بسم الله الرحمن الرحيم ها أنذا اليوم أكملت السنة الخامسة عشرة من عمري، لم أدرك حين أفقت من نومي صبيحته أن يومي هذا سيكون مسكوناً بالدهشة، والمفاجأة، والترقب، والزهو، والإنبهار، ممهوراً بالمتعة، والشغف، والمحبة، ولذة الاكتشاف. يوماً سينقلني من مرحلة سلفت، ويضعني على أعتاب مرحلة أخرى بدأت. استيقظت مبكراً كعادتي كل يوم، وما أن أنهيت واجباتي اليومية المعتادة ـ تلك التي تفصل بين يقظتي وجلوسي إلى مائدة الإفطار الصباحي ـ حتى أبصرت على وجه أبي شيئاً ما مختلفاً عما كنت آلفه منه كل يوم، شيئاً ما جعلني أخمن أن أمراً يخصني بات يراوده ويشغله، ويستأثر باهتمامه. فالعينان المفتوحتان أكثر من المعتاد، كما لو كانتا تحدقان في الفراغ، والشفتان المضمومتان الملمومتان بعض الشيء كما لو كانتا تتهيآن لقول مثير، تهمّان أن تفضيا به ثم تمسكا، والأصابع التي تنقر بانتظام وتتابع نقرات وقورة على مائدة الإفطار تنبئ بأن القلب ممتلئ بعصارة أمر هام، ويوشك لفرط امتلائه أن يفيض. وما أن جلست قبالته على الطرف الثاني من المائدة حتى بادرني وفي عينيه فرح رزين مكتوم قائلاً: اليوم يا بنيّ ودّعت مرحلة سلفت من عمرك، واستقبلت مرحلة جديدة بدأت.. اليوم أصبحت في نظر المشرّع الإسلامي رجلاً تام الأهلية لأن تكلف.. اليوم منّ الله عليك فخاطبك بالتكليف، وتلطف فأمرك ونهاك. وأضاف أبي: كنت حتى البارحة في نظر المشرّع الإسلامي طفلاً لم تبلغ بعدُ مرحلة الرجال، فلم يجدك المشرّع أهلاً لأمره ونهيه فتركك وشأنك.. أما اليوم فقد تغير كل شيء.. أنت اليوم رجل كالرجال، معترف لك بالرجولة والأهلية التامة للخطاب، وحين بلغ بك النضج هذه المرحلة، وأسلمك إليها، منّ الله عليك فخاطبك بأمره ونهيه. ـ عفواً، لم أفهم قصدك كيف يمنّ الله عليّ فيأمرني؟ أيكون الأمر منّة؟! كيف يكون ذلك؟ ـ دعني أوضح لك الأمر بمثال كيف يكون أمره لك منّة عليك.. أنت الآن طالب في المدرسة، تقف مع زملاء لك طلاب، بينكم الذكي، والمواظب، والمجدّ، والملتزم، والواعي، وبينكم غيرهم، تقفون مستعدّين لأمر ما جديد سيفجؤكم، تقفون ويمرّ السيد المدير يستعرضكم، وما أن تلتقي عيناه بعينيك حتى يتريث، ويتطلع إليك برضا أول الأمر، ثم يزفّ إليك ـ مبتسماً ـ بشرى انتقالك لمرحلة طالما حلمت بها، معترفاً لك من خلال ذلك بأهليتك التامة لمرحلتك الجديدة، متوجهاً إليك مميزاً لك من بين زملائك، بأمر ما ينمّ عن اعتراف بأهليتك. ألا تشعر يومئذٍ باعتزازٍ من نوع خاص لأمره، وحب لما أمرك به، مشوب بالاعتداد والثقة بالنفس، لتوجيهه الخطاب إليك من دون غيرك من أقرانك، متبوع بسعي حثيث لتنفيذ ما أمرك به.. كل ذلك والآمر مدير مدرستك، فكيف سيكون شعورك لو كان الآمر هو السيد المدير العام لتربيتك؟! بل كيف سيكون الحال لو كان الآمر هو السيد المفتش العام؟! كيف سيكون شعورك لو كان الآمر... واستمر أبي يرتقي بالآمر المخاطب رتبة رتبة، ومع كل رتبة يرتقيها يتجلى لي أكثر فأكثر شيء ما كان خافياً عليّ من قبل.. كما لو أني أفقت للتوّ من سبات عميق. وما أن وصل أبي إلى أمر الله عز وجل وخطابه إليّ، وتكليفه إياي حتى صُعقت. ـ الله يخاطبني أنا.. .. يأمرني أنا.. أنا. ـ نعم يا بني: الله يخاطبك أنت.. أنت ابن خمس عشرة سنة.. ويكلّفك أنت.. أنت ابن خمس عشرة سنة .. ويأمرك أنت .. وينهاك أنت. ـ أوَأستحقّ أنا كل هذا التكريم .. خالق الخلق كلهم يشرّفني فيكلّفني .. جبار السماوات والأرض يتلطف فيأمرني وينهاني .. ما أحلى يومي هذا، وما أجمل سنتي هذه .. ما أبهى الرجولة. ـ عليك يا بني أن تطيع ما أمرك به خالقك فشرّفك به. ـ بل سأسعى بشغف عاشقٍ إلى تطبيق تكاليفه الحبيبة. ولكن.. ـ ولكن ماذا..؟ ـ ولكن ما هي هذه التكاليف التي كلّفني بها؟ ـ التكاليف الشرعية على خمسة أنحاء ... واجبات، ومحرمات، ومستحبات، ومكروهات، ومباحات. ـ وما هي الواجبات؟ وما هي المحرمات؟ وما هي المستحبات؟.. والمكروهات ؟.. والمباحات؟ ـ كل ما تحتم عليك فعله فهو من الواجبات، كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والخمس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها كثير. وكل ما تحتم عليك تركه فهو من المحرمات، كشرب الخمر، والزنا، والسرقة، والتبذير، والكذب، وغيرها كثير. وكل ما حسن فعله من دون إلزام فهو من المستحبات، كالصدقة على الفقير، والنظافة، وحسن الخلق، وقضاء حاجة المؤمن المحتاج، وصلاة الجماعة، واستعمال الطيب، وغيرها كثير. وكل ما حسن تركه والابتعاد والنأي عنه من دون إلزام فهو من المكروهات، كالبخل، وتأخير زواج الرجل والمرأة، والغلاء في المهر، وسوء الخلق، ورد طلب المؤمن المحتاج إلى القرض مع القدرة عليه، وغيرها كثير. أما ما تركت لك حرية الاختيار فيه، أن تفعله أو تتركه فهو من المباحات، كالأكل والشرب والنوم، والجلوس، والسفر، والسياحة، وغيرها كثير. ـ وأنّى لي أن أميز الواجبات من المستحبات، والمحرمات عن المكروهات. كيف أعرف أن هذا واجب فأفعله وأؤديه وألتزم به، وهذا حرام فأجتنبه وأدعه وأتركه وأنأى عنه؟ كيف أعرف أن...؟ قاطعني أبي مبتسماً، ثم نظر إليّ نظرة رحمة وإشفاق، وهَمّ أن يقول شيئاً إلا أنه أعرض عنه مؤثراً التريث، ثم انكفأ فغاص في تأمل عميق. وساد لوهلة صمت عميق كثيف كالفراغ لم أستطع أن أخمن خلاله ما دار في رأس أبي، غير أني كنت أرقب سحابة داكنة معتمة تمرّ متأنية على جبهته ثم تنشطر لتغطي بقية قسمات وجهه وصولاً إلى شفتيه اللتين انفرجتا عن صوت ضعيف، فيه من الرقة والعطف الشيء الكثير. ـ ستميز الواجبات من المحرمات، والمستحبات من المكروهات إذا استعرضت كتب علم (الفقه الإسلامي). وستجد أن لبعضها أركاناً وأجزاء وشرائط، ولبعضها حركات خاصة يجب أن تؤدى بها، ولبعضها خصوصيات لا يمكن أن تحيد عنها، ولبعضها... ولبعضها... راجع كتب الفقه الإسلامي وستجد فيها ضالتك.. ثم ستكتشف بعد ذلك أنه علم واسع، غزير، كتب فيه مئات المجلدات، وأشبع العلماء مسائله وطروحاته بحثاً، وتمحيصاً، بعمق قلّ نظيره في علوم إنسانية أخرى. ـ وهل يجب عليّ أن ألمّ بكل هذه الكتب لأعرف ما يجب عليّ أن أفعله؟ ـ بل يكفيك أن تراجع أخصرها وأيسرها على الفهم، وستجد أنها قُسّمت إلى قسمين: قسم خاص بالعبادات، وقسم خاص بالمعاملات. ـ وما العبادات؟ وما المعاملات؟ ـ تمهل قليلاً، وراجع كتب الفقه الإسلامي، وستعرف تدريجياً ما أنت الآن بصدد معرفته. درجت أعدو إلى المكتبة، علّني أعثر على كتب الفقه الإسلامي هذه.. أعدو، ويعدو معي شوقي وحاجتي. وما أن وقعت عيناي عليها حتى أسرتني فرحة غامرة هزت كياني كله هزاً عنيفاً، أو هكذا خيّل إليّ. ـ ها هي ذي كتب الفقه الإسلامي، لقد وصلت أخيراً إلى غايتي .. سأقرأها، وسأجد فيها إجابات شافية عن أسئلتي .. وسأستريح. وعدت إلى غرفتي لهفان مسرعاً، مزهواً بما أنجزت، فتحت الباب على عجل، ودخلت الغرفة على عجل، وفتحت كتابي على عجل. وما أن بدأت أقرأ حتى ارتسمت على ملامحي خطوط من غرابة متوحشة أول الأمر، سرعان ما تحولت إلى دهشة مكتومة، ثم استقرت متخذة شكل وجع حارق متوهج مؤلم. لقد وجدت نفسي أقرأ كثيراً، ولا أفهم شيئاً ذا بال مما قرأت. تُرى: كيف لي أن أعالج حيرتي، وحيرتي من نوع خاص غير مألوف. وكابرت. قلت فلأواصل القراءة، ومحاولة الفهم، وإعادة القراءة، وإعادة محاولة الفهم، علّني أستفيد. ومر الوقت ثقيلاً، بطيئاً، متأنياً، كان صدري يرزح خلاله تحت ثقل ضاغط، جاثم. لا ينفك يطاردني ويضيق خناقه علي، وبين يدي الكتاب وإذ أتلو، ثم أتلو، ثم أعيد تلاوة ما تلوت، ولا أفهم شيئاً. وبدأت سحب الخيبة تتجمع حولي شيئاً فشيئاً، ثم راحت تتحول تدريجياً إلى ما يشبه سحابة من حزن شفيف تطلع بين عيني. لقد قرأت كثيراً، وعليّ أن أعترف أنني لم أفهم شيئاً ذا بال مما قرأت. لقد وجدت نفسي أمام كلمات لم تطرق سمعي من قبل .. فلم أعرف ماذا تعني كلمات (النصاب، والبينة، والمؤنة، والأرش، والمسافة «الملفقة»، والحول، والدرهم «البغلّي»، والآبق، والذمي). كما أخذت تتقافز أمام عيني مفردات وتركيبات يبدو أنها مصطلحات خاصة بعلم لم يسبق لي دراسته. فلم أدر ما المقصود بـ «العلم الإجمالي، والشبهة المحصورة، والحكم التكليفي، والحكم الوضعي، والشبهة الموضوعية، والأحوط لزوماً، والتجزي في الاجتهاد، والصدق العرفي، والمناط، والمشقة النوعية». وقرأت بعد ذلك جملاً مسبوكة سبكاً خاصاً، لم أعتده من قبل، وجملاً عالجت قضايا لا وجود لها في حياتي المعيشة اليوم، لا أدري لماذا ذكرت، وجملاً فيها من التشقيق والتفريع والعمق والتشطير الدقيق وأحياناً الغريب للاحتمالات، تركتني في حيرة من أمرها. فلم أفهم ماذا تعني ـ مثلاً ـ جملة: «إذا علم البلوغ والتعلق ولم يعلم السابق منهما لم تجب الزكاة، سواء أعلم تاريخ التعلق وجهل تاريخ البلوغ، أم علم تاريخ البلوغ وجهل تاريخ التعلق، أو جهل التاريخين. وكذا الحكم في المجنون إذا كان جنونه سابقاً وطرأ العقل، أما إذا كان عقله سابقاً وطرأ الجنون، فإن علم تاريخ التعلق وجبت الزكاة دون بقية الصور». ولا جملة: «الظن بالركعات كاليقين، أما الظن بالأفعال فكونه كذلك على إشكال، فالأحوط فيما إذا ظن بفعل الجزء في المحل أن يمضي ويعيد الصلاة، وفيما إذا ظن بعدم الفعل بعد تجاوز المحل أن يرجع يتداركه ويعيد أيضاً». ولا جملة: «الأقوى أن التيمم رافع للحدث رفعاً ناقصاً لا يجزي مع الاختيار، لكن لا تجب فيه نية الرفع ولا نية الإستباحة للصلاة مثلاً». ولم أعِ المقصود بـ «إذا توضأ في حال ضيق الوقت عن الوضوء، فإن قصد أمر الصلاة الأدائي بطل، وإن قصد أمر غاية أخرى ولو الكون على الطهارة صح». ولا بجملة: «يكفي في استمرار القصد بقاء قصد نوع السفر، وإن عُدّ من الشخص الخاص». ولا بجملة: «فلو أحدث بالأصغر أثناء الغسل أتمّه وتوضأ، ولكن لا يترك الاستئناف بقصد ما عليه من التمام أوالإتمام، ويتوضأ» ولا بجملة: «مناط الجهر والإخفات الصدق العرفي، والمشقة النوعية». وغيرها كثير مما وقعت عيناي عليه، ولم أدرك كنهه. ودارت الدنيا في عيني.. ثم دارت دورة ثانية. تُرى: كيف يتسنى لي أن أعرف حلال الله فأواقعه، وحرام الله فأجتنبه؟ ورفعت رأسي إلى السماء ـ وفي عيني نثيث من عصارة دمع محترق ـ وتمتمت... إلهي أعلم انك كلفتني، ولكني لا أعلم بماذا كلفتني. إلهي أنّى لي أن أعرف ما طلبت مني، لأُنجز ما طلبت مني. اللهم أعنّي على فهم ما أقرأ. اللهم أعن كتب الفقه على الإفصاح عما تريد قوله، لأحقق ما تريد قوله. وانتظرت أبي على المائدة الليلية مساء اليوم... وحين حلّ المساء، بدت عيوني متعبة، قلقة، منكسرة الأجفان أول الأمر، ثم ما لبثت أن أخذت تومض ببريق كالفضة، امتزج فيه الأسى بالإصرار على التحدي. وما أن انتظمت بنا المائدة، وحضر أبي حتى أخذ قلبي يدق، وتوردت وجنتاي، وارتفعت درجة حرارة أذني كأن حمى مفاجئة أشعلتهما، وداهمني شعور بالحرج، والخجل، والحيرة، والارتباك، والتردد، وأنا أعيد في ذاكرتي واُردد كلمات وجملاً توحي بالعجز عن استيعاب مادة مقروءة. واستنجدت بشجاعتي وبعزمي على الاعتراف بالنقص، وقلت لأبي: ـ لقد راجعت كتب الفقه فاستعصت عليّ، وأبت أن تفتح لي قلبها... وما كدت أنهي حرفي الأخير من كلمتي الأخيرة، حتى شردت عينا أبي، وغارتا كما يبدو في مستنقع من الماضي عميق، ثم عادتا بعد برهة كمن يعود من سفر شاق ممضّ طويل، ودارتا حول عيني كأنهما تريدان أن تقولا شيئاً، غير أن شفتيه انفرجتا عن صوت خافت مشوب بحزن عميق: لقد مررت بتجربة شبيهة بتجربتك، عندما كنت في حدود سنك. لقد قرأت كتب الفقه فلم أفهم منها شيئاً ذا بال، مثلك تماماً.. غير أني لم أمتلك شجاعتك فأعترف بعجزي عن فهمها. لقد حالت تربيتي المحافظة، وحجز حيائي الشديد، بيني وبين سؤال أبي عن بعض خصوصيات مرحلة المراهقة، ثم الرجولة، فلم أكن أدرك أن البلوغ قد يتحقق بغير العمر الزمني المحدد له، إلى أن.. وقاطعت أبي: ـ وهل يتحقق البلوغ بغير ذلك؟ ـ نعم، يتحقق البلوغ في الذكر إذا توفرت إحدى علامات ثلاث: أولها: أن ينهي خمس عشرة سنة قمرية من عمره، وهو الحساب المعتمد في التاريخ الهجري. ثانيها: أن يخرج السائل المنوي منه، سواء أخرج باتصال جنسي، أم باحتلام ليلي، أم بغيرهما. ثالثها: أن ينبت الشعر الخشن على الوجه أو على العانة. أقول الشعر الخشن المشابه لشعر الرأس، لأستثني بذلك الشعر الناعم الذي يغطي ـ عادة ـ أكثر مناطق الجسم كاليدين مثلاً. ـ وما العانة؟ ـ العانة منطقة تقع أسفل البطن فوق نقطة اتصال العضو التناسلي بجدار البطن مباشرة. ـ هذه علامات البلوغ للذكر، أما الأنثى؟ ـ يتحقق البلوغ في الأنثى إذا أنهت تسع سنين هجرية قمرية من عمرها. ـ أما وقد أفصحت لك اليوم عن قصوري، وتلكؤي، وعجزي عن استيعاب كتب الفقه، فاسمح لي أن أقترح عليك ـ تحت ضغط الحاجة ـ أن تعقد لي جلسات تتناول فيها بالشرح والتبسيط كل ما عسر عليّ فهمه، مما يتوجب عليّ فهمه والإحاطة به واستبيانه، لتطبيق حكمي الشرعي، صحيحاً كما شرعه الله سبحانه وتعالى لي، وأمرني به. ـ كما تحب. ـ ويا حبذا لو كانت جلساتنا تنهج نهج الحوار والمساءلة. ـ كما تحب كذلك. ـ ولكن، بماذا سنبدأ حواريتنا الأولى؟ ـ سنبدأها (بالتقليد) فهو الأساس الذي سيحدد لنا تقاطيع وملامح ما سنطبقه من فقهنا. ـ اتفقنا. قال أبي ـ وهو يبدأ حوارية التقليد ـ : دعني أشرح لك أولاً معنى التقليد. التقليد: أن ترجع إلى عالم مجتهد لتطبيق فتواه، فتفعل ما انتهى رأيه إلى فعله، وتترك ما انتهى رأيه إلى تركه، من دون إعادة نظر وتمحيص، فكأنك وضعت عملك في رقبته (كالقلادة) محملاً إياه مسؤولية عملك أمام الله. ـ ولماذا نقلّد ..؟ ـ عرفت في ما مضى أن الشارع المقدس قد أمرك، ونهاك.. أمرك بواجبات يتحتم عليك أن تؤديها، ونهاك عن محرمات يتحتم عليك أن تمتنع عنها، ولكن بماذا أمرك وعن ماذا نهاك. بعض ما أمرك به تستطيع ـ ربما ـ من خلال ما ربّتك عليه بيئتك الملتزمة أن تشخصه، وبعض ما نهاك عنه تستطيع ـ ربما ـ من خلال تنشئتك المحافظة أن تميزه. والكثير الكثير ما بين هذه وتلك من الواجبات والمحرمات، ستبقى مجهولة لك غائبة أو غائمة. أضاف أبي: ـ أنت تعرف أن الشريعة الإسلامية قد ألمّت بجميع جوانب حياتك المختلفة، فوضعت لكل واقعة منها حكماً. فكيف ستعرف حكمك الشرعي وأنت تمارس نشاطاتك الحياتية المختلفة. كيف ستعرف أن هذا الفعل يحله الشارع المقدس فتباشره، وأن هذا العمل يحرمه الشارع المقدس فتنأى عنه وتجانبه. تُرى هل يمكنك أن ترجع في كل صغيرة وكبيرة إلى الأدلة الشرعية لتستخرج منها حكمك الشرعي؟ ـ ولم لا؟ ـ لقد بعدت الشقة يا بني بين عصرك وعصر التشريع، وقد أضفى هذا البعد مع ضياع كثير من النصوص الشرعية، وتغير لغة وأساليب وأنماط التعبير، مع وجود الوضّاعين الذين اختلقوا أحاديث كثيرة وسرّبوها مع أحاديثنا الصحيحة صعوبات ومعوقات عسرت عملية استخراج الحكم الشرعي. ثم أضافت مشكلة وثاقة ناقلي الروايات لذلك عقدة أخرى في طريق الساعين لذلك. ثم لنفترض أنك استطعت أن تتحقق بشكل ما من وثاقة رواة النص، وصدقهم، ودقتهم في ما ينقلون، وضبطهم؛ وأنك استطعت أن تختزل الزمن لتضبط نبض إيقاع المفردات في دلالتها على معانيها، فهل ستستطيع أن تهضم علماً عميقاً، واسعاً، متشعباً يحتاج إلى مقدمات طويلة، وسبر أغوار عميقة؟! لتحصل منه بعد ذلك أو لا تحصل على ما أنت بصدد معرفته، والبحث عنه واستبيانه. ـ وكيف العمل إذاً؟ ـ ترجع إلى المتخصصين في هذا العلم، فتأخذ أحكامك منهم.. (تقلدهم). ليس هذا في مجال علم الفقه فقط، بل في كل علم. لقد أنتجت الحضارة الحديثة مبدأ التخصص في العلوم، فقد غدا لكل علم رجاله ومتخصصوه يُرجع إليهم كلما طرأت حاجة ما لشأن من شؤون ذلك العلم. واستطرد أبي قائلاً: لنأخذ مثلاً لذلك من علم الطب.. فلو مرضت ـ عافاك الله ـ فماذا ستفعل؟ ـ أراجع الطبيب، وأعرض عليه حالتي المرضية ليشخّص وليصف لي الدواء المناسب. ـ ولماذا لا تشخّص أنت بنفسك مرضك وتصف الدواء؟ ـ لست طبيباً. ـ كذلك الحال في علم الفقه أنت محتاج إلى مراجعة الفقيه المتخصص لمعرفة أمر الله ونهيه، أو لعرض مشكلتك الشرعية عليه، كاحتياجك إلى مراجعة الطبيب المختص، لمعرفة أمر طبي ما، أو لعرض حالتك المرضية. فكما أنك محتاج إلى (تقليد) الطبيب في مجال اختصاصه، أنت محتاج إلى (تقليد) الفقيه المجتهد في مجال اختصاصه. وكما أنك ستبحث عن طبيب فاضل، عالم في مجال اختصاصه ولا سيما إذا كان مرضك خطيراً؛ فأنت ملزم بالبحث عن مجتهد عالم في مجال اختصاصه (لتقلّده) وتأخذ منه حكمك الشرعي، كلما استدعتك الظروف المعيشة لاستيضاح حكم شرعي ما فيها. ـ وكيف أعرف أن هذا الرجل مجتهد؟ أو أنه أعلم المجتهدين وأفضلهم؟ قال أبي مجيباً: دعني أسألك.. كيف تعرف أن هذا الطبيب فاضل أو أنه أفضل الأطباء في مجال اختصاصه، لتراجعه، وتسلمه جسدك يفعل به ما يراه مناسباً لعلاجه. قلت: أعرف ذلك من سؤال المهتمين بشؤون الطب، العارفين به، ممن لهم علم، ومعرفة، ودراية، و(خبرة)، وتجربة فيه؛ أو أعرفه لشهرته بين الناس و(شيوع) وانتشار، وذيوع اسمه في هذا الحقل العلمي. ـ بالضبط.. وكذلك تعرف المجتهد، أو المجتهد الأعلم. تسأل رجلاً ملتزماً ثقة صالحاً لأداء مثل هذه الأمانة.. تتوفر فيه المعرفة بآراء العلماء و (الخبرة) على تمييز المستوى العلمي للأشخاص في مجال الاختصاص. أو أن (يشيع) ويشتهر ويذيع بين الناس: اجتهاد شخص، أو أعلميته في الاجتهاد، بحيث تجعلك تلك الشهرة الواسعة وذلك الذيوع والانتشار، و(الشيوع) متأكداً من اجتهاده، أو أعلميته في الاجتهاد. ـ وهل هناك شروط أخرى في من يجب علينا تقليده، بعد أن نصل إلى سن البلوغ عدا شرط الاجتهاد؟ ـ أن يكون مقلدك: [رجلاً، طاهر المولد]، عاقلاً، مؤمناً، على درجة عالية من التقوى والعدالة يتحصّن بها عن الوقوع في أية معصية، ولو وقعت منه نادراً لأسرع إلى التوبة والإنابة إلى الله. ـ ها أنذا قد بلغت مبلغ الرجال، وقد عرفت منك شيئاً عن التقليد، فماذا يجب علي أن أفعل الآن؟ ـ تقلّد أعلم المجتهدين، وتلتزم بما يفتي به في عباداتك المختلفة.. في أحكام وضوئك ـ مثلاً ـ وغسلك، وتيممك، وصلاتك، وصومك، وحجّك، وخمسك، وزكاتك، وغيرها، كما تقلدّه في معاملاتك .. في أحكام بيعك ـ مثلاً ـ وشرائك، وحوالتك، وزواجك، وزراعتك، وإجارتك، ورهنك، ووصيتك، وهبتك، ووقفك... ورحت اُعدد مع أبي: وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وإيمانك بالله، وأنبيائه ورسله و.. ـ لا .. الإيمان بالله وتوحيده، ونبوة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، وإمامة الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام)، والمعاد.. هذه أمور لا يجوز التقليد فيها، فهي من أصول الدين، ولا يجوز التقليد في أصول الدين. بل يجب أن يعتقد كل مسلم بها اعتقاداً جازماً لا شك فيه، ولا شبهة ولا ضبابية ولا التواء واصلاً إلى إيمان قاطع بالله، باحثاً عنه بجهودك، مسخراً ما منحه الله من طاقات فكرية فيه منتهياً من خلال ذلك كله إلى قناعة تامة راسخة لا تتزعزع به. ـ طيب ألا يحق لي أن أقلد مجتهداً مع وجود مجتهد أعلم منه في مجال اختصاصه؟ ـ لا يمكنك ذلك [إذا توقعت وجود الاختلاف بين فتاوى مقلدك وفتاوى المجتهد الأعلم في مسائلك التي تحتاجها لتعمل بها]. ـ أستطيع حين أراجع الطبيب أن أعرف رأيه في حالتي الصحية لو استدعت صحتي مراجعته، فكيف أستطيع أن أعرف فتوى مقلَّدي في مسائلي الشرعية؟ كيف أصل إلى فتاواه لأطبّقها؟ هل أراجعه في كل مسألة؟ ـ تستطيع معرفة فتاواه .. بسؤاله مباشرة عنها، أو بسؤال من تثق بنقله ومعرفته وأمانته في نقل تلك الفتاوى، أو مراجعة كتبه الفقهية كرسالته العملية الممضاة من قبله. ـ أو بسؤالك أنت. ابتسم أبي بوقار رزين، واعتدل في جلسته بينما راحت عيناه تومئ بوميض موعد جلسة قادمة. قلت: نبدأ بالصلاة. قال: نبدأ بالصلاة، وأضاف.. غير أن الصلاة تتطلب طهارة الإنسان من كل ما يدنس طهارته. ـ وما الذي يدنس طهارة الإنسان؟ ـ تدنس طهارة الإنسان: أمور مادية تقع في نطاق عمل الحواس كالنجاسات. وأمور معنوية غير مدركة بالحواس لو (حدثت) بأحد أسبابها من جنابةٍ أو حيضٍ أو استحاضةٍ أو نفاسٍ أو مس ميت أو موت أو خروج بول أو غائط أو ريح أو نوم، للزم إزالتها بالوضوء أو الغسل أو التيمم. وتستدعينا هيكلية البحث وصولاً إلى الصلاة أن نبدأ حوارنا (بالنجاسات). فنتعرف عليها أولاً، ثم نتعرف بعد ذلك على (مطهراتها)، لنضمن طهارة الجسد من كل ما يسلب طهارته، ويخدش نقاءه. ثم ننثني فنتحاور بما لو (حدث) لوجب (غسله بالوضوء) أو (مسحه بالتيمم) سواء أحدث من بول أم غائط أم ريح أم نوم أم استحاضة قليلة أم غيرها. ونستأنف، فنتجاذب أطراف الحديث بما لو (حدث) لوجب (غسله بالغسل) أو (مسحه بالتيمم) سواء أحدث من جنابة أم حيض أم استحاضة أم نفاس أم مس ميت أم موت، رافعين من طريقنا كل ما يعترض أو يعيق حرمة التقرب لله عز وجل بالصلاة، فائزين بعد ذلك بلذة الوقوف بين يديه مكبّرين مهلّلين حامدين موحدين منعّمين بولع ذكره ودعائه، راجين أن يجعلنا ممن ترسخت أشجار الشوق إليه في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبته بمجامع قلوبهم، متناولين بعد الصلاة ما يتطلب ـ مثلها ـ الطهارة كالصوم والحج، معرّجين بعد ذلك على الخمس والزكاة والبيع والشركة و..وغيرها. ـ إذاً سنبدأ بالنجاسات أولاً. ـ نعم، سنبدأ بها أولاً يوم غد إن شاء الله. ـ إن شاء الله. |