الفصل الحادي والعشرون
طعنهم في عصمة نبينا(ص) وتفضيل بعض أصحابه عليه !
الأخطاء النبوية.. والتصحيحات العمرية !
الوضع الطبيعي للعلاقة بين النبي(ص) وعمر أن تكون علاقة مسلم تابع بنبيٍّ متبوع
مُطاع ، لكن الثابت أن عمر كان كثير الإعتراض على النبي(ص) !
والتفسير الصحيح لذلك أنه خطأ من عمر ، وأن الإعتراض على رسول الله(ص) أمرٌ
كبير لأنه كما قال الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إلا
وَحْيٌ يُوحَى... وَمَاآتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُوا ، وَاتَّقُوا اللهَ ، إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ .
لكن عمر ومجبيه خرجوا عن المألوف ، وفسروا اعتراضات عمر بأنه كان دائماً مصيباً
، بينما كان النبي(ص) يقع في الخطأ ! وأن الوحي كان ينزل مؤيداً لرأي عمر
منتقداً لرأي النبي(ص) ، بل كان أحياناً يوبِّخ النبي(ص) ، معاذ الله !!
فكأن النبي(ص) عندهم رجلٌ ساذج ، يقع في أخطاء فيصححها له عمر !
وكأن المطلوب أن يثبتوا لعمر فضائل ، ولو بالطعن في شخصية النبي(ص) !
وقد ألفوا في هذا الطعن المغطى به(ص) كتباً ونظموا أراجيز وسموه (موافقات عمر)
ومعناها: موافقات الله تعالى لرأي عمر ، ولو بتخطئة رأي النبي(ص) !!
ففي الأعلام:2/63: ( أبو بكر بن زيد بن أبي بكر الحسني الجراعي الدمشقي ...
(825 ـ 883 ) له.... نفائس الدرر في موافقات عمر ) .
وفي:3/301: (الجلال السيوطي(849–911) ، وعدَّ من مؤلفاته: قطف الثمر في موافقات
عمر ). وكذا في كشف الظنون:2/1353
وفي:5/302: (...ـ937هـ) محمد بن إبراهيم بن محمد بن مقبل البلبيسي... صنَّف:
شرح نظم الدرر في موافقات عمر للبدر الغزي ) .
وفي:7/44: (محمد بن جمال الدين عبد الله بن أبي حفص سراج الدين عمر ، من علماء
حلب ، ولي قضاءها مرات ، واستقضيَ بدمشق والقاهرة . له كتب منها . . .
الموافقات العمرية للقرآن الشريف ).
وفي معجم المؤلفين:2/22: (أحمد بن النقيب(771 ـ 816 ه ) أحمد بن علي بن محمد
المقدسي... له الموافقات التي وقعت في القرآن لعمر بن الخطاب ) .
وفي إيضاح المكنون:1/447:(الدر المستطاب في موافقات عمر بن الخطاب ، لحامد بن
علي بن إبراهيم بن عبد الرحيم العمادي ، المفتي الدمشقي الحنفي المتوفى سنة
1171).
وفي:2/658: (نظم الدرر في موافقات عمر ، أعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبدر
الدين محمد بن محمد الغزي ) .
وفي هدية العارفين:1/497: (ابن البدر الخطيب عبد الباقي بن عبدا لباقي بن عبد
القادر بن عبدا لباقي بن إبراهيم بن عمر البعلي الدمشقي....ولد سنة 1005 وتوفي
في ذي الحجة من سنة1071 . من تصانيفه شرح الجامع الصحيح للبخاري لم يكمل .
اقتطاف الثمر في موافقات عمر ) .
وفي:2/233: (محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرج بن بدر
بن عثمان الغزي...توفي سنة935.... من تصانيفه ... شرح نظم الدرر في موافقات عمر
... نظم الدرر في موافقات عمر ). انتهى.
قال ابن حجر في فتح الباري:1/200: (وروى البزار بإسناد حسن ، من حديث أبي سعيد
الخدري في هذه القصة أن النبي(ص)أذن لمعاذ في التبشير ، فلقيه عمر فقال: لاتعجل
، ثم دخل فقال: يا نبي الله أنت أفضل رأياً ، إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا
عليها ! قال: فَرُدَّهُ ! وهذا معدودٌ من موافقات عمر ، وفيه جواز الإجتهاد
بحضرته (ص) !!
وقال في فتح الباري:7/42: (عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقرأ: وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلانَبِيٍّ،ولا محدث . والسبب في
تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي(ص)من الموافقات التي نزل القرآن
مطابقاً لها) !!
وفي تحفة الأحوذي:10/125:(فإن يك في أمتي أحد)أي من المحدثين (فعمر بن الخطاب)
وفي بعض النسخ: يكون عمر بن الخطاب ، والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع
له في زمن النبي(ص)من الموافقات التي نزل القرآن مطابقاً لها ، ووقع له بعد
النبي(ص)عدة إصابات ). انتهى.
وقال الصالحي في سبل الهدى والرشاد:3/197:(عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا
رسول الله(ص)بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض علينا الحرب ، على ألانشرك بالله
شيئاً ، ولانسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من
بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف ...
وقوله: على بيعة النساء ، يعني على وفق ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام
الحديبية ، وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة ، وليس
هذا بعجيب ، فإن القرآن نزل بموافقات عمر بن الخطاب ). انتهى .
وفي تاريخ المدينة لابن شبة:3/859: ( موافقاته رضي الله عنه... قال ابن عمر: ما
أنزل الله أمراً قط فقالوا فيه وقال فيه عمر ، إلا نزل القرآن على نحو ما قال
عمر) ! (ورواه أحمد:2/95، والترمذي:5/280 ، وروى عن ابن عمر أن النبي(ص) قال:
إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ) !
ثم ذكر ابن شبَّه عدداً من موافقات الله تعالى لعمر ، بعضها واضح الكذب ،
وبعضها محرَّف ، وفي بعضها تخطئة صريحة للنبي(ص) !
الأسئلة
1 ـ هل تقبل عقولكم أن يكون خير البشر وأفضل الأنبياء والمرسلين(ص) بهذه الصفات
التي تنسبها اليه هذه الروايات ؟!
2 ـ هل تعتقدون أن النبي(ص) يمكن أن يخطئ في الأمر بل في الأمور ويصيب عمر؟ ألا
يلزم من ذلك أن عمر أفضل من النبي(ص) وأولى بالنبوة ؟!
3 ـ لو أن رواياتكم قالت إن الذي كان يصحح أخطاء النبي(ص) شخصٌ غير عمر ، هل
كنتم تسكتون عن هذ المنقصة لنبيكم(ص) ؟!
المسألة: 145
افتروا علىالنبي(ص) بأنه كان يشتم الناس ويلعن ويؤذي
ويضرب بغير حق ! أما عمر فكان غضبه حقاً وعزاً !!
قال الله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى
لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا
يَعْتَدُونَ) . (المائدة:78) واللعن ، هو الحكم الإلهي بطرد شخص شرِّير من رحمة
الله ، وهو أمر معروفٌ في كل الأديان ، ولذا تتشاءم الأمم من الملعونين على
لسان الأنبياء(ع) وتنبذهم.
وقد لعن النبي(ص) عدداً من زعماء قريش ، فصارت لعنته دمغة عليهم !
لكن القرشيين ابتكروا بعد وفاة النبي(ص) أسلوباً لإبطال اللعن النبوي ! فزعموا
أن النبي(ص) اعترف بأنه غير معصوم ، وأنه يغضب كما يغضب الإنسان العامي فيسب
ويلعن ويؤذي ويضرب المؤمنين ظلماً وعدواناً ! وأنه(ص) دعا لمن لعنهم وظلمهم
وآذاهم بغير حق ، بأن يعوضهم الله ويجعل لعنته عليهم: (صلاةً وقربةً ، وزكاةً
وأجراً ، وزكاةً ورحمةً ، وكفارةً له يوم القيامة ، وقربةً تقربه بها يوم
القيامة ، ومغفرةً وعافيةً ، وكذا وكذا .. وبركةً ورحمةً ومغفرةً وصلاةً .. على
حدِّ تعابيرهم ) !!
وقد رووا ذلك في عشرات الروايات ودونوها في أصح كتبهم! فصار الملعونون على لسان
النبي(ص) بهذه الأدعية أربح وأفضل من غيرهم !
قال البخاري (وهو مولى بني جُعف محمد بن إسماعيل بن برد زبه البخاري الخرتنكي)
في صحيحه:7/157:(باب قول النبي(ص)من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة ... عن أبي
هريرة أنه سمع النبي(ص)يقول: اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة اليك
يوم القيامة ) !!
وروى مسلم(وهو مولى بني قشير مسلم بن حجاج النيشابوري) في صحيحه:8/25: (عن أبي
هريرة أن النبي(ص)قال: أللهم إني أتخذ عندك عهداً لن تخلفنيه ، فإنما أنا بشر ،
فأيُّ المؤمنين آذيته أو شتمته أو لعنته أو جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة
تقربه بها اليك يوم القيامة ). انتهى. ورواه بسبع روايات أخرى بنحوه !
وقالت عائشة بنت أبي بكر بن قحافة ، كما في مسند أحمد:6/160: ( كان رسول الله
(ص)يرفع يديه يدعو حتى أسأم ! ويقول: أللهم إنما أنا بشر ، فلا تعاقبني بشتم
رجل من المسلمين إن آذيته ) .
ونحوه:6/225 و258،وفي رواية أخرى:2/390: (فأيما مسلم لعنته أو آذيته) .
ورواه:2/243، و493 ، وفيه: (إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر) .
وفي:3/33: ( فأي المؤمنين آذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته ، فاجعلها له صلاة
وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة) .
وفي مصنف عبد الرزاق:2/251: (عن عائشة قالت: كان رسول يرفع يديه يدعو ، حتى إني
لأسأم له مما يرفعهما ) !
وفيه:11/190:(إنما أنا بشر ، فأي المؤمنين آذيته ، أو شتمته ، أو جلدته ، أو
لعنته، فاجعلها له صلاة وكفارة ، وقربة تقربه بها يوم القيامة) .
بل رووا أحاديث أكثر جرأة على مقام النبي(ص) فزعموا أنه كان يدعو على قريش
ويلعنهم في قنوته ، فبعث الله تعالى اليه جبرئيل فوبخه وقال له: إن الله يقول
لك إني لم أبعثك سبَّاباً ! بل بعثتك رحمة للعالمين ، والقرشيون قومك وأهلك
أولى بالرحمة الإلهية ، فلماذا تسبهم وتلعنهم؟! وعلَّمه دعاء عاماً يقوله في
قنوته ، ليس فيه ما يمس قريش ! وهو (سورتا الخلع والحفد) اللتين كان يحبهما عمر
، ويقرؤهما في صلاته !
قال البيهقي في سننه:2/210: (بينا رسول الله(ص)يدعو على مضر (يعني قريشاً) إذ
جاءه جبرئيل فأومأ اليه أن اسكت فسكت ، فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك
سَبَّاباً ولا لعاناً ! وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذاباً ، ليس لك من الأمر شئ
أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . ثم علمه هذا القنوت:
اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ، ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك . اللهم
إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، ونرجو رحمتك ونخشى عذابك ونخاف
عذابك الجد ، إن عذابك بالكافرين ملحق).
ثم قال البيهقي:(هذا مرسل وقد روى عن عمر بن الخطاب صحيحاً موصولاً عن عبيد بن
عمير أن عمر قنت بعد الركوع فقال: اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات
والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم ألعن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون
أوليائك . اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن
القوم المجرمين .
بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك
ونخلع ونترك من يفجرك .
بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ولك نسعي ونحفد ونخشى
عذابك الجد ونرجو رحمتك ، إن عذابك بالكافرين ملحق) !!
وفي مجمع الزوائد:8/267: (وعن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال: دخلت على أبي
الطفيل عامر بن واثلة فوجدته طيب النفس ، فقلت يا أبا الطفيل أخبرني عن النفر
الذين لعنهم رسول الله(ص)قال قال: اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد من المؤمنين
دعوت عليه بدعوة فاجعلها له زكاة ورحمة . رواه الطبراني في الأوسط واللفظ له ،
وأحمد بنحوه ، وإسناده حسن ).
هذا عن غضب النبي(ص) وإيذائه للمؤمنين ولعنهم وضربهم !
أما عن غضب عمر ، فقالوا إن الله أجرى الحق على لسانه وقلبه في الرضا والغضب !
وإن الملائكة تحدثه ، والملك ينطق على لسانه .
وإن جبرئيل جاء الى النبي(ص) فقال له: أقرئ عمر السلام ، وأعلمه إن رضاه حكم ،
وغضبه عز !! فشهد له الله تعالى بأنه معصومٌ في الرضا والغضب .
قال المناوي في فيض القدير:2/278: (إن الله جعل الحق ، يعني أجراه على لسان عمر
، فكان كالسيف الصارم والحسام القاطع .
قال الطيبي: جعل بمعنى أجرى فعدَّاه بعلى ، وفيه معنى ظهور الحق واستعلائه على
لسانه ، ووضع جعل موضع أجراه ، إيذاناً بأن ذلك كان خلقياً ثابتاً لازماً
مستقراً .
وقلبه ، فكان الغالب على قلبه جلال الله ، فكان الحق معتمله ، حتى يقوم بأمر
الله وينفذ بمقاله وحاله ، وفاء بما قلَّدَه الله الخلق من رعاية هذا الدين
الذي ارتضاه لهم . ومن ثم جاء في خبر: إن غضبه عزٌّ ورضاه حكم ، وذلك لأن من
غلب على قلبه سلطان الحق فغضبه للحق عز للدين ، ورضاه عدل لأن الحق هو عدل الله
، فرضاه بالحق عدل منه على أهل ملته . ومعنى رضاه حكم: أنه إذا رضي رضي الحق ).
انتهى.
مضافاً الى ما قرأت ، تجد في تاريخ دمشق لابن عساكر:44/71: (أن جبريل أتى النبي
(ص)فقال: أقرئ عمر السلام وأعلمه أن غضبه عز ورضاه عدل) .
وفيه:44/72: (عن عقيل بن أبي طالب أن النبي(ص)قال لعمر بن الخطاب: إن غضبك عز
ورضاك حكم ). ( ورواه أبو الشيخ ابن حبان في طبقات المحدثين بأصبهان :2/34
،وابن أبي شيبة في المصنف:7/486 و487 ، والطبراني في الأوسط: 6/242 ،
والكبير:12/48 ، ومجمع الزوائد:9/69 ، وفي كنز العمال:10/365 ، عن مصادر متعددة
بروايات كثيرة ، وفي:12/596 و603 وج:11/578 و579 ، بأحاديث كثيرة ، وفيها: إن
الله عز وجل عند لسان عمر وقلبه... إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه... لو
لم أبعث فيكم لبعث عمر ، أيد الله عز وجل عمر بملكين يوفقانه ويسددانه ، فإذا
أخطأ صرفاه حتى يكون صواباً ) . انتهى.
ولو قلت لهم: إن قولكم هذا في عمر غلوٌّ وتفضيلٌ له على النبي(ص) !
لأجابوك: إنك لاتحب الصحابة ، والذي يطعن فيهم وينكر مناقبهم ، يطعن في الإسلام
ورسوله(ص) !! أو قالوا لك:إنها فضيلة للنبي(ص) أن الله جعل في أمته من يحفظ
الدين بعده مثل عمر !!
البيهقي أراد أن يطببها فأعماها !
حاول علماء السلطة توجيه أحاديث رفع اللعن وإعادة الإعتبار للملعونين على لسان
النبي(ص) ، فوقعوا في إشكالات أشد !
فقد حاول البيهقي أن يحفظ كرامة النبي(ص) بالقول إن الله تعالى أباح له أن
يسبَّ ويلعن ويجلد المؤمنين!! قال في سننه:7/60 ( باب ما يستدل به على أنه جعل
سبه للمسلمين رحمة ، وفي ذلك كالدليل على أنه له مباح ) !! انتهى .
ومعنى كلام البيهقي: أن النبي(ص) لعن أناساً وآذاهم بغير حق ، وهذا ذنبٌ يخرج
صاحبه عن العدالة ، وسلوكٌ سئ لايليق بمسلم عادي !
لكن المخرج من ذلك عند البيهقي أن نقول إن الله أحل لنبيه هذه المحرمات وأطلق
لسانه ويده في أعراض المسلمين!!
وبذلك يتهم البيهقي الله تعالى بأنه أحل لنبيه(ص) هذا السلوك !!
فانظر كيف كلفه رفع اللعن عن الملعونين أن ينسب الظلم الى الله تعالى !
النووي وابن حجر يغرقان في الإحتمالات !
قال النووي في شرح مسلم:16/152: (فإن قيل: كيف يدعو على من ليس هو بأهل للدعاء
عليه ، أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك ؟
فالجواب: ما أجاب به العلماء ، ومختصره وجهان:
أحدهما ، أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الأمر ، ولكنه في
الظاهر مستوجب له ، فيظهر له(ص)استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ، ويكون في باطن
الأمر ليس أهلاً لذلك، وهو(ص)مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر .
والثاني ، أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود ، بل هو مما جرت به عادة
العرب في وصل كلامها بلا نية ، كقوله: تربت يمينك ، وعُقْرَى حَلْقَى ، وفي هذا
الحديث: لاكبرت سنك ، وفي حديث معاوية: لا أشبع الله بطنه ، ونحو ذلك ، لا
يقصدون بشئ من ذلك حقيقة الدعاء فخاف(ص)أن يصادف شئ من ذلك إجابة ، فسأل ربه
سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهوراً وأجراً ،
وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان ، ولم يكن(ص) فاحشاً ولا
متفحشاً ولا لعاناً ولا منتقماً لنفسه). انتهى .
أقول: كلمة ( عَقْرَى حَلْقَى) رُويت في دعاء للنبي(ص) على امرأة ، أي عقرها
الله وأقعدها ، وأصابها بمرض في حلقها .
وأنت ترى أن كلام النووي بلا محصل ، فهو على الوجه الأول يثبت أن النبي (ص)
اعترف بأنه لعن وشتم وضرب وآذى بغير حق ، لكنه اعتذر مما قد يكون بغير حق في
الواقع في علم الله تعالى! وهذا خلاف الظاهر! ولو صح فهو لايغير من أمر
الملعونين والمشتومين والمجلودين شئياً ، لأن استحقاقهم الظاهري مازال موجوداً
! فتكون أحاديثهم في تبرئتهم ورفع اللعن عنهم بلا معنى عملي ؟!
بل اللازم عليهم أن يقولوا كما أن النبي(ص) يلعنهم لاستحقاقهم الظاهري ، فنحن
مأمورون بالظاهرأيضاً ، ونكون معذورين إذا خالف الواقع .
أو يقولون: مهما كان الوجه لفعل النبي(ص) فهو أمر يخصه ، ونحن مأمورون بالتأسي
به بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ
كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ
كَثِيراً).(الأحزاب:21) فالواجب علينا التأسي ، ونحن مثابون على التاسي به في
لعن من نلعنهم ، ولا تثريب علينا ولا اعتراض !
وعلى الوجه الثاني ، يكون كلام النبي(ص) لغواً بدون قصد ، وإن جوَّزناه على
النبي(ص) كما فعلوا ، فهو لايحتاج الى الإعتذار !
على أنه لايصلح لرفع الإشكال لأنه لايشمل الجَلْد الوارد في الأحاديث والذي لا
يمكن أن كون لغواً بغير قصد ، كما تنبه اليه ابن حجر !
قال في فتح الباري:11/147:(قوله: باب قول النبي(ص)من آذيته فاجعله له زكاة
ورحمة . كذا ترجم بهذا اللفظ وأورده بلفظ: اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له
قربة إليك يوم القيامة . أورده من طريق يونس وهو ابن يزيد عن بن شهاب .
وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه مثله ، وظاهر سياقه أنه حذف منه شئ من أوله ، وقد
بينه مسلم من طريق ابن أخي بن شهاب عن عمه ، بهذا الإسناد بلفظ: اللهم إني
اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه فأيما مؤمن سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له يوم
القيامة . ومن طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل
من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعله له زكاة ورحمة .
ومن طريق الأعرج عن أبي هريرة مثل رواية بن أخي بن شهاب ، لكن قال: فأي
المؤمنين آذيته شتمته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له صلاة، وزكاة، وقربة
تقربه بها إليك يوم القيامة .
ومن طريق سالم عن أبي هريرة بلفظ: اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر ،
وإني قد اتخذت عندك عهداً.. الحديث ، وفيه: فأيما مؤمن آذيته ، والباقي بمعناه
بلفظ أو .
وأخرج من حديث عائشة بيان سبب هذا الحديث ، قالت: دخل على رسول الله(ص)رجلان
فكلماه بشئ لا أدري ما هو ، فأغضباه فسبهما ولعنهما ! فلما خرجا قلت له ، فقال:
أوَما علمت ما شارطت عليه ربي ، قلتُ: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته
أو سببته فاجعله له زكاةً وأجراً .
وأخرجه من حديث جابر نحوه ، وأخرجه من حديث أنس ، وفيه تقييد المدعو عليه بأن
يكون ليس لذلك بأهل ، ولفظه: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب
البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهوراً،
وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة....
وقوله: اللهم فأيما مؤمن ، الفاء جواب الشرط المحذوف لدلالة السياق عليه.
قال المازري: إن قيل: كيف يدعو(ص)بدعوة على من ليس لها بأهل؟!
قيل: المراد بقوله ليس لها بأهل عندك: في باطن أمره ، لا على ما يظهر مما
يقتضيه حاله وجنايته حين دعائي عليه ، فكأنه يقول: من كان باطن أمره عندك أنه
ممن ترضى عنه ، فاجعل دعوتي عليه التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى حاله حينئذ ،
طهوراً وزكاة .
قال: وهذا معنى صحيح لاإحالة فيه ، لأنه(ص)كان متعبداً بالظواهر وحساب الناس في
البواطن على الله. انتهى .
وهذا مبني على قول من قال إنه كان يجتهد في الأحكام ويحكم بما أدى إليه اجتهاده
. أما من قال كان لا يحكم إلا بالوحي ، فلا يتأتى منه هذا الجواب .
ثم قال المازري: فإن قيل: فما معنى قوله وأغضب كما يغضب البشر ، فإن هذا يشير
إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سوْرة الغضب ، لا أنها على مقتضى الشرع فيعود
السؤال ؟!
فالجواب: أنه يحتمل أنه أراد أن دعوته عليه أو سبه أو جلده كان مما خيِّر بين
فعله له عقوبة للجاني ، أو تركه والزجر له بما سوى ذلك ، فيكون الغضب لله تعالى
بعثه على لعنه أو جلده ، ولا يكون ذلك خارجاً عن شرعه .
قال: ويحتمل أن يكون ذلك خرج مخرج الإشفاق وتعليم أمته الخوف من تعدي حدود الله
، فكأنه أظهر الإشفاق من أن يكون الغضب يحمله على زيادة في عقوبة الجاني لولا
الغضب ما وقعت ، أو إشفاقاً من أن يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة
الجاني لولا الغضب ما زادت ، ويكون من الصغائر على قول من يجوزها ، أو يكون
الزجر يحصل بدونها .
ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه ، فلا يكون في ذلك كاللعنة
الواقعة رغبة إلى الله وطلباً للإستجابة .
وأشار عياض إلى ترجيح هذا الإحتمال الأخير فقال: يحتمل أن يكون ما ذكره من سب
ودعاء غير مقصود ولا منوي ، لكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها
عند الحرج والتأكيد ، للعتب لا على نية وقوع ذلك كقولهم: عَقْرى حَلْقى ، وتربت
يمينك ، فأشفق من موافقة أمثالها القدر فعاهد ربه ورغب إليه أن يجعل ذلك القول
رحمة وقربة . انتهى.
وهذا الإحتمال حسن إلا أنه يرد عليه قوله: جلدته ، فإن هذا الجواب لايتمشى فيه
إذ لايقع الجلد عن غير قصد ! وقد ساق الجميع مساقاً واحداً ، إلا إن حمل على
الجلدة الواحدة فيتجه ! ثم أبدى القاضي احتمالاً آخر فقال: كان لايقول
ولايفعل(ص)في حال غضبه إلا الحق ، لكن غضبه لله قد يحمله على تعجيل معاقبة
مخالفه ، وترك الإغضاء والصفح . ويؤيده حديث عائشة: ما انتقم لنفسه قط إلا أن
تنتهك حرمات الله . وهو في الصحيح .
قلت: فعلى هذا فمعنى قوله: ليس لها بأهل ، أي من جهة تعيُّن التعجيل! وفي
الحديث كمال شفقته(ص)على أمته وجميل خلقه وكرم ذاته ، حيث قصد مقابلة ما وقع
منه بالجبر والتكريم . وهذا كله في حق معين في زمنه واضح ، وأما ما وقع منه
بطريق التعميم لغير معين حتى يتناول من لم يدرك زمنه(ص) ، فما أظنه يشمله والله
أعلم ). انتهى كلام ابن حجر .
وتلاحظ أنه حكم بصحة أحاديث رفع اللعن ، ثم نقل احتمالات المازري وعياض في رد
الإشكالات عليها ، وكأنه ارتضاها ، حيث لم يردَّ منها إلا قول المازري بعدم قصد
النبي(ص) لها ، فقال إن عدم القصد لايصح في الجلد !
ثم مال الى احتمال عياض بأن الذين لعنهم النبي(ص) أو جلدهم مستحقون لذلك لكن
النبي(ص) اعتذر عن تعجيله بمجازاتهم ، لا عن أصلها !
وهو احتمال بعيد لأن أحاديثهم صريحة في أن النبي(ص) اعترف بأنه يغضب كعامة
البشر ، فيشتم ويؤذي ويلعن ويجلد من لايستحق ذلك !
فيبقى الإشكال: كيف يرتكب النبي(ص) ذلك وهو صاحب الخلق العظيم؟!
على أن الإشكالات الأربعة التالية تبقى واردة على كل احتمالاتهم وتطويلاتهم :
الأول: أن اللعن من النبي(ص) إنشاء يتضمن الإخبار بأن ذلك الشخص مطرودٌ من رحمة
الله تعالى ، وهذا الإخبار لايكون إلا بوحي الله تعالى ، فيكون معنى قوله(ص) :
لعن الله فلان ، أو اللهم ألعن فلاناً: أن الله أخبرني أنه صدر فيه حكم الطرد
من رحمته ، وها أنا أخبركم ، وألعن من لعنه الله تعالى ! ومثل هذا الإخبار عن
الله تعالى لايرتفع بدعاء النبي(ص) بأن يحول لعنته عليه الى رحمة !
بعبارة أخرى: إن تصورهم أن حقيقة اللعن أنه إنشاء من النبي(ص) يترتب عليه أثر
من الله تعالى ، غير صحيح ، فهو حكمٌ يصدر من الله تعالى بطرد الشخص من الرحمة،
فيخبر به النبي(ص) وينشئ هو لعنَ من لعنه الله ، قال الله تعالى: إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ
بَعْدِ مَابَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ
وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ. (البقرة:159) ولذا قال تعالى:أُولَئِكَ الَّذِينَ
لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً..
(النساء:52) .
فهل وجدوا نصيراً للملعونين يرفع لعنهم ، وهو النبي(ص) ؟!!
الثاني: إن أحاديث رفع اللعن معارضة باللعن الوارد في القرآن لأشخاص كثيرين
معينين وغير معينين؟! لأن النبي(ص) لعن من لعنهم الله تعالى ، فلو صح أنه رفع
لعنته عنهم وجعلها رحمة ، لصار الملعونون في القرآن مرحومين على لسان النبي(ص)
؟! وكيف يكون شخص ملعونَ الله ، ومرحومَ نبيه(ص) !
الثالث: قال في فتح الباري:10/389: (وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء بسند جيد
رفعه: إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها
، ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة ، فإن لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن ،
فإن كان أهلاً ، وإلا رجعت إلى قائلها .
وله شاهد عند أحمد من حديث ابن مسعود بسند حسن). انتهى .( راجع أيضاً سنن أبي
داود:2/457 و458، والترمذي:3/236، والزوائد:8/74، باب فيمن لعن ما ليس بأهل
للعنة ).
فقد صح عندهم أن لعن المؤمن كقتله ! وأن من لعن شخصاً أو شيئاً وليس بأهل للعن
، رجعت اللعنة عليه ! فكيف يقبلون بعد ذلك أن النبي(ص) اعترف بأنه لعن من ليس
أهلاً للعن ؟! وهل هذا إلا سوء أدب مع النبي(ص) ؟!!
الرابع: أن أحاديثهم في رفع اللعن بعضها يدل على رفع كل أنواعه ، وبعضهما على
رفعه عمن لايستحقه فقط ، والحديث الذي رواه أحمد وحسَّنه الهيثمي يدل على أن
النبي(ص) أبطل لعن كل من لعنهم ، وأن قيد (من ليس له بأهل) الوارد في بعضها
قيدٌ توضيحي وليس احترازياً ، قال في مجمع الزوائد:8/267: (وعن عبد الله بن
عثمان بن خثيم قال دخلت على أبي الطفيل عامر بن واثلة فوجدته طيب النفس فقلت يا
أبا الطفيل أخبرني عن النفر الذين لعنهم رسول الله(ص)قال قال: اللهم إنما أنا
بشر فأيما عبد من المؤمنين دعوت عليه بدعوة فاجعلها له زكاة ورحمة ).انتهى.
فقد فهم هذا الصحابي أن النبي(ص) رفع لعن جميع من لعنهم ، وهم نحو خمسين نوعاً
من أصحاب الإنحراف والمعاصي ، كقول ابن عباس: ( لعن النبي (ص) المخنثين من
الرجال والمترجلات من النساء ، وقال: أخرجوهم من بيوتكم وأخرج فلاناً ، وأخرج
عمر فلاناً ) . (البخاري:8/28)
فإن قلت: يرى ابن حجر أن اللعن المرفوع هو المقيد بمن ليس له بأهل فقط ، وأن
المطلق يجب حمله على المقيد ، قال في فتح الباري:12/72: (وقد قيل إن لعن
النبي(ص)لأهل المعاصي كان تحذيراً لهم عنها قبل وقوعها فإذا فعلوها استغفر لهم
ودعا لهم بالتوبة . وأما من أغلظ له ولعنه تأديباً على فعل فعله فقد دخل في
عموم شرطه حيث قال سألت ربي أن يجعل لعني له كفارة ورحمة . قلت: وقد تقدم
الكلام عليه فيما مضى وبينت هناك أنه مقيد بما إذا صدر في حق من ليس له بأهل،
كما قيد له بذلك في صحيح مسلم).انتهى كلام ابن حجر.
وجوابه: أن لسان روايات رفع اللعن متعدد ، والمقيد فيها نادر ، وفيها منصوص
العموم يأبى التقييدكالحديث الذي فهم منه أبو الطفيل رفع لعن جميع الملعونين:
(فقلت يا أبا الطفيل أخبرني عن النفر الذين لعنهم رسول الله(ص)قال قال: اللهم
إنماأنا بشر فأيما عبد من المؤمنين دعوت عليه بدعوة فاجعلهاله زكاة ). فقد فهم
أبو الطفيل رفع اللعن عن الجميع ، ولو كان هناك قيد لبينه وقال مثلاً: من لم
يكن منهم أهلاً للعن فقد رفع النبي(ص) عنه اللعن..الخ.
على أنك عرفت أن النبي(ص) لايلعن من عنده ، وأن اللعن غير قابل للرفع .
الأسئلة
1 ـ هل تصححون أحاديث رفع اللعن عمن لعنهم النبي(ص) مع أنها تتهم النبي (ص) بأن
غضبه يخرجه عن الحق ويوقعه في معصية كبيرة تنافي العصمة والعدالة وهي سب
المؤمنين وشتمهم وضربهم بغير حق ؟!
2 ـ وفي المقابل هل تقبلون الأحاديث المتقدمة في تسديد عمر وأن الحق في قلبه
وعلى لسانه ، وتفضله على النبي(ص) وتقول إن غضب عمر لايخرجه عن الحق ، بل غضبه
عز وحكم !
3 ـ هل تصححون الحديث الذي صححه البيهقي وفيه أن جبرئيل(ع) قطع صلاة النبي(ص)
ووبخه لأنه لعن مشركي قريش ، وأنزل عليه سورتي الحفد والخلع ؟!
4 ـ هل تقبلون أن يكون الملعون أكثر نصيباً من الخير من غير الملعون ؟ فقد قالت
عائشة كما في صحيح مسلم:8،24: ( دخل على رسول الله رجلان فكلماه بشئ لا أدري ما
هو ، فأغضباه فلعنهما وسبهما ، فلما خرجا قلت يا رسول الله من أصاب من الخير
شيئاً ، فما أصابه هذان ! قال: وما ذاك ؟! قالت قلت: لعنتهما وسببتهما ! قال:
أوما علمت ما شارطت عليه ربي ، قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو
سببته فاجعله له زكاة وأجراً )!! وفي مسند ابن راهويه:3/819: (قلت يا رسول الله
من أصاب منك خيراً ما أصاب منك هذان)؟!
5 ـ ماهي الصيغة الفقهية لهذا الشرط الغريب المذكور في أحاديث رفع اللعن؟ فهل
هو دعاء مستجاب ؟ أم تنصل مسبق من المعصية ، كاف لإسقاط عقوبتها ؟
أم شرط حقيقي يقبله الله تعالى فيجعل السيئة حسنة والشتم والجلد رحمة؟!
وهل هو مختص بالنبي ؟ أم يصح لأي شخص أن يشرط على ربه ، ثم يطلق لسانه في أعراض
المسلمين ويده في أبشارهم ، فيحولها الله رحمة وبركةعليهم؟!
6 ـ هل تقبلون قول البيهقي إن الله تعالى أحل لنبيه خاصة(ص) سب المسلمين
وإيذائهم وضربهم ؟!
7 ـ لماذا تخالفون القرآن وتنسبون الغضب والهوى الى رسول الله(ص) ، وقد قال
تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى . والذي
عَصَمَ الله منطقه عن الهوى فقد عصمَ فعله عن الهوى ؟!
8 ـ لماذا تركتم الأحاديث الصحيحة التي تنص على النبي(ص) معصوم لايقول إلا الحق
في الرضا والغضب ، كالذي رواه الحاكم:1/104: (عن عبد الله بن عمرو قال: قالت لي
قريش تكتب عن رسول الله(ص)وإنما هو بشر يغضب كما يغضب البشر ، فأتيت رسول الله
فقلت يا رسول الله إن قريشاً تقول تكتب عن رسول الله وإنما هو بشر يغضب كما
يغضب البشر؟! قال فأومى لي شفتيه فقال: والذي نفسي بيده ما يخرج مما بينهما إلا
حق فأكتب ). وقد صححه الحاكم وأتى له بشواهد ونظائر . . فما رأيكم ؟!
9 ـ هل لاحظتم أن مقولة: (إنما هو بشر يغضب كما يغضب البشر) هي مقولة قريش
أرادت بها أن لا تُكتب سنة النبي(ص) ، ثم أرادت بها أن تُبطل لعنة النبي(ص)
لملعونيها !!
10 ـ هذه قائمة أولية بالملعونين على لسان النبي(ص) :
القرشيون البضعة عشر ليلة الهجرة .
( أبو جهل .
( أبو لهب .
( أمية بن خلف .
( الأسود بن المطلب وابنه هبار .
( أبو العاص وابنه الحكم وابنه مروان .
( العاص وابنه عمرو .
( المغيرة بن شعبة .
( عقبة بن أبي معيط .
( الوليد بن عقبة .
( سهيل بن عمرو .
( صفوان بن أمية .
( المغيرة بن أبي وقاص .
( سراقة بن مالك .
( عتبة بن أبي وقاص .
* خالد بن الوليد وأبوه .
* أبو القين الأسلمي .
* النضر بن الحارث .
* الحارث بن هشام بن المغيرة .
* عتبة بن أبي لهب .
* ابن قميئة .
* ابن خطل .
* ابن النعيمان .
* ماعز بن مالك .
* مسطح بن أثاثة .
* المغيرة بن أبي العاص .
* اربد بن قيس .
* عامر بن الطفيل .
* قريش ، وعشائر رعل ، وذكوان ، وعصية ، ولحيان .
* أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية .
* بنو أمية الشجرة الملعونة في القرآن .
* أم حكمة .
* سفيان بن خالد بن نبيح .
* عبد الله بن سعد بن أبي سرح .
* الغادرون بأصحابه من عكل وعرينة وقيس وغيرها .
* قتلى بدر من المشركين .
* الأحزاب .
* السبعة عشر أصحاب مؤامرة العقبة لقتل النبي(ص) .
* المتخلفين عن القتال والفارين من الزحف .
* المتخلفين عن جيش أسامة .
( بعض النساء !
( من أفشى سر النبي(ص) .
( الذين يؤذون النبي(ص) في حياته وبعد وفاته .
( عبد الله ابن أبي سلول .
( ذو الثدية .
( أبو رافع اليهودي .
( كعب بن الأشرف .
( امرأة من يهود .
( من آذى علياً(ع) أو غصب حقه .
( من أغضب فاطمة
* قتلة الحسين(ع) .
* من ظلم أهل البيت(ع) أو آذاهم ، أو تخلف عن نصرتهم .
* المنافقين .
* الحاكم الجائر .
* من ظلم أهل المدينة أو أخافهم .
* من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً .
* الراشي والمرتشي .
* شارب الخمر .
* السارق .
( آكل الربا .
( المخنثون والمترجلات .
( من سب والديه ... الخ.
فمن هم الذين رفع عنهم اللعن من هؤلاء برأيكم ؟!
11 ـ إذا كان رسول الله(ص) ندم ورفع لعنته عمن لعنهم وجعلها عليهم رحمة وبركة ،
فلماذا عيرت عائشة مروان بن الحكم وقالت فيه:ولكن رسول الله(ص) لعن أبا مروان
ومروان في صلبه ، قالت: فمروان فضض من لعنة الله). ( الحاكم:4/481 وصححه على
شرط الشيخين!) . ولماذا لم يجبها مروان بأن اللعنة امتياز له وبركة !
12 ـ قال أبو داود في سننه:2/404: (عن عمرو بن أبي قرة قال: كان حذيفة بالمدائن
فكان يذكر أشياء قالها رسول الله(ص)لأناس من أصحابه في الغضب ، فينطلق ناس ممن
سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة ، فيقول سلمان: حذيفة أعلم
بما يقول ، فيرجعون الى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا
كذبك .
فأتى حذيفة سلمان وهو في مَبْقَلة فقال: يا سلمان ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت
من رسول الله(ص)؟!
فقال سلمان: إن رسول الله(ص)كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه ، ويرضي
فيقول في الرضا لناس من أصحابه ! أما تنتهي حتى تورث رجالاً حبَّ رجال ورجالاً
بغضَ رجال ، وحتى توقع اختلافاً وفرقة ؟ ولقد علمت أن رسول الله(ص)خطب فقال:
أيما رجل من أمتي سببته سبَّةً أو لعنته لعنةً في غضبي فإنما أنا من ولد آدم
أغضب كما يغضبون ، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة .
والله لتنتهين أو لأكتبن الى عمر ). انتهى.؟!
فما رأيكم في كشف هذه الرواية عن السبب السياسي الذي دفعهم لوضع أحاديث رفع
اللعن ، وإن تحفظنا على قبول ما نسبته الى سلمان رضي الله عنه .
13 ـ ما هي أجوبتكم على إشكالاتنا الأربعة ، على رفع اللعن؟!
المسألة: 146
زعموا أن النبي(ص) كان يعمل بالظن ويخطئ ، وينطق عن الهوى
عقيدتنا في النبي(ص) أنه معصومٌ مسددٌ في قوله وفعله ، لاينطق عن الهوى ولا
يفعل عن الهوى . وأن عصمته كاملة شاملة لحياته ، قبل البعثة وبعدها ، في تبليغ
الرسالة وغيره ، في الأمور العامة والشخصية .
بينما يرى أتباع قريش أن النبي(ص) يصيب ويخطئ! إذ لاتفسير لما زعموه من موافقات
عمر إلا أن عمر كان يجتهد فيصيب ، والنبي(ص) كان يجتهد فيخطئ ، فينزل الوحي
مؤيداً لاجتهاد عمر ، مخطئاً للنبي(ص) !
قال الإمام الصادق(ع) لأبي حنيفة كما في الإحتجاج:2/117:(تزعم أنك تفتي بكتاب
الله ولست ممن ورثه . وتزعم أنك صاحب قياس ، وأول من قاس إبليس لعنه الله ، ولم
يُبْنَ دين الإسلام على القياس . وتزعم أنك صاحب رأي ، وكان الرأي من رسول
الله(ص) صواباً ، ومن دونه خطأ ، لأن الله تعالى قال له: لِتَحْكُمَ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ... ولم يقل ذلك لغيره...).
وفي الناصريات للشريف المرتضى ص46: (هذه المسألة إنما تتفرع على غير أصولنا ،
لأن من أصولنا أن الإمام معصوم ، وأنه لا يحكم بالإجتهاد الذي يجوز أن يقع
الخلاف فيه ، بل بالنص والعلم ) .
وفي عدة الأصول للطوسي:3/116: (فصل في أن النبي(ص) هل كان مجتهداً في شئ من
الأحكام ، وهل كان يسوغ ذلك له عقلاً أم لا ؟ وأن من غاب عن الرسول في حال
حياته هل كان يسوغ له الإجتهاد أو لا ؟ وكيف حال من بحضرته في جواز ذلك ؟
إعلم أن هذه المسألة تسقط على أصولنا ، لأنا قد بينا أن القياس والإجتهاد لا
يجوز استعمالها في الشرع ، وإذا ثبت ذلك فلا يجوز للنبي(ص) ذلك ، ولا لأحد من
رعيته حاضراً ، كان أو غايباً ، لاحال حياته ولا بعد وفاته ، استعمال ذلك على
حال . وأما على مذهب المخالفين لنا في ذلك ، فقد اختلفوا فذهب أبو علي وأبو
هاشم إلى أنه لم يتعبد بذلك في الشرعيات ، ولا وقع منه الإجتهاد فيها ، وأوجبا
كونه متعبداً بالإجتهاد في الحروب .
وحكي عن أبي يوسف القول بأن النبي(ص) قد اجتهد في الأحكام .
وذكر الشافعي في كتاب الرسالة ما يدل على أنه يجوز أن يكون في أحكامه ما قاله
من جهة الإجتهاد ).
وفي الصحيح من السيرة:1/219: ( لقد أظهرت الروايات التي زعموها تاريخاً لرسول
الله(ص) أن النبي يجتهد ويخطئ في اجتهاده ، ويجتهد عمر فيصيب ، فتنزل الآيات
لتصوِّب رأي عمر وتخطِّئ النبي(ص) ، كما زعموه في وقعة بدر الكبرى في قضية فداء
الأسرى ، وآية الحجاب وغيرها .
ولأجل ذلك تجدهم يقرون بأن النبي(ص) يخطئ في اجتهاده ولكن لايقرر على الخطأ ،
ولكن قولهم إنه لايقرر على خطئه لا يتلاءم مع ما يروونه عنه(ص) من أخطاء في
اجتهاده ، مع عدم صدور رادع عنه ، كما هو الحال في قصة تأبير النخل حيث لم يرد
مايرفع خطأه ووقع الناس نتيجة لذلك في الخسارة والفشل) .
وعقيدتنا أنه(ص) إذا أراد أن يعلم شيئاً علمه
في الكافي:1/256: عن الإمام الباقر(ع) قال:(فقال له حمران: أرأيت قوله جل ذكره:
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحداً ؟ فقال أبو جعفر(ع)
:إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ، وكان والله محمدٌ(ص) ممن ارتضاه . وأما
قوله: عالم الغيب ، فإن الله عز وجل عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدر من شئ
ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه وقبل أن يفضيه إلى الملائكة ، فذلك يا حمران علمٌ
موقوف عنده ، إليه فيه المشيئة فيقضيه إذا أراد ، ويبدو له فيه فلا يمضيه .
فأما العلم الذي يقدِّره الله عز وجل فيقضيه ويمضيه ، فهو العلم الذي انتهى إلى
رسول الله(ص) ، ثم إلينا ).
وفي الكافي:1/258: عن الإمام الصادق(ع) قال: إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً
أعلمه الله ذلك ). (ورواه في بصائر الدرجات ص335)
وفي الكافي:1/257: (عن سدير قال: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير
، في مجلس أبي عبد الله(ع) ، إذ خرج إلينا وهو مغضب ، فلما أخذ مجلسه قال: يا
عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل ، لقد
هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني ، فما علمت في أي بيوت الدار هي !
قال سدير: فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله ، دخلت أنا وأبو بصير ومُيَسَّر
وقلنا له: جعلنا فداك سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك ، ونحن نعلم أنك
تعلم علماً كثيراً ، ولا ننسبك إلى علم الغيب .
قال فقال: يا سدير: ألم تقرأ القرآن ؟ قلت: بلى ، قال: فهل وجدت فيما قرأت من
كتاب الله عز وجل: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أنا آتِيكَ
بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ . قال قلت: جعلت فداك قد قرأته ،
قال: فهل عرفت الرجل ؟ وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب ؟ قال: قلت: أخبرني
به ؟
قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر ، فما يكون ذلك من علم الكتاب ؟!
قال: قلت جعلت: فداك ما أقل هذا !
فقال: يا سدير: ما أكثر هذا ، أن ينسبه الله عز وجل إلى العلم الذي أخبرك به يا
سدير ، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيضاً: قُلْ كَفَى بِاللهِ
شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ؟ قال قلت: قد
قرأته جعلت فداك قال: أفمن عنده علم الكتاب كله أفهم ، أم من عنده علم الكتاب
بعضه ؟
قلت: لا ، بل من عنده علم الكتاب كله . قال: فأومأ بيده إلى صدره وقال: علم
الكتاب والله كله عندنا ، علم الكتاب والله كله عندنا ).
وروى الجميع عن علم الخضر (ع) وفراسة المؤمن
والنبي(ص) أفضل منهما !
في علل الشرائع:1/59: عن الإمام الصادق(ع) في تفسير قوله تعالى: فَوَجَدَا
عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ
مِنْ لَدُنَّا علماً، قال: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ
تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ؟ قال له الخضر: إِنَّكَ لَنْ
تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صبراً ، لأني وكلت بعلم لا تطيقه ووكلت أنت بعلم لا أطيقه .
قال موسى له: بل أستطيع معك صبراً ، فقال له الخضر:إن القياس لامجال له في علم
الله وأمره . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خبراً ؟ قال موسى
سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صابراً وَلا أَعْصِي لَكَ أمراً ، فلما استثنى
المشية قبِلَه ، قَالَ فإن اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَئٍْ حَتَّى
أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ، فقال موسى: لك ذلك عليَّ ، فانطلقا...).
وفي منية المريد الشهيد الثاني ص238: (علم الباطن أقوى مرتبة من علم الظاهر
وأحوج إلى قوة الجنان وعزيمة الصبر ، فمن ثَمَّ كان موسى(ع) محيطاً بعلم الظاهر
على حسب استعداده وحاملاً له بقوة ، وخوفه الخضر(ع) مع ذلك من عجزه من الصبر
على تحمل العلم الباطني ، وحذره من قلة الصبر ، وأراد(ع) بهذه المبالغة في نفيه
أنه مما يشق تحمله عليك ويعسر تجشمه ، على جهة التأكيد في أمثال هذه الخطابيات
، لا أنه غير مقدور البتة ، وإلا لما قال له موسى (ع) بعد ذلك: سَتَجِدُنِي
إِنْ شَاءَ اللهُ صابراً ).
وفي تفسير الميزان:13/342:(وأما قوله:وعلمناه من لدنا علماً، فهو أيضاً كالرحمة
التي من عنده علم لا صنع فيه للأسباب العادية كالحس والفكر حتى تحصل من طريق
الإكتساب ، والدليل على ذلك قوله: مِنْ لَدُنَّا ، فهو علم وَهْبي غير اكتسابي
يختص به أولياءه . وآخر الآيات يدل على أنه كان علماً بتأويل الحوادث ) .
وفي تفسير الميزان:1/38: (قال إنك لن تستطيع معي صبراً . يا موسى إني على علم
من علم الله علمنيه لاتعلمه أنت ، وأنت على علم علمك الله لا أعلمه . قال:
ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً . فانطلقا...قال النبي(ص): يرحم
الله موسى لوددنا لو صبر حتى يقصَّ علينا من أمرهما ).
وفي فيض القدير:2/11: (آتيناه من لدنا علماً ، مع أن كل علم من لدنه ، لكن
بعضها بواسطة تعليم الخلق ، فلا يسمى ذلك علماً لَدُنِياً ، بل العلم اللدني
الذي ينفتح في سر العالم من غير سبب مألوف من خارج ).
وفي فيض القدير:4/510: (وقال الإمام مالك: علم الباطن لا يعرفه إلا من عرف علم
الظاهر ، فمتى عَلِمَ الظاهر وعمل به فتح الله عليه علم الباطن ، ولا يكون ذلك
إلا مع فتح قلبه وتنويره . وقال(ع) : ليس العلم بكثرة الرواية ، إنما العلم نور
يقذفه الله في القلب ، يشير إلى علم الباطن ) .
وفي فيض القدير:1/186: (قوله: فإنه ينظر بنور الله عز وجل، أي يبصر بعين قلبه
المشرق بنور الله تعالى ، وباستنارة القلب تصح الفراسة ، لأنه يصير بمنزلة
المرآة التي تظهر فيها المعلومات كما هي ، والنظر بمنزلة النقش فيها .
قال بعضهم: من غضَّ بصره عن المحارم ، وكفَّ نفسه عن الشهوات ، وعَمَرَ باطنه
بالمراقبة ، وتعود أكل الحلال ، لم تخطئ فراسته .
قال ابن عطاء الله: واطلاع بعض الأولياء على بعض الغيوب جائز وواقع ، لشهادته
له بأنه إنما ينظر بنور الله لا بوجود نفسه .انتهى....وقد قال علي كرم الله
وجهه لأهل الكوفة: سينزل بكم أهل بيت رسول الله(ص)فيستغيثون بكم فلا يغاثوا ،
فكان منهم في شأن الحسين... ).
وفي تفسير القرطبي:11/16: ( وعلمناه من لدنا علماً ، أي علم الغيب .
ابن عطية: كان علم الخضر علم معرفة بواطن قد أوحيت إليه ، لا تعطي ظواهر
الأحكام أفعاله بحسبها ، وكان علم موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس
وأفعالهم ).
وقال الزركشي في البرهان:4/290: (وعلمناه من لدنا علماً ، أي من العلم الخاص
بنا وهو علم الغيب ).
وفي فتح القدير الشوكاني:3/299: ( وهو ما علمه الله سبحانه من علم الغيب الذي
استأثر به, وفي قوله من لدنا تفخيم ).
وفي بصائر الدرجات ص375:(عن أبي جعفر(ع) قال رسول الله(ص) : إتقوا فراسة المؤمن
فإنه ينظر بنور الله ). انتهى.
وقال عنه في مجمع الزوائد:10/268: (رواه الطبراني وإسناده حسن ).
ومع ذلك زعموا أن النبي(ص) كان يعمل بظنونه ويخطئ !
قال الجصاص في أحكام القرآن:2/349: (قوله تعالى: إنا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ.. الآية
. فيه إخبار أنه أنزل الكتاب ليحكم بين الناس بما عرفه الله من الأحكام والتعبد
..... ربما احتج به من يقول إن النبي(ص) لم يكن يقول شيئاًمن طريق الإجتهاد،
وأن أقواله وأفعاله كلها كانت تصدر عن النصوص وأنه كقوله تعالى: وماينطق عن
الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى. وليس في الآيتين دليل على أن النبي لم يكن يقول
شيئاً من طريق الإجتهاد ، وذلك لأنا نقول ما صدر عن اجتهاد فهو مما أراه الله
وعرفه إياه ومما أوحى به إليه أن يفعله فليس في الآية دلالة على نفي الإجتهاد
عن النبي(ص) في الأحكام) . انتهى.
أقول: إذا أردت أن تفهم كلام الجصاص وغيره في الموضوع ، فعليك أن تضع بدل كلمة
الإجتهاد: الظن والقياس . فمقصوده من قوله: (لأنا نقول ما صدر عن اجتهاد فهو
مما أراه الله وعرفه إياه) ، أن الله تعالى يُرِي نبيه الحكم علماً أحياناً
ويأمره بالعمل به ، فيعمل بعلم ولا يخطئ ، ويريه الحكم ظناً أحياناً أخرى
ويأمره بالعمل به ، فيعمل بالظن ويخطئ !!
فأي إراءة هذه ؟! وهل يبقى قيمة لقوله تعالى: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا
أَرَاكَ اللهُ..
وهل تبقى ميزة للرسول(ص) عن غيره من أهل العلم والإصابة أحياناً ، وأهل الظن
والخطأ أخرى ؟!
وبعد أن خرَّب الجصاص آية: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ،
عمد الى آية (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى)
فحاول تخريبها بجرأة فاضحة !!
قال في الفصول:3/243: (فأما قوله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ
هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى، فإن فيه جوابين: أحدهما، أنه أراد القرآن نفسه ، لأنه
قال تعالى: والنجم إذا هوى ، قيل في التفسير: معناه القرآن إذا تزل .
والوجه الثاني، أن الإجتهاد لما كان مصدره عن الوحي لأن الله قد أمر به ، فدل
على أنه جاز أن يقال: إن ما أداه إليه اجتهاد فهو عن وحي ، لأنه قد أوحى إليه
باستعمال الإجتهاد ). انتهى .
ومعنى كلامه أن الذي لاينطق عن الهوى هو القرآن ، وليس الرسول(ص) !
وإن أبيتَ إلا أن يكون الرسول(ص) ويكون نطقه وحياً يوحى ، فإن ظنونه الخاطئة
واجتهاداته وحيٌ ، لأن الله أوحى اليه أن إعمل بظنونك !!
فهذا هو المعنى الوحيد لقوله: (إن ما أداه إليه اجتهاد فهو عن وحي لأنه قد أوحى
إليه باستعمال الإجتهاد)! فالمهم عنده أن يثبت أن النبي(ص) يعمل بالظن ويقع في
الخطأ ، ليبرر عمل خلفاء قريش بظنونهم !! ولا حول ولا قوة إلا بالله !
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:14/194:(أو بوجه آخر ، وهو أن نجيز
للنبي(ص)الإجتهاد في الأحكام الشرعية ، كما يذهب إليه كثير من شيوخنا ، وهو
مذهب القاضي أبي يوسف ، صاحب أبي حنيفة ). انتهى .
وهو يدل على أن كثيراً من شيوخ المعتزلة وافقوا عامة شيوخ الأشاعرة ، في أن
النبي(ص) كان يضع أحكام الشريعة ويبلغها للمسلين باجتهاده ، أي بظنونه بغير علم
جاءه من الله تعالى ، أو بظن جاءه من الله تعالى !
أما إمام الأشاعرة الفخر الرازي فقد اتبع شيوخه وقال إن النبي(ص) كان يعمل
باجتهاده وظنه في تشريع الأحكام ويبلغها للمسلمين ! وحاول أن يخفف من وقع ذلك
على فطرة المسلم وصفاء عقله ، وعيقدته بنبيه(ص) !
قال في المحصول:6/ 7، في أدلة القائلين بأن النبي(ص) كان يعمل القياس الظني: (
أما المثبتون فقد احتجوا بأمور:
أحدها ، عموم قوله تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار، وكان عليه الصلاة والسلام
أعلى الناس بصيرة، وأكثرهم إطلاعاً على شرائط القياس وما يجب ويجوز فيها ، وذلك
إن لم يرجح دخوله في هذا الأمر على دخول غيره ، فلا أقل من المساواة فيكون
مندرجاً تحت الآية ، فكان مأموراً بالقياس فكان فاعلاً له ، وإلا قدح في عصمته
) ! انتهى .
وهذا قمة ما وصل اليه علماء السلطة في تبرير ظنون خلفائهم وتلبيسها ثوباً
شرعياً ، أن يجعلوا عمل النبي(ص) بظنونه فريضة عليه ، (وإلا قدح في عصمته)!!
ثم حاول الرازي أن يرقع ذلك بأن أصول الأحكام نزلت على النبي(ص) بعلم، لكن
تفاصيلها وضعها بالظن ! قال في المحصول:6/9 : (قلت: الجواب عن الأول أن ذلك غير
ممكن ، لأن العمل بالإجتهاد مشروط بالنص على أحكام الأصول ، وإذا كان كذلك تعذر
العمل في كل الشرع بالإجتهاد ) . انتهى .
فقد تفضل الرازي بالقول إن أصول أحكام الشريعة وكلياتها نزلت من الله تعالى،
فبنى عليها النبي(ص) بظنونه وبلغها للمسلمين على أنها شريعة الله تعالى !!
ولنا أن نسأله : هل تعرف تلك الأصول ، وكم تبلغ من مجموع الشريعة؟!
ثم قلد الرازي إمامه الجصاص وحاول تخريب آية: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى...
فرد من استدل بها على عدم النبي(ص) بظنونه! قال في محصوله:6/12: ( والجواب عن
الأول: أن الله تعالى متى قال له: مهما ظننت كذا فاعلم أن حكمي كذا ، فها هنا
العمل بالظن عملٌ بالوحي لا بالهوى ) . انتهى .
فالمطلوب عند هؤلاء تبرير عمل زعماء قريش بظنونهم ، بالغاً ما بلغ ذلك من اتهام
النبي(ص) والشريعة ، وحتى الوحي والموحي سبحانه وتعالى !!
قال النووي في شرح مسلم:11/55: (قوله: قلت يارسول الله كيف أقضي في مالي؟ فلم
يرد عليَّ شيئاً حتى نزلت آية الميراث: قل الله يفتيكم في الكلالة...
وقد يستدل بهذا الحديث من لايجوِّز الإجتهاد في الأحكام للنبي(ص) ، والجمهور
على جوازه، وقد سبق بيانه مرات ، ويتأولون هذا الحديث وشبهه على أنه لم يظهر له
بالإجتهاد شئ ، فلهذا لم يردَّ عليه شيئاً رجاء أن ينزل الوحي) !
وقال ابن حجر في فتح الباري:13/247: (ونقل ابن التين عن الداودي ما حاصله: أن
الذي احتج به البخاري لما ادعاه من النفي حجة في الإثبات ، لأن المراد بقوله
بما أراك الله ليس محصوراً في المنصوص ، بل فيه إذن في القول بالرأي . ثم ذكر
قصة الذي قال إن امرأتي ولدت غلاماً أسود ، قال: هل لك من إبل ، إلى أن قال:
فلعله نزعه عرق ، وقال لما رأى شبهه بزمعة: احتجبي منه يا سودة . ثم ذكر آثاراً
تدل على الإذن في القياس ، وتعقبها ابن التين بأن البخاري لم يرد النفي المطلق
، وإنما أراد أنه(ص)ترك الكلام في أشياء ، وأجاب بالرأي في أشياء ، وقد بوَّب
لكل ذلك بما ورد فيه . وأشار إلى قوله بعد بابين ، باب من شبَّه أصلاًً معلوماً
بأصل مبين ، وذكر فيه حديث: لعله نزعه عرق ،وحديث: فدين الله أحق أن يقضي ،
وبهذا يندفع ما فهمه المهلب والداودي ....
وقد ذكر الشافعي المسألة في الأم وذكر أن حجة من قال أنه لم يسن شيئاً إلا بأمر
هو على وجهين: أما بوحي يتلى على الناس ، وأما برسالة عن الله أن افعل كذا .
قال الله تعالى: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة.. الآية ، فالكتاب ما يتلى
والحكمة السنة ، وهو ما جاء به عن الله بغير تلاوة....
ثم ذكر الشافعي أن من وجوه الوحي ما يراه في المنام ، وما يلقيه روح القدس في
روعه ، ثم قال: ولا تعدوا السنن كلها واحداً من هذه المعاني التي وصفت .
واحتج من ذهب إلى أنه كان يجتهد بقول الله تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار ،
والأنبياء أفضل أولي الأبصار ، ولما ثبت من أجر المجتهد ومضاعفته والأنبياء أحق
بما فيه جزيل الثواب .
ثم ذكر ابن بطال أمثلة مما عمل فيه(ص)بالرأي من أمر الحرب ، وتنفيذ الجيوش ،
وإعطاء المؤلفة ، وأخذ الفداء من أسارى بدر . واستدل بقوله تعالى: وشاورهم في
الأمر ، وقال: ولا تكون المشورة إلا فيما لا نص فيه .
واحتج الداودي بقول عمر: إن الرأي كان من رسول الله....واحتج بن عبد البر لعدم
القول بالرأي بما أخرجه من طريق بن شهاب: إن عمر خطب فقال: يا أيها الناس إن
الرأي إنما كان من رسول الله(ص)مصيبا لأن الله عز وجل يريه ، وإنما هو منا الظن
والتكلف . وبهذا يمكن التمسك به لمن يقول كان يجتهد لكن لا يقع فيما يجتهد فيه
خطأ أصلاًً ، وهذا في حقه صلى الله عليه وسلم....).
وقال الشافعي في كتاب الأم:4/149: (من قتل قتيلاً فله سلبه . وذهب بعض أصحابنا
إلى أن هذا من الإمام على وجه الإجتهاد ، وهذا من النبي(ص)عندنا حكم ، وقد أعطى
النبي السلب للقاتل في غير موضع ) . انتهى.
وقال الشيرازي في اللمع في أصول الفقه ص367: (وقد كان يجوز لرسول الله(ص)أن
يحكم في الحوادث بالإجتهاد... ومن أصحابنا من قال ما كان يجوز عليه الخطأ ،
وهذا خطأ ، لقوله تعالى:عفا الله عنك لم أذنت لهم ، فدل على أنه أخطأ ولأن من
جاز عليه السهو والنسيان جاز عليه الخطأ كغيره ).
وقال الآمدي في الإحكام:4/216: (أما الكتاب فقوله تعالى: عفا الله عنك لم أذنت
لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ، وذلك يدل على خطئه في إذنه لهم
. وقوله تعالى في المفاداة في يوم بدر: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن
في الأرض.. إلى قوله تعالى: لَّوْلاَكِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ
فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، حتى قال النبي(ع) : لو نزل من السماء عذاب
لما نجا منه إلا عمر ، لأنه كان قد أشار بقتلهم ونهى عن المفاداة ، وذلك دليل
على خطئه في المفاداة ! وقوله تعالى: إنما أنا بشر مثلكم ، أثبت المماثلة بينه
وبين غيره ، وقد جاز الخطأ على غيره ، فكان جائزاً عليه ، لأن ما جاز على أحد
المثلين يكون جائزاً على الآخر . وأما السنة ، فما روي عن النبي(ع) ، أنه قال:
إنما أحكم بالظاهر ، وإنكم لتختصمون إليَّ ولعل أحدكم ألحنُ بحجته من بعض ، فمن
قضيتُ له بشئ من مال أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار . وذلك يدل
على أنه قد يقضي بما لا يكون حقاً في نفس الأمر . وأيضاً ما روي عنه ،(ع) ، أنه
قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني . وأيضاً ما اشتهر
عنه(ع) ، من نسيانه في الصلاة وتحلله عن ركعتين في الرباعية ، في قصة ذي اليدين
، وقول ذي اليدين: أقصَّرْتَ الصلاة أم سهوتَ؟فقال النبي(ع) :أحقٌّ ما يقول ذو
اليدين؟ فقالوا: نعم).
وفي أصول السرخسي:2/90: (وأصح الأقاويل عندنا أنه(ع) فيما كان يبتلى به من
الحوادث التي ليس فيها وحي منزل ، كان ينتظر الوحي إلى أن تمضي مدة الإنتظار ،
ثم كان يعمل بالرأي والإجتهاد ويبين الحكم به ، فإذا أقر عليه كان ذلك حجة
قاطعة للحكم ). انتهى .
ثم ذكر السرخسي أخطاء النبي(ص) المزعومة في أسارى بدر ، ومشورته أصحابه يوم
الخندق ، ونهيه عن تلقيح النخل حتى خرج شيصاً... وقال: (فتبين أن الرأي منه
كالرأي من غيره في احتمال الغلط).وذكر نحوه في:16/69 ، ونحوه الشوكاني في نيل
الأوطار :1/128، وابن حجر في الفتح :3/313 ، و:9/381 ، و:13/248 ، وغيرها !!
أقول:
إن المتأمل في آراء أئمة مذاهب الخلافة ، يدرك كم هي المأساة في التنقيص من
شخصية رسول الله(ص) ومن قدر الإسلام الذي أنزله الله تعالى ! كل ذلك من أجل
تبرير عمل أشخاص وصلوا الى السلطة بالقوة ، ولم يكن عندهم علم ، فعملوا بظنونهم
وفرضوها على المسلمين ، ووظفوا علماء يبررون لهم ظنونهم ، باتهام النبي(ص) بأنه
كان مثلهم يعمل بظنونه فيخطئ ويصيب !!
الأسئلة
1 ـ لماذا لاتقولون بالعصمة الشاملة للنبي(ص) والله تعالى يقول: ( وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى) ، فإن تسديد الله لمنطق
نبيه(ص) فلاينطق عن الهوى ، يستلزم تسديد فعله فلا يفعل عن الهوى ؟!
2 ـ كيف تفسرون قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ
أحداً . إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فإنه يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا . لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ
رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَئْءٍ عَدَدًا ) .
(سورة الجنّ:26 ـ 28)
فهل كان نبينا(ص) من هؤلاء الرسل؟ وما دام سَلَكَ من بين يديه ومن خلفه رصداً
يسددون منطقه وعمله فكيف تقبلون ما نسبه اليه البخاري وعائشة وغيرهما ؟!
3 ـ لماذا تخالفون البخاري في قوله في صحيحه:8/148: ( باب ما كان النبي (ص)يسأل
مما لم ينزل عليه الوحي فيقول لا أدري ، أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي ، ولم
يقل برأي ولا قياس ، لقوله تعالى: بما أراك الله ).
ولماذا ناقض هو نفسه بالطامات التي نسبها الى النبي(ص) ؟!
4 ـ لماذا تخالفون قول عمر: (إن الرأي إنما كان من رسول الله(ص) مصيباً ، لأن
الله كان يريه ، وإنما هو منا الظن والتكلف) . (سنن أبي داود:2/161)
ولماذا ناقض هو نفسه فاعترض على رسول الله(ص) ونسب اليه الخطأ في أسرى بدر
وغيرها ، وادعى أنه هو أصاب وأن الوحي نزل بموافقته !
وإذاكان تسديد الله لنبيه(ص) في القضاء بين الناس فقط ، فقد قضى النبي(ص) بينهم
بالتسوية في العطاء ، فلماذا خالفه عمر وميَّز بينهم في العطاء ؟!
5 ـ كيف تجمعون بين قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ
بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ..) وبين رواية
البخاري:8/62: (عن أم سلمة عن النبي(ص)قال: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون ، ولعل
بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق
أخيه شيئاً فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار). ؟!
6 ـ المعروف أن الإجتهاد هو بذل الجهد لمعرفة الشئ ، وأن نتيجته ظنية ، فقولكم
إن النبي(ص) كان يجتهد يعني أنه كان يعمل بظنه !
فهل توافقون على تحريف الجصاص لمعنى اجتهاد النبي(ص) بقوله: (وليس في
الآيتين(يقصد بما أراك الله.. وما ينطق عن الهوى) دليلٌ على أن النبي(ص) لم يكن
يقول شيئاً من طريق الإجتهاد ، وذلك لأنا نقول: ما صدر عن اجتهاد فهو مما أراه
الله وعرفه إياه) ؟!
وهل توافقون على مانسبت رواياتكم الى النبي(ص) : (فإني إنما ظننت ظناً فلا
تؤاخذوني بالظن)؟!
المسألة: 147
واتهموا النبي(ص) بأنه ساذج ، لم يسمع بتلقيح النخل
رغم الآيات الصريحة ، والأحاديث الصحيحة ، ورغم تصريح عمر نفسه بأن رأي
النبي(ص) إلهامٌ من الله تعالى، فقد تبنوا مقولة أن النبي(ص) مجرد مجتهد ، في
القضاء وغيره ! وأنه مالم ينصَّ على أن هذا الحكم من عند الله تعالى ، فهو
اجتهاد منه وظن ، جائز أن يكون(ص) فيه مخطئاً ، وغيره مصيباً !
والسبب في ذلك هو الرغبة القرشية القوية في الحد من مكانة النبي(ص) ، وهيمنة
سنته وسيرته على المجتمع ، وسحب الحجة التي يحتج بها المعترضون على الخليفة
والناقدون لسياسته !
فكان لابد عند منظِّري الخلافة القرشية من توجيه ضربة لعصمة عمل النبي (ص)
ومنطقه ، ونشر مقولة إنه بشر وإنه كثيراً ما كان يخطئ !
ففي صحيح مسلم:7/95: (عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: مررت مع رسول الله(ص)بقوم
على رؤس النخل ، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى
فيتلقح ، فقال رسول الله(ص): ما أظن يغني ذلك شيئاً . قال: فأخبروا بذلك فتركوه
، فأخبر رسول الله(ص)بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فإني إنما ظننت
ظناً ، فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به ، فإني لن
أكذب على الله عز وجل ).
وفي سنن ابن ماجة:2/825: (موسى بن طلحة بن عبيدالله يحدث عن أبيه ، قال: مررت
مع رسول الله(ص)في نخل ، فرأى قوماً يلقحون النخل . فقال: ما يصنع هؤلاء ؟
قالوا: يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى قال: ما أظن ذلك يغني شيئاً فبلغهم
فتركوه ، فنزلوا عنها . فبلغ النبي(ص) فقال: إنما هو الظن ، إن كان يغني شيئاً
فاصنعوه ، فإنما أنا بشر مثلكم ، وإن الظن يخطئ ويصيب ، ولكن ما قلت لكم قال
الله ، فلن أكذب على الله .
وعن عائشة ، أن النبي(ص)سمع أصواتاً فقال: ما هذا الصوت؟ قالوا: النخل يؤبرونها
. فقال: لو لم يفعلوا لصَلُح ، فلم يؤبروا عامئذ فصار شيصاً !!
فذكروا للنبي(ص)فقال: إن كان شيئاً من أمر دنياكم فشأنكم به ، وإن كان من أمور
دينكم ، فإليَّ ).
قال النووي في المجموع:11/353: ( أبصر النبي(ص)الناس يلقحون النخل فقال: ما
للناس؟ قالوا: يلقحون، فقال: لا لقاح! أو لا أرى اللقاح يغني شيئاً ، قال:
فتركوا اللقاح ، فخرج تمر الناس شيصاً ، فقال النبي(ص): ما شأنه ؟ قالوا: كنت
نهيت عن اللقاح !! فقال: ما أنا بزارع ولا صاحب نخل ، لقحوا !! أورد أبو بكر
محمد بن موسى الحازمي هذا الحديث في كتابه الناسخ والمنسوخ ، لتضمنه النهي عن
اللقاح ثم الإذن فيه ! ونقل عن بعضهم أن قوله: لالقاح ، صيغة تدل على النهي ،
وأن للشارع أن يتحكم في أفعال العباد كيف أراد ! ولهذا قالوا للنبي(ص): كنتَ
نهيتَ عن اللقاح ، ولم ينكر عليهم !
ومال الحازمي إلى أن ذلك ليس بحكم شرعي ، ولقوله في رواية أخرى: إنما ظننت ظناً
فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله تعالى شيئاً فخذوا به، فإنني لن
أكذب على الله . ثم قال الحازمي: وعلى الجملة الحديث يحتمل كلا المذهبين ،
ولذلك أبقينا يعني في الناسخ والمنسوخ ). !
وقال النووي في شرح مسلم:15/116: (وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره(ص)من
معايش الدنيا على سبيل الرأي ، فيه حديث إبار النخل وأنه (ص) قال: ( ما أظن
يغني ذلك شيئاً فخرج شيصاً فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت
ظناً فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به . وفي
رواية: إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشئ من رأي فإنما أنا
بشر . وفي رواية: أنتم أعلم بأمر دنياكم .
قال العلماء: قوله(ص): من رأيي، أي في أمر الدنيا ومعايشها ، لا على التشريع .
فأما ما قاله باجتهاده(ص)ورآه شرعاً يجب العمل به ، وليس إبار النخل من هذا
النوع ، بل من النوع المذكور قبله .
مع أن لفظة الرأي إنما أتى بها عكرمة على المعنى ، لقوله في آخر الحديث قال
عكرمة: أو نحو هذا ، فلم يخبر بلفظ النبي(ص)محققاً .
قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبراً ، وإنما كان ظناً كما بينه في هذه
الروايات قالوا: ورأيه(ص)في أمور المعايش وظنه كغيره ، فلا يمتنع وقوع مثل هذا
، ولا نقص في ذلك ، وسببه تعلق همهم بالآخرة ومعارفها . والله أعلم .
قوله يلقحونه ، بمعنى يؤبِّرون في الرواية الأخرى ، ومعناه إدخال شئ طلع الذكر
في طلع الأنثى فتعلق باذن الله....
قوله: فخرج شيصاً ، هو بكسر الشين المعجمة وإسكان الياء المثناة تحت وبصاد
مهملة ، وهو البسر الردئ الذي إذا يبس صار حشفاً ، وقيل: أردأ البسر ، وقيل:
تمر ردئ ، وهو متقارب ). انتهى.
أقول: يظهر أن ما ذكره النووي من (وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (ص)
من معايش الدنيا على سبيل الرأي) هو عنوان باب في صحيح مسلم ، وهو جرأة عجيبة
على الطعن في النبي(ص) بأنه ساذج ، ولواذٌ في مخالفة أوامره !
واعجب ماشئت من تبرير النووي لسذاجة النبي(ص) وعدم ثقافته في أمور الدنيا ،
بقوله: (وسببه تعلق همهم بالآخرة ومعارفها) !! فكأن اهتمامه(ص) بالآخرة يمنعه
من فهم أمور الدنيا ، ويجعله جاهلاً بليداً لايعرف أن النخل يحتاج الى تلقيح !
ثم يجعله فضولياً ، يتدخل فيما لا يعرفه !
ثم اعجب من قوله: ( قال العلماء.. قال العلماء) دون أن يذكر من هم هؤلاء
(العلماء)الذين قالوا مادام النبي(ص) يقول بظنونه فلا تجب علينا طاعته حتى نعلم
علم اليقين أنها عن الله تعالى !
أما المناوي فزعم أن كل نبي ساذج في أمور الدنيا !
قال في فيض القدير:3/66: (قال بعضهم: فبيَّن بهذا أن الأنبياء(ع) وإن كانوا
أحذق الناس في أمر الوحي والدعاء إلى الله تعالى، فهم أسرج الناس قلوباًمن جهة
أحوال الدنيا ، فجميع ما يشرعونه إنما يكون بالوحي وليس للأفكار عليهم سلطان) .
انتهى.
وليت المناوي ومن يصدقه من أتباع الخلافة القرشية ، يشرحون لنا معادلتهم في
حذاقة الأنبياء(ع) وذكائهم في أمور الآخرة ، وسراجتهم وبلاهتهم في أمور الدنيا
! وليتهم يصارحون المسلمين بأن نبيكم(ص) ما دام بلغ القمة في الحذاقة في أمر
الوحي والدعاء الى الله تعالى ، فلا بد أن يبلغ الدرك الأسفل في الجهل بأمور
الدنيا ، كجهله بحاجة النخل الى تلقيح ، والزرع الى حراثة !
وتفضل الشعراوي على نبينا(ص) بأن ثقافته تحسنت عندما كبر!
قال في العهود المحمدية ص114: ( فإذا عزمت ، على أمر ، يعني على فعل ما أشاروا
عليك به . فتوكل على الله ، لا على مشورتهم . على أنه لا يقدح في كماله (ص)عدم
التفاته إلى أمور الدنيا ، كما قال في مسألة تأبير النخل:
أنتم أعلم بأمور دنياكم . يعني التي لاوحي عندي من الله فيها ، فافهم . قال بعض
العارفين: ولم يمت(ص)حتى صار أعلم الناس بأمور الدنيا ) .
ولم يبين الشعراوي كيف أكمل النبي(ص) تعلم أمور الدنيا قبل أن يموت ؟ وعندَ من
دَرَسَ ، وفي أي سنٍّ أكمل تعليمه مادام كان ساذجاً وهو ابن ثلاث وخمسين سنة ،
لايعرف حاجة النخل الى تلقيح رغم هجرته وعيشه في المدينة ، ورغم بعثته رسولاً
ومعلماً للعالمين ؟
ولو سلمنا معهم أنه(ص) كان ساذجاً جاهلاً بأمور أولية في حياة الإنسان العادي
فهلاَّ علَّمه ربه أن يستر على جهله ولا يفضح نفسه بالتدخل فيما يجهله ! وهلاَّ
منعه من الإضرار بالناس وتخريب موسمهم ؟!
وافتروا على النبي(ص) أنه استقبح التأبير لأنه عملية جنسية !
نعم بلغ بهم الأمر هذا الحد ! فهذا السرخسي يقول في مبسوطه:23/109:
(ثم ما يذكر من التلقيح في النخل أنواع معلومة عند أرباب النخيل ، منها ما
يشترى فيدق ويذرُّ على مواضع معلومة من النخيل ، ومنها ما يوجد من فحولة النخل
، مما يشبه الذكر من بني آدم ثم يشق النخلة التي تحمل ، فيغرز ذلك فيها على
صورة الوطأ بين الذكور والإناث . ولمَّا رأى رسول الله (ص) هذا النوع من أهل
المدينة فاستقبحه ونهاهم عن ذلك ، فأحشفت النخل في تلك السنة ! فقال: عهدي
بثمار نخيلكم على غير هذه الصفة ! قالوا: نعم وإنما كانت تجيد الثمار بالتلقيح
، فانتهينا إذ منعتنا فأحشفت ! فقال عليه الصلاة والسلام: إذا أتيتكم بشئ من
أمردينكم فاعملوا به، وإذا أتيتكم بشئ من أمور دنياكم فأنتم أبصر بدنياكم).
وقال السرخسي في كتاب أصوله:2/92: ( ولما قدم المدينة استقبح ما كانوا يصنعونه
من تلقيح النخيل فنهاهم عن ذلك فأحشفت وقال: عهدي بثماركم بخلاف هذا ؟ فقالوا:
نهيتنا عن التلقيح ، وإنما كانت جودة الثمر من ذلك ! قال: أنتم أعلم بأمر
دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم . فتبين أن الرأي منه كالرأي من غيره في احتمال
الغلط ) !! انتهى.
أقول: ما هو جواب السرخسي الفقيه الأصولي ومن يقلده، إذا سألهم أحد: كيف تقبلون
هذا الحديث المخالف للقرآن والعقل ؟ فهل من الخُلق العظيم ما فعله النبي(ص)
بموسم نخل المدينة ؟! وهل تعرفون أن التمر عصب اقتصاد المدينة يومذاك كموسم
القطن في ساحل مصر وموسم الحنطة في سَرَخْس ؟ فهل يعقل أن يكون أهل المدينة
ساذجين ، فيقبلوا بعدم تلقيح نخلهم وخسارة موسمهم ؟!
وهل يعقل أن تكون هذه الحادثة حصلت في المدينة وخرَّبت موسمها ، ولم ينتشر
خبرها ، ولم يسمِّ الناس عامها (عام الشيص) أو (عام اجتهاد النبي) ! ولم يرفعها
اليهود والمشركون علماً للتشنيع على النبي(ص) والإسلام ، ولم تصل الينا إلا
برواية تيميين هما موسى بن طلحة وعائشة ؟!!
وأخيراً ، زعمتم أن النبي(ص) يخطئ ويعصي ربه ، لكن الله تعالى لايقره على الخطأ
، فأين تنبيه الله ننبيه على هذا الخطأ ، ونهيه له عن الإضرار بالمؤمنين؟!
وزعمَ رواة قريش أن النبي(ص) لم يفهم آيات زوجية النبات !
قال الله تعالى:(وَآيَةٌ لَهُمُ الأرض الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا
وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ
مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ . لِيَأْكُلُوا
مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أيديهم أَفَلا يَشْكُرُونَ . سُبْحَانَ الَّذِي
خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض وَمِنْ أنفسهم وَمِمَّا لا
يَعْلَمُونَ ). (سورة يس:33 ـ 36)
ج
وقال تعالى: (وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ . وَمِنْ كُلِّ
شَئٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ). (الذاريات:48 ـ 49)
وقال تعالى:(وَهُوَالَّذِي مَدَّ الأرض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي
اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
(الرعد:3)
هذه الآيات من ثلاث سور ، وقد نزلت سورتا ياسين والذاريات في مكة ، ونزلت سورة
الرعد في المدينة ، وقد بينها الله لنبيه(ص) وفهمها وقرأها على الناس ، وهي
صريحة في شمول نظام الزوجية لكل ماتنبت الأرض ؟
فهل نسيها النبي(ص) عندما كان ذاهباً مع طلحة ورأى العمال يلقحون النخل ، فدهش
لفعلهم ، واستقبح عمليتهم ونهاهم عنها ؟!!
اللهم غفرانك ، فقد كذبت قريش على نبيك(ص) في حياته حتى قام خطيباً محذراً ،
وتفاقم كذبها عليه بعد وفاته !
في الكافي:1/62: عن سليم بن قيس الهلالي: (قلت لأمير المؤمنين(ع) : إني سمعت من
سلمان والمقداد وأبيذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله (ص) غير ما
في أيدي الناس ، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ، ورأيت في أيدي الناس أشياء
كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله(ص) أنتم تخالفونهم فيها،
وتزعمون أن ذلك كله باطل ، أفترى الناس يكذبون على رسول الله(ص) متعمدين ،
ويفسرون القرآن بآرائهم ؟!
قال: فأقبل عليَّ فقال: قد سألت فافهم الجواب: إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً
وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعاماً وخاصاً ، ومحكماً ومتشابهاً ،
وحفظاً ووهماً ، وقد كُذِبَ على رسول الله(ص) على عهده حتى قام خطيباً فقال:
أيها الناس قد كثرت عليَّ الكذابة ، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من
النار ، ثم كذب عليه من بعده . وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:
رجل منافق يظهر الإيمان ، متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول
الله(ص) متعمداً ، فلو علم الناس أنه منافقٌ كذاب ، لم يقبلوا منه ولم يصدقوه ،
ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله(ص) ورآه وسمع منه ، وأخذوا عنه ، وهم لا
يعرفون حاله ، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم ، فقال
عز وجل: وإذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ
لِقَوْلِهِمْ ، ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار ،
بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال ، وحملوهم على رقاب الناس ، وأكلوا بهم
الدنيا ، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله ، فهذا أحد
الأربعة.....الخ.).
الأسئلة
1 ـ هل تقبلون حديث التأبير مع أن النبي(ص) كان أذكى الناس ، وكان رسولاً
ومعلماً للعالمين ، فكيف لم يكن يعرف أن النخل يحتاج الى تلقيح ؟!
2 ـ لنفرض أن النبي(ص) كان لايعرف حاجة النخل الى تلقيح وحاشاه ، فهل تقبلون
أنه نهاهم عن التلقيح ، بسبب استقباحه ذلك الفعل ؟!
3 ـ لنفرض أن النبي(ص) كان جاهلاً بأمر النخل ، وأنه اشتبه وأمرهم بترك التلقيح
، فلماذا أقره الله على فعله ولم ينزل الوحي بتصحيح فعله وتنبيهه ؟
4 ـ لنفرض أن النبي(ص) كان جاهلاً بأمر النخل ، وأنه اشتبه وأمرهم بترك التلقيح
، وأن الله تعالى تركه الأمر حتى خرج الموسم شيصاً ! فأين كان عمر وموافقاته ،
وما له لم يبادر ويصحح عمل النبي(ص) كما هي عادته؟! بل أين بقية الصحابة وعقلاء
المدينة لم ينبسوا ببنت شفة ، ولم يرووا لنا هذه الحادثة ؟!
5 ـ ما هو الفرق بين القول الذي نسبتموه الى النبي(ص) :( فأنتم أبصر بدنياكم..
إذا أمرتكم بشئ من رأي فإنما أنا بشر . وفي رواية أنتم أعلم بأمر دنياكم) .
وبين القول بفصل الدين عن السياسة ؟ أو مقولة المسيحيين: (دع ما لله لله وما
لقيصر لقيصر)؟ وهل تلتزمون بأن كل أمور الدنيا لاتشملها الأحكام الشرعية ؟!
6 ـ مادامت أوامر النبي(ص) على قسمين: قسم من أمور الدين وهو من الله تعالى
فتجب إطاعته ، وقسم من أمور الدنيا وهو ظنون النبي(ص) ، ولا تجب إطاعته . فهل
تقولون إنا عندما نشك في أمر أو نهي نبوي لم يرد نص يعين أنه من أي القسمين ،
فالأصل أن يكون من ظنون النبي(ص) فلا تجب إطاعته ؟!
المسألة: 148
زعموا أن النبي(ص) أمر بقطع كروم الطائف
ونخيل خيبر..فوبخه عمر !
في السير الكبير:1/55: (ثم انتهى رسول الله(ع) إلى الطائف ، فأمر بكرومهم أن
تقطع . وفي ذلك قصة قد ذكرت في المغازي أنهم عجبوا من ذلك وقالوا: النخلة لا
تثمر إلا بعد عشر سنين ، وكيف العيش بعد قطعها ؟ ثم أظهر بعضهم الجلادة فنادوا
من فوق الحصن: لنا في الماء والتراب والشمس خلف مما تقطعون . فقال بعضهم: هذا
إن لو تمكنت من الخروج من جُحْرك .
وأمر رسول الله(ع) بقطع نخيل خيبر حتى مرَّ عمر بالذين يقطعون ، فهمَّ أن
يمنعهم ، فقالوا: أمر به رسول الله ! فأتاه عمرفقال: أنت أمرت بقطع النخيل؟!
قال: نعم. قال أليس وعدك الله خيبر؟ قال: بلى . فقال عمر: إذاً تقطع نخيلك
ونخيل أصحابك ؟!! فأمر منادياً ينادي فيهم بالنهي عن قطع النخيل .
قال الراوي: فأخبرني رجال رأوا السيوف في نخيل النطاة ، وقيل لهم: هذا مما قطع
رسول الله ! والنطاة إسم حصن من حصون خيبر . وقد كانت لهم ستة حصون: الشق ،
والنطاة ، والقموص ، والكتيبة ، والسلالم ، والوطيحة ).
وفي دلائل النبوة للبيهقي:5 /157: (وزاد عروة في روايته قال: وأمر رسول الله
المسلمين حين حاصروا ثقيفاً أن يقطع كل رجل من المسلمين خمس نخلات أو حبلات من
كرومهم.. فأتاه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله إنها عفاء لم تؤكل ثمارها !
فأمرهم أن يقطعوا ما أكلت ثماره الأول فالأول)!!
ورووا أن أبا بكر كان أعقل وأرحم من النبي(ص) !
ففي سنن البيهقي:9/90: لما بعث أبو بكر يزيد بن أبي سفيان إلى الشام على ربع من
الأرباع ، خرج أبو بكر معه يوصيه... فقال...
ولا تقتلوا كبيراً هرماً ، ولا امرأةً ، ولا وليداً ، ولا تخربوا عمراناً ، ولا
تقطعوا شجرةً إلا لنفعٍ ، ولا تعقرن بهيمةً إلا لنفعٍ ، ولا تحرقن نخلاً ، ولا
تغرقنه ، ولا تغدر ، ولا تمثِّل ، ولا تجبن ، ولا تغلل ) .
الأسئلة
1 ـ هل تقبل عقولكم أن النبي(ص) وهو أعقل الخلق وأرحمهم ، يأمر بقطع النخيل
والكروم في خيبر والطائف ؟!
2 ـ لنفرض أن النبي(ص) ساذج كما صوره عمر، وأنه أمر بقطع نخيل خيبر ، ألم يتعلم
من توجيه عمر في خيبر ، فعاود ذلك بعد سنتين في الطائف ؟!
3 ـ ألا يكفيكم لتكذيب هذه الأسطورة قول أحد رواتها: ( فأخبرني رجال رأوا
السيوف في نخيل النطاة ، وقيل لهم: هذا مما قطع رسول الله !) فهل سمعتم في
تاريخ العرب أو الشعوب الأخرى أن أحداً كان يقطع شجر النخيل بالسيوف ؟!!
4 ـ ألا تظنون أن وصية أبي بكر لجند فتح الشام ، هي لرسول الله(ص) وقد سلبوها
منه ، ووضعوها على لسان غيره ؟!
قال البخاري في صحيحه:3/109و:4/13: ( قال خَفَّتْ أزواد القوم وأملقوا ، فأتوا
النبي (ص) في نحر إبلهم ، فأذن لهم ! فلقيهم عمر فأخبروه ، فقال: ما بقاؤكم بعد
إبلكم؟! فدخل على النبي(ص)فقال يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم؟! فقال رسول
الله(ص): ناد في الناس يأتون بفضل أزوادهم ، فبسط لذلك نطعٌ وجعلوه على النطع ،
فقام رسول الله(ص)فدعا وبارك عليه ، ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى الناس حتى فرغوا
).
وقال مسلم:1/42: ( لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة ، قالوا: يا رسول الله
لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادَّهنا ، فقال رسول الله(ص): إفعلوا .
قال فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قلَّ الظهر ، ولكن أدعهم بفضل أزوادهم
ثم ادع الله لهم عليها بالبركة ، لعل الله أن يجعل البركة في ذلك؟
فقال رسول الله(ص): نعم .
قال فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم قال فجعل الرجل يجئ بكف ذُرَة ، قال
ويجئ الآخر بكف تمر ، قال ويجيء الآخر بكسرة ، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيءٌ
يسير ، قال فدعا رسول الله(ص)عليه بالبركة ثم قال: خذوا في أوعيتكم ، قال:
فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه... ). انتهى.
الأسئلة
1 ـ هل يقبل عقلكم أن جيش المسلمين في تبوك وهم على بعد نحو ألف كيلو متر من
المدينة ، يطلبون من النبي(ص) أن يأذن لهم في ذبح جمالهم ليأكلوها ويبقوا بدون
وسائط نقل ، وأن النبي(ص) أذن لهم بذلك ؟!
2 ـ تعارضت روايات هذه الموافقة لعمر ، فبعضها قال إنه هو صاحب اقتراح أن يدعو
النبي(ص) بالبركة على أزوادهم ، وبعضها قال إنه النبي(ص) ؟
فإذا صاحب الإقتراح كان هو النبي(ص) كما نص البخاري ، فقد انتفت الحاجة الى ذبح
الجمال ، فما قولكم؟!
أم تقولون إن عمر نبه النبي(ص) الى ذلك كما في مسلم ، فأطاعه وأمر به كما في
البخاري ؟!
المسألة:150
ورووا أن النبي(ص) تأخر عن صلاة العشاء فصاح به عمر !
قال البخاري:1/142: (عن عروة أن عائشة قالت: أَعْتَمَ رسول الله(ص)بالعشاء حتى
ناداه عمر: الصلاة نام النساء والصبيان ، فخرج ! ).
وفي مسلم :2/115: (قال ابن شهاب وذكر لي أن رسول الله(ص)قال: وما كان لكم أن
تنزروا رسول الله(ص)على الصلاة، وذاك حين صاح عمر بن الخطاب)!!
الأسئلة
1 ـ هل كان النبي(ص) متكاسلاً عن صلاة العشاء أو ناسياً فذكَّره عمر ؟!
2 ـ قال الله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ
فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ
بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاتَشْعُرُونَ .
وجاء في حديث مسلم أن النبي(ص) قال: (وما كان لكم أن تَنْزُروا رسول الله (ص)
على الصلاة ، وذاك حين صاح عمر بن الخطاب ) !
فهل حبط عمل عمر وذهبت حسناته بصياحه على النبي(ص) أم تستثنونه من حكم الأدب مع
النبي(ص) ؟!
المسألة: 151
زعموا أن النبي(ص) نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس فأيقظه عمر !
قال البخاري في صحيحه:1/88 و:2/168: (عن عمران قال: كنا في سفر مع النبي (ص)
وإنا أسْرَيْنا حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلى عند المسافر
منها ، فما أيقظنا إلا حَرُّ الشمس ، وكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان
، يسميهم أبو رجاء ، فنسي عوف ، ثم عمر بن الخطاب الرابع ، وكان النبي(ص)إذا
نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه . فلما
استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس وكان رجلاً جليداً ، فكبر ورفع صوته بالتكبير ،
فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي(ص) ، فلما استيقظ
شكوا إليه الذي أصابهم ، قال: لا ضير أو لا يضير ، إرتحلوا ، فارتحل فسار غير
بعيد ، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس ).
ورواه مسلم:2/140، وفيه: (فجعل يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ رسول الله (ص) فلما
رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال: إارتحلوا ، فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل
فصلى بنا الغداة ) !
الأسئلة
1 ـ ما الذي يريدون إثباته بهذا الحديث ، فضيلة لعمر أو منقصة للنبي(ص) ؟
2 ـ ورد عندنا أن الله تعالى أنام نبيه عن صلاة الصبح فصلاها قضاء ، حتى لايقال
من ضيعها هلك ، لكن هل تتعقلون أن ذلك كان في غزوة خيبر أو الحديبية أو مؤتة أو
تبوك ، وأن النبي(ص) وكل جيش المسلمين ناموا عن صلاة الصبح حتى تؤذيهم الشمس
بحرها ، ولم يستيقظ احد منهم عند الفجر ، ولا قبل طلوع الشمس؟!
3 ـ هل تستطيعون أن تسموا الغزوة التي وقعت فيها هذه الحادثة ؟ هل هي خيبر أو
الحديبية أو مؤتة ؟ والأشخاص الذين كانوا فيها واستيقظوا قبل عمر فكان رابعهم؟!
فقد عجز علماؤكم عن معرفة ذلك ، كما عجزوا عن معرفة القوم الذين قال عنهم عمر
إنهم كتبوا كتاباً فيه سنة نبيهم فتركوا كتاب ربهم !
ولماذا لم يسمِّ الراوي أولئك القوم ، ولا سمى تلك الغزوة ! ألا يوجب ذلك الشك
في صحة الحديث ؟!
لاحظوا تخبط ابن حجر وغيره وكيف غرقوا في الإحتمالات في تعيين الغزوة التي وقعت
فيها الحادثة ، والأشخاص الذين كانوا فيها ، ولم يصلوا الى غير الشك والإحتمال
!
قال في فتح الباري:1/379:( اختُلف في تعيين هذا السفر ، ففي مسلم من حديث أبي
هريرة أنه وقع عند رجوعهم من خيبر قريب من هذه القصة. وفي أبي داود من حديث ابن
مسعود أقبل النبي(ص)من الحديبية ليلاً فنزل فقال من يكلؤنا فقال بلال أنا . .
الحديث . وفي الموطأ ، عن زيد بن أسلم مرسلاً: عرَّس رسول الله(ص)ليلة بطريق
مكة ووكَّلَ بلالاً . وفي مصنف عبد الرزاق عن عطاء بن يسار مرسلاً أن ذلك كان
بطريق تبوك ، وللبيهقي في الدلائل نحوه من حديث عقبة بن عامر . وروى مسلم من
حديث أبي قتادة مطولاً ، والبخاري مختصراً في الصلاة قصة نومهم عن صلاة الصبح
أيضاً في السفر لكن لم يعينه ، ووقع في رواية لأبي داود أن ذلك كان في غزوة جيش
الأمراء ، وتعقبه ابن عبد البر بأن غزوة جيش الأمراء هي غزوة مؤتة ولم يشهدها
النبي(ص)وهو كما قال . لكن يحتمل أن يكون المراد بغزوة جيش الأمراء غزوة أخرى
غير غزوة مؤتة .
وقد اختلف العلماء هل كان ذلك مرة أو أكثر ، أعني نومهم عن صلاة الصبح فجزم
الأصيلي بأن القصة واحدة ، وتعقبه القاضي عياض بأن قصة أبي قتادة مغايرة لقصة
عمران بن حصين وهو كما قال ، فإن قصة أبي قتادة فيها أن أبا بكر وعمر لم يكونا
مع النبي(ص)لما نام ، وقصة عمران فيها أنهما كانا معه كما سنبينه ! وأيضاً فقصة
عمر أن فيها أن أول من استيقظ أبو بكر ، ولم يستيقظ النبي (ص)حتى أيقظه عمر
بالتكبير ، وقصة أبي قتادة فيها إن أول من استيقظ النبي (ص) وفي القصتين غير
ذلك من وجوه المغايرات !!
ومع ذلك فالجمع بينهما ممكن ! لا سيما ما وقع عند مسلم وغيره أن عبدالله بن
رباح راوي الحديث عن أبي قتادة ، ذكر أن عمران بن حصين سمعه وهو يحدث بالحديث
بطوله فقال له: أنظر كيف تحدث ، فإني كنت شاهداً القصة ! قال: فما أنكر عليه من
الحديث شيئاً ، فهذا يدل على اتحادها . لكن لمدعي التعدد أن يقول: يحتمل أن
يكون عمران حضر القصتين فحدث بإحداهما وصدق عبد الله بن رباح لما حدث عن أبي
قتادة بالأخرى . والله أعلم). انتهى .
فما رأيكم في هذه الدوامة التضارب والتعارض والتناقض ؟!
فإن غزوات النبي(ص) كانت بحضور العشرات والمئات والألوف من اصحابه ، وأخبارها
مدونة ، وحدث من هذا النوع لابد أن ينقله الكثيرون منهم !!
4 ـ من الذي استيقظ أولاً ، هل هو النبي(ص) أو عمر أو أبو بكر ؟!
فقد رأيتم قول ابن حجر: (وأيضاً فقصة عمر أن فيها أن أول من استيقظ أبو بكر ،
ولم يستيقظ النبي(ص) حتى أيقظه عمر بالتكبير ، وقصة أبي قتادة فيها إن أول من
استيقظ النبي(ص) وفي القصتين غير ذلك من وجوه المغايرات) ! انتهى.
أليس هذا التهافت من علامات الوضع أو التحريف ؟!
خلاصة غزوة الأحزاب ، أن قريشاً استطاعت أن توثِّق علاقاتها وتحالفاتها ضد
الإسلام ، وتجمع قوة كبيرة من قبائل العرب واليهود ، غزت بها المدينة وحاصرتها
للقضاء على الإسلام ونبيه نهائياً !
وكان النبي(ص) أخذ استعداده بحفر خندق حول المدينة من جهة جبل أحد ، وهي الجهة
التي يمكن أن يدخل منها الجيش المهاجم الى المدينة .
ودام حصار المشركين للمسلمين نحو أسبوعين وفي رواية شهراً ، حتى هزمهم الله
تعالى ، وكفى المؤمنين القتال بثلاثة أمور: جنود الغيب ، والريح ، ومبارزة فارس
المسلمين علي(ع) لفارس المشركين عمرو بن ود عندما عبر الخندق ، فانتصره عليه
وقتله مع فارسين عبرا الخندق معه ، فسبَّبَ ذلك انهيار معنويات المشركين ،
فانسحبوا خائبين .
وقد وصف الله معركة الأحزاب أو الخندق بآيات في سورة الأحزاب ، منها قوله
تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ
إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ
تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا .
إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ
الأبصار وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا
. هُنَالِكَ ابْتُلِي الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شديداً . وَإِذْ
يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا
اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا…الى أن قال:
قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لآخْوَانِهِمْ
هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلايَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قليلاً . أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ
فإذا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فإذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ
بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِأُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا
فَأَحْبَطَ اللهُ أعمالهم وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا .
يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأحزاب يَوَدُّوا لَوْ
أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ
كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قليلاً .
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ
يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كثيراً . وَلَمَّا رَءَا
الْمُؤْمِنُونَ الأحزاب قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ
وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا .
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ
مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً .
لِيَجْزِىَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ
شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا .
وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خيراً وَكَفَى
اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا.وَأَنْزَلَ
الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي
قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا .
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ
تَطَئُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا ).
وفي الدر المنثور:5/192: (أخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وابن عساكر عن ابن
مسعود أنه كان يقرأ هذا الحرف: وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بعلي
بن أبي طالب) . انتهى. يقصد أن ابن مسعود كان يقرأ الآية مع تفسيرها ، وأن هذا
معناها عندما نزلت . ورواه في ميزان الإعتدال:2/380 . وروى في إكمال
الكمال:7،67: أن ابن عباس أيضاً (كان يقرأ: وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ
الْقِتَالَ ، بعلي ). انتهى.
وفي الصحيح من السيرة:9/15: (انتدب فوارس من المشركين فأتوا مكاناً ضيقاً من
الخندق ، وأكرهوا خيلهم على عبوره ، فعبره عكرمة بن أبي جهل ، وعمرو ابن عبد ود
، وضرار بن الخطاب الفهري ، وهبيرة بن أبي وهب ، وحسل بن عمرو بن عبد ود ،
ونوفل بن عبد الله المخزومي ، فخرج أمير المؤمنين(ع) في نفر من المسلمين ، حتى
أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها .
وطلب عمرو بن عبد ود البراز فلم يبرز إليه أحد من المسلمين ، وخافوا منه خوفاً
شديداً ، لما يعرفون من شجاعته وفروسيته ، وكان يعدُّ بألف فارس . وطلب
عليٌّ(ع) من النبي(ص) أن يأذن له بمبارزته فلم يأذن له ، فكرر عمرو النداء
وأنشد الشعر، وعيَّر المسلمين المحجمين عنه، فطلب علي الإذن مرة أخرى فلم يأذن
له الرسول(ص) . فلما كان في المرة الثالثة ، ولم يبادر إلى ذلك سوى علي(ع) أذن
له النبي(ص) وعممه ودعا له، وقال: برز الإيمان كله الى الشرك كله، فبارزه
علي(ع) فقتله ، وقتل ولده حَسْلاً ، ونوفل بن عبد الله ، وفرَّ الباقون ! فقال
(ص) : ضربة علي يوم الخندق تعدل(أو أفضل من)عبادة الثقلين إلى يوم القيامة ).
انتهى.
وقال في:9/358: (راجع النصوص التي تشير الى ذلك في:كنز العمال:12/219 وتاريخ
بغداد:13/19 ومقتل الحسين للخوارزمي ص45 ومستدرك الحاكم:3/32 وتلخيصه للذهبي
بهامشه ، والمناقب للخوارزمي ص58 ومناقب آل أبي طالب: 3 /138 ، وشرح المواقف:8
/371 ، وفرائد السمطين:1/256 / وشواهد التنزيل:2/14 ط سنة 1411 ه . ، و الغدير
عن بعض من تقدم ، وعن هداية المرتاب ص 148 والتفسير الكبير للرازي:32/31 ،
وفضائل الخمسة من الصحاح الستة: 2/323، وحبيب السير:1/362 ، وينابيع المودة ص94
و95 و96 ، وسعد السعود ص 139 ، والطرائف ص60 وكنز الفوائد للكراجكي ص137
والسيرة الحلبية: 2/319 و320، وشرح المقاصد للتفتازاني:5/298، وفردوس
الأخبار:3/455ونفحات اللاهوت ص 91، ومجمع البيان:8/343 ، والبحار:41/91 و96
و:20/205 ، وإحقاق الحق (الملحقات): 8 و:6 ص5 و:16/403 …الخ.).
هذا هو جو معركة الخندق ، وهو ينفعنا في نقد ما رواه البخاري وغيره ، فقد زعموا
أن عمر انشغل في يوم الخندق حتى كادت تفوته صلاة العصر ، لكنه صلاها والحمد لله
، ولو في آخر الوقت .
أما النبي(ص) فقد انشغل عنها حتى فاتته وغابت الشمس !
بل رووا أن النبي(ص) فاتته أربع صلوات ، بينما عمر لم تفته ولا صلاة !
رواياتهم في أن النبي(ص) فاتته صلاة واحدة
قال البخاري في:1/147: (إن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس
فجعل يسب كفار قريش ، قال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب
قال النبي(ص): والله ما صليتها ! فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها
فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب).
( ونحوه:1/157 ، وص227 و:5/48 ) .كما روى البخاري أن الذي شتم الكفار ودعا
عليهم هو النبي(ص) ! قال في:3/233: (لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله(ص) ملأ
الله بيوتهم وقبورهم ناراً ، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) !
(ومثله:5/ 48 و:7/165) . وروى مسلم:2/111و112: (قال رسول الله(ص)يوم الأحزاب:
شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس ، ملأ الله قبورهم ناراً . أو بيوتهم ،
أو بطونهم . شك شعبة في البيوت والبطون ) . انتهى.
فترك النبي(ص) لصلاته مؤكد عندهم ، لكن الراوي بسبب احتياطه شك في دعاء
النبي(ص) أن يملأ الله قبورهم ناراً ، هل أضاف اليه بيوتهم وبطونهم؟!
قال مسلم: (شك شعبة في البيوت والبطون).كما روى مسلم أن النبي(ص) أقسم لعمر أنه
لم يصلِّ العصر: ( فقال رسول الله (ص): وأنا والله ما صليتها ) ! وفسره النووي
في شرح مسلم:5/131 ، بأنه احترام من النبي(ص) لعمر وتطييبٌ لخاطره بأن لا يحزن
لأن النبي(ص) أسوأ حالاً منه ! قال: (وإنما حلف النبي(ص) تطييباً لقلب عمر ،
فإنه شق عليه تأخير العصر إلى قريب من المغرب). انتهى.
وفي رواية: أن النبي(ص)صلى المغرب فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أني صليت
العصر؟ قالوا: لا يا رسول الله ما صليتها ! فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر ثم
أعاد المغرب ) .انتهى. (الزيلعي في نصب الراية:1/330) .
رواياتهم في أن النبي(ص) فاتته أربع صلوات
قال ابن حجر في فتح الباري:2/56: (قوله: فصلى العصر: وقع في الموطأ من طريق
أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر ، وفي حديث أبي سعيد الذي أشرنا إليه: الظهر
والعصر والمغرب وأنهم صلوا بعد هويٍّ من الليل ، وفي حديث ابن مسعود عند
الترمذي والنسائي أن المشركين شغلوا رسول الله(ص)عن أربع صلوات يوم الخندق ،
حتى ذهب من الليل ما شاء الله ). انتهى.
وفي سنن الترمذي:1/115: (قال عبد الله بن مسعود: إن المشركين شغلوا رسول الله
(ص) عن أربع صلوات يوم الخندق ، حتى ذهب من الليل ما شاء الله ، فأمر بلالاً
فأذن ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم
أقام فصلى العشاء ) . انتهى.(راجع أيضاً: مسند أحمد:1/375 ، والنسائي:1/506،
و:2/17 ، وسنن البيهقي:1/403 و:3/251، وابن أبي شيبة:1/519 ، و:8/428 ، و502 ،
وأبي يعلى:9/238 )
وفي مجموع النووي:3/68:(والمستحب أن يقضيها على الترتيب لأن النبي(ص) فاتته
أربع صلوات يوم الخندق ، فقضاها على الترتيب ) !!
وفي تلخيص الحبير:3/525: ( حديث أنه(ص)فاتته أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن على
الترتيب تقدم في الأذان ، وللترمذي والنسائي من طريق أبي عبيدة ابن عبد الله بن
مسعود عن أبيه ، أن المشركين شغلوا رسول الله(ص)عن أربع صلوات يوم الخندق ، حتى
ذهب من الليل ما شاء الله )
وفي مبسوط السرخسي:1/136: (وشغل رسول الله(ص)عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن
بعد هوي من الليل). (راجع أيضاً: بدائع الصنائع:1/132، ومغني ابن قدامه:1/428
،ونيل الأوطار:1/397) .
نقد رواياتهم في أن النبي(ص) ترك صلاته
في جو معركة الخندق الذي وصفناه ، قالوا إن النبي(ص) فاتته الصلاة ، أما عمر
فصلاها في آخر الوقت ! فهل يعقل ذلك ؟!
حاول ابن حجر أن يثبت صحة ذلك ! فقال في فتح الباري:2/56:( فإن قيل: الظاهر أن
عمر كان مع النبي(ص) فكيف اختص بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس بخلاف بقية
الصحابة والنبي(ص)معهم ؟ فالجواب: أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى
قرب غروب الشمس ، وكان عمر حينئذ متوضئاً فبادر فأوقع الصلاة ، ثم جاء إلى
النبي(ص) فأعلمه بذلك ، في الحال التي كان النبي(ص)فيها قد شرع يتهيأ للأداء ،
ولهذا قام عند الأخبار هو وأصحابه إلى الوضوء) . انتهى.
أقول: ترك ابن حجر المعقول ولم يتتبع المنقول ! وهذه عادته عندما يصل الى فضائل
عمر ! فهل من المعقول أن يتعمد النبي(ص) ترك صلاة أو أربع صلوات ، بسبب أنه في
مدينة محاصرة من عدوه ؟ وهل من المعقول أن ينسى النبي(ص) والمسلمون صلاتهم أو
صلواتهم ، ولا يذكرها إلا عمر في آخر وقتها!
وأعجب من ذلك أن ابن حجر بحث في أن ترك النبي(ص) لصلاته هل كان عن نسيان أو عمد
! واحتاط ولم يقل عن نسيان ، بل مال الى أنه تركها عن عمد وعصيان !! قال: (وقد
اختلف في سبب تأخير النبي(ص)الصلاة ذلك اليوم ، فقيل كان ذلك نسياناً ،
واستُبْعد أن يقع ذلك من الجميع ) !! (فتح الباري:2/56 )
وهل نقل أحد أن المعركة كانت حامية أياماً عديدة ، كما تصوروا أو صوروا وأن ترك
النبي(ص) لأربع صلوات حدث في أكثر من يوم ؟!
ألم يرووا أن وقعة الخندق لم يكن فيها معركة شاغلة إلا مبارزة علي(ع) لابن عبد
ودّ ومجموعة الفرسان الذين عبروا الخندق فقط ! وأنها كانت حصاراً دام اسبوعين
أو شهراً ، لم يكن فيه ما يشغل عن الصلاة ؟!
وبذلك فلا معنى لما قاله السيوطي في شرح النسائي:2/18: (قال ابن سيد الناس:
اختلف الروايات في الصلاة المنسية يوم الخندق ، ففي حديث جابر أنها العصر ، وفي
حديث ابن مسعود أنها أربع . قال القاضي أبو بكر بن العربي: والصحيح إن شاء الله
تعالى أن الصلاة التي شغل عنها واحدة هي العصر . ومنهم من جمع بين الأحاديث في
ذلك بأن الخندق كانت وقعته أياماً ، فكان ذلك كله في أوقات مختلفة في تلك
الأيام) . ( وفتح الباري:2/57 ) .
وهل صحيح أن عمر كان مع النبي(ص) مع أنهم رووا ووثقوا روايتهم أنه كان مختبئاً
في بستان في المدينة ، بعيداً عن المعركة ! قال في مجمع الزوائد:6/136:
(وعن عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس ، فسمعت وئيد الأرض من ورائي
، يعني حس الأرض . قالت: فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحرث بن أوس
يحمل مجنة . قالت: فجلس الى الأرض ، فمرَّ سعدٌ وعليه درعٌ من حديد قد خرجت
منها أطرافه ، فأنا أتخوَّف على أطراف سعد . قالت: وكان سعد من أعظم الناس
وأطولهم ، قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:
لبِّثْ قليلاً يدركِ الهيجَا حَمَلْ ما أحسنَ الموتُ إذا حانَ الأجَلْ
قالت: فاقتحمت ! حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين ! وإذا فيهم عمر بن الخطاب ،
وفيهم رجل عليه تَسْبِغَةٌ له يعني المغفر ، فقال عمر: ما جاء بك لعمري إنك
لجريئة ، وما يؤمنك أن لايكون تجوُّز ! (أي قد نهرب ولاتستطيعين الهروب )!!
قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها ! قالت:
فرفع الرجل التسبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيدالله ، فقال: ويحك يا عمر إنك قد
أكثرتَ منذ اليوم ، وأين التجوز والفرار إلا إلى الله تعالى؟!
قالت ويرمي سعداً رجلٌ من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له
خذها وأنا ابن العرقة ، فأصاب أكحله فقطعه ، فدعا الله سعد فقال: اللهم لاتمتني
حتى تقر عيني من بني قريظة فيخرجوا من صياصيهم ...الخ.).
وقد وثقه الهيثمي فقال:( قلت: في الصحيح بعضه رواه أحمد . وفيه محمد بن عمرو بن
علقمة ، وهو حسن الحديث ، وبقية رجاله ثقات ) . انتهى.
ومن الثابت تاريخياً أن مركز قيادة النبي(ص) يوم الخندق كان في مكان مسجد الفتح
الفعلي ، وهو على رأس جبل صغير مقابل الخندق وأحُد ، على بعد نحو خمسة كيلو
مترات عن المدينة ، وكان المسلمون على جانبيه وخلفه . وبما أن جبل الفتح وحوله
منطقة صخرية جرداء ، فلا بد أن يكون البستان الذي ذكرته عائشة في جهة المدينة ،
بعيداً عن المعركة !
وقد كانت مهمة المسلمين في معركة الخندق حراسة المدينة من جهة الخندق بالدرجة
الأولى ، ومن الجهات الأخرى الوعرة بطبيعتها ، ولم يذكر التاريخ أي محاولة من
المشركين للدخول الى المدينة ، فلم يكن للمسلمين ولا للنبي(ص) معركة شاغلة
تستغرق وقتهم وحواسهم وتنسيهم ذكر ربهم، بل لابدأن المسلمين كانوا أذكر لربهم
من الأوقات الأخرى !
وعليه ، يحتمل أن يكون أصل القصة أن عمر انشغل عن صلاته يومئذ ، فعيَّروه بها ،
فبرَّروا عمله باتهام النبي(ص) والمسلمين بتركهم الصلاة !!
ولهذا نظير في شخصية عمر عندما أخطأ في التيمم فتمرغ بكله في التراب ، فحكى ذلك
عمَّار للنبي(ص) فضحك من فعله وقال له كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تمسح
بهما وجهك وكفيك !
فسبب ذلك ردة فعل من عمر وصارت عنده عقدة من التيمم ، فأنكره من أصله ! وكان كل
عمره إذا لم يجد ماء ترك الصلاة كلياً ولم يتيمم !
والأسوأ من ذلك أنه كان في خلافته يفتي المسليمن إذا لم يجدوا ماء أن يتركوا
الصلاة نهائياً ! وهذا ثابت عنه !
ففي سنن النسائي:1/168: (عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كنا عند عمر فأتاه رجل
فقال: يا أمير المؤمنين ربما نمكث الشهر والشهرين ولا نجد الماء ؟ فقال: عمر
أما أنا فإذا لم أجد الماء لم أكن لأصلي حتى أجد الماء ! فقال عمار بن ياسر:
أتذكر يا أمير المؤمنين حيث كنت بمكان كذا وكذا ونحن نرعى الإبل ، فَتَعْلَم
أنا أجنبنا، قال: نعم ، قال: أما أنا فتمرغت في التراب ، فأتينا النبي(ص) فضحك
فقال: إن كان الصعيد لكافيك ، وضرب بكفيه إلى الأرض ، ثم نفخ فيهما ، ثم مسح
وجهه ، وبعض ذراعيه ؟! فقال: إتق الله يا عمار !! فقال: يا أمير المؤمنين إن
شئت لم أذكره ) !!
وروى البخاري مناقشة أبي موسى الأشعري لعبد الله بن عمر في سياسة أبيه مع جنود
الفتح وأمرهم بأن يتركوا الصلاة إن لم يجدوا ماء !!
قال البخاري في:1/90: (فقال له أبو موسى: لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً
، أما كان يتميم ويصلي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة: فَلَمْ
تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً؟ فقال عبدالله: لو رخص لهم في
هذا لأوشكوا إذا بَرَدَ عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد ! قلت: وإنما كرهتم هذا
لذا ؟! قال: نعم . فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول
الله(ص)في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرَّغت في الصعيد كما تَمَرَّغُ الدابة
، فذكرت ذلك للنبي(ص)فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا ، فضرب بكفه ضربة على
الأرض ثم نفضها ، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ، ثم مسح بها
وجهه ؟ فقال عبد الله: ألم ترَ عمر لم يقنع بقول عمار؟! وزاد يعلى عن الأعمش عن
شقيق قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر:
إن رسول الله بعثني أنا وأنت فأجنبتَ فتمعكتُ(تَ) بالصعيد ، فأتينا رسول الله
فأخبرناه . . . ). انتهى.
ونلاحظ أن البخاري وغيره جعلوا المتمرغ كالدابة عماراً وليس عمر , لكن قول عمر
في البخاري ومسلم:1/192، (إتق الله يا عمار ! فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت لم
أذكره ) يدل على أن المتمرغ عمر فلو كان عماراً لضحك وما غضب وقال له:إتق الله
يا عمار ، ولما كان ما يستوجب قول عمار: (إن شئتَ لم أذكره ) !
وقد صرح عبد الرزاق أن المتمرغ عمر ، قال في المصنف:1/240 قال: ( بعث
النبي(ص)عمر بن الخطاب ورجلاً من الأنصار يحرسان المسلمين ، فأجنبا حين أصابهما
برْد السحر ، فتمرغ عمر بالتراب ، وتيمم الأنصاري صعيداً طيباً فتمسح به ، ثم
صليا ، فقال النبي(ص): أصاب الأنصاري) . انتهى.
فهذه الرواية تنص على أن المتمرغ كان عمر ، وقد جعلت رفيق عمر أنصارياً وليس
عمار بن ياسر ، لغرض عند الراوي !
فما دامت حساسية عمر من خطئه تجعله يعطل آية من القرآن ويترك صلاته ويأمر
المسلمين بتركها !!
فلماذا لايحتمل في حقه أن يكون ترك صلاته يوم الخندق ، خاصة وأنه حسب شهادة
عائشة كان خائفاً يحسب للهزيمة والفرار من المدينة !
آراء علماء الشيعة
قال السيد ابن طاووس في الطرائف ص368:(ولهم في أداء الصلاة وأنها لا تسقط مع
بقاء التكليف بها ، تفصيلاتٌ طويلةٌ ، حتى أن فيهم من يقول إنها تصلى عند
اضطراب السيوف وذهاب الأرواح بالتسبيح فقط ، فكيف استجازوا مع ذلك أن يصدقوا عن
نبيهم ويشهدوا عليه أنه ترك الصلاة بالكلية حتى خرج وقتها مع أن عمر ما تركها)!
وقال الفقيه البحراني في الحدائق الناضرة:7/373: (أقول: ما استدل به شيخنا
الشهيد+هنا من الرواية عن النبي(ص) وأنه شُغل عن أربع صلوات يوم الخندق إنما هي
من طرق المخالفين وليس في أخبارنا لها أثر ، ولا توافق أصولنا ، فإن ظاهر
الأصحاب الإتفاق على عدم جواز ذلك عليه(ص) ، لعصمته المانعة عن جواز ذلك عليه )
.
وقال المرتضى في الصحيح من السيرة:11/65: (ومن الغريب والعجيب ، وما عشت أراك
الدهر عجباً ، قول العسقلاني هنا: ( أما من احتج لمن أخر بأن الصلاة حنيئذ كانت
تؤخر كما في الخندق ، وكان ذلك قبل صلاة الخوف ، فليس بواضح ، لاحتمال أن يكون
التأخير في الخندق كان عن نسيان ، وذلك بيِّنٌ في قوله (ص) لعمر ، لما قال له:
ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب ، فقال: والله ما صليتها ، لأنه لو
كان ذاكراً لها لبادر إليها كما صنع عمر )..
وهكذا ، فإن نتيجة كلام العسقلاني هي أن عمر كان أذكر للصلاة من رسول الله(ص)
وأكثر اهتماماً بشأنها ! ولم ينسها عمر ( رغم انشغاله الشديد بأمر الحرب في
الخندق ، حتى لقد حقق أعظم الإنتصارات فيها ، وقتل أعظم فرسانها ، وهزم الأحزاب
وفرق جمعهم ، بسبب ضربته الكبرى ، التي تعدل عبادة الثقلين ! أو انشغاله
بالهزيمة والإختباء في الحديقة ، هو وطلحة وآخرون ، حتى فضحت أمرهم عائشة ! أما
النبي(ص) الذي لم يقم بأي شئ من ذلك ، فقد نسي صلاته ، وذلك يعني كما يريد
هؤلاء أن يقولوا ، أن الصلاة كانت لاتمثل لدى هذا النبي شيئاً ذا أهمية ، رغم
كونه نبي هذه الأمة ، وهو الأسوة والقدوة(ص) !
نعم ، هذا ما يوحي به كلام العسقلاني الذي لم يعجبه نسبة تأخير الصلاة عمداً
لبعض الصحابة ) !! انتهى .
الأسئلة
1 ـ هل تقبلون أن النبي(ص) انشغل عن الصلاة حتى فاتته صلاة واحدة ، أو أربع
صلوات ، في أيام معركة الخندق ؟ بينما عمر لم تَفُتْهُ أيُّ صلاة !
2 ـ هل ترك النبي(ص) صلاته برأيكم نسياناً ، أم عالماً عامداً عاصياً لربه ؟!
3 ـ هل ترك أبو بكر الصلاة أيام معركة الخندق ، أم كان مع عمر فصلاها ؟!
4 ـ هل تعتبرون خروج عائشة يوم الخندق معصية ، لنهي عمر إياها ، ولأن
الحاكم:4/50 ، روى أن النبي(ص) جعل نساءه في حصن فارع ، وهو في جهة العوالي
المخالفة لجهة الخندق وأحُد ؟!
5 ـ هذه الآية نزلت في الخائفين يوم الخندق:(إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ
وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ
الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا). (الأحزاب:10) فهل تنطبق على