ألف سؤال وإشكال
على المخالفين لأهل البيت الطاهرين - المجلد الثاني
الكتاب
المؤلف
الناشر
الطبعة
بسـم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين
وبعد، فإن العقائد أهم مطالب الدين وأشرف مسائل المسلمين ، لاسيما الإمامة بعد
رسول الله(ص) ، إذ بالإمام يُعبد الله عز وجل ، ومنه تؤخذ معالم الدين .
وعقيدتنا أن النبي(ص) قد أوصى بالإمامة ونصَّ على أن الإمام من بعده عليُّ بن
أبي طالب(ع) . أما مخالفونا فقد حاولوا أن يبرروا الأمر الواقع بعد وفاته(ص)
فاضطربوا وتحيروا ، فمنهم من ذهب إلى أن النبي(ص) لم ينص على أحد ومات بغير
وصية كالقاضي العضدي والتفتازاني وغيرهما . ومنهم من زعم أنه نص وأوصى ، واختلف
هؤلاء بين قائل بأنه كان نصاً جلياً ، وقائل بأنه كان نصاً خفياً ، وقد أغرب
ابن تيمية بقوله إن النبي(ص) نص بالوصية على خلافة أبي بكر ، ولكن خفي عليه ،
وعلى ابنته ، وعلى عمر ، وعلى سائر المهاجرين والأنصار ! (منهاج السنة:1/498).
فلما رأوا أن هذه الدعاوى لاتُقنع ولاتصلح لتبرير ما وقع ، عمدوا إلى استعمال
القوة ضد الشيعة ، محاولين القضاء على مذهب أهل البيت(ع) بالقضاء على أتباعه !
بل تصدوا الى كل من روى حديثاً في صالحهم من غيرهم ، كما فعلوا بالنسائي
والحاكم النيسابوري ، وابن السقا الواسطي ، وأمثالهم من أئمتهم .
كما وضعوا كتباً للتهجم على الشيعة والتشيع وأكثروا ، وسلكوا فيها كل الطرق
للرد على هذا المذهب وأنصاره ، والصد عن تقدمه وانتشاره ! فكم من رواية اختلقوا
، وكم من حقيقة كتموا أو حرفوا !
وقد قابل ذلك علماء هذه الطائفة بالصبر والتحمل ، ولم تثن عزائمهم التهجمات ولا
السياط والسجون ، حتى استشهد منهم الكثير !
وقد انقسمت الكتب التي ألفها علماؤنا في الباب إلى ثلاثة أنواع:
منها ، ما وضعوه جواباً على شبهات الخصوم ، كالرد على كتاب (العثمانية) للجاحظ
وكتاب (الشافي في الامامة) في الرد على كتاب (المغني) للقاضي عبد الجبار
المعتزلي و(عبقات الأنوار) في الرد على (التحفة الإثني عشرية) والرد على
(الصواعق المحرقه) و(الوشيعة) (ومسائل جار الله ) وغير ذلك .
ومنها ، ما ألفوه للتعريف بمذهب الشيعة وبيان أدلتهم على عقائدهم ، كشروح
(التجريد) و (منهاج الكرامة في معرفة الإمامة) (ونهج الحق وكشف الصدق) و(دلائل
الصدق) و (الغدير في الكتاب والسنة والأدب ) ...
ومنها ، ماكتبوه سؤالاً للمخالفين وإشكالاً عليهم ، على ضوء رواياتهم وأقوال
علمائهم في أشهر كتبهم ، وهذا النوع في كتب أصحابنا قليل ككتاب أغلاط العامة
للشيخ الكراجكي ، وكتاب مخالفة أهل السنة للكتاب والسنة ، للعلامة الحلي .
ومن أحسن ما أخرج للناس في زماننا في هذا المجال كتاب (ألف سؤال وإشكال) من
مؤلفات العلامة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي الكوراني العاملي دام فضله ،
فقد وقفت عليه فألفيته حاوياً لأمهات المسائل الخلافية ، يطرحها بأسلوب بديع
وأدب رفيع ، مستنداً الى أشهر الكتب المعتمدة عند أهل السنة ، ومستشهداً بآراء
وأقوال كبار علمائهم في مختلف العلوم ، ثم يلقي على أساسها الأسئلة ويلزمهم
بلوازم أدلتهم ، فإن وافقوا عليها ورد عليهم الإشكال ، وإن أبوا الإلتزام بها
وجب عليهم رفع اليد عن صحة تلك الكتب ، ورفض أصحاب تلك الأقوال .
هذا ، بالإضافة إلى ما يجده القارئ فيه من تحقيقات ثمينة وفوائد جليلة .
فأسال الله العلي القدير لسماحة الشيخ الكوْراني المزيد من التوفيق والتسديد ،
فإنه في هذا الزمان ، من أبرز حماة المذهب الحق والذابين عنه باليد واللسان ،
وأن ينفع الباحثين بآثاره القيمة ، وأن يجعل كتابه في كتابه يوم القيامة ،
والسلام عليه ورحمة الله وبركاته .
ذو القعدة الحرام 1424 علي الحسيني الميلاني
بسـم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله
الطيبين الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين
وبعد ، فقد طرح المخالفون لمذهب أهل البيت الطاهرين(ع) إشكالاتهم وشبهاتهم على
مذهبنا وأتباعه ، وكرروها في خطبهم وكتبهم ، وملؤوا منها الأسواق ، ومواقعهم في
شبكات النت ، ووزعوا كتيباتها وأشرطتها في الحرمين ، وفي بلاد المسلمين ،
والمهجر !
وهي شبهاتٌ أجاب عنها علماء الشيعة القدماء والمعاصرون ، فجزاهم الله خير
الجزاء لدفاعهم عن ظلامة أهل البيت الطاهرين(ع) ومذهبهم الحق .
وهذه أسئلة وإشكالات علمية ، كتبناها لتكون جواباً على ما يثيرونه علينا ،
وتنبيهاً إلى أن الأولى لهم أن يعالجوا المشكلات التي امتلأت بها مصادرهم ،
وقامت عليها مؤلفاتهم وآراؤهم في مسائل العقائد والفقه والتفسير ، فإن إصلاح
الدار أوْجبُ من انتقاد الجار !
وقد اعتمدنا في هذه المسائل على مصادرهم الأساسية في الحديث والتفسير والفقه
والعقائد ، وأقوال كبار أئمتهم من القدماء والمتأخرين .
واعتمدنا في ترتيب أبوابها على كتبنا: الوهابية والتوحيد ، وتدوين القرآن ،
والعقائد الإسلامية ، وآيات الغدير ، وغيرها .
أما المنهج الذي اخترناه فهو تحريرالمسألة بعبارة مليئة موثقة ، ثم توجيه
الأسئلة حولها أو الإشكالات ، لتسهيل الأمر على القارئ والباحث .
وهذا هو المجلد الثاني من كتاب (ألف سؤال وإشكال على المخالفين لأهل البيت
الطاهرين(ع) ) ، وقد لاقى المجلد الأول منه رواجاً حسناً ، ونفدت نسخه في مدة
قصيرة ، لبساطة منهجه وقوة حجته بفضل الله تعالى.
ومع أنه مضت شهور على صدور المجلد الأول وانتشرت نسخه المطبوعة في البلاد ، وفي
شبكات النت ، إلا أنه لم يصلنا أيُّ نقدٍ أو ردٍّ على شئ من مسائله من
المخالفين لأهل البيت الطاهرين(ع) مع أن منهم متفرغين في إلقاء الشبهات على
المذهب وأتباعه ! ولعلهم بحاجة الى وقت أطول لكي يراجعوا ويفكروا ، ولا نظن
أنهم يأتون بطائل ، أو يرجعون الى حاصل .
نسأل الله أن يهديهم الى الكفِّ عن عملهم لتشويه مذهب أهل البيت(ع) ، وأن
يتجهوا بدل ذلك الى احترام مذاهب المسلمين والتقريب بينهم ، وإنصاف أهل بيت
نبيهم(ص) والإعتراف بمقامهم الرباني وفضائلهم وظلامتهم ، والتعايش والتحابب مع
شيعتهم، ومع أتباع كافة المذهب ، خاصة في هذا الظرف الذي تشهد فيه الأمة هجمة
من أعدائها على كافة بلادها ، وكافة أبنائها ومقدساتها .
والله ولي القصد والتوفيق ، والهادي إلى سواء السبيل .
حرره: علي الكوراني العاملي عامله الله بلطفه
الحوزة العلمية بقم المشرفة- شوال المكرم1424
الفصل السابع عشر
أهل السنة.. ضد السنة !!
جريمة تغييب سنة النبي(ص)
مع أن النبي(ص) أمر المسلمين بكتابة حديثه وتبليغه الى الناس ، فقد ارتكبت
السلطة بعده(ص) عملاً غريباً بإعلانها تحريم كتابة حديثه(ص) بل تحريم مجرد
تحديث الناس بالحديث النبوي ولو في المسجد !
وقد جمع أبو بكر وعمر ما كتبه الناس من أحاديث النبي(ص) ثم أحرقاها !
وواصل عمر سياسة التشديد على الصحابة ، فضرب بعضهم وحبَس بعضاً آخر لمجرد أنه
حدَّث حديثاً عن النبي(ص) !
كما أصدر مرسوماً مشدداً الى ولاته بحرق كل ما كتب من السنة أو مَحْوِه !
ولايمكنك أن تجد تفسيراً لذلك إلا في شعار(حسبنا كتاب الله !) الذي رفعه عمر
بالتفاهم مع زعماء قريش في وجه النبي(ص) قبل أن يغمض عينيه ! فقد اتفقوا فيما
بينهم على أن يقبلوا منه القرآن دون السنة !
أما عليٌّ وبقية أئمة العترة(ع) فقد وقفوا في وجه قرار منع التحديث ، وشجعوا
الصحابة على التحديث وتدوين الحديث ، عملاً بأمر النبي(ص) بكتابة سنته الذي
روته مصادرهم فضلاً عن مصادرنا:
روى أبو داود:2/176 (عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول
الله(ص)أريد حفظه فنهتني قريش ، وقالوا أتكتب كل شئ تسمعه ورسول الله(ص)بشر
يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله(ص)فأومأ
بإصبعه الى فيه فقال: أكتب ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ! ) . (ورواه
أحمد:2/192 ، بتفاوت يسير ).
وروى أحمد:2/ 215 ، عن(عبدالله بن عمرو بن العاص قال قلت: يا رسول الله إني
أسمع منك أشياء أفاكتبها ؟ قال: نعم . قلت: في الغضب والرضا؟ قال: نعم ، فإني
لا أقول فيهما إلا حقاً !) .
وروى الحاكم:1/105 حديث النسائي هذا وفيه (ما خرج منه إلا حق) ثم قال: فليعلم
طالب هذا العلم أن أحداً لم يتكلم قط في عمرو بن شعيب ، وإنما تكلم مسلم في
سماع شعيب من عبدالله بن عمرو ، فإذا جاء الحديث عن عمرو بن شعيب عن مجاهد عن
عبدالله بن عمرو ، فإنه صحيح ) . انتهى .
وقال في ص106:(نعم فإنه لاينبغي لي أن أقول إلاحقاً) وقال:(رواة هذا الحديث قد
احتجَّا بهم(يقصد البخاري ومسلماً)عن آخرهم غير الوليد ، وأظنه الوليد بن أبي
الوليد الشامي ، فإنه الوليد بن عبدالله ، وقد عُلِّمتْ على أبيه الكتَبة ، فإن
كان كذلك فقد احتج مسلم به ).
وروى الحاكم أيضاً:3/528 (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول
الله أتأذن لي فأكتب ما أسمع منك؟ قال نعم . قلت في الرضاء والغضب؟ قال: نعم
فإنه لاينبغي لي أن أقول عند الرضاء والغضب إلا حقاً ! ثم قال (صحيح الإسناد
ولم يخرجاه ) . انتهى.
الأسئلة
1 ـ قام الدين الإلهي على إرسال الأنبياء(ع) وتنزيل الكتب والصحف الإلهية ،
فالكتاب والكتابة من أولى خصائصه وبدهياته ، فما هو السبب في أن الجيل الأول من
صحابة نبينا(ص) حرَّموا تدوين أحاديثه فضيعوا حقيقتها على أجيال الأمة ، ولم
يسمحوا بكتابتها إلا بعد قرن أو قرنين ، حتى وصلت الينا في حالتها الفعلية ،
ومشاكلها الكثيرة التي تضج منها مصادر السنة النبوية !
بل فتحوا بذلك الباب للأعداء لاتهام الإسلام بالتخلف عن الكتابة ، التي هي من
أول شروط المدنية والوعي الثقافي ؟!
2 ـ ألا ترون أن رواية الشاب عبد الله العاص ، تكشف لنا حقيقة خطيرة هي أن
القرشيين الذين دخل الإسلام قليلٌ منهم باختيارهم ، ودخل فيه أكثرهم مجبرين تحت
السيف بعد هزيمتهم على يد النبي(ص) في فتح مكة ، كانوا يخافون أن يكرِّس
النبي(ص) الخلافة من بعده لعترته ، فكوَّنوا في حياة النبي(ص) حركة عملت داخل
الصحابة لمنع تدوين كلامه الشريف ، وكانت تصل بالشباب الذين يدونون أحاديثه
الشريفة مثل عبد الله العاص وتنهاهم عن ذلك ، بحجة أن النبي بشر يغضب ويتكلم
على أشخاص ويحذر منهم ويلعنهم بغير حق ، فإذا كُتب ذلك صار جزءً من الدين ،
وأضرَّ بمصلحة هؤلاء القرشيين !
وقد جاء موقف النبي(ص) حاسماً ، حيث أمر بمواصلة كتابة حديثه لأن منطقه مصون
بعصمة الله تعالى في الرضا والغضب: (وما ينطق عن الهوى) . فماذا تقولون في هذا
التفسير ؟
3 ـ ما رأيكم في الرواية التالية عن عبدالله العاص ، التي تدل على أن الذين
نهوه عن كتابة الحديث كانوا يتعمدون الكذب على النبي(ص) في حياته ويسخرون من
كتابة أحاديثه؟! فقد روى الهيثمي في مجمع الزوائد:1/151: (عن عبدالله بن عمرو
قال كان عند رسول الله(ص)ناس من أصحابه وأنا معهم وأنا أصغر القوم فقال
النبي(ص): من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار . فلما خرج القوم قلت:كيف
تحدثون عن رسول الله(ص)وقد سمعتم ما قال ! وأنتم تنهمكون في الحديث عن رسول
الله(ص)؟! فضحكوا فقالوا: يا ابن أخينا إن كل ما سمعنا منه عندنا في كتاب ! ).
انتهى .
فالرواية تشير الى أنهم قرشيون ( فقالوا يا ابن أخينا ) ، وأنهم كانوا يكذبون
عمداً على النبي(ص) ، وأن ابن العاص انتقدهم بأنكم سمعتم لتوِّكم تحذير النبي
(ص) لمَن يكذب عليه ووعيده له بنار جهنم ، وها أنا أراكم تتحدثون عن لسانه بما
لم يقل؟! فضحكوا منه وقالوا له: أيها الولد إننا نكتب حديثه مثلك فنحن نتحدث
عنه مما هو مكتوب عندنا !!
المسألة: 111
تدوين السنة حرام . . والأحوط شرعاً إحراق السنة
قال الذهبي في تذكرة الحفاظ:1/5: ( قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول
الله(ص)وكانت خمسمائة حديث ، فبات ليلته يتقلب كثيراً ! قالت فغمني فقلت:
أتتقلب لشكوى أو لشئ بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك
فجئته بها فدعا بنار فحرقها، فقلت لمَ أحرقتها؟ قال خشيت أن أموت وهي عندي
فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ولم يكن كما حدثني ، فأكون قد نقلت
ذاك ! ). انتهى .
وغرض عائشة تبرير فعل أبيها ، وكفّ ألسنة الناس عنه ! ولذلك لم تذكر في هذه
الرواية أن أباها ناشد الناس أن يأتوه بما كتبوه من حديث النبي(ص) ، فتصور
الناس أنه يريد تدوين السنة ، فأتوه به بطيب نية فجمعه عنده ثم أحرقه !
أما عمر فأحرق السنة ولم يتأرق أبداً !
قال ابن سعد في الطبقات:5/140: (عبد الله بن العلاء قال سألت القاسم يملي عليَّ
أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب ، فأنشد الناس أن يأتوه
بها ، فلما أتوه بها أمر بتحريقها ! ). انتهى .
وضغط الصحابة على عمر فطلب المهلة شهراً !
روى في كنز العمال:10/291عن ابن عبد البر في كتاب العلم: ( عن الزهري ، عن عروة
أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله (ص) في ذلك
فأشاروا عليه أن يكتبها ، فظل عمر يستخير الله فيها شهراً!
ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن ، وإني ذكرت
قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتاباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا
أشوب كتاب الله بشئ أبداً ) ! انتهى .
وروى عن ابن سعد في الطبقات ، عن الزهري قال: أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن
فاستخار الله شهراً ، ثم أصبح وقد عُزم له (يقصد عزم له الله) فقال: ذكرت قوماً
كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله ) ! انتهى .
ثم أصدر مرسوماً خلافياً بمحو السنة المدونة !
روى في كنز العمال:10/291عن ابن عبد البر في العلم وأبي خثيمة:(عن ابن وهب قال:
سمعت مالكاً يحدث أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب هذه الأحاديث أو كتبها ثم قال:
لا كتاب مع كتاب الله .
عن يحيى بن جعدة قال: أراد عمر أن يكتب السنة ، ثم بدا له أن لا يكتبها ، ثم
كتب في الأمصار: من كان عنده شئ من ذلك فليمحه) !! انتهى .
الأسئلة
1 ـ كيف تفسرون تحريم عمر تدوين السنة ، مع أنه كان يرى أن العلم الذي له قيمة
يجب أن يُدَوَّن ، فهو الذي طلب من النبي(ص) أن يسمح له ولرفقائه أن يكتبوا
أحاديث اليهود ، لأنها أخذت بمجامع قلوبهم حسب تعبيره !
قال السيوطي في الدر المنثور:5/148:(عن الحسن ، أن عمر بن الخطاب قال: يارسول
الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا، وقد هممنا أن نكتبها!
فقال:يا ابن الخطاب أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟!) .
وقال الحاكم في المستدرك:1/106: (وقد صحت الرواية عن أميرالمؤمنين عمر بن
الخطاب أنه قال: قيدوا العلم بالكتاب...عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان
أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: قيدوا العلم بالكتاب). انتهى.
2 ـ لماذا اعتذر أبو بكر وابنته عائشة بأن السبب في تحريمه تدوين السنة وإحراق
المكتوب منها ، هو الخوف من كذب رواتها قال: (خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها
أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت، ولم يكن كما حدثني)! ولم يعتذر بذلك عمر ؟!
وإذا صح عذر أبي بكر ، فلماذا خالفوه ودونوا السنة بعد أكثر من مئة سنة وبعد أن
كثرت وسائط الرواة ، وزاد الكذب على رسول الله(ص) ؟!!
3 ـ من هم هؤلاء القوم الذين قال عنهم عمر إنهم كتبوا كتاباً فيه سنة نبيهم
فتركوا كتاب ربهم ، ولماذا لم يسمهم ! (فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن ،
وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتاباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ،
وإني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبداً ) ؟! لقد كان أذكى من صاحبه أبي موسى
حيث أوهم أنه يريد اليهود ولم يسمِّهم ، بينما سماهم أبو موسى! ففي مجمع
الزوائد: 1/150، عن أبي موسى قال: قال رسول الله(ص): إن بني إسرائيل كتبوا
كتاباً واتبعوه وتركوا التوراة ) . لكنه كلام لاينطبق على تاريخ اليهود ولا
النصارى أبداً ! فالذي حدث بعد نبي الله موسى(ع) أن أكثر قومه أطاعوا وصيه
يوشع(ع) مدة قليلة ثم انقلبوا على أعقابهم بعد يوشع ولم يقبلوا الأوصياء(ع) ،
بل شكلوا دولة القضاة التي هي أشبه بدولة الخلفاء القرشية . وفي هذه المدة لم
يكتبوا أحاديث موسى ولا يوشع‘ ، بل قاموا بتحريف التوراة .
والأمر بعد داود وسليمان‘أوضح ، فقد انقلبوا على أعقابهم أيضاً ولم يقبلوا آصف
بن برخيا الذي كان وصي سليمان‘، والذي ذكره الله تعالى في القرآن بقوله: قَالَ
الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ
يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ! وبعد ذلك بزمان طويل كتبوا كتباً في تشريعات
موسى(ع) !ولكنهم لم يُكِبُّوا عليها ولم يتركوا التوراة ، لأنها شروح للتوراة
المحرفة ، متجانسة معها .
أما النصارى فبعد تضييعهم الإنجيل كتبوا الأناجيل الموجودة وأكبوا عليها !
فالذين عناهم أبو موسى وعمر لاوجود لهم !!
4 ـ تشير النصوص الى أن تدوين السنة كان مطلباً مُلِحّاً لعامة الصحابة ، وأنهم
ضغطوا على عمر فاستمهلهم ليفكر في الأمر ، وفكر شهراً حتى هدأ جَوُّهم ، ثم صعد
المنبر وأعلن للمسلمين ما عزمه الله له ! (فأشاروا عليه أن يكتبها ، فظل عمر
يستخير الله فيها شهراً ! ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال...)؟! فهل نزل
الوحي على عمر بأن رأيه وعزمه بمنع كتابة السنة هو عزم الله تعالى، وأن أمره
الولاة بمحو المكتوب منها وإحراقه ، قرارٌ من الله تعالى ؟!
المسألة: 112
تواضع عمر للصحابة لكي ينفذوا قراره
روى ابن ماجة:1/12 (عن قرظة بن كعب قال: بعثنا عمر بن الخطاب الى الكوفة وشيعنا
، فمشى معنا الى موضع يقال له صِرار فقال: أتدرون لم مشيت معكم ؟ قال قلنا: لحق
صحبة رسول الله(ص)ولحق الأنصار .
قال لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به ، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم .
إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل ، فإذا رأوكم مدوا
إليكم أعناقهم وقالوا أصحاب محمد ، فأقلوا الرواية عن رسول الله(ص) ثم أنا
شريككم ) . انتهى .
ورواه الدارمي:1/85 عن قرظة بن كعب وقال في آخره:(قال قرظة:وإن كنتُ لأجلس في
القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله(ص)وإني لمن أحفظهم له ، فإذا ذكرت وصية عمر
سكتتُ )!!
وفي رواية أخرى: ( فما حدثت بشئ ، وقد سمعت كما سمع أصحابي)!!
ثم قال الدارمي: (معناه عندي الحديث عن أيام رسول الله(ص) ليس السنن والفرائض)
. انتهى.
يريد الدارمي التخفيف عن عمر ، وأن يحصر منعه عن التحديث بالأمور السياسية
وحروب النبي(ص) دون بيان الفرائض وأحكام الإرث والمستحبات ! ولكنه بذلك يخالف
نص عمر في المنع ، ويعترف عن عمر بأن السبب سياسي ، وأن عذر عمر بانشغال الناس
بالحديث عن القرآن ، عذر شكلي لا أكثر !
ورواه الحاكم في مستدركه:1/102وقال في آخره ( فلما قدم قرظة قالوا حدثنا قال:
نهانا ابن الخطاب ! هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع ويذاكر بها. وقرظة بن
كعب الأنصاري صحابي سمع من رسول الله(ص) ، ومن شرطنا في الصحابة أن لا نطويهم .
وأما سائر رواته فقد احتجَّا بهم ) . انتهى.
الأسئلة
1 ـ من الواضح أن المطلب الذي أراده عمر من هؤلاء الصحابة مطلبٌ مهم عنده ،
وصعبٌ عليهم ، لأنه يخالف توجيهات النبي(ص) التي عملوا به ، ولذا خرج الى
توديعهم مسافة طويلة ، مع أنه لم يكن يخرج الى توديع أحد من الصحابة ، فهذه
المرة هي المرة الوحيدة ! و(صِرار) بكسر أوله ، وبالراء المهملة أيضاً في آخره:
بئر قديمة ، على ثلاثة أميال من المدينة تلقاء حرة واقم) . (معجم ما استعجم
للبكري:3/830 ) .
ويفهم من قوله لهم (وأنا شريككم) أنهم كانوا يرون أن عدم التحديث عن النبي(ص)
إثمٌ ومعصية لأنه كتمانٌ لما سمعوه من النبي(ص) ومخالفة لأمره أياهم بأن يبلغ
الشاهد منهم الغائب ! فأراد عمر أن يطمئنهم بأن كتمانهم ضرورة ، وأنه لا إثم
عليهم فيه ! وإن يكن فيه إثم فهو شريكهم فيه !
فهل يوجد فرق بين كلامه هذا وقوله: يا صحابة رسول الله ، أكتموا أحاديث
نبيكم(ص) ، وأنا شريككم في الإثم ؟!
وهل يجوز أن تطلب من أحد أن يفعل محرماً وتكون شريكه في الإثم ؟!
2 ـ يدل قول الصحابي قرظة: ( فما حدثت بشئ وقد سمعت كما سمع أصحابي.. وإن كنت
لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله(ص)وإني لمن أحفظهم له ، فإذا ذكرت
وصية عمر سكتت ... ! فلما قدم قرظة قالوا حدثنا قال: نهانا ابن الخطاب ! ) .
على أن المسألة ليست طلباً أخوياً ، بل نهيٌ مشدد ، وتهديدٌ أيضاً !
فهل يجوزلصحابي أن يأمر الصحابة بالكتمان وينهاهم عن التبليغ الواجب؟!
3 ـ كيف تتصورون حالة المسلم الجديد في الكوفة الذي سمع بمجئ صحابة رسول
الله(ص) إليها ، ففرح وجاء يسألهم عن النبي(ص) ليحدثوه عنه فقالوا له معذرةً
لانستطيع أن نحدث عنه(ص) بشئ ، لأن عمر نهانا عن الحديث عنه(ص) ! وكيف تتصورون
حالة طالب العلم الذي جاء الى المدينة فواجه نفس الكلام ؟! أليس من حقه أن يقول
ما بال هؤلاء الصحابة ! بالأمس مات نبيهم ودفنوه وجلسوا مكانه ، وهاهم يدفنون
سنته معه ويكتمونها ؟!
المسألة: 113
التحديث عن النبي(ص) حرام . وعقوبته الإقامة الجبرية !
روى الحاكم:1/110: (عن سعد بن إبراهيم عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب قال لابن
مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذر: ماهذا الحديث عن رسول الله؟! وأحسبه حبسهم
بالمدينة حتى أصيب... هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وإنكار عمر أمير المؤمنين
على الصحابة كثرة الرواية عن رسول الله (ص) فيه سنة ولم يخرجاه ) . انتهى .
وقول الحاكم (كثرة الحديث) كلامٌ منه ، فقد نهاهم عمر عن التحديث كلياً !!
وروى في كنز العمال:10/285 عن ابن عساكر: (عن عبد الرحمن بن عوف قال: والله ما
مات عمر بن الخطاب حتى بعث الى أصحاب رسول الله(ص) فجمعهم من الآفاق: عبدالله
بن حذافة ، وأبا الدرداء ، وأبا ذر ، وعقبة بن عامر ، فقال: ماهذه الأحاديث
التي قد أفشيتم عن رسول الله(ص)في الآفاق؟ قالوا أتنهانا ؟!
قال لا ، أقيموا عندي ، لا والله لا تفارقوني ما عشت ! فنحن أعلم نأخذ ونرد
عليكم . فما فارقوه حتى مات ) . انتهى .
وروى الدارمي:1/136: (ثنا الأوزاعي ، حدثني أبو كثير ، حدثني أبي قال: أتيت
أباذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه فأتاه رجل
فوقف عليه ثم قال: ألم تُنْهَ عن الفتيا؟! فرفع رأسه إليه فقال: أرقيبٌ أنت
عليَّ؟! لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار الى قفاه ، ثم ظننت أني أنفذ كلمة
سمعتها من رسول الله قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها ! ) !
وقد بتره البخاري فقال في:1/25:( وإنما العلم بالتعلم ، وقال أبوذر: لو وضعتم
الصمصامة على هذه وأشار الى قفاه ، ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله
(ص) قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها ) . انتهى . فانظر الى أمانة البخاري !!
وروى في كنز العمال:10/299 عن ابن عبد البر في العلم، وابن عساكر والدينوري:
(عن ابن سيرين أن عمر قال لأبي موسى:أما بلغني أنك تفتي الناس ولست بأمير؟ قال:
بلى . قال: فولِّ حارَّها من تولى قارَّها) . انتهى .
يقصد أنك لست الخليفة ، ولذلك يحرم عليك الفتوى في أمور الدين ، لأن حق الفتوى
فقط للخليفة الذي هو عمر ، وعلى الباقين طاعته !
الأسئلة
1 ـ ما هو المستند الفقهي عند عمر في حبسه الصحابة بجرم التحديث عن النبي(ص) ؟
وإذا كان له مستند صحيح فلماذا لاتحكمون بحبس المحدِّثين ؟!
2 ـ ما هو المستند الشرعي لحصر الفتوى وبيان أحكام الشرع الشريف بمن كان رئيس
الدولة ، أو موظفاً عند الحكومة ؟! وهل تلتزمون بذلك ؟!
3 ـ لم يثبت عندكم حديث أن الصحابة كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، ومع ذلك
قبله علماؤكم به في الفقه وأصول الفقه والعقائد ! فما رأيكم بمن يقتدي بالصحابة
الذين حبسهم عمر بجرم الحديث عن رسول الله(ص) ، لأنهم صحابة أتقياء الذي رفضوا
أن يكتموا الحق ، وما رأيكم ‘إذا دعا على عمر لأنه حبسهم ظلماً وعدواناً ،
وكتَمَ الحق ؟ فهل يكفر بذلك ؟!
المسألة: 114
السبب الحقيقي لتغييب أبي بكر وعمر سنة النبي(ص) !
روى أبو داود:2/404: (عن عمرو بن أبي قرة قال: كان حذيفة بالمدائن ، فكان يذكر
أشياء قالها رسول الله(ص)لأناس من أصحابه في الغضب ، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من
حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة ، فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول ،
فيرجعون الى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك .
فأتى حذيفة سلمان وهو في مَبْقَلة فقال: يا سلمان ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت
من رسول الله(ص)؟ فقال سلمان: إن رسول الله(ص)كان يغضب فيقول في الغضب لناس من
أصحابه ، ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه ! أما تنتهي حتى تورث رجالاً
حبَّ رجال ورجالاً بغضَ رجال ، وحتى توقع اختلافاً وفرقة ؟ ولقد علمت أن رسول
الله(ص)خطب فقال: أيما رجل من أمتي سببته سبَّةً أو لعنته لعنةً في غضبي فإنما
أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون ، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم
صلاة يوم القيامة . والله لتنتهين أو لأكتبن الى عمر ). انتهى .
فهذه الحادثة التي وقعت في المدائن في عهد عمر ، بين اثنين من كبار الصحابة ،
تدل على أن حذيفة الذي أجمع المسلمون على أنه صاحب سر رسول الله(ص) وأنه كان
يعرف أسماء المنافقين ، كان يروي أحاديث غضب النبي(ص) على بعض أصحابه ولعنه
إياهم ، وأنها كانت أحاديث خطيرة بحيث لو عرفها المسلمون لتبرؤوا من أولئك
الصحابة ، وأن سياسة عمر كانت تحريم روايتها تحريماً مشدداً ، الى حد أن الوالي
الذي يرويها يتعرض لغضب الخليفة وعقوبته عزله، حتى لو كان من وزن حذيفة أمين
رسول الله (ص) ! فسياسة عمر كانت التغطية المشددة على الممدوحين والملعونين على
لسان النبي(ص) !!
أما الحديث الذي نسبته الرواية الى النبي(ص) عن لسان سلمان (إن رسول الله(ص)كان
يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه ، ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه) !
فسوف تعرف أنه موضوع وأن النبي(ص) لا ينطق عن الهوى وأن الملعونين على لسان
الأنبياء(ع) محكومٌ عليهم من الله تعالى بالطرد الأبدي من رحمته لعصيانهم
وطغيانهم ، وأن اللعن الإلهي لا يمكن رفعه .
بل يفهم من الآيات والأحاديث أن لعنة الأنبياء(ع) تجري في ذرية الملعون الى يوم
القيامة ، فهو يبلغ حداً ينضب صلبه من الخير ويختار أولاده طريق الشر !
وهذا ما يفسر لنا تشاؤم العرب من الملعون ، فقد تشاءم عمر من ناقة لعنها بدوي !
فكيف بمن لعنه رسول الله(ص) ؟! روى في كنز العمال:3/877 (عن أبي عثمان قال:
بينما عمر يسير ورجل على بعير له فلعنه ، فقال من هذا اللاعن؟ قالوا: فلان قال:
تخلف عنا أنت وبعيرك ، لاتصحبنا راحلة ملعونة) !!
إن رواية أبي داود وأمثالها تدل على أن السبب الحقيقي في منع كتابة الحديث
النبوي والتحديث ، هو التغطية على الذين غضب عليهم رسول الله (ص) ولعَنَهُم ،
والتغطية على مَن مدحهم وأمرَ الصحابة والأمة باتباعهم ! وهذا واضح من قوله:
(حتى تورث رجالاً حبَّ رجال ، ورجالاً بغضَ رجال ، وحتى توقع اختلافاً وفرقة) ،
وأن الموضوع يتصل بأناس من وزن أهل البيت(ع) ورجال السلطة كعمر وأبي بكر ! وهذا
يستوجب إعادة النظر في أصل شرعية السلطة وشخصياتها !!
الأسئلة
1 ـ أليس من حق المسلمين أن يعرفوا موقف نبيهم(ص) من صحابته ، وقد بينه لهم
وأبلغهم إياه وأمرهم بإبلاغه؟ فلماذا كتمه أبو بكر وعمر ، ونهيا عن كتابته
وروايته ، والله تعالى يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ
الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ
أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ. ؟!
2 ـ هل يستحق الصحابة الملعونون على لسان رسول الله(ص) أن ترتكب السلطة تغييب
السنة النبوية للتغطية عليهم ، وتتهم رسولَ الله(ص) من أجلهم بأنه أخطأ في ذمهم
ولعنهم ، كما أخطأ في مدح غيرهم من عترته(ع) وشيعتهم ، وتفتري عليه بأنه يقول
في الغضب والرضا غير الحق ، وهي تقرأ قول الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
الْهَوَى، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى . ؟!
المسـألة: 115
تفنيد ما زعموه من أعذار لتغييب السنة !
يرجع ما ذكره أبو بكر وعمر وأتباعهما ، في الدفاع عن منعهما من كتابة سنة
النبي(ص) وروايتها ، الى ثلاثة أمور :
الأول: أن هدفهما التثبت ومنع الكذب في التحديث عن النبي(ص) ، وقد اعتذر بذلك
أبو بكر ، ثم اعتذروا به عن عمر .
الثاني: الخوف من انشغال الناس بالحديث عن القرآن . وقد ذكره عمر في أوائل
خلافته .
الثالث: الخوف من اختلاط الحديث النبوي بالقرآن . وقد اعتذر به عمر ، ولعله في
أواخر خلافته ، حيث كثر انتقاد الصحابة لسياسة منع التحديث !
الأسئلة
1 ـ لماذا لم يرد عذر التثبت من الحديث إلا على لسان أبي بكر ، ولم يؤكد عليه
عمر ، بل لم يذكره أبداً في حيثيات حكمه ؟
2 ـ إذا كان غرض السلطة التثبت في رواية الحديث عن النبي(ص) ، فلماذا لم تستعمل
الطرق الطبيعية لتعليم الصحابة كيف يتثبتون ، فتعلن مثلاً أن يحضر كل من يحفظ
حديثاً أو عنده شئ مكتوبٌ من السنة، الى دار الخلافة، ثم تكلف شخصاً أو هيئة
للتثبت وطلب الشهود على كل حديث .
فهل خفي عليها ذلك حتى قامت بإحراق السنة وحرَّمت كتابتها وروايتها؟!
وقد قالت إنها استعملته في القرآن؟ أم أنها لم تكن تريد سنة النبي(ص) أصلاً ،
فجمعتها لكي تحرقها ! أما أنها كانت تريد الإنتقاء فتأخذ بعضها وتغيب بعضها؟!
3 ـ إن أبا بكر لم يكتف بحرق ما جمعه من مدونات الصحابة من السنة ، بل نهى عن
الحديث كلياً ، وأمر المسلمين أن يكتفوا بما حلله القرآن وحرمه فقط، وهذا يكشف
عن رفضه للسنة كلياً، بحجة أن فيها أحاديث مختلفاً فيها!
قال في تذكرة الحفاظ:1/2 عن أبي بكر: (جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم
تحدثون عن رسول الله(ص)أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافاً ،
فلاتحدثوا عن رسول الله شيئاً !! فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله
فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه ) ! انتهى.
فكيف تجمعون بين قول أبي بكر: فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً ! (تذكرة
الحفاظ:1/2) ، وقولكم عن النبي(ص) : حدثوا عن أهل الكتاب ولاحرج ! أليس معنى
ذلك رفض سنة النبي(ص) التي هي نصف الإسلام ، واستيراد سنة اليهود والنصارى
بدلها ؟!
4 ـ كيف تقولون إن عمر منع عن كثرة التحديث وليس عن أصله ، مع أن قراراته
بالمنع جاءت نهياً وزجراً مطلقاً بدون تعليل! وقدصرح قرظة بأن عمر نهاهم عن
الحديث ومنعهم منه منعاً باتاً، لكي لايشغلوا الناس به عن القرآن !
5 ـ إن مقولة عمر (جرِّدوا القرآن) وإيهامه الناس بأن الحديث يشغلهم عن القرآن
غير صحيح ، لأن غرضه إما ضرورة التوازن في صرف المسلمين أوقاتهم بين القرآن
والسنة ، وإما المحافظة على فهم القرآن وعدم تشويشه بالسنة .
وترك التحديث عن النبي(ص) ليس علاجاً لأي من المشكلتين؟! فمسألة الوقت ـ على
أنها بعيدة عن قصد عمر ـ علاجها بتوجيه قسم من المسلمين الى الإهتمام بالقرآن
وتعليمه ، وقسم آخر الى السنة .
ومسألة التشويش على فهم القرآن علاجها بأن يعين عمر مفسرين موثوقين عنده ،
عايشوا نزول القرآن وتفسير النبي(ص) لآياته ، يقومون بتفسير القرآن للمسلمين
بالأحاديث التي يرتضيها عمر .
لكن مقصوده الحقيقي هوأن يترك المسلمون السنة، ويقرؤوا القرآن ولو من غير فهم،
ولايسألوا عن معاني آياته ، ولا يفسروها حتى بأحاديث النبي(ص) !
ويؤيد ذلك منعه المسلمين من السؤال عن معاني آيات القرآن كما في قصة صبيغ
التميمي وغيره ! وهذه سياسة التجهيل بدل التعليم ! والكتمان بدل التبليغ !
6 ـ أما مقولة اختلاط السنة بالقرآن ، فلو قالها غير عمر لسخر منه العلماء
وقالوا هذا امتهانٌ للعقل! فالقرآن والسنة مقولتان متميزتان ، وقد كانا معاً
ولم يختلطا ولم يشتبها ، حتى عند متوسطي الثقافة والمعرفة ، فضلاً عن العلماء
والفقهاء !
ولكن كلامه صار عند محبيه عذراً مقبولاً لمجرد أنه صدر عن عمر ! وصاروا يبحثون
عن وجه معقول لكلام غير معقول ! ومثله قول عمر ومن وافقه: نزل القرآن على سبعة
أحرف! وأن النبي(ص) قصد ألفاظه لامعانيه ، فما زال محبوه الى يومنا يبحثون عن
السبعة أشكال التي نزل فيها القرآن من عند الواحد الأحد !
قال الباحث المصري محمود أبو رية تعليقاً على عذر اختلاط السنة بالقرآن ، في
كتابه أضواء على السنة المحمدية ص50: (وهو سبب لايقتنع به عاقل عالم.. اللهم
إلا إذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة ، وأن أسلوبها في الإعجاز من
أسلوبه ! وهذا ما لايقره أحد حتى الذين جاءوا بهذا الرأي ، إذ معناه إبطال
معجزة القرآن وهدم أصولها من القواعد ... وبين الحديث والقرآن ولاريب فروق
كثيرة يعرفها كل من له بصر بالبلاغة وذوق في البيان ... على أن هذا السبب الذي
يتشبثون به قد زال بعد أن كتب القرآن في عهد أبي بكر على ما رووه، وبعد أن نسخ
في عهد عثمان ووزعت منه نسخ على الأمصار ، وأصبح من العسير بل من المستحيل أن
يزيدوا على القرآن حرفاً واحداً...). انتهى .
فما رأيكم ؟!
المسألة: 116
دفاع ابن حبان عن أبي بكر وعمر في تغييب السنة ؟
من أقدم المدافعين عن تغييب أبي بكر وعمر لسنة النبي(ص) ، محمد بن حبَّان
البستي الخراساني توفي سنة354 ، قال في كتابه المجروحين:1/33:
( أخبرنا عبد الملك بن محمد قال: سمعت عباس بن محمد يقول: سمعت يحيى بن معين
يقول: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه .
قال أبو حاتم(يقصد نفسه ابن حبان): فهذا عناية هذه الطائفة ( يعني أهل السنة
والجماعة وقد تسموا بذلك في عهد معاوية ) بحفظ السنن على المسلمين ، وذب الكذب
عن رسول رب العالمين ، ولولاهم لتغيرت الأحكام عن سننها ، حتى لم يكن يعرف أحد
صحيحها من سقيمها ، والملزق بالنبي(ص)والموضوع عليه ، مما رويَ عن الثقات
والأئمة في الدين .
فإن قال قائل: فكيف جَرَحْتَ مَنْ بعد الصحابة؟ وأبيتَ ذلك في الصحابة ،
والسهوُ والخطأ موجودٌ في أصحاب رسول الله(ص) كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين ؟
يقال له: إن الله عز وجل نزَّه أقدار أصحاب رسوله عن ثلب قادح ، وصان أقدارهم
عن وقيعة متنقص ، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم ... فالثلب لهم غير حلال ، والقدح
فيهم ضد الإيمان ، والتنقيص لأحدهم نفس النفاق ، لأنهم خير الناس قرناً بعد
رسول الله ، بحكم من وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ
يُوحَى (ص). وإن من تولى رسول الله إيداعهم ماولاه الله بيانه الناس ، لبالحري
من أن لايجرح ، لأن رسول الله لم يودع أصحابه الرسالة وأمرهم أن يبلغ الشاهد
الغائب إلا وهم عنده صادقون جائزوا الشهادة ، ولو لم يكونوا كذلك لم يأمرهم
بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه ، لأنه لو كان كذلك لكان فيه قدحاً في الرسالة .
وكفى بمن عدله رسول الله شرفاً ! وإن من بعد الصحابة ليسوا كذلك ، لأن الصحابي
إذا أدى الى من بعده يحتمل أن يكون المبلغ إليه منافقاً أو مبتدعاً ضالاً ينقص
من الخبر أو يزيد فيه ، ليضل به العالم من الناس ، فمن أجله ما فرقنا بينهم
وبين الصحابه ، إذ صان الله عز وجل أقدار الصحابة عن البدع والضلال ! ) .
وقال في:1/34: (ذكر بعض السبب الذي من أجله منع عمر بن الخطاب الصحابة من إكثار
الحديث: حدثنا عمر بن محمد الهمداني قال: ... عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد
العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب الى صرار فتوضأ ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم ؟
قالوا: نعم نحن أصحاب رسول الله(ص) مشيت معنا . قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم
دويٌّ بالقرآن كدويِّ النحل ، فلا تصدوهم بالأحاديث ، جردوا القرآن ، وأقلوا
الرواية عن رسول الله(ص) ، إمضوا وأنا شريككم! فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا قال:
نهانا عمر بن الخطاب !
قال أبو حاتم: لم يكن عمر بن الخطاب- وقد فعل- يتهم الصحابة بالتقول على
النبي(ص) ولا ردَّهم عن تبليغ ما سمعوا من رسول الله ، وقد علم أنه قال: ليبلغ
الشاهد منكم الغائب ، وأنه لايحل لهم كتمان ما سمعوا من رسول الله ، ولكنه علم
ما يكون بعده من التقول على رسول الله ، لأنه قال: إن الله تبارك وتعالى نزل
الحق على لسان عمر وقلبه! وقال: إن يكن في هذه الأمة محدثون فعمر منهم ! فعمر
من الثقات المتقين ، الذين شهدوا الوحي والتنزيل ، فأنكر عليهم كثرة الرواية عن
النبي(ص) !! انتهى .
الأسئلة
1 ـ ما رأيكم في افتخار ابن حبان بأن طائفته أهل السنة قد اهتموا بتدوين السنة
ولولاهم لضاعت ! ويقول إنه لايصح الإشكال على عمر بأنه نهى عن كتابتها وعن
التحديث وحبس الصحابة بسبب ذلك ، وأحرق المكتوب من السنة ، وأمر ولاته في أرجاء
الدولة الإسلامية أن يمحوا ما كتبه المسلمون منها...! الخ. لأن عمر ومن تبعه من
الصحابة معصومون ، بدليل أن النبي(ص) سلمهم أمانة الرسالة وأوصى بهم وهو لاينطق
عن الهوى، فأمرُه أمرُ الله تعالى ونهيُه نهيُ الله تعالى ، ومجرد تزكيته(ص)
لصحابته وتسليمهم أمانة الرسالة للأجيال ، تجعلهم عدولاً معصومين وتجعل عملهم
حجة ، فيجب أن نتبعهم ونقدسهم ، سواء دونوا السنة أم حرموا الأمة من تدوينها ،
أم أحرقوا المدون منها ! وسواء رووها أم منعوا من روايتها وعاقبوا من رواها!
وكأن ابن حبان أصيب بغرام الصحابة فقرأ وصية النبي(ص) للأمة: إني تارك فيكم
الثقلين كتاب الله وعترتي... قرأها: وصحابتي !! وإلا فما دليله على أن النبي
(ص) ترك الإسلام أمانة بأيدي أبي بكر وعمر؟! وكيف لم يدعيا هما ذلك مع شدة
حاجتهما اليه في السقيفة ، وعندما نهيا الأمة عن التحديث والتدوين ؟!
وما قيمة ما رواه عن النبي(ص) أحاديث مكذوبة في عصمة عمر ، لم يروها عمر نفسه ،
ولا احتج به في تصحيح أعماله عندما كان الصحابة يخطئونه ؟!
وكيف جعل ابن حبَّان نفسه أفهم من الصحابي قرظة بن كعب ، فزعم أن عمر نهاهم عن
نوع من الأحاديث دون غيرها ، أو نهاهم عن كثرة التحديث ، والحديث الصحيح عندهم
يقول :( فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا قال: نهانا عمر بن الخطاب ... قال قرظة:
وإن كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله (ص) وإني لمن أحفظهم له ،
فإذا ذكرت وصية عمر سكتت ! قال: فما حدثت بشئ، وقد سمعت كما سمع أصحابي ) !!
لكن ابن حبان من أولئك الذين يجعلون الأسود أبيض كالثلج ، من أجل عمر !
2 ـ لو سألنا ابن حبان: إن الصحابة الذين زعمتم أن النبي(ص) ألزم الأمة بأخذ
الدين منهم وطاعتهم ، قد اختلفوا على آراء متناقضة لايمكن الجمع بينها ، فقد
حبس بعضهم بعضاً ، وسبَّ بعضهم بعضاً ، وتبرأ بعضهم من بعض ، وكفَّر بعضهم
بعضاً ، وقتل بعضهم بعضاً ..! فهل يعقل أن يعطي الله الحكيم تعالى ورسوله
الرحيم(ص) أمانة الرسالة بيد أناس من هذا النوع ؟!
هل تجيبون على ذلك بأنهم جميعاً معصومون عن الخطأ مهما عملوا فيلزم منه أن الله
أنزل ديناً على نبي ، وسلمه الى صحابته المتناقضين المتناحرين؟ !
أو تقولون إذا اختلفوا فالحق مع عمر ومن تبعه ، لأن الله أجرى الحق على لسان
عمر ! وإن اقتتلوا وتبرأ بعضهم من بعض ولعن بعضهم بعضاً فيجب علينا أن نتولى
عمر ، ومن رضي عنه عمر ونترك الباقين؟ فيكون مقصودكم من عدالة الصحابة: عمر
فقط، ويكون له حق النقض عليهم، ويكون معنى: إن الله ورسوله سلماً أمانة الرسالة
الى الصحابة، أنهما سلماها الى عمر وحده ؟!!
بل يكون لعمر عندكم حق نقض أوامر رسول الله(ص) ! لأنكم دافعتم عن نقضه أمر
النبي(ص) لصحابته بتبليغ أحاديثه ؟!
المسـألة: 117
دفاع الذهبي عن أبي بكر وعمر في تغييب السنة
من أكثر المتحمسين في الدفاع عن تغييب أبي بكر وعمر للسنة ، الحافظ الذهبي
المتوفي سنة 748 ، قال في تذكرة الحفاظ:1/2: (أبو بكر الصديق رضي الله تعالى
عنه أفضل الأمة ، وخليفة رسول الله(ص) ... أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم
فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد
اختلافاً ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً ! فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم
كتاب الله ، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه .
فهذا المرسل يدلك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري ، لا سدُّ باب
الرواية ، ألا تراه لمَّا نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب ، كيف سأل عنه
في السنة ، فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر ، ولم يقل حسبنا
كتاب الله كما تقوله الخوارج.... نعم ، فرأس الصادقين في الأمة الصديق وإليه
المنتهى في التحري في القول وفي القبول .
وقد نقل الحاكم فقال.... قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله (ص) وكانت
خمسمائة حديث ، فبات ليلته يتقلب كثيراً قالت فغمني فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشئ
بلغك؟ فلما أصبح قال: أيْ بنيَّه ، هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها ، فدعا
بنار فحرقها ، فقلت لم أحرقتها؟ قال خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث
عن رجل قد ائتمنته ووثقت ولم تكن كما حدثني ، فأكون قد نقلت ذاك . فهذا لايصح
والله أعلم ) . انتهى .
ولم يذكر الذهبي علة رده لحديث الحاكم وقوله لايصح ! ومن عادته أن يرد ما صح
عنده بلا سبب ، بل دفعاً بالصدر كما يقولون ، من أجل الدفاع عن أبي بكر وعمر ،
فقط لا غير ! وهل يريد الذهبي أكثر صراحة من حديثه المرسل الذي ارتضاه هو عن
أبي بكر في منع السنة وفيه: (فلاتحدثوا عن رسول الله شيئاً ! فمن سألكم فقولوا
بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه ) !
كما أن الذهبي نسيَ أن شعار(كتاب الله حسبنا) قبل أن يكون شعار الخوارج كان
شعاراً لعمر وأبي بكر ، وأنه رفعه في وجه النبي(ص) ، وأن أبا بكر وغيره أيدوه
وصاحوا: القول ما قاله عمر ! وأن ذلك مروي ببضع روايات في البخاري ، وبأكثر
منها صراحةً في غيره ! (قال عمر: إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ،
فاختلفوا وكثر اللغط ! قال: قوموا عني ولاينبغي عندي التنازع ! فخرج ابن عباس
يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه)! (البخاري:1/37 )
ثم قال الذهبي:
( أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أبو حفص العدوي، الفاروق وزير رسول الله (ص) ،
ومن أيد الله به الإسلام وفتح به الأمصار ، وهو الصادق المحدَّث الملهم، الذي
جاء عن المصطفى(ص)أنه قال: ( لو كان بعدي نبي لكان عمر) الذي فر منه الشيطان
وأُعْلِيَ به الإيمان وأُعْلِنَ الأذان . قال نافع بن أبي نعيم ، عن نافع ابن
عمر قال: قال النبي(ص) : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه .
فيا أخي إن أحببت أن تعرف هذا الإمام حق المعرفة ، فعليك بكتابي (نعم السَّمَر
في سيرة عمر) فإنه فارق فيصل بين المسلم والرافضي ! فوالله ما يغض من عمر إلا
جاهل دائص ، أو رافضي فاجر ، وأين مثل أبي حفص؟ فما دار الفلك على مثل شكل عمر
، وهو الذي سنَّ للمحدثين التثبت في النقل وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا
ارتاب ، فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد: أن أبا موسى سلم على عمر من
وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له ، فرجع فأرسل عمر في أثره فقال لم رجعت؟ قال
سمعت رسول الله (ص)يقول: إذا سلم أحدكم ثلاثاً فلم يجب فليرجع. قال لتأتيني على
ذلك بينة أو لأفعلن بك! فجاءنا أبو موسى منتقعاً لونه ونحن جلوس فقلنا ما شأنك؟
فأخبرنا وقال: فهل سمعه أحد منكم؟ فقلنا نعم، كلنا سمعه فأرسلوا معه رجلاً منهم
حتى أتى عمر فأخبره .
أحبَّ عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر ، ففي هذا دليل عن أن
الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد ، وفي ذلك حض على تكثير
طرق الحديث لكي يرتقى عن درجة الظن الى درجة العلم ، إذ الواحد يجوز عليه
النسيان والوهم ، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد . وقد كان عمر
من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله(ص) يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم ،
ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن .
وقد روي عن شعبة وغيره ، عن بيان الشعبي ، عن قرظة بن كعب قال: لما سيَّرنا عمر
الى العراق مشى معنا عمر وقال: أتدرون لم شيعتكم ؟ قالوا نعم تكرمة لنا . قال:
ومع ذلك إنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدوي النحل ، فلا تصدوهم
بالأحاديث فتشغلوهم . جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله ، وأنا شريككم!
فلما قدم قرظة بن كعب قالوا حدثنا فقال: نهانا عمر رضي الله عنه!
... عن أبي هريرة قلت له: أكنت تحدث في زمان عمر هكذا؟ فقال: لو كنت أحدث في
زمان عمر مثل ما أحدثكم ، لضربني بمخفقته !
... عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه أن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود وأبا الدرداء
وأبا مسعود الأنصاري ، فقال قد أكثرتم الحديث عن رسول الله(ص).
ابن علية عن رجاء بن سلمة قال: بلغني أن معاوية كان يقول: عليكم من الحديث بما
كان في عهد عمر ! فإنه كان قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله (ص) . انتهى .
شحن الذهبي كلامه كما ترى بتأجيج عاطفة حب عمر التي تربى عليها السنيون ،
وبُغضهم للرافضة الذي تربوا عليه ، لأن الرافضة لايقبلون أعذار عمر لتعطيل
السنة ، ولايقبلون ما سطره محبوه من أسرار الحكمة الإلهية في فعله ، وأنه مسددٌ
معصومٌ في كل أقواله وأفعاله حتى في تعطيل سنة رسول الله(ص) !
وهذا يدل على أن الذهبي وهو باحث متتبع إمام عندهم ، ليس لديه ما يدافع به عن
أبي بكر ولا عمر إلا العاطفة ! لكن هل سيتخذ نفس الموقف إذا وجد في تاريخ
الأنبياء(ع) أن أحد الحكام بعد إبراهيم أوبعد موسى أو سليمان(ع) منع أمته من
تدوين أحاديثه وروايتها،وهل سيدافع عنه بالعاطفة؟!
بل ما هو موقفه لو أن عثمان أو علياً(ع) أو حاكماً مسلماً بعد عمر ، منع
المسلمين من رواية أحاديث عمر وسيرته وفتاواه ، وعاقب على ذلك بحجة المحافظة
على صحتها وسلامتها وإيصالها الى الأجيال ؟!
وهل سمعتم في التاريخ أن أصحاب نبي منعوا رواية سنته وتدوينها ، لشدة حرصهم
عليها ! حتى ضاع كثير منها ، واختلط صحيحها بمكذوبها ؟!
أو سمعتم أن ولداً من شدة محافظته على جواهر أبيه وحرصه على إيصالها سالمة الى
أحفاده ، أخفى مكانها ولم يخبر به أحداً ، حتى مات وضاع منها ما ضاع ، وحصل
منها ما حصل غير سالم ؟!
لاأدري بأي ذهن يفكر المدافعون عن سياسة تغييب السنة ومنع روايتها وتدوينها؟وهل
يخفى عليهم ذلك ، أم يتصورون أنه كان خافياً على الخلفاء؟!
كلا . . ولكنه التعصب للأشخاص يُعمي عن السواطع ، ويصمُّ عن القوارع !
وعلى هذا التعصب قام تاريخ ، وبنيت ثقافة وتربت أجيال.. إلا من عصم الله .
أما نحن فنحب رسول الله(ص) حباً مطلقاً غير مشروط ، وأما غيره فنحبُّهم حباً
مشروطاً بأن لايصطدم مع بدائه العقل ، فإذا اصطدم نكون مع عقولنا ! ومشروطاً
بأن لايصطدم مع أمر النبي(ص) ونهيه ، فإذا اصطدم فنحن مع النبي (ص) لاغير !
أيها المسلم ، يكفيك أثقالٌ حملتها بالوراثة فكلفت نفسك تبرير أعمال الصحابة
المتناقضة ، دون أن يكلفك بذلك الله تعالى ولارسوله(ص) !
وحسبتها جزءً من الدين ، وما أنزل الله بها من الدين !
وحاشا الله تعالى أن يكلف المسلمين باتباع جماعة متضاربين !
الأسئلة
1 ـ يؤكد الذهبي على جانب واحد هو أن أبا بكر وعمر عمل ما عملاه من إحراق
أحاديث النبي(ص) ومحوها ، ومنع الناس من كتابتها ، ومنع الصحابة من تحديث الناس
عن نبيهم(ص) .. من أجل الحفاظ على سنة النبي(ص) وإيصالها الى الأجيال سالمة
كاملة ! فكيف تفسرون ذلك ؟!
2 ـ كيف يفسر الذهبي ما رواه الشافعي في مسنده ص390 وص420 ، وفي كتاب الأم:7/16
و303: (عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه قال: قال رسول الله(ص): لا ألفين
أحدكم متكئاً على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول:
ما ندري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه !؟
ورواه في كنز العمال:1/173بلفظ:( ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على
أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما
وجدنا فيه حراماً حرمناه ! وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله) .
وفي ص194بلفظ: (عسى أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته ! يبلغه الحديث عني
فيقول: ما قال ذا رسول الله ! دع هذا وهات ما في القرآن ! ). انتهى .
وإذا لم تنطبق هذه الأحاديث على أبي بكر وعمر ، فعلى من تنطبق ؟!
3 ـ بماذا تفسرون قول الذهبي: (فما دار الفلك على مثل شكل عمر)؟! هل يقصد أنه
متفرد بجماله المادي والمعنوي على كل العالم ، فلا يوجد له نظير تحت أفلاك
السماء ، حتى من الصحابة والأنبياء(ع) ؟!
4 ـ قال الذهبي: (وهو الذي سنَّ للمحدثين التثبت في النقل ، وربما كان يتوقف في
خبر الواحد إذا ارتاب ، فروى الجريري عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد: أن أبا موسى
سلَّمَ على عمر من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له ، فرجع فأرسل عمر في أثره
فقال: لم رجعت؟ قال سمعت رسول الله يقول: إذا سلم أحدكم ثلاثاً فلم يجب فليرجع.
قال لتأتيني على ذلك ببينة ، أو لأفعلن بك ) ! انتهى.
أقول: لابد أن نحمل عمل عمر على أنه تأديبٌ لصديقه أبي موسى الأشعري ، في مرة
من مرات عدم رضاه عليه ! ولايمكن أن نحمله على أنه كان يتثبت من أحاديث الآحاد
، وهو الذي نهى عن أصل التحديث عن النبي(ص) حتى مع التثبت، وعاقب عليه بالجلد
والسجن؟! وهو الذي قَبِل من أبي بكر حديثاً لم يروه أحد غيره، وخصص به عموم
القرآن، عندما رفض أبوبكر أن يعطي الزهراء÷ إرثها من النبي(ص) وادعى أن
النبي(ص) مستثنى من آيات الإرث، وأنه سمعه يقول: نحن معاشر الأنبياء لانورث !
فلم يقل له عمر: (لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك) !
قال الغزالي في المستصفى ص249: (وكلام من ينكر خبر الواحد ولايجعله حجة في غاية
الضعف ، ولذلك تُرك توريث فاطمة رضي الله عنها بقول أبي بكر: نحن معاشر
الأنبياء لا نورث.. الحديث ) !
وقال في المنخول ص252: (قالت المعتزلة: لايخصص عموم القرآن بأخبار الآحاد ، فإن
الخبر لايقطع بأصله بخلاف القرآن .
وقالت الفقهاء يخصص به لأنه يتسلط على فحواه ، وفحواه غير مقطوع به.
قال القاضي: أنا أتوقف فيه ، إذ ظاهر القرآن مقطوع الأصل غير مقطوع الفحوى ،
ونص أخبار الآحاد مقطوع الفحوى غير مقطوع الأصل . والمختار أنه يخصص ، لعلمنا
أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون حديثاً نصاً ينقله إليهم الصدِّيق في
تخصيص عموم القرآن، كيف وكانوا يقبلون نقل التفسير من الآحاد وهو أعظم من
التخصيص ، ولما أن هموا بقسمة تركة رسول الله(ص)نقل أبوبكر عنه أنه قال: نحن
معاشر الأنبياء لانورث ، فتركوه، وإن كانت آية الوراثة تشمله بعمومها ) !!
وقال الرازي في المحصول:3/86: (أجمعت الصحابة على تخصيص عموم القرآن بخبر
الواحد ، وبينوه بخمس صور ، إحداها: أنهم خصصوا قوله تعالى: يوصيكم الله في
أولادكم...بما رواه الصديق أنه عليه الصلاة والسلام قال: نحن معاشر الأنبياء لا
نورث ) . انتهى . فما رأيكم ؟!
5 ـ قال الذهبي: (ابن علية ، عن رجاء بن سلمة قال: بلغني أن معاوية كان يقول:
عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر ! فإنه كان قد أخاف الناس في الحديث عن
رسول الله ) ! انتهى. فمعاوية يمدح عمر بمنعه التحديث عن النبي (ص) ويقول إنه
اختار أحاديث معينة سمح بها ، فعليكم بها دون غيرها مما حدَّث به الصحابة الذين
كسروا سياسة المنع بعد عمر !
فهل تقبلون قول معاوية وتجعلون من شروط التصحيح أن يكون الحديث مروياً في زمن
عمر ، ومسكوتاً عليه منه ؟
وإن فعلتم ذلك فهل يبقى شئ من أحاديثكم في فضائل عمر وأبي بكر وعثمان ومعاوية ،
أم ترفضونها لأنها ظهرت بعد وفاتهم ؟!
المسألة: 118
إعطاؤهم عمر حق النقض على أحاديث النبي(ص) !!
أراد الشيخ رشيد رضا صاحب تفسير المنار أن يحقق قفزة في الدفاع عن تغييب أبي
بكر وعمر للسنة النبوية ، فأغمض عينيه أولاً عن بدائه العقل في الكتابة
والتدوين ، وعن تاريخ الدين الإلهي والأنبياء(ع) والشعوب .
وأهمل ثانياً كل الأحاديث الآمرة بكتابة السنة ، كحديث عبدالله العاص ، وسنذكر
طرفاً منها . ثم بحث ، وبحث.. فوجد بعض روايات عن النبي(تنهى) عن كتابة
حديثه(ص) ، فحمد الله عليها لأنها ترفع المسؤولية عن عاتق أبي بكر وعمر ،
وتضعها على عاتق النبي(ص) ، وتقول هو الذي نهى عن كتابة حديثه !
فأفتى رضا بترجيح روايات منع التدوين على روايات الأمر بالتدوين ، وجعل دليله
فعل أبي بكر وعمر ! أي استدل بالمدعى عليه على إثبات الدعوى !!
ثم بحث ، وبحث.. فجاء بفرية تخرُّ منها الجبال ! فزعم أن عمل أبي بكر وعمر يكشف
أن لهما حق النقض على سنة رسول الله(ص) !!
قال في تفسيره (:10/ 766 و:19/511 ، كما نقله عنه أبو رية في أضواء على السنة
المحمدية): ( وقول عمر بن الخطاب عند الفكر في كتابة الأحاديث أو بعدم الكتابة
مع كتاب الله في الرواية الأولى، وقوله في الرواية الثانية بعد الإستشارة في
كتابتها: والله إني لا أشوب كتاب الله بشئ أبداً .
وقولُ ابن عباس: كنا نكتب العلم ولا نكتبه . أي لا لأحد أن يكتب عنا .
ونهيه في الرواية الأخرى عن الكتابة...
ومحوُ زيد بن ثابت للصحيفة ثم إحراقها ، وتذكيره بالله من يعلم أنه توجد صحيفة
أخرى في موضع آخر ولوبعيداً، أن يخبره بها ليسعى إليها ويحرقها...
وقولُ سعيد بن جبير عن ابن عمر: إنه لو كان يعلم بأنه يكتب عنه لكان ذلك فاصلاً
بينهما . ومحوُ عبد الله بن مسعود للصحيفة التي جاءه بها عبد الرحمن بن الأسود
وعلقمة ، وقوله عند ذلك: إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها
بغيره .
كل هذا الذي أورده ابن عبد البر ، وأمثاله مما رواه غيره ، كإحراق أبي بكر لما
كتبه ، وعدم وصول شئ من صحف الصحابة الى التابعين ، وكون التابعين لم يدونوا
الحديث لنشره إلا بأمر الأمراء ، يؤيد ما ورد من أنهم كانوا يكتبون الشئ لأجل
حفظه ، ثم يمحونه... وإذا أضفت الى هذا ماورد في عدم رغبة كبار الصحابة في
التحديث بل في رغبتهم عنه ، بل في نهيهم عنه ، قويَ عندك ترجيح كونهم لم يريدوا
أن يجعلوا الأحاديث(كلها)ديناً عاماً دائماً كالقرآن !
ولو كانوا فهموا من النبي أنه يريد ذلك لكتبوا ولأمروا بالكتابة ، ولجمع
الراشدون ما كتب ، وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه الى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به ،
ولم يكتفوا بالقرآن ). انتهى.
فتأمل جيداً قوله: (قويَ عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث
(كلها)ديناً عاماً دائماً كالقرآن) ! فالسركله في رفض بعض السنة وقبول بعضها!!
الأسئلة
1 ـ نلاحظ أن هذا المفسر المثقف الناصبي ، وغيره من الذين احتجوا بأحاديث نهي
النبي(ص) عن كتابة حديثه ، لم يسألوا أنفسهم أنه لو صح أنه كانت توجد أثارة من
علم عن النبي(ص) تنهى عن رواية حديثه أو كتابته ، لتمسك بها أبو بكر وعمر مع
شدة حاجتهم اليها !
مع أنا لانجد شيئاً من ذلك رغم تتبع علمائهم لأعذارهم وحرصهم على تبرير فعلتهم
! فقد طلب أبو بكر من الناس أن يأتوه بما دونوه من سنة النبي(ص) وجاؤوه به
صادقين وهم لايتصورون أنه سيحرقه ! وتأرق ليله كما تقول عائشة ، ثم قرر إحراقه
بحجة وجوب التحقق من رواة الحديث النبوي!
فلو كان هناك أثارة من علم ، أو شبهة تنهى عن التدوين ، لاستند إليها وأراح
نفسه ! ولو قلنا إنه لم يطلع عليها لأطلعه عليها الصحابة !
ولو وجد شئ من ذلك لقاله الصحابة لعمر عندما أشاروا عليه بتدوين السنة ، ولم
يذكر أحد منهم ولا نصف رواية ، تزعم أن النبي(ص) نهى عنه !
ألا يكفي ذلك للحكم بأن أحاديث النهي عن الكتابة قد وُضعت بعد قرار تغييب السنة
ومنع كتابتها ، من أجل تبرير عمل أبي بكر وعمر؟!
أوَليس ذلك موجباً لأن يتوقف الباحث المنصف في أحاديث النهي، ولايعارض بها
أحاديث الأمر بالتدوين ، كما ارتكب رشيد رضا ؟!
2 ـ ماتوصل اليه رشيد رضا من تتبعه لآراء(كبارالصحابة)في تدوين السنة وأنهم(لم
يريدوا أن يجعلوا الأحاديث كلها ديناً عاماً دائماً كالقرآن) هو وصفٌ دقيق
لحالة الشيخين وتحيرهما وتصرفاتهما المتضاربة تجاه سنة النبي(ص) !
فقد أرادا أن يكون (بعض)سنة النبي(ص) ديناً كالقرآن وليس(كلها)! ولكنهما لم
يجرؤا على إعلان ذلك خوفاً من أن يقرأ عليهما بعض الصحابة: ( أَفَتُؤْمِنُونَ
بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)؟! ألم يقل لكم الله تعالى: (وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا
اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) . (الحشر:7) ؟!!
نعم ، إنه لا تفسير لمواجهتما للنبي(ص) لمنعه من كتابة وصيته ، ثم منعهما من
تدوين سنته ، ثم مصادرتهما حرية الصحابة في تحديث الأمة عن نبيها (ص) ، ثم
تحديثهما هما عن النبي(ص) .. الخ . إلا أنهما أرادا اختيار هذا (البعض) الذي
يصلح أن يكون جزءاً من الدين ، واستبعاد ذلك (البعض) الذي لايصلح !! وقد صرح
بنحو ذلك عمر فقال للصحابة الذين حبسهم بجرم التحديث: (أقيموا عندي ، لاوالله
لاتفارقوني ما عشت ! فنحن أعلم نأخذ ونرد عليكم) . (كنز العمال:19/285) !
نعم إن الذي أفصح عنه رشيد رضا هو لبُّ المسألة ، وهو تحديد دائرة الدين وجعل
هذا الشئ جزءً منه أو خارجاً عنه !
لكن الذي يملك هذا الحق في اعتقادنا نحن أتباع أهل البيت الطاهرين(ع) هو فقط
رسول الله محمد بن عبدالله(ص) ! لا عمر ، ولا علي ، ولا كل الصحابة ، ولا كل
أهل الأرض أجمعين أكتعين !
ويظهر أن أتباع أبي بكر وعمر يعتقدون أن الله تعالى ورسوله(ص) أعطيا هذا الحق
للشيخين فصارا أمينين على الرسالة بعد النبي(ص) ! وهذا يعني تأسيس دين جديد
يكون فيه لأبي بكر وعمر حق النقض على أحاديث خاتم الأنبياء(ص) ؟!! فهل تعطون
لهما حقاً لم يعطه الله تعالى لرسوله(ص) فقال: وَلَوْ تَقَوَلَ عَلَيْنَا
بَعْضَ الأَقَاوِيل. لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ
الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أحد عَنْهُ حَاجِزِينَ. (الحاقّة: 43 ـ 46)
؟!!
3 ـ مادام الله تعالى أعطى بزعمكم لعمر بن الخطاب حق الحذف والإثبات في سنة
النبي(ص) ! فلا بد أن تضيفوا أصلاًً جديداً لأصول الإسلام وهو: عدم حجية سنة
النبي(ص) إلا ما أمضاه عمر وجعله جزءاً من الدين !
لكن كيف تعرفون ذلك بيقين ، والأحاديث عن عمر متفاوتة بل متناقضة؟! فلا بد لكم
من الإحتياط بترك السنة حتى تعلموا ما أمضاه منها عمر !!
وبعبارة أخرى: لو فرضنا أن سنة النبي(ص) عشرون ألف حديثاً ، ثابتاً قطعيَّ
الصدور عنه(ص) ، فبعضها جزءٌ من الدين وبعضها ليس منه ، وما لم تعلموا ذلك
يقيناً يجب التوقف عن نسبة أي حديث منها ، حتى يثبت إمضاء عمر له !
فيكون المطلوب في البحث العلمي صحة السند الى عمر ، لا الى النبي(ص) ! ويكون
الميزان الشرعي ما قَبِلَهُ عمر من قول النبي ، وليس ما قاله النبي(ص) !! ويكون
الأصل عدم حجية قول النبي(ص) حتى نعرف رأي عمر فيه !!
وعلى هذا الأصل لايسلم لكم من السنة حتى ربع صحيح البخاري!
وعليه ، فالأصح أن تسموا السنة سنة عمر وليس سنة النبي(ص) ؟! لأنكم جعلتم حق
طاعة عمر على الأمة أعظم من حق النبي(ص) ، لأن طاعة النبي(ص) في مثل قوله
تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ، مشروطة بأن
لايزيد في أوامر ربه حرفاً ولا ينقص منها حرفاً ، بينما وجوب طاعة عمر غير
مشروط ، فله أن ينقص ما شاء من أحاديث النبي(ص) ويمنع من العمل بها !! فأفصحوا
واعلنوها بأن عمر نبي فوق النبي(ص) !!
المسألة: 119
أحاديث غيبوها عن البحث من أجل تبرير تغييب السنة !
أمر النبي(ص) بكتابة أحاديثه الشريفة
روى البخاري في صحيحه:1/36: (فجاء رجل من أهل اليمن فقال: أكتب لي يا رسول الله
، فقال: أكتبوا لأبي فلان ) .
وفي:3/95: (فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال أكتبوا لي يا رسول الله ، فقال
رسول الله(ص):أكتبوا لأبي شاه . قلت للأوزاعي: ما قوله أكتبوا لي يا رسول الله
؟ قال هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله(ص) . انتهى .
(ورواه في:8/38 وأحمد في مسنده:2/238 ، ومسلم:4/110 و111، وأبو داود:1/448
و:4/34 ، وص177و368 ). وجاء في هامش ص76: الذين كتبوا عبد الله بن عمرو ، وكان
عنده صحيفة يسميها الصادقة . والترمذي:4/146، وقال: هذا حديث حسن صحيح . وقد
روى شيبان عن يحيى بن أبي كثير مثل هذا . والبيهقي في السنن:8/52 ، والسيوطي في
الدر المنثور:1/122 .
وعقد الهيثمي في مجمع الزوائد:1/150، باباً بعنوان (باب كتابة العلم) لم يرو
فيه ما تقدم من البخاري ، وروى فيه أحاديث وآثاراً في تحريم كتابة السنة ، وفي
الحث على كتابتها ، وضعَّفها ما عدا بعض الآثار .
وأولها: حديثٌ ظاهر الوضع لمصلحة عمر: عن ابن عباس وابن عمر قالا: خرج رسول
الله(ص)معصوباً رأسه فرقى المنبر فقال: ما هذه الكتب التي يبلغني أنكم تكتبونها
، أكتاب مع كتاب الله؟! يوشك أن يغضب الله لكتابه فيسري عليه ليلاً فلا يترك في
ورقة ولا في قلب منه حرفاً إلا ذهب به ! فقال بعض من حضر المجلس: فكيف يا رسول
الله بالمؤمنين والمؤمنات؟ قال من أراد الله به خيراً أبقى في قلبه لا إله إلا
اله . رواه الطبراني في الأوسط وفيه عيسى بن ميمون الواسطي وهو متروك ، وقد
وثقه حماد بن سلمة ).
أقول: لو كان لهذا الحديث وجود لرفعه عمر علماً عندما تحير شهراً !!
ثم روى الهيثمي حديثاً آخر مثله مكذوباً على أبي سعيد الخدري لمصلحة أبي بكر
وعمر ، قال: كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي(ص)فخرج علينا فقال: ما هذا
تكتبون؟ فقلنا: ما نسمع منك ، فقال: أكتاب مع كتاب الله ! إمحضوا كتاب الله
وأخلصوه ! قال فجمعنا ما كتبناه في صعيد واحد ، ثم أحرقناه بالنار ! فقلنا: أيْ
رسولَ الله ، نتحدث عنك؟ قال: نعم ، تحدثوا عني ولا حرج ، ومن كذب عليَّ
متعمداً فليتبوأ مقعده من النار . قال قلنا: أيْ رسولَ الله ، أنتحدث عن بني
إسرائيل؟ قال: نعم ، تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، فإنكم لا تحدثون عنهم بشئ
، إلا وقد كان فيهم أعجب منه.
وقال الهيثمي: قلت: له حديث في الصحيح بغير هذا السياق ، رواه أحمد وفيه عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف ، وبقية رجاله رجال الصحيح .
ثم روى حديثاً آخر مكذوباً أيضاً: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: لاتكتبوا
عني إلا القرآن فمن كتب عني غير القرآن فليمحه ! وحدثوا عن بني إسرائيل ولاحرج
، فذكر الحديث. رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف.
ثم روى أثراً عن أبي بردة بن أبي موسى وصححه ، قال: كتبت عن أبي كتاباً فقال
لولا أن فيه كتاب الله لأحرقته ، ثم دعا بركن أو بإجانة فغسلها ثم قال عِ عني
ما سمعت مني ولا تكتب عني ، فإني لم أكتب عن رسول الله كتاباً ، كدت أن تهلك
أباك ! رواه الطبراني في الكبير والبزار بنحوه ، إلا أن البزار قال إحفظ كما
حفظنا عن رسول الله . ورجاله رجال الصحيح . انتهى.
ويكفي لرد هذا الأحاديث والحكم بأنها مكذوبة على رسول الله(ص) ، أنه لو صح شئ
منها لأخذه عمر قميص عثمان يوم فكر شهراً والصحابة يُلحُّون عليه في كتابة
السنة ، ولَخَطَبَ به فوق المنبر مرات !
وأما أثر أبي موسى فلا قيمة له ، لأنه نهيٌ من أبي موسى وليس نهياً نبوياً !
ومما رواه الهيثمي: (عن أبي هريرة قال: ماكان أحد أعلم بحديث رسول الله (ص)مني
إلا ماكان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده ويعيه بقلبه ، وكنت أعيه
بقلبي ولا أكتب بيدي. واستأذن رسول الله في الكتابة عنه فأذن له.
وعن رافع بن خديج قال خرج علينا رسول الله(ص)فقال: تحدثوا ، وليتبوأ من كذب على
مقعده من جهنم . قالوا يا رسول الله أنا نسمع منك أشياء فنكتبها قال: أكتبوا
ولا حرج . وعن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله(ص): قيِّد العلم . قلت: وما
تقييده ؟ قال: الكتابة .
وعن ثمامة قال: قال لنا أنس: قيدوا العلم بالكتابة . رواه الطبراني في الكبير
ورجاله رجال الصحيح .
وعن أنس قال شكى رجل الى النبي(ص)سوء الحفظ فقال: إستعن بيمينك . وعن أبي هريرة
أن رجلاً شكى الى رسول الله(ص)سوء الحفظ فقال: إستعن بيمينك على حفظك ) .
انتهى.
وهذه الأحاديث حتى لو ضعَّفوها ، تؤيد ما صح عندهم من أمر النبي(ص) بكتابة
حديثه كما في البخاري ، وتنسجم مع أسلوب الدين الإلهي في الكتاب والكتابة ، ومع
سيرة الأنبياء(ع) ، وسيرة العقلاء والشعوب في كل العصور .
الأسئلة
1 ـ مادام صح عندكم في البخاري أن النبي(ص) أمر أن يكتبوا خطبته الشريفة الى
رجل يماني طلبها ، مع أن النبي(ص) كان على قيد الحياة ، وبإمكان المسلم أن يرجع
اليه ويسأله عما يريد ! فكيف ترفعون اليد عنها ، وتقبلون ما يعارضها مع أنه
ضعيف معلول، توجد قرائن على وضعه لمصلحة تغييب السنة ؟!
2 ـ ما دام ثبت عندكم أن بعض أحاديث النهي عن الكتابة موضوعة لتبرير عمل أبي
بكر وعمر ، ألا يوجب ذلك أن تفتحوا باب الشك في الأحاديث المؤيدة لأعمالهما
الأخرى ، التي اعترض عليها الصحابة أو أهل البيت(ع) ؟!
3 ـ لماذا تُعرضون عن أحاديث أهل البيت(ع) التي تؤكد أمر النبي(ص) بكتابة السنة
، وتعرضون عن سيرتهم العملية في مقاومة تغييب السنة ، وأنتم تروون أن النبي(ص)
أوصى الأمة قائلاً: (إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي:
كتاب الله وعترتي أهل بيتي )؟!
المسـألة:120
أحاديث وجوب طلب العلم
عندما يصل المدافعون عن سياسة تغييب السنة الى أحاديث وجوب طلب العلم وبذله ،
وأحاديث وجوب أن يبلغ الشاهد الغائب ، وأحاديث ثواب التحديث وحفظ
الأحاديث..الخ. يحاولون العبور عنها وتجاهلها ، أو الإلتفاف عليها كما التفُّوا
على أحاديث الأمر بكتابة السنة ، ويقولون إنها تقصد التبليغ الشفهي دون المكتوب
، وتقصد الحفظ في الصدر بدون الكتابة !
لكن هل يستطيع عاقل أن يقنع نفسه بأن النبي(ص) أكد على أمته فقال: إحفظوا
أحاديثي وحدثوا بها ، لكن يحرم عليكم أن تكتبوها ! وبلغوها الى الأجيال لكن
تبليغاً شفهياً فقط ، لا كتبياً ؟!
ونحن نورد فينا يلي نماذج لأربعة أنواع من الأحاديث في مصادرهم ، كلها تأمر
بالتحديث وتدوين الحديث ، أو تستلزم ذلك بالضرورة ، وهي:
أحاديث وجوب طلب العلم وتعليمه .
وأحاديث وجوب التبليغ والتحديث
وأحاديث النهي عن كتمان العلم
وأحاديث من حفظ على أمتي أربعين حديثاً .
أما أحاديث وجوب طلب العلم ، وفيها أحاديث صحيحة متفق عليها ، وهي بمجموعها
متواترة في مصادر الشيعة والسنة . فإذا كان طلب العلم فريضة ، وعلم الدين إنما
هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله(ص) ، فهو يستلزم بالضرورة أنه يجب على الصحابة
بذل العلم وأن يحدثوا بما سمعوه من النبي(ص) كما يستلزم جواز كتابة الحديث أو
وجوبها، لأنه لايمكن لأكثر المسلمين أن يحفظوا الحديث من إلقائه مرة أو مرتين ،
بل ولا خمس مرات !
فهل سقطت هذه الفريضة بمجرد وفاة النبي(ص) أم أراد عمر أن يحصر مصدر العلم به
شخصياً ، وبأحاديث أهل الكتاب التي أجازها وشجعها ؟!
روى البخاري في صحيحه:1/28: (باب فضل من علَّمَ وعَلِم...عن النبي(ص) قال:
مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان
منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت
الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا . وأصاب منها طائفة أخرى إنما
هي قيعانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما
بعثني الله به فعَلِمَ وعَلَّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله
الذي أرسلت به ) .
وفي ابن ماجة:1/81: (قال رسول الله(ص): طلب العلم فريضة على كل مسلم).
(قال فإني سمعت رسول الله(ص)يقول: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له
طريقاً الى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن طالب
العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء ، وإن فضل العالم
على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب . إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن
الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ
وافر) .
وقد عقد أبو داود:2/175باباً باسم (باب الحث على طلب العلم) أورد فيه روايات .
وكذلك الترمذي:4/137 باسم (باب فضل طلب العلم)، وأوسع منه في مستدرك الحاكم:
1/89 و: 3/511 ومسند أحمد:4/240، والدارمي:1/95 والبيهقي:1/282 والهيثمي:1/124
و 131 و191 و 201 وكنز العمال:10/130 الى 261 و:12/85 و:13/ 426 و:15/840
و:16/127 ... وغيرها .
كما عقد الترمذي:4/138 باباً بإسم (باب ما جاء في الإستيصاء بمن يطلب العلم).
جاء فيه عن أبي هارون قال: (كنا نأتي أبا سعيد فيقول مرحباً بوصية رسول الله إن
النبي(ص)قال: إن الناس لكم تبعٌ وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في
الدين ، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً .
عن أبي سعيد الخدري عن النبي(ص)قال: يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون فإذا
جاؤوكم فاستوصوا بهم خيراً . قال: فكان أبوسعيد إذا رآنا قال مرحباً بوصية رسول
الله(ص). انتهى .
والسؤال هنا: كيف نفَّذ أبو بكر وعمر هذه الوصية ! وأي صدمة كان يواجهها طالب
العلم عندما كان يأتي الى مدينة النبي(ص) ومركز أصحابه ، فلا يجد شخصاً يعلمه
أو يحدثه عن رسول الله(ص) ؟! لأن أبا بكر وعمر منعا التحديث عن النبي(ص) تحت
طائلة العقوبة والسوط والسجن !!
الأسئلة
1 ـ هل ألغى أبو بكر وعمر فريضة طلب العلم في مدة سلطتهما ؟ فإن كان الجواب
بالإيجاب فهو البدعة مقابل القرآن والسنة ! وإن كان بالنفي فكيف يجب طلب العلم
ويحرم التحديث عن النبي(ص) ؟!
2 ـ استطاع عمر أن يتخلص من مطلب الصحابة في تدوين السنة النبوية ، وأن يمنع
كتابتها في المدينة المنورة وبقية ولايات الدولة الإسلامية ، وأن يمنع مجرد
التحديث عن النبي(ص) منعاً باتاً ، حتى أنه حبس بعض الصحابة بهذا الجرم ! وضرب
بعض الصحابة الكبار مثل أبي بن كعب ! فهل وجدتم اعتراضاً من أحد من الصحابة على
تعطيل عمر لفريضة طلب العلم ؟!
وإذا لم يعترض الصحابة على تعطيل فريضة لخوفهم من عمر ، فمعناه أن عمر كان
بإمكانه أن يوقف أي فريضة مشابهة ، والصحابة أمامه مشلولون لا يملكون إلا الصمت
!! فقد روى عمر بن شبة في تاريخ المدينة:2/681 ، قال: ( بينما عمر يمشي وخلفه
عدة من أصحاب رسول الله وغيرهم ، بدا له فالتفت ، فما بقي منهم أحدٌ إلا سقط
إلى الأرض على ركبتيه ) !!
ألا يستوجب ذلك إعادة النظر في أعمال عمر التي سكت عليها الصحابة طيلة خلافته !
وكل ما ادعيتم أنه إجماع الصحابة لسكوتهم عن فعل عمر ؟!
المسألة: 121
آيات وأحاديث النهي عن كتمان العلم
قال الله تعالى: أم تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أعلم
أم اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا
اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . (سورة البقرة:140)
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ
وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ
يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ . إِلا الَّذِينَ تَابُوا
وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ . (سورة البقرة:159 ـ 160)
وروى البخاري:1/38 ونحوه في:3/74 (عن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون أكثر
أبوهريرة ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً ، ثم يتلو: إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى..الى
قوله الرحيم . إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن
إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول
الله(ص)بشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لايحفظون ) .
وروى في:1/48: (قال ابن شهاب: كان عروة يحدث عن حمران ، فلما توضأ عثمان قال:
ألا أحدثكم حديثاً، لولا آية ما حدثتكموه: سمعت النبي (ص) يقول: لا يتوضأ رجل
يحسن وضوءه ويصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها . قال عروة
الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا...). (ونحوه في مسلم:1/142
و:7/167 وابن ماجه:1/97 وأحمد:2/240 و247 والحاكم:2/271 والسيوطي في الدر
المنثور:1/163)
وقال السيوطي في:2/162: (وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: الذين
يبخلون.. الآية.. قال: هؤلاء يهود يبخلون بما آتاهم الله من الرزق ، ويكتمون ما
آتاهم الله من الكتب إذا سئلوا عن الشئ !
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما
عندهم من العلم ، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئاً ، فعيَّرهم الله بذلك ،
فأنزل الله: الذين يبخلون .. الآية !!
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل قال:
هذا في العلم ، ليس للدنيا منه شئ) !
وعقد الترمذي:4/138، باباً باسم (باب ما جاء في كتمان العلم) وروى فيه (عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله(ص): من سئل عن علم ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من
نار . ثم قال: وفي الباب عن جابر، وعبد الله بن عمر . قال أبو عيسى (أي
الترمذي) :هذا حديث حسن ) .
وفي سنن ابن ماجة:1/97:(عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(ص): من كتم
علماً مما ينفع الله به في أمر الناس وأمر الدين ، ألجمه الله يوم القيامة
بلجام من النار ) .انتهى .
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:20/267، عن علي(ع) : ليس كل ذي عين
يبصر ، ولا كل ذي أذن يسمع ، فتصدقوا على أولي العقول الزَّمِنَة والألباب
الحائرة ، بالعلوم التي هي أفضل صدقاتكم . ثم تلا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَيَّنَّاهُ
لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ
اللاعِنُونَ.
الأسئلة
1 ـ إذا لم يكن نهي عمرأمراً بالكتمان، فهل هو أمر ببذل العلم والحديث ؟!
وإذا لم يكن امتناع قرظة وأمثاله عن التحديث كتماناً ، فما هو الكتمان الذي
تنهى عنه الآيات والأحاديث؟!
أليس من الكتمان امتناع أكثر الصحابة من التحديث عن النبي(ص) رغم إلحاح
المسلمين عليهم ، خاصة المسلمين الجدد الذين لم يروا نبيهم(ص) ، وكانوا في شغف
لأن يسمعوا أحاديثه ، ويتعرفوا على أخباره؟!
قال الحاكم في المستدرك:1/102: (فلما قدم قرظة قالوا حدثنا ، قال: نهانا ابن
الخطاب ! هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع ويذاكر بها ) . انتهى.
وفي مصنف عبد الرزاق:3/584: (أتى رجل أبا الدرداء فسأله عن آية فلم يخبره فولى
الرجل وهو يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ
الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى..!!).
2 ـ هل تقدمون نهي أبي بكر وعمر عن التحديث وأمرهما بالكتمان ، على نهي الله
تعالى ورسوله(ص) عن الكتمان ، وأمرهما ببذل العلم ؟!
وماذا تقولون في فتاوي أئمتكم كالجصاص والآمدي والمناوي وغيرهم: ففي الأحكام
للآمدي:2/59:(ومنها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا
مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى.. الآية. ووجه الحجة بها أن الله تعالى توعد على
كتمان الهدى، وذلك يدل على إيجاب إظهار الهدى، وما يسمعه الواحد من النبي(ص)
فهو من الهدى فيجب عليه إظهاره ) .
وفي أحكام القرآن للجصاص:1/122: (ولذلك قال أبو هريرة: لولا آية في كتاب الله
عز وجل ما حدثتكم ، ثم تلا: الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى، فأخبر
أن الحديث عن رسول الله(ص)من البينات والهدى الذي أنزله الله تعالى ... وقد روى
حجاج ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي(ص) قال: من كتم علماً يعلمه ، جاء
يوم القيامة ملجماً بلجام من نار .
فإن قيل: روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في شأن اليهود حين كتموا ما في كتبهم
من صفة رسول الله(ص)؟
قيل له: نزول الآية على سبب غير مانع من اعتبار عمومها في سائر ما انتظمته ،
لأن الحكم عندنا للفظ لا للسبب ، إلا أن تقوم الدلالة عندنا على وجوب الإقتصار
به على سببه ) .
وفي فيض القدير للمناوي:4/707:(وقد تظافرت النصوص القرآنية على ذم كاتم العلم:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ
بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَايَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ
وَلايُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلايُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ . وإذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا
أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ
رَبِّكُمْ ! فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم ، تارةً بخلاً به ، وتارة
اعتياضاً عن إظهاره بالدنيا ، وتارة خوفاً أن يُحتجَّ عليهم بما أظهروه منه !
وهذا قد يبتلى به طوائف من المنتسبين للعلم ، فإنهم تارةً يكتمونه بخلاً به ،
وتارة كراهة أن ينال غيرهم من الفضل والتقدم والوجاهة ما نالوه ، وتارة
اعتياضاً برئاسة أو مال فيخاف من إظهاره انتقاص رتبته ، وتارة يكون قد خالف
غيره في مسألة أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسألة ، فيكتم من العلم مافيه
حجة لمخالفه، وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل! وذلك كله مذمومٌ ، وفاعله مطرودٌ من
منازل الأبرار ومقامات الأخيار، مستوجب للَّعنة في هذه الدار ودار
القرار).انتهى.
فهل ينطبق ذلك على أبي بكر وعمر ومن أطاعهما في كتمان السنة ؟!
3 ـ احتج علينا المخالفون بأنا نقول بإمامة علي والأئمة من ذريته(ع) استناداً
الى نص النبي(ص) فقالوا أين النص؟ وأجبناهم بالأحاديث الصحيحة المتواترة التي
رواها رواتهم ودونتها صحاحهم رغم تغييب السنة ، كحديث الغدير ، وحديث الثقلين ،
وحديث المنزلة ، وعشرات غيرها !
ولنا أن نجيبهم أيضاً ، بأن سياسة أبي بكر وعمر في تغييب السنة وتعطيلها، تُسقط
حجتكم علينا ومطالبتكم بالأحاديث من مصادركم ، لأن أئمتكم تعمدوا تغييبها ،
وعاقبوا رواتها بالضرب والسجن !
وبهذا يظهر بطلان قول ابن تيمية في منهاج سنته:7/48: (لكن أهل العلم يعلمون
بالإضطرار أن النبي(ص)لم يبلغ شيئاً من إمامة علي ، ولهم على هذا طرق كثيرة
يثبتون بها هذا العلم، منها: أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو
كان له أصل لنقل كما نقل أمثاله من حديثه ، لاسيما مع كثرة ما ينقل من فضائل
علي من الكذب الذي لا أصل له ، فكيف لاينقل الحق الصدق الذي قد بلغ للناس؟!
ولأن النبي(ص)أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه ، فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم
الله بتبليغه ). انتهى.
لأنا نقول له: نعم إن النبي(ص) بلَّغ الأمة ولاية علي(ع) في عشرات الأحاديث
والخطب في مناسبات عديدة ، وأمر الحاضرين بتبليغ ما سمعوا منه ، لكن مخالفي
علي(ع) ألزموا المسلمين بعدم كتابة الحديث ، وحرموا عليهم حتى قول (قال رسول
الله(ص) ) ! فالكتمان وقع منهما لامن النبي(ص) !
ولذا ورد عن الإمام العسكري(ع) في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا
أنزل اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قليلاً أُولَئِكَ
مَايَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ وَلايُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَلايُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. (البقرة:174) قال:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَاأَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ ، المشتمل على
ذكر فضل محمد(ص) على جميع النبيين ، وفضل علي(ع) على جميع الوصيين،
وَيَشْتَرُونَ بِهِـ بالكتمان ـ ثَمَناً قليلاً، يكتمونه ليأخذوا عليه عرضاً من
الدنيا يسيراً ، وينالوا به في الدنيا عند جهال عباد الله رياسة . قال الله
تعالى:أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ـ يوم القيامة ـ إِلا
النَّارَ ، بدلاً من إصابتهم اليسير من الدنيا لكتمانهم الحق .
وَلايُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بكلام خير ، بل يكلمهم بأن يلعنهم
ويخزيهم ويقول بئس العباد أنتم! غيَّرتم ترتيبي وأخرتم من قدمته ، وقدمتم من
أخرته ، وواليتم من عاديته ، وعاديتم من واليته ). انتهى.
ويظهر منه أن الكتمان المذموم في الآية شامل لكتمان اليهود ، ولكتمان قريش
لصفات النبي وآله ، وكتمان فضائلهم صلوات الله عليهم . فما رأيكم؟!
4 ـ نعيد آية الكتمان لنعرف حكم اللعن فيها ، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ
يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ
مَابَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ
وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُون )َ. فمن هم الذين يشملهم هذا اللعن ، وهل لعنهم
واجبٌ، أو مستحب ؟!
المسألة: 122
أحاديث وجوب التبليغ والتحديث عن رسول الله(ص)
ماذا يصنع المدافعون عن تغييب السنة بهذه المجموعة من الأحاديث المتواترة التي
تنص على أنه(ص) كان يوصي دائماً بأن يبلغ الحاضر الغائب؟!
فقد عقد البخاري:1/34 باباً باسم ( باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ) وأورد فيه
ما يدل على وجوب تبليغ أحاديث النبي(ص) . وكذا في:2/191 ، وفيها: (قال: اللهم
اشهد ، فليبلغ الشاهد الغائب ، فرب مبلغ أوعى من سامع ) ونحوه في:5/94 و127 .
وفي:6/236: ( ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من
بعض من سمعه) . ثم قال البخاري: ( وكان محمد إذا ذكره قال: صدق النبي(ص) ، ثم
قال: ألا هل بلغت ألا هل بلغت ؟). وكرره في:8/186 وفي:8/91: ( فإنه رب مبلغ
يبلغه من هو أوعى له). وفي ص115: ( ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه
أن يكون أوعى له من بعض من سمعه) .
ونحوه في صحيح مسلم:5/108 ، وابن ماجه:1/85 و86 ، والترمذي:2/152 ، وعقد الأخير
في: 4/141 ، باباً باسم (باب في الحث على تبليغ السماع) روى فيه عن زيد بن ثابت
(سمعت رسول الله(ص) يقول: نَضَّرَ الله أمراً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه
غيره فرب حامل فقه الى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه ليس بفقيه . ثم قال
الترمذي: وفي الباب عن عبدالله بن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وجبير بن مطعم ، وأبي
الدرداء ، وأنس . وروى نحوه عن عبد الله بن مسعود . ثم قال: هذا حديث حسن صحيح
).
وكذا في مستدرك الحاكم:3/174 ، وسنن البيهقي:5/140 و:6/92 وفيه: ( ألا ليبلغ
الشاهد الغائب ، مرتين ، فرب مبلغ هو أوعى من سامع). ونحوه في:8/20و:9/212 وسنن
النسائي:5/206 ، ومسند أحمد:1/83 و437 و:4/31 ، وكذا في:5/37 و39 و183.
وفي ص4 من مسند أحمد:5/: (ألا إن ربي داعيَّ ، وإنه سائلي هل بلغت عبادي ، وأنا
قائل له رب قد بلغتهم ، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب).
وفي ص41 منه:(فلعل الغائب أن يكون أوعى له من الشاهد ). وفي ص45 منه: (ألا
ليبلغ الشاهد الغائب ، مرتين ) .
وفي ص73 منه: (ثم قال ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أسعد من سامع . قال
حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قد والله بلغوا أقواماً كانوا أسعد به ) .
وفي366 منه: (فليبلغ الشاهد الغائب . ولولا عزمة رسول الله(ص)ما حدثتكم) .
وفي:6/456 ( فمن حضر مجلسي وسمع قولى فليبلغ الشاهد منكم الغائب ) .
وفي مجمع الزوائد:1/139:(وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله(ص)كان يقول إني
محدثكم الحديث فليحدث الحاضر منكم الغائب.رواه الطبراني في الكبير ورجاله
موثقون . وفيه:(فرفع يديه(ص)الى السماء فقال: اللهم اشهد . ثم قال يا أيها
الناس ليبلغ الشاهد منكم الغائب. (وقال الراوي): فادنوا نبلغكم كما قال لنا
رسول الله . رواه البزار ورجاله موثقون ) .
وفي كنز العمال:10/224: ( إني أحدثكم الحديث فليحدث الحاضر منكم الغائب. طب ـ
عن عبادة بن الصامت ) .
وفي ص229: إني أحدثكم بحديث فليحدث الحاضر منكم الغائب- الديلمي عن عبادة بن
الصامت . نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني فرب حامل فقه غير فقيه
ورب حامل فقه الى من هو أفقه منه - حم ، ه ، ص ـ عن أنس، الخطيب عن أبي هريرة
، طبـ عن عمير بن قتادة الليثي ، طس عن سعد ، الرافعي في تاريخه عن ابن عمر ).
انتهى. وقد أورد تحت الأرقام التي بعده نحو ثلاثين حديثاً بألفاظ ما تقدم ، أو
مضمونها ، أو مايشهد لها .
الأسئلة
1 ـ هذه أحاديث نبوية صحيحة ومتواترة ، تؤكد فريضة شرعية في أعناق الصحابة: أن
يبلغوا ما سمعوه من رسول الله(ص) ؟!
فما قولكم بمن يستدركُ على رسول الله(ص) ويقول: أيها المسلمون قال رسول الله
ليبلغ الشاهد منكم الغائب، ولكني أنهاكم عن ذلك وأعاقبكم عليه، فلا تحدثوا عن
رسول الله(ص) بشئ ، وأنا شريككم في الإثم ! فإن لم يكن هذا استدراكاً على
النبي(ص) ، فما هو الإستدراك الذي يعتبر رداً على النبي(ص) ؟!
2 ـ عاش الصحابة خوفاً شديداً من عمر ، لنهيه إياهم عن كتابة الحديث والتحديث ،
وأزمة تأنيب ضمير لتركهم فريضة فرضها عليهم النبي(ص) !
ونلاحظ ذلك حتى عند الصحابة والرواة الذين حدثوا الناس بعد وفاة عمر بسنين
طويلة ، كما في قول أبي هريرة الذي تقدم من البخاري: (ولولا آيتان في كتاب الله
ما حدثت حديثاً ، ثم يتلو: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ...) وفي قول البخاري
عن شيخه محمد بن سلام: (وكان محمد إذا ذكره قال: صدق النبي(ص)، ثم قال: ألا هل
بلغت ، ألا هل بلغت ؟ وما تقدم من مجمع الزوائد: ( ولولا عزمة رسول الله(ص) ما
حدثتكم... فادنوا نبلغكم كما قال لنا رسول الله(ص) !
فما قولكم في هذا الإرهاب العمري الذي صار ديناً ، أو خوفاً مستمراً ؟!
المسألة: 123
أحاديث: من حفظ على أمتي أربعين حديثاً
اهتم عدد من علماء المسلمين السنة والشيعة بتأليف كتاب يحتوي على أربعين حديثاً
، في موضوع واحد ، أو مواضيع متعددة ، لقول النبي(ص) : (من حفظ من أمتي أربعين
حديثاً ينتفعون به بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً). وقد أوردت معاجم
المؤلفات أسماء العديد منها:
من ذلك: الأربعون حديثاً لمحمد بن المقري المتوفى381 (معجم المؤلفين: 8/210) ،
والأربعون حديثاً لابن أبي الصيف المتوفى 609، عن أربعين شيخاً في أربعين بلداً
(الأعلام:6/36) ، والأربعون حديثاً الطائية لأبي الفتوح الطائي المتوفى سنة 555
عن أربعين شيخاً (الأعلام:7/24)، والأربعون حديثاً في العبادات، لابن أبي زيد
الأندلسي (الأعلام:8/240) والأربعون البلدانية لابن عساكر ، والأربعون في
الجهاد للمقري ، والأربعون العشارية للعراقي ، وهي مطبوعة .
ومن أشهرها عند الشيعة الأربعون حديثاً للبهائي من الشيعة ، والأربعون حديثاً
للنووي من السنة .
وقد أورد الطهراني في المجلد الأول من الذريعة نحو ثمانين كتاباً لمؤلفين شيعة
باسم:الأربعون حديثاً، وقال في ص1/409: (قد تحققت السنة الأكيدة البالغة إلينا
بالطرق الصحيحة عن سيد الرسل(ص) بقوله: من حفظ على أمتي أربعين حديثاً..إلخ.
قال شيخنا الشهيد سنة 786 في أول أربعينه: إن حديث حفظ الأربعين هو المشهور في
النقل الصحيح عنه(ص) .
كما عقد العلامة المجلسي في أول مجلدات البحار باباً لمن حفظ أربعين حديثاً ،
أورد فيه ما وصل إليه من رواياته عن كتب كثيرة بأسانيد متعددة ومتون متقاربة ،
وقال في آخر الباب: هذا المضمون مشهور مستفيض بين الخاصة والعامة بل قيل إنه
متواتر). انتهى. (ورواه في الكافي:1/49 ، ونحوه في عيون أخبار الرضا(ع) :
1/28و41 ، والخصال ص541 ، و542، والأمالي ص382 ، وثواب الأعمال ص134، وغيرها) .
ونسبه العلامة الى النبي(ص) بلا ترديد في تحرير الأحكام:1/40فقال: قال(ص) :من
حفظ من أمتي أربعين حديثاً ينتفعون به ، بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً
).
ورواه في كنز العمال:10/158 بألفاظ متقاربة وطرق متعددة ، منها: (من حفظ على
أمتي أربعين حديثاً من سنتي أدخلته يوم القيامة في شفاعتيـ ابن النجارـ عن أبي
سعيد.
من حمل من أمتي أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً ـ عن أنس .
وفي ص164:( من تعلم أربعين حديثاً ابتغاء وجه الله تعالى ليعلم به أمتي في
حلالهم وحرامهم ، حشره الله يوم القيامة عالماً ـ أبونعيم ـ عن علي.
وفي ص224:(من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها ، بعثه الله يوم القيامة
فقيهاً عالماً ـ عد في العلل ـ عن ابن عباس عن معاذ ، حب في الضعفاء ـ عن ابن
عباس ، ابن سعد وابن عساكر من طرق عن أبي هريرة ، ابن الجوزي عن أنس .
من حفظ على أمتي أربعين حديثاً فيما ينفعهم من أمر دينهم ، بُعث يوم القيامة من
العلماء، وفضل على العالم على العابدسبعين درجة، الله أعلم بمابين كل درجتينـ
ع، عد ، هب ـ عن أبي هريرة . انتهى . ونحوه الأحاديث التي بعده الى رقم 29192 .
ومن طريف ما رواه في كنز العمال:10/232:(من كتب عني أربعين حديثاً رجاء أن يغفر
الله له ، غفر له وأعطاه ثواب الشهداء . ابن الجوزي في العلل ، عن ابن عمرو .
لكن مع تصحيح علماء الشيعة لهذا الحديث ، وكثرة طرقه عند السنيين ، وعمل الجميع
به ، وتأليفهم الكتب الأربعينية ، فلا عبرة بتضعيفهم له !!
الأسئلة
1 ـ ما رأيكم في أسانيد حديث (من حفظ على أمتي أربعين حديثاً..) ، ولماذا لا
تأخذون بسنده الصحيح من طرق أهل البيت(ع) ؟
2 ـ من الواضح أن هدف النبي(ص) أن تصل أحاديثه وما أوحاه الله اليه الى أوسع
نطاق من الأمة والعالم ، وأن يحفظ الصحابة والرواة هذه الأحاديث ويعلموها للناس
، بمختلف الوسائل المناسبة المتجددة في كل عصر .
فلماذا لاتعترفون بأن عمر نقض هذا الغرض النبوي في إصراره على تغييب السنة ومنع
تدوينها ، وحتى التحديث بها ، ومعاقبته على ذلك ؟!
المسألة: 124
متى تم الإفراج عن تدوين السنة وبأي شروط؟!
استطاع عمر بن الخطاب أن يمنع الأمة من كتابة حديث نبيها(ص) ! واستبدلها
بإسرائيليات تميم الداري التي كان يلقيها في المسجد النبوي يومين أسبوعياً !!
ثم زاده عثمان يوماً آخر ، فصارت مجالس تميم ثلاثة أيام .
ثم أضاف اليه كعب الأحبار وأعطاه يومين في الأسبوع !
ولك أن تقدر حالة أهل البيت(ع) والصحابة الأبرار ، الذين حرَّم عليهم عمر باسم
مصلحة الإسلام أن يقولوا: قال رسول الله(ص) !!
وحالة الجمهور المتعطش لمعرفة سيرة نبيه ومعجزاته وأحاديثه(ص) !
وهذا التعطش يفسر لنا الخروقات لقانون عمر ، التي لم يستطع السيطرة عليها !
وقد استمر منع التحديث وكتابة الحديث بعد عمر في خلافة عثمان ، لكنه كان
متسامحاً غالباً في خرق المنع ، فكثرت في زمنه الخروقات !
ومع أن عصر خلافة علي(ع) الذي دام أكثر من خمس سنوات ، كَسَرَ منع عمر وفتح
الباب على مصراعيه للتحديث عن النبي(ص) وكتابة حديثه.. لكن ما أن استشهد
الإمام(ع) وسيطر معاوية حتى أعاد سياسة المنع العمرية ! فكان معاوية يقول: (
عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر ، فإنه كان قد أخاف الناس في الحديث عن
رسول الله (ص). (تذكرة الحفاظ للذهبي:1/5)
وعادت سياسة المنع ، وغالى فيها المتعصبون لعمر ، ورووا الأحاديث التي تنهى عن
كتابة التحديث، وكان بعضهم ينظر الى كتابة الأحاديث على أنها إثم! لكن ذلك لم
يمنع انتشار التحديث الشفهي خاصة أن السلطةكانت بحاجة اليه !
وهكذا استمر منع التدوين أكثر من قرن من الزمان ، حتى دعا عمر بن عبد العزيز
الأموي ، في مطلع القرن الثاني علماء السلطة الى كتابته ، وعمل شخصياً على كسر
حرمة الكتابة !
( قال أبو قلابة: خرج علينا عمر بن عبد العزيز لصلاة الظهر ومعه قرطاس، ثم خرج
علينا لصلاة العصر وهو معه فقلت له: يا أمير المؤمنين ما هذا الكتاب ؟ قال:
حديث حدثني به عون بن عبد الله ، فأعجبني فكتبته). (الدارمي:1/130) .
لكن مع ذلك ، تأخرت استجابتهم لدعوته فترة زمنية طويلة !
قال الدارمي:1/126:(عن عبد الله بن دينار قال كتب عمر بن عبد العزيز الى أبي
بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أكتب الى بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله
(ص) ، وبحديث عمر ، فإني قد خشيت درس العلم وذهابه ) .
وفي طبقات ابن سعد:8/480: (أخبرنا يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد
الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن حزم أن: أنظر
ما كان من حديث رسول الله(ص)، أو سنة ماضية ، أو حديث عمرة (خادمة عائشة)
فاكتبه ، فإني خشيت دروس العلم وذهاب أهله ).
وفي تنوير الحوالك للسيوطي ص4: (وأخرج الهروي في ذم الكلام من طريق يحيى بن
عبدالله بن دينار ، قال: لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الحديث إنما كانوا
يؤدونها لفظاً ويأخذونها حفظاً ، إلا كتب الصدقات والشئ اليسير الذي يقف عليه
الباحث بعد الإستقصاء ، حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت ، فأمر
أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمي فيما كتب إليه: أن انظر ما كان
من سنة ، أو حديث عمر ، فاكتبه ).
شروط عمر بن عبد العزيز لتدوين السنة !
الشرط الأول: أن يقوم بالمشروع أمويون دون سواهم ! فالخليفة الأموي هو صاحب
المشروع ، وقد طلب أن يُرسل اليه كل ما يدون ! لكنه مات قبل أن يرسل اليه ابن
حزم وغيره ما جمعوه .
والمكلف بالمشروع ابن حزم الأنصاري النسب ، الأموي الهوى ، وهو والي بني أمية
على المدينة ، ثم قاضيهم فيها ! الذي كان يلبس خاتماً ذهبياً بارزاً ، وكان
راتبه ثلاث مئة دينار، وهو مبلغ كبير في ذلك العصر. قال الذهبي في سيره:5/313:
(أبو بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم ... أمير المدينة ، ثم قاضي المدينة ... قال
أبوالغصن المدني: رأيت في يد أبي بكر بن حزم خاتم ذهب فصُّهُ ياقوتة حمراء!
قلت: لعله ما بلغه التحريم ! ويجوز أن يكون فعله وتاب! وقيل: كان رزقه في الشهر
ثلاث مئة دينار... وقيل: مات في سنة سبع عشرة). انتهى .
ومع الوالي والقاضي ابن حزم: ابن شهاب الزهري ، من علماء البلاط الأموي ، أخذ
علم الحديث من سالم ونافع عبدي عمر ، وكان يرى أن أحاديث أبي بكر وعمر وعثمان
سنة كسنة رسول الله (ص) ! ففي طبقات ابن سعد:2/388: (وأخبرت عن عبد الرزاق قال:
أخبرنا معمر أخبرني صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم
فقلنا نكتب السنن، قال وكتبنا ما جاء عن النبي(ص).
قال ثم قال: نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنة ! قال قلت: إنه ليس بسنة فلا
نكتبه ، قال فكتب ولم أكتب ، فأنجح وضيعت...!!
وأخبرت عن عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري قال: كنا نكره كتاب العلم ،
حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء ...!
وأخبرت عن عبد الرزاق قال: سمعت معمراً قال: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري
حتى قتل الوليد ، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه ، يقول من علم
الزهري ! ) . انتهى.
فسبب تَحَسُّر ابن كيسان أن زميله الزهري ( أنجَحَ ) بكتابة سنة الخلفاء ، وفاز
بجائزة الدولة ، ومنها ألوف الوليد بن عبد الملك بن مروان التي قبضها الزهري
ثمناً لدفاتره ! أما هو فلم (يُنجح) لأنه اقتصر على سنة النبي(ص) !
والشرط الثاني: أن تدون أحاديث أبي بكر وعمر وعثمان وسنتهم ، وأحاديث عائشة الى
جانب أحاديث النبي(ص) أما أحاديث أبي هريرة فقد كتب لهم الخليفة: ( إلا حديث
أبي هريرة ، فإنه عندنا ) ! (الطبقات: 7/447)
وقد تقدم ذلك في كلام صالح بن كيسان ، وفي مرسوم الخليفة لابن حزم: (أنظر ما
كان من حديث رسول الله ، أو سنة ماضية ، أو حديث عمرة ، فاكتبه) ، فسنة أبي بكر
وعمر وعثمان سنة ماضية شرعية ، يجب أن تدون مع سنة النبي (ص) ومعها حديث عائشة
، لأن أحاديث عمرة هي أحاديث عائشة !
قال الذهبي في من له رواية في كتب الستة:2/514: (عمرة بنت عبد الرحمن ... من
فقهاء التابعين ، أخذت عن عائشة وكانت في حجرها . ماتت 106 ).
وقال ابن سعد في الطبقات:2/387: أن عمر بن عبد العزيز قال: (ما بقي أحد أعلم
بحديث عائشة منها ، يعني عمرة ، قال: وكان عمر يسألها ).
وفي طبقات المحدثين بأصبهان:2/190: عن (عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد
العزيز إلى عدي بن أرطاة: أنظر ما كان من حديث عمرة عن رسول الله (ص) فاكتبه ،
فإني أخشى ذهاب العلماء ودروس العلم). انتهى.
وقد مات الخليفة الأموي ، ومات ابن حزم والزهري ، قبل نشر ما جمعوه، (فتوفي عمر
وقد كتب ابن حزم كتباً قبل أن يبعث بها إليه).( تنوير الحوالك4 ) ، وتأخر ظهور
المسانيد نصف قرن آخر !
وقد ورث العباسيون خلافة بني أمية ، وورثوا منها هذا المشروع وعدَّلوا في شروطه
، وكلف المنصور العباسي مالك بن أنس أن يكت كتاباً سهلاً موطأً ليفرضه على
الناس ويحملهم عليه ، فألف له ( الموطأ ) ونشره الخليفة ، وألزم به المسلمين!
ولكن الخط الأموي عاد وغلب في زمن المتوكل العباسي فألفوا الصحاح الستة وغلبت
الموطأ ، لأنها أقرب منه الى خط عمر ومعاوية !
الأسئلة
1 ـ إذا كان عمل عمر في منع كتابة السنة غير شرعي، فلماذا تدافعون عنه؟ وإذا
كان شرعياً فلماذا خالفتموه وكتبتم ؟!
2 ـ ألا ترون أن تأخير كتابة السنة النبوية قرناً أو قرنين من الزمان ، قد كلف
السنة الشريفة خسارات أساسية كبيرة ؟!
ـ فلو أن عمر سمح للصحابة أن يدونوا السنة ، لوصلت إلينا بأسانيد عالية بواسطة
واحدة ، بينما صارت الآن بوسائط عديدة ! والفرق كبير بين الحديث المنقول بواسطة
راو واحد ، أو عن بضعة رواة ، على مدى قرن أو قرنين ؟!
ـ ولكان كذب الرواة على رسول الله(ص) قليلاً ، بينما هو اليوم كثير كثير !
ـ ولكانت رقابة الصحابة وتذكيرهم لبعضهم عاملاً مهماً في ضبط السنة ، بينما
كتبت السنة برضا الحكام بلا رقابة على المؤلفين !
ـ ولوصلت الينا أحاديث المعارضة لحكم أبي بكر وعمر وعثمان ، بينما لا نجد منها
اليوم إلا لقليل !
ـ ولظهرت مكانة العترة النبوية الذين أمر النبي(ص) الأمة أن تتمسك بالقرآن وبهم
، ولنقدوا أحاديث النبي(ص) وبينوا الصحيح منها والمكذوب !
فهل تعترفون بأن عمر يتحمل مسؤولية ذلك جميعاً ؟!
3 ـ ما هو أقدم كتاب في الحديث عندكم ؟وهل كَتَبَ البخاري صحيحه نقلاً من كتب
لمؤلفين قبله ، أو من أفواه الرواة ؟!
4 ـ يمتاز شيعة أهل البيت(ع) بأنهم لم يطبقوا تحريم عمر ، وواصلوا التحديث
وكتابة الحديث عن النبي(ص) والأئمة من العترة الطاهرة(ع) .
ومن جهة أخرى ، فإن حضور الأئمة من العترة النبوية(ع) الذي هو امتدادٌ لوجود
النبي(ص) بحكم عصمتهم وعلمهم(ع) قد استمر ثلاثة قرون وكان الرواة يتلقون منهم
الحديث النبوي ويكتبونه مباشرة ، وكان الراوي الذي عنده كتاب يسمى(صاحب أصل)،
ثم جاء مؤلفوا الموسوعات كالكليني والصدوق ومن بعدهم فألفوا موسوعاتهم من تلك
الأصول المكتوبة ، ووثقوها بالسماع المباشر . ألاترون أن ذلك يمثل ميزةً كبرى
للأحاديث المروية في مصادرنا ، وأنها أدقُّ في نقل معاني الأحاديث النبوية
وألفاظها ، وأصحُّ من مصادركم التي اعتمدت محفوظات راوٍ عن راوٍ عن راوٍ ، لمدة
قرنين من الزمان ؟!
وقد أخبرني السيد مرتضى الرضوي أن الكاتب المصري الدكتور حفني داود كان يقول
له: ألاحظ أن أحاديثكم مروية بألفاظ النبي(ص) وأهل البيت(ع) ، بينما أحاديثنا
مروية بالمعنى ! فما رأيكم بذلك ؟!
5 ـ لماذا لم يكلف الخليفة الأموي غير ابن حزم والزهري بكتابة السنة ، وأين هو
عن بقية علماء الإسلام، وأين هو عن الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق ‘، وهو
يعرفهما جيداً ، وقد طبقت شهرتهما في عصره الآفاق ؟!
6 ـ كيف تثقون بالزهري وابن حزم ، وهما موظفان عند بني أمية ، وهذه أخبار
ترفهما وتقربهما الى السطة في مصادر الجرح والتعديل ؟!
7 ـ هل أن سنة أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة برأيكم ، سنةٌ شرعية تعبَّدنا الله
تعالى بها كسنة النبي(ص) ؟!
8 ـ قال مالك في الموطأ: (عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو
بن حزم أن: أنظر ما كان من حديث رسول الله(ص)أو سنة ، أو حديث عمر ، أو نحو هذا
، فاكتبه لي). انتهى. (تنوير الحوالك ص6) . فهل الحديث النبوي غير السنة وما
معنى قوله (أو نحو هذا) ؟!
9 ـ ما قولكم في زعم البخاري أن عمر بن العزيز أمر ابن حزم أن لايقبل إلا حديث
النبي(ص) ؟ قال في صحيحه:1/33: (وكتب عمر بن عبد العزيز الى أبي بكر بن حزم:
أنظر ما كان من حديث رسول الله(ص)فاكتبه ، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ،
ولا تقبل إلا حديث النبي(ص) . انتهى.
فمن أين أتى به البخاري ، وهل قاله إلا ليرفع خلطهم لسنة النبي(ص) بغيرها ؟!
المسألة: 125
كيف صار الرافضونَ لسنة النبي(ص) أهل السنة والجماعة !!
من مفارقات التاريخ وما أكثرها ، أن الذي واجه النبي(ص) في مرض وفاته ومنعه من
كتابة وصيته وعهده لأمته ، ورفع في وجهه شعار رفض سنته فقال له:(كتاب الله
حسبنا) ! صار هو رئيس الدولة بعد النبي(ص) !!
وأن الذي أصدر مرسوماً من دار الخلافة بتحريم كتابة السنة النبوية ونهى عن
التحديث بها.. صارت دولته دولة السنة ، وصار أتباعها: (أهل السنة والجماعة) !
أما الذين جاهدوا من أجل تبليغ سنة النبي(ص) وتدوينها، وتحملوا اضطهاد الحكومات
وعقوبات المنع ، فصاروا أعداء السنة والخارجين عن الجماعة !
إنها السياسة التي تجعل الأبيض أسود كالليل ، والفحم أبيض كالثلج !!
والذي حدث أن السلطة الأموية اختارت اسم(عام الجماعة) لعام تسلط معاوية على
المسلمين ، وسمت أتباعها (أهل الجماعة) ، وسمت من خالفهم (أهل الفرقة والفتنة).
ثم طورت إسم أتباعها فصار (أهل السنة والجماعة) ! وصار اسم من خالفهم (أهل
البدعة والفرقة ) !
الأسئلة
1 ـ ما معنى قول عمر للنبي(ص) الذي رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه: (قال
عمر إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا وكثر اللغط !! قال:
قوموا عني ولاينبغي عندي التنازع! فخرج ابن عباس يقول إن الرزيئة كل الرزيئة ما
حال بين رسول الله وبين كتابه)!! (صحيح البخاري:1/37)
وما حكم من قال في عصرنا: حسبنا كتاب الله ، لا نريد سنة النبي(ص) ؟!
2 ـ مهما كان دفاعكم عن عمر ومؤيديه الذين صاحوا في وجه النبي(ص) : (القول
ماقاله عمر) ! فهل يصدق عليهم: (أهل السنة النبوية) أم السنة العمرية ؟!
3 ـ في تهذيب الكمال:2/269: (عن أبي نضرة العبدي: قال رجل منا يقال له جابر أو
جويبر: طلبت حاجة إلى عمر في خلافته فانتهيت إلى المدينة ليلاً ، فغدوت
عليه...وإلى جنبه رجل أبيض الشعر أبيض الثياب . . . فقلت: يا أمير المؤمنين من
هذا الرجل الذي إلى جنبك؟ قال: سيد المسلمين أبيُّ بن كعب ) .
وفي تحفة الأحوذي:10/271:(فضل أبي بن كعب رضي الله عنه)هو أبيُّ بن كعب
الأنصاري الخزرجي كان يكتب للنبي(ص)الوحي وهوأحد الستة الذين حفظوا القرآن على
عهد رسول الله(ص)، وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله(ص) ، وكان
أقرأ الصحابة لكتاب الله تعالى، كنَّاهُ النبي (ص)أبا المنذر، وعمر أبا الطفيل!
وسماه النبي(ص): سيد الأنصار، وعمر: سيد المسلمين . مات بالمدينة سنة تسع عشرة
).
وفي تاريخ المدينة لابن شبة:2/691: (حدثني أبو عمرو الجملي ، عن زاذان أن عمر
خرج من المسجد فإذا جَمْعٌ على رجل فسأل: ما هذا؟ قالوا: هذا أبي بن كعب كان
يحدث الناس في المسجد ، فخرج الناس يسألونه ، فأقبل عمر حرداً فجعل يعلوه
بالدرة خفقاً ، فقال: يا أمير المؤمنين أنظر ما تصنع ! قال: فإني على عمد أصنع
، أما تعلم أن هذا الذي تصنع فتنة للمتبوع مذلة للتابع)! انتهى.
فمن هو الأحق باسم أهل السنة: أبيُّ بن كعب الذي ضربه عمر من أجل تحديثه
المسلمين بأحاديث رسول الله(ص) أم عمر الذي ضربه بجرم نشر السنة؟!
المسألة: 126
المعنى الأصلي لأهل السنة والجماعة: أهل سنة عمر وجماعة معاوية !
المعنى المشهور في عصرنا لإسم (أهل السنة والجماعة) أنهم أتباع المذاهب الأربعة
المعروفة بالمذاهب السنية: المالكي والحنفي والشافعي والحنبلي .
وفي المقابل يزعم السلفيون أو الوهابيون أنهم هم (أهل السنة والجماعة) مع أن
أسلافهم متعصبةُ الحنابلة كانوا يعرفون باسم: المجسمة ، أو حشوية أهل الحديث .
لكنهم يحاولون إثبات أن أئمة المذاهب وكبار علمائها كانوا يقولون مثلهم
بالتجسيم ، ويفسرون الصفات الإلهية على ظاهرها الحسي بلا تأويل !
لكن عند البحث عن أصل هذه التسمية نكتشف أن معنى(أهل السنة)عند الأمويين ليس
الحديث النبوي ، بل أهل سنة أبي بكر وعمر وعثمان ! وأن السنة التي أمر عمر بن
عبد العزيز بتدوينها هي سنة الخلفاء الى جانب أحاديث النبي(ص) !