الفصل العشرون
قرشيات البخاري في الطعن بنبينا(ص) أسوأ من الإسرائيليات !
مقارنة بين مقام نبينا(ص) في مذهب أهل البيت الطاهرين(ع) وغيره
نعتقد نحن الشيعة بأن نبينا(ص) خاتم الأنبياء والمرسلين وأفضلهم ، وأنه أفضل
مخلوقات الله تعالى، وقد صح عندنا أن الله تعالى خلق نور النبي وأهل بيته(ص)
قبل خلق الخلق ، وأنه معصوم قبل البعثة وبعدها ، عن الكبائر والصغائر ، وعن كل
ما يشين شخصيته ، أو ينافي مقامه العظيم .
ونعتقد أن حرمته(ص) ميتاً كحرمته حياً،وأنه يسمع السلام ويرد الجواب، ونعتقد
باستحباب زيارة قبره الشريف والتوسل به ، والتبرك بقبره وبآثاره ، والصلاة عند
قبره، وفي البقاع التي صلى فيها ، أو جلس فيها ، وباستحباب تشييد قبره وإعماره
وتجليله(ص) . . . الخ .
أما السنيون فقد رووا في مصادرهم أن الله خلق نور النبي(ص) قبل الخلق وأنه كان
نبياً وآدم(ع) بين الماء والطين ، ولكن بعضهم لم يقبل ذلك !
كما أن مصادرهم روت تفضيل بعض أنبياء بني إسرائيل على نبينا(ص) كالبخاري كما
تقدم من البخاري !
ويقول السنيون إنهم يعتقدون بعصمة النبي(ص) عن المعاصي في التبليغ دون غيره ،
لكنهم نسبوا اليه نقائص كثيرة ، ورووا أيضاً أحاديث وصححوها أنه عصى وأخطأ في
التبليغ !
ورووا أن عمر بن الخطاب كان يصحح له أخطاءه ، فينزل الوحي مؤيداً لقول عمركما
سيأتي ! وقد رد عليهم علماء الشيعة ، ودافعوا عن ساحة النبي المقدسة(ص) .
أما ابن تيمية وأتباعه الوهابيون فينقصون من مقامه(ص) كثيراً ! ويحرِّمون قصد
زيارة قبره الشريف ، والصلاة عنده ، ويحرمون التوسل به ، بل يعدُّون نداءه
شركاً لأن النبي(ص) بزعمهم ميتٌ لا ينفع ولا يضر !
وقد بلغ سوء الأدب بهم أن قالوا (محمد طارش ومات ) فمَثَله عندهم كمثل شخص كلف
بنقل رسالة وأوصلها ، وانتهى الأمره !
الأسئلة
1 ـ ما هو السبب برأيكم في أن عقيدة الشيعة في عصمة النبي(ص) وقوله وفعله
وسيرته ومقامه عند ربه ، أعمق من عقيدتكم فيه ؟ هل السبب اهتمام الشيعة بالنص
القرآني والنص النبوي في فهم شخصيته ومقامه(ص) حيث قام مذهبهم على النص ؟ أم
ترون أنهم تأثروا بثقافة من خارج الإسلام تغالي بالأشخاص فغلوا في شخصية
النبي(ص) والأئمة(ع) ؟
2 ـ من الواضح أن اليهود لا قداسة عندهم ولا احترام لأنبيائهم(ع) بمن فيهم جدهم
إبراهيم(ع) الذي يقوم كل افتخارهم على الإنتساب اليه ! وأن السنيين تأثروا
بثقافتهم في نظرتهم الى الأنبياء وتفسيرهم لآيات القرآن فيهم(ع) . فهل بحث أحد
منكم العامل السياسي في نسبة مصادركم الأخطاء والمعاصي الى نبينا (ص) ، والعامل
الثقافي اليهودي في ذلك ؟!
3 ـ لماذا لاتدخلون في حسابكم أن تكون سلطة الخلافة أنقصت من مقام النبي(ص)
ونسبت اليه الأخطاء والمعاصي لتبرير عمل الحكام، وأنقصت من مقام عترته(ع)
لإبعادهم عن الخلافة ، وفتحت باب الثقافة اليهودية لفقرها العلمي، بينما تمسك
الشيعة بأهل البيت الطاهرين المطهرين(ع) وأخذوا منهم عقيدتهم في مقامات النبي
(ص) ومقامات عترته(ع) ؟
4 ـ أين هي ثقافة الغلو من الشعوب الأخرى التي نتهم بأنا تأثرنا بها في عقيدتنا
بعصمة نبينا الشاملة وعترته الطاهرين(ص) ؟!
وهل تستطيعون إثبات المفردات التي ترون أنا تأثرنا بها ، نحن والمسلمون من
أتباع المذاهب الأخرى ، الذين يؤمنون مثلنا بمقام النبي(ص) ؟!
5 ـ هل توافقوننا على أن الموقف العلمي من دعوى غلو الشيعة في مقام النبي (ص)
والأئمة(ع) ، ودعوى تنقيص السنة من مقامهم ، أنه يجب الرجوع الى نصوص القرآن
وما صح من السنة والتعمق فيها ، وفحص المؤثرات الخارجية كالتهوك والتمجس
ونحوهما ؟!
المسألة: 139
البخاري نموذجاً للطعن في عصمة نبينا(ص) والإنتقاص من مقامه !
نأخذ البخاري نموذجاً في أحاديثه التي تطعن في عصمة النبي(ص) ، علماً بأنه يوجد
أضعافها في مصادرهم الأخرى !
لقد عرفنا طرفاً من تهوك البخاري وطعنه بعصمة الأنبياء(ع) !
أما عندما يصل الى نبينا(ص) تنضم القرشيات الى الإسرائيليات وتتعاونان في طعن
خبيث مبطن في عصمته وشخصيته(ص) !!
فقد بدأ البخاري كتابه عن بدء الوحي بالفرية القرشية التي تقول إن النبي(ص) من
الأساس لم يكن على يقين من بعثته ، بل كان في شك وحيرة ! وأنه اطمأن بنبوته
بتطمين قسيس نصراني ، ثم تأخر عليه الوحي فعاد اليه الشك وقرر أن ينتحر !!
ثم يزعم البخاري أن النبي(ص) غير معصوم حتى في تبليغ رسالة ربه ، فقد غلبه
الشيطان فخان الرسالة وغيَّر القرآن ! واستبدل ذم أصنام قريش بمدحها ، وسجد لها
هو والمشركون ، فعبد الأصنام وكفر برب العالمين !
ثم يزعم ثالثاً ، أن نبينا(ص) ليس أفضل من أنبياء بني إسرائيل(ع) ! فموسى (ع)
على عيوبه ومعاصيه ! أفضل منه ، ويونس(ع) على تركه لقومه ومغاضبته خير منه ،
وعيسى(ع) خير منه ومن جميع الأنبياء !!
ويزعم رابعاً ، أن نبينا(ص) عصبي المزاج سئ الأخلاق مع المسلمين ، غير مسدد في
منطقه ، ولذا ينطق عن الهوى ويسب ويشتم ويلعن بغير حق !
كما أنه غير مسدد في عمله فقد يؤذي ويجلد الناس ظلماً وعدواناً !
ويزعم خامساً ، أن النبي(ص) ساذج ضعيف الشخصية والتدبير ، يقع في أخطاء فظيعة ،
فيصححها له عمر ، وينزل الوحي موبخاً له مؤيداً لعمر !
ويزعم سادساً ، أن النبي(ص) ظالم لقومه قريش ، فقد ظلمهم في بدر وأخذ منهم
أسارى بغير حق ، وأخذ من الأسرى فدية مقابل إطلاقهم ، فعاقبه الله بهزيمته ،
وجرحه وكسر أسنانه في أحد !
ويزعم سابعاً ، أن النبي(ص) غير مسدد في حكمه وقضائه بين المسلمين ، فقد يقضي
لشخص بالباطل لأنه حاذق في كلامه !
ويزعم ثامناً ، أن النبي(ص) ينهى عن الأمر ويرتكبه ، فقد نهى المسلمين عن
التمني وقول (لو) لكنه تمنى وقالها مرات !
ويزعم تاسعاً ، أن النبي(ص) صاحب ذهن مشوش ينسى كثيراً ، فقد نسي أنه جُنُب فلم
يغتسل وبدأ في صلاته! كما نسي عدد ركعات الصلاة ونقَّص منها! وأخطأ في قراءة
القرآن في صلاته ، فصحح له بدوي !
ويزعم عاشراً ، أن النبي(ص) غلب عليه المرض في آخر حياته فأخذ يهذي ، وطلب من
المسلمين أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم كتاباً يؤمِّنهم من الإختلاف والضلال
إلى يوم القيامة ، فرفض ذلك عمر وقال نبيكم غلب عليه الوجع ، وأيده أكثر
الحاضرين ، ومنعوه من كتابة ذلك العهد !
وحادي عشر ، تقول عائشة إنالنبي(ص) سُحِرَ ففقد ذاكرته ، وبقي لستة أشهر
مسحوراً يخيَّلُ إليه أنه فعل الشئ وهو لم يفعله ، وأنه أتى زوجته ولم يأتها !!
ما أدري ألم يتفكر العلماء في أعاجيب البخاري التي ينسبها الى نبينا(ص) ؟!!
ألم يقرؤوا فيه أن النبي(ص) بزعمه مفرط في الجنس ، يأتي نساءه التسعة في ليلة
واحدة ، ويباشر زوجته وهي حائض ، ويتبذَّل تبذلاً لايناسب وجيهاً اجتماعياً
عادياً ، فيبول وهو واقف ، ويستقبل ضيوفه وهو مضطجع ، ويستمع الغناء ويشاهد
الرقص ، ويشرب النبيذ !
أما عمر بن الخطاب فكان محافظاً أكثر منه ، حيث قال له أحجب نساءك فلم يفعل ،
فأنزل الله آية الحجاب ، وأمره بما أمره به عمر !
كما يزعم البخاري أن النبي(ص) كان مغرماً بزوجته عائشة ، فكان يفضلها على
زوجاته ويستمع معها الغناء من جاريتين تغنيان لهما ، ويحملها على كتفه ويضع خده
على خدها لتشاهد من شباك الغرفة رقص الأحباش ، ويأخذها معه في غزواته ، وربما
ترك جيشه وسابقها ، وقد سبقها مرة ، وسبقته مرة !
وقد روت عنه عائشة أكثر من ألفي حديث ، نشرت فيها قصص حياتهما الشخصية ، مما
لايناسب زوجين مسلمين محافظين !!
الى غير ذلك من مطاعن البخاري في نبينا(ص) التي لو أردنا استقصاءها لخرجنا عن
قصد هذا الكتاب ، فنكتفي بذكر بعضها في المسائل التالية !
الأسئلة
1 ـ هل تقبلون هذه الأمور التي ينسبها البخاري الى نبينا(ص) ؟
2 ـ كيف تقولون إن البخاري صحيحٌ من الجلد الى الجلد ، وإنه أصح كتاب بعد كتاب
الله تعالى ، مع أن فيه ما يخالف قطعيَّ العقل ، وفيه الأحاديث المتعارضة التي
لو كلفت عالماً منصفاً بالجمع بينها ، لقال لك كلفني بحمل صخور الجبال فهو أسهل
!!
وفيه الأحاديث المتناقضة التي لا يستطيع البخاري ولا كل الإنس والجن أن يجمعوا
بينها ! بل لا بد لهم أن يسقطوا واحداً منها أو أكثر ؟!!
3 ـ منهجنا في الحديث النبوي أنا نعتبر كل ما روي عن النبي وآله(ص) ثروة علمية
يجب أن تخضع للبحث العلمي من قبل العلماء المختصين ، وأن باب الإجتهاد مفتوح
على مدى العصور في تصحيح أي حديث منها أو تضعيفه ، والمسلمون يعتمدون على تصحيح
مراجعهم وتضعيفهم .
أما أنتم فقد تبنيتم كتاب البخاري وجعلتموه معصوماً من الجلد الى الجلد،
وأوجبتم على علماء المسلمين وعوامهم أن يعملوا به ، مع أن الكتب التي ألفها
شيوخ البخاري وعلماء الحديث بعده كثيرة ، ولا تقل عنه .
فأي المنهجين هو الصحيح ؟!
افتتح البخاري صحيحه بخرافتهم عن بدء الوحي وكررها في كتابه مرات ! فروى عن
عائشة أن النبي(ص) لم يبعث نبياً في جوٍّ واضح ، ولا رأى جبرئل بالأفق المبين
كما قال تعالى: وَاللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ. وَالصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ. إِنَّهُ
لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطَاعٍ
ثَمَّ أَمِينٍ . وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ . وَلَقَدْ رَآهُ بِالآفُقِ
الْمُبِينِ . وَمَا هُوَعَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ. وَمَا هُو َبِقَوْلِ
شَيْطَانٍ رَجِيمٍ . فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ . إِنْ هُوَإِلا ذِكْرٌ
لِلْعَالَمِينَ . لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ .وَمَا تَشَاءُونَ
إلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) . (سورة التكوير:17 ـ 29)
يقول البخاري كلا ! فقد كان الأفق غائماً وكانت النبوة مشكوكة ! ويزعم الذي جاء
للنبي(ص) أشبه بكابوس منه بمَلَك ، وكان تعامله معه وحشياً! فقد أمره أن يقرأ ،
ولم يقبل عذره بأنه لايعرف القراءة ، فغطه غطاً عنيفاً ثلاث مرات !
هل تعرفون أن قولنا: (أمسكه وخبزه بالأرض ثم عجنه ) أخف من قوله (غطه)
لأن معناها أنه خنقه وحبس نفسه الى قرب الموت ، ولم يكتف بذلك مرة واحدة ، بل
كرره ثلاث مرات !!
قال ابن الأثير في النهاية: 3/373: (الغط: العصر الشديد والكبس ) .
وقال النووي في شرح مسلم:3/199: ( يقال غطه وغته وضغطه وعصره وخنقه غمزه ، كله
بمعنى واحد ) !! انتهى.
والأهم من مصيبة الإرعاب والتعذيب ، أن النبي(ص) لم يعرف جبرئيل ، ولا فهم
كلامه ، ولا عرف ما يريده منه !
فقد عاد الى منزله في مكة مرعوباً شاكياً الى زوجته خديجة÷ فطمأنته ، لكنها
بقيت هي أيضاً في شك ! فأخذت زوجها الى ورقة بن نوفل ، وهو قسيس عجوز من
قبيلتها بني زهرة ، وعرضت عليه مشكلته ، فسأله ورقة وأجابه ، فطمأنه بأن الذي
جاءه هو حبرئيل ، وأنه فعلاً قد بعث نبياً !!
لكن النبي(ص) لم يطمئن ، خاصة بعد أن انقطع عنه الوحي ! فقرر أن يلقي بنفسه من
رأس جبل شاهق وينتحر ! وذهب مراراً الى رؤوس الجبال ، لكنه كلما ذهب الى رأس
جبل لينتحر ، كان جبرئيل يأتيه ويمنعه من ذلك !!
قال بخاري في صحيحه:8/67: (باب التعبير وأول ما بدئ به رسول الله(ص)من الوحي..
عن عائشة أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم
فكان لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، فكان يأتي حِرَاء فيتحنَّث فيه ، وهو
التعبد الليالي ذوات العدد ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها ،
حتى فجأه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فيه فقال: إقرأ ، فقال له
النبي(ص): ما أنا بقارئ ، قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهد ! ثم أرسلني
فقال:إقرأ ! فقلت: ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ! ثم
أرسلني فقال: إقرأ ! فقلت:ما أنا بقارئ فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ! ثم
أرسلني فقال: إقرأ باسم ربك ! ثم أرسلني فقال: إقرأ باسم ربك الذي خلق ، حتى
بلغ ما لم يعلم . فرجع بها ترجف بوادره ، حتى دخل على خديجة فقال: زمِّلوني
زمِّلوني ، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع ! فقال يا خديجة مالي؟! وأخبرها الخبر
وقال: قد خشيت على نفسي ! فقالت له: كلا ، أبشر فوالله لايخزيك الله أبداً ،
إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكَل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب
الحق .
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، وهو
ابن عم خديجة أخو أبيها ، وكان أمرءاً تنصَّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب
العبري فيكتب بالعربية من الإنجيل ماشاء الله أن يكتب ، وكان شيخاً كبيراً قد
عمي ، فقالت له خديجة: أي ابن عم إسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة: ابنَ أخي
ماذا ترى؟ فأخبره النبي(ص)ما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى،
يا ليتني فيها جذعاً أكون حياً حين يخرجك قومك؟ فقال رسول الله: أو مُخرجيَّ هم
؟ فقال ورقة: نعم ، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك
نصراً مؤزراً ، ثم لم ينشب ورقه أن توفي !
وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي(ص) فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من
رؤس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل
فقال: يامحمد إنك رسول الله حقاً ، فيسكن لذلك جأشه وتقرُّ نفسه فيرجع فإذا
طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ! فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل فقال
له مثل ذلك)!!
نعم، افتتح البخاري كتابه بهذه الخرافة:1/2 وكررها في:4/124، و6/88 !!
الأسئلة
1 ـ كيف تفسرون قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالآفُقِ الْمُبِينِ ، وهل الأفق
الذي زعم البخاري أن النبي(ص) رأى فيه جبرئيل(ع) أفقٌ مبين ، وقد احتاج الى
نصراني ضعيف الشخصية مثل ورقة ابن نوفل ، ليبينه له ويهدئ خوفه ورعبه ؟!
2 ـ كيف تقبلون هذه الخرافة وهي تناقض نص القرآن على أن نبينا(ص) كان على بصيرة
ويقين من أمره ، كقوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدعو إِلَى اللهِ عَلَى
بَصِيرَةٍ أنا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أنا مِنَ
الْمُشْرِكِينَ). (يوسف:108) وقوله تعالى: (إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ
الْمُرْسَلُونَ) . (النمل:10)
3 ـ كيف تقبلون خرافة البخاري وهي تناقض الآيات التي تنص على بشارة الأنبياء(ع)
بنبينا(ص) ،وأن الناس كانوا يتنتظرون النبي الموعود من ذرية إسماعيل(ع) ، وكان
عدد منهم يعرفونه ! فكيف لم يكن هو يعرف نفسه حتى بعد نزول جبرئيل عليه‘؟!
قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يدي مِنَ
التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) . ( الصف:
6)
وقال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ أَلَّذِينَ خَسِرُوا أنفسهم فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)
. ( الأنعام:20 )
وقال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ
يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
). (الأعراف:156)
وقال تعالى: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الآمّيَّ الَّذِي
يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالآنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ
وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أنزل مَعَهُ أُولَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ). (الأعراف:157)
وقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى
الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ
فضلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثر السُّجُودِ
ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الآنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخرج
شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ
الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عظيماً ). ( آخر سورة
الفتح ).
4 ـ روى في الكافي:5/374: عن الإمام الصادق(ع) قال: (لماأراد رسول الله(ص) أن
يتزوج خديجة بنت خويلد أقبل أبو طالب في أهل بيته ، ومعه نفر من قريش حتى دخل
على ورقة بن نوفل عم خديجة ، فابتدأ أبو طالب بالكلام فقال:
الحمد لرب هذا البيت، الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وذرية إسماعيل ، وأنزلنا
حرماً آمناً ، وجعلنا الحكام على الناس ، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه ، ثم
إن ابن أخي هذا ـ يعني رسول الله(ص) ـ ممن لايوزن برجل من قريش إلا رجَحَ به ،
ولا يُقاس به رجل إلا عظم عنه ، ولا عِدْل له في الخلق .
وإن كان مقلاً في المال فإن المال رِفْدٌ جار وظلٌّ زائل . وله في خديجة رغبة
ولها فيه رغبة ، وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها وأمرها ، والمهر عليَّ في مالي
الذي سألتموه عاجله وآجله ، وله ورب هذا البيت حظٌّ عظيم ودينٌ شائعٌ ورأيٌ
كامل .
ثم سكت أبو طالب وتكلم عمها وتلجلج وقَصُر عن جواب أبي طالب ، وأدركه القطع
والبهر ، وكان رجلاً من القسيسين ، فقالت خديجة مبتدئة:
يا عماه إنك وإن كنت أولى بنفسي مني في الشهود ، فلستَ أولى بي من نفسي قد
زوجتك يا محمد نفسي ، والمهر عليَّ في مالي ، فأمر عمك فلينحر ناقة فليولم بها
، وادخل على أهلك .
قال أبو طالب: أشهدوا عليها بقبولها محمداً وضمانها المهر في مالها ، فقال بعض
قريش: يا عجباه ! المهر على النساء للرجال ؟! فغضب أبو طالب غضباً شديداً وقام
على قدميه ، وكان ممن يهابه الرجال ، ويُكره غضبه ، فقال: إذا كانوا مثل ابن
أخي هذا ، طُلِبَتِ الرجال بأغلى الأثمان وأعظم المهر ، وإذا كانوا أمثالكم لم
يزوجو إلا بالمهر الغالي !
ونحر أبو طالب ناقة ، ودخل رسول الله(ص) بأهله) . انتهى.
فهل ترون أن شخصية ورقة مهيأة لمثل هذا الدور الذي زعمته له رواية البخاري؟!
5 ـ نعتقد أن نبينا(ص) كان نبياً منذ ولادته ، وأنه كان على هدى ربه ، يتعبد
لله في حراء ، وأنه في الأربعين بُعثَ رسولاً ، وأن الله تعالى قرن به ملكاً
منذ طفولته، فقد قال علي(ع) :(ولقد قرن الله به(ص) من لدن أن كان فطيماً أعظم
ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره .
ولقد كنت أتبعه اتِّبَاعَ الفصيل أثر أمه ، يرفعُ لي في كل يوم من أخلاقه علماً
، ويأمرني بالإقتداء به .
ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري . ولم يجمع بيتٌ واحدٌ
يومئذ في الإسلام غير رسول الله(ص) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي
والرسالة وأشم ريح النبوة ) . (نهج البلاغة:2/157).
وتعتقدون أنتم بأنه(ص) كان نبياً وآدم بين الماء والطين ، أو بين الروح والجسد
، فهو إذن يعرف الملائكة من صغره ، ويعرف أنه نبي من الله تعالى.
ففي مجمع الزوائد:8/223: (عن العرباض بن سارية قال قال رسول الله(ص): إني عند
الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة إبراهيم
وبشرى عيسى ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات المؤمنين يرين ، وفي رواية: وإن
أم رسول الله(ص)رأت حين وضعته نوراً أضاءت منه قصور الشام ، وفي رواية وبشارة
عيسى قومه . رواه أحمد بأسانيد والبزار والطبراني بنحوه...وأحد أسانيد أحمد
رجاله رجال الصحيح ، غير سعيد بن سويد وقد وثقه ابن حبان . وعن ميسرة العجر
قال: قلت يارسول الله متى كتبت نبياً؟ قال: وآدم بين الروح والجسد . رواه أحمد
والطبراني ، ورجاله رجال الصحيح ).
وقال الألباني في كتاب السنة لابن أبي عاصم ص179: ( عن ميسرة الغجر قال: قلت يا
رسول الله متى كتبت نبياً ؟ قال: وآدم بين الروح والجسد. إسناده صحيح، رجاله
كلهم ثقات رجال الصحيح . والحديث مخرج في الصحيحة ( 1856) ، وذكرت له هناك
شاهداً من حديث أبي هريرة ) . انتهى.
وقد روته مصادر عديدة بلفظه أو نحوه مثل: أحمد:4/66 و:5/59 ، و379 ،
والحاكم:2/609 ، وابن أبي شيبة :8/438 ، والطبراني في الأوسط :4/2727،
والكبير:12/73، والضحاك في الآحاد والمثاني:5/347، والسيوطي في الدر
المنثور:5/184، وغيرهم .
كما نص عديدون على صحته ، مثل كشف الخفاء:2/129و132وتحفة الأحوذي:10/56 ، ومغني
المحتاج:3/124 ، وفتح القدير:4/267 ، والباقلاني في إعجاز القرآن ص58 ، وغيرهم
.
وفي كشف الخفاء للعجلوني:2/129: (وقال التقي السبكي: (فإن قلت: النبوة وصف لا
بد أن يكون الموصوف به موجوداً ، وإنما تكون بعد أربعين سنة فكيف يوصف به قبل
وجوده وقبل إرساله؟
قلت: جاء أن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد ، فقد تكون الإشارة بقوله كنت
نبياً إلى روحه الشريفة أو حقيقته ، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وإنما
يعرفها خالقها ومن أمدًّه بنور إلهي .
ونقل العلقمي عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده مرفوعاً أنه قال: كنت نوراً بين
يدي ربي عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام). انتهى .
فمع هذه الرواية الصحيحة كيف تقبلون رواية عائشة في البخاري التي تزعم أن
النبي(ص) تفاجأ برؤية الملك ، وكان جاهلاً بنبوته حتى بعد البعثة؟!
6 ـ الوضع الطبيعي المنطقي عندما نزل جبرئيل(ع) من السماء على رسول الله (ص)
لأول مرة ، أن يسلم على النبي(ص) ويخبره أنه رسول ربه اليه ، وأن الله بعثه
رسولاً ، وأنه سينزِّل عليه قرآناً ، ثم يتلو عليه أول آياته ، ويشرح له مهمته
، ثم يودعه . كل ذلك في جو ملئ باليقين والإطمئنان والخشوع .
فكيف تقبلون هذا التعامل الإرهابي الذي نسبه البخاري الى جبرئيل(ع) ، وهذا الجو
من الرعب وعدم الثقة وعدم الوضوح ، الذي سيطر على البعثة ؟
( فجاءه الملك فيه فقال: إقرأ ، فقال له النبي(ص): ما أنا بقارئ ، قال فأخذني
فغطني حتى بلغ مني الجَهد ! ثم أرسلني فقال: إقرأ ! فقلت: ما أنا بقارئ ،
فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ! ثم أرسلني فقال: إقرأ ! فقلت:ما أنا
بقارئ فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ! ثم أرسلني فقال: إقرأ باسم ربك ! ثم
أرسلني فقال: إقرأ باسم ربك الذي خلق ، حتى بلغ ما لم يعلم . فرجع بها ترجف
بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زمِّلوني زمِّلوني ، فزمَّلوه حتى ذهب عنه
الروع !)!
فهل هذه رواية لبعثة سيد المرسلين من رب العالمين ، أم رواية حادثة غريبة
كروايات كهَّان العرب المصابين بالعُصاب عند تعامل جِنِّيِّهم معهم؟!
7 ـ ما رأيكم بما نسبه البخاري الى النبي(ص) من قوله: ( فقال يا خديجة مالي؟!
وأخبرها الخبر وقال: قد خشيت على نفسي) ! فهل تقبلون أنه لم يكن يعرف ما جرى له
، وكان يخاف على نفسه الجنون ؟! وأن خديجة أعقل منه وأعرف بالله تعالى وعدله:
(فقالت له: كلا ، أبشر فوالله لايخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتصدق
الحديث ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ).
ثم أخذته لتعرضه على قسيس عجوز أعمى ، كما تجرُّ المرأة القوية زوجها البسيط
الى عرَّاف ، أو قارئ حظ ؟!
8 ـ هل سمعتم بنسخة الإنجيل العبرية التي كان يتعلم فيها العرب ويكتب منها ورقة
بن نوفل ؟! أم هي تصورات عائشة الأمية ؟!
9 ـ ما رأيكم في ورقة بن نوفل ، وما دام عرف صدق نبوة النبي(ص) ، فلماذا لم
يُسلم ؟ مع أنه عاش حتى كثر المسلمون ؟!
قال في فتح الباري:8/554: (وتمسك ابن القيم الحنبلي بقوله في الرواية التي في
بدء الوحي: ثم لم ينشب ورقة أن توفي ، يرد ما وقع في السيرة النبوية لابن إسحاق
أن ورقة كان يمر ببلال والمشركون يعذبونه وهو يقول أحد أحَد ، فيقول: أحد والله
يا بلال ، لئن قتلوك لاتخذت قبرك حناناً ، هذا والله أعلم وهمٌ لأن ورقة قال:
وإن أدركني يومك حياً لأنصرنك نصراً مؤزراً ، فلو كان حياً عند ابتداء الدعوة
لكان أول من استجاب وقام بنصر النبي(ص)كقيام عمر وحمزة !
قلت: وهذا اعتراض ساقط ، فإن ورقة إنما أراد بقوله: فإن يدركني يومك حياً أنصرك
، اليوم الذي يخرجونك فيه، لأنه قال ذلك عنه عند قوله: أوَ مُخرجيَّ هم؟ وتعذيب
بلال كان بعد انتشار الدعوة ). انتهى. (راجعوا في ترجمة ورقة: مسند أحمد:1/312
، و:6/65 و223و233، وصحيح البخاري:4/124و:6/88 ، ومستدرك الحاكم:3/213 ، ومجمع
الزوائد:9/416 ، و فتح الباري:8/554 ، والإصابة:6/474 ، وفيض القدير:6/520 ،
وتفسير القرطبي:1/115و11/88، والتبيان:1/451 ، وابن كثير:1/32 ، والأم:2/153 ،
وأمالي الطوسي:302 ومناقب آل أبي طالب:1/16و42، والفضائل لابن شاذان ص 38 ،
وسعد السعود لابن طاووس ص 214 ، وبحار الأنوار:15/395 ,والصحيح من السيرة2/287
، و أحاديث عائشة للعسكري:2/250 )
10 ـ هل تعرفون كيف استغل أعداء الإسلام خرافة البخاري عن البعثة ، حتى قالوا
إن نبيكم(ص) كان يشك في نبوته حتى أخبره القسيس ، وزعموا أن ورقة بن نوفل
أستاذه ومعلمه ، وأنه هو الذي بعثه وليس الله تعالى !!
وسبب كل ذلك أكاذيب البخاري ؟!
المسألة: 141
افترى البخاري على نبينا(ص) بأنه يئس وقرر الإنتحار !
قال البخاري في:8/67: (وفَتَرَ الوحي فترةً حتى حزن النبي(ص) فيما بلغنا حزناً
غدا منه مراراً كي يتردى من رؤس شواهق الجبال! فكلما أوفى بذِرْوَة جبل لكي
يلقي منه نفسه ، تبدَّى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقاً ، فيسكن لذلك
جأشه وتقرُّ نفسه فيرجع . فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ! فإذا أوفى
بذروة جبل تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك) !! انتهى.
أقول: رغم إجماع السنيين على صحة كل أحاديث البخاري ، فقد حاول بعض شراحه أن
يتخلصوا من هذه الفضيحة ، وفتشوا عن منفذ ينفذون منه فوجدوا عبارة:(حتى حزن
النبي(ص) فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردى)فقالوا إن قول: فيما بلغنا
، هو قول الزهري ، وليس قول عائشة صاحبة الحديث !
قال ابن حجر في فتح الباري:12/316: (حتى حزن النبي(ص)فيما بلغنا.. هذا وما بعده
من زيادة معمر على رواية عقيل ويونس ، وصنيعُ المؤلف يوهم أنه داخل في رواية
عقيل . وقد جرى على ذلك الحميدي في جمعه ، فساق الحديث إلى قوله وفتر الوحي ،
ثم قال: انتهى حديث عقيل المفرد عن ابن شهاب إلى حديث ذكرنا . وزاد عنه البخاري
في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري ، فقال: وفتر الوحي فترة حتى حزن ، فساقه إلى
آخره .
والذي عندي: أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر ، فقد أخرج طريق عقيل أبو نعيم في
مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي، عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول
الكتاب بدونها ، وأخرجه مقروناً هنا برواية معمر ، وبيَّن أن اللفظ لمعمر ،
وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر . وأخرجه أحمد ومسلم
والاسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضاً ، من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث ،
بدونها .
ثم إن القائل فيما بلغنا هو: الزهري ، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من
خبر رسول الله(ص)في هذه القصة. وهو من بلاغات الزهري وليس موصولاً.
وقال الكرماني: هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور . ووقع عند
ابن مردويه في التفسير من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله فيما بلغنا ،
ولفظه: فترةً حزن النبي(ص)منها حزناً غدا منه.. إلى آخره ، فصار كله مدرجاً على
رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ! والأول هو المعتمد).انتهى.
أقول: يقصد ابن حجر أن محاولات النبي(ص) الإنتحار ، ليست تتمة لحديث عائشة ، بل
من بلاغات الزهري ، وهي مرسلة ، وقد زادها الراوي معمر في الحديث ، وقد أخطأ
البخاري بجعلها جزءً منه !
لكن يَرِدُ عليه أولاً ، أنه اعترف بأن ابن مردويه روى التتمة عن معمر بدون
(فيما بلغنا) ، بل ساق الحديث قطعة واحدة من رواية الزهري عن عائشة !
فيكون ما بعدها جزء من الحديث ، وليس من بلاغات الزهري .
وثانياً ، أن قوله: (والأول هو المعتمد) وترجيحه أن تكون بقية الحديث من بلاغ
الزهري ، قولٌ بلا دليل ، وترجيحٌ بلا مرجح ، خاصة بعد المؤيدات الكثيرة لكونها
جزء أصلياً من الحديث بدليل سرد البخاري ، ورواية ابن مردويه له !
وثالثاً ، أن ابن حجر نفسه عاد ونقض حكمه عندما ذكر أن التتمة رواها ابن سعد
حديثاً مسنداً عن ابن عباس ! قال: ( قوله فيها: فإذا طالت عليه فترة الوحي.. قد
يتمسك به من يصحح مرسل الشعبي في أن مدة الفترة كانت سنتين ونصفاً كما نقلته في
أول بدء الوحي ، ولكن يعارضه ما أخرجه ابن سعد من حديث ابن عباس بنحو هذا
البلاغ الذي ذكره الزهري ، وقوله: مكث أياماً بعد مجئ الوحي لا يرى جبريل ،
فحزن حزناً شديداً حتى كاد يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء أخرى ، يريد أن يلقي
نفسه ، فبينا هو كذلك عامداً لبعض تلك الجبال إذ سمع أنت رسول الله حقاً وأنا
جبريل ، فانصرف وقد أقر الله عينه وانبسط جأشه ، ثم تتابع الوحي ، فيستفاد من
هذه الرواية تسمية بعض الجبال التي أبهمت في رواية الزهري ، وتقليل مدة الفترة
. والله أعلم ).
ثم عاد ابن حجر ونقض رأيه أيضاً في ص118، فقال: ( وأما المعنى الذي ذكره
الإسماعيلي فوقع قبل ذلك في ابتداء مجئ جبريل، ويمكن أن يؤخذ مما أخرجه الطبري
من طريق النعمان بن راشد ، عن ابن شهاب ، فذكر نحو حديث الباب وفيه: فقال لي يا
محمد أنت رسول الله حقاً ، قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق جبل ، أي من
علوه)
وحديث ابن سعد الذي ذكره ابن حجر، رواه في الطبقات:1/196. وحديث الطبري رواه في
تاريخه:2/47، وفي تفسيره:30/317: (عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت
كان أول ما ابتدئ به رسول الله (ص) من الوحي الرؤيا الصادقة كانت تجئ مثل فلق
الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، فكان بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد ،
قبل أن يرجع إلى أهله ، ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها ، حتى فجأه الحق ،
فأتاه فقال: يا محمد أنت رسول الله ، قال رسول الله (ص)فجثوت لركبتي وأنا قائم
، ثم رجعت ترجف بوادري ، ثم دخلت على خديجة فقلت: زملوني زملوني ، حتى ذهب عني
الروع ، ثم أتاني فقال: يا محمد ، أنا جبريل وأنت رسول الله ، قال: فلقد هممت
أن أطرح نفسي من حالق من جبل فتمثل إليَّ حين هممت بذلك فقال: يا محمد ، أنا
جبريل وأنت رسول الله ، ثم قال: إقرأ ، قلت: ما أقرأ ؟ قال: فأخذني فغطني ثلاث
مرات ، حتى بلغ مني الجهد ، ثم قال: إقرأ باسم ربك الذي خلق فقرأت ، فأتيت
خديجة ، فقلت: لقد أشفقت على نفسي ، فأخبرتها خبري ، فقالت: أبشر فوالله لا
يخزيك الله أبداً...الخ.)! انتهى.
وهذا الحديث يزيد في طينهم بلَّة ، لأن محاولة الإنتحار المزعومة فيه تأتي بعد
تطمين جبرئيل(ع) للنبي(ص) فتأمل !
ويَرِدُ عليه رابعاً ، أنا لو سلمنا أن تتمة الحديث من بلاغات الزهري ، فهي عند
البخاري صحيحة حيث أوردها جزءً من حديث عائشة ، ولعلها عنده مسندة . مضافاً الى
أن ابن سعد رواها مستقلة ، وكثرة شواهدها الصحيحة في هذا الباب ، وفي باب ما
رووه في تفسير قوله تعالى: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى). كما ترى في
تفسيرالصنعاني:3/327 ، وتفسير ابن كثير:4/265 ، ونهايته:3/23 .
الأسئلة
1 ـ هذه فضيحة من فضائح البخاري وطامة من طاماته ، وهي افتراؤه على النبي (ص)
بأنه كان مرتاباً في نبوته حتى بعد أن طمأنه ورقة بن نوفل !
وأنه كان غير معصوم ، وكان عصبياً متوتراً ، لايعرف الحكم الشرعي في حرمة قتل
نفسه ، أو لا يتقيد به !
وتجعله بدوياً عامياً ، يختار الإنتحار خوفاً من الفضيحة وانكشاف كذبه !
أو لأن ربه ، وحاشا لله ، ظالمٌ غير عادل ، حيث بعثه نبياً ، ثم قطع وحيه عنه
وتركه لتكذيب الناس!! فهل يقبل أحدكم أن ينسب الى نبيه(ص) هذا التصرف ، أو الى
أيِّ إنسان عاقل متزن ؟
2 ـ قال ابن حجر في فتح الباري:12/318: (قال الإسماعيلي: موَّهَ بعض الطاعنين
على المحدثين فقال: كيف يجوز للنبي(ص)أن يرتاب في نبوته حتى يرجع إلى ورقة
ويشكو لخديجة ما يخشاه ، وحتى يوافي بذروة جبل ليلقي منها نفسه ، على ما جاء في
رواية معمر ؟!
قال: وإن جاز أن يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه ، فكيف ينكر على من ارتاب
فيما جاءه به ، مع عدم المعاينة ؟! ). انتهى.
وقد جعل (الإسماعيلي) الإشكال تمويهاً وطعناً على المحدثين! وكأن محور المشكلة
هي المحدث الإسماعيلي وجماعته ، ولم يفقه أنه إشكال على الحديث وأنه طعن بعصمة
رسول الله(ص) وطعن بإيمانه ، بل بعقله !!
ثم حاول الإسماعيلي بكلام طويل أن يدافع عن البخاري وأتباعه من محدثي الخلافة ،
ويهوِّن الأمر ، ويقنعنا بصحة صدور الشك والإرتياب والإقدام المتكرر على
الإنتحار ، من أعقل الخلق وأكملهم، وخاتم النبيين ، وسيد المرسلين(ص) !! فما
رأيكم ، هل توافقونه وتنسبون الى النبي(ص) أنه شك وارتاب في نبوته وحاول
الإنتحار ، أم تنزهونه(ص) عن ذلك ؟!
الغرانيق جمع غَرْنوق ، وهو طائر أبيض من طيور الماء يشبه الكركي ، يعلو في
طيرانه . وقد شبهت به قريش أصنامها المفضلة عندها على كل أصنام العرب: اللات ،
والعزى ، ومُناة ، لأن مقامها عند الله بزعمها مقامٌ عال كطائر الغرنوق !
(النهاية:3/364 ، والعين:4/458 ، ولسان العرب:10/287)
قال الرازي في تفسيره:24/12:(والغرانيق تصعد في الجو جداً عند الطيران ، فإن
حجب بعضها عن بعض ضباب أو سحاب ، أحدثت عن أجنحتها حفيفاً مسموعاً يلزم به
بعضها بعضاً ، فإذا نامت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها ، إلا القائد
فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه وإذا سمع جرساً صاح). انتهى.
وقد كان موقف النبي(ص) من الأصنام من أول بعثته موقفاً صريحاً حاسماً لامساومة
فيه ، رافضاً لها كلها ، داعياً الى عبادة رب العالمين وحده لاشريك له ، وكانت
سور القرآن تتوالى مهاجمةً الأصنام وعُبَّادها ، مسفهةً أحلامهم ، حتى قال
القرشيون: إن محمداً قد سب آلهتنا وسفه أحلامنا !
في ذلك الجو نزلت سورة النجم ، بعد أكثر من عشرين سورة من القرآن ، كلها صريحة
في رفض الأصنام ، ومنها سورة الكافرون ، وقل هو الله أحد !
لكن سورة النجم تميزت بأنها ذمَّت أصنام قريش الثلاثة بأسمائها ، فقال الله
تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى
.أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنثى . تِلْكَ إذا قِسْمَةٌ ضِيزَى . إِنْ هي
إِلاأَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أنزل اللهُ بِهَا
مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى . (19 ـ 23) فكان ذلك إعلاناً
بتسفيه أصنام قريش (اللات والعزى ومناة ) وإسقاطها إلى الأبد !
ومن الطبيعي أن يكون تأثير ذلك على قريش كبيراً ، وأن يثير كبرياءها وردة فعلها
العنيفة ، وهذا ما حدث بالفعل فقد تصاعدت مؤامراتهم عليه(ص) حتى وصلت الى قرار
قتله(ص) ، فأنجاه الله بالهجرة .
في هذا السياق القطعي من السيرة لايمكننا أن نفسر قصة الغرانيق إلا بأنها ردة
فعل قرشية ، وأن أصلها أن أحد المشركين القرشيين أجاب على ذم أصنام قريش في
سورة النجم: أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى ، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ
الأخرى ، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنثى ، تِلْكَ إذا قِسْمَةٌ ضِيزَى ،
إِنْ هي إِلاأَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أنزل اللهُ
بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاالظَّنَّ وَمَاتَهْوَى الأَنْفُسُ
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى.
وقام بتحريفها الى مدح للأصنام وقال:أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى.
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى . تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترجى !
فأعْجَبَ ذلك القرشيين وتمنوا لو أن قرآن محمد قال هذا المديح في آلهتهم ، بدل
ذمها وذمهم !
ومن المؤكد أن رواة قريش وضعوا قصة الغرانيق بعد وفاة النبي(ص) ولم يكن لها عين
ولا أثر في سيرته(ص) في مكة ولا بعدها ، وإلا لرفعها المشركون علماً ، وطبَّل
بها اليهود وزمَّروا ! وكذبها النبي(ص) والمسلمون !
لكن السؤال: ما هو غرض طلقاء قريش من ترويج هذه القصة بعد وفاة النبي (ص)
ونسبتها اليه ، مع أن أصنامهم انتهت وهدمت ، وتبرؤوا منها ودخلوا في الإسلام
تحت السيف ، ثم رضوا به لمطامع الدنيا ؟!
الجواب: أن الغرض منها إثبات أن النبي(ص) لم يكن معصوماً عصمة مطلقة حتى تكون
كل تصرفاته وأقواله حجة ، بل كان يخطئ حتى في تبليغ الوحي! وبذلك يمكن
تبريرمخالفة الخلفاء والسلطة لأوامره(ص) !
فالمهم عندهم تبرير مخالفة النبي(ص) ، وليكن ثمن ذلك قصة الغرانيق التي تزعم
أنه(ص) ارتكب خيانة في نص القرآن والعياذ بالله ، وكفَرَ ومَدَح أصنام قريش لكي
ترضى عنه ، وسَجَدَ لها وسجد معه مشايخ قريش ، وكل من كان في المسجد ، وزاد
البخاري أن كل الإنس والجن سجدوا يومها !!
وزادت الرواية المزعومة أن زعماء قريش طاروا فرحاً بخيانة النبي(ص) في نص
القرآن ! وطبيعي أن يطير المستشرقون فرحاً بهذه الخرافة القرشية !!
وأخيراً المرتد سلمان رشدي والحكومات الغربية !!
البخاري يروي فرية الغرانيق في ست مواضع !
روى البخاري:2/32: (عن عبدالله قال قرأ النبي(ص)النجم بمكة فسجد فيها وسجد من
معه ، غير شيخ أخذ كفاً من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته وقال يكفيني هذا ،
فرأيته بعد ذلك قتل كافراً ...
وعن عبد الله أن النبي(ص)قرأ سورة النجم فسجد بها ، فما بقي أحد من القوم إلا
سجد ، فأخذ رجل من القوم كفاً من حصى أو تراب فرفعه إلى وجهه وقال يكفيني هذا ،
فلقد رأيته بعد قتل كافراً ...
وعن ابن عباس أن النبي(ص)سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون ، والجن
والإنس ! ورواه ابن طهمان عن أيوب ).
وفي:4/239: (عن عبد الله قال: قرأ النبي(ص)النجم فسجد ، فما بقي أحد إلا سجد
إلارجل رأيته أخذ كفاً من حصى فرفعه فسجد عليه وقال: هذا يكفيني، فلقد رأيته
بعد قتل كافراً بالله ) . وفي:5/7: بنحوه .
وفي:6/52: (قال فسجد رسول الله(ص)وسجد مَن خلفه إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من
تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافراً وهو أمية بن خلف).انتهى.
فهذه ستة مواضع رواه البخاري فيها على الأقل .
ورواه مسلم بنحوه في:2/88 ، ورواه في:6/52 ، وسمى الذي سجد: أمية بن خلف .
وقال الحاكم في المستدرك:1/221: (عن عبد الله قال: أول سورة قرأها رسول الله(ص)
على الناس الحج ، حتى إذا قرأها سجد فسجد الناس ، إلا رجل أخذ التراب فسجد عليه
فرأيته قتل كافراً . هذا حديث صحيح على شرط الشيخين بالإسنادين جميعاً ، ولم
يخرجاه ، إنما اتفقا على حديث شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود عن عبد الله أن
النبي(ص) قرأ والنجم ، فذكره بنحوه ، وليس يعلل أحد الحديثين الأخيرين ، فإني
لا أعلم أحداً تابع شعبة على ذكره النجم ، غير قيس بن الربيع . والذي يؤدي إليه
الإجتهاد صحة الحديثين، والله أعلم) . انتهى.
وقال البيهقي في سننه:2/314:(عن عكرمة ، عن ابن عباس أن النبي(ص)سجد فيها يعني
والنجم ، وسجد فيها المسلمون والمشركون والجن والإنس . رواه البخاري في الصحيح
عن أبي معمر وغيره ، عن عبد الوارث) . انتهى.
وصححه في مجمع الزوائد:7/115 ، قال: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى...عن
ابن عباس فيما يحسب سعيد بن جبير ، أن النبي(ص)كان بمكة ، فقرأ سورة والنجم حتى
انتهى إلى: أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى ،
فجرى على لسانه: تلك الغرانيق العلى ، الشفاعة منهم ترتجى. قال: فسمع بذلك
مشركو أهل مكة فسرُّوا بذلك فاشتدَّ على رسول الله(ص)فأنزل الله تبارك وتعالى:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلانَبِيٍّ إلاإذا تَمَنَّى
أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَايُلْقِي
الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ. رواه البزار والطبراني...ورجالهما
رجال الصحيح ، إلا أن الطبراني قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس ، عن النبي(ص) !
وقد تقدم حديثٌ مرسل في سورة الحج أطول من هذا ، ولكنه ضعيف الإسناد ) . انتهى.
ويقصد بالحديث المرسل الحديث الذي ضعفوه بابن لهيعة ، وقد وثقه عدد من علمائهم
، وله شواهد صحيحة تجعله حسناً ، وهو في مجمع الزوائد:7/70، وفيه:
(حين أنزل الله السورة التي يذكر فيها والنجم إذا هوى ، فقال المشركون: لوكان
هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ، فإنه لا يذكر أحداً ممن خالف
دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر به آلهتنا من الشتم والشر . فلما أنزل
الله السورة التي يذكر فيها والنجم وقرأ: أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى ، ألقى الشيطان فيها عند ذلك ذكر الطواغيت ،
فقال: وإنهم من الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى ، وذلك من سجع الشيطان
وفتنته ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك ، وذلقت بها ألسنتهم واستبشروا
بها ، وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه ، فلما بلغ رسول الله
(ص)آخر السورة التي فيها النجم سجد وسجد معه كل من حضره من مسلم ومشرك ، غير أن
الوليد بن المغيرة كان كبيراً فرفع ملء كفه تراب فسجد عليه ، فعجب الفريقان
كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله(ص) !
فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين من غير إيمان ولا يقين ، ولم يكن
المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين .
وأما المشركون فاطمأنت أنفسهم إلى النبي(ص)وحدثهم الشيطان أن النبي (ص) قد
قرأها في السجدة فسجدوا لتعظيم آلهتهم ، ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها
الشيطان حتى بلغت الحبشة ! فلما سمع عثمان بن مظعون وعبدالله بن مسعود ومن كان
معهم من أهل مكة أن الناس أسلموا وصاروا مع رسول الله (ص) ، وبلغهم سجود الوليد
بن المغيرة على التراب على كفه ، أقبلوا سراعاً ! فكبُر ذلك على رسول
الله(ص)فلما أمسى أتاه جبريل(ع) فشكا إليه ، فأمره فقرأ له ، فلما بلغها تبرأ
منها جبريل وقال: معاذ الله من هاتين ما أنزلهما ربي ولا أمرني بهما ربك !!
فلما رأى ذلك رسول الله(ص)شق عليه وقال: أطعتُ الشيطان وتكلمتُ بكلامه وشرَّكني
في أمر الله ! فنسخ الله ما يلقى الشيطان وأنزل عليه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلانَبِىٍّ إلا إذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي
أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ
آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ
فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وإن
الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ). (الحج:52 ـ 53). فلما برأه الله عز وجل
من سجع الشيطان وفتنته ، انقلب المشركون بضلالهم وعداوتهم . فذكر الحديث وقد
تقدم في الهجرة إلى الحبشة. رواه الطبراني مرسلاً وفيه ابن لهيعة ، ولا يحتمل
هذا من ابن لهيعة ) . انتهى.
أقول: ماذنب ابن لهيعة إذا روى ما وضعه رواة قريش قبل أن يولد ؟! فمضافاً الى
روايته فقد أورد السيوطي قصة الغرانيق في الدر المنثور:4/194، بعدة طرق بعضها
صحيح ، وقال في ص366: (وأخرج البزار ، والطبراني ، وابن مردويه ، والضياء في
المختارة بسند رجاله ثقات ، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن رسول
الله(ص)قرأ: أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثةالأخرى ، تلك الغرانيق العلى
وإن شفاعتهن لترتجى ! ففرح المشركون بذلك وقالوا: قد ذكر آلهتنا . فجاء جبريل
فقال: إقرأ على ما جئتك به ، فقرأ: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثةالأخرى
تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى! فقال: ما أتيتك بهذا ! هذا من الشيطان
فأنزل الله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلانَبِىٍّ إلا إذا
تَمَنَّى.. إلىآخر الآية . وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ،
وابن مردويه ،
بسند صحيح ، عن سعيد بن جبير ... !!). انتهى.
أقول:
مع كل ذلك نفوا أن يكون البخاري ومسلمً روياها ، أويكون لها سند صحيح !
فلو قطعنا النظر عن رواية ابن لهيعة ، فقد رايت أنه رواها البزار والطبراني
بسند صحيح ، والمختارة بسند موثق ، وقد رواها البخاري في ست مواضع ، ومسلماً في
موضعين! وقد رأيت قول البيهقي عن سجود النبي(ص) والمشركين في سورة النجم: (رواه
البخاري في الصحيح عن أبي معمر) ، أي سجود المشركين في سورة النجم !
فهل يبقى معنى لإنكارهم إلا المكابرة، والتعسف لجعل رواية البخاري ومسلم
موضوعاً آخر ، لأنهما حذفا منها فقرة الغرانيق ! ولم يوردا عودة المهاجرين
المزعومة! مع أن حادثة سجود المشركين مع النبي(ص) لم يروها أحد أبداً إلا في
أسطورة الغرانيق ، فهي قصة واحدة لا أكثر ؟!
وابن كثير الذي يعيش بين أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما ، هل غاب عنه ذلك حتى
يقول في تفسيره: ( قد ذكر كثير من المفسرين هنا قصة الغرانيق وما كان من رجوع
كثير من مهاجرة الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ،
ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها من وجه صحيح) .
ثم يقول: (وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا ، وكلها مرسلات
ومنقطعات ، والله أعلم ) .انتهى .
أطمئن بأن ابن كثير والرازي والبيهقي وغيرهم ، يعرفون رواية البخاري ومسلم لها
، فقد قرؤوا رواياتهما في سجود المشركين مع النبي(ص) ، وهو أمرٌ لم يُروَ أبداً
إلا في قصة الغرانيق ! لكنهم يقولون الحمد لله حيث أن البخاري ومسلماً لم يذكرا
الغرانيق ، ولا رجوع المسلمين من الحبشة ، فنقول إنهما لم يروياها !
ولا يتسع المجال لإيراد كل كلام ابن كثير الكثير ، فقد أطال بلا طائل ، فقال في
تفسيره:3/239 ، مضافاً الى ما تقدم: ( قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب ،
حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير قال : قرأ رسول
الله(ص)بمكة النجم فلما بلغ هذا الموضع:أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة
الأخرى، قال: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى
قالوا ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا.....
ورواه ابن جرير عن بندار عن غندر عن شعبة به بنحوه وهو مرسل .
وقد رواه البزار في مسنده ، عن يوسف بن حماد ، عن أمية بن خالد ، عن شعبة ، عن
أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فيما أحسب الشك في الحديث: أن
النبي(ص)قرأ بمكة سورة النجم حتى انتهى إلى: أفرأيتم اللات والعزى وذكر
بقيته.... ثم قال البزار: لا نعلمه يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد تفرد بوصله
أمية بن خالد ، وهو ثقة مشهور .....
ثم رواه ابن أبي حاتم ، عن أبي العالية ، وعن السدي ، مرسلاً .
وكذا رواه ابن جرير ، عن محمد بن كعب القرظي ، ومحمد بن قيس مرسلاً أيضاً ،
وقال قتادة: كان النبي(ص)يصلي عند المقام إذ نعس فألقى الشيطان على لسانه وإن
شفاعتها لترتجي وإنها لمع الغرانيق العلى ، فحفظها المشركون وأجرى الشيطان أن
النبي(ص) قد قرأها فذلقت بها ألسنتهم.....
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي ، حدثنا محمد بن إسحاق
الشيبي ، حدثنا محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: أنزلت سورة
النجم وكان المشركون يقولون لوكان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه
، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من
الشتم والشر . وكان رسول الله(ص)قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم
وتكذيبهم وأحزنه ضلالهم ، فكان يتمنى هداهم ، فلما أنزل الله سورة النجم قال:
أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى . ألكم الذكر وله الأنثى ، ألقى
الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى ،
وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى ، وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته ، فوقعت هاتان
الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة ، وذلقت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا: إن
محمداً قد رجع إلى دينه الأول ، ودين قومه ! فلما بلغ رسول الله(ص)آخر النجم
سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك ، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلاًَ
كبيراً فرفع ملءكفه تراباً فسجد عليه ، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في
السجود ، لسجود رسول الله(ص).....
وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي
وغيرهما بنحو من ذلك ، ثم سأل ههنا سؤالاً: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة
من الله تعالى لرسوله صلاة الله وسلامه عليه ، ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها
أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك ، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله(ص)وليس
كذلك في نفس الأمر ، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن(ص). والله
أعلم .وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته ، وقد تعرض القاضي عياض
رحمه الله في كتاب الشفاء
لهذا وأجاب بما حاصله أنها كذلك لثبوتها ) !! انتهى .
وأنت تلاحظ أن نفيه لها نفي مضطرب خجول ، وكأنه يستبطن القبول !
وقال القسطلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من
الأئمة ، حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة .
وقال القاضي عياض: إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه أحد بسند
متصل ، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب ، المتلقفون
عن الصحف كل صحيح وسقيم !
ثم نقل قول أبي بكر بن العربي: إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له) ! (هامش
عصمة الأنبياء للرازي ص94) .
وذكر عبد الله النعيم في كتابه الإستشراق في السيرة النبوية ـ نشرالمعهد
العالمي للفكر الإسلامي1417، أن المصادرَ التي روت حديث الغرانيق هي: طبقات ابن
سعد:1/205 ، وتاريخ الطبري:2/226 ، وتاريخ ابن الأثير:2/77 ، وسيرة ابن سيد
الناس:1/157 ! وقال في ص97: (يعتبر الواقدي أول من روَّج لهذه الفرية ، ثم
أخذها عنه ابن سعد ، والطبري ، وغيرهم).
ونقل في ص93: ( نقْدَ القرضاوي في كتابه (كيف نتعامل مع السنة النبوية) وجاء
فيه: (ومعنى هذا أن تفهم السنة في ضوء القرآن ، ولهذا كان حديث الغرانيق
مردوداً بلا ريب ، لأنه منافٍ للقرآن ) . انتهى .
وقال في ص98: (ولم يروِ ابن إسحاق وابن هشام هذه الواقعة إطلاقاً . ومهما يكن
من أمر فالواقدي هو أصلها . إن ما يدعو للتساؤل هو: كيف أمكن تمرير هذه الواقعة
مع علم أصحابها بعصمة الرسل) . انتهى .
ثم نقل نقد القاضي عياض في كتابه الشفا لحديث الغرانيق سنداً ومتناً .
أقول:
لاقيمة لهذا لهذا النفي بعدما عرفت ، ولا معنىللإنكار إلا المكابرة ، فجميع من
رواها يتحمل وزرها ! وهم البخاري ومسلم وغيرهما وإن خذفوا بعضها وأبقوا سجود
النبي(ص) المزعوم لأصنام قريش وسجود المشركين معه ! وقد سمَّوا من زعماء
المشركين الذين سجدوا أمية بن خلف ، وأبا أحيحة ، وهو سعيد بن العاص !
وقد تبين لك أن بعض الحفاظ يستعملون التدليس وربما الكذب ! ليغطوا على البخاري
! ومن التدليس ما فعله الفخر الرازي عندما قال في تفسيره:23/49:
(وأيضاً فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي(ص)قرأ سورة النجم وسجد فيها
المسلمون والمشركون والإنس والجن ، وليس فيه حديث الغرانيق ! وروي هذا الحديث
من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق) !!
تناقض الفخر الرازي في رواية الغرانيق !
بحث الفخر الرازي فرية الغرانيق في كتابه عصمة الأنبياء(ع) وتفسيره:23/49 فدافع
عن النبي(ص) ونفاها عنه، ودافع عن البخاري وغيره من صحاحهم ! لكنه عاد في أواخر
تفسيره:32/141 ، واتهم بها النبي(ص) !!
قال في عصمة الأنبياء(ع) ص93: ( الجواب الذي يدل على أنه(ع) ما غيَّر وما بدَّل
وجوه خمسة... وأورد ستة وجوه ، ومال الى الوجه الخامس فقال:
الخامس ، أن المتكلم بذلك بعض الكفرة ، فإنه عليه الصلاة والسلام لما انتهى من
قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع وذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه
يعيبها ، فقال بعض من حضر من الكفار:تلك الغرانيق العلا ، فاشتبه على القوم ،
لأنهم كانوا يلغطون عند قراءته ويكثرون من الكلام طلباً لتغليطه وإخفاء قراءته)
. انتهى.
ولم يذكر الرازي أنه أخذ هذا الوجه من كتاب تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى! بل
لم يشر الى الكتاب أصلاًً مع أنه تأثر بمنهجه كثيراً ، وهو مؤلفٌ قبله بأكثر من
قرن ونصف وكان مشهوراً ، بل يمكن القول إن كتاب الرازي عصمة الأنبياء(ع) هو نفس
كتاب تنزيه الأنبياء(ع) للسيد المرتضى ، مصوغاً بقلم سني !
كما نفى هذه الفرية عن النبي(ص) ، في تفسيره ، قال الجزء23/49:
( المسألة الثانية: ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول(ص) لما رأى
إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى.... الى آخر ما
ذكره في كتاب العصمة ، ثم قال: ( هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين ، أما أهل
التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه بالقرآن والسنة
والمعقول... أما القرآن فوجوه.....
وأما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال:
هذا وضع من الزنادقة ، وصنف فيه كتاباً .
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل
، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم .
وأيضاً فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي(ص)قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون
والمشركون والإنس والجن ، وليس فيه حديث الغرانيق . وروي هذا الحديث من طرق
كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق .
وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن من جوَّز على الرسول(ص)تعظيم الأوثان فقد كفر
، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان ...
وخامسها: وهو أقوى الوجوه: أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه ، وجوًّزنا
في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك ، ويبطل قوله تعالى: يَاأَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنزل إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا
بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فإنه لافرق في العقل
بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة فيه . فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال
أن هذه القصة موضوعة. أكثر ما في الباب أن جمعاً من المفسرين ذكروها ، لكنهم ما
بلغوا حد التواتر ، وخبر الواحد لايعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة ).
انتهى.
الى هنا يبدو الرازي منسجماً ، فقد وافق من قال إن القصة فريةٌ من الزنادقة
القرشيين على النبي(ص) ، واتهام باطل بأنه مدحَ أصنامهم وسجد لها ، وسجد معه
القرشيون ، وكل من في المسجد ! وقد عرفت ما في دفاعه عن البخاري وبقية مصادرهم
التي روتها بطرق متعددة وصححتها !
لكنه عاد وخضع للثقافة القرشية الرسمية ، وصرح في تفسيره:32/141 ، بنسبة الكفر
الى النبي(ص) ! فقال وهو يعدد فوائد كلمة"قل" في(قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ) !!:
(الحادي والثلاثون: كأنه تعالى يقول: يا محمد ألست أنت الذي قلت: من كان يؤمن
بالله وباليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم ، وحتى أن بعض المشايخ قال لمريده
الذي يريد أن يفارقه: لاتخف السلطان ، قال: ولمَ ؟ قال: لأنه يوقع الناس في أحد
الخطأين ، أما أن يعتقدوا أن السلطان متدين لأنه يخالطه العالم الزاهد ، أو
يعتقدوا أنك فاسق مثله ، وكلاهما خطأ .
فإذا ثبت أنه يجب البراءة عن موقف التهم فسكوتك يا محمد عن هذا الكلام يجرُّ
إليك تهمة الرضا بذلك لاسيما وقد سبق أنَّ الشيطان ألقى فيما بين قراءتك: تلك
الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ، فأزل عن نفسك هذه التهمة و: قُلْ يَا
أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) ! انتهى.
فأين حملة الفخر الرازي على الزنادقة واضعي فرية الغرانيق ، وقوله إن النبي (ص)
لم يغيِّر في سورة النجم ولم يبدِّل؟!!
بل أين فتواه وقوله: (من جوَّز على الرسول(ص)تعظيم الأوثان فقد كفر ! لأن من
المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان)؟! انتهى. فقد نسب هو هذه
الفرية الى النبي(ص) ،وضلَّ عنه أن سورة الكافرون نزلت بالإتفاق قبل سورة النجم
، فجعلها بعدها !!
قال الزركشي في البرهان:1/193:(أول مانزل من القرآن بمكة: إقرأ باسم ربك ، ثم
نون ، ثم والقلم ، ثم يأيها المزمل ، ثم المدثر ، ثم تبت يدا أبي لهب ، ثم إذا
الشمس كورت ، ثم سبح اسم ربك الأعلى ، ثم والليل إذا يغشى، ثم والفجر، ثم
والضحى ، ثم ألم نشرح ، ثم والعشر ، ثم والعاديات ، ثم أنا أعطيناك الكوثر ، ثم
ألهاكم التكاثر ، ثم أرأيت الذي ، ثم قل يأيها الكافرون ، ثم سورة الفيل ، ثم
الفلق ، ثم الناس ، ثم قل هو الله أحد ، ثم والنجم إذا هوى ، ثم عبس وتولى).
(راجع فهرست ابن النديم ص 28، وتفسير الميزان للطباطبائي:13/233)
غرانيق قريش يتصيدها بروكلمان ومونتغمري
في كتابه: (الإستشراق في السيرة النبوية) (منشورات المعهد العالمي للفكر
الإسلامي 1417) انتقد الباحث السوداني عبد الله النعيم استغلالَ المستشرقين
لرواية الغرانيق، ونقل في ص51 افتراءَ المستشرق بروكلمان وقوله عن النبي(ص) :
(ولكنه على ما يظهر اعترف في السنوات الأولى من بعثته بآلهة الكعبة الثلاث
اللواتي كان مواطنوه يعتبرونهن بنات الله ، وقد أشار إليهن في إحدى الآيات
الموحاة إليه بقوله: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى... ثم ما لبث أن
أنكر ذلك وتبرأ منه في اليوم التالي ) !!
ونقل في ص96 عن المستشرق مونتغمري وات قوله:(تلا محمد الآيات الشيطانية
باعتبارها جزءً من القرآن ، إذ ليس من المتصور أن تكون القصة من تأليف المسلمين
أو غير المسلمين ، وإن انزعاج محمد حينما علم بأن الآيات الشيطانية ليست جزءً
من القرآن ، يدل على أنه تلاها ، وأن عبادة محمد بمكة لاتختلف عن عبادة العرب
في نخلة والطائف(محلتان لأصنام قريش) ولقد كان توحيد محمد غامضاً ، ولاشك أنه
يعدُّ اللات والعزى ومناة كائنات سماوية أقل من الله). انتهى.
ومع أن المستشرقين لايحتاجون إلى الروايات الموضوعة ليتشبثوا بها ، لأنهم
يكذبون على نبينا(ص) وعلى مصادرنا جهاراً نهاراً ، لكن المؤسف أن تحفل مصادر
السنيين وفي طليعتها البخاري بالإفتراءات على النبي(ص) في مثل قصة الغرانيق ،
وقصة ورقة بن نوفل ، وغيرهما من القرشيات المخالفة للعقل ، فتقدِّم للمستشرقين
مادةً ومستمسكاً للطعن في النبي(ص) والقرآن والإسلام !
وقد بحثنا فرية الغرانيق في المجلد الخامس من العقائد الإسلامية .
الأسئلة
1 ـ هل تقبلون هذه الفرية على رسول الله(ص) ؟!
2 ـ ما رأيكم في رواية البخاري ومسلم لها وحذفهما اسم الغرانيق منها ؟!
3 ـ مادام البخاري يروي أمثال هذه الطامات الكفرية ، فلماذا تصرون على أنه صحيح
من الجلد الى الجلد ، ولاتخضعون رواياته للبحث العلمي ، ولا تعطون للمجتهدين حق
الجرح والتعديل والبحث فيها ؟!
4 ـ ما رأيكم في تناقض الفخر الرازي في قصة الغرانيق ، وهل صحيح أن المجلد
الأخير من تفسيره ليس بقلمه ، بل بقلم القمولي المصري ؟!
5 ـ ما قولكم في استغلال أعداء الإسلام أمثال بروكلمان ومونتغمري وسلمان رشدي ،
لقصة الغرانيق ، وما سموه الآيات الشيطانية ، وهل تتحمل مصادركم إثم ذلك ؟!
6 ـ ألا ترون أن للخلافة القرشية ضلعاً في نشر فرية الغرانيق ؟!
المسألة: 143
زعمت عائشة أن النبي(ص) قد سُحِر !
قال الله تعالى: وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رجلاً مَسْحُوراً
.
لكن عائشة قالت لقد سُحِر النبي(ص) وأثَّر عليه السحر ، فكان(ص) يتخيل أنه فعل
الشئ مع أنه لم يفعله ! وزعمت أن يهودياً سَحَره فأخذ مشطه(ص) وبعض شَعره ،
وجعل فيه سحراً ودفنه في بئر ! وأنه(ص) فقد حواسه وذاكرته ، وبقي على تلك
الحالة ستة أشهر رجلاً مسحوراً ! حتى دلَّهُ رجلٌ أو ملَك على الشخص الذي سحره
والبئر التي أودع فيها المشط والمشاطة من شعره ! فذهب إلى البئر ، ولكنه لم
يستخرج المشط منها أو استخرجه وفكَّ عقد خيط الجلد الذي لفَّ به ! وأمر بدفن
البئر ، ولم يقتل الذي سحره ، لأنه لم يُرِدْ أن يثير فتنة !
روى البخاري هذه الخرافة عن عائشة في خمس مواضع ! منها في:4/91: (عن عائشة
قالت: سُحِرَ النبي(ص) ! وقال الليث كتب إلى هشام أنه سمعه ووعاه عن أبيه ، عن
عائشة قالت: سُحر النبي(ص)حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله حتى كان
ذات يوم دعا ودعا ، ثم قال: اُشْعِرتُ أن الله أفتاني فيما فيه شفائي؟ أتاني
رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي فقال أحدهما للآخر: ما وجعُ
الرجل؟ قال: مَطْبُوب ! قال: ومن طَبَّهُ ؟ قال: لبيد بن الأعصم . قال: في ماذا
؟ قال: في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر ! قال: فأين هو ؟قال: في بئر ذِروان ! فخرج
إليها النبي(ص)ثم رجع فقال لعائشة حين رجع: نخلها كأنها رؤوس الشياطين ! فقلت:
استخرجتهُ ؟ فقال: لا ، أما أنا فقد شفاني الله ، وخشيتُ أن يثير ذلك على الناس
شراً ، ثم دُفِنَتْ البئر ). انتهى .
وفي:4/68: (سُحر حتى كان يُخَيَّلُ إليه أنه صنع شيئاً ولم يصنعه) !!
وفي:7/88: (مكث النبي كذا وكذا ، يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي ) !!
وفي:7/29: (كان رسول الله سُحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ! قال
سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا).!!
وكرره البخاري بروايات متعددة: 7/28 و164، وروته عامة مصادرهم!
واقرأ ما يقوله ابن حجر شيخ شراح البخاري في المدة التي بقي فيها رسول الله (ص)
مسحوراً مجنوناً ، معاذ الله !
قال في فتح الباري:10/192: (ووقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي: فأقام
أربعين ليلة ، وفي رواية وهيب عن هشام عند أحمد: ستة أشهر ، ويمكن الجمع بأن
تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه ، والأربعين يوماً من استحكامه !
وقال السهيلي: لم أقف في شئ من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث
النبي(ص)فيها في السحر ، حتى ظفرت به في جامع معمر عن الزهري أنه لبث ستة أشهر
كذاقال وقد وجدناه موصولاً بإسناد الصحيح فهو المعتمد).انتهى.
أقول: يقصد السهيلي ما في مسند أحمد:6/63: (عن عائشة قالت: لبث رسول الله(ص)
ستة أشهر يرى أنه يأتي نساءه ، ولا يأتي ) !! . انتهى.
وإن أردت فاقرأ في مصادرهم تلك التفاصيل العامية عن أسطورتهم وفريتهم في طريقة
السحر ، وأن ولداً يهودياً سرق مشط النبي(ص) وشيئاً من شعره(مشاطة شعره)
وأعطاها الى اليهودي لبيد الأعصم ، فجعل معها خيطاً من جلد وعقده اثنتي عشرة
عقدة ، وفي رواية أحد عشرة عقدة ! ثم قرأ عليها السحر ولفَّ الجميع في قماشة ،
ثم دفنها تحت صخرة بئر ذروان ، الذي يقع خارج المدينة ، وكان ماؤها بسبب السحر
أحمر كالحنَّاء ، وكان النخل الذي يسقى منها طلعه كأنه رؤوس الشياطين !
وأنه بعد ستة أشهر أمضاها النبي(ص) مريضاً مسحوراً نصف مجنون وحاشاه ! دلَّه
الملك على البئر فذهب اليها ، أو أرسل علياً والزبير ، فاستخرجوا المشط وفكوا
عقد الخيط ، حتى شفي النبي(ص) من السحر ! ( راجع المجموع:12/243).
ثم اقرأ تأكيد ابن حجر على تأثير السحر على حواس النبي(ص) وبعض عقله !!
قال: (قوله: حتى كان رسول الله(ص)يخيَّل إليه أنه كان يفعل الشئ وما فعله.
قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك
فيها ، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل ، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة
بما شرعوه من الشرائع ، إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو
ثمَّ ، وأنه يوحى إليه بشئ ولم يوح إليه بشئ!
قال المازري: وهذا كله مردود ، لأن الدليل قد قام على صدق النبي(ص) فيما يبلغه
عن الله تعالى ، وعلى عصمته في التبليغ ، والمعجزات شاهدات بتصديقه ، فتجويز ما
قام الدليل على خلافه باطل .
وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ، ولا كانت الرسالة من
أجلها (...) فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض ، فغير بعيد أن يخيل
إليه في أمر من أمور الدنيا ما لاحقيقة له ، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين
! قال: وقد قال بعض الناس إن المراد بالحديث أنه كان(ص) إليه أنه وطأ زوجاته
ولم يكن وطأهن ، وهذا كثيراً ما يقع تخيله للإنسان في المنام ، فلا يبعد أن
يخيل إليه في اليقظة !
قلت: وهذا قد ورد صريحاً في رواية ابن عيينة في الباب الذي يلي هذا ولفظه: حتى
كان يرى أنه يأتي النساء ولايأتيهن ، وفي رواية الحميدي أنه يأتي أهله ولا
يأتيهم.وفي مرسل يحيى بن يعمر عند عبد الرزاق: سُحر النبي(ص) ، عن عائشة: حتى
أنكر بصره ! وعنده في مرسل سعيد بن المسيب: حتى كاد ينكر بصره ! قال عياض: فظهر
بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده ....
وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه
من سابق عادته من الإقتدار على الوطأ ، فإذا دنا من المرأة فَتَرَ عن ذلك ، كما
هو شأن المعقود ، ويكون قوله في الرواية الأخرى حتى كاد ينكر بصره ، أي صار
كالذي أنكر بصره بحيث أنه إذا رأى الشئ يخيل أنه على غير صفته فإذا تأمله عرف
حقيقته . ويؤيد جميع ما تقدم أنه لم ينقل عنه في خبر من الأخبار أنه قال قولاً
فكان بخلاف ما أخبر به ). انتهى.
أقول: هذا بعض كلامهم الطويل العليل ! الذي يريد ابن حجر ومن استشهد بهم أن
يقنعوك بأن نبيك(ص) كان لمدة ستة أشهر مسحوراً ، وقد مرض من ذلك وانتثر شعر
رأسه ، وصار أقرع أو كالأقرع ، وصار يذوب ولا يدري ما عراه !
وكان يتصور أنه يرى شيئاً وهو لايراه ، ويتصور أنه أكل ولم يأكل ، وأنه شرب ولم
يشرب ، وأنه نام مع زوجته ولم يفعل !
ويريدون أن يطمئنوك بأن النبي(ص) بخير وعافية ، فالسحر(إنما تسلط على جسده
وظواهر جوارحه)أي على قسم من عقله وليس على القسم المتعلق بدينه ! فاحمد ربك أن
نبيك(ص) لم يكفر ، ولم يهرب من المدينة الى مشركي مكة !
ويريد المازري أن يقنعك بأن عصمة النبي(ص) إنما هي في تبليغه الرسالة فقط ـ
ماعدا حديث الغرانيق طبعاً ـ وأنه في غير التبليغ قد يصاب بالسحر وبالجنون ،
فيفقد التمييز في الأمور الدنيوية التي لم يبعث من أجلها !
أرأيت كيف أن القرشيات فاقت بافترائها على النبي الهاشمي(ص) كل ما افترته
الإسرائيليات على أنبيائهم(ع) ؟!
وهل فهمت معنى قوله(ص) : ( ما أوذي نبي مثل ما أوذيت )؟!!
علماء الشيعة يردون هذه الفرية ، وقليل من علماء السنة !
وقد رد هذه الفرية علماء الشيعة ، وتجرأ على ردها قليل من علماء السنة !
قال الطوسي في تفسير التبيان:1/384: (ما روي من أن النبي(ص) سُحِر وكان يرى أنه
يفعل ما لم يفعله ، فأخبار آحادٍ لايلتفت إليها، وحاشا النبي(ص) من كل صفة نقصٍ
، إذ تنفر من قبول قوله ، لأنه حجة الله على خلقه ، وصفيه من عباده ، اختاره
الله على علم منه ، فكيف يجوز ذلك مع ما جنبَّه الله من الفظاظة والغلظة وغير
ذلك من الأخلاق الدنيئة والخلق المشينة ؟!
ولا يجوِّز ذلك على الأنبياء(ع) إلا من لم يعرف مقدارهم ، ولا يعرفهم حقيقة
معرفتهم ، وقد قال الله تعالى: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، وقد أكذب
الله من قال: إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رجلاً مَسْحُوراً. فقال: وَقَالَ
الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رجلاً مَسْحُوراً . فنعوذ بالله من
الخذلان ).
وقال ابن إدريس العجلي في السرائر:3/534: (والرسول(ص) ما سُحِر عندنا بلا خلاف
لقوله تعالى: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، وعند بعض المخالفين أنه سُحر
، وذلك بخلاف التنزيل المجيد ) !
وممن تجرأ ومال الى موافقتنا في ردها : النووي في المجموع: 19/242 قال: (وأكتفي
بهذا القدر من أحاديث سحر الرسول(ص)....تنبيه: قال الشهاب بعد نقل التأويلات عن
أبي بكر الأصم أنه قال:إن حديث سحره(ص)المروي هنا متروكٌ ، لما يلزمه من صدق
قول الكفرة أنه مسحور ، وهو مخالف لنص القرآن حيث أكذبهم الله فيه .
ونقل الرازي عن القاضي أنه قال: هذه الرواية باطلةٌ ، وكيف يمكن القول بصحتها
والله تعالى يقول:وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، وقال: وَلا يُفْلِحُ
السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى . ولأن تجويزه يفضي إلى القدح في النبوة ، ولأنه لو صح
ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلى ضرر جميع الأنبياء(ع) والصالحين، ولقدروا على
تحصيل الملك العظيم لأنفسهم ، وكل ذلك باطل ، ولكان الكفار يعيرونه بأنه مسحور
، فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في تلك الدعوى ، ولحصل فيه(ع) ذلك
العيب ، ومعلوم أن ذلك غير جائز ). انتهى .
أقول: إن أصل المشكلة عندهم أنهم يقبلون كلام عمر وعائشة والبخاري مهما كان ،
ولايسمحون لأنفسهم ولا لأحد أن يبحثه وينقده ! وقد أوقعهم ذلك في مشكلات عديدة
في العقائد والفقه ! تحيروا وما زالوا متحيرين فيها دون أن يجرأ أحد منهم على
القول معاذ الله إنها تهمة الكفار التي برَّأ الله نبيه(ص) منها ، فهي مكذوبة
على عائشة ، أو من خيالات النساء !
الأسئلة
1 ـ كيف تعتقدون بصحة أحاديث عائشة عن سحر النبي(ص) والله تعالى يقول: وَقَالَ
الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلارجلاً مَسْحُوراً؟! فقد نفى عنه السحر ووصف
من اتهمه بذلك بأنهم ظالمون ، فهل يشمل ذلك عائشة والبخاري ؟
2 ـ إذا تعارض الحديث في البخاري أو غيره مع القرآن ، فهل تردُّونه ، أم تردون
القرآن ؟!
3 ـ قالت عائشة: حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله ! أليس هذا الجنون
بعينه؟ وإن قبلناه فمن يضمن لنا احتمال أن يكون الله تعالى أنزل على النبي(ص)
وحياً وأوامر ، فتصور النبي(ص) أنه بلغها ولم يبلغها ؟!
4 ـ هل تقبلون تبريرات ابن حجر وغيره لأسطورة سحر النبي(ص) ؟
5 ـ هل تعتقدون بالقدرات الخارقة للسحر وتأثيره على الناس والمؤمنين
والأنبياء(ع) ؟! وإذا صح ذلك فلماذا لم يَصِر السَّحَرَة حكام الأرض ؟!