مع الاَُصول الاَربعمائة
اعتاد شيعة آل البيت وكما قلنا كتابة أقوال أئمّتهم في كتب، حتّى عُدُّوا بعملهم هذا من أوائل المدوّنين في الفقه الاِسلاميّ، قال الاَُستاذ مصطفى عبدالرزاق عند ذكره من دون الفقه :... وعلى كلّ حال فإنّ ذلك لايخلو من دلالة على أنّ النزوح إلى تدوين الفقه كان أسرع إلى الشيعة، لاَنّ اعتقادهم العصمة في أئمّتهم، أو ما يشبه العصمة كان حريّاً أن يسوقهم إلى الحثّ على تدوين أقضيتهم، وفتاواهم(1).
والاَمر كما قاله الاَُستاذ وخصوصاً على عهد الاِمامين الباقر والصادق، أي بعد انتهاء الحكم الاَمويّ وابتداء الحكم العبّاسيّ الذي روّج أو ادّعى سياسة الانفتاح في أوّليّات سنينه، وبتعبير آخر: في فترة الشيخوخة الاَمويّة والطفولة العبّاسيّة.
فالاِمامان قد استفادوا من هذه الفرصة خصوصاً لمّا رأوا إقبال قبائل بني أسد، ومخارق، وطيّ وسليم، وغطفان، وغفار، والاَزد، وخزاعة، وخثعم، ومخزوم، وبني ضبّة، وبني الحارث، وبني عبد المطّلب عليهم وإرسال فلذّات أكبادها إليهم للتعليم(2).
وقد عدّ المزّيّ في ترجمة الاِمام الصادق من تهذيب الكمال: سفيانبن عيينة ومالكبن أنس وسفيان الثوري والنعمان بن ثابت ـ أبو حنيفة ـ وسليمانبن بلال، وشعبة بن الحجّاج وعبد الله بن ميمون، وعبدالملكبن عبدالعزيزبن جريح، وآخرون(3)ممّن أخذ عن الصادق.

____________
(1) الاِمام الصادق والمذاهب الاَربعة 3: 497 عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الاِسلاميّ:252.
(2) انظر جعفر بن محمّد، سيّد الاَهل.
(3) انظر تهذيب الكمال 5: 75 ـ 76.

===============

( 444 )

ونقل عن أبي العبّاس بن عقدة بسنده إلى الحسن بن زياد قوله: سمعت أبا حنيفة وسئل عن أفقه مَن رأيت؟ فقال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفربن محمّد، لمّا أقدمه المنصور الحيرة، بعث إلَيَّ فقال: يا أبا حنيفة! إنّ الناس قد فتنوا بجعفر فهيىَ له مسائلك، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بَصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخل لاَبي جعفر فسلّمت، وإذَن لي...(1)الخبر.
وقال الشيخ محمّد أبو زهرة في مقدّمة كتابه الاِمام الصادق ـ الذي ألّفه بعد كتب سبعة أُلّفت عن أئمّة المسلمين، وهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وابن حنبل، وابن تيميّة، وابن حزم، وزيد ـ قال: أمّا بعد فإنّنا قد اعتزمنا بعون الله وتوفيقه أن نكتب في الاِمام الصادق، وقد كتبنا عن سبعة من الاَئمّة الكرام، وما أخّرنا الكتابة عنه (أي الاِمام الصادق) لاَنّه دُونَ أحدهم، بل إنّ له فضل السبق على أكثرهم، وله على الاَكابر منهم فضل خاصّ، فقد كان أبو حنيفة يروي عنه ويراه أعلم الناس باختلاف الناس(2)، وأوسع الفقهاء إحاطة، وكان الاِمام مالك يختلف إليه دارساً راوياً، ومن كان له فضل الاَُستاذيّة على أبي حنيفة ومالك فحسب ذلك فضلاً، ولا يمكن أن يؤخّر عن نقص، ولايقدّم غيره عليه عن فضل، وهو فوق هذا حفيذ زين العابدين الذي كان سيّد أهل المدينة في عصره، فضلاً وشرفاً وديناً وعلماً، وقد تتلمذ له ابن شهاب الزهريّ وكثيرون من التابعين، وهو ابن محمّد الباقر الذي بقر العلم ووصل إلى لبابه، فهو ممّن جمع الله تعالى له الشرف الذاتيّ، والشرف الاِضافيّ بكريم النسب، والقرابة الهاشميّة، والعزّة المحمّديّة...(3).
وفي حلية الاَولياء: لقد أخذ عن الصادق جماعة من التابعين، منهم يحيىبن سعيد الاَنصاريّ، وأيّوب السختيانيّ، وأبو عمرو بن العلا، ويزيدبن
____________
(1) تهذيب الكمال 5: 79 ولتفصيل هذا الخبر راجع (وضوء النبيّ: 349 ـ 352).
(2) وللشيخ أبي زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الاِسلاميّة: 693 تعليقة على مطارحة أبي حنيفة مع الصادق فراجع.
(3) الاِمام الصادق : 2 ـ 3.

===============

( 445 )

عبدالله المعاديّ، وشعبة بن القاسم، ومالك بن أنس، وسفيانبن عيينة وغيرهم...
بلى، إنّ الاَحاديث المتلقاة من أئمّة أهل البيت من قبل أصحابة قد دوّنت في صحف، وكان سهم الاِمامين الصادق والباقر هو الاَكبر، وقد أُطلق على هذه المجاميع تارة اسم (نسخة) وأُخرى (كتاب) وثالثاً (أصل) ورابعاً (رسالة) وغيرها.
روى السيّد رضي الدين عليّ بن طاووس في مهج الدعوات، بإسناده عن أبي الوضّاح محمّد بن عبد الله بن زيد النهشليّ، عن أبيه أنّه قال: كان جماعة من أصحاب أبي الحسن (الكاظم) من أهل بيعته وشيعته يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق أبو الحسن بكلمة أو أفتى في نازلة أثبت القوم ما سمعوه منه في ذلك(1).
وقال الشيخ البهائيّ في مشرق الشمسين: قد بلغنا عن مشايخنا (قدس سرّهم) أنّه كان في دأب أصحاب الاَُصول أنّهم إذا سمعوا عن أحد من الاَئمّة حديثاً بادروا إلى إثباته في أُصولهم لئلاّ يعرض لهم نسيان لبعضه أو كلّه بتمادي الاَيّام(2).
وقال المحقّق الداماد في الراشحة التاسعة والعشرين من رواشحه: يقال قد كان من دأب أصحاب الاَُصول أنّهم إذا سمعوا من أحدهم (ع) حديثاً بادروا إلى ضبطه في أُصولهم من غير تأخير(3).
قال الاَُستاذ عبد الحليم الجنديّ:
كان أوّل المستفيدين بالتدوين الباكر أُولئك الذين يلوذون بالاَئمّة من أهل البيت فيتعلّمون شفاهاً أو تحريراً، أي من فم لفم أو بالكتابة، فما تناقلته كتب الشيعة من الحديث، هو التراث النبويّ ـ في صميمه ـ بلغ الشيعة في
____________
(1) مهج الدعوات : 219 ـ 220 .
(2) حبل المتين : 274 .
(3) الرواشح السماويّة : 98 .

===============

( 446 )

يسر طوع لعلمهم الازدهار، في حين لم يجمع أهل السنّة هذا التراث إلاّ بعد أن انكبّ عليه علماؤهم قرناً ونصف قرن حتّى حصلوا ما دوّنوه في المدوّنات الاَُولى، ثمّ ظلّوا قروناً أُخرى، يجوبون الفيافي والقفار في كلّ الاَماصر... إلى أن يقول: وإذا لاحظنا أنّ من الرواة من قيل إنّه روى عشرات الآلاف من الحديث عن الاِمام، تجلّت كفاية التراث الموثوق به عند الشيعة لحاجات الاَُمّة.
وإذا لاحظنا توثيق الشافعيّ ومالك وأبي حنيفة ويحيىبن معين وأبي حاتم والذهبيّ للاِمام الصادق ـ وهم واضعوا شروط المحدّثين وقواعد قبول الرواية وصحّة السند ـ فمن الحقّ التقرير بأنّ حسبنا أن نقتصر على التفتيش عن رواة السنّة عن الاِمام الصادق.
والشيعة يكفيهم أن يصلوا بالحديث إلى الامام، لا يطلبون إسناداً قبل الاِمام جعفر، بل لا يطلبون إسناداً قبل الاَئمّة عموماً، لاَنّ الاِمام بين أن يكون يروي عن الاِمام الذي أوصى له، وبين أن يكون قرأ الحديث في كتب آبائه، إلى ذلك، فإنّ ما يقوله سنّة عندهم، فهو ممحّص من كلّ وجه، فليست روايته للحديث مجرّد شهادة به، بل هي إعلان لصحّته.
وإذا كان ما رواه الصادق، رواية الباقر، ورواية السجّاد عن الحسين من الحسين أو عن عليّ عن النبيّ، فهذا يصحّح الحديث على كلّ منهج، فالثلاثة الاَخيرون من الصحابة المقدّمين، يروون عن صاحب الرسالة، إذ يروي الحسن والحسين عن عليّ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولامرية كان منهج عليّ ومن تابعه في التدوين خيراً كبيراً للمسلمين، منع المساوىَ المنسوبة إلى بعض

===============

( 447 )

الروايات، وأقفل الباب دون افتراء الزنادقة والوضّاعين، فالسبق في التدوين فضيلة الشيعة، ولمّا أجمع العلماء بعد زمان طويل على الالتجاء إليه كانوا يسلّمون بهذه الفضيلة بالاِجماع لعليّ وبنيه، والسنّة شارحة للكتاب العزيز، وهو مكتوب بإملاء صاحب الرسالة فهي كمثله حقيقة بالكتابة.
إنّما كان المحدّثون من أهل السنّة في القرون الاَُولى مضطرّين لسماع لفظ الحديث من الاَشياخ، أو عرضه عليهم، لاَنّ السنن لم تكن مدّونة فكانت الرحلة إلى أقطار العلم لتلقّي الحديث على العلماء، وسيلتهم الاَكيدة(1).
وقال الشيخ المفيد في الاِرشاد: إنّ أصحاب الحديث قد جمعوا الرواة عن الصادق من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل من أصحابه(2).
قال الشيخ الطبرسيّ في إعلام الورى: ولم ينقل عن أحد من سائر العلوم ما نقل عنه، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات فكانوا أربعة آلاف رجل(3).
وقال في القسم الثالث: وروى عن الصادق من أهل العلم أربعة آلاف إنسان، وصنّف في جواباته في المسائل أربعمائة كتاب تسمّى الاَُصول رواها أصحابه وأصحاب ابنه موسى الكاظم(4).
وقال الشيخ محمّد بن عليّ الفتّال: وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف(5).
قال ابن شهرآشوب في المناقب: نقل عن الصادق من العلوم ما لاينقل
____________
(1) الاِمام جعفر الصادق لعبد الحليم الجنديّ: 203 ـ 204.
(2) الاِرشاد 2 : 179 وعنه في معالم العلماء لابن شهر آشوب 4 : 247 .
(3) إعلام الورى : 284 .
(4) إعلام الورى : 410 .
(5) روضة الواعظين : 207 .

===============

( 448 )

عن أحد وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الثقات على اختلافهم في الآراء فكانوا أربعة آلاف(1).
وقال المحقّق الحلّيّ في المعتبر: فإنّه انتشر عنه من العلوم الجمّة ما بهر به العقول وروى عنه جماعة من الرجال ما يقارب أربعة آلاف رجل، وكتب من أجوبة مسائله أربعمائة مصنَّف لاَربعمائة مصنِّف سمُّوها أُصولاً(2).
وقال الشهيد في الذكرى: إنّ أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق كتب من أجوبة مسائله أربعمائة مصنَّف لاَربعمائة مصنِّف ودون من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل من أهل العراق والشام والحجاز وخراسان(3).
وقال الشيخ حسين والد العلاّمة البهائيّ: ودون العامّة والخاصّة ممّن تبرّز بعلمه من العلماء والفقهاء أربعة آلاف.
وعنه في درايته: قد كتب من أجوبة مسائل الاِمام الصادق فقط، أربعمائة مصنَّف لاَربعمائة مصنِّف، تسمّى الاَُصول في أنواع العلوم(4).
وقال المحقّق الداماد في الراشحة التاسعة والعشرين: والمشهور أنّ الاَُصول الاَربعمائة مصنَّف لاَربعمائة مصنِّف من رجال أبي عبد الله الصادق، بل وفي مجالس السماع والرواية عنه، ورجاله زهاء أربعة آلاف رجل، وكتبهم ومصنّفاتهم كثيرة إلاّ أنّ ما استقرّ الاَمر على اعتبارها والتعويل عليها وتسميتها بالاَُصول هذه الاَربعمائة(5).
وقال الشهيد الثاني في شرح الدراية: استقرّ أمر المتقدّمين على أربعمائة مصنَّف لاَبعمائة مصنِّف سمّوها أُصولاً، فكان اعتمادهم عليها، ثمّ تداعت الحال إلى ذهاب معظم تلك الاَُصول، وألحقها جماعة في كتب خاصّة، تقريباً على المتناول، وأحسن ما جمع منها (الكافي) و(التهذيب) و(الاستبصار)
____________
(1) المناقب 4 : 247 .
(2) المعتبر 1 : 26 .
(3) الذكرى : 6 .
(4) عنه في الذريعة 2 : 129 .
(5) الرواشح السماويّة : 98 .

===============

( 449 )

و(من لايحضره الفقيه)(1).
وقد جاءت أسماء بعض أصحاب هذه المدوّنات في كتاب الرجال لعبداللهبن جبلة الكنانيّ المتوفّى سنة 219 و(مشيخة) الحسنبن محبوب المتوفّى سنة 224، و(الرجال) للحسن بن فضّال المتوفّى 224، و(الرجال) لولده عليّبن الحسن و(الرجال) لمحمّد بن خالد البرقيّ و(الرجال) لولده أحمدبن محمّد بن خالد الذي توفّي سنة 274 و(الرجال) لاَحمد العقيقيّ المتوفّى 280 وغيرهم.
قال الشيخ الطوسيّ في مقدّمة الفهرست (... وانّي لا أضمن الاستيفاء، لاَنّ تصانيف أصحابنا وأُصولهم تكاد لا تنضبط لكثرة انتشار أصحابنا في البلدان)(2).
ونقل السيّد الاَمين في أعيان الشيعة عن الحافظ أحمد بن عقدة الزيديّ الكوفيّ أنّه أفرد كتاباً فيمن روى عنه، جمع فيه أربعة آلاف رجل وذكر مصنّفاتهم، ولم يذكر جميع من روى عنه(3).
فهذه المزايا هي التي دعت الشيعة أن تهتمّ بأُصولها قراءة ورواية وحفظاً وتصحيحاً، لاَنّ فقهها وحديثها قد استقي منها.
الشيعة واستقاؤها من الاَُصول
قال محمّد بن عليّ بن بابويه في مقدّمة كتاب (من لا يحضره الفقيه):
(... ولم أقصد فيه قصد المصنّفين إلى إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به، وأحكم بصحّته، وأعتقد أنّه حجّة بيني وبين ربّي عزّ وجلّ.
وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعوّل، وإليها المرجع، مثل: كتاب حريز بن عبد الله السجستانيّ، وكتاب عبيدالله بن عليّ الحلبيّ، وكتب عليّ بن مهزيار الاَهوازيّ، وكتب الحسين بن سعيد، ونوادر أحمدبن محمّدبن عيسى، وكتاب الرحمة لسعد بن عبد الله، وجامع شيخنا محمّدبن الحسن بن الوليد، ونوادر محمّد بن أبي عمير، وكتاب المحاسن لاَحمدبن أبي عبد الله البرقيّ، ورسالة أبي إليّ، وغيرها من الاَُصول والمصنّفات، التي طرقي إليها معروفة في فهرست الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي وبالغت في ذلك جهدي، مستعيناً بالله ومتوكّلاً عليه، ومستغفراً من التقصير(1).
وقال المحقّق الحلّيّ في المعتبر:
روى عن الصادق (عليه السلام) من الرجال ما يقارب أربعة آلاف رجل، وبرز بتعليمه من الفقهاء الاَفاضل جمّ غفير، كزرارة بن أعين وإخوته: ـ بكير، وحمران ـ وجميلبن صالح، وجميل بن درّاج، ومحمّد بن مسلم، وبريدبن معاوية، والهشامين، وأبي بصير، وعبد الله، ومحمّد وعمران الحلبيَّين، وعبدالله بن سنان، وأبي الصباح الكنانيّ، وغيرهم من الفضلاء، حتّى كُتبت من أجوبة مسائله أربعمائة مصنَّف لاَربعمائة مُصنِّف، سمّوها أُصولاً.
ثمّ قال: كان من تلامذة الجواد (عليه السلام) فضلاء، كالحسين بن سعيد وأخيه،
____________
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 2 ـ 5.

===============

( 452 )

وأحمدبن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، وأحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ، وشاذان أبي الفضل القمّيّ، وأيّوب بن نوح بن درّاج، وأحمدبن محمّدبن عيسى، وغيرهم ممّن يطول تعدادهم، وكتبهم الآن منقولة بين الاَصحاب، دالّة على العلم الغزير.
ثمّ قال: اجتزأت بإيراد كلام من اشتهر علمه وفضله، وعُرف تقدّمه في نقد الاَخبار، وصحّة الاختبار، وجودة الاعتبار.
واقتصرت من كتب هؤلاء الاَفاضل على ما بان فيه اجتهادهم وعرف به اهتمامهم وعليه اعتمادهم فممّن اخترت نقله: الحسن بن محبوب، وأحمدبن محمّدبن أبينصر، والحسين بن سعيد، والفضل بن شاذان، ويونسبن عبدالرحمن، ومن المتأخّرين: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه، ومحمّدبن يعقوب الكلينيّ...(1) قال ابن إدريس الحلّيّ في مستطرفات السرائر، باب الزيادات، فيما انتزعه واستطرفه من كتب المشيخة المصنّفين والرواة المحصّلين... ـ إلى أن يقول ـ:
ومن ذلك: ما استطرفناه من كتاب نوادر أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، صاحب الرضا (عليه السلام).
ومن ذلك: ما أورده أبان بن تغلب، صاحب الباقر والصادق (عليه السلام) في كتابه.
ومن ذلك: ما استطرفناه من كتاب جميل بن درّاج.
ومن ذلك: ما استطرفناه من كتاب السياريّ، واسمه أبو عبد الله، صاحب موسى الرضا (عليه السلام).
ومن ذلك: ما استطرفناه من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم مولانا عليبن محمّد، الهاديّ (عليه السلام) والاَجوبة عن ذلك.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب المشيخة، تصنيف الحسنبن
____________
(1) المعتبر 1 : 7 .

===============

( 453 )

محبوب؛ السرّاد؛ صاحب الرضا (عليه السلام). وهو ثقة عند أصحابنا، جليل القدر، كثير الرواية، أحدُ الاَركان الاَربعة في عصره، وكتاب المشيخة كتابٌ معتمدٌ.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب نوادر المصنّف، تصنيف محمّدبن عليّبن محبوب.
وكان هذا الكتاب بخطّ شيخنا أبي جعفر، الطوسيّ، فنقلت هذه الاَحاديث من خطّه.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب «من لا يحضره الفقيه»، لابن بابويه.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب (قُرب الاِسْناد) تصنيف محمّدبن عبدالله بن جعفر الحميريّ.
وما استطرفناه، من كتاب جعفر بن محمّد بن سنان؛ الدهقان.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب (تهذيب الاَحكام).
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب عبد الله بن بكير بن أعين.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب أبي القاسم ابن قولويه.
وممّا استطرفناه، من كتاب (أنْس العالم)، تصنيف الصفوانيّ.
وممّا استطرفناه، من كتاب (المحاسن)، تصنيف أحمد بن أبي عبدالله؛ البرقيّ.
ومن ذلك: ما استطرفناه من كتاب (العيون والمحاسن) تصنيف المُفيد. انتهى(1).
قال الشيخ البهائيّ في (الوجيزة):
(جميع أحادينا ـ إلاّ ما ندرـ ينتهي إلى أئمّتنا الاثني عشر (عليهم السلام)، وهم ينتهون فيها إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ علومهم مقتبسة من قلب المشكاة، وما تضمّنته كتب الخاصّة من الاَحاديث المرويّة من أئمّتهم، تزيد على ما في الصحاح الستّة للعامّة بكثير، كما يظهر لمن تتبّع كتب الفريقين.

____________
(1) السرائر (ص471 ـ 493)، وقد طبع باسم (مستطرفات السرائر).

===============

( 454 )

وقد روى راوٍ واحد ـ وهو أبان بن تغلب ـ عن إمام واحدٍ ـ أعني الصادق ـ ثلاثين ألف حديث.
وقد كان جَمَعَ قدماء محدّثينا ما وصل إليهم من كلام أئمّتنا (عليهم السلام) في أربعمائة كتاب فسمّي (الاَُصول).
ثمّ تصدّى جماعة من المتأخّرين شكر الله سعيهم لجمع تلك الكتب وترتيبها، تقليلاً للانتشار، وتسهيلاً على طالبي تلك الاَخبار، فألّفوا كتباً مضبوطة، مهذّبة مشتملة على الاَسانيد المتّصلة بأصحاب العصمة (عليهم السلام) كالكافي ومن لايحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار ومدينة العلم والخصال والاَمالي وعيون الاَخبار وغيرها(1).
وقد صرّح الشيخ حسن في المنتقى والمعالم بأنّ أحاديث الكتب الاَربعة وأمثالها محفوفة بالقرائن وأنّها منقولة من الاَُصول والكتب المجمع عليها بغير تغيير(2).
قال الكفعميّ في الجنّة الواقية:
(هذا كتاب محتوٍ على عوذ، ودعوات، وتسابيح، وزيارات،...، إلى أن يقول: مأخوذة من كتب معتمد على صحّتها مأمون بالتمسّك بوثقى عروتها(3).
وقد شهد عليّ بن إبراهيم القمّيّ بثبوت أحاديث تفسيره وأنّها مرويّة عن الثقات عن الاَئمّة(4).
وذكر السيّد رضي الدين ابن طاووس في كتبه ما يدلّ على أنّ أكثر الكتب المذكورة وغيرها من أمثالها من أُصول أصحاب الاَئمّة كانت عنده ونقل منها شيئاً كثيراً(5)، وكذا الشهيد في الذكرى والكفعميّ في المصباح قد صرّحا بأنّ
____________
(1) الوجيزة: 6 ـ 7 وعنه في خاتمة الوسائل 30 : 200 وله كلام في مشرق الشمسين: 269ـ270 فراجع.
(2) منتقى الجمّان 1: 27.
(3) الجنّة الواقية: 3 ـ 4.
(4) تفسير القمّيّ 1 : 4 ، كما في خاتمة الوسائل 30: 202.
(5) انظر خاتمة الوسائل 30 : 213 .

===============

( 455 )

كثيراً من أُصول القدماء وكتبهم كانت موجودة، عندهم(1).
حتّى وصل الاَمر بالشيخ الحرّ العامليّ أن يقول في الفائدة الرابعة من خاتمة كتابه «وسائل الشيعة» وهو بصدد عدّ مصادر الكتاب:... وغير ذلك، وأمّا ما نقلوا منه ولم يصرّحوا باسمه، فكثير جدّاً، مذكور في كتب الرجال، يزيد على ستّة آلاف وستمائة كتاب على ما ضبطناه(2).
وعلى كلّ حال فقد نبغ جماعة من تلامذة الاَئمّة وخصوصاً في زمن الصادقين في شتّى العلوم ودوّنوا ما تلقّوه عنهم في كتب وقد أشار علماء الرجال والتراجم إلى مصنّفاتهم كابن النديم والكشّيّ والنجاشيّ وغيرهم.
فألّف هشام بن الحكم كتاباً في الاَلفاظ، والردّ على الزنادقة، وفي التوحيد، والاِمامة والجبر والقدر، والردّ على الثنويّة والردّ على أرسطاطاليس وغيره من فلاسفة اليونان ورسائل كثيرة في الفقه والاَُصول.
وألّف زرارة بن أعين كتاباً في الاستطاعة والجبر وغيرها.
ومحمّد بن عمر في التوحيد والاِمامة والفقه.
ويعقوب بن إسحاق السكِّيت في إصلاح المنطق وكتاب في الاَلفاظ والاَضداد، والاَلفاظ المشتركة بين معان متعدّدة.
وألّف محمّد بن النعمان البجليّ ـ مؤمن الطاق ـ كتباً في الاِمامة والمعرفة، وإثبات الوصيّة، والاَوامر والنواهي، المناظرات وغيرها.
وغيرهم من أصحاب الاَئمّة غيرها فإنّ مؤلّفات هؤلاء تعدّ بالمئات إن لمنقل بالاَُلوف وقد أخذ المحمّدون الثلاثة ـ الكلينيّ والصدوق والطوسيّ ـ كتبهم الاَربعة منها وإن كان لكلّ واحد من الاَخيرين كتب أُخرى في التفسير والتاريخ والحديث و...
وقد كان جلّ الرواة عن الاَئمّة في غاية العدالة والوثاقة، وموضع احترام جميع المسلمين بشتّى طوائفهم، حتّى أنَّ أصحاب الصحاح الستّة خرَّجوا
____________
(1) انظر خاتمة الوسائل 30 : 213 أيضاً .
(2) وسائل الشيعة 30: 165 الخاتمة.

===============

( 456 )

لكثير منهم في كتبهم ، ونصّ الرجاليّون أو بعضهم على وثاقتهم ومكانتهم العلميّة، مع قولهم «فيه تشيّع شنيع» و«صدوق ولكنّ مذهبه مذهب الشيعة» أو «شيعيّ المذهب» أو ما يشاكلها من العبارات(1).
فقد ذكر محمّد بن يعقوب الكلينيّ ـ صاحب الكافي ـ غالبَ أصحاب التراجم، وأمّا جامعو تلك الروايات ومدوّنوها فهم أيضاً من الجلالة بمكان كابن ماكولا(2)، وابن الاَثير(3)، والصفديّ(4)، وابن حجر(5)، وغيرهم من المحدثين واللغويين كالفيروزآبادي(6)والزبيدي(7)و... في كتبهم.
وادّعى الاَُستاذ ثامر العميديّ عدم وجود جرح واحد من الاَعلام في الكلينيّ بقوله:
لم أقف على عالم من علماء الرجال من أهل السنّة قد مسّ الكلينيّ بجرح قطّ لا مفسّراً ولا غير مفسّر. أقول: لميتعرّض أحدهم إليه بسوء قطّ مع ما عرفت عنهم مع الاَسف من تجريح رجال الشيعة لمجرّد تشيّعهم، وهذه حقيقة لاينكرها أحد من الباحثين، وهذا يدلّ على اتّفاقهم على أن لثقة الاِسلام الكلينيّ مكانة بين علماء الاِسلام لايمسّها أحد بسوء إلاّ كذب وافتضح أمره بين العلماء(8).
بل عدّه ابن الاَثير من المجدّدين الاِماميّة على رأس المائة الثالثة(9).

____________
(1) وقد ذكر السيّد عبد الحسين شرف الدين في المراجعات أسماء أكثر من مائة منهم، فراجع.
(2) الاِكمال 4: 575.
(3) الكامل 8: 364.
(4) الوافي بالوفيّات 5: 226.
(5) لسان الميزان 5: 433.
(6) القاموس المحيط 4: 363.
(7) تاج العروس 9: 322.
(8) دفاع عن الكافي 1: 38.
(9) جامع الاَُصول 12: 220.

===============

( 457 )

أمّا محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ ـ صاحب من لايحضره الفقيه ـ فهو صاحب التصانيف الكثيرة، يضرب بحفظه المثل(1)، وهو من أُسرة علميّة جليلة القدر في الفضل، قال ابن أبي طيّ عن بيتهم : بيت العلم والجلالة(2)، كان أبوه من كبار علماء الشيعة ومصنّفيهم(3)، جليل القدر، حافظ للاَحاديث بصير بالرجال، ناقد للاَخبار، لم ير في القمّيّين مثله في حفظه وكثرة علمه له نحو من ثلاثمائة مصنّف(4)، وهو الذي أمات فتنة الحسينبن منصور الحلاّج بقم(5)سمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث(6)وروى عنه جمع منهم الشيخ المفيد(7).
والشيخ المفيد هو تلميذ الصدوق وأُستاذ الطوسيّ (لقِّب بابن المعلِّم، صاحب التصانيف البديعة، وهي مائتا مصنَّف)(8)، (انتهت إليه رئاسة أصحابه من الشيعة الاِماميّة والكلام، والآثار في صناعة الكلام على مذاهب الصحابة، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر)(9)(كان لابن المعلِّم مجلس نظر بداره بدرب رباح يحضره كافّة العلماء)(10)(ويناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهيّة)(11).
«كان صاحب فنون وبحوث وكلام، واعتزال، وأدب، ذكره ابن أبي طيّ في (تاريخ الاِماميّة) فأطنب وأسهب، وقال: كان أوحد في جميع فنون العلم:
____________
(1) سير أعلام النبلاء 16: 303|112.
(2) لسان الميزان 202 و279.
(3) سير أعلام النبلاء 16: 304|212.
(4) الفهرست، للطوسيّ: 156.
(5) انظر مقدّمة المقنع والهداية ص22.
(6) رجال النجاشيّ: 276 ط قديم.
(7) سفينة البحار 2: 22.
(8) لسان الميزان 5: 368.
(9) الفهرست لابن النديم: 226، 247.
(10) المنتظم 8: 11.
(11) مرآة الجنان لليافعيّ 3: 28، وشذرات الذهب 3: 199.

===============

( 458 )

الاَصلين، والفقه، والاَخبار، ومعرفة الرجال والتفسير، والنحو، والشعر، وكان قويّ النفس، كثير البرّ، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، يلبس الخشن من الثياب...»(1)
أمّا الشيخ محمّد بن الحسن الطوسيّ فهو شيخ الطائفة في زمانه صاحب التصانيف، له كتابين عُدَّا من الكتب الاَربعة عند الشيعة الاِماميّة.
1 ـ تهذيب الاَحكام. 2 ـ الاستبصار فيما اختلف من الاَخبار (أخذ الكلام وأُصول القوم عن الشيخ المفيد رأس الاِماميّة، ولزمه وبرع، وعمل التفسير، وأملى أحاديث ونوادر في مجلّدين، عامّتها عن شيخه المفيد)(2).
وعدّ السبكيّ(3)والسيوطيّ(4)والكاتب الچلبيّ في كشف الظنون الشيخ الطوسيّ من الشافعيّة ويحتمل أن يكون قد التبس عليهم عرضة لاَقوال أهل السنّة والجماعة في الفقه والتفسير.
قال الشيخ محمّد أبو زهرة ـ في كتابه الاِمام الصادق ـ عن الشيخ الطوسيّ: كان عالماً على المنهاجين الاِماميّ والسنّيّ.
وقال الاَُستاذ عبد الحليم الجنديّ: الطوسيّ حجّة في المذهب الاِماميّ وفي مذاهب أهل السنّة(5).
كان هذا مجمل الحديث عن حياة أصحاب الكتب الاَربعة، وتراهم ينقلون مرويّاتهم عن الاَُصول الاَربعمائة، وأُولئك قد دوّنوا أُصولهم عن أئمّة أهل البيت، والاَئمّة نقلوا الاَخبار عن كتاب عليّ وكتاب عليّ هو إملاء رسول الله ونهج عليّ.
إذاً نهج التدوين والتحديث مترابط عند الشيعة لا خدش فيه وهذا ما يؤكّد أصالته.

____________
(1) سير أعلام النبلاء 17: 344.
(2) سير أعلام النبلاء 18: 334.
(3) طبقات الشافعيّة 3: 51.
(4) طبقات المفسّرين: 29.
(5) الاِمام جعفر الصادق: 258.

===============

( 459 )

وممّا يجب الاِشارة إليه هو:
أنّ الاَُصول الاَربعمائة لم تكن جامعة لكلّ ما تحدّث به الاَئمّة في الفقه وغيره من المواضيع المختلفة، بل بقي قسم منها في صدور الحفّاظ من الرواة لاَحاديث أهل البيت، كما أنّ الكتب الاَربعة التي ألّفها المحمّدون الثلاثة لمتستوعب جميع الاَحاديث التي رواها أصحاب الاَئمّة ولم يدوّنوا منها إلاّ ما صحّ عندهم من أحاديث الاَُصول وغيرها. ولم يثبت أنّهم توصّلوا إلى جميع الاَُصول الاَربعمائة.
قال السيّد الاَمينيّ في أعيانه: إنّ الاَُصول الاَربعمائة قد بقي بعضها إلى العصور المتأخّرة في خزائن الكتب عند علماء الشيعة كالحرّ العامليّ والمجلسيّ والمعاصر الميرزا حسين النوريّ وغيرهم، وتلف أكثرها ولكنّ مضامينها محفوظة في مجاميع كتب الحديث لاَنّ علماءنا من أوائل المائة الرابعة إلى النصف الاَوّل من القرن الخامس قد أخذوا كتبهم منها ومن غيرها ممّا جمع فيها.
وأنقل هنا كلام الاَُستاذ عبد الحليم في كتابه الاِمام جعفر الصادق، وهو في معرض كلامه عن التدوين:
... لكنّ عليّاً دوّن وخلّف في شيعته طريقة التدوين، فلقد كان على ثقة من طريقته، وهو الذي يقول فيه الرسول (عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ولن يفترقا حتّى يردا عَلَيَّ الحوض) إلى أن يقول:
وبالتدوين الفقهيّ استقرّ المذهب في صدر الحفظة والنقلة، ممّن يملي إلى بنيه، فبنيهم، وبخاصّة زين العابدين، وزيد والباقر والصادق، ثمّ عملت مجالس الاِمام الصادق في نشره كمثل عمل التدوين في استقراره وأدرك الاَئمّة الذين تتلمذوا له وتلاميذهم أُموراً ترفع مجلس الصادق فوق المجالس، سواء مجالس أهل السنّة أو أهل البيت، ثمّ عدّوا أشياءً في ذلك(1).
وكان الاَُستاذ قد قال قبل ذلك قوله: إنّ التلمذة للاِمام الصادق قد سربلت
____________
(1) الاِمام جعفر الصادق لعبد الحليم الجنديّ: 186.

===============

( 460 )

بالمجد فقه المذاهب الاَربعة لاَهل السنّة، أمّا الاِمام الصادق فمجده لايقبل الزيادة ولاالنقصان فالاِمام مبلِّغ للناس كافَّة علم جدِّه عليه الصلاة والسلام، والاِمامة مرتبة وتلمذة أئمّة السنّة له تشوق منهم لمقاربة صاحب المرتبة(1).
وقال في مكان آخر: إنّما كان مالك يجد ريح الرسول في مجلس ابن بنته، ويحسّ، أو يكاد يلمس، شيئاً مادّيّاً يتسلسل من الجدّ لحفيده، أو أشياء غيرمادّيّة تملك اللبّ والعقل، فالرؤية متعة والسماع نعمة، والجوار ـ مجرد الجوار ـ تأديب وتربيب، وفي كلّ أُولئك طرائق قاصدة إلى الجنّة. وصاحب المجلس طهر كلّه، لا يتحدّث عن جدّه إلاّ على الطهارة...(2) وفي مكان آخر قال: في هذا المجلس تتلمذ للاِمام جعفر وروى عنه ـ كما يقول أرباب الاِحصاءات ـ أربعة آلاف من الرواة وكتب عنه أربعمائة كاتب كلّهم يقول: قال جعفر بن محمّد.
فأيّ مجلس كان ذلك المجلس! تتراءى فيه أشياء من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعضها مادّيّ يجري في أصلاب رجل بعد رجل، وبعضه معنويّ يتراءى في معانيه وفحوى مقولاته، لكلّ هؤلاء.
ليس بالمجلس لجاجة ولا حجاج عقيم يقول للتلاميذ: من عرف شيئاً قلّ كلامه فيه وإنّما سمّي البليغ لاَنّه يبلغ حاجته بأدنى سعيه...(3) وبهذا أختم الحديث عن مكانة المجاميع الحديثيّة عند الشيعة الاِماميّة ونظراتهم لها، فهم لا ينظرون إلى الكتب الاَربعة أنّها منزلة من عند الله سبحانه أو أنّ مَن روى عنه الكلينيّ أو الطوسيّ أو الصدوق فقد جاوز القنطرة، ولايرون كلّ ما فيها صحيحاً، فمرويّات الكتب الاَربعة كغيرها تخضع لاَُصول الجرح والتعديل والنقد والاستدلال ولم تحط بهالة كما أُحيطت الصحاح عند العامّة.
فالحديث إذا لم يكن جامعاً للشرائط المعتبرة لا قيمة له وإن ذكره مشايخ المحدّثين كالكلينيّ أو الطوسيّ، بل يلزم أن يقترن بما يؤكّد صدروه عن
____________
(1) الاِمام جعفر الصادق: 163.
(2) الاِمام جعفر الصادق: 160.
(3) الاِمام جعفر الصادق: 160.

===============

( 461 )

المعصوم بقرائن حاليّة أو مقاليّة ممّا يوجب الوثوق به، كوجوده في كثير من الاَُصول الاَربعمائة أو على أقلّ تقدير في أصل أو أصلين منها، بأسانيد متعدّدة معتبرة، أو وجوده في أحد الكتب المعروضة على الاَئمّة ككتاب عبيدالله الحلبيّ الذي عرضه على الاِمام الصادق فقال فيه: ليس لهؤلاء مثله.
وكتابَي يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان اللذين عُرِضا على الاِمام الحسن العسكريّ.
أو وجوده في الاَُصول المعتمدة عند السلف المعاصرين للاَئمّة ككتاب الصلاة لحريز بن عبد الله، وكتب ابن سعيد وعليّ بن مهزيار وغيرها، حتّى وإن كانت من كتب غير الاِماميّة ككتاب جعفر بن غياث القاضي وكتب الحسينبن عبدالله السعديّ وكتاب القبلة لعليّ بن الحسن الطاطريّ(1).

وقفة أُخرى مع كتاب عليّ
سـبق أن قلنـا إنّ لكتـاب علـيّ الجامعيّـة، وإنّ مسـائلـه لا تنحصـر فـي الاِرثوالقضـاء فقد اسـتشـهـد الاَئمّـة به في جميـع شـؤون الحيـاة والفقه كما في:
سـؤر الهـرّة(2)… والوضـوء من غسـل الجنابـة(3)وأحكـام الجنـائـز، ووقت فضيلة الظهـر والعصـر والتشـهد في الصـلاة(4)وحكم المحرم يمـوت كيف يصـنـع به(5)والصـلاة في وبر كلّ شـيء حـرام لحمـه(6)والتشـهد في
____________
(1) انظر الفائدة الرابعة من خاتمة المستدرك للمحدّث النوريّ 3 : 482 .
(2) التهذيب 1: 227 ح655|38 و9: 86 ح364|9، وانظر الكافي 3: 9 ح4.
(3) التهذيب 1: 339 ح398.
(4) التهذيب 2: 23 ح64|15، الاستبصار 1: 261 ح27، منتهى المطلب 1: 207، الوسائل 4: 144 ح4754|14 و147 ح4766|26.
(5) وفيه أربع روايات الاَُولى عن عبد الله بن سنان (انظر التهذيب 5: 383 ح1337|250) والثانية عن ابن مريم (انظر فروع الكافي 4: 368 ح3) والثالثة والرابعة عنعبدالرحمن ابن أبي عبدالله (انظر تهذيب الاَحكام 1: 329 ح963|136) وفروع الكافي 3: 175 ح6 والاستبصار 1: 472 ح1826|7.
(6) فروع الكافي 3: 397 ح1، تهذيب الاَحكام 2: 209 ح818|26، الاستبصار 1:383 ح1، عوالي اللئالىَ 3:74 ح34.

===============

( 462 )

الصـلاة(1) إنّ الله يـؤجـر عـلـى كـثـرة الصـلاة والـصـوم(2) ، وعـدالـة إمـام الجـمـاعـة(3) وأدب الدعـاء(4) ومـنـع الزكـاة(5) ومســائـل فـي الاَمـر بالمعـروف وظـهـور الزنـا وقطـيـعـة الـرحـم(6) والصـوم للـرؤيـة(7) ولبـس الطيلســان للمحـرم(8) وصـيـد المحرم(9) والشـكّ فـي أشـواط الطواف(10) وإعطـاء الاَمـان لمـن لحـق بالمسـلميـن(11) ، ومـال الابـن(12) ومعنـى الشـيء في الوصـيّـة(13) وعـدّة مسـائل فـي النكـاح(14) والاَيمـان(15) وأكـل البازي
____________
(1) بصائر الدرجات: 165 ح14.
(2) بصائر الدرجات: 185 ح11، الوسائل 4: 103 ح4630|4 و10: 407 ح13714|42.
(3) التهذيب 3: 28 ح96|8.
(4) أُصول الكافي 2: 484 ح2 و485 ح7، الوسائل 7: 80 ح8784|3 .
(5) فروع الكافي 3: 505 ح17، الوسائل 9: 26 ح11431|12.
(6) العلل 2: 584 ح26 ، وأمالي الطوسيّ 1: 131.
(7) التهذيب 4: 158 ح441|13، الاستبصار 2: 64 ح208|10، الوسائل 10: 255 ح13349|11.
(8) فروع الكافي 4:340 ح7،الفقيه 2:217 ح21، علل الشرائع 2:408ح1.
(9) التهذيب 5: 344 ح1190|103 و1191|104 و355 ح1233|146، الاستبصار 2: 203 ح3، فروع الكافي 4: 389 ح5 و4: 390 ح9، عوالي اللئالىَ 3: 173 ح86 و88.
(10) التهذيب 5: 152 ح502|27، الاستبصار 2: 240 ح835|5، الوسائل 13: 366 ح17966|10، و367 ح17972|16.
(11) فروع الكافي 5: 31 ح5.
(12) التهذيب 6: 343 ح961|82.
(13) الكافي 7: 40 ح1، والفقيه 4: 151 ح1، والتهذيب 9: 211 ح836|3 ومعاني الاخبار 217 ح1.
(14) الفقيه 3: 263 ح37 و286 ح6، والكافي 5: 135 ح5 و452 ح1، التهذيب 7: 432 ح1723|34 و481 ح1932|140، في الاستبصار 3: 48 ح158|1.
(15) اصول الكافي 2: 347 ح4، الفروع 7: 436 ح9، والخصال 1: 124 ح119، ثواب الاعمال: 270 ح8.

===============

( 463 )

والصقر(1) ومسـائل فـي الصيـد والذكـاة(2) ومـا يقطـع من إليـات والضأن(3) ، وتحـريم أكـل الجـرّي والمـارمـاهـي والطـافـي(4) والزمـيـر(5) والطـحـال ومـاألـقـاه البـحـر(6) والـجـريـث(7) ولـحـم الـحـمـر الاَهـلـيّـة(8) وحـكـم الاَراضي(9) والفرائض والمواريث(10) والقضاء(11) والحدود(12) والديات(13)
____________
(1) الكافي 6: 202 ح1 و207 ح1، التهذيب 9: 22 ح88|88، تفسير العيّاشيّ 1: 294 ح28 و295 ح30.
(2) الكافي 6: 232 ح1 و3، الفقيه 3: 210 ح61، التهذيب 9: 57 ح237|237، الوسائل24:23 ح29891|6 وح29892|7 و 65 ح30010|44، و136 ح30175|21.
(3) الكافي 6: 254 ح1، الفقيه 3: 209 ح57.
(4) التهذيب 9: 5 ح12|12، الاستبصار 4: 590 ح5، العوالي 3: 464 ح9.
(5) الكافي 6: 219 ح1، التهذيب 9: 2 ح1|1.
(6) التهذيب 9: 9 ح18|18، الوسائل 24:134 ح30170|16.
(7) التهذيب 9: 4 ح9|9 و10|10، الاستبصار 4: 58 ح201|2 و59 ح3.
(8) التهذيب 9 : 40 ح 169 | 169.
(9) أُصول الكافي 1: 407 ح1، فروعه 5: 279 ح5، التهذيب 7: 152 ح674|23، الاستبصار 3: 108 ح383|5، والعيّاشيّ في تفسيره 2: 25 ح66، والوسائل 25: 414 ح32246|2 ط قديم، المستدرك 17: 112 ب2 ح1.
(10) كرواية أبي ايوب الخزار المروية في الكافي 7: 77 ح1 والتهذيب 9: 269 ح976|3 وأبي الربيع المروية في الفقيه 4: 306 ح13، والقاسم بن سليمان المروية في التهذيب 9: 308 ح1103|24، وعبد الرحمن بن الحجاج المروية في الفروع 7: 136 ح1 والفقيه 4: 225 ح1، جميعاً عن الصادق
(عليه السلام)، وفي العوالي 2: 152 ح424 والدعائم 2: 381 ح1361 وفي البصائر: 185 دعا أبو جعفر بكتاب علي فجاء به جعفر.
(11) الكافي 7: 414 ح3 و415 ح7، التهذيب 6: 228 ح550|1 و551|2 عن أبي بصير ومحمّدبن مسلم وزرارة، وانظر بصائر الدرجات: 163 ح7.
(12) الفقيه 4: 53 ح14، المحاسن 1: 273 ح377 ب37، التهذيب 10: 146 ح579|10، العوالي 3: 549، الكافي 7: 200 ح12 و214 ح4 و216 ح11، التهذيب 10: 55 ح203 وص90 ح348|5 و345|2 وص108 ح421|38 وغيرها.
(13) الكافي 7: 316 ح1 و329 ح1، وأُصوله 1: 238 ح1، التهذيب 10: 251 ح996|29، و70 ح21063|8 و277 ح9، و254 ح1005|38، الاستبصار 4: 266 ح1004|8، ح72 و630 ح55، الخصال 2: 539 ح9، البصائر: 171 ح3.

===============

( 464 )

والزنا(1) والكبائر(2) وأكل مال اليتيم(3) وعقاب المعاصي(4) والجدّ في العبادة(5) وابتلاء المؤمن(6) ومثل الدنيا(7) وحسن الظنّ بالله(8) وحرمة الجار(9) والخلق(10) وأصحاب السبت(11) وطلب العلم(12) ودية الاَسنان(13) وغيرها من الكثير الكثير من تشقيقات المسائل والعلوم.
وما ذكرناه ما هو إلاّ نماذج متنوّعة من كتاب عليّ ولم يكن بالجرد الدقيق لتلك المرويّات في مصنّفات الشيعة الاِماميّة، قد جئنا بها لاِيضاح التخالف الموجود بين المدرستين في الفقه، والخلاف بين المسلمين صار فيه بعد أن كان في أمر الخلافة، مشيرين إلى أنّ مدرسة التعبّد المحض كانت تتمسّك بكتاب عليّ كي تبرهن على أصالتها واستقائها من رسول الله والوحي، ومن هذا
____________
(1) المحاسن 1: 107 ح93 ب46، الكافي 5: 541 ح4.
(2) أُصول الكافي 2: 278 ح8، الوسائل 15: 321 ح20631|4 .
(3) ثواب الاَعمال: 277 ح1، والعيّاشيّ في تفسيره 1: 223 ح39، والمستدرك 13: 190 ح3 ب58 والوسائل 17: 247 ح22443|5 .
(4) ثواب الاَعمال: 298 ح2، أمالي الصدوق: 253 ح2.
(5) الروضة من الكافي 8: 129 ح100 و163 ح172، مناقب ابنشهرآشوب 2: 125، الوسائل 1: 91 ح215|18.
(6) التمحيص: 44 ح55، أُصول الكافي 2: 259 ح29، علل الشرائع 1: 44 ح1.
(7) أُصول الكافي 2: 136 ح22، تنبيه الخواطر 2: 194.
(8) الاختصاص: 227، أُصول الكافي 2: 71 ح2.
(9) أُصول الكافي 2: 666 ح2.
(10) تفسير القمّيّ 1:36، تفسير العيّاشيّ 1:26 ح2، البحار11:103 ح10.
(11) تفسير القمّيّ 1: 244، تفسير العيّاشيّ 2: 33 ح93، البحار 14: 52 ح5 ب4.
(12) أُصول الكافي 1: 41 ح1، قرب الاِسناد: 44، البحار 1: 106 ح2 ب3 و2: 67 ح 14 و227 ح5 ب29، كشف الغمّة 2: 346.
(13) وقد شرحها الاِمام للحكم بن عيينة انظر الكافي 7: 329 ح1، الفقيه 4: 104 ح12، التهذيب 10: 254 ح1005|38، والاستبصار 4: 288 ح1089|1، الاختصاص: 254.

===============

( 465 )

المنطلق جاء التعتيم على هذا الكتاب من قبل مانعي التدوين، ممّا جعل البعض يستغرب ما فيه من أحكام لاَنّه لم يطرق سمعه بها من قبل!

 

 

نماذج تطبيقيّة لفقه النهجين


بعد كلّ الذي قدمناه عن التدوين عند مدرسة (التعبّد المحض) ومنعها عند مدرسة (الرأي والاجتهاد) نقدّم الآن نماذج حيّة تطبيقيّة لفقهَي (التعبّد المحض) و(الاجتهاد والرأي) ولا نبتغي من وراءه إلاّ تجسيم كون الخلاف في الفقه بعد أن كان في الخلافة من ذي قبل.
وهذا يوضّح ما قلناه في سبب منع التدوين من قِبل الشيخين وأنّ آثاره قد انعكست على واقع المسلمين اليوم، لاَنّ التخالف في الفقه يرجع إلى التخالف في الاَُصول والروايات المستقاة عند الطرفين، وحينما عرفت تاريخ السنّة وملابساتها فقد عرفت كلّ شيء.
وإليك أربع مسائل من المسائل الفقهيّة المختلف فيها بين الاتّجاهين، آثرنا أن نأتي بها من أبواب مختلفة في الفقه (الاِرث، الاَطعمة والاَشربة، الحدود، الديات) لكي يتّضح ما نقوله بأجلى صوره وأوضحها، وليتبيّن أنّ المنع الصادر عن الشيخين قد أثّر تأثيراً كاملاً في جلّ أبواب الفقه الاِسلاميّ إن لمنقل كلّه، إذ من آثار المنع هو القول بمشروعيّة تعدّد الآراء عند الصحابة، وبمعنى آخر: بمنع التدوين ينفتح باب الاجتهاد لا محالة، لاَنّ الناس بحاجة إلى حلول في قضاياهم العامّة خصوصاً في المسائل المستحدثة وبالاجتهاد من قبل الصحابة سواء كان هذا الاجتهاد طبق النصّ أو لا يسدّ هذا العوز، ونحن نعلم أنّ الاجتهاد بطبيعته لا يلزم الفرد الوقوف عند الرأي الواحد، ومن هنا حدث الاختلاف بين الصحابة في آرائهم وفقههم، وحتّى بين أقوال الصحابيّ الواحد بنفسه، وقد أثّر هذا الاختلاف بين الصحابة ـ بسبب عدم وقوفهم على رأي واحد ـ على التابعين من بعدهم، لاَنّ الخلفاء وبتدوينهم أقوال الصحابة بجنب حديث رسول الله قد أصّلوا تلك الاختلافات عنهم، وقد مرّ عليك قول

===============

( 468 )

الحسن بن كيسان واختلافه مع الزهريّ في كلام الصحابيّ، فهل هو من السنّة حتّى يدوّنه أو لا؟ فذهب ابن كيسان إلى أنّه ليس بسنّه، لكنّ الزهريّ كان يصرّ على تدوينه لاَقوالهم معتقداً بأنّها سنّة، فقال بن كيسان: دَوَّنَ وضيَّعتُ.
وقال الشيخ محمّد أبو زهرة : وجدنا مالكاً يأخذ بفتواهم على أنّها سنّة(1).
وبهذا قد درج الاختلاف إلى الاَُصول وصارت شريعة لايمكن مخالفتها، وحتّى أنّا نرى اختلاف النقل عن الصحابيّ الواحد بذاته، فهذا يأخذ برأيه الاَوّل والآخر برأيه الثاني.
كلّ هذه المقدّمة وضّحت لنا أنّ السنّة النبويّة عند أهل السنّة والجماعة قد مرّت بمرحلتين 1 ـ المنع. 2 ـ التدوين. فبالمنع شرّعت الآراء واختلطت سنّة رسول الله بما سنَّ عن الصحابة، وبالتدوين دوّنت تلك الآراء المختلفة وصارت شريعة يؤخذ بها. أمّا مدرسة التعبّد المحض فلم تمرّ إلاّ بمرحلة واحدة وهي الاَخذ عن رسول الله وما كتبه عليّ عنه (ص) (من فيه (ص) بيده) ولاَجله لم نرى اختلافاً جوهريّاً في المسائل المطروحة في فقه التعبّد المحض وإليك نصوص في ذلك.

1 ـ الاِرث
عن محمّد بن مسلم قال: نشر أبو عبد الله صحيفة، فأوّل ما تلقاني فيها (ابن أخ وجدّ، المال بينهما نصفان).
فقلت: جعلت فداك إنّ القضاة عندنا لا يقضون لابن الاَخ مع الجدّ بشيء!!
فقال: إنّ هذا الكتاب بخطّ عليّ وإملاء رسول الله(2).
وعنه في رواية أُخرى قال: نظرت إلى صحيفة ينظر فيها أبو جعفر
____________
(1) ابن حنبل : 251 ـ 252 ، ومالك : 290 .
(2) الكافي 7: 112 ح1، الوسائل 26: 159 .

===============

( 469 )

فقرأت فيها مكتوباً (ابن أخ وجدّ، المال بينهما سواء) فقلت لاَبي جعفر: إنّ من عندنا لايقضون بهذا القضاة ولا يجعلون لابن الاَخ مع الجدّ شيئاً، فقال أبو جعفر: أما إنّه إملاء رسول الله (ص) وخطّ عليّ، من فيه ليَده(1).
هذان النصّان يعالجان مسألة من مسائل الفقه الاِسلاميّ في الاِرث، الذي كثر فيه الخلاف والجدل.
فمحمّد بن مسلم نقل عن قضاة بلده أنّهم لا يقضون بما يوافق كتاب عليّ، والباقر (عليه السلام) أقرّ كلامه، وقرّر أنّ القضاة في المدينة لا يقضون بما يقضي به أئمّة أهل البيت، لذلك أكّد الباقر على أنّ حكمه مأخوذ من (فيه (ص) ليَده) وأنّ الكتاب (بخطّ عليّ وإملاء رسول الله).
فتأكيد الاِمام عليّ أوثقيّة مصدره ـ وأهمّيّة التدوين عموماً وهذه المدونة بالذات ـ جاء ليخالف النهجين في الاَُصول.
ومن يراجع مصادر فقه الشيعة الاِماميّة يراهم قد أطبقوا على توريث ابن الاَخ وقيامه مقام الاَخ في مقاسمة الجدّ الميراث(2).
وأمّا فقهاء أهل السنّة والجماعة فلم نر منهم من يقضي فيها بهذا القضاء مع علمهم أنّ عليّاً وابن عبّاس كانا يقضيان لابن الاَخ مع الجدّ نصفين سواء.
فقد أخرج الطحاويّ عن طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ، قال: حدّثت أنّ عليّ بن أبي طالب كان ينزل بني الاِخوة مع الجدّ منزلة آبائهم، ولميكن أحد من الصحابة يفعله غيره(3)وأخرج عبد الرزّاق بسنده إلى الشعبيّ مثله(4).
ويبدو أنّ إصرار مدرسة الاجتهاد والرأي على عدم الاَخذ بقول عليّ وابن عبّاس هو كون أمر الجدّ خطيراً جدّاً من وجهة نظر الخلفاء وذلك لاختلاف
____________
(1) الكافي 7: 113 ح5، التهذيب 308 ح1104|25، وسائل الشيعة 26: 16 (طبع مؤسّسة آل البيت).
(2) انظر الخلاف 4: 90.
(3) فتح الباري 12: 17.
(4) مصنّف عبد الرزّاق 10: 269 ح19066.

===============

( 470 )

وتضارب آرائهم فيه، فلذلك عتّموا ومنعوا كلّ ما ينقل مخالفاً لاجتهاداتهم في المسألة، حتّى أنّا نرى عليّاً يتّقي من شيوع حكمه في الجدّ ويأمر ابن عبّاس بإتلاف ما كتبه إليه بهذا الصدد.
فقد روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الشعبيّ، عن ابن عبّاس: أنّ عليّاً كتب إليه أنِ اجعَلْهُ كأحدهم وامحُ كتابي(1)وفي أُخرى (وامح كتابي ولاتخلّده)(2)، وهذا صريح في أنّ عليّاً كان يحاذر من بيان حكمه في المسألة.
ونقل عن عبدالله بن مسعود مثله، إذ روى ابن حزم بطريقه إلى شعبةبن التوأم الضبيّ: في فريضة فيها جدّ، فذكر اختلاف حكمه فيها، قال: فقلنا له في ذلك، فقال ابن مسعود: إنّما نقضي بقضاء أئمّتنا(3).
وكأنّ ابن مسعود يشير إلى عدم تمكّنه من الاِفصاح عمّا سمعه من النبيّ أو ما يراه لما ذكر من اختلاف أقوال عمر فيه مكتفياً بما يقضي به الخلفاء، وهذا الجواب يشبه إلى حدّ كبير جوابه لمن سأله عن صلاته مع النبيّ بمنى ركعتين ثمّ صلاته مع عثمان أربعاً، بقوله: الخلاف شرّ.
فاختلاف أقوال الخليفة عمر في الجدّ، ثمّ تضارب آراء بعض الصحابة فيه، حدا ببعض الفقهاء أن يظنّ ظنّاً مغلوطاً، فقالت طائفة: (ليس للجدّ شيء معلوم مع الاِخوة، إنّما هو على حسب ما يقضي فيه الخليفة)(4).
نعم إنّ النهج الحاكم كان يريد تثبيت رأي الخلفاء الماضين لاغير، والاِصرار على مخالفة نهج عليّ وابن عبّاس، فجاء عن الحجّاج أنّه بعث إلى الشعبيّ يسأله عن مسألة عن الجدّ.
فقال [الشعبيّ]: قال فيها ابن مسعود وعليّ وعثمان وابن عبّاس و...
فقال الحجّاج: فما قال فيها ابن عبّاس وإن كان لمُتقناً... إلى أن قال الحجّاج: مُرِ القاضي يمضيها على ما أمضاها عليه أمير المؤمنين يعني
____________
(1) فتح الباري 12: 17.
(2) فتح الباري 12: 17.
(3) المحلّى 9: 283 وانظر 9: 285 286 فإنّه أوضح من الاَوّل.
(4) المحلّى 9: 283.

===============

( 471 )

عثمان(1).
ومن هذه النصوص اتّضح لك وضوح الرؤية ووحدتها عند عليّ وأهل بيته أخذاً من المدوّنة عن رسول الله (ص) كما اتّضح لك الرؤية الغائمة عند المانعين من التدوين.

2 ـ مسألة في الصيد
روي عن الحلبيّ أنّه قال: قال الصادق: كان أبي يفتي وكان يتّقي ونحن نخاف في صيد البزاة والصقورة، وأمّا الآن فإنّا لا نخاف ولا يحلّ صيدها إلاّ أن تدرك ذكاته، فإنّه في كتاب عليّ أنّ الله عزّ وجلّ قال: (وما عَلَّمْتُمْ من الجوارح مُكَلِّبين)(2)في الكلاب(3).
ومعنى الرواية أنّ الاِمام الباقر كان يفتي خوفاً لكونه يعيش تحت ضغوط الاِرهاب الفكريّ الاَمويّ، لاَنّ الاَمويّين قد عرفوا بولعهم الصيد بالصقورة والبزاة كما هو المشهور عن يزيد وغيره وحينما ارتفع الخوف في ـ أوائل العصر العبّاسيّ ـ أخذ الاِمام الصادق يوضّح حكمها بقوله (أمّا الآن فإنّا لانخاف ولايحلّ صيدها إلاّ أن تدرك ذكاته فإنّه...).
وإذا تصفّحنا هذه المفردة الفقهيّة رأينا الاَدلّة الواردة فيها تقتصر على حلِّيَّة أكل ما صاده الكلب المعلَّم لا غير، وقوفاً عند نصّ الآية المباركة.
فقد ورد عن أبي ثعلبة الخشُنيّ، وعديّ بن حاتم الطائيّ حلّيته خصوصاً ما صاده الكلب المعلّم(4).
وحكي عن أبي عمر ومجاهد أنّه لا يجوز الصيد إلاّ بالكلب، لقوله تعالى: (وما علّمتم...)الآية(5).

____________
(1) المحلّى 9: 289.
(2) المائدة: 4.
(3) الكافي 6: 207، التهذيب 9: 32، الاستبصار 4: 72.
(4) المغني 11: 3 4.
(5) المغني 11: 11.

===============

( 472 )

على أنّ ابن حزم الاَندلسيّ صرّح بأنّ السنّة النبويّة المباركة وردت في خصوص المعلّم من الكلاب ولم تذكر غيره(1).
كما أنّهم صرّحوا بضعف ما نسب إلى ابن عبّاس من قوله في تفسير الآية المباركة: هي الكلاب المعلّمة والبازي وكلّ طائر يُعَلَّم الصيد(2). لاَنّ الرواية وردت عن طريق عليّ بن أبي طلحة، الذي لم يدرك ابن عبّاس، مع أنّ الاَكثرين قد ضعّفوه(3).
وإذا أضفت كلّ هذا إلى ما ورد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في حلّيّة خصوص مصيد الكلب المعلّم وحرمة مصيد غيره من الجوارح، علمت مدى وضوح الحكم، إلاّ أنّ الحكّام وما أرادوه أملى على بعض المسلمين أن يقولوا ما يريدونه، خوفاً ورهبة، حتّى ضاع على من أتى من بعدهم وجه الصواب.
لذلك نرى أنّ أكثر فقهاء العامّة خالفوا هذا الحكم الواضح وأفتوا بحلّيّة مصيد البزاة والصقورة(4)، مع أنّنا لم نعثر لهم على مستند من السنّة النبويّة في هذا، بل السنّة على خلافة، وإنّما أفتوا بذلك بعد أن وسَّعوا موضوع الآية بلاحجّة ولا دليل، لا من كتاب ولا سنّة، لاَنّهما مقتصران على الكلب المعلّم فقط، وقد صرّح ابن حزم بذلك(5)، وهو الظاهر من ابن قدامة أيضاً(6).
بعد هذا تعلم يقيناً أنّ التدوين الذي بدأه عليّ (عليه السلام) كان فيه الخير العميم للمسلمين لو أخذوا به، لكنَّ الظروف والملابسات هي التي جعلت، هذه المفردة تابعة لما أُريد لها لا لما ورد في الكتاب وجاءت به سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

____________
(1) المحلّى 7: 472.
(2) المجموع 9: 93.
(3) المجموع 9: 93.
(4) انظر المغني 11: 3.
(5) المحلّي 7: 472.
(6) المغني 11: 3.

===============

( 473 )

3 ـ حدّ شارب الخمر والنبيذ
روي عن بريد بن معاوية، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنّ في كتاب عليّ «يضرب شارب الخمر ثمانين وشارب النبيذ ثمانين»(1).
وهذا الخبر يتضمّن مطلبين:
الاَوّل : هو تعيين حدّ شارب الخمر وأنّه ثمانون جلدة.
والثاني : هو توسعة موضوع الخمريّة لكلّ مسكر، وما من شأنه الاِسكار كالنبيذو...

أمّا الاَوّل :
فقد ثبت عن أئمّة المذاهب الاَربعة أنّ حدّ السكران ثمانون جلدة، اللّهمّ إلاّ ما ورد عن الشافعيّ في أحد قوليه أنّه أربعون جلدة(2)، ومستند الاَربعين ما ورد عن رسول الله من أنّه ضرب في الخمر بنعلين أربعين مرّة، أو بغيرهما ممّا كان له طرفان(3).
ومستند الثمانين قد انتزع من مشورة عمر الصحابة في حدّ الخمر، فقد صحّ عن عليّ قوله ـ في تلك المشورة ـ: إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدّوه حدّ المفترى، وعن ابن عوف قوله: اجعله كأخفّ الحدود ثمانين(4)، فانتهى رأي الصحابة إلى الثمانين.
والغريب أنّ هناك من ظنّ غير الحقّ، وهو خلو الشريعة من حكم الجلد وأنّ الشارع صلى الله عليه وآله لم يضع حداً كما صرّح به ابن حزم في المحلّى عن البعض(5).
وليس هنا محلّ مناقشة ما نقله ابن حزم وردّه، إلاّ أنّنا نشير إلى أنَّ القول
____________
(1) التهذيب 10: 96، الاستبصار 4: 235.
(2) الفقه على المذاهب الاَربعة 5: 31 ـ 32 وانظر المغني 10: 325.
(3) المغني 10: 325.
(4) المصدر نفسه.
(5) المحلّى 11: 364.

===============

( 474 )

بهذه الدعوى يلزم منه القول بنقصان الشريعة ولغويّة قوله تعالى (تبياناً لكلّ شيء)، وهذا ما لا يقول به أحد من المسلمين.
وأمّا من استدلّ على الاَربعين بفعل النبيّ أنّه صلى الله عليه وآله ضرب بالشيء الذي له طرفان أو بنعلين فهو ـ إن صحّ ـ أقربُ إلى القول بالثمانين، لاَنَّ العرف لايعدّ الضرب بنعلين جلدةً واحدة بل يعتبرها جلدتان، وهذا دليل للثمانين لاالاَربعين.
وقد اشتهر عن عمر أنّه حدّ في الخمر ـ قبل مشورته للصحابة ـ بأربعين وبستّين إلى أن استقرّ رأيه على الثمانين بعد المشورة، وجاء عنه أنّه نفى شارب الخمر وقال بعد ذلك: لا أُغرّب أحداً بعده.(1) فمدرسة التعبّد المحض تقطع بأنّ حكم الثمانين لم يكن رأياً عن عليّ، بل هو ممّا ثبت عن رسول الله، بقرينة ضربه صلى الله عليه وآله في الخمر بنعلين، وبدليل كتاب عليّ عليه السلام الذي هو بخطّ عليّ وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله .
والعجيب من السرخسيّ ادّعاؤه في المبسوط أنَّ الحكم بالثمانين كان استنباطاً من عليّ(2)، ولم يفطن إلى أنّ كلامه كان قد أخذه عن رسول الله وإنّما جاء بذلك التعليل تقريباً للاِفهام وترسيخاً لحكم رسول الله.

الثاني :
هو توسعة موضوع الخمر لكلّ ما من شأنه الاِسكار ـ كثيره، أو قليله، الذي لايسكر ـ وهذا هو الذي أجمعت عليه مدرسة التعبّد المحض.
وأمّا مدرسة الاجتهاد فقد وقعوا في اختلاف شديد في هذه المسألة، فمنهم من وافق، مدرسة التعبّد وذهب إلى حرمة كلّ مسكر على أنّه اسم جامع لكلّ ما من شأنه الاِسكار وإن لم يسكر قليله، كالشافعيّة والمالكيّة وغيرهم، فعن النوويّ أنّه قال في المجموع: ...فذهب الشافعيّة والمالكيّة وغيرهم إلى
____________
(1) المحلّى 11: 365.
(2) المبسوط 24: 32.

===============

( 475 )

حرمة كلّ مسكر سواء كان من عصير أو نبيذ، ولا يجوز تناوله مطلقاً وإن قلّ ولم يسكر إذا كان في ذلك الجنس صلاحيّة الاِسكار(1).
ومنهم من ذهب إلى جواز شرب النبيذ الذي قليله لا يسكر، ومنه اعتبروا أنّ شرب كثيره ليس بحرام، كإبراهيم النخعيّ، وسفيان الثوريّ، وابن أبي ليلى وشريك، وأبو حنيفة، وسائر فقهاء الكوفيّين وأكثر علماء البصريّين(2)كما هو ظاهر كلام القرطبيّ؛ إذ قال: إنّ المحرّم من سائر الاَنبذة هو السكر نفسه لاالعين(3).
قال ابن قدامة: وقالت طائفة، لا يُحدّ إلاّ من يَسْكَر، منهم أبو وائل النخعيّ وكثير من أهل الكوفة وأصحاب الرأي(4).
وبقولهم هذا تراهم قد اشترطوا كون الاِسكار فعليّاً وهو خلاف ما قدمناه عن مدرسة التعبّد المحض والشافعيّة والمالكيّة الذين يعتقدون بحرمة شرب كلّ ما له أهليّة الاِسكار وبما أنَّ النبيذ له هذه الخصوصيّة فهو محرّم عندهم ولايجوز شربه قليلاً أو كثيراً.
وقد استحسن هذا الحكم من الشيعة حتّى أعدائهم لموافقته للفطرة والعقل، فقال موسى جار الله : يعجبني دين الشيعة في تحريم كلّ شراب يسكر كثيره، ما أسكر كثيره فقليله حرام . حتّى أنَّ المضطرّ لا يشرب الخمر ساعة الاضطرار، لاَنّها قاتلة . والشيعة تحرّم الجلوس على مائدة كانت أو تكون فيها الخمر.
واستحسنت كلّ الاستحسان مذهب الشيعة الاِماميّة في مسائل الطلاق وبعض ما تراه الشيعة في أُصول المواريث(5).
وقد اشمئز ابن حزم في محلاّه من القائلين بالرأي الاَوّل وتهجّم عليهم،
____________
(1) المجموع 20: 120.
(2) بداية المجتهد 1: 493.
(3) المصدر نفسه.
(4) المغني 10: 324.
(5)الوشيعة في نقد عقائد الشيعة : 118 ـ 119 و 140 .

===============

( 476 )

ثمّ ذهب إلى ما تقوله مدرسة التعبّد المحض، لقوله: (... فهذه الآثار المتظاهرة والصحاح المتواترة عن أُمّ المؤمنين وأبي موسى وابن عمر وسعد بن أبي وقّاص وجابربن عبد الله والنعمان بن بشير كلّهم عن النبيّ صلى الله عليه وآله بما لايحتمل التأويل ولايقدر معها على حيلة، بل النصّ على تحريم الشراب نفسه إذا أسكر، وتحريم العسل وشراب الشعير وشراب القمح إذا أسكر، وشراب الذرة إذا أسكر، وتحريم القليل من كلّ ما أسكر كثيره، بخلاف ما يقول من خذَله الله تعالى وحرمهُ التوفيق...) إلى أن يقول:
(وجلح(1)بعضهم بعدم الحياء في بعض هذه الآثار، وهو قوله صلى الله عليه وآله : كلّ مسكر حرام... فقال: إنّما عني الكأس الاَخير منها)(2).
ويعني ابن حزم بقوله (بخلاف ما يقول من خذله الله تعالى وحرمة التوفيق) أبا حنيفة وأتباعه لاَنّهم جوّزوا درديّ الخمر(3)على كراهة وقالوا: لايحدّ من شربه إلاّ أن يسكر، فإن سَكَر حُدَّ، على ما نقله هو عنهم في المحلّى(4).
ونحن نعلم من النصّ السابق (إنّما عني الكأس الاَخير منها) جواز شرب قليل المشروبات أو النبيذ لاَنّه لا يسكر فعلاً، دون الكأس الاَخير الذي يتحقّق به الاِسكار، فيجلد لذلك لا للكؤوس الاَُولى منه.
والذي يظهر للمتتبِّع في مفردات تاريخ التشريع الاِسلاميّ أنّ حجّة من ذهب إلى هذا القول هو فعل الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب وقوله فيه برأيه.
فقد ورد عنه: أنّ أعرابيّاً شرب من شرابه، فجلده الحدّ، فقال الاَعرابيّ، إنّما شربت من شرابك، فدعا عمر بشرابه فكسره بالماء ثمّ شربه، ثمّ قال: من رابه من شرابه شيء فليكسره بالماء(5).

____________