات الشيعة أيضاً ، أوردها العياشي والقمي في تفسيريهما ، وقد تقدم خبر القمي . وهذه الروايات على ما فيها من بعض التناقض والتدافع واشتمالها على التعارض فيما بينها ، تدفعها الآيات الكريمة دفعاً بيناً لا مرية فيه :

أما أولاً ، فلظهور قوله تعالى: إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ، ظهوراً بيناً في أن المراد بالآية بيان لغوية الإستغفار للمنافقين دون التخيير ، وأن العدد جئ به لمبالغة الكثرة لا لخصوصية في السبعين بحيث ترجى المغفرة مع الزائد على السبعين . والنبي(ص) أجلُّ من أن يجهل هذه الدلالة فيحمل الآية على التخيير ، ثم يقول سأزيده على سبعين ، ثم يذكِّره غيره بمعنى الآية فيصرُّ على جهله ، حتى ينهاه الله عن الصلاة وغيرها بآية أخرى ينزلها عليه .

على أن جميع هذه الآيات المتعرضة للإستغفار للمنافقين والصلاة عليهم كقوله: إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، وقوله: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أم لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، وقوله: وَلاتُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ، تعلل النهي واللغوية بكفرهم وفسقهم ، حتى قوله تعالى في النهي عن الإستغفار للمشركين: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الْجَحِيمِ. آية: 113 ، ينهى عن الإستغفار معللاً ذلك بالكفر وخلود النار وكيف يتصور مع ذلك جواز الإستغفار لهم والصلاة عليهم ؟!

وثانياً ، إن سياق الآيات التي منها قوله: وَلاتُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً .. الآية، صريح في أن هذه الآية إنما نزلت والنبي(ص)في سفره إلى تبوك ولما يرجع إلى المدينة ، وذاك في سنة ثمان ، وقد وقع موت عبد الله بن أبي بالمدينة سنة تسع من الهجرة ! كل ذلك مسلَّمٌ من طريق النقل ، فما معنى قوله في هذه الروايات إن النبي(ص)صلى على عبدالله وقام على قبره ، ثم أنزل الله عليه: وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً .. الآية ؟!

وأعجب منه ما وقع في بعض الروايات السابقة أن عمر قال للنبي(ص): أتصلي عليه وقد نهاك عن الصلاة للمنافقين ؟ فقال: إن ربى خيرني.. ثم أنزل الله: وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ .. الآية .

وأعجب منه ما في الرواية الأخيرة من نزول قوله:سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أم لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ..الآية ، والآية من سورة المنافقون وقد نزلت بعد غزاة بني المصطلق ، وكانت في سنة خمس ، وعبدالله بن أبي حي عندئذ ، وقد حكى في السورة قوله: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ .

وقد اشتمل بعض هذه الروايات وتعلق به بعض من انتصر لها ، على أن النبي (ص) إنما استغفر وصلى على عبدالله ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الإسلام . وكيف يستقيم ذلك وكيف يصح أن يخالف النبي(ص) النص الصريح من الآيات استمالةً لقلوب المنافقين ومداهنةً معهم ، وقد هدده الله على ذلك بأبلغ التهديد في مثل قوله:إذا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ.. الآية؟! فالوجه أن هذه الروايات موضوعة ، يجب طرحها بمخالفة الكتاب). انتهى.

أقول: من الواضح أن صاحب الميزان لم يستوف التأمل في أحاديث المسألة في مصادر التفسير فضلاً عن الفقه، فقد وردفي صلاة النبي(ص) على المنافقين وابن سلول روايات عديدة ، منها الصحيح بدرجة عليا كما تقدم !

وقوله :(ورد استغفار النبي(ص)لعبد الله بن أبي وصلاته عليه في بعض المراسيل من روايات الشيعة أيضاً) غير دقيق ، لأن الرواية المرسلة التي أوردها من تفسير القمي ذكرت صلاته(ص) على جنازته وأنه استغفر له ، ثم نَفَتْ أن يكون دعا له أو استغفر له ! وهذا نصها ، الذي أورده في الميزان:9/355 ، قال: (وفي تفسير القمي في قوله تعالى: إستغفر لهم أو لا تستغفر لهم.. الآية ، أنها نزلت لما رجع رسول الله (ص) المدينة ومرض عبدالله بن أبي وكان ابنه عبدالله بن عبد الله مؤمناً فجاء إلى رسول الله(ص) وأبوه يجود بنفسه فقال: يارسول الله بأبي أنت وأمي إنك إن لم تأت أبي كان ذلك عاراً علينا، فدخل إليه رسول الله(ص) والمنافقون عنده ، فقال ابنه عبدالله بن عبدالله: إستغفر له فاستغفر له ، قال عمر: ألم ينهك الله يا رسول الله أن تصلي على أحد أو تستغفر له؟ فأعرض عنه رسول الله(ص) ، فأعاد عليه ! فقال له: ويلك إني قد خيِّرت فاخترت ، إن الله يقول: إستغفر لهم أو لاتستغفر لهم ، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم .

فلما مات عبدالله جاء ابنه إلى رسول الله(ص) فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إن رأيت أن تحضر جنازته ، فحضر رسول الله(ص) فقام على قبره ، فقال له عمر: يا رسول الله ألم ينهك الله أن تصلي على أحد منهم مات أبداً وأن تقيم على قبره؟ فقال رسول الله(ص) :ويلك! وهل تدري ما قلت؟ إنما قلت: اللهم احشُ قبره ناراً وجوفه ناراً وأصْلِهِ النار ! فبدا من رسول الله(ص) ما لم يكن يحب). انتهى.

ويرد على كلامه :

أولاً ، أن روايات الباب عندنا متعددة وفيها الصحيح الذي أفتى الفقهاء اعتماداً عليه بجواز الصلاة على جنازة المنافق بدون دعاء له ولا استغفار .

والمرسلة التي ذكرها هي الوحيدة التي ذكرت استغفار النبي(ص) لابن سلول ! فكان ينبغي أن يقول  :اتفقت روايات الشيعة وفتاوي فقهائهم على أن النبي (ص) صلى على جنازة ابن سلول ، وأنه لم يستغفر له ، ما عدا مرسلة لاتنهض بالمعارضة في تفسير القمي ورد فيها أن النبي(ص) فهم من الآية التخيير .

ثانياً ، من الواضح أن هذه المرسلة بمجموعها تتفق مع الأحاديث الصحيحة وفتاوى الفقهاء بجواز الصلاة على جنازة المنافق بدون دعاء واستغفار ، فختامها صريح في أنه(ص) لم يستغفر له ولم يدع ، بل دعا عليه ! فيحتمل فيها اشتباه الراوي أو الناسخ في قوله إن ابنه قال للنبي(ص) :( إستغفر له ، فاستغفرَ له) ، لأن الإستغفار الوارد في أولها لايمكن أن يكون هو المنفي صريحاً في آخرها .

ثالثاً ، أما الإشكال على ما ورد فيها من قول النبي(ص) لعمر: (ويلك إني قد خيِّرت فاخترت، إن الله يقول:إستغفر لهم أو لاتستغفر لهم...) وأنه كيف يصح القول إن النبي(ص) فهم التخيير من ذلك ؟!

فجوابه: أن النهي عن الصلاة على جنائز المنافقين في قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، نزل قبل موت ابن سلول كما تقدم ! فصلاة النبيي(ص) على جنازته تدل على أنه غير مشمول للنهي ، لعصمة النبي(ص) ، فلا بد أن يكون النهي خاصاً بأناس أو أنواع من المنافقين ولايشمل ابن سلول ، أو يكون فيه استثناءً وابن سلول مستثنى ، بدليل صلاة النبي(ص) على جنازته .

وقد تقدم عن أهل البيت(ع) أن النهي عن الصلاة على المنافقين خاص وليس عاماً، قال الصدوق في المقنعة: ( روي عن الصادقين (ع) أنهم قالوا: كان رسول الله(ص) يصلي على المؤمنين ويكبِّر خمساً، ويصلي على أهل النفاق سوى من ورد النهي عن الصلاة عليهم ، فيكبر أربعاً ). انتهى.

كما أن النهي عن الإستغفار للمنافقين نزل قبل وفاة ابن سلول أيضاً ، فقد يكون أيضاً خاصاً بأناس أو بأنواع ليس ابن سلول منهم .

فتخييره(ص) بين الصلاة وعدمها ، وبين الإستغفار وعدمه ، إن صحت روايته ، لا يكون بسبب فهمه(ص) للآية كما زعم عمر، بل من طريق الوحي مقيداً لإطلاقها.

من أين صارت صلاة الميت عندهم أربع تكبيرات ؟!

عرفت أن مذهب أهل البيت (ع) أن النبي(ص) كان يصلي على المؤمنين بخمس تكبيرات، يتشهد بعد الأولى، ويصلي على الأنبياء(ع) بعد الثانية، ويدعو للمؤمنين بعد الثالثة ، ويدعو للميت بعد الرابعة ، ثم يختم بالخامسة . أما على المنافقين فكان يصلي بأربع تكبيرات ، بدون أن يدعو لهم .

ومع أن الصحابة صلوا مع رسول الله(ص) على مئات الجنائز ، إلا أنهم اشتبه عليهم الأمر واختلفوا في عدد التكبيرات ، فأمرهم عمر بالأربع فاتبعوه .

قال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة:10/417:(ولعل الشبهة الموجبة لتركهم التكبير الخامس ماورد في بعض الأخبار عنه(ص) أنه كان يكبر أربعاً على بعض الأموات ، ولم يتفقهوا إلى أن ذلك إنما هو فيما إذا كان الميت منافقاً كما صرحت به أخبار أهل البيت(ع) من أنه(ص) كان يصلي على بعض خمس تكبيرات ، وعلى أناس أربعاً ، وأنه إذا كبر أربع تكبيرات اتُّهم بالنفاق .

وربما أكد ذلك عندهم إصرار الشيعة على الخمس ، حيث أنهم يتعمدون مخالفتهم ، وإن اعترفوا بأن السنة النبوية فيما عليه الشيعة ! بل قد صرح بهذا الوجه بعض شراح صحيح مسلم ، على ما نقله بعض أصحابنا رضوان الله عليهم ، حيث قال نقلاً عنه: إنما ترك القول بالتكبيرات الخمس في صلاة الجنازة ، لأنه صار علماً للتشيع ! وقال عبد الله المالكي المغربي في كتابه المسمى بفوائد مسلم كما نقله بعض أصحابنا أيضاً: إن زيداً كبر خمساً على جنازة ، قال وكان رسول الله(ص) يكبرها ، وهذا المذهب الآن متروك لأنه صار علماً على القول بالرفض .

وقد أوردنا في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد جملة من مخالفاتهم التي من هذا القبيل !

وقال  :(روى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن أبي بصير قال:(قلت لأبي عبد الله(ع) : لأي علة نكبر على الميت خمس تكبيرات ويكبر مخالفونا أربع تكبيرات؟ قال(ع) : لأن الدعائم التي بني عليها الإسلام خمس: الصلاة ، والزكاة، والصوم ، والحج ، والولاية لنا أهل البيت . فجعل الله للميت من كل دعامة تكبيرة ، وإنكم أقررتم بالخَمس كلها وأقر مخالفوكم بأربع وأنكروا واحدة ، فمن ذلك يكبرون على موتاهم أربع تكبيرات ، وتكبرون خمساً) . انتهى . (راجع أيضاً جواهر الكلام:12/31).

وقال البيهقي في سننه:4/37: (عن أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله(ص)سبعاً وخمساً وستاً ، أو قال أربعاً ، فجمع عمر بن خطاب أصحاب رسول الله ، فأخبر كل رجل بما رأى ، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات ) .

وقال ابن قدامة في المغني:2/393: (وروي أن عمر جمع الناس فاستشارهم ، فقال بعضهم: كبر النبي سبعاً ، وقال بعضهم خمساً ، وقال بعضهم أربعاً ، فجمع عمر الناس على أربع تكبيرات ). انتهى .

وقد روت مصادرهم الأربع تكبيرات والخمس ، كما في مسند أحمد:3/337 ، و349، و:4/372 ، والبخاري:2/91 ، ومسلم:3/54 ، و56 ، وابن ماجه:1/482 ، وأبي داود:2/79، والترمذي: 2/244، وعقد البيهقي في سننه:4/36 باباً بعنوان: (باب من روى أنه كبر على جنازة خمساً ) .

وقد أكثروا من رواية أن النبي(ص) كبر على النجاشي أربعاً ، لكن روى الطبراني:17/20، أنه(ص) كبر عليه خمساً ، فضعَّفوا حديثه ! وأعرضوا كلياً عن أحاديث أهل البيت(ع) وإجماعهم !

لكن ابن حزم أفتى في المحلى:5/124 ، بأن أصل التكبير على الجنازة خمس ، وأفتى بصحة الأربع ، وأورد أحاديث عديدة في أن النبي(ص) كان يكبر خمساً . وسَخِرَ من ادعائهم الإجماع على الأربع ، التي أمر بها عمر وجمع عليها الناس !

الأسئلة

1 ـ ماذا يريد البخاري من تكثير الروايات وتكرارها في اعتراض عمر على النبي(ص) ؟!

2 ـ لو كنت أنت حاضراً ورأيت أن عمر وثب ووقف في وجه النبي(ص) وجرَّ ثوبه ، وتكلم معه بأسلوبه الفظ ، ماذا سيكون موقفك ؟!

3 ـ نص علماء اللغة وأصول الفقه على أن عدد السبعين في مثل قوله تعالى: إسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ... لا مفهوم له وأن المعنى مهما استغفرت لهم فلن يغفر الله لهم . فهل توافقون على صحة قول عمر إن النبي(ص) فهم التخيير خطأً من هذه الآية ؟!

4 ـ ما هو موقفكم من كبار أئمتكم كالباقلاني، والجويني، والغزالي، والداودي وعياض ، وأمثالهم ، الذين ردوا هذا الحديث رغم تصحيح الشيخين له ، ونزَّهوا النبي(ص) عما نسبه اليه عمر ، أي كذبوا البخاري ومسلماً أو عمر؟!

5 ـ هل توافقون القرطبي على أن النبي(ص) أخطأ في فهم التخيير ، بينما ألهم الله عمر نهيه عن الصلاة على المنافقين قبل نزول آية النهي ؟!

قال في تفسيره:8/218: (إن قال قائل: فكيف قال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ، ولم يكن تقدم نهى عن الصلاة عليهم .

قيل له: يحتمل أن يكون ذلك وقع له في خاطره ، ويكون من قبيل الإلهام والتحدث الذي شهد له به النبي(ص) ، وقد كان القرآن ينزل على مراده ، كما قال: وافقت ربي في ثلاث . وجاء: في أربع ، وقد تقدم في البقرة ، فيكون هذا من ذلك . ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى: إستغفر لهم أو لاتستغفر لهم ، الآية . لا أنه كان تقدم نهي على ما دل عليه حديث البخاري ومسلم)؟!!

6 ـ قال الرازي في تفسيره:16/151: (عن ابن عباس أنه لما اشتكى عبدالله بن أبي ابن سلول عاده رسول الله(ص)فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ، ثم إنه أرسل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منه قميصه ليكفن فيه فأرسل إليه القميص الفوقاني ، فرده وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه ، فقال عمر: لمَ تُعطي قميصك الرجسَ النجس؟!فقال عليه الصلاة والسلام: إن قميصي لايغني عنه من الله شيئاً ، فلعل الله أن يدخل به ألفاً في الإسلام ، وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله ، فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه ، أسلم منهم يومئذ ألف . فلما مات جاء ابنه يعرفه فقال عليه الصلاة والسلام لابنه: صل عليه وادفنه ، فقال: إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم ، فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه ، فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه ، فنزلت هذه الآية ، وأخذ جبريل بثوبه وقال: ولاتصلِّ على أحد منهم مات أبداً ) ! انتهى.

فهل ترون أن من مناقب عمر سوء أدبه مع النبي(ص) وعدم اقتناعه بكلامه ؟!

وهل تقبلون حديث أن جبرئيل ساعد عمر ومنع النبي(ص) من الصلاة على ابن سلول ، مع أنه صح عندكم أن عمر قال إن النبي(ص) صلى عليه وصلى هو معه؟!

وهل توثقون يزيد الرقاشي واضع هذا الحديث لمصلحة عمر ، مع أنه ضعيف متروك عند علمائكم؟! ( راجع: من له رواية في كتب الستة للذهبي:2/380 ، وإرواء الغليل للألباني:2/59 ، والكامل لابن عدي:7/258 ، وتلخيص الحبيرلابن حجر:1/366 والمجموع للنووي:18/68 ، والمحلى لابن حزم:2/13 ) .

7 ـ ثم قال الرازي: (فإن قيل: كيف يجوز أن يقال إن الرسول رغب في أن يصلي عليه بعد أن علم كونه كافراً وقد مات على كفره ، وأن صلاة الرسول عليه تجري مجرى الإجلال والتعظيم له ، وأيضاً إذا صلى عليه فقد دعا له ، وذلك محظور ، لأنه تعالى أعلمه أنه لايغفر للكفار البتة ، وأيضاً دفع القميص إليه يوجب إعزازه ؟!

والجواب: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول أن يرسل إليه قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه ، غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه انتقل إلى الإيمان ، لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر ويؤمن فيه الكافر ، فلما رأى منه إظهار الإسلام وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت على دخوله في الإسلام ، غلب على ظنه أنه صار مسلماً ، فبنى على هذا الظن ورغب في أن يصلي عليه ، فلما نزل جبريل وأخبره بأنه مات علىكفره ونفاقه، امتنع من الصلاة عليه)! انتهى.

فهل تقبلون ذلك وتنسبون عمر الى النباهة والفطنة ، وتنسبون النبي(ص) الى السذاجة ، وأنه تخيل أن ابن سلول قد أسلم فأراد ان يعمل بتخيله وظنه ؟!

8 ـ ثم قال الرازي في آخر كلامه: ( وأما دفع القميص إليه فذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن العباس عم رسول الله(ص)لما أخذ أسيراً ببدر ، لم يجدوا له قميصاً ، وكان رجلاً طويلاً ، فكساه عبد الله قميصه . الثاني: أن المشركين قالوا له يوم الحديبية ، أنا لا ننقاد لمحمد ، ولكنا ننقاد لك ، فقال لا ، إن لي في رسول الله أسوة حسنة ، فشكر رسول الله له ذلك . والثالث: أن الله تعالى أمره أن لا يرد سائلاً ). انتهى. فما رأيكم ؟!

9 ـ هل يمكن أن تفسروا لنا قول الرازي: ( فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصباً عالياً ودرجة رفيعة له في الدين . فلهذا قال عليه الصلاة والسلام في حقه: لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبياً ) . انتهى.

فهل تسمون عمر حسب هذا المنصب: نبي الظل ، أو نبياً مع وقف التنفيذ ، أو نبياً مرشحاً يوافقه الوحي ويخالف النبي الفعلي(ص) ؟!

10 ـ ما رأيكم في قول ابن المنير إنه لايبعد أن النبي(ص) أجاز لعمر أن يسئ الأدب معه ويغلظ عليه ، لكي يسدده عندما يخطئ ؟!

11 ـ إذا وقف شخص أمامك وأمسك بثوبك وأراد أن يمنعك من الصلاة على جنازة ، فقلت له: أخر عني ، فهل معنى كلامك:أخر عني كلامك أوشخصك ؟!

12 ـ ألاترون في قول عمر عن فعله مع النبي(ص) في هذا الحادثة: (لقد أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قط) ! (الدر المنثور:3/264)أنه أحس بخطئه في اعتراضه على النبي(ص) عندما أعطى القميص، ثم في إصراره رغم توضيح النبي (ص) ، ثم في قوله وفعله الشاذ ، وأن توبيخ النبي(ص) له وصل الى العظم ؟!

13 ـ ما رأيكم في فقه المسألة في مذهب أهل البيت(ع) ؟

14 ـ ما رأيكم في صيغة القصة كما رواها أهل البيت(ع) ؟ والتي يؤيدها ما رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة:1/370 ،قال: (حدثنا وهب بن جرير ، قال حدثنا أبي ، قال سمعت الحسن يقول: سأل عبدالله بن أبي النبي(ص)قميصه أن يكفن فيه إياه فأعطاه إياه. فقال عمر: يا رسول الله أتعطي هذا المنافق قميصك يكفن فيه؟فقال: ويحك يابن الخطاب وما علي أن أتألف بني النجار بقميصي)؟!

15 ـ ما رأيكم في سياق السورة الموحد ، وفي رواية البخاري أنها نزلت دفعة واحدة ، وتكذيبه لنفسه ولعمر ؟!

16 ـ رويتم أن عمر تدخل في أمر عبادي وفرض على المسلمين أن يكبروا أربعاً على الجنازة . فهل يجوز له ذلك ، أم تردون روايته كما فعل ابن حزم ؟! قال في المحلى:5/124:(ويكبر الإمام والمأمومون بتكبير الإمام على الجنازة خمس تكبيرات لا أكثر، فإن كبروا أربعاً فحسن..... عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:( كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعاً وإنه كبر على جنازة خمساً ، فسألته فقال: كان رسول الله(ص)يكبرها ... واحتج من منع أكثر من أربع بخبر رويناه من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عامر ابن شقيق عن أبي وائل قال: جمع عمر بن الخطاب الناس فاستشارهم في الكتبير على الجنازة ، فقالوا: كبر النبي سبعاً وخمساً وأربعاً ، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات كأطول الصلاة ... قالوا: فهذا إجماع ، فلايجوز خلافه !

قال أبو محمد: وهذا في غاية الفساد ، أول ذلك أن الخبر لا يصح لأنه عن عامر ابن شقيق ، وهو ضعيف ، وأما عمر بن شقيق فلا يدرى في العالم من هو ! ومعاذ الله أن يستشير عمر في إحداث فريضة بخلاف ما فعل فيها رسول الله(ص) ، أو للمنع من بعض ما فعله(ع) ومات وهو مباح فيحرم بعده ! لايظن هذا بعمر إلا جاهل بمحل عمر من الدين والاسلام ، طاعن على السلف رضي الله عنهم )؟!

المسألة: 158

قصة أسرى بدر التي زعم عمر أنه أصاب فيها ، وأن النبي(ص) أخطأ !

معركة بدر أول معركة فاصلة بين الإسلام والشرك ، وكان عدد جيش المسلمين فيها ثلاث مئة ونيفاً ، وكانت تجهيزاتهم بسيطة ، وجيش المشركين نحو ألف بأحسن تجهيز ، ومع ذلك انتصر المسلمون عليهم ، فقتلوا سبعين من فرسانهم ، وأسروا سبعين من شخصياتهم ، ثم أطلقوهم مقابل فدية مالية .

وقد خلَّد الله تعالى هذه المعركة في القرآن ، ووبَّخ جماعة من أصحاب النبي (ص) كانوا معارضين لخوضها خوفاً من قريش، وكانوا يريدون الإكتفاء بغنيمة القافلة وأسر مرافقيها ، مع أن الله تعالى وعدهم النصر !

قال الله تعالى:كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُون. يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ . وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ . لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ . إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ . إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأعناق وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فإن اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ . ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّار .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ . وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير. فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ. إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شيئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِين . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ. (سورة الأنفال:5 ـ 20)

فالآيات صريحة في أن عمل النبي(ص) كان بتوجيه الله تعالى ووحيه ، ولم يَدَّعِ أحد يومها أنه(ص) أخطأ في الحرب ، أو في أخذ أسرى ، أو في إطلاقهم مقابل فدية مالية !

لكن عمر ادعى في خلافته أنه كان نهى النبي(ص) عن أخذ الأسرى القرشيين ونهاه عن أخذ الفدية منهم ، فلم يطعه النبي(ص) ، فعاقبه الله في معركة أحد ، فانهزم جيش النبي(ص) وقتل منهم سبعون وأصيب النبي(ص) ، فنزلت آيات توبخ النبي (ص) والمسلمين على ذنبهم في بدر ، وتؤيد رأي عمر !!

نقد الروايات العمرية

قال في مجمع الزوائد: 6/115: (وعن عمر بن الخطاب قال: فلما كان عام أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون ، وفر أصحاب رسول الله عن النبي(ص) فكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه ، وسال الدم على وجهه ، وأنزل الله عز وجل: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ إني هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَئْءٍ قَدِير ، بأخذكم الفداء! رواه الطبراني في آخر حديث عمر الذي في الصحيح في مسنده الكبير ) . انتهى.

وهذا الحديث الصحيح عنده باطل لأمور:

أولاً: لأن التوبيخ في الآية ليس للنبي(ص) بل للذين أرادوا غنيمة القافلة وأسر مرافقيها وخافوا من القتال ، ومنهم أبو بكر وعمر !

ففي صحيح مسلم:5/170: (عن أنس أن رسول الله (ص)شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان ، قال فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ، ثم تكلم عمر فأعرض عنه ، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله ، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا ) . (ورواه أحمد:3/219 و320 و357 والشوكاني في نيل الأوطار:8/45 ) .

فقولهم إن النبي(ص) أعرض عنهما ، وحذفهم لكلامهما ، يدل على أنهما خافا وخوَّفا النبي(ص) من حرب قريش ! ويتأكد ذلك بقرينة أنهم رووا سرور النبي (ص) وإشراق وجهه بموقف المقداد بعد موقف أبي بكر وعمر !

ففي البخاري:5/4 أن المقداد قال: (لا نقول كما قال قوم موسى: إذهب أنت وربك فقاتلا ، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك . فرأيت النبي (ص)أشرق وجهه وسره ذلك ). وفي الطبراني الكبير:10/213: (فرأيت وجه رسول الله(ص) انبسطت أساريره) . انتهى.

ولم يكتفوا بحذف كلام أبي بكر وعمر ، حتى كذبوا لهما وقالوا إنهما قالا فأحسنا ! قال ابن حجر في فتح الباري:7/223: (لما وصل النبي(ص)الصفراء وبلغه أن قريشاً قصدت بدراً ، وأن أبا سفيان نجا بمن معه ، فاستشار الناس فقام أبو بكر فقال فأحسن ، ثم قام عمر كذلك ، ثم المقداد...) ! (ونحوه في النهاية:3/320 ، وأسد الغابة:4/59 و409) .

على أن بعض الروايات صرحت بشئ من كلامهما ! ففي الدر المنثور:3/165: (فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إنها قريش وعزها ، والله ما ذلت منذ عزت ولا آمنت منذ كفرت ، والله لتقاتلنك فتأهب لذلك أهبته ، واعدد له عدته) ! (ورواه في عيون الأثر:1/327 ، والنهاية:3/321 ) .

وفي الصحيح من السيرة:5/21: (فقام أبو بكر ، فقال: يارسول الله ، إنها قريش وخيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت ، وما ذلت منذ عزَّت ، ولم تَخرج على هيئة الحرب . فقال له رسول الله (ص): أجلس ، فجلس ، فقال (ص): أشيروا عليَّ ، فقام عمر ، فقال مثل مقالة أبي بكر . فأمره النبي(ص) بالجلوس فجلس ).

( عن مغازي الواقدي:1/48 ، والسيرة الحلبية:2/150 ، والدر المنثور:3/ 166 ودلائل النبوة للبيهقي ، والبحار: 19/ 247 ، وتفسير القمي:1/ 258 ).

وثانياً: إن الدليل الذي استدلوا به وجعلوه فضيلة عمر ، وضمنوه الطعن على النبي(ص) متهافتٌ ، ففي الدر المنثور:3/163: (أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم وأبن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال لنا رسول الله(ص) ونحن بالمدينة وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت ، فقال: ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا ، فخرجنا فلما سرنا يوماً أو يومين ، أمرنا رسول الله(ص) أن نتعادَّ ففعلنا فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، فأخبرنا النبي(ص)بعدتنا فسرَّ بذلك وحمد الله ، وقال: عدة أصحاب طالوت . فقال: ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم ؟ فقلنا يا رسول الله لاوالله مالنا طاقة بقتال القوم ، إنما خرجنا للعير... الى أن قال: فقتلنا وأسرنا ، فقال عمر: يا رسول الله ما أرى أن تكون لك أسرى فإنما نحن داعون مؤلفون ، فقلنا معشر الأنصار إنما يحمل عمر على ما قال حسدٌ لنا ،فنام رسول الله(ص)ثم استيقظ ثم قال: أدعوا لي عمر فدعي له فقال له: إن الله قد أنزل عليَّ: ما كان لنبي أن تكون له أسرى.. الآية). انتهى.

(وهو في الطبراني الكبير:4/174، وحسَّنه في مجمع الزوائد:6/73 ).

فهذا الحديث الحسن يدل أولاً ، على أن عمر وأبا بكر كانا من الذين قالوا لاطاقة لنا بقتال قريش ، كالذين قالوا: لاطاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده .

وثالثاً: إن قول عمر (ما أرى أن تكون لك أسرى فإنما نحن داعون مؤلفون) ! يدل على أن عمر كان معارضاً لأصل أخذ الأسرى لأنهم من قريش ، تعصباً أن يأسرهم الأنصار ! فهذا معنى قولهم: فقلنا معشر الأنصار إنما يحمل عمر على ما قال حسدٌ لنا !

ورابعاً: تقول الرواية إن عمر اعترض في بدر بعد المعركة ، فنزلت الآية مؤيدة لرأيه ، ونهت النبي(ص) عن أخذ الأسرى ، لأن معركة بدر لم تكن إثخاناً كافياً يحلل أخذ الأسرى! فدعا النبي(ص) عمر فقرأها له وأقر بأن رأيه كان خطأ ورأي عمر صواباً ، ومع ذلك خالف النبي(ص) الآية وعصى أمر ربه ، وأخذ أسرى من قريش وساقهم الى المدينة ! ثم عصى ربه فيهم ثانيةً فأخذ منهم الفداء !

وفي مسند أحمد:1/30: (فلما كان يومئذ والتقوا فهزم الله عز وجل المشركين فقتل منهم سبعون رجلاً وأسر منهم سبعون رجلاً ، فاستشار رسول الله(ص)أبا بكر وعلياً وعمر فقال أبو بكر: يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ، فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة على الكفار ، وعسى الله أن يهديهم فيكونون لنا عضداً . فقال رسول الله(ص)ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال قلت: والله ما أرى ما رأي أبو بكر ، ولكني أرى أن تمكنني من فلان- قريب لعمر - فأضرب عنقه ، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه ، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين ، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم .

فهويَ رسول الله(ص)ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت ، فأخذ منهم الفداء فلما أن كان من الغد قال عمر: غدوت إلى النبي(ص)فإذا هو قاعد وأبو بكر رضي الله عنه وإذا هما يبكيان ! فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما !

قال فقال النبي(ص): الذي عرض عليَّ أصحابك من الفداء ! لقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة ، وأنزل الله عز وجل(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، إلى قوله: لَّوْلاَكِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ) من الفداء ، ثم أحل لهم الغنائم ، فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفرَّ أصحاب النبي(ص)عن النبي(ص)وكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه ، وسال الدم على وجهه ، وأنزل الله تعالى:أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ، الآية.. بأخذكم الفداء) !! (ورواه مسلم:3/158 و170 ومجمع الزوائد: 6/113 و115 و118 ورواه أحمد :1/32 ونحوه في سنن أبي داود:1/608).

ويَرِدُ على هذه الرواية إشكالات عديدة :

منها ، أنها طبَّقت قوله تعالى:لمسكم فيما أخذتم، على أخذ النبي(ص) والمسلمين أسرى بدر أو فداءهم ! وهذا غلط ، لأن لو حرف امتناع لامتناع فقوله تعالى: لولا كتاب من الله ، معناه أن الأخذ لم يتحقق ، وأنه أخذ تقديري ، فلا بد أن يكون أخذهم لمرافقي القافلة ، الذي أرادوه ونجاهم الله تعالى منه برحمته وكتابه الذي سبق .

ومنها ، أن عمر ادعى أن رأيه كان قتل الأسرى وأن الوحي وافقه ! لكن النبي (ص) عصى ربه ولم يقتلهم ، وساقهم الى المدينة ثم أخذ منهم الفداء ! وهذا مناقض للرواية الحسنة المتقدمة في أن عمر عارض أصل أخذ الأسرى !

ومنها ، أن عمر اتهم النبي(ص) بأنه أخذ الأسرى باجتهاد منه بدون أمر ربه ، أو طمعاً بفدائهم المالي ، ثم نهاه ربه ، فعصى أمر ربه وأصرَّ على رأيه !

وهذا تحريفٌ للآية ، لأن التوبيخ فيها ليس للنبي(ص) بل للذين خافوا من مواجهة قريش وأرادوا غنيمة القافلة ، وهم أبو بكر وعمر ومن وافقهم ! فهم الذين أرادوا عرض الحياة الدنيا ، وأخذ القافلة وأسْر مرافقيها ، ولو فعلوا ذلك لمسهم فيما أخذوا عذاب عظيم !

أما النبي(ص) فقد أخذ أسرى بعد الإثخان في الأرض ، وأي إثخان أبلغ من سفره مسافة مئة وخمسين كيلو متراً الى بدر ، وإمعانه في قتل المشركين ؟!

وهذا المعنى واضح من آيات بدر: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ . يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ . وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ. الى قوله: مَاكَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرض تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيم . لَّوْلاَكِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيم) .

ومنها ، أن الرواية تقول إن النبي(ص) أخذ من الأسرى الفداء في الغد ، فنزلت عليه الآية توبخه وتنذره بالعذاب ، فقعد هو وأبو بكر يبكيان على ذنبهما ! ومع ذلك عاد النبي(ص) بالأسرى الى المدينة ، وأخذ منهم الفداء بعد مدة !!

فمن يصدق أن النبي(ص) نزل عليه التوبيخ ، وبكى على ذنبه ، ثم أصر عليه ؟!

أكذوبة: لو نزل العذاب ما نجا منه إلا ابن الخطاب !

يتضح لكل ذي عينين أن كل غرضهم من روايات قصة أسارى بدر أن يمدحوا عمر بن الخطاب ، ولو بتخطئة النبي(ص) !

وقد وضعوا لذلك حديثاً مكذوباً على رسول الله(ص) يقول:( لو نزل العذاب لما نجا منه إلا ابن الخطاب) . ومع أن نُقَّادهم حكموا بوضعه ، إلا أن علماءهم يستشهدون به ويصححونه عملياً ، لافرق بين كبيرهم وصغيرهم !

كما حكموا بوضع حديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، ومع ذلك يستشهدون ، ويبنون عليه مذهبهم في الفقه والأصول والتفسير ! ولا يتسع المجال لإثبات ذلك من